شرح زاد المستقنع للشنقيطي
محمد المختار الشنقيطي
المقدمة [1]
شرح زاد المستقنع - المقدمة [1] العلم فضله عظيم، وما رفع الله العلماء إلا لفضل هذا العلم، وهذا العلم هو ميراث الأنبياء عليهم السلام، فما شرح الله صدر عبد يطلب العلم إلا أراد به خيراً، وأهل العلم هم أهل خشية الله سبحانه وتعالى؛ وكما قيل: أصل العلم خشية الله، والعلم له حقوق ينبغي القيام بها عند طلب العلم، فأول هذه الحقوق وأعظمها هو الإخلاص لله في طلب العلم، وكذلك النصيحة والمجاهدة وغيرها من الحقوق التي ينبغي القيام بها عند طلب العلم.
نعمة العلم وفضله
نعمة العلم وفضله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، من أراد به خيراً فقهه في الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله المصطفى الأمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، أما بعد: فالحمد لله الذي أكرمنا بأن تغبرت الخطا في طاعته ومحبته ومرضاته، وهنيئاً لطلاب العلم يوم خرجوا من البيوت إلى حَلْقة من حلق العلم، وروضة من رياض الجنة، أسأل الله العظيم أن يكتب لنا ولهم أجر الخطا، وأن يوجب لنا ولهم بها من لدنه الحب والرضا. أيها الأحبة في الله: إن الله تعالى إذا أراد بالعبد خيراً شرح صدره للعلم، وشرح صدره لكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك الصدر والقلب بمثابة الحِواء والوعاء لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. إنها نعمة العلم التي شرح الله بها صدور العلماء، فرفع لهم بها القدر، وأعظم لهم البهاء، فعظم بها عند الله قدرهم، وانشرحت لها قلوبهم، وعظم في الدين بلاؤهم. إن العلم نعمة من نعم الله عز وجل، جعلها الله تبارك وتعالى من مواريث النبوة، يوم يصبح الإنسان إماماً من أئمة المسلمين، يؤتمن على أحكام الشريعة والدين، يوم تتلهف القلوب وتشتاق الأسماع إلى معرفة حكم الله من حلال وحرام، وما يكون من الشريعة والأحكام، فيبينها ذلك اللسان الصادق، والعبد الموفق المحقق، فما أجلها من نعمة وما أعظمها من منّة، نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهلها. ولذلك أجمع العلماء على أنه لا ينشرح صدر عبد للعلم إلا أراد الله به خيراً، وقد شهد الله تعالى لأهل هذه النعمة العظيمة أنهم أهل الدرجات، وقرن درجاتهم بدرجات أهل الإيمان، الذي هو أعز شيء وأسمى شيء وأكمل شيء، وشهد الله تبارك وتعالى أن أهل العلم هم أهل خشيته، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشية الله.
حقوق العلم على أهله
حقوق العلم على أهله إذا كانت نعمة العلم عظيمة، ومنة الله بها على العبد جليلة كريمة، فإنه ينبغي لكل طالب علم أن يقف قبل العلم وقفات يتدبر فيها ويتأمل كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في حقوق هذا العلم، فقد أخبر الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن للعلم حقوقاً، ومن هذه الحقوق: أولاً: الإخلاص: فمن أعظم هذه الحقوق وأجلها: حق الإخلاص الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من فاته فقد فاته حق العلم كله، بل أخبر أن علمه حينها وبالٌ عليه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله، لينال به عرضاً من الدنيا لم يرح رائحة الجنة)، وقال صلى الله عليه وسلم: (من تعلم العلم ليماري به السفهاء، وليجادل به العلماء، فليتبوأ مقعده من النار). وأخبر صلوات الله وسلامه عليه أن أول خلق الله الذين تسعر بهم نار جهنم من أراد بعلمه غير وجه الله جل جلاله، ذلك القلب المفتون الذي اتجه إلى هذه الدنيا الفانية، فآثرها على الآخرة الباقية، فأصبح حظه من العلم أن ينال السمعة والرياء، فيقف بين يدي الله جل وعلا ليقول له: (عبدي! ألم تكن جاهلاً فعلمتك؟ قال: بلى، ألم تكن وضيعاً فرفعتك؟ قال: بلى، قال: فما عملت لي؟ قال: تعلمت فيك، وعلّمت من أجلك، فقال الله له: كذبت، وقالت الملائكة له: كذبت)، نعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم أن يجعلنا ذلك الرجل. فما أعظمها من ساعة رهيبة لو وقف العبد أمام الأولين والآخرين، فقال الله على رءوسهم: كذبت، نعوذ بالله من ذلك المقام. وما أشرف ذلك المقام لمن أخلص لوجه الله، فوقف في ذلك الموقف العظيم فقال: (تعلمت لوجهك، وعلمت من أجلك، فقال الله له: صدقت، وقالت الملائكة له: صدقت). فحق العلم الأول: أن يخرج الطالب من بيته وليس في قلبه إلا الله، وأن يخرج إلى حلق العلم وهو يرجو ما عند الله، فإنك إن أردت وجه الله بارك الله لك في العلم، وحفظك الله بهذا العلم، ولا زال العلم يأخذ بيدك حتى يقودك إلى الجنة. العلم الخالص لوجه الله قربة، والعلم الخالص لوجه الله يوجب من الله الرضا والمحبة. فيا أيها الأحبة في الله: على طالب العلم ألا يخرج إلى حلق العلم إلا وهو يريد وجه الله والدار الآخرة، ليشتري رحمة الله بخطواته، ويشتري رحمة الله بمجالسه وإنصاته وكتابته، فتكتب في دواوينه تلك الحسنات، فرجله تمشي في طاعة الله، ويده تكتب في مرضاة الله، وعينه ترى كتب العلم في مرضاة الله، وسمعه يسمع ما أمر الله تعالى به وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم في طاعة الله، وذهنه وقاد مشتغل بتلك الآيات الكريمات، وتلك الأحكام الجليلة العظيمة، وكل ذلك في طاعة الله ومرضاته، إذا أخلص لوجه الله جل جلاله. فلا نخرج لطلب العلم إلا ونحن نريد ما عند الله عز وجل، ولذلك قال بعض العلماء: من تعلم العلم لغير الله مكر الله به، فينبغي لطالب العلم أن ينزه قلبه من حظوظ الدنيا؛ فإن من طلب العلم للسمعة سمّع الله به، ومن طلبه للرياء راءى الله به، فعلى العبد أن يتقي ربه، وليحرص كل الحرص على الإخلاص، وهذا الحق كان العلماء كثيراً ما يذكرون به. وقال بعض مشايخنا رحمة الله عليه: الإخلاص يُحتاج أن يذكر به طلاب العلم في كل مجلس من مجالس العلم، ولو أن كل مجلس من مجالس العلم استفتحه العالم بالكلام على الإخلاص لكان ذلك خليقاً به وليس بكثير. فالإخلاص هو الفرق بين العبد المطيع الذي أراد وجه الله عز وجل والدار الآخرة، ومن أراد ما عند عباد الله من حظ السمعة والرياء. ثانياً: التضحية والمجاهدة: والوقفة الثانية أيها الأحبة في الله تعالى: أن هذا العلم يحتاج إلى تضحية وجهاد، ولا ينال إلا بالتعب والنصب، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يهيئ من نفسه الهمة الصادقة في طلب العلم؛ فإن في العلم سآمة ومللاً، وتضحية بالأوقات والأعمار، وتضحية بالمال والنفس، وبالجَهد والجُهد. فإذا أخلص طالب العلم لله عز وجل، فليتبع إخلاصه بالصبر والتحمل، حتى يبلغ من هذا العلم أعلى المراتب، وكلما ضحى الإنسان نال أعالي الدرجات عند الله عز وجل، وانظر في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم، وكيف أن الله فاضل بين علمائهم، فجعل لبعضهم من الدرجات ما لم يجعل لبعض، وصدق الله إذ يقول: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف:76]. فينبغي على الإنسان أن يجتهد وأن يجد في تحصيل هذا العلم، حتى قال بعض العلماء: (أعط العلم كلك يعطك بعضه) فكيف إذا أعطى الإنسان العلم بعضه؟! فينبغي على الإنسان أن يجتهد في تحصيل هذا العلم، وأن يجد، وتكتحل عيناه بالسهر، وأن يضنى جسمه من التعب والنصب، لعلمه أن الله يسمعه ويراه، ولعلمه أن كل تعب ونصب يبذله فإن الله يحب ذلك التعب والنصب. وإن أفضل ما أنفقت فيه الأعمار، وأفضل ما قضي فيه الليل والنهار طاعة الله جل وعلا بالعلم. فهذا العلم الذي تقاد به الأمم، والذي تتبدد به دياجير الظلم، وتنشرح به الصدور، وتخرج به الأمة من الظلمات إلى النور، يحتاج صاحبه أن يجد ويجتهد، وكلما قرأت في سيرة السلف الصالح رحمة الله عليهم من العلماء العاملين الربانيين وجدت الهمة العالية والتعب والنصب من أبرز ما يكون في تراجمهم. يتغرب أحدهم من أجل العلم، فتهون عليه الأموال والأولاد والأوطان، كل ذلك لكي يسمع حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سمعه رفع الله درجته وأعلى مقامه، وكل آية تسمعها وتتعلم حكمها وتفهمه وتعمل به، فإن الله يرفعك بها درجات، وكل حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعلمته وعملت به وعلّمته يرفعك الله به درجات، فاستقل من ذلك الخير أو استكثر. ثالثاً: الأخوة والرفقة: والوقفة الثالثة التي ينبغي أن يتواصى بها طلاب العلم: المحبة، والتعاون، والتكاتف، والتعاطف لبلوغ هذه الغاية الكريمة؛ إذ يحتاج الطالب دائماً إلى الأخ الصادق الذي يشد من أزره في طاعة الله جل وعلا، ويحتاج إلى من يذاكره العلم، ومن يعينه على تفهم المسائل والأحكام واستذكارها واستحضارها. فينبغي على طالب العلم أن ينظر في إخوانه وخلانه، فمن وجده صادق العزيمة، تلوح من أعماله وأقواله أمارات الإخلاص فليقربه إليه، وليحبه في الله ولله، وليجتهد معه في بلوغ هذه الغاية الموجبة لرضى الله جل وعلا. ولذلك قال الله عن نبيه موسى صلوات الله وسلامه عليه: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا} [طه:29 - 34]. فما أجلها من نعمة حين يقيض الله لك عبداً صالحاً، فإذا كنت على طاعة ثبتك، وإذا كنت على غيرها دعاك للإقلاع عنها. فينبغي علينا أن نحرص على طلب الإخوة في طلب العلم، وكثير من طلاب العلم يضيعون هذا الأمر العظيم الذي يكمل به طالب العلم نقصه، فطالب العلم لا يستطيع أن يعيش وحده، ولا يمكن أن يحصل هذا العلم على أتم الوجوه وأكملها إلا بأخ صادق يعينه على استحضار المسائل، وكذلك على حل المشاكل، ومعرفة ما كان في حلق العلم، ويحاول الإنسان أن يتناقش معه مناقشة تدل على المودة والمحبة، ولذلك قالوا في العلم: واعلم بأن العلم بالمذاكرة والدرس والفكرة والمناظرة فيحتاج العلم إلى مذاكرته مع الأخ الصادق. رابعاً: محبة العلماء: والوصية الأخيرة في حقوق العلم التي أحب أن أوصي بها: أنه ينبغي على طالب العلم أن يكون حريصاً على محبة العلماء، فإن من مفاتيح العلم محبة العلماء، ومن فقد محبة العلماء والقرب منهم، فإنه قد حرم خيراً كثيراً من العلم، فحبهم قربة، والدنو منهم قربة، وكذلك اعتقاد فضلهم ونشر علمهم وفتاويهم قربة من الله جل وعلا، وكان السلف يوصون طالب العلم بالحرص على القرب من الشيخ وحفظ علمه، ونشر فتاواه، والدعاء له بظهر الغيب. فينبغي على طالب العلم أن يحرص على هذه المرتبة التي تقربه من الله جل وعلا. فحب العلماء الغالب فيه أن يكون خالصاً لوجه الله عز وجل، فمن أحبهم أحبهم لدين الله الذي في صدورهم، فقد جعلهم الله عز وجل أمناء على وحيه، هداة مهتدين إلى طاعته وسبيله ومرضاته، فحبهم طاعة وقربة، والجفوة التي بين طلاب العلم وبين العلماء لا تليق، ولذلك كانوا يثنون على كثيرٍ من السلف بحبهم للعلماء، وقل أن تجد عالماً نفع الله بعلمه إلا وجدته آية في حب عالمه، والقرب منه والاستفادة منه، وكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم في ذلك الحظ الأوفر والمقام الأكبر رضوان الله عليهم، فقد كانوا أقرب الناس للنبي صلى الله عليه وسلم. فقد قال سهيل حينما وصف النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (والله ما كلمهم إلا أطرقت رءوسهم حتى يقضي حديثه، ولا تنخم نخامة إلا سقطت في كف أحدهم فدلك بها وجهه)، وهذا من خصوصياته عليه الصلاة والسلام؛ ولا يليق بغيره كائناً من كان، فكان الصحابة أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلام قريب من هذا الكلام: (إذا رأيت العالم بالسنة العامل بها، فإن النظر إليه عبادة وقربة)، فالعلماء حبهم والقرب منهم طاعة، وهم الأدلاء على الخير الأمناء على الطاعة والبر، وما رقت القلوب إلا بالقرب منهم، ولا أنس المستوحشون إلا بحبهم والدنو منهم. فينبغي على من وفقه الله للخير أن يحرص على حب العلماء، وأئمة الإسلام أمواتهم وأحيائهم. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل لنا ولكم من ذلك أوفر حظ ونصيب.
نصائح وإرشادات لطالب العلم
نصائح وإرشادات لطالب العلم أولاً: عدم الاستعجال في طلب العلم: ينبغي على طالب العلم ألا يستعجل في طلب العلم، فبعض طلاب العلم يقول: لو استمرينا في قراءة متن على طريقة ما بالبسط والشرح فقد نمكث سنوات، ونحن نريد في أقرب فرصة أن ننتهي من هذا العلم، وهذا الكلام يعتبر من آفات العلم في هذا الزمان، فقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم يعتنون بطول الزمان في طلب العلم، فكلما طال زمان طالب العلم كلما أحبه الله، وهيأه لمرتبة عظيمة في الإسلام، وكلما استعجل طالب العلم فظهر للناس ظهر على قصور، وحب الانتهاء من العلم بداراً يدل على وجود الفتنة في قلب صاحبه، وأنه يحب الظهور للناس. فينبغي على الإنسان أن لا يستعجل وأن يتريث، فقد تفقه علماء الإسلام على أئمة سنوات عظيمة؛ فقد تفقه عبد الله بن وهب -وهو إمام من أئمة الحديث والفقه- على يدي الإمام مالك رحمه الله تعالى أكثر من عشرين سنة، وكان سواده لا يفارق سواد الإمام مالك رحمة الله عليه. وكانوا يلازمون العالم يسمعون ما يقول، ويعملون بما يأمر به، ثم لا يمكن أن يفوتهم مجلس من مجالس العلم، ولا يمكن أن تفوتهم فتوى، حتى إن بعض أئمة الإسلام -وهذا من الأمر العجيب الذي يدل على حرص السلف وطول الصحبة- كان الرجل منهم أو الصاحب للعالم يقول: حضرته عند بئر كذا، وقد سئل عن مسألة كذا وكذا في الطلاق أو البيع، فهذا يدل على أنهم كانوا يلازمون العلماء ملازمة تامة. وذكر عن الإمام مالك رحمة الله عليه أنه لما قرئ عليه الموطأ فيما يقرب من عام قال: (كتاب ألفته في أكثر من عشرين سنة، تقرؤونه في عام! ما أقل ما تفقهون) أي: ما أقل ما يكون لكم من الفقه. فإياك أن تقول في البداية: لا أستطيع أن أداوم على ذلك المجلس؛ لأن الزمان يطول، فالهدف أن تعمر الأوقات في طاعة الله، والشرف أن تتشرف الآذان بسماع كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم. فلذلك لا ينبغي الاستعجال في تحصيل هذا العلم، وأنبه على هذا الأمر؛ لأن الحلق في العلم كثيرة، فيستعجل كثير من طلابها، وقد ينقطع عنها الناس بسبب الاستعجال في وصول أو بلوغ النهاية في العلم، فلا يزال الإنسان في طاعة ما صبر على طلبه. فينبغي على طالب العلم الموفق أن يجعل نصب عينيه لحده حتى ينتهي من العلم. وأذكر علماء أجلاء ومشايخ فضلاء كانوا مع علمهم وجلالة قدرهم يجلسون في مجالس بعض المشايخ كأنهم أطفال لا يفقهون شيئاً. فطالب العلم الذي يريد مرضاة الله عز وجل يصبر، ويطول زمانه في طلب العلم وصحبة العلم. ولذلك أقول: خيرٌ لنا أن نتقن هذا العلم المبارك، وأن نقرأ مسائله بتفصيل وبيان مع ضبط ولو طال الزمان، وذلك خير من أن يكون على سبيل العجالة، ونسأل الله العظيم أن يرزقنا الصبر، وأن يرزقنا التحمل لذلك. ثانياً: تحضير الدروس: ينبغي على طالب العلم أن يقرأ الدرس ولو مرة واحدة على الأقل، وأكمل ما يكون من التحضير الصورة التالية: أن يقرأ المتن أو الباب الذي يريد أن يشرحه ثلاث مرات، ويقرأه مع إدمان نظر، ثم يأخذ أبسط الشروح وأخصرها، ويمر عليه مرة واحدة، ويحاول أن يكون عنده تصور ولو أبتداءً للذي قاله المصنف، ثم بعد ذلك يحضر في حلقة علم، ثم يرجع ويقرأه المرة والمرتين. وفي الخاتمة أن يدون ما علق بذهنه كتابةً، فبعد أن يقرأ ثلاث مرات ويحضر الدرس ويعلق يقرأ الدرس مرة أخرى أو مرتين، وكلما أكثر كلما ضبط، ثم بعد ذلك يكتب شرحاً مختصراً من إملائه، ثم يرفع هذا الشرح ويستذكر به دائماً، وحبذا لو أنه بعد انتهائه من هذا الشرح المبسط يعرضه على عالم يستبين فيه صحة ما كتبه ودونه.
أنواع العلوم
أنواع العلوم
علم العقيدة والتوحيد
علم العقيدة والتوحيد أيها الأحبة في الله! إن العلوم والفنون مختلفة، أجلها وأعظمها ما قرب إلى الله وزاد العبد معرفة بالله سبحانه وتعالى، ألا وهو علم العقيدة والتوحيد، فهو أشرف العلوم، وأنبلها وأسماها وأزكاها، وثغرة العقيدة أعلى الثغور مقاماً، وأعظمها قربة عند الله عز وجل، وأفضلها مراماً، فالإنسان إذا ضبط علوم العقيدة، وأتقن فنونها، فكفى الأمة شئونها، فإن بلاءه يعظم، وأجره يتم ويكمل. والسبب في ذلك: أن من حفظ هذا العلم فقد حفظ للأمة أهم شيء في دينها، وهو علم الإيمان الذي من أجله خلق الله الخلق، ومن أجله أوجد الحياة والرزق، فعلم العقيدة أشرف العلوم وأجلها وأحبها إلى الله جل وعلا.
علم الحلال والحرام
علم الحلال والحرام ثم يلي علم العقيدة علم الأحكام الشرعية، وهو علم الحلال والحرام، الذي يستطيع العبد أن يعبد الله به على بصيرة، ويكون بذلك على نهج الأنبياء والمرسلين، كما قال الله تبارك وتعالى في كتابه المبين: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف:108]. فعلم الحلال والحرام علم مهم جداً، ذلك أن الله عز وجل أحل حلالاً وحرم حراماً، فإذا علم العبد حلال الله، وعلم حرام الله، أمكنه أن يطيع الله فيحل ما أحل، ويحرم ما حرم، فإذا لم يكن على علم بالحلال والحرام، فلا يؤمن منه أن يقع فيما حرم الله عليه، ولذلك قال بعض العلماء: (إن العبد قد يشيب عارضه، ولم تقبل له صلاة واحدة)، والسبب في ذلك: إما أن يكون جاهلاً بأحكام الطهارة، فيصلي والنجاسة قد أصابته. وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الوضوء، فيصلي ووضوءه غير صحيح. وإما أن يكون جاهلاً بأحكام الغسل، فيصلي وغسله غير معتبر فلا تصح له صلاة. وقد يقوم في صلاته وعبادته بين يدي الله ربه، فيضيع للصلاة أركانها وشروطها وأحكامها، فيوجب ذلك حبوط عمله ورده -والعياذ بالله- عليه. وكما أن العبادات من الصلاة والزكاة والصوم والحج تحتاج إلى فقه وعلم، فكذلك المعاملات؛ من البيع والإجارة والشركة والقراض والهبة وغيرها من المعاملات تحتاج إلى علم. وقد يكون المرء كأحسن ما أنت راءٍ من استقامة، وحب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يمسي ويصبح وقد أكل الربا -والعياذ بالله- لجهله بأحكام المعاملات. فينبغي على المؤمن الموفق أن يعلم ما الذي أحل الله وما الذي حرم الله. وأول ما يكون من الخير له أن يسلم له دينه، ويلقى الله يوم يلقاه وقد حفظ أعز شيء في دنياه، وهو دينه، فتلقى الله يوم تلقاه وقد أديت الصلاة على وجهها، وأديت الزكاة من حقها، وأديت الصيام والحج وسائر العبادات على وجهها، ثم تلقى الله ولا يسألك مسلم حقاً في معاملة؛ لأنك تعامل الناس على بصيرة ومعرفة وإلمام وعلم. فأول ما يكون من الخير لمن فقه في دين الله وعلم الحلال والحرام أن يسلم له دينه، قال بعض العلماء: وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) فعلم الحلال والحرام يسلم به دين العبد. ومما يكون له من الخير بعد ذلك أنه بعد علمه بالحلال والحرام يعظم نفعه للناس، فكم من أناس ينتظرون من يعلمهم أحكام صلاتهم، ومن يبين لهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء، وهديه في الغسل، وهديه في الصلاة صلوات الله وسلامه عليه، وهديه في الصيام، وهديه في الحج، وسائر العبادات. ألا تعلم أنك لو علّمت إنساناً وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فما أصابت قطرة ماء جسده من ذلك الوضوء إلا أجرت عليه. ولو علمت إنساناً غسله من الجنابة فما غَسَّل واغتسل في ليل ولا نهار إلا أجرت على غسله. ولا علمت إنساناً كيف يصلي كصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يصوم كصيامه، وكيف يقوم كقيامه، وانتصبت له قدم بين يدي الله، فأدى ذلك على الوجه الذي علمته إلا كنت له شريكاً في ذلك الأجر، ولا علّم غيره تلك السنة ولا دعا إليها إلا كان في ميزان حسناتك من الأجور الشيء الكثير. قال صلى الله عليه وسلم: (من دعا إلى هدى كان له أجره، وأجر من عمل به إلى يوم القيامة لا ينقص من أجورهم شيئ). فعلم الحلال والحرام علم شريف، ومقام جليل منيف، يوم تصبح إماماً من أئمة المسلمين، فيأتيك الجاهل لكي تنقذه بإذن الله من جهله. ويأتيك الرجل في جوف الليل، وقد قال لامرأته كلمة من الطلاق، ولا يدري أهي حلال فيبيت معها، أم هي حرام عليه فيتركها. ويأتيك المرء وهو لا يدري أهذا المال حلالٌ له أم حرام عليه. وتأتيك الناس من كل حدب وصوب، بقلوب مليئة بالشوق لكي تعلم حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في النوازل، وحلها ودفع ما يكون فيها من معضلات ومشاكل. فعلم الحلال والحرام ثغر من ثغور الإسلام، ينتظر شباب المسلمين وشيبهم، وينتظر أولئك الأخيار الذين يحتسبون الأجر، ويريدون مرضاة الله عز وجل، أولئك الذين يشرون مرضاة الله بتعلم هذا العلم وكفايته، ولا زالت الأمة بحاجة، فكم من بدع انتشرت، وكم من مسائل أشكلت، وكم من معضلات نزلت لم تجد لها حلاً، وقل أن ترى عينك أو تسمع أذنك فقيهاً يضبط أحكامها، أو يحسن سد ثغورها. فالله الله يا شباب الإسلام، والله الله يا أبناء الإسلام أن تحتسبوا في هذا الثغر العظيم، وأن يهيئ الإنسان نفسه لمعرفة هذا الباب العظيم. ولا يقل الإنسان: من أنا حتى أكون فقيهاً من فقهاء الأمة، ومن أنا حتى أكون عالماً؟ فإن الله تعالى يقول في كتابه: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:54]، فالله له فضل وله منن، وما أخرج العبد من ظلمات المعاصي، ولا شرح صدره فقام بين يديه راكعاً ساجداً إلا وهو يريد به خيراً. فإذا علم الله من قلبك حب هذا العلم، وأنك تريد أن تسد عن الأمة هذا الثغر العظيم وهو علم الحلال والحرام، وتبين لهم الشريعة والأحكام، فإن الله يوفقك، ولا يزال معك من الله ظهير ونصير ما دام همك أن تكفي المسلمين هذا الثغر العظيم، فاحتسب العلم عند الله. ولو جلست في مجلس علم ولم تخرج منه إلا بحكم واحد شرعي، فليأتين عليك يوم تبلي بهذا الحكم بلاءً عظيماً. فكم من المسائل حضرناها في مجالس العلماء، والله ما كنا ولا كان يخطر لنا على بال أننا في يوم من الأيام نحتاج إلى هذه المسألة، فوقعت نوازل ومشاكل ومعضلات حلت بتلك المسائل بفضل الله عز وجل، فاحتسب العلم عند الله. وكل مجلس يجلسه الإنسان يتعلم فيه كيف يصلي، وكيف يزكي، وكيف يصوم فهو منتفع فيه بنفسه نافع لغيره. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا وإياكم الفقه في الدين، وأن يجعل هذا الفقه موجباً لحب الله ورضوان الله علينا وعليكم.
زاد المستقنع ومنهجية الشرح
زاد المستقنع ومنهجية الشرح كتاب (زاد المستقنع) يعتبر متناً من متون الفقه، ومن عادة أئمة الفقه أنهم إذا ألفوا في الفقه فإنهم يجعلون تآليفهم على مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة المتون. المرتبة الثانية: مرتبة الشروح. المرتبة الثالثة: مرتبة الحواشي. وهذا الكتاب من المرتبة الأولى، فهو متن من متون الفقه، والمتن من عادة العالم أن يصوغ فيه فقه الدين بأقل عبارة ممكنة، سواءٌ أكان ذلك المتن من الشعر أم من النثر، ويحرص على أن يجعل الفقه بين يديك بأخصر وأقصر عبارة. ولذلك يحتاج هذا الكتاب إلى أن نشرحه ونبين إجماله، ونفصل ما فيه من الأحكام، سائلين المولى جل وعلا أن يلهمنا التوفيق والسداد، وأن يجعل ما يكون من القول والعمل خالصاً لوجهه الكريم. وهذا المتن متعلق بمذهب معين، وليس مقصودنا أن ندرس مذهباً معيناً، وإنما المقصود أن نعرف حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فسندرس هذا المتن بالدليل، ولذلك سنبين معنى عبارته، ثم بعد ذلك نذكر موقف العلماء من المسألة التي يذكرها المصنف هل هي إجماعية أو خلافية، وإذا كانت خلافية فهل القول الراجح ما اختاره، أو ما اختاره غيره. ولذلك أفضل ما يكون في دراسة الفقه دراسته بالدليل؛ لأن الله تعبدنا بالدليل، فلابد للمسلم إذا قال: هذا حلال، أو: هذا حرام، أن تكون عنده الحجة والدليل، كما قال تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]، وقال تعالى: {قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا} [الأنعام:148]، فالعلم هو الدليل والحجة الواضحة. فسنذكر إن شاء الله تعالى أحكام هذا المتن ومسائله ونبينها بدليلها، وإذا كانت مسائل خلافية فسأعتني بإذن الله ببيان أقوال العلماء وأدلتهم، والراجح من تلك الأقوال والأدلة.
تقسيم الفقه ووجه تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات
تقسيم الفقه ووجه تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات وهنا أمر أحب أن أنبه عليه في قراءة الفقه، فالفقه ينقسم إلى قسمين: فقه العبادات، وفقه المعاملات. والسبب في هذا التقسيم: أن الله عز وجل شرع الشرائع وبين الأحكام، وكانت هذه الشرائع والأحكام منها ما يتعلق بالعبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ومنها ما يتعلق بمعاملة الناس بعضهم لبعض من بيع وشراء، وإجارة وهبة وشركة، ونحو ذلك. فأما ما يتعلق بما بين العبد وربه، فاصطلح العلماء على تسميته بالعبادات، وما يكون فيه التعامل مع الناس اصطلحوا على تسميته بالمعاملات، فعندنا في الفقه مادتان: المادة الأولى: تتعلق بالعبادات. والمادة الثانية: تتعلق بالمعاملات. أما التي تتعلق بالعبادات، فمنها ما يتعلق بالعبادة البدنية المحضة، كالصلاة والصيام. ومنها ما يتعلق بالعبادة المالية كالزكاة. ومنها ما يتعلق بالعبادة المشتركة بين البدن والمال كالحج. وأما المعاملات فهناك معاملات تتعلق بالمال، وهناك معاملات تتعلق بالنكاح والزواج، وهناك معاملات تتعلق بالجناية والاعتداء على المال، أو على العرض، أو على النفس والأطراف. وهناك معاملات تتعلق بكيفية الفصل بين الناس من القضاء والشهادات والإقرار ونحو ذلك. فالمعاملات تنقسم إلى هذه الأقسام المشهورة: المعاملات المالية، والمعاملات الزوجية التي تتعلق بالنكاح وما يتبع النكاح من حل العصمة بطلاق أو خلع، أو يكون موجباً لحصول أثر مترتب على ذلك كالرجعة ونفقة الرجعة، وغير ذلك. وهناك معاملات تتعلق بجنابة الناس بعضهم على بعض، وجناية الإنسان على نفسه -والعياذ بالله- كالجناية على العقل، وهذا يتعلق بحد المسكر، وباب المسكرات والأشربة. وكذلك الجناية على أعراض الناس مما يتعلق به حد الزنا، والجناية على أموالهم مما يتعلق به حد السرقة، وغير ذلك من الحدود كالجناية على النفس بالقتل، والجناية على الأطراف، وما يوجب ذلك من قصاص وديات ونحو ذلك. وهناك معاملات تتعلق بفصل الخصومات والنزاعات وهو باب القضاء، وما يتبع ذلك من آداب مجلس القاضي، وكيفية الفصل وسماع حجج المختصمين، وكذلك الترجيح بين هذه الحجج إذا تعارضت، إلى غير ذلك من المعاملات المتعلقة بباب القضاء. والعلماء كلهم متفقون على تقديم فقه العبادات على فقه المعاملات، بمعنى أنهم يبدؤون بالصلاة والزكاة والصيام والحج قبل ابتدائتهم بالبيع والنكاح وغيرها من المعاملات. والسبب في ذلك: أن الله عز وجل بين في كتابه أنه ما خلق الخلق إلا لعبادته، فلما كانت العبادات المحضة هي المقصود من خلق الناس من صلاة وزكاة ونحو ذلك، كانت العناية بها آكد، وتقديمها أوجب. أما المعاملات فإنها لا تقع عبادة إلا بقصد القربة، فلو أن إنساناً باع أو اشترى، فإن العبادة في بيعه وشرائه لا تحصل إلا إذا قصد القربة، وإلا هي في الأصل معاملة دنيوية تتعلق بحياة الإنسان ودنياه. وبناءً على ذلك، قدم المقصود الأصلي وهو العبادة على ما هو تبعٌ له وهو باب المعاملات، فأجمع الفقهاء والمحدثون على تقديم أبواب العبادات على أبواب المعاملات. ولذلك سنشرع إن شاء الله تعالى في فقه العبادات أولاً ثم نتبعه بفقه المعاملات، ونسأل الله العظيم أن يلهمنا الصواب، وأن يجنبنا الزلل في القول والعمل، والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
حكم أخذ المال على تدريس العلوم الشرعية
حكم أخذ المال على تدريس العلوم الشرعية Q نحن نُدرّس العلوم الشرعية، ونأخذ على ذلك رواتب، فهل هذا ينافي الإخلاص؟ علماً بأنَّا لن نتمكن من التفرغ للتدريس إذا لم نأخذ هذه الرواتب؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمذهب المحققين من العلماء رحمهم الله، وهو الذي اختاره بعض الأئمة، ومنهم الإمام ابن جرير الطبري، والحافظ ابن حجر، وغيرهما من المحققين أن الإنسان إذا قصد بعلمه الآخرة، ثم أخذ أجراً على ذلك العلم بسبب عدم تمكنه من طلب الرزق فذلك لا يقدح في الإخلاص، ما دام أن مقصوده هو تعليم العلم، ونفع أبناء المسلمين، فلا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا. وقد دل على هذا القول الصحيح دليل الكتاب والسنة. أما دليل الكتاب فإن الله عز وجل يقول في كتابه: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال:7]، وهذه الآية نزلت في أهل بدر، فأخبر الله أنهم كانوا يتمنون العير بقوله تعالى: (وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ)، فهم خرجوا للعير، فلما واجهوا القتال صدقوا مع الله، فلم يقدح في قتالهم وجهادهم وجود حظ أو قصد حظ الدنيا من تلك العير. ومن الأدلة على صحة هذا القول قول الحق تبارك وتعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، فإنها نزلت -كما صح- في أقوام يريدون الحج والتجارة، فالحج عبادة والتجارة دنيا، فلم يقدح في إرادة الآخرة وجود حظ الدنيا. كما دل على صحة هذا القول دليل السنة الصحيح، فإن المصطفى عليه الصلاة والسلام قال قبل القتال: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، وهذا القول قاله لترغيب الناس في القتال، فأعطى على القتال الذي يراد به وجه الله حظاً من الدنيا، قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنه لا يقدح في الإخلاص وجود حظ من الدنيا إذا لم يكن هو مقصود العبد، فإذا كان مقصودك ما عند الله عز وجل فلا يؤثر فيه وجود حظ من الدنيا. وقد جاء في حديث أبي محذورة رضي الله عنه أنه قال: (ألقى النبي صلى الله عليه وسلم عليّ الأذان، فلما فرغت، ألقى إليّ صرة من فضة) قالوا: في هذا دليل أيضاً على أن حظ الدنيا لا يؤثر إذا لم يكن هو مقصود العبد. ومن مجموع هذه الأدلة خلص هؤلاء العلماء إلى القول بأنه ينظر في الإنسان، فإذا كان مقصوده من التعليم نفع أبناء المسلمين، وإسداء الخير إليهم، ودلهم على طاعة الله ومرضاته، ثم حصل بعد ذلك أجر أو راتب أو غير ذلك، ولم يكن هو مقصوده الأساس، فإن ذلك لا يقدح في إخلاصه، والله تعالى أعلم.
الزاد والمقنع والمبدع
الزاد والمقنع والمبدع Q هل لكتاب الزاد من شروح، وما هو أفضلها؟ وكيف نتمكن من حفظ متن هذا الكتاب؟ A هذا الكتاب في الأصل -وهو الزاد- اعتمد فيه المصنف رحمه الله تعالى على كتاب (المقنع)، وهو في الحقيقة كتاب مقنع، وإن كان أضيفت إليه اختيارات الحجاوي رحمة الله عليه وعلى مؤلفه، ولكن في الأصل كتاب (المقنع)، وكتاب (المقنع) له شروحات، تعتبر بمثابة شرح هذا الكتاب وزيادة أيضاً؛ لأن الإمام الحجاوي رحمة الله عليه حذف بعض المسائل. وأنفس الشروح وأفضلها لكتاب (المقنع): كتاب (المبدع في شرح المقنع) لـ ابن مفلح رحمه الله تعالى، فقد شرحه شرحاً وافياً كافياً، وذكر فيه الأوجه والروايات، ورجح بين الأوجه والروايات، وذكر الأدلة، وقد يناقش في بعض المسائل، لكنه كتاب واسع يجمع هذا الكتاب وغيره، خاصة في الفروع والتتمات التي يذكرها في نهاية كل باب. وكتاب (المبدع) يعتبر شرحاً لأصل هذا الكتاب؛ لأن كتاب (المقنع) يعتبر في نظر مؤلفه -وهو الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى- في الدرجة الثانية، فإن ابن قدامة رحمة الله عليه جعل علم فقه المذهب على درجات: الدرجة الأولى: كتابه (العمدة)، ثم جعل بعد (العمدة) (المقنع)، ثم جعل بعد (المقنع) (الكافي)، ثم جعل خاتمتها بـ (المغني)، ولذلك قال فيه بعض العلماء: كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطول فكتابه (المقنع) يعتبر في الدرجة الثانية، وأنفس الشروحات -كما قلنا- شرح ابن مفلح رحمة الله عليه الذي أجاد فيه وأفاد، وجمع فيه مسائل الكتاب وزيادة، مع فروعات وتتمات في الحقيقة يكمل بها كتاب (المقنع)، والله تعالى أعلم.
نصيحة لمن منعه والداه من السفر لطلب العلم
نصيحة لمن منعه والداه من السفر لطلب العلم Q أنا أريد طلب العلم، ولكن أهلي يرفضون ذلك، وقد تركت كل شيء في مدينتي من أجل أن أذهب إلى مدينة أخرى للجلوس عند علمائها، فهلا من كلمة لوالدي أسمعهما إياها علهما أن يوافقا؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أهنئك أخي في الله على حب العلم، وحب التغرب من أجل التفقه في الدين، وحمل رسالة الله رب العالمين، وما قذف الله في قلبك حب هذا العلم إلا وهو يريد بك خيراً، فإنهم بذلك عيناً، وليكن حسن ظنك بالله عظيماً، فلابد أن تنال العلم إذا صدقت مع الله جل وعلا. أما الوصية الأولى التي أوصيك بها، فإن تيسر لك طلب العلم في دار فيه والداك، فإياك ثم إياك أن يفارق سوادك سوادهما. إن من أعظم الأسباب التي تنشرح بها الصدور لطلب العلم، ويوفق فيها طالب العلم في طلبه: رضى الوالدين، فلتجتهد في إرضاء والديك، فقد جاء في الحديث أن رجلاً قال: (يا رسول الله: أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد -أي: أن ألازمك، يريد طلب العلم والجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم- قال: أحية أمك؟ قال: نعم، قال: فالزم رجلها فإن الجنة ثَمَّ). فالزم رجل والديك إذا كان العلماء في بلدك، وإياك أن تفكر في طلب العلم في مكان ليس فيه والداك، إلا إذا تعين عليك ذلك، ولم تجد أحداً في المكان الذي أنت فيه. وقد كتب بعض العلماء ترجمته، وكان رحمة الله تعالى عليه آية في العلم والعمل، موفقاً حتى في كثير من المسائل والنوازل والفتاوى التي كان يفتي فيها، فقال: لا أعلم عملاً صالحاً بعد الإيمان وفقني الله فيه حتى بلغت هذا العلم مثل بري بوالدي، فقد توفي أبي وهو في النزع يدعو لي بالعلم والعمل. ولذلك أوصي طالب العلم فأقول: إذا أردت أن توفق في طلب العلم، وتوفق لكل عمل صالح بعد الإيمان، فأول ما تفكر فيه إرضاء والديك، من إدخال السرور عليهما، والحرص على الإحسان إليهما، وإسداء الخير إليهما، فتلك من أعظم المفاتيح التي ينال الإنسان بها العلم والعمل. وكذلك أوصي والديك أن يتذكرا فضل الله عليك، وأن يكونا خير والدين حينما يعينانك على بلوغ هذه الرسالة العظيمة، وما أعظمه من شرف للوالدين حينما يتسببان في تحصيل الابن للعلم والعمل؛ إذ ورد في الحديث: (أن حافظ القرآن يؤتى بوالديه يوم القيامة فيلبسان تاج الكرامة)، إكراماً لحافظ القرآن، فكيف بمن حفظه وعلمه وعمل به وعلم الناس؟!! فلذلك أوصي الوالدين أن لا يزهدا في هذا الخير العظيم، فما الذي ينتظران من الأبناء غير أن يكونوا لهما خلفاً صالحاً، ولو لم يكن في العلم إلا أن العالم يأتيه السائل وقد ضاقت عليه الدنيا فإذا أجابه يكون من دعائه له: رحم الله والديك لكفى بها نعمة. وهذا يدل على شرف العلم وبركة العلم وفضله، حتى على والدي الإنسان، فنسأل الله العظيم أن يشرح صدرهما لإعانتك على بلوغ هذه الغاية النبيلة، وتحصيل هذا المقام العظيم، والله تعالى أعلم.
توجيه قول سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)
توجيه قول سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله) Q ما توجيهكم للقول المنسوب إلى سفيان: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)؟ A قول سفيان رحمة الله عليه: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله) هذه العبارة من أصح الأقوال في توجيهها: أن الإنسان في بداية طلب العلم يأتيه نوع من الغرور، ونوع من الطفرة، وهذا معروف ومألوف، فإذا تمكن العلم من قلبه كسره خشية لله جل جلاله. ولذلك كانوا يعرفون كون هذا العلم يقرب إلى الله، أو يبعد عن الله على مقدار زيادة الخشوع في القلب، فإذا وجدوا هذا العلم يزيد من الخشية والخشوع عرفوا أن العلم لوجه الله جل جلاله، وأنه يزيد العبد قرباً إلى الله. فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله) أي: تعلمنا العلم وكان في النية ما كان من دخن بسبب غرور العلم، فالناس تنظر إليك طالب علم تحمل كتابك، ويمدحون الإنسان ويمجدونه فيدخله الدخن. وقوله: (فأبى أن يكون إلا لله)، أي: لما تعمقنا فيه، ودخلت آيات الكتاب إلى القلوب، وعمرت بها القلوب انكسرت تلك القلوب لله جل جلاله، والعلم يكسر صاحبه لله سبحانه وتعالى، ويزيده خشية وخوفاً، كما قال الإمام أحمد: (أصل العلم خشية الله)، فنسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا العلم. وهذا العلم الموجب للخشية هو ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ميراث العلماء والصلحاء والأخيار والأئمة المهتدين، فهم ورثوا العلم الذي يزيد من خشية الله جل جلاله. فقوله: (تعلمنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله)، أي أنه صاغهم لطاعة الله ومرضاته، حتى خلصت قلوبهم من شوائب الغرور، ونحو ذلك مما يكون لطالب العلم في بداية طلبه، والله تعالى أعلم.
حكم انتقال المرأة من بيت زوجها في عدة الوفاة
حكم انتقال المرأة من بيت زوجها في عدة الوفاة Q امرأة مات زوجها وهي في عدة الحمل، وتريد الخروج من بيت زوجها لمرضها، ولعدم وجود من يرعاها، مع العلم بأنه قد توفي لها مولودان من قبل، فهل يجوز خروجها إلى بيت أحد محارمها؟ A أولاً أهنئ هذه المرأة؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جاءت امرأة فقالت: يا رسول الله: ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا يوماً، فجعل لهن يوماً صلوات الله وسلامه عليه، فلما اجتمعن قال: ما منكن من امرأة تقدم بين يديها ثلاثة إلا كانوا لها حجاباً من النار، فقالت امرأة: واثنين يا رسول الله؟ فسكت، فقالت: واثنين يا رسول الله؟ قال: واثنين واثنين واثنين) فأسأل الله أن يجعل ما قدمته هذه المرأة حجاباً لها من النار. أما الأمر الثاني: فأوصيها أن تحتسب الأجر في طاعة الله جل وعلا بلزوم بيت الزوج، فقد قال صلى الله عليه وسلم لـ فريعة بنت مالك بن سنان رضي الله عنها لما سألته عن حدادها: (امكثي في بيت زوجك الذي جاءك فيه نعيه حتى يبلغ الكتاب أجله). فالمرأة تمكث في بيت الزوج في الحداد، فإن كانت مريضة يستدعى لها من يعالجها، فإن تعذر ذلك خرجت للعلاج ولا حرج عليها ثم ترجع؛ لأن ما جاز لحاجة يقدر بقدرها، فلذلك تمكث هذه المرأة في بيت زوجها حتى يبلغ الكتاب أجله، ولله الحكمة البالغة في هذا الحداد، فإن المرأة إذا مكثت في بيت زوجها تذكرته فترحمت عليه، ودعت له، واستغفرت له، وكان ذلك أدعى لسماحها عن أخطائه، وما كان منه من تقصير. فمقصود الشرع من بقائها في هذا المكان أن يكون أدعى لترحمها، وهو حق الأزواج على أزواجهن، فكون كثير من النساء يتساهلن في هذا الحق، ويحرصن على الخروج هو خلاف السنة، وخلاف الهدي، فينبغي الحرص على هذا الأمر الذي شرعه الله تبارك وتعالى. وأما إذا بلغ بالمرأة مقام الاضطرار، كأن تكون في مكان لا تأمن فيه أن تؤذى من الناس في عرضها، أو تقتل، أو يحصل لها ضرر في نفسها، أو أولادها فيجوز لها أن تتحول، واختلف العلماء في تحولها، فقال بعض العلماء: تتحول إلى أقرب مكان من قرابتها، وقال بعض العلماء: إذا إذن لها بالتحول ساغ لها أن تتحول لبيت بعيد مع وجود القريب، والله تعالى أعلم.
حكم النوم بعد صلاة الفجر والعصر
حكم النوم بعد صلاة الفجر والعصر Q ما رأيكم في طالب العلم الذي ينام بعد صلاة الفجر؟ A كان السلف يكرهون النوم بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، حتى إن الإمام أحمد رحمة الله عليه كان يكره النوم بعد العصر، وقال: كانوا يخافون على عقل الإنسان، وذكروا عن رجل أنه حذر أخاه من النوم بعد صلاة العصر، فقال له: إني أخشى على عقلك، فقال له رجل مجنون: لا تصدقه، فإني ما تركتها. يعني هذه النومة. فالنوم بعد صلاة العصر لا يمدحونه، وما بعد الفجر قيل: إنها ساعة البركة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بورك لأمتي في بكورها) فإذا كان عندك بحث، أو رسالة أو طلب علم، وبكرت وابتكرت وجدت خيراً كثيراً، وهكذا لو كانت عندك أعمال من الدنيا. وما محقت البركة في كثير من أعمال الناس وأوقاتهم إلا بسبب إضاعة البكور، لكن إذا كان قواماً لليل، ويريد أن ينام بعد صلاة الفجر حتى يكسب أعماله في النهار فلا حرج والأمر واسع. وفي التحذير من النوم بعد العصر حديث ضعيف عن عائشة رضي الله عنها رواه ابن ماجة: (من نام بعد صلاة العصر فأصيب في عقله فلا يلومن إلا نفسه) ولكنه حديث ضعيف، كما نبه على ذلك ابن الجوزي وغيره، وهو حديث غير معتبر، والأصل الجواز حتى يدل الدليل على المنع، لكن قالوا: إن النوم في هذين الوقتين مكروه لما فيه من تفويت البركة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في نوم الصبح، وكذلك أيضاً قالوا: بعد العصر لا يحمد للإنسان منامه، والله تعالى أعلم. أما طالب العلم إذا كان يسهر في تحصيل العلوم والمنافع وينام بعد صلاة الفجر، فهذا رأيي فيه أنه ذكي؛ لأن الناس في النهار يشغلون عن طلب العلم، فإذا سهر ليله في تحصيل العلوم وضبط العلوم، ونام النهار، فهذا على خير كثير. وأما بالنسبة للنوم على سبيل الكسل والخمول، فهذا لا شك أنه يدل على ضعف الهمة وقصورها، والأفضل والأكمل للإنسان أن يحرص على قضاء هذا الوقت في طاعة الله تعالى، كأن يجلس بعد صلاة الفجر إلى الإشراق، فتكون له حجة وعمرة تامة تامة تامة، والله تعالى أعلم.
حكم حج من داعب زوجته دون جماع بعد التحلل الأول
حكم حج من داعب زوجته دون جماع بعد التحلل الأول Q تحللت التحلل الأول، وبقي عليّ الطواف والسعي، وقبل أن أقوم بتكملة هذا الركن، كنت أداعب زوجتي بدون جماع ولا إنزال، فهل عليّ شيء؟ A إذا لم يحصل الإنزال، فإن الحج صحيح، وليس عليك شيء؛ لأنه ليس هناك موجب للفدية، والأصل براءة الذمة حتى يدل الدليل على شغلها، والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
المقدمة [2]
شرح زاد المستقنع - المقدمة [2] من عادة السلف رحمهم الله في كتابة الكتب أنهم يبدءون بحمد الله عز وجل والثناء عليه سبحانه، ومن ثم يفصلون بين المقدمة والمضمون بقولهم: أما بعد، والمقدمة لا بد أن تكون مشتملة على التعريف بالكتاب، وبيان منهج الكتاب، ثم تختم بالثناء على الله عز وجل وسؤاله المدد والعون.
معنى الحمد ومشروعية الاستفتاح به وبيان الفرق بينه وبين الشكر
معنى الحمد ومشروعية الاستفتاح به وبيان الفرق بينه وبين الشكر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [الحمد لله حمداً لا ينفد، أفضل ما ينبغي أن يحمد، وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد]. هذه مقدمة المصنف رحمه الله لهذا الكتاب المبارك -أعني: زاد المستقنع- يبدؤها رحمه الله بقوله: [الحمد لله]، ومن عادة أهل العلم رحمهم الله أنهم إذا أرادوا التأليف أو التصنيف، أو أرادوا الخطابة أو الكتابة صدروا ذلك بحمد الله جل وعلا. ولهم في ذلك دليل من الكتاب والسنة: أما دليل الكتاب فإن الله تبارك وتعالى استفتح كتابه المبين بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، فاستفتح أفضل الكتب وأشرفها وأجلها على الإطلاق وهو القرآن بقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} [الفاتحة:2]. قال بعض العلماء: في هذا دليل على أنه يشرع استفتاح كتب العلم بحمد الله جل وعلا. وأما دليل السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح خطبه بقوله: (إن الحمد لله)، وثبتت الأحاديث عنه عليه الصلاة والسلام في مواعظه المشهورة، أو كلماته المعينة التي وقعت في المناسبات بما يحكيه الرواة عنه بقولهم: (فحمد الله وأثنى عليه ثم قال). وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية استفتاح الكتب ونحوها بحمد الله جل وعلا، والمناسبة في ذلك: أن الله جل وعلا هو المستحق للثناء، وما كان العبد ليعلم أو يتعلم لولا أن الله علمه، وما كان ليفهم لولا أن الله فهمه، فيستفتح بحمد الله الذي شرفه وكرمه كما قال: {عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق:5]. وقالوا: كما أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الخطب بالحمد فيشرع استفتاح الكتب بالحمد؛ لأن الخطبة والكتاب كل منهما هدفه واحد، وهو الدلالة والدعوة إلى الله. فكما أن المراد من خطبه عليه الصلاة والسلام توجيه الناس ودلالتهم على الخير، كذلك هو المراد من كتابة الكتب وتأليف المؤلفات. فلهذا كله شرع في كتب العلم ورسائل العلم والخطب والندوات ونحوها مما فيه تعليم وتوجيه أن تُستفتح بحمد الله، لما فيه من تعظيم الله جل وعلا، ولما فيه من الاعتراف بالجميل والثناء على الله العظيم الجليل.
معنى الحمد والفرق بينه وبين الشكر
معنى الحمد والفرق بينه وبين الشكر قوله رحمه الله تعالى: [الحمد لله]. الحمد في اللغة: الثناء، وقد أطبق على ذلك العلماء في تعريفه, يقال: حمد الشيء، إذا أثنى عليه. والمراد بالحمد في اصطلاح العلماء هو الوصف بالجميل الاختياري على المنعم بسبب كونه منعماً على الحامد أو غيره، فقولهم: (الوصف بالجميل الاختياري)، هو كأن تقول: محمد كريم، شجاع، فاضل، فوصفته بجميل لو سئل إنسان عنه لقال: سئل فلان عن محمد فحمده، أو ذكر أوصافه المحمودة. وقولهم: (على المنعم)، أي: الذي أعطى النعمة وهو الله جل وعلا، أو المخلوق بعد فضل الله جل وعلا. والفرق بين الحمد والشكر عند العلماء أن الحمد أعم بالأسلوب وأخص من جهة السبب، والشكر أعم من جهة السبب وأخص من جهة الأسلوب أو الوسيلة. فالحمد إنما يكون باللسان فهو أخص من حيث الآلة، والشكر أعم منه؛ لأن الشكر يقع باللسان ويقع بالجنان ويقع بالجوارح والأركان. أما باللسان فمنه قوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11]، لأن الحديث عن النعم شكر للمنعم. وأما بالجنان، فمنه قوله تعالى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ} [النحل:53] أي اعتقدوا أنها من الله، فمن شكرك لنعمة الله أن تعتقد في قرارة قلبك أن الله أنعم بها عليك، وأما الشكر بالجوارح والأركان فأن تعمل بجوارحك ما ترد به جميل المنعم، ومنه قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سبأ:13]. فهذه ثلاثة أنواع من الشكر، تشكر بلسانك فتثني على الذي أعطاك الجميل وأسدى إليك النعمة بعد الله، وتشكر بجنانك بأن تعتقد فضله، وتشكر بجوارحك وأركانك برد الجميل إليه، أو فعل ما يرد إحسانه إليه. وأما الحمد فلا يكون إلا باللسان، ولكنه من جهة السبب أعم من الشكر، فتحمد الإنسان مطلقاً سواءٌ أعطاك نعمة أم لم يعطكها، فتقول: فلان كريم، وإن لم يعطك شيئاً، فأثنيت عليه وحمدته لهذه الخصلة الطيبة فيه. فالحمد لا يستلزم وجود فضل للمحمود على الحامد، بخلاف الشكر، إذ إنما يكون بعد جميل ونعمة، فلا تشكر إلا من أحسن وأسدى إليك المعروف. إذاً الفرق بينهما أن الحمد من جهة التعبير أخص ومن جهة السبب أعم، والشكر من جهة التعبير أعم ومن جهة السبب أخص. قال العلماء رحمة الله تعالى عليهم: استفتح الله كتابه بـ (الحمد لله)، فاختار اسم (الله) ولم يقل: (الحمد للكريم) ولا (للعظيم) وهو وإن كان حمداً للعظيم والكريم، ولكن تخصيص الاسم الدال على الذات أبلغ في الحمد والثناء من ذكر الوصف؛ لأنك لو قلت: الحمد لله الكريم، لأشعر أنك حمدته من أجل أنه كريم، ولكن لما قلت: الحمد لله، أثبت له الحمد لذاته سبحانه وتعالى فكان أبلغ. قوله رحمه الله تعالى: [حمداً لا ينفد]. أي: أحمده حمداً لا ينتهي ولا ينقطع، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان: (إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد)، وفي رواية: (لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض ... ) إلى أن قال: (أهل الثناء والمجد) أي: يا الله أنت أهل أن يثنى عليك، فالله هو المستحق للحمد الذي لا ينفد؛ لأن نعمه لا تنقطع ولا تنتهي ولا تنقطع عن العبد، وهو لا يستطيع عدها فضلاً عن شكرها والثناء على الله عز وجل بما هو أهله. قوله: [أفضل ما ينبغي أن يحمد]. أفضل على وزن أفعل، والعرب تأتي بهذه الصيغة للمفاضلة فتقول: فلان أكرم، فلان أحسن، فلان أعلم، وهذه الصيغة تدل على أن الاثنين اشتركا في وصف أحدهما أعلى من الآخر فيه، فقوله: [أفضل] يعني أن الحمد يفضل، والفضل الزيادة، أي أن هذا الحمد فرق بينه وبين حمد غير الله جل وعلا أنه يفضل كل حمد، أو أنه حمد يفضل حمد غيره لله جل وعلا.
بيان معنى الصلاة والآل ومعنى العبادة
بيان معنى الصلاة والآل ومعنى العبادة قوله رحمه الله تعالى: [وصلى الله وسلم على أفضل المصطفين محمد]. الصلاة تطلق في اللغة على معانٍ، فتأتي بمعنى الدعاء، ومنه قول الشاعر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا يقول الشاعر: إن ابنتي حينما هيَّأت رحلي للسفر قالت: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجع، أي أنها دعت له بالسلامة، فأجابها بقوله: عليك مثل الذي صليت، أي: عليك مثل الذي دعوت، وهو موضع الشاهد من البيت؛ فإنه استعمل الصلاة بمعنى الدعاء. ومنه قول الحق تبارك وتعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة:103] أي: إذا أعطوك الزكاة يا رسولنا -عليه الصلاة والسلام- فصل على من أعطاها لك، ولذلك قال العلماء: يسن لنائب الإمام الذي يلي أخذ الزكاة من الناس إذا أعطوها أن يدعوَ بالبركة والخير في أعمالهم، فقوله تعالى: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] أي: ادع لهم، فالصلاة تطلق بمعنى الدعاء. وتأتي الصلاة بمعنى الرحمة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] أي أن الله يرحمه، وصلاة الله على العبد رحمته. ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم صل على آل أبي أوفى) أي: ارحمهم، وقيل: (بارك لهم في مالهم)، وهو حديث في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى. ومنه قول الشاعر: صلى المليك على امرئ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها أي: رحم الله ذلك العبد، أو ذلك الأخ الذي ودعته. فقوله: [وصلى الله] أي: على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، والمراد به الترحم؛ لأن الصلاة من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم هي الرحمة. قوله: [وصلى الله وسلم]: جمع المصنف بين الصلاة والسلام، والسلام إما مأخوذ من السلامة من الآفات، وإما أن يراد به التحية. قال بعض العلماء: قول الإنسان: السلام عليكم. أي سلمكم الله من الآفات والشرور وهي التحية، ووصفت التحية بكونها تحية؛ لأن الإنسان إذا حيَّا غيره دعا له بما يوجب طول بقائه في الحياة، فإذا قلت: السلام عليكم، فمعنى ذلك: سلمكم الله من الآفات. وإذا سلم العبد من الآفات طال عمره وبقي زمناً أكثر مما لو أصابته، ولذلك يقولون: السلام من السلامة، وهو اسم من أسماء الله جل وعلا كما في آية الحشر. فجمع المصنف بين الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسلام عليه؛ لأنها من أكمل الصفات. قال بعض العلماء: أدب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع فيها بين الصلاة والسلام، والدليل على ذلك. أن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] فجمع له بين الصلاة والسلام عليه أفضل الصلاة والتسليم. قال رحمه الله تعالى: [وعلى آله وأصحابه ومن تعبد]. قوله: [وعلى آله] الآل تطلق على معنيين: الأول: آل الرجل بمعنى قرابته، قالوا: وأصل آل: أَهْلٌ، وهو قول سيبويه رحمه الله تعالى. الثاني: تطلق بمعنى الأنصار والأعوان والأتباع وشيعة الإنسان، تقول: آل فلان؛ بمعنى أتباعه، وهذا هو المراد بقول العلماء: وعلى آله، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد رحمه الله، واختاره جمع من العلماء، فالمراد بآل النبي صلى الله عليه وسلم الذين يصلى عليهم ويسلم تبعاً للنبي صلى الله عليه وسلم إنما هم أتباعه في كل زمان ومكان. لكن قوله: [وعلى آله وأصحابه ومن تعبد] يؤكد غير هذا المعنى، فإن قوله: [ومن تعبد] يدل على أن المراد بالآل هم الأهل؛ لأنه قال بعد ذلك [ومن تعبد]، والمراد به من سار على نهجه عليه الصلاة والسلام، فإذا كان المريد بالآل الأهل، يكون قوله: [ومن تعبد] من باب عطف الشيء على الشيء. لكن يمكن أن يقال: إن المراد بقوله: [وعلى آله] أي: أتباعه وأنصاره، وقوله: [ومن تعبد] من باب عطف الخاص على العام، أي أنه خص المتعبدين الذين هم أكثر عبادة وصلاحاً. وهذا من باب التشريف والتكريم؛ لأن العرب تعطف الخاص على العام، مثل قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر:4] والروح: جبريل عليه السلام، فقوله تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) يدخل فيهم جبريل، لكنه تعالى لما قال: (والروح) نص على الروح تشريفاً وتكريماً وتنبيهاً على علو مقامه ودرجته. وقوله: [تعبد] أي: تفعّل العبادة، والتفعّل زيادة، والزيادة في المبنى تدل على زيادة المعنى، والتعبد مأخوذ من العبادة، والعبادة مأخوذة من قولهم: طريق معبد، أي: مذلل؛ لأن أصل العبودية: الذلة، فإن الإنسان إذا عبد ربه تذلل له، أما حقيقة العبادة في الاصطلاح فأجمع التعاريف لها ما اختاره جمع من المحققين ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقوله: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. فهي شاملة لأعمال القلوب كحب الله، وخشية الله، والإيمان به، واعتقاد فضله سبحانه وتعالى، والخوف منه، والرجاء فيما عنده، فإن هذه كلها من أعمال القلوب الباطنة. والأقوال كالتسبيح والتهليل والتكبير. والأفعال كالركوع والسجود والذبح، ونحو ذلك، فالعبادة تشمل الأقوال والأفعال والاعتقادات لكن بشرط أن تكون مما يحبه الله ويرضاه. وشرط ما يحبه الله ويرضاه أن يكون مشروعاً، فلا يُعبد الله إلا بما شرعه، فلا يُعبد بأهواء ولا آراء، ولكن يُعبد بنصوص الكتاب والسنة التي دلت على مشروعية ذلك العمل قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً. قال رحمه الله تعالى: [أما بعد]. هذه كلمة يؤتى بها للفصل بين المقدمة والمضمون، فإذا خاطب الإنسان غيره بكلام مكتوب أو مسموع فإن من عادة الناس أنهم يصدرونه بالثناء على الله جل وعلا، وهذه الكلمات التي يصدر بها الكلام توصف بكونها مقدمة. ثم بعد هذه المقدمة من ثناء العبد على ربه عز وجل، وصلاته على نبيه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه يشرع في المقصود، أي: الأمر الذي يريد الكلام عنه بالخطابة أو الكتابة. ولذلك قال بعض العلماء: إن (أما بعد) هي فصل الخطاب، وقد قيل: إن أول من تكلم بها داود عليه السلام، وحملوا عليه قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] قالوا: بدليل قرنها بالحكمة وفصل الخطاب، أي: الفصل بين مقدمته ومضمونه، وذلك أبلغ في نفع الناس وتوجيههم، وأن لا يختلط الكلام بعضه ببعض، وهذا قول الشعبي وطائفة من المفسرين رحمهم الله تعالى. والصحيح أن فصل الخطاب هو القضاء بين الناس في الخصومات والنزاعات، وأن قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص:20] ليس المراد به (أما بعد)، وإنما المراد به -كما قال طائفة من العلماء- معرفة الطريقة التي يفصل بها بين خطاب الخصوم إذا تخاصموا؛ لأن الخصوم إذا تخاصموا اختلفت أقوالهم، وتباينت آراؤهم، فيحتاج إلى فصل، قالوا: فصل الخطاب قولهم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقيل: من فصل الخطاب أن يترك المدعي حتى يكمل دعواه، ثم يسأل المدعى عليه، ولذلك لما عجل داود عليه السلام وحكم وقال: (لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه) عاتبه الله تعالى. وهذه الكلمة -أي: أما بعد- سنها النبي صلى الله عليه وسلم، وثبتت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أما بعد: فما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله) فكان يقول: (أما بعد) ولذلك كان من السنة أن تقال هذه الجملة. وقد يكررها بعض المتكلمين فيقول: (أما بعد)، ثم يأتي بكلمة ثم يقول: (ثم أما بعد)، والذي يظهر هو الاقتصار على السنة، بأن يثنى على الله تعالى ويحمده، حتى ينتهي الثناء والحمد ثم يقول: (أما بعد) ويدخل في المقصود، فتكرارها لا يحفظ له أصل، والأبلغ في التأسي الاقتصار على الوارد، خاصة في خطب الجمعة ونحوها.
طريقة الأولين في كتابة المقدمات وبيان معنى الاختصار والفقه
طريقة الأولين في كتابة المقدمات وبيان معنى الاختصار والفقه قال رحمه الله: [فهذا مختصر في الفقه]. أي: هذا الكتاب الذي بين أيدينا مختصر في الفقه، كلمة [هذا] لها حالتان: الحالة الأولى: تكون إشارة إلى شيء موجود. الحالة الثانية: أن تكون إشارة إلى شيء غير موجود نزل منزلة الوجود. ومن عادة المتقدمين أنهم كانوا يكتبون المقدمات قبل كتابة الكتاب، فقد كانوا علماء وأئمة وجهابذة، لا يضع أحدهم قلمه إلا وهو أهل لأن يخط بذلك القلم. ولذلك تجد في بعض الكتب القديمة من يقول: هذا أوان الشروع فيه، وتجد من يقول: وأسأل الله تعالى أن يعين على إتمامه. فالإشكال عند العلماء في قول المصنف: [فهذا] وهو غير موجود، فقالوا: هو إشارة لصيغة موجودة، فنزَّل غير الموجود منزلة الموجود، فلذلك قال: (فهذا مختصر)، أي: الذي سأكتبه بمعونة الله وتوفيقه من وصفه كذا وكذا وأنه مختصر. والاختصار: ضد الإسهاب، فإذا خاطبت الناس في خطبة، أو كتبت لهم كتاباً، أو أردت أن تتحدث في موضوع فلك ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون كلامك أكثر من المعنى. الحالة الثانية: أن يكون كلامك أقل من المعنى. والحالة الثالثة: أن تأتي بكلام على قدر معناه. فإذا كان الكلام كثيراً والمعنى قليلاً فإنه يوصف بكونه إطناباً، ولذلك يقولون: أطنب في الأمر، ولا يكون إلا للعوام الذين يحتاجون إلى شرح. أما إذا خاطب إنسانٌ علماء أو طلاب علم فالذي ينبغي أن يكون على إحدى حالتين: فإما أن يخاطب بكلام مقارب للمعنى، وهو الذي يسمونه خطاب المساواة، وإما أن يكون المعنى أكثر من الكلام، وهذا يسمونه الإيجاز والاختصار، وهذا من أبلغ ما يكون؛ لأنه يدل على عقلية المتكلم، وكذلك عقلية الكاتب. وكانوا يقولون: من ألَّف فقد عرض عقله في طبق، فإن كان الكتاب قليل الكلام كثير المعاني دل ذلك على علمه وفضله ونبله وأنه أهل، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم عن نفسه: (وأوتيت جوامع الكلم)، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) يندرج تحته ما لا يقل عن مائة وخمسين مسألة، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، يتفرع عنه ما لا يقل عن مائة مسألة، وذكر الإمام ابن العربي: أنه اجتمع علماء فاس فذكروا فيها ثمانمائة مسألة من وجوه البلاغة والأحكام وغيرها. والاختصار يدل على عقلية الإنسان؛ لأنه لا يختصر الكلام إلا من يعرف الألفاظ التي يخاطب بها الناس ومدلولات الألفاظ، فيتخير ما يدل على الاختصار، أو ما يتضمن الاختصار، فقول المصنف: [فهذا مختصر] دل على النوع الثالث وهو الاختصار. ومن منهج العلماء رحمهم الله تعالى في الكتب التي تسمى بالمتون الفقهية أنهم يصوغون الفقه في أقل العبارات، فقد تستطيع أن تشرح السطر الواحد في صفحات. فإذا قيل: (مختصر) يفهم من ذلك أن الكلام قليل ولكن المعنى كثير وجزيل. قوله: [في الفقه] الفقه هو: الفهم، تقول: فقهت المسألة إذا فهمتها، وقال بعض العلماء: الفقه: الفهم مطلقاً، وقال بعضهم: بل يكون للأمر الذي يحتاج إلى دقة في الإدراك والتصور، فلا تقل: فقهت أن الواحد نصف الاثنين، ولكن يقال الفقه في الأمر العظيم، أي: المسألة التي تحتاج إلى تركيز. وقيل: إن الفقه في اللغة عام. وقيل: إنه خاص. ومنه قوله تعالى: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي} [طه:27 - 28] أي يفهموه. أما الفقه في الاصطلاح فهو العلم بالأحكام الشرعية المستفادة من أدلتها التفصيلية. والعلم: ضد الجهل، وحقيقته: إدراك الشيء على ما هو عليه، فإذا أدركت الشيء على حقيقته التي هي عليه فقد علمته، أما لو أدركته ناقصاً عن حقيقته فإنك لم تعلمه على الحقيقة. وقولهم: (العلم بالأحكام) الأحكام: جمع حكم، والحكم: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. وقولهم: (إثبات أمر لأمر) كأن تقول: زيد قائم، فإنك أثبت القيام لزيد وحكمت عليه بالقيام، وإن قلت: زيد ليس بقائم، فقد حكمت عليه بأنه ليس بقائم. والأحكام في الاصطلاح هي: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الاقتضاء أو التخيير. فقولهم: (الفقه هو: العلم بالأحكام الشرعية) خرجت به الأحكام الطبيعية التي هي راجعة إلى الحكم الطبيعي العادي، وخرجت به الأحكام اللغوية والأحكام المنطقية. وقولهم: (العلم بالأحكام الشرعية المكتسبة أو المستفادة) أي: التي حصلت واستفيدت من الأدلة الشرعية، فيشمل ذلك دليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وما هو ملحق بها وجارٍ مجراها، أي: الذي دل عليه النظر الصحيح. فالفقه يتعلق بالأحكام العملية، فيتعلق بالعبادة من صلاة وزكاة وصيام وحج، ويتعلق بالمعاملة من بيع وإجارة وشركة وهبة وقرض، وغير ذلك، فجميع هذه الأحكام توصف بكونها أحكاماً عملية بخلاف الأحكام الاعتقادية، فإن الأحكام الاعتقادية تدرس في علم العقيدة، وبين علم العقيدة والفقه ترابط، فإن الفقه طريق للاعتقاد، ولا يمكن للإنسان أن يكون فقيهاً إلا إذا كان معتقداً، أي: اعتقاد أهل السنة والجماعة. فباب الردة باب متعلق بالعقيدة، وهو من أبواب الفقه، فإذاً لابد من الترابط بين الفقه وبين العقيدة، فالفقه فرع عن الأصل؛ لأن الإيمان لا يكمل إلا بهذه الأحكام العملية، فلا إيمان لمن لا صلاة له، ولا إيمان لمن لا يزكي، بمعنى كمال الإيمان، ولا إيمان لمن لا يصوم، بمعنى كماله كذلك، ولا إيمان لمن لا يحج، فإن أنكر الحج فقد كفر. فمن لازم الإيمان العلم بهذه الأحكام، ولذلك قالوا: هي أحكام عملية.
أهمية التدرج في طلب العلم
أهمية التدرج في طلب العلم قال رحمه الله تعالى: [من مقنع الإمام الموفق أبي محمد]. (مِنْ): للتبعيض؛ وهي تأتي بمعانٍ منها التبعيض، ومنها السببية كقوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} [نوح:25] أي: بسبب خطيئاتهم، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) أي: الماء الذي هو غسل الجنابة بسبب الماء وهو المني. قوله: [من مقنع الإمام الموفق أبي محمد] هو كتاب للإمام الموفق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي رحمة الله عليه، المتوفى عام 620هـ في يوم الفطر. فهذا الإمام الجليل ألف كتاباً اسمه: العمدة، صاغ فيه الفقه بأقصر عبارة، واعتبره الدرجة الأولى لطالب الفقه، ثم وضع درجة ثانية فوقه وهو المقنع، وتوسع فيه قليلاً عن العمدة، ثم وضع كتاباً ثالثاً وهو الكافي، وذكر فيه القولين إشارة إلى الوجهين، وهو فوق كتاب المقنع، ثم وضع كتابه المغني وهو النهاية لمن أراد أن يتأهل لدرجة الاجتهاد. فهذه درجات وضعها الإمام الموفق رحمة الله عليه في دراسة الفقه، وهذه عادة المتقدمين، فإنهم يضعون الفقه على مراتب، ولا يمكن لطالب العلم أن يضبط علم الفقه ويكون فقيهاً بمعنى الكلمة إلا إذا ربط الفقه بصغاره قبل كباره، وهذا أمر مهم جداً. فالكتاب الذي بين أيدينا هو الدرجة الثانية وهو كتاب المقنع، فليس من الصواب أن يتفقه الشخص مباشرة من المغني؛ لأنه لا يتأهل لفهمه، ولذلك لابد وأن يرجع إلى البداية، وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران:79] قالوا: العالم الرباني هو الذي يربي على صغار العلم قبل كباره. والذي ضر الآن كثيراً ممن يتصدر لطلب العلم وتعليم العلم والفقه أنه يحفظ المسائل الكبيرة قبل أن يتقن بدهيات المسائل في الفن، وتجد الطالب يأتي في الفقه يناظر في مسألة من المسائل التي لو عرضت على عالم من السلف لرعدت فرائصه من خشية الله. وتجده بكل بساطة وسهولة يبت لك فيها القول، فعنده إلمام بأن فلاناً قال فيها وفلاناً قال فيها، ولو أخذت بيده وقلت له: ما رأيك لو توضأت ولم تتمضمض فما حكم وضوئك؟ لقال: الله أعلم. فلذلك ينبغي العناية بهذا الكتاب الذي بين أيدينا، فإنه يعتبر الدرجة الثانية في سلم الفقه، وقد أشار بعض العلماء إليه بقوله: كفى الخلق بالكافي وأقنع طالباً بمقنع فقه عن كتاب مطول ثم جاء الإمام الحجاوي رحمة الله عليه وألغى من هذا الكتاب مسائل كما سيبين إن شاء الله، وأضاف مسائل وسماه: زاد المستقنع، وسيشير إلى منهجه، فالأصل في هذا الكتاب أنه كتاب المقنع، وقد أضيفت إليه مسائل وحذفت منه مسائل.
طرق تدوين الفقه
طرق تدوين الفقه قال رحمه الله: [على قول واحد وهو الراجح في مذهب أحمد]. كان الفقهاء رحمة الله عليهم يكتبون الفقه على طريقتين: - طريقة المذاهب. - وطريقة الخلاف بين المذاهب. أما طريقة المذاهب فهي طريقة يعتنى فيها ببيان خلاصة المذهب دون تعرض لخلافه، وهذه طريقة المتون، وهذا هو منهج الكتاب الذي معنا، أو يذكر الخلاف في المذهب فيقول: في المذهب أربع روايات، فإن ذكر الخلاف في المذهب، فإما أن يذكره عن الإمام بالروايات، وإما أن يذكره عن أصحاب الإمام بالأوجه في المذهب. فلو قال: في المذهب وجهان، أي أن أصحابه اجتهدوا في تخريج هذه المسألة على رواياتهم، أو على أصول مذهبهم فاختلفوا فيها على وجهين أو ثلاثة أو أربعة. فكتب المذهب إما أن تعتني بحسم المذهب بذكر الخلاصة، وإما أن تعتني ببيان الخلاف داخل المذهب، فبيّن ابن قدامة رحمه الله تعالى الخلاصة في المقنع، وبيّن الخلاصة في العمدة، وذكر الخلاف في الكافي، وذكره بإسهاب مقارناً بين المذاهب في المغني فيقول: عندنا روايتان: الأولى كذا والثانية كذا. ثم يقول: الأولى: لا يجوز، رواها -مثلاً- الإمام علي بن سعيد عن الإمام أحمد رحمة الله عليه وبها قال الشافعي وأبو ثور وفلان وفلان، والثانية يجوز، وقال بها مالك وفلان وفلان وفلان.
المسائل النادرة والموقف منها
المسائل النادرة والموقف منها قال رحمه الله تعالى: [وربما حذفت منه مسائل نادرة الوقوع]: (رُب): للتقليل، وقد تستعمل بمعنى التكثير ولكن الأصل فيها التقليل. وقوله: [ربما حذفت] الحذف يكون بقصد الاختصار، وقد يحذف الكلام لعدم وجود الفائدة منه. قوله: [مسائل نادرة الوقوع]. النادر: ضد الغالب، والنادر هو الأمر قليل الحدوث، والغالب عكسه. والمسائل الفقهية النادرة إما نادرة في زماننا كثيرة في زمانهم، وإما نادرة في زمانهم كثيرة في زمان غيرهم. وإما نادرة في زمانهم وزماننا ولم تحدث بعد. واعلم رحمك الله أن لمز العلماء بالمسائل النادرة من الخطأ بمكان إلا في مسائل مخصوصة فقط يردها علماء جهابذة لهم علم وإدراك، ويعرفون أن هذه المسألة لا طائل تحتها كما يقولون: (مسألة طويلة الذيل قليلة النيل). فقولهم: (طويلة الذيل) أي: الكلام فيها كثير، و (قليلة النيل) أي: قليلة الفائدة والثمرة، هذا معنى، فإذا قال عالم جهبذ: هذه المسألة طويلة الذيل قليلة النيل قبلنا قوله، أما أن يأتي إنسان ضعيف البضاعة في العلم ليس عنده بلاء الفقيه، وما يتعرض له من مسائل ومعضلات فينكر عليهم ذكرهم هذه المسائل ويشنع عليهم فلا. والعلماء رحمهم الله ذكروا المسائل النادرة لأسباب، منها: أولاً: بيان قواعد تفرعت عليها هذه المسائل النادرة، ولذلك تجدهم يقولون: ويتفرع على هذا مسألة كذا وكذا، وتكون نادرة الوقوع، وإنما ذكر العلماء هذه المسألة النادرة الوقوع تفريعاً على هذه القاعدة؛ لأنه علم ولا يجوز كتمان العلم. حتى إنهم من ورعهم رحمة الله عليهم ذكروا أقوالاً ضعيفة لا يعول عليها، ويقولون: ذكرناها من باب عدم كتمان العلم، وينبهون على ضعفها. كل ذلك كان عندهم من الورع، فإنهم كانوا يخافون أن يموت أحدهم وفي قلبه هذه المسألة، فذكر المسائل النادرة غالباً ما يكون في الفروع، فتكون متفرعة إما على حكم أو على دليل أو قاعدة. وقد طرأت الآن مسائل جديدة عصرية وخُرِّجَت على تلك المسائل النادرة، حتى إنني كنت في بحث الجراحة الطبية تمر بي مسائل غريبة، وأجتمع مع بعض الأطباء وبعض طلاب العلم، وتكون هناك مسائل فعلاً ذكرها العلماء وفرعوها ويكون من السهولة بمكان تخريج المسائل الجديدة عليها؛ فرحمة الله على تلك الأفهام وعلى تلك العقول التي نصحت للأمة. فليكن كل إنسان على علم بأنهم -كما نحسبهم ولا نزكيهم على الله تعالى- ما كانوا يحبون الشهرة، ولا تحسبن أنه من العبث والفراغ والترف الفكري ذكر هذه المسألة في كتابه، حاشا وكلا، فهم أرفع -والله- بكثير من هذا كله، فلا ينبغي التشنيع في المسائل النادرة، فإن كان زمانك في غنىً عنها فليأتين زمان يحتاج إليها. ثانياً: قد تذكر المسائل النادرة للتفريع، والفوائد التي يستفاد منها: أنه في بعض الأحيان تكون المسألة في باب الطهارة وهي من غرائب المسائل، وتكون مفرعة عليها مسألة في باب الأطعمة أو في باب النكاح، فمن ميزة فقه المتقدمين -وهذا معروف بالاستقراء والتتبع- أن الفقه عندهم كالبناء مبني بعضه على بعض، وأدلته التي يستدلون بها قل أن تجد واحداً منهم يتناقض فيثبتها في مكان وينقضها في آخره، بل تجده إذا قال مثلاً: أعتبر الدليل الفلاني فيعتبره في العبادات والمعاملات، وإذا قال: أعتبر القاعدة أو الأصل الفلاني يعتبره في العبادات والمعاملات، بينما تجد اليوم الشخص متناقضاً يبني على قاعدة ثم يهدمها. فمن ميزات ذكر المسائل الفريدة أنه قد يحتاج إلى تخريجها في مسائل هي مذكورة في العبادة، لكنها تتفرع على مسائل في المعاملة، فقد يتفرع -مثلاً- على جلد الكلب هل هو نجس أو طاهر. ذكرت هذه المسألة الغريبة في جلد الكلب؛ لأنه يتفرع عليها جواز بيع حذاء صنع من هذا الجلد، فإنه يحكم بطهارته ثم يحكم بجواز بيعه، فيخرج من باب تحريم النجاسات على القول بنجاسة عين الكلب. ومن ذلك قولهم: لو حمل إنسان نجاسة في جيبه؛ إذ ما كان يتصور في الزمن القديم أن إنساناً عاقلاً يضع فضلته من بول أو غائط في إناء ثم يصلي بها، والآن ما أكثر من في المستشفيات من تجرى لهم الجراحة، ويوضع لهم الكيس المعروف الذي فيه فضلة الإنسان. فرحمة الله على أولئك العلماء، ولكن لا ينبغي لنا التشنيع، فإن وجدنا فائدة من المسألة فالحمد لله، وإن لم تجد فَعِلم زادك الله تعالى إياه. فعلى العموم: ينبغي التأدب مع أهل العلم، وأقول هذا لأنه بلغ ببعض طلاب العلم أن يشنع حتى في بعض المسائل الموجودة، ولذلك أقول: لا يشنع في الفقه مسألة إلا إذا شنع عالم وإمام ضابط يعلم أن هذه المسألة لا فائدة فيها فكن له متبعاً، أما أنت بفهمك مع ضعفك في مادة الفقه والعلم فلا تستعجل بالكلام على المسائل. فالمسائل النادرة هي: المسائل التي يقل وقوعها، وهي عند العلماء على ضربين: ضرب منها يقل وقوعه ويندر، وليس فيه ذاك البلاء الذي يحتاج فيه لها، ومسائل يندر وقوعها لكن تعظم بلواها فيحتاج إلى معرفة حكم الله تعالى فيها، كمسائل في السهو وهي نادرة، ولكن قد يصلي الرجل بآلاف ويسهو فتعظم بلواه. قال رحمه الله: [وزدت ما على مثله يعتمد]. أي أنني سأزيد بدل هذه المسائل التي حذفتها مسائل على مثلها يعتمد، إما أنَّ (يعتمد) بمعنى أنها مسائل محررة لا خلاف فيها في المذهب، فمراده اعتماد في المذهب، أو يعني أنها مسائل تكثر لها الحاجة ويكثر لها الطلب.
بيان سبب التصرف في المقنع بالحذف والزيادة
بيان سبب التصرف في المقنع بالحذف والزيادة قال رحمه الله: [إذ الهمم قد قصرت والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت]. إذا كان هذا في زمانه رحمة الله عليه فكيف في زماننا؟ فنسأل الله تعالى أن يلطف بالحال، وإن شاء الله تعالى لا يزال الخير موجوداً. والهمم: جمع همة، وذلك بأن يكون الشيء في قلب الإنسان حديثاً ووسواساً يخطر على الإنسان ويحدث به نفسه، فإذا حدث نفسه اهتم به، فالهم يكون بعد الخاطر والهاجس، ويكون بمعنى تهيؤ الإنسان للعمل، ثم يأتي بعد ذلك عزمه. ولا شك أن قوة الإنسان في همته، ومن كانت عنده همة حَصَّل المراد، وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (أسألك العزيمة على الرشد) ولذلك فكم من خير تعلمه وتعرفه ولكن لا تستطيع أن تفعله. فقيام الليل كم فيه من الفضل والخير، وصيام النهار كم فيه من الفضل والأجر، ولكن من يهم ويعمل؟ فليس المهم أن تعلم، ولكن الأهم أن تعزم وتفعل. وذكر أبو نعيم رحمه الله تعالى في الحلية عن بعض السلف أنه قال: علمت أن قوة الإنسان في نفسه. قالوا: وكيف ذاك؟ قال: ألا ترون الرجل العاجز يصلي ويبلغ من الطاعة ما لا يبلغه الشاب. فدل على أنها لو كانت بقوة البنيان لكان الشاب أكثر من العاجز، ولكن العاجز تراه في آخر عمره يحمل على كتفيه ويهادى على رجليه حتى يبلغ الصف الأول في المسجد بفضل الله تعالى ثم بالهمة على العمل الصالح، وترى الشاب الجلد القوي يأتي في آخر الناس، وقد تفوته الصلاة، وقد لا يصلي، فهو يحب الخير ولكن يحال بينه وبينه، لضعف الهمم. ولذلك كانوا يعتنون دائماً بتربية العزيمة، وعبادات الإسلام غالباً تربي على العزيمة، حتى إن فرائضها ونوافلها تؤكد هذا المعنى، وهو أن يكون عند الإنسان عزيمة على الخير. وأيام العلماء رحمة الله عليهم كانت المساجد مليئة بذكر الله جل وعلا، هذا يتلو كتابه، وهذا يراجع درسه، وتوجد حلقة علم، وحلقة فتوى، لكثرة الخير، فتجد بعد صلاة الفجر من العلم مالا يحصى كثرة، وفي الضحى، وبعد صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وذلك بسبب همة الناس في الخير وقربهم إلى عصور الخير، فالسلف الصالح كانت مساجدهم تعج بذكر الله جل وعلا من كثرة الناس الطالبين للخير، والراغبين فيما عند الله جل وعلا. وكان العالم إذا أراده الإنسان يجده في مسجده أو في حلقته، فهمم الناس كانت عالية، ولذلك ألفت المختصرات، وكانوا ينبهون في المختصرات، على أنها تحفظ، فكانت تحفظ مثل حفظ الفاتحة، وكان عند السلف همة في أمرين: تعليم أنفسهم، ثم تعليم أبنائهم، فقد كان الرجل عالماً في نفسه ومعلماً لأبنائه، فكانت الهمم عالية، وكلما تباعد الناس عن ذلك الرعيل الطيب -أعني السلف الصالح- جاء زمان شر من الذي قبله، وهذا مصداق قوله عليه الصلاة والسلام: (ما من زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تقوم الساعة)، وقوله: (ولا يزال المؤمن تأتيه الفتنة فيقول: هذه، هذه حتى يسلمه الله) فكلما جاءت فتنة يقول: هذه آخر الفتن، ثم تأتي بعدها فتنة، وفي وصف الفتن قال صلى الله عليه وسلم: (يرقق بعضها بعضاً). أي: إذا جاءت فتنة نسيت التي قبلها فيقال: التي قبلها أهون، فمن الفتن العظيمة التي بليت بها الأمة: ضعف الهمة في طلب العلم. وكان الناس في الزمان الماضي والزمان القديم يرسم طالب العلم في طلبه للعلم همته، وأنه من ساعته التي يفكر فيها في طلب العلم إلى أن يلقى الله تعالى سيضع كتب العلم بين عينيه، لكن طالب العلم اليوم يفكر هل يستطيع أن يصير عالماً خلال سنتين، ثم يقول: هذا كثير، فلماذا لا نجعلها سنة؟ لماذا لا تكون شهراً؟ لماذا لا تكون أسبوعاً؟ ولو كان بيده أن يصير عالماً في يوم لفعل، وذلك من ضعف الهمة، فلما ضعفت هممهم صاروا يحتاجون إلى اختصار على قدر هذه الهمم الضعيفة. فنسأل الله عز وجل أن يجبر هذا الكسر، وأن يرحم هذا الضعف. قوله: [والأسباب المثبطة عن نيل المراد قد كثرت]. الإنسان يضعف عن الخير بأحد أمرين: إما من نفسه، وإما لشيء خارجيِّ. فقوله: [إذ الهمم] إشارة إلى العلة التي في النفوس، وقوله: [والأسباب] إشارة إلى العلة الخارجة عن النفوس، وهذا من دقة كلام العلماء رحمهم الله تعالى. كأن تجد الرجل يهم أن يذهب لصلة رحم، ويتهيأ، وما عنده أي شك، ويحب صلة الرحم، فهيأ نفسه، ولكن تعلقت به زوجته، أو تعلق به ابنه، أو تعطلت سيارته، أو جاءه جاره، أو طرقه ضيفه، فجاءه سبب يحول بينه وبين هذا الخير. إذاً: إما أن يكون بسبب ضعف النفس وهذا من ضعف الهمة، أو بسبب خارج عنه. فهذا هو التثبيط -نسأل الله العافية- وهو نوع من التخذيل، ومن أعظم البلاء أن الله يثبط الإنسان عن عمل الخير. ويقول بعض العلماء: من نقم الله على العبد تثبيطه عن الخير -نسأل الله تعالى السلامة والعافية- فإن من الناس من ليست فيه النية الصادقة فيثبطه الله، كما ثبط أهل النفاق عن الخروج في ساعة العسرة {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ} [التوبة:46]. فمن أسباب البلايا ضعف الهمة، أو الأسباب التي تحول بين الإنسان وبين الخير.
الثناء على المؤلفات وحكمه
الثناء على المؤلفات وحكمه قال رحمه الله تعالى: [ومع صغر حجمه حوى ما يغني عن التطويل]. الغنى: الكفاية، تقول: هذا يغنيني، أي: يكفيني، وقد يطلق بمعنى حسن الصوت ومنه التغني، وقد يطلق بمعنى الإقامة ومنه قوله تعالى: {كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ} [يونس:24] أي: لم تقم بمكانها، أي: يغني عن التطويل وهو الإسهاب، كما ذكرنا وهنا يرد إشكال وهو أن العلماء رحمهم الله قد تجد في كتبهم عبارات فيها ثناء على كتبهم، أو بيان لفضل هذه الكتب أو المؤلفات، وقد ثبت في دليل الشرع النهي عن تزكية النفس، فثناؤه على كتابه أليس من باب التزكية والمدح؟ والجواب أن التزكية والثناء على النفس لها أحوال: فإن تضمن ذلك الإدلال على الله -والعياذ بالله- وتزكية النفس على الله جل وعلا، فهذا -نسأل الله السلامة والعافية- هو المحرم ولا يجوز، كأن يثني الإنسان على نفسه بكثرة علم وعبادة تبجحاً ونوعاً من التفاخر والتعالي، وقد عاتب الله جل وعلا موسى عليه السلام لما ذكر علمه وهو عالم، ولم يكن تفاخراً، فكيف بمن فعل ذلك تفاخراً؟! وذكر الله أن الذين أهلكم من شأنهم أنهم فرحوا بما عندهم من العلم فالفرح بما عند الإنسان من العلم لا يؤمن معه أن يمكر الله به -والعياذ بالله- كما يقول العلماء، فلا تفرح بعلم إلا من باب الفرح برحمة الله. وإن كانت التزكية على سبيل معرفة الحق والترغيب فيه، كأن تقول: تعلمت هذا العلم من العلماء، أو أفتيتك بهذه الفتوى عن العلماء، أو هذا الأمر الذي ذكرته لك موروث من الكتاب والسنة، أو تثني على شيء حينما ترى استخفاف الناس به، فهذا فعله الصحابة، كما قال أبو العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: (ما بقي أحد أعلم بمنبر النبي صلى الله عليه وسلم مني)، فهذا نوع من الثناء على نفسه بالعلم حتى يقدر قدره، فأجاز العلماء أن يثني الإنسان على نفسه بمعرفة قدره، وقد قال تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، فإذا كان الإنسان عنده حق العلم ومن باب معرفة قدره فلا حرج، فهذا من باب الترغيب والتشويق في علمه، ونرجو أن لا يكون من باب التزكية والثناء، وإنما أراد به أن يعرف قدر هذا العلم الذي تعلمه، وحق لمثله، فإنك إن تعلمت علماً، ووفقك الله فيه فمن حقك أن تظهر للناس فضل هذا العلم.
معنى قول المصنف: (لا حول ولا قوة إلا بالله)
معنى قول المصنف: (لا حول ولا قوة إلا بالله) قال رحمه الله تعالى: [ولا حول ولا قوة إلا بالله]. قوله: (لا حول) قيل: هو تحول الإنسان من حال إلى حال، ولذلك سمي الحول -وهو السنة- حولاً كما قالوا؛ إذ الغالب أن الإنسان إذا عاش سنة أنه يتحول، فيتغير طبعه ويتغير حاله إن لم تتغير نفسيته، ويتغير ماله فإما أن يزيد وإما أن ينقص، ويتغير أهله فإما أن يهلكوا وإما أن يبقوا، فقالوا: سمي الحول حولاً من تحول الناس فيه، ولا يبقى شيء على حال، والله المستعان. فقوله: [ولا حول ولا قوة إلا بالله] للعلماء فيها وجهان: فمنهم من يقول: أي: لا تحول من حال إلى حال، ولا قوة على ذلك التحول ولا بلاغ إلا بالله. وقيل: لا حول في دفع ضره ولا قوة في بلوغ خير إلا بالله، فالله جل وعلا منه الحول ومنه الطول ومنه القوة. وكل هذه المعاني متقاربة، ولكن المعنى الأجمع: لا حول في تحصيل خير ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه لما سمع المؤذن يقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله). قال بعض العلماء: مناسبته أنه برئ من الحول والقوة في إجابة داعي الله إلا بعد توفيق الله جل وعلا، فقد يكون الإنسان راغباً في حضور الصلاة وأدائها، ولكن يحال بينه وبينها بسقم أو مرض، وقد يحال بينه وبينها بتأخر أو تقاعس، فلا حول للإنسان ولا قوة في بلوغ الخير إلا بالله جل وعلا، وهكذا في دفع الشر. قوله: [وهو حسبنا ونعم الوكيل]. حسبي أي: كفايتي. وجاء بصيغة الجمع (وهو حسبنا) التي تشمله وتشمل السامع والقارئ. وقوله: [ونعم الوكيل] ثناء على الله جل وعلا، والوكيل هو: القائم على الشيء المتوكل عليه، والله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، فهو القائم على كل نفس، وهو المتوكل بكل نفس سبحانه وتعالى، فهو حسبنا في بلوغ هذا الأمر الذي رسمناه والمنهج الذي ذكرناه. ومعنى [ونعم الوكيل] أي: نعم من يوكل إليه الأمر.
فوائد المقدمة
فوائد المقدمة وهذه المقدمة فيها فوائد نجملها فيما يلي: أولاً: الثناء على الله عز وجل واستفتاح الكتب بالثناء عليه عز وجل، وفي حكمها الخطب ونحوها. ثانياً: الفصل بين مقدماتها ومضامينها. ثالثاً: أن تكون المقدمة مشتملة على التعريف بالكتاب أولاً، وهذا في قوله: [فهذا مختصر]. رابعاً: بيان منهج الكتاب حينما بين أنه مختصر من المقنع، وأنه يحذف ويزيد، وكذلك بيان أنه يقتصر على القول المعتمد والراجح. خامساً: ختم ذلك بالثناء على الله جل وعلا، وسؤاله المدد والعون، فلذلك ينبغي لطالب العلم أن يستفتح مقدمته بالثناء على الله عز وجل ويختمها أيضاً بسؤال الله عز وجل المعونة والتوفيق. قال بعض العلماء يوصي ابناً من أبنائه وطالباً من طلابه: (يا بني: سل الله التوفيق، فإنه إذا وفقك ألهمك الخير)، فإذا كنت موفقاً فأنت ملهم للخير، فلذلك يسأل الإنسان في خاتمة الأمور دائماً توفيق الله جل وعلا، ونسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجزي هؤلاء الأئمة وإخوانهم من علمائنا خير ما جزى عالماً عن علمه، اللهم أسبغ عليهم شئابيب الرحمات، وأوجب لهم بذلك جزيل المغفرات وعلو الدرجات، وألحقنا بهم على أحسن ما تكون عليه الوفاة والممات، إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
المبتدئ في طلب العلم والدروس الموسعة
المبتدئ في طلب العلم والدروس الموسعة Q كيف يصنع طالب العلم المبتدئ إذا حضر درساً موسعاً ولم يكن تدرج في هذا العلم قبل ذلك؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإذا كان طالب العلم قد ابتدأ طلبه للعلم في كتاب موسع فإنه يأخذ الخلاصة والزبدة، فيكون طلبه للعلم بتلخيص دروس العلم الموسعة إذا لم يتسير له قراءة المتون المختصرة، والسبب في ذلك الآن ضيق الوقت وضيق الزمان، وقلة من يُعلِّم هذا العلم وندرته، فقد يكون في البلد الواحد درس واحد، بل قد يوجد في الإقليم والمنطقة بكاملها درس واحد إن وجد، فلذلك إذا وجدت درساً موسعاً فأوصيك أن تأخذ زبدة ما يقول ذلك الشارح بالدليل، فالفقه بالدليل. فإذا تكلم عن باب المياه -مثلاً- فلتعرف أول شيء الأمور التي اتفق عليها العلماء، والتي لا إشكال فيها، فتكتبها وتلخصها، ثم الأمور الخلافية التي يتوسع فيها فتأخذ زبدة الخلاف ودليل القول الراجح. ومن لا يستطيع استيعاب المسائل الخلافية فليأخذ بالطريقة التالية: أولاً: يتصور المسألة، ثم بعد ذلك إن قيل: فيها قولان، فيستمرُّ في معرفة الأقوال والأدلة، ويتصور ما يستطيع تصوره حتى يَأتي إلى الراجح، فإذا قال الشيخ: الراجح عدم الجواز، فيعلق في كتابه: الراجح عدم الجواز؛ لقوله تعالى كذا وكذا، ولقوله عليه الصلاة والسلام كذا وكذا، فيكون قد أخذ فقهاً بدليله، لكن ينتبه لقضية وجود القول المخالف، فإن جاءه أحد وقال له: هذه المسألة فيها كذا، يقول: نعم. هناك قول مخالف، ولكن الشيخ الذي قرأت عليه رجح كذا وكذا فأنا أسير معه بدليله؛ لأنني أرى فيه فضلاً، وأعتقد أن عنده إلماماً بهذا العلم، فأنا أتبعه بالدليل، فإذا قيل لك: هناك دليل آخر، فقل: قد أجاب عنه الشيخ، فمن أراد أن يناقش فليناقش الشيخ، فلا تفتح باب المناقشة؛ لأنك في بداية الطلب، فلو فتحت باب المناقشة تعبت، وهذا الذي يضر كثيراً من طلاب العلم. فاقتصر على القول الراجح بالدليل ولا تتعصب، فليس الشيخ بملك مقرب ولا نبي مرسل، وقوله يؤخذ منه ويرد، فإن ذكر القول بالدليل فاعلم أن الله سائلك عن القول بالدليل، فإن اعتقدت ما قاله بالدليل فقد أديت ما عليك. ثم إن خالف أحد فحينئذٍ لا تفتح باب الخلاف، وهذا أمر أجمع العلماء عليه، فمن ليست عنده أهلية للترجيح والخلاف والنظر فإنه يقتصر على قول عالم يثق بعلمه بالدليل حتى يتم الفقه، وإذا بالفقه بين يديك عصارة خالصة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى مرتبة معرفة الأدلة ووجه دلالاتها، ثم تتوسع بقاعدة وركيزة. فكل السلف رحمهم الله توسعوا بقواعد وركائز، فكان شيخ الإسلام يقول: وهذا قول أصحابنا وخالفنا الشافعية لقوله تعالى كذا وكذا، فالذي دله على أنه قول أصحابه أنه ابتدأ بفقه مذهبه وضبطه بدليله، ثم انتقل إلى مستوى من خالف وما دليله، ثم يناظر ذلك الدليل ويقارع الحجة بالحجة حتى يستبين السبيل والمحجة، فإذا بلغ طالب العلم هذا المبلغ فبإذن الله يصل إلى علم وفقه واضح. لكن لو فتح باب النقاش وهو في بداية الطلب فإنه سيتبلبل ويقول: الشيخ يقول كذا، والشيخ فلان يقول كذا، والشيخ فلان أعلم من فلان لأنه يعرف الحديث، وفلان يعرف الفقه، فتضيع الأمة، وقد تنتقص وتجرح عالماً، فإذا جاء من يجادلك فقل له: أنا أدين الله أن فلاناً من أهل هذا العلم، وأخذ هذا العلم عن أهله، وأنا لا آخذ قوله لأنه فلان، بل أخذته للدليل، فسأبقى معه حتى أضبط، ثم بعد أن أضبط أنظر من خالفه وما دليله. أما قبل هذه المرتبة فليست مرتبة مقارنة أو مناقشة؛ لأن الإنسان لا يكون متأهلاً للنقاش والخلاف، فهذا أمر ينبغي أن يدرك، وقد نبه عليه الإمام ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، ونبه عليه الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه في الانتقاء، ونبه عليه شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع، كلهم نبهوا على أن طالب العلم يأخذ القول بالدليل حتى يبلغ درجة المناظرة فينتقل إلى درجة الاجتهاد، أما إذا لم يبلغ هذا المبلغ فعليه أن يتريث. وكثير من طلاب العلم بدءوا بكتاب الطهارة، فأخذوا كتباً في الحديث اختلف العلماء فيها على قولين أو على ثلاثة، فيقول أحدهم: الراجح عندي هذا القول لقول كذا وكذا، فرجح هذا القول لدلالة المفهوم، ثم جاء في مسألة أخرى وقال: الراجح عندي القول الثاني، وهو دلالة منطوق، وقد يكون المفهوم الذي رجح به يعارضه مفهوم آخر من جنسه في المسألة الثانية، فيتناقض ويتبلبل ويعيش في حيرة؛ لأنه ليست عنده موازين للترجيح، ولا موازين للفهم، فهذا هو الذي ضر كثيراً من طلاب العلم. وبعد أن تنتقل إلى درجة معرفة المخالف ودليله ووجه الخلاف فكم من دليل ستراه كأنه حجة وهو ضعيف في دلالته، وكم من دليل ستراه قوي الحجة قد عارض ما هو أقوى منه، فهذا أمر ينبغي التنبه له. فاضبط الفقه بدليل، وانتظر حتى تتسع مداركك وتتفتح، وتفقه عن الله ورسوله، وتأخذ علماً منضبطاً واسعاً، ثم بعد ذلك تنتقل إلى من خالفك ودليله، مثلما درج السلف الصالح رحمة الله عليهم. وهذه قضية مهمة جداً أثرت على كثير من طلاب العلم، حتى إن بعضهم ملّ الفقه وتركه، وأصبح في دوامة لا يعرف الحق والعياذ بالله، فوصل إلى الحيرة، والسبب أنه أوقف نفسه في موقف لا يليق به. فمن أنت حتى تصير حكماً بين الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد؟! ومن أنت حتى تقول: فلان ومن هو فلان؟! فهذا ليس بالسهل، وقد كان بعض العلماء إذا سئل عن راجح يخاف وتنتفض يداه من الرعب، فهذه مرتبة لا يصل إليها الإنسان إلا بعد عناء، ومن الأدلة على ذلك أن تبحث عن كتب الخلاف في الفقه، فإنك ستجدها تعد على الأصابع؛ لأنهم كانوا يعرفون أن هذا الثغر لا يبلغه الإنسان إلا بعد تحصيل، وبعد أن يشيب رأسه، وبعد تتبع الأقوال ومعرفة المخالفين وأدلتهم، وما كان لمن وراءهم أن يدخلوا في مسائل الخلاف إلا بعد الاستيعاب، ومعرفة ما هي الأقوال في المسألة. وقد تجد الرجل يقف على قولين، وفي المسألة ستة أو سبعة أقوال، فلذلك ينبغي للإنسان أن يتأنى ولا يستعجل حتى يضبط العلم وبإذن الله عز وجل سيبارك الله فيه. فإذا سرت على ما ساروا عليه فستبلغ ما بلغوا بإذن الله جل وعلا، وإذا جئت تجتهد وترسم لنفسك منهجاً جديداً بمحض رأيك وفهمك فلا تلومنّ إلا نفسك. فارتبط بمنهج السلف، وبإذن الله لن تختم باباً إلا وأنت على تصور واضح وطريقة معينة. وليكن قولك: أنا لا أفتح باب النقاش، وأنا الآن أقرأ بدليل، وألقى الله بهذا الدليل والحجة؛ لأنه ليس عندي مرتبة أن أفاضل، فلم أقرأ الأصول، ولا عرفت مراتب الأدلة، ولا عرفت ما هو الراجح من الأقوال. فأنا أقتصر على هذا القول بالدليل. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن طالب العلم إذا أخذ القول بالدليل فقد أعذر؛ لأنه يلقى الله بدليل، إنما المحرم أن تكون طالب علم تعرف الأدلة ثم تقول: أنا لا أحيد عن العمدة والزاد، فهذا هو التقليد المتعصب المذموم، أو يأتيك إنسان بحجة من الكتاب والسنة فتتركها، لكن إذا كان عندك حجة من الكتاب والسنة، وقول عالم مبني على الكتاب والسنة فعندك حجة وأنت على محجة حتى تبلغ درجة الاجتهاد، ولا يكلف الله تعالى نفساً إلا وسعها، والله تعالى أعلم.
كيفية حفظ المتون
كيفية حفظ المتون Q كيف نستطيع حفظ هذا المتن؟ A بالنسبة للحفظ فأنا أرغب في حفظ كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب العلماء على العين والرأس، ولكن بدل إضاعة الساعة في حفظ زاد المستقنع استغلها في حفظ حديث من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، والزاد افهمه، واعرف كيف تعبد الله عز وجل، واحفظ مسائله. أما أن تحفظ العبارات فأولى منها حفظ كتاب الله تعالى وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكل حرف تتعبد الله عز وجل به لك فيه من الأجور ما الله به عليم، والزاد خير وحفظه بركة، ولكن الأفضل والأكمل لك أن تحفظ كتاب الله تعالى. ومن الصعب أن تجد الطالب يحفظ الزاد ولا يحفظ القرآن، وكيف يحفظ الزاد وتخفى عليه أحاديث الأحكام؟! أما طريقة حفظ الزاد فهي باختصار: أولاً: تأخذ المادة مكتملة ولا تزد على سطر واحد. فإذا تكلم المصنف -مثلاً- عن أقسام المياه في سطرين أو ثلاثة أسطر، فلا تحفظ الثلاثة الأسطر دفعة واحدة، فإذا كانت المادة مكتملة في سطر فخذها، وأما إذا كانت غير مكتملة إلا بثلاثة أسطر فجزئ جزئيات المادة، فإذا كانت المادة ثلاثة أقسام: الماء الطهور سطر، والطاهر سطر، والنجس سطر، فاحفظ أولاً الطهور، ولو ذكره في السطرين فإنه يذكر لك وصفه وحكمه، فالسطر الأول في وصفه والثاني في حكمه، فابدأ بوصفه ثم بحكمه. ولا تحفظ السطر ولا نصف السطر إلا وأنت تعرف عن أي شيء يتكلم. فاكتب السطر ثم أدم النظر فيه، واقرأه على الأقل عشر مرات بتمعن، ولا تقرأ إلا بعد تصحيح هذا المتن على عالم حتى تضبط، ويكون حفظك صحيحاً. وبعد ما تقرأ عشر مرات حاول مرة أن تقرأه غيباً، وتعرَّف على نقاط الضعف في الحفظ في أي العبارات، ثم ارجع وكرر إن استطعت مائة مرة، أو مائتين إذا كنت تريد الحفظ؛ لأن الذي ضر الكثير الآن في الحفظ ازدحام المعلومات، والأولون لم تكن عندهم مشاغل ولا مشاكل كثيرة، وعند الإنسان اليوم مشاغل ومشاكل في بيته وأهله وأولاده وأطفاله فيستغرق ذهنه، لكن إذا صح ذهنه وصفا فإنه تكفيه المرتان والثلاث، وأحياناً مرة واحدة. يقول الشعبي: ما كتبت سوداء في بيضاء، ولا سألت رجلاً أن يعيد حديثه عليّ مرتين. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يلهمنا السداد والصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أحكام المياه [1]
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [1] إن الإسلام دين الطهارة والنظافة، ولذلك ألزمنا بالطهارة في كل شيء؛ في الصلاة والحج والصيام والزكاة، سواء كانت طهارة معنوية بإخراج الشرك وحب الدنيا والرياء والسمعة من قلوبنا، أو حسية كالطهارة الماء من غسل ووضوء، وطهارة المال بإخراج الزكاة، وهذه بعض أخلاق الإسلام ومعالمه الراسية.
أحكام المياه
أحكام المياه بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وخير خلق الله أجمعين، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الطهارة]. الكلام على هذه الجملة في مواضع: الموضع الأول: في بيان معنى قوله: (كتاب الطهارة). والموضع الثاني: في بيان مناسبة تقديم كتاب الطهارة وجعله في صدر هذا الكتاب. يقول المصنف رحمه الله: (كتاب الطهارة). الكتاب: مصدر، مأخوذ من قولهم: كتب الشيء يكتبه كتابة وكتبا، وأصل الكَتب في لغة العرب: الضم والجمع، ومن ذلك قولهم: تكتب بنو فلان، إذا اجتمعوا. قال العلماء: سمي الكتاب كتاباً لاجتماع حروفه بعضها إلى بعض. وقوله: (كتاب الطهارة)، الطهارة: مأخوذة من الطهر، وهو: النقاء والنظافة من الدنس والأقذار، فأصل الطهر في اللغة: النقاء. وأما في اصطلاح العلماء: فإنهم إذا قالوا: الطهارة، فمرادهم بها شيء مخصوص، عبروا عنه بقولهم: صفة حكمية توجب لموصوفها استباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحوها مما تشترط له الطهارة. معنى العبارة: أن الطهارة إذا وصفت بها مكلفاً فإن هذا الوصف من لوازمه أنه صفة حكمية، فلا تستطيع أن تجد للطهارة أوصافاً محسوسة، ولذلك هي حكم يحكم به على الإنسان، يقال: فلان متطهر، وفلان غير متطهر، وليست الطهارة شيئاً محسوساً تراه كالثوب والكساء ونحو ذلك، وإنما هي شيء معنوي. ولذلك قالوا: صفة حكمية، أي: غير محسوسة ولا مرئية ولا ملموسة، لكن لو قلت فلان لابس، فلان مكتسٍ، فإن الكساء مدرك بالحس، لكن: فلان متطهر لا تستطيع أن تقول: فلان هذا متطهر، وتشير إلى وصف موجود في ظاهره، وإنما هو وصف حكمي لا يتعلق بالمحسوسات. صفة حكمية تثبت لموصوفها، أي: للشخص الذي تصفه بها، استباحة الصلاة، أي: حل فعل الصلاة؛ لأن الله أمر كل من قام إلى الصلاة أن يتطهر لاستباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحو ذلك مما تشترط له طهارة.
مناسبة تقديم كتاب الطهارة على بقية أبواب الفقه
مناسبة تقديم كتاب الطهارة على بقية أبواب الفقه Q لماذا بدأ المصنف رحمه الله كتابه الفقهي بكتاب الطهارة؟ A لأن الفقه منه ما هو متعلق بالعبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، ومنه ما هو متعلق بمعاملة الناس بعضهم مع بعض كالبيع والنكاح والجناية. فأجمع العلماء على تقديم العبادة على المعاملة، فيقدمون أبواب الصلاة والزكاة والصوم والحج على سائر أبواب المعاملات. والسبب في ذلك: أن العبادة هي الأصل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) فقدم الصلاة وجعلها بعد الشهادتين. ولذلك درج العلماء من المحدثين والفقهاء على استفتاح كتب الحديث والفقه بكتاب الصلاة. والمصنف قال: (كتاب الطهارة) ولم يقل: (كتاب الصلاة)، فلماذا لم يجعل بداية كتابه بكتاب الصلاة؟ الجواب: أن الصلاة لا تقع إلا بطهارة سابقة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] فأمر كل من قام إلى الصلاة أن يتطهر قبل فعل الصلاة. وبناءً على ذلك قدم الكلام عن الطهارة على الكلام عن الصلاة، وبعبارة علمية كما يقول العلماء: الطهارة وسيلة والصلاة مقصد، والقاعدة تقول: (الكلام على الوسائل يقدم على الكلام على المقاصد). والطهارة تحتاج إلى معرفة أمور: أولها: أن تعرف ما هو الشيء الذي تتطهر به؟ أي: تتوضأ وتغتسل به، وتغسل به النجاسة عن البدن أو الثوب أو المكان حتى توصف بكونك متطهراً. ثانياً: أن تعرف الصفة التي تحصل بها الطهارة. فلابد من أمرين: ما يتطهر به وصفة الطهارة، وبعبارة مختصرة: شيء يتوضأ به وصفة تحصل بها الطهارة. أما الشيء الذي تتوضأ به فقد جعله الشرع في شيئين: إما الماء، أو البدل عن الماء. فالإنسان يصلي إذا تطهر بماء أو ببدل يقوم مقام الماء. إذاً عندنا أمران: أصل، والذي هو الماء، وبدل، والذي هو التراب، فلابد للمكلف أن يبدأ بمعرفة الشيء الذي تحصل به الطهارة وهو الماء، ثم بعد ذلك يعرف كيفية فعل الطهارة، فإن كل مكلف إذا أراد أن يتوضأ يحتاج أول شيء إلى الذي يتوضأ به، ثم يسألك بعد ذلك كيف أتوضأ؟ فأما الشيء الذي يتوضأ به فهو الماء، ولذلك قال المصنف: (كتاب الطهارة، باب المياه). فابتدأ أول شيء بالمياه؛ لأن الإنسان يحتاج أولاً إلى وجود الماء حتى يسألك بعد ذلك: كيف أتوضأ؟ وكيف أغتسل من الجنابة؟ وتسأل المرأة: كيف تغتسل من نفاسها وحيضها؟. إلخ. فتبين أن الصلاة هي الأساس، ويقدم الحديث عنها على سائر المعاملات، ثم الصلاة تحتاج إلى وسيلة وهي الطهارة والطهارة، تحتاج إلى شيء يتطهر به، وصفة الطهارة. وسينحصر كلامنا إن شاء الله في المياه التي يتطهر بها الإنسان ويزيل بها عنه الخبث ويرفع بها الحدث. ولذلك قال المصنف: (وهي ارتفاع الحدث) فبعض العلماء يقول: باب المياه، وبعض العلماء يقول: كتاب الطهارة: باب المياه ثم يتكلم عن أنواع الماء، لكن المصنف جاء مباشرة وقال: (كتاب الطهارة وهي ارتفاع الحدث) إلخ. ولا فرق لكن التعبير بباب المياه أدق.
أقسام المياه
أقسام المياه وأحب أن أقدم بمقدمة يتهيأ بها الإخوان لمعرفة أحكام المياه التي يذكرها العلماء رحمة الله عليهم: لابد لكل مسلم أن يعرف الأحكام التي تتعلق بالمياه؛ لأنه لا صلاة له إلا بماء معتبر، بعد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان. والمياه منها ما أذن الله بالطهارة به، ومنها ما لم يأذن الله بالطهارة به، فلابد للمكلف أن يعرف ما هو الماء الذي يتوضأ ويغتسل به، وما هو الماء الذي لو توضأ أو اغتسل به لم يصح وضوءه ولا غسله. وبناءً على ذلك فهذا الباب مهم، فنحتاج أول شيء أن نعرف أقسام المياه؛ لكي نرتب بعد ذلك الأحكام المتعلقة بكل قسم على حدة. الماء قسمه العلماء -على مذهب الجمهور- إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: الماء الطهور. والقسم الثاني: الماء الطاهر. والقسم الثالث: الماء النجس. فعندنا ثلاثة أقسام: إما ماء طهور، وإما ماء طاهر، وإما ماء نجس. فيرد السؤال مباشرة: ما السبب في تقسيم الماء إلى هذه الأقسام؟ و A أن الماء له حالتان: الحالة الأولى: إما أن يبقى على أصل خلقته كماء السيل، وماء البئر، فما نزل وجرى به السيل فهو باقٍ على أصل خلقته، وما نبع من بئر فهو باقٍ على أصل خلقته. الحالة الثانية: أن يأخذه المكلف فيضع فيه شيئاً يخرجه عن أصل خلقته، أو يأتي ريح فيلقي فيه شيئاً فيخرجه عن أصل خلقته. ففي الحالة الأولى إذا بقي على خلقته يسمونه: الماء الطهور: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وهو القسم الأول. القسم الثاني: إذا تغير هذا الماء عن الخلقة فإما أن يتغير بشيء طاهر، وإما أن يتغير بشيء نجس. فإن جاء المكلف ووضع فيه شيئاً طاهراً كحمص أو باقلاء أو زعفران، فتغير الماء بالحمص أو الباقلاء أو الزعفران، صار ماء زعفران أو ماء باقلاء أو ماء حمص أو غيره. فتسميته ماءً طاهراً؛ لأنه انتقل عن أصل خلقته إلى صفة جديدة تخالف ما خلقه الله عليه، فأصبح فيه لون الزعفران وطعمه ورائحته، فلو قلت: هذا ماء طهور، لم تصدق؛ لأن الطهور باقٍ على خلقته، وهذا غير باق على الخلقة، حيث تغير بطاهر. القسم الأخير: أن يتغير بنجس، كإناء فيه ماء فجاء صبي وبال فيه أو سقطت فيه نجاسة، فتغير لون الماء بلون النجاسة أو رائحته برائحة النجاسة، فحينئذٍ يكون الماء ماءً نجساً. إذا الآن عندنا ثلاثة أقسام للماء: ماء باقٍ على أصل خلقته. وماء متغير عن أصل خلقته، إن كان بطاهر فطاهر، وإن كان بنجس فنجس. العلماء رحمهم الله يتكلمون على هذا: حقيقة الماء الطهور والطاهر والنجس. وبناءً على ذلك يرد Q ما الذي يحل أن أتوضأ وأغتسل به وأزيل به نجاسة الثوب والبدن والمكان؟ وما هو الذي بخلاف ذلك؟
الماء الطهور أمثلته وأحواله
الماء الطهور أمثلته وأحواله بعد أن قسمنا الماء إلى ماء طهور وماء طاهر وماء نجس. نقدم بمقدمة ثانية: الماء الطهور وصفناه بكونه باق على أصل خلقته، ومثاله: ماء البئر، فإنك إذا حفرت بئراً واستخرجت الماء استخرجت ماءً باقياً على أصل خلقته: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون:18] فالله أسكن هذا الماء الذي نزل من السماء في الأرض، فإذا خرج خرج على أصل خلقته سواءً خرج من بئر، أو من عين، كل ذلك نسميه: ماءً طهوراً، ومثل ماء البئر: ماء العين، وماء النهر، وماء السيل، لكن ماء السيل قد يقول لك قائل: إن السيل يمشي على وجه الأرض فيختلط بالتراب حتى يصير لونه أحمر أو غالباً إلى الحمار مع ضرب من السواد والأحمر القاتم، وأنت تقول: يشترط في الطهور أن يبقى على أصل خلقته، وهذا لم يبق على أصل خلقته، إذاً ليس بطهور. و A أن الماء الطهور يحكم بكونه طهوراً إذا بقي على أصل خلقته أو تغير بشيء يشق احترازه عنه، فماء النهر لو نبت فيه الطحلب -وهو نوع من أعشاب البحر- فأصبحت رائحة الطحلب أو طعمه في الماء، نقول: هذا ماء طهور، وإن كان قد تغير بالطحلب الطاهر. إذاً: الماء الطهور إذا تغير بطاهر فلا نحكم بتغيره في حالات الضرورة، وهي الحالات التي لا يمكن للإنسان أن يفك الماء فيها عما غَيَّره، مثل: اختلاط التراب بماء السيل، ومثل ماء القربة، فإنك إذا وضعت فيها الماء وجئت تشرب تجدُ رائحة القربة في الماء، ويكون الماء قد تغيرت رائحته وقد يتغير طعمه، فلا تقل: تغير بطاهر فهو طاهر، لا؛ لأنه تغير بشيء يشق التحرز عنه، هذا بالنسبة للماء الطهور. إذاً الماء الطهور له حالتان: الحالة الأولى: أن يقال لك: توضأ من هذا الماء الطهور واغتسل منه بدون كراهة، كما لو جئت إلى بركة ماء -والماء فيها على خلقته- فسألت الفقيه وقلت له: هل يجوز أن أتوضأ من هذه البركة؟ قال لك: نعم يجوز بالإجماع؛ لأنه ماء طهور باق على أصل خلقته. لكن هناك حالات يقول لك: يجوز ولكن مع الكراهة، حيث يكره لك أن تتوضأ بهذا النوع من الماء ولو كان في الأصل طهوراً، وسنبين ذلك إن شاء الله.
تعريف الطهارة
تعريف الطهارة قال المصنف رحمه الله: [وهي ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث]. (وهي) الضمير عائد إلى الطهارة.
أنواع الأحداث
أنواع الأحداث قال المصنف رحمه الله: (وهي ارتفاع الحدث) لما قال: (كتاب الطهارة) مباشرة قال: (وهي ارتفاع الحدث). إذاً ما معنى قوله: (الحدث) وقوله: (وما في معناه وزوال الخبث)؟ فأما الحدث فحقيقته في اللغة: حدث الشيء إذا وقع، تقول: هذا حدث أي: وقع، ومنه الحدث، أي: الخبر الذي حصل وكان. ولما قال العلماء: ارتفاع الحدث، يريدون به شيئاً مخصوصاً، فالحدث في الأصل يطلق على خروج الخارج، ويشمل: البول، والغائط، والريح، والحيض، والنفاس، وغيرها من الأحداث. ثم هذا الخارج إما أن يكون موجباً للطهارة الصغرى التي هي الوضوء كخروج الريح، فإذا خرجت الريح وجب على الإنسان أن يتوضأ حتى يصلي، وكذلك خروج البول والغائط والمذي والودي كلها أحداث صغرى. وإما أن يكون الخارج حدثاً أكبر كدم الحيض والنفاس والمني فإنه يوصف بكونه حدثاً أكبر. إذاً الحدث عندنا قسمان: إما حدث أكبر، يشمل الجنابة والحيض والنفاس. أو حدث أصغر، يشمل -أكرمكم الله- البول والغائط والريح ونحوها. فلما قال المصنف: (ارتفاع الحدث) أي: أن الإنسان إذا خرج منه خارج فبمجرد ما يخرج منه تقول: هذا أحدث، فتصفه بكونه خرج منه الحدث؛ لكن قولك: هذا محدث، لا تريد منه أنه خرج منه الخارج، لا، وإنما تريد منه أن مثله لا يصلي، ولا يطوف بالبيت، ولا يمس المصحف ونحوه مما تشترط له الطهارة. وبناءً على ذلك كأنه محبوس عن فعل الصلاة، فإذا اغتسل أو توضأ فقد ارتفع الحدث، أي: زال المانع. فقوله: (هي ارتفاع الحدث) مراده بذلك زوال المانع؛ لأن الرفع -كما يقول العلماء- يكون لشيء وقع، تقول: رفعت الثوب إذا كان قد وقع على الأرض، لكن إذا كان الثوب معلقاً، فلا تقول: رفعت الثوب. فالرفع لا يكون إلا لشيء وقع، فما الذي وقع من المكلف؟ إما خروج ريح، أو بول، أو مذي، أو ودي، أو دم نفاس، أو دم استحاضة، أو دم حيض، فيمنع من الصلاة، فإذا فعل الطهارة التي ستأتي من الوضوء والغسل ووصف بكونه متطهراً جاز له فعل الصلاة ونحوها من العبادات التي تشترط لها الطهارة. (هي): أي: الطهارة عندنا معشر الفقهاء (ارتفاع الحدث). ما هو الحدث؟ الحدث: صفة حُكمية توجب منع موصوفها من استباحة الصلاة والطواف بالبيت ونحوه مما تُشترط له الطهارة. (صفة) أي: تقول: فلان محدث وفلانة محدثة إذا اتصفا بهذه الأشياء (صفة حكمية) ما تُرى بالعين ولا تُلمس باليد؛ إنما هي متعلقة بالمعاني والإدراكات. وعند العلماء الشيء يكون على حالتين: إما حسي، وإما معنوي. الحسي أو الأوصاف المحسوسة: كالطول والقصر والعرض والارتفاع ونحو ذلك. المعنوي: شيء يرجع إلى المعاني والأذهان. فلو دخل عليك رجل عالم هل ترى العلم شيئاً ملموساً عليه مثل الطول والقصر؟ لا. وعندما يخرج من الإنسان الريح أو البول أو الغائط فيوصف بكونه محدثاً، هل الحدث شيء يُرى أو يلمس عليه؟ أبداً، ما تستطيع أن تفرق، وقد يدخل الرجلان أحدهما محدث والآخر لا يدري. إذاً الحدث ليس صفة محسوسة ولكنه صفة معنوية، ولذلك قال العلماء: الحدث صفة حكمية، والحكمية والمعنوية معناهما واحد. (توجب) أي: تثبت منع موصوفها من استباحة الصلاة. فالرجل إذا خرج منه الريح أو البول أو الغائط لا يصلي ولا يطوف بالبيت ونحوه مما تشترط له الطهارة. إذاً: الحدث يمنع، والطهارة تبيح. فأصبح الأمر من باب التضاد (طهارة وحدث)، ولذلك تجد العلماء دائماً يقولون: طاهر ومحدث، هذا حاصل ما نقوله في قوله: (هي ارتفاع الحدث).
ما في معنى الحدث
ما في معنى الحدث قوله: (وما في معناه) كالنوم، فإنه ليس بحدث ذاتي، ولكنه في معنى الحدث، وغسل الميت عند من يقول: أنَّ منْ غَسّلَ ميتاً يغتسل، ومن حمله فليتوضأ، فإنَّ غَسْلَ الميتِ ليس بانتقاض للطهارة، ولكن يقولون: هو في حكم الحدث. فصارت عندنا الموانع قسمين: إما حدث كبول وريح وغائط. وإما في معنى الحدث كالنوم، فإن النوم ذاته ليس بحدث؛ ولكن الإنسان إذا نام سها، فربما خرج منه الريح وهو لا يدري، فأصبح في حكم الحدث، هذا معنى قوله: (وما في معناه) يعني: ما في معنى الحدث، مثل: غسل المستيقظ من النوم يده قبل أن يدخلها في الإناء ثلاثاً كما سيأتي.
الخبث وأقسامه
الخبث وأقسامه وقوله: (وزوال الخبث): الخبث أصله من خَبُثَ الشيء، يَخْبُثُ خُبْثاً إذا كان مستقذراً. فأصل الخبيث المستقذر والذي تعافه النفوس، قال الله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] أي: الذي تعافه النفوس. وقد يطلق الخبث على الخبيث حساً ومعنىً، وقد يطلق على الخبيث معنىً. فالخبث النجاسة، والمراد بها أن يصيب الثوب أو البدن أو المكان نجاسة، فإن الله أمر كل من أراد أن يصلي أن يكون طاهر البدنِ، ليس عليه نجاسةً، وطاهر المكان ليس على سجادته أو على المكان الذي يصلي عليه نجاسة، وطاهر الثوب الذي يلبسه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]. وهنا إشكال وهو: عرفنا أنَّ الإنسان لابد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان، لكن لو فرضنا أنّ الثوب الذي أُصلي فيه عليه نقطةٌ من بولٍ ونجاسةٍ، أو السجادةِ التي أُريد أن أصلي عليها فيها نقطة من بول أو دم أو نحو ذلك من النجاسات، أو البدن الذي أريد أن أصلي به فيه شيء من النجاسة من دم أو بول أو ودي أو مذي. إلخ، فكيف أزيل هذه النجاسة؟! إنما يتحقق ذلك عن طريق الطهارة، فمن غسل ثوبه وبدنه والموضع الذي يصلي فيه حتى طَهُرَ وُصِفَ بكونه متطهراً. إذاً الطهارة لها حالتان: إما أن تتعلق بالإنسان نفسه من ناحية فعل الطهارة التي هي الوضوء والغسل من الجنابة. وإما أن تتعلق بثوبه وبدنه ومكانه من جهة إزالة الخبث والنجاسة التي عليها. فأصبحت الطهارة تنقسم إلى قسمين: إما طهارة حدث في الإنسان. وإما طهارة خبث في المكان. ولابد للإنسان أن يكون متطهراً من ناحية فعل الوضوء والغسل، ومتطهراً من ناحية البدن والثوب والمكان. فلما كانت الطهارة تنقسم إلى قسمين، وكان في الأحداث ما هو ليس بحدث أصلاً؛ وإنما هو في معنى الحدث، أضاف المصنف كلمة ثالثة فقال: (ارتفاع الحدث وما في معناه وزوال الخبث) وبهذا يكون قد جمع الطهارة المتعلقة بالحدث والطهارة المتعلقة بالخبث.
أحكام الماء الطهور
أحكام الماء الطهور قال المصنف رحمه الله: [المياه ثلاثة]. لا يمكن أن تجد ماء على وجه الأرض يخرج عن واحد من هذه الثلاثة: إما طهور، وإما طاهر، وإما نجس. ولا يمكن أن تجد ماء إلا والشريعة جعلت له واحداً من هذه الثلاثة الأحكام، وهناك بعض من العلماء يقول: الماء طهور ونجس وقد فصلت هذه المسألة وبينت أدلتها في شرح البلوغ، فحتى لا نشوِّش على بعض الإخوة من العوام نقتصر على أنَّ الراجح تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، لظاهر القرآن وظاهر السنُّة ودلالة الحس على ذلك. أما ظاهر القرآن: فقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] فعبر بالطهور، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابة وقالوا: (إنا نركب البحر ومعنا القليل من الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر؟) هذا يدلُ على أن الصحابة كانوا يعرفون انقسام الماء إلى الثلاثة؛ لأن ماء البحر موجود وهو طاهر، فامتنعوا من هذا الطاهر وظنوا أنه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماؤه) أي: كون الملح فيه لا يخرجه عن وصف الطهورية، وهذا يدل على أن الماء إذا خرج عن أوصافه في لون أو طعم أو رائحة أصبح طاهراً إلاّ إذا كان مغيره نجساً. وكذلك دلالة الحس، فإنه لا يصح أن تقول لماء الباقلاء: إنه ماء طهور، والله أمرنا بالطهارة من الماء الطهور، وقد قال في ماء السماء: {مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال:11] ووصفه بكونه طهوراً فدل على أن الطهارة لا تحصل إلا بهذا الذي هو الطهور، ومحل البسط والخلاف في شرح بلوغ المرام. على العموم الماء عندنا ينقسم إلى هذه الثلاثة الأقسام.
تعريف الماء الطهور
تعريف الماء الطهور قال المصنف رحمه الله: [طهور لا يرفع الحدث، ولا يزيل النجس الطارئ غيره]. هذا القسم الأول: (طهور لا يرفع الحدث ولا يزيل النجس الطارئ غيره)، معنى قولهم: طهور، بعبارة مختصرة تقول: الماء الباقي على أصل خلقته، ومن حُكْمِهِ أنه لا يرفع الحدث ولا يزيل الخبث أو النجس الطارئ غيره. قوله: (ولا يزيل النجس الطارئ غيره) وصف الشيء بكونه نجساً على حالتين: إما أن يكون نجس العين والذات. وإما أن يكون نجساً حكماً. تقول: هذا شيء نجس؛ لأن الله حكم بنجاسة عينه. وإما أن تقول: هذا نجس أي: أصابتهٌ نجاسةٌ، لكنْ هو في أصلهِ طاهر. فأما الشيء الذي هو نجس العين هذا لا تستطيع أن تطهره، مثل: الميتة والخنزير: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] والرجس هو: النجس، فإنك لا تستطيع أن تطهر الخنزير ولو غسلته مائة مرة، فلن يصير طاهراً بل هو إلى الأبد نجس ونجاسته عينية. ولكن الثوب في أصله الخز والقماش طاهر، فإذا وقعت النجاسة عليه فلا تقول: عينه نجسة، ولا ذاته نجسة، ولكنه تنجس فأخذ حكم المتنجس، وليس كله تنجس وإنما جزء منه، فيقولون: هذا ثوب نجس. ولماّ وصفوا الثوب كله أنه نجس هل هذا حكمي أم حقيقي؟ حكمي أي: أن الشرع حكم بمجرد وقوع النجاسة القليلة على الثوب أو على البدن أو على المكان أنه نجس لكن عين الشيء طاهر. ولذلك قال: (ولا يزيل النجس الطارئ) فأخرج الميتة، فإن نجاستها عينية لا يمكن بحال أن يزول منها هذا الوصف بالنجاسة. وبعبارة أخرى يعبر بعض العلماء عن الطهور بقوله: الماء الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره. قال المصنف رحمه الله: [وهو الباقي على خلقته]. أي: هذا الماء من شأنه أنه باقٍ على خلقته، فإذا خرج عن الخلقة فإما أن يخرج إلى طاهر أو يخرج إلى نجس، فالماء الطهور من شرطه أن يبقى على أصل الخلقة.
حكم الماء المتغير بمجاور
حكم الماء المتغير بمجاور قال المصنف رحمه الله: [فإن تغير بغير ممازجٍ كقطع كافورٍ]. سندخل الآن في تفصيلات، ولكن باختصار شديد فنقول: الماء الطهور إذا تغير بشيء ينتقل إلى حكم ما غَيَّره، هذه قاعدة عندنا، فالماء الطهور إذا تغير انتقل إلى الشيء الذي غيره، إن طاهر فطاهر وإن نجس فنجس. وهنا سنذكر أموراً تغير الماء الطهور بصورة يصعب على المكلف أن يحترز عنها، فهذه يغتفرها الشرع، أو يتغير بصورة لا يمتزج فيها المغَيِّر مع الماء المغَيَّر، فهاتان حالتان: الحالة الأولى: أن يتغير ويكون تغيره بطريقة لا يمكن للمكلف أن يدفعها، وهي حالة المشقة والحرج، حيث يشق عليه أن يفعل ما يوجب انفصال الماء عن هذا الذي غيَّره. والحالة الثانية: أن يتغير بشيء فيه، لكن ذلك الشيء لا يتحلل فيه، كأن تُلقي فيه قطعة جامدة فتجد رائحة هذه القطعة أو طعمها، ولكنها لم تمتزج مع الماء. وكل هذا يعتبر فيه الماء طهوراً؛ ولكن يوصف بكونه مكروهاً أو غير مكروه كما سيذكر. (فإن تغير بغير ممازج). الممازجة: امتزج الشيءُ بالشيءِ إذا دخل بعضه في بعضٍ، حتى لا تكاد أن تفرّقَ بينهما، أكرمكم الله الآن البول لو سقط على الماء يمتزج معه امتزاجاً كلياً، والملح إذا ذُوّبَ في الماء يمتزجُ به امتزاجاً كلياً. فإذا تغير بشيء لا يمكن أن ينفك عنه فهذه ممازجة كاملة؛ لكن لو ألقيت السمن داخل الماء هل يمتزج امتزاجاً كلياً؟ لا يمتزج، كذلك عندما تلقي قطع العود في الماء تجد طعمها فيه؛ لكن هل هذا العود تحلل في الماء؟ ما تحلل. إذاً التغير عندنا له حالتان: إما أن يتغير تغيراً مستحكماً فهذا سنذكره إذا تغير إلى طاهر أو إلى نجس. وإما أن يتغير تغيراً ناقصاً كأن يضع فيه شيئاً لا يمازجه. فقال: (كقطع كافور). الكافور معروف، فإذا أخذ الإنسان من هذا الكافور قطعة ورماها في الماء فإنه يجد طعم الكافور، لكن هل الكافور تحلل تحللاً كاملاً في الماء؟ لا. فيقولون: هذا التغير ليس تغيراً حقيقياً وليس بتغير كامل. قال رحمه الله: (أو دُهن). قال رحمه الله: (أو دهن) الدهنُ لا يمازج الماء، إذا وضع في الماء تجده ينفصل عنه، ولو جئت تطعم الماء لوجدت طعم الدهن فيه، فهو قد تغير، فالماء فيه دهن لكنه لم يمازجه ممازجة كاملة. صورة المسألة: عندك إناء ماء أردت أن تتوضأ به، فجاء أحد أبنائك ورمى فيه قطعة من العود، أو رمى فيه قطعةً من الكافور، أو جاء إلى علبة سمن أو زيت ورماها في هذا الإناء، فتغير الماء، فيرد السؤال حينئذٍ: درست وتعلمت أن الماء الطهور هو الباقي على أصل خلقته، فهذا الآن حين تغير هل هذا التغير مؤثر؟ يكون A أن هذا غير مؤثر، لكن يحكم عليه من ناحية الكراهة أو عدم الكراهة. قال رحمه الله: [أو ملح مائي]. الملح: إما جبلي، وإما مائي. والملح المائي: الذي يستخلص من الماء ويكون في الأراضي السبخة، يصب عليها الماء ثم يستخلص منها بطريقة معينة. والملح الجبلي: هو عبارة عن معادن في الجبال يستخرج منها هذا الملح. فقال: (ملح مائي) وخص المائي؛ لأنه لا يتحلل. قال رحمه الله: [أو سخن بنجس كره]. مثلاً: رجل جاءَ إلى ماءٍ في يومٍ شديدِ البرد يريد أن يتوضأ أو يغتسل من الجنابة، فما وجد وقوداً إلا نجاسة -أكرمكم الله-، فجمع هذه النجاسة وأوقد النار فيها، ثم وضع إناء الماء على النجاسة، فاشتعلت حتى سخن الماء، فسخن الماء بالنجس. فيرد Q هل الماء المسخن بالنجس يعتبر نجساً؟ ومعلوم أن رائحة الوقود تكون في نفس الماء إذا سخن به، وهذا معروف، فالحطب إذا أشعلته على القدر أو على الإناء المفتوح تجد طعم الحطب فيه، فقد تسخن الماء بالنجس وتجد أنه ربما تأثر بهذا النجس، لكن هل هو تأثر حقيقي ممازج أم منفصل؟ منفصل. وبناءً على ذلك قال رحمه الله: (كره). فنريد أن نضبط شيئاً واحداً وهو: أن الماء الطهور تغير، ولكن هل هذا التغير كامل أو ناقص؟ تغير ناقص ليس بكامل، فهذا فقه المسألة. لا يهمك أن تحفظ أنه تغير بدهن أو بكافور لا داعي لحفظ هذه الأشياء، ولذلك الذي ضر كثيراً من طلاب العلم أنهم يجمدون على الألفاظ، فيجمد على اللفظ: تغير بقطع كافور أو دهن، فإذا نسي الدهن والكافور ما يحسن الجواب. وفقه المسألة هو في المخالطة والممازجة وجوداً وعدماً، المهم أن يتغير بشيء لا يمازجه، فلو سُئلت الآن عن نوع من المياه سقطت فيه مادة كيماوية لا تتحلل في الماء ماذا يكون جوابها؟ تقول: نص العلماء رحمهم الله على أن الماء إذا تغير بغير ممازجٍ أنه يكره، وهذا المذكور قد تغير فيه الماء بغير ممازج فهو مخُرَّج على ما ذكروه من المكروه. إذاً الضابط عندنا: هو عدم وجود الممازجة. وقوله: (كره) المكروه: هو الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. وبناءً على ذلك: إن تركت هذا الماء وتوضأت بغيره فأنت مثاب؛ لأنك تترك الشك إلى اليقين. وما السبب في كراهية هذا النوع من الماء؟! عند العلماء قاعدة في المكروه وهي: الأشياء التي تتردد بين الحرام والحلال، فمذهب طائفة من المحققين من الأصوليين أنها تعطى حكم المكروه؛ لأنك لا تستطيع أن تقول: حرام؛ لأن الشرع حكم بالحرمة للذي فوقها، ولا تستطيع أن تقول حلال؛ لأن الشرع حكم بالحل للذي دونها، فأصبحت مترددة بين الحلال والحرام فتقول: هي مكروهة. ومن أمثلة ذلك كما مثل الأصوليون رحمهم الله: إسبال الثوب إذا نزل عن الكعبين قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل الكعبين ففي النار) فهو محرم، ثم ما فوق الكعبين: (أُزْرَةُ المؤمن إلى أنصاف ساقيه) مباح. بقي الإشكال في الذي يوازي الكعبين هل هو مباح أو حرام؟ تقول: هو مكروه؛ لأنه ليس عندك دليل يحرم ولا دليل يبيح، وإن كان بعض العلماء يقول: الأصل الإباحة فيجوز له، ومذهب المحققين أنه يبقى بين مرتبة الحل والحرمة، وهذا الذي تجدُ بعض السلف دائماً يقول: أي شيء هذا؟ وينفض يديه، يكرهه كله ورعاً عن التحريم والحل، فيصفونه بالكراهة. كذلك عندنا هذا الماء لم يتغير تغيراً كاملاً إن جئت تقول: الأصل أنه طهور فالعبادة صحيحة، ويجوز للإنسان أن يتوضأ به، وإن جئت تنظر إلى التغير غير الكامل فيه تقول: والله أنا أشتبه فيه، فلذلك لا هو بالحرام المحض المتغير تغيراً كاملاً، ولا هو بالسالم سلامة كاملة فقالوا: هو مكروه. واختلف العلماء هل يكره مطلقاً أو يكره بشرط وجود غيره؟ الشرّاح على أن الكراهة مطلقةً، كيف؟! صورة المسألة: لو عندك إناء من الماء وقع فيه عود أو كافور أو دهن، وإناء ثانٍ ليس فيه كافور ولا عود بل هو باقٍ على أصل خلقته، فبعض العلماء يقول: أنا أحكم بالكراهة بشرط وجود البديل. وبعضهم يقول: أنا أحكم بالكراهة مطلقاً وجد البديل أو لم يوجد، وهما مذهبان مشهوران للعلماء رحمهم الله. وكل ما تقدم هذا يعتبر من باب التغير غير الكامل؛ لأننا قلنا عندنا طهور تغير تغيراً غير كامل، وطهور تغير تغيراً كاملاً لكن بشيء يشق التحرز منه. وقد تكلمنا عما تغير تغيراً غير كامل، وسنذكر الآن ما يشق التحرز عنه أي الشيء الذي لا يمكن للإنسان أن ينفك عنه.
حكم الماء المتغير بطول المكث وبما يشق صون الماء عنه
حكم الماء المتغير بطول المكث وبما يشق صون الماء عنه قال رحمه الله تعالى: [وإن تغير بمكثه أو بما يَشُقُّ صون الماء عنه]. نزل المطر فملأ حفرةً من الماء استمرت هذه الحفرة شهراً أو شهرين أو ثلاثة، فاحتجت يوماً أن تتوضأ من هذا الماء، فوجدت الماء قد تغير؛ لكن تغير بطول المكث في هذه الحفرة، يعني: لم يتغير بفعل فاعل وإنما بطول المكث، فالماء الآسن وهو الذي طال مكثه فتغير؛ فهل هذا التغير مؤثر أو غير مؤثر؟! قلنا: شرط الطهور بقاؤه على أصل الخلقة، وهذا لم يبق على أصل خلقته وإنما تغير، لكن تغير بطول المكث والزمان وهو باقٍ في هذا المستنقع أو الغدير. [أو بما يَشُقُّ صون الماء عنه]. يعني: يعسر ويصعب صون الماء عنه، وهذا له حالات: تغير الماء بما لا تستطيع أن تصونه عنه، كأن تأخذ الماء وتضعه في قربة، وهي بطبيعتها تخرج رائحتها وتتأثر بالحر والبرد، فيتأثر الماء الموجود برائحة القربة، فهل تستطيع أن تصون الماء الموجود في القربة عن هذا التغير في الرائحة؟ لا يمكن. كذلك لو أن النهر جرى أو السيل فهل يمكن حفظ مياه السيول عن التراب والغبار الموجود فيها؟! أبداً لا يمكن. قال رحمه الله تعالى: [من نابتٍ فيه وورق شجر]. (من نابت فيه) مثلاً: لو أن هذا الماء الذي نزل إلى الحفرة أو المستنقع الموجود في هذا الموضع نبت فيه طحلب أو نبات الماء، فأصبحت رائحته برائحة النبات الموجود فيه، أو سقط فيه ورق شجر، وهذا كثير في البادية، يكون على البئر شجرة مثل شجر اللوز، وهذه الشجرة تسقط أوراقها فتقع في البئر، ثم تصبح رائحة ماء البئر كرائحة اللوز، فتتغير رائحته وقد يتغير طعمه؛ لكن تغير بورق الشجر الذي يشق صون البئر عنه، فهذا جائز دون كراهة. قال رحمه الله: [أو بمجاورة ميتة]. حفرة فيها ماء وماتت وبهيمة من إبل أو بقر أو غنم بجوار هذا المستنقع، فهذه لها حالتان: الحالة الأولى: أن تلتصق بالغدير. الحالة الثانية: أن تكون بعيدة عن الغدير بينها وبينه فاصل، قليلاً كان أو كثيراً. فبالطبيعي أنها إذا كانت ملتصقة بالماء أنه سيتأثر إلا إذا كان مستبحراً، ونحن كلامنا في الماء المستنقع الذي يتأتى منه التأثر. أما إذا كانت بعيدة فكيف يتأثر الماء؟! يتأثر بالرائحة، كأن تهب الريح على الميتة، فتأتي رائحة الميتة على سطح المستنقع، فإذا جئت تطعم ماء المستنقع وجدت فيه رائحة الميتة أو طعماً متغيراً عن أصل الخلقة. فيرد Q الميتة نجسة، والماء أصبحت رائحته رائحة الميتة، وقد درست أنَّ الماءَ إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته أنه يتأثر، فيقال لك: لا؛ إذا كانت الميتة بعيدة لم تلتصق فإنها لا تؤثر، ولذلك قال: (أو بمجاورة ميتة). ولم يقل: بملاصقة ميتة، ولذلك إذا جاورت الميتة الماء لا تضر مطلقاً؛ لكن إذا التصقت ضرت في اللون والطعم، واختلف في الرائحة: فقال بعضهم: تؤثر. وبعضهم قال: لا تؤثر. وقد أشار بعض العلماء إلى ضبط هذه المسألة بقوله: ليسَ المجاورُ إذَاْ لمْ يلتصقْ يضرُّ مطلقاً وضَرَّ إن لصقْ في اللونِ والطعمِ بالاتفاقِ كالريحِ في معتمدِ الشقاق (ليس المجاور إذا لم يلتصق) يعني: هذه الميتة، (يضر مطلقاً) أي: لا يضر مطلقاً إذا كانت بعيدة عن الماء، سواءً انتقلت رائحتها أو نحوها كلها لا تؤثر. (وضر إن لصق، في اللون والطعم) أي: إذا تغير لون الماء الموجود في المستنقع وطعمه. في اللون والطعم بالاتفاق كالريح في معتمد الشقاق اللون والطعم بالاتفاق، والرائحة على الراجح من الخلاف، فإن تغير ريحه فإنه يؤثر على أرجح أقوال العلماء. قال رحمه الله: [أو سخن بالشمس]. أُخذ الإناء ووضع في الشمس وسخن فيه ماء. والمسخن بالشمس فيه أثر عن عمر لكنه ضعيف، والصحيح أن المسخن بالشمس يجوز الوضوء به؛ لكن قال بعض الأطباء: إنه يورث البرص والمرض في الجلد، ولذلك إذا صح قول الأطباء أنه يؤثر على الصحة مُنِعَ منه لعارضٍ، لكنه طهور. قال رحمه الله: [أو بطاهر لم يكره]. أي: جاز للإنسان استعماله إن سخن بطاهر، كأن يضع الحطب فيوقد على الماء حتى يتوضأ به في البرد، فتصير رائحة الماء رائحة الحطب أو الفحم، فلا يؤثر هذا فيه (لم يكره) أي: جاز لك أن تتوضأ به دون كراهة.
الأدلة على ما تقدم من أحكام المياه
الأدلة على ما تقدم من أحكام المياه عرفنا أول شيء معنى الطهارة، ولماذا قدم العلماء الكلام على الطهارة؟ ثم ذكرنا أن الطهارة منها ما هو طهارة حدث، ومنها ما هو طهارة خبث. وطهارة الحدث تنقسم إلى قسمين: حدث أصغر، وحدث أكبر. وأن المراد بطهارة الخبث طهارة البدن والثوب والمكان من النجاسة والقذر المؤثر في العبادة. ثم بعد ذلك قلنا: إن المصنف سيبتدئ الكلام عن المياه؛ والسبب في ذلك أن الطهارة لا تحصل إلا بماء، والكلام عن الماء مقدم على الكلام عن صفة الوضوء والغسل بذلك الماء. وقلنا: إن الماء إما طهور باقٍ على أصل خلقته، وإما طاهر، وإما نجس. ثم ذكرنا الطهور وضابطه وحقيقته، وأنه إن تغير بما يشق التحرز عنه أو يصعب على المكلف أن يصونه منه فإنه يجوز له أن يتوضأ به لكن مع الكراهة. ثم بعد ذلك تكلمنا على الحالة الأخيرة وهي فيما إذا كان يشق صون الماء عنه جاز بدون كراهة، وأما إذا تغير تغيراً ناقصاً فإنه يكره، أي: الطهور، فإما أن يبقى على أصل خلقته فلا إشكال، وإما أن يتغير تغيراً ناقصاً بطاهر أو نجس فهذا حكمه الكراهة، وإما أن يتغير بما يشق التحرز منه فحكمه الجواز بدون كراهة. وإن كان تغير تغيراً كاملاً بما يشق جاز بدون كراهة، هذا الذي كنا نتحدث فيه. ونريد الآن جملة واحدة وهي قضية الأدلة: عرفنا أولاً أن الطهور هو الأصل، والدليل قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وقوله عليه الصلاة السلام عن البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فلم يقل صلوات ربي وسلامه عليه: هو الطاهر، لكن قال: (هو الطهور) وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. وهذا الماء الباقي على أصل خلقته العلماء مجمعون بدون خلاف على أن الماء الباقي على أصل خلقته أنه يتوضأ ويغتسل به من الجنابة، ولذلك لما سُئِلَ النبي صلى الله عليه وسلم عن بئر بُضاعة وما يلقى فيها من النتن والحِيَض قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) فردها إلى أصل خلقتها في ماء البئر. وعلى هذا فكل ماء باق على أصل خلقته سواء نزل من السماء أو خرج من الأرض فهو على الطهارة، دليلنا على ذلك النصوص. أما إذا نزل من السماء فقوله: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وأما إذا خرج من الأرض: فحديث بئر بضاعة: (الماء طهور لا ينجسه شيء). وأما إذا كان جارياً على وجه الأرض: فقوله عليه الصلاة والسلام في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) هذا على وجه البحر، ولتوضئه عليه الصلاة السلام من المزادة وغيرها مما ثبتت به الأحاديث الصحيحة، إذاً كل ماء على أصل خلقته هو طهور. ننتقل إلى المسألة الثانية: كيف حكمتم بجواز الوضوء من ماء يشق التحرز عنه؟ وكيف حكمتم بالكراهة من ماء تغير تغيراً ناقصاً؟ فتقول: دليلنا على الحكم بصحةِ الوضوءِ من ماء يشق التحرز عن ما خالطه وغيره: أنَّ تكاليف الشرع مرتبطةٌ بالإمكان، ولذلك يقولون في القاعدة: التكليفُ شرطه الإمكان. ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فجعل التكليف مرتبطاً بالإمكان، فكل ما بإمكان المكلف يكلَّف به، وما ليس بإمكانه لا يكلَّف به. إذاً لا يكلف ما لا طاقة له به: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] هل بوسعك أن تزيل هذا؟ ليس بوسعك، إذاً لا تكلف! ولذلك القاعدة المجمع عليها: المشقة تجلب التيسير من فروع هذه القاعدة: الأمر إذا ضاق اتسع، فهنا ضيق، فهذا الشخص الذي يشق عليه التحرز عنه لو قلت له: لا يجوز الوضوء به، ضاق به الأمر، فَيُوَسَّع عليه في جواز الوضوء، هذه الحالة الثانية إذا شق التحرز عنه. أما الدليل على كراهية ما إذا تغير تغيراً ناقصاً فقد بينّا ذلك ضمن الكلام، وقلنا: إنه ليس بالمباح، أي: ليس بماء باق على أصل خلقته، ولا بماء متغير، فبقي متردداً بين المأذون به وغير المأذون به، فأعطي حكم الكراهة. وعلى هذا نكون قد انتهينا من الثلاث الجمل بأدلتها ومعانيها وأمثلتها، والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
حكم تغير الماء إلى البياض حال الضخ بالمكائن
حكم تغير الماء إلى البياض حال الضخ بالمكائن Q سؤالي عن الماء الذي يؤتى في القرب من الحرم، فذلك الماء يتغير بمسحوق أبيض معقم فما هو حكمه؟ A بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا الماء البياض الموجود فيه ناشئ عن ضغط مكائن الضخ، وهذا موجود في كل ماء يُضخَ، فمع فعل الضخ وقوة الضخ وقوته أحياناً يخرج الماء كالأبيض فتظنه ماءً كالحليب، وهو في حقيقته ماء طهور باقٍ على أصل خلقته. فإن كان كما ذكروا أنه يبيض بالضخ وهو باقٍ على أصل خلقته فحينئذٍ لا إشكال ويعتبر ماءً طهوراً، والعبرة في ذلك بشهادة من يعرف الحال لا بحكم الناس عليه؛ لأن الناس يظنون أنه ماء فيه دقيق، حيث ينظرون إليه ويرون فيه البياض فيظنون أنه قد خلط بالدقيق، والواقع أنه كما يذكرون عنه أنه ناشئ عن الضخ، وإذا كان ناشئاً عن الضخ فما حكمه؟ هو باقٍ على أصل خلقته لم يتغير لونه؛ لأن هذه الفقاقيع البيضاء لا توجب تغير اللون الحقيقي، فهو على حقيقة لونه، مثل: تغير مياه البحار إلى الزّرقة الشديدة، فإنها لا تؤثر، فكذلك مع الضخ إذا تغير إلى البياض، بفعل التكرير وكثرة الضخ هذا لا يؤثر، ولا يعتبر مؤثراً وموجباً لزوال وصف الطهورية.
خلاف الفقهاء في نقض النوم للوضوء
خلاف الفقهاء في نقض النوم للوضوء Q ذكرتم -حفظكم الله- أن في معنى الحدث النوم عند من يراه ناقضاً للوضوء، ففهمت من هذه العبارة أن النوم مختلف فيه، نرجو بيان هذا؟ A بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فالأمر كما فهمت وهو صحيح، فإن العلماء رحمهم الله سلفاً وخلفاً اختلفوا في النوم. فقال بعض العلماء: النوم ناقضٌ مطلقاً، وهذا القول يرى أن النوم على أي صفة وقع ينقض الوضوء، سواءً نام قاعداً أو مستلقياً أو منكباً على وجهه، وسواءً نام نوماً مستغرقاً أو نوماً يسيراً، فبمجرد أن تخفق عينه فهو نائم ينتقض وضوءه. واحتجوا بحديث صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: (أمرنا ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثةَ أيامٍ من بولٍ أو نوم). وجه الدلالة: أنه قال: (أو نوم) ولم يفرق بين نوم وآخر، وقرن النوم بالبول والغائط، فدل على أنه حدث، يعني أنه آخذ حكم الحدث، فقالوا: إن هذا يدل على أن النوم مؤثر. القول الثاني يقول: النوم ليس بناقض مطلقاً. واحتجوا بحديث أنس الثابت في الصحيحين أنه قال: (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعشاء، فخرج عمر يصرخ يقول: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان، فخرج صلى الله عليه وسلم ورأسه يقطر يقول: والذي نفسي بيده إنه لوقتها لولا أن أشق على الناس أو على أمتي). وفي رواية عن أنس في السنن عند أبي داود وغيره: (كان الصحابة ينامون حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضأون) قالوا: هذا يدل على أن النوم ليس بناقض مطلقاً. وذهب أصحاب القول الثالث إلى التفريق بين نوم القاعد الممكن مقعدته من الأرض، ونوم القاعد غير ممكن مقعدته من الأرض، وهذا هو مذهب الشافعية رحمة الله عليهم، والذين قالوا: إنه ناقض مطلقاً، طائفة منهم ربيعة. والذين قالوا: ليس بناقض مطلقاً هم الظاهرية. والذين قالوا: إنه ناقض في حال عدم تمكين المقعدة هم الشافعية، قالوا: إذا نام ممكناً مقعدته من الأرض لم ينتقض وضوءه، وإن نام على وجهه أو على جنبٍ أو مستلقياً انتقض وضوءه. ودليلهم: أنهم جمعوا بين الحديثين، قالوا: حديث: (من بولٍ أو نومٍ) يدل على أن النوم ناقض، وحديث كان الصحابة ينتظرون العشاء هذا في حال كونهم ممكنين مقاعدهم من الأرض، وعلى هذا ينتقض نوم من كان نائماً مستلقياً لحديث صفوان وهو الأصل، ونستثني ما ورد الشرع بعدم اعتباره ناقضاً، هذا مذهب الجمع للشافعية. القول الرابع: وهو مذهب الحنفية، زادوا على قول الشافعية: إذا نام راكعاً أو ساجداً، قالوا: إنه لا ينتقض وضوءه حتى ولو نام في الصلاة، واحتجوا بما جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من الله تعالى: (إذا نام العبد في صلاته وهو ساجد باهى الله به ملائكته وقال: انظروا إلى عبدي! روحه عندي ساجد بين يدي) وهو حديث ضعيف بل باطل، وذكر الإمام ابن الجوزي في العلل المتناهية أنه ليس بصحيح. القول الخامس في المسألة يقول: إن العبرة في النوم بزوال الشعور، وهو مذهب المالكية والحنابلة وهو الصحيح -إن شاء الله- في هذه المسألة، فإن كان الذي نام قد زال شعوره ولو كان نومه يسيراً قاعداً أو قائماً أو مستلقياً انتقض وضوءه، وإن كان لم يَزُل معه الشعور لم ينتقض وضوءه. الحنابلة فرقوا بين القليل والكثير، والمالكية ضبطوه بالشعور، وهذا القول في الحقيقة هو أصح الأقوال في المسألة، أن العبرة بالشعور، فإذا نام الإنسان وشعر بالخارج فهذا لا ينتقض وضوءه بدليل قوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي ومعاوية: (العين وكاء السَّهِ فإذا نامت العين استطلق الوكاء). فهذا يدل على أن الناقض في النوم هو زوال الشعور وليس مطلق النوم، وكذلك حديث: (رقد النساء والصبيان). وعلى هذا فمن نام شاعراً بنفسه لم ينتقض وضوءه، ولو نام ساعات ومعه الإحساس والشعور لا ينتقض؛ لكن لو زال شعوره ولو لحظة انتقض وضوءه. والسؤال: كيف يفرق الإنسان بين الشعور وعدمه؟ بعض العلماء يقول: من أمثلة ذلك: لو كان بيده شيء فسقط ولم يشعر به دل على زوال شعوره، كما لو كان يكتب بقلم، ثم ما شعر إلا والقلم سقط دون أن يعلم بسقوطه، دل هذا على أنه قد زال شعوره، فيلزمه الوضوء من هذا النوم. وقيل: من أمثلته: أن يجلس القوم بجواره يتجاذبون الحديث فلا يفرق بين كلامهم، ولا يستطيع أن يُدْرِك معنى الحديث فيغيب عنه بعض معانيه، أو مرادهم بالأحاديث، فيصبح يسمع الأصوات فقط ولا يعي معناها، فإذا بلغ إلى درجة سماع الأصوات دون وعي لمعناها فقد زال عنه الشعور، وهذا ضابط صحيح. وعليه فإن أصح الأقوال في النوم أن العبرة بالشعور، فإن لم يكن عنده الشعور انتقض وإلا فلا، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضطجع بين الأذان والإقامة ثم يؤذِنه بلال بالصلاة؛ وكان يضع كفّهُ تحت خده الأيمن صلوات الله وسلامه عليه، وهذه نومة المضطجع، ومع هذا كان عليه الصلاة والسلام يقول: (تنام عيني ولا ينام قلبي) ولهذا قالوا: إن وضوءه لا ينتقض بالنوم من هذا الوجه. والله تعالى أعلم.
حكم العطور المحتوية على كحول من جهة الطهارة
حكم العطور المحتوية على كحول من جهة الطهارة Q هل العطور التي يوجد فيها كحول تنجس الثوب؟ A هذا يختلف، فإن كانت النسبة تؤثر حتى يصبح متنجساً فحينئذٍ حكمه حكم النجس، ولا يجوز أن يصلي به حتى يغسله، وسنبين -إن شاء الله- ذلك في الدرس القادم من جهة النجاسة متى تكون مؤثرة ومتى تكون غير مؤثرة. فإن كانت نسبة مادة السبيرت التي هي الكحول مؤثرة أي: غالبة، فإنه في هذه الحالة لا يجوز أن يصلي به. ونجاسة الخمر هو قول الأئمة الأربعة، وقال شيخ الإسلام رحمه الله: الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة، ولم يحكِ قولاً مخالفاً تضعيفاً للمخالف في هذا. وكذلك قال ابن رشد في بداية المجتهد: إلا خلافاً شاذاً، أعني: القول بطهارتها؛ والسبب في ذلك ظاهر قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] فإنه نص على كونها رجساً. فلو قال قائل: إن الرجس هنا المعنوي، بدليل ذكر الأنصاب والأزلام، نقول: إن الأصل حَمْلُ اللفظِ على حقيقته من نجاسة الحس والمعنى حتى ينتفي الوصفُ بنجاسة الحسن، فانتفت نجاسة الحس في الأنصاب والأزلام لدلالة الظاهر والحس، فبقيت الخمر على الأصل، وقد تكلم العلماء على هذا. أما الاستدلال الذي استدلوا به على طهارتها من أنها أُرِيقتْ على الأرض وَجَرَتْ بها سكك المدينة، وكان الصحابة يصلون في أحذيتهم، وحديث المزادتين، فقد أجاب العلماء عنه، وللشيخ الأمين رحمة الله عليه في أضواء البيان بحث نفيس في تفسير آية المائدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة:90] بين فيه نجاستها وبين أن قوله: (حتى جرتْ بها سككُ المدينة) أسلوبٌ عربي يُراد به التكثير لا الحقيقة، كقولك: امتلأ المسجدُ، فإنه ليس المراد أن كل بقعةٍ من المسجدِ عليها أحد؛ إنما المراد امتلأ المسجد بالناس أي: كثر الناس في المسجد، فقولهم: امتلأت بها سكك المدينة أي: كثرت في سكك المدينة. الوجه الثاني: أنه لو سُلِّمَ أنَّ الصحابةَ وطئوها بنعالهم، فإن وجه الاستدلال يقوم على أنهم وطئوها بنعالهم ثم صلوا في النعال. ثم إنه إذا وطئ النعل النجاسة ثم مشى على أرض يابسة فقد طَهرت الحذاء، وقد ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي إذا أراد أن يدخل المسجد إن وجد الأذى في نعله أن يدلكها بالأرض ثم يصلي فيها). فإذاً كونها تصيبها الأنعل لا يدل على طهارتها؛ لأنها قد طهرت بوطء اليابس من الأرض بعد الرطب منها. وكذلك أيضاً في حديث المزادتين قالوا: سكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر صاحب المزادتين بغسلهما، وحديث المزادتين أصله: أن رجلاً كان صديقاً للنبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية، فلما كان يوم حنين قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وأهدى له مزادة خمر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الله حرمها؟ فقام رجل وسارَّ صاحب الخمر في أذنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بمَ ساررته؟ -يعني: ما الذي قلت له؟ - قال: أمرته يا رسول الله أن يبيعها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الذي حرَّمَ شُرْبَها حرَّم ثمنها، ففتح الرجل المزادة حتى أراقها على الأرض) قالوا: إنه لم يأمره بغسل المزادة، وهذا ليس بقوي؛ لأنه من المعلوم بداهةً أنه سيغسلها، فإن المزادة لو وضعت فيها لبناً ثم أفرغت اللبن ما الذي تفعل؟ -تغسلها منه، هذا معلوم بداهة. ثم لو قيل بهذا القول لصح لقائل أن يقول: يجوز للإنسان إذا أفرغ مزادة خمرٍ أن يملأها باللبن مباشرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بغسلها، وهذا ما يقول به أحد!! فنقول مباشرة: إنه لم يأمره بغسلها للعلم به بداهة. فإذاً: الصحيح أنها نجسة، وإن ترجح عند الإنسان القول بطهارتها فإنه لا حرج عليه في هذه الحالة أن يصلي وعليه هذه الكحول ولو كان ترجح عنده في السابق طهارتها وصلى فصلاته صحيحة. أما بالنسبة للقول الصحيح المعتبر فهو قول جماهير العلماء أنها نجسة وعليه الفتوى، واختاره غير واحد من أئمة العلم رحمة الله عليهم، والأدلة التي استدل بها على طهارتها لم تقوَ على معارضة ظاهر القرآن، فإن ظاهر القرآن في قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] أبلغ في الاعتبار من أدلة جريان السكك بالخمر، والمزادة، فإن دلالة (رجس) على النجس أبلغ من دلالة المعنى الموجود في الحديثين. وجماهير السلف رحمة الله عليهم على هذا القول، وكتب العلماء في الفتاوى مملوءة بهذا الحكم، ومن راجعها يعرفها، ومن راجع التفاسير يدرك أن هذا هو قول جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم. حتى إن شيخ الإسلام رحمة الله عليه لماّ حكى نجاستها قال: الخمر نجسة باتفاق الأئمة الأربعة، ولم يحكِ قولاً مخالفاً تضعيفاً للقول بطهارتها؛ لأنه كان رحمه الله يعتني بالأقوال المخالفة التي لها عمدة ولها أصل، ولذلك الذي تميل إليه النفس القول بنجاستها، وعلى هذا فلا يجوز أن تكون في بدنٍ ولا ثوبٍ ولا مكان. لكن متى يحكم بكون هذا الوعاء أو هذا العطر نجس؟! شرط الحكم أن تكون فيه نسبة مؤثرة، أما لو وضعت نسبة من الكحول ليست مؤثرة لا تغير لوناً ولا طعماً ولا رائحة فإنه في هذه الحالة لا يحكم بنجاسة العطر، والمرد في ذلك إلى أهل الخبرة؛ لأن كل نوع من العطور فيه نسبة معينة مكتوبة إما 2% أو 10% أو 20% وأحياناً 25%، فهذه النسب يرجع فيها إلى قول أهل الخبرة، فإن أثرت فهي نجسة وإلا فلا. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحكام المياه [2]
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [2] إن العبد مطالب أن يتطهر ويستعمل الماء في الغسل والوضوء إذا أراد الصلاة والوقوف بين يدي ربه سبحانه، والطهارة لا بد لها من فقه وعلم؛ إذ كيف يميز العبد بين الطاهر والطهور والنجس إلا إذا فهم القواعد والأصول عند الفقهاء التي يعرف بها الفرق بين أنواع المياه، وضابط كل نوع، ومن ثم يعرف الماء الذي يصلح للطهارة من غيره.
أحكام ومسائل في الماء الطهور
أحكام ومسائل في الماء الطهور الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى جميع من سار على نهجه إلى يوم الدين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [وإن استعمل في طهارة مستحبة]. تقدم أن ذكرنا أن العلماء رحمهم الله قسموا المياه إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: ماء طهور، والقسم الثاني: ماء طاهر، والقسم الثالث: ماء نجس، ثم ابتدأنا ببيان الماء الطهور، وهو الماء الذي شرع الله للمكلف أن يتوضأ ويغتسل به من الجنابة ونحوها، وكذلك يزيل به القذر والنجس العالق بثوبه أو بدنه أو مكانه. ثم تكلمنا على بعض المسائل المتعلقة بالماء الطهور، وهي تتلخص فيما إذا ألقي في الماء شيء خارج هل يؤثر فيه أو لا يؤثر، ذكرنا ذلك كله. وسنبتدئ ببعض المسائل المتعلقة بتغير الماء إما إلى طاهر أو إلى نجس، فالماء الذي أوجده الله جل وعلا على أصل الخلقة والذي شرع لك أن تتوضأ وتغتسل به، قد يستعمله الإنسان في غسل مستحب، قال المصنف: (وإن استعمل في طهارة مستحبة) بمعنى أنك إذا توضأت بهذا الماء وضوءاً غير واجب، أو اغتسلت به غسلاً غير واجب، ثم جمعت هذا الماء الذي توضأت أو اغتسلت به في إناء، فجاء غيرك يريد أن يتوضأ به أو يغتسل به وضوءاً أو غسلاً واجباً، هل يصح إيقاع الوضوء بماء قد استعمله الإنسان في طهارةٍ مستحبة؟
استعمال الماء في تجديد الوضوء أو الغسل
استعمال الماء في تجديد الوضوء أو الغسل استعمال المياه في الوضوء أو الغسل له صورتان: الصورة الأولى: أن يتوضأ الأول ويغتسل وضوءاً وغسلاً واجباً، مثال ذلك: أذن مؤذن الصلاة للمغرب، فتوضأت في طشت، فجمع الطست فضلة الماء الذي توضأت به، فجاء آخر يريد أن يتوضأ بفضلة الماء الذي توضأت به لوضوءٍ واجب، فلو توضأ بهذا الوضوء أيصح وضوءه أو لا؟ هذه المسألة ستأتينا -إن شاء الله- في الماء الطاهر. الصورة الثانية: أن تغسل الأعضاء في صورة مستحبة، سواءً كان ذلك وضوءاً أو غسلاً، ومثل المصنف لها بقوله: [كتجديد وضوء وغسل جمعة]. أولاً: معنى تجديد الوضوء: أن يتوضأ الإنسان وضوءاً كاملاً، ثم بعد أن ينتهي من الوضوء، إما بزمان يسير، أو بزمان كبير كساعة ونحوها، يريد أن يعيد الوضوء مرة ثانية، هذا التجديد. دليل مشروعيته ما ثبت في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه قال: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فدل هذا الحديث على مشروعية تجديد الوضوء بالجملة الأولى، فإن السائل لما قال: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟) أي: يا رسول الله! لو كنا على وضوء، فأكلنا لحم الغنم هل ينتقص هذا الوضوء؟ فقال: (إن شئت)، فأجاز أن يوقع وضوءاً ثانياً غير واجب عليه، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على مشروعية إيقاع الوضوء، ولو كان ذلك مرتين أو ثلاثاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان الوضوء غير مشروع لقال: لا تتوضئوا، وإنما قال: (إن شئت)، فخيره. وللعلماء تفصيل في مسألة تجديد الوضوء. لكن الذي يهمنا هنا أن تجديد الوضوء مشروع، والدليل على مشروعيته حديث جابر الذي ذكرنا، يبقى Q لو أن إنساناً أخذ الماء الطهور -الذي تقدم ذكره- فتوضأ به لصلاة المغرب وضوءاً وكان قد توضأ قبل ذلك، فالعلماء يسمون طهارة الوضوء الثانية طهارة مستحبة، لقوله: (إن شئت)، أي: حبذ فيه الشرع، وهذا مثال لتجديد وضوءٍ. (وغسل جمعةٍ) هذه الكلمة فيها فائدتان: أولاً: دقة المصنف حيث جاء بطهارة صغرى مجددة كتجديد وضوء، وطهارة كبرى مجددة كغسل جمعةٍ. وغسل الجمعة الصحيح وجوبه، وسنتكلم على وجوبه ودليل وجوبه في كتاب الجمعة إن شاء الله، لكن المصنف يسلك مسلك الجمهور من عدم وجوب الغسل للجمعة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) واختلف في إسناد الحديث، وسنتكلم عليه إن شاء الله. فقال المصنف ومن وافقه: إن غسل الجمعة ليس بواجب، فعلى القول بأن غسل الجمعة ليس بواجب، لو أن إنساناً اغتسل الجمعة داخل موضع يحفظ ماء الغسل كالموجود الآن من البرك الصغيرة، ولكن هذا الغسل ليس بواجب، إنما هو غسل مستحب، هذا المثال الثاني: (وإن استعمل) أي: الماء الطهور (في طهارة مستحبة كتجديد وضوء وغسل جمعة). قال رحمه الله: [وغسلة ثانية وثالثةٍ كره]. الغسلة المستحبة تأتي على صورتين: إما أن تأتي الغسلة المستحبة في طهارة كاملة: كالوضوء والغسل من غير جنابة -أي: من غير الواجب- فهذه طهارة مستحبة كاملة للأعضاء كلها، وقد تأتي بإعادة غسل الأعضاء مرة ثانية وذلك بالغسلة الثانية والثالثة. صورة هذه المسألة: لو أن إنساناً ترجح عنده قول بعض العلماء الذين يرون أن استعمال الماء في وضوء أو غسل يوجب سلبه الطهورية، فقال: أنا أحافظ على هذا الماء، فالغسلة الأولى التي أغسل بها وجهي هذه واجبة، فلا أحفظ ماءها، ولكن أغتسل الغسلة الثانية والثالثة للوجه فأحفظ الماء المتساقط منها، ثم غسل يده فغسل الغسلة الأولى للفرض، ثم غسل الثانية والثالثة استحباباً، وحفظ ماء الغسلة الثانية والثالثة، حتى انتهى من جميع أعضاء الوضوء. فإن الماء في الغسلة الثانية والثالثة لم يفرضه الله على المكلف، بدليل: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة)، فأصبحت المرتان والثلاث فضلاً لا فرضاً، فهذا الفضل الذي ليس بفرض، لو أن إنساناً حفظ ماءه ثم جاء ثانٍ يريد أن يتوضأ به، فسألك: ما الحكم؟ ومراد المصنف من ذكر هذه الثلاثة الأحوال كتجديد وضوء، وغسل جمعة، وغسلة ثانية وثالثة أن تحفظ القاعدة، وهي: إيقاع طهارة ليست بواجبة. (وغسلة ثانية وثالثة كره). أي: أن هذا الماء المستعمل في الطهارة الغير الواجبة يجوز أن يتوضأ به الإنسان ولكن على سبيل الكراهة، والسبب في ذلك ما سبق بيانه، فإن أصحاب هذا القول يرون أن استعمال الماء لوضوء وغسل واجب يسلبه الطهورية كما سنبينه. وإذا استعمل في طهارة مستحبة فهو متردد بين الطهور السالم والطهور غير السالم فيعطى حكم الكراهة على القاعدة التي سبق بيانها (كره) المكروه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، والصحيح أن من استعمل الماء في طهارة مستحبة لم يكره لغيره أن يتوضأ ويغتسل بذاك الماء، وسنبين ذلك -إن شاء الله- ونبين أدلته وأقوال العلماء فيه.
تحديد القليل والكثير من الماء بالقلتين
تحديد القليل والكثير من الماء بالقلتين قال رحمه الله: [وإن بلغ القلتين وهو الكثير]. أي: اعلم رحمك الله لو أن هذا الماء الذي شرع الله لك أن تتوضأ به -وهو الماء الطهور- بلغ قلتين، والأصل في القلتين حديث أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) وهذا الحديث صحح إسناده غير واحد، وارتضى الحافظ ابن حجر كما في التلخيص والفتح صحته، والعمل عند جمع من العلماء إما على حسنه أو على صحته، وقال طائفة من العلماء: إنه ضعيف، كما اختاره بعض المحققين ومنهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، والإمام ابن القيم رحمة الله على الجميع. وعلى العموم بناء على هذا الحديث: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث)، قال لك المصنف: لو أن هذا الماء الطهور بلغ قلتين فهو الكثير. (وهو الكثير). كلمة: (وهو الكثير) اصطلاحية، بمعنى: أنها ستمر عليك في ثنايا كلام الفقهاء وفتاويهم، فإن قال العالم: يجوز ذلك في الماء الكثير، ولا يجوز في القليل، يؤثر في الكثير ولا يؤثر في القليل، أو العكس، فعندهم أن الكثير هو الذي بلغ قلتين، بناء على مذهب من يقول بصحة هذا الحديث والعمل به، وسنبين مسألة القلتين -إن شاء الله- في موضعها. قال رحمه الله: [وهما خمسمائة رطل عراقي تقريباً]. حديث القلتين -كما قلنا- اختلف العلماء في سنده، والواقع أنه وإن صح الحديث فإن متنه لا يدل على اعتبار القلتين فاصلاً؛ لأن ذلك من باب المفهوم، وليس من باب المنطوق، وهو المفهوم الذي يسميه الأصوليون: مفهوم العدد، وفي مفهوم العدد خلاف، ورجح غير واحد عدم اعتباره، وقد تكلمت على هذه المسألة ببسطها وبيان أدلتها وأقوال العلماء والجواب عن هذا الحديث في شرح بلوغ المرام. لكن الخلاصة أن اعتبار القلتين فرقاً بين القليل والكثير مرجوح، والصحيح -كما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله وجمع من المحققين- أن الماء العبرة فيه بأن يتأثر لونه أو طعمه أو ريحه، وأما أن يجعل العبرة فيه بالقليل والكثير فهذا لا يراه المحققون، وبينا وجه ذلك ودليله، لكن هنا لما كان المصنف يرى أن القلتين فرق بين القليل والكثير احتجنا أن نبين مسألة القلتين: فعند العلماء أن القلتين مثنى قلة، والقلة: ما يقل، بمعنى: يحمل، ومنه قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا} [الأعراف:57] أي: احتملته الريح. وسميت قلة لأنها تحمل باليد، وهي الجرة، أو الشراب الموجودة الآن وتسمى في العرف: الشربة، أو الزير الصغير الذي يحمل باليد، ولا يزال إلى الآن بعض أهل البادية يحملونه ويستسقون به، يضعون فيه الماء من الآبار ويجلبونه إلى منازلهم، وهذه القلة تقل باليد، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث) بمعنى: أنه لو وقعت فيه نجاسة لم تغير لونه أو طعمه أو رائحته فإنه طهور، وينبغي أن ننبه على أمور هي: هناك ماء بلغ القلتين، وهناك ماء دون القلتين، وهناك ماء فوق القلتين، فأصبح الماء له ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون دون القلتين. الحالة الثانية: أن يكون بلغ القلتين. الحالة الثالثة: أن يكون فوق القلتين. فإن كان دون القلتين، مثلاً: فرضنا أنه قلة واحدة، ومن أمثلتها السطل الموجود الآن، لو أن إنساناً كان عنده ماء على قدر السطل، فهذا يسمى ماء دون القلتين، إذا كان دون القلتين ووقعت فيه نجاسة فعلى حالتين: الحالة الأولى: مثلاً: عندك سطل فيه ماء، وجاء صبي وألقى فيه نجاسةً، أو سقطت منك نجاسة في السطل، فإن تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه بالنجاسة فبالإجماع أنه نجس، سواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة. وإذا كان نجساً فلا يجوز لك لا أن تتوضأ به، ولا أن تغتسل به، ولا أن تزيل به النجاسة؛ لأنه نجس بذاته. الحالة الثانية: أن يلقي النجاسة في الماء فلا يتغير لونه ولا طعمه ولا رائحته، كقطرة بول -أكرمكم الله- ألقاها في السطل، فهل هذه القطرة تمنع من الوضوء والاغتسال من هذا السطل؟ أو وضع الإنسان بمكان غسله سطل ماء فتطاير رذاذ نجاسةٍ على السطل، فشك هل تطاير النجاسة إلى هذا السطل يمنع من الوضوء به؟ مع أنه لم يتغير الماء لا لونه ولا طعمه ولا رائحته، فهذا محل الخلاف بين العلماء. فمن يقول: أعتبر القلتين يقول: كل ما كان دون القلتين إذا وقعت فيه نجاسة، ولم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، فإني أحكم بكونه نجساً ولو لم يتغير، وهذه فائدة اعتبار القلتين، فهو إذا كان دون القلتين وتغير فبالإجماع ينجس، لكن إذا لم يتغير فعند المصنف وغيره من العلماء وهو مذهب الشافعية والحنابلة أنه يحكم بنجاسته بمجرد وقوع النجاسة فيه. وهكذا لو وقع فيه عطرٌ، أو شيء طاهر من مسك أو زعفران ونحوه، إذا وقع في هذا الماء الذي في السطل نقطة منه، ولم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، يقولون: هذا طاهر وليس بطهور. لكن مذهب المحققين وهو مذهب الظاهرية والمالكية واختيار شيخ الإسلام رحمة الله عليه أن العبرة بتغير الماء، فإن وقعت هذه النجاسة وغيرت لون الماء الموجود في السطل أو طعمه أو ريحه حكم بنجاسته، أما إذا لم تغيره فليس بنجس، وهذا هو الصحيح. الحالة الثالثة: إذا بلغ الماء فوق القلتين، فلا ينجس ولا يحكم بنجاسته إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته، فلو سألك سائل عن بركة ماء -البركة تبلغ القلتين وزيادة- وقعت فيها نجاسة هل يجوز له أن يغتسل من هذه البركة أو يتوضأ منها؟ تقول له: إن تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه فالإجماع أنه لا يجوز الوضوء من هذه البركة، أما إذا لم يتغير شيء من أوصافه فالإجماع على جواز التطهر منها، وإن كان هناك بعض الخلاف يحكيه بعض العلماء على مسألة البول في الماء الراكد سنبينه إن شاء الله. فعندنا مذهبان: مذهب يقول: الفرق عندي بين الماء القليل والكثير هو القلتان. ومذهب يقول: المهم عندي تغير الماء بالطاهر والنجس، وهذا هو الصحيح. فلما كان المصنف يرجح التقدير بالقلتين قال رحمه الله: [فخالطته نجاسة غير بول آدمي، أو عذرته المائعة، فلم تغيره، أو خالطه البول أو العذرة ويشق نزحه، كمصانع طريق مكة فطهور]. (فطهور) في كلتا الحالتين: إذا بلغ القلتين وخالطته نجاسة من غير بول الآدمي وعذرته، كأن يلقى فيه نجاسة خنزير مثلاً، فإن الخنزير نجس العين والفضلة، فأصبح الماء محل Q هل وقوع النجاسة في هذا الماء الذي بلغ القلتين يوجب الحكم بعدم طهارته إذا لم يتغير؟ قلنا: إن اتفاق العلماء رحمهم الله الذين اختلفوا في القلتين واقع على أنه يجوز التطهر به، وهو طهور ما دام أنه لم يتغير. أما إذا تغير فالإجماع على أنه لا يجوز الوضوء به ولا الطهارة. الحالة الثانية: بلغ قلتين وألقيت فيه نجاسة، وغيرته لكن يشق نزحها، كمصانع طريق مكة، وكانوا في أيامهم يستقون على السابلة على الطرق ويكون فيها البرك ونحوها، فمثل المصنف بهذا المثال؛ لأن مكة مورد المسلمين، فكان شيئاً ظاهراً معروفاً عند غالب أو أكثر المسلمين، فمثل به على هذا الوجه. (يشق نزحها) أي: يشق إخراج النجاسة من هذا الموضع، وذكروا من أمثلة ذلك أن يكون الموضع ألقيت فيه نجاسة ولم يمكن إخراج هذا النجاسة عن ذلك الموضع كما في الآبار والبرك، ويشق نزح هذه النجاسة، فإن شق النزح فالقاعدة: (أن المشقة تجلب التيسير)، ودليل الحكم في هذه المسألة قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] ما دام أن الناس ليس بوسعهم أن يزيلوا هذه النجاسة فيخفف عنهم في التطهر بهذا الماء، ويقال: إن الأمر إذا ضاق اتسع، ولا يكلفهم الله إلا بما في وسعهم.
تطهر الرجل بفضل طهور المرأة والعكس
تطهر الرجل بفضل طهور المرأة والعكس قال رحمه الله: [ولا يرفع حدث رجلٍ طهور يسير خلت به امرأه]. هذه مسألة ثانية، فقد ورد في حديث ابن عباس وميمونة وأصله في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة) فاختلف العلماء فيما إذا تطهرت امرأة من إناء وبقي بعد طهارتها ماء، هل يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل من هذا الماء؟ فمذهب طائفة من العلماء الأخذ بظاهر الحديث، والمسألة لها صور: جاءت امرأة إلى سطل من الماء واغتسلت منه فبقي نصف الماء فيه، فاحتاج رجل أن يتوضأ بهذا النصف أو يغتسل به، فهل يصح وضوءه وغسله؟! ظاهر الحديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل طهور المرأة). فقال أموراً: أولاً: فضل يعني: الزيادة. ثانياً: فضل طهور لا فضل شرب، فلو شربت من السطل لم يرد الخلاف، ولو غسلت بعض أعضاء الطهارة لا يرد الخلاف، لكن يقع الخلاف إذا حصلت الطهارة الكاملة، فلو أنها غسلت يدها أو وجهها من سطل فليس هذا بفضل طهور، وإنما محل الخلاف أن تتطهر طهارةً كاملة، إما طهارة صغرى كأن تتوضأ من الماء أو تغتسل منه، فيبقى بعد غسلها من السطل بقية، فهل من حق الرجل أن يتوضأ أو يغتسل به؟ قولان عند العلماء مشهوران، أصحهما: أنه لا يجوز لظاهر الحديث، وهو قول الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمة الله عليه وطائفة من أصحاب الحديث والظاهرية، على أنه لا يجوز للرجل أن يغتسل من فضل ماء خلت به المرأة، إذاً هناك شروط: أولاً: أن يكون المغتسل بهذا الماء أو المتوضئ امرأة، فلو كانت صبية طفلة صغيرة اغتسلت من السطل لا يقع الخلاف؛ لأن الخلاف في المرأة، والصبية ليست بامرأة. ثانياً: أن يكون هناك تطهر كامل، إما من حدثٍ أصغر، أو من حدثٍ أكبر، فلو استعملته في شرب أو غسل وجه، أو جزء من أعضاء الوضوء والغسل لم يقع الخلاف. ثالثاً: أن تخلو المرأة بذلك الماء، فلو اغتسلت أو توضأت أمام زوجها أو محرمها، واحتاج أن يتوضأ بعدها أو يغتسل فلا حرج، لأنها لم تخلُ به، إذاً أين محل الخلاف؟ فيما إذا تطهرت وكانت امرأة وخلت به، ففي هذه الحالة هل يجوز للرجل أن يتوضأ بهذا الماء؟ قلنا: الصحيح عدم جوازه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى، وظاهر النهي التحريم. وخالف الجمهور رحمة الله عليهم فقالوا: يجوز للرجل أن يتوضأ ويغتسل من فضل طهور المرأة، ودليلهم حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها كانت تغتسل ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، تقول له: دع لي، ويقول لها: دعي لي) وجه الدلالة: أنها إذا غرفت الغرفة الأولى فإن الباقي الذي اغترف منه النبي صلى الله عليه وسلم فضلة، ثم لما اغترفت الثانية فأتبع النبي صلى الله عليه وسلم الغرفة بعد غرفتها الثانية فقد اغترف من فضل. وهذا الحديث يجاب عليه من وجوه: أولاً: أن محل الخلاف فيما إذا خلت، وهنا عائشة اجتمعت مع النبي صلى الله عليه وسلم. وثانياً: أن محل الخلاف أن تكمل الطهارة، وعائشة لم تكمل الطهارة. وعلى هذا فنجمع بين الحديثين ونقول: هنا نصان خرجا من مشكاة واحدة، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي نهى عن التطهر بفضل المرأة توضأ مع عائشة، ففهمنا أن النهي لا يشمل الذي فعل، فاشترطنا خلو المرأة به، فدليل الشروط التي ذكرناها هو ما ورد في هذا الحديث، فيعتبر هذا الحديث مقيداً لإطلاق الحديث الذي سبق النهي فيه، وبناءً على هذا نخلص بفائدة وهي: عدم جواز أن يتوضأ الرجل أو يغتسل من بقية وضوء أو غسل المرأة بشروط ذكرناها. ثم يرد Q إذا كان لا يجوز له فهل إذا فعل نقول بإثمه وصحة وضوئه وغسله، أو نقول بإثمه وعدم صحة وضوئه؟ وجهان للعلماء: فمن يرى أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، يقول: لو اغتسل الرجل من هذا الماء أو توضأ به لم يصح لا غسله ولا وضوءه، وهي مسألة أصولية، وقد تكلمت عن هذه المسألة بإسهاب أيضاً في شرح بلوغ المرام، فنكتفي هنا بالقول الراجح من أنه لا يجوز للرجل أن يغتسل أو يتوضأ من فضل طهور المرأة بالشروط التي ذكرناها. (ولا يرفع حدث رجل طهور). مفهوم ذلك أن المرأة لو اغتسلت بفضل المرأة، ما الحكم؟ يجوز، والوضوء صحيح والغسل صحيح، محل الخلاف إذا كان رجلاً. يرد السؤال: لو أن خنثى أراد أن يتوضأ ويغتسل بفضل امرأة، فهل الخنثى ملحق بالرجال أو ملحق بالنساء؟ الخنثى له حالتان: الحالة الأولى: الخنثى البين، الذي بان كونه ذكراً أو كونه أنثى، وذلك بأمارات الرجولة أو أمارات الأنوثة، فهذا لا إشكال فيه، فإن ظهرت فيه علامات الرجولة فحكمه حكم الرجل، لا يتوضأ ولا يغتسل من فضل المرأة، وإن ظهرت فيه علامات الأنوثة فالحكم واضح بين. الحالة الثانية: الإشكال عند العلماء في الخنثى إذا كان مشكلاً، بمعنى: ليس فيه لا علامات الرجولة ولا علامات الأنوثة، ولم يتميز، فهذا فيه ما لا يقل عن ثمانين مسألة، حيرت العلماء رحمة الله عليهم، هل يعطى حكم الرجل أو يعطى حكم المرأة؟ من ناحية الطهارة ومن ناحية الصلاة عليه وتغسيله وتكفينه إلى غير ذلك، المهم من هذه المسائل هذه المسألة، بعض العلماء يقول: الخنثى حكمه حكم المرأة؛ لأن اليقين فيه أنه في درجة المرأة، والشك أنه ارتفع إلى درجة الرجل؛ لأن الله فضل الرجل على المرأة وقال: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى} [آل عمران:36]. {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة:228] فقالوا: نعطيه اليقين لكونه في حكم الإناث، وعلى هذا فيجوز له أن يتوضأ من فضل المرأة، لأنه آخذ حكم المرأة. وعلى الوجه الثاني قالوا: فيه شبهة، فليس بمحض الأنوثة ولا الرجولة، فارتفع عن الأنوثة المحضة، ونزل عن الرجولة الكاملة، فأصبح بين بين، فلا يتوضأ بفضل المرأة، لأنه ليس بامرأة، فاشتبهنا في حكمه. (ولا يرفع حدث رجل طهور يسير خلت به امرأة). الطهور اليسير مثل: الذي في السطل، ومثل: الذي في الإناء المعروف، هذا يعتبر ماء طهوراً يسيراً، ولو قلنا بعموم هذا الحكم لصارت مصيبة؛ لأن البرك يغترف منها النساء، فلو أن امرأة اغترفت من بركة واغتسلت هل نقول: هذه البركة بكاملها لا يجوز للرجال أن يتوضئوا ويغتسلوا منها؟ ف A أن هذا الحكم هو في الطهور اليسير، فالماء الموضوع في الأواني هو الماء الذي ورد فيه النص، وأما غيره فيبقى على الأصل. (يسير خلت به امرأة لطهارة كاملة). قال بعض العلماء: شرط خلوها أن تكون في موضع لا يراها الرجل، وقال بعض العلماء: تكون فيها خلوة نكاح، بمعنى: أن لا تراها الأنظار، أو ترخى عليها الأستار ونحو ذلك. المسألة الأخيرة: هل نهي الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ويغتسل بفضل طهور المرأة تعبدي أو معلل؟ الصحيح أنه تعبدي لا نعقل علته، حكمة منه سبحانه، قال: هذا الماء توضئوا منه، وهذا الماء لا تتوضئوا منه، هذا الماء اغتسلوا منه وهذا الماء لا تغتسلوا منه، يبتلي عباده بما شاء، فليس الأمر معللاً، ولهذا يقولون: هذا الحكم تعبدي، بمعنى: لا يجري فيه القياس. قال رحمه الله: [لطهارة كاملة عن حدث]. أي: بسبب حدث، فلو تطهرت طهارة كاملة لغير حدث كالغسلة المستحبة، فوجهان للعلماء: قال بعض العلماء: حكمه حكم الغسلة الواجبة. والصحيح القول الثاني: أنه ليس حكمه حكم الغسلة الواجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بفضل طهور المرأة) والطهور الغالب فيه: الواجب، فيعطى حكم الغالب ويهدر النادر.
أحكام ومسائل في الماء الطاهر
أحكام ومسائل في الماء الطاهر قال رحمه الله: [وإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه]. الآن سنبدأ بالطاهر، وكل الذي تقدم فيما مضى ماء أباح الله الوضوء، وهو الماء الطهور. وذكرنا الأحكام العارضة على الماء الطهور، يبقى Q كيف أدخل المصنف المسألة الأخيرة في الماء الطهور؟ A أن الماء الذي هو فضل طهور المرأة هو في الأصل طهور، ولكن حكم الشرع عبادة، ولذلك ألحقه بالماء الطهور، ولم يلحقه لا بالنجس ولا بالطاهر، وإلا فكل كلامنا الذي تقدم هو في الماء الذي أذن الله به. الخلاصة: أن الذي تقدم الكلام عليه فيما مضى هو ماء أذن الله لنا أن نتوضأ به ونغتسل، وهو الماء الذي يزيل النجاسة عن البدن والثوب والمكان. وسنبدأ الآن بالنوع الثاني: وهو ماء ليس بنجس، ولكن لا يجوز للإنسان أن يتوضأ ولا أن يغتسل به، لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً وهو الماء الطاهر. الماء الطاهر نريد أن نعرفه ونعرف أحكامه؛ حتى إذا جئت تتوضأ لا تتوضأ بمثله، وإنما تتوضأ بالنوع الأول، وإذا جئت تغتسل لا تغتسل بمثله، وإنما تغتسل بالنوع الأول، وقس على هذا بقية الأحكام.
تغير الماء الطهور بشيء طاهر
تغير الماء الطهور بشيء طاهر (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه). قلنا: الماء الطهور الذي تقدم الكلام عليه ماء باقٍ على أصل خلقته كماء البئر، وماء النهر، ونحو ذلك من المياه، لكن الماء الذي معنا الآن ماء خرج عن أصل خلقته، بمعنى: أنه تغير عن حالته الحقيقية فوضع فيه شيءٌٌ طاهر. مثال ذلك: عندك سطل ماء أخذته من بئر، لو سألك سائل عن هذا الماء الذي أخذته من البئر: من أي أنواع المياه؟ تقول: هذا ماء طهور؛ لأن الله قال: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] وقال عن هذا الماء الذي أنزله من السماء: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ} [المؤمنون:18] فدل على أن ماء البئر ماء طهور. أخذت هذا الماء الطهور من البئر، أو من النهر، أو نزل من السماء مطر على ذلك السطل فملأه، فإن بقي على خلقته قلنا: توضأ به واغتسل، وأزل به النجاسة، والحكم: أنه يزيل النجاسة ويرفع الحدث. لكن جاء صبي فصب في هذا السطل زعفران، أو وضع فيه صابونة، فتغير لون الماء وأصبح بلون الصابون، أو بقي لونه كما هو لكن جئت تطعم الماء فإذا هو بطعم الصابون، أو بقي على لونه الحقيقي وطعمه الحقيقي ولكن رائحته رائحة صابون لما ألقى الصابونة فيه، فالماء خرج عن أصل خلقته الطهورية إلى شيء جديدٍ وهو الطاهر، ف Q ما حكم هذا الماء؟ المصنف سيأتي بأمثلة كلها فيها: ماء طهور وقع فيه شيء طاهر فسلبه الطهورية، ولذلك العلماء يقولون: سلبه الطهورية، فتحتاج حتى تعرف الماء الذي أذن الله لك في أن تغتسل وتتوضأ به أن تعرف هذا النوع وهو الطاهر، فهو طاهر ولكن لا يتطهر به، فقال رحمه الله: (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه). تغير اللون، أو الطعم، أو الريح هذه قاعدة مطردة. إذا تغير شيء بشيء فإن كان نجساً فغير اللون أو الطعم أو الرائحة فاحكم بنجاسته، وإن كان التغير بطاهر فهو طاهر وليس بطهور، وبالإجماع أنه يوصف بكونه طاهراً إن تغير بطاهر. (وإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بطبخ أو ساقط فيه). أخذ هذا الماء ووضع فيه باقلاء أو باذنجان أو فاصوليا أو غير ذلك من المطعومات ثم طبخه، فأصبح لون الماء بلون الفاصوليا أو الباذنجان ونحوها، فهنا تغير بطاهر فتقول: هذا ماء طاهر تغير بالطبخ، بل حتى ولو لم يطبخ ووضعت فيه هذا الطاهر فتغير لونه أو طعمه أو ريحه حكم بكونه متغيراً. (أو ساقط فيه). جاء صبي فأخذ محبرة فرماها في السطل، فأصبح لون الماء الموجود في السطل بلون الحبر، أزرق أو أحمر أو أسود المهم أنه تغير بلون هذا الحبر فتقول: هذا ماء طاهر.
حكم الماء المستعمل
حكم الماء المستعمل قال رحمه الله: [أو رفع بقليله حدث]. هذه المسألة التي سبق الإشارة إليها؛ مثالها: شخص أخذ سطلاً فتوضأ وضوءاً واجباً عليه، أو اغتسل غسلاً من الجنابة، وحفظ الماء في طشت ونحوه، فجاء رجل آخر يريد أن يتوضأ بهذا الماء، فللعلماء في هذا الماء ثلاثة أقوال: القول الأول: الماء طهورٌ، وهو مذهب الظاهرية، ورواية عن مالك، وقول للشافعي ورواية عن أحمد رحمة الله على الجميع. بمعنى: أن الماء باق على أصله، ولو توضأ به مائة شخص، فما دام أنه لم يتغير فهو ماء طهور كأنه نزل من السماء. القول الثاني: أن الماء إذا كان يسيراً فهو طاهر وليس بطهور، وعليه مذهب الحنابلة ومذهب الشافعية وهو رواية عن مالك، وأيضاً رواية عن الإمام أبي حنيفة رحمة الله على الجميع، وبناءً على ذلك يقولون: هذا الماء لا تتوضأ به ولا تغتسل، لكنه ليس بنجس، فلو وقع على ثوبك أو وقع على بدنك أو وقع على سجادتك التي تصلي عليها لم ينجسها. القول الثالث وهو أشدها: أن الماء إذا توضأ به أحد حكم بنجاسته، وهي رواية في مذهب الحنابلة وأيضاً قول القاضي أبي يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمة الله على الجميع. فعندما ثلاثة أقوال في الماء الذي توضئ به أو اغتسل به من الجنابة: منهم من يرى أنه طهور ويجوز للغير أن يتوضأ ويغتسل به، ومنهم من يرى أنه طاهر وليس بطهور، فلا يجوز للغير أن يتوضأ ويغتسل به، لكنه ليس بنجس، والقول الثالث -وهو أشدها-: أنه نجس. دليل من قال بطهوريته: ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الماء طهور لا ينجسه شيء)، قالوا: نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الماء لا يتأثر بشيء إلا ما غير اللون أو الطعم أو الرائحة، وهذا مجمع عليه، وهذا لم يتغير لونه ولا طعمه ولا ريحه فهو باقٍ على الطهورية. الدليل الثاني: ما رواه أحمد وابن ماجة: (الماء لا يجنب) فدل على أن الاغتسال من الماء والانتفاع به في الطهارة لا يوجب زوال وصف الطهورية عنه، هذا حاصل أدلة من قال: إنه طهور. أما من قال: إنه طاهر فقالوا: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم)، نهى الرجل أن يغتسل بالماء الدائم، قالوا: وما معنى هذا النهي إلا كونه يسلبه الطهورية، هذا القول الثاني. أما القول الثالث والأخير وهو قول الذين قالوا: إنه نجس، فاحتجوا بحديث النهي: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) قالوا: في رواية عند أبي داود: (ويغتسل فيه). قالو: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ويغتسل فيه) فشرك وجمع بين الغسل في الماء وبين البول فيه، فدل على أن من اغتسل في الماء كمن بال فيه فهو نجس. والصحيح من هذه الأقوال أنه طهور، وليس بنجس ولا طاهر، أي: لا يحكم بكونه نزل إلى مرتبة الطاهر. أما دليل الرجحان: أولاً: صحة ما ذكره أصحاب هذا القول. ثانياً: أن القاعدة: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل أنه طهور، ونحن شككنا في سلب الطهورية فنبقى على الأصل. ثالثاً: استدلال أصحاب القول الثاني بأن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم علته كونه يسلب الطهورية مردود، فإن العلة يحتمل أن تكون خوف تغير الماء وسلبه الطهورية، فاحتمل الوجهين، فجاءت رواية: (وليغترف منه) لتفيد أن العلة هي خوف إفساد الماء على الغير، ولذلك الراوي وهو أبو هريرة يقول: لعله أن ينتفع به غيره فيشرب منه ونحو ذلك، فدل على أن علة النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ليست سلب الطهورية، وإنما هي خوف تلوث الماء وإفساده على من يأتي بعده. رابعاً: استدلال من يقول: نهى عن البول والغسل، فدل على أن الغسل كالبول، هو استدلال بدلالة الاقتران، ودلالة الاقتران دلالة ضعيفة عند الأصوليين، ودليل ضعفهما ظاهر القرآن قالوا: لما قرن الاثنين دل على أن حكمهما واحد، فهذه الدلالة استعملها العلماء في هذه المسألة وفي مسألة: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ} [البقرة:196] قال بعض العلماء: العمرة واجبة لأن الله قرنها بالحج، فدلالة الاقتران ضعيفة عند الأصوليين، كما نبه عليه صاحب المستصفى وغيره. وجه ضعفها -كما قال المحققون وأشار إلى ذلك الإمام النووي في المجموع- ظاهر التنزيل، فإن الله عطف الشيئين المتغايرين في الحكم، فقال سبحانه: {كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام:141] كلوا من ثمره، هذا أمر للإباحة (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ) أي: أبحت لكم أكل ثمر الشجر، ثم قال: (وَآتُوا حَقَّهُ) أي: الزكاة وهي واجبة، فعطف غير الواجب على الواجب، فدل على أن الشرع قد يعطف على المتغايرين حكماً ومرتبةً، فلا يستقيم استدلالهم بالعطف الموجود في حديث النهي عن البول في الماء الراكد، بدليل رواية الصحيح: (ثم يغتسل فيه). وعلى هذا: فالذي يترجح أن الماء إذا توضأت به وحفظته أو اغتسلت به وحفظته جاز لغيرك أن يتوضأ ويغتسل به، لكن المصنف درج على قول من يقول: إنه طاهر وليس بطهور ولا نجس.
حكم الماء الذي غمس القائم من النوم يده فيه
حكم الماء الذي غمس القائم من النوم يده فيه قال رحمه الله تعالى: [أو غمس فيه يد قائم من نوم ليل]. مثلاً: عندك ماء يسير تريد أن تتوضأ منه لصلاة الفجر، فقمت لصلاة الفجر، وإذا بالماء في إناء -والإناء هو المفتوح، بخلاف الإبريق الذي يكون مغلقاً، فمحل الكلام في الإناء الذي تغترف منه كالقدر- وأردت أن تغترف منه، فالسنة الواردة في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً) فتمسك بالإناء وتميله قليلاً إلى كفك، ثم إذا ملأت الكف بالماء غسلت كلتا اليدين الغسلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فتطهر يداك، ثم بعد ذلك تغترف للمضمضة والاستنشاق، وتغسل بقية الأعضاء، لكن أن تأتي وتدخل يدك إلى الإناء مباشرة فهذا منهيٌ عنه. وبناءً على ذلك قال بعض العلماء من السلف وغيرهم: علة النهي أنهم كانوا في بلادٍ حارة، وكان الناس لا يعرفون عند قضاء الحاجة الغسل بالماء، وإنما كانوا يستجمرون بالحجارة، فربما عرق الإنسان أثناء نومه فجالت يده فأصابت العرق المتنجس في الموضع، وربما أصابت العضو، أو أصابت نجاسة خارجة من العضو، فنهى الشرع عن إدخال اليد في الإناء حتى لا يفسد الماء. وبناءً على ذلك فعندنا مسائل في المستيقظ من النوم: أولاً: لا يجوز له أن يدخل يده في الإناء حتى يغسلها، والغريب أن بعض الأطباء يقول: ثبت طبياً أن أكثر حالات الرمد -هذا المرض المعروف الذي يصيب الصغار- سببها أن الأطفال يستيقظون من النوم، فيجعلون أصابعهم في أعينهم قبل غسلها. وهنا تظهر حكمة الشرع، فإنه إذا انتقلت النجاسة إلى الإناء والإنسان في الوضوء يرفع الماء إلى وجهه لغسله فربما كان ذلك طريقاً لأذية البدن أو حصول الضرر، وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام. وقال بعض العلماء: بل أبلغ من ذلك معجزةً أن الشرع فيه أولاً أن تتمضمض ثم تستنشق ثم تغسل وجهك؛ لأن الماء إذا كان فاسداً أدركت فساده بالذوق، فإن عجز الذوق أدركته بالشم؛ مع أن العين أشد حساسية من الأنف، والأنف أشد حساسية من الفم، إلا أنه ثبت طبياً أن في الفم من أجهزة المناعة أضعاف ما في الأنف، وفي الأنف أضعاف ما في العين، فهذا من أبلغ ما يكون في حكمة الشرع في مسألة غسل اليدين للمستيقظ من النوم. وبناءً على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن غمس اليد في الإناء، على مذهب من يقول: إن ما دون القلتين ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة، يتفرع على هذا القول أن السطل الذي دون القلتين لو غمس القائم من النوم يده فيه شككنا فيه: فيحتمل أن فيه نجاسة ويحتمل أنه ليس فيه نجاسة، فقال: هو طاهر وليس بطهور؛ لأن النجاسة مشكوك فيها، فقال: نجعله طاهراً لا يتوضأ به ولا يغتسل، ولا نقول: هو نجس؛ لأننا لم نتحقق من النجاسة، ولا نقول: هو طهور، لأنه لم يبق على أصل خلقته، هذا هو وجهه. قوله: (من نوم ليل). وحديث: (إذا استيقظ أحدكم من نومه) للعلماء فيه أقوال: بعض العلماء يقول: لا يجوز إدخال اليدين في الإناء من نوم الليل والنهار، وهو مذهب الظاهرية. ومنهم من يقول: لا يجوز إدخالها من نوم الليل خاصة، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة من المحدثين. ومنهم من قال: باستحباب غسلها كما هو مذهب الجمهور. والصحيح مذهب الظاهرية، أن النهي على العموم، والذين يقولون بتخصيص نوم الليل -كما درج عليه المصنف- يستدلون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده)، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل فقالوا: الحكم يختص بنوم الليل دون النهار. والصحيح أنه يشمل نوم الليل والنهار والحكم معمم، والسبب في ذلك أن قوله: (فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) خرج فيه النص مخرج الغالب، والذي خصه بالبيتوتة بنى على مفهوم الحديث، والقاعدة: أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه، وهي مسألة أصولية، وحبذا لو يرجع إلى شرح عمدة الأحكام، فقد ذكرت فيه أقوال العلماء وأدلتهم والراجح من تلك الأقوال بدليله كما ذكرنا. فالمصنف رجح أن غمس اليد في الإناء قبل غسلها لا يجوز من نوم الليل دون نوم النهار، والشرط أن يكون النوم موجباً للوضوء؛ لأن النوم إذا كان يسيراً لا يوجب الوضوء؛ لأنه لا يزول به الشعور، فالشخص في هذه الحالة يدري أين باتت يده، بخلاف ما إذا زال الشعور، فيحتمل أن تجول اليد إلى مكان فيه نجاسة.
حكم آخر غسلة أزيلت بها النجاسة
حكم آخر غسلة أزيلت بها النجاسة قال رحمه الله: [أو كانت آخر غسلة زالت بها النجاسة فطاهر]. مذهب طائفة من العلماء أن النجاسة تغسل ثلاثاً على الأقل: الأولى: لإذهاب عين النجاسة. والثانية: لإذهاب أثر النجاسة. والثالثة: للاستبراء واليقين. فغالباً الغسلة الثالثة يذهب بها عين النجاسة وأثر النجاسة، فتأتي على نقاء من موضع، فيكون الماء المنفصل من هذه الغسلة طاهراً وليس بنجس، لكن لو أن هذه الغسلة وجد فيها أثر النجاسة، فتغير لون الماء بها أو طعمه أو ريحه، فإنه يحكم بكونها نجسة، فمحل كونها طاهرة ألا تتأثر.
الأسئلة
الأسئلة
العبرة بتغير أحد أوصاف الماء حتى ولو أصابه بول أو غائط
العبرة بتغير أحد أوصاف الماء حتى ولو أصابه بول أو غائط Q إذا وقعت عذرة الآدمي المائعة أو بوله في الماء الذي يشق نزحه، فما حكمه؟ A بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذه المسألة سبقت الإشارة إليها في قول المصنف: (فخالطته نجاسة غير بول آدمي أو عذرته المائعة)، كما ذكره رحمة الله عليه، فقلنا: استثنوا العذرة أو البول لحديث الصحيحين عن أبي هريرة: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) فقالوا: إذا وقع هذا البول أو هذه العذرة في ماء راكد ولو كان فوق القلتين سلبه الطهورية، والصحيح أنه لا يسلبه الطهورية إلا إذا غير لوناً أو طعماً أو رائحة. ولذلك القول باعتبار التأثير وتغير اللون والطعم والرائحة يريح طالب العلم والمكلف؛ لأننا لو قلنا بالقلتين سيظل الإنسان يوسوس: هل بلغت خمسمائة رطل عراقي أم لم تبلغ؟ أو مائة وثمانية بالدمشقي -وهي وحدة قياس، قالوا: ذراع وربع في ذراع وربع في ذراع وربع- ويجلس على البركة ويحاول أن يعرف هل بلغت القلتين أم لا، ويصيبه من الوسوسة والتعب ما الله به عليم، والشريعة شريعة سماحة ويسر وتخفيف على العباد. ولذلك تجد المذهب الذي يقول باعتبار القلتين يفرع عليها مسائل دقيقة جداً ومظنية فرحمة الله عليهم، وهم العلماء الذين نتطفل على علمهم، ولكن الحمد لله الذي جعل لنا فرجاً ومخرجاً، وجعل الأمر راجعاً إلى التأثير، فاختيار المحققين مثل: شيخ الإسلام وغيره أن العبرة بالتأثير، ولذلك تنظر للماء إذا وقعت فيه نجاسة أو شيء طاهر، فإن تغير لونه أو طعمه أو ريحه، فقل هذا متغير، وإن لم يتغير فقل: هذا باقٍ على أصله، فأصبح الأمر مرده إلى المؤثر الحقيقي، والله تعالى أعلم.
الدليل على اعتبار تغير الماء للحكم بنجاسته
الدليل على اعتبار تغير الماء للحكم بنجاسته Q وهذا سائل يقول: فضيلة الشيخ ما الدليل على أن العبرة بالتغيير باللون أو الطعم أو الريح، وأنه بذلك تعرف النجاسة؟ A عندنا دليلان: دليل شرعي ودليل حسي. أما الدليل الشرعي: فهو موجود، وهو أن الإجماع منعقد على أن الماء إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجس أنه نجس، وحكى هذا الإجماع غير واحد، منهم الإمام النووي في المجموع، والإمام ابن المنذر في الإشراف، وحكاه الإمام ابن قدامة في المغني، وحكاه كذلك صاحب البحر الزخار وغيرهم، فحكموا أن الماء المتغير لونا أو طعماً أو ريحاً بنجاسة يحكم بنجاسته، وهناك رواية من حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) وهي ضعيفة، ويقول العلماء: إنها ضعيفة السند صحيحة المتن، وهذه من أمثلة الحديث ضعيف السند صحيح المتن؛ لأن الحديث قد يكون صحيح المتن، كما لو جاء حديث في فضل الصلاة وله أصل في الصحيح، فنقول: إن المتن صحيح لوجود أصله، لكن سنده ضعيف، فنحكم بضعف سنده لا معناه، ولذلك تجد العلماء رحمهم الله كـ شيخ الإسلام يقولون: وهذا حديث ضعيف لكن معناه صحيح. وكذلك الحديث الذي معنا: (إلا ما غير لونه ... )، فهذا دليل الشرع والإجماع المنعقد. ومن قال: إن الماء الذي خالطته نجاسة وأصبح لونه لون النجاسة، أو طعمه طعم النجاسة، أو ريحه ريح النجاسة، أنه ماء طهور، فهذا يعتبر شاذاً عن الإجماع، ومتبعاً غير سبيل المؤمنين، نسأل الله السلامة والعافية. إياك والشذوذ عن إجماعات العلماء رحمة الله عليهم! فإن الخير في اتباع من سلف، والشر كل الشر في اتباع من خلف. أما الدليل الحسي: فإن هذا الماء الذي أنزله الله من السماء، إن بقي على أصل خلقته فهو الماء الذي شرع الله له أن يتطهر به، وإن لم يبق على أصل خلقته وتغير، فحكمه حكم ما غيره، ألا ترى أنك تقول: ماء زعفران، ماء ورد، فتعطيه حكم ما غيره، فدلالة الحس معتبرة كما أن دلالة الشرع معتبرة، بشرط ألا تصادم دلالة الحسن النقل الصحيح المعتبر.
حكم الماء الذي تخالطه مادة الكلور
حكم الماء الذي تخالطه مادة الكلور Q إذا تغير لون الماء الموجود في البركة بمادة الكلور مثلاً، فهل هذا الماء طهور؟ A إذا وجد طعم الكلور في البركة أو رائحته أو لونه، فإنه يحكم بكون الماء طاهراً غير طهور، والله تعالى أعلم.
اعتبار القلتين للفرق بين القليل والكثير عند الفقهاء
اعتبار القلتين للفرق بين القليل والكثير عند الفقهاء Q نرجو إعادة الكلام على اعتبار القلتين فرقاً بين القليل والكثير؟ A قلنا: القلتان قدر معين من القلال التي تقل باليد، فإن بلغ الماء قلتين، بمعنى: أن هذا القدر الموجود في بركة أو في حوض أو في خزان إذا بلغ القلتين ثم وقعت فيه نجاسة فلم تغير لونه ولا طعمه ولا ريحه، قلنا: الإجماع على أنه طهور، ويجوز أن يتطهر به، ولا حرج على المكلف في ذلك، فإن تغير فحكمه حكم ما غيره على التفصيل الذي سبق الإشارة إليه.
الحكمة في عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة
الحكمة في عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة Q في مسألة إذا خلت المرأة بالماء، ما الحكمة في عدم جوازه في هذه الحالة فقط؟ A على الله الأمر، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الرضا والتسليم: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء:65]، وليس هذا فقط، بل: {ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ} [النساء:65] أي حرج، فجاءت نكرة، والنكرة تفيد العموم في أساليب العرب: {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] فنسأل الله أن يرزقنا التسليم، فالتسليم هو: الإسلام، كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الإسلام هو الاستسلام لله. فمن استسلامك لله إذا جاءك الخبر أن تقول: سمعت وأطعت كما قال أبو هريرة لـ ابن عباس: (يا ابن أخي! إذا سمعت الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له الأمثال) بمجرد ما يصح الخبر ضع رأسك في التراب وقل: سمعت وأطعت غفرانك ربنا وإليك المصير. وسبحان الله ما سلم عبد لنص كتاب أو سنة إلا جعل الله له فرجاً ومخرجاً، ولذلك شق على الصحابة قول الله تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284] وعظم عليهم هذا الأمر؛ لأن قلوبهم تعامل الله وتعبده، فخافوا مما أكنوا ومما أظهروا أن يحاسبهم الله به، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا رسول الله! إن الله يقول كذا وكذا، -فشق عليهم الأمر- فقال صلوات الله وسلامه عليه: ما زدتم على ما قالت بنو إسرائيل) يعني: كونكم تعترضون وتستثقلون هذا الحكم على أنفسكم، ما يجعلكم أنتم وبني إسرائيل إلا سواء، فقال: (قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فنزل جبريل من السماء بالتخفيف والتسهيل: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286] قال الله: قد فعلت) كما في الصحيح. إذاً: إذا جاءك الحكم وقيل لك: يا فلان لا يجوز؛ لأن الله قال أو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فقل: سمعت وأطعت، ولا تزيد ولا تنقص على هذه الكلمة، وبإذن الله سيجعل الله لك فرجاً ومخرجاً. ولكن ما أن يقول العبد -والعياذ بالله-: كيف هذا؟ لا ما يمكن! كيف يفتيك العالم الفلاني بعدم الجواز؟ هذا ما نقبله!! فيرد السنة والنقل بالعقل فهذا هو العار والشنار وخزي الدنيا والآخرة، وربما أفضى إلى النار وبئس القرار. لا يجوز تحكيم الأهواء والآراء في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بل بمجرد ما يأتيك الشيء استسلم لله، فإن الاستسلام مظنة الفرج، ألا ترى إبراهيم عليه السلام قال الله عنه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103] استسلم لأمر الله، ما قال: يا رب! كيف أقتل ابني فلذة كبدي؟ ولكن جاء الأمر فقال: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات:102] فجاء الابن الصالح: {قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات:102] إذا كان الله أمر فأنا مستسلم، حتى ورد في الخبر أنه قال: يا أبت أكفأني على وجهي، حتى لا تدرك عطف الأبوة وحنان الأب فلا تأتمر بأمر الله: {فَلَمَّا أَسْلَمَا} [الصافات:103] استسلم لله، {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} [الصافات:103 - 105]. إذاً التسليم هو مظنة الفرج، وأما كون الإنسان يحكم رأيه فهذا ليس بإيمان، وكون الإنسان تأتيه السنة فيحكم رأيه، ويقول: الذي يوافق العقل نعمل به، والذي يصادمه لا نعمل به، كيف هذا! ما يمكن!! كيف ما يجوز؟ لا، كيف يحل؟ كيف يجب؟ هذا كله -والعياذ بالله- عدم تسليم لله ورسوله. يقول بعض السلف: (لا يؤمن على الرجل إذا ترك سنة أن يهلك)، يعني: في دينه ودنياه وآخرته، ولذلك قال أبو بكر: (والله لا يبلغني شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا عملت به؛ إني أخاف إن تركت شيئاً من سنته أن أضل) صلوات الله وسلامه عليه. فإذاً التسليم والمتابعة المجردة والالتزام هو الهداية وهو التوفيق والسعادة والرحمة؛ لأن الله يقول: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] اتبعوه في كل ما جاءكم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تغتسل من فضل المرأة) إذاً لا أغتسل والمرأة المؤمنة لا تقول: الإسلام يفضل الرجل على المرأة؟! بل تقول: الله هو الحكم العدل الذي هو أعلم بعباده، وأحكم في خلقه، فرغمت أنوف الكفار الذين يدعون أن الإسلام يفرق بين الرجل والمرأة، أبداً بل نحن راضون مسلِّمون، هذا هو الإيمان، وعندها تكون الرحمة والرضا ويكون التوفيق وانشراح الصدر. ويا لله! هناك أقوام بمجرد ما تبلغهم السنة يطيرون بها فرحاً، والناس في السنن على أحوال ومراتب، أعظمها وأجلها -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- من تتشوق نفسه إلى معرفة السنة. فإذا بلغك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقل: الحمد لله الذي بلغني معرفة هذه السنة. الأمر الثاني: تسأل الله المعونة في امتثال أمره واتباعه صلوات الله وسلامه عليه، فتجد نفسك تتشوق للخير، ولا تزال تعمل بالأحاديث والسنن، حتى تكتب من أهل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أولئك القوم الذين وجوههم ناضرة في الدنيا والآخرة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم، وأن يحشرنا وإياكم في زمرتهم. فالمقصود: أن الواجب علينا أن نسلم، ولا داعي للبحث عن العلل، وآراء الرجال، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون، وعقل ناقص لا يستطيع أن يعرف الحكم والأسرار من الله العظيم الكامل جل جلاله وتقدست أسماؤه، فليس لنا إلا الرضا والتسليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
أحكام المياه [3]
شرح زاد المستقنع - أحكام المياه [3] الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما استثنى الشرع تحريمه، أو غلب أمر ظاهر على الأصل فينتقل من الإباحة إلى التحريم. والأصل في الماء أنه طهور إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة جامدة أو مائعة، فإنه حينئذ ينجس ويحرم استعماله.
الماء النجس
الماء النجس الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد:
الأحوال التي يحكم فيها بنجاسة الماء
الأحوال التي يحكم فيها بنجاسة الماء فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والنجس ما تغير بنجاسة]. هذا النوع الثالث من أنواع المياه: وقد تقدم معنا: الماء الطهور، والماء الطاهر، وهنا: الماء النجس، ولابد من الحديث عن هذا النوع؛ لأن الطهارة لا تصح به، ولأنه لا يمكن للمكلف أن يعرف الطهور إلا إذا حفظه من النجاسة. والنجاسة: أصلها القذر، يقال: نجس الشيء ينجس فهو نجس، إذا كان مستقذراً، والمراد بها نجاسةٌ مخصوصة، وهي التي حكم الشرع بكونها نجاسة؛ ولذلك لابد للمكلّف من معرفة المياه المتنجسة والمياه النجسة. وقبل أن نبدأ الحديث عن أحكام الماء النجس، أحب أن أمهد بتنبيه، وهو أن هناك مائعٌ نجسٌ في أصله، وهناك مائعٌ متنجس. فالمائع النجس: هو الذي أصله نجس، كأن يكون مستخلصاً من شيءٍ نجس، كزيوت الميتة، فلو أُخذَ شحمها وأذيب، فإن المائع المستخلص -وهو الودك- يعتبر نجساً، أي: أن عينه نجسة، وهكذا البول فإن عينه نجسة. أما النوع الثاني: وهو المتنجس، فإن أصله طاهر، ولكن وقعت فيه نجاسةٌ أوجبت نقله في الحكم من كونه طاهراً إلى كونه نجساً. وسنتكلم -إن شاء الله- عن ماءٍ تأثر بالنجاسة، وحُكمَ بكونه نجساً، وعلى هذا فإننا نحتاج إلى معرفة متى يُحكم بانتقال الماء من كونه طهوراً إلى كونه نجساً. فقال رحمه الله: (والنجس ما تغير بنجاسة). والماء النجس ما تغير بنجاسة: أي أن أصله طاهر، مثالُ ذلك: لو أخذت إناءً فيه ماءٌ من بئر فإنه ماءٌ طهور، فإذا تغير بنجاسةٍ فإنه يُحكم بتغيره إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته؛ مثلاً: بال فيه صبيٌ فوجدت لون الماء قد تغير بلون البول، أو تغير بطعم البول، أو رائحة البول في الماء، فإذا وجدت أحد هذه الأوصاف الثلاثة حكمت بكون هذا الماء قد انتقل من كونه طهوراً إلى كونه نجساً، ويحكم بنجاسته؛ لأن النجاسة دخلت عليه فهي نجاسةٌ عارضة؛ ومن ثم لا يجوز أن يتوضأ بهذا الماء؛ لأنه لا يزيل خبثاً ولا يرفع حدثاً، فلا يتوضأ به ولا يُغتَسلُ به من الجنابة، ولا ينظف به من الخارج من بولٍ أو غائط. فكل ماءٍ وقعت فيه نجاسة وغيرت أحد الأوصاف الثلاثة حكم بكونها مؤثرة، سواءً كانت مائعة كالبول أو جامدة كالعذرة، فحينئذٍ يحكم بكون الماء نجساً. قال رحمه الله: [أو لاقاها وهو يسير]. تقدم معنا أن العلماء رحمهم الله منهم من يقول: الماء ينقسم إلى قليلٍ وكثير، أو كثيرٍ ويسير، فعندهم الكثير ما بلغ القلتين وجاوزها، واليسير: ما كان دون القلتين، فكلٌ ماءٍ كان دون القلتين عند من يرى اعتبار القلتين، بمجرد أن تقع فيه النجاسة يحكم بكونه نجساً، فالماء الطهور يحكم بنجاسته في إحدى حالتين: إما أن يكون كثيراً تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة، أو يكون قليلاً ولم يتغير، فإن القليل بمجرد أن تقع فيه النجاسة يحكم بكونه متنجساً، هذا في مذهب من يرى القلتين. أما المذهب الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام وجمع من المحققين أنه لا فرق بين القليل والكثير، وأن المهم هو تغير الماء بالنجاسة لوناً أو طعماً أو رائحة، لكن المصنف يرجح مذهب القلتين، والصحيح كما قلنا: أن المهم تغير اللون أو الطعم أو الرائحة. الخلاصة: أنه لا يحكم بنجاسة ماءٍ إلا إذا وجدنا لون النجاسة أو طعمها أو ريحها في ذلك الماء. قال رحمه الله: [أو انفصل عن محل نجاسةٍ قبل زوالها]. هذا الذي يسميه العلماء: غسالة النجاسة، فإذا وقعت على الثوب قطرةٌ من بول فصبّ الإنسان الماء على هذه البقعة، فالماء المصبوب إذا أذهب هذه النجاسة وكان كثيراً ولم يتغير فالمذهب أنه طاهر كالغسلة الأخيرة في إزالة النجس وقد تقدم في الكلام عن الماء الطاهر؛ لكن لو صبت الغسلة الأولى وبقي أثر النجاسةِ في المحل حكمنا على الماء الذي صُبّ أنه متنجس؛ لأنه لو كان طاهراً لأثر في عين النجاسة ولأزالها ولم يبق لها أثراً. فإذا صُبّ الماء على نجاسةٍ، وبقيت بعد الماء المصبوب، فإن الماء المخالط للنجاسة نجس، وهذه صور يمثل بها العلماء، والذي يهمنا هو أنه إذا كان الماء طهوراً وتغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو نجس، وإذا لم يتغير أحد أوصافه فهو طهورٌ أو طاهر.
مسألة زوال النجاسة عن الماء ورجوعه إلى حالته الأولى
مسألة زوال النجاسة عن الماء ورجوعه إلى حالته الأولى قال المصنف رحمه الله: [فإن أضيف إلى الماء النجس طهور كثير]. تقدم أن الماء يتنجس إذا وقعت فيه نجاسة، وتبقى عندنا مسألة وهي: كيفية زوال النجاسة ورجوع الماء إلى حالته الأولى من كونه طهوراً أو طاهراً، توضيح ذلك: قلنا: إن الماء في الأصل طهور؛ فإن تغير بنجسٍ فهو نجس، وإن تغير بطاهرٍ فهو طاهر، فإذا عرفنا أن الماء ينتقل من كونه طهوراً إلى كونه نجساً بالنجاسة. فقد يسألك سائل ويقول: أنت حكمت بكون الماء الطهور صار نجساً لوجود أثر النجاسة، أرأيت لو أن أثر النجاسة هذا زال بحرارة الشمسٍ، أو صببنا ماءً كثيراً على الماء المتنجس حتى غالب النجاسة فذهب لونها وطعمها وريحها، هل نحكم برجوع الماء إلى حالته الأولى من كونه طهوراً؟! فقال رحمه الله: [فإن أضيف إلى الماء النجس طهورٌ كثير غير تراب ونحوه، أو زال تغير النجس الكثير بنفسه، أو نزح منه فبقي بعده كثيرٌ غير متغير طهر]. فالماء إذا تنجس بنجاسة، ثم صُبّ عليه ماء طهورٌ حتى يبق معه أثرٌ للنجاسة، فإنه في هذه الحالة نحكم بكونه طهوراً عاد لحالته الأولى. والمهم عندنا تأثر الماء بالنجاسة، فإذا أثرت النجاسة في الماء فهو متنجس، وإن صُبّ على الماء المتنجس طهورٌ كثير حتى رجع إلى حالته الأولى وغلب الطهور النجس بحيث لم يوجد أثرٌ للنجاسة حكمنا بكون الماء طهوراً؛ لأن القاعدة تقول: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فالحكم: هو النجاسة، والعلة: هي وجود أثر النجاسة، فإذا وجدت في الماء أثر النجاسة حكمت بكونه متنجساً، وإذا زال أثر النجاسة عن الماء حكمت بكونه طاهراً وراجعاً إلى أصله. فمثل لك -رحمه الله- بصب الطهور الكثير، فلو أن إنساناً عنده ماءٌ قليل قدر الكأس، ووضعه في إناء، فجاءت قطرة من بول وأثرت في هذه الكأس أو الكأسين، ثم أراد أن يطهر هذا الماء المتنجس فصب -مثلاً- إلى منتصف الإناء حتى ذهب لون النجاسة وطعمها وريحها، فنقول: هذا الماء انتقل من كونه نجساً إلى كونه طهوراً، وهذا من رحمة الله جل وعلا ولطفه بالعباد. وهذا بشرط أن يكون الماء الذي صُبّ طهوراً، أما إذا كان الماء الذي صبه طاهراً فقد انتقل الماء من كونه نجساً إلى كونه طاهراً.
مسألة الشك في نجاسة الماء أو طهارته
مسألة الشك في نجاسة الماء أو طهارته قال المصنف رحمه الله: [وإن شك في نجاسة ماءٍ أو غيره، أو طهارته بنى على اليقين]. بعد أن ذكر المصنف أقسام المياه سيذكر الآن مسائل تعمُّ بها البلوى، وهي مسائل الشبهة والشك في طهارة الشيء ونجاسته، ومن عادة أهل العلم رحمةُ الله عليهم أنهم يذكرون مسائل الشك في الطهارة والحدث في كتاب الطهارة، ويجعلون هذه المسائل قاعدةً عامة. والأصل في هذه المسائل: أن الشريعة كلفت المكلف بما يستيقنه أو يغلب على ظنه، أما ما شك فيه وتوهم فهذا لا يبنى عليه حكم. وكثيراً ما يسأل الناس: عندي إناء فيه ماء طهور، ثم شككت، هل أصابته نجاسة صبي كان يلعب بجواره فهو نجس أو لم تصبه فهو طهور؟!! وهذه مسائل يحتاج إليها الناس كثيراً وتعمُّ بها البلوى؛ فإن الإنسان قد يكون في غرفة فيها فراش، وعليها صبيان يلعبون أو يعبثون، ثم يشكُ في كون نجاسة أحدهم أصابت ذلك الفراش فلا يصح أن يصلي عليه، أم أن الفراش طاهر فيجوز له أن يصلي عليه؟! إذاً فالناس يحتاجون إلى معرفة أحكام الشك الذي يطرأ على الأشياء الطاهرة، فقال رحمه الله: (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين). قال: (وإن شك في نجاسة ماء أو غيره) أي شيء حتى ولو كان طعاماً، فلو كان عندك كأسٌ من الماء وشككت هل هذا الكأس طاهر أم نجس؟ ترجع إلى اليقين، والأصل في الأشياء أنها طاهرة حتى يدل الدليل على نجاستها، فإذا كان عند الإنسان فراش، وكان الصبيان يلعبون على هذا الفراش وخرج عنهم، ثم جاء بعد يوم أو يومين وشك: هل بال أحدهم في ثوبه ثم جلس على هذا الفراش ونجسه؟ نقول: اليقين أن الفراش طاهر، والقاعدة تقول: اليقين لا يزال بالشك هذه قاعدة من قواعد الشريعة، وهي إحدى القواعد الخمس المتفق عليها: الأولى منها: (الأمور بمقاصدها). والثانية: (اليقين لا يُزال بالشك). والثالثة: (المشقة تجلب التيسير). والرابعة: (الضرر يزال). والخامسة: (العادة محكمة). وكل قاعدة منها يندرج تحتها من المسائل والفروع ما لا يحصى كثرة، وقد يندرج تحت القاعدة الواحدة ما لا يقل عن مائة مسألة من مسائل الفقه، فمنها مسألتنا التي معنا في قاعدة: (اليقين لا يزال بالشك). هذه القاعدة التي فرعنا عليها الحكم الذي معنا دليلها ما جاء من حديث عبد الله بن زيد أنه قال: (شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم اشتكى إليه بعض الصحابة، أن الرجل يقوم في الصلاة، ثم يأتيه الشيطان ويقول له: خرج منك ريح، انتقض وضوءك، أنت لست على طهارة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً). يعني: حتى يتيقن الحدث كما تيقن الطهارة، فدل هذا على أن اليقين لا يزال بالشك، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: (إذا صلى أحدُكم فلم يدرِ واحدةً صلى أو اثنتين، فليبن على واحدة، فإن لم يتيقن اثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على اثنتين، فإن لم يدرِ أثلاثاً صلى أو أربعاً فليبن على ثلاث، فإن لم يدرِ أأربعاً صلى أو خمساً فليبن على أربع، ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم) وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر اليقين وألغى الشك. ولذلك العلماء أخذوا من الحديث قاعدة وقالوا: (اليقين لا يزال بالشك)، أي: الشيء الذي أنت على طمأنينة به ويقين به لا يزيله الشك كحديث النفس والوسوسة، فأنت في الفراش على يقين من أن فراش الغرفة طاهر، ولم تجد أثر البول على الفراش فتقول: (اليقين) وهو كون الفراش طاهراً (لا يزال بالشك) وهو وسوسة النفس ببول الصبي عليه، وهذا أصل عظيم يتفرع عليه من المسائل ما لا يحصى كثرة، وسيمر علينا -إن شاء الله- في كتب العبادات والمعاملات. فهنا إذا شك في طهارة شيء ونجاسته بنى على اليقين، فلو أن الثوب كان معلقاً ثم تطاير بولٌ في مكان قريب من الثوب، وشككت هل الثوب أصابه البول أو لم يصبه، فاليقين أن الثوب طاهر، والشك أنه نجس، فتقول: (اليقين) وهو طهارة الثوب (لا يزال بالشك) وهذا من رحمة الله. فلو أن الناس فُتح عليهم باب الوسوسة ما استطاع أحدٌ أن يصلي، ولوجدوا في ذلك من الحرج والضيق والمشقة ما الله به عليم، حتى ولو كان الثوب فيه نجاسة حقيقة وأنت لم تدرِ فإن صلاتك تصح وتجزئك عند الله جل وعلا، وهذا من رحمة الله عز وجل. فقال المصنف رحمه الله: (ومن شك في نجاسة ماء أو غيره أو طهارته بنى على اليقين) فإذا شككت في الماء من كونه طاهراً أو نجساً، أو شككت في الطعام من كونه طاهراً أو نجساً بنيت على اليقين من كونه طاهراً، واستبحت أكله وشربه حتى تستيقن النجاسة.
مسألة اشتباه الطهور بالنجس
مسألة اشتباه الطهور بالنجس قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبه طهورٌ بنجس حَرُمَ استعمالهما]. قبل أن نبدأ بهذه المسألة الثانية ننبه على مسألةٍ أخرى: تقدم أن من شك في شيءٍ رجع إلى اليقين، لكن لو كان هذا الماء نجساً ثم شككت: هل زالت نجاسته بالشمس وتبخرت أم أنه لا زال نجساً، فاليقين هنا أنه نجس، والشك في كونه طاهراً، فنبقي اليقين من كونه نجساً، ونلغي الشك من طهارته، وهذا أصل عام. فلو أصاب الثوب نجاسة، ثم جاءك حديث نفس وشككت: هل غسلت الثوب فهو طاهر، أو لم تغسله فهو نجس؟ فالأصل واليقين أنه نجس، فنقول: (اليقين) وهو كونه نجساً (لا يزال بالشك) وهو كونه طاهراً. وهذا أصل عام يسري في كثيرٍ من الأمور، وكثير من المسائل وأحكام القضاء الموجودة في الفقه الإسلامي مفرعة على هذه القاعدة العظيمة، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) وأصلها قوله تعالى: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة:111]؛ لأن الأصل في المتهم أنه بريء حتى يثبت ما يُدانُ به، إلى غير ذلك من المسائل التي لا تحصى كثرة، في مسألة الشك في طهارة الشيء ونجاسته. فإذا شككت في شيءٍ رجعت إلى الأصل، فإذا كان عندك شيئان: أحدهما طاهر، والثاني: نجس، أو عندك ماءٌ طهور يجوز أن تتوضأ به، وماءٌ نجس، ولكن لا تستطيع أن تعرف الماء الطهور من الماء النجس ففي هذه الحالة هل نقول: يترك الاثنين ويتيمم، أو نقول: يتوضأ بأحدهما ويصلي؟ إن قلنا: يتوضأ بأحدهما ويصلي فإن اليقين أن ذمّته معلقةٌ بالصلاة، فإذا توضأ بأحدهما احتمل أنه توضأ بماءٍ نجس، وحينئذٍ لا يكون قد أبرأ ذمته التي هي معلقةٌ باليقين، إذ كيف يبرئها بأمرٍ مشكوك؟! ولذلك لا يصح ألبتة أن نقول له: يتخير واحداً منهما. بعضهم يقول: يجتهد ويأخذ أقواهما وأقربهما من الطهور، ولكن ليست مسألتنا فيما فيه مدخل للاجتهاد إنما مسألتنا في سطلين أو إناءين لا تستطيع أن تعرف النجس من الطاهر منهما ألبتة، إذ الاشتباه عند العلماء يعني: وجود شيئين كلٌ منهما يشبه الآخر بحيث لا يمكن التمييز؛ لكن لو استطعت أن تميز بالرائحة أو باللون أو بالطعم فالقدرة على اليقين تمنع من الشك، ومسألتنا هي فيما إذا تعذر التمييز. جاءك رجل وقال لك: أنت درست كتاب الطهارة، وعندي سطلا ماء، أحدهما طهور والثاني نجس، ولا أستطيع أن أعرف الطهور من النجس، وأريد أن أصلي، فبأيهما أتوضأ؟ إن قلت له: توضأ منهما فيحتمل أن يتوضأ بالنجس أولاً وبالطهور بعده، فيكون وضوءه بالطهور بعضه رافع لنجاسة البدن بالذي قبله، وإن كان توضأ بالطهور أولاً ثم بالنجس بعده فهذه مصيبة؛ لأنه سيتنجس ويصلي وهو متنجس، ولذلك لا يستقيم أن يقال له: توضأ بواحدٍ منهما أو بهما معاً، وإنما يقال له: اتركهما واعدل إلى التيمم. فلو قال قائل: كيف يتيمم والله يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء:43] وهذا قد وجد الماء؟! نقول: إن الشرع قال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: ماءً طهوراً تبرأ به الذمة، وهذا ماءٌ لا تبرأ به الذمة، فأصبح وجوده وعدمه على حدٍ سواء، ولذلك يسمونه العجز الحكمي، حيث يكون الماء موجوداً ولكن لا تستطيع أن تستعمله، فيعتبر الماء كأنه مفقود حكماً. وقال بعض العلماء: يخلطهما مع بعضهما، وعلى كل حال: فإن المذهب المعتبر أنه يترك كلا المائين ويتيمم. وأصل هذا مسألة أصولية من أمثلتها: إذا اختلطت أخته بأجنبية أو ميتة بمذكاة حرمتا، فلو كان عنده شاتان: إحداهما مذكاة ذكاة شرعية، والثانية: ذُكر عليها اسم غير الله، فهي فسق ورجس لا يجوز أكلها، وكلا الشاتين شكلهما واحد، ومكانهما واحد، فالتبس عليه فلم يستطع أن يعرف أيتهما المذكاة؟ فإننا نقول: حرمت كلا الشاتين؛ لأنه في مظنة أن يقع في المحرم، وهذه المسألة قررها غير واحد من أئمة الأصول ومنهم الغزالي في المستصفى، وكذلك الإمام ابن قدامة في الروضة. كذلك هنا: إذا اختلط الماء الطهور بالنجس، نقول: اتركهما واعدل إلى التيمم. (وإن اشتبه طهورٌ بنجس حرم استعمالهما ولم يتحر). لأنه يؤدي إلى تنجيس بدنه واستباحة الصلاة على وجهٍ لا تبرأ به الذمة. قال رحمه الله: [ولا يشترط للتيمم إراقتهما ولا خلطهما]. قال بعض العلماء: يشترط في التيمم أن يريقهما حتى يصير غير واجد للماء، وصورة المسألة: إذا كنت في سفر وليس عندك إلا وعاء فيه ماء طهور، ووعاء فيه ماء نجس ولا تستطيع التمييز؛ أما لو وجدت غيرهما فإنك تتركهما وتتوضأ بالغير، لكن محل الإشكال هنا إذا لم يوجد ماء غير هذا الماء المشتبه فيه، فتترك الاثنين وتتيمم، وقال بعض العلماء: يخلطهما. ومذهب الخلط يصح إذا كان أحدهما طهوراً يغالب الآخر وأمكن تمييزه، لكن هنا لا يمكن التمييز؛ لأنه إذا خلطهما مع بعضهما ربما أنه يتنجس أحدهما في الآخر؛ لأنه إذا وردت النجاسة على الطهور نجسته، وإذا ورد الطهور على النجاسة طهرها، وأنت لا تستطيع في هذا الحالة أن تفعل كلا الأمرين، لا تورد هذا على هذا، ولا هذا على هذا، فتلغي الاثنين كأنهما غير موجودين، ثم تتيمم، وهذا هو المذهب المعتبر.
مسألة اشتباه الطهور بالطاهر من الماء
مسألة اشتباه الطهور بالطاهر من الماء قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبه بطاهرٍ توضأ منهما وضوءً واحداً]. هذه مسألة أخرى: عندك سطلان، أحدهما فيه ماءٌ طهور، والثاني فيه ماءٌ طاهر. فإن الماء الطهور هو وحده الذي يصح به الغسل والوضوء، أما الطاهر -كما تقدم معنا- فإنه لا يرفع حدثاً ولا يزيل خبثاً، فهل إذا كان أحدهما طهوراً، والثاني طاهراًَ، يأخذ نفس الحكم السابق؟! A لا. فإن الطاهر لا ينجس البدن، فنقول له: توضأ من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، فيأخذ الغرفة الأولى من أحدهما ويتمضمض، ثم يأخذ الغرفة الثانية من الآخر ويتمضمض، ثم يأخذ غرفةً من أحدهما ويغسل بها وجهه، ثم يأخذ غرفة من الآخر ويغسل بها وجهه، ثم يأخذ غرفةً أخرى لليد وبعدها للرأس وبعدها للرجلين. ويكون على هذا قد تأكد أنه قد توضأ بماءٍ طهور؛ لأن الماء الموجود إما طهور وإما طاهر، فإذا توضأ منهما فقد جزم بكون الماء الطهور قد أصاب بدنه، وهكذا في الغسل يصب ويفرغ عليه من الإناءين. ويشترط في ذلك تعميم العضو، فبكل غرفة يعمم العضو، إن كان الوجه استوعب الوجه بكل إناءٍ منه غرفة، وإن كانت اليد استوعب اليد وهكذا. قال رحمه الله: [من هذا غرفة ومن هذا غرفة، وصلى صلاةً واحدة]. (وصلى صلاةً واحدة) لأنه يكون بعد انتهائه من الوضوء على هذه الصورة قد تطهر، ولا يجب عليه صلاتان، قال بعضهم: يتوضأ من هذا ويصلي، ثم يتوضأ من الثاني ويصلي، والصحيح: أنه يتوضأ من هذا غرفة ومن هذا غرفة حتى يتم الوضوء ثم يصلي صلاةً واحدة.
مسألة اشتباه الطاهر بالنجس من الثياب
مسألة اشتباه الطاهر بالنجس من الثياب قال المصنف رحمه الله: [وإن اشتبهت ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ أو محرمة]. هذه مسألة ثانية: أراد إنسانٌ أن يصلي، ومن شرط صحة الصلاة سترُ العورة، وعنده ثوبان أحدهما: نجس، والثاني: طاهر، ولا يستطيع أن يعرف الثوب النجس من الثوب الطاهر، والتبس عليه ذلك، فلو قال لك قائل: ما يمكن هذا! لأنه إذا وقعت النجاسة -مثلاً- على ثوبه فإنه يستطيع أن ينظر إلى مكان النجاسة ويعرف أن هذا نجس وأن هذا طاهر. فنقول له: افرض أنه في صلاة الفجر في ظلمة، ليس عنده ما يستطيع أن يميز به الثوب الطاهر من الثوب النجس، فما الحكم؟! في هذه الحالة قال العلماء: يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، فلو كان عنده ثلاثة أثواب، واحد منها نجس، يصلي في ثوبين، فيلبس أحدهما ويصلي، ثم يلبس الآخر ويصلي، فإنه إذا كان الأول نجساً فإن الثاني طاهر بيقين، فلو فرضنا أن عدد الثياب خمسة والنجس منها ثوبان فإنه يصلي ثلاث صلوات؛ لأني النجس ثوبان، فيصلي في كل ثوبٍ، ثم إذا بلغ المرة الثالثة يكون قد تحقق أنه قد أدى الصلاة بطهارةٍ كاملة. قال رحمه الله: [صلى في كل ثوبٍ صلاةً بعدد النجس أو المحرم وزاد صلاة]. (أو المحرم) كأن يكون عنده ثوب حرير، ولا يستطيع أن يميز أن هذا ثوب حرير، كأن يكون في ظلام لا يعرف هل هذا حرير أو غيره، ففي هذه الحالة يصلي بعدد النجس أو المحرم ويزيد صلاةً واحدة.
الأسئلة
الأسئلة
إشكال في مسألة اشتباه الطهور بالنجس
إشكال في مسألة اشتباه الطهور بالنجس Q مسألة: (إن اشتبه طهورٌ بنجس) كيف يكون ذلك الاشتباه والنجس إنما يعرف إما بلونه أو طعمه أو رائحته؟ A بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذا سؤالٌ جيد، وتعلمون أننا قلنا: إن المذهب الراجح هو تغير اللون والطعم والرائحة، وبناء على ذلك فإن المصنف أورد هذه المسألة على المذهب الثاني، وهو الذي يرى: أن مجرد وقوع النجاسة في القليل والكثير يوجب الحكم بنجاسة الماء الطهور، وبناءً على مذهب المصنف: لو كان هناك سطل دون القلتين فأصابته نجاسة حكم بنجاسته، فلا يمكن التمييز فيه، ففي هذه الصورة يكون من جنس ما لا يمكن تمييزه، ويصح تفنيد المصنف وذكره لهذه المسألة على الأصل الذي درج عليه والله تعالى أعلم
وجوب الغسل وإراقة الماء من ولوغ الكلب
وجوب الغسل وإراقة الماء من ولوغ الكلب Q على القول بأن العبرة في نجاسة الماء وطهوريته بالتغير لا بالقلتين، فما قولكم -حفظكم الله- في هذه الصورة: قدرٌ فيه ماء، ولغ فيه كلبٌ، فإن قلنا: هو طهور، فكيف نجمع بينه وبين حديث الإراقة من ولوغ الكلب، وإن قلنا: هو نجس، خالفنا الإجماع؟ A هذا سؤالٌ جيد، وهو إيراد أورده أصحاب مذهب القلتين على مذهب العلماء الذين يعتبرون التغير، والجواب يسير سهل، فقد قالوا: إن الحكم على الماء بالإراقة كما في رواية مسلم في حديث الكلب حكمٌ تعبدي، بدليل أنه أُمر بالتسبيع، فلو كان لنجاسته لأمر بالتثليث ولم يؤمر بالتسبيع؛ ولذلك يقولون: إنه حكمه تعبدي، ألا ترى النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) فدل على أن النجاسة تغسل ثلاثاً، فكونه يأمر في ولوغ الكلب بغسله سبعاً، دل على أن حكم المسألة تعبدي. والقاعدة عند الأصوليين: أن الإيرادات على الأصل بالمسائل التعبدية لا تصح، أي أن الأصل معتبر؛ ولكن ما كان تعبدياً فلا يرد على الأصل، وبناءً على ذلك يعتبر هذا الاعتراض غير مؤثر في حكم المسألة، والله تعالى أعلم.
حكم المواد البترولية الخارجة من الأرض
حكم المواد البترولية الخارجة من الأرض Q ما حكم المواد البترولية مثل الزيوت والبنزين والشحم وغيرها إذا وقعت على الثوب أو على مكان الصلاة أو كانت في اليد وغيرها، هل هي من النجاسات التي يجب التطهر منها؟ A بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالمواد البترولية طاهرة كلها، وليس فيها شيءٌ نجس، وإنما التبس على بعض طلاب العلم ما ذُكِرَ أن أصلها من الميتات القديمة، وأنها ضغطت في الأرض حتى صارت بترولاً، والصحيح: أن هذا الكلام ليس بمعتبرٍ شرعاً، بل هي كنزٌ من كنوز الله التي أودعها في الأرض، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه: (لا تقوم الساعة حتى تخرج الأرض كنوزها) ولو كانت الحيوانات الميتة القديمة هي التي نشأ منها البترول، لوجدنا البترول تحت المجازر. ولذلك لا يعتبر هذا دليلاً وإنما هو من رجم الغيب وهذا من تعبيرات الكفار، فإنهم لا يؤمنون بوجود المؤثر فيقولون: منذُ ملايين السنين كانت هناك دواب كالديناصورات ونحوها فانقرضت مع فعل الزمن، ثم ضُغطت في الأرض، سبحان الله! ما أكفر الإنسان! كل شيء يمكن أن يقال إلا: لا إله إلا الله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام:91] يعطيهم المؤن والمنن وبدلاً من أن يقولوا: هي كنزٌ من الله يقولون: من ميتة الديناصور، ومن ضغط الأرض عليها منذ ملايين السنين، ثم ملايين السنين متى هذا؟ يعني: لو جئت تحسب ما بينك وبين نوح هل يبلغ ملايين السنين؟ كل ذلك حساب وضرب في الظنون كما قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ} [الأنعام:116] ولكن المؤمن الصالح الموفق يقولها بكل عقيدةٍ وإيمان: هذا كنزٌ أوجدهُ الله وأسكنه في أرضه، وهو العليم بخلقه، فإننا نجده في البحار حيث لا دواب ولا غيرها، ولكنه كنزٌ من الله جل وعلا جعله فيها. وهذا الكنز الأصل طهارته حتى يدل الدليل على نجاسته، فجميع مواد البترول وما يشتق منها طاهرة، وليست بنجسة سواءً أصابت الثوب أو البدن أو المكان لا تؤثر في ذلك ألبتة، والله تعالى أعلم.
الفرق بين اشتباه الماء الطاهر بالنجس واشتباه الثوب الطاهر بالنجس
الفرق بين اشتباه الماء الطاهر بالنجس واشتباه الثوب الطاهر بالنجس Q فضيلة الشيخ حفظكم الله قلتم: إنه لو كان عند أحدنا ثياب واختلطت النجسة منها بالطاهرة أنه يصلي بعدد النجس ويزيد صلاة، السؤال: لماذا لا يجري هذا الأمر باختلاط الماء الطاهر بالنجس؟ A بينا أنه في حال اختلاط الماء الطاهر بالنجس لو أمرناه أن يصلي بكل ماء على حدة لأدى ذلك إلى الشك بكونه متنجساً؛ لأنه سيصلي بنجاسةٍ قطعاً، بمعنى أنه سينجس بدنه، فلا يدري هل الأول هو النجس أم الثاني هو النجس؟ فإن تنجس في الأول وصلى فإنه لم يصلِّ، فتكون صلاته بالطهور الثاني غير معتبرة، وتوضيح ذلك: أننا لو قلنا: توضأ من أحدهما ثم صلِّ، ثم توضأ من الثاني وصلِّ، كما قلنا في الثياب لأدى ذلك إلى ما يلي: أنه لابد أن يبدأ إما بالنجس أو بالطهور، فإن ابتدأ بالنجس وتوضأ به، فإنه لا تصح صلاته الأولى، فإن توضأ بعده بالطهور؛ فإنه في هذه الحالة يكون الطهور أثناء صبه على اليد مزيلاً للخبث لا رافعاً للحدث، فلا يستقيم وضوءه لا الأول ولا الثاني، هذا إذا تقدم النجس وتأخر الطهور، قالوا: فإذا أمرناه يحتمل أنه يفعل ذلك وبسبب هذا الاحتمال لا نجيز له، فلو فرضنا أنه توضأ بالطهور أولاً وصلى، ثم توضأ بالنجس بعده وصلى؛ فإنه ستبقى فيه النجاسة فينجس بدنه وثوبه، ومكانه بخلاف الثوب الذي تكون نجاسته قاصرة على المحل المتنجس دون البدن، والله تعالى أعلم.
حكم من وجد المني على ثوبه
حكم من وجد المني على ثوبه Q سائل يقول: رجل نام ليلة السبت وهو متأكدٌ من طهارة ملابسه، ثم اكتشف يوم الأحد بعد العشاء أن على ملابسه الداخلية جنابة، فماذا يصنع في تلك الصلوات التي مرت عليه وهو نجس، وهو لا يعلم هل حصلت الجنابة ليلة السبت أو ليلة الأحد أفتونا وجزاكم الله خيرا؟ الجواب، أولاً: وصفك له بقوله: (وهو نجس)، غير صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) ولكن يقال: متنجس، يعني عنده ثوبٌ لابسه النجس، وهذا على القول: بأن المني نجس، والصحيح: أن المني طاهر، فلا يستقيم وصفه بالنجاسة ألبتة على ظاهر السنة. وبناءً على ذلك: يرد السؤال: من وجد في نهارٍ أثر المني، وهو متأكد أن الليلة الماضية وهي السبت أو الأحد أو الإثنين أو الثلاثاء كان على غير جنابة، فأصح الأقوال عند العلماء، أن من وجد الجنابة في ثوبه فعليه أن يعيد من آخر نومةٍ نامها، فلو فرضنا أنه وجد أثر الجنابة في صلاة المغرب، فإنه إن نام الصبح ولم ينم بعد الصبح أعاد الصبح وما بعده، وإن نام الظهر ووجد الأثر المغرب وجب عليه قضاء العصر وحدها، فيغتسل ويقضي العصر، وهذا على قاعدة (اليقين لا يزال بالشك)، فإن اليقين في آخر نومة والشك فيما قبلها، فنبني على اليقين ونلغي الشك قبلها، والأصل فيه قبل ذلك أنه متطهر، وهذا على القاعدة التي ذكرناها والله تعالى أعلم.
باب الآنية
شرح زاد المستقنع - باب الآنية الأصل في الأواني إباحة استعمالها واتخاذها إلا ما حرمه الشرع كآنية الفضة والذهب، والأصل في أواني الكفار الحل إلا إذا رأينا أمراً ظاهراً يقتضي عدم جوازها، كاستعمالها في النجاسة وطبخ الخنزير وغير ذلك، فيحرم علينا استعمالها، إلا إذا لم نجد غيرها فلنغسلها ونستعملها.
أحكام الأواني
أحكام الأواني بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الآنية] الباب: هو المنفذ بين الشيئين يتوصل به أحدهما إلى الآخر، من داخلٍ إلى خارج والعكس، قالوا: سُميت مباحث العلم أبواباً؛ لأن الإنسان يتوصل من خارج وهو: الجهل بها، إلى داخلٍ وهو: العلم بما فيها، فمن قرأ شيئاً من هذه الأبواب فقد أدرك العلم الذي فيها، كمن دخل البيت فإنه يدرك ما فيه، ويرتفق بمنافعه. (باب الآنية) واحدها إناءٌ، وجمعها رحمة الله عليه لأن الأواني منها ما أباحه الشرع، ومنها ما حرمه الشرع، فناسب أن يقول: (باب الآنية)، أي: في هذا الموضع سأذكر لك أحكام الشريعة في الأواني، والسبب الذي يجعل العلماء يذكرون باب الآنية، ويتكلمون على مباحث الآنية في كتاب الطهارة: أن الطهارة تحتاج إلى ماء يُتطهر به، وصفةٍ تتم بها الطهارة، والماء الذي يتطهر الإنسان به يحتاج إلى وعاء يحمله فيه، فإنه قد يكون الماء طهوراً ولكن الإناء نجس، فهل يجوز أن يتوضأ الإنسان منه؟! وقد يكون الماء طهوراً، ولكنه في إناءٍ محرم كالمصنوع من الذهب والفضة، فهل يجوز أن يتطهر به؟ فإذاً لا بد من الكلام على أحكام الآنية؛ لأنها أوعية الماء الذي يُتطهر به.
الأصل في الأواني الطهارة
الأصل في الأواني الطهارة قال المصنف رحمه الله: [كل إناء طاهر ولو ثميناً يباح اتخاذه واستعماله]. هذه قاعدة، فلو سألك سائل: ما هو الأصل في الأواني؟ تقول: الأصل أنها جائزة ومباحة، إذا كانت طاهرة ولو كانت ثمينة، فلو كان الإناء من الماس أو من الجواهر أو من غيرها من المعادن الثمينة النفيسة، فإنه يباح اتخاذه واستعماله، فلو أن إنساناً شرب في كأسٍ ثمينٍ من معدنٍ ثمين كالجواهر أو غيرها فإنه يباح له ذلك، فالأصل حلّ هذه؛ لأن الله يقول: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية:13]. فالأصل في هذه الأشياء أنها مسخرةٌ من الله جل وعلا لكي ينتفع بها الإنسان، تكريم من الله لبني آدم، فإذاً: الأصل في الإناء أنه يباح لك استعماله واتخاذه. والاتخاذ يكون في البيت بأن يحفظ فيه الأشياء أو يجعله للزينة ونحو ذلك، فالأصل جواز ذلك ولا حرج فيه، هذا في الآنية. وإذا كان الأصل في الآنية حتى الثمينة منها الإباحة فإنه ينتفع بها وعلى هذا يجوز الوضوء بها، فيجوز أن يتوضأ بآنية ولو كانت غالية الثمن، ما خلا ما استثناه الشرع، فالذي يستثنيه الشرع ويحكم بحرمة استعماله واتخاذه لا يجوز أن يتوضأ الإنسان به، ولا أن يستنجي، ولا أن يغتسل.
حرمة استعمال أواني الذهب والفضة
حرمة استعمال أواني الذهب والفضة [إلا آنية ذهبٍ وفضة ومضبب بهما]. (إلا آنية ذهبٍ) وهو المعدن المعروف، (وفضة ومضببٍ بهما) وآنية المضبب بهما. أما: آنية الذهب والفضة فلا يجوز للإنسان أن يشرب في كأس ذهبٍ ولا كأس فضة، ولا يجوز له أن يأكل بملعقة ذهبٍ ولا فضة ولو كان أثنى، فإن الأنثى يباح لها الحلي للزينة، أما الاستعمال والأكل والشرب والاتخاذ والاغتسال من آنية الذهب والفضة فمحرم، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) وفي حديث الدارقطني: (الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جنهم) فإذاً من كبائر الذنوب: الأكل أو الشرب في آنية الذهب أو آنية الفضة، وكذلك لو اتخذ صحناً من ذهب أو صحناً من فضة وجعله للزينة في البيت أو نحو ذلك. والسبب في هذا: أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن حرمة الأكل والشرب من آنية الذهب والفضة مع أن الأكل فيها والشرب فيها من الحاجة، فلأن يحرم ما هو من مقام التحسينيات والكماليات الذي هو الزينة من باب أولى وأحرى. فكون الشرع يحرم علينا أن نأكل أو نشرب في آنية الذهب والفضة يدلنا على أن اتخاذها دون استعمال أولى بالتحريم، وهذا -كما يقول العلماء رحمةُ الله عليهم- من باب التنبيه بالأعلى على ما هو أدنى منه؛ لأن نصوص الشريعة تنبه بالأعلى على الأدنى، وبالأدنى على الأعلى، ولذلك يقولون: حرم النبي صلى الله عليه وسلم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، وكلٌ من الأكل والشرب محتاجٌ إليه، فإن الأكل والشرب قد يصل إلى الاضطرار، فإذا منع الإنسان من أن يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة، فوضعها في بيته زينة أشد وأبلغ في التحريم، ولا يجوز له فعل هذا. قال رحمه الله: [فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها ولو على أنثى]. أي: ولو كان الذي يشرب فيه من الإناث، فإن التحريم للأكل والشرب عام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإنها لهم في الدنيا -أي: للكفار- ولكم في الآخرة). قال بعض العلماء: لا يؤمن على من أكل وشرب فيهما، وانتفع بالذهب والفضة بالأكل والشرب في صحافهما وآنيتهما أن يحرمه الله جل وعلا في الآخرة، كما حرم شارب الخمر -والعياذ بالله- خمر الآخرة بإدمانه عليها في الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية. [وتصح الطهارة منها]. هنا مسألة: عند العلماء أن الشرع إذا نهى عن شيءٍ فهل يدل ذلك على نهيٍ فعل متضمن به، مثال ذلك: لو أن إنساناً أخذ إناءً من ذهب أو فضة ثم توضأ منه، أو جاء إلى صنبور فتوضأ منه وهو من الذهب أو الفضة، فهل يصح وضوءه وغسله أو لا؟! بعبارة أوضح: بما أنه لا يجوز استعمال آنية الذهب والفضة، فلو أني توضأت واغتسلت من إناء ذهبٍ أو إناء فضةٍ فللعلماء وجهان مشهوران: الوجه الأول: أن من توضأ من إناء الذهب والفضة صح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسل الأعضاء، والوعاء منفصلٌ عن شرط الصحة وهو الوضوء، وهذا قول جمهور العلماء، واختاره غير واحدٍ من العلماء، أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضة، فوضوءه وغسله صحيح. الوجه الثاني: ذهب بعض العلماء -وهو قولٌ في مذهب الحنابلة- إلى أنه إذا توضأ أو اغتسل من إناء ذهبٍ أو فضةٍ فلا يصح وضوءه ولا غسله؛ لأنه فعل ما حرمَ عليه شرعاً، وهذا المحرم لا يوجب ثبوت العبادة الشرعية؛ لأن الشرع يقول له: لا تتوضأ من هذا الإناء فتوضأ من هذا الإناء، فلا تستباح العبادة الشرعية بمنهي عنه شرعاً، والصحيح أن الوضوء صحيح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا قد توضأ، فإن الأعضاء التي أُمِرَ بغسلها قد غسلها، ولكن نقول: هو آثم من جهة استعمال الإناء، وصلاته صحيحة لوقوع العبادة على وجهها المعتبر، فالجهة منفكة، وهذه قاعدة عند الأصوليين: (أنه إذا ورد النهي وانفك عن المنهي عنه في جهته لم يقتضِ ذلك البطلان) فإن الماء الذي توضأ به ماءٌ طهور، والعضو الذي غسله عضوٌ معتبرٌ شرعاً، فإذاً صحت عبادته وصح وضوءه.
شروط اتخاذ الإناء المضبب بالفضة
شروط اتخاذ الإناء المضبب بالفضة قال المصنف رحمه الله تعالى: [إلا ضبة يسيرة من فضةٍ لحاجة]. الضبة بالذهب والفضة تكون على أطراف الإناء أو الوعاء، فيكون الإناء محلى في أطرافه، فهذا يعتبر مضبباً كضبة الباب تحيط بعضاده، وكانوا في القديم يستخدمون آنية من الخشب، فيحفرونها في جذوع النخل ويستخلصون منها الأقداح، وهذه إلى الآن لا تزال موجودة في بعض البلاد، حيث يستخدمون هذه الآنية من الخشب بمثابة الأوعية، وهذا الوعاء قد ينكسر فيحتاج إلى جبر الكسر بصب الفضة عليه حتى لا يخرج الماء من هذا الشعب، فيسمونه (مضبباً)، فإذا انكسر الإناء جاز أن يضع الإنسان فيه ضبةً يسيرة من الفضة بشروط: أولاً: أن تكون من الفضة. ثانياً: أن تكون يسيرة. ثالثاً: أن لا يباشر الأكل والشرب من نفس المكان الذي فيه الفضة. هذه ثلاثة شروط: أن تكون ضبةً يسيرة، ومن فضةٍ، ولا يباشر الشرب من مكان الفضة. لأنه نُهي عن الشرب من آنية الذهب والفضة، فيتقي المكان الذي فيه الفضة ويشرب من غيره إلا أن تكون ضبةً يسيرة فيجوز له، دليل ذلك حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انكسر قدحه سلسله بفضة) قيل: الذي سلسله أنس، وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي سلسله، والعمل على الثاني. قال رحمه الله: [وتكره مباشرتها لغير حاجة]. أي: مباشرة الضبة لغير حاجةٍ، فإن وُجدت الحاجة كما أن يكون الموضع الذي انكسر هو موضع الشرب، قالوا: فحينئذٍ لا يستطيع أن يشرب إلا من هذا الموضع الذي فيه الفضة فيجوز له أن يشرب؛ لأن أصل التحريم الانتفاع بالفضة على سبيل الكماليات وهنا قد انتفع بها على سبيل الحاجة، فتخلف فيه المعنى الذي من أجله ورد النهي شرعاً.
أحكام أواني الكفار
أحكام أواني الكفار قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار]. بعد أن بين رحمة الله عليه أحكام أواني المسلمين، وقال لك: الأواني كلها جائز الانتفاع بها إلا آنية الذهب والفضة، بيّن بعد ذلك حكم آنية الكفار، والكفار على قسمين: كفارٌ من أهل الكتاب وهم الذين لهم في الأصل دينٌ سماوي، وهم اليهود والنصارى. وكفارٌ على غير دين سماوي كالوثنيين والمشركين والمجوس ونحوهم، فيرد Q لو أن إنساناً سألك في يومٍ من الأيام وقال لك: وجدتُ إناءً ليهوديٍ فهل يجوز لي أن أتوضأ أو أغتسل منه، أو آكل أو أشرب منه؟! هذا سؤالٌ وارد، ولذلك بينت الشريعة حكم آنية الكفار في أكثر من حديث، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة؛ وتوضيحها: أن آنية الكفار على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً غير مستعملة، كالأواني التي تأتي منهم جديدة مُصَنّعة، فهذه طاهرةٌ يجوز استعمالها والانتفاع بها بالإجماع ما لم تكن من مادةٍ نجسة؛ فإن كانت من المواد الطاهرة كالحديد والصفر والنحاس ونحوها جاز الانتفاع بها بالإجماع؛ لأن اليقين طهارتها وليس هناك دليل على النجاسة، فنبقى على الدليل الأصلي ونستصحب الأصل من كونها طاهرة. الحالة الثانية: أن تكون أواني الكفار مستعملة، فإن رأيت استعمالهم للنجاسة فيها، ورأيت الإناء وفيه النجاسة فبالإجماع أنه نجسٌ حتى يطهر، ولا يجوز استعماله بالإجماع حتى يغسل. فلو وجدت كأساً لهم فيها خمر فإنه لا يجوز استعمالها إلا بعد غسلها وتنظيفها، وأما إذا كانت هذه الأواني مغسولة عندهم ولم يجد الإنسان غيرها، وكانوا قد أكلوا فيها أو شربوا فهذا للعلماء فيه وجهان: منهم من قال: لا تستعمل إلا أن يضطر إليها؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أبي ثعلبة الخشني قال: (يا رسول الله! إني بأرض قومٍ أهل كتاب أفآكل في آنيتهم؟ -وفي رواية أفنأكل في آنيتهم؟ - قال: لا. إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها) فدل هذا الحديث على أن آنية الكفار التي يستعملونها لا يؤكل فيها. ونازع هذا الحديث حديثٌ آخر، وهو أكل النبي صلى الله عليه وسلم من آنية الكفار، ففي حديث رواه أحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استضافه يهودي على خبزٍ وإهالة سنخة، فأكل النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك) وكذلك أيضاً ثبت في الصحيح عنه: (أن امرأة يهوديةً دعته إلى شاةٍ ووضعت السم فيها، ثم أطعمته عليه الصلاة والسلام فأكل منها). فدل هذا على أن آنية الكفار يؤكل فيها، قالوا: أما الشرب والوضوء ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما لقي المرأة التي معها المزادة توضأ هو وأصحابه منها) فتوضأ من مزادة مشركة. قالوا: فهذا يدل على أن أواني الكفار يؤكل فيها ويشرب منها ما لم تُعلم نجاستها، وهذا مذهب بعض العلماء. وحديث أبي ثعلبة يقتضي أنه لا يؤكل ولا ينتفع بها إلا ألا يجد غيرها فيغسلها ثم يأكل فيها. وأعدل المذاهب: أن يحتاط الإنسان فيها، فلا يأكل في آنية الكفار ولا يشرب منها إلا ألا يجد غيرها فليغسلها ثم ليأكل فيها، وما ورد من فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يعارض هذا الأصل؛ لأن الغالب في هذه الآنية طهارتها، ولو كانت نجسةً لما خلا الوحي من تنبيهه صلى الله عليه وسلم على نجاستها. وعلى هذا فإن التفصيل في أواني الكفار بالصورة التي ذكرناها هو أعدل الأقوال. الحالة الثالثة: أن لا نعلم أو لا نرى فيها نجاسة، فهل نُعْمِل الأصل الذي هو اليقين أو نُعْمِل الظاهر؟ وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ عند حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وأرضاه. فعند العلماء شيء يُسمى: (اليقين) كما تقدم، وشيء اسمه: (الظاهر)، فقد يقول قائل: نحن قلنا في القاعدة: (أن اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين في أواني الكفار: أنها طاهرة في الأصل، فكيف عدلنا عن قاعدة اليقين في هذا الموضوع حتى صرنا نقول: إن أواني الكفار تغسل؟! A هناك شيءٌ اسمه: دلالة الظاهر، والظاهر قد يعارض الأصل، فتارةً يُعمِل اليقين، وتارة يُعمل الظاهر، فإن الظاهر في حال الكفار أن أوانيهم نجسة؛ لأنهم يشربون فيها الخمور ويأكلون فيها الميتات، فالظاهر من حالهم أنها نجسة. ومن أمثلة ذلك: إذا دخل الإنسان أكرمكم الله إلى الحمام، فوجد الماء الذي هو في مجرى النجاسة، فالماء هذا اليقين فيه أنه نجس، والماء الذي خارج الحمام اليقين فيه أنه طاهر، فيبقى الماء الذي بينهما هل نقول: اليقين فيه ما بداخل الحمام أو ما بخارجه؟! قالوا: هذا يعتبر من دلالة الظاهر، فالظاهر دورات قضاء الحاجة أنها نجسة حتى يدل الدليل على طهارتها، وبناءً على ذلك فإن الظاهر من أحوال الكفار النجاسة، فيقدم الظاهر على الأصل، وهذا من المسائل التي يتعارض فيها الظاهر والأصل، وإذا تعارض الظاهر والأصل قُدّم الأصل في مسائل وقدم الظاهر في مسائل أخرى. وقد تكلم على هذه القاعدة كلاماً نفيساً الإمام الزركشي في كتابه: المنثور في القواعد، وتكلم عليها كذلك القرافي في: الفروق، وغيرهم من أئمة الأصول بحثوا هذه المسألة، وفيها إشكالات مشهورة عند أهل العلم رحمة الله عليهم. قال المصنف رحمه الله: [وتباح آنية الكفار ولو لم تحل ذبائحهم]. أي: يباح لك استعمال أوانيهم ولو لم تحل ذبائحهم؛ لأن بعض العلماء يقول: تباح آنية أهل الكتاب الذين تحل ذبائحهم، وأما غيرهم ممن لا تحل ذبائحهم فلا تباح آنيتهم. قال المصنف رحمه الله: [وثيابهم إن جُهِل حالها]. ثياب الكفار لها ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن تكون جديدةً لم تُلبس، كالثياب المصنعة في بلاد الكفار، فحكمها الطهارة يقيناً، فأي ثوبٍ جديد ولو جاء من ديار الشرك والكفر فإنا نقول: اليقين أنه طاهر، والأصل فيها الطهارة حتى ترى النجاسة فيه أو عليه. الحالة الثانية: أن ترى على ثوب الكافر نجاسة، فحكمه أنه نجس، مثال ذلك: أن تراه قد صب شيئاً نجساً على ثوبه أو عمامته أو نحو ذلك، فتقول: الثوب نجس، والعمامة نجسة. الحالة الثالثة وهي التي فيها الإشكال: إذا كان ثوباً يستعمله الكافر ولم ترَ نجاسةً عليه، فهل هو نجس أم طاهر؟ قال بعض العلماء: ثياب الكفار يُعمل فيها اليقين من أنها طاهرة حتى تُرى النجاسة عليها، وهو مذهب من يتسامح فيها. والمذهب الثاني يقول: ثياب الكفار الظاهر فيها النجاسة؛ لأنهم يبولون ويتغوطون ولا يسلمون من وضع النجاسة على ثيابهم وبدنهم ولا يتورعون، فالظاهر نجاستها كلها. والصحيح: هو المذهب الثالث وهو التفصيل: فإن كانت على موضع يغلب فيه النجاسة فهي نجسة كالثياب التي تلي العورة؛ فإنه إذا استعمل الإنسان ثوب كافرٍ مما يلي العورة كالسراويل ونحوها والأزر فإنه يغسلها قبل أن يستعملها؛ لأن الغالب فيهم أنهم لا يتورعون عن النجاسات، وأنهم لا يتطهرون، فنعمل دلالة الغالب، والنادر لا حكم له، فيفرق في ثيابهم المستعملة بين ما غلبت طهارته وما غلبت نجاسته.
أحكام جلد الميتة وما قطع منها حية
أحكام جلد الميتة وما قطع منها حية قال المصنف رحمه الله: [ولا يطهر جلد ميتة بدباغ]. جلد الميتة للعلماء فيه قولان مشهوران، وأصح هذين القولين: أنه إذا دُبغ جلد الميتة فقد طهر؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) ولما مر على الشاة الميتة قال: (هلا انتفعتم بإهابها؟ -يعني: بجلدها- قالت: يا رسول الله! إنها ميتة، قال: إنما حرُمَ أكلها) فإن هذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أن جلد الميتة يطهر بالدباغ. وقال بعض العلماء وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن جلد الميتة لا يطهر ولو بالدباغ، لحديث عبد الله بن عكيم عن أشياخ من جهينة أنهم أتاهم كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهرين: (أن لا تنتفعوا من الميتتة بإهاب ولا عصب) وهذا الحديث مضطرب، حتى أن الإمام أحمد رحمة الله عليه -كما نقل الترمذي ذلك- رجع عن القول به في آخر حياته. فالصحيح: أن إهاب الميتة على ظاهر الحديث في الصحيحين إذا دُبغَ فقد طهر، فلو أن إنساناً ماتت عنده شاة، فأخذَ جلد الشاة ودبغه فقد طهر، وجاز له أن يضع الماء فيه، وأن ينتفع به، فالمصنف تبنى القول الثاني المرجوح، والصحيح ما ذكرنا بقوله: يطهر بالدباغ. قال المصنف رحمه الله: [ويباح استعماله بعد الدبغ في يابس من حيوانٍ طاهر في الحياة]. هذا على القول بنجاسته، فإذا كان جلد الميتة نجساً فإنه في هذه الحالة تنتفع به في اليابسات دون المائعات؛ لأن المائعات لو وضعت في جلد الميتة تتنجس، فبين رحمه الله: أن جلد الميتة لا ينتفع به وأنه يأخذ حكم الميتة، والصحيح -كما قلنا- أنه طاهرٌ إذا دبغ. قال المصنف رحمه الله: [ولبنها وكل أجزائها نجسة]. وهذا بلا إشكال؛ لأن الله عز وجل حرم الميتة، ولم يفرق بين لبنها ولا بين غيره. قال المصنف رحمه الله: [غير شعرٍ ونحوه]. شعر الميتة للعلماء فيه وجهان مشهوران: فجماهير العلماء على أن شعر الميتة مما لا تحله الحياة، بمعنى: أنه يجوز لك أن تنتفع بشعر الميتة؛ لأنه في حياتها يجز منها ولا يحكم بنجاسته بالإجماع، كما قال تعالى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا} [النحل:80] فدّل دليل القرآن على طهارة الصوف والوبر، وما يستخلص من شعور بهيمة الأنعام، ومعلوم أن شعور بهيمة الأنعام تؤخذ منها بالحلاقة في حال حياتها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما أبين من حيٍ فهو ميت) فلو كانت الشعور تحلها الحياة لحكم بنجاسة الشعر وعدم جواز الانتفاع به، فدل هذا الدليل على أن شعر الميتة يجوز الانتفاع به ولو بعد موت الميتة؛ لأنه منفصل عنها وليست بمتصلٍ بها. قال المصنف رحمه الله: [وما أبين من حي فهو كميتته]. فإن كانت ميتته طاهرة فطاهر كالسمك، فلو أن إنساناً قطع ذنب سمكةٍ وهي حية وفرت، فهل يجوز له أن يأكل هذا الذنب؟ A نعم؛ لأن ميتة السمك نفسها يجوز أكلها: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فيجوز له أن ينتفع بجزء السمك؛ لكن لو أن إنساناً قطع رجل شاةٍ وهي حية. فحكمها كميتة الشاة، وميتة الشاة نجسة ومحرمة الأكل؛ كذلك رجلها إذا قطعت في حال حياتها فإنه يحكم بنجاستها.
الأسئلة
الأسئلة
جواز التختم بالفضة دون استعمالها
جواز التختم بالفضة دون استعمالها Q قلتم: إنه لا يجوز استخدام آنية الذهب والفضة في الأكل والشرب والاستعمال، وأنه قول جماهير أهل العلم، فكيف نجمع بين هذا القول والحديث: (العبوا بالفضة لعباً). A لا تعارض بين الحديثين، فإن اللعب بالفضة أن يلبسها الرجل وتكون في يده، والغالب أن الإنسان إذا تحلى بالفضة لعب بها، أما المتخذ فإنه لا يلعب بها لعباً، والاستدلال: بحديث: (العبوا بها لعبا) على أن المراد: افعلوا بها ما شئتم، استدلال بالتجوز في العبارة، أما حقيقة اللعب بالفضة فهي ما وردت السنة به من التختم ووضعه في اليد؛ ولذلك ثبت في الحديث عن عثمان رضي الله عنه كما في الحديث في الصحيحين: (أنه لما كان في سني خلافته لعب بخاتمه في بئر أريس، حتى سقط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فطلبوه فلم يجدوه). فالمقصود أنه كان من عادتهم أنهم يلعبون بالخواتيم الفضة التي أذن الشرع بالتحلي بها، فالمراد حمل اللفظ على الحقيقة، لا على التجوز في العبارة من قوله: (العبوا فيها لعباً) إلا أن المراد بها: التوسع. والله تعالى أعلم.
الجمع بين النهي عن استعمال الذهب والفضة وبين فعل أم سلمة في استعمال الفضة
الجمع بين النهي عن استعمال الذهب والفضة وبين فعل أم سلمة في استعمال الفضة Q كيف يكون الجمع بين حديثين: الأول: (أن أم سلمة رضي الله عنها كان تضع شعرات للنبي صلى الله عليه وسلم في إناء فضة) والثاني: حديث أم سلمة نفسها في النهي عن الشرب من إناء الفضة، وقد قررنا أن هذا النهي ليس خاصاً بالشرب؟ A الأصل عند العلماء رحمةُ الله عليهم أن الصحابي إذا اجتهد وكان لاجتهاده وجه فإنه يعذر في اجتهاده، وتبقى دلالة السنة كما فهم من الشرع، وأخذ من أصول الشرع العامة على تلك الدلالة، ولا يعارض فعل أم سلمة رضي الله عنها هذا الأصل الذي قررناه. ولذلك يعتذر لها بأنه اجتهادٌ منها، ولا يقدح الموقوف على الصحابي في المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النهي عن الأكل والشرب متضمنٌ للنهي عما لا فائدة فيه وهو الاتخاذ. والله تعالى أعلم.
الوسائل المعينة على صدق التوبة والاستقامة
الوسائل المعينة على صدق التوبة والاستقامة Q إذا منّ الله تعالى على الشاب بالاستقامة، وعلم أنه طريق الحق، وعلم أن الشيطان له بالمرصاد فكيف يقاومه والشيطان يحاربه ببعض ذنوبه السابقة الخطيرة: كالنظر إلى المردان، وحب مجالستهم، بينوا ذلك؟ A الله المستعان! أحب دائماً أن الإنسان إذا سأل أن لا يمثل، فإذا كان الإنسان في نفسه مبتلى بأشياء فلا يذكرها؛ لأنه ربما سمع إنسان هذا فظن بالصالحين سوءاً، وهم أرفع -إن شاء الله- من هذه الأمور؛ ولذلك أنا لا أحب في المحاضرات والندوات أن تذكر مثل هذه الأمور لئلا يساء الظن بالأخيار، ويظن أن هذا موجود بينهم، وإنما هذه قضايا فردية قد تقع لبعض الإخوان فينبه على هذا، حتى لا يظن بهم ظن السوء. إذا منّ الله عز وجل على العبد بالاستقامة والتمسك بالدين والالتزام بشريعة الله رب العالمين، فما عليه إلا أن يعض عليها إلى لقاء الله إله الأولين والآخرين، تمسك بحبل الله واعتصم بشريعته ودينه، واجعل الجنة والنار أمام عينيك، وفر من الله إلى الله. أما ما ذكرت من الذنوب والخطايا والعيوب فإن الله لها، وهو مفرج الهموم والغموم والكروب، إذا ذكرك الشيطان بالماضي فادمع على ما كان دمعة الندم، وأخرجها من القلب بكل شجن وألم، وأحسن الظن بالله جل جلاله؛ فإنه يتوب على التائبين، ويمحو بفضله وإحسانه ذنوب المسيئين. أقبل على الله إقبال الصادقين المنيبين وأحسن الظن به؛ فإنه الله رب العالمين، لا يخيب من رجاه، ولا من سعى إليه ودعاه، فأحسن الظن به سبحانه وتعالى جل في علاه. أخي في الله! أوصيك بمجالسة الأخيار، وكثرة تلاوة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، فإنها تجلي عن القلوب العمى، وتعينها على التمسك بسبيل الهدى، أوصيك أخي في الله أن تكثر من ذكر الله فإنه حصنٌ حصينٌ من عدو الله، فما ذكر عبدٌ ربه إلا ذكره الله، ومن ذكر الله في ملأٍ ذكره في ملأٍ خير من الملأ الذين ذكره فيهم، فأكثر من ذكر الله، واعتمد على الله وأحسن الظن به، ألا وإن من أعظم الأسباب التي تثبت القلوب على سبيل المنهج والصواب: كثرة ذكر الموت والبلى، وقرب المصير إلى الله جل وعلا. اجعل الموت أمام عينيك، وأكثر من ذكر تلك الساعة التي تكون فيها واقفاً على آخر عتبة في الدنيا، أكثر من ذكرها، فوالله إنها تقض مضاجع الصالحين، وتعين على التمسك بالطاعة والدين، وكلما دعتك النفس إلى الشهوات والملهيات والمغريات فذكرها بساعة الموت والسكرات. واجعل القبر أمام عينيك، واستشعر مثل هذه الساعة وأنت وحيد فريد لا مال ولا بنون، ولا عشيرة ولا أقربون، وأكثر من ذكر الآخرة، فإنها تعين على الثبات وتثبت القلوب إلى الممات. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبتنا بالقول الثابت، اللهم إنا نسألك الثبات إلى الممات، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم توفنا وأنت راضٍ عنا غير غضبان، اللهم منّ علينا بالصحة والغفران، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الانتكاسة بعد الهدى، اللهم إنا نعوذ بوجهك العظيم من الضلال بعد الهدى، ومن العمى بعد البصيرة، ومن الحور بعد الكور، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا، يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا. اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا نادمين، ولا مفتونين ولا مبدلين، يا ذا الجلال والإكرام! سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب الاستنجاء [1]
شرح زاد المستقنع - باب الاستنجاء [1] إن باب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بطهارة الخبث التي لا يصح وضوء الإنسان ولا صلاته إلا بها، ويذكر العلماء في باب الاستنجاء الآداب الشرعية المتعلقة بقضاء الحاجة على ضوء النصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته.
أحكام الاستنجاء
أحكام الاستنجاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله الطيبين الطاهرين وأصحابه أجمعين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء]. الاستنجاء: استفعال من النجو، وأصله القطع للشيء، قال العلماء: سُمي قطع البول والغائط بالماء والحجارة استنجاءً؛ لأن المكلف إذا فعله فقد حصلت له الطهارة والنقاء، وبالطهارة والنقاء انقطع أثر النجاسة، فلذلك وصف بكونه استنجاء. وباب الاستنجاء باب مهم؛ لأنه يتعلق بالنوع الثاني من أنواع الطهارة، وهو طهارة الخبث، فإن الله عز وجل أمر كل من صلى أو أراد أن يصلي بتحصيل الطهارتين: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخبث. فأما طهارة الخبث فيراد بها نقاء الثوب والبدن والمكان، وأما طهارة الحدث فهي الغسل أو الوضوء والبدل عنهما، فالعلماء رحمهم الله يعتنون ببيان الأحكام المتعلقة بمسألة قطع البول والغائط، ولا يصح وضوء الإنسان ولا تكمل طهارته ولا تعتبر ولا تصح صلاته إلا بعد أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان. وهذا الباب يسميه بعض العلماء بـ (باب الاستنجاء)، ويسميه البعض بـ (باب آداب قضاء الحاجة)، ويسميه بعضهم بـ (باب الخلاء وآداب الخلاء) ومراد العلماء رحمهم الله أن يذكروا فيه الآداب الشرعية المتعلقة بالإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته، سواء كانت بولاً أو غائطاً، وهذا الباب وردت فيه النصوص الصحيحة القولية والفعلية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبينت هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضائه لحاجته، ولذلك وصفه العلماء بباب آداب قضاء الحاجة. فمن يقول من العلماء: باب آداب قضاء الحاجة، استنبط ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا قعد أحدكم لحاجته)، ومن سمّاه بباب الاستنجاء راعى فيه الحقيقة، كما ورد في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث سلمان: (نهانا أن نستنجي بروث أو عظم) فقالوا: باب الاستنجاء.
آداب الخلاء
آداب الخلاء وآداب الخلاء تنقسم إلى ثلاثة أقسام: آداب قبل دخول موضع قضاء الحاجة، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الفراغ من الحاجة. وكلها قد وردت فيها أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأُخذت من أصول الشريعة العامة. فأما الآداب التي هي قبل قضاء الحاجة: فمنها ما هو قولي، ومنها ما هو فعلي. فأما الأدب القولي: فيسن للمسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء أن يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، فهذا أدب يسبق قضاء الحاجة. وأما مثال الآداب التي تكون حال الجلوس لقضاء الحاجة: أن لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ببول ولا غائط؛ لما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا). وأما الآداب التي تكون بعد الفراغ من قضاء الحاجة: فمنها قوله: (غفرانك) عند الخروج، ونحو ذلك من الأذكار. فأصبح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء الحاجة مشتملاً على ثلاثة أنواع من الآداب على حسب الأحوال: آداب قبل دخول الخلاء، وآداب أثناء قضاء الحاجة، وآداب بعد الانتهاء والفراغ من الحاجة. فالعلماء رحمهم الله يذكرون في هذا الباب ما يسن للمسلم أن يفعله قبل دخول الخلاء، وما يسن له فعله وهو في أثناء قضائه لحاجته، وما يسن له فعله بعد فراغه وانتهائه من قضاء حاجته.
التعوذ عند الدخول
التعوذ عند الدخول يقول المصنف رحمه الله: [باب الاستنجاء] أي: في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالاستنجاء. [يستحب عند دخول الخلاء قول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث]. (يستحب عند دخول الخلاء) أي: قبل أن يدخل الإنسان الخلاء يستحب له أن يقول: (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث). والثابت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبُثِ -أو الخُبْثِ- والخبائث)، هذا هو الثابت في الصحيحين، وأما لفظة: (باسم الله)، فقد ورد فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنن أن الإنسان إذا قال عند رفع ثوبه أو نزعه: باسم الله، فقد ستر عن أعين الجن، وهو حديث متكلم في سنده، ذكره المصنف رحمه الله وذكر معناه واعتبره في هذا الموضع. (يستحب لمن دخل الخلاء) هذا الكلام يقوله الإنسان إذا كان الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه موضعاً نجساً تقضى فيه الحوائج، توضيح ذلك: أن الناس يقضون حاجتهم إما في مكان مهيأ لقضاء الحاجة، وإما في مكان بريٍ ليس مهيأ لقضاء الحاجة، فمثال الأول: ما هو موجود الآن من دورات المياه، فإن هذا المكان معد لقضاء الحاجة وكان يسمى بالكنيف، وأما مثال الثاني: أن تخرج إلى الصحراء أو تكون في سفر فتنزل في موضع طاهر تريد قضاء الحاجة، ف Q متى يستحب أن يقول الإنسان هذا الذكر في الموضعين؟ A إذا كان الموضع مهيأً لقضاء الحاجة كدورات المياه، فالسُّنة أن يقول هذا القول قبل الدخول، أي: قبل أن يدخل إلى الكنيف أو إلى الحمام، وأما بعد الدخول فإنه موضع لا يشرع فيه أن يذكر اسم الله أو يذكر الله جل وعلا جهراً وبالنطق كما سيأتي إن شاء الله. الموضع الثاني: إذا كان الموضع غير مهيأ لقضاء الحاجة، بمعنى: أنه غير مختص بقضاء الحاجة، كالبرية والفضاء ونحوه، فقال العلماء: يسن للإنسان أن يقول هذا الذكر إذا أراد أن يرفع ثيابه، فإذا وقف على الموضع الذي يريد أن يقضي حاجته فيه قال: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، وهذا الدعاء دعاء نبوي مأثور صحيح، وهو دعاء عظيم يعصم الإنسان به من شرور الشياطين، ومن البلاء الذي قد يصيبه في هذه المواضع، ولذلك قال العلماء: إن أمور الجن والشياطين مغيبة عن الناس -أي: بني آدم-، فإذا كان الإنسان في قضاء حاجته على ذكر لله جل وعلا قبل أن يجلس عصمه الله بعصمته وحفظه من أذيتهم، هذا على القول بأن قوله: (أعوذ بك من الخبث والخبائث) قيل: الخبث: ذكران الشياطين -كما اختاره غير واحد من أهل العلم- والخبائث: إناث الشياطين. وقيل: الخبث: الشر عموماً، والخبائث: الشياطين عموماً، وكلاهما وجهان لأهل العلم رحمة الله عليهم. فالمقصود: أن هذا الذكر يشرع للإنسان أن يقوله إذا كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة قبل أن يدخل، وإذا كان الموضع غير مهيأٍ لقضاء الحاجة كالبر والفضاء والخلاء، فإنه يقوله عند رفعه لثيابه.
الاستغفار عند الخروج
الاستغفار عند الخروج قال المصنف رحمه الله: [وعند الخروج منه غفرانك]. (وعند الخروج منه) أي: بعد أن يخرج؛ لأنه إذا أراد الخروج فلا يشرع له أن يتكلم حتى يجاوز موضع قضاء الحاجة، فإذا جاوز موضع قضاء الحاجة قال: (غفرانك)، وأصله: اغفر غفرانك، أو: أسألك اللهم غفرانك، والغفر أصله الستر ومنه المِغْفَر؛ لأنه يستر رأس الإنسان من ضربات السلاح في الحرب. قالوا: سميت المغفرة مغفرة؛ لأن الله إذا غفر ذنب العبد صار كأن لم يكن منه ذنب، وأصبح خالياً من ذلك الذنب، وسُتِر عنه ذنبه وكفي مؤنته، كما أن الإنسان إذا لبس المغفر كفي شر السلاح وأذيته. (غفرانك) قال العلماء: ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة عند الخمسة أنه قال: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء، وللعلماء رحمة الله عليهم في استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضائه لحاجته وخروجه أقوال: - قال بعض العلماء: استغفر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإنسان لا يأمن من حصول بعض النظر إلى عورته، فشرع للأمة أن يستغفروا من أجل هذا الوجه. - وقيل: لأن النبي صلى الله عليه وسلم شُغل عن ذكر الله جل وعلا بقضاء الحاجة فقال: (غفرانك)؛ لضياع هذا الوقت دون ذكر لله جل وعلا -وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين- وهذا من كمال عبوديته لله وكمال حبه وتعلقه بالله سبحانه وتعالى، فهو في هذا الوقت مع حاجة الجسم إليه وهو في حالة اضطرار وعذر عن ذكر الله يستغفر من ذهابه دون أن يذكر الله جل وعلا فيه، وهذا فيه تنبيه للمسلم من أنه ينبغي عليه أن يكثر من ذكر الله، واغتنام الحياة في طاعة الله؛ لأنه هو الأصل من خلقه كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]. - وقال بعض العلماء: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (غفرانك)؛ لأنه لما خرج الطعام من الجوف أمِنَ الإنسان من كثير من الأضرار وكثير من البلايا فلم يستطع أن يوفّي شكر نعمة الله على هذا الفضل فقال: (غفرانك) أي: غفرانك من التقصير في حمد نعمك، وشكر مننك التي أنعمت وامتننت بها علينا. قال المصنف رحمه الله: [الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني]. (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى) أي: أذهب عني أذى القذر الخارج؛ لأنه لو بقي في الجسم لأضر بالإنسان، ولذلك لو أن إنساناً منع من البول ساعة واحدة لما استقر له قرار، ولو حيل بينه وبين قضاء حاجته، وقيل له: افتدِ بالدنيا لافتدى بالدنيا حتى تخرج حاجته، وقد يبلغ ببعض المرضى كالمشلولين -حمانا الله وإياكم- أن يمكث أربع ساعات أو خمس ساعات لإخراج فضلته من جسده، فهي نعمة من الله عظيمة، ولا يعلم مقدار فضله ورحمته ولطفه بالعبد إلا هو سبحانه وتعالى، فناسب أن يقول عليه الصلاة والسلام: (الحمد لله)؛ لأنه المحمود على جلب النعم وحصولها، ودفع النقم وزوالها، سبحانه جل جلاله. (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) قيل: المعافاة من شرور الشياطين ونحوهم، وقيل: المعافاة من الضرر الموجود في الجسم بحبس ذلك الطعام والشراب، فالله دفعه فاستوجب أن يشكر ويحمد على هذا الفضل.
تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج منه
تقديم الرجل اليسرى عند دخول الخلاء واليمنى عند الخروج منه قال المصنف رحمه الله: [وتقديم رجله اليسرى دخولاً واليمنى خروجاً]. آداب الخلاء على قسمين: القسم الأول: آداب قولية، وقد سبق بيان أدب قولي يقال قبل الدخول وأدب قولي يقال بعد الخروج. والقسم الثاني: آداب فعلية، ومن الآداب الفعلية أن الإنسان إذا أراد دخول الخلاء قدّم رجله اليسرى وأخّر رجله اليمنى، وإذا أراد الخروج قدّم رجله اليمنى وأخّر اليسرى؛ لأن الشريعة قصدت تكريم اليمين على اليسار، فجهة اليمين مفضلة مشرفة على اليسار، ولذلك دلت نصوص الكتاب والسُّنة على تعظيم جهة اليمين، فجعل الله أصحاب الجنة أصحاب اليمين -جعلنا الله وإياكم منهم-، وكذلك أيضاً جعل السعيد من نال كتابه بيمينه، وكذلك أيضاً أثنى على اليمين ضمناً حينما ذكرها بصيغة الإفراد في مقابل الجمع، كما قال تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل:48] فقال: (عن اليمين) فأفرد، وقال: (والشمائل) فجمع، والعرب تجمع في مقابل المفرد تعظيماً للمفرد، كما قال الله تعالى: {خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} [الأنعام:1] فجمع الظلمات وأفرد النور، وهو أسلوب عربي يدل على تشريف المفرد على الجمع، فجهة اليمين مشرفة على جهة الشمال بدلالة قوله تعالى: {عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ} [النحل:48] وجاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله)، وفي حديث السنن: (إذا لبستم فتيامنوا) أي: إذا لبس الإنسان ثوباً أو عباءة أو حذاء فإنه يقدم الجهة اليمنى من يد وشق ورجل على الجهة اليسرى، فإذا أراد الخروج من الخلاء قدّم رجله اليمنى وأخر رجله اليسرى؛ تشريفاً لليمين؛ لأن الخروج أفضل من الدخول، ففي الدخول يقدم المفضول على الفاضل، وفي الخروج يقدم الفاضل على المفضول، فيقدم رجله اليمنى ويؤخر رجله اليسرى. قال المصنف رحمه الله: [عكس مسجد ونعل]. (عكس مسجد) فمن دخل المسجد قدّم رجله اليمنى للدخول وأخّر رجله اليسرى، وإذا أراد الخروج قدّم اليسرى وأخّر اليمنى، وقد ورد فيه حديث عند الحاكم أن من السنة تقديم اليمنى على اليسرى عند دخول المسجد. واختلف العلماء رحمهم الله في مسألة لطيفة هي: لو أن إنساناً أراد أن يخرج من بيته إلى المسجد -عرفنا أنه إذا أراد دخول المسجد قدّم اليمنى وأخّر اليسرى، ولكن لو خرج من بيته قاصداً المسجد- فهل الأفضل أن يقدم رجله اليمنى؛ لشرف المقصود والغاية، أو يؤخّر اليمنى؛ لفضل المكان الخارج منه؛ لأن الخروج من البيت أدنى منزلة من الدخول، ولذلك إذا أراد أن يخرج يقدم اليسرى، لكن اختلفوا في الخروج إلى المسجد هل يقدم اليمنى؛ لشرف الغاية، أو يقدم اليسرى مراعاة للحال؟ والأقوى: أن يقدم اليسرى مراعاة للحال، فإن الأصل الملتصق بالفعل مقدم على ما انفصل عنه، فالأولى أن يقدم يسراه للخروج من المنزل، ولو خرج لطلب علم ولتعليم ولجهاد ولصلاة ولدعوة ونحو ذلك فكذلك أيضاً.
الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة
الاعتماد على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة قال المصنف رحمه الله: [واعتماده على رجله اليسرى]. أي: إذا أراد ذلك، وهذه من الآداب التي تشرع عند فعل الحاجة وقضائها. قالوا: يعتمد على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وفيها حديث ضعيف في السنن أن من السُّنة أن الإنسان ينصب رجله اليمنى ويعتمد على رجله اليسرى، وعلل بعض العلماء ذلك بأن الأطباء يقولون: إنه أرفق بالبدن وأيسر لخروج الخارج، فإن صح ما ذكروه كان مشروعاً من جهة الرفق بالبدن ولا يحكى سنة؛ لأن الحديث فيه ضعف، فإذا فعله الإنسان من باب الرفق بالبدن فهو حسن؛ لأن الرفق بالبدن من مقاصد الشريعة، ولا حرج في فعله.
البعد والاستتار عند قضاء الحاجة
البعد والاستتار عند قضاء الحاجة قال المصنف رحمه الله: [وبعد في فضاء واستتاره]. أي: يشرع ويسن للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته وكان في فضاء -كالأرض الخلاء التي ليس فيها أحد- البعد؛ لأن الفضاء منكشف، والإنسان إذا جلس في الفضاء يمكن أن يُرى شيء من عورته، ولا يأمن خروج الخارج عليه فجأة، فلذلك شرع له أن يبعد وأن يستتر. فيشرع له أمران: البعد في المذهب وهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث المغيرة: (تنح عني)، وكذلك أيضاً يستتر، فإذا كانت الأرض منبسطة بحث عن حفرة أو شاخص، فإن وجد المطمئن من الأرض كالحفرة نزل فيها وقضى حاجته؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ما لم يكن فيها ضرر عليه، أو يخشى من الضرر، أو يأتي إلى شاخص، كأن يأتي إلى هضبة أو تل فيستقبله ويقضي حاجته مستقبلاً إياه؛ لأنه أبلغ في الاستتار، ويُوليِّ قفاه للناس، فإذا فعل ذلك كان أبلغ في استتاره. (أن يبعد وأن يستتر) قالوا: في الفضاء يبعد؛ لأنه إذا بعد شخصه تعذّر على العين الاطلاع على عورته، ويستتر لئلا يداهمه إنسان فجأة؛ فيكون ذلك أبلغ في تحفظه وصيانة عورته، وقد عُظِّم أمر الاستتار في قضاء الحاجة، ومن تساهل في قضاء حاجته فقضاها بجوار الطرقات على مرأىً من الناس وتساهل في ذلك -ما لم يكن مضطراً- فإنه لا يخلو من الإثم والتبعة، حتى قال بعض العلماء: لو فتن أحد بالنظر إليه حمل إثمه ووزره -والعياذ بالله-؛ لأنه تعاطى السبب لحصول الإثم والوزر، فلا يجوز للإنسان أن يتساهل في العورة، حتى ورد في حديث ابن عباس في الصحيحين في قصة الرجلين اللذين يعذبان، قال فيهما النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله)، وفي رواية: (لا يستتر من بوله)، قال بعض العلماء: (لا يستتر) أي: يتساهل في عورته -والعياذ بالله-، فقالوا: إنها من الأمور التي قد تكون سبباً -على هذا الوجه- في عذاب القبر وفتنة القبر، نسأل الله السلامة والعافية. وأنبه على مسألة يخطئ فيها كثير من الناس أصلحهم الله، خاصة من الجهلة والعوام: فإنهم يأتون إلى أماكن الوضوء ويكشفون عوراتهم ويستنجون فيها دون حياء من الناس، ولا خوف من الله جل وعلا، فأماكن الوضوء المخصصة للوضوء لا يصلح فيها للإنسان أن يكشف عورته فيؤذي عباد الله، وكذلك أيضاً يتسبب في أذيتهم بنتن البول وريحه، وهذه من الأمور الممقوتة التي لا ينبغي للمسلم أن يفعلها، ومن رئي منه فعل ذلك فإنه يُنصح ويُذكّر ويخوف بالله جل وعلا، ويقال له: اتق الله ولا تؤذِ المسلمين، فإن أماكن الوضوء ليست لقضاء الحاجة؛ لما فيه من أذية الناس بالرائحة والنتن، وقد تضافرت نصوص الشريعة على تحريم الضرر، قال بعض العلماء: يحَرُمُ فعل هذا للضرر، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار).
اختيار الموضع الرخو عند قضاء الحاجة
اختيار الموضع الرخو عند قضاء الحاجة قال المصنف رحمه الله: [وارتياده لبوله موضعاً رخواً]. (وارتياده): ارتاد الشيء إذا طلبه، ومنه سمّي الرائد رائداً، والرائد في لغة العرب: هو الرجل الذي يرسله الناس إذا كانوا في سفر لكي يطلب الماء لهم، ويسمّى: رائداً، والريادة: الطلب، وارتاد أي: طلب. قوله: (يرتاد لبوله موضعاً رخواً) أي: إذا أراد المسلم أن يقضي حاجته كالبول فإنه يلتمس الأرض الرخوة؛ لأن الأرض الرخوة أمكن في استيعاب البول، وأبعد من أن تؤدي للطشاش الذي ينجس الثياب والبدن، فشرع له أن يطلب المكان الرخو، وفيه حديث ضعيف ولكن معناه صحيح، فالإنسان يشرع له أن يطلب مكاناً رخواً؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من الاستنزاه من البول، فإن الإنسان إذا بال في مكان رخو أمن من طشاش البول. والأماكن تنقسم إلى أقسام: القسم الأول: أن تكون صلبة، القسم الثاني: أن تكون رخوة. فإن كانت صلبة: فإما أن تكون طاهرة، وإما أن تكون نجسة، وإن كانت رخوة: فإما أن تكون طاهرة، أو تكون نجسة. فأصبحت القسمة مشتملة على أربع حالات: فإن كان المكان طاهراً صلباً جلس، وإن كان نجساً رخواً قام، وإن كان نجساً صلباً امتنع من البول فيه، وإن كان طاهراً صلباً خيّر بين الجلوس والقيام، وقد جمع بعض الفضلاء هذه الصور الأربع في قوله: للطاهر الصلب اجلسِ وامنع برخو نجسِ والنجس الصلب اجتنب واجلس وقم إن تعكس هذه أربع صور. للطاهر الصلب اجلس: يعني: إذا كان المكان طاهراً صلباً اجلس. وامنع برخو نجس: يعني: إذا كان مكاناً رخواً نجساً، كما يحدث الآن إذا امتلأ موضع قضاء الحاجة فلا يجلس الإنسان؛ لأنه إذا جلس ربما سقط ثوبه أو تطاير طشاش البول على بدنه أو ثوبه ونحو ذلك. والنجس الصلب اجتنب: أي إذا كان مكاناً صلباً نجساً فلا تقضِ الحاجة فيه، أعني: البول. واجلس وقم إن تعكس: يعني: الطاهر الرخو، إن شئت فاجلس فيه وإن شئت فقم فأنت مخيّر. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بال قائماً، والسُّنة دالة على جواز البول قائماً. ومنع بعض العلماء منه، وهو مذهب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فقد كانت تقول: (من حدثكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائماً فلا تصدقوه). وقد صح في صحيح مسلم من حديث حذيفة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً) فدل على جواز البول قائماً. قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائماً لعلة، قيل: كان فيه مرض تحت ركبته في المأبض فلا يستطيع أن يجلس ويثني رجليه فيجلس لقضاء حاجته، فبال قائماً للضرورة. وقيل: بال قائماً؛ استشفاء من مرض الصلب؛ وهي الأمراض التي تصيب صلب الإنسان وظهره، وقد كانت العرب تستشفي من أمراض الظهر بالبول قائماً، فقالوا: إنه بال قائماً استشفاءً من مرض الصلب. والصحيح: أن هذا جائز ولا حرج فيه، ولكن الهدي الأكمل والأمثل أن يبول جالساً؛ لما في ذلك من بالغ الاستتار، وإمكان التحفظ من طشاش البول، فإن بال قائماً فلا حرج عليه. وقال بعض العلماء: بال في سباطة القوم قائماً؛ لأن السباطة مكان القذر والنجاسة، فلم يجلس صلوات الله وسلامه عليه من أجل هذا. (وارتياده لبوله موضعاً رخواً). الارتياد: الطلب. (لبوله) أخرج الغائط، فإن الغائط يرتاد له أي موضع كان، وقد استثنى بعض العلماء في الغائط أن يكون هناك مائع نجس، كالحال إذا امتلأ الموضع بنجاسة البول، فإنه إذا تغوط لم يأمن من طشاش النجاسة على ظهره وثيابه، فقالوا: يمنع من قضاء الغائط في مثل هذه المواضع إذا كانت مملوءة. وقال بعض العلماء: لا حرج عليه أن يقضي حاجته فيها بشرط أن يتحفظ فيزيل ما أصابه من طَشاش ذلك القذر النجس. (موضعاً رخواً) إذا كان المكان الذي جلس فيه الإنسان صلباً، وعنده آلة يستطيع أن يحك بها الأرض، قالوا: الأفضل له أن يحكها، وحملوا على ذلك حديث أنس قال: (كنت أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة وعنزة)، والعنزة: هي الحربة الصغيرة وفي رأسها الزُّج وهو الحديد. قالوا: كانت تحُمل لقضاء الحاجة؛ لأن الإنسان إذا مر على صلب نكت الأرض بها ثم قضى حاجة البول فيه، فكان ذلك أدعى لصيانة البدن والثياب من النجاسة.
حكم سلت الذكر بعد البول
حكم سلت الذكر بعد البول قال المصنف رحمه الله: [ومسحه بيده اليسرى إذا فرغ من بوله من أصل ذكره إلى رأسه ثلاثاً]. هذا يسمى عند العلماء بالسَّلْت، والسلت أن يضع رأس إصبعه عند أصل الذكر ثم يمره على مجرى البول حتى يُنقّي المجرى من الباقي إذا وجد، والسلت لا أصل له، وليس له دليل صحيح، بل إنه يجلب الوسوسة ويشكك الإنسان، ولذلك قالوا: ينبغي للإنسان أن يقطع حاجته، فإذا غلب على ظنه أن البول انقطع قام، أما أن يوسوس ويبالغ في إزالة الخارج فإنه لا يأمن من وجود الوسوسة والشك، وسيسترسل إلى ما لا تحمد معه العاقبة، ولـ شيخ الإسلام رحمة الله عليه مبحث نفيس في المجموع بيّن فيه أن هذا لم يثبت فيه نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرر العلماء أن الذَّكَرَ كالضرع كلما حلب در، أي: أن المكلف كلما ضغط عليه وأكثر من تعاهده كلما آذاه وأتعبه بالوسوسة، والواجب على المكلف أن يتقي الله قدر استطاعته، فيجلس لقضاء حاجته، فإن غلب على ظنه أن البول انتهى صبّ الماء أو استجمر بالحجارة ثم قام، والله لا يكلفه إلا ما في وسعه، فإن أحس بخروج شيء أو أن شيئاً يتحرك في العضو فذاك من وسوسة الشيطان، حتى يستيقن فيجد البلل على ثوبه أو يجده على فخذه أو رأس عضوه، ولا يلزمه أن يذهب ويبحث ويفتش، فإن الإنسان إذا غلب على ظنه أنه انقطع بوله كفاه ذلك مؤنةً وأجزأ عنه ويكون قد فعل ما أوجب الله عليه والله يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. والسلت لا يشرع إلا في حالة واحدة: وهي لمن به سلس؛ وهو نوع من المرض -حمانا الله وإياكم منه- يصاب به الإنسان، وذلك بأن يقضي بوله ثم تبقى قطرات تضعف الآلة عن دفعها، ولا يمكن خروجها إلا بالسلت، فيمر رأس إصبعه من أصل العضو إلى رأسه حتى يُنْقِي الموضع، وهذا استثناه العلماء، وهي الحالة الوحيدة المستثناة، وأما ما عدا ذلك فإن الإنسان غير مكلف به.
حكم نتر الذكر بعد البول
حكم نتر الذكر بعد البول قال المصنف رحمه الله تعالى: [ونتره ثلاثاً]. كذلك النتر، فإن فيه حديثاً ضعيفاً ولا يعتبر من السُّنة، والسلت والنتر مدعاة للوسوسة والتباس الأمور على صاحبها، ولكن المكلف يتقي الله على قدر استطاعته، وشريعتنا شريعة رحمة وتيسير وليست بشريعة عذاب ولا عنت ولا تعسير: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، فإذا قضى الإنسان حاجته قام، فإن خرج منه خارج ولم يتأكد من خروجه فالله لا يكلفه البحث عنه حتى ولو كان خارجاً بالفعل، وعبادته مجزئة، ولا يعتبر مطالباً بشيء غاب عن ذهنه كما قال أهل العلم رحمهم الله. أي: أن المكلف لو أخذ بغالب ظنه أنه لم يخرج منه شيء فصلى وفي الحقيقة أنه قد خرج منه شيء ولم يعلم إلى الأبد قالوا: إن ذلك يجزئه عند ربه سبحانه وتعالى؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، والذي في وسعه غالب ظنه وقد فعل ذلك، والله لا يكلفه ما وراء ذلك.
التحول عن موضع التخلي عند الاستنجاء
التحول عن موضع التخلي عند الاستنجاء قال المصنف رحمه الله تعالى: [وتحوله عن موضعه ليستنجي في غيره]. بعض الناس يبقى الخارج في عضوه، فقال العلماء: يخرج هذا الباقي بإحدى ثلاث حالات: إما بالسلت، وإما بالنحنحة وهي الصوت، وإما بالتحول من الموضع، فبعض الناس إذا بقي الباقي في عضوه لا يستطيع إخراجه إلا بالسلت فيشرع له السلت؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فشرع بأصل الشريعة. النوع الثاني: يكون الدافع عنده ضعيفاً فيحتاج إلى إحداث صوت وهي النحنحة، وهذه من الأمور التي يُبلى بها الإنسان عند قضائه لحاجته، فيتنحنح حتى تقوى آلته على الدفع، قالوا: فيشرع له ذلك. ومنهم من يخرج منه الخارج بعد حركته، فإذا انتقل من موضع قضاء حاجته ومشى الخطوة والخطوتين قويت الآلة على الدفع فدفعت ما ثمَ، فقالوا: فمثل هذا بعد أن ينتهي من قضاء الحاجة يقوم إلى أقرب موضع فيستنجي فيه؛ حتى يقوى العضو على إخراج ما بقي. الأمر الثاني الذي من أجله ذكر العلماء القيام من الموضع إلى موضع ثانٍ ليستنجي فيه، قالوا: إنه إذا قضى الحاجة على التراب كما هو الحال في القديم؛ فإنه لا يأمن أثناء صبّ الماء على العضو أن يتطاير شيء من البول على البدن أو الثوب، ولذلك قالوا: يتحول عن موضع قضاء حاجته إلى موضع قريب، حتى إذا صب الماء نزل على أرض طاهرة، فإذا تطاير شيء من ذلك الماء لم يدخله الوسواس، هذا هو سبب الانتقال عند أهل العلم رحمة الله عليهم. قال رحمه الله: [ليستنجي في غيره إن خاف تلوثاً]. (إن خاف تلوثاً) يعني: إذا كان الموضع غير مهيأ للاستنجاء والاستبراء.
حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى
حكم دخول الخلاء بشيء فيه ذكر الله تعالى [ويكره دخوله بشيء فيه ذكر الله تعالى]. الشيخ: ويكره للمسلم أن يدخل الحمام وموضع قضاء الحاجة بشيء فيه ذكر الله كالقرآن، وكتب التفسير، وكتب العلم والرسائل إلا إذا اضطر إلى ذلك، فإذا اضطر الإنسان إلى ذلك كأن يكون اسم الله على النقود ويخاف عليها السرقة ولا يجد لها مكاناً أميناً جاز أن يدخل بها، وكذلك أيضاً إذا كان هناك كتاب كالقرآن ويخشى أنه لو أبقاه في الخارج تلف أو أُهين إهانة أكثر فيجوز له أن يدخله معه، ثم يحوله عن الموضع الذي يقضي فيه حاجته، كأن يضعه على إبريق الماء أو على مفتاح الباب وقضيبه ونحو ذلك. [إلا لحاجة]. (إلا لحاجة) دليل هذا: أن الله أمر بتعظيم شعائره وعدّ ذلك من تقوى القلوب؛ فقال: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] أي: تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وبناءً على ذلك فإن الإنسان يصون هذه الأذكار وهذه الكتب العلمية عن الامتهان، فإن دخول الحمام بها ودخول أماكن قضاء الحاجة بها فيه نوع انتقاص لتعظيمها وإجلالها وتوقيرها، فلا يشرع له فعله، وقد جاء في الحديث -وهو متكلّم في سنده- دخول النبي صلى الله عليه وسلم الحمام بخاتمه وَقَبْضِه على الخاتم، قالوا: ولذلك يشرع لمن دخل الحمام وفي خاتمه ذكر الله أن يجعل فصه إلى بطن الكف ثم يقبض الإصبع الذي فيه الخاتم سواء كان الخنصر أو البنصر أو غيرهما.
رفع الثوب قبل الدنو من الأرض عند قضاء الحاجة
رفع الثوب قبل الدنو من الأرض عند قضاء الحاجة [ورفع ثوبه قبل دنوه من الأرض]. ومما ينبغي على المكلف إذا أراد أن يقضي حاجته أن يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض، وهي سنة محفوظة كما في حديث الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يرفع ثوبه إذا دنا من الأرض)؛ كل ذلك محافظة على العورة، وصيانة لها من نظر الغير.
حكم الكلام في الخلاء
حكم الكلام في الخلاء [وكلامه فيه]. أي: ولا يتكلم فيه، وفيه حديث ضعيف: (إن الله يمقت الرجلين يضربان الغائط يحدث أو يكلم كل منهما الآخر)، فهذا حديث ضعيف، ولكن قال العلماء: من جلس يقضي حاجته وكلّم غيره من دون ضرورة؛ فإنه ساقط المروءة، أي: لا مروءة عنده -والعياذ بالله- وساقط المروءة لا تقبل شهادته، فَعُدَّ من خوارم المروءة ونقص الحياء أن يجلس الإنسان لقضاء حاجته ويتحدث مع الغير إلا من ضرورة، كأن يخشى على إنسان أن يموت فيأمر صبياً بفعل شيء ينقذه به، أو نحو ذلك، فإذا وجدت الضرورة جاز أن يتكلم، أما إذا لم توجد الضرورة فإنه لا يجوز له أن يتكلم، ومن الضرورة أن يترك صبياً خارج الحمام فيصيح الصبي ويتساءل عن أبيه فيحتاج إلى جواب منه فيجوز له أن يتكلم خوفاً عليه أو خوفاً من ذهابه أو شروده أو نحو ذلك، وهذه حالات تستثنى، فإذا خاف على نفسه أو خاف على نفس الغير جاز له الكلام. أما الكلام أثناء قضاء الحاجة من دون حاجة فإنه من خوارم المروءة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فمن الحياء: ألا يتكلم الإنسان أثناء قضاء حاجته.
حكم البول في الشقوق ونحوها
حكم البول في الشقوق ونحوها [وبوله في شق ونحوه]. أي: ولا يبول الإنسان في الشق ونحوه، والشقوق تكون في الأرض وتكون في الجدران، واختلف العلماء في علة المنع من البول في الشق: فقيل: هي مساكن الجن، فلا يبول الإنسان في الشق حتى لا يؤذيهم فيؤذوه. وقيل -وهو أقوى-: لخوف خروج الدواب والهوام، فإن الإنسان إذا بال في شق لم يأمن أن تكون به حية أو يكون به ثعبان ونحو ذلك، وقد ذكر بعض العلماء: أن رجلاً نهى ابنه عن ذلك ففعله فبال في شق فخرجت له حية فنهشته فمات من ساعته؛ لأن الإنسان في حال قضاء الحاجة لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، وهي حالة صعبة حرجة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما بال الأعرابي في المسجد: (لا تزرموه)، فإن الإنسان إذا قُطع عليه بوله أو ذُعر أو فُجع أثناء قضائه لبوله لا يأمن من حصول أمراض لا تحمد عقباها، قد تضره نفسياً وجسدياً، فلذلك لا يطلب المواضع التي قد تكون مظنة خروج ما يفجعه أو يفاجئه بضرر.
حكم مس الفرج باليمنى
حكم مس الفرج باليمنى [ومس فرجه بيمينه]. مس الذكر، ومس الأنثيين، ومس الدبر، ومس المرأة لفرجها قبلاً أو دبراً محرم باليمين؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، وكذلك ثبت نهيه عليه الصلاة والسلام عن إمساك الذكر باليمين في حديث سلمان رضي الله عن الجميع، فلا يجوز للإنسان إذا أراد أن يقضي حاجته أن يمُسك الذكر باليمين، بل حتى في غير قضاء الحاجة، فلمس الذكر باليمين محرم على ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه)، والتخصيص بالبول ذكر لموضع الحاجة، فدخل ما لا حاجة فيه أو ما فيه الحاجة كالجماع ونحوه، فلذلك لا يجوز مس الذكر باليمين، قال عثمان رضي الله عنه: (ما مسست فرجي بيميني منذ أن صافحت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وكانوا يقولون -والله أعلم بصحة ما قالوا-: ما مس رجل ذكره بيمينه إلا نقص من عقله شيء، فلا يحمدون لمس أو مس الذكر باليمين، ولا يستبعد هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه، والنهي عن الشيء قد يتضمن حكماً وأسراراً خفية، والنبي صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن شيء فيه خير، وعلى الإنسان أن يتقي لمس الذكر باليمين؛ لأنه محرم. ولمس الذكر باليمين على حالتين: أن يكون بدون حائل وهذا محرم، وأن يكون بحائل، فإن كان بحائل فلا حرج، والأولى تركه؛ لما فيه من تشريف اليمين، واُستثني الأقطع والأشل ونحوهم كالمريض الذي بيده اليسرى جراح، فيجوز له أن يمُسك باليمين. ولا يجوز مس الذكر، ولا مس الأنثيين، ولا الدبر، ولا قبل المرأة ولا دبرها، سواء كان للإنسان أو لغيره، كالطبيب إذا عالج مريضاً، فإنه لا يمسك عضوه باليمين؛ لأنه محرم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يمسكن أحدكم ذكره باليمين) وقد خرج مخرج الغالب، والقاعدة في الأصول: (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لا يعتبر مفهومه)، فلا يجوز لمسه باليمين ويأثم فاعله.
حكم الاستنجاء والاستجمار باليمين
حكم الاستنجاء والاستجمار باليمين [واستنجاؤه واستجماره بها]. أي: باليمين، أما الاستنجاء باليمين فلا إشكال فيه، ولكن الإشكال هو الاستجمار بالحجارة، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا أراد أن يصب الماء صبه باليمين ويمكنه باليسار أن يغسل العضو، فالاستنجاء لا إشكال فيه، والإشكال في الاستجمار؛ لأنه يحتاج إلى إمساك الحجر وإمساك العضو، فإن أمسك العضو باليسار احتاج إلى إمساك الحجر باليمين، وإن أمسك العضو باليمين حرم عليه، فإن قلنا له: يستجمر بيساره، فإن معنى ذلك أن يلمس عضوه باليمين وهو محرم، وبناءً على ذلك استشكل العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولا يتمسح من الخلاء بيمينه). وتوضيح ذلك وزوال الإشكال فيه: أنه في الدبر يمسك الحجر باليسار ويُنقّي دون إشكال. وأما في القبل فإنه يمُسك الحجر باليمين والعضو باليسار ويثبّت اليمين ولا يحركها، فإن حرك اليمين كان متمسحاً باليمين، وهذا هو المراد، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من المكلف أن لا يحرك يمينه، ويكون التحريك للعضو باليسار، فإذا حصل ذلك فإنه يأمن لمس العضو باليمين، ويأمن التمسح باليمين.
حكم استقبال النيرين عند قضاء الحاجة
حكم استقبال النيرين عند قضاء الحاجة [واستقبال النيرين]. أي: ولا يجوز أن يستقبل الشمس والقمر، وفيه حديث ضعيف. قال بعض العلماء: المنع من استقبال الشمس والقمر المراد به تعظيمهما لكونهما آيتين من آيات الله، وهذه العلة ضعيفة؛ فإن أي شيء تستقبله وتستدبره آية من آيات الله، حتى الحجر آية من آيات الله، والجبال آيات، والأنهار والأشجار والثمار كلها آيات، وهذه علة ضعيفة. والأقوى: أن استقبال الشمس والقمر فيه علة قوية وهي انكشاف العورة عند استقبالهما أبلغ مما لو استدبرهما، بمعنى: أنه إذا قضى حاجته في الليل والقمر تجاهه، فإن نور القمر يكشف العورة، فلذلك يكون عدم استقبالهما من باب حفظ العورة، وعلى هذه العلة فإن الإنسان يحفظ عورته ولا إشكال فيها. أما ما ذكروه من تحريم استقبالهما مطلقاً فمحل نظر؛ لما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا)، فإن التشريق تكون فيه الشمس عند الشروق في الشرق كما هو الحال في المدينة، والتغريب تكون فيه الشمس في الغرب عند الغروب، فدل على أن استقبال الشمس والقمر ليس بمحرم، ولكن الأفضل والأكمل أن الإنسان ينحرف بين الجهتين.
حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة
حكم استقبال القبلة أو استدبارها عند قضاء الحاجة [ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في غير بنيان]. ويحرم على المكلف أن يستقبل القبلة ويستدبرها في غير بنيان. هذه المسألة فيها أقوال للعلماء: القول الأول: يحرم الاستقبال والاستدبار مطلقاً. القول الثاني: يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً. القول الثالث: يجوز الاستدبار دون الاستقبال. القول الرابع: يجوز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان دون الصحراء. القول الخامس: يجوز الاستقبال والاستدبار في البنيان دون الصحراء. القول السادس: يحرم استقبال القبلة ببول أو غائط وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، فزاد أمراً ثالثاً، وهو بيت المقدس. وهذه الأقوال هي أشهر أقوال العلماء رحمة الله عليهم في هذه المسألة، وأصح أقوالهم، وقد بسطت هذه المسألة في شرح البلوغ، وذكرت الأقوال مسندة إلى مذاهب العلماء رحمة الله عليهم. من حرم مطلقاً كالحنفية وهو اختيار شيخ الإسلام وقول ابن حزم. ومن أجاز مطلقاً كالظاهرية ومن وافقهم، وهو قول بعض السلف. ومن أجاز في البنيان دون الصحراء كما هو قول الجمهور: من المالكية والشافعية والحنابلة. ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال في البنيان، كما هو رواية عن الإمام أبي حنيفة. ومن أجاز الاستدبار دون الاستقبال مطلقاً في بنيان أو صحراء فهو قول بعض السلف، والرواية الثانية عن أبي حنيفة وأحمد. والقول السادس أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها وكذلك بيت المقدس، وهو قول بعض السلف، ومأثور عن الحسن البصري. هذه الستة الأقوال ذكرناها بأدلتها ورددنا على هذه الأدلة. والصحيح: أنه لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها لا في بنيان ولا صحراء؛ وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا). وأما الاستدلال بحديث ابن عمر فيجاب عنه من وجوه: منها: أن دلالة الفعل لا تعارض دلالة القول الصريحة المخاطب بها جميع الأمة. الوجه الثاني: أنه يحتمل التخصيص؛ لأن في النبي معنى التعظيم الذي لا يوجد في سائر الأمة. والجواب الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصد بيان هذا الحكم وإلا بينه باللفظ. الوجه الرابع: أنه يحتمل النسخ، إذ يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك قبل النهي. الوجه الخامس: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، كما هي القاعدة. فالصحيح: أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار مطلقاً لا في البنيان ولا في الصحراء.
حكم اللبث في موضع قضاء الحاجة
حكم اللبث في موضع قضاء الحاجة قال المصنف رحمه الله: [ولبثه فوق حاجته]. أي: لا ينبغي للمكلف أن يلبث في مكان قضاء الحاجة أكثر من الحاجة؛ وذلك أنها مواضع محتضرة، كما هو في حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن بيوت الخلاء: (إن هذه الحشوش محتضرة)، فالشياطين تحب الأماكن القذرة، والملائكة تنفر منها، كما أن الشياطين تنفر من الأماكن الطيبة وتأوي إليها الملائكة، فلذلك ينبغي للمكلف أن يُعَجِّل بالقيام بعد فراغه من حاجته، وأن لا يأنس لدور الخلاء، وأن لا يطيل المكث فيها، لأن المكث فيها قد يدعو إلى الوسوسة والشك، وقد يحصل للإنسان نوع من الأمور التي لا تحمد عقباها؛ فلذلك يشرع له المبادرة بالقيام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم تعوّذ عند دخول الخلاء، فدل على أنه مكان لا يحمد الجلوس فيه.
حكم البول في الطريق والظل النافع
حكم البول في الطريق والظل النافع قال المصنف رحمه الله تعالى: [وبوله في طريق وظل نافع]. أي: ولا يجوز للمكلف أن يبول في طريق؛ لأنه مكان اللعنة، والطريق سمي طريقاً من الطرْق، قالوا: لأن الناس يطرقونه بنعالهم، وقيل: لأنه يُسمع فيه طرق النعال. والطريق ينقسم إلى أقسام: الطريق المعين المحدد، وهذا لا إشكال في حرمة قضاء الحاجة فيه سواء كانت بولاً أو غائطاً، ومن فعل ذلك لا يؤمن عليه اللعن؛ لأن الناس تلعنه، فيكون ذلك ضرراً عليه في دينه ودنياه وآخرته؛ أما في دينه فللإثم وحصول أذيته للناس، وحرم البول في الطريق وقضاء الحاجة؛ لأن الناس إذا مرّت تأذّت بالرائحة، وربما لم تعلم بالنجاسة فوطئتها، فكان ذلك ضرراً عليهم في صلاتهم، وضرراً عليهم في ثيابهم وأبدانهم، فاستضروا في دينهم ودنياهم، ولا يجوز للمسلم أن يؤذي إخوانه أو يتسبب في أذيتهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) فوصفه بكونه مسلماً؛ لعدم الأذيه، فلا تجوز أذية المسلم، بالبول في الطريق والظل. النوع الثاني من الطريق: أن يكون له جوانب مهيأة لقضاء الحاجة كطرق السفر، فالإنسان ينتحي منها ناحية، وقد تكون محجوزة لا يستطيع الإنسان أن يذهب في مكان غير أطراف الطريق، فإذا داهمته حاجته واحتاج أن يبول فلا حرج عليه أن يقضي حاجته؛ لبعد جوانب الطريق عن الضرر، وزوال العلة الموجبة للمنع، وقد ورد فيها الحديث: (اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: الذي يبول في ظل الناس وفي طريقهم). أما قضاء الحاجة تحت الظل فإنه أذية بالغة؛ لأن الناس يحتاجون إلى الظل خاصة في الأسفار، كأن وهي الأضرار التي لا يجوز فعلها، ويعتبر آثماً في هذا الفعل إذا قصد الأذية، ولذلك ينبغي عليه أن يطلب مكاناً لا يأوي الناس إلى ظله، ولا يرتفقون بالمشي عليه، وهي الأماكن الخالية.
حكم البول تحت الشجر المثمر
حكم البول تحت الشجر المثمر [وتحت شجرة عليها ثمرة]. لأن الشجرة تغتذي بالنجاسة. ومذهب بعض العلماء: أن الثمرة إذا اغتذت بالنجاسة فلا يجوز أكلها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم الجلاّلة؛ وهي التي تأكل العذرة والنجاسة، فالدجاج ونحوه الذي يأكل العذرة حرّم النبي صلى الله عليه وسلم أكل لحمه حتى يُمْسَك، فدل هذا على أن الشجر إذا اغتذى بالنجاسة لا يجوز أكل ثمره، وهذا أصح أقوال العلماء، ولأن الشجر يستظل الناس بظله، فإذا قضى الحاجة تحته فإنه يمنعهم من المقيل والنزول تحته، والإرتفاق به.
الأسئلة
الأسئلة
كيفية التسمية لمن توضأ داخل الحمام
كيفية التسمية لمن توضأ داخل الحمام Q ابتلي كثير من الناس: بأن مغسلة الوضوء توجد داخل الحمام، فكيف يسمي المتوضئ؟ A باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أمابعد: فلا حرج عليه أن يسمّي في نفسه ويذكر اسم الله في قلبه، ويجزيه ذلك ولا يتلفظ به بلسانه. والله تعالى أعلم.
حكم حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى.
حكم حديث: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى ... ) من حيث الصحة والضعف Q قوله عند الخروج: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) هل هذا حديث صحيح؟ A هذا الحديث متكلّم في إسناده، والصحيح ضعفه، وهو القول الأقوى، ولكن من العلماء من حسن إسناده، فمن كان يرى حُسْنَه، وقاله فلا حرج عليه.
الذكر إذا كان التخلي في الصحراء
الذكر إذا كان التخلي في الصحراء Q متى يكون الذكر إذا كان الخلاء في الصحراء؟ A إذا أراد أن يقضي حاجته وكان الخلاء في الصحراء، فإنه يأتي بالذكر عند رفعه للثوب ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث)، ثم إذا فرغ وجاوز موضع قضاء الحاجة بخطوة ونحوها قال: (غفرانك) ونحوه من الأذكار المشروعة.
التفصيل في قاعدة: القول مقدم على الفعل
التفصيل في قاعدة: القول مقدم على الفعل Q ما قولكم في قاعدة: (القول مقدم على الفعل)، وتطبيقها على مسألة البول جالساً؟ A قاعدة: (القول مقدم على الفعل) فيها تفصيل: قال بعض العلماء: إذا تعارض القول والفعل قدم القول مطلقاً. وقال بعض العلماء بالجمع بين القول والفعل، فإذا كان القول تحريماً والفعل يدل على الإباحة حمل النهي على الكراهة، كنهيه عن الشرب قائماً وشربه عليه الصلاة والسلام قائماً، قالوا: يصرف إلى الكراهة، وكذلك أيضاً في الجمع بينهما في الحمل على الندب والاستحباب. والصحيح: أن معارضة القول للفعل تأتي على صور مختلفة: فتارة يقوى تقديم القول على الفعل، وتارة يقوى الجمع بين القول والفعل، وهذا يحتاج إلى نظر الفقيه ومعرفته بنصوص الشريعة ومعرفة مقاصدها، ومعرفة قوة دلالة الفعل، فإذا كان الفعل لا يقوى على صرف القول تبقى دلالة القول تشريعاً للأمة، ويبقى الفعل إما خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو يصرف على وجه لا يعارض به القول، ولهذا نظائر كثيرة. من أمثلة ذلك: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يَنكح المحرم أو يُنكح أو يخَطب، وقد جاء عنه أنه تزوج ميمونة وهو محرم، كما في حديث ابن عباس في الصحيح. فقال بعض العلماء: إنه يجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة، وهذا قول الإمام أبي حنيفة ومن وافقه، فصرف القول من التحريم إلى الكراهة بالفعل. والصحيح: أن الفعل هنا لا يقوى على معارضة القول؛ لأن قول ابن عباس: (وهو محرم) يحتمل وجهين: وهو محرم أي في حرم مكة، أو محرم أي: في الأشهر الحرم، والعرب تسمي من كان في الأشهر الحرم محرماً، وتسمى من دخل الموضع الحرام محرماً، ومنه قول حسان في رثاء عثمان: قتلوا الخليفةَ ابن عفان بالمدينةِ محرماً أي: في حرم المدينة، وفي الأشهر الحرم. فهذا لا يعتبر فيه الفعل معارضاً للقول؛ لأن قول ابن عباس محتمل، وكذلك أيضاً الشرب قائماً منه عليه الصلاة والسلام دلالة الفعل فيه تحتمل التخصيص؛ لأنه حُفِظَ من القرين عليه الصلاة والسلام، وقد أمر من شرب قائماً أن يستقيء. وكذلك أيضاً: ورد أنه شرب من زمزم قائماً، وزمزم فيها معنى التخصيص، فنقول: يجمع بين القول والفعل، فيمنع من الشرب قائماً في غير زمزم، وزمزم يسن شربها قائماً؛ لأنه شربها على بعيره، ولأن المقصود من زمزم أن يرتوي الإنسان منها، فيكون الأبلغ في ارتوائه أن يشرب قائماً لا جالساً. فالمقصود: أن تعارض القول مع الفعل يحتاج إلى معرفة الفقيه لأصول الشريعة، وقوة دلالة القول والفعل، مثال ذلك: المسألة التي تقدمت معنا، فإن حديث ابن عمر قوة دلالته على الإباحة محل نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة في مكان لم يره فيه أحد، ولم يقصد اطلاع ابن عمر؛ لأنه لا يعقل أن النبي صلى الله عيه وسلم يريد من ابن عمر أن يطلع عليه، وقد حصل هذا الاطلاع فجأة من ابن عمر، ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم قصد اطلاع ابن عمر لقال للأمة: استقبلوا في البنيان دون الصحراء، فدل على أن دلالة الفعل هنا ضعيفة كما نبّه عليه الحافظ ابن دقيق، وله بحث نفيس في شرحه على العمدة. فالمقصود: أن القواعد لا تؤخذ على الإطلاق في تعارض القول والفعل، وإنما ينظر إلى أحوال المسائل واختلاف النصوص. والله تعالى أعلم.
معنى حديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت.
معنى حديث: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت. ونستغفر الله) Q أليس في قول الصحابي رضي الله عنه في الحديث الصحيح: (وكنا نتحول عن القبلة ونستغفر الله) إشارة ظاهرة لجواز ذكر الله في الخلاء، نرجو الإفادة؟ A هذا حديث أبي أيوب الثابت في الصحيحين أنه قال: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل الكعبة فكنا ننحرف عنها ونستغفر الله)، وفيه كلام للعلماء من جهة دلالته: قال بعض العلماء: (كنا ننحرف عنها) أي: أثناء قضاء الحاجة، (ونستغفر الله) أي: بعد قضاء الحاجة؛ لأنه لم يتنبه أنها على القبلة إلا بعد قضاء شيء من الحاجة. وقيل: ننحرف عنها ونستغفر الله في أنفسنا، قيل لأصحاب هذا القول: كيف يستغفرون وهم لم يستقبلوا القبلة؟ وأجابوا: أي: نستغفر الله لمن فعل هذا الفعل، فما كان ينبغي له فعله، وهذا على ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم من حب الخير بعضهم لبعض، فإذا رأوا الخطأ من الغير وأمكن نصحه نصحوه، وإن كان غائباً مسلماً سألوا الله له العفو والمغفرة إذا كان ممن يُستغفر له أو يُدعى له بالمغفرة، فقالوا: (ونستغفر الله) أي: من هذا الفعل. وهذه في الحقيقة كلها أوجه محتملة، فالقول: بأنهم يستغفرون بعد الانتهاء من الغائط، لا دليل عليه في هذا الحديث. وكذلك القول بأنهم يستغفرون في أنفسهم لا دليل عليه أيضاً. ويبقى الإشكال إذا كانوا يستغفرون أثناء الفعل، وظاهر لفظ (نستغفر) يدل على أنه أثناء الفعل، فنقول في جواب ذلك: إنه فعل من الصحابة، ولو صح أنهم يستغفرون أثناء الفعل، فإننا نقول هذا من فعل الصحابة، والقاعدة: (أنه إذا تعارض هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع فعل الصحابي فالحجة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم لا بما رآه أصحابه رضوان الله عنهم). وتوضيح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح: (أتى سباطة قوم فبال، فمر عليه رجل فسلّم فلم يرد عليه السلام، ثم ضرب بيديه الحائط، ثم قال: وعليكم السلام، إني كنت على حالة كرهت أن أذكر الله عليها)، فإذا كان هذا وهو غير متطهر وقد فرغ من قضاء حاجته، فكيف إذا كان على حال قضاء الحاجة وغير متطهر فإنه أبلغ وآكد، فدل هذا على أنه لا يذكر الله جل وعلا أثناء قضاء الحاجة، وإنما يقتصر على الذكر في المواضع التي شرع ذكر الله جل وعلا فيها، وليس فيها امتهان لذكره جل وعلا. والله تعالى أعلم.
وجه الاستغفار بعد الخروج من الخلاء
وجه الاستغفار بعد الخروج من الخلاء Q ذكرتم أن من العلماء من قال: أن كلمة (غفرانك) أتت لانحباس الإنسان عن الذكر، مع أن ذلك بأمر الله تعالى كما هو الحال في الحائض عند امتناعها عن الصلاة والصيام، ولم يأتِ أنها تقول مثل ذلك بعد الانتهاء من عادتها، فما قولكم؟ A أولاً: لا أحب لطالب العلم أن يجتهد في استنباط النصوص وفي فهمها وفي تتبع كلام العلماء، وينبغي لكل طالب علم أن يحفظ قدره وأن يحفظ للعلماء حقهم، ولذلك أنبه على ما شاع وذاع بين كثير من طلاب العلم وخاصةً في هذه الأزمنة وإلى الله المشتكى، ولا أقصد بذلك صاحب السؤال، ولكنها فرصة طيبة أن أنبه على ذلك، فهناك كثير من الأمور التي تحُكى عن أهل العلم ويأتي طالب العلم ويورد سؤاله على سبيل التعقيب والاجتهاد، ويقول: كيف هذا، والأصل كذا؟! ولا مانع من أن يقول ذلك على سبيل الاستشكال، يقول: أشكل عندي كلام العلماء في هذا الأمر، كيف نوفق بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم. ؟ أما أن يورد الشيء على أنه نوع من التعقيب على العلماء أو نوع من المآخذ على كلامهم، فهذا لا ينبغي لطالب العلم وعلى الإنسان أن يعلم أن هؤلاء العلماء كانوا على درجة من الورع وخوف الله جل وعلا ما يمنعهم من أن يقولوا على الله بدون علم. نظر العلماء إلى حالة النبي صلى الله عليه وسلم عند قضاء حاجته وخروجه من قضاء الحاجة، قال: (غفرانك)، فإن أردت أن تفسّر النصوص، فالأصل عند العلماء أن يُفسر هديه عليه الصلاة والسلام ويُعلل إما بدلالة الظاهر أو بفهم أصول الشريعة حتى تُستنبط العلة. ومن ذلك الاستغفار: هل هو للخروج نفسه؟ أو لكونه أخرج فضلة؟ أو لانحباسه عن الذكر عليه الصلاة والسلام؟ كل هذا محتمل. وهل ذلك لوقوع محظور؟ لا محظور منه عليه الصلاة والسلام في الأصل؛ لأنه معصوم صلى الله عليه وسلم. إذاً: ما بقي إلا أن يقال: إن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم حيث لم يذكر الله جل وعلا في هذا الموضع، إنما هو لتخلفه عن ذكر الله، مع أن الثابت عنه في الصحيح من حديث عائشة عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يفتر عن ذكر الله جل وعلا، (كان يذكر الله على كل أحيانه) كما في حديث السنن. وهذا هو المحفوظ من هديه والمعروف من حاله عليه الصلاة والسلام. وحال الكمال إذا قصر فيه العبد ظن نفسه مقصراً، كقيام الليل، فلو أن إنساناً ألفه وتركه ولو مرة واحدة لعد ذلك نوعاً من التقصير، مع أنه ليس بتقصير في أصل الشرع، فكونه عليه الصلاة والسلام على درجة الكمال من ذكر الله جل وعلا والإكثار من ذكره جل وعلا، وفي هذا الموضع يمتنع من ذكر الله عز وجل، فناسب أن يستغفر لمكان تخلفه عن الذكر. أما قول السائل: (إن الحائض) فأين الحائض من مقام النبوة؟!! وليس سائر الأمة في مقام النبي صلى الله عليه وسلم في الكمال!! ونحن نتكلم على كماله عليه الصلاة والسلام في ذكره لله جل وعلا، أي: أن العلماء استنبطوا العلة من حال النبي صلى الله عليه وسلم من المداومة على ذكر الله، وحال الكمال الذي هو فيه من ذكر الله سبحانه وتعالى، فكونه ينشغل بهذا الأمر الذي هو قضاء الحاجة مع أنه ليس بيده عليه الصلاة والسلام استغفر حتى ينال أجر الاستغفار، وإذا استغفر الإنسان قلبت إساءته حسنة، فما المانع أن يستغفر فيكتب له هذا الحال كحال الذاكر؟!! فيكون استغفاره -مع أنه ليس في حال الذنب- جبراً لنقصان الذكر، هذا الوجه الأول في توجيه كلام العلماء. أي: أنه استغفر حتى يجبر نقص الذكر في هذه الحالة، ولا يمنع أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر على هذا الوجه، ولكن غيره من الأمة لا يلتحقون به، فكون الحائض من سائر الأمة ولا تلتحق به في درجة الكمال لا يقتضي الاعتراض بها؛ لأن الحائض ليست في مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فأين مقام النبي صلى الله عليه وسلم في ذكره لله واشتغاله بعبادة ربه، وعدم خلو قلبه من استشعار عظمة الله، حتى إذا نام نامت عيناه ولم ينم قلبه، أين هذا المقام من مقام الحائض؟ وهذا من حفظ الله له، وصيانته له واشتغاله بذكر الله سبحانه وتعالى. ونحن نقول: إن كون العلماء -رحمة الله عليهم- يقولون هذا محتمل، وله وجهه، وهو طريق يعرف عند الأصوليين بطريق السبر والتقسيم، فتُسبر الاحتمالات ثم تقسم إلى احتمال صالح واحتمال غير صالح. أما الاعتراض بأنه ليس بيده، فليس بذنب حتى يقال: إنه ليس بيده. يصح الاعتراض من ناحية أصولية بأن تعترض على علة يعلل بها النص إذا كان يتفق التعليل مع ما ذكر، كأن تقول: إنه ذنب، حتى يشرع الاستغفار، فتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل شيئاً خارجاً عن يده. فالاعتراض بكونه فاعلاً للشيء الخارج عن يده مركب من وجود الذنب، ونحن لا نقول: إنه ذنب، نحن نقول: استغفر، ولعل هذا الاستغفار أن يُكتب به للعبد لو استغفره على نية أنه لم يذكر الله في هذا الموضع أن يعوض له أجره. وعلى العموم فلا مانع، والتعليل محتمل، والنص إذا احتمل أكثر من وجه فلكلٍ أن يعلل، هذا الذي انقدح في نفس هذا المجتهد له أن يعلل به، وهذا الذي انقدح في نفسك لك أن تعلل به. أما أن يُعتب على العلماء أو يحاول الاستدراك عليهم، أو يورد ذلك على سبيل تضعيف أو توهين أقوالهم، فهذا محل نظر لا ينبغي لطالب العلم. انظروا إلى جهابذة العلماء رحمة الله عليهم شرحوا الأحاديث وفسروا الآيات، وتجدهم يحكون أقوالاً كثيرة لأهل العلم رحمة الله عليهم، ويتأدبون فيها، وبعض الأقوال قد يكون التكلف فيها ظاهراً ويغتفر، كل ذلك رعاية للأدب مع العلماء وصيانة لحرمة العلماء؛ لأن أي إنسان تردّ عليه أو تعقب عليه ولو كان تعقيبك عليه ضعيفاً فإنك قد أنزلت من حقه وقدره. فلذلك ينبغي للإنسان دائماً أن يحترم أهل العلم، فإن لم يتوجه لك هذا التعليل فخذ بما ترجح عندك من تعليلات، ونحن لا نُلزم بتعليل معين، بل نحكي أقوال العلماء، فيحتمل أن هذا علة ويحتمل أن هذا علة، ولا حرج عليك أن تأخذ بهذه العلة أو بغيرها. ونسأل الله أن يعصمنا من الزلل، وأن يوفقنا في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب الاستنجاء [2]
شرح زاد المستقنع - باب الاستنجاء [2] الأصل في الاستنجاء أن يكون بالماء، ويجوز الاستجمار بالأحجار وما في حكمها، ويشترط فيما يستجمر به أن يكون طاهراً، وهناك أشياء لا يجوز الاستجمار بها؛ إما لأنها محترمة، وإما لأنها نجسة، ويستحب أن يستجمر وتراً. والاستنجاء واجب من كل ما يخرج من السبيلين إلا الريح، ولا يصح الوضوء ولا التيمم إلا بعد الاستنجاء أو الاستجمار حتى تزول النجاسة.
ما يشترط في الشيء الذي يستجمر به
ما يشترط في الشيء الذي يستجمر به بسم الله الرحمن الرحيم قال المصنف رحمه الله تعالى: [ويشترط للاستجمار بأحجار ونحوها أن يكون طاهراً منقياً]. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: ففي هذه العبارة يتكلم المصنف عن الأمور التي ينبغي توفرها في الشيء الذي يستجمر به، فإذا أراد الإنسان أن يقطع البول أو الغائط بالاستجمار فإنه يشترط في الشيء الذي يستجمر به شرطان: الشرط الأول: أن يكون طاهراً. والشرط الثاني: أن يكون منقياً. أما طهارة الشيء الذي يستجمر به فكأن يأخذ حجراً طاهراً وينقي به موضع البول أو موضع الغائط، أو يأخذ ورقاً أو قماشاً -ما لم يكن فيه كتابة أو شيء محترم- فينقي به الموضع. واشترطت الطهارة لأن الشرع شرع الطهارة بالماء والحجارة لإنقاء الموضع، فإن كان الشيء الذي يتطهر به نجساً لم يحقق مقصود الشرع، فإنه يزيد الموضع نجاسة ولا ينقيه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى البعرة وقال: (إنها ركس) وهي لغة بعض أهل اليمن، أنهم يبدلون الجيم كافاً: ركس، والأصل: رجس، والرجس: النجس، أو الشيء المستقذر في لغة العرب، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الإنقاء بالروثة بناءً على أنها رجس، فدل على أن الشيء الذي يتطهر الإنسان به من البول والغائط ينبغي أن يكون طاهراً، وكذلك يكون منقياً، فلو كان لا ينقي الموضع فإنه لا يجزئ، مثال ذلك: لو أن إنساناً تبول فأخذ زجاجة لكي ينقي بها العضو، فإن الزجاج مادته ملساء، وتنساب النجاسة عليها ولا تشربها، فهذا لا ينقي الموضع. ولذلك نهي عن الاستجمار بالعظم، وأحد الأوجه في المنع من الاستجمار بالعظم أنه أملس، فلا يمكن معه إنقاء الموضع، فخلصنا من هذا أنه لابد من الشرطين: أن يكون طاهراً، فلا يصح الاستجمار بالنجس، وأن يكون منقياً، أي: يتمكن الإنسان به من إنقاء الموضع وتنظفيه.
ما يحرم الاستجمار به
ما يحرم الاستجمار به
حكم الاستجمار بالعظم والروث
حكم الاستجمار بالعظم والروث وقوله: [غير عظم وروث]. (غير عظم): (غير) للاستثناء، والاستثناء إخراج ما يتناوله اللفظ، (غير عظم وروث) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الاستجمار بهما كما في حديث سلمان وغيره أما العظم، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنه زاد إخوانكم من الجن) ولذلك لما اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بالجن فسألوه الزاد قال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحماً) أي: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الطعام الذي يأكلونه فأجابهم بهذا، ولذلك نهي عن الاستجمار به. وقال بعض أهل العلم: إن العظام لا تنقي الموضع، مع كونها زاداً لإخواننا من الجن، ففرعوا على هذه العلة حكماً وهو عدم الاستجمار بشيء أملس لا ينقي الموضع كالزجاج.
حكم الاستجمار بالطعام
حكم الاستجمار بالطعام وقوله: [وطعام ومحترم ومتصل بحيوان]. (وطعام) أي: وغير طعام، فإن الطعام لا يجوز الاستجمار به؛ لما فيه من الامتهان، ولأن الطعام يحتاج إليه الإنسان، فإذا استغنى عنه الإنسان احتاج إليه الحيوان، ولذلك نصوا على أنه لا يجوز الاستجمار بالطعام، وهذا بإجماع أهل العلم، وقال بعض العلماء: إنه إذا قصد امتهان النعمة قد يكفر والعياذ بالله، كما لو وطئها بقدمه قاصداً الامتهان والكفر بالنعمة، نسأل الله السلامة والعافية.
حكم الاستجمار بالمحترم
حكم الاستجمار بالمحترم وقوله: [ومحترم]. (ومحترم) أي: لا يجوز الاستجمار بالمحترمات ومنها كتب العلم، فقد أمر الله أمر بصيانتها وتعظيمها كما قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] قال بعض العلماء: الشعائر جمع شعيرة وهي كل ما أشعر الله العباد - أي: أعلمهم- بحرمته ومكانته، فلذلك لا ينبغي أن يستجمر بشيء محترم شرعاً.
حكم الاستجمار بالمتصل بالحيوان
حكم الاستجمار بالمتصل بالحيوان وقوله: [ومتصل بحيوان]. كأن يأخذ ذنب البعير أو ذنب البقرة أو نحو ذلك، أو يستجمر بظهر البعير أو البقرة، كل ذلك لا ينبغي له؛ لأنه في حكم الاستجمار بالطعام، ولما فيه من تنجيس الموضع المتصل بذلك الحيوان. لاحظوا أن هذه المستثنيات على ضربين: ضرب ورد النص به، كالعظم والروثة. وضرب عرف بأصول الشرع المنع منه، كالمحترم ونحوه. وضرب يفوت مقصود الشرع، وهو الذي لا ينقي. وبناءً على ذلك، نفهم أن الفقه تارة يؤخذ مما نص الشرع عليه، وتارة يفهم من أصول الشرع العامة، وما دلت الشريعة عليه بالعمومات أو بالأصول العامة أو كما يقولون: يفهم من مقاصد الشريعة، كأن تقول: مقصد الشريعة احترام كتب العلم وإجلالها لقوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ} [الحج:32]، وفي الاستنجاء بها مخالفة لمقصود الشرع فتحرم. وقوله: [ولو بحجر ذي شعب] الحجارة ذات الشعب: هو الحجر يكون له ثلاث أو أربع شعب، على حسب كبره وخلقته التي خلقه الله عليها، فلو أخذ رجل الحجر الذي له ثلاث شعب واستجمر بشعبة، ثم قلبه إلى الشعبة الثانية واستجمر بها، ثم قلبه إلى الشعبة الثالثة واستجمر بها فإنه يجزئ عن الثلاثة الأحجار.
استحباب الاستجمار وترا
استحباب الاستجمار وتراً وقوله: [ويسن قطعه على وتر]. أي: قطع الخارج على الوتر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أبي هريرة في الصحيحين: (ومن استجمر فليوتر) للعلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (من استجمر فليوتر) قولان: القول الأول: (من استجمر) أي: قطع الخارج من بولٍ أو غائط فليوتر، وسنبين معنى ذلك. القول الثاني: (من استجمر) أي: من تطيب بالبخور فليوتر؛ لأن البخور يسمى بذلك، وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح في أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- قال: (مجامرهم الألوة). فالاستجمار يقال: إن المراد به التطيب، وهذا قول بعض أهل اللغة، ونسب إلى إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمة الله عليه، ولذلك قالوا: يسن إذا أخذ الرجل في تطييب الناس بالبخور أن يطيبهم مرة أو ثلاثاً أو خمساً، وإذا تطيب الإنسان تطيب على وتر، هذا على القول الثاني. والأفضل أن الإنسان يجمع بين الاثنين، فإن استجمر في بول أو غائط قطع بالوتر، وإن استجمر بطيب قطع بوتر، حتى يكون من السنة على كلا القولين، وهذا هو ما ننبه عليه دائماً في المسائل الخلافية، في تفسير أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي لها فضائل للإنسان، فالمسلم يحاول أن يكسب الفضيلة ولو اختلف العلماء فيها، ويحاول أن يحصل الفضل على أتم وجوهه وأكملها. الشاهد: أن المصنف هنا قال: (يسن قطعه على وتر) فلو أن إنساناً تبول ثم أراد أن يقطع البول فأخذ الحجر الأول فاستجمر به، ثم أخذ الحجر الثاني فاستجمر به، فانقطع البول عند الحجر الثاني، فعلى القول بأن الثلاث واجبة يلزمه حجر ثالث، وحينئذٍ لا إشكال، لكن لو فرض أنه استجمر بالحجر الأول والثاني والثالث ولم ينقطع البول ثم استجمر بالرابع فانقطع، فإذا انقطع بالرابع فإنه يضيف حجراً خامساً طلباً للسنة، وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن استجمر فليوتر). وكذلك أيضاً بالنسبة للغائط، يجعل حجرين لطرفي الصفحتين، وحجراً لحلقة الدبر، ثم إذا انقطع الخارج من حلقة الدبر بالثلاث فلا إشكال، لكن لو انقطع بالرابع فيضيف خامساً للحلقة.
حكم الاستنجاء من كل خارج من السبيلين
حكم الاستنجاء من كل خارج من السبيلين قال رحمه الله تعالى: [ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما حفظ عنه أنه تبول ولا تغوط صلوات الله وسلامه عليه إلا وتطهر، وكان أنس -كما جاء في الصحيحين- يحمل الإداوة معه للنبي صلى الله عليه وسلم ليستنجي بها، وكذلك أيضاً جاء في حديث سلمان وعائشة رضي الله عنهما، وغيرها من أحاديث السنن التي تدل على محافظة النبي صلى الله عليه وسلم على إنقاء الموضع إما باستجمار أو باستنجاء. أما الاستنجاء فهو: أن ينقي الإنسان الموضع بالماء، كما هو الحال الموجود الآن في البيوت، فإذا فرغ الإنسان من بوله أو غائطه صب الماء على عضوه وأنقاه، وهذا يسمى استنجاء. أما الاستجمار: فهو أن يأخذ الحجارة، وهذا في الغالب يحصل للذي يكون في سفر أو في بر أو نحو ذلك، وكل منهما مشروع، ولا يجب عليه أن يستنجي بالماء، فلو أن إنساناً دخل إلى الحمام -ولو في المدن- والماء موجود، ولشدة البرد لم يرد أن يغسل عضوه فأخذ مناديله فاستجمر بها لأجزأه ذلك، وهذا بلا خلاف، بل كان بعض السلف لا يرى صب الماء ويقول: هو وضوء النساء، ولكنه قول مرجوح ومردود عليه؛ لأن أنساً حمل للنبي صلى الله عليه وسلم الإداوة، والماء أبلغ وأنظف وأنقى، وكانوا يستحبون أن يبتدئ بالحجارة حتى تنقي الموضع بحيث إذا صب الماء لا يتلطخ بالنجاسة، ثم بعد ذلك يتبعه الماء، وفيه حديث ضعيف في قوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا} [التوبة:108]، والصحيح: أن ذلك الاستحباب هو من أصول الشرع العامة لا من دليل بعينه، أي: لم يرد دليل بعينه يدل على الجمع بين الحجارة والماء، ولكن من باب أصول الشريعة العامة وعلى سبيل المبالغة في التنظيف، وأما لو اقتصر على الماء أو اقتصر على الحجارة فيجزيه، ولا حرج عليه في ذلك، ومقصود الشرع هو إنقاء الموضع.
أقسام الخارج من السبيلين من حيث نقض الوضوء
أقسام الخارج من السبيلين من حيث نقض الوضوء وقوله: [ويجب الاستنجاء لكل خارج إلا الريح]. (كل) من صيغ العموم، وهذا أصل عند الأصوليين، أنه إذا قيل: (كل)، يفهم من ذلك عموم الدلالة، فيشمل ذلك كل ما خرج من البدن، والخارج من البدن يأتي على ضربين: الخارج المعتاد، والخارج غير المعتاد، فالخارج المعتاد: البول والغائط. والخارج الغير المعتاد: كالدم، كأن يحصل للإنسان نزيف داخلي، أو يخرج منه حصى أو دود، فهذه كلها خوارج غير معتادة، أي: خرجت على سبيل المرض، وللعلماء في الخارج أوجه: منهم من قال: لا ينقض الوضوء إلا ما كان خارجاً معتاداً في الصحة، فلا ينقضه الخارج غير المعتاد. ومنهم من قال: ينقض الوضوء كل ما خرج. فالمذهب الأول مذهب التخصيص، والمذهب الثاني مذهب التعميم. ومنهم من فصَّل، فقال: إن كان نجساً نقض، وإن كان طاهراً لم ينقض، أي: إن كان أصله النجاسة كدود البطن، فإنه يكون مختلطاً بالنجاسات؛ فإذا خرج نقض، وإن كان أصله طاهراً كالحصى فلا ينقض، وهذه أوجه العلماء رحمة الله عليهم في الخارج. فالمصنف درج على القول الذي يقول: إن كل ما خرج من البدن ينقض، ويستوي في ذلك أن يكون معتاداً أو غير معتاد، وسيأتي -إن شاء الله- بسط هذه المسألة في نواقض الوضوء. ونريد أن نحدد محل الاتفاق ومحل الخلاف في مسألة الخارج، أما الاتفاق فلو خرج البول ,أو الغائط الذي هو الخارج المعتاد أو المذي أو الودي، فإن كل هذه يجب الاستنجاء منها.
حكم الاستنجاء من خروج المني
حكم الاستنجاء من خروج المني أما المني: ففيه وجهان مشهوران: الوجه الأول: خروج المني يوجب الاستنجاء. الوجه الثاني: لا يوجبه. والذين قالوا: إنه موجب، احتجوا بما ثبت في الصحيحين في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم عن أمهات المؤمنين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم غسل العضو وما هنالك) قالوا: لأن المني يعتبر موجباً للاستنجاء. والذين يقولون: أنه طاهر، وخروج الطاهر لا يضر، فبناءً على الأصل الذي قرروه وهو أن يكون الخارج نجساً، قالوا: والمني طاهر وليس بخارج من المخرج المعتاد؛ لأن له عرقاً يخصه.
حكم الاستنجاء من خروج ما يدخل في السبيلين كالآلات
حكم الاستنجاء من خروج ما يُدخل في السبيلين كالآلات وقوله: [لكل خارج]. هنا مسألة عصرية تتفرع عن قول المصنف: (كل خارج)، وهي: مسألة المادة التي يحقن بها الإنسان كمواد الأشعة التي من أجل تصوير العضو لمعرفة مرضٍ فيه، فتحقن المادة في العضو ثم تبقى في نفس المجرى، ثم يصور ثم تخرج عن طريق التبول أو أنها تسحب، فإذا خرجت هل يجب الاستنجاء منها أو لا يجب، فإن قيل: العبرة بالعموم -كما درج عليه المصنف- وجب الاستنجاء بخروجها، وإن قيل: العبرة بالخارج المعتاد؛ فلا يجب الاستنجاء منها. أيضاً: المسألة القديمة التي تفرعت عليها هذه المسألة: لو أن آلة أدخلت في مجرى البول أو مجرى الغائط -كالمناظير- ثم أخرجت، هل يجب أن يستنجي الإنسان بخروجها أو لا يجب؟ من العلماء من قال بالتفصيل، فقالوا: إن خرجت وفيها أثر الرطوبة وجب الاستنجاء، وإلا لم يجب. والحقيقة أن التعبير بالعموم من حيث أصل الشرع قوي، يعني: ما درج عليه المصنف من إيجاب الاستنجاء من كل ما خرج -بلفظة (كل) - أقوى؛ لأنه مراعٍ لأصل الشرع؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم غسل من المني وهو طاهر، وكذلك غسل من بقية الخوارج، وبناء على ذلك نقول: نعتبر خروج الخارج موجباً للإنقاء. ويبقى لدينا سؤال وهو: ما دليل من قال بالتفريق بين الطاهر وغير الطاهر؟ قالوا: دليلنا الشرع، فإن الريح يخرج من البدن ولا يجب بالإجماع منا أن يستنجى منه، فلو كان كل خارج يوجب الاستنجاء لوجب الاستنجاء من الريح، فكون الشرع لا يوجب الاستنجاء من الريح يفهمنا أنه لو خرج الطاهر من قبل أو دبر أنه لا يوجب الاستنجاء. كيف نجيب عن هذا الدليل ونحن قلنا: إن الأرجح هو الوجوب؟ نقول: إن هناك فرقاً بين ما له جرم وما لا جرم له، بدليل أن الإجماع انعقد على عدم الاستنجاء من الريح، وعندنا المني وهو طاهر ويستنجى منه، ففهمنا أن هناك فرقاً بين السائل الذي له جرم والذي لا جرم له وهو الريح، وبناء على ذلك نقول: يستجمر من كل ما له جرم -جامداً أو مائعاً- إلحاقاً بالمني، ولا يجب عليه الاستجمار من الهواء كالريح، ويبقى الأصل على ما هو عليه ولا يستقيم اعتراضهم بالريح. وربما لو قلت لهم: إن المني يستنجى منه، قيل لك: هذا من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه؟! فأنا لا أرى أن المني يوجب الاستنجاء منه، هذا إذا كان يقول بطهارته كما هو أحد الأوجه عند الشافعية، فلا يرى الاستنجاء من المني، أما لو كان يقول بنجاسته كالحنفية، فخروجه يوجب الغسل ملحقاً بالبول والغائط، فهذا أصل المسألة أصولياً. فالخلاصة: أنه يجب الاستنجاء من كل ما خرج من السبيلين ما عدا الريح، وشذ بعض أهل الأهواء فقالوا: إن الريح يستنجى منه وهذا قول مردود؛ لأنه لا دليل عليه، لكن ينبغي أن ينبه على أن الريح له أحوال: فتارة يكون معه سالماً من رذاذ النجس الموجود في الموضع، وتارة يكون مخلفاً لرذاذ نجس كما يذكر بعض العلماء في حالة إسهال أو نحوه، فإن صاحب هذه الريح لزج له جرم من الخارج؛ فإنه يجب إنقاء الموضع للخارج لا لذات الريح.
حكم الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء
حكم الوضوء والتيمم قبل الاستنجاء وقوله: [ولا يصح قبله وضوء ولا تيمم]. هذه مسألة ثانية، وقد مرَّ أنه ينبغي على المكلف أن يستنجي وينقي الموضع، وبينا الدليل كما في الحديث: (نهانا أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) وكذلك قوله في حديث أبي داود عن الثلاثة الأحجار: (فإنها تجزيه) فقوله: (إنها تجزيه) كما يقول الإمام ابن قدامة وغيره: إنها تدل على الوجوب، فإن الإجزاء لا يعبر به إلا في الوجوب. فيجب على الإنسان أن يستنجي من الخارج عموماً -كما ذكر المصنف- إلا إذا كان ريحاً، فلو أن إنساناً خرج منه الخارج ولم يستنجِ، بل تبول ثم نشف الموضع، ولم يكن عليه ثياب، فلبس ثياباً بعد نشاف الموضع ثم يبس المكان، أو مثلاً: تبول ثم غير ثيابه بعد نشاف الموضع، فالثياب طاهرة، وهو من حيث هو طاهر ما عدا موضع الخارج، ثم جاء وتوضأ أو تيمم وأراد أن يصلي، فنحن قلنا: يجب الاستنجاء، فهل هذا الوجوب شرط في صحة الصلاة بحيث لا نصحح العبادة إلا بعد استنجائه؟ أو نقول: إن صلاته صحيحة؟ للعلماء وجهان مشهوران: منهم من قال: تصح طهارته وتصح صلاته، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك) وفي حديث عمر في الصحيحين: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل ذكرك) فوجه الدلالة: أنه قال له: توضأ، ثم قال له: اغسل ذكرك، أي: أنه صحح وضوءه مع أنه لم يستنج بعد، لقوله: (واغسل ذكرك) فإن قوله: (اغسل ذكرك) وقع بعد قوله: (توضأ) فدل على أن عبادة الوضوء تصح، وبناء على ذلك قالوا: يصح الوضوء قبل الاستنجاء. وقد يعترض عليه المعترض ويقول: لو كان حديث عمر على الترتيب: فكيف يلمس ذكره بعد الوضوء؟! وجوابه: أنه وضوء في جنابة، فلا ينتقض بمس الذكر، وهذه مسألة لطيفة يلغزون بها: وضوء لا ينتقض إلا بالجماع أو بجنابة جديدة؟ وهو وضوء الجنب، واحتجوا له بهذا الحديث، وأشار إليها السيوطي بقوله: قل للفقيه وللمفيد ولكل ذي باع مديد ما قلت في متوضئ قد جاء بالأمر السديد لا ينقضون وضوءه مهما تغوط أو يزيد يعني: لا ينقضه بول ولا غائط، فتقول: هو وضوء الجنب. فقالوا: هذا الحديث يدلنا على أن من خرج منه الخارج ولم يغسل الموضع ثم توضأ فإن وضوءه صحيح.
الأدلة على عدم صحة الوضوء قبل الاستنجاء
الأدلة على عدم صحة الوضوء قبل الاستنجاء والصحيح: أنه لا يصح الوضوء كما قال المصنف إلا بعد إنقاء الموضع للأدلة الآتية: أولها: أن الله تعالى أمر بالوضوء عند إرادة القيام إلى الصلاة، وهذا يدل على أنه لا يفصل بينهما بفاصل الاستنجاء، وأنه هو الأصل. ثانياً: أن المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته أنه كان يستنجي ثم يتوضأ، وما حفظ عنه في حديث صحيح أنه قدم الوضوء على الاستنجاء. ثالثاً: أن الدليل الذي استدلوا به مجاب عنه بأن الواو في قوله: (توضأ واغسل ذكرك) هي لمطلق الجمع، فالاستدلال بهذا الدليل على الوجه الذي ذكروه وقالوا: إنه مبني على أن الواو تفيد العطف مع الترتيب، هو مذهب ضعيف. والصحيح: أن الواو أصل في إفادة مطلق الجمع، بغض النظر عن كون هذا قبل هذا، كأن تقول: جاء محمد وعمر، فلا يستلزم أن محمداً جاء قبل عمر، إنما المراد مطلق الأمرين. فالمقصود: أن الواو تدل على مطلق الجمع، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك) مراده حصول الأمرين، لا أن يوقع الوضوء قبل غسله لذكره، وبناء على ذلك يستقيم ما ذكره أصحاب هذا القول من تقديم الاستنجاء على الوضوء. لو قال قائل: قول الذين يقولون بجواز سبق الوضوء للاستنجاء، فكيف يستنجي وهو سيحتاج إلى لمس العضو؟ فأجابوا بقولهم: يلمسه بحائل، أو يتوضأ وبعد أن يتوضأ يصب الماء عليه، كأن يكون في بركة أو عارياً أو نحو ذلك، يعني: المسألة ممكن أن تقع، ولا يشترط فيها لمس العضو حتى يحكم بالنقض.
باب السواك وسنن الوضوء [1]
شرح زاد المستقنع - باب السواك وسنن الوضوء [1] السواك سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي حث أمته عليها، وهو مطهرة للفم مرضاة للرب، وهو مستحب في كل وقت، ويتأكد استحبابه عند الوضوء والصلاة والقيام من النوم وتغير الفم، ويُطلب في السواك أن يكون منقياً للموضع، وأن يكون طيباً رطباً غير مضر.
مشروعية السواك
مشروعية السواك قال المصنف رحمه الله: [باب السواك وسنن الوضوء]. يقول المصنف رحمه الله: (باب السواك) السواك يطلق ويراد به الآلة التي يتسوك بها، ويطلق ويراد به فعل السواك، فمن إطلاق السواك مراداً به الآلة التي يستاك بها: حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مرضه الذي توفي فيه، والسواك على طرف لسانه -فقوله: والسواك، يعني آلة السواك- وهو يقول: أع أع، كأنه يتهوع) صلوات الله وسلامه عليه. وأما إطلاق السواك والمراد به الفعل، ففيه حديث أبي هريرة الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي: بفعل السواك. وباب السواك المراد به بيان الأحكام والسنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في السواك، وقد شرع الله عز وجل السواك بهدي نبيه صلوات الله وسلامه عليه، القولي والفعلي والتقريري، فكان عليه الصلاة والسلام يستاك ويأمر أصحابه بالسواك، حتى ثبت في الصحيح أنه قال: (أكثرت عليكم في السواك). وباب السواك يذكره العلماء قبل باب الوضوء، وقبل صفة الوضوء، والسبب في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وفي رواية: (مع كل وضوء وعند كل وضوء). فقالوا: إن هذا محله، ولذلك يذكرونه في باب الطهارة، ولأن السواك قسم من أقسام الطهارة في الوصف، ففيه إنقاء موضع مخصوص على صفة مخصوصة. وقوله: (وسنن الوضوء) أي: في هذا الموضع سأبين لك جملة من الأحكام والمسائل الشرعية التي تتعلق بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في السواك وسننه في الوضوء، والسنة ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وهي التي لم يلزم المكلف بها فمن فعلها فقد أحسن ومن لم يفعلها فلا عتبى ولا حرج، تطلب على سبيل الاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.
استخدام العود في السواك
استخدام العود في السواك قال رحمه الله تعالى: [التسوك بعود]. (التسوك) صيغة تفعل من السواك أي: فعل السواك (بعود) هذا أحد وجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، أن السواك المحمود شرعاً إنما يكون بالعود لا بغير العود، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن السواك يحصل بالعود وبكل ما ينقي الموضع، كأن يستاك بخرقة أو بمنديل، قالوا: لأن مقصود الشرع هو إنقاء الموضع، ولهم دليل يدل على صحة قولهم في قوله عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن قوله: (مطهرة للفم) أي: أن السواك من شأنه أن يطهر، فدل على أن كل ما طهر يصدق عليه أنه سواك شرعي، وتوسط بعض المحققين -وهو اختيار بعض العلماء ومنهم الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني- فقالوا: يثاب على قدر ما يصيب من السنة في النقاء، ولا يأخذ فضل السنة كاملة إذا استاك بخرقة أو بمنديل، لكن يكون له فضل، كما لو فقد العود وأراد أن يستاك بمنديل، وهذه المسألة مشهورة ولها نظائر: منها: إذا فقد الإنسان الوصف الكامل في الهدي، وتحصل له بعض الوصف فإنهم يقولون: ينال من الأجر على قدر ما حصل من مقصود الشرع؛ لأن مقصود الشرع النقاء والنظافة، فلما حصل النقاء والنظافة تحقق المراد من السواك، قالوا: فيثاب لموافقته للشرع من هذا الوجه، لأنهم قالوا: الأثر وصورة المؤثر، فإذا لم يجد صورة المؤثر -وهو السواك- فقد وجد حقيقة الأثر، فيثاب لحقيقة الأثر دون صورة المؤثر، وبناء على ذلك: ينال من الأجر على قدر ما أنقى ونظف من الموضع، ولهذا الوجه قوته.
صفة السواك
صفة السواك قال رحمه الله تعالى: [لين منقٍ غير مضر]. (لين) غير يابس؛ لأن اليابس لا ينقي ولا يحقق مقصود الشرع وقد يضر بالأسنان، والشرع لا يجيز الضرر كما في الحديث -وحسنه غير واحد-: (لا ضرر ولا ضرار) قالوا: إن ما فيه ضرر لا يأمر الشرع به، فإذا كان العود يابساً أضر بالأسنان، وبناء على ذلك قالوا: إنه لا يكون إلا ليناً، ولهذا أصل في حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان في مرض الموت -كما في الصحيحين-: (دخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن أبيه، وفي طرف يده سواك، فأبده النبي صلى الله عليه وسلم بصره، فقالت له عائشة: أتحبه؟ فأشار برأسه أن نعم، قالت: فأخذته فقضمته وطيبته، ثم أعطيته النبي صلى الله عليه وسلم) ففي هذا دلالة على أن السواك لا يكون إلا رطباً، وأنه لا يستاك بالأعواد اليابسة مباشرة. وقوله: (منقٍ غير مضر). (منقٍ) أي: منظف للموضع، (غير مضر) لأن الشرع -كما قلنا- لا يأمر بالضرر، بل إن الأمر بالسواك دفع لضرر القلح الموجود في الأسنان وتطييب لها، وقد شرع الله عز وجل هذه السنة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم تحصيلاً للمصالح ودرءاً للمفاسد، فلا يؤمر بما فيه مفسدة وفوات مصلحة، إلا في أحوال نادرة في صور مخصوصة وليس هذا منها. قال رحمه الله: [لا يتفتت]. كونه لا يتفتت هذا الوصف إنما هو من اجتهاد العلماء رحمة الله عليهم، وإلا هو إذا أخذ عوداً من أراك واستاك به أصاب السنة، وكونه لا يتفتت أو كونه ليناً -أي: ليناً طيباً- فهذا كله من الكمالات؛ لأنه يعين على تحقيق مقصود الشرع، حتى أن الأطباء الآن يقولون: كلما كان رطباً وفيه المادة الرطبة كلما كان أبلغ، والمادة هذه تستعمل في معالجة الأسنان ونفع اللثة بخلاف ما إذا تفتت، قالوا: إذا تفتت آذى الفم، فإن فتات العود يؤذي اللسان بالوخز، وهذا الوخز قد يتسبب في أضرار بالإنسان؛ لأنه إذا جرح اللسان ودخل إلى الفم أي شيء مضر سهل نفاذه إلى الدم، وقد يتسمم الإنسان ويهلك، وكذلك يدمي اللثة ويجرح اللثة، وعلى القول بنجاسة الدم كما هو قول الجماهير يزيد الموضع قذراً لا طهارة، فكل هذا من باب النظر إلى مقصود الشرع، فلا يقول قائل: إن هذا كلام من عند العلماء فقط، بل هو مستقى من أصول الشريعة، ودائماً تجدون الفقهاء يتوسعون من باب تحصيل كمالات السنة، وهنا عائشة قالت: (طيبته) ما معنى طيبته؟ قال بعض العلماء: طيبته بإزالة آثاره عند قضمه، وقيل: أي: جعلت فيه طيباً، كماء الورد ونحوه، ولذلك قالوا: يسن أن يكون السواك مطيباً، لكن ما يجعل الطيب الذي يؤثر في العقول، والبعض يظن أنه مطيب، بمعنى: أن يجعله في طيب.
حكم التسوك بالأصبع ونحوه
حكم التسوك بالأصبع ونحوه وقوله: [لا بأصبع أو خرقة]. (لا بأصبع أو خرقة) والحقيقة ليس هناك دليل يدل على منع الإنسان من أن ينظف بأصبعه، وهم يقولون: إن الأصبع ليس بسواك لأنه متصل وليس بمنفصل، والسواك منفصل لا متصل. والصحيح: أنه لا حرج على الإنسان -إذا فقد السواك وإذا لم يجد خرقة، أو كانت غير نظيفة- أن يدخل إصبعه؛ لأن مقصود الشرع تنظيف الموضع، فإذا لم يتمكن الإنسان من إصابة السنة على الكمال فلا حرج عليه في إصابة بعضها، فلو أن إنساناً مثلاً: حديث عهد بالسحور، ثم أذن عليه أذان الفجر وليس عنده سواك ولا خرقة، فإن وذر الطعام يحتاج إلى معالجة، فلو قلنا: أنه يقتصر على العود أو على الخرقة، فسيبقى وذر الطعام وقد يضره وقد يؤثر في صيامه، ولذلك لا حرج عليه أن يعالج بيده، أو بالخرقة، وكما قلنا: إن المصنف نفى الخرقة والأصبع بناءً على الأصل الذي قرره في أول الباب من أن السواك لا يكون إلا بالعود.
حكم السواك
حكم السواك قال رحمه الله تعالى: [مسنون كل وقت]. (مسنون) بعد أن عرفنا ما هو السواك يرد Q ما موقف الشرع منه؟ هل هو مأمور به أو منهي عنه؟ فقال: (مسنون)، أي: هو من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والدليل على سنيته: قوله عليه الصلاة والسلام: (السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب) هذا على العموم ولم يخصص، ولكنه يتأكد في أحوال كما سيأتي -إن شاء الله- بيانها وبيان أدلتها. قال جمهور العلماء من السلف والخلف: إن السواك ليس بواجب، وقال بعض العلماء -وهو قول بعض أهل الظاهر-: إن السواك فرض واجب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالسواك) والصحيح: أنه ليس بواجب لما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) فقال: امتنع الأمر بالسواك لوجود المشقة، فدل على أنه ليس بواجب. وبناءً على ذلك: يعتبر السواك سنة وليس بفرض، ومن استاك أثيب، ومن لم يستك فإنه لا حرج عليه ولا إثم. وقوله: (كل وقت) هذا على العموم، وهناك أحوال يفضل فيها السواك على غيره، منها عند الوضوء، لحديث أبي هريرة، وعند القيام إلى الصلاة، وكذلك عند القيام من النوم. أما عند القيام إلى الصلاة؛ فلحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام -أي: إلى صلاة الليل- يشوص فاه بالسواك) يشوص فاه، أي: يدلكه بالسواك. وكذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها (أنها كانت تعد للنبي صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره، فيبعثه الله من الليل ما شاء) صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يدل على أنه إذا انتبه الإنسان من النوم شاص فاه بالسواك، وكذلك إذا قام إلى الصلاة، سواء كانت صلاة ليل أو غيرها. كذلك أيضاً عند تغير الفم بالطعام، قالوا: مع كونه عند قيامه من الليل يشوص فاه بالسواك فنعتبره أصلاً، فكلما تغير الفم فإنه يشوص فاه، ولذلك قالوا: يستحب ذلك. وكذلك إذا جلس الإنسان مع أهله وزوجه فيستحب أن يبدأ بالسواك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستاك إذا جلس مع أهله، وكان لا يحب أن يشم منه ريح غير طيبة، فلذلك استحبوا أن يكون الإنسان مستاكاً في مثل هذه الأحوال، وسيأتي -إن شاء الله- بيانها وبيان الأحاديث التي دلت عليها. قال رحمه الله تعالى: [إلا لغير صائم بعد الزوال]. قال: (إلا)، وهذا استثناء، وهو إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فالسواك مستحب أو مسنون في كل هذه الأوقات. (إلا لغير صائم بعد الزوال) والكلام بهذه الصيغة لا يستقيم. فنقول: لعل الصواب حذف غير، فتكون العبارة: إلا لصائم، أي: إلا لصائم بعد الزوال. أحب أن أنبه أنه في بعض الأحيان يعاجل طالب العلم بتخطئة المكتوب، وهناك أدب من آداب مراجعة الكتب: أن الإنسان إذا وجد عبارة واحتمل فيها التصحيف يكتب في الطرف: (لعل الصواب كذا) لاحتمال أن تكون هذه الكلمة صحيحة بوضعها ولكن هناك نقط وضعت في غير موضعها، أو زيدت كلمة أو حرف، أو طمست كلمة أو حرف، فلا يعاجل بالطمس وبالضرب على الكلمة، ولكن يكتب: (لعل الصواب كذا وكذا)، حتى إذا جاء آخر وأحسن النظر فيها ربما عرفها، أو ربما وجدت نسخة أخرى تبين الصحيح، وهذا هو الذي أدركنا عليه أهل العلم رحمة الله عليهم، فهم لا يجرءون على طمس الكتب وتخطئتها والتصحيح من قبل أنفسهم، وإنما يكتبون في طرف الكتاب أو في هامشه: لعل الصواب كذا وكذا، إلا الآيات القرآنية، بشرط أن يكون الذي يصححها عنده إلمام أو علم بالرواية التي يريد أن يصحح بها إذا كان المصنف التزم رواية معينة كرواية حفص، وهو يتقنها، فلا حرج أن يضرب على الخطأ، فالآيات القرآنية لا يتساهل في أخطائها وإنما تبين.
الأسئلة
الأسئلة
حكم دعاء ختم القرآن
حكم دعاء ختم القرآن Q هل هناك دليل واضح يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام رضوان الله عليهم كانوا يدعون بعد ختم القرآن الكريم؟ A ليس هناك حديث معين يدل على أنه إذا ختم القرآن دعا، ولكن حكى بعض العلماء رحمة الله عليهم أن فعل السلف جرى على الدعاء بعد الختم، وأثر عن أنس رضي الله عنه وأرضاه، وكان ابن عباس يراقب رجلاً يقرأ في المسجد حتى إذا قارب الختم حضر دعاءه، فلا إنكار على الدعاء عند الختم إذا درج عليه فعل السلف، ولم يحصل له نكير، وحبذا لو يرجع في تحرير هذه المسألة إلى الأستاذ الشيخ بكر حفظه الله في جزئه في مرويات ختم القرآن، فقد أجاد فيه وأفاد، وبين أن فعل السلف على الدعاء عند الختم، ولم يرد في الأحاديث الصحيحة -حسب علمي واطلاعي- حديث صحيح في الدعاء عند الختم، لكن لا ينبغي تخصيص دعاء معين للختم، كأن يكون بألفاظ معينة أو بأذكار معينة أو بصيغة معينة، والأفضل والأكمل أن يؤخذ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم من الدعاء بجوامع الكلم. هذا بالنسبة لمسألة الدعاء عند ختم القرآن، فيشرع من حيث الأصل، ولا نكير على الإنسان أن يدعو عند ختم كتاب الله عز وجل، ولكن لا يخصص بدعاء معين أو بصيغة معينة أو بوقت معين أو بزمان معين، كأن يجعل ليلة معينة للختم في كل أسبوع مثلاً، فيحرص على أن يختم في ساعة السحر في الجمعة مثلاً، فهذا لا ينبغي إلا بدليل من الشرع، والله تعالى أعلم.
حكم الاعتكاف بدون صيام والأكل والشرب في المسجد
حكم الاعتكاف بدون صيام والأكل والشرب في المسجد Q هل من شروط الاعتكاف في غير رمضان الصيام؟ وهل يجوز الأكل والشرب في البيت الحرام؟ A هذه مسألة خلافية: هل يشترط للاعتكاف الصوم أو لا يشترط؟ وفيها حديث: (لا اعتكاف إلا بصيام) وفيها حديث عمر رضي الله عنه حينما نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، وهذه الرواية حجة في إلغاء اشتراط الصوم، فلو كان الصوم واجباً للاعتكاف لأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم. والصحيح: أنه لا يشترط للاعتكاف الصوم، والحديث يجاب عنه بأنه متكلم في سنده، وعلى القول بتحسينه يجاب بأنه للكمال: (لا اعتكاف إلا بصيام) أي: لا اعتكاف كامل الأجر والثواب إلا بالصيام؛ لأن صاحبه يكون فيه على أبلغ صفات الطاعة، فقد جمع بين عبادة البدن الظاهرة وعبادة البدن الباطنة بالجوع والظمأ والحبس عن الشهوة. ويدل النظر على صحة هذا القول -الذي هو: حمل (لا اعتكاف) على الكمال- أن الإنسان إذا صام ضاق مجرى الشيطان منه، والاعتكاف المقصود منه المبالغة في الطاعة وحضور القلب في العبادة، ولذلك نهي المعتكف عن الخروج إلا من حاجة، فقالوا: إن هذا يدل على أن المراد باشتراط الصيام في الاعتكاف هو الكمال، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (لا اعتكاف إلا بالمساجد الثلاثة) فإن المراد به أكمل الاعتكاف وأعظم الأجر فيه؛ لأن الصلاة في هذه المساجد أعظم أجراً من غيرها، وإنما حمل على الكمال لعموم قوله تعالى: {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة:187] فالمقصود أن هذا كله محمول على الكمال لا على نفي الصحة، وبناءً على ذلك فلا يشترط الصوم على أصح الأقوال. أما الأكل والشرب داخل المساجد فإن العلماء رحمهم الله قد فصلوا في ذلك، فقالوا: لا حرج على الإنسان أن يأكل ويشرب في المسجد؛ لأنه ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه اعتكف وما خرج لطعام ولا شراب) وهذا في حديث عائشة رضي الله عنها ما خرج إلا لحاجة فقط -وهي البول والغائط- وكان يمر على المريض فلا يعرج عليه، وهذا يدل على أن المعتكف يجوز له أن يأكل ويشرب في المسجد، ولا حرج عليه ولكن بشرط ألا يضر بالمسجد وألا يؤذي المصلين، وأن يكون الطعام الذي يدخله لا تنبعث منه الروائح الكريهة، فيتسبب في أذية المصلين بتغيير رائحة المسجد، فإذا كان الأكل والشرب للمعتكف فلا حرج، أما لغير المعتكفين فالأكمل ألا يأكل في المسجد؛ لأن الله تعالى يقول: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36] فمن رفعتها وإكرامها وإجلالها أن تجعل للعبادة فقط، قال عليه الصلاة والسلام: (إن المساجد لم تبنَ لهذا)، وأراد كلام الدنيا ومن باب أولى الطعام؛ لأنه لا يسلم من وجود بعض الضرر من رائحة الأطعمة وأذية المصلين بها. ولذلك الأكمل والأفضل عدم الأكل والشرب في المسجد، أما لو أكل وشرب بالشروط التي ذكرناها فلا حرج، فلو منع من إدخالها إلى المسجد؛ فإنه يصح المنع لمصلحة عامة، وذلك أن الناس إذا استخفوا وتساهلوا فيشرع زجرهم، وخاصة في المساجد التي تجمع عدداً كبيراً من الناس، كالمساجد الثلاثة. إذاً: لابد أن يكون الأكل في المسجد محدوداً ومضبوطاً بحدود وضوابط معينة لا يكون فيها ضرر بالمصلين ولا بالمعتكفين، فإذا منع من ذلك فإنه لا يجوز تهريب الطعام إلى داخل المسجد. وأنا أرى أن دخول بعض الأطعمة كالخضروات والبقول ونحوها المطبوخة فيها أذية للمسجد، فإنك تجد أثر ذلك في المسجد، فإذا كانت المساجد مكتظة بالناس، فإنها تحتاج إلى فترة حتى يذهب ريح تلك الأطعمة. وقد رأيت بعيني في أيام العيد الصبيان يطئون التمر بأقدامهم، أي: أنه ينتشر بالمسجد، فبعض الناس -أصلحهم الله- يتساهلون في الانضباط، فإذا عمّت البلوى واحتيج إلى صيانة المساجد فلاشك أن هذا أمر مطلوب، خاصة في الحال الذي يحصل فيه الحرج والضيق، وأنتم تعرفون أن بعض المساجد يحصل فيها ضيق بالعامة والخاصة، فينبغي على الإنسان أن يتحسب، وإلا فالأفضل للمعتكف أن يقتصر على الأسودين: الماء والتمر، وخاصة في البلد الحرام الذي أكرمه الله عز وجل بماء زمزم الذي هو (طعام طعم وشفاء سقم) فيشدد على أهل مكة أكثر من غيرهم؛ لأن عندهم: (طعام طعم وشفاء سقم) وأبو ذر جلس أربعين يوماً لا يطعم إلا من زمزم. فالمقصود: أن إدخال الأطعمة فيه ضرر للناس والأفضل الانضباط ما أمكن، والله تعالى أعلم.
حكم ائتمام النساء بالرجال مع عدم رؤيتهم
حكم ائتمام النساء بالرجال مع عدم رؤيتهم Q هل يشترط أن يرى النساء المأمومين والإمام أثناء الصلاة المفروضة وفي النوافل كالتراويح مثلاً؟ A الأصل: أن يرين؛ لأن الأحاديث الصحيحة تدل على هذا، ولذلك نهي النساء أن يرفعن رءوسهن قبل الرجال؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا ربما سجد الرجل منهم فبانت عورته؛ لأنهم ما كانوا يجدون الأُزر إلا ما يستر حد الضرورة بسبب ضيق العيش الذي كانوا فيه، فهذا مصعب بن عمير خرج من الدنيا وعليه شملة واحدة هي زاده من الدنيا كلها، إن غطوا بها رأسه بدت قدماه، وإن غطوا قدميه بدا رأسه، فقال صلى الله عليه وسلم: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر) فهذا يدل على أنهن كنَّ يرين الإمام والمصلين. وفي زماننا لو حصل سهو للإمام أو خطأ فربما لم ينتبه النساء لذلك الخطأ والسهو إذا لم يكن يرين، لذلك يشرع رؤيتهن للإمام؛ لأنه الأصل في المتابعة، فيحتاط بموضع ولو لامرأة واحدة حتى ترى من خلاله الإمام، وإلا اختلت صلاتهن، مثال ذلك: لو أن الإمام سها وقام ولم يجلس للتشهد الأول، فإن النساء سيجلسن، وقد وقع هذا كثيراً، وأذكر أنني ذات مرة صليت بقوم التراويح فلما سلمت سجدت سجدتي السهو البعدية، فقال لي أحد الإخوان بعدما خرجنا: قالت إحدى نسائه: من هو الميت الذي صليتم عليه صلاة الغائب؟ نعم والله؛ لأنها سمعت أربع تكبيرات بتسليمة، لكن فاتتها التسليمة الثانية، فربما ظنت أنها السنة. فالمقصود: أن عدم الرؤية مدعاة للخطأ، فيحتاط بوضع مكان تكون فيه امرأة كبيرة في السن أو أمينة، ولاشك أن فساد الناس في هذا الزمن يقتضي الستر لهن، لكن لابد من تحقيق أصول الشرع، فيحتاط ولو بنافذة أو بمكان مخصص ترى امرأة واحدة منه ولو بعض الأمور، ولو مأموماً واحداً لأنه يدل على أفعال الإمام، وبهذا يحصل الاحتياط. وهناك قول ثانٍ: أنه لا تشترط الرؤية، واحتجوا له بحديث أم المؤمنين في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. لكن الأصل المعتبر هو الرؤية، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الهدي من بعده في مسجده صلوات الله وسلامه عليه.
حكم خروج الدم من الصائم عمدا وبغير عمد
حكم خروج الدم من الصائم عمداً وبغير عمد Q هل خروج الدم الكثير يفسد الصوم، وما الحكم إذا تعمد إخراجه؟ A خروج الدم فيه تفصيل: فبعض العلماء يرى أنه إذا كان من الحجامة ففيه قولان مشهوران: أصحهما: أن الحجامة لا تفطر الصائم، وسيأتي -إن شاء الله- بيان هذه المسألة بأدلتها والجواب عن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم). وبناءً على هذا القول فإن خروج الدم لا يوجب الفطر، ويتخرج من القول الذي يرى أن الحجامة تفطر أنه إذا خرج الدم الكثير برعاف أو بنزيف أو بجرح فإن الصيام يبطل، ويجب القضاء، وسيأتي -إن شاء الله- بيان ذلك، فقد ثبت بالحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم) فدل على أن الحجامة لا توجب الفطر، وللبيهقي رحمه الله بحث نفيس في هذه المسألة، بين فيه المرويات وأن حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) كان في أول الإسلام ثم نسخ. وعلى العموم: ثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتجام دليل على أنه لا يفطر، وقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) محمول على أنه عرض نفسه للفطر، فإن الحاجم لا يأمن من دخول الدم أثناء سحب الدم، والمحجوم لا يأمن الفطر من الضعف، وهذا تعرفه العرب، فإن العرب يعبرون بالوقوع في الشيء إذا تعاطى الإنسان أسبابه، يقولون للرجل: هلكت! وهو لم يهلك بعد، أي: أنك على شفا الهلاك. ويقولون له: أصبحت! كما في الحديث الصحيح: (أصبحت أصبحت) أي: أنك على وشك الإصباح، فهذا يعرف في لغة العرب ولا يعتبر موجباً للفطر -على ما ذكرناه- لثبوت السنة بعدم الفطر فيه، والله تعالى أعلم.
أفضلية صلاة المرأة في بيتها
أفضلية صلاة المرأة في بيتها Q إذا كانت المرأة متحجبة حجاباً كاملاً، وتريد أن تصلي التراويح في حرم الله، وهي تعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن المرأة صلاتها في بيتها خير من المسجد، ولعلها لو صلت في بيتها لا تدرك ذلك الأجر، فما العمل؟ A فإن صلاة المرأة في بيتها وفي مخدع بيتها أفضل من صلاتها حتى في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والمسجد الحرام، وذلك لأمور: منها: بعدها عن الفتن، وكذلك سلامة غيرها من الفتنة، فقد تكون المرأة صالحة وغيرها غير صالح، فإذا رآها فتن بها، ولو لم يكن إلا رؤية الناس للمرأة لكفى بذلك فتنة، حتى ولو كانت متحجبة، فإن المرأة إذا مرت بالرجل انبعثت به غريزته وتحرك الشيطان عليه بالوساوس، ولو كانت في أكمل حجابها، فإن الأسلم لها والأعظم أجراً لها أن تصلي في مخدعها. ومن أعظم النعم على نساء المؤمنين امتثالهن لأمر الله جل وعلا، فإن الله جل وعلا أمر النساء بلزوم القرار بأقوى الصيغ في الأمر فقال سبحانه وتعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب:33] ثم لم يقف الخطاب عند هذا بل قال: {وَلا تَبَرَّجْنَ} [الأحزاب:33] فجاء بصيغة الأمر بالشيء والنهي عن ضده، وهذا من أبلغ ما يكون، فحينما تقول للرجل: اجلس ولا تقم! فإنك تكون قد أكدت عليه وألزمته وفرضت عليه الجلوس أكثر مما لو قلت له: اجلس، فإن قولك: اجلس، إلزام، لكن كونك تقول له بعد ذلك: ولا تقم، أي: امكث ولا تتحرك، فهذا أبلغ في الإلزام. ثم جاء الخطاب بصيغة الأمر وبصيغة النهي مقروناً بالتنفير، فلم يقل: ولا تبرجن، بل قال: {تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} [الأحزاب:33] فجاء بتلك الصورة الممقوتة، كأنه يقول: إن عدتن إلى التبرج عدتن إلى الجاهلية الأولى، فسلامة الأمة وسلامة أمة الله جل وعلا وسلامة دينها أن تبقى في بيتها. ولتجرب المرأة، فما مكثت الشهر والشهرين في بيتها لا تخرج ولا ترى الرجال ولا يراها الرجال إلا وجدت لذلك أثراً في نفسها ودينها، ولو خرجت من بيتها -ولو لحلق العلم والدرس والمحاضرات- إلا وجدت نقصاً، ولا نقول: يطعن في دينها، لكن لابد أن تجد نقصاً في الكمال. إذاً: كمال المرأة وسلامتها وخيريتها في عدم رؤية الرجال وألا يراها الرجال، مهما كانت المرأة صالحة، فقد يمر بها الشاب المفتون، وقد يمر بها الشاب الذي رؤيته فتنة، فمن يسلمها؟! والله عز وجل أعطاها نعمة العافية، فإذا عافى المرأة وألزمها القرار كان ذلك من أعظم نعم الله عليها. والمرأة الملتزمة التي هي في كمال التزامها لا ترتاح إلا في بيتها، فالمرأة التي لا تعرف إلا بيتها اعلم أنها امرأة صالحة وصاحبة خير، ولذلك قالت فاطمة رضي الله عنها وأرضاها: (خير للمرأة ألا ترى الرجال ولا يراها الرجال) ويروى مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالمقصود: أن سلامة المرأة وأعظم الخير لها في عدم رؤية الرجال لها وعدم رؤيتها للرجال، فإن قيل: إنها صالحة، فغيرها غير صالح، وإن كانت صالحة فإنها مهما بلغت المرأة من الصلاح فهناك فتن لا تقوى القلوب عليها إلا برحمة من الله جل وعلا، خاصة في هذه الأزمنة، فأوصي النساء ما أمكنهن أن يمكثن في القرار، ومع هذا أوصي الرجل الصالح والزوج الصالح أنه إذا رأى امرأته تحب أن تصلي في المسجد الحرام، وهو يعرف ديانتها وخيرها أن يعينها على الخير، فلا يُشَدد ولا يُضَيق عليهن، ولكن نحن نقول للنساء: الأفضل أن يمكثن في بيوتهن، فإذا أرادت أمة الله أن تخرج وتريد الخير، فوسع لها رحمك الله، فإن النساء الصالحات في هذا الزمان لهن حق كبير على الأزواج، فالمرأة الصالحة في هذا الزمان -زوجة أو بنتاً أو أماً- تكرم ولا تهان، وتعز ولا تذل، وترفع ولا توضع، امرأة حياتها بين أربعة جدران، انظر لو مر عليك شهر وأنت بين أربعة جدران كيف يكون حالك؟! ولا يوجد عندها ملهٍ ولا مسلٍ، وهي بعيدة عن الفتن، ذاكرة شاكرة، فمثل هذه إذا قالت لك: إنها تريد أن تخرج للخير، فأحسن الظن بها. وبعض الإخوان الأخيار يسيء معاملة النساء، فإذا علمت أن أخاك يضيق على أهله فذكره بالله، وخاصة النساء الصالحات الملتزمات الخيرات، فينبغي التوسيع عليهن ولكن في حدود الشرع؛ لأن المرأة الصالحة إذا منعت من الخروج تسلط الشيطان عليها فقال لها: زوجكِ يسيء الظن بك، وقد يكون هدفك صالحاً ونيتك صالحة، ولكن من لك في القلوب التي هي منفذ ومدخل للشيطان، فإذا أرادت أن تخرج إلى مسجد أو إلى محاضرة أو إلى ندوة فذكرها بالأفضل، فإن أصرت فلا تمنعها، ولك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فبعد أن فرغ من حجه قالت له أم المؤمنين عائشة: (أيرجع الناس بحج وعمرة وأرجع بحج؟ فقال لها: طوافك بالبيت وسعيك بين الصفا والمروة كافيك لحج وعمرة) فأصرت عليه، وفي الرواية: (أنه كان لا يرد سائلاً سأله) صلوات الله وسلامه عليه، فكان كريماً لأهله، فجعلها تخرج ثم تذهب إلى التنعيم ثم ترجع إلى الطواف وتطوف وتسعى ثم تلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى كرم خلقه صلوات الله وسلامه عليه! فأنت دلها على الأفضل؛ لأن بعض الزوجات يشكون من أزواجهن الأخيار، بأنهم يشددون في مثل هذه الأمور، فإن أرادت امرأتك فضيلة فأعنها؛ لأنها تريد طاعة الله ومحبته، فاستوصوا بهن خيراً، ورحم الله الزوج الكريم البر المحسن لزوجته الذي يخرج من هذه الدنيا وقد أحسن إليها ولم يسئ، فأحسن إليها بحسن الظن بها، وبالمعونة لها على الخير، ودائماً أنزل نفسك منزلتها في مكوثها في هذا القرار الذي تكون فيه بعيدة عن الملهيات، وغيرها من النساء في الفتن والشهوات والملهيات فلا يشعرن بالوقت، وكم يعذبن أزواجهن! وهذه أمة صالحة أنعم الله بها عليك فأحسن إليها بارك الله فيك، ووسع عليها وأدخل السرور عليها حتى في الجلوس معها، والتوسعة عليها إذا طلبت بعض الأمور المباحات بحدود وقدر، وإذا كتب الله للإنسان التوفيق فلاشك أنه على خير في حاله ومع أهله ومع الناس، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل، والله تعالى أعلم.
النفع المتعدي خير من النفع القاصر
النفع المتعدي خير من النفع القاصر Q فضيلة الشيخ أنا إمام مسجد في إحدى القرى وفيها من الجهل ما الله به عليم، كما أنه لا يوجد إمام للمسجد في التراويح إلا أنا وشخص آخر عامي لا يحسن القراءة، وأريد الاعتكاف في المسجد الحرام، فهل أبقى في القرية أم لا؟ A على العموم: النفع المتعدي أفضل من النفع القاصر، والأفضل أن للإنسان في مثل هذه الحالة أن يبقى مع الناس فيكتب له أجر المسجد الحرام بالنية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم وادياً، ولا قطعتم شعباً؛ إلا كانوا معكم، إلا شركوكم الأجر قالوا: كيف وهم بالمدينة؟ قال: حبسهم العذر) فهذا عذر شرعي. ولذلك أرى أن تبقى مع أهلك ومع أهل قريتك، وأن تنوي في قلبك أنه لولا وجود هذا الواجب لذهبت إلى المسجد الحرام وأعتكف فيه. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
باب السواك وسنن الوضوء [2]
شرح زاد المستقنع - باب السواك وسنن الوضوء [2] للوضوء سنن كثيرة منها: السواك، ويتأكد استعماله عند القيام من النوم، وعند القيام إلى الصلاة، وعند تغير رائحة الفم بطعام أو غيره، ومن سنن الوضوء كذلك غسل الكفين، والمضمضة والاستنشاق، والتثنية والتثليث في غسل الأعضاء، وكذلك أخذ ماء جديد للأذن.
أحكام السواك
أحكام السواك بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته أجمعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين. أما بعد:
الأدلة على عدم وجوب السواك
الأدلة على عدم وجوب السواك قال المصنف رحمه الله تعالى: [مسنون كل وقت إلا لصائم بعد الزوال]. هذه الجملة مراد المصنف بها أن يبين حكم السواك فقال رحمه الله: (مسنون) ومراده بذلك: أنه ليس بواجب ولا بلازم. وقال بعض العلماء -كما تقدم في المجلس الماضي-: إن السواك واجب, ولكن هذا القول يعتبر مرجوحاً؛ وذلك لمعارضته للسنة الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة). فهذا الحديث يدل على أن السواك ليس بواجب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع من إيجابه على الأمة خوف المشقة عليهم, ولذلك يعتبر القول بالوجوب مرجوحاً من هذا الوجه. ويعتبر السواك مسنوناً لا واجباً ولا لازماً, بمعنى: أن الإنسان يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. (مسنون) أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم سنّه بقوله وفعله، أما بقوله: فكما تقدم في حديث أبي هريرة وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البخاري معلقاً بالجزم: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) فهذا الثناء من النبي صلى الله عليه وسلم على السواك يدل على أنه سنة. وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه أكد السواك وندب إليه حتى قال في الحديث الصحيح: (أكثرت عليكم في السواك) وهذا يدل على حبه صلوات الله وسلامه عليه وحرصه على هذه الخصلة المحمودة، وقد جاء كذلك عنه عليه الصلاة والسلام أنه رغب في السواك في آخر حياته وهو في مرض موته صلوات الله وسلامه عليه، ففي الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: (أن عبد الرحمن رضي الله عنه -أعني: أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعن أبيه- دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وفي يده سواك، قالت أم المؤمنين: فأبّده النبي صلى الله عليه وسلم بصره) وقد كان عليه الصلاة والسلام عفيفاً، لا يسأل الناس شيئاً، ولكن لفضل السواك وعظيم مكانته أبّده بصره، ففهمت رضي الله عنها وأرضاها حب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا السواك. فالسواك بالإجماع سنة إلا من خالف وقال بوجوبه, أي: يكاد يكون قول الجماهير، إلا أن بعض أهل الظاهر قالوا بالوجوب، والصحيح: أنه ليس بواجب.
حكم السواك بعد الزوال للصائم
حكم السواك بعد الزوال للصائم وقوله: (إلا لصائم بعد الزوال)، قوله: (لصائم) عام, فيشمل الصائم فرضاً, والصائم نفلاً، وهذا هو أحد قولي العلماء رحمة الله عليهم، وهو قول موجود في مذهب الحنابلة والشافعية: أن السواك لا يستحب بعد الزوال، واحتجوا لذلك بأدلة: أولها: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك) ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم امتدح الخلوف، وأخبر أنه أطيب عند الله من ريح المسك، قالوا: فلو قلنا بمشروعية السواك في هذا الوقت -أعني: بعد الزوال- لأذهب فضل الخلوف وهو مقصود في العبادة بذاتها، فلا تشرع إزالته بالسواك، كما لا تشرع إزالة دم الشهيد بالغسل إذا قتل في المعركة, وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد أن يلفوا في ثيابهم وأن يكفنوا فيها دون أن يغسلوا رضوان الله عليهم أجمعين. فقالوا: لا تشرع إزالة أثر الصيام كما لا يشرع إزالة أثر الشهادة بجامع أن الخلوف ودم الشهيد كل منهما أثر لعبادة شرعية. وحاصل أدلتهم أحاديث ضعيفة احتجوا بها, وأقوى ما استدلوا به: أولاً: السنة في قوله: (لخلوف فم الصائم). وثانياً: القياس، حيث قاسوا خلوف فم الصائم على دم الشهيد، فقالوا بعدم مشروعية إزالة هذا الأثر، كما لا تشرع إزالة ذلك الأثر. وأصح القولين -والعلم عند الله- القول بمشروعية السواك، وذلك على العموم ولو كان للصائم بعد الزوال، وذلك لما يلي: أولاً: لعموم الأدلة في فضل السواك، قال صلى الله عليه وسلم: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) ولم يقل: إلا بعد الزوال، وقد قال لـ لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فلم يستثنِ صلى الله عليه وسلم السواك، وأمر بالسواك يوم الجمعة، وأكثر فيه عليه الصلاة والسلام ولم يقل: إلا أن يكون صائماً. وكما هو معلوم عند الجميع أن رمضان لا يخلو من جمع, ومعلوم أن الإنسان لا يمضي للجمعة غالباً إلا ما يقارب الزوال, وبناء على هذا كله فإن الذي يترجح هو القول بسنية السواك مطلقاً ولو كان للصائم بعد الزوال. أما الجواب عن أدلة من قال بالمنع أو بكراهيته بعد الزوال: أولاً: استدلالهم بقوله: (لخلوف فم الصائم) نقول: جوابه أن الخلوف ناشئ من المعدة, وليس من نتن الفم، فإن الخلوف بخار يتصاعد من جوف الإنسان لا من فمه، وأما السواك فإنه يذهب أثر الفم وليس أثر الجوف, وهذا معلوم ومدرك ومشاهد بالحس أن السواك لا يؤثر على فضل الخلوف الذي ينشأ عن الجوف، وبناء على ذلك: يكون قوله: (لخلوف فم الصائم) غير دال على المنع من السواك بعد الزوال. ثم الأمر الثاني: أن قولهم: إنه أثر فضلة عبادة لا تشرع إزالته, نقول: إن الذي يزيله السواك هو وسخ الأسنان الذي أمر الشرع بتطهيره، كما أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) وبهذا كله يترجح القول بأن السواك يشرع ولو للصائم بعد الزوال؛ لعموم الأدلة الثابتة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: [بعد الزوال]. (الزوال) كما هو معلوم مأخوذ من زال الشيء إذا تحرك, والزوال يكون بعد انتصاف الشمس في كبد السماء، فمن سنة الله عز وجل الكونية أن الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، فإذا بلغت منتصف النهار وصارت في كبد السماء وقفت لحظة، وهذه اللحظة لا يتحرك فيها الظل لا إلى جهة المشرق ولا إلى جهة المغرب، وهي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (حين يقوم قائم الظهيرة) أي: يقوم الظل فلا يتحرك, فإذا وقف الظل هذه اللحظة وهي من أربع دقائق إلى خمس دقائق تقريباً، تبدأ الشمس بعد ذلك بالتحرك إلى جهة الغروب، فإذا تحركت تحرك الظل إلى جهة المشرق بعد أن كان في جهة المغرب؛ لأن الشمس تشرق من المشرق فيكون الظل في المغرب, فإذا انتصفت في كبد السماء وقف الظل ثم إذا تحركت إلى المغرب تحرك الظل إلى جهة المشرق, ولذلك يقولون: زالت, أي: تحركت, فهذا هو الزوال، وهو الدلوك ودحض الشمس, وهو الدلوك الذي عناه الله بقوله: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78] والدحض الذي عناه أبو بردة رضي الله عنه بقوله: (كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس)، فالمقصود: أن الزوال تحرك ظل الشمس إلى المشرق.
أوقات يتأكد فيها استعمال السواك
أوقات يتأكد فيها استعمال السواك قال رحمه الله تعالى: [متأكد عند صلاة وانتباه وتغير فم].
السواك عند الصلاة
السواك عند الصلاة (متأكد) أي: هذه السنة النبوية -أعني: السواك- يتأكد فعلها (عند صلاة) لثبوت النص: (لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة) وهنا للعلماء وجهان: قال الجمهور: يشرع قبل الصلاة أن يستاك الإنسان ولو كان في المسجد. وقال طائفة من العلماء -وهو مذهب بعض المالكية- بكراهية السواك عند الصلاة مباشرة, وحملوا الحديث: (عند كل صلاة) على أن المراد به عند الوضوء، كما في الرواية الأخرى، وقالوا: إننا لو قلنا: إن الإنسان يستاك عند الصلاة لحصلت محاذير: أولها: أنه ربما جرح اللثة؛ لأن السواك لا يؤمن أن يكون ناشفاً، فيجرح اللثة أو يدميها فيسيل الدم, والدم نجس وهو قول الجماهير. الأمر الثاني: أن الإنسان إذا استاك عند الصلاة، إما أن يتفل في المسجد وهذا ممنوع عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البصاق في المسجد خطيئة) وإما أن يبلع الوسخ والقذر الذي أخرجه السواك من أسنانه، فيكون منظفاً لظاهره ومفسداً لباطنه بدخول هذه الفضلة إلى الباطن وربما أضرت بالجسد، قالوا: فلا يشرع فعلها عند الصلاة مباشرة، والصحيح: أنه يشرع، أما ما ذكروه من إدماء اللثة فإنه يحتاط بالسواك الرطب, وكذلك أيضاً يحتاط بإجراء السواك على العظم دون اللثة إذا كان السواك ناشفاً. وأما ما ذكروه من البصاق في المسجد فليس على كل حال، فبإمكان الإنسان أن يبصق في منديل أو في ثوبه، أو إذا كان المسجد غير مفروش بصق تحت قدمه اليسرى ثم دفن بصاقه، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيمن يبصق في المسجد: (فلا يبصق عن يمينه فيؤذي بها الذي عن يمينه, ولا يبصق عن شماله فيؤذي الذي عن شماله, ولكن عن يساره تحت قدمه) هذه هي السنة إذا كان المسجد غير مفروش, أما إذا كان مفروشاً فإنه يبصق في منديل ونحو ذلك, (متأكد عند صلاة) من الأدلة على تأكده عند الصلاة: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن أبيه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك) يشوص: بمعنى: يدلك، شاصه وماصه إذا دلكه, وهذا الحديث يدل على مشروعية السواك عند الصلاة سواء كانت فريضة أو كانت نافلة. وورد في حديث ولكن تكلم العلماء في سنده في فضل السواك عند الصلاة وأنها أفضل من سبعين صلاة بدون سواك، ولكنه حديث ضعيف، وقال بعض العلماء: إنه يستحب عند الصلاة لمكان دنو الملك من قراءة القارئ للقرآن، حتى ورد في الخبر أنه يدني إلى فم القارئ لفضل قارئ القرآن، ولذلك قالوا: يستحب للإنسان أن يحرص على نظافة فمه بالسواك.
السواك عند القيام من النوم
السواك عند القيام من النوم قال رحمه الله تعالى: [وانتباه] أي: انتباه من النوم؛ لأن أم المؤمنين رضي الله عنها ذكرت أنها كانت تعد للنبي صلى الله عليه وسلم سواكه وطهوره, فيبعثه الله من الليل ما شاء, ولذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا قام يشوص فاه بالسواك كما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه في الصحيحين: (كان إذا قام من الليل يشوص فاه) قال بعض العلماء: هذا يتضمن السواك على الوجهين: عند الصلاة؛ لأنه قائم من أجل الصلاة, وعند الانتباه من النوم لأنه لما انتبه من النوم؛ تغيرت رائحة فمه فشرع له أن يزيل تلك الرائحة بالسواك.
السواك عند تغير الفم
السواك عند تغير الفم قال رحمه الله: [وتغير فم] قالوا: حديث حذيفة دل على مشروعية السواك عند الانتباه من النوم, فيكون بلفظه دليلاً على السنية عند الانتباه من النوم، ويكون بمعناه دليلاً على أن السنة أن يستاك عند تغير رائحة الفم, فيكون الحديث فيه لفظ ومعنى. أما لفظه: فيدل على سنية السواك في هذا الوقت. وأما معناه: فهو العلة؛ لأنهم قالوا: ما فعل ذلك عند قيامه من النوم إلا لأن النوم يغير رائحة الفم, فيستنبط من ذلك أنه يشرع عند تغير رائحة الفم. وتتغير رائحة الفم على أوجه: منها: الطعام وخاصة إذا كانت له زهومة, ومنها: أن تتغير رائحة الفم بنوم, أو تتغير بطول صمت, أو بجوع, أو بشدة ظمأ فكل ذلك يشرع فيه أن يستاك الإنسان, وكذلك إذا أكل الإنسان شيئاً له رائحة فيستحب له أن يزيلها بالسواك.
كيفية الاستياك
كيفية الاستياك قال رحمه الله: [ويستاك عرضاً] وفيه الحديث: (استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً) وهو حديث ضعيف. والاستياك عرضاً للعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: المراد بالعرض أن يأخذ من طرف فمه الأيمن إلى طرف فمه الأيسر, فيبدأ باليمين إلى اليسار, فيكون استياكه على عرض السن. وقيل: العرض عرض الفم وذلك يكون بطول السن، أي: في ذلك وجهان: إما أن تقول: العرض عرض الفم فيكون الاستياك بطول الأسنان, وإما أن تقول: العرض عرض الأسنان فيكون الاستياك بطول الفم، فعرض الأسنان طول الفم وطول الأسنان عرض الفم, وهما وجهان في تفسير هذا الحديث. فمنهم من يقول: (استاكوا عرضاً) أي: أنه يأخذ من طرف فمه الأيمن إلى طرف فمه الأيسر، على الصفة المشهورة، وقيل: (استاكوا عرضاً) أي: أن يأخذ كل سن على حده فيبدأ بشقه الأيمن؛ لأن المراد بأن يستاكوا عرضاً أن يبالغ في تنظيفها, فإذا أخذ كل سن على حدة، فيكون العرض هو عرض الفم لا عرض السن، فيستاك على طول السن الذي هو عرض الفم قالوا: إن هذا أبلغ في تطهير وتنظيف الأسنان وهو المقصود من السواك. والصحيح: أن صفة السواك يشرع فيها فقط في السنية التيامن, أن يكون بالتيامن، أي: يبدأ بشقه اليمين، أما الصفة والطريقة التي يزيل بها فهذا موسع فيه, والإنسان فيه مخير، إن شاء أخذ بعرض الفم وطول الأسنان أو بطول الفم وعرض الأسنان، فالحال يختلف، وبناء على ذلك: ليس فيه سنة معينة غير البداءة بالشق الأيمن. وقوله: [مبتدئاً بجانب فمه الأيمن] لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في كل شيء: في طهوره، وتنعله، وترجله وفي شأنه كله) ونص العلماء على أن السنة أن يبدأ بالشق الأيمن وينتهي بشقه الأيسر، ويكون السواك على هذه الصفة مسنوناً لما فيه من التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.
حكم ترجيل الشعر ودهنه
حكم ترجيل الشعر ودهنه قال رحمه الله: [ويدهن غباً]. الادهان يكون للشعر، ويشمل ذلك شعر الرأس وشعر اللحية، وهذا كما قلنا أورده المصنف لأن الحديث قال: (استاكوا عرضاً، وادهنوا غباً، واكتحلوا وتراً) ولذلك أدخل هذه الجزئية في باب السواك وراعى هذا تأدباً مع الحديث, وهذا منهج الفقهاء أنهم يذكرون الشيء بما قاربه تأسياً بآية أو حديث، فذكر أحكام الادهان. والسنة أن الإنسان يدهن شعر رأسه وشعر لحيته إذا أمكنه ذلك, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يرجل شعره, والدليل على مشروعية ذلك: حديث أم المؤمنين وقولها: (وترجله) أي: ترجيله لشعره, ولذلك قالوا: يسن. قال بعض العلماء: ترجيل الشعر أن يدهن الشعر ثم يسرحه, فالترجيل في مذهب بعض العلماء أن يجمع بين تسريح الشعر مع وجود الدهن. وقال بعض العلماء: الترجيل هو مطلق التسريح بغض النظر عن كونه بدهن أو بدون دهن. ومن سماحة الشريعة أنه يشرع للإنسان أن يضع الدهن في شعر رأسه ولحيته، وذلك على الوسط فلا يترك الشعر أشعث أغبر, ولا يبالغ في الادهان والتسريح، بل يكون وسطاً أما كونه لا يتركه شعثاً فحتى لا يتشبه بأهل الرهبنة وأهل البدع والأهواء الذين هم غلاة أهل الطرق والذين يبالغون في التزهد والتقشف، فلا يتشبه بهم. وكذلك أيضاً لا يتشبه بمن يتأنث ويبالغ في تجميل نفسه, بل يكون وسطاً، وهذا هو القوام الذي جعل الله عز وجل شريعة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، بلا إجحاف ولا غلو، وهو العدل الذي أمر الله به في كتابه وجعله هدي رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن الأدلة على أنه لا يداوم على الترجيل: حديث النسائي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة أن يمتشطوا كل يوم) ولذلك ينبغي للإنسان -إذا كان ولابد- أن يمتشط يوماً ويترك يوماً، وهذا أبلغ في الرجولة وأبلغ في الفحولة مع الاعتدال دون غلو ودون إسراف أو إجحاف، ولذلك يشرع تسريح الشعر وتسريح اللحية، ولكن ينبغي أن يكون التسريح على غير مشابهة لأهل الخنا والفجور, وإنما يكون على قصد القربة والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم في إكرام الشعر. السنة أنه إذا ادهن أن يبدأ بشقه الأيمن, فيضع الزيت على لحيه الأيمن, وكذلك شق شعره الأيمن, ثم يبدأ بتسريح شعر رأسه ولحيته، وكذلك الحال بالنسبة لشقه الأيسر بعد أن يفرغ من شقه الأيمن.
الاكتحال وكيفيته
الاكتحال وكيفيته (ويكتحل وتراً) لما تقدم في الحديث وقلنا: إنه ضعيف, والاكتحال أن يضع الكحل في العين, والكحل لا حرج فيه, وقد جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عليكم بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) والإثمد هو: الحجر الأسود، وهذا هو المحفوظ في لغة العرب, وفيه شاهد: خارجي من سواد الإثمد. وكذلك نبه عليه غير واحد، ومنهم: الإمام ابن مفلح رحمة الله عليه في الآداب الشرعية أنه الحجر الأسود، وهو أقوى وأنفع وأبلغ في تنظيف العين وقوة البصر, ويليه الحجر إذا وضع معه شيء من الحديد بصفة يعرفها الأطباء. وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الحجر لما فيه من العلة التي ذكرها من أنه يجلو البصر وينبت الشعر، أي: يجلو بصر الإنسان فينظف العين ويجعل فيها حدة, وكذلك ينبت الشعر. (فيكتحل وتراً) للعلماء في معناه وجهان: قال بعض العلماء: يبدأ بعينه اليمنى فيضع فيها المرود ثم ينتقل إلى اليسرى، ثم يرجع إلى اليمنى ثم يكحل اليسرى, ثم يرجع إلى اليمنى ثم يكحل اليسرى، وقال بعض العلماء: بل إنه يبدأ باليمنى حتى ينتهي من تثليثها، ثم ينتقل إلى اليسرى ويثلثها، والأمر واسع، فإن شاء فعل هذا، وإن شاء فعل هذا والناس متفاوتون, فقد يكون من المشقة على الإنسان أن يأخذ المرود باليمنى ثم يقلبه لليسرى، لكن يستحب الإيتار لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله وتر يحب الوتر) وقال بعض العلماء: إن في هذا الحديث استحباب الوتر مطلقاً, لعموم قوله: (إن الله وتر يحب الوتر)، أي: جنس الوتر بغض النظر عن كونه في عبادة أو شأن آخر.
حكم التسمية قبل الوضوء
حكم التسمية قبل الوضوء قال رحمه الله: [وتجب التسمية في الوضوء]. بعد أن فرغ رحمه الله من بيان السواك وأحكامه شرع في بيان واجبات الوضوء فقال رحمه الله: (وتجب) الواجب مأخوذ من قولهم: وجب إذا سقط, ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: سقطت واستقرت على الأرض. ومنه ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا وجبت الشمس) بمعنى: سقطت وغاب قرصها، فالواجب في اللغة يطلق بمعنى: الساقط، ويطلق بمعنى: اللازم، تقول: هذا واجب عليك بمعنى: أنه لازم وحتم, ومنه قول الشاعر: أطاعت بنو عوف أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب أي: أول لازم عليهم أن يفعلوه. ومراد الشرع بالواجب: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فإذا قال العلماء: هذا واجب, أي: أنه يلزم المكلف أن يقوم به, فإن فعل ذلك أثيب وإن تركه فإنه يعاقب. (وتجب التسمية) أي: من أراد أن يتوضأ فإنه يجب عليه أن يسمي, وهذا هو أحد قولي العلماء في هذه المسألة, وهي مسألة التسمية عند الوضوء، فقال بعض العلماء -وهو اختيار بعض المحدثين-: تجب التسمية للوضوء؛ لظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (لا وضوء لمن لم يسمِّ)، وهذا الحديث اختلف العلماء في إسناده، والجماهير على أنه ضعيف، وقد قال الإمام أحمد: لا يثبت فيه شيء، أي: لا يثبت في التسمية شيء، وإن كان القول بتحسينه له وجه, وقد اختار بعض المتقدمين وبعض العلماء المتأخرين أن حديث التسمية حسن.
أدلة عدم وجوب التسمية في الوضوء
أدلة عدم وجوب التسمية في الوضوء يبقى الإشكال في مذهب الجمهور, فإنهم يرون أن التسمية ليست بواجبة، وعندهم أدلة: أولاً: دليل الكتاب, وثانياً: دليل السنة, ولهم جواب عن هذا الحديث. أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ولم يأمر بالتسمية، ولو كانت واجبة لأوجبها، كما قال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118] وقوله: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] فلم يأمر بالتسمية في الوضوء في كتابه, وجاءت السنة تؤكد هذا بقوله عليه الصلاة والسلام للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) فلو كانت التسمية واجبة لذكرها الله عز وجل. الدليل الثاني من السنة: حديث عثمان وعبد الله بن زيد -رضي الله عن الجميع- في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك حديث علي، فإنه لم يذكر واحد منهم التسمية, ولو كانت واجبة لما تركها النبي صلى الله عليه وسلم ولسمّى قبل وضوئه حتى تسمع تسميته وتنقل؛ لأنه في معرض البيان، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من توضأ نحو وضوئي هذا) الحديث. وبناء على ذلك: قالوا: إن هذه السنة تدل على عدم وجوب التسمية، أما حديث: (لا وضوء لمن لم يسمِّ) فأجابوا عنه سنداً ومتناً, أما سنداً: فالضعف الذي فيه, وكذلك أيضاً من وجه السند أنه معارض بما هو أصح منه, فإنه حسن، والحديث الذي لم يذكر التسمية في الصحيحين بل من أعلى الصحيحين، والحسن إذا تعارض مع الصحيح سقط اعتباره, كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء بقوله في الحديث الحسن: وهو -أي: الحديث الحسن- في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح أي: أن الحديث الحسن يحتج به, ولكن إذا عارض الصحيح فإنه يسقط الاحتجاج به، هذا من جهة السند. أما من جهة المتن فقوله: (لا وضوء لمن لم يسمِّ) نفي مسلط على الحقيقة الشرعية، وهي مسألة أصولية معروفة بقولهم: إذا تسلط النفي على الحقيقة الشرعية هل يحمل على الصحة أو على الكمال؟ وجهان: فإذا انتفى حمله على الصحة وجب حمله على الكمال, فإذا كان حمله على الصحة يعارض النصوص فيجب صرفه إلى الكمال. وما معنى هذه القاعدة؟ النفي بقوله: (لا) مسلط على الحقيقة الشرعية -وهي الوضوء- فهل يحمل على الصحة أو يحمل على الكمال؟ قلنا: يحمل على الصحة ما لم يتعارض مع الدليل، فيجب صرفه إلى الكمال، فيكون هذا النفي بسبب معارضته للأحاديث الأخرى محمولاً على نفي الكمال, أي: لا وضوء كامل لمن لم يسمِّ، أو لمن لم يذكر اسم الله عليه كما في الرواية الثانية, وبهذا يجمع بين النصوص وتكون التسمية مستحبة لا واجبة. ومع هذا ينبغي للمسلم أن يحتاط وأن يأخذ بالأكمل، فإن أولى الناس بقبول عمله الصالح هو من كان أقرب إلى الكمال باتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وينبغي على طلاب العلم دائماً أن يأخذوا بأحوط الأقوال لما في ذلك من الأخذ بالكمالات, ولما فيه من بالغ تقوى الله عز وجل وحب الخير والحرص عليه, فيحرص الإنسان على ذكر اسم الله عز وجل.
صيغة التسمية عند الوضوء
صيغة التسمية عند الوضوء يبقى النظر (التسمية): التسمية تفعيلة من اسم الله, فما هي التسمية؟ التسمية الكاملة هي: (بسم الله الرحمن الرحيم) ولكنها هنا: باسم الله, فيقف عند قوله باسم الله, ويكون معتبراً؛ لأن قوله: (لمن لم يذكر اسم الله)، أن المراد به اسم الله فقط, بدليل أن الله قال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121] وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (باسم الله). وبناءً على ذلك: فإن التسمية تكون باسم الله, واختلف العلماء هل يحل غير لفظ الجلالة محله، كأن يقول: باسم الرحمن, أو باسم الرحيم, أو باسم الملك, أو باسم القدوس, أو باسم العزيز؟ الصحيح: أنه ينبغي الاقتصار في الأذكار على الوارد دون تغيير ولا تبديل ولا يجتهد فيها, فكما قال: (لمن لم يذكر اسم الله) فإنه يؤتى باسم الله ولفظ الجلالة؛ وذلك لشرف هذا الاسم وفضله على سائر الأسماء وقد قال بعض العلماء في قوله تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم:65] قيل: هل بمعنى: (لا)، أي: لا تعلم له سمياً, قيل: أي: اسم الله، فإن اسم الله لم يتسم به أحد, وهذا لشرفه، حتى قال طائفة من العلماء: إنه هو الاسم الأعظم الذي إذا سأل العبد به ربه حاجة خالصة من قلبه استجاب دعاءه؛ ولذلك يقتصر على هذا الاسم بعينه وهو قوله: باسم الله، ولا يؤذن في قول: باسم الرحيم ولا باسم الرحمن. أما قوله: (في الوضوء) ليست الظرفية على ظاهرها، أي: ليس مراده في داخل الوضوء, وإنما قوله: (يجب التسمية في الوضوء) بمعنى: أن يبتدئ عبادة الوضوء، بذكر اسم الله عز وجل. وقال بعض العلماء: تذكر التسمية عند أول فرض, فإن كان مستيقظاً من نومه كانت اليد، فيقولها قبل غسل الكفين, وإن كان مستيقظاً -يعني: أثناء النهار- قالوا: يسمي الله عز وجل عند المضمضة والاستنشاق على القول بوجوبها, أو عند غسل الوجه على القول بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق, والأكمل أن الإنسان يسمي عند ابتداء الوضوء.
حكم ترك التسمية نسيانا
حكم ترك التسمية نسياناً قال رحمه الله: [مع الذكر]. أي: أنها تسقط عند النسيان، فلا يطالب الإنسان بإعادتها, وقال بعض العلماء: إنه إذا لم يذكر اسم الله جل وعلا وجب عليه الرجوع وإعادة الوضوء. فعلى القول الذي اختاره المصنف أنها واجبة, ولكن ليست شرطاً في صحة الوضوء, وعلى قول إسحاق وبعض أهل الحديث أنها شرط في صحة الوضوء ويلزمه أن يعود إلى ابتداء الوضوء ويسمي من جديد.
حكم الختان للرجال والنساء
حكم الختان للرجال والنساء قال رحمه الله تعالى: [ويجب الختان]. الختان: مصدر ختن يختن ختاناً، وهو خاتن، وفلان مختون. والختان بالنسبة للرجال: إزالة أعلى حشفة الجلد التي على رأس الذكر. وأما بالنسبة للنساء: فهي إزالة أعلى الجلدة التي على الفرج، وشبهها العلماء رحمهم الله بعرف الديك بياناً لمحل الفرض والواجب على القول بوجوبه على النساء. والختان مكرمة وسنة جليلة, وأول من اختتن إبراهيم إمام الحنيفية، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اختتن وهو ابن ثمانين سنة امتثالاً لأمر الله عز وجل، ولذلك عُد هذا من ابتلاء الله واختباره له، فإن الختان مع تقدم السن وكبرها لا شك أن فيه أمراً شديداً ومشقة عظيمة، ولكنه امتثل أمر الله؛ ولذلك قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس قال في تفسير قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة:124] أصل التقدير ابتلى رب إبراهيم إبراهيم بكلمات فأتمهن, وذكر منها: الختان، أنه ابتلاه وهو في كبر سنه فاختتن عليه الصلاة والسلام.
مشروعية الختان
مشروعية الختان والختان شرعه الله للرجال لما فيه من إزالة هذا الموضع الذي تكمن فيه النجاسة, ولذلك إذا أزاله كان ذلك أبلغ في الطهارة والنقاء والبعد عن الدنس, والدين دين طهارة حساً ومعنىً, كما قال تعالى: {وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة:6] فهذه من الطهارة، وطهر الله عز وجل المؤمنين حساً ومعنىً وشرفهم بهذه الطهارة {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} [التوبة:108]. فشرع هذا الختان طهارة للرجل, وكذلك تخفيفاً من الشهوة في المرأة, فإن المرأة إذا تركت على حالها اشتدت شهوتها, ولذلك كما ذكر شيخ الإسلام رحمة الله عليه يقول: يوجد في نساء الكفار من الشدة لطلب الفساد والحرام ما لا يوجد في نساء المؤمنين، وذلك لمحل الختان. وجعل الله في الختان مصلحة الدين والدنيا, فلذلك يحصل به العفة للمرأة والرجل, وتحصل به العفة للمرأة والطهارة للرجل، ولذلك المرأة إذا اجتثت هذه الجلدة ذهبت شهوتها كما يقول الأطباء والحكماء من المتقدمين والمتأخرين، وإذا تركت اشتدت غلمتها, ولذلك ورد في حديث ابن عطية كما أشار إليه الإمام ابن القيم في التحفة: (أشمي ولا تنهكي) والاشمام يكون من أعلى الشيء، والإنهاك اجتثاثه من أصله، وهو حديث متكلم في سنده, ولكن معناه صحيح عند العلماء، أن الخاتنة ينبغي عليها ألا تأخذ الجلدة بكاملها ولا تستأصلها؛ لأنه استئصال للشهوة وذهاب لها، وكذلك أيضاً لا تترك الجلدة, فشرع الله هذا لما فيه من اعتدال الشهوة للمرأة. كذلك يختن الرجل لطهارته ونقائه, والغريب أنهم وجدوا أن من الحكم والفوائد التي تترتب على الختان أنه قلّ أن يصاب المختتن بسرطان القضيب, وهذا معروف عند الأطباء، وهذا من رحمة الله عز وجل، وإنما يعرف السرطان -والعياذ بالله- الذي يصيب العضو لمن لم يختتن, وذكر بعض الأطباء -وهذا من معجزاته عليه الصلاة والسلام وفضائل السنة النبوية التي جاءت عنه عليه الصلاة والسلام ومنها: الختان- أنه يوجد نسبة 1% من المختتنين ممن يصاب بسرطان القضيب. ومن القصص الغريبة التي تحكى للاتعاظ والاعتبار حدثني بها بعض الأطباء: أنه كان في بعض البلاد الإسلامية، وكان معهم طبيب نصراني, وكان تخصص هذا المسلم مع النصراني في المسالك البولية, فكان يهزأ هذا النصراني من الختان ويستخف به كثيراً, حتى أراد الله عز وجل أنه ابتلي -والعياذ بالله- بسرطان القضيب، وحصل له ما حصل من أذية هذا البلاء بسبب استهزائه وسخريته من هذه الشعيرة التي سنها النبي صلى الله عليه وسلم. الختان يشرع للرجال وللنساء والصحيح: وجوبه على الاثنين، وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس من الفطرة) وذكر الختان دون أن يفرق بين الرجال والنساء؛ لأن المرأة تحتاج إليه طلباً للعفة, والعفة مطلوبة وواجبة, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ ولما كان اعتدال شهوة المرأة يحصل به مقصود الشرع كان الختان من هذا الوجه أقرب للوجوب منه للاستحباب والندب. وينبغي أن ينبه على تساهل كثير من الآباء ومنعهم بعض النساء من الختان وهذا لا ينبغي بل ينبغي إحياء هذه الشعيرة بين النساء وذلك لما ذكرناه من الحكم والفوائد، وقد ذهب طائفة من العلماء رحمهم الله إلى وجوبه على الجميع. وأما ما ورد من حديث ابن كليب: (أن الختان واجب للرجال ومكرمة للنساء) فهو حديث ضعيف, والصحيح أنه للرجال والنساء, وفيه ما ذكرناه من الحكم, ويجب على المسلم إذا قارب البلوغ والأفضل أن يختن الذكر صبياً وتختن الانثى صبية, وينبغي على كل من الخاتن والخاتنة مراعاة حدود الله في الختان، فلا يجوز ويحرم كما نبه الإمام ابن قدامة في المغني في الجزء السادس عند كلامه على الإجارة: يحرم على الخاتن أن يختن إلا إذا كان بصيراً بالختان, عارفاً له. وإذا ختن غير عارف وتجاوز -أو ختن وهو عالم- وتجاوز حدود الختان فإنه يضمن ويأثم شرعاً، أما ضمانه إذا لم يكن عالماً فلقوله عليه الصلاة والسلام في حديث السنن: (من تطبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن) وأجمع العلماء على أنه يأثم، وإذا قصد الإضرار فإنه يقتص منه ولو كان طبيباً, لقوله تعالى: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:45] فيختن كلاً من الرجال والنساء وتراعى حدود الله عز وجل من عدم ختن الرجال للنساء إذا وجد النساء, وعدم النظر إلى العورة أكثر من الوقت المحتاج إليه, وعدم الزيادة على الحد المعتبر في الختان. قال رحمه الله تعالى: [ما لم يخف على نفسه]. ككبير السن, الشيخ الهرم، أو يكون هناك التهابات أو أمراض بحيث لو اختتن زادت عليه واستفحل شرها فيرخص له في ترك الختان.
حكم القزع
حكم القزع قال رحمه الله: [ويكره القزع]. القزع: هو حلق بعض الشعر وترك بعضه, والقزع نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، واختلف العلماء في المراد منه, فقال بعض العلماء: أن يحلق وسط الرأس, وقال بعضهم: أن يحلق أطرافه، كأن يحلق الشق الأيمن والأيسر والقفا ويبقي وسطه، كما هو شأن أهل الفساد وصنيع السفلة الرعاع، نسأل الله السلامة والعافية. وقيل: أن يحلق نصف الرأس ويترك نصفه, وقيل: أن يحلق مقدمه ويترك مؤخره أو العكس, ولكن لا مانع من اعتبار هذه الصور كلها؛ لأنه يحتملها النص, والأصل: أنه إذا احتمل النص وجوهاً متعددة ولم يرد الشرع تقييد وجه منها أن تبقى دلالته على العموم.
علة تحريم القزع
علة تحريم القزع وللعلماء في تعليل تحريم القزع وجوه: قال بعض العلماء: لأنه مشابهة لليهود، فقد كان اليهود يحلقون بعض الشعر ويتركون بعضه. وقال بعضهم: إن فيه ظلماً للإنسان لنفسه، والله أمر الإنسان بالعدل حتى مع نفسه, وتوضيح ذلك: أنه إذا حلق شقه الأيمن وترك شقه الأيسر ظلم شقه الأيمن إذا كان الزمان برداً، وظلم شقه الأيسر إذا كان الزمان حاراً؛ ولذلك نهي أن ينتعل بإحدى رجليه ويترك الأخرى لأنه ظلم للرجل التي لم تنتعل, وأيضاً نهي عن الجلوس بين الشمس والظل؛ لأنه إذا كان الزمن صيفاً ظلم النصف الذي في الشمس, وإذا كان الزمن شتاء ظلم النصف الذي في الظل، فلذلك قالوا: نهي عن القزع لئلا يكون الإنسان ظالماً حتى مع نفسه, والصحيح: أن كل هذه علل وفيه ظلم وفيه تشبه بأهل الفساد. ومن يقصر أطراف الشعر ويجعل الشعر كثيفاً في منتصف الرأس فإنه يشمله هذا؛ لأن فيه تشبهاً بأهل الفساد, وقد أشار إلى ذلك بعض العلماء رحمة الله عليهم، وكنا نعهد مشايخنا رحمة الله عليهم من الأولين أنهم كانوا يشددون في تخفيف الشعر بعضه دون بعضه وكانوا يعدون ذلك من القزع, وقالوا: إما أن يخفف كله أو يحلق كله، وهذا هو الأصل الذي عليه العمل عند أهل العلم؛ أن السنة في الرأس أن يحلق كله أو يخفف كله، لا أن يفعل ببعضه ويترك بعضه لما فيه من مشابهة أهل الفساد. وإذا كان القزع حراماً حرم للحلاق أن يفعله بالغير، فإن فعل أثم؛ لأنه معين على الإثم والعدوان, وحرمت الإجارة وحرم الثمن، يعني: المال الذي يدفع في مقابل ذلك الشيء ويعتبر حراماً، وهذا على الأصل المقر: أن الإجارة على المحرم محرمة.
سنن الوضوء
سنن الوضوء قال رحمه الله تعالى: [ومن سنن الوضوء السواك]. يقول رحمه الله: (ومن سنن الوضوء) السنة: أصلها الطريقة، وسن الشيء: إذا شرعه، والمراد بها: من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في عبادة الوضوء, والمراد بالسنة: ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه. ويشمل ذلك السنن القولية والفعلية والتقريرية, أي: التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلها أو فعلت وأقرها, فكل ذلك يوصف بكونه سنة ولا يطلب من المكلف طلب إلزام. (من سنن الوضوء) يعني: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي ينبغي للمكلف ويستحب للمكلف أن يحرص عليه ويحافظ عليه. وهنا أنبه على أمور: أولاً: أن بعض طلاب العلم يفهم من السنن أنها أمور سهلة ويسيرة؛ فيتساهل في تركها, وكم سمعنا من بعض المنتسبين للعلم من يقول: هذا سنة لا حرج فيه! فإذا جاءه السائل قال له: هذه سنة وخفف من أمرها، ولا حرج أن يبين له عند الحكم إذا ظن السائل وجوبها أن تقول له: سنة لا حرج, لكن الحرج أن يستخف بالسنن ويعتبر قول العلماء: إنه سنة طريقاً للترك, فأخذ بعض طلاب العلم أنه إذا قيل: سنة، يعني: أنه يترك ولا حرج في تركه, لكن أهل الفضل والكمال وأقرب الناس للخير وأحبهم إلى الله وأقربهم نجاة وسلامة وعلو شأن في دينه من كان محافظاً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وقال أبو بكر صديق هذه الأمة رضي الله عنه وأرضاه: (والله لا يبلغني شيء من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه إلا فعلته, إني أخاف إن تركت شيئاً من هديه أن أضل) ولذلك ينبغي للإنسان الموفق دائماً في أي عبادة أن يسأل عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم ويحرص على تطبيقه، وأخشع الناس في العبادة، وأكثرهم توفيقاً لها وأكثرهم شعوراً بلذتها وحصولاً لثوابها وثمرتها وحسن عاقبتها هو أكثرهم متابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك طريقه طريق إلى الجنة, وسبيله سبيل الرحمة: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158] فمن اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وحرص على اقتفاء أثره والسير على نهجه فهو أقرب الناس إلى الخير. وكان العلماء رحمهم الله يقولون: إن أقرب الناس لقبول العبادة من كان موفقاً في إصابة السنة فيها، فأي عبادة تسمعها أو تعلمها وتريد أن تطبقها فاسأل كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها، وقد كان السلف الصالح رحمة الله عليهم -مع جلالة علمهم وعلو قدرهم- كانوا يجلسون مع الصحابة ويسألون عن كيفية فعل النبي صلى الله عليه وسلم لكثير من الأعمال، وربما سألوا عن أوضح الأشياء، قال أحدهم: شهدت عمر بن الحسن سأل عبد الله بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ للصلاة؟ سبحان الله! الوضوء الذي كان يعرفه صغار التابعين قبل كبارهم، فيدخل هذا العالم الجليل على هذا الصحابي ويقول له: كيف كان يتوضأ عليه الصلاة والسلام؟ فكانوا يحبون السنة ويحبون التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. فينبغي أن يعلم أن قوله: (ومن سنن) أنه ليس المراد به أن نتساهل ونترك, وإنما المراد الدلالة حتى نعلم ونعمل بها وندعو إليها, علماً وعملاً، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا من هداتها ودعاتها.
السواك سنة من سنن الوضوء
السواك سنة من سنن الوضوء قال رحمه الله: [السواك] من السنن التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم عند الوضوء: السواك، والحديث التي تقدمت الإشارة إليه: (عند كل وضوء) ولذلك قالوا: قبل أن يتوضأ يستاك.
حكم غسل الكفين عند ابتداء الوضوء
حكم غسل الكفين عند ابتداء الوضوء قال رحمه الله: [وغسل الكفين ثلاثاً]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان عن عثمان , وحديث علي بن أبي طالب وعبد الله بن زيد: (أنه استفتح وضوءه فغسل كفيه ثلاثاً) قال بعض العلماء: إنما حافظ النبي صلى الله عليه وسلم على غسل الكفين ثلاثاً؛ لأن الكفين آلة الوضوء وهي التي تنقل الماء؛ فينبغي أن تكون على نقاء وطهارة حتى يكون ذلك أدعى لوصول المقصود من الوضوء. وقوله: [ويجب من نوم ليل ناقض لوضوء]. غسل الكفين على حالتين: إما أن يكون للمستيقظ من النوم, وإما أن يكون لغير المستيقظ من النوم, فإن كان الإنسان مستيقظاً من نوم سواء كان نوم ليل أو نهار فإنه يجب عليه غسلهما ثلاثاً؛ لظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فدل هذا الحديث الصحيح على أنه يجب على من استيقظ من النوم أن يغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء، أما إذا كان لغير المستيقظ من النوم كأن يكون الإنسان قد بقي مستيقظاً من بعد الفجر إلى صلاة الظهر, وحضرت عليه صلاة الظهر وأراد أن يتوضأ، فلا تخلو كفاه من أحوال: الحالة الأولى: أن يتيقن نجاستها، فيجب عليه أن يغسلها قبل أن يتوضأ. الحالة الثانية: أن يتيقن طهارتها أو يشك في الطهارة, فإن تيقن الطهارة فإنه يسن له غسلها ولا يجب, وإن شك في طهارتها استحب له غسل الكفين كذلك ولا يجب. فإذاً: هنا ثلاث حالات: إن تيقن نجاسة الكفين وجب الغسل، وإن تيقن الطهارة سن الغسل، وإن شك في الطهارة استحب الغسل؛ لأن اليقين طهارتها والشك نجاستها، فيلغى الشك ويبقى على اليقين, هذا بالنسبة لغسل الكفين والكفان مثنى كف، وضابط الكف: من أطراف الأصابع إلى الزندين، وهما العظمان البارزان عند طرف الكف، وسمي الكف كفاً لأنه تكف به الأشياء.
البدء بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء
البدء بالمضمضة والاستنشاق في الوضوء قال رحمه الله تعالى: [والبداءة بمضمضة]. أي: يسن البداءة بالمضمضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن غسل كفيه تمضمض واستنشق ثلاثاً، والمضمضة مأخوذة من قولهم: مضمضت الحية إذا تحركت في جحرها، فأصل المضمضة: التحريك, ولذلك قالوا: يتفرع على قولنا إن المضمضة هي التحريك مسألة لطيفة وهي: لو أن إنساناً أدخل الماء في فمه ثم ألقاه مباشرة هل يعتبر متمضمضاً؟ على القول بأن المضمضة هي التحريك لا يكون متمضمضاً ومصيباً للسنة إلا إذا حرك الماء في فمه. ثم اختلفوا: هل المضمضة مجرد تحريك الماء ولا يستلزم طرحه أو لابد من طرحه؟ وجهان: قال بعض العلماء: المضمضة التحريك والطرح, فلو مضمض ولم يطرح لم يكن متمضمضاً. توضيح ذلك: لو وضع الماء فحركه ثم شربه, فبناء على القول بأنه لابد من طرح فلا يكون متمضمضاً, وعلى القول بأنه لا يلزم الطرح يكون متمضمضاً. قال رحمه الله: [ثم استنشاق]. الاستنشاق من النشق, والنشق: جذب الشيء بالنفس إلى أعلى الخياشيم, ومنه: النشوق، ويكون عن طريق الأنف, والاستنشاق سمي بذلك لأن الإنسان يجذب الماء إلى أعلى الخياشيم بالنفس, وهي سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم التي حافظ عليها ولم يتركها في الوضوء، صلوات الله وسلامه عليه. والسنة أن يجمع بين المضمضة والاستنشاق بكف واحدة, فيضع نصف الكف في الفم، ثم يرفع النصف الباقي للأنف، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما توضأ قسم كفه في حديث عبد الله بن زيد فمضمض واستنشق ثلاثاً من ثلاث غرفات, أي: أن كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق وهذا هي السنة. وقوله: [والمبالغة فيهما لغير صائم]. والمبالغة في المضمضة والمبالغة في الاستنشاق، المبالغة مفاعلة من بلغ الشيء يبلغه بلوغاً, إذا وصل غايته تقول: بلغت إذا وصلت الغاية, فقول المبالغة أي: أن الإنسان يصل غاية الاستنشاق وغاية المضمضة وذلك عن طريق المبالغة في جلب الماء بالنفس بالاستنشاق والمبالغة في الإدارة والتحريك في المضمضة. (لغير صائم) هذا الاستثناء لحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) وقد دل هذا الحديث على أنه لا يسن للإنسان أن يبالغ في استنشاقه, وهذا من باب التنبيه بالنظير على نظيره بالاستنشاق على الفم. وذكر الاستنشاق على أن الغالب في الاستنشاق ألا يتحكم الإنسان عند مبالغته بخلاف المضمضة فإن الغالب أنه يتحكم؛ فنبه بالاستنشاق وإلا فالمضمضة آخذة حكم الاستنشاق. وقوله: (وبالغ في الاستنشاق) فيه تنبيه على قاعدة وأصل عند العلماء: أنه لا يشرع تضييع الفرائض بالسنن, أو ارتكاب المحرمات لطلب السنن، وتوضيح ذلك: إذا بالغ في الاستنشاق فإنه ضيع الواجب وهو الصيام, وكذلك أيضاً لا يبالغ في إصابة سنة إذا كان ذلك سيؤدي للوقوع في محظور, كما لو كان على الحجر الأسود طيب، فإنه إذا بالغ وأصر على لمسه أو تقبيله في عمرته أو حجه فإنه سيصيب الطيب، وذلك تحصيل للسنة يؤدي للوقوع في محظور ولذلك قالوا: يتركه حتى يقبله الغير ثم يقبله من بعده, أو يلمسه الغير فيلمسه من بعده, ولا يضر الأثر وإنما يضره العين مع القصد, ولذلك لا ينبغي تفويت الواجب وارتكاب المحظور طلباً للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا نهى الصحابي أن يبالغ في الاستنشاق حتى لا يفوت الواجب تحصيلاً للسنة.
تخليل اللحية والأصابع
تخليل اللحية والأصابع قال رحمه الله: [وتخليل اللحية الكثيفة]. التخليل: تفعيل من الخلل، وخلل الشيء: أجزاؤه والمناسم التي فيه, تقول: رأيته من خلل الباب, أي: من المناسم الموجودة فيه وهي الفتحات الصغيرة, وقالوا: سمي التخليل تخليلاً؛ لأن الإنسان يوصل الماء إلى الشعر من خلاله أي: يخلل الماء بين الشعر, فيدخل الماء في خلل الشعر وفي خلل اللحية, وكذلك الأصابع؛ لأنه يدخل خنصره بين الأصابع، فقالوا: خَلَّل، كأن الأصابع شيء واحد وقد دخلت الخنصر في خلل ذلك الشيء. وتخليل اللحية فيه حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه, وقيل: لا يصح في التخليل شيء، وحسن بعض العلماء إسناد حديث التخليل. فاللحية إذا كانت كثيفة كثة تخلل؛ لأن الله أمر بغسل الوجه، فإذا كانت كثيفة فإن صاحبها يواجه الناس باللحية فكانت من الوجه فتخلل، أي: يجب إدخال الماء في خللها, وهذا على وجهين: إما أن يدخل الماء في خللها بالكف كما ورد في الحديث أنه أخذ كفاً من ماء وألقمه لحيته، وإما أن يكون بغسل الوجه حتى إذا بلغ لحيته خللها بإجراء الماء في المناسم بالأصابع، وكل منهما لا حرج فيه. قال رحمه الله: [والأصابع]. تخليل أصابع اليدين: هو أنه إذا كان الإنسان يريد أن يتوضأ فصب الماء لكي يغسل يده اليمنى فإنه يجعل كفه اليسرى عند المرفق، ثم إذا سكب الماء مر الماء على ظهر يده اليمنى حتى ينتهي إلى المرفق، فتجمع اليسرى الماء الذي نزل من اليد ثم يقلبه على اليمنى مخللاً. وقيل: أن يغسل اليد أولاً حتى إذا انتهى خلل كلاً منهما، والمراد: أن يتأكد من وصول الماء إلى الخلل، وشرع التخليل وفيه حديث عن المستورد بن شداد ولكن تكلم العلماء في سنده، وإن كان بعض العلماء يحسن إسناده، ولكن الضعف فيه من القوة بمكان، لكن يخلل الإنسان على هذه الصورة وذلك بإدخال أصابع اليسرى في اليمنى, وإدخال أصابع اليمنى في اليسرى على الظاهر. وكذلك أيضاً بالنسبة لتخليل القدمين، وذلك بالخنصر كما ورد في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام على القول بثبوته, وإلا فالأمر واسع، قال بعض العلماء في تخليل أصابع القدمين: أن يخللها بجميع الأصابع وقيل: بأصبع واحدة حتى يكون أبلغ في وصول الماء. والتخليل في الحقيقة ليس مراداً لذاته، وإنما المراد: هو أثره، وهو التأكد من وصول الماء إلى ما بين الأصابع؛ لأنه -كما هو معلوم- لو سكب الماء والأصابع ملتصقة ربما لم يتخلل، خاصة في القديم حيث كانوا يتوضئون بالأواني والماء قليل، فلذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يكفيه مغراف من الماء لوضوئه, وهذا يحتاج إلى نوع من التحري والتحفظ, ولذلك اعتبر التخليل واجباً إذا توقف وصول الماء للبشرة عليه, وليس وجوبه لذاته ولكن من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وإلى ذلك قد أشار بعض الفضلاء بقوله: خلل أصابع اليدين وشعر وجه إذا من تحته الجلد ظهر أي: (خلل أصابع اليدين وشعر وجه) وهو اللحية, (إذا من تحته الجلد ظهر) يعني: إذا كانت اللحية تبدو معها البشرة.
التيامن في الوضوء
التيامن في الوضوء قال رحمه الله: [والتيامن]. والتيامن: تفاعل من اليمين، وهي الجهة التي شرفها الشرع كما هو محفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك يكون في الأعضاء المثناة، ويشمل ذلك: اليدين والرجلين, فإنه يتيامن فيها، فيبدأ بغسل يده اليمنى قبل يده اليسرى, ورجله اليمنى قبل رجله اليسرى, ولكن لا يشرع التيامن في الأعضاء المنفردة، فلا يأتي إنسان ويأخذ الكف ويغسل شق وجهه الأيمن ثم يغسل شقه الأيسر؛ لأن هذا تنطع وتكلف في العبادة، وقد كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل وجهه غسلاً واحداً ويمسح رأسه مسحة واحدة, فمن فعل ذلك فإنه يعتبر مبتدعاً؛ لأن ذلك لو كان له فضل لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، فيشرع التيامن في الأعضاء المثناة كاليدين والرجلين, وأما بالنسبة للوجه والرأس فإنه لا يشرع فيها التيامن. فقال: رحمه الله: (التيامن) والتيامن سنة، وبناء على ذلك: لو أن إنساناً غسل يده اليسرى قبل يده اليمنى فوضوءه صحيح، لكنه فوت الأكمل والأفضل، والدليل على صحته أن الله عز وجل يقول في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6] فأمر بغسل اليد مطلقاً، ومن غسل اليسرى قبل اليمنى فقد امتثل ما أمر الله به، غير أنه فوت الفضيلة بتقديم اليسار على اليمين.
مسح الأذنين بماء جديد
مسح الأذنين بماء جديد قال رحمه الله: [وأخذ ماء جديد للأذنين]. في حديث عبد الله عند الترمذي وفيه ابن لهيعة، والترمذي يحسن روايته. (وأخذ ماء جديد) أي: أن الإنسان يمسح رأسه مقبلاً مدبراً, ثم يأخذ ماء جديداً لأذنيه, بأن يأخذ كفاً ثم يجعلها لأذنيه ويمسح بها أذنيه على الصفة التي وردت في الحديث بأن يجعل إبهامه خلف الأذن ثم السبابة في داخل الأذن ويمرها على ما ثم.
غسل كل عضو مرتين أو ثلاثا
غسل كل عضو مرتين أو ثلاثاً قال رحمه الله: [والغسلة الثانية والثالثة]. أي: ليست بواجبة إنما هي سنة, والدليل على عدم وجوبها: أن الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] والغسل يتحقق بالمرة، فمن غسل مرة فقد امتثل، وكذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عثمان أنه توضأ مرة مرة, ومرتين مرتين, وثلاثاً ثلاثاً, فدل على أنه لا تجب التثنية ولا يجب التثليث, وأن الغسلة الثانية والثالثة سنة وليست بواجبة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الاستياك باليد اليسرى
حكم الاستياك باليد اليسرى Q هل يستاك باليد اليمنى أم باليد اليسرى؟ وهل من السنة وضع السواك بين الأصابع؟ A باسم الله, والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد اختلف العلماء رحمهم الله في السواك, فمنهم من يقول: يجعله باليسرى؛ لأنه إزالة قذر، فلا ينبغي أن تليه اليمنى على الأصل المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه جعل يمينه لما فيه شرف, ويسراه لما فيه قذر ونحو ذلك؛ قالوا: فلذلك يستحب له أن يستاك بيسراه. وقال بعض العلماء: يستاك بما شاء, إن شاء باليمين وإن شاء باليسار, ولا يعتبر السواك باليسار سنة، وهذا هو الصحيح؛ لأن إزالة الأذى إن وليت اليد الإزالة مباشرة كانت باليسرى, وإن كانت بحائل فإنه لا حرج في اليمنى, وتوضيح ذلك: أنه إذا استاك باليمنى فإن الذي يلي القذر هو السواك وليست اليد, فلا غضاضة, ودليلنا على أن إزالة الأذى باليمين بدون مباشرتها الأذى لا يقدح في فضل اليمين: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يمسك الإنسان ذكره بيمينه, وأن يستجمر بيمينه، قالوا: إنه لابد أن يمسك الحجر باليمين, فدل على أنه إذا وجد الفاصل الذي هو المزيل بين المحل الذي يراد تنظيفه واليمين التي تلي التنظيف فإنه لا حرج ولا غضاضة. ومن الأدلة أيضاً: أن الناس يختلفون، فربما لو استاك بيساره أدمى لثته وجرح نفسه, وربما أنه لا ينقي كما لو استاك بيمينه, ولذلك قالوا: إنه يترك الناس على التخيير، وهذا هو الأقوى، ولكن مع هذا إذا تأول الإنسان السنة واستحب أن يجعل سواكه بيسراه فإنه يثاب إن شاء الله، ولا حرج عليه.
حكم الاستياك للاستيقاظ من نوم النهار
حكم الاستياك للاستيقاظ من نوم النهار Q هل يستاك من قام من نوم النهار؟ A من قام من نوم النهار فإنه في حكم القائم من نوم الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام من نوم الليل استاك, والمعنى واحد في نوم الليل ونوم النهار, والقاعدة: أنه إذا اختلف الزمان واتحدت العلة فلا تأثير في اختلاف الزمان, فالزمان هو: ليل ونهار والعلة: هي الإنقاء, فلذلك يطلب من الإنسان أن ينقي الفم عند وجود نتن الفم الناشئ عن النوم، وهذا موجود في نوم النهار كنوم الليل، فيشرع للإنسان أن يستاك من نوم النهار كما يشرع له أن يستاك من نوم الليل، والله أعلم.
حكم التكحل بالإثمد وغيره
حكم التكحل بالإثمد وغيره Q هل يعتبر التكحل بالإثمد سنة، وهل التكحل بغيره سنة أم لا؟ A الاكتحال بالإثمد سنة, ولا حرج في الإنسان أن يكتحل، ولكن كره بعض السلف أن يصبح وفي عينيه كحل؛ لأنه ربما يكون فيه تشبه ببعض أهل الفساد, ولكن ليس هناك دليل يدل على تحريم ذلك, والنبي صلى الله عليه وسلم نص على الاكتحال فقال: (عليكم بالإثمد) وهذا في صيغة الجمع (عليكم) كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} [المائدة:105] وهذا الشأن للرجال والنساء، وإذا كان الإنسان محتاجاً إلى الكحل في عينيه لضعف في البصر فإنه يشرع له على العموم، حتى ولو كان أمام الناس, ولا حرج في ذلك، وإن كان بعض السلف قد شدد فيه، إلا أن الأصل التوقيف في مثل هذا، أي: في نهي الناس عن الأمور التي وسع فيها الشرع، فيوقف على النص مادام أنه ليس هناك نص يمنع، فلا حرج أن يكتحل ولو أمام الناس. وأما كون بعض العادات تمقت ذلك أو تمنعه فإن العادات ليست شريعة ولا ديناً, وإنما يترك الشرع والحكم لله جل وعلا، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57] فالحكم لله جل وعلا, وليس للعادات ولا للتقاليد. فإذا أراد الإنسان أن يصيب السنة واكتحل وتأسى بقوله عليه الصلاة والسلام: (عليكم بالإثمد) فلا حرج عليه ولو كان أمام الناس, وإن أحب ألا يساء الظن به وأن يسلم من أذية الناس فلا حرج عليه, لكن أن يمنع الناس ويشدد عليهم، أو يستخف بمن يفعل ذلك فليس ثم دليل يدل على هذا التشديد أو هذا المنع. وقد ورد عن ابن عباس أنه اكتحل وسرح شعره في حضرة أصحابه وقال: (إني أحب أن يرى مني أهلي ما أحب أن أرى منهم) , وهذا كله يدل على سماحة الشريعة، وفيه أيضاً ترفع عن غلو أهل الزهد في زهدهم وتنطعهم في التشديد في مثل هذه الأمور التي فيها السماحة والرفق بالنفس.
حكم الإبر والمغذيات للصائم
حكم الإبر والمغذيات للصائم Q ما حكم أخذ الإبر التي في العضل أو في الوريد للصائم؟ وما حكم المغذيات أيضاً؟ A الذي أحفظه قول جمهور العلماء فيها أنه يستوي فيها المغذي وغير المغذي وأنها مفطرة، والعبرة بالوصول للجوف، والدليل على ذلك ما يلي: أولاً: هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: منهم من يقول: أعتبر المدخل ولا أعتبر صفة الدخول, يعني: العبرة عندي بالفم والأنف, فما جاء عن طريق الفم والأنف يفطر, وما جاء من عداهما لا يفطر, وصاحب هذا القول أشكل عليه حكم الإبر المغذية، فإنه حين يقول: العبرة عندي بالفم والأنف، فإن الإبر المغذية ينتفع بها الجسم ويرتفق بها كارتفاقه بالطعام الواصل من الحلق سواء كان عن طريق الأنف أو الفم. وقال بعض العلماء: نفرق -خروجاً من هذا الإشكال- بين الإبر المغذية والإبر غير المغذية، وهذا التفريق بدون دليل؛ لأنه إما أن يقول: إنني أعتبر الوصول إلى داخل الجسد بغض النظر عن كونه مغذياً أو غير مغذٍ، بدليل أن الفم الذي هو مدخل للطعام لو أدخل منه الدواء، لأفطر, كذلك الإبر إذا قلت: إن الدخول إلى البدن من سائر الأعضاء فيستوي في ذلك أن يكون مغذياً أو دواءً, كما أن الفم استوى فيه أن يكون مغذياً أو دواءً. ولذلك الذي عليه الجمهور والمنصوص عليه في فتاوى العلماء المتقدمين أنه يستوي الدخول إلى البدن أياً كان, فلو قال قائل: إن الإبر في العضل لا ينتفع بها كانتفاع الطعام والشراب، فنقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) فالإنسان عندما يستنشق وتذهب قطرة واحدة إلى حلقه فإنه يفطر إجماعاً, وهذه القطرة قد لا ينتفع بها الجسم, بل ربما أنها قبل أن تصل إلى الجسم تشربها الأمعاء بمجرد وصولها إلى الجدار كما هو معلوم طبياً, بل إنها لا تصل إلى الجوف أصلاً, وبناء على ذلك -وهو كلام جمهور العلماء- فإن العبرة بالوصول إلى الجوف سواءً كان مغذياً أو غير مغذٍ، وهذا هو الأقوى والأبرأ للذمة، بل إن بعض إبر العضل إذا ضربت وجد طعمها في الحلق, وهذا من أظهر الدلائل على انتفاع الجسم وارتفاقه. ففقه المسألة: إما أن نقول: العبرة بالفم ولا عبرة بغيره؛ فيستوي في ذلك الإبر المغذية وغير المغذية. وإما أن نقول: العبرة بالفم وبما وصل إلى الجوف بغض النظر عن كونه مغذياً أو غير مغذٍ كالحال في الفم، وهذا من ناحية أصولية أقوى وهو أسلم وأقوى من ناحية الاستنتاج، ومن أخذ هذه الإبر وتأول فيها قول من يقول: إنها لا تفطر؛ فلا حرج عليه؛ فإنه في هذه الحالة لا يعتبر مفطراً, ولكن الحقيقة أنه يفطر. وننبه على مسألة وهي أن البعض يقول: ليس هناك دليل على اعتبار ما يصل إلى الجوف عن غير طريق الفم والأنف أنه مفطر, والواقع أن هناك دليلاً، وهو حديث لقيط بن صبرة؛ لأن فقه المسألة: أن حديث لقيط بن صبرة فيه دلالة على اعتبار الوصول إلى الجوف بغض النظر عن طريق الوصول، توضيح ذلك: أن الأكل والشرب والمفطر الأصل فيه أنه يصل عن طريق الفم, قالوا: فنبه الشرع باعتبار ما يدخل من الأنف مفطراً على أن العبرة بالوصول إلى الجوف بغض النظر عن طريق الوصول؛ لأن الأنف ليس طريقاً لوصول الطعام إلا في حالات الاضطرار, فلو قال قائل: هو يكون طريقاً للتداوي، فنقول: إذاً: ما وصل إلى الجوف تداوياً يفطر. فأقول: من ناحية أصولية الأقوى أنها مفطرة, سواء كانت مغذية أو غير مغذية ومن قال: إنها لا تفطر إذا كانت في العضل ولم تكن مغذية فيلزمه أن يقول بأنها لا تفطر إذا كانت مغذية, وأما القول بالتفصيل بأنه يرتفق أو لا يرتفق فليس عندنا دليل في الشرع يقول: إن ما نفع الجسم غذاءً أفطر، وما ينفعه دواءً لا يفطر, بل إن الإجماع قائم على أن من تعاطى الدواء بالفم والأنف أنه يفطر، فيستوي في ذلك غير الفم من سائر المنافذ بداخل البدن, والله تعالى أعلم.
حكم خروج المذي من الصائم عند المداعبة
حكم خروج المذي من الصائم عند المداعبة Q ما حكم خروج السائل من المرأة أو المذي من الرجل أثناء المداعبة، وهل ذلك يضر بالصوم؟ A إذا كان مذياً -وهو الذي يخرج عند بداية الملاعبة والشهوة- فإنه لا يوجب الفطر على أصح أقوال العلماء، وهو قول الجمهور. وقال بعض العلماء: إنه يوجب الفطر, والصحيح: أن المذي لا يوجب الفطر؛ لأن الذين قالوا بأنه يوجب الفطر قاسوه على المني, وهذا القياس منتقض لأنه قياس مع الفارق, وهو أحد قوادح القياس الأربعة عشر, وتوضيح الفارق: أن المني كمال الشهوة, والمذي جزء الشهوة واللذة، ولذلك أوجب كمال الشهوة الفطر دون بعضها، فلو قال قائل: أنا أنقض بجزء الشهوة كما أنقض بكلها؛ رد عليه بأن النظر إلى المرأة بالشهوة لا يفطر إجماعاً, مع أن فيه لذة، فدلّ على أن جزء اللذة لا يوجب الفطر. فيقوي القول بأن خروج المذي لا يوجب الفطر، وأنه يصح الصوم ولو أمذى الإنسان، لكن كما يقول بعض العلماء: لا يؤمن أن ينقص أجر الإنسان؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي يرويه عن ربه: (فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب ولا يجهل) والرفث هو ما يكون عند النساء، ولذلك قالوا: ينبغي للإنسان أن يتحامى حتى يكون أكمل في صومه وأبلغ في طاعته لربه؛ لأن المراد ترويض النفس وتعويدها على الامتثال لأمر الله والبعد عن الشهوة، والله تعالى أعلم.
حكم اغتسال الصائم بعد الزوال وبلع الريق
حكم اغتسال الصائم بعد الزوال وبلع الريق Q ما حكم الاغتسال بعد الزوال للصائم، وما حكم بلع الريق القليل أو الكثير المتجمع؟ A أما بالنسبة لاغتسال الصائم فلا حرج فيه ولا مانع منه, وليس هناك دليل يمنع من الاغتسال للصائم لا قبل الزوال ولا بعده. وأما بالنسبة لبلع الريق فلا حرج فيه، ولا حرج على الإنسان أن يجمع ريقه ويبتلعه؛ لأنه مما يوسع الله فيه على العباد؛ ولأنه لو فتح باب عدم بلع الريق لوقع الناس في حرج ومشقة ووسوسة لا يعلمها إلا الله. وإنما الممتنع هو النخامة، وهي البلغم الذي يخرج من الصدر أو يسحبه الإنسان من أنفه إلى فمه, وأما بالنسبة للعاب والريق الذي يكون في الفم فلا حرج فيه ولا عتب على الإنسان أن يبلعه ولو جمعه، والله تعالى أعلم.
حكم مسح الوجه بعد الدعاء
حكم مسح الوجه بعد الدعاء Q ما حكم مسح الوجه بعد دعاء القنوت؟ A مسح الوجه بعد الدعاء فيه حديث عمر رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) , وهو حديث ضعيف الإسناد, وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إن مجموع طرقه تقويه حتى يرتقي إلى درجة الحسن، بمعنى: إلى درجة الثبوت. وبناءً على ذلك: لا ينكر على من مسح وجهه خارج الصلاة، أما داخل الصلاة فلا, ففي خارج الصلاة الصحيح: أنه لا يمسح؛ لضعف الحديث, لكن لو مسح شخص فلا ينكر عليه؛ لأنه قد يكون عاملاً بالحديث على قول من يعتد بتحسينه وتصحيحه، وهو الحافظ ابن حجر. وقد أجمع العلماء -رحمهم الله- على أن المكلف لو أخذ بتصحيح حديث أو تضعيف حديث من عالم يعتد بتصحيحه وتضعيفه فإنه يجزئه، كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء بقوله: واقبل لإطلاق بصحة السند أو حسنه إن كان ممن يعتمد أي: إذا كان من أهل العلم والفن الذين يعتمد تصحيحهم وتضعيفهم، والإمام الحافظ ابن حجر إمام في التصحيح والتضعيف, وبناء على ذلك: من مسح في خارج الصلاة فلا حرج عليه, وأما في داخل الصلاة فقد جاء في رفع اليدين في القنوت حديث أنس، ذكره الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج وحسنه، ولكن المسح زيادة عمل, والأصل: أن يسكن الإنسان في الصلاة لظاهر حديث مسلم: (اسكنوا في الصلاة) ولذلك لا يشرع المسح بها بعد الانتهاء من القنوت في الوتر، لكن لو مسح في خارج الصلاة وتأول حديث عمر فلا حرج عليه في ذلك، وإن كان الأولى والأقوى ألا يمسح، والله تعالى أعلم.
حكم قراءة القرآن من المصحف في التراويح
حكم قراءة القرآن من المصحف في التراويح Q هل تصح قراءة القرآن من المصحف في التراويح لمن لا يحفظ القرآن؟ A الأولى أن يتقدم الناس حافظ القرآن ويصلي بهم القيام أو التراويح, فإن لم يوجد وأراد الناس أن يصلوا بإمام يستطيع القراءة من المصحف فلا حرج, وهو فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حين أمرت خادمها أن يصلي بها أو يقوم بها في رمضان بالمصحف. ولذلك الفتوى عند أهل العلم على أنه لا حرج في إمساك المصحف والقراءة منه, حتى ولو كان الإنسان حافظاً وأراد أن تكون ختمته للقرآن في مأمن من الخطأ والخلل، أو كان يخشى في مواضع التشابه وأراد أن يجل القرآن من الخطأ، فهذا أكمل له وأعظم أجراً، ولا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم.
نصيحة بخصوص قدوم شهر رمضان
نصيحة بخصوص قدوم شهر رمضان Q هل من كلمة حول رمضان؛ فإن بعض الشباب يضيعون أوقاتهم في هذا الشهر الكريم فيما لا ينفع؟ A أقبل رمضان وهو شهر الرحمة والغفران, أقبل رمضان والله أعلم كم في جنباته من حلم وصفح ورحمة وغفران! أقبل شهر قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا دخل رمضان فتحت أبواب الرحمة) وهو شهر الخيرات والمنافسة في الطاعات, اختاره الله جل وعلا من بين الشهور فجعله شهر العبادة والرحمة, والتلاوة والتسبيح، والتهجد والتراويح، كم دخله من بعيد فقربه الله! وكم دخله من مسيئ مذنب فتاب الله عليه فيه! وكم لله فيه من نفحات! وكم لله فيه من رحمات ومغفرات! وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) وكم من صائم صام يومه وآذنته الشمس بالغروب, فغيبت معها الخطايا والذنوب. وهو الشهر الذي فضل الله قيامه، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) فطوبى لتلك الأحشاء التي ظمئت لوجه الله! وطوبى لتلك الأمعاء التي جاعت لوجه الله! وطوبى لتلك الأقدام التي انتصبت في جوف الليل بين يدي الله! وطوبى لتلك العيون التي سحت بالبكاء من خشية الله! هذا شهرها وهذا أوانها, ينادي منادي الله: يا باغي الخير! أقبل ويا باغي الشر! أقصر، تسلسل فيه الشياطين، وتفتح أبواب النفحات والرحمات من الله رب العالمين. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة) فما أعظمه من شهر! وما أجلها من غنيمة وذخر! وطوبى لمن خرج من رمضان فخرج عنه رمضان بصفح وغفران! وما يدريك فلعلك أن تخرج من ذنوبك منه كيوم ولدتك أمك. فنسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل لنا فيه أوفر حظ ونصيب, وأن يجعلنا ممن صام الشهر واستكمل الأجر وأدرك ليلة القدر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل لنا من هذا الشهر أوفر حظ ونصيب من كل رحمة ينزلها, ومن كل مغفرة يسبغها، ونسأله أن يسبغ علينا الرحمات وعلى جميع الأموات من المسلمين والمسلمات الذين لم يدركوه, وأن يجبر كسرهم، وأن يعظم أجرهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
باب فروض الوضوء وصفته [1]
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [1] اهتم الشارع الحكيم بتطهير المسلم ظاهراً وباطناً، حيث شرع الوضوء عند الصلاة، وهذا الوضوء طهارة حسية للظاهرة، وطهارة معنوية تكفر به السيئات، وهو يتم بغسل الأعضاء المأمور بغسلها من الوجه واليدين والرجلين ومسح الرأس، وهذه من منن الله التي امتن بها على عباده.
مشروعية الوضوء وتعريفه لغة وشرعا
مشروعية الوضوء وتعريفه لغةً وشرعاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ومن سار على نهجهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب فروض الوضوء وصفته]: الفروض: جمع فرض، والفرض يطلق بمعنى الحز والقطع، ومنه الفريضة: وهي النصيب الذي جعله الله عز وجل من تركة الميت للحي من بعده، سميت بذلك؛ لأن مال الميت يُقْتَطَع منه لكل وارث نصيبه، فقيل لها: فريضة. وأما في اصطلاح الشرع: فإن العلماء رحمهم الله إذا قالوا: هذا الأمرُ فرضٌ فإنهم يعنون به ما يثاب فاعله ويعاقَب تاركه، وقد تستعمل الفرائض بمعنى الواجبات، وهذا هو مذهب جمهور العلماء: أن الفرض والواجب في الشريعة معناهما واحد، خلافاً للحنفية رحمة الله عليهم، فإنهم يرون أن الفرض آكد من الواجب. والصحيح: أن الفريضة والواجب كل منهما بمعنى الآخر، وخص الحنفية رحمة الله عليهم الفريضة والفرض بما ثبت بدليل قطعي، أي: أنه ليس من الواجبات على العموم. والصحيح: أن ما ثبت من الواجبات بدليل قطعي أو بدليل ظني كله يوصف بكونه فرضاً وواجباً. يقول المصنف رحمه الله (باب فروض) جَمَعَ الفرائض؛ لأن الواجبات التي ألزم الشرعُ المكلفين بها في الوضوء متعددة، ففرض الله غسلَ الوجه، وفرض غسلَ اليدين إلى المرفقين، ومسحَ الرأس كله، وغسلَ الرجلين إلى الكعبين، فلما تعددت فرائض الوضوء وَصَفَها بالجمع فقال: (باب فروض الوضوء) والوضوء: مأخوذ من الوضاءة، وهي: الحسن والبهاء والجمال، وُصِف بذلك؛ لأن صاحبه يبيضُّ وجهُه في الدنيا والآخرة حساً ومعنىً: أما حساً: فلإزالة القذر من الوجه. وأما معنىً: فلأن صاحبَه يشرق وجهه، كما ثبت في الحديث الصحيح أن أمته عليه الصلاة والسلام: (يدعَون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء)، وهو طهارة معنوية كما ثبت في الصحيح من حديث الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف المصلي بكونه: (لا يبقى من درنه شيء)، وكذلك ثبت في الحديث الصحيح أنه: (ما من مسلم يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلا خرجت خطايا وجهه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، حتى تخرج من تحت أظفار أصابعه)، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم تمام ذلك في أعضاء الوضوء. إذاً: تحصَّل من هذه النصوص أن الوضوء يفضي إلى جمال الحس والمعنى، فلهذا سمي وضوءاً. وتعريف الوضوء شرعاً: هو الغسل والمسح لأعضاء مخصوصة حددها الشرع، وذلك بغسل الوجه واليدين والرجلين، والمسح يختص بالرأس، وقد يُمسح في مفروض يجب غسله -وهو الرجلان- إذا حل البدل محلهما، وذلك في المسح على الخفين.
فروض الوضوء والأحكام المتعلقة بها
فروض الوضوء والأحكام المتعلقة بها يقول رحمه الله: (باب فروض الوضوء) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل التي يُعرف بها ما أوجبه الله وفرضه في عبادة الوضوء؛ ذلك أن أعضاء الوضوء التي غسلها النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يجب غسله، ومنها ما لا يجب غسله، وإنما فعله على سبيل السُّنِّيَّة والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب، فانقسمت أعضاء المكلف في عبادة الوضوء إلى: ما يَلزَم غسلُه ومسحُه وما لا يَلزَم غسلُه، ومن ثَمَّ ناسب أن يقول: وسُنَنِه، أي: سأبين لك الأعضاء التي يُثاب غاسلها ولا يعاقب تاركُها وهي أعضاء مخصوصة. مناسبة هذا الباب: أن من عادة العلماء رحمة الله عليهم أنهم يبتدئون بآداب قضاء الحاجة، ثم يثنُّون بفرائض الوضوء؛ لأن المكلف إذا فرغ من قضاء حاجته تهيأ لعبادة الصلاة، وذلك بالوضوء، ثم بعد ذلك يصلي، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] الآية. ولذلك يقولون: تقديم باب آداب قضاء الحاجة على باب الوضوء إنما هو من باب الترتيب المناسب للحال، فالغالب في حال المكلف أن يقضي حاجته أولاً، ثم يتهيأ لعبادة الصلاة، وقد أدخل المصنف باب السواك؛ لأن السواك يكون قبل الوضوء. يقول رحمه الله: [فروضه ستة]: الضمير في قوله: (فروضه) عائد إلى الوضوء، أي: الفروض التي أوجب الله على المكلف في الوضوء ستة. وقوله: (ستة) هذا يسميه العلماء: الإجمال قبل البيان والتفصيل، وهو أسلوب محمود، ومن منهج الكتاب والسُّنة أن إيراد الشيء إجمالاً ثم تفصله، وفي ذلك فوائد: منها: تهيئة السامع والمخاطَب لفَهم المراد، فإنه لو جاء مباشرة وقال: فروض الوضوء: غسل الوجه، وغسل اليدين. إلخ، لما كان في ذلك من المناسبة واللطف مثل ما يوجد في قوله: (فروض الوضوء ستة)؛ لأنه عندما يقول: إنها ستة، ينشأ Q ما هي هذه الستة؟ فيحدث التشويق للسامع والمخاطَب أن يعرف تفصيل هذا الإجمال، وهو أسلوب القرآن، كما في قوله تعالى: {الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة:1 - 3]، وكان بالإمكان أن يقول: (الحاقة كذبت ثمود)، وكذلك قوله تعالى: {الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ} [القارعة:1 - 3] فأحدث بالسؤال وبالإجمال الشوق إلى معرفة البيان والتفصيل، وهكذا هنا. (فروضه ستة) أي: الفروض التي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بها في الوضوء: ستة.
الفرض الأول: غسل الوجه وجوبه وكيفيته
الفرض الأول: غسل الوجه وجوبه وكيفيته قال رحمه الله: [غَسل الوجه] الغسل: هو صب الماء على الشيء، تقول: غسلتُ الإناءَ، إذا صببتَ الماء عليه فأصاب أجزاء الإناء، وغسلتُ الوجه، إذا صببت الماء عليه فأصاب الماءُ أجزاءه، وبناء على ذلك قالوا: الغسل لا يتحقق إلا بوصول الماء إلى البشرة. فلو أن إنساناً بلل يده ثم دلكها على وجهه دون أن يجري الماء على الوجه لم يكن غاسلاً، وإنما هو ماسح، وفرق بين الغَسل وبين المسح. والوجه: مأخوذ من المواجهة، وهو الشيء الذي يأتي قُبُلَ الإنسان مقابلاً له، تقول: واجهتُه، إذا صرتَ قِبَلاً للإنسان، أي: جئت من وجهه، ويقال لها: مواجهة، ويقال لها: مقابلة، ومنه قوله تعالى: {وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً} [الأنعام:111] أي: أمامهم ينظرون إليه. والوجه سيأتي -إن شاء الله- ضابطه. أما الدليل على إيجاب غسل الوجه فقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فقوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) أمر، والقاعدة في الأصول: (أن الأمر يدل على الوجوب إلا إذا صرفه صارف عن ذلك)، فلما قال: (فَاغْسِلُوا) أي: فرضٌ عليكم ولازمٌ عليكم أن تغسلوا وجوهكم. كذلك أيضاً دلت السُّنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم نُقِل عنه الوضوء، ولم يثبت عنه في حديث صحيح أنه توضأ وترك غسل وجهه. ففي الصحيحين من حديث حمران مولى عثمان، عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه أنه (دعا بوضوء فأكفأ على كفيه فغسلهما ثلاثاً ثم تمضمض واستنشق ثلاثاً ثم غسل وجهه ... ) إلى آخر الحديث. وكذلك حديث عبد الله بن زيد في الصحيح. وحديث علي بن أبي طالب في السنن، كلها وصفت وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه أنه ترك غسل وجهه. ولذلك أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن غسل الوجه فرض من فرائض الوضوء، فلو توضأ إنسان ولم يغسل الوجه بَطَل وضوءُه بإجماع العلماء رحمة الله عليهم.
أقوال العلماء في المضمضة والاستنشاق والراجح منها
أقوال العلماء في المضمضة والاستنشاق والراجح منها قال رحمه الله: [والفم والأنف منه]. بعد أن بيَّن أن الوجه يجب غسله أشار إلى الخلاف الحاصل بين العلماء في مسألة: هل الأنف والفم من الوجه أو ليسا من الوجه؟ وجهان للعلماء: فقال طائفة من أهل العلم -وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقول بعض أصحاب الحديث، وبعض أهل الظاهر-: أن الفم والأنف من الوجه، وبناءً على ذلك يجب على المكلف إذا توضأ أن يتمضمض ويستنشق، فلو غَسَل ظاهر الوجه ولم يتمضمض ولم يستنشق لم يكن غاسلاً للوجه، ثم هل يصح وضوءه أم لا؟ قيل: لا يصح وضوءه، وقيل: يأثم بترك المضمضة والاستنشاق ووضوءه معتبر. فهذا هو القول الأول: أن المضمضة والاستنشاق يعتبر كل منهما فرضاً من فرائض الوضوء؛ لأنه من الوجه. والذين قالوا بالوجوب استدلوا بظاهر القرآن: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ). فلما قيل لهم: كيف فهمتم أن الفم والأنف يعدان من ظاهر الوجه وخارجه لا من باطنه؟ قالوا: عندنا دليل يدل على أن الأنف والفم من خارج البدن لا من داخله، وهو: أن الإنسان لو كان صائماً ثم أخذ الماء فتمضمض واستنشق أيبطل صومه أو لا يبطل؟ قيل: لا يبطل. قالوا: فدل هذا على أنهما من خارج البدن لا من داخله، إذ لو كانا من داخله لأفطر من تمضمض واستنشق وهو صائم. الدليل الثاني: قالوا: لو أن إنساناً استقاء، فأخرج الطعام إلى فمه ثم رد الطعام وهو صائم، ألا يبطل صومُه؟ قيل: يبطل صومه. قالوا: فلو كان الفم من داخله لما بطل صومه؛ لأنه في هذه الحالة يكون الفم في حكم المريء، ولا يوجب وصول الطعام إليه وازدراده بطلانَ الصوم. لهذا قالوا: يجب عليه أن يتمضمض وأن يستنشق. واحتجوا أيضاً بالسُّنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا توضأت فمضمض) وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك المضمضة والاستنشاق في وضوئه، فدل على أنهما من فرائض الوضوء، وليسا من السنن. هذه أدلة من يرى وجوب المضمضة والاستنشاق. والمذهب الثاني -وهو مذهب الجمهور-: أنهما ليسا من الوجه، وأن المراد بالوجه في الآية الكريمة هو البشرة الخارجية، وليس الفم والأنف من خارج الوجه، بل هما من داخل البدن، وعلى هذا فلا يجب على المكلف أن يمضمض ويستنشق في الوضوء، واحتجوا بأدلة من الكتاب والسُّنة. أما دليلهم من الكتاب: فالآية نفسها، قالوا: إن الله عز وجل قال في كتابه: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، ولا شك أن القرآن جاء بلسان العرب، {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]، فيجب تفسيره بدلالة ذلك اللسان، والذي يدل عليه لسان العرب: أن الوجه ظاهر البشرة، ولا يعتبر الفمَ والأنفَ من الوجه، أي: داخلهما، ولفظ الوجه مأخوذ من المواجهة، قالوا: إن الإنسان إذا واجه الغير فالمواجهة إنما تحصل بالبشرة الظاهرة لا بباطن فمٍ ولا بباطن أنفٍ. هذا بالنسبة لدلالة لفظ الوجه في اللغة. وأما دليلهم من السُّنة: قالوا: أكدت السنة هذا المعنى، فقد جاء في حديث الترمذي (أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه أعرابي فقال: يا رسول الله! كيف أتوضأ؟ -أي: صف لي الوضوء الذي أصلي به وأستبيح الصلاة به- فقال عليه الصلاة والسلام: توضأ كما أمرك الله) أي: اقرأ كتاب الله، وما وجدت في آية المائدة فافعله، قالوا: فرد النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي إلى ظاهر القرآن، وهذا أعرابي لا يعرف الوضوء؛ إذ لو كان عارفاً بالوضوء عالماً به لما سأل، فردُّه إلى ظاهر القرآن صريحُ الدلالة على أن المرادَ ظاهرُ الآية. وأما ما استدل به الفريق الآخر: فأولاً: ما استنبطوه من كون الفم يعد من خارج الوجه، هذا من المسائل التي لا يدركها إلا الفقيه، ويعسُر على أعرابي في بداية الإسلام وهو يسأل عن كيفية الوضوء أن يدرك المسائل الفقهية الخفية. ثانياً: قولكم: إن اعتباره من داخلٍ وخارجٍ بالصفة التي ذكرتموها في الصوم؛ إنما هو اعتبار حكمي، والاعتبار الحكمي في العبادة المخصوصة لا يطرد في غيرها، أي: كون الشرع حكم بكون الفم من خارجٍِ في عبادة مخصوصة لا يقتضي اطراد ذلك على العموم، إذ لو قيل بذلك لَلَزم منه غسل باطن العين. وقد كان يُحكى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يرى وجوب غسل داخل العينين، حتى قيل: إنه هو السبب في عمى بصره في آخر عمره. الشاهد أن الجمهور قالوا: إن ظاهر الكتاب وظاهر السُّنة لا يساعدان على القول بوجوب المضمضة والاستنشاق. وبناءً على ذلك: فالقول بأن العبرة بظاهر البشرة قوي، ويؤيد ذلك: أن الإنسان لو وجد ماءً لا يكفي إلا لغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه لقيل بوجوب الوضوء عليه، ولما قوي أن يقال له: اعدل إلى التيمم، فدل على أن المراد بغسل الوجه غسل ظاهر البشرة. وهذا القول هو أقوى الأقوال وأقربها إلى الصواب؛ لظاهر القرآن وظاهر السُّنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما لو قال قائل: إن النبي عليه الصلاة والسلام داوم على المضمضة والاستنشاق. فجوابه أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد داوم على السنن من باب التعليم لا من باب الإلزام، ألا تراه عليه الصلاة والسلام -بإجماع الروايات عنه- أنه ما توضأ إلا غسل كفيه قبل أن يتوضأ؟! والذين قالوا بوجوب المضمضة والاستنشاق يسلِّمون بأن غسل الكفين قبل الوضوء لغير المستيقظ من النوم مستحب وليس بواجب، فدل على أن المداومة تكون لما هو واجب ولما هو غير واجب، فيقوى القول بعدم وجوبها. ولكن ينبغي على المكلف أن يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأن لا نأخذ من القول بسُنِّيَّة المضمضة والاستنشاق الاستهتار بفعلها، فإن التساهل في السنن لا ينبغي للمسلم، خاصةً لطالب العلم القدوة، ولذلك قد يتعلَّم البعضُ الفقهَ، فيكون نقصاناً في أجره، وحرماناً للخير له، وذلك بأن يتعلم السنن فيفرِّط فيها من باب أنها سنة، وقد تجد طالب علم يقول لك: اترك هذا إنه سنة!! وقد كان ينبغي على طالب العلم أن يقول: احرص عليه؛ لأنه سنة وهدي من النبي صلى الله عليه وسلم. فلذلك ينبغي الحرص والمداومة على هذه السُّنة، ولا يعني القول بسُنِّيَّتها أن الإنسان يفرِّط فيها؛ وإنما يحرص على ذلك لسنيته، ولما فيه من الخروج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم. يقول رحمه الله: (منه) أي: من الوجه الذي يجب غسله: الفم، والأنف. الفم: يتحقق غسله بالمضمضة بإدارة الماء فيه. وكذلك الأنف: يتحقق غسله بإدخال الماء فيه إلى الخياشيم وجذبه بالنَّفَس ثم طرحه.
الفرض الثاني: وجوب غسل اليدين مع المرفقين
الفرض الثاني: وجوب غسل اليدين مع المرفقين قال رحمه الله: [وغَسل اليدين]. الفرض الثاني: غَسل اليدين، واليدان: مثنى يد، وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على حدهما. واليدان أَمَر الله بغسلهما في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6]، فأمر بغسل اليدين، والأمر دال على الوجوب حتى يأتي الصارف الذي يصرفه إلى ما دون ذلك، ولا صارف هنا. والنبي صلى الله عليه وسلم غسل كلتا يديه إلى المرفقين، والواجب الغَسل من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والمرفقان داخلان في الغَسل، فلو غسل اليدين ولم يغسل المرفقين لم يصح وضوءه في قول الجماهير، وذهب داوُد بن علي الظاهري -رحمة الله على الجميع- إلى القول بأن المرفقين ليسا بداخلين في الغَسل، قال: إن قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] (إلى) فيه للغاية، وما بعد الغاية يخالف ما قبلها، كقوله تعالى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فإن الليل لا يجب صيامه، والقاعدة في الأصول: أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، ولذلك قالوا: لا يجب غَسل المرفقين، والمرفقان هما: مفصل الساعد مع العضد، وسُمِّيا بذلك من الارتفاق؛ لأن الإنسان إذا جلس ارتفق عليهما، فسُمِّيا مرفَقين بسبب ذلك. والصحيح أن المرفقين داخلان في الغسل لأمور: الأمر الأول: ظاهر القرآن في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] فإن (إلى) تأتي في لغة العرب بمعنى: (مع)، ومنه قوله تعالى: {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [آل عمران:52] أي: مع الله، فـ (إلى) بمعنى: (مع)، فيكون قوله تعالى: (إِلَى الْمَرَافِقِ)، أي: مع المرافق. الأمر الثاني: أن قولهم: إن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها، محل نظر، فإن الغاية إذا جاءت فلها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون من جنس المُغَيَّا. والحالة الثانية: أن تكون من غير جنس المُغَيَّا. فإن كانت الغاية من جنس المُغَيَّا دخلت. وإن كانت من غير جنس المُغَيَّا لم تدخل. وتوضيح ذلك: أن المرفقين من جنس اليد، بل إن اليد تمتد إلى المنكب، فلما قال: (إِلَى الْمَرَافِقِ) دخلت؛ لأنها من جنس اليدين. وأما {أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة:187] فالليل ليس من جنس النهار المأمور بصومه، فلم يدخل الليل الذي هو الغاية في المُغَيَّا؛ لأنه ليس من جنسه. وبهذا يترجح قول الجمهور أنه يجب غَسلها. ومما يدل على ترجيح قول الجمهور ما ورد في السُّنة، ففي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل يديه حتى شرع في العضد) يعني: كاد يغسل عضده، وهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد غسل المرفقين. واليد تشمل: اليد الصحيحة، واليد المشلولة، واليد المقطوعة. فلو أن إنساناً كانت يده شلَّاء وجب عليه غسلها، فيصب الماء عليها. ولو قُطِعت وبقي من الفرض شيء، فإنه يجب غسل ما بقي بعد القطع. ويجب غَسل اليد بكامل ما فيها، سواءً كانت على أصل الخِلقة بأن يكون فيها خمسة أصابع، أو زائدةً عن الخِلقة كما لو كان فيها ستة أصابع ونحو ذلك؛ لأن الله عز وجل أمر بغسلها على الإطلاق كما في قوله: (وَأَيْدِيَكُمْ)، ولاشك أن المكلف إذا زادت خِلقته في اليد أو خالفت الفطرة، فإنها داخلة في الوصف من كونها يداً له مأمور بغسلها.
الفرض الثالث: مسح الرأس والقدر الواجب منه
الفرض الثالث: مسح الرأس والقدر الواجب منه قال رحمه الله: [ومسح الرأس ومنه الأذنان]. الفرض الثالث: مسح الرأس، والمسح: هو إمرار اليد على الشيء، تقول: مسحتُ برأس اليتيم، إذا أمررتَ يدك عليه، والمراد بالمسح هنا: أن يُمِرَّ يدَه المبلولة على الرأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سكب الماء على يده، ثم مسح برأسه صلوات الله وسلامه عليه. والرأس الذي يجب مسحه حدُّه: من الناصية إلى القفا، وهذا بالنسبة للطول، ثم من السالفة أو من عظم الصدغ إلى عظم الصدغ عرضاً، هذا يجب مسحه كله، والدليل على الوجوب قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6] فإن قوله: (امْسَحُوا) أمر، والقاعدة في الأصول: (أن الأمر للوجوب حتى يدل الدليل على ما دون الوجوب)، ولا دليل هنا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه، ولم يترك المسح في وضوء البتة. والإجماع من العلماء منعقد على أنه يجب مسح الرأس، وأن من توضأ ولم يمسح رأسه بطل وضوءه. المسألة الثانية: ما هو الحد الذي يجب مسحه من الرأس؟ اختلفت أقوال العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: فقال المالكية في المشهور -وهي أشهر الروايات عن مالك، وإن كان بعضهم رجَّح غيرها أيضاً-: إنه يجب مسح الرأس كله، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وشهَّرها غيرُ واحد من أصحابه: أن الفرض الذي أمر الله بمسحه من الرأس هو جميع الرأس لا بعضه. القول الثاني: أن الواجب مسح ربع الرأس، وبه قال الإمام أبو حنيفة وأصحابه رحمة الله على الجميع. القول الثالث: أن الواجب مسح ثلاث شعرات، وأن ما زاد عليها ليس بواجب، وبه قال الشافعية رحمة الله على الجميع. وهناك رواية عند المالكية: أن الواجب مسح ثلث الرأس. هذا محصل أقوال العلماء في مسألة مسح الرأس. فيَرِدُ Q ما هي أدلة العلماء على هذه الأقوال؟ من قال بوجوب مسح الرأس كله: احتج بظاهر القرآن في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) قالوا: إن قوله: (بِرُءُوسِكُمْ) الباء للإلصاق، كأنه قال: امسحوا رءوسكم، وليس المراد بها التبعيض كما يقول الذين يرون أن مسح أجزاء الرأس مجزئ. وقيل: إن الباء تأتي زائدة، واختار بعض المفسرين ممن يرجح هذا القول أنها زائدة وليست للإلصاق، فيقولون: إن قوله: (امْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أي: امسحوا رءوسكم، وهذا مثل قوله تعالى في قراءة: {تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ} [المؤمنون:20] (تُنْبِتُ بِالدُّهْنِ) أصلها: تُنْبِتُ الدهنَ، والباء زائدة. وهنا ننبه على مسألة في قول العلماء: الباء زائدة، أو مِنْ زائدة! وهي: أنه ليس مراد العلماء بقولهم: إنه حرف زائد، أنه لا معنى له في كتاب الله، فإن بعض المتأخرين يسيء الأدب مع أهل العلم المتقدمين دون التفات إلى مصطلحاتهم ومقصودهم. فليس مراد العلماء رحمة الله عليهم بكونها زائدة إلغاء كونها من القرآن؛ وإنما المراد: أن المعنى: إرادة الكل لا إرادة البعض، مثل قولنا هنا في قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أنها لم تأت للتبعيض، فيقولون: هي زائدة. وحملُها على الزيادة الحقيقية بمعنى أنها مُلغاة من القرآن يقتضي الكفر، فإن من أنكر من كتاب الله حرفاً ثابتاً بالتواتر يكفر والعياذ بالله، وهذا لا يقوله جاهل من عوام المسلمين، فضلاً عن علماء الأمة الذين هم أهل العلم والدراية والرواية. فلا ينبغي للإنسان أن يكون بسيط الفهم ساذجاً ينكر على العلماء رحمة الله عليهم دون تروٍّ، ودون فَهم مقصودهم من الكلام، فإذا قالوا: هذه قراءة شاذة أو هذا حرف زائد، فليس مرادهم الشذوذ بمعنى: الانتقاص والتحقير، ولا الزيادة بمعنى: الإلغاء؛ وإنما هو معنىً موجود في هذه الحروف بأصل اللغة، والقرآن جاء باللغة، ولذلك تأتي الباء بقرابة عشرة معانٍ جمعها بعض الفضلاء بقوله: تَعَدَّ لُصوقاً واستعِنْ بتسبُّب وبدل صحاباً قابلوك بالاستعلا وزِدْ بعضَهم يميناً تحز معانيها كلها تَعَدَّ: التعدية. لصوقاً: الإلصاق. واستعن: الإستعانة، مثل: باسم الله. بتسبُّب: مثل: {فَكُلَّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت:40]. إلى قوله: (وزِدْ) أي: أنها تأتي زائدة، وهذا هو موضع الشاهد، وقوله: (وزِد بعضَهم) أي: تأتي زائدة وللتبعيض. فالمقصود: أن من معانيها أنها تأتي زائدة، وهذا في لغة العرب باستقراء كلامهم وألفاظهم، هذا بالنسبة للقول الأول، قالوا: إن قوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) أي: امسحوا رءوسكم. الدليل الثاني لمن أوجب مسح جميع الرأس: من السُّنة، هو (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح جميع رأسه) ولم يُحفَظ عنه في حديث صحيح أنه اقتصر على بعض الرأس، أو جزء من الرأس، أو على ثلاث شعرات من الرأس، فلو كان الاقتصار على البعض جائزاً لفعله ولو مرة واحدة، صلوات الله وسلامه عليه. هذا بالنسبة لأدلة من قال بوجوب مسح الرأس كله. أما دليل من قال: إنه يجب مسح ربع الرأس -وهم الحنفية رحمة الله عليهم-: فاحتجوا، أولاً بالآية: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) وقالوا: إن الباء للتبعيض، وليس المراد بها الكل، وهذا معروف في لغة العرب، كما قال تعالى: {وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ} [الأعراف:150] فليس المراد أنه أخذ الرأس كله، ولكن أخذ البعض، فَنُزِّل منزلة الكل، وتقول: أخذتُ برأس اليتيم، وليس المراد أنك أخذت الرأس كله؛ وإنما أخذت جُزْأَه، فكأنك أخذت الكل؛ لأنه بمجرد شدك لجزء من الرأس ينشدُّ جميع الإنسان، فيقال: أخذ برأسه. قالوا: فقوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ): للتبعيض. الدليل الثاني: احتجوا بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ في غزوة تبوك، قال: فمسح بناصيته وعلى العمامة) قالوا: والناصية تُقَدَّر بربع الرأس، ولذلك يقدرونها بأربعة أصابع، قالوا: قدر أربعة أصابع من مُقَدَّم الرأس يجزئ في المسح، بشرط أن يكون بأربعة أصابع، فلا يمسح بما دونها. وهذا أصل عند الحنفية: أن أكثر الشيء مُنَزَّل منزلة الكل، وهذا أصل طردوه في مسائلَ لا تحصى كثرةً في العبادة والمعاملة، ولذلك تجدهم يصححون طواف من طاف أربعة أشواط بالبيت؛ لأن أكثر الطواف أربعة أشواط، فلو ترك الثلاثة قالوا: يصح ويلزمه الجبران، وهكذا سعيه، وهكذا في المبيت في الليل قالوا: لو أمسك أكثره فإنه يُنَزَّل منزلة الكل. فهذا أصل عندهم: أن أكثر الشيء مُنَزَّلٌ منزلة الكل. فقالوا: إن ربع الرأس إذا مُسح بأكثر الأصابع وهي الأربعة فإن هذا يجزئ، ويكفي في هذا الفرض الذي أمر الله عز وجل بمسحه. دليل أصحاب القول الثالث الذين قالوا: إنه يمسح ثلاث شعرات: احتجوا بقوله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) قالوا: الباء للتبعيض، وبناءً على ذلك يكون قوله: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ): أي: بعض رءوسكم، ولا يجب مسح كل الرأس، وهذا البعض الذي يصدُق عليه أكثر الجمع أنه من الرأس إنما هو الثلاث فأكثر، وهي قاعدة في المذهب الشافعي وغيره، في مسائل: أن أقل الجمع ثلاثة، وبناءً على ذلك قالوا: أقل الرأس ثلاثُ شعرات، فإذا مسح الثلاث صَدَق عليه أنه مسح برأسه، وهكذا لو حلق في الحج ثلاث شعرات أو قَصَّر ثلاث شعرات أجزأه، وهذا أصل عند الشافعي رحمة الله عليه. هذا حاصل أدلة مَن قال بالتبعيض. تبقى أدلة القول الأخير الذي حكيناه رواية عن الإمام مالك: أن الثلث من الرأس يجزئ، وهذا أصل عند المالكية أيضاً: أن الثلث يُنَزَّل منزلة الكل في مسائل، منها: مسألة المساقاة، والمزارعة، إذا كان بالأرض بياض يعدل ثلث الذي سُقِي عليه لحق المساقاة، وجاز أن يتعامل مع العامل على إحيائه، قالوا: لحديث سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الثلث والثلث كثير) قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والثلث كثير) فمن مسح ثلث رأسه فقد مسح الكثير فيجزئه، وهذا قول طائفة من أصحاب الإمام مالك رحمة الله عليه. هذا محصل حجج العلماء في مسألة المسح على الرأس. وأصحها -والله أعلم- في نظري: القول بوجوب مسح الرأس كله، وذلك لما يأتي: أولاً: لظاهر القرآن؛ فإن حمل الباء على التبعيض تجوُّز، والأصل حملها على ما ذكر من الإلصاق؛ لأنه أقرب إلى معنى المسح، فإن قولك: مسحتُ برأسه على أنه للإلصاق أقرب من قولك: إنه للتبعيض؛ لأن التبعيض خلاف الأصل، ولذلك يأتي غالباً في المعاني المجازية. ثانياً: أن السُّنة التي احتُجَّ بها على التبعيض -وهو دليل القول الثاني الذي قال: يجب مسح ربع الرأس- يجاب عنها: بأن الحديث فيه: (مَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العمامة) فيَصح الاستدلال بهذا الحديث فيما لو اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على مسح الناصية، ونحن نقلب هذا الحديث ونقول: هو حجة لنا لا علينا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتبع مسح الناصية بالمسح على العمامة. لكن هنا إشكال أورده الحنفية رحمة الله عليهم، قالوا: لو قلتم: إن مسحه للعمامة المراد به مسح فرض لبطلت أصولكم؛ لأنه لا يصح في الأصل أن يُجْمع بين البدل وبين المبدل، فإن الرأس إما أن يمسح عليه أو يمسح على العمامة. فإما أن تقولوا: مسح الناصية هو الفرض، ويكون مسحه على العمامة لاغٍ فيستقيم دليلُنا، أو تقولوا: مسح العمامةِ هو الفرض، والناصيةُ ملغاةٌ، وهذا خلاف الظاهر. فكيف الجواب عن هذا الإشكال؟ A أن يقال: إن المسح على العمامة في هذا الحديث هو الأصل؛ ولكن يجوز في العمامة أن يُكشف ما جرت العادة بكشفه، بدليل أن من تعمَّم العمامة المعروفة فإن السوالف تخرج، والخارج المعتاد مغتفر في المسح على العمامة؛ ولكنه يُمْسح إبقاءً على الأصل، وكشف الناصيةُ صنيع أهلِ الفضل، وهذه من السنن: أن الإنسان لا يبالغ في إرخاء ستر الوجه إلى حواجبه، لأنه صنيع أهل الكبر والخيلاء، ولذلك قالوا: إنه يُكشَف عن الناصية، ويكون كشف النبي صلى الله عليه وسلم عنها في هـ
كيفية مسح من طال شعره
كيفية مسح من طال شعره مسألة: لو أن إنساناً طال شعره حتى استرسل، وبلغ -مثلاً- إلى القفا، فهل يجب عليه المسح لجميع الشعر؟ قال بعض العلماء: يَمسح جميع الشعر حتى يأتي من قفاه ويرده إلى مُقَدَّمِه، فيتأتى له التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: يجب عليه مسح ما حاذى الفرض، بمعنى أنه يمسح حتى يبلغ آخر الرأس، ثم لا يجب عليه مسح ما استرسل، وفرَّعوا على هذا المرأة، فقالوا: إنها تمسح ما حاذى الرأس، ولا يجب عليها مسح ما استرسل. والحقيقة: الأحوط والأكمل أن الإنسان يمسح الكل؛ لأنه حالٌّ محل الأصل، فإن الشعر حال محل جلدة الرأس، وقد تعذر مسح الجلدة، فوجب إنزال البدل منزلة الأصل، فيجب مسح الشعر، ويحتاط الإنسان بكماله.
كيفية مسح الرأس
كيفية مسح الرأس والسُّنَّة في مسحه لشعره: أن يبدأ من مُقَدَّمِه حتى يبلغ قفاه، ثم يَرُدَّه إلى مُقَدَّمِه، هكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه قال: (بدأ بمُقَدَّم رأسه حتى بلغ قفاه ثم ردهما إلى الموضع الذي بدأ منه). وقال بعض العلماء: بل يبدأ من القفا حتى يَقْدُم إلى المُقَدَّم، ثم يعود إلى القفا، واحتجوا بقوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) قالوا: أقْبَلَ بهما، أي: من القفا إلى المُقَدَّم، وأدْبَرَ، أي: ردهما إلى القفا. والصحيح: أن قوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) مجمل، وأن قوله: (بدأ بمُقَدَّم رأسه) مفصِّل مبيِّن، والقاعدة: (أن المفصِّل والمبيِّن مُقَدَّمٌ على المجمل). الأمر الثاني: أن قوله: (أقْبَلَ بهما) استقام استدلالهم به على أن (أقْبَلَ) على الحقيقة؛ ولكن المعروف في لغة العرب أنهم يقولون: أقْبَلَ وأدْبَرَ، ومرادهم: أدْبَرَ ثم أقْبَلَ، وهذا معروف، ومنه قول امرئ القيس يصف جواده: مِكَرٍّ مِِفَرٍّ مُقْبِلٍِ مُدْبِرٍ معاً كجلمود صخرٍ حطَّه السيل مِن عَلِ (مِكَرٍّ مِفَرٍّ) فالكَرَّ لا يكون إلا بعد الفِرار، يفِر الإنسان أولاً ثم يكُر، فالفارس أول ما يفعل: يفِر، ثم بعد ذلك يكر، فلذلك قال: (مِكَرٍّ مِفَرٍّ) فقدَّم كونَه يَكُرُّ على العدو على فِراره. كذلك قوله: (مُقْبِلٍِ مُدْبِرٍ معاً) فإن الأصل: أنه أدْبَرَ أولاً ثم أقْبَلَ على العدو. وهذا معروف في اللغة. فيكون قول الصحابي: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) على هذا المعنى؛ أنه أدْبَرَ ثم أقْبَلَ. وعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به على الوجه الذي ذكروه. وهناك وجه ثالث قال: نجمع بين الحديثين: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) أي: معاً، فيضع يديه في منتصف الرأس، فيُقْبِل باليمنى ويُدْبِر باليسرى. والصحيح: ما ذكرناه؛ من أن قوله: (أقْبَلَ بهما وأدْبَرَ) المراد به: أدْبَرَ بهما ثم أقْبَلَ للرواية المبيِّنة.
الفرض الرابع: غسل الرجلين والرد على من قال بالمسح
الفرض الرابع: غسل الرجلين والرد على من قال بالمسح قال رحمه الله: [وغسل الرجلين]. هذا هو الفرض الرابع الذي أمر الله بغسله، وقد انعقدت كلمة أهل السنة والجماعة على أن غسل الرِّجْلين فرضٌ. وخالف بعض أهل الأهواء ممن لا يُعْتَدُّ بخلافه؛ فقالوا: إن الرِّجْلين يجب مسحهما ولا يجب غَسلهما. والصحيح والمعتبر والذي عليه العمل: أنه يجب الغَسل، وذلك لما يلي: أولاً: أن قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] المراد به: اغسلوا أرجلكم، والذين قالوا: إنه يجب مسح الرِّجْلين قالوا: إن قوله: (وَأَرْجُلَكُمْ) فيه قراءة: (وَأَرْجُلِكُمْ) عطفاً على قوله: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة:6]، وبناءً على ذلك قالوا: المعنى: امسحوا أرجلَكم. وهذه القراءة يُجاب عنها بأن قوله تعالى: (وَأَرْجُلِكُمْ) الجر فيه للمجاورة، ومنه قول الشاعر: لَعِبَ الزمانُ بها بعدُ وغيَّرها سوافي المَور والقطرِ فإن الأصل: والقطرُ أي: غيَّرها القطرُ، ولكن عندما قال: (سوافي المَور) فأضاف المور مضاف إلى السوافي -المَور: الذي هو الرياح، والسوافي: جمع سافية، وهي الريح- قال: (والقطرِ) فراعى المجاورة في قوله: (المَور) وإلا فالأصل في التقدير أن يقول: والقطرُ، ولا يقول: والقطرِ. وهذه لغة معروفة جاءت عليها القراءة التي ذُكِرت من قوله: وأرجلِكم. وأما قراءة النصب فهي قوية واضحة في الدلالة على الوجوب، وأن الرِّجْلين فرضهما الغَسل لا المسح. ثم يجب غَسل الرِّجْلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغاية، والخلاف فيهما كالخلاف في المرفقين، ولذلك قالوا: إنه يجب غسل الكعبين لحديث أبي هريرة (أنه توضأ فغسل رجليه حتى شرع في الساق وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ). فالمقصود أنه يجب غسل الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان في آخر الساق، ويجب غسلهما، فلو غسل رجليه ولم يغسل الكعبين لم يصح وضوءه؛ لأن الله أمر بغسلهما وقال: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6] أي: مع الكعبين؛ لأن الغاية داخلة في المُغَيَّا إذ هي من جنسها، فإن الكعبين ليسا من الساق وإنما هما من القدم، والقدم تعتمد في الظاهر عليهما؛ لأن حركتَها ووضعَها في رفعِها ووضعِها قائم على الكعبين، فهما من القدم وليسا من الساق، فذلك يجب غسل الكعبين. وبهذا نكون قد انتهينا من أربع فرائض، والفرض الأخير هذا ثبت وجوبه بدليل الكتاب كما قلنا في الآية، وبدليل السُّنة من مواظبته عليه الصلاة والسلام، والإجماع. وليس هناك أحد من أهل السنة والجماعة يقول: إن الرِّجْلين لا يجب غسلهما. يُستثنى من ذلك المسح على الخفين، فإنه إذا غَطَّى قدميه بالخفين نُزِّل المسح منزلة الغَسل؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأحاديث المتواترة، وقد ورد عن أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه، ولذلك تجد أن أهل السنة والجماعة إذا ذكروا عقيدة أهل السنة والجماعة أدخلوا فيها سُنَِّّية المسح على الخفين؛ مبالغة في رد قول أهل البدع والأهواء الذين لا يرون المسح على الخفين؛ لأنه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأحاديث المتواترة، كما قال بعض الفضلاء: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمعٌ حُظِرَا كذبهم عرفاً كمسح الخفِّ رفعُ اليدين عادمٍ للخُلفِ وقد روى حديثَه مَن كتبا أكثر مِن ستين ممن صَحِبا أي: أن المسح على الخفين، ورفع اليدين في تكبيرة الإحرام وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر من ستين من أصحابه صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهم أجمعين، فيُنَزَّل المسح على الخفين منزلة غسل الرجلين لإذن الشريعة به، ولذلك قال بعض المفسرين في قوله تعالى: (وَأَرْجُلِكُمْ)، على قراءة الجر، قال: إنها محمولة على حالة المسح على الخفين، ويُنَزَّل الجوربان منزلة الخفين على أصح أقوال العلماء.
وجوب الترتيب في الوضوء والرد على من قال بعدمه
وجوب الترتيب في الوضوء والرد على من قال بعدمه قال رحمه الله: [والترتيب]. يقال: رتَّبَ الأشياء إذا جعل كل شيء منها في موضعه وجعلها تِلْو بعضها. والترتيب: أن يوقع الغَسل والمسح على الترتيب الذي جاءت به آية المائدة، فيبدأ بغسل وجهه، ثم غسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجليه، فلو قدَّم مسح الرأس على غسل الوجه لم يُجزئه، ولو قدَّم غسل الرجلين على مسح الرأس لم يجزئه، وهكذا. وهذا الترتيب دل عليه دليل الكتاب، فإن الله عز وجل أمر بغسل الوجه، ثم أتبع الوجه باليدين، ثم أتبعهما بمسح الرأس، ثم أتبع الجميع بغسل الرجلين، والواو هنا يُفهم منها الترتيب لقرينه، فإن الواو في لغة العرب لا تقتضي الترتيب إلا عند وجود القرائن، فإذا قلت -مثلاً-: جاء محمد وعلي، فلا يستلزم ذلك أن يكون محمد جاء أولاً ثم مِن بعده علي، إذ يجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، مع أن علياً هو الذي جاء أولاً، ويجوز أن تقول: جاء محمد وعلي، وقد جاءا مع بعضهما لا يسبق أحدهما الآخر. إذاً: الواو في قوله: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة:6]، وقوله بعد ذلك: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة:6] (الواو) في هذه الأربع لا تفيد الترتيب نصاً؛ لكن فُهِم الترتيب من سياقها، وذلك أنه لا معنى لإدخال الممسوح بين المغسولَين إلا إرادة الترتيب، فإن الله عز وجل أدخل الرأس وهو ممسوح بين مغسولَين وهما: اليدان والرجلان، فلو كان الترتيب ليس بلازم لذكر المغسولات أولاً ثم أتبع بالممسوح، أو ذكر الممسوح أولاً ثم أتبع بالمغسولات، فلا وجه لإدخال المسح بين الغَسلَين على هذه الصورة، إلا إرادة الإيقاع على الطريقة أو على الصورة التي وردت في الكتاب. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: (توضأ كما أمرك الله) أي: على الصفة التي وردت في كتاب الله جل وعلا. ثالثاً: أنه لم يُحفَظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فقدَّم عضواً على عضو مخالفاً للترتيب. لكن هنا إشكال في الحديث الذي ورد مِن كونه عليه الصلاة والسلام تمضمض بعد أن غسل وجهه، فكيف نجيب عن هذا الإشكال؟ جوابنا: أن الترتيب في أعضاء الوضوء يقع على الصورة التالية: أولاً: الترتيب بين مفروض ومفروض. ثانياً: الترتيب بين مسنون ومسنون. ثالثاً: الترتيب بين مفروض ومسنون. فأما الترتيب بين مفروض ومفروض: فكَغَسل اليدين بعد غَسل الوجه. وأما الترتيب بين مسنون ومسنون: فكالترتيب بين المضمضة والاستنشاق، بأن يوقع المضمضة أولاً ثم يستنشق بعدها. وأما الترتيب بين مفروض ومسنون: فكالمضمضة مع غَسل الوجه، فيبدأ بالمضمضة أولاً ثم الاستنشاق، ثم يغسل وجهه. والذي ورد في الحديث من كونه غَسَل وجهه ثم مضمض؛ إنما هو بين مسنون ومفروض، ومحل الكلام فيما بين المفروضات. وبناءً على ذلك: يكون هذا الحديث خارجاً عن موضع الكلام الذي نتكلمه، وهذا أمر يُغْفِله بعضُ طلاب العلم؛ فيحتج بهذا الحديث على إلغاء الترتيب، وليس في الحديث دلالة؛ وإنما يستقيم الاستدلال بالحديث فيما لو غَسل عليه الصلاة والسلام يديه قبل وجهه، أو -مثلاً- قدَّم مسح رأسه على غسل اليدين، أما أن يخالف في الترتيب بين السنن فأمر السنن واسع ليس كالفرائض. تنبيه: هذا الترتيب إنما هو في الفرائض، بأن يكون الترتيب بين فرض وفرض آخر، أما الفرض بذاته فالترتيب فيه ليس بلازم، وذلك في الأعضاء الثنائية كاليدين والرِّجْلين، فيجوز لك أن تغسل اليمنى قبل اليسرى، وأن تغسل اليسرى قبل اليمنى، ولا يشترط الترتيب بين اليمنى واليسرى، فلو غسل يده اليسرى قبل اليمنى لصحَّ؛ لأن الله عز وجل أمر بغسل اليدين مطلقاً، وهذا قد غسل يديه، وفِعْل النبي صلى الله عليه وسلم هو على سبيل الكمال؛ لقول عائشة: (يعجبه التيمُّن في تنعُّله وترجُّله وطهوره وفي شأنه كله). وبناءً على ذلك: لا يجب الترتيب بين المسنونات.
حقيقة الموالاة في الوضوء
حقيقة الموالاة في الوضوء قال رحمه الله: [والموالاة]. وهي: أن تقع هذه الفروض على الولاء، بعضُها يلي بعضاً، دون وجود فاصل مؤثر. وتوضيح ذلك: أن يغسل وجهَه، ثم يقوم بغسل يديه قبل أن ينشف وجهُه، ثم يمسح رأسه قبل أن تنشف يداه، ثم يغسل رجليه قبل أن ينشف الماء الذي مَسح به رأسَه، هذا مراد العلماء بالموالاة، ولذلك قال العلماء: ضابطها: أن لا ينشف العضو المفروض قبل أن يبدأ بالفرض الذي يليه، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ في بيته، وكان قد غسل وجهه، وقبل أن يغسل يديه انقطع الماء أو انتهى الماء الذي عنده، فقام من موضعه إلى موضع آخر فيه الماء، ومشى حتى بلغ الماء، فحينئذٍ ننظر: فإن كان الفاصل الذي بين انقطاع الماء وغَسله للعضو الثاني فاصلاً مؤثراً بحيث ينشف العضو الأول فيه، وذلك في الزمان المعتدل الذي هو ليس بشديد البرد ولا بشديد الحر؛ لأن الحر فيه نوع من الرطوبة، خاصةً إذا كان الإنسان في الظل فيبقى العضو طرياً إلى أمد أكثر، والبرد مع الهواء والريح ينشف العضو بسرعة، فلو قُدِّر أن العضو في الزمان المعتدل ينشف إلى سبع دقائق فنقول: إذا مضت سبع دقائق ما بين غَسله لوجهه وغسله ليديه بعد عثوره على الماء بطل وضوءه، وإن كان دون ذلك صح وضوءه ولم يؤثر وجود هذا الفاصل. والولاء أصل في ظاهر الآية لأمور: الأمر الأول: أن الله عز وجل أمر بغسل ومسح الأعضاء في الوضوء، وهذا يقتضي أن تكون في موضع واحد. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى على رِجْلِ الرَّجُل قدر لمعة لم يصبها الماء أمره صلوات الله وسلامه عليه أن يعيد وضوءَه، فدل هذا على أن الولاء شرط؛ لأن أمره بإعادة الوضوء إنما هو مبني على وجود فاصل الوقت، فدل على أن الولاء معتبر. وهذا هو الذي يعبر عنه العلماء بقولهم: تجب الموالاة، أي: يلزم المكلف أن يوقع غسل ومسح هذه الأعضاء على الولاء. والله تعالى أعلم. قال رحمه الله: [وهي أن لا يؤخر غَسل عضوٍ حتى ينشف الذي قبلَه]. هذا تعريف الموالاة، وقد يسميه بعض العلماء: ضابط الموالاة. يعني: كأن سائلاً سأل: ما هي الموالاة؟ فقال: (هي أن لا يؤخر غَسل عضوٍ حتى ينشف الذي قبله). وهذا كما قلنا: إن الضابط الذي ذكرناه هو أن لا يؤخر غَسل عضوٍ أو مسح عضوٍ من الأعضاء التي أُمِر بمسحها حتى ينشف الذي قبلَه. إذاً: العبرة بنَشَاف العضو.
الأسئلة
الأسئلة
الخلاف في دخول الأذنين في الرأس
الخلاف في دخول الأذنين في الرأس Q هل من الممكن أن توضحوا لنا قول المصنف رحمه الله: [ومسحُ الرأس ومنه الأُذُنان]؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. أما بعد: فقوله رحمه الله: [ومسحُ الرأس ومنه الأُذُنان]: الأُذُنان: مُثَنَّى أُذُن، وهي الجارحة المعروفة، وأصل الأذن قيل: الإعلام، ومنه قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة:3] أي: إعلام، وقد يُطْلَق بمعنى: الإباحة، ومنه قولهم: أَذِن للضيف، أي: أباح له الدخول. وقوله: [ومنه الأُذُنان]: أي: مِن الرأس، أي: يجب مسحُهما مع الرأس، وفيه حديث عن ابن عباس اختُلِف في إسناده، وضعفه الحافظ ابن حجر والنووي والزيلعي وغيرهم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (الأُذُنان من الرأس) وقد رواه الترمذي، ورواه أيضاً البيهقي والدارقطني وفي بعض أسانيده المتروكُ والضعيفُ، ولذلك استبعد العلماء جَبْر هذا الحديث بالطرق؛ لأنه -كما تعلمون- من ضوابط المتابعة التي يُحَسَّن بها الحديث: ألاَّ يكون المتابِع منكَراً ولا كذَّاباً ولا وضَّاعاً، فلا يُحْكَم بانجبار السند بكذَّاب ولا وضَّاع، كما أشار إلى ذلك صاحب الطلعة، بقوله رحمه الله: وحيث تابعَ الضعيفَ معتبرْ فحَسَنٌ لغيره وهو نظرْ إن لم يكن لتهمةٍ بالكذبِِ أو الشذوذِ فانجبارُه أُبِي هذا الذي مِن غِمده قد انتضى مَن حقَّق الحسنى وجا بالمرتضى أي: أنه لا يُحكَم بانجبار الحديث وصيرورته إلى كونه حسناً لغيره، إذا كانت الطُّرُقُ طُرُقَ كذَّابين ووضَّاعين، فمثل هؤلاء لا يجْبرُ بعضُهم بعضاً، بل يزيدُ الحديثَ توهيناً وضعفاً. فبعضُ العلماء يرى أن هذا الحديث ضعيف؛ لأن الانجبار فيه متعذر، ولا يرون أنه يُجْبَرُ مثلُه. وذهب بعض العلماء إلى أنه يُجْبَر، واعتمدوا خلافاً بين العلماء في إحدى الطرق، اختُلِف في السماع فيها، فرجح هؤلاء العلماء أن السماع بين ابن عباس ومن روى عنه معتبر، وحكم بتحسين الحديث. وبناءً على هذا: يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (الأُذُنان من الرأس) حجةً لمن يرى أن الأُذُنَين تُمْسَحان مع الرأس. وقد اختُلِف في الأُذُنين: فقال بعض العلماء: يجب غسلهما مع الوجه. وقال بعضُهم: تُمسحان مع الرأس. وقال بعضهم: إنهما ليستا من الوجه ولا من الرأس. والقول بأنهما تُغسلان مع الوجه -وهو قول بعض أهل الحديث- كنتُ أتعجب منه، وأقول: كيف يقول الإمام الزهري -رحمة الله عليه وهو ديوان من دواوين العلم في السُّنَّة- إن الأُذُنَين تغسلان مع الوجه؟! فذكرتُ ذلك للوالد رحمة الله عليه، فقال لي: دليله من السُّنة: قوله عليه الصلاة والسلام: (سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره وشق سمعه وبصره) فقال: (وجهي) ثم قال: (شق سمعه) فأضاف السمع إلى الوجه، فقال: هذا يدل على أن الأُذُنَين من الوجه، وليستا من الرأس. وعلى هذا: ما دام أن حديث: (الأذنان من الرأس) ضعيف، فيجب غسل الأُذُنين مع الوجه. والحقيقة: أن الإضافة في الحديث في قوله: (وسمعه) ليست على ظاهرها؛ وإنما هي -كما يسميها العلماء- بالمجاورة، أي: ما جاور الشيء أخذ حكمه، وهذا لأنه في مقام التضرع والابتهال لله عز وجل. وهناك قول رابع يقول: الأُذُنان ما أقبل منهما من الوجه فيغسل، وما أدبر منهما من الرأس فيمسح، وهذا القول يأخذ بالتفصيل. والحقيقة أن الأقوى: أنهما من الرأس. وبناءً على ذلك: يقوى القول بأنهما يمسحان ولا يغسلان. وبناءً عليه: في حال مسحه للرأس -على القول بوجوب مسحهما- أنه لو مسح رأسه ولم يمسحهما لم يكن ماسحاً لرأسه، فيمُسح ظاهرهما وباطنهما، وقد جاءت أحاديث تُكُلِّم فيها، منها: أنه (وضع عليه الصلاة والسلام إبهامه خلف أُذُنِه، ثم أدار المسبِّحة في داخل الأُذُن) صلوات الله وسلامه عليه.
حكم البسملة في الوضوء
حكم البسملة في الوضوء Q هل البسملة فرضٌ من فروض الوضوء؟ وما حكم من نسيها؟ A قد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين: فمنهم من يرى لزومها ووجوبها لحديث أبي هريرة رضي الله عنه وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه). وقال طائفة من العلماء وهو مذهب الجمهور: أن البسملة ليست بواجبة في الوضوء وذلك: أولاً: لأن الله تعالى لم يأمر بها، وقد أمر الله بالبسملة في الذبح فقال: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118]، ونهى عن الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه فقال: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:121]. فلو كانت البسملة في الوضوء واجبةً لذكرها في بداية الوضوء. ثانياً: أن الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء في الصحيحين لم يثبت في واحد منها أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر التسمية قبل الوضوء. ولذلك لا يجب ذكرها عند ابتداء الوضوء. والحديثُ مُتَكَلَّمٌ في سنده، وإن كان مذهب بعض المحققين من المتأخرين أنَّه يُحَسِّن إسناده. ولكن يُجاب: بأن قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) نفي مُسَلَّط على الحقيقة الشرعية. والقاعدة في الأصول: (أن كل نفي تسلَّط على الحقيقة الشرعية، وتعذَّر حملُه على نفي الصحة وَجَبَ صرفُه إلى الكمال)، كقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له) أي: لا إيمان كامل، فإنه نفي مسلَّط على الحقيقة الشرعية، فلا يستقيم نفي صحة الإيمان ووجود الإيمان؛ لوجود الأدلة التي تدل على أن ارتكاب الكبيرة نقصانٌ في الإيمان وليس ذهاباً لحقيقته. وبناءً على ذلك: يكون قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) أي: لا وضوء كامل، وهذا هو الأولى والأقوى. والله تعالى أعلم.
حكم تخليل الأصابع في الوضوء
حكم تخليل الأصابع في الوضوء Q ما حكم تخليل الأصابع في الوضوء؟ A فيه حديث المستورد بن شداد رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلَّل أصابعه، رآه يُخَلِّل بخنصره) ولكن الحديث مُتَكَلَّم فيه.
معنى قاعدة الأحناف: أكثر الشيء يغني عن كله
معنى قاعدة الأحناف: أكثر الشيء يغني عن كله Q قاعدة الأحناف: أن أكثر الشيء يغني عن كله، فهل إذا غسل شخص ثلاثة أرباع يده يكون ذلك مجزئاً في المذهب؟ A لا، الأحناف ليسوا مغفلين حتى يستدرك عليهم مثلك، الأحناف أئمة وعلماء وجهابذة، هذا -بارك الله فيك- في المعدودات، وفي أجزاء الشيء الذي يقبل التبعيض، أما اليد فما تقبل التبعيض، والمعدودات: كأشواط الطواف بالبيت، وأشواط السعي بالمسعى. وأما بالنسبة لجزء الشيء المتحد فلا تدخله القاعدة عندهم، وإن كان بعضهم يطْرِد ذلك في مسائل في الجزء المتحد؛ لكن هذا أمر مشكل حتى عند فقهائهم، وكل قاعدة لها شواذ. على العموم: ليس مرادهم الإطلاق، وإنما مرادهم أن الأجزاء التي ورد الشرع بتجزئتها يعتبر فيها الأكثر.
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتون غرا محجلين)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (يأتون غراً محجلين) Q هل ورد أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يزيد في غسل أعضائه بعد سماعه لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتون غُرَّاً محجَّلين)؟ وما معنى: (غُرَّاً محجَّلين)؟ A نعم، ورد عنه رضي الله عنه أنه كان يبالِغ حتى يغسل كثيراً من الساق، وكثيراً من العضد، وكان يتأول قوله عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غُرَّاً محجَّلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غُرَّته فليفعل) قيل: إن قوله: (من استطاع) مُدْرَج من كلام أبي هريرة؛ لأنه كان يتأول ذلك. والصحيح: أن معنى (الغُرَّة والتحجيل): هو البياض الذي يوجد في قوائم وجبين الفرس، إذاً الغُرَّة في الجبين، والتحجيل في القوائم. وهذا الوصف الذي ورد المراد به من أسبغ وضوءه، أي: دائماً يتوضأ ثلاثاً، وأيضاً يُكْثِر من الوضوء، فالذي يُكْثِر من الوضوء يَعْظُم نورُه ويَعْظُم أثرُ وضوئه، ويكون محمولاً على هذا الفضل في قوله: (إن أمتي يُدْعون يوم القيامة غُرَّاً محجَّلين) والدليل على أنه ليس المراد به الزيادة على المحل: أن قوله: (غُرَّاً محجَّلين) منحصر في الموضع، وما انحصر في الموضع لا يقبل الزيادة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث لما توضأ وأتم وضوءه وغسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين، قال: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد فقد أساء وظلم) ولذلك لا تشرع الزيادة، وإنما يُقْتَصر على الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. واجتهادُ أبي هريرة رضي الله عنه مأجورٌ عليه غيرُ مأزور؛ ولكن الصحيح: أن التحجيل والبياض والغُرَّة إنما تكون لمن أدمن الوضوء وحافظ عليه، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) فمن فضائل الأعمال وطيِّبها وأحبها إلى الله: كثرة الوضوء، فإنه إذا أكثر من الوضوء تحاتت عنه ذنوبه، وذهب أثر المعصية من جوارحه، فكان ذلك أدعى أنه إذا بُعث وحُشر أن يدعى على أكمل ما يكون من نور وبهاء. جعلنا الله وإياكم ذلك الرجل. والله تعالى أعلم.
حكم نسيان الترتيب في الوضوء
حكم نسيان الترتيب في الوضوء Q على القول بأن الترتيب فرض فهل يسقط الترتيب بالسهو أو الجهل؟ A لا يسقط الترتيب بالسهو والجهل، وقد اختار الإمام مالك رحمة الله عليه -وهو اختيار بعض الفقهاء- أنه واجب عند الذكر ساقط عند النسيان، واحتجوا بقوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، وقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان). والصحيح أنه يُرفع الإثم بالنسيان، ويجب ضمان الحق، حتى إن الإمام مالك رحمة الله عليه في فرائض الحج وواجباتها لم يسقطها بالنسيان، وأوجب ضمانها وجبرها، وقال: سقط الإثم لمكان النسيان ووجب الضمان لمكان الحق. وهذا أصل في الشرع، فيقوى مطالبته بالضمان والإعادة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى الصحابي وعليه اللمعة لم يسأله: أنسيت؟ وإنما أمره بالإعادة مطلقاً. والله تعالى أعلم.
تتابع صيام الست من شوال
تتابع صيام الست من شوال Q هل الأفضل صيام الست من شوال متفرقة أم متتابعة؟ A الأمر واسع؛ ولكن تتابعها من باب المبادرة إلى الخير أفضل وأكمل ما لم يُعْتَقد في الأيام المتتابعة، ولذلك شدد الإمام مالك رحمة الله عليه في صيام الست؛ لأن الناس صاروا يصومونها من اليوم الثاني من الفطر، فخشي أن يُزاد في العبادة ما ليس منها؛ لأن من قواعد مذهبه رحمة الله عليه -وكان يشدد في هذا حيطةً للدين وصيانةً له من البدع والأهواء- أنه كان يمنع من صيام الست، ومراده من ذلك أن لا يعتقد أنها من رمضان؛ لأن الناس بالغوا فيها، فكان الرجل بمجرد فطره يصوم في اليوم الثاني، وقد يفوت زيارته للناس، وحصول الأنس بإصابة شرابهم وطعامهم في أيام العيد، فشدَّد من هذا الوجه، وكانت النصارى تزيد في أعداد الأيام المفروضة عليهم، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك) لئلا يُعتَقد أنه من رمضان فيُزاد في عدده، ولذلك شدد الإمام مالك فيما بعد رمضان إعمالاً لهذا الأصل، وهو خوف اعتقاد الوجوب، وأنها من رمضان، وقد كانوا يقولون: أتممتَ رمضان أو لم تتمَّه؟ ومقصودُهم: أتممت العدد ستاً وثلاثين حتى يُكتب الصيام بعدد أيام العام أو لم تتمه؟ فصارت الست كأنها من رمضان، وكأنها من تمام العدة، فاحتاط رحمه الله لذلك سداً للذريعة. والله تعالى أعلم.
تقديم صيام الست من شوال على القضاء
تقديم صيام الست من شوال على القضاء Q ماذا يفعل من كان عليه قضاء من رمضان وأراد أن يصوم الست من شوال؟ A أما من كان عليه قضاء من رمضان فلا حرج عليه أن يصوم ستاً من شوال ثم يؤخر قضاء رمضان، وذلك لحديث أم المؤمنين عائشة الثابت في الصحيح أنها قالت: (إن كان يكون عليَّ الصوم من رمضان فلا أقضيه إلا في شعبان، لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني) فقد كانت تصوم الست، وكانت تصوم عرفة، كما ثبت في الموطأ، وكانت تصوم يوم عاشوراء، ولذلك قالوا: إنه يجوز تأخير القضاء. ومَنَعَ بعض العلماء، واحتجوا بأنه كيف يَتَنَفَّل وعليه الفرض؟ وهذا مردود؛ لأن التَّنَفُّل مع وجود الخطاب بالفرض فيه تفصيل: فإن كان الوقت واسعاً لفعل الفرض والنافلة ساغ إيقاع النفل قبل الفرض بدليل: أنك تصلي راتبة الظهر قبل صلاة الظهر وأنت مخاطب بصلاة الظهر، فإن الإنسان إذا دخل عليه وقت الظهر وزالت الشمس وجب عليه أن يصلي الظهر، ومع ذلك يؤخرها فيصلي الراتبة، ثم يصلي بعدها الظهر، فتنفل قبل فعل الفرض بإذن الشرع، فدل على أن النافلة قد تقع قبل الفرض بإذن الشرع، فلما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين عائشة أن تؤخر القضاء دل على أن الوقت موسع. وأما قوله: (من صام رمضان ثم أتبعه) فهذا خارج مخرج الغالب، والقاعدة: (أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومُه). فليس لقائل أن يقول: إن مَن عليه قضاء فلا يصم رمضان. ثم نقول: لو كان الأمر كما ذُكِر لم يشمل الحديث مَن أفطر يوماً من رمضان؛ فإنه لو قضى في شوال لم يصدُق عليه أنه صام رمضان حقيقةً؛ وإنما صام قضاءً ولم يصم أداءً. ولذلك: الذي تميل إليه النفس ويقوى: أنه يصوم الست، ولا حرج أن يقدِّمها على قضائه من رمضان. وهذا هو الصحيح، فإن المرأة النفساء قد يمر بها رمضان كلُّه وهي مفطرة، وتريد الفضل، فتصوم الست، ثم تؤخر قضاء رمضان إلى أن يتيسر لها. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
باب فروض الوضوء وصفته [2]
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [2] النية شرط لصحة العبادات بإجماع أهل العلم، ولذلك ينبغي على المسلم أن يراعي النية في وضوئه، وأن يستصحبها، ويعرف أحكامها وما يترتب عليها حتى تصح عبادته لله تعالى.
حقيقة النية وأهميتها في قبول الأعمال
حقيقة النية وأهميتها في قبول الأعمال بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: [والنية شرط لطهارة الأحداث كلها]. النية مأخوذة من قولهم: نوى الشيء ينويه نِيَّةً ونِيَةً بالتخفيف والتشديد. والنيَّة في لغة العرب معناها: القصد، تقول: نويتُ الشيء، إذا قصدتَه، سواءً كان ذلك في القول أو في الفعل. وقول العلماء رحمهم الله: النية شرط في طهارة الأحداث. مرادهم بذلك: أن يقصد المكلف العبادة، ويكون قصده مشتملاً على التقرب لله جَلَّ وعَلا. والأصل في وجوب النيَّة ولزومها في العبادات قول الله تعالى مخاطباً نبيه: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2]. فقوله تعالى: (فَاعْبُدِ) أمر. وقوله: (مُخْلِصَاً) أي: حال كونك مخلصاً. وقوله: (لَهُ الدِّيْنَ) أي: لتكن عبادتك خالصة لله جَلَّ وعَلا. ومن المعلوم أنه لا يتحقق الإخلاص إلا بتجريد النية لله. وبناءً على ذلك: يتوقف اعتبار العبادة على نية القربة، فلو أن إنساناً وقف يصلي، وأثناء وقوفه لم يستشعر العبادة لله جَلَّ وعَلا، أو فعل أفعال الصلاة وقصد بها رياضة البدن، فإنها لا تعتبر عبادة مجزئة. إذاً: لابد في العبادة من قصد القربة لله سبحانه وتعالى، فلو أن إنساناً أعطى غيره مالاً، فإن قصد به الزكاة كان زكاة، وإن قصد به المحاباة كان محاباة، وإن قصد به الهبة والهدية كان هبة وهدية. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن العبادات لا تصح إلا بنية، وقد قرر الشاطبي رحمه الله مبحثاً نفيساً، ينبغي على طالب العلم أن يرجع إليه -وهو يعتبر إماماً في المقاصد والنيات-، في كتابه: الموافقات، في الجزء الأول في كتاب المقاصد، عقد فصلاً كاملاً لتقرير وجوب النية ولزومها في العبادات، وبيَّن وجه اعتبار الشرع لها، ووجه التزام المكلف بها. الشاهد من هذا: أنه لا يصح إيقاع الوضوء ولا الغسل من الجنابة على الوجه المعتبر شرعاً، إلا إذا نوى الإنسان به الغسل والوضوء، فلو أن إنساناً اغتسل وغسل جميع بدنه قاصداً التبرد أو نظافة البدن، وكانت عليه جنابة، لم يجزئه ذلك الغسل، إلا إذا نوى رفع الجنابة. وكذلك الحال فيما لو أن إنساناً كانت عليه جنابة أو امرأة طهُرت من حيضها، ثم انغمس كل منهما في بركة، وكان قصدهما التبرد في فصل الصيف مثلاً، فإن هذه النية لا تجزئهما عن رفع حدث الحيض وكذلك حدث الجنابة. إذاً: فلا بد من نية الوضوء ونية الغسل، ويستوي في ذلك الطهارة الصغرى والكبرى. وهذا الذي عبر عنه المصنف رحمه الله بقوله: (لطهارة الأحداث)، والأحداث تقدم تعريفها لغةً واصطلاحاً. وقول المصنف رحمه الله: (والنية شرط) الشرط في اللغة: العلامة. وأما في اصطلاح العلماء: فهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود ولا العدم لذاته. مثال ذلك: عندما نقول: الوضوء شرط لصحة الصلاة، فإنه يلزم من عدم الوضوء عدم صحة الصلاة؛ لأن الوضوء شرط لصحة الصلاة، ولا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة، فإن الإنسان قد يتوضأ ولا يصلي.
حكم النية في الوضوء
حكم النية في الوضوء هذا معنى قولهم: الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود. وقوله: (والنية شرط لطهارة الأحداث كلها) هذه مسألة خلافية، اختلف فيها جمهور العلماء مع الإمام أبي حنيفة وأصحابه. فالجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية يرون أن الوضوء والغسل لا يصح إلا بالنية، فمن اغتسل للنظافة أو للتبرد وكان عليه حدث جنابة أو حيض لم يجزئه، وكذلك من توضأ وكان عليه حدث أصغر، فإنه لا يجزئه إذا نوى بوضوئه التبرد في الصيف مثلاً. وذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول بعض السلف إلى أن الوضوء والغسل يصح كل منهما بدون نية، ولو كان قاصداً النظافة، فإنه يجزئه ويصح. واحتج الجمهور بدليل الكتاب والسنة والعقل: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2]، وجه الدلالة: أن الوضوء عبادة وديانة، فلا يصح إلا بإخلاصه ونيته. وكذلك قوله سبحانه: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5]، قالوا: الوضوء عبادة، والدليل على كونه عبادة: أنه غسل لأعضاء على صفة مخصوصة، ولذلك أمر بغسل بعض الأعضاء ومسح بعضها، ولو كان عبادة معقولة المعنى لما تأتى فيه ذلك، فقالوا: إنه عبادة لا يُعقل معناها، فلا تصح بدون نية. وأما دليل السنة: فحديث عمر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، ووجه الدلالة: أن الوضوء عمل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن صحة الأعمال موقوفة على النية، والوضوء عمل، فلا يصح إلا بنية. وأما دليلهم من النظر الصحيح: قالوا: تجب النية في الوضوء كما تجب في التيمم، وتجب النية في الغُسل كما تجب في التيمم، لجامعِ كونِ كلٍّ منهما طهارة من حدث. هذا حاصل ما استدل به الجمهور من دليل النقل والعقل. أما الإمام أبو حنيفة -رحمة الله عليه- وأصحابه فدليلهم العقل: قالوا: إن الوضوء أو الغسل كل منهما عبادة معقولة المعنى، وهو وسيلة وليس بغاية، والوسائل لا تشترط لها النية، ولذلك قالوا: يصح الوضوء بدون نية. ومعنى قولهم: لا يشترط في الوسائل النية أنك لو أردت أن تذهب إلى المسجد -مثلاً- وركبت السيارة، فإنه لا يلزمك في هذه الوسيلة التي تتوصل بها إلى العبادة أن تنوي بها الوصول للعبادة، فلو ركبت السيارة مجرداً عن النية، ثم بلغت بها المسجد، لصح خروجك ذلك عبادةً وطاعةً لله جل وعلا، فقالوا: هو من الوسائل، ومن العبادات المعقولة المعنى. والصحيح: مذهب الجمهور، أن الوضوء لا يصح إلا بالنية، وكذلك الغسل من الجنابة؛ لما ذكرنا من دليل النقل والعقل.
ضوابط النية وحالاتها
ضوابط النية وحالاتها هذه النية لها ضوابط:
تقدم النية على العبادة
تقدم النية على العبادة أولاً: أنه ينبغي أن تقع قبل البداءة بالعبادة، أو عند البداءة بها مصاحبة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم، وغسل الوجه لا يتأتى إلا بعد نيته، ويكون مصاحباً لأول مفروض، فإذا قام الإنسان من النوم كانت بداية النية عند غسله لكفيه، وإن كان في النهار فيلزمه وجود النية عند غسله لوجهه، أي: باعتبار كونها شرطاً لصحة الوضوء، فلو عَزَبَت عنه قبل ذلك لصح وضوءه؛ لأنها تجب عند أول مفروض. ولكن بالنسبة لما قبل المفروض الأول فلا يتحقق فيه الثواب، على الأصل الذي قرره العلماء رحمة الله عليهم.
أحوال اندراج النية في الوضوء
أحوال اندراج النية في الوضوء ثانياً: النية في الوضوء لها أحوال: إما أن ينوي الأعلى، ويندرج تحته الأدنى. أو ينوي الأدنى، فلا يندرج تحته الأعلى. وإما أن ينوي المساوي. وفيه تفصيل: فالحالة الأولى: أن ينوي الأعلى ويندرج تحته الأدنى، وهذا يتأتى في نية رفع الحدث المطلقة، كأن يأتي إنسان إلى مكان ما أو يُحضِر الماء للتطهر، ناوياً به رفع الحدث الذي تلبس به، فينوي الطهارة الصغرى والكبرى، فيجزئه أن يصلي جميع الصلوات، وأن يستبيح جميع العبادات التي يُشترط الوضوء لصحتها: من طواف بالبيت، وصلاة على الجنائز، ومس للمصحف، وغير ذلك مما تشترط له الطهارة. هذا إذا نوى رفع الحدث، بمعنى أن يكون رافعاً للحدث الذي هو متلبس به. ويتأتى اندراج الأدنى تحت الأعلى أيضاً فيما لو نوى عبادةً بعينها، كأن ينوي أن يتوضأ لصلاة الظهر، أو يتوضأ لصلاة العصر، وهي صلاة مفروضة، فإذا نوى الفرض اندرجت تحته النوافل، وصح منه أن يصلي الرواتب القبلية والبعدية وسائر النوافل. الحالة الثانية: وهي نية الأدنى، وتكون بنية النافلة أو ما دون النافلة، ينوي النافلة كأن يتوضأ من أجل أن يصلي ركعتي الضحى، أو يتوضأ من أجل أن يصلي ركعتين فيستخير الله جل وعلا، فينوي وضوءه من أجل هذه الصلاة، فيكون نوى بوضوئه الأدنى، وهكذا لو نوى ما هو أدنى من النافلة، كأن يتوضأ من أجل أن يمس المصحف، كما لو رأى مصحفاً فأراد أن يرفعه أو يحفظه، فتذكر أنه محدث، فقام فتوضأ من أجل أن يستبيح مس هذا المصحف ليرفعه، فقد نوى الأدنى، الذي هو أدنى من الفرض والنافلة. فإن نوى الأعلى، أو نوى النية المطلقة لرفع الأحداث، فإنه يجزئه أن يصلي ما شاء. وإن نوى الأدنى، الذي هو النافلة، فلا يصلي فرضاً. وهل يتأقت ذلك بالنافلة نفسها بعينها، فلا يصلي من النوافل، أو لا يتأقت في النوافل -وهو أقوى-؟ وجهان للعلماء. وإن نوى الأدنى وهو مس المصحف فلا يستبيح به الصلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى). قال العلماء: إن هذا الحديث دليل لهذا التفصيل، فمن نوى رفع الحدث ارتفع حدثه، ومن نوى نافلةً خُصَّ رفع الحدث بالنافلة، أي: أنه يستبيح فعل النافلة، فيُنَزَّل منزلة التيمم، وقد عهدنا من الشرع طهارةً يستباح بها فعل العبادات: من مس للمصحف، وطواف بالبيت، وصلاة ونحوها، وهي التيمم. وبناءً على ذلك: لا تصح الصلاة إذا نوى الأدنى، وكانت الصلاة التي يُراد أداؤها صلاةَ فرض ونحوها.
ضرورة نية رفع الحدث الأصغر أو الأكبر
ضرورة نية رفع الحدث الأصغر أو الأكبر قال رحمه الله: [فينوي رفع الحدث]. أي: أن الإنسان إذا انتقض وضوءه ببول أو غائط أو ريح أو نوم فإنه يوصف بكونه محدِثاً، فينوي رفع هذا الحدث، فإن نام أو بال، أو خرج منه ريح، فإنه ينوي رفع الحدث الأصغر، وإذا خرج منه مَنِي، فإنه ينوي رفع الحدث الأكبر، وهكذا.
تحديد النية في الطهارة
تحديد النية في الطهارة قال رحمه الله: [أو الطهارة لما لا يباح إلا بها]. قوله: (أو الطهارة) أي: ينوي الطهارة. قوله: (لما) أي: لشيء. قوله: (لا يباح إلا بها) أي: لا يباح هذا الشيء إلا بالطهارة، مثل: الصلاة، والطواف بالبيت، وكذلك مس المصحف؛ على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم.
النية فيما تسن له الطهارة
النية فيما تسن له الطهارة قال رحمه الله: [فإن نوى ما تُسَنُّ له الطهارة كقراءةٍ أو تجديداً مسنوناً ناسياً حدثه ارتفع]. قوله: (فإن نوى) الفاء: للتفريع، فبعد أن قرر الأصل بدأ يفرِّع على ذلك الأحكامَ. قوله: (ما تُسُنُّ له الطهارة) أي: لا تجب، بمعنى: أن ينوي شيئاً ضعيفاً. فهذا على سبيل النفل لا على سبيل الوجوب، فتكون نيتُه نيةً ضعيفة، بخلاف ما إذا نوى الذي تقدم من الصلاة المفروضة، والطواف بالبيت، فهذه نيةٌ لواجب. فالوضوء: إما أن يكون لمسنون. وإما أن يكون لواجب.
حكم الاكتفاء بالمسنون عن الواجب في الطهارة
حكم الاكتفاء بالمسنون عن الواجب في الطهارة قال رحمه الله: [وإن نوى غسلاً مسنوناً أجزأ عن واجب]. أي: إن نسي حدثه ارتفع الحدث لوقوع الوضوء بعد حدث سابق؛ لأنه لما نوى المسنون وجدت فيه نية العبادة، وهي نية الوضوء، فصح إيقاع الوضوء، ووقع الوضوء بعد حدث، فيزول ذلك الحدث بوجود موجب زواله. وقال بعض العلماء: إنما يعتبر مبيحاً لا رافعاً؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئ ما نوى) فيستبيح المحظور الذي يُسَنُّ له الوضوء، ولا يعتبر حدثُه مرتفعاً، وهذا اختيار بعض العلماء رحمة الله عليهم، وهو أحوط كما قلنا، وسبق بيان دليلهم من حديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين. فعندنا للعلماء في هذه المسألة وجهان: بعض العلماء يقول: إذا وقع الوضوء المسنون والأدنى ناسياً حَدَثَه ارتفع الحدث، ويستبيح بذلك ما شاء من الصلوات المفروضة والنافلة. ومنهم من يحدد ويقول: إذا نوى المسنون صار وضوءه للاستباحة، كالتيمم، وإن نوى الفرض أو نوى رفع الحدث فإنه يعتبر وضوءه مبيحاً لسائر العبادات التي يشترط لها الوضوء، سواءً كانت واجبة أو كانت نافلة. وهذا القول الثاني قلنا: إنه أقوى، كما أشار إليه بعض الفضلاء بقوله: ولينوِ رفعَ حَدَثٍ أو مفترَض أو استباحةً لممنوعٍِ عَرَض وهي ثلاثة أحوال: ينوي رفعَ حَدَثٍ: وهي أعلاها. أو مفترَض: في حكم الأعلى. أو استباحةً لممنوعٍِ عَرَض. فجعل المسنون في حكم الاستباحة، وهذا هو المذهب الأقوى، أنه يُنَزَّل منزلة التيمم، فيستبيح به؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، فهذا نوى الأدنى، فلا يصح حمله على الأعلى؛ لأن ظاهر السنة التي احتُج بها على وجوب النية في الوضوء مقيدة للنية على حسب ما نوى، سواءً كان الأدنى أو الأعلى.
صحة اندراج الحدث الأدنى تحت الأعلى
صحة اندراج الحدث الأدنى تحت الأعلى قال رحمه الله: [وكذا عكسُه] يعني: لو نوى الأعلى لاندرج تحته الأدنى، قولاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم. الخلاف: فيما إذا نوى الأدنى، فهل يرفع الحدث فيستبيح الأعلى أو لا؟ قلنا: الصحيح: أنه لا يستبيح. وإن نوى الأعلى واندرج تحته الأدنى صح له أن يصلي ما دونه، كأن ينوي صلاة الظهر، فيجوز له أن يأتي بالنوافل قبلها وبعدها.
ارتفاع سائر الأحداث بارتفاع أحدها
ارتفاع سائر الأحداث بارتفاع أحدها قال رحمه الله: [وإن اجتمعت أحداث توجب وضوءاً أو غُسلاً فنوى بطهارته أحدَها ارتفع سائرُها]. هذا على الأصل عند بعض العلماء حيث يرى وجود الطهارة بعد الحدث رافعاً للحدث، ولا يفصِّل، يقول: المهم أن الله أمرنا بالوضوء بعد الحدث، فإذا وقع الوضوء بعد الحدث رفع الحدث، ولا يفصِّل بين كونه يبيح أو كونه يرفع. والحقيقة أن هذا المذهب وسط بين من ألغى النية بالكلية، وبين من اعتبر النية واعتبر معها صفة النية، ولا شك أن الدليل الذي دل على لزوم النية في الوضوء: (إنما الأعمال بالنيات) دل بمقطعه الأول على أن صحة الوضوء موقوفة على النية، ودل بمقطعه الثاني على الحصر: (وإنما لكل امرئ ما نوى) يقول العلماء: مفهومه أن من لم ينوِ شيئاً لا يكون له، فهذا نوى الأدنى، فكيف نقول: يستبيح به الأعلى؟ ومنطوقه: أن من نوى شيئاً كان له. هذا هو وجه من يقول بأن الأدنى لا يجزئ في استباحة الأعلى، وهو كما قلنا: أقوى القولين. إن اجتمعت أغسالٌ، مثل: المرأة يكون عليها الحيض وتكون عليها الجنابة، فجاءت ونوت الغسل للحيض، فإنها ترتفع الجنابة، أما لو كان جنس الحدث مكرراً وقصد رفع الحدث نفسه، بغض النظر عن كونه يستبيح صلاة مفروضة أو غير مفروضة، صح الرفع في حالة نية رفع الحدث وهي الحالة العليا، فتشمل هذه النية ما عيَّن وما لم يعيِّن، مثال ذلك: رجل بال وتغوط وخرج منه الريح ونام، أربعة أحداث، فإن هذا لا نقول له: إن نويت رفع البول ارتفع، وبقي عليك حدث النوم والغائط، إنما نقول: نيتك لواحد منها كنيتك لسائرها. وهكذا لو تعددت الأحداث من جنس واحد، كأن ينام مرات متتابعة، ينام ويستيقظ، ثم ينام ويستيقظ، ثم ينام ويستيقظ، فهو حدث واحد؛ لأن الحدث لا يتجدد ولا يوصف بالتعدد، وإنما يعتبر حكماً واحداً، فينتقض الوضوء بالأول منه، ويرتفع هذا الحدث بالوضوء بعده، هذا هو وجهُ إذا لم ينوِ الأحداث بعينها، فقال: أنا أريد أن أرفع هذا الحدث عني، فتوضأ أو اغتسل صح وضوءه وغُسله، ويعتبر ذلك موجباً لارتفاع جنابته وأحداثه الصغرى.
وجوب النية عند أول واجبات الطهارة
وجوب النية عند أول واجبات الطهارة قال رحمه الله: [ويجب الإتيان بها عند أول واجبات الطهارة] بعد أن بين نوعية النية، والشيء الذي تقع له النية، شرع رحمه الله في بيان موضع النية ومكان النية، فقال رحمه الله: (ويجب الإتيان بها) أي: يجب الإتيان بالنية. قوله: (عند أول واجبات الطهارة) فأول واجبات الوضوء: إن كان مستيقظاً من النوم فأول واجب عليه أن يغسل كفيه ثلاثاً، فيجب عليه أن يأتي بالنية عند أول هذا الواجب. وإن قلنا بوجوب المضمضة والاستنشاق، فإنه في حالة ما إذا كان مستيقظاً تكون نيته عند إرادته المضمضة والاستنشاق. وإن قلنا بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق، فإن أول مفروض واجب بالإجماع هو الوجه، فيكون إتيانه للنية واستحضاره لها عند غسله للوجه. فإن سبقت النية هذا الواجب، فلا يخلو سبقُها من أمور: إما أن يكون بفاصل يسير غير مؤثر. وإما أن يكون بفاصل مؤثر. وتوضيح ذلك: لو استيقظ إنسان من نومه، ثم نوى أن يتوضأ، وأحضر الإناء، وصحِبت نيتُه سكبَ الماء في الإناء، ثم غسل يديه وشرع في وضوئه، فإن هذا الفاصل: إحضار الإناء ووضع الماء فيه، فاصل يسير، فهذا الفاصل غير مؤثر، فهو مع أنه أثناء غسله لكفه لم يستحضر نية الوضوء صح وضوءه؛ لأن الفاصل غير مؤثر، أما لو كان الفاصل بين الواجب وبين النية فاصلاً مؤثراً، فإنه يلزمه أن يعيد وضوءه، كمن لم ينوِِ؛ لأن الفاصل إذا طال اعتبرت النية لاغيةً بسببه، كالحال في الصلاة ونحوها من العبادات. قال رحمه الله: [وهو التسمية] أي: تجب النية عند التسمية، ونحن قلنا: إن الصحيح أن التسمية ليست بواجبة، لكن المصنف اختار وجوبها. وبناءً على القول بوجوب التسمية، تكون النية عند التسمية. وهناك قول في وجوب التسمية يفصِّل بين نسيانها وعدم نسيانها، فإن نسيها عند غسله لكفيه صح وضوءه، على القول بأن نسيانه يسقط المطالبة والمؤاخذة. إذاً: للنية حالتان: تجب عند أول واجب، ويختلف ذلك باختلاف العلماء: فإن قلتَ: التسمية واجبة عند الوضوء، فينظر: فإن كان بين التسمية والوضوء فاصل مؤثر لم تعتبر نيته ولا تسميته، وإن كان الفاصل غير مؤثر اعتبرت تسميته ونيته. وإن قلنا: أن أول الواجبات هو المضمضة والاستنشاق، فتكون نيته عند إرادة المضمضة والاستنشاق. وإن قلنا: إن أول واجب هو غسل الوجه، كانت نيته واجبة عند ابتدائه بغسل وجهه.
سنية النية عند أول مسنونات الطهارة
سنية النية عند أول مسنونات الطهارة قال رحمه الله: [وتُسَنُّ عند أول مسنوناتها إن وجد قبل واجب] كيف يتأتى هذا؟ يتأتى هذا في غسل الكفين لغير المستيقظ من نومه، فإنه إذا لم يسمِّ إلا عند المضمضة والاستنشاق، تكون قد وقعت التسمية -التي هي أول الواجبات- بعد غسل الكفين وهو أول المسنونات. وبناءً على ذلك: يُسَنُّ له أن ينوي عند ابتداء غسل كفيه، فإن عزبت عنه النية، لزمه أن ينوي عند ابتداء المضمضة.
استصحاب النية في الطهارة
استصحاب النية في الطهارة قال رحمه الله: [واستصحاب ذكرها في جميعها ويجب استصحاب حكمها]. الاستصحاب للنية بمعنى: أنه أثناء غسله ليده وعند صبه للماء يستشعر أن هذا الغسل يُقصد به رفع الحدث، ثم إذا تمضمض وأراد إدخال الماء استشعر نية التعبد؛ لأنه قد يُدْخل الماء إلى فمه لنظافته ونقائه، ولذلك قالوا: لا بد أن يكون عنده نوع من الاستصحاب، وهذا الاستصحابُ في الحقيقة يفتح باباً عظيماً من الوسوسة، ولذلك لا ينبغي على الإنسان أن يشدد فيه، فالأمر وسط والدين دين يُسر ورحمة. ولذلك بمجرد كون الإنسان يبتدئ وضوءه وهو مستشعرٌ لهذه العبادة، فإنه يجزئه ذلك إلى ختم عبادته، ويُعتبر فقط -على ما ذكره المحققون من العلماء- أن لا يأتي عارض يرفع النية، بمعنى: أن لا تختلف النية، أو يختلج في نفسه ما يوجب رفع نيته، كأن يكون أثناء غسله ليده أراد التنظيف، فيخرج عن كونه متوضئاً، وتكون هنا المصاحَبة لازمة، ويعتبر ملزماً بإعادة غسله ليده؛ لكن كوننا نقول: يلزمه عند كل عضو أن يكون مستشعراً، فهذا الأمر يفتح باباً عظيماً من الوسوسة. ولذلك فإن المعتبر أن لا يُدخِل ما ينقض النية، وهذا سهل؛ لأن الإنسان بمجرد إحضاره للماء عُرِف أنه يقصد الوضوء، وبمجرد بداءته بغسل كفيه، ومراعاته لأمر الشرع يعتبر هذا دليلاً على المصاحبة. ولذلك فإن العلماء سلكوا مسلكين: منهم من يقول: أعتبر دلالة الحال مغنية وكافية. ومنهم من يقول: لا، بل لا بد أن تصحبه النية؛ ولا تكفي دلالة الحال. ولذلك فإن المعتبر أن لا يأتي الناقض لهذه النية والرافع لها، كأن يكون أثناء غسله لوجهه أعجبه برد الماء في الصيف فقصد بذلك التبرُّد، فهذا يعتبر ناقضاً لنيته للعبادة، أما إذا لم يوجد الناقض فهو متوضئ، ولا حاجة إلى التشديد في هذا؛ لأنه يفتح باباً من الوسوسة ويعظُم معه البلاء على كثير من الناس. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب فروض الوضوء وصفته [3]
شرح زاد المستقنع - باب فروض الوضوء وصفته [3] اهتم العلماء ببيان صفة الوضوء الشرعي، سواء كانت الصفة الكاملة أو الصفة المجزئة، وكلها مأخوذة من النصوص الشرعية الواردة في بيان هذه العبادة وصفتها.
بيان صفة الوضوء وأحكامه
بيان صفة الوضوء وأحكامه بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال المصنف رحمه الله: [وصفة الوضوء] بعد أن بين لنا رحمه الله فرائض الوضوء شروط صحته شرع في بيان صفة الوضوء. وللفقهاء في هذا مسلكان: - بعضهم يبدأ بصفة الوضوء الكاملة، ثم يبين فرائض الوضوء وشرائط صحته ومسنوناته، فيقول لك: والواجب من ذلك: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين. وهذا مسلك الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في كتابه: العمدة، حيث قدم الصفة الكاملة ثم أتبعها ببيان الواجبات. وهذا المنهج الذي سلكه ابن قدامة في العمدة أفضل؛ لأن افتتاح باب الوضوء بصفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم الكاملة أفضل وأبلغ في التأسي، وأدعى لتطبيق الناس وعملهم به، ولذلك فالأفضل أن يُذكر الوضوء بكماله، ثم يُبَيَّن الواجب، فيقول: الواجب: غسل الوجه، واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، ثم يُسَنُّ له أن يغسل كفيه إذا لم يكن مستيقظاً من النوم، وأن يتمضمض، وأن يستنشق. إلخ. هذه الطريقة أفضل؛ لما فيها من الاستفتاح بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعلها ابن قدامة رحمه الله في كتابه: العمدة. أما في كتابه المقنع فقد ذكر الواجبات والفرائض أولاً، ثم أتبعها بالصفة الكاملة.
الفرق بين الكمال والإجزاء
الفرق بين الكمال والإجزاء قوله: (وصفة الوضوء) صفة الشيء: حِليته وما يتميز به، ولما كان الوضوء قد أمر الشرع فيه، بغسل ومسح أعضاء مخصوصة، فإن له صفتين: الصفة الأولى: يسميها العلماء: صفة الكمال. والثانية: يسميها العلماء: صفة الإجزاء. أما صفة الكمال: فهي الصفة التي توضأ بها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أكمل ما يكون عليه إيقاع هذه العبادة، مثل البداءة بالمسنونات، سواء كانت قولية أو فعلية، والمحافظة على وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وهديه في الوضوء كاملاً، فهذا يعتبر صفة كمال؛ لأن المكلف حصَّل فيه أعلى درجات هذه العبادة. وأما صفة الإجزاء: فهي الصفة التي إذا فعلها أجزأه وضوءه، كأن يكون ماؤه قليلاً، ويخشى أنه لو فعل المسنونات أنه لا يستطيع غسل المفروضات، فيقتصر على صفة الإجزاء. هذا وجه تقسيم الوضوء إلى صفة إجزاء وكمال. والسبب في هذا التقسيم: أنه يستفاد منه في الحكم بصحة الوضوء، وعدم صحته في حال ترك شيء من الوضوء. فإذا قلنا: إن غسل اليدين يعتبر من فرائض الوضوء، فتوضأ ولم يغسل يديه لم يصح وضوءه. وإذا قلنا: إن المضمضة والاستنشاق ليس كل منهما من فرائض الوضوء، فتوضأ ولم يتمضمض ولم يستنشق، لحكمنا بصحة وضوئه. هذا الفرق بين كونه مجزئاً وكونه كاملاً. قال رحمه الله: [أن ينوي ثم يسمي] تقدم الكلام على النية، وعلى التسمية.
حالات غسل الكفين وحدهما
حالات غسل الكفين وحدهما قال رحمه الله: [ويغسل كفيه ثلاثاً]. ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث عثمان وعبد الله بن زيد، وكذلك في السنن عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (أنه عليه الصلاة والسلام افتتح جميع وضوئه بغسل كفيه ثلاثاً). ولذلك فإن هذه هي أول المسنونات إذا لم يكن الإنسان مستيقظاً من النوم. وغسل الكفين له ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن يكون الإنسان مستيقظاً من نومه، سواءً كان نوم ليل أو نوم نهار، فإذا استيقظ الإنسان من نوم الليل أو نوم النهار وجب عليه غسل كفيه ثلاثاً، وذلك لحديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده!). الحالة الثانية: أن يكون في حال يقظته وأراد أن يتوضأ؛ ولكنه على يقين وعلم بأن كفيه طاهرتان، ففي هذه الحالة يُسَنُّ له غسل الكفين ولا يجب عليه ذلك، ودليل هذه السنية مداومة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك. الحالة الثالثة: أن يشك في كونها طاهرة أو نجسة، فيقال: يستحب غسلها، يعني: يتأكد الغسل؛ ولكن لا يصل إلى درجة الوجوب؛ لأن اليقين لا يُزال بالشك. فهذه ثلاث حالات لغسل الكفين. والكفان: حدهما من أطراف الأصابع إلى الزندين. وبناءً على ذلك: سمي الكف كفاً؛ لأنه تُكَفُّ به الأشياء. ويجب عليه غسلهما إذا كان مستيقظاً من النوم، لمكان جوَلان اليد عند نوم الإنسان.
صفة المضمضة
صفة المضمضة قال رحمه الله: [ثم يتمضمض] المضمضة: مأخوذة من قولهم: مضمضت الحية إذا تحركت في جُحرها، فالمضمضة في لغة العرب: الحركة. ولذلك يرد Q لماذا وصف غسل هذا الموضع من الجسم بكونه مضمضة؟ قالوا: لأن السنة في المتمضمض أن يحرك الماء في فمه، ثم اختلفوا: فقال بعض العلماء: حقيقة المضمضة: أن يُدخل الماء ويُحركه فقط دون أن يمج. وقال بعضهم: بل لا يتحقق كونه متمضمضاً إلا إذا حرك الماء ولفظه. إذاً: المضمضة عند العلماء فيها وجهان: الأول: أن يدخل الماء ويحركه فقط. الثاني: أن يدخله ويحركه ثم يلفظه. فوائد الخلاف: الفائدة الأولى: لو أن إنساناً كان عنده ماءٌ وكان عطشان، فابتدأ الوضوء فمضمض ثم بلع الماء. فإن قلنا: المضمضة لا تتحق إلا بالطرح، لم يكن محققاً للمضمضة؛ لأنه ينبغي أن يخرج الماء إلى خارج البدن لا إلى داخله، ويقولون: وجه اعتبار المضمضة بالتحريك واللفظ هو السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم مضمض ولَفَظ، ولذلك يقتدى به عليه الصلاة والسلام في هديه، فيتمضمض ويحرك الماء ويلفظه. الفائدة الثانية: أن قولهم: المضمضة: تحريك الماء، ينبني عليه: أنه لو أدخل الماء ولم يحركه في فمه ثم لَفَظَه، فلا يعتبر متمضمضاً على الصفة المعتبرة شرعاً؛ لأنه لا بد من التحريك، إذ بالتحريك يحصل النقاء، فلو اقتصر على كون الماء يصل إلى فمه ثم يلفظه، لم يكن ذلك مضمضة على الوجه المعتبر.
صفة الاستنشاق
صفة الاستنشاق قال رحمه الله: [ويستنشق]. الاستنشاق: هو استفعال من النَّشَق، وأصل النَّشَق: جذب الشيء إلى الخياشيم بالنَّفَس، ومنه سمي النَّشُوق نَشُوقاً؛ لأنه يُستعط ويُجذب بالنَّفَس. ودل عليه ظاهر السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه). ولذلك قال بعض العلماء: إذا جذب الماء تحقق الاستنشاق، ولا يلزمه الاستنثار يعني: الطرح؛ والصحيح أن تعبير العلماء بالاستنشاق متضمن للاستنثار؛ لأن الإنسان إذا استنشق فلا يصبر على بقاء الماء حتى ينثره. وفائدة اشتراط النثر: أن الإنسان إذا عصر أنفه دون أن ينثر لم يكن محققاً للاستنشاق على أكمل صوره، وذلك لا بد من النثر، لقوله عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً -هذا الاستنشاق- ثم لينتثر)، فقوله: (ثم لينتثر) أي: ليطرح، ولينثر الماءَ الذي جذبه بنَفَسِه إلى خياشيمه، ولذلك لا بد من النثر؛ لأن المقصود من إدخال الماء تطهير هذا الموضع، فإذا كان يعصره دون أن يكون منه نثر، لم يتحقق به كمال التطهير لهذا الموضع.
بيان حد الوجه من حيث الطول والعرض
بيان حد الوجه من حيث الطول والعرض قال رحمه الله: [ويغسل وجهه من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولاً ومن الأذن إلى الأذن عرضاً] قوله: (ويغسل وجهه): الوجه تقدم أنه من المواجهة، وبينَّا كلامَ العلماء في الوجه، ودليلَ وجوب غسله. والآن نبين حد الوجه: -أما طولاً: فقالوا: إنه من منابت الشعر الذي يكون في ناصية الإنسان إلى ما انحدر من اللحيين، وهو اللحية السفلى، فيشمل الوجه الشق الأيمن والأيسر إلى ما انحدر. والسبب في تعبير المصنف بقوله: (إلى ما انحدر)؛ لأن الوجه يحصل بهذا القسط من العضو، فحتى يكون كاملاً في غسله لهذا القسط لا بد أن يمسك جزءاً يسيراً مما جاوره، كالصائم لا يتحقق كمال صومه إلا بإمساك جزء يسير من الليل، حتى يتحقق غروب الشمس. ولذلك يقول العلماء: إلى ما انحدر؛ لأنه إذا غسل المنحدِر من العظم فقد كمُل غسل هذا الوجه، سواءً كان في الشق الأيمن أو الشق الأيسر، فلا بد أن يغسله إلى ما انحدر، هذا إذا كان الإنسان أجرداً أو أمرداً، أما إذا كان ذا لحية فالشعر يقوم مقام المنحدِر، ويكون غسله على الصفة التي ذكرناها في التخليل. هذا بالنسبة للطول: أنه من منابت الشعر إلى ما انحدر من اللحيين، وبه يتحقق كمال الوجه طولاً. - أما عرضاً: فإنه قال: (ومن الأذُن إلى الأذُن عرضاً). قال بعض العلماء: إن الوجه كمالُه من الأذُن اليمنى إلى الأذن اليسرى عرضاً. وقال بعضهم: بل إن حده إلى العذار، فإذا غسل العذار، وهو الشعر الذي يكون مقابلاً للأذُن فقد تم غسله للوجه. وفائدة الخلاف: الحكم في البياض الذي بين الشعر والأذُن. وهذا يقوى في الملتحي، ولذلك قالوا: إنه إذا كان ملتحياً، فإن المواجهة تحصل باللحية، فيغيب البياض فلا يعتبر من الوجه، ولذلك قال بعض العلماء: لا يجب غسل هذا البياض. وبناءً على هذا القول: لا يقال: من الأذُن إلى الأذُن؛ ولكن المصنف اختار أحوط القولين، والعمل عليه: أنه يغسل البياض الذي بين الأذُن والشعر؛ لأن وجود الشعر إنما هو مختص بالملتحي دون غير الملتحي، فيجب غسله لكمال غسل الوجه، فإن الذي لا لحية له يعتبر من وجهه وجود ذلك البياض.
وجوب غسل شعر الوجه
وجوب غسل شعر الوجه قال رحمه الله: [وما فيه من شعر خفيف والظاهر الكثيف مع استرسل منه]. أي: يجب عليه غسل الشعر الخفيف الموجود في الوجه؛ لأن البشرة تُرى من تحته، وإذا كانت البشرة تُرى من تحته، فإنه يجب غسل هذا الشعر، كأن يكون شاربه أو لحيته صغيرة في بداية نبتها، وتُرى البشرة من تحتها، فإنه يجب عليه غسل الشعر وغسل ما تحته؛ لأن المواجهة تتحقق بالشعر وبما تحت الشعر من البشرة، فيجب غسل الجميع. قال بعض الفضلاء في هذه المسألة: خلِّل أصابعَ اليدين وشَعَر وجهٍ إذا مِن تحتِه الجلدُ ظَهَر والمصنف قال: إذا كان الشعر خفيفاً، بمعنى أنك ترى البشرة من تحته، فإذا رأيت البشرة من تحت الشعر، فإن المواجهة تكن بالشعر وبالبشرة، فهذا وجه المطالبة بغسل كل منهما.
وجوب غسل اليدين مع المرفقين
وجوب غسل اليدين مع المرفقين قال رحمه الله: [ثم يديه مع المرفقين]. وهنا ننبه إلى خطإٍ شائع عند كثير من العامة: فإنهم إذا توضئوا غسل الواحد منهم الكفين، ثم يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه، فإذا جاء يغسل يديه يبدأ من آخر الكف، فتراه يغسل ساعده ويغفل عن الكفين، ومن فعل ذلك لا يصح وضوءه، وتلزمه إعادة الوضوء والصلاة، ولذلك ينبغي التنبيه على هذا، فالإنسان إذا غسل يديه فيجب أن يكون غسله من أطراف الأصابع إلى المرفقين، والغاية داخلة في المُغيَّا. فالكثير أو البعض يغفل الكفين؛ لأنه قد غسلهما في بداية وضوئه، فيترك غسلهما عند غسله ليديه، فهذا لا يصح ولا يجزئه. وقد تقدم دليل وجوب غسل اليدين؛ لأنه من فرائض الوضوء، وبينا الحد وبينا خلاف العلماء رحمة الله عليهم.
وجوب مسح الرأس مع الأذنين
وجوب مسح الرأس مع الأذنين قال المصنف رحمه الله: [ثم يمسح كل رأسه مع الأذُنين مرةً واحدة]. شرع المصنف رحمه الله في بيان الفرض الذي يلي غسل اليدين، وهو مسح الرأس، فقال: (يمسح كل رأسه)، وهذا على الصحيح، وقد تقدم بيان دليل مسح الرأس، وخلاف العلماء في القدر الذي يجب مسحه، وأدلة كلٍّ، والراجح من أقوالهم. قوله: (مع الأذُنين مرة واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الترمذي: (الأذُنان من الرأس)، وقد تقدم الكلام على مسح الأذُنين مع الرأس، وبينا ذلك، وبينا مذاهب العلماء رحمة الله عليهم فيه.
وجوب غسل الرجلين مع الكعبين
وجوب غسل الرجلين مع الكعبين قال رحمه الله: [ثم يغسل رجليه مع الكعبين]. وهذا الفرض الأخير، غسل الرجلين، أو مسحهما إذا كان لابساً للخفين أو الجوربين. والكعبان يجب غسلهما مع القدمين، لقوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة:6]، وقد تقدم بيان دليل وجوب غسل الرجلين إلى الكعبين، وهل الكعبان يجب غسلهما أو لا يجب؟ وذكرنا الأقوال، والأدلة، والراجح في هذه المسألة، بما يغني عن الإعادة.
كيفية غسل الأقطع لأعضائه
كيفية غسل الأقطع لأعضائه قال رحمه الله: [ويغسل الأقطع بقية المفروض فإن قطع من المفصل غسل رأس العضد منه]. قوله: (ويغسل الأقطع بقية المفروض)؛ لأن الله أمره بغسل الجميع، فإذا سقط عنه البعض لمكان العذر، فلا يقتضي سقوط الكل؛ لأن ما جاز لحاجة يقدر بقدرها، فالخطاب متوجه عليه أن يغسل يديه كاملتين، فإذا قطعت يده وبقي ساعده، فإن الساعد داخل في المأمور، فيجب عليه غسل الساعد الذي بقي بعد القطع. قوله: (غسل رأس العضد منه) على الأساس الذي ذكرناه، من كون الكعبين والمرفقين داخلين في المغيَّا.
حكم رفع النظر إلى السماء بعد الوضوء
حكم رفع النظر إلى السماء بعد الوضوء قال رحمه الله: [ثم يرفع نظره إلى السماء ويقول ما وَرَدَ]. قوله: (ثم يرفع نظره إلى السماء) لم يصح بذلك حديث، وذكره العلماء -رحمة الله عليهم-، والصحيح: أنه يقتصر على القول من ذكر الشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (أن من قال عند تمام وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فُتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء). نسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياكم ذلك الرجل.
حكم الاستعانة على الوضوء
حكم الاستعانة على الوضوء قال رحمه الله: [وتباح معونته]. المباح: هو ما استوى طرفاه، أي: لا يؤمر به ولا يُنهى عنه. قوله: (تباح معونته) يعني: تجوز معونة المتوضئ؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كنتُ أسير مع النبي صلى الله عليه وسلم أنا وغلام نحوي أحمل إداوةً وعَنَزَة)، فهذا يدل على مشروعية خدمة الأحرار بعضهم لبعض، وخاصةً إذا كانوا من أهل الفضل، وكبار السن، والوالدين. فأما إذا كانوا من الوالدين فإن خدمتهم عبادة وقربة لله جل وعلا، وتجب عند الحاجة، وأما إذا كانوا من أهل العلم والفضل خاصةً إذا كانوا من كبار السن، فإن خدمتهم قربة. وأما إذا كان صغير السن وأردت أن تخدمه فلا حرج إذا قُصِد بذلك وجهُ الله لا رياءً ولا سمعةً؛ لكن الأفضل لطالب العلم أن لا يمكن الناس من خدمته في بداية طلبه للعلم، أو عند صغر سنه؛ لما في ذلك من الفتنة، والإنسان في مقتبل عمره لا يأمن الفتنة، بخلاف كبار السن، فإن الخشوع فيهم أكبر وقربهم من الموت يبعدهم من قصد هذا في الناس، مع ما لهم من حق؛ بسبب كِبَر السن. فلذلك يستحب بعض العلماء للإنسان إذا كان صغير السن ولو كان من العلماء أن يتورع عن خدمة الناس له، حتى يكون ذلك أبلغ في إخلاصه، وأبلغ في طاعته لله جل وعلا. وأُثِر عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إن صحبتَ رفقة في السفر فلا تكن صائماً، إنك إن أخبرتهم بصيامك، قالوا: أنزلوا الصائم، أكرموا الصائم، احملوا الصائم، حتى يذهب أجرك)، أي: لا يزالون يكرمونك ويكرمونك حتى يذهب أجرك؛ بما يكون منهم من إكرام. ولذلك فالأكمل للإنسان والأفضل له أن يتورع عن ذلك. وقد عهدنا علماء أجلاء رحمة الله عليهم بلغوا من العلم شأواً عظيماً، كانوا يتورعون عن خدمة الناس لهم، خاصة في هذه الأزمنة التي قل أن يوجد فيها المخلص، وإن وُجد المخلص قد يوجد المغالي، وكثير من البدع والأهواء والغلو في الصالحين نشأ بسبب الخدمة، ولذلك لا ينبغي أن يُتخذ الدين طريقة لإهانة عباد الله جل وعلا، فإن الله أخرج الناس بالإسلام من العبودية لغيره إلى العبودية له سبحانه وتعالى. وقد تكلم الإمام ابن القيم رحمة الله عليه كلاماً نفيساً في الفوائد حيث قال: إن كثيراً من الفساق يغترون بصحبة الصالحين، حتى يكونوا جريئين على المعاصي؛ بسبب اغترارهم بصحبة الصالحين وخدمتهم لهم، فتجد الواحد من هؤلاء يجرؤ على حدود الله، ولا يُصْلِح من حاله، وتصبح صحبتُه للعالِم صحبةً شكلية للخدمة، لكن أن ينتفع بعلمه ويستفيد من ورعه ومن تقواه لا تجد لذلك أثراً، حتى -والعياذ بالله- يفْسُدَ عليه دينُه. إذاً ينبغي أن يحمل الإنسان نفسَه على أتم الوجوه، وأقربها إخلاصاً لله جلَّ وعَلا، وقد خرج عبد الله بن مسعود رضي الله عنه من المسجد فخرج معه أصحابه يشيعونه، فقال: (ما لكم؟ قالوا: رأيناك تسير وحدك، فأردنا أن نشيعك. قال: إليكم عني، إنها فتنة للتابع والمتبوع). هذا ابن مسعود في عصر الخيرية وزمان الخيرية. (إنها فتنة للتابع) أي: أن الإنسان إذا صار مع العالِم دون أن يسأله ودون أن يستفيد من علمه، فذلك فتنة له. (وفتنة للمتبوع) أي: أن العالم ربما دخله غرور برؤية مَن حوله. ولذلك فالأسلم والأكمل أن الإنسان يتورَّع، وإذا نظر الله إليك -وقد حباك العلم، وحباك الفضل- لا تهين عباده، ولا تأخذ منهم أجراً ولا جزاءً ولا شكوراً، كمُل أجرُك عند الله جل وعلا، ولذلك قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:86]. لكن لا يعني هذا: التحريم والمنع؛ ولكن نقول: إن الإنسان إذا خشي الفتنة لنفسه أو لمن معه، فإنه ينبغي عليه أن يتورع، وهذه المسألة أحب أن أنبه عليها؛ لأنه حصل فيها كثير من الدَّخَن، فلقد رأينا كثيراً من طلاب العلم يصحبون العلماء، ويكون في بداية صحبته للعالم كأحسن ما أنت راءٍ؛ أدباً، وخُلقاً، واستفادةً من العالم، وكثرةَ سؤالٍ ومُدارسةٍ له؛ ولكن ما إن يدخل إلى مقام خدمته، والقيام على شأنه، ويداخله في أموره الخاصة، حتى تنزل منزلتُه، فيصبح كأن العَالِمَ شيء معتاد بالنسبة له، فيخرج عن حد الأدب، ولربما يأتي وقت -وقد رأينا ذلك بأعيننا في بعض ضعاف النفوس- يجرؤ فيه على أن يفتي بحضرة العالم، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من المزالق الخطيرة. فإذا صحبتَ أهل العلم فلا حرج أن تخدمهم وأنت تريد وجه الله؛ ولكن اعلم أن صحبة العلماء للعلم والفائدة، وليست للمظاهر وللأمور التي قد تكون فتنة على الإنسان في دينه ودنياه وآخرته. إذاً: معنى قوله رحمه الله: (تباح معونته) أي: يجوز أن يعاونه الغير على وضوئه، فيصب الوضوء له، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث المغيرة بن شعبة في الصحيح: (أنه دخل الشعب فبال، ثم صب عليه المغيرة رضي الله عنه وأرضاه الوضوء) صلوات الله وسلامه عليه، ورضي الله عن المغيرة وأرضاه.
حكم التنشف بعد الوضوء
حكم التنشف بعد الوضوء قال رحمه الله: [وتنشيف أعضائه]. الأفضل والأعظم أجراً أن لا ينشف الأعضاء بعد الوضوء،؛ لِمَا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يقرب وضوءه، فيمضمض، ويستنشق، ويغسل وجهه، إلا خرجت كل خطيئة نظرت إليها عيناه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء -وكذلك قال في اليدين- حتى تخرج من تحت أظفار أصابعه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء)، فاستحب طائفة من العلماء ألَّا ينشف الأعضاء من ماء الوضوء. وكذلك ثبت في السنة تأكيد هذا، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما اغتسل وجاءته أم المؤمنين بمنديل، قالت: (فلم يُرِدْه، وجعل ينفض الماء بيديه). لكن يجوز للإنسان أن يتنشف، خاصةً إذا وُجدت الحاجة؛ كشدة البرد، أو نحو ذلك؛ لكن الذي استحبه العلماء أنه يُبقي الأعضاء مبلولة، حتى يكون ذلك أدعى لخروج خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، على ظاهر الحديث.
الأسئلة
الأسئلة
حكم التلفظ بالنية والمواضع التي يجوز التلفظ فيها
حكم التلفظ بالنية والمواضع التي يجوز التلفظ فيها Q ما حكم رفع الصوت بالنية عند الوضوء وعند الصلاة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالتلفظ بالنية يعتبر بدعة، سواءً كان عند الصلاة أو عند الوضوء، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنه توضأ وصلى، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد أنه تلفظ بنيته، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ولذلك ينبغي ترك هذا الأمر والبقاء على السنة، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم من كون النية بالقصد في القلب، وذلك كافٍ، إلا في ما ورد الشرع بالتلفظ به، وذلك في موضعين فقط: الموضع الأول: عند ذبح النُّسُك؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم لما ضحى بالكبشين قال في أحدهما: (اللهم! هذا منك ولك، اللهم هذا عن محمد وآل محمد. وقال في الثانية: اللهم! هذا عمن لم يضحِّ من أمة محمد). الموضع الثاني الذي تلفظ فيه النبي صلى الله عليه وسلم بنيته: عند نُسُك الحج والعمرة، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال -كما في صحيح البخاري من حديث عمر -: (أتاني الليلةَ آتٍ من ربي فقال: أَهِلَّ في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حجة) فقوله: (قل) أي: تلفَّظ، والقول لا يكون إلا بصوت مجتمع الحروف، ولذلك دل هذا الحديث على سنية التلفظ بالنية في هذا الموضع. وفي الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (لقد كنتُ تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها فسمعته يقول: لبيك عمرة وحجة). هذا الذي ورد استثناؤه في الشرع. والله تعالى أعلم.
معنى قول العلماء: (لذاته) في تعريف الشرط
معنى قول العلماء: (لذاته) في تعريف الشرط Q ما معنى قول العلماء -رحمهم الله تعالى -في تعريف الشرط: لذاته؟ A لذاته، أي: أن انعدامه ليس لذات الشرط، فلو أن إنساناً لم يكن متوضئاً، فإنه لا يصلي؛ لكن ليس لانعدام الوضوء وحده؛ ولكن قد يكون ذلك لسبب آخر، لفقد شرط آخر غير الوضوء، كما هو الحال -مثلاً- في الصلاة، لو أن إنساناً لم يتوضأ، فإن الوضوء شرط لصحتها، فعدم وجود الوضوء يوجب عدم الصلاة؛ ولكن ليس لذات الوضوء، قد يكون ذلك مع مصاحبة شرط آخر، كما هو الحال فيما إذا كان قبل دخول الوقت، فإن الصلاة لا تصح. وبناءً على ذلك: عبَّروا بالذات؛ لوجود الانتفاء بالشرط المصاحب، كما هو الحال في دخول الوقت ونحوه.
حكم إدراج الأعلى تحت الأدنى في الوضوء
حكم إدراج الأعلى تحت الأدنى في الوضوء Q ذكرتم أن مَن نوى الأدنى لم يندرج فيه الأعلى، كمن توضأ لصلاة الضحى ثم صلى بهذا الوضوء الظهر، فما حكم من فعل ذلك جهلاً، هل تجب عليه إعادة الصلوات المفروضة، وإن كان لا يعرف عددها فما الحكم؟ A الوضوء الأمر فيه واسع؛ لوجود الخلاف، فلو نوى بوضوئه أن يصلي الضحى ثم صلى به الظهر، فهناك خلاف: فقد أفتى طائفة من أهل العلم -رحمة الله عليهم- بجوازه، وأن هذا ليس فيه حرج؛ ولكنه مستقبلاً يبتدئ بهذه النية؛ لأنه ربما تعلم الوضوء عند من يرى أن نية الأدنى مجزئة عن نية الأعلى، ولذلك لا يُلْزَم في مثل هذا بالإعادة.
إجزاء غسل الجنابة عن غسل الجمعة
إجزاء غسل الجنابة عن غسل الجمعة Q لو اجتمع على المكلف يوم الجمعة غسل الجمعة وغسل الجنابة، فما يفعل؟ هل يغتسل مرتين أو يجزئ أحدهما عن الآخر؟ وإن كان كذلك فماذا ينوي غسل الجمعة أم غسل الجنابة؟ A إذا نوى غسل الجنابة فإنه ينوي تحته غسل الجمعة، فيُجزئه غسل الجنابة عن غسل الجمعة؛ لأن قاعدة الاندراج: أنه يندرج المساوي مع نظيره، بشرط تحقق مقصود الشرع، فلما كان مقصود الشرع من غسل الجمعة أن تحصل النظافة لمكان الاجتماع؛ لما ثبت عند الترمذي في سننه من حديث عائشة، فإنه في هذه الحالة إذا اغتسل للجنابة تحقق مقصود الشرع بالنقاء، ولذلك تجزئه الجنابة عن غسل الجمعة بالنية. أما لو نوى الجمعة فإنها لا تندرج تحتها الجنابة، ولذلك يجب عليه أن يعيد إذا كان قد نوى الجمعة أصالةً ونوى اندراج الجنابة تحتها؛ فالصحيح أن ينوي الجنابة أصلاً والجمعة تحتها؛ لأن صورة الاندراج شرطها تحقق مقصود الشرع، وهكذا الحال بالنسبة للواجبات في الأفعال، كالحال في طواف الإفاضة وتحته طواف الوداع. وبناءً على ذلك يصح منه إذا جعل النية لغسل الجنابة أصلاً، وغسل الجمعة تبعاً. والله تعالى أعلم.
الفرق بين الواجب والشرط
الفرق بين الواجب والشرط Q ذَكَرَ ابن قدامة رحمه الله تعالى في عمدة الفقه أن النية واجبة، وذكر هنا رحمه الله أنها شرط، فهل بينهما فرق؟ A أولاً: قولك: (ذَكَرَ ابن قدامة) هذه ما أقبلها منك، ينبغي التأدب مع أهل العلم رحمة الله عليهم، ابن قدامة ليس من طلاب العلم أو رجلاً عادياً، بل يقال: ذَكَرَ الإمام ابن قدامة، فهو علم من أعلام المسلمين، يقول الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أعلم من الموفق. كان آيةً في العلم والصلاح والورع، وشهد له أقرانه من العلماء بأنه جمع بين العلم والعمل رحمه الله برحمته الواسعة. فمثل هذا لا يليق أن يقال فيه: ذَكَرَ فلان، وينبغي لطالب العلم أن يتعلم الأدب مع العلماء، وإجلال أهل العلم بذكرهم بالألقاب والألفاظ التي تليق بهم، فيقول: ذَكَرَ الشيخُ، ذَكَرَ الإمامُ. ثانياً: جواب السؤال: الشرط أرفعُ من الواجب؛ لأن شرط الصحة لا تصح العبادة بدونه، وأما الواجب فقد تصح بدونه، ويكون الإثم على الترك، فإذا عُبِّر في الواجب على أنه شرط للصحة كان ذلك أبلغ، ولذلك لما اختُلف في الطهارة والوضوء، قال بعضهم: هي واجبة وشرطٌ في صحة الصلاة، أي: دل الدليل على أن فقد هذا الواجب يؤدي إلى بطلان الصلاة، فهناك فرق بين قولهم: واجب، وبين قولهم: شرط؛ إلَّا أن بعض العلماء -رحمة الله عليهم- يعبرون بالواجبات وبالشروط، وبناءً على ذلك فقوله رحمة الله عليه في العمدة: والواجب من ذلك، بمعنى: اللازم الذي ينبغي الإتيان به، وليس المراد به إسقاط معنى الشرطية، بدليل أنه ذكر بعد قوله: والواجب من ذلك أركان الوضوء، وهذا لا شك أنه أرفع من درجة الواجب؛ لأن الركن أعظم من الواجب، كما هو معلوم ومقرر أن ركن الصلاة أعظم من واجباتها. والله تعالى أعلم.
حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر
حكم الجمع بين الصلاتين في الحضر لغير عذر Q هل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع بين الصلاتين في الحضر بدون عذر ولا خوف؟ وما الفرق بين العذر والحاجة؟ A هذه المسألة مفرعة على حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما، وفيه يقول ابن عباس رضي الله عنهما: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في غير مطر ولا مرض ولا سفر -ولما سئل عن ذلك؟ قال ابن عباس -: أراد أن لا يحرج أمَّته) وقد وقع ذلك في خطبة ابن عباس كما في صحيح مسلم: (أنه خطب إبَّان إمارته على الكوفة لـ علي رضي الله عنه، وأطال الخطبة في وقت صلاة الظهر، فقام له أعرابي وقال: الصلاة، فلم يجبه ابن عباس، ثم استمر في خطبته، فقام الرجل وقال: الصلاة، ثم استمر ابن عباس في خطبته، فقام الرجل، فقال له ابن عباس: أتعلمنا بالصلاة لا أمَّ لك؟ جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين ... ) إلى آخر الحديث. هذا الحديث للعلماء فيه وجهان: الوجه الأول: منهم من أخذ بظاهره، وقال: دل هذا الحديث على جواز أن تجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، ولو لم يكن هناك مطر ولا مرض ولا سفر، وهذا القول هو مذهب بعض أصحاب الحديث -رحمة الله عليهم- وبعض أهل الظاهر. والقول الثاني: أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وإنما المراد به الجمع الصوري، وهذا واضح من سياق الحديث؛ لأن الرجل لا زال يكرر في أول الوقت؛ لأنه عَهِد من ابن عباس أنه يصليها في أول وقتها، وما زال ابن عباس يستمر في خطبته، فلما قارب وقت الظهر من الانتهاء أقام لصلاة الظهر، فصلاها، فبمجرد انتهائه دخل وقت العصر، فأقام لها فصلى العصر، ثم صلى الاثنتين في صورة الجمع، والحقيقة أن كل صلاة في موضعها. يقول جمهور العلماء: لو أخذنا بهذا الحديث على ظاهره، لألغينا دلالة الكتاب والسنة. أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103]، وقال في آية المواقيت: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً} [الإسراء:78]، فحددها بالوقت، فلو قيل: إن الظهر يُجمع مع العصر، ولا حرج أن تؤخر الظهر إلى وقت العصر، لما كان للظهر وقت محدد، إنما يكون الظهر والعصر بمثابة الصلاة الواحدة؛ لأنه جمع من غير عذر، فيجوز للناس أن يؤخروا الظهر والعصر، ولا حرج أن يوقعوا الظهر في آخر وقت العصر، وهكذا يجوز لهم أن يوقعوا المغرب في وقت العشاء، فنُلغي دلالة الكتاب في قوله: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً} [النساء:103]. وأما دلالة السنة: فهي في قول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: (قم فصلِّ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: (ما بين هذين الوقتين وقت). إذاً: لا يستقيم حمل الحديث على ظاهره، والقاعدة في الأصول: (أنه لو تردد الحديث بين وجهين: وجهٍ يوافق النصوص من الكتاب والسنة، ووجهٍ يخالف، وجب صرفه إلى الوجه الذي يوافق، لا إلى الوجه الذي يخالف). وبناءً على ذلك: الصحيح أن الصلاة لها ثلاثة أحوال: الأولى: إيقاعُها في وقتها. الثانية: جمعُها صورةً ويكون إيقاعها أيضاً في وقتها. الثالثة: الجمع الحقيقي. فاكتملت القسمة العقلية على ثلاثة أقسام: الأول: أن توقع الصلاتين كلاً في وقتها. الثاني: أن توقع الصلاة في غير وقتها مجموعة مع الأولى أو مع الثانية، الذي هو جمع التقديم أو التأخير. الثالث: أن توقع الصلاة على صورة الجمع، والحقيقة أنها في وقتها. وبناءً على ذلك يَرِد إشكالٌ: ليس هناك دليل يقوى على اعتبار الجمع الحقيقي إلا قول ابن عباس: (أراد أن لا يحرج أمَّته). وهذا ليس فيه دليل، فإن من تأمل هذه العبارة يجد أن معناها: أن الناس وخاصة في بعض الأزمنة كشدة الحر، أو يحتاج الخطيب -مثلاً- أن يخطب في حادثة وقعت، فقام الإمام ينبه الناس على هذه الحادثة فأطال في خطبته، واحتاج إلى بيان وتفصيل، فأخذ وقتَ الظهر إلى آخره ثم صلى بهم الظهر، ودخل وقت العصر فأقام للعصر وصلاها، فيكون قد أخذ بقول ابن عباس: (أراد أن لا يحرج أمَّته) أي: أنهم لو قاموا بعد انتهائهم من صلاة الظهر سيرجعون إلى بيوتهم، ثم يعودون مرة ثانية إلى صلاة العصر، فأسقط الحرج بالجمع بين الصلاتين صورةً، في خروج واحد دون ذهاب وإياب متكررين، وهذا واضح جلي، ولذلك فمذهب جماهير العلماء على أن هذا الحديث ليس على ظاهره، وأن المراد به الجمع الصوري. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
باب مسح الخفين
شرح زاد المستقنع - باب مسح الخفين من رحمة الله تعالى بعباده أن خفف عنهم في عباداتهم ومعاملاتهم، فكان من صور هذا التخفيف أن رخص لهم في المسح على الخفين وما في حكمهما عوضاً عن غسل الرجلين دفعاً للمشقة، ويشبه هذا المسح على العمائم، والمسح على الجبائر، والمسح على الخمر للنساء، وكل هذا مضبوط في الشرع بأحكام وضوابط.
مشروعية المسح على الخفين
مشروعية المسح على الخفين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب مسح الخفين] تقدم في مباحث الوضوء: أن المسح: هو إمرار اليد على الشيء، تقول: مسحتُ الكتاب، إذا أمررتَ يدك عليه، ومسحتُ برأس اليتيم، إذا أمررت يدك عليه. وقوله رحمه الله: (باب مسح الخفين) الخفان: مثنى خُف، وهو النعل من الجلد أو الأدم الذي يكون للقدم. والأصل فيه في الشرع أن يكون ساتراً لموضع الفرض، وذلك من أطراف الأصابع إلى الكعبين، وهما داخلان. كأنه يقول رحمه الله: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة برخصة المسح على الخفين. أما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله: فقد تكلم المصنف رحمه الله على صفة الوضوء الشرعية، فلما فرغ من بيانها وذِكْرِ المواضع التي أمر الله عز وجل بغسلها أو مسحها ناسب أن يذكر ما يتعلق بآخر عضو من أعضاء الوضوء وهما الرجلان؛ حيث رخَّص الله جل وعلا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمسح المكلفُ على ساترٍ مخصوصٍ لهما، فناسب بعد الفراغ من باب الوضوء أن يذكر باب المسح على الخفين؛ لأنه متعلق بآخر فرض من فرائض الوضوء وهو غَسل الرجلين. والمسح على الخفين رخصة من رخص الشرع، وهذه الرخصة ثبتت مشروعيتها بالأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بلغت مبلغ التواتر. قال الإمام أحمد رحمه الله: فيه -أي: في المسح على الخفين- أربعون حديثاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: إنها بلغت سبعين حديثاً. ولذلك قال بعض الفضلاء -يشير إلى أن المسح على الخفين مما تواترت النصوص بالدلالة على جوازه- عن الحديث المشهور: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمع حُظِرا كَذِبُهم عُرْفاً كمسح الخُفِّ رفعُ اليدين عادمٌ للخُلْفِ وقد روى حديثه مَن كتبا أكثر من ستين ممن صَحِبا أي: أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم روَوا هاتين الحادثتين عن المصطفى صلى الله عليه وسلم: الأولى: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، ففيها أكثر من ستين حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. الثانية: المسح على الخفين. والأحاديث التي وردت في المسح على الخفين: منها ما هو قولي. ومنها ما هو فعلي، أي: ما يدل على فعل النبي صلى الله عليه وسلم إياه. ولذلك لا إشكال في مشروعيته. وكان السلف الصالح -رحمة الله عليهم- عندهم خلاف في الصدر الأول. وقال بعض العلماء ومنهم الحافظ ابن عبد البر: لا يوجد صحابي ينكر المسح إلا رُوي عنه عكسُه، أي: إثبات المسح، ولذلك اتفقت الكلمة على مشروعية هذه الرخصة. وأُثِر عن بعض السلف من العلماء أنه خصها بالسفر؛ لكنه قال بأصلها، وهو إحدى الروايات الثلاث عن الإمام مالك رحمة الله عليه. وسنبين أن الصحيح: أنها رخصة لا تختص بالسفر؛ لحديث حذيفة في الحَضَر، وهو حديث في صحيح مسلم: (أن النبي صلى الله عليه وسلم بال عند سُباطة قوم قال: فصببتُ عليه الوضوء، فتوضأ ومسح على خفيه) وذلك في الحضر.
المسح على الخفين
المسح على الخفين فالمسح على الخفين ثابت، وثبوته اعتبره السلف ومَن بعدهم، حتى كان بعض العلماء يُدْخل في عقيدة أهل السنة والجماعة القول بمشروعية المسح على الخفين، مبالغةً في الرد على أهل البدع والأهواء الذين لا يقولون بمشروعيته، فكانوا يُدْخلونه من جملة العقائد، فيقولون: ونرى المسح على الخفين؛ والسبب في ذلك أنه ثبت بالتواتر، فأصبح من الأمور التي ثبتت مشروعيتها بدليل القطع، وما ثبتت مشروعيته بدليل القطع وأنكره مَن اعتقد قطعه فقد كفر، -والعياذ بالله- لأنه يكذب الشريعة، وكل قطعي ثابت في الشريعة -في الكتاب أو في السُّنة- فإن إنكاره لمن اعتبر قطعيته وثبوته يُعتبر إنكاراً وتكذيباً للشرع، فيكفر بذلك كما هو مقرر في العقيدة. فبالغ العلماء رحمة الله عليهم في إثبات هذه السُّنة، والرد على أهل البدع والأهواء الذين لا يرونها. والمسح على الخفين ثابت في الحَضَر وثابت في السفر، فالإنسان يُرَخَّص له إذا كان في حَضَر أو كان في سفر أن يمسح على خفيه، ما دام لابساً لهما، وذلك على صورة مخصوصة، سيأتي بيانها إن شاء الله تعالى. وهذا المسح يعتبر رخصةً غير لازمة، أي: من الرخص غير الواجبة، وليس بلازم على الإنسان أن يمسح على خفيه. واختلف العلماء رحمهم الله: هل الأفضل المسح أو الغسل للقدمين؟ وهي مسألة أقوى الأقوال فيها -وهو اختيار بعض العلماء من المحققين-: أنه يختلف باختلاف حال الإنسان، فإذا كان الإنسان لابساً لخفيه فالأفضل أن يمسح وألاَّ ينزعهما؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا كانت الرجلان مكشوفتين فإنه لا يتكلف لُبس الخفين من أجل أن يمسح، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف لبس الخفين، وإنما كان عليه الصلاة والسلام إن كانت رجلاه مكشوفتين غَسَلهما -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- وإن كانتا مستورتين بالخفين مَسَحَ عليهما. وقال بعض العلماء: الأفضل بل قد يجب على طالب العلم وعلى العالِم إن عاش بين قوم ينكرون المسح أن يلبس الخفين ويمسح عليهما لِيَرُدَّ القولَ بعدم المشروعية وهذا قول صحيح من جهة النظر، وهو يرجع إلى أصلٌ معتبرٌ عند العلماء: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فإن توقف إحياء السنن على إظهارها وإعلانها لزم أهلَ السُّنة أن يُظهِروها وأن يعلنوها إحياءً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم وبياناً لسنن الشرع، ولا يمكن لسَنَنِ الشرع أن يقوم أوْدُه وينتصب عمودُه إلا بالإحياء والدلالة قولاً وعملاً، مهما كان في ذلك من الكَلَفة على الإنسان.
بعض أحكام المسح على الخفين
بعض أحكام المسح على الخفين يقول رحمه الله: (باب مسح الخفين) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام المتعلقة بالمسح: أولاً: مشروعيته؛ أنه مشروع أو غير مشروع. ثانياً: هل مشروعيته على سبيل اللزوم أو غير اللزوم؟ ثالثاً: متى يمسح الإنسان على خفيه؟ رابعاً: ما هي شروط المسح على الخفين؟ خامساً: ما هما الخفان المعتبران للمسح؟ سادساً: ما هي صفة المسح؟ هل لِأَعلى الخف ولِأَسفله، أو لِلْأَعلى دون الأسفل، أو لِلْأَسفل دون الأعلى؟ سابعاً: ما هي مواقيت المسح على الخفين؟ وما حكم الصور التي يختلف فيها حال الإنسان في تلك المواقيت؟ هذا بالنسبة لما يتعلق بمبحث المسح على الخفين. ثم من عادة الفقهاء -رحمة الله عليهم- أنهم يعتنون بذكر حكم النظير مع نظيره، فيُدخلون المسح على العمامة -إذا قالوا بمشروعيتها- في باب المسح على الخفين، فيذكرون أحكام المسح على العمامة، ويُتْبِعُونها بأحكام المسح على الجبائر والعصائب، وقد يُتْبِعُونها كذلك بالمسح على الخُمُر بالنسبة للنساء على القول بمشروعيتها. وكل ذلك سيبيِّنه المصنف -رحمة الله عليه- في هذا المبحث.
مدة المسح على الخفين
مدة المسح على الخفين قال رحمه الله: [يجوز يوماً وليلةً لمقيمٍ] (يجوز) أي: المسح على الخفين جائز، ولما قال: جائز، فهمنا منه أنه مشروع، وأن مشروعيته ليست بإلزام للمكلف، أي: أنه لا يجب على الإنسان أن يمسح على الخفين، وإنما ذلك مباح له وجائز، فإن ترتبت مصالح من قصد إحياء السُّنة ودلالة الناس عليها فإنه يُثاب ويعتبر مندوباً في حقه، وقد يصل إلى الوجوب على التفصيل الذي ذكرناه. ومن عادة العلماء أنهم إذا بوَّبوا باباً أو ذكروا أمراً ما متعلقاً بالعبادة أو بالمعاملة، فإنهم يتكلمون أولاً على موقف الشرع من هذا الشيء، ثم يفصلون بعد ذلك في جوازه؛ هل هو على سبيل الإطلاق أو على سبيل التقييد؟ فقال رحمه الله: (يجوز) أي: المسح على الخفين. (يجوز يوماً وليلةً لمقيم) الإقامة ضد السفر، وتتحقق الإقامة حقيقةً إذا كان الإنسان في موضعه الذي هو نازلٌ فيه، سواءً كان في باديةٍ أو حاضِرة، وتتحقق الإقامة أيضاً حكماً، وهي الإقامة الحكمية، كأن يكون الإنسان ناوياً أن يمكث في بلد أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص للمهاجرين أن يبقوا بمكة ثلاثة أيام. ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه أجاز لهم أن يبقوا بمكة مع أنهم هاجروا منها. والإجماع منعقد على أن من ترك أرضاً مهاجراً منها فإنه لا يجوز له أن يرجع إليها وأن يسكن فيها؛ لأن رجوعه إليها نقض لهجرته، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ مات بمكة)، ثم قال كما في صحيح مسلم: (اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم) فدل هذا على أن المهاجر لا يبقى بموضعه، فلما أجاز لهم البقاء ثلاثة أيام فهِمْنا أن من مكث في موضع ثلاثة أيام فإنه لا يأخذ حكم أهله، ودل على أنهم في اليوم الرابع يُعتَبَرون في حكم المقيم. وعلى هذا يُعْتَبَر الناس على ثلاثة أصناف: مسافر. مقيم. في حكم المقيم. وأخذ العلماء من هذا الحديث أصلاً في تحديد مدة السفر بأربعة أيام غير يومي الدخول والخروج، ولا يُشْكِل على هذا الحكم قصة تبوك، حيث قصر عليه الصلاة والسلام للصلاة سبعة عشر يوماً أو واحداً وعشرين يوماً، فإن ذلك لعدم علمه بالمدة التي سيبقاها في ذلك الموضع. وقال بعض العلماء: بل هو عالِم، وهذا محل نظر، فإن المقرر عند العلماء في شرحهم لهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غير عالِم، وهذا صحيح؛ لأنه نزل على تخوم الشام لأجل أن الروم أعدت له، فلا يدري أهم قادمون أو غير قادمين؟ وقد بَعَثَ العيون لتأتيه بأخبارهم، فلا يدري أهم قريبون أم بعيدون؟ فقول العلماء رحمة الله عليهم عند بيانهم للحديث: إنه غير عالِم بمدة إقامته بتبوك صحيح، من جهة سياق الحديث ودلالته. وكذلك أيضاً ما ورد عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من أنهم مكثوا يقصُرون الصلاة مدة طويلة، كـ أنس في فتح أذربيجان، فقد مكث ستة أشهر، وكانوا على الرباط الذي لا يُدرَى متى ينتهي وينقضي. فالمقصود أنه إذا أقام الإنسان إقامةً حُكْمية أو إقامةً حقيقية فإنه يمسح على خفيه، ويمسح إذا كان مسافراً، وأراد المصنف أن يثبت بهذا القول مشروعية المسح حَضَراً وسفراً. وللعلماء أقوال في هذه المسألة: فمنهم من يقول: المسح مختص بالسفر، وهو إحدى الروايات عن الإمام مالك رحمة الله عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح في السفر، والسفر يناسبه التخفيف، وذلك أن حديث المغيرة في إثبات المسح كان في سفره عليه الصلاة والسلام بغزوة تبوك، فقال أصحاب هذا القول: إن المسح يختص بالسفر. وقال الجمهور: إن المسح لا يختص بالسفر، بل يشمل السفر والحَضَر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في صحيح مسلم من حديث علي: (يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يوماً وليلة) فدل على أنه مشروع للمسافر ومشروع للمقيم، وهذه دلالة السُّنة القولية، وقد دلت السُّنة الفعلية أيضاً على مشروعية المسح في حال الحَضَر، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً، قال: ثم قال لي: ادنُ، فدنوتُ، ثم قال لي: ادنُ، حتى كنتُ عند عقبيه، قال: فلما فرغ صببتُ عليه وضوءه -حتى قال- ثم مَسَحَ على خُفَّيه) وهذا في الحَضَر، فدل على مشروعية المسح في الحَضَر كما هو مشروع في السفر، وفي حديث صفوان بن عسال المرادي رضي الله عنه في السنن قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاَّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوماً وليلة للمقيم) فأثبت مشروعية المسح حضراً وسفراً. وبناءً على ذلك: يترجح قول الجمهور بأن المسح يُشرع حضراً وسفراً، وعلى هذا: فلا تتقيد رخصته بالسفر كما هو قول من يقول: إنه متقيد بالسفر؛ لأن ورود المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة من كونه مسح في السفر لا يقتضي تخصيص الحكم بالسفر؛ لثبوت الحكم الشرعي بالسنة القولية والفعلية. قال رحمه الله: [ولمسافرٍ ثلاثةً بلياليها] يجوز المسح للمقيم يوماً وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن. وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة: هل المسح على الخفين يتأقت أو لا يتأقت؟ ولذلك يُعَنْوِنون لهذه المسألة بقولهم: توقيت المسح على الخفين، ومرادهم إذا مَسَحْت على الخفين وأنت مقيم فهل أنت ملزمٌ بزمان معين أو غير ملزم؟ - فذهب الجمهور إلى أن المسح على الخفين مؤقت، كما ورد في الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها: ثلاثةُ أيام للمسافر، ويوم وليلة للمقيم، وحجتهم ما سبق من حديث علي في صحيح مسلم، وحديث صفوان بن عسال المرادي في السنن، قالوا: إنها نصت على أن المسح مؤقت. - القول الثاني: أن المسح على الخفين غير مؤقت، وهذا هو مذهب المالكية رحمة الله عليهم، وقد احتج المالكية على عدم التأقيت بحديث أبي بن عمارة -وكان ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم- أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المسح على الخفين: (يوماً؟ قال: يوماً، قال: ويومين؟ قال: ويومين، قال: وثلاثة؟ قال: نعم، وما شئتَ) قالوا: إن هذا الحديث أصل في عدم تأقيت المسح على الخفين، فإذا لبستَ الخفين فامسح ما بدا لك، وينتهي الوقت عند نزعك للخفين، وعند أصحاب هذا القول أن المسح لا يتأقت في السفر ولا في الحَضَر، فالإنسان يمسح مدة لُبسه للخفين. وأصح القولين في نظري -والله أعلم-: أن المسح يتأقت: أولاً: لصحة دلالة السُّنة على ذلك. ثانياً: أن حديث أبي بن عمارة ضعيف، قال ابن معين رحمه الله: إسناده مظلم، وضعَّفه البخاري أيضاً، ولذلك لا يعارِض السُّنة الصحيحة التي أثبتت التوقيت في المسح. فلا بد للإنسان إذا مسح على خفيه أن يلتزم التأقيت الذي صحت به النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم.
العبرة في بداية توقيت المسح على الخفين
العبرة في بداية توقيت المسح على الخفين قال رحمه الله: [مِن حَدَثٍ بعد لُبسٍ على طاهر] (مِن حَدَثٍٍ) (مِن) للابتداء، فتبدأ الثلاثة الأيام إذا كان الإنسان مسافراً، واليوم والليلة إذا كان الإنسان مقيماً مِن الحَدَث بعد لبسه، صورةُ ذلك: أن الإنسان إذا أراد أن يمسح على خفيه فيجب عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة حتى إذا فرغ من غَسل كلتا الرجلين، فإنه يُشرع له أن يلبس الخفين، فلو غسل إحدى القدمين ولم يغسل الثانية وأدخل الرجل التي غسلها في الخف لم يصح ذلك منه. والدليل على اشتراط الطهارة: ما ثبت في الحديث الصحيح عن المغيرة رضي الله عنه وأرضاه أنه لَمَّا صب الوضوء على النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين) ولا تتحقق الطهارة في (طاهرتين) إلا للرجلين، لأنهما كالعضو الواحد، ولذلك جاز تقديم اليمنى على اليسرى، وأجزأ، وصح ذلك في الوضوء-، ولا يُصْدَق عليهما كونهما طاهرتين إلا إذا تمت طهارتُهما معاً، فلو غسل إحداهما وأدخلها قبل الأخرى لم يَصْدُق عليه أنه طهَّر الرجلين؛ لأن طهارة إحداهما متوقفة على طهارة الأخرى. وبناءً على ذلك: فلا بد أن يكون قد أتم الوضوء، ويستوي في هذا أن يتوضأ ويلبس الخفين بعد الوضوء مباشرة، أو يتوضأ ويلبس الخفين بعد انتهاء الوضوء ولو بساعات طويلة، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ عند شروق الشمس وبقي على وضوئه إلى منتصف النهار، ثم لبس الخفين وهو على الوضوء صح له أن يمسح عليهما؛ لأنه لبس الخفين وهو على طهارة، فصَدَق عليه وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (دعهما، فإني أدخلتهما طاهرتين) إذا ثبت هذا فعندنا في الخف: أولاً: وقت اللبس. ثانياً: ثم بعد لُبسه وهو على وضوء يأتي الحدث، وهو أول ناقض للوضوء. ثالثاً: إذا أحدث فإنه يتوضأ ويأتي المسح، ولذلك اختلفت أقوال العلماء رحمة الله عليهم في المسح على الخفين سواءً كان يوماً وليلة أو ثلاثة أيام: هل يبدأ من بداية الحدث؛ لأنه سبب للكل، أو يبدأ من عند مسحه بعد الحدث؟ فلو فرضنا -مثلاً- أنه أحدث الساعة الثالثة، ثم لم يتوضأ إلا الساعة الرابعة، فيقع مسحه في الساعة الرابعة، فهل العبرة بالحدث الذي هو في الساعة الثالثة، أم العبرة بالمسح بعد الحدث والذي يكون في الساعة الرابعة؟ فقال بعض العلماء: العبرة بالحدث؛ لأنه سبب لما بعده، والأسباب مُنَزَّلة منزلة مسبباتها، وهي المؤثرة في مسبباتها، فيعتبر السبب، وأكدوا هذا بأنه لما أحدث شُرِع له أن يمسح؛ لأنه لما انتقض وضوءه بعد اللبس شُرِع له أن يبتدئ المسح، فكونه يؤخر هذا لا يعنينا، وإنما الذي يعنينا هو وجود الرخصة من الشرع، فقالوا: يبتدئ مِن الحَدَث إلى مثلِه من اليوم القادم، فلو لَبِس الخف الساعة الثانية ظهراً، وأحدث الساعة الثالثة ظهراً، ومسح في أول وضوء الساعة الرابعة، فنقول: العبرة بالساعة الثالثة التي وقع فيها الحدث، ولا نعتبر وقت لُبْسه للخفين، ولا نعتبر وقت مسحه الأول على الخفين، وهذا هو أصح الأقوال؛ لما ذكروه؛ لأن الشرع لما قال: يمسح المسافر ويمسح المقيم، كما في حديث علي رضي الله عنه: (يمسح المسافر ثلاثة أيام، والمقيم يوماً وليلة) شرع أن نستبيح الرخصة بالمسح، واستباحة الرخصة إنما تقع بعد وجود موجب الرخصة وهو الحدث. ولذلك يترجح هذا القول الذي اختاره المصنف رحمة الله عليه. - وقال بعض السلف: العبرة باللُّبس، أي: الساعة الثانية. - ومنهم من قال: العبرة بالمسح؛ لأنه يتم بالمسح العددُ، وهذا مرجوح؛ لأن إتمام المسح بالعدد يكون من المكلف، وجواز المسح من الشارع، واعتبار رخصة الشارع أبلغ من اعتبار ما يكون من المكلف؛ لأن الأحكام الشرعية ترتبط بإذن الشارع، فإذن الشارع: مِن الساعة الثانية -مثلاً- يأذن له أن يتوضأ وأن يمسح، وكونه يؤخر فهذا لا يعنينا، فيُسْقط اعتبارُ المسح ويبقى اعتبارُ موجِبِ المسح أو المؤثر في المسح حقيقةً. وبناءً على ذلك: قال العلماء: وقت المسح مِن الحَدَث إلى مثلِه، أي: الحَدَث الذي وقع بعد اللبس. وبناءً على هذا: فلو أنه أحدث الساعة الواحدة ظهراً فيمتد وقت المسح إلى مثلها من الغد، أو إلى مثلها إلى ثلاث، في الأولى: إذا كان مقيماً، وفي الثانية: إذا كان مسافراً. (بعد لُبس): أي: من الحدث، بعد لُبسه.
شروط الخف
شروط الخف قال رحمه الله: (على طاهرٍ مباحٍ): يشترط في الخف: - أولاً: أن يكون طاهراً. - ثانياً: أن يكون مباحاً. أن يكون طاهراً: فلا يمُسح على نجس؛ لأن الخف النجس: أولاً: لا تصح الصلاة به، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نزع نعليه لَمَّا أخبره جبريل أنهما ليستا بطاهرتين، فدل على أن حذاء المصلي لا بد أن يكون طاهراً، فلا يتأتى أن يمسح على هذا النوع وهو النجس. ثانياً: أنه بالمسح يتنجس ولا تتحقق طهارة الموضع، فلا بد وأن يكون طاهراً. وأن يكون مباحاً: أي: يكون ذلك الخف مباحاً، ويخرج بقوله: (مباحاً) ما كان حراماً، وهو كالمغصوب، أو يكون من جلد ميتة غير مدبوغ، أو من جلد ميتة لا يُدْبَغ مثلُه، بأن يكون مِن جلد ما لا يُذَكى، إذا قيل: بأنه لا تؤثر الدباغة فيه، كالسباع مثلاً، على القول بأنها لا تطهر جلودوها بالدباغ، فإن هذا في حكم المحرم؛ لأنه نجس وغير مأذون بالانتفاع به. وبناء على هذا: فلا بد من تحقق الطهارة وكونه مباحاً. واختلف العلماء: لو لبس خفاً مغصوباً، أي: أخَذَ خف إنسان ظلماً ثم لبسه وأراد أن يمسح عليه، فهذه المسألة للعلماء فيها وجهان مشهوران مفرَّعان على مسألة أصولية وهي: هل النهي يفيد فساد المنهي عنه أو لا يفيد؟ أو هل النهي يقتضي فساد المنهي عنه؟ وتوضيح ذلك: - أنك إذا قلت: إن الخف المغصوب منهي عنه، والنهي عنه يقتضي فساد الصلاة به وكذلك فعل العبادة به، فيبطل المسح عليه، وهذا قول الحنابلة. - وقال جمهور العلماء: يصح مسحه ويأثم باللبس. ففرع المصنف على هذا الأصل، فقال: [على طاهرٍ مباحٍٍ]؛ لأن غير المباح لا يجوز له ولا يصح أن يمسح عليه. ومذهب الجمهور أنه يصح المسح ويأثم، وهو كالصلاة في الدار المغصوبة، وعلى الأرض المغصوبة، فإنه تصح الصلاة؛ لأنه مأمور بها شرعاً وقد تمت أركانها وشرائط صحتها، ويأثم؛ لأن الجهة منفكة، والقاعدة: أن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا اتحد المحل بأن ينصبَّ إلى الذات -ذات الشيء- أو إلى الوصف اللازم له. وبناءً على هذا: لا يعتبر مسحه على الخف المغصوب موجباً لعدم صحة وضوئه. فالصحيح: أنه يأثم بلبس الخف ويصح مسحه. قال رحمه الله: [ساترٍ للمفروض يَثْبُتُ بنفسه]. (ساترٍٍ) هذا الشرط الثالث: - أن يكون ساتراً للمفروض. لأن البدل يأخذ حكم المبدل، والمسح بدل عما أمر الله بغسله وهو الرجلان، فوجب أن يستر جميع الرجلين اللتين أمر الله بغسلهما، أي: محل الفرض، فلا بد أن يكون ساتراً من أطراف الأصابع إلى الكعبين، والكعبان داخلان كما قررناه في آية الوضوء. فلو كان الخف إلى نصف القدم، فإنه لا يجوز أن يمسح عليه؛ لأنه غير ساتر لمحل الفرض، ولو انكشف الكعبان أو انكشفت رءوس الأصابع، فإنه لا يصح أن يمسح عليه؛ لأنه أيضاً غير ساتر لمحل الفرض. (يثبت بنفسه) هذا الشرط مبني على أنه إذا وردت الرخصة في الشرع فينبغي تقييدها بالوصف الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالخفاف التي كانت موجودة ومعروفة تثبت بنفسها، فيخرج ما لا يثبت؛ لأن الذي لا يثبت بنفسه عرضة لأن يكشف محل الفرض، وبناءً عليه: فإنه لا يمُسح عليه ولا يعتبر على صفة الخف الذي هو الأصل أو الذي ورد دليل الشرع باستباحة المسح عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن خفه مشدوداً، ولو كان مما يُشَد أو كان مما ينزل عن الموضع لبَيَّن ذلك، ولكان ظاهراً من الأحاديث التي جاءت بذكر مسحه صلوات الله وسلامه عليه على خفيه.
حكم المسح على الجوربين
حكم المسح على الجوربين قال رحمه الله: [مِن خُفٍّ وجوربٍ صفيقٍ ونحوِهما] (مِن خُفٍّ) أي: سواءً مَسَحَ على خف أو جورب، فيستوي في ذلك أن يكون من الخفاف وهي التي تكون من الجلد، أو الجوارب، والجوارب: جمع جورب، والجورب الأصل فيه أن يكون من القماش؛ ولكن له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون من القماش، أي: كله من القماش، كجورب صوف، وجورب قطن، فهذا يعتبر جورباً من القماش الخالص. الصورة الثانية: أن يكون من القماش المنعَّل، وصورته: أن يكون أعلاه من الصوف، وأسفلُه جلداً، فهذا يسمونه: (الجورب المنعَّل)، فهو من القماش؛ لكن بطانته التي تلي موضع الأرض أو موطئ القدم تعتبر من الجلد، وهو موجود إلى الآن. أما الجوارب ففيها مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز أن يُمسح على الجوارب كما يُمسح على الخفاف؟ المسألة الثانية: هل ذلك شامل لكل جورب؟
الخلاف في مشروعية المسح على الجورب
الخلاف في مشروعية المسح على الجورب أما المسألة الأولى: وهي هل يُمسح على الجورب كما يُمسح على الخف؟ ففيها قولان مشهوران: القول الأول: يُمسح على الجورب كما يُمسح على الخف، وبه قال الإمام أحمد وأهل الحديث. القول الثاني: أنه لا يُمسح على الجورب، وهو مذهب الجمهور. فالذين قالوا بمشروعية المسح على الجورب احتجوا بحديثٍ رواه الترمذي وأحمد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين). والذين قالوا بعدم جواز المسح على الجوربين، وأنه لا يُمسح إلا على الخفاف التي هي من الجلد، احتجوا بأن الأصل: الغَسل أو المسح على الخفين، وأما الجوارب فقالوا: أولاً: لم تصح أحاديثها كأحاديث الخفين. ثانياً: أنه يحتمل أن قول الصحابي: (على الجوربين) المراد به: الخفاف التي ورد ذكرها في الأحاديث الصحيحة. هذان وجهان لهم. والذي يظهر -والله أعلم- جواز المسح على الجوربين: أولاً: لصحة الحديث، فقد صحَّحه غير واحد من أئمة الحديث، منهم الإمام الترمذي والإمام أحمد رحمة الله عليهما. ثانياً: أن حمل الحديث على الخفين خلاف الظاهر، والمعروف أن إطلاق الجورب له معنى، وإطلاق الخف له معنى، وليس الصحابي بجاهل بدلالة الألفاظ، فإنه عبر بلغة صحيحة، قالوا: إن رواية: (مُنَعَّلَين) تدل على الجلد، ويمكن أن يجاب عنها بأن (المُنَعَّلَين) المراد بها بعض أنواع الجوارب، وهي الجوارب التي لها بطانة من الجلد، فإذا ثبتت رواية: (مُنَعَّلَين) فتحمل على الجلد، مع أنه أجيب: بأنه مسح على الجورب ومعه نعله، فمسح صلى الله عليه وسلم على جورب بنعل، أي: كان النعل موجوداً، فمسح على ظاهر الجورب، والنعل لا يلزم مسحه؛ لأنه من باطن كالخف، فاقتصر على مسح الجورب، فقال الصحابي: (جوربٍ مُنَعَّل) أي: أن قصده أنه مسح مع وجود النعل. وعلى هذا يصح القول بالمسح على الجوربين.
صفة الجورب الذي يمسح عليه
صفة الجورب الذي يمسح عليه وإذا ثبت هذا فلا بد في الجورب من أن يكون صفيقاً، وعلى ذلك كلمةُ جماهيرِ مَن يرى المسحَ على الجوربين؛ لأن الجوارب الخفيفة الشفافة هذه لم تكن موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ إنما كانوا يلبسون الجوارب ويمشون بها، ولذلك كانوا يلفون الخرق على أقدامهم، وهذا يدل على ما اعتبره العلماء من اشتراط الصفاقة أي: كونه صفيقاً. وأيضاً فالنظر يقتضيه، فإن الجورب مُنَزَّل منزلة الخف، والخف صفيق، ولا يمكن للجورب أن يُنَزَّل منزلة الخف إلاَّ بالثخانة والصفاقة. وعلى هذا: فإنه يصح المسح عليه -كما نص العلماء- إذا كان صفيقاً ثخيناً، فالذي يشف البشرة لا يُمسح عليه؛ لأنه غير معروف على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن قال بجوازه بالقياس، أي: يقول: أقيس هذا الشفاف على الجورب الموجود على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن القياس على ما هو خارج عن الأصل لا يطَّرِد، ولذلك الأصل: غسل الرجلين، والمسح خلاف الأصل، فلا يطَّرِد القياس على الرخص. الوجه الثاني: أن المسح على الجورب إذا كان شفافاً لا يُنَزَّل منزلة الثخين؛ لأن الفرق بين الشفاف والثخين ظاهر، ومن شرط صحة القياس: ألاَّ يوجد الفارق بين الأصل والفرع، فالفرع -وهو (الشُّرَّاب) الشفاف- خفيف، والأصل المقيس عليه -وهو الجورب- ثخين، وإنما جاز المسح على الجورب الثخين لمشابهته الخفين، فيُمنع في الخفيف لعدم وجود وصف الأصل، وهو: كونه ثخيناً، وعلى هذا فالذي نص عليه من يقول بمشروعية المسح على الجوربين اشتراط كونه صفيقاً، كما نبَّه عليه غير واحد من الأئمة، منهم الإمام ابن قدامة -رحمة الله عليه- في المغني، وكذلك المتون المشهورة في المذهب: كالإقناع للحجاوي، والمنتهى للنجار، كلهم نصوا على كونه صفيقاً، إخراجاً للشُّرَّاب الخفيف الذي يمكن أن يصف البشرة أو يكون غير صفيق. (مِن خُفٍّ وجوربٍ صفيقٍ ونحوٍهما). (وجوربٍ صفيقٍ) كما ذكرنا، أي: ثخين. (ونحوِهما): أي: نحو الخف أو الجورب الثخين، حتى قالوا: لو وُجِد نعال من الخشب جاز أن يُمسح عليها، فقد يوجد إنسانٌ -مثلاً- يَصْنَع له نعالاً من خشب، فيقولون: لا حرج أن يمسح عليها، المهم أن يكون ساتراً للقدم أي: أن الحكم لا يختص بالجلد ولا بالقماش، فلو صُنِّع الآن نوعٌ من (الشَّراريب) من غير القماش ومن غير الجلد لجاز أن يُمسح عليها؛ لكن بشرط أن تكون في حكم الخفين أو الجوربين.
العمامة وأحكام المسح عليها
العمامة وأحكام المسح عليها قال رحمه الله: [وعلى عمامةٍ لرجل] بعد أن فرغ رحمه الله من الخفين، شرع في العمامة. والعمامة: مأخوذة مِن عَمَّ الشيءَ إذا شملَه، ووصفت العمامة بكونها عمامةً؛ لأنها تشمل الرأس بالغطاء، فهي تستر الرأس، فيقال لها: عمامة.
أنواع العمائم
أنواع العمائم والعمامة تأتي على صور: - الأولى: العمامة التي لها ذؤابة ومحنَّكة. - الثانية: العمامة التي لها ذؤابة وغير محنَّكة. - الثالثة: العمامة التي لا ذؤابة ولا عَذَبَة لها. هذه ثلاث صور للعمائم. أما العمامة التي لها ذؤابة ومحنكة فهي موجودة إلى الآن عند بعض المسلمين، تكون غطاءً للرأس يلف بها الساتر على الرأس، ثم تبقى فضلة من الملفوف يؤتى بها من تحت الحنك، حتى إنهم بعض الأحيان كانوا يسافرون في البر على الإبل وربما آذاهم التراب أو الغبار، فترى الرجل يضع ما تحت الحنك من العمامة على أنفه فلا ترى منه إلا عينيه، هذه العمامة هي على أكمل صورتها؛ تكون ساترة للرأس ومحنكةً من تحت الحنك، فالأصل في العمائم أن تكون إما محنكة أو لها عَذَبَة، وقد كانت عمائم المسلمين على هذه الصفة، إما لها عذبة وإما محنكة، ولذلك قال حسان بن ثابت رضي الله عنه يصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار: إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بيَّنوا سُنَناً للناس تُتَّبَعُ يرضى بها كلُّ من كانت سريرته تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا فقوله: (إن الذوائب) أي: أهل الذوائب التي كانوا يلبسونها، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عمم عبد الرحمن بن عوف، وأرسل العَذَبة بين كتفيه، وقال: (هكذا فاعتمَّ يا ابن عوف). فالعمامة تكون لها عذبة، إما محنكة وإما غير محنكة. وغير المحنكة: هي العذبة المرسلة؛ التي تكون مرسلة إلى الوراء بين الكتفين، أو يرسلها على جهة كتفه الأيمن تفضيلاً للأيمن على الأيسر. هذا بالنسبة لعمائم المسلمين. وهناك نوع ثالث من العمائم: وهي العمامة المقطوعة التي لا عذبة لها ولا ذؤابة، وكانوا يُلْبِسُونها أهلَ الذمة؛ لأن أهل الذمة إذا كانوا مع المسلمين فإنهم لا يشابهونهم، وهي سُنَّة عمرية سَنَّها الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، ولها أصل في السُّنة: أن الكفار إذا دخلوا بلاد المسلمين فإنهم لا يشابهونهم في اللباس، فلذلك كان يلزمهم بعمائم مخصوصة، وشَدِّ الزُّنَّار في وسطهم، حتى يكون علامةً لهم، فإذا ساروا بين المسلمين تكون لهم ذلةً وصغاراً، فيلبسون هذه العمائم تمييزاً لهم، حتى لا يكون لهم فضل المساواة ولا الفضل على المسلمين. فهذا النوع من العمائم يختص بأهل الذمة، وقد منع المسلمون من لبسه، وشدد العلماء رحمهم الله فيه؛ لأن فيه مشابهةً بأهل الذمة. ولذلك قال المصنف: [محنكةٍ أو ذات ذؤابة] وتجد كذلك في كتب الفقهاء اشتراط أن تكون العمامة لها عذبة؛ لأن عمامة النبي صلى الله عليه وسلم وعمائم الصحابة -كما هو معروف وسبقت الإشارة إليه- كانت لها عذبة وليست بعمامة مقطوعة، ولذلك قالوا: إذا لبس العمامة فإنه لا بد أن تكون على الصفة الشرعية؛ لأنه إذا لبسها على صفة أهل الذمة فإنه لا يستباح بمثلها الرخصة، خاصةً على مذهب الحنابلة الذين يرون أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، فهو منهي عن مشابهة أهل الذمة، فلا يمسح على مثل هذا.
حكم العمامة للمرأة
حكم العمامة للمرأة (وعلى عمامةٍ لرجلٍ محنكةٍ أو ذاتِ ذؤابة) (وعلى عمامةٍ لرجلٍ) فالمرأة لو اعتمت فإن اعتمامها يكون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بدون حاجة، فتكون -والعياذ بالله- ملعونة؛ لأنها تتشبه بالرجال، وقد يفعل هذا بعض المسترجلات من النساء، نسأل الله السلامة والعافية. الحالة الثانية: أن تحتاج إلى العمامة لشد رأسٍ من وجعٍ أو ألَمٍ أو نحوِ ذلك، فهذا أمر مستثنى، فتعصب الرأس فيكون كالعمامة، فمثل هذا لا يُمسح عليه، والمرأة ليست لها عمامة، فليست بمحل للرخصة.
دليل جواز المسح على العمامة
دليل جواز المسح على العمامة والأصل في مشروعية المسح على العمامة حديث المغيرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وعلى العمامة)، وورد أيضاً أمره عليه الصلاة والسلام بالمسح عليها، وحسَّنه بعضُ أهل الحديث. والحديث المتقدم أصلٌ في جواز المسح على العمامة، ويُشترط فيها أن تكون كما قال المصنف: (محنكةٍ أو ذاتِ ذؤابة) أي: موضوعة تحت الحَنَك، وقد كانوا يستحبونها لأهل الفضل، ويعتبرونها نوعاً من كمال الرزانة والحلم؛ لأنه كلما تعاطى الإنسان كمال الستر كلما كان ذلك أهيب، وإلى عهد قريب ترى كثيراً من الأخيار لا يستحبون أن تكون نواحي الصدر مكشوفة، وكانوا يسترونه بطرف العمامة، حتى ولو كانت من العمائم المعروفة الآن، ولا يزال هذا الآن نوعَ شعارٍ لأهل الخير؛ وما ورد في السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من كشفه لصدره هو حالة مخصوصة، دخل فيها الصحابي عليه فوجد أزراره قد فتح منها حتى بدا صدرُه عليه الصلاة والسلام، وهذا لا حرج فيه، أن يبدو الصدر، والعلماء يقولون: قد يفعل النبي صلى الله عليه وسلم الشيء للجواز ونفي الحرج؛ لكن الكمال مطلوب، ولذلك قالوا: الأكمل للإنسان أن يراعي ستر هذا الموضع، وهذا معروف، فإن المشاهد بالحس والطبع أن الناس تحب وتجل من الإنسان إذا عرف منه ذلك؛ لأنه أبلغ في الاحتشام وأبلغ في السكينة والوقار. فالمقصود: أن المحنكة تكون تحت الحنك؛ ولكن لا يشترط في العذبة -كما قلنا- أن تكون تحت الحنك، فلو كانت العذبة طويلة وأرسلها من ورائه شرع له أن يمسح.
الفرق بين المسح على العمامة والمسح على الخفين
الفرق بين المسح على العمامة والمسح على الخفين والمسح على العمامة يخالف المسح على الخفين، وذلك من وجوه: - منها: ظهور بعض المحل المفروض، فإن العمامة يظهر فيها أطراف الرأس الأيمن والأيسر كالسوالف ونحوها، فهذه تغتفر ويجوز كشفها، وكذلك الناصية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على ناصيته وعلى العمامة، وكانوا يكشفونها، وكان ذلك يعتبر من شعار أهل الصلاح والخير، أنهم يكشفون النواصي، فإذا كشف شيئاً من ناصيته فلا حرج، ولا يعتبر ستر جميع محل الفرض شرطاً، فقالوا: تغتفر الناصية مُقَدَّمُ شعر الرأس، والقفا؛ لأنه لا بد إذا تعَمَّم أن يظهر شيءٌ قليل مِن آخِرِ الرأس وأطراف الوجه، فهذا يُغتفر ولا حرج في كشفه، ولا يلزم بالمسح عليه؛ لكن قالوا: يستحب المسح عليه كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على ناصيته وعلى العمامة، فاستحب بعض أهل العلم أن يجمع بين الناصية والعمامة، ومن ذلك أيضاً الأُذُنان؛ لأن الأُذُنين تكونان خارجتين عن الموضع الذي يُعَمَّم به الرأس عادةً.
مسح المرأة على الخمار
مسح المرأة على الخمار قال رحمه الله تعالى: [وعلى خُمُرِ نساءٍ مُدارةٍ تحت حُلُوقهن في حدث أصغر]. (وعلى خُمُر نساءٍ): هذا فيه أثر عن أم سلمة رضي الله عنها، والخَمْر: أصله التغطية، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: (خَمِّروا الآنية) أي: غَطُّوها، وسميت الخَمْر خَمْراً -والعياذ بالله- لأنها تغطي العقل، فكأن الإنسان لا عقل عنده، ووُصِف الخمار بكونه خماراً؛ لأنه يستر المرأة ويغطيها، مما يكون من رأسها، فيجوز لها أن تمسح عليه، وهذا على اختيار بعض العلماء لأثر أم سلمة رضي الله عنها، وفيه حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. (مُدارةٍِ تحت حُلُوقهن) قالوا: إنه ينبغي أن يكون ذلك الخمار مُداراً، مثل: المسفع ونحوه، ويكون تحت الحلق كالحال في المحنك. (في حَدَثٍ أصغر) بعد أن بيَّن -رحمه الله- ما الذي يُمسح عليه، ووقت المسح، شرع في بيان محل المسح. فيختص المسح على الخفين وعلى العمامة وعلى الخمار بالحَدَث الأصغر دون الأكبر، فلا يجوز للإنسان أن يمسح على خفيه إذا اغتسل من الجنابة، بل يجب عليه نزع الخفين وغسل القدمين، والأصل في هذا ما ثبت في الحديث الصحيح وهو حديث صفوان بن عسال المرادي قال رضي الله عنه وأرضاه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ننزع خفافنا من بولٍِ أو نومٍ أو غائطٍ لكن من جنابة) فقوله: (من بولٍ) أي: بسبب بولٍ (أو نومٍ) أي: بسبب نومٍ (أو غائطٍ) أي: بسبب غائط، فكل هذه لا ننزع منها، ثم قال: (لكن من جنابة) أي: ننزع من الجنابة، فدل على أن الجنب باحتلامٍ أو إنزالٍ أو جماعٍ عليه أن ينزع خفيه وكذلك النفساء والحائض من جماع ونحوه، فإنه يلزمها أن تغتسل ولا تمسح على الخفين.
أحكام المسح على الجبائر
أحكام المسح على الجبائر قال رحمه الله: [وعلى جبيرةٍ لم تتجاوز قدر الحاجة]. بعد أن بيَّن -رحمه الله- المسح على الخفين، وعلى العمائم، وعلى الخُمُر، قال: (وعلى جبيرة).
الفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على العمامة
الفرق بين المسح على الجبيرة والمسح على العمامة وهنا يَرِد Q أليست الجبيرة يُمسح عليها كما يُمسح على العمامة، فهذه من قماش وهذه من قماش، وهذه ساترة لمحل فرض وهذه ساترة لمحل فرض، فلماذا أفردها؟ و A أن الجبيرة تخالف ما تقدَّم في كونها يمسح عليها في الحدث الأصغر والأكبر، فإن الإنسان إذا جَبرَّ كسراً ووضع الجبيرة، فإنه يحتاج إلى بقائها مدةً معينة، فسببُ الرخصةِ قائم، بخلاف المسح على الخفين، والمسح على العمامة، وعلى الخُمُر، فإنه ليس مرتباً على سبب ولا علة، وإنما هي رخصة مطلقة، وبناءً على ذلك أفرد المسح على الجبائر بهذا.
دليل مشروعية المسح على الجبائر
دليل مشروعية المسح على الجبائر والأصل في المسح على الجبائر: حديث ذي الشجة الذي رواه الدارقطني وغيره: (أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سافر مع أصحابه فأصابته شجاج أو كانت به جراح، فأجنب فسأل أصحابه: هل من رخصة؟ قالوا: لا رخصة واغتسل -أي: يلزمك الغسل- فاغتسل فمات، فقال صلى الله عليه وسلم: قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العِيِّ السؤال -وفي بعض الروايات-: قد كان يكفيه أن يعصب جرحه) فأخذوا منه مشروعية المسح على العصائب والجبائر، وهذا الحديث مُتَكَلَّمٌ في سنده، والقول بضعفه في رواية الجبائر أقوى؛ ولكن أصول الشريعة وقواعدها العامة تدل على مشروعية المسح على الجبائر، ولذلك اتفقت كلمة العلماء وأجمعوا على أنه يجوز المسح على الجبيرة؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] فإذا كان بإمكان المكلف أن يفعل كُلِّف، وإن لم يكن بإمكانه لم يُكَلَّف، فهذا الذي أصابه الكسر في يده أو ساعده أو زنده أو كفه ليس بإمكانه أن ينزع الجبيرة حتى يغسل، وذلك يترتب عليه ضرر عظيم؛ ولأن الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه، فلما أذنت الشريعة له أن يتداوى فقد أذنت بلازم التداوي من بقاء الجبيرة، فتبقى الجبيرة على ما هي عليه، ويمسح.
شروط المسح على الجبائر
شروط المسح على الجبائر ويحل هذا الساتر محل الأصل بشروط: أولاً: وجود الحاجة، أي: أن يتحقق من وجود الكسر الذي يُحتاج به إلى الجبر ويتعين الجبر. ثانياً: أن يشد بقدر الحاجة، فلو فُرض أن موضع الكسر الذي يُحتاج بسببه إلى الجبر محدد بخمسة أصابع، ويحتاج الطبيب إلى إصبع قبل وبعد، أي: من البداية والنهاية -وهذا يسمونه في الطب: الاحتياط- فإنه لا يوضع على نفس الموضع؛ وإنما يزيد قدراً لكي يتماسك، أو يكون في الخشبة الموضوعة في الجبيرة التي تعين على التحام العظم، فهذا الزائد الذي هو الإصبع السابق واللاحق في حكم الأصل فيُشرع ولا حرج؛ لكن لو زاد إصبعين أو ثلاثه أو أربعة، فإنها ليست بداخلة في الإذن، وبناءً عليه يُحكم عليه بما يلي: أن يُؤمر بإزالة الجبيرة وإعادتها إلى الموضع الذي يُحتاج إليه بقدر الضرورة، فإن وَسِعه ذلك -أي: كان بإمكانه أن يعيد الجبيرة مرة ثانية، بأن تُفَك وتُعاد- دون ضرر لَزِم. وإن ترتب الضرر ففيه خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: يبقيها والرخصة قائمة له لمكان الضرر اللاحق، ويأثم الطبيب بالزيادة ولا حرج على المكلف. ومنهم من قال: يبقيها ويتيمم لما زاد. ومنهم من قال: يبقيها ويعيد الصلاة إذا برئ. هذه كلها أوجه للعلماء رحمة الله عليهم. ولكن الحقيقة القول بأنه يبقيها إذا عَلِم أن النزع يتسبب في الضرر من القوة بمكان، وتُنَزَّل منزلة الضرر بنفسه؛ لأنه لما تعدى الضرر بإزالته نُزِّل هذا الزائد منزلة المحتاج؛ لأن زوال الضرر بإزالتها موقوف على إبقاء هذا الزائد فيُنَزَّل منزلة الحاجة، وعلى هذا: فيقوى القول بأنه يبقيها ويصح منه المسح عليها مع الزيادة على الموضع. (لم تتجاوز قدر الحاجة) للقاعدة الشرعية: (أن ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها) المتفرعة عن قاعدة من القواعد الخمس المعروفة: (الأمور بمقاصدها). (اليقين لا يُزال بالشك). (الضرر يُزال). (المشقة تجلب التيسير). (العادة مُحَكَّمة). هذه الخمس القواعد التي انبنت عليها مسائلُ الفقه الإسلامي. والقاعدة الرابعة: (المشقة تجلب التيسير)، تفرعت عنها قواعد كثيرة، منها: (الضرورات تبيح المحظورات)، فيصبح في هذه الحالة من اضطر إلى شيء أبيح له فعله ولو كان محظوراً، ويتفرع على هذه القاعدة (أن ما أبيح للضرورة يُقَدَّر بقدرها)، فهي مفرعة على هذا الأصل الذي تفرع عن القاعدة العامة. وبناءً على هذا: ييسر على المكلف بتغطية هذا الموضع الذي أمر بغسله مباشرة، ثم يَمسح على ما ستر؛ ولكن يتأقت المسح بقدر الحاجة، فقال المصنف: إذا لم يتجاوز بشدها موضع الحاجة، على التفصيل الذي ذكرناه.
المسح على الجبائر في الحدث الأكبر
المسح على الجبائر في الحدث الأكبر قال رحمه الله: [ولو في أكبرَ إلى حَلِّها] (ولو في أكبرَ): أي: ولو وقع المسح عليها في حدث أكبر، فإنه يجوز له أن يمسح عليها ولو كان في جنابة، ولا يلزمه الفك؛ لأن الرخصة التي تبيح له المسح في الحدث الأصغر تبيح له في الحدث الأكبر. (إلى حَلِّها) أي: إلى أن يحل هذا الرباط أو هذه الجبيرة؛ ولكن يرجع ذلك إلى قول أهل الخبرة، فإن قال الأطباء: تبقى شهراً، فإنها تؤقت بالشهر، وإن قالوا: تبقى شهرين، فكذلك، فلا يتجاوز القدر الذي حكم الأطباء بالحاجة إليه، فإذا زاد عليه فإنه لا يصح له أن يمسح في ذلك الزائد من الزمان. قال رحمه الله: [إذا لَبِس ذلك بعد كمال الطهارة] يتوضأ قبل شدها، ثم تُلَف، أي: يقوم الطبيب بوضع ما يريد ويَلُف، وهذا إذا وسع الوقت للوضوء، أما لو أنه فُجِئ بالمرض أو كان مُغْمَىً عليه، واضطُّرَّ إلى هذا الشد، واحتيج إلى جبر كسره قبل أن يتوضأ، فقول طائفة من العلماء أن الجبيرة يمسح عليها ولو لم يمكن ذلك على وضوء، لوجود الحاجة والضرورة.
أحكام اختلاف ابتداء المسح وانتهائه
أحكام اختلاف ابتداء المسح وانتهائه قال رحمه الله: [ومن مسح في سفر ثم أقام أو عَكَسَ، أو شَكَّ في ابتدائه، فمَسْح مقيم] هذه المسألة مفرعةٌ على الأصل، فقد عرفنا أن المقيم يمسح يوماً وليلةً على الخف، ويمسح المسافر ثلاثة أيام بلياليهن على الخف، فلو فرضنا أنك كنت مسافراً فمسحت اليوم الأول، ثم رجعت إلى البلد في اليوم الثاني، فأصبحت مقيماً في اليوم الثاني، فهل نقول: العبرة بالابتداء فتتم مسحك مسح مسافر، أو العبرة بالانتهاء فتقطع مسحك لأنك أتممت مسح المقيم؟ والعكس، فلو كان مقيماً فلبس الخف -مثلاً- الساعة الثانية ظهراً وهو على طهارة، ثم انتقض وضوءه في الساعة الثالثة ظهراً، ومسح في الساعة الرابعة، ثم سافر في المغرب، فإنه في الأصل مقيم، وطرأ عليه السفر، فهل نقول: العبرة بالابتداء أو العبرة بالانتهاء -أي: ما انتهى إليه حاله-؟ فللعلماء في هذه المسألة أوجه: منهم من قال: في كل هذه الصور يُرَد إلى اليقين، والقاعدة: أن (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)، فالمسح رخصة، فنشُك إذا كان مسافراً وأقام: هل يتم مسح مسافر؟ فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، ولما كان مقيماً ثم سافر نشك: هل يطرأ عليه التوسع أو لا يطرأ؟ أو نبقيه على اليقين، فنرده إلى اليقين وهو اليوم والليلة، وهذا اختيار الشافعية والحنابلة. وقال بعض العلماء: إنه يعتبر المآل، فيمسح مسح المسافر، ولو طرأت عليه الإقامة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه. والأقوى والأحوط: أنه يتم مسح مقيم في جميع الصور، للقاعدة: أن (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل) خاصةً وأنه في عبادة الوضوء التي ينبني عليها الحكم بصحة صلاته، وهذا هو أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله: [وإن أحدث ثم سافر قبل مسحه فمسح مسافر] بناهُ على قوله: (يمسح المسافر)، وإن كان أصل المذهب أن العبرة بالحدث، فكان يلزم إعمالاً لأصل المذهب أن يقول: إن العبرة بالحدث، فإن وقع حدثه في السفر أو في الحضر فالعبرة بالحدث، فقال: لا، بل نُعمل ظاهر الحديث في قوله: (يمسح المسافر) فيتحقق فيه موجب الرخصة، ويجوز له أن يتم مسح مسافر إذا وقع سفرُه قبل المسح، فلو أحدث الثانية ظهراً ثم خرج للسفر، فتوضأ ومسح في الثالثة ظهراً، فإنه يمسح ثلاثة أيام كاملة، واضح؟ وبصورة أخرى: لو أن إنساناً طرأ عليه سفر وهو مقيم، فتوضأ عند صلاة الظهر، ثم صلى الظهر، وبعد أن صلى الظهر لبس الخف أو قبل صلاة الظهر لبس الخف، المهم أنه لبس الخف بعد وضوئه هذا، ثم أحدث بعد صلاة الظهر وهو لابس للخف، ثم سافر بعد الحدث ولم يتوضأ، وفي السفر توضأ لصلاة العصر ومسح، فقال المصنف: أعتبرُ مسحه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يمسح المسافر)، فأعتبره مسافراً. ثم لو كان في السفر، مثلاً: أنت قادم على مكة، وقبل وصولك إلى مكة بساعات لبستَ الخفين وأنت على طهارة، ثم حصل الحدث الساعة الثانية ظهراً قبل دخول مكة، ثم دخلت مكة، وتوضأت ومسحت بمكة فتتم مسح مقيم. إذاً: في حال اختلاف الهيئة من سفر إلى حضر يتم مسح مقيم في جميع الصور، إلا إذا وقع مسحُه بعد الحدث الأول في حال سفر أو حال حضر فالعبرة بالمسح لا بالحدث الذي يقع بعد اللبس.
ما لا يمسح عليه
ما لا يمسح عليه
حكم المسح على القلانس واللفائف
حكم المسح على القلانس واللفائف قال رحمه الله: [ولا يمسح قلانس ولفافة]. شرع -رحمه الله- في بيان ما لا يُمسح عليه، والقلنسوة واللفافة لا يعتبر كل واحد منهما من جنس ما يُمسح عليه، ولذلك لا يصح المسح عليهما، ولا يُمسح على طاقية ونحوها، لعدم استيعابها لمحل الفرض؛ ولأن الرخصة ثبتت في العمامة، والقلنسوة ليست بعمامة ولا في حكم العمامة، وأما اللفافة: فهي ما يُلَف على الشيء أي: يُدار عليه، ولا يمسح على شيء يحيط بالعضو من القماش إلا ما ورد الاستثناء فيه، وهو الجبيرة، وأما ما عدا ذلك من اللفافات ونحوها فإنها لا تأخذ حكم الرخصة. يتفرع على هذا الحكم: لو أن إنساناً أصابه جرح، ثم غطَّى هذا الجرح بما يسمى في العرف اليوم بـ (الشاش)، ولم يكن ذلك على وجه الرخصة وهي الجبيرة، فإنه لا يُمسح على هذه اللفائف، وتختص الرخصة بما ورد الشرع به من العمامة، وفي حكمها الجبيرة لمكان الإجماع، كما بينا ذلك سابقاً.
حكم المسح على ما لا يثبت ولا يستر محل الفرض
حكم المسح على ما لا يثبت ولا يستر محل الفرض قال رحمه الله: [ولا ما يسقط من القدم، أو يُرى منه بعضُه] يتأتى ذلك فيما إذا لبس الخف ولم يكن ساتراً لمحل الفرض لتساقطه، وقد ذكرنا أن من شرط المسح على الخف: أن يثبت بنفسه، فلا ينكشف من محل الفرض شيئ، فإذا كان الخف على هذه الصورة التي ذكر، فإنه ليس بمحل للرخصة، أعني: رخصة المسح.
كيفية المسح على الجرموق
كيفية المسح على الجرموق قال رحمه الله: [فإن لَبِسَ خفاً على خفٍٍ قبل الحدث فالحكم للفوقاني] اختلف العلماء رحمهم الله في مسألة المسح على خف فوق خف: فقال بعض العلماء: الرخصة تختص بالخف إذا باشر القدم. وقال بعضهم: يجوز المسح على خف فوق خف، أي: لا يشترط أن يكون الخف قد وَلِي البشرة أو وَلِي القدم. فدرج المصنف -رحمه الله- على القول الثاني، والقول الأول أقوى، وذلك أن الرخَص يُقتصر فيها على صورة ما أذن به الشرع، والذي ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم: مسحه على خف يلي محل الفرض، وعلى هذا: لا يقوى القول بالمسح على خف فوق خف؛ لأنه يلي ما حكمه المسح، ولا يلي عضواً يختص الحكم بغسله. وبناءً على القول الذي اختاره المصنف رحمه الله: إن لبس خفاً فوق خف فإن الحكم يكون (للفوقاني) أي: الأعلى منهما.
مقدار المسح
مقدار المسح قال رحمه الله: [ويَمسح أكثرَ العمامةِ] لأن مسح كل العمامة من الصعوبة بمكان، وذلك يخالف موجب الرخصة، وقد ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته، كما في حديث المغيرة، ولم يحكِِ المغيرة رضي الله عنه تكلُّف النبي صلى الله عليه وسلم في تتبعه المسح لكل العمامة، بل قال: (ومسح على ناصيته وعلى العمامة)، فدل هذا على أنه إذا مسح على العمامة فإنه يمسح أكثرها، ولا يشترط في صحة المسح: الاستيعاب.
مقدار المسح على الخف
مقدار المسح على الخف قال رحمه الله: [وظاهر قدمِ الخُفِّ]: للعلماء في المسح على الخُفين أقوال: فقالت طائفة من أهل العلم: يُمسح أعلى الخف وأدناه، وفيه رواية في حديث المغيرة: (ومسح على أعلى خفه وأسفله). ومنهم من قال: يَمسح الأعلى ولا يمسح الأدنى، وذلك لقوله: (ثم مسح على خفيه) وهذا يقتضي أنه للأعلى، وأيد ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: (لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره؛ ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه) فدل هذا على أنه لا يُمسَح الباطن، وهو الذي يلي الأرض، وقوله: (لو كان الدين بالرأي -أي: بالاجتهاد- لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره) لأن الإنسان إنما يطأ الأرض بباطن قدمه، فباطن الخف الذي يلي الأرض أحوج لِأَنْ يُنَظَّف ويُمسح عليه من ظاهر الخف، فلما قال ذلك رضي الله عنه وأرضاه، دل على أن باطن الخف لا يُمسح. وقال بعضهم -وهي الرواية الثالثة عن مالك -: أنه يُمسح باطن الخف ولا يُمسح ظاهره. وهو قول ضعيف. فهذه ثلاثة أوجه لأهل العلم رحمة الله عليهم، أصحها وأقواها: ما اختاره المصنف -رحمة الله عليه- من أنه يُمسح الظاهر ولا يجب مسح الباطن، بل لو قال قائل بعدم استحبابه لصح قوله على ظاهر الحديث الذي ذكرنا، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام في السنن أنه: (مسح على خفه، فخط الخطوط) كما سيأتي -إن شاء الله- بيانه عند ذكر صفة المسح. قال رحمه الله: [مِن أصابعه إلى ساقه، دون أسفله وعَقِبِه] (مِن) للابتداء. (أصابعه) أي: أصابع القدمين، (إلى ساقه) يُمِرُّ كفَّه مفرقة الأصابع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال العلماء: يجعل طرف الزند على رأس الأصابع، ثم يُمِرُّها، فإذا فعل ذلك فلا يلزمه مسح العقب، ولا يلزمه كذلك مسح ما هو أسفل القدمين.
مقدار المسح على الجبيرة
مقدار المسح على الجبيرة قال رحمه الله: [وعلى جميع الجبيرة] هذا من الفوارق بين الخفين والجبيرة، ووجه ذلك: أن المسح على الجبيرة حل محل الغَسل للعضو على سبيل الاضطرار، وإذا تعذر الغَسل للعضو وأمكن مسحه بمسح الجبيرة، تعين المسح؛ لأنه مقدور عليه، والقاعدة في الشرع: أن (البدل يأخذ حكم المُبْدَل إلا ما استثنى الشرع)، فلما كانت الجبيرة التي على ساعده -مثلاً- وُضِعت لجبر كسر، والأصل غَسل الساعد، فتعذر غَسله لمكان الحائل وتعذر غَسل الحائل فإنه يَمسح على ذلك الحائل بتمامه؛ لأنه بدل عن أصل، فالمسح بدل عن الغسل، فأصبحت الجبيرة بدلاً عن المحل، وهو البشرة، وأصبح المسح بدلاً عن الغَسل، واستثنى العلماء الخفين لورود النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يستوعب الخف، فبقيت الجبيرة على الأصل من أن البدل يأخذ حكم مُبْدَلِه.
ما ينقض المسح
ما ينقض المسح قال رحمه الله: [ومتى ظهر بعض محل الفرض بعد الحدث أو تمت مدته، استأنف الطهارة] (ومتى ظهر بعض محل الفرض): هذا يوجب انتقاض المسح، وذلك لعلة ذكرها أهل العلم -رحمة الله عليهم- يستوي فيها أن يكون في الجبائر أو يكون في الخفين: وهي أنه إن ظهر جزءٌ من المستور الذي مُسح عليه بدل غسله فقد توجه الخطاب في الشرع بغسله، ولا يستطيع أن يغسله؛ لأن شرط الموالاة قد فُقِد، فإن مُضِي المدة بين وضوئه الذي مَسَح فيه، وبين انكشاف العضو، يقتضي بطلان شرط الموالاة، وإذا بطل شرط الموالاة تعذر أن يغسل، فيُرجع إلى الأصل من وجوب الوضوء عليه. توضيح ذلك: لو فرضنا أن إنساناً توضأ ثم نزع من خفه ما بان به محل الفرض، فحينئذٍ نقول: إنه في الأصل مطالَب بغسل رجليه، الذي هو محل الفرض، ورُخِّص له في المسح على خفيه، بشرط أن يبقى على الصورة التي أذن الشرع بها من استتمام المدة والخف ساتر لمحل الفرض، ويمسح المقيم يوماً وليلة، فإذا نزع أو انكشف جزء من محل الفرض فقد توجه خطاب الشرع بغسل الموضع؛ لأنه فَقَدَ شرط المسح، فلما توجه الخطاب بالأصل وهو: غسل الموضع، وقد مضت فترة لا يمكنه فيها أن يحقق شرط الموالاة، حُكِم بانتقاض طهارته وبطلانها، وكل ذلك مبني على شرط الموالاة، ولذلك فالمذهب الذي نص عليه المحققون: أنه لو انكشف جزءٌ من محل الفرض في الخفين، وكان قريب العهد بمسح الرأس، كأن يكون مسح برأسه ثم مسح على خفيه، وبعد دقيقة أو دقيقتين كشف عن جزء من محل الفرض أو خَلَعَ خُفَّه، فإنه يمكنه أن يغسل رجليه وتصح طهارته؛ لأن شرط الموالاة لم يُفْقَد؛ لكن صورة المسألة التي يحكم فيها بالبطلان: إذا فُقِد شرط الموالاة، كما نبه على ذلك الإمام الموفق -رحمة الله عليه- في المغني.
الأسئلة
الأسئلة
حكم المسح على الحذاء
حكم المسح على الحذاء Q ما حكم المسح على ما يسمى بـ (الجزمة) عندما يُلبس تحتها (الشُّرَّاب)؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. أما بعد: فما يسمى بـ (الجِزَم) -أكرمكم الله- أو (الكنادر) الموجودة الآن، هذه على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون ساترة لمحل الفرض. الحالة الثانية: أن تكون غير ساترة لمحل الفرض. فإن كانت ساترة لمحل الفرض فلا يخلو حالها من صورتين: إما أن تستر محل الفرض، ولا يكون تحتها حائل. وإما أن تستر ويكون تحتها حائل كالشُّرَّاب ونحوه. فإن سترت ولم يكن تحتها حائل فيُمسح عليها قولاً واحداً؛ لأنها في حكم الخفين، أي: إذا كانت (الكنادر) أو (الجِزَم) -أكرمكم الله- ساترة لمحل الفرض، ولو كانت طويلة كـ (الجراميق) فإنه يَمسح عليها، بشرط أن لا يكون بينها وبين الرجل حائل من (شُرَّاب) أو غيره. الصورة الثانية: أن يكون بينها وبين القدم (الشُّرَّاب)، وحينئذٍ تقع هذه المسألة مفرَّعةً على الخلاف المشهور في مسألة: من لبس خفين هل يَمسح على الأعلى أو الأدنى؟ والصحيح: أنه لا يَمسح إلا على الأدنى؛ لأنه هو الذي يلي محل الفرض، وأن الأعلى لا يقوم مقام الأدنى، وتختص الرخصة بالصورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد عنه أنه مسح على خفٍ فوق خف. وبناءً على ذلك: إذا لبس تحتها (شُرَّاباً)، وكان (الشُّرَّاب) من جنس ما يَمسح عليه امتنع المسح؛ لكن لو كان من جنس ما لا يمسح عليه كالشفاف جاز المسح وصح؛ لأنه ليس بحائل مؤكَّد، ووجوده وعدمه على حد سواء. أما إذا لم تكن ساترة لمحل الفرض فإنه لا يُمسح عليها؛ للأصل الذي قررناه من اشتراط ستر محل الفرض. والله تعالى أعلم.
حكم المسح على الخف الذي لا يثبت بنفسه
حكم المسح على الخف الذي لا يثبت بنفسه Q في قول المصنف رحمه الله تعالى: [يثبت بنفسه من خف] قلتَ: إنه لا بد أن يثبت بنفسه لا واسعاً فضفاضاً ولا ضيقاً صغيراً على القدم، فلو قال قائل: إن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة، فما رأيكم في ذلك؟ A لا. ليس بصحيح، فالخف الذي هو خف يثبت بنفسه، أما خف يتهلهل ويسقط فهذا لا يسمى خفاً، ولماذا أُمر بأن يبقي هذا الخف يوماً وليلة إن كان لا يستر محل الفرض، فما الداعي لتحديد المدة؟! إذاً: لا بد أن يكون ساتراً لمحل الفرض. ولماذا خُصَّت الخفاف؟ لأنها تستر محل الفرض. فلذلك: الشروط قد تكون ظاهرة ومعروفة من النصوص، وقد تكون جلية في المعنى، أي: بالمفهوم إذا نظر أو سَبَر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو تدل دلالة الحال على هذا الشرط، فإذا كان الخف يتساقط أو فضفاضاً كما مثل العلماء -رحمة الله عليهم- مثل الإمام ابن قدامة وغيره، فإنه لا يعتبر خفاً متعارَفاً عليه؛ لأن الخف جلد، وتعرفون أن الجلد لا ينزل وإنما يتماسك، أما إذا كان من القماش الذي يتهلهل ويسقط مع المشي فهذا كـ (البُلْغَة) أكرمكم الله، و (البُلْغَة) تكون لنصف القدم، وليست بساترة للقدم حقيقةً. وعلى هذا: أيَّاً ما كان، فعندك أصول: أولاً: انظر -رحمك الله- إلى من يقول بهذا القول، فتجيبه بالأصل وتقول له: هذا الخف أليس هو بدلاً عن القدمين؟ فيقول: نعم. فتقول: إذا كان يتساقط عن القدمين فهل يُشرع أن يُمسح عليه؟ فيقول: لا يشرع. فتقول: ما الدليل؟ فيقول لك: لأن الخف مُنَزَّل منزلة القدم. فتقول: إذاً: يبقى مُنَزَّلاً منزلة القدم مدة المسح، حتى يأخذ حكم المسح، أما إذا كان أحياناً يستر وأحياناً لا يستر فليس مُنَزَّلاً منزلة القدم حتى يُمسح عليه.
حكم لبس العمامة، وحكم قطع الدرس للأذان
حكم لبس العمامة، وحكم قطع الدرس للأذان Q هل لُبس العمامة من السنن أو من العادات التي كان يفعلها صلى الله عليه وسلم؟ وهل يدخل في ذلك ما يلبسه الناس مما يسمى بـ (الغُتْرة)؟ وهل لِلُبس العمائم وقتٌ للمقيم والمسافر كالخف؟ A أما لبس العمامة فيعتبر من السُّنَّة، ومَن لبس العمامة وتأسَّى بالنبي صلى الله عليه وسلم فالذي أدركنا عليه أهل العلم رحمة الله عليهم وعليه فتاويهم أنها من السنن، وهذا موجود في كتب العلماء رحمهم الله. - الأذان. - يا إخوان! لاحظوا أنني أنبه على قضية الإلزام؛ أن يكون الأذان في وقت معين! أي: في حِِلَق العلم لَمَّا نتكلم على مسألة أو على حكم فيُقاطع المحاضر أو المدرس فلا أرى أن هذا من السنة، وأنا أقول -وهذه وجهة نظري-: أنني أرى أنه في المرة الثانية لا يُقاطع؛ ففي بعض الأحيان لَمَّا نقطع حكماً شرعياً لأجل الأذان فالأذان لو أُخِّر دقيقة أو دقيقتين فما فيه إشكال. أما بالنسبة للعمامة فإن الإنسان إذا وضعها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه مُثاب، وتعتبر من السنن على هذا الوجه، إذا قصد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. أما الإنكار على مَن وضعها، والتشديد عليه أو اعتباره غير مؤتسٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد نبه العلماء على أنه لا يصح للإنسان أن يُلْزِم غيره برأيه. فإذا كنت ترى أن العمامة فَعَلها النبي صلى الله عليه وسلم وتتأسى به بفعلها فلا حرج عليك في ذلك وأنت مأجور. والأصل: التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم حتى يدل الدليل على عدم التأسي، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]. وقد رأى أنس بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدُّبَّاء في القصعة، قال: (فما زلت أحبها منذ أن رأيته يتتبعها)، فإذا كان هذا في الدُّبَّاء والطعام، فكيف بالهيئة والحال والشارة، ولا شك أنه عليه الصلاة والسلام جعل الله له أكمل الهيئات وأشرفها، وقد ثبت في الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وعليه عمامة سوداء) كما في الصحيح، صلوات الله وسلامه عليه. فالمقصود: أن من فعلها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا يُنْكر عليه، وبعض طلاب العلم الآن ينكرون على بعض من يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم بوضع العمامة، وهذا لا ينبغي، فإذا كنت ترجح القول بأنها ليست بسنة فلا تُلْزم غيرك ممن يرى التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان الصحابة يتأسون به في الطعام والشراب فضلاً عن الهيئة والشارة. وأما الخلاف بين سنن العادات وسنن العبادات، فهذا مسلك عقلي معروف عند الأصوليين لا يقدح في التأسي، وكون الإنسان يحب أن تكون هيئته كهيئة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج في هذا، إلا في حالة واحدة: وهو أن يكون شيئاً مشتهراً يلفت النظر، أما إذا قصد إحياء سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج، وقد كان الناس إلى عهد قريب، قبل عشرين أو ثلاثين سنة يعرفون هذا، وكانت العمامة موجودة، وكان العلماء يتعممون، وكانوا علماء أجلاء ممن يُشار إليهم بالبنان، وكانوا يحافظون عليها في المواسم تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا ترجح عند الإنسان أنها عادة فلا يُنْكِر على مَن يفعلها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: إن لها أوصافاً محمودة، فإنه قل أن تجد إنساناً يتعمم ويتعاطى رذائل الأمور، وقد يوجد بعض السَّفَلة من يفعل هذا؛ وقالوا: إنها كاللحية، فإن الإنسان إذا التحى تجده يتعاطى كمالات الأمور؛ لكن إذا كان حليقاً ربما جارى صغار السن والأحداث في بعض الأمور، أما إذا كان ملتحياً فتجده ينكف ويتورع، ولو وضع العمامة فسيجد لذلك أثراً، فليجرِّب من أراد أن يجرب، فإنه سيبتعد عن سفاسف الأمور، وسيجد من نفسه نوعاً من تعاطي الكمالات؛ لأنه يشعر أنه يخالف الناس بهذه الهيئة، وقلَّ أن تجد الناس ينظرون إلى إنسان تعمم إلا أجلُّوه وشعروا نحوه بالاحترام والتقدير، هذا إذا قصد التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم. أما بالنسبة لهذا الموجود الآن فهذا يعتبر كغطاء، أما أنه عمامة كما كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فهذا تخريج إلى الآن لم يتبين وجهه؛ لكن -إن شاء الله- فيه خير، أي: ما دام أنه يستر ويحمل الإنسان على الكمال، أما بالنسبة للأكمل والأفضل فهو ما ذكرناه. والله تعالى أعلم. وأما بالنسبة للتأقيت فقد ذكر بعض العلماء التأقيت، ففي بعض الشروح أنها تتأقت، ومنهم من يقول: إنها تطلق كالجبيرة.
الفرق بين الخف المخرق والخف غير الساتر لمحل الفرض
الفرق بين الخف المخرق والخف غير الساتر لمحل الفرض Q ما هو قولكم فيمن يقول: إنه لا يُشترط في المسح على الخف أن يكون ساتراً للمفروض؛ لأن النصوص الواردة في المسح على الخفين مطلقة؛ ولأن كثيراً من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كانوا فقراء، وغالب الفقراء لا تخلو خفافهم من خروق، وقد كانوا يمسحون عليها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينبههم على ذلك عليه الصلاة والسلام؟ A أولاً: ينبغي أن يُفَرَّق بين الخف المخروق، والخف غير الساتر لمحل الفرض، فهاتان قضيتان مختلفتان، فالساتر لمحل الفرض شيء، والمخَرَّق شيء آخر، والغالب في الخروق في الخفين أنها تكون من أسفل الخف والذي يُمسح الأعلى، فما الذي أدخل هذا في هذا؟! فهذا شيء وهذا شيء. ولذلك ينبغي التفريق، فالسلف -رحمة الله عليهم- والعلماء الأولون الذين اشترطوا ذلك ليسوا من الغفلة حتى يلزموا الناس بشيء لا أصل له في الشرع. فالخف اسم له حقيقة، إن حملت على الكمال فتبقى على الكمال حتى يدل الدليل على ما دونه، وإن حملت على الأقل فهذا خلاف الأصل. فالخف الأصل فيه أنه غير مخرق، والأصل فيه أنه ساتر. هذا المعروف في لغة العرب: أن الخف يقال لشيء ساتر، أما إذا بدت الرجلُ فلا يقال: خف. فينبغي للإنسان أن يفقه، فالنص جاء للخفين، فإذا كان الإنسان يجتهد ويقول: إن الغالب أن خفاف الصحابة إلخ، فهذا تعليل ووجهة نظر، وليست بصريح نص ولا بدلالة نص، و (مَسَحَ على خفيه) دلالةُ نص حقيقية، والخف ساتر. فإذا أردت أن تحتاط وتستبرئ لدينك فابقَ على الأصل، حتى يدل الدليل صراحةً على خلاف الأصل. فإذا اجتهد أحد وقال: الغالب فيها أن تكون مخرقة، والغالب فيهم أنهم كانوا فقراء. فنقول: هَبْ أن خفاف الصحابة كانت مخرقة، فلِضرورة أم لغير ضرورة؟ ونقول: افرض أنهم كانوا فقراء، فهل نحن فقراء؟ النقطة الثانية: أوضح من هذا أنه قد ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة كانوا إذا سجد أحدهم بدت عورتُه، ولذلك نهيت النساء عن رفع رءوسهن قبل الرجال. الآن: لو جاء شخص يصلي، فإذا سجد بدت عورته، فما حكم صلاته؟ إذاً: تلك حالات اضطرار. فينبغي الفقه، فليست المسألة أن الإنسان يعلل في مقابل أصل، نحن عندنا حقيقة: (خف)، فتستبرئ لدينك، وتؤدي عبادة ربك على وجه تبرأ به الذمة، وتقول: يمسح على خفين -كما قال العلماء رحمة الله عليهم- ساترَين لمحل الفرض. أما أن تقول: هؤلاء كانت خفافهم لا تسلم من الخرق، هؤلاء كانوا كذا. إلخ. فهذا تعليل، لكن هل الإنسان رأى خفافهم حتى يحكم عليها؟ فربما كانت خفافهم مخرَّقة؛ لكنها مخرَّقة من غير مكان المسح، وفرقٌ بين أن يكون الخرق في مكان المسح أو يكون في غير مكان المسح، وهذا الذي جعل بعض العلماء يخفف في الخرق إذا كان من أسفل الخف دون أعلاه. فأنا أقول: إن الأصل بقاء الألفاظ على أكمل دلالتها، حتى يدل الدليل على ما دونها. وهذا أبرأ وأسلم وأدعى لأداء العبادة على الوجه المعتبر. والله تعالى أعلم.
قاعدة (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)
قاعدة (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل) Q نرجو منكم توضيح قاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل). A ( الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل) عندنا أصل وعندنا رخصة، والرخصة تخفيف، وغالب الرخص استباحة محظور، وتأتي على خلاف الأصل الشرعي، فمثلاً: تقول: قصرُ الصلاة رخصة؛ لأن الأصل في الصلاة أربع ركعات، والمسح على الخفين رخصة؛ لأن الأصل وجوب غسل الرجلين. وهذا منصوص عليه: أن المسح على الخفين رخصة، فعندنا أصل وهو: غَسل الرجلين، وعندنا رخصة، وهي: المسح على الخفين، فإن انقدح دليل الرخصة وموجبها قلت: يرخص له، وإن لم ينقدح تقول: الأصل البقاء على الأصل وهو: الغسل. فهم يقولون: هذه قاعدة لفظية؛ لكنها مستندة إلى أصل شرعي. نقول: يتوجه الخطابان: خطاب بالأصل: اغسل رجليك. وخطاب بالرخصة: إن شئت فامسح عليهما إن كان عليهما خفان. فإذا توجه خطاب الرخصة يتوجه بحالة مقيدة وهي: إن كنت مسافراً فثلاثة أيام، ثم ترجع إلى الغَسل، وإن كنت مقيماً فيوم وليلة ثم ترجع إلى الغَسل. فرع: إذا مسحت يوماً وأنت مسافر، ثم أقمت، فشككت، هل تبقى على حالك مسافراً فتتم الثلاث، ولا زال خطاب موجهاً لك، أو ترجع إلى الأصل؟ فنقول: الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل. ما هو الأصل؟ أنه يغسل رجليه، فنقول: يتم مسح مقيم، فإن تمت مدة الإقامة غََسَل، وإن لم تتم أتمها، ثم غسل بعد هذا الإتمام. فهذا معنى قولهم: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل).
الخلاف في تنزيل المصاهرة منزلة النسب من جهة تأثير الرضاع عليه
الخلاف في تنزيل المصاهرة منزلة النسب من جهة تأثير الرضاع عليه Q رضع أخي الأصغر من زوجتي، فصار ابناً لي من الرضاعة، ثم تزوج، فهل تكون زوجته محرماً لي؟ A هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: هل المحرمات بالمصاهرة تختص بالنسب أو يأخذ الرضاعُ حكمَها؟ وتوضيح ذلك: أم الزوجة من الرضاع، هل يكون الزوج محرماً لها كالأم من النسب؟ وكذلك أبو الزوج من الرضاع هل يكون محرماً بناءً على ما يحصل في النسب للزوجة؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء رحمة الله عليهم: فالذي نص عليه طائفة: أن الحكم في التحريم بالمصاهرة مختص بالنسب. وظاهر السُّنة من قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) تنزيل الرضاع منزلة النسب في التأثير؛ لكنهم قالوا: لا يشمل ذلك المصاهرة؛ لأنه لم يدخل في ظاهر قوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) فلم تُنَزَّل المصاهرة منزلة النسب. فإن كان الإنسان ترجح عنده القول بالرخصة، أو سأل مَن يرى أن المصاهرة تُنَزَّل منزلة النسب في حال الرضاع عمل بفتواه، وإذا سأل مَن يرجِّح القول بأنها لا تنزل عَمِل بفتواه، وإن كان الأقوى أنه لا يُنَزَّل منزلة الرضاع، بمعنى: أن التحريم من الرضاع في المصاهرة لا يسري كسريان التحريم من الرضاع في النسب، وعلى هذا يحتاط، على قاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)؛ لأننا هنا نشك في تأثير الرضاعة، والأصل أنها ليست بمحرم، وأنها أجنبية، فيبقى على الأصل حتى يقوى تأثير الرضاعة على العموم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
بطلان الوضوء بانتهاء مدة المسح
بطلان الوضوء بانتهاء مدة المسح Q إذا انتهت مدة المسح للمقيم أو المسافر، فهل تبطل طهارته؟ A إذا انتهت المدة للمسح بطلت الطهارة؛ لأن الشرع أجاز لك أن تمسح هذه المدة، فإذا انتهت المدة رجعت إلى حكم الأصل وهو: وجوب غسل الرجلين، ولذلك يجب عليه أن يتوضأ وأن يلبس الخفين على طهارة، وهو ظاهر حديث المغيرة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين) ولذلك أجمعوا على أنه إذا انتهت المدة لا يمسح، فدل على أنه ليس بمحل للرخصة، وإذا انتفى محل الرخصة انتفى وصفها، فرُجِع إلى الأصل من كونه منتقض الوضوء. والله تعالى أعلم.
باب نواقض الوضوء [1]
شرح زاد المستقنع - باب نواقض الوضوء [1] شرع الله الوضوء، وجعله شرطاً لصحة الصلاة، وطهارة للإنسان، إلا أن هناك أشياء تفسد هذا الوضوء، وتعرف عند العلماء باسم: نواقض الوضوء، وهي من المهمات التي ينبغي للمسلم معرفتها حتى لا يعرض صلاته وطهارته للفساد.
نواقض الوضوء وأحكامها
نواقض الوضوء وأحكامها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [باب نواقض الوضوء] النواقض: جمع ناقض، يقال: نقضتُ الشيء إذا فككت طاقاته، فالنقض ضد الإبرام. ويكون النقض في المحسوسات، ويكون في المعنويات. يكون في المحسوسات فتقول: نقضتُ البناء، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً} [النحل:92] فنفض الغزل نقض حسي. ويكون النقض معنوياً كأن تقول: نقضتُ حجتَه، ونقضتُ دليلَه، أي: أوردتُ عليه ما يوجب بطلان الحجة وكذلك دفع الدليل. ومعنى: (نواقض الوضوء) أي: مفسدات الوضوء ومبطلاته، ولما كانت هذه المفسدات والمبطلات متعددة، قال -رحمه الله-: نواقض، ولم يقل: باب ناقض، وإنما قال: باب نواقض الوضوء، أي: نواقض الطهارة الصغرى، ومفهوم ذلك أنه لا يتحدث عن نواقض الغُسل، كالجنابة والنفاس والحيض، وإنما يختص الكلام هنا على نواقض الطهارة الصغرى. سؤال: إذا عرفنا معنى قوله: (باب نواقض الوضوء)، فلماذا ذكر المصنف -رحمه الله- باب نواقض الوضوء بعد باب مسح الخفين؟ و A أن باب المسح على الخفين متمِّمٌ لباب الوضوء، وذَكَرَه بعد باب الوضوء؛ لأنه يتعلق بعضو من أعضاء الوضوء وهما الرجلان، فبعد أن فرغ -رحمه الله- من بيان حكم المسح على الخفين المتعلق بالوضوء، شرع في بيان مبطلات الوضوء، وهذا كما يصفه العلماء: الترتيب في الأفكار؛ لأن نقض الوضوء لا يكون إلا بعد وجوده، فناسب أن يجعل نواقض الوضوء بعد باب الوضوء، كأنه يقول لك: ابقَ على حكم الوضوء إلا إذا طرأ أو حدث ناقض من هذه النواقض، ولذلك يقولون: النقض يكون لِمَا وُجِد، لا لما لم يوجد، فالشخص عندما يقول: نقضتُ البيت، إنما يكون هذا بعد وجود البيت لا قبل وجوده، فالشيء غير الموجود لا يُنقض، ولذلك بيَّن لنا حقيقة الوضوء، فكأنه وُجِد، ثم بعد بيانه وَرَدَ Q متى يُحكم بانتقاض هذه الطهارة؟ وتعبير المؤلف -رحمة الله عليه- بقوله: (نواقض الوضوء) أدق من تعبير بعض العلماء بقولهم: باب نواقض الطهارة، كتعبير الخِرَقي -مثلاً-، فإنه يعتبر نوعاً من التعميم؛ لأنه يشمل نواقض الوضوء ونواقض الغُسل، فلذلك يحتاج إلى قيد؛ لكن لما يقول: باب نواقض الوضوء، فإن ذلك أبلغ في الدلالة على المراد.
انتقاض الوضوء بما خرج من أحد السبيلين
انتقاض الوضوء بما خرج من أحد السبيلين قال رحمه الله: [ينقض ما خرج من سبيل] أي يُفْسد الوضوء الشرعي ما خرج من سبيل. ما: إما بمعنى شيء. أو أنه اسم موصول بمعنى: الذي، أي: الذي خرج من سبيل. وقوله: (ما خرج من سبيل) ما هو الشيء الذي عبَّر عنه بقوله: ما؟ إن الشيء الذي يخرج من السبيل، لا يخلو: إما أن يكون طاهراً. أو يكون نجساً. وفي كلتا الحالتين: إما أن يكون معتاداً. أو غير معتاد. وأيضاً لا يخلو: إما أن يكون سائلاً. أو جامداً. أو ريحاً. وبناءً على ذلك: فالنواقض تجمع ما يلي: أولاً: البول، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من القُبُل. ثانياً: الغائط، وهو ناقض بالإجماع، ويخرج من الدُّبُر. فهذان ناقضان متفق على أن خروج أي واحد منهما من القبل أو الدبر مما يوجب انتقاض الطهارة، والدليل على ذلك قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء:43]، فإنه كَنَّى به عن ما يخرج من الإنسان إذا ذهب إلى الخلاء. ثم الخارج من القُبُل يكون على النحو التالي: مَذْياً. ووَدْياً. وكذلك دَمَ استحاضة. ويكون ريحاً سواء كان من قُبُل امرأة أو قُبُل رجل، على المسألة التي ذكرها العلماء رحمة الله عليهم. ويكون غير معتادٍ: كأن يخرج الحصى من القُبُل. أو الدُّود. فنبدأ في تفصيل هذه الأمور المتعلقة بالقُبُل:
انتقاض الوضوء بالبول
انتقاض الوضوء بالبول أولاً: البول: ناقض بالإجماع، والدليل على كونه ناقضاً: حديث صفوان بن عسال رضي الله عنه: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، ويوماً وليلةً للمقيم، من بولٍِ أو نومٍ أو غائطٍ؛ لكن من جنابةٍ) فقوله: (من بولٍ) مِن: للسببية، أي: بسبب بولٍِ، فدل على أن البول ناقض للوضوء. وقوله: (أو غائطٍ) دل على أن الغائط ناقض للوضوء.
انتقاض الوضوء بالمذي
انتقاض الوضوء بالمذي ثانياً: المَذْي: ناقض على قول الجماهير، وحَكَى البعضُ الإجماعَ على أنه ينقض الوضوء، وهو الصحيح؛ لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث علي رضي الله عنه أنه قال: (كنتُ رجلاً مَذَّاءً، فاستحييت أن أسأل النبي صلى الله عليه وسلم لمكان ابنته مني، فأمرت المقداد أن يسأله، فقال: فيه الوضوء. وفي رواية: توضأ واغسل ذكرك) فدل على أن المَذْي يعتبر ناقضاً للوضوء. والمَذْي: هو ماء أو سائل لَزِج يخرج عند بداية الشهوة، كالملاعبة، فالسائل الرقيق الذي يخرج عند بداية الشهوة، يُعتبر مَذْياً، وإذا خرج فإنه لا يوجب الغُسل، وإنما يوجب ما يوجبه الوضوء من غَسل العضو والوضوء. هذا الناقض الثاني وهو المَذْي.
انتقاض الوضوء بالودي
انتقاض الوضوء بالودي الناقض الثالث: الوَدْي، ويعتبر ناقضاً للوضوء، وحكمه حكم البول، وهو ماء لَزِج يخرج على قطرات عَقِب البول. والفرق بينه وبين المَذْي: أولاً: أنه أخف من المَذْي. ثانياً: أن المَذْي يكون عند الشهوة، وهو يكون عقب البولِ. فهذه الثلاثة كلها نواقض وتعتبر نجسة: البول والمَذْي والوَدْي، ويشمل ذلك الرجال والنساء، كل منهم إذا خرج منه ذلك فإنه يُحكَم بكونه قد انتقض وضوءُه، ويلزم غَسل ما أصابه ذلك الخارج الذي هو: البول، أو المَذْي، أو الوَدْي.
انتقاض الوضوء بدم الاستحاضة
انتقاض الوضوء بدم الاستحاضة رابعاً: كذلك أيضاً يعتبر من نواقض الوضوء ما يختص بالنساء وهو: دم الاستحاضة: فدم الاستحاضة يعتبر موجباً لانتقاض الوضوء. والاستحاضة: استفعالٌ مِن الحيض، والمرأة المستحاضة: هي المرأة التي ينتهي أمد حيضها ويستمر الدم معها، كأن تكون عادتُها خمسة أيام، فإذا انتهت الخمسة الأيام استمر الدم معها ولا ينقطع، فيقال عنها: استحاضت، أي: استمر معها دم الحيض، فهذا الاستمرار يأخذ حكم البول؛ لكن للمرأة رُخَص رَخَّصها لها الشرع؛ نظراً لوجود الضيق والحرج عليها؛ لأن هذا الدم كلما خرج أوجب انتقاض الوضوء، فتصلي في وقت كل صلاةٍ الفريضةَ ونوافلها القبلية والبعدية والسنن المطلقة، حتى ينتهي الوقت، فإذا انتهى الوقت غَسَلت الموضع؛ لأن حكمَه حكمُ الخارجِ النجس، وتوضأتْ للصلاة المستقبَلة. هذا بالنسبة لِمَا يخرج من المرأة بعد انتهاء مدة الحيض.
حكم خروج الحصى والدود من القبل
حكم خروج الحصى والدود من القبل يبقى النظر في الحصى والدود: لو أن رجلاً خرج من قُبُله حصى، أو خرج من قُبُله دود، كأن يكون مريضاً أو مبتلىً بالدود، فيخرج من قُبُله، فهل يوجب ذلك انتقاض وضوئه؟ للعلماء أقوال في هذه المسألة: أقواها وأصحها: التفصيل: إن خَرَج الحصى وفيه رطوبة وندى، حُكِم بانتقاض الوضوء، وإلا لم يحكم بانتقاضه، فينقض لا بذاته ولكن بما صاحبه من النجاسة، فهو وإن كان طاهر الأصل؛ لكنه متنجس بالوصف، فيُحكم بكونه ناقضاً للوضوء كخروج النجس، كما لو خرجت منه قطرة بول، هذا بالنسبة للحصى والدود. أما الخارج من الدُّبُر:
انتقاض الوضوء بخروج الغائط
انتقاض الوضوء بخروج الغائط - فيخرج منه: الغائط، وهو ناقض بالإجماع.
انتقاض الوضوء بخروج الريح
انتقاض الوضوء بخروج الريح - ويخرج منه الريح: وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فلما سئل أبو هريرة رضي الله عنه عن قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: إذا أحدث؟ قال: إذا خرج منه الريح، ففسره بخروج الريح. فقال العلماء: إن هذا يدل على أن الريح ناقض، وهذا بالإجماع. لكن يُنتبه إلى مسائل: الأولى: وهي أن الريح إنما يُعتبر ناقضاً إذا خرج حقيقةً لا توهُّماً وظناً، وفي ذلك صور، منها: أنه لو أحس بحركة في دبره دون أن يسمع الصوت أو يشم الرائحة، فإنه يبقى على الطهارة، ولو أحس بتحرُّك الدبر، لما جاء عنه عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان ينفُخ في مقعدة الرجل؛ فيظن أن وضوءه انتقض وليس بذاك، إنما يريد به أن يلبِّس عليه في طهارته). المسألة الثانية: أنه لو سمع الصوت ولم يشم الرائحة، حُكِم بانتقاض الوضوء، ولو شم الرائحة ولم يسمع الصوت، حُكِم بانتقاض الوضوء. المسألة الثالثة: أن العبرة في انتقاض الوضوء بالريح إنما هو إذا خرج فعلاً، خلافاً لمن يقول: إنه لو سمع الصوت من بطنه، فإنه يُحكم بانتقاض وضوئه، فهذا قول ضعيف؛ لأن العبرة بالخروج لا بوجود الصوت قبل المخرج، وبناءً على ذلك: فلو سمع الأصوات في بطنه، كأن يكون به ما يسمى الآن في عرف الناس بـ: (الغازات)، لو كان مبتلى، بها أو سَمِعها أو سمع صوتها في بطنه، فذلك لا يؤثر في الوضوء شيئاً، ما لم يكن صوتاً من خارج، أو مصحوباً بدليل من شم رائحة، وأما ما عدا ذلك فليس بناقض. ثم قول العلماء -رحمة الله عليهم-: لا بد من سماع الصوت أو شم الرائحة، يستوي فيه: أن يكون شكُّ الإنسان في الريح قبل الصلاة أو أثناء الصلاة، وهذا مذهب الجمهور، خلافاً للمالكية -رحمة الله عليهم- الذين يقولون: إنما يُعْمِل قاعدة اليقين في الريح إذا كان في الصلاة، لورود الرواية المقيِّدة، وقد أجيب عنها بأن ذكر أحد أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به؛ لأن عبد الله بن زيد كما في الصحيحين قال: (شُكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً، أو يجد ريحاً) فهذا حكمٌ مطلق، وكونه جاء في الصلاة فلأن صورة الصلاة هي التي يحصل بها عامة البلوى أو أكثر البلوى؛ لأن الشيطان تشتد وسوسته عند الصلاة، فلا يقتضي ذلك تخصيص الحكم بالصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فلما قال عليه الصلاة والسلام ذلك فَهِمْنا أن السر هو تيقُّن الخارج، فألغينا كونه في الصلاة أو غير الصلاة، ما دام أن المهم هو أن يتيقن، فيستوي في ذلك أن يكون داخل الصلاة أو خارج الصلاة، تكون صورة السؤال في قوله: (شُكي إليه الرجلُ يُخَيَّلُ إليه أنه يجد الشيء في الصلاة) إنما هو سبب النص، ولا يقتضي ذلك تخصيص الحكم به؛ لأن العلةَ مُشْعِرَةٌ بالعموم. هذا بالنسبة للخارج الثاني: الريح، والريح ليس بنجس، فلا يوجب غَسل الثوب، ولا غَسل الموضع، خلافاً لبعض أهل البدع ممن لا يُعْتَد بخلافهم، الذين قالوا: إذا خرج الريح وجب عليه أن يستجمر أو أن يستنجي، وهذا قول ضعيف، فإن العبرة في الغسل إنما هي بالبول والغائط وما في حكمهما، وليس الريح في حكم البول والغائط.
حكم دم البواسير
حكم دم البواسير الخارج الثالث من الدبر: دم البواسير: ودم البواسير يأتي على صور: إن كانت ثآلِيله أو جروحه على الحلقة نفسها فهذا ليس بخارج؛ لأنه ليس من الموضع، ويقع الخلاف فيه في مسألة وهي: إذا خرج الدم من غير القُبُل والدُّبُر، هل ينقض الوضوء؟ وسنبينها إن شاء الله. والصحيح: أنه إذا كانت البواسير قروحها أو دماملها على الحلقة أو على أطرف الحلقة الخارجية، فخروج الدم لا يوجب انتقاض الوضوء. - أما إذا كانت من الداخل، وينبعث دمها إلى الخارج، فإنه يأخذ حكم دم الاستحاضة، فإن غلب الإنسان حتى استرسل معه في وقت الصلاة، فإنه يغسل الموضع ويضع قطنة، ويتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وأما إذا كان الدم يسيراً ويمكن التحرز منه وجب غسله كالبول والغائط سواء بسواء. إذاً دم البواسير له حالتان: الحالة الأولى: أن يسترسل ويصبح آخذاً الوقت أو أكثرَ الوقت، فهذا إذا دخل عليه الوقت غَسَل الموضع ثم شَدَّه بقطنة -إذا أمكن- كالمستحاضة، وذلك للمشقة، ثم يصلي ولو جرى معه الدم، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]. الحالة الثانية: أن يكون دم البواسير يخرج نَزْراً قليلاً، بحيث يتأتى منه أنه لو أنقى موضعه استقام له أن يصلي دون أن يخرج شيء، فهذا يجب عليه إنقاء الموضع واللباس الذي يليه، ثم يتوضأ ويصلي. هذا بالنسبة لدم البواسير.
حكم خروج الدود أو الحصى من الدبر
حكم خروج الدود أو الحصى من الدبر يبقى النظر في الخارج من غير البول والغائط والريح: وهو الخارج من دود، أو حصى: فلو خرج من الدُّبُر دودٌ أو حصى، فالقول فيه كالقول في القُبُل؛ أنه إذا صحبه ندى أو رطوبة حُكِم بالانتقاض، لا للذات؛ ولكن لما صاحبه من النجاسة. لكن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها: وهو أنه ينبغي الاحتياط، فلو خرج الدود أو خرج الحصى فإنه يحتاط بالوضوء، وبإعادة ذلك الوضوء. ومسألة خروج الحصى أو الدود تتفرع عليها مسائل، منها: هل خروج الطاهر من القُبُل والدُّبُر يوجب انتقاض الوضوء أو لا يوجبه؟ قال بعض العلماء: خروج الطاهر من القُبُل أو الدُّبُر يوجب انتقاض الوضوء، بدليل المَنِي، فقد قال عليه الصلاة والسلام لـ عمر لما سأله: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل ذكرك)، قالوا: إن المَنِي طاهر، فأمره بالوضوء وغَسل العضو، فدل على أن الطاهر إذا خرج أخذ حكم النجس، هذا وجه من يقول: إن الحصى والدود وكل طاهر يخرج من القُبُل والدُّبُر ينقض الوضوء. لكن أجيب بأن الأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- لـ عمر: بقوله: (توضأ واغسل ذكرك) ليس لذات الخارج، وإنما هو لعلة طبية، حتى قال بعض الأطباء: إن مرضَ البروستاتا ينشأ عن عدم غسل العضو بعد خروج المني، لكن إذا صبَّ الماء على العضو بعد خروج المَنِي فإنه أبلغ في الوقاية -بإذن الله عز وجل- من مرضها، فأصبحت علةً طبية أبلغ منها شرعية، ويؤكد هذا: أن مجرى البول ليس بمجرى المَنِي، فدل على أنه لا يجري على مسألتِنا؛ لأن مسألتَنا أن يجري الطاهر في مجرى البول وأن يخرج من مخرجه، والمَنِيُّ ليس مخرجه من مجرى البول، كما هو ثابت طبياً. وبناءً على ذلك إذا قلت: إن خروج الطاهر يوجب انتقاض الوضوء، سواءً كان من قُبُل أو دُبُر، فالعلماء يقولون: لو أدخل الطبيب آلةً في الدبر وسحبها انتقض الوضوء، مثل المناظير الموجودة الآن التي تتفرع عليها مسائل منها: أنها توجب انتقاض الطهارة، فإذا سمعتَ من يفتي بانتقاضها، فهو قول مخرَّج على القول بأن مجرد خروج الطاهر -بغض النظر عن كونه أُدخِل وأُخرِج، أو كونه خَرَج من الجوف- يوجب انتقاض الطهارة. وقوله: (ما خرج). الخروج ضد الدخول، ويرد Q ما ضابط تقييده بوصف الخروج؟ الخروج يتحقق بمجاوزة حلقة الدبر بالنسبة لما يخرج من الدبر، أو يكون على رأس مجرى الإحليل في الحشفة، بالنسبة للقُبُل. ويتفرع على هذا مسائل: منها: المسألة اللطيفة: لو أن إنساناً دهمه البول -كما يقع لبعض المرضى- وهو في التشهد، فأمسك العضو وقد احتقن مجرى البول حتى سَلَّم، ثم خرج بعد سلامه، صحَّت صلاته، ولا عبرة بكونه في المجرى المقارب للمخرج. إذاً: لا بد في الحكم بكون الوضوء منتقضاً أن يكون قد خرج من رأس العضو سواءً كان للرجل أو للمرأة. فلابد من المجاوزة، فلو شعر به في المجرى لم يكن شعورُه بجريانه في المجرى موجباً للحكم بالانتقاض.
معنى السبيل والفرق بينه وبين الطريق
معنى السبيل والفرق بينه وبين الطريق ومعنى قوله: (من سبيل) السبيل: هو الطريق. وقال بعض العلماء: إن هناك فرقاً بين السبيل والطريق، فالسبيل يكون في المعنويات: {وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55] أي: ضلالهم وبُعدهم عن الله عز وجل: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي} [يوسف:108] أي: سبيل الخير من هداية وصلاح، فقالوا: السبيل يختص بالمعنويات، كالهداية والضلالة، وتقول: سبيلي طاعة الله عز وجل، وسبيلي اتباع الكتاب والسنة، هذا في المعنويات. وأما الطريق فيكون في المحسوسات، فلا يقال: طريق، للمعنويات، ولا يقال: سبيل، للمحسوسات، إلا على سبيل التجوُّز. هذا قول اختاره بعض المفسرين في الفرق بين تعبير القرآن بالسبيل وتعبيره بالطريق؛ لكن قول المصنف هنا: (ما خرج من سبيل) يخالف هذا الفرق؛ لأنه جعل السبيل في المحسوسات، وقلنا: إن بعض المفسرين يجعل السبيل في المعنويات، فيكون فعل المصنف ضرباً من التجوُّز؛ لأنه لو قال: (ما خرج من طريق) لَأَوْهَمَ؛ لكن لما قال: (سبيل) كان فيه نوعٌ من انحصار الذهن في الموضع المعروف. قوله: (من سبيل) للإنسان سبيلان: القُبُل. والدُّبُر. وهذان السبيلان هما الأصل اللذان إذا خرج منهما شيء فإنه يوجب نقض الوضوء، وهذا ما قرره العلماء.
حكم خروج البول والغائط من فتحة غير السبيلين
حكم خروج البول والغائط من فتحة غير السبيلين هنا مسألة: لو أن إنساناً فُتِحت له فتحةٌ يخرج منها الخارج، من بول أو غائط، سواءً وقعت فوق القُبُل أو فوق الدُّبُر، فهل نحكم بكون الخارج من هذه الفتحة خارجاً من السبيل، ويأخذ حكم ما قرره العلماء -رحمة الله عليهم- من كونه ناقضاً؟ أو نقول: نقتصر على السبيل المعتبر، وكل فتحة سواءً كانت لقُبُلٍ أو دُبُر، لا تؤثر؟ وجهان للعلماء: أصحهما: أن الفتحة تُنَزَّل منزلة الأصل، فمن انسدت مقعدته، أو مرض فغُيِّر مجرى بوله وغائطه، فإن هذا يقتضي أخذ حكم الأصل، والبدل آخذٌ حكم مُبْدَله. لكن من العلماء من أطلق في حكمها فقال: كل فتحة خرج منها الخارج فإن الوضوء ينتقض بخروج الخارج منها. ومنهم من قال: أفصِّل في الفتحة، وأُفصل في الحكم، فقالوا في الفتحة: لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تكون أسفل المعدة، أي: تحت السرة. الحالة الثانية: أن تكون فوق السرة، يعني: أعلى المعدة. قالوا: فإن كانت أسفل المعدة نقضت. وإن كانت فوق المعدة لم تنقض. فالذين قالوا: عموم الفتحة ينزل منزلة الأصل فينقض الخارج منه، نظروا إلى أنها مجرى الخارج، فأخذت حكم المخرج الأصلي؛ لأن البدل يأخذ حكم مُبْدَله. والذين فصَّلوا نظروا إلى أن الخارج إنما هو ناقض إذا استوعبته المعدة واستهلكته، حتى صار بولاً أو غائطاً، ويتأتى ذلك بنزوله من الأدنى، فإن نزل من الأعلى فذلك ليس بخارج على الصورة المعتبرة، فنعتبره أشبه بالقَلْس ولا يوجب انتقاض الوضوء ولا الطهارة. هذا بالنسبة لمن يقول: إنه يفرَّق بين الفتحة من أسفل ومن أعلى. والذي يقوى: أنها إذا أُخْرِجت الفضلة من فوق المعدة أو من أسفل المعدة، فإنها ناقضة. ثم يبقى النظر في مسائل تتعلق بنقض هذه الفتحة من جهة لمسها، هل تُنَزَّل منزلة العضو من كل وجه، أو من بعض الوجوه؟ سيأتي -إن شاء الله- في اللمس. هنا مسألة: وهي إذا قلنا في المسألة الأخيرة: إن الخارج من الفتحة ناقض للوضوء، ووُجِد كحالِ بعضِ المرضى اليوم، حين يوضع كيس البول -أكرمكم الله- في وعائه؛ لأنه يتقاطر منه باستمرار، فهل يُحْكَم بانتقاضه مطلقاً أم ماذا؟ A أنه إذا فتحت الفتحة، واسترسل الخارج أخذ حكم دم الاستحاضة، ويتوضأ عند دخول كل صلاة، ويعتبر وضوءه موجباً لأداء الصلاة ونوافلها القبلية والبعدية، على ما ذكره العلماء رحمة الله عليهم.
حكم الخارج من غير القبل والدبر
حكم الخارج من غير القبل والدبر قال رحمه الله: [وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً] (وخارج) أي: ينقض الوضوء كل ما خرج من بقية البدن، سواءً كان بولاً أو غائطاً، هذا يرجع إلى مسألة الفتحة، وآخذة حكم الخروج من المخرج المعتاد. وهذا هو الذي نص عليه فقهاء الحنابلة ودرجوا عليه، وعند الشافعية التفصيل كما قرره الشيرازي في المهذب، وفصله الإمام النووي -رحمه الله- في شرحه وفي الروضة. فالمقصود: أنهم فصلوا فيه بحسب أحوال الفتحات. ومن العلماء من أطلق. ومذهب الحنابلة وقاعدتهم، أنهم يرون خروج النجس من أي موضع من البدن ناقضاً، حتى لو خرج الدم من جرح، ويقولون: بمجرد ما يخرج الدم فإنه ينقض الوضوء، دليلهم على ذلك: قالوا: إنه يُنَزَّل منزلة المستحاضة، فإن المستحاضة خرج منها الدم -وهو نجس-، من غير مجرى البول وهو مجرى الفرج، فأوجب انتقاض الوضوء، مع أنه من غير مجرى البول، وليس ذلك إلا لعلة، وهو كونه نجساً، ففرعوا عليه: أن كل خارجٍ نجِسٍ من سائر البدن ينقض؛ لأن الشرع اعتبر خروج دم الاستحاضة النجس من الموضع المعروف موجباً لانتقاض الوضوء، فكذلك مثله كل نجس خارج. وهذا فيه نظر، فإن خروج دم الاستحاضة يكون من القبل، فاجتمع فيه المخرج والخارج، المخرج: الذي هو القُبُل، بغض النظر عن كونه موضع الجماع أو موضع البول، والخارج: كونه نجساً، ولذلك نقول: إنه إذا خرج من سائر البدن لم ينقض؛ لأنه إذا خرج من سائر البدن وُجِد فيه وصف واحد، وهو: كونه نجساً ولكنه ليس من الموضع. بعبارة أخرى: يقولون: دم الاستحاضة نَقَضَ الوضوء لأنه نجس، وخرج من غير القُبُل والدُّبُر، إذاً نقيس عليه كل نجس من سائر البدن، فعندهم: أي نجس يخرج من سائر البدن كالرعاف، فإنه ينقض الوضوء؛ لأنه نجس وخرج من البدن كدم الاستحاضة. كيف يُجاب عن هذا؟ يجاب عنه: بأن دم الاستحاضة اشتمل على وصفين: كونه نجساً، لقوله: (اغسلي عنك الدم). وكونه من الموضع. وأما النجس الخارج من سائر البدن كالرعاف، فقد حصل فيه وصف واحد، وهو كونه نجساً؛ ولكنه ليس من موضعٍ مؤثر، فنقض الأول وهو: دم الاستحاضة، ولم ينقض الثاني، هذا بالنسبة لمسألة: أن كل خارج نجس من سائر البدن يوجب انتقاض الوضوء. وهناك أدلة على أنه لا ينقض الوضوء أقواها: حديث عباد بن بشر رضي الله عنه، لما قام على الشِّعب يحرس، وجاءه السهم الغارب، فنزف وهو يصلي، فلولا أنه خشي على صاحبه لما قَطَعَ صلاته، فأُقِرَّ على ذلك، فدل على أن خروج الدم لا يوجب انتقاض الوضوء.
خروج النجس من غير السبيلين
خروج النجس من غير السبيلين قال رحمه الله: [أو كثيراً نجِساً غيرَهما] أي: غير البول والغائط، وهو الدم مثلاً. وقوله: (كثيراً نجساً) يشمل أموراً: أولها: الدم. ثانيها: الصديد. ثالثها: القيح. رابعها: القيء. كل ذلك يعتبر من النجس الخارج من غير السبيلين، وهو من غير البول والغائط. فمن قاء فقد انتقض وضوءه -على هذا الأصل-؛ لأنه نجس خارج من البدن. ومن رعف انتقض وضوءه؛ لأن الدم نجس، فيوجب انتقاض الوضوء. ومن خرج منه الصديد أو القيح انتقض وضوءه؛ لأن الصديد والقيح، متولد من الدم، والفرع يأخذ حكم أصله، وما تولد من نجس فهو نجس، والصديد: يقولون: من الماء الذي يخالط الجراح، وقيل: يكون مختلطاً بين الدم والماء الذي يخالط الجراح، فقالوا: أخذ حكم النجس لمكان تنجسه بالموضع. هذه الأمور كلها إذا خرجت أوجبت انتقاض الوضوء، على الأصل الذي قررناه من كون الخارج النجس يوجب انتقاض الوضوء. وقلنا: إن الصحيح: أن الخارج النجس من غير السبيلين لا يُعتبر ناقضاً للوضوء. لكن هنا شرط ذكره المصنف عبَّر عنه بالوصف في قوله: (كثيراً)، فمفهوم قوله: (كثيراً) أنه لو كان قليلاً فلا ينقض الوضوء. تفصيل ذلك: قالوا: إذا خرج من الإنسان دم يسير كالبثرة التي تسمى في عرف الناس بـ: الحَبَّة، تكون على الإصبع أو تكون على الساعد، فينزف الدم منها قليلاً، أو يعصرها الإنسان فيخرج منها الدم اليسير، فهذا يسير. ومن أمثلته أيضاً: لو استاك فأدمى لثته، فخرج دم قليل من طرف اللثة، فهذا قليل. أو جُرِح جرحاً صغيراً، وخرج دم يسير، فهذا يوصف بكونه قليلاً. لكن لو كان كثيراً، كجرحٍ يَثْعُبُ دماً، أو رعف، فإنهم يقولون: انتقض وضوءه. إذاً: هم يفرقون بين القليل والكثير من النجاسات الخارجة. ويقولون: لو كان الخارج النجس كثيراً نقض، وإذا كان الخارج النجس قليلاً لم ينقض، فيرد Q ما هو الضابط الذي نفرِّق به بين القليل والكثير؟ لهم أقوال متعددة: منها ما اختاره غير واحد ومنهم: الإمام الموفق ابن قدامة كما في المغني، واختاره في العمدة، وكذلك اختاره الزركشي، وغيرهم من أئمة الحنابلة وفقهائهم -رحمة الله عليهم- يقولون: إن الكثير ما لا يتفاحش في النفس، فإذا رأيته لم تره كثيراً، ولا تستكثر هذا اليسير؛ لكن لو أنك نظرت إليه فاعتبرته كثيراً، فإنه يعتبر كثيراً. لكن نقول لهم: الناس يختلفون، فقد يكون الكثير عندي يسيراً عندك! قالوا: ما اعتبره أوساط الناس وعقلاؤهم ونحوهم من الحكماء الذين لهم عقل، قالوا: فيخرج الموسوس، والقصاب. أما الموسوس: فلأن أقل شيء عنده يعتبر كثيراً -نسأل الله السلامة والعافية- ويستعظم كل شيء، فهذا القليل عنده لا يعتبر فاحشاً، ومِثْلِه ليس له تأثير. وأما النوع الثاني: فالجزار أو القصاب فإنه لا عبرة بقوله؛ لأنه يستهين بالدماء، فالذي يتفاحش عنده الشيء الكثير جداً، فربما يرى ما يملأ الكوب، فيقول: هذا ليس من المتفاحش وإنما يقاربه؛ لأنه معتاد للدماء. فقالوا: يخرج هذان النوعان: القصاب، والموسوس، فجعلوا أعلى الشيء: القصاب، وأدناه: الموسوس، قالوا: فلا نلتفت لمن يعظِّم الأمر ولمن يحقِّره، وإنما يُنظر إلى الحكيم العاقل وعقلاء الناس وأوساطهم. ومنهم من يحدُّه بالقطرة والقطرتين. لكن كل هذا -كما قلنا- على غير المشهور، والذي اختاره بعض المحققين: أن العبرة فيه بتفاحش النفس، فقالوا: إذا كان الدم كثيراً عندك نقض، وأما إذا كان يسيراً لم ينقض. كل هذا نحن في عافية منه؛ لأنه عندنا لا ينقض الوضوء؛ وإنما نحن نفرِّع على كلام المصنف، ويرد السؤال: لماذا استثنوا القليل؟ استثنوه لعلة، وهي: أنه ثبت عن الصحابة أنهم عصروا البُثَر، وأنهم اغتفروا اليسير، كما جاء عن ابن عباس وابن عمر، فقد عصر ابن عمر بثرةً ثم صلى ولم يرَ في ذلك بأساً، قالوا: فهذا يدل على أن القليل لا يؤثر، وبناءً على ذلك قالوا: نستثني اليسير، فإن كان يسيراً لم ينقض، ولم يُحكم بانتقاض الوضوء.
الأسئلة
الأسئلة
اشتباه المني بالمذي
اشتباه المني بالمذي Q ما الحكم إذا اشتبه على الإنسان المَذْي والمَنِي؟ A باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه. أما بعد: هذا الاشتباه كما ذكره العلماء له صور منها: - أن يستيقظ الإنسان من نومه، فيجد بلَلاً أو أثر البلل، فيقع في شك، هل هو مَنِي فيغتسل، أو مَذْي فلا يجب عليه الغسل؟ فما الحكم؟ أولاً: يراعي أوصاف المَنِي والمَذْي: فالمَنِي: ماء أبيض ثخين بالنسبة للرجل، وأصفرُ رقيق بالنسبة للمرأة. ثانياً: الرائحة: المَنِي رائحته ليست كالمَذْي، فإن المَنِي له رائحة كرائحة طلع النخل، كما عبر عنه بعض العلماء، وطلع النخل هو الوبار الذي يكون في فحول النخل، ويقول بعض العلماء: كرائحة العجين إذا عُجِن واشتد، فإذا وجد رائحة المَنِي فيه، أو وجد ثِخَن المَنِي فيه، فإنه يَحكم بكونه مَنِيَّاً يوجب الغُسل. لكن لو أنه لم يستطع التمييز، والتبست عليه الأوصاف، ولم يجد ما يحسم الأمر له، هل هو مَنِي أو مَذْي فما الحكم؟ فالذي عليه جماهير العلماء -رحمة الله عليهم-: أنه مَذْي حتى يتيقن أنه مَنِي؛ لأن اليقين أنه مَذْي، والشك هل هو مَنِي فيجب الغُسل أو لا، فيبقى على اليقين وهو المَذْي، ولا يجب عليه الغسل حتى يستيقن أنه مَنِي. والله تعالى أعلم.
حكم غسل الأنثيين عند خروج الودي والمذي
حكم غسل الأنثيين عند خروج الودي والمذي Q هل يلزم الرجل إذا خرج منه وَدْي أو مَذْي غسل الأنثيين؟ A نعم، وهو ظاهر حديث علي: (وليغسل مذاكيره) فدل على أنه يغسل العضو والأنثيين، وهذا هو أصح الأقوال في هذه المسألة، خلافاً لمن قال: يغسل موضع الخروج، وهو رأس الإحليل، والصحيح أنه يجب غسل العضو والأنثيين، لقوله: (وليغسل مذاكيره). والله تعالى أعلم.
حكم من يخرج منه المذي قبل الصلاة وفي أثنائها
حكم من يخرج منه المذي قبل الصلاة وفي أثنائها Q لقد ذكرتم -حفظكم الله- في المَذْي أنه يُتَوَضَّأ منه إن وُجد؛ ولكن ربما يتَوَضَّأ منه ويشرع في الصلاة ويعاوده مرة أخرى أثناء الصلاة، فماذا يجب عليه؟ A هذا فيه تفصيل: من بُلِي بالمَذْي فاسترسل معه، بحيث لا يستطيع إمساكه فترةً يستطيع أن يصلي فيها، فهذا حكمه حكم الاستحاضة، فكلما دخل عليه الوقت توضأ وصلى، ولو خرج منه المَذْي. الحالة الثانية: أن يكون خروجُه بالقطرة والقطرتين، فيخرُج في المرة الأولى عند الملاعبة، ثم إذا مضى وقت قليل خرج مرة ثانية، فهذا يجب عليه غسل العضو وإعادة الوضوء كالحال في البول. والله تعالى أعلم.
نجاسة المذي
نجاسة المذي Q هل كون المَذْي ينقض الوضوء دليل على أنه نجس؟ A أمْرُ النبي صلى الله عليه وسلم بغسله وغسل العضو حيث يقول: (انضح فرجك) والنضح يستعمل بمعنى الغَسل، هذا كله دال على أنه آخذ حكم البول، فهو نجس، وهذا هو المعتبر والذي عليه الفتوى. والله تعالى أعلم.
خروج الطاهر من أحد السبيلين
خروج الطاهر من أحد السبيلين Q هل خروج الطاهر من أحد السبيلين يوجب الاستنجاء؟ A هذا ذكرناه وقلنا: إن الصحيح: أن خروج الطاهر لا يوجب انتقاض الوضوء، وبناءً عليه فإنه لا يلزم منه الاستنجاء ولا يأخذ حكم النجس الخارج، وذلك للفرق بينه وبين النجس الخارج، فإن النجس الخارج يؤثر في المحل، والطاهر لا يؤثر. والله تعالى أعلم.
الأصل بقاء الوضوء ما لم يسمع صوتا أو يجد ريحا
الأصل بقاء الوضوء ما لم يسمع صوتاً أو يجد ريحاً Q يتأكد لي أحياناً خروج الريح؛ ولكن بدون ريح ولا صوت، فهل الوضوء هنا يكون باطلاً؟ A أيتأكد بدون رائحة ولا صوت؟! هذا ليس بصحيح، هذا من الشيطان، ولذلك لا تلتفت إلى مثل هذا، وابقَ على اليقين، حتى تسمع صوتاً أو تجد ريحاً، فإن سمعت الصوت أو وجدت الرائحة أعدت الوضوء، وإلا فلا. والله تعالى أعلم.
حكم الاغتسال لمن رأى في نومه أن يستمني
حكم الاغتسال لمن رأى في نومه أن يستمني Q لو أن رجلاً نام على طهارة ورأى في منامه أنه استمنى فما حكم طهارته؟ A من نام ورأى أنه احتلم أو أنه استمنى فإن العبرة بالحقيقة، فإن استيقظ ووجد الماء وجب عليه الغُسل، وإن استيقظ ولم يجد الماء لم يجب عليه غسل، وهكذا لو رأى موجب الغُسل مناماً كالجماع، فإنه لا عبرة بذلك كله والعبرة بحقيقة الخروج، أما دليل اعتبار الخروج نفسه وإلغاء اعتبار المنام: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيح: (إنما الماء من الماء)، (إنما الماء) وهو: الغُسل، (من الماء) (من) سببية، أي: بسبب الماء وهو: خروج المَنِي، فدل على أن العبرة بالخروج، وأنه إذا خُيِّل له وهو نائم أنه خرج مني، واستيقظ ولم يجد شيئاً فإنه لا يجب عليه الغسل، والعكس: لو أنه نام ولم يذكر احتلاماً ثم استيقظ ووجد أثر الماء وجب عليه الغُسل؛ لأن العبرة بوجود الماء، وكونه يذكر أو لا يذكر هذا لا تأثير له؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) وهذا أصل عند جماهير العلماء -رحمة الله عليهم-: أن العبرة بالحقيقة، ولذلك قالوا: لا يؤثر ذكره للاحتلام، ففي الحديث الصحيح عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم: النائم حتى يستيقظ) فدل على أنه لا عبرة بما خُيِّل له في نومه من أنه احتلم أو أنه جامع أو أنه أنزل، ما دام أنه في الحقيقة لم يكن منه شيء، ولذلك يعتبر العلماء وجوب الغسل مربوطاً بوجود الحقيقة لا بوجود الصورة في المنام. والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة في الثوب الذي احتلم فيه
حكم الصلاة في الثوب الذي احتلم فيه Q إذا احتلم الرجل ثم اغتسل؛ ولكنه صلى بالثياب التي احتلم فيها، فما حكم صلاته؟ وإذا كانت باطلة فماذا يفعل؟ A هذه المسألة مفرعة على خلاف العلماء -رحمة الله عليهم- في المَنِي، هل هو طاهر أو نجس؟ وأصح الأقوال: أنه طاهر، وقد جاء في حديث ابن عباس (إنما هو بمنزلة المخاط)، وجاء عن أم المؤمنين رضي الله عنها أنها كانت تفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يصلي فيه، وإن أثره لباقٍ فيه، فدل هذا على أنه ليس بنجس، وقد ثبت عنها رضي الله عنها أنها أنكرت على من أصبح وقد غسل ثوبه، فقالت: (إنما كان يكفيه أن يحُتَّه، لقد كنتُ أفعل ذلك بمَنِيِّ النبي صلى الله عليه وسلم) فدل هذا على أن المَنِيَّ ليس بنجس وأنه طاهر، وأنه يكفي فيه الحَتُّ والقرص، فمن صلى في ثوب فيه مَنِيٌّ فصلاته صحيحة ولا حرج عليه. والله تعالى أعلم.
حكم انتقال المني مع عدم خروجه
حكم انتقال المني مع عدم خروجه Q من أيقن وصول المَنِي إلى مخرجه ثم حبسه، هل يجب عليه الغسل أم لا بد من خروجه حقيقة؟ A هذه المسألة للعلماء فيها وجهان، وهي: لو أن إنساناً تحركت شهوته، وأحس بانفصال المَنِي من صلبه، ثم تأخر خروج المَنِيِّ ثم قذفه، فهل العبرة بوقت التحرك، أم العبرة بوقت الخروج؟ - فمن أهل العلم -رحمة الله عليهم- من يقول: العبرة بالخروج، وهذا هو الصحيح، والذي عليه العمل والفتوى، وصورة هذه المسألة: لو كان في الصلاة، فأحس بتحرُّك شهوته، ثم أمسك العضو، وقد بلغ المَنِيُّ العضوَ، ولم يخرج منه إلا بعد استتمام سلامه، قالوا: صلاته صحيحة، ولا يؤثر خروجُه من الصلب، ومسألة خروج المَنِي من الصلب، أو شعوره بتهيئه للخروج، كل ذلك لا تأثير له، والعبرة بالفضخ والخروج، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فقال: (إذا فضخت) ولم يعتبر مجاوزته للصلب، فدل على أن العبرة بخروجه لا بانتقاله، ولا يشكل على هذا إيراد العكس، فيما لو بقي منه شيء، فخرج بعد غُسله، فهذا فضلة باقية غير ما نحن فيه من كونه ماءً بأصله.
من عوامل الاستمرار في طلب العلم
من عوامل الاستمرار في طلب العلم Q لقد قدمت إلى هذه البلاد لطلب العلم، وأسأل الله أن يجعل نيتي ونية كل مسلم خالصة صادقة، وما إن أحضر إلى حلق العلم والدروس حتى يأتيني الشيطان ويرغبني عن العلم، ويصرفني عنه، ويضعف عزيمتي، ويشغلني بما لا يفيد، فقسا قلبي، وانشغلت عن كتاب الله، وعن الاجتهاد في الطلب، واجتمعت عليَّ هموم وغموم، وأشعر بضيق شديد، فاشدُد من أزري بنصح منك -حفظك الله-، أسأل الله أن ينفعني وإخواني بما تقول. A أما الوصية التي أوصيك بها أخي في الله! أن تعتمد على الله، فإنه نعم المولى ونعم النصير، وما نزل بك ما هو إلا بلاء من الله، إما بسبب ذنب بينك وبين الله، أو أن الله يريد أن يرفع درجتك، فسلَّط البلاء عليك، فإن كنت تريد النجاة فاستدِم الاستغفار، لعل الله أن يرحمك إن كنت عاصياً، وربما كان ذلك بسبب غرور في نفسك، فإن طالب العلم قد يبدأ طلب العلم فيُصاب بالغرور، أو يزل لسانه بكلمة، أو يحدث منه أمر يُغْضِب اللهَ عليه، فيسلب نعمة العلم والرغبة عنه على قدر ما أصاب من ذنب، قال سفيان رحمه الله: أذنبتُ ذنباً فحُرِمْتُ قيام الليل أربعة أشهر. وأما الأمر الثاني فهو: أن تحسن الظن بالله، فلعل الله يريد أن يبلغك مرتبة لا تصل إليها إلا بامتحان وابتلاء، وقلَّ أن تجد طالبَ العلم طَلَبَ العلم إلا وجاءه ما ذكرتَ، بل وأشد مما ذكرتَ، والله يقول: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا} [السجدة:24] فالله يجعل العبد إماماً إذا صبر، ولذلك قال العلماء: إن الله عز وجل لَمَّا أوحى إلى نبيه أخذه جبريل فغطه حتى رأى الموت، ثم أرسله، ثم غطه، ثم أرسله، ثلاث مرات، قالوا: لكي يبين أن العلم لا يأتي إلا بعد امتحان وابتلاء. فضاق قلبُك، ولعل هذا الضيق يكون ابتلاء كما ابتلي الحبيب صلوات الله وسلامه عليه عند الوحي، هذا إذا أحسنت الظن بالله، واشدد عزيمتك بالله، واستعن الله، فإنه نعم المولى ونعم النصير. وكثير من طلاب العلم يأتيهم الهم ويأتيهم الغم ويأتيهم التثبيط من الناس، فمنهم من يقول: إلى متى تنتهي من دروسك، ولربما تجلس العشر سنوات والعشرين سنة وأنت في هذه الحلقة، أو عند العالم الفلاني، ولا تنتهي! كل ذلك ابتلاء، فإن صَدَقَ مع الله صَدَقَ معه، وكم وجدنا من المثبِّطين والمخذِّلين حتى خَذَّلَهم الله عز وجل عنا. فتعلق بالله، واعلم أنك في جنة، وروضة من رياض الجنة، وهي العلم، فاستَدِم سؤال الله جل وعلا أن يثبت قدمك، وأن يحسن العاقبة لك. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا من العلم حلاوته وطلاوته، وأن يجعل لنا موجبات رحمته، وعلو درجاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
باب نواقض الوضوء [2]
شرح زاد المستقنع - باب نواقض الوضوء [2] للوضوء نواقض ذكرها العلماء رحمهم الله، وقد دلت عليها النصوص الصحيحة، إلا أن العلماء قد اختلفوا في بعضها هل ينقض أم لا؟ ومما اختلفوا فيه: مس الذكر بدون حائل، وأكل لحم الجزور، والنوم.
انتقاض الوضوء بزوال العقل
انتقاض الوضوء بزوال العقل الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول المؤلف رحمة الله عليه: [وزوال العقل]. أي: من نواقض الوضوء زوال العقل سواءً كان بسبب مباح أو بسبب محرم، كأن يسكر الإنسان -والعياذ بالله- على وجه يعذر به، أو وجه لا يعذر به، فالوجه الذي يعذر به في السكر أن يشرب شراباً يظنه ماءً فيسكر، فإنه معذور في سكره للجهل، والوجه الذي لا يعذر كأن يشرب المسكر -والعياذ بالله- والمخدر عالماً به، ففي كلتا الحالتين لو شرب ما يزيل عقله من المسكرات والمخدرات -أعاذنا الله وإياكم منها- فإنه يحكم بانتقاض وضوئه. والسكر له ثلاث مراتب ينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا لها: المرتبة الأولى: يسميها العلماء: الهزة والنشاط والطرب، وهي أول ما يكون لمن شرب الخمر والعياذ بالله! والمرتبة الثانية: أقصى درجات السكر، وهي أن يسقط كالمغشي عليه لا يعرف الأرض من السماء، ولا يعي ما يقول ولا ما يُقال له فهو كالمجنون. والمرتبة الثالثة: وسط بين المرتبتين. فاعلم -رحمك الله- أنه إذا بلغ السكران بداية السكر وهي الهزة والنشاط، فإنه مكلف إجماعاً؛ لأنه في حكم المستيقظ، فإذا فعل أي فعل في بداية سكره عند هزته ونشاطه، كأن يطلق امرأته أو يفعل أي فعلٍ فإنه يحكم بمؤاخذته؛ لأن الأصل فيه أنه مكلف حتى يؤثر فيه المؤثر، ولم يبلغ درجة يؤثر السكر فيها عليه. أما إذا بلغ منه السكر غايته، كأن يسقط كالمجنون فهذا لا يؤاخذ إجماعاً من جهة طلاقه، وإذا طلق فيها فإنه كالمجنون لا ينفذ طلاقه. وأما الحالة الثالثة المترددة بين الحالتين، فهي التي فيها الخلاف بين العلماء في السكران، هل هو مكلف أو غير مكلف؟ فإذا سكر -والعياذ بالله- المتوضىء، فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ويلزمه أن يعيد الوضوء.
حكم تأثير النوم اليسير على الوضوء
حكم تأثير النوم اليسير على الوضوء قال رحمه الله: [إلا يسير نوم من قاعدٍ أو قائم] (إلا): استثناء، أي: إذا زال العقل بيسير النوم -وهو القول الثاني في مسألة النقض بالنوم، وهو الفرق بين اليسير والكثير- واليسير كاللحظات ولو كان مذهباً للشعور، والكثير كأن ينام ساعة أو ساعة إلا ربعاً وهو يخفق رأسه، أو نصف ساعة وهو يخفق رأسه، فهذا يحكم بانتقاض وضوئه. قوله: (من قاعد) استثنوا القاعد لحديث أنس: (كان الصحابة ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضئون). قوله: (أو قائم) لأن اليسير من القائم في حكم اليسير من القاعد لا فرق بينهما، كما اختاره صاحب المقنع رحمه الله، وانتصر له في المغني.
ما ينقض الوضوء من المس
ما ينقض الوضوء من المس
الخلاف في نقض الوضوء بمس الذكر
الخلاف في نقض الوضوء بمس الذكر قال رحمه الله: [ومس ذكر متصل] أي: من مس الذكر فإنه ينتقض وضوءه، سواءً قصد الشهوة ووجد اللذة، أو لم يقصد الشهوة ولم يجد اللذة، فمن مس الذكر وجب عليه أن يعيد الوضوء؛ لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من مس ذكره فليتوضأ) وجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء من مس الذكر مطلقاً. وقال بعض العلماء: من مس ذكره فلا ينتقض وضوءه؛ لحديث طلق بن علي رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني المسجد فسأله عن مس الذكر؟ فقال عليه الصلاة والسلام يجيب طلقاً: (وهل هو إلا بضعة منك) قالوا: إن هذا الحديث يدل على أن مس الذكر لا يوجب انتقاض الوضوء. والصحيح أنه يوجب انتقاض الوضوء، ويجاب عن حديث طلق بن علي من وجهين: الوجه الأول: أنه منسوخ؛ لأن طلق بن علي قدم عند بناء المسجد كما جاء في الرواية، وحديث: (من مس ذكره فليتوضأ) رواه المتأخرون إسلاماً من الصحابة: كـ أبي هريرة رضي الله عنه، والقاعدة: أن تأخر إسلام الراوي مع تقدم المعارض يدل على النسخ أو يشعر بالنسخ. الوجه الثاني: أن يجُمع بين حديث طلق بن علي وبين حديث: (من مس ذكره فليتوضأ) بأن سؤال طلق بن علي رضي الله عنه عن مس الذكر من فوق الثوب فقال له: (وهل هو إلا بضعة منك) أي: إذا مسسته بحائل كأنك لمست يداً أو نحو ذلك من الأعضاء. وأما إذا لمسه مباشرة فإنه يحُمل عليه حديث: (من مس ذكره فليتوضأ). وقد صحح غير واحد من أهل العلم حديث الأمر بالوضوء من مس الذكر منهم: الإمام أحمد، وأبو زرعة واستصوبه الإمام البخاري رحمه الله، فلذلك يقوى الحكم بأن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء. إذا ثبت أن مس الذكر يوجب انتقاض الوضوء فيستوي في ذلك أمور: أولاً: أن يكون بشهوة أو بدون شهوة. ثانياً: أن المراد بالمس باطن الكف، فلو أنه وقع على ظاهر الكف لم ينتقض الوضوء لقوله: (من مس) والمس: هو الإفضاء بباطن الكف. واختلف العلماء فيما لو إذا مسه بين أصابعه، هل الذي بين الأصابع يأخذ حكم باطن الكف أو يأخذ حكم ظاهره؟ والأقوى أنه يأخذ حكم الباطن؛ للقاعدة: (أن ما قارب الشيء يأخذ حكمه). ثالثاً: أن قوله: (من مس ذكره) أصل، ويُلحق به مس الدبر، فإذا مس حلقة الدبر انتقض وضوءه؛ وذلك لعموم قوله: (من مس فرجه) والفرج: يشمل القبل والدبر. رابعاً: أن هذا الحكم يشمل الرجل والمرأة، فحُكِمَ به للرجال والنساء تبع، وكم من أحكام ترد في الرجال أصلاً والنساء فيها تبع، كما في قوله: (من مس فرجه) وهذا من صيغ العموم، فإن قوله: (مَنْ) من صيغ العموم عند الأصوليين، وقوله: (فرجه) يشمل الرجل والمرأة. خامساً: أن هذا الحكم يستوي فيه أن يمس من نفسه أو يمس من غيره، ولذلك يعم الحكم بالنسبة للماس، سواءً كان لنفسه أو لغيره، بشرط أن يكون متصلاً بالغير. سادساً: يشمل الصغير والكبير، فلو مست المرأة فرج صبيها أو صبيتها انتقض وضوءُها ولو تكرر ذلك؛ وذلك لعموم الخبر من جهة المعنى. سابعاً: يخرج من هذا مس المنفصل، فقال بعض العلماء: لو قُطِعَ العضو فَمُسَّ لم يأخذ هذا الحكم. ثامناً: أنه لو مس فرج الخنثى المشكل فإنه يأخذ حكم المرأة، فلو مس ذكره لم ينتقض وضوءُه؛ لأنه زائد، ولا دليل على إثبات كونه عضواً مؤثراً، فَيُبْقَى على الأصل وهو بقاء الطهارة. وقال بعض العلماء بالانتقاض مطلقاً. تاسعاً: قد علمنا حكم من مس، فهل الممسوس يأخذ حكم الماس؟ فقال بعض العلماء: إنه يأخذ حكم الماس من جهة المعنى، والذي اختاره بعض العلماء: أنه إذا وجد الممسوس الشهوة واللذة انتقض وضوءه وإلا فلا.
مس الذكر بظاهر الكف
مس الذكر بظاهر الكف قال رحمه الله: [أو قُبلٍ بظهر كفه أو بطنه] قوله: (أو قبل) للعموم، فهو يشمل الأنثى والخنثى. قوله: (بظهر كفه أو بطنه) وهذا اختيار بعض العلماء، وإن كان الأقوى أن التأثير بباطن الكف؛ لأن الإفضاء يكون بباطن الكف لا بظاهر الكف، وفي قوله: (من مس) إشعار بالقصد، بخلاف ظاهر الكف، فإنه لا يمس العضو بظاهر الكف إلا على سبيل غير مقصود، ولذلك الذي عليه العمل عند بعض أهل العلم: أن العبرة بباطن الكف لا بظاهر الكف.
مس أعضاء الخنثى
مس أعضاء الخنثى قال رحمه الله: [ولمسهما من خنثى مشكل] أي: لمس العضوين من خنثى مشكل، فهذا يوجب انتقاض الوضوء كما ذكرنا. قال رحمه الله: [ولمس ذكرٍ ذكره أو أنثى قبله] لما ذكرناه. قال رحمه الله: [لشهوة فيهما] سواءً مَسّ أو مُسّ؛ لكن هنا في الحالة الأخيرة قال: (لشهوة) فجعل الحكم مرتبطاً بالشهوة، فإن لم توجد الشهوة فإنه لا يحكم بالانتقاض بالنسبة للممسوس.
الخلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة
الخلاف في نقض الوضوء بلمس المرأة قال رحمه الله: [ومسه امرأة بشهوة] أي: ومن نواقض الوضوء أن يمس الرجل المرأة بشهوة، وقد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة: فمنهم من قال: لمس النساء كله ينقض الوضوء، سواءً كانت محرماً أو غير محرم، وسواءً وجد الشهوة أو لم يجد الشهوة، وصاحب هذا القول احتج بظاهر قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] قالوا: إن الله عز وجل حكم بانتقاض الوضوء بلمس النساء. وقالت طائفة من العلماء: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان يصلي بالليل وعائشة رضي الله عنها معترضة بين يديه، قالت: فإذا سجد غمزني) ولما ثبت أيضاً في الحديث الصحيح أنها قالت: (افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم فجالت يدي فوقعت على قدمه وهو ساجد، يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) قالوا: فهذا يدل على أن لمسها له ولمسه لها لا يوجب انتقاض الوضوء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة بنت أبي العاص في الصلاة وهي في حكم المرأة، فكان إذا أراد أن يسجد وضعها، وإذا أراد أن يرفع حَمَلَها وَرَفَعَها قالوا: ولم ينتقض وضوءه، ولما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من تقبيله بعض نسائه قبل خروجه إلى الصلاة، كما في حديث عائشة، واختلف في إسناده، قالوا: فمجموع هذه النصوص يدل على أن لمس النساء لا يوجب انتقاض الوضوء. وجمع بعض العلماء بين القولين فقالوا: إن لمس النساء يوجب انتقاض الوضوء، إذا وجد الشهوة أو قصدها، ولا يوجب انتقاض الوضوء إذا لم يجد الشهوة وهذا هو الأقوى، ولذلك يحمل قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [النساء:43] على الجماع، والسباق والسياق محكم، وسباق الآية وسياقها يدل على أن المراد بـ (لامَسْتُمُ): الجماع؛ للقاعدة في اللغة: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؛ ولأن السُّنة تصرف (لامَسْتُمُ) من ظاهرها إلى هذا المعنى الذي يقويه السياق والسباق مع قرينة اللغة. إذاً لمس المرأة فيه تفصيل: إنْ لَمَسَ المرأة فوجد الشهوة انتقض وضوءُه، وإن لمس المرأة ولم يجد الشهوة لم ينتقض وضوءه، وبناءً على ذلك قالوا: وجود الشهوة والإحساس بها مظنة الحدث، فينزل منزلة الحدث. وفرَّع بعض العلماء على هذا تفريعات، ولكن لا يقوى الدليل عليها، كقول بعضهم: إن مجرد النظر إلى المرأة -كزوجته- بشهوة ينقض الوضوء، بل هناك قول بأن النظر إلى الأمرد بشهوة يوجب انتقاض الوضوء، والحقيقة أن هذا محل نظر، والصحيح والأقوى أن العبرة بالانتقاض المؤثر، أو ما هو قريب من المؤثر لظاهر السُّنة: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فنبقى على الأصل من طهارته، وأما مظنات الحدث الضعيفة فإنه لا يقوى اعتبارها، وإن احتاط الإنسان بالوضوء فهو أولى. أي: على الوجه الذي ذكرناه، فإذا مسته المرأة بشهوة فإنه يحكم بانتقاض وضوئها.
نقض الوضوء بمس حلقة الدبر
نقض الوضوء بمس حلقة الدبر قال رحمه الله: [ومس حلقة دبر] لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم المؤمنين: (من مس فرجه) قالوا: والدبر منزل منزلة القبل، ولذلك يحكم بانتقاض الوضوء بمسه، وظاهر قولهم أن القبل والدبر يختص بالآدمي، فلو مس فرج حيوان فإنه لا ينتقض وضوءه، وقال بعض السلف: إنه لو مس فرج بهيمة فإنه يحكم بانتقاض وضوئه، ولكنه مذهب ضعيف، والجماهير على أن النقض بمس الفرج يختص بالآدمي دون غيره.
لمس الشعر والظفر من المرأة
لمس الشعر والظفر من المرأة قال رحمه الله: [لا مس شعر وظفر] إذا قلنا: إن مس المرأة يوجب انتقاض الوضوء، فأعضاء المرأة تنقسم إلى قسمين عند العلماء: ما هو متصل، وما اختلف فيه هل هو في حكم المتصل أو المنفصل. فإذا تقرر أن اللمس يؤثر، فيرد السؤال عن الأعضاء التي اختلف فيها العلماء كالشعر والظفر؟ فقال بعض العلماء: شعر المرأة في حكم المنفصل وليس في حكم المتصل، وهي قاعدة تكلم عليها الأئمة، ومنهم الإمام ابن رجب في القواعد الفقهية، في القاعدة الخامسة أو السادسة تقريباً. فإذا قلت: إن شعر المرأة في حكم المتصل فإنه ينتقض الوضوء بلمسه من المرأة، وإن قلت: إن شعر المرأة في حكم المنفصل فلا ينتقض وضوء الرجل إذا لمسه من امرأة. وتتفرع على هذا مسائل: إن قلت: إن شعر المرأة في حكم المنفصل، فلو غطت به وجهها في الإحرام وجبت عليها الفدية؛ لأنه منفصل عنها وليس بمتصل، ويتفرع عليه إن قلت إنه منفصل: ما لو لمسه المتوضئ فإنه لا يحكم بانتقاضه؛ لأنه في حكم المنفصل، أما لو قلت: إنه في حكم المتصل، وسدلت شعرها على وجهها حتى غطته عن الشمس، فإنه لا يوجب الفدية عليها، وإن قلت: إنه في حكم المتصل ولمسه الرجل، فإن اللمس يوجب انتقاض الوضوء، هذه فائدة كلامهم على الشعر: هل هو في حكم المتصل أو في حكم المنفصل، فدرج المصنف -وهو اختيار جمع من العلماء- على أن الشعر في حكم المنفصل وليس في حكم المتصل، ودليل الحس دال على ذلك: وهو لو أن إنساناً أحرق طرف الشعر لم يشعر بالألم في طرفه، ولذلك الشعر لا ينقل الإحساس، فإذا كان اللمس مركَّباً على الشهوة، فإن لمس شعر المرأة لا توجد به الشهوة، والرجل يراه منفصلاً فلا يجد به أثر الشهوة، ولذلك قالوا: إن لمس شعر المرأة -إذا قيل بانتقاض الوضوء بلمسها- يستثنى من ذلك لكونه منفصلاً لا متصلاً بها. قوله: (وظفر) كذلك الظفر؛ لأن كلاً من الشعر والظفر الحياة فيهما حياة نمو وليست بحياة روح؛ لأن أعضاء الإنسان فيها ما حياته حياة روح كاليد والرجل، وفيها ما حياته حياة نمو كالشعر والظفر، فالشعر في الإنسان حياته حياة نمو وليست بحياة روح، ولذلك قالوا: إن لمس الظفر كلمس الشعر، فلو أحرقت ظفراً فإنه لا يسري الألم إلا بعد فترة، فدل على أنه ليست حياته حياة روح وإنما هي حياة نمو كالشعر.
لمس الأمرد وتأثيره في الوضوء
لمس الأمرد وتأثيره في الوضوء قال رحمه الله: [وأمرد] وكذلك الأمرد قالوا: إنه لا ينتقض وضوء من لمسه، وهذا أقوى من جهة الأصل لما ذكرنا؛ لأن الأصل طهارته حتى يدل الدليل على انتقاضها ولا دليل، وأما ما ذكروه من مظنة الحدث فيقوى اعتبارها إن قويت الشهوة وإلا فلا.
لمس المرأة مع وجود حائل
لمس المرأة مع وجود حائل قال رحمه الله: [ولا مع حائل] أي: إذا وضعت الكف على المرأة وبينك وبينها حائل، كلباسها أو قفاز في اليد فلا يحكم بانتقاض الوضوء.
حكم وضوء الملموس بدنه مع الشهوة
حكم وضوء الملموس بدنه مع الشهوة قال رحمه الله: [ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة] وهو القول الثاني خلاف ما ذكرناه، والنظر إلى اعتبار العلة أقوى.
حكم وضوء من غسل ميتا
حكم وضوء من غسل ميتاً قال رحمه الله: [وينقض غسل ميت] أي: من غسل ميتاً فإنه ينتقض وضوءُه؛ وذلك للحديث الذي في السنن عند البيهقي والدارقطني بسند ضعيف، ولا يصح فيه حديث كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة الجرح والتعديل: ليس في انتقاض الوضوء بغسل الميت حديث صحيح، والصحيح أنه لو غسل ميتاً فإنه لا ينتقض وضوءه، وأنه يبقى على الأصل من كونه طاهراً.
حكم وضوء من أكل لحم الجزور
حكم وضوء من أكل لحم الجزور قال رحمه الله: [وأكل اللحم خاصةً من الجزور] كان في أول الإسلام إذا أكل الإنسان اللحم وجب عليه أن يتوضأ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (توضئوا مما مست النار) فأمر بالوضوء من كل شيء طُبِخَ في النار، ثم نسخ ذلك وبقي في الجزور؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت، قيل له: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم) فنص عليه الصلاة والسلام على وجوب الوضوء من لحوم الإبل دون غيرها. وذهب طائفة من العلماء إلى أن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل منسوخ، وهو مذهب مرجوح، واحتجوا له بحديث جابر (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار) وهذا الحديث الذي ذكروا أنه ناسخ محل نظر؛ لأن فيه علة في إسناده أشار إليها ابن أبي حاتم رحمة الله عليه في كتابه العلل في الجزء الثاني، وهو أن هذا الحديث أصله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ) فرواه الراوي بالمعنى، ولذلك يبقى الحكم أن من أكل لحم الجزور فإنه يجب عليه أن يعيد الوضوء، وهذا الحكم خاص بلحم الجزور. ويرد Q هل إذا شرب لبن الجزور يجب عليه أن يعيد وضوءه؟ A لا. وحديث الأمر بالوضوء من لبن الجزور ضعيف، والصحيح أنه خاص بلحم الجزور. واختلف في الكبد والسنام؟ فقال بعض العلماء: إنه يتوضأ منها وهو أحوط، وقيل: إنه لا يتوضأ منها، وهو أقوى من جهة النص، فإن السؤال ورد على النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ فنص على اللحوم ولم يذكر الكبد ولا بقية أجزاء الإبل كالسنام ونحوه، فإنه ليس بلحم وإنما هو شحم، فمن أكل سنام البعير لا يدخل في هذا الحكم، وهكذا من شرب لبن الإبل فإنه لا يحكم بانتقاض وضوئه؛ لأن الأصل الطهارة حتى يدل الدليل على انتقاضها ولا دليل، والدليل إنما ورد في اللحم فيبقى الحكم مقصوراً عليه. وهنا مسألة: قال بعض العلماء: يجب الوضوء من لحوم الإبل؛ لأن فيها زهومة وفيها قوة، فلو أكل لحم السباع وجب عليه أن يتوضأ؛ لأن فيها ما في الإبل من القوة. وقد يرد السؤال: كيف يأكل لحم السبع وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم أكل كلِّ ذي ناب من السباع؟ والجواب: تتأتى صورة المسألة فيما لو كان الإنسان في سفر فأصابته مخمصة أي: مجاعة، فاضطر إلى أكل لحم أسد أو سبع، فحينئذٍ يرد السؤال: هل انتقض وضوءه كالحال في لحم الإبل أو لم ينتقض؟ وأصح الأقوال: أنه لا ينتقض وضوءه.
موجبات الغسل موجبات للوضوء إلا الموت
موجبات الغسل موجبات للوضوء إلا الموت قال رحمه الله: [وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت] هذا قول بعض العلماء: إن انتقاض الطهارة الكبرى يوجب انتقاض الطهارة الصغرى، ومن ذلك خروج المني، قالوا: يوجب انتقاض الوضوء، ولو جامع أهله انتقض وضوءه وأوجب عليه الغسل، فكل ما أوجب الطهارة الكبرى يوجب الطهارة الصغرى، وبناءً على ذلك قالوا: يجب عليه الوضوء من موجبات الغسل، إلا الموت فإنه لا يوجب الوضوء، فإذا مات الميت فلا يجب أن يُوضّأ؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) قالوا: فدل هذا على أنه لا يجب أن يُوضّأ الميت، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في غسل ابنته زينب: (ابدأن بميامنها وبأعضاء الوضوء منها) وهذا يدل على الاستحباب لا على الحتم والإيجاب.
حكم من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو العكس
حكم من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو العكس قال رحمه الله: [ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين] من تيقن الطهارة وشك في الحدث، مثلاً: لو توضأت قبل صلاة المغرب ثم شككت هل خرج خارج من ريح أو لم يخرج؟ أو هل دخلت بعد المغرب لقضاء الحاجة أو لم تدخل؟ تقول: إني على يقين أني متوضئ، ولا عبرة بالشك حتى أَستيقِنَ انتقاض الوضوء كما استيقنت وجوده، فتبقى على الوضوء. وهنا مسألة: اليقين والشك، فاليقين هو الأصل، والشك هو الذي يكون مستوي الطرفين، هل خرج أو لم يخرج؟ هل دخلت إلى الدورة فقضيتُ الحاجة أو لم أدخل؟ فهذا شك. دليل هذا الحكم: قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد: (شُكي إليه الرجل يخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) فمن رحمة الله عز وجل بالعباد أنه قطع الوساوس وقطع الشكوك، ولو فتح باب الوسوسة والشك لتعذب الناس، ولحصل من الضرر ما الله به عليم، فلو أن الإنسان بمجرد الوسوسة ينتقض وضوءه لما استطاع أحد أن يصلي؛ لأنه بمجرد أن يدخل في العبادة أو يتلبس بالوضوء يتسلط عليه الشيطان بوساوسه، ولذلك جزم الشرع باعتبار الأصل وألغى الشك، وتفرع على هذا قاعدة مشهورة عند أهل العلم وهي قولهم: (اليقين لا يزال بالشك)، وهذه القاعدة هي إحدى القواعد الكلية الخمس. وتفرع على هذه القاعدة قاعدة تختص بمسألتنا وهي قولهم: (الأصل بقاء ما كان)، فأنت إذا شككت في الحدث فالأصل بقاء الوضوء على ما كان عليه، فتقول: أنا متوضئ حتى أستيقن انتقاض وضوئي، والعكس فلو أن إنساناً قضى حاجته قبل صلاة المغرب، وشك هل توضأ بعد ما قضى حاجته أو لم يتوضأ؟ فنقول: اليقين أنه محدث والشك أنه متوضئ فيطالب بفعل الوضوء؛ لأن اليقين أنه محدث.
تيقن الطهارة والحدث مع جهل السابق منهما
تيقن الطهارة والحدث مع جهل السابق منهما هنا مسألة: وهي لو أنك تيقنت الوضوء وشككت في الحدث فتعتبر نفسك متوضئاً، ولو تيقنت الحدث وشككت في الوضوء فإنك تعتبر نفسك محدثاً، فلو أن إنساناً قال لك: أنا متأكد أنني توضأت، ومتأكد أنني أحدثت، ولكن لا أدري أيهما السابق؟ أهو الوضوء السابق أم الحدث؟ فما الحكم؟ إذا كانت القاعدة تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، وأنا على يقين أنني توضأت قبل المغرب وعلى يقين أنني دخلت لقضاء حاجتي وأحدثت، وأشك هل الذي سبق هو الوضوء والآن أنا محدث، أو الذي سبق هو الحدث وأنا الآن متطهر؟ هذه المسألة أصح الأقوال فيها: أننا نطالبه بالتذكر قبل الحدث والوضوء، فإذا تذكر شيئاً جزم بعكسه، فنقول له: قبل أن تدخل وقبل أن تقضي حاجتك وتتوضأ ما الذي تذكر؟ قال: أذكر أنني قضيت الحاجة. إذاً تيقنا حدثاً قبل الاثنين، وتيقنا بعد ذلك الحدث طهارة، فنقول: أنت على يقين من كونك متطهراً حتى نجزم بأن الحدث المصاحب لاحق لا سابق. توضيح أكثر: الرجل يقول: قبل الظهر تيقنت بأنني دخلت لقضاء الحاجة، وقبل الظهر أذكر أنني توضأت وانتهيت من طهارتي، إذاً هو يجزم بكونه متوضئاً ويجزم بكونه محدثاً، فإذا جئت تقول له: الأصل بقاء ما كان على ما كان، يقول لك: أي الأصلين أعتبر؟ أنا على يقين من الطهارة وعلى يقين من الحدث؟ ولكن لا أدري أيهما السابق؟ نقول له: ما الذي كنت عليه قبل هذا الشك، أي: قبل الحدث والوضوء المتأخر؟ ماذا كنت عليه وقت الضحى؟ قال: في الضحى أجزم بأنني كنت متوضئاً لصلاة الضحى. إذاً: معنى ذلك أنه في الضحى كان على طهارة، ثم حصل عندنا وضوء وحدث، فتيقنا حدثاً بعد طهارة الضحى، إذاً نحن على يقين من أن طهارة الضحى قد انتقضت بالحدث المصاحب للطهارة، ونشك في كون الطهارة وقعت بعد الحدث الثاني أو لا فنلغيها، ونبقى على اليقين. هذا معنى قولهم: يؤمر بالتذكر قبل الحدث والطهارة فيأخذ بالعكس، ولو قال: أتذكر قبلهما حدثاً وطهارة أيضاً، أي: أنا على يقين أنني قبل الظهر قضيت الحاجة وتوضأت، ولا أدري السابق، وعلى يقين أنني توضأت للضحى وأنني أحدثت، ولكن لا أدري أقبل صلاة الضحى أو بعد صلاة الضحى، نقول: يأخذ نفس الحكم، فيؤمر بالتذكر قبل الاثنين، أي: قبل الشك الأول وقبل الشك الثاني ثم يأخذ بالمثل، فإذا كان قبلهما قد تيقن وقال: كنت عند شروق الشمس على طهارة صلاة الفجر وصليت ركعتي الإشراق، فنقول: قد تيقنت بعد ذلك الوضوء حدثاً، وهو الحدث الأول، وتيقنت طهارة في الشك الثاني، وشككت في تأثير الحدث عليها، إذاً: فأنت الآن متطهر، ومن ثم قالوا: في الأوتار يأخذ بالعكس، وفي الأشفاع يأخذ بالمثل، أي: يؤمر بالتذكر، فإن كانت الحالات شفعية يأخذ بالمثل، وإن كانت وترية يأخذ بالعكس، فلو قال: أتذكر وضوءاً وحدثاً قبل الآن، نقول له: أنت على عكس ما تذكر قبل الوضوء والحدث، هذا في الوتر، وإن قال: أذكر اثنين: وضوءاً وحدثاً ثم وضوءاً وحدثاً، فنقول: تذكر ما قبلهما وخذ بالمثل؛ لأنه تذكر أنه متطهر فثبت له حكم الانتقاض بالشك الأول، وحكم الطهارة بالشك الثاني، فيأخذ بالمثل في الأشفاع ويأخذ بالضد في الأوتار، ولو بلغت أربعاً كأن يقول: أنا متأكد أنني في الضحى كنت على حدث وطهارة، وكذلك أيضاً عند الإشراق كنت على حدث وطهارة، وكذلك عند الفجر كنت على حدث وطهارة، فإنه يأخذ بالعكس كما قلنا في الأوتار، وبالمثل في الأشفاع، وهذا معنى قولهم: (الأصل بقاء ما كان على ما كان).
ما يحرم على المحدث حدثا أصغر
ما يحرم على المحدث حدثاً أصغر
حكم مس المصحف للمحدث
حكم مس المصحف للمحدث قال رحمه الله: [ويحرم على المحدث مس المصحف] ويحرم على المحدث مس المصحف وهو القرآن، ودليل ذلك ظاهر القرآن -على نزاع- في قوله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] وإن كان الصحيح: أن المراد به اللوح المحفوظ، وأنه لا يمسه إلا الملائكة، لكي ينفي الله جل وعلا تسلط الشياطين على الوحي كما قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} [الشعراء:210 - 211] فالصحيح: أن الآية محمولة على اللوح المحفوظ، لكن فيها وجه عند أهل العلم بحملها على المصحف. أما الدليل الثاني: فحديث عمرو بن حزم وقد تلقته الأمة بالقبول، وفيه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) وقوله: (إلا طاهر) أي: إلا متوضئ، وقال بعض العلماء: (إلا طاهر) يعني: مسلم وليس بمشرك، وهذا قول ضعيف، وحجتهم أنهم قالوا: إن المسلم متطهر، فلا يقال: إن قوله: (طاهر) المراد به: المسلم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لـ أبي هريرة: (إن المسلم لا ينجس)، وأصحاب هذا القول التبس عليهم الأمر؛ فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المسلم لا ينجس) لا يقتضي التطهير؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إني كنت على غير طهارة) وقال لـ أم سلمة -كما في الصحيح في غسل الجنابة-: (ثم تفيضين الماء على جسدك فإذا أنت قد طهرت) وقال الله في التنزيل: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة:222] معنى ذلك: أن الطهارة ما كانت موجودة، ولذلك فرق بين قوله: إنه طاهر، وبين قوله: إنه لا ينجس، فالنفي الذي ورد في حديث أبي هريرة (فانتجست) (فانبجست) (فانخنست) كلها روايات ظن فيها أبو هريرة أنه نجس فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) أي أنه إذا أجنب لا يحكم بكونه نجساً، هذا أمر منفصل عن حديث عمرو بن حزم فليتنبه طلاب العلم إلى ذلك، فإن بعضاً من شراح الحديث عتبوا على جمهور العلماء، وقالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر) المراد به أن لا يمسه كافر، وأن الطاهر هو المسلم، وهذا ليس بصحيح؛ وأما الحديث الوارد من أنه: (لا ينجس) ففرق بين نفي النجاسة وبين إثبات وصف الطهارة، فإن النصوص في الكتاب والسُّنة تدل على جواز نفي الطهارة عن المؤمن، كقوله عليه الصلاة والسلام: (إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله). الدليل الثالث -وهو من القوة بمكان-: هدي السلف الصالح فقد روى مالك في الموطأ: أن ابناً لـ سعد بن أبي وقاص كان يقرأ عليه القرآن والمصحف بين يديه، فيقول ابنه: (فتحسّست أو تحككت، فقال لي أبي: لعلك لمست -أي: لمست العضو- قال: نعم. قال: قم فتوضأ)، فدل على أنه كان معروفاً ومعهوداً عند الصحابة أن مس المصحف لا يكون إلا لمتوضئ، ولذلك يعتبر التطهر من أجل مس المصحف من الأمور التي يختص بها كتاب الله تشريفاً له وتكريماً.
حكم الصلاة لمن كان محدثا
حكم الصلاة لمن كان محدثاً قال رحمه الله: [والصلاة] لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وأصله في التنزيل قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6].
حكم طواف المحدث
حكم طواف المحدث قال رحمه الله: [والطواف] والطواف بالبيت يجب له الوضوء؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الطواف بالبيت صلاة) فأعطاه حكم الصلاة، فدل على أنه يجب له الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء في أن الطواف بالبيت تشترط له الطهارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه حكم الصلاة، فيؤمر بالوضوء له كما يؤمر للصلاة. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا تشترط الطهارة للطواف، وهو مذهب مرجوح. ومن الأدلة على اشتراط الطهارة، ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ عائشة لما حاضت: (اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) فدل على أن الطواف بالبيت تشترط له الطهارة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم مس المصحف من غير وضوء
حكم مس المصحف من غير وضوء Q ما حكم مس المصحف من غير وضوء؟ A ما شاء الله! ما أدري أعاتب من؟ يحكون أن رجلاً أفلس فأمر القاضي أن يحمل على دابة -وكان في القديم إذا أفلس الرجل وحكم بالحجر عليه، يأمر القاضي بأن يُركب على دابة ثم يطاف به في الأسواق، حتى لا يعامله أحد فيعذر القاضي إلى الناس- فُحِمل ذلك الرجل على دابة وطيف به في الأسواق، وقال منادي القاضي: إن القاضي يأمركم أن لا تعاملوا فلان بن فلان، فمن عامله بعد اليوم فلا يلومنَّ إلا نفسه، فلما انتهى من الطواف به في آخر اليوم وأنزله عند بيته، قال له صاحب الدابة: أعطني الأجرة، قال: سبحان الله! ما الذي كنا فيه من اليوم؟! فنحن نتحدث عن مس المصحف للمحدث، والسؤال عن مس المصحف!!
حكم دفن الشعر والأظفار بعد القص
حكم دفن الشعر والأظفار بعد القص Q هل يستحب دفن الأظافر والشعر إذا قيل بأنهما جزء من الإنسان بعد إبانتهما؟ A أظفار الإنسان جزء منه، وإذا أُبينت منه قالوا: يستحب دفنها؛ لأن الله عز وجل يقول: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] والأصل في أجزاء الإنسان أنها إذا قطعت أو بترت أو فصلت أنها تدفن، فلو قطع من إنسان يده أو نحو ذلك فإن هذه اليد تدفن تكريماً من الله لبني آدم، ولذلك قالوا: إذا قلَّم الأظفار دفن أظفاره، وورد في بعض الأحاديث أنه فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قيل: إن ذلك خوفاً من السحر؛ ولكن الأصل في الأمر بدفن الأظفار إنما هو من أجل أنها جزء من الإنسان فتدفن لما ذكرناه، والله تعالى أعلم.
إلحاق الممسوس بالماس إن وجدت شهوة
إلحاق الممسوس بالماس إن وجدت شهوة Q هل كون الممسوس ينتقض وضوءُه إذا وجد شهوة، مستنده القياس أم له دليل آخر؟ A نعم. هو القياس، إذ اتحدت فيه العلة ووجدت في الفرع كما هي في الأصل، فالحكم مستو من جهة المعنى، والشرع ينبه بالنظير على نظيره لكي تلحق الأشياء بأشباهها كما قال عمر لـ أبي موسى الأشعري: (عرف الأشباه والنظائر)، أي: لأجل أن تقيس، فالقياس الصحيح حجة شرعية عند جماهير أهل العلم -رحمة الله عليهم-، فعندما يجد الممسوس الشهوة يكون في حكم الماس نفسه، وقوي إلحاقه بمن مس نفسه، والله تعالى أعلم.
اندراج الوضوء تحت غسل الجنابة
اندراج الوضوء تحت غسل الجنابة Q إذا اغتسل الإنسان من الجنابة وأراد أن يصلي، فهل يجب عليه أن يتوضأ أم يكفيه الغسل؟ A إذا اغتسل الإنسان من الجنابة فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ، خاصةً إذا توضأ أثناء غسله، وقد ثبت من حديث عائشة أنه: (أنه عليه الصلاة والسلام ما توضأ بعد غسل) ولذلك لا يجب الوضوء بعد الغسل إلا إذا لمس العضو بعد غسله، وأما إذا كان قد بقي على طهارته، فإن الطهارة الصغرى تندرج تحت الطهارة الكبرى، والله تعالى أعلم.
حكم مس المحدث للمصحف لأجل إبعاده عن الإهانة
حكم مس المحدث للمصحف لأجل إبعاده عن الإهانة Q ما حكم إخراج المصحف من الجيب عندما يريد الإنسان دخول الخلاء وهو محدث؟ A استثنى بعض العلماء مس المحدث للمصحف لإكرامه أو خوف إهانته، فقالوا: لو رأى المصحف وخشي عليه أن يحترق جاز له أن يأخذه ولو كان محدثاً، ولو رآه ساقطاً فمد يده حتى لا يسقط على الأرض إكراماً له وهو محدث جاز له ذلك، فوضعه أيسر من حمله عند قضاء الحاجة، والأصل في الشريعة أنه إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما بارتكاب أخفهما، والله تعالى أعلم.
معنى: الشك، والظن، والوهم
معنى: الشك، والظن، والوهم Q ما معنى قول العلماء: ما استوى طرفاه فشك، وما اختلفا فالراجح ظن والمرجوح وهم؟ A مراتب العلم أربعة يحفظها طلاب العلم وينبغي التركيز عليها: المرتبة الأولى: تسمى عند العلماء: اليقين. المرتبة الثانية: وهي الظن. المرتبة الثالثة: وهي الشك. المرتبة الرابعة: وهي الوهم. فهذه أربع مراتب للعلم: فمرتبة اليقين (100 %)، وهي المرتبة التي يصل فيها علمك بالشيء إلى درجة لا يدخلك فيها أي شك البتة، كأن ترى رجلاً في المسجد تعرفه باسمه ولونه ووصفه فتقول: محمد في المسجد الآن، وأنت تراه أمامك، فهذا يعتبر علم يقين لا يدخل الإنسان فيه أي شك. ومرتبة الظن: أن يكون ما بين (51 %) إلى (99 %)، والغاية داخلة في المغيا، فإذا بلغ علمك بالشيء إلى درجة أن واحداً بالمائة يحتمل الضد، فحينئذٍ يقال: غالب الظن، أو يقال: الظن، أو يقال: الراجح. مثال ذلك: عهدك بأخيك محمد أنه في البيت، ثم سألك سائل بعد ما خرجت من البيت بنصف ساعة أو بربع ساعة، وقال لك: محمد في البيت؟ وأنت تجزم بأن محمداً في البيت؛ ولكن يحتمل أنه خرج بعد خروجك، والاحتمال ضئيل، فتقول: غالب ظني أنه موجود، والمراد بذلك: غلبة العلم بوجوده مع وجود احتمال أنه غير موجود أو أنه خرج بعد خروجك، فهذه يسمونها: مرتبة الظن أو الراجح أو غالب الظن، وكله بمعنى. ومرتبة الشك هو (50 %) فيكون علمك بالشيء إثباتاً ونفياً بمرتبة واحدة سألك سائل: زيد في مكتبه؟ وأنت لا تدري أهو في مكتبه أم لا، فتقول: يمكن أن يكون موجوداً ويمكن أن لا يكون موجوداً، هذا يسمونه: الشك، أي: يحتمل أنه موجود ويحتمل أنه غير موجود. ومرتبة الوهم تبدأ من (1 %) إلى (49 %) فإذا كان غالب ظنك أنه موجود فضده النادر، وهو أنه غير موجود، فالنادر يسمى: وهماً، وغالب الظن يسمى: ظناً راجحاً. هذا معنى ما ذكره السائل من قولهم: ما استوى طرفاه شك، وما رجح أحد الطرفين فالراجح ظن والمرجوح وهم.
حكم وضوء من شرب مرق الجزور
حكم وضوء من شرب مرق الجزور Q ما حكم مرق لحم الجزور، هل ينقض الوضوء أم لا؟ A مرق لحم الجزور فيه خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم: منهم من يقول: زهومة اللحم في المرق وقوتها قوة اللحم نفسه. ومنهم من يقول: أعتبر لفظ الحديث: (أنتوضأ من لحوم الإبل؟) فما كان من اللحم نفسه نقض وما كان من مرقه لم ينقض، والأقوى أن الإنسان يتوضأ منه.
وضوء المصاب بسلس الريح
وضوء المصاب بسلس الريح Q أنا مصاب بمرض سلس الريح فهل يلزم علي أن أتوضأ عند كل صلاة؟ A هذا فيه تفصيل: إذا استمر خروج الريح مع الإنسان بحيث لا يبقى له وضوء بقدر ما يصلي، فإنه يتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، ثم يصلي ولو خرج الريح معه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك المستحاضة. أما لو كان الريح يخرج ثم يبقى ثلث ساعة أو ربع ساعة أو عشر دقائق لا يخرج، بحيث يمكنه أن يصلي، فحينئذٍ يتوضأ ثم يصلي حتى يتدارك ما قبل خروجه، ولو أدى ذلك إلى تركه للجماعة في المسجد فلا حرج عليه؛ لأن مراعاة شرط الطهارة مقدم على الواجب المنفصل من شهود الجماعة، وهذه الحالة يستثنى فيها وجوب الجماعة فيحكم بسقوطها عن الإنسان إذا كان معه سلس، بحيث يستطيع أن يصلي؛ ولكن في وقت ضيق لا يسعه معه أن يمكث في المسجد {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. والله تعالى أعلم.
الجمع بين الأحاديث الواردة في الوضوء من مس الذكر
الجمع بين الأحاديث الواردة في الوضوء من مس الذكر Q كيف الجمع بين الحديثين الصحيحين: (من مس ذكره فليتوضأ) و: (وإنما هو بضعة منك) هل الأول يكون فيمن مس ذكره بشهوة والثاني فيمن مسه بدون شهوة؟ A ما سألت عنه من تعارض حديث طلق بن علي، وحديث أبي هريرة وبسرة بنت صفوان رضي الله عنها، فأنسب الأجوبة أن حديث طلق منسوخ؛ لأنه قال: (قدمت والنبي صلى الله عليه وسلم يبني مسجده). والأمر الثاني: أنه سأل عن مس الذكر فيحمل على وجود الحائل، والحديث الآخر يحمل على المباشر، وهذا الجمع أقوى من التفريق بين المس بشهوة وبدون شهوة؛ لأنك لو جمعت بين الحديثين بالتفصيل في وجود الشهوة وفقد الشهوة أشكل عليك العموم في قوله: (من مس) ولكن حملك على مس بوصف وهو عدم وجود الحائل، ومس بدون وصف وهو وجود حائل أقوى وأبلغ، ثم وجود الشهوة وعدم وجود الشهوة في الحائل وبدون حائل فيه اعتبار، فدخل هذا الجمع تحت الجمع الذي ذكرناه، من كونه بحائل أو بدون حائل، فإن الإنسان إذا مس بحائل يضعف تأثير الشهوة، بخلاف ما إذا لو مسه بدون حائل، والله تعالى أعلم.
الفرق بين علم اليقين وعين اليقين
الفرق بين علم اليقين وعين اليقين Q ما الفرق بين علم اليقين وبين عين اليقين؟ A علم اليقين متعلق بالإدراك، وأما عين اليقين فمتعلق بالحاسة التي تُوِصِّلَ بها إلى الإدراك، قال تعالى: {ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7] أي: ترونها على وجه لا يمكن أن يدخل الإنسان فيه شك؛ لأن الكفار امتروا وكذّبوا بالآخرة، فأخبر الله جل وعلا: أن الفصل بين من صدق بالآخرة وكذب بها أن يرى الناس ذلك في عرصات يوم القيامة، حيث قال سبحانه: {ثُمَّ لَتَرَوْنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ} [التكاثر:7] فالمقصود: أن هذا متعلق بالإحساس وهذا متعلق بالإدراك وكل منهما له معناه.
حكم مس المصحف لمن به سلس
حكم مس المصحف لمن به سلس Q ما حكم مس المصحف لمن كان مصاباً بمرض السلس؟ من كان به سلس البول فإنه يجوز له أن يتوضأ في بداية دخول الوقت ثم يمس المصحف حتى ينتهي الوقت، ويتوضأ من جديد، ولا حرج عليه أن يمس المصحف ولو خرج منه الخارج؛ لأنه معذور في انتقاضه، والله تعالى أعلم.
حكم الوضوء من مس الخصية
حكم الوضوء من مس الخصية Q هل مس الخصية ينقض الوضوء؟ A هذه المسألة للعلماء فيها قولان: فجماهير السلف والخلف على أن مس الأنثيين لا يوجب انتقاض الوضوء. وذهب عروة بن الزبير -رحمه الله- إلى القول بأن مس الأنثيين يوجب انتقاض الوضوء. والصحيح أن مسهما لا يوجب انتقاض الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص الحكم بالذكر دون الأنثيين. وأما قوله من: (من مس ذكره أو أنثييه أو رفغيه) فهي زيادة مدرجة من قول عروة لأنها مذهبه، والله تعالى أعلم.
حكم الوضوء من غسل الميت
حكم الوضوء من غسل الميت Q هل من الممكن إعادة القول في غسل الميت هل ينقض الوضوء أم لا؟ A للعلماء -رحمهم الله تعالى- في غسل الميت قولان: منهم من يرى أنه ينقض. ومنهم من لا يرى انتقاض الوضوء به. فالذين قالوا بعدم انتقاض الوضوء قالوا: إن الأصل طهارة الغاسل حتى يدل الدليل على الانتقاض، وليس ثَمَّ دليل صحيح يدل عليه، ولذلك نبقى على هذا الأصل ونستصحب حكم الطهارة، وهو أولى القولين بالصواب، وقد تكلم الإمام الدارقطني -رحمه الله- في كتابه العلل على علة حديث الأمر بالغسل والوضوء من غسل الميت وحمله، والله تعالى أعلم.
معنى: (مذهب راجح) و (مذهب مرجوح)
معنى: (مذهب راجح) و (مذهب مرجوح) Q قولكم: هذا مذهب راجح وهذا مذهب مرجوح، ما معنى ذلك؟ A إذا قوي دليل أحد القولين فإنه يحكم برجحانه؛ لوجود القوة إما سنداً أو متناً، فإن قويت دلالة النص فالرجحان من جهة المتن، وإن قوي سنده فالرجحان من جهة الثبوت، فإذا قوي الاثنان ثبوتاً ودلالة فحينئذٍ لا إشكال، فإذا قيل: إنه الراجح، فالمراد: أنه أقوى القولين دليلاً، إما من جهة الثبوت وإما من جهة الدلالة، وإما من جهتهما، والله تعالى أعلم.
مسافة القصر بين جدة ومكة والمشاعر وما يترتب عليها من أحكام
مسافة القصر بين جدة ومكة والمشاعر وما يترتب عليها من أحكام Q هل المسافة من جدة إلى مكة مسافة قصر؟ وإذا كانت ليست مسافة قصر فهل من أحرم بالعمرة في أشهر الحج وهو من أهل جدة متمتع؟ وهل يصح له القصر في مكة ومنى وعرفة ومزدلفة؟ A أما بالنسبة للمسافة بين جدة ومكة فقد كانت في القديم تبلغ مسيرة اليوم والليلة، ولذلك لما سئل ابن عباس عن قصر الصلاة للجموم قال رضي الله عنه: (لا، وإنما إلى جدة وعسفان)، فأثبت القصر في هذين الموضعين، ولكن عندما اتصل العمران -كما هو الحال الآن- قصرت المسافة عن حد السفر، ولا تبلغ الحد المعتبر للحكم بالقصر، ولذلك إذا قصد من جدة إلى مكة فإنه لا يأخذ حكم المسافر؛ ولكن إذا نوى الحج من جدة فإنه يحكم بكونه مسافراً؛ لأنه قاصد إلى المشاعر، والمشاعر تتمِّم النقص في المسافة، فيقصر الصلاة ويأخذ حكم المسافر؛ لأن عرفات تبعد عن البيت بأكثر من (8 كم)، وهذا يجبر النقص الموجود في المسافة التي بين جدة ومكة، وبناءً على ذلك تبلغ المسافة غاية السفر، فغايته إذا حج من جدة إلى عرفات، فيحكم بكونه مسافراً، فيقصر الصلاة إذا قصد الحج، وأما إسقاط الدم عن أهل جدة إذا رجعوا فإنه مبني على الاجتهاد، والأقوى أنهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام؛ وإنما هم في حكم الخارج عن الحرم وآخذون حكم الآفاقيين، ويجب عليهم دم إن تمتعوا؛ لأنهم ليسوا في حكم حاضري المسجد الحرام، والله تعالى أعلم.
علة القصر في المشاعر
علة القصر في المشاعر Q هل القصر من أجل السفر أم من أجل النسك؟ A القصر من أجل السفر، وأما أهل مكة فأصح الأقوال أنهم لا يقصرون؛ وذلك أن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن القصر لا يقتضي الحكم بكونهم مسافرين، فقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم بالقصر، وإذا ثبت هذا فإنه يجاب عن سكوته بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أهل مكة بقوله: (أتموا الصلاة فإنا قوم سفر) وسكت في المشاعر عن أمرهم بالإتمام؛ لسبق التنبيه لهم على ذلك. وقال بعض العلماء: بل القصر من أجل النسك، وأنه يشرع لهم أن يقصروا من أجل النسك، ولذلك يَجْمَعون؛ وعلى هذا القول فلا إشكال إذا خرج المكي أن يقصر ولا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
باب الغسل [1]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل [1] حرص الشرع على طهارة الإنسان ونقائه، وأمره بالتخلي عن الأقذار والتطهر من الأحداث، إلا أن بعض الأحداث يكون تأثيرها كبيراً على البدن، فلهذا أمر الشرع بالاغتسال منها؛ كالجنابة والحيض والنفاس، ولم يكتفِ فيها بمجرد الوضوء.
تعريف الغسل وحكمه
تعريف الغسل وحكمه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الغسل]: الغسل في اللغة: هو صبّ الماء على الشيء، واختلف العلماء -رحمهم الله- هل من شرط الغسل أن تمر يدك على الشيء، أم ليس من شرطه؟ فقال بعض أئمة اللغة: كل من صب الماء على الشيء وأصاب ذلك الشيء فقد صدق عليه أنه قد غسله. وقال بعضهم: لا بد من إمرار اليد على الشيء المغسول. وأصح الأقوال: أن الغسل لا يشترط فيه أن تمر يدك على المغسول، وأن الشيء إذا صببت عليه الماء فقد غسلته. والمراد بالغسل في الشرع: تعميم البدن بالماء مع نية مخصوصة، وهي: قصد القربة لله جل وعلا، فخرج من عمَّم بدنه بالماء بقصد النظافة أو السباحة والاستحمام، فإنه لا يعتبر غسلاً شرعياً. والغسل عبادة شرعية، شرعها الله جل وعلا وأوجبها على الجنب والحائض والنفساء ومن في حكمهم ممن هو مأمور بالغسل، والعلماء -رحمهم الله- من عادتهم أنهم يذكرون باب الغسل في كتاب الطهارة؛ والسبب في ذلك: أن الغسل طهارة كبرى، فبعد أن بين -رحمه الله- الوضوء -وهو الطهارة الصغرى- شرع في بيان أحكام الطهارة الكبرى وهي الغسل. وقد يسأل سائل ويقول: أليس الغسل طهارة كبرى، والوضوء طهارة صغرى؟ فنقول: نعم، فيقول: إذا كان الغسل طهارة كبرى والوضوء طهارة صغرى فقد كان الأنسب أن يبدأ بالكبرى قبل الصغرى؛ لأن الصغرى قد تندرج تحت الكبرى. وأُجيب عن ذلك بأن الوضوء أكثر من الغسل، بمعنى: أنك تتوضأ في اليوم أكثر من مرّة والغسل لا يقع إلا عند موجبه من جنابة أو غيرها. وقد يجلس الأعزب سنة كاملة لا يجنب ولا يغتسل إلا مرة واحدة، فلما كان الوضوء أكثر وقوعاً، أو كما يقول العلماء: أعم بلوى، ابتدأ العلماء رحمهم الله بالوضوء ثم ثنّوا بالغسل، هذا من جهة النظر. وبعبارة مختصرة نقول: قُدم الوضوء لعموم البلوى به وشدة الحاجة إليه، وأُخّر الغسل لندرة وقوعه أو قلة وقوعه بالنسبة للوضوء. الأمر الثاني: أن الفقهاء والمحدثين -رحمة الله عليهم- يقدمون الوضوء على الغسل مراعاة لترتيب القرآن، فإن الله عز وجل في آية المائدة بيّن حكم الوضوء ثم أتبعه بالغسل. أما مناسبة الغسل للطهارة: فلأنه نوع من أنواعها، فمن المناسب أن يذكر ما يتعلق به من أحكام.
موجبات الغسل
موجبات الغسل
الغسل من خروج المني
الغسل من خروج المني قال رحمه الله: [وموجبه: خروج المني دفقاً بلذة]. (وموجبه) الموجب هو: المتسبب، أي: أن هذا الغسل يوجبه أو يتسبب في لزومه على المكلف خروج المني دفقاً بلذة، أي: إذا خرج المني من الإنسان دفقاً وبلذة لزمه الغسل. أما الخروج: فهو ضد الدخول كما هو معلوم، ومراد العلماء بخروج المني أن يجاوز رأس الإحليل وهو المجرى من العضو، فإذا بلغ المني ذلك الموضع -بمعنى: أنه قذفه العضو- فقد وجب الغسل، فهذا المراد بالخروج، ولما قال المصنف: (خروج) فهمنا من ذلك: أنه لو لم يخرج وإنما حصل الانتقال، بأن شعر به قد خرج من صلبه ولكن لم يقذف، فهل يجب عليه الغسل؟ A لا، لأن الغسل مرتبط بالمجاوزة، ففائدة تعبير الفقهاء بكلمة: (خروج)، أنك لو سئلت عن رجل حصل منه تحرك الشهوة ونزع المني من الصلب أثناء الصلاة فأمسك العضو حتى سلّم فصلاته صحيحة ولا يحكم عليه بوجوب الغسل إلا بعد تحقق الخروج، فإذاً: الوصف بالخروج معتبر، ومفهومه: أنه إذا لم يخرج لم يجب الغسل، وقد دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- (من) سببية، أي: بسبب الماء، وهو خروج المني، فإذا خرج المني وجب الغسل، فإذا لم يحصل الخروج لم يحصل الماء، ولذلك لا يجب الغسل. قال رحمه الله: (خروج المني) المني: هو الماء الأبيض الثخين بالنسبة للرجل، والأصفر الرقيق بالنسبة للمرأة، ورائحته كطلع النخل، يخرج دفقاً عند وجود الشهوة أو اللذة الكبرى.
حكم الغسل من المني الخارج بغير تدفق
حكم الغسل من المني الخارج بغير تدفق (دفقاً) والدفق: وصف معتبر اشترطه الفقهاء -رحمهم الله- لقوله تعالى: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6] فوصف الله جل وعلا مني الإنسان بكونه دافقاً، ولذلك قالوا: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل. وهنا مسألة: لو أن إنساناً خرج منه المني على قطرات دون أن يخرج دفقاً، فهل يجب عليه الغسل؟ قولان للعلماء: القول الأول: إذا خرج المني دفقاً وجب الغسل، وإن خرج بدون دفق فلا غسل عليه؛ لأن الله وصف المني بكونه دافقاً، فإن خرج على هيئة قطرات فهو مرض واعتلال في الصّحة لا يوجب الغسل، ولذلك لا يجب من مثله غسل. القول الثاني: إنه يجب الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء). وأصح القولين -والعلم عند الله-: أنه إن خرج المني على قطرات مع الشهوة وقصدها أوجب الغسل؛ لوجود المعنى الموجب، وإن خرج قطرات على سبيل المرض أو الاعتلال لم يوجب الغسل؛ لأن العلة التي ذكروها من كونه خارجاً عن وصف القرآن بسبب المرض لا تتحقق إلا في آحاد الصور، وإذا كانت العلة لا تتحقق إلا في آحاد الصور فيجب تخصيصها بما ذكر، ولذلك نقول: الأصل في خروج المني أنه يوجب الغسل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) فإن حصل للإنسان مرض وخرج منه قطرات، أو أصاب العضو مرض وأخرج منيه على هيئة قطرات دون قصد الشهوة ولم يكن ذلك بها فإنه لا يوجب الغسل، وهذا هو أعدل الأقوال في هذه المسألة إن شاء الله تعالى. المسألة الثانية: تجد عند بعض المرضى -كمن استؤصلت منه البروستات أو ما يجري في مسألة غدة المسالك- يخرج المني مع البول، وقد يخرج بكثرة وهو دافق، فهل نعطيه الحكم؟ فنقول: مثله لا يوجب الغسل؛ لأنه ليس في حكم الغالب المعتاد، وهو نادر، ويحصل بسبب اعتلال الصّحة؛ فيأخذ حكم المرض، وبالنظر للأصول العامة في الشريعة: فإننا لو أوجبنا الغسل على مثل هذا لكان فيه حرج ومشقة، والشريعة لا حرج فيها ولا مشقة، وهذا حاصل ما ذكر في قولهم: خروج المني دفقاً. (بلذّة) اللذّة: وصف معتبر، قالوا: إنه يخرج دفقاً مصحوباً باللذّة، وهي اللذّة الكبرى، وخرج بقولهم: اللذة الكبرى، ما يخرج باللذّة الصغرى وهو الذي يسمى: المذي، وهو قطرات يسيرة لزجة تخرج عند بداية الشهوة، فمثل هذه القطرات لا تأخذ حكم المني، والمني يختص باللذّة الكبرى والشهوة الكبرى، وهذا هو الموجب الأول. يقول المصنف رحمه الله: (خروج المني دفقاً بلذّة) أي: إذا خرج المني من المكلّف بهذه الصورة الجامعة للوصفين: دفقاً وبلذّة، وجب الغسل. والدليل على ما سبق: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فدل على وجوب الغسل من خروج المني بالصفة التي ذكرناها، وظاهر قول المصنف: (خروج المني) العموم، أي: سواء خرج المني في يقظة أو خرج في منام، فإن خرج في اليقظة فيستوي فيه أن يكون بجماع أو بغير جماع، وإن خرج في المنام فيستوي فيه أن يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر الاحتلام. أما الدليل على وجوب الغسل بمجرد خروج المني في يقظة أو منام على هذا الإطلاق فحديث صحيح مسلم، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الماء من الماء) فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن وجوب الغسل من الجنابة مبني على وجود الماء وهو المني، فكلما وجدنا الماء -وهو المني- حكمنا بوجوب الغسل، وعلى هذا لو أن إنساناً نام ثم استيقظ فوجد أثر المني في ثوبه، فهل يجب عليه الغسل حتى وإن لم يتذكر الاحتلام؟ A نعم؛ لظاهر الحديث، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب الغسل دون نظر إلى كونه ذاكراً أو غير ذاكر، وبناءً على ذلك فالعبرة بوجود المني سواءً شعر بكونه احتلم أو لم يشعر.
الشك في البلل الموجود على الثوب
الشك في البلل الموجود على الثوب الأمر الأخير الذي نريد أن ننبه عليه: لو شك الإنسان في ماءٍ فاستيقظ من نومه فوجد بللاً في ثوبه ثم لم يدر هل هو مني فيغتسل، أو مذي حكمه حكم البول؟ نقول: يميز هذا الماء، فإن وجد علامة المني وهي رائحة المني التي هي كطلع النخل، أو وصف المني بيبسه إذا كان طال عهده بالمنام، كأن ينام بعد صلاة الفجر ثم يستيقظ بعد شروق الشمس ويسهو عن نفسه، ثم لما أراد أن يصلي الظهر وجد الماء في ثيابه يابساً، فحينئذٍ يعمل بالأوصاف من ثخن المني ورقة المذي، فإن وجد ثخن المني أو رائحته -لأنه إذا طال وقته كانت رائحته كرائحة البيض، وإن كان طرياً تكون رائحته كطلع النخل، وطلع النخل هو الوبار الذي تُؤبَّر به النخل- فإذا وجده بصفة المني حكم بكونه منياً واغتسل، وإن لم يجد الصفة أو وجد قطرات يسيرة فمثلها ليس بمني؛ لأن المني كثير، وحينئذٍ يبني على أنها مذي وهو الذي يكون عند بداية الشهوة، فإن وجد علامة المني أو علامة المذي حكم بما وجد من علامة، وإن لم يستطع التمييز رجع إلى اليقين من كونه مذياً حتى يستيقن أنه مني فيجب عليه الغسل. فنقول لمن شك في هذا الماء الموجود في الثوب هل هو مني فيغتسل، أو مذي فيغسله ويتوضأ؟ نقول: هو مذي حتى تستيقن أنه مني، ولا يجب عليك الغسل بالشك. قال رحمه الله: [لا بدونهما من غير نائم]. (لا بدونهما): لا: نافية، أي: لا يجب الغسل بمني خرج بدون دفق أو بدون لذة أو بدونهما، وقيل بالترابط بين الدفق واللذة لأنه لا توجد اللذة إلا مع الدفق، وبناءً على ذلك قلنا: هذان الوصفان إذا لم يوجدا لم يحكم بوجوب الغسل من المني.
حكم الغسل من خروج المني من النائم
حكم الغسل من خروج المني من النائم قال رحمه الله: [من غير نائم]. (من غير نائم) وهو المستيقظ، فلو أن إنساناً كان مستيقظاً وخرج منه المني بدون دفق ولا لذة، فما الحكم؟ نقول: لا يجب عليه؛ لظاهر القرآن على التفصيل الذي بيناه، لكن لو كان نائماً فلم يشعر بلذة ولا بتدفق فما الحكم؟ قالوا: يجب عليه الغسل؛ لعموم قوله: (إنما الماء من الماء) والسبب في استثناء النائم أن النائم لا شعور عنده ولذلك لا يشعر باللذة، والنائم قد يحتلم ويستيقظ ولا يذكر أثر الاحتلام من وجود الشعور باللذة، وبناءً على ذلك أسقطت اللذة في حكمه وأُعمل عموم النص في قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الماء من الماء) ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام: (عن المرأة ترى ما يرى الرجل، فهل عليها من غسل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، إذا رأت الماء، إنما هن شقائق الرجال).
حكم الغسل من انتقال المني دون خروجه
حكم الغسل من انتقال المني دون خروجه قال رحمه الله: [وإن انتقل ولم يخرج اغتسل له]. هذا هو الوجه الثاني الذي أشرنا إليه، فقد قال بعض العلماء: إذا شعر بانتقاله دون أن يقذفه فإن العبرة بالانتقال لا بالخروج. قال رحمه الله: [فإن خرج بعده لم يعده]. وهذا على صورتين: الصورة الأولى: التي ذكرناها، والصورة الثانية: أن يخرج المني من جماع أو من احتلام ثم تبقى قطرات فيغتسل الرجل، وبعد أن يغتسل إذا بهذه القطرات أو فضلة المني قد نزلت ولو دفقاً، فهل العبرة بالسابق الذي هو الأصل أم العبرة باللاحق؟ إن قلت: العبرة بالسابق، فإن هذا اللاحق لا يؤثر في إيجاب الغسل، ولذلك قال: التابع تابع، فيعتبر تابعاً لما قبله، وإن قلنا: إن العبرة باللاحق؛ فحينئذٍ يجب عليه أن يعيد غسله؛ لأن الحكم مترتب على اللاحق لا على السابق، والصحيح: أن العبرة بالسابق، وأنه إذا اغتسل للأول فلا يجب عليه إعادة الغسل لفضلة المني الباقية التي خرجت بعد غسله، وهو اختيار طائفة، وهو مذهب الحنابلة والمالكية ومن وافقهم.
الغسل من إيلاج الفرج في فرج
الغسل من إيلاج الفرج في فرج قال رحمه الله: [وتغييب حشفة أصلية في فرج أصلي قبلاً كان أو دبراً]. السبب الثاني الذي يجب به على المكلف أن يغتسل: تغييب حشفة أصلية، والتغييب: هو المواراة، تقول: غَيَّبَ الشيء في التراب إذا واراه فيه، والغائب هو: المتواري عن الأنظار، وتغييب الحشفة: الحشفة هي رأس الذكر، والمراد بالتغييب: أن يحصل الإيلاج، فبعض العلماء يقول: إيلاج، وبعضهم يقول: تغييب، والمعنى واحد، فلما قال: (تغييب الحشفة) فهمنا من ذلك: أنه لو ألزق رأس العضو برأس العضو فلا يجب الغسل، سواء كان من قبل أو دبر فإنه لا يترتب عليه الحكم الشرعي المترتب على الإيلاج، وهذا يكاد يكون بالإجماع. فالتغييب شرط معتبر، ولذلك أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا ألزق الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل) فكنى صلوات ربي وسلامه عليه عن الإيلاج بقوله: (إذا ألزق) فإن هذا لا يحصل إلا بإيلاج رأس العضو، قالوا: لا يحصل ذلك إلا إذا وقع الإيلاج، وبناءً على ذلك فشرط هذا الموجب الثاني أن يحصل تغييب لرأس العضو أو قدر رأس العضو من مقطوع رأس العضو، فلو سئلت عن حكم مواراة رأس عضو مقطوع، فتقول: بتغييب قدر رأس العضو أي: حشفته. (تغييب الحشفة في فرج أصلي) في الفرج: يشمل ذلك الأنثى والذكر، والحي والميت، والحيوان والإنسان، فإذا حصل إيلاج على هذه الصورة في فرج آدمي ذكراً كان أو أنثى، أو كان من بهيمة، أو كان من حي أو ميت وجب الغسل، وهذا فيه أصل وفيه مقيس على الأصل: أما الأصل في إيجاب الغسل بالإيلاج فهو الجماع، وهذا بنصوص الأحاديث كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: (إذا ألزق الختان الختان ... ) وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مس الختان الختان ... )، وقوله: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل) فهذه النصوص الصحيحة تدل على أن العبرة بإيلاج رأس العضو، وهذا منصوص جماهير السلف والخلف من أهل العلم رحمة الله عليهم. أما بالنسبة للملحق بهذا الأصل ففرج الدبر سواء كان من امرأة أو من رجل أو كان من بهيمة -وهو محرم وطؤه- فإن كل ذلك يعتبر آخذاً حكم ما ذكرناه بالقياس؛ لأن الشرع ينبه بالنظير على نظيره، وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وخالف بعض أهل العلم فقال: لا يجب إلا إذا حصل الإيلاج في عضو الأنثى بالجماع، وأما غيرها فلا يجب فيه غسل، ولكن الصحيح ما ذكرناه. (تغييب حشفة في فرج أصلي) هذا التغييب ظاهره سواء كان في يقظة أو منام، فإن التكليف بوجوب الغسل مبني على الحكم الوضعي لا الحكم التكليفي، بمعنى: أنه متى ما حصل الإيلاج فالحكم بوجوب الغسل حاصل بغض النظر عن كونه في يقظة أو منام. (تغييب حشفة في فرج أصلي) خرج من هذا الفرج الغير الأصلي، ومثل له العلماء بالخنثى المشكل، فقال بعض العلماء -رحمهم الله- وهو يكاد يكون مذهب الجمهور: إنه إذا جامع الخنثى وكان مشكلاً فإنه لا يحكم بوجوب الغسل عليه، وهي مسألة فيها خلاف، وأنا متوقف فيها، فبعض العلماء يرى أن العبرة بالفرج الأصلي؛ قالوا: لأن الخنثى إذا لم يتبين أهو ذكر أم أنثى فإننا نعمل بقاعدة: (اليقين لا يزال بالشك)، فاليقين أن المجامع يعتبر طاهراً، وشككنا في هذا الفرج: هل الخنثى رجل فيكون بمثابة وطء فرج غير أصلي فحينئذٍ لا يجب الغسل، أو هو أنثى فيكون جماعاً صحيحاً موجباً للغسل؟ فرجعنا إلى اليقين، هذا وجه إسقاط الغسل، يقولون: إن المجامع الأصل فيه الطهارة وشككنا في هذا الجماع: أيوجب الغسل أو لا يوجبه؟ والأصل براءة الذمة، فلا يجب غسل بجماع خنثى مشكل، هذا بالنسبة لكلام العلماء رحمة الله عليهم. قال رحمه الله: [قبلاً أو دبراً]. (قبلاً أو دبراً) هذا للتنويع، سواء وقع في قبل أو دبر، يخرج من هذا الفرج غير الأصلي كما ذكرنا في الخنثى المشكل، أو يكون مصنّعاً، فكل ذلك لا يوجب الغسل. قال بعض العلماء: الإيلاج يوجب الغسل للمولج فيه، سواء كان المولَج عضواً أو غيره، وهو أحد الأوجه في مذهب الشافعية وغيرهم، ومنها: ومسألة المناظير الطبية الموجودة التي تولج من الدبر، فإذا احتاج المريض لكشف مرض جراحي أو للتأكد من وجود قرحة أو القسطرة التي تكون -مثلاً- في الإحليل، فقال بعض العلماء: إيلاج أي شيء في الفرج سواءً كان مخلوقاً حياً أو كان غير حيّ كالآلات الحديديّة الموجودة الآن من مناظير ونحوها يوجب الغسل، فيتفرّع على هذا لو سأل سائل عن إدخال المناظير أيوجب الغسل أم لا؟ فحينئذٍ نقول على هذا القول: يجب عليه أن يغتسل، والصحيح: أنه لا يجب الغسل بإيلاج غير الأعضاء المعتبرة. قال رحمه الله: [ولو من بهيمة أو ميت]. أي: لو وقع الإيلاج في بهيمة أو ميت.
حكم الغسل لمن جامع زوجته ولم ينزل
حكم الغسل لمن جامع زوجته ولم ينزل وبالنسبة للإيلاج ففيه مسألتان: المسألة الأولى: كان بعض السلف يقول: إذا جامع الرجل ولم يُنزل لا يجب الغسل، أي: أنهم لا يرون أن مجرد الإيلاج يوجب الغسل، وذهب الجماهير من الصحابة رضوان الله عليهم إلى أنه يجب الغسل، سواء حصل الإنزال في الجماع أو لم يحصل، إنما هذا كان في أول التشريع في الإسلام، أن الرجل إذا جامع ولم ينزل فلا يجب عليه الغسل، وفيه أحاديث صحيحة، منها: ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) أي: إنما الماء -وهو الغسل- بسبب الماء -وهو المني-، فإذا جامع أهله ولم ينزل فلا غسل عليه، هذا مفهوم الحديث. ومما دل عليه أيضاً: ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم زار رجلاً من الأنصار، فقرع عليه الباب فخرج الرجل مسرعاً كأنه كان مع أهله، فقال عليه الصلاة والسلام: لعلنا أعجلناك، إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) (أعجلت) بمعنى: أن الإنسان نزع قبل أن ينزل في الجماع، (أو أقحطت) أي: لم يحصل إنزال أثناء الجماع (فلا غسل عليك)، فظاهر هذا النص أن العبرة بحصول المني. وجاء في الحديث الثالث أيضاً ما يؤكد هذا في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا فضخت الماء فاغتسل) فكانت هذه رخصة في أول الإسلام، أنه لا يجب الغسل بمجرد الجماع، ثم جاء الأمر من الله عز وجل بإيجاب الغسل بالجماع في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل) وفي رواية: (أنزل أو لم ينزل). وعندما اختلف الصحابة في عهد عمر رضي الله عنه كان بعض الصحابة يحفظ الفتوى الأولى ويحفظ التشريع الأول، وكان بعضهم يحفظ النسخ، فاختلفوا واختصموا إلى عمر رضي الله عنه، فبعث عمر رضي الله عنه إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها فأخبرته بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من ورع الصحابة وكمال عقلهم وفضلهم أنهم كانوا ينزلون العلم بأهله. فانظر إلى عمر رضي الله عنه الخليفة الراشد والإمام العدل رضي الله عنه وأرضاه، لما أعْيَته المسألة ما حكم وبتّ الأمر واختار أحد القولين وحسم، بل رجع إلى أم المؤمنين، ولما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن نافلته عليه الصلاة والسلام في السفر قالت: (سل عبد الله بن عمر فإنه أعلم بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره مني) فهذا هو شأن أهل الفضل، والمنبغي بين طلاب العلم وأهله، أنك إذا علمت أن هناك من هو أعلم منك في فن أو علم فعليك أن تحيل إليه المسألة، فلما اختلفوا في هذه المسألة رجعوا إلى أمهات المؤمنين، وقد كانوا إذا خفي عليهم شيء من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور البيت والنساء وأحكامها رجعوا إلى أمهات المؤمنين رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، فأخبرته أم المؤمنين بالحديث فقال عمر رضي الله عنه: (من خالف بعد اليوم جعلته نكالاً للعالمين) أي: عزرته، أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم نسخ الحكم الذي كان في أول الإسلام بالتخفيف، فوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل الإنزال. وجاء أبو سلمة رضي الله عنه -الإمام المشهور تلميذ ابن عباس - إلى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها -وحصل تشكيك في هذه المسألة في عهد التابعين- وذكر القول الذي يقول بإسقاط الغسل عن من جامع ولم ينزل، فسأل أم المؤمنين فقالت: (يا أبا سلمة! إنما مثلك مثل الفُرُّوج سمع الديكة تصيح فصاح بصياحها) أي: ما أنت إلا تبع للناس، وينبغي أن يؤخذ العلم عن أهله، ثم ذكرت له الحديث، فهذا يدل على شدة أم المؤمنين رضي الله عنها في المسألة، وأن الأمر منسوخ ومنتهٍ، ولذلك يقول بعض العلماء: حصل الإجماع بعد الصحابة على أن مجرد الجماع يوجب الغسل سواء حصل الإنزال أو لم يحصل.
حكم الغسل من الإيلاج بحائل
حكم الغسل من الإيلاج بحائل المسألة الثانية: ذكرنا أن الإيلاج يوجب الغسل، فالإيلاج يأتي على صورتين: الصورة الأولى: أن يكون بدون حائل، وهذا بالإجماع معتبر بالأوصاف التي ذكرناها. الصورة الثانية: أن يكون بحائل، فلو حصل الإيلاج بالحائل فهل يجب الغسل، أو لا يجب؟ فللعلماء ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال بعض العلماء: لا يجب الغسل إذا وجد الحائل. الوجه الثاني: وقال بعضهم: يجب الغسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد. الوجه الثالث: وقال بعضهم: إن كان الحائل رقيقاً وجب الغسل، وإن كان ثخيناً لم يجب الغسل. والأقوى: أن الحائل لا يجب معه الغسل، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مس الختانُ الختانَ) فعبّر بالمس، ولا يكون المس مع وجود الحائل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (من مس ذكره فليتوضأ) وقد قالوا: إنه لا بد أن يكون بإفضاء دون وجود حائل، فأصح الأوجه -والعلم عند الله-: أن وجود الحائل لا يجب الغسل معه، لكن الاحتياط والأورع أن يغتسل سواء وجد الحائل أو لم يوجد.
الغسل عند الدخول في الإسلام
الغسل عند الدخول في الإسلام قال رحمه الله: [وإسلام كافر]. أي: إذا أسلم الكافر وجب عليه الغسل، وفيه حديث قيس -واختلف في إسناده وحسنه بعض العلماء، وقال به بعض أئمة السلف- حيث قال عليه الصلاة والسلام: (ألق عنك شعر الكفر واغتسل) وقالوا: إن الكافر يجب عليه الغسل، وللعلماء أوجه في هذه المسألة: فقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر مطلقاً. وقال بعضهم: يجب الغسل على الكافر إن كانت منه جنابة في حال كفره، ولا يجب إذا لم تكن منه جنابة. وقال بعضهم: لا يجب الغسل على الكافر مطلقاً، وهذا مذهب الجمهور، أما القول الثاني فهو مذهب الحنفية، والقول الأول هو قول الحنابلة وطائفة من أهل الحديث، والحقيقة أن مدار هذه المسألة يتوقف على صحة الحديث.
وجوب غسل الميت
وجوب غسل الميت قال رحمه الله: [وموت وحيض ونفاس]. (وموت) أي: إذا حصل الموت وجب غسل الميت، لكنه متعلق بالمكلفين، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما وقف بعرفة وأُخبر بخبر الرجل الذي وقصته دابته، قال عليه الصلاة والسلام: اغسلوه بماء وسدر وكفّنوه في ثوبيه، ولا تحنّطوه ولا تخمروا وجهه ولا تغطّوا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ومحل الشاهد قوله: (اغسلوه) فوجّه الخطاب للمكلفين؛ فدل على وجوب غسل الميت، ولكن هذا متعلق بالمكلفين. الدليل الثاني: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لما توفيت ابنته زينب رضي الله عنها وأرضاها، قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلنها بماء وسدر) فهذا يدل على وجوبه أيضاً على الأنثى، فالأول للذكر، والثاني للأنثى، وبناءً على ذلك يجب غسل الميت من المسلمين ذكراً كان أو أنثى. وهنا مسائل: لو أن الميت مات وليس هناك ماء؟ قالوا: يسقط الغسل، واختار بعض العلماء أن يُيمم. والمسألة الثانية: لو حكمنا بوجوب غسل الميت، فهل هذا الوجوب مطلق أم مقيد؟ نقول: هو مقيد بالحالات الاستثنائية، فلو أن الميت كان محروقاً أو به مرض الجدري -والعياذ بالله- فكان غسله فيه ضرر على الميت كالمحروق، أو فيه ضرر على مغسله كالمريض بالجدري، فحينئذ إذا وجد ضرر يتعلق بالميت أو يتعلق بالحي سقط تغسيله، فلا يجب تغسيله، مثله الذي به جراحات كبيرة، كما يقع في بعض الحوادث -أعاذنا الله وإياكم- فترى الجسد مجروحاً أو مخدوشاً خدشاً شبه كلي، فمثل هذا لو غسل حصل له من الضرر ما الله به عليم، والتغسيل تكريم له، ولكنه على هذا الوجه يكون أذّيةً وإضراراً به، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم) فلا ينبغي أن يتسبب في إتلاف أجزاء الميت والإضرار به، ولذلك قالوا: حتى لو قص من شعره فإنه يوضع في كفنه حفاظاً على كمال جثته التي توفي بها، فبناءً على ذلك: لو كان الميت محروقاً أو به أمور تمنع من تغسيله جاز تكفينه دون أن يغسل وسقط هذا الحكم بتغسيله.
الغسل من الحيض والنفاس
الغسل من الحيض والنفاس قال رحمه الله: [وحيض ونفاس]. أي: أن الحيض والنفاس يوجبان الغسل، أما الحيض فبالإجماع، والأصل فيه حديث الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها -في المرأة المستحاضة- فإذا هي خَلّفت ذلك -يعني: أيام العادة- فلتغتسل ثم لتصلي) فقوله عليه الصلاة والسلام: (لتغتسل) أمر، فدل على أن الحيض يوجب الغسل، والله عبّر عن ذلك في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} [البقرة:222] فقال: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] فنسب الطهر إليهن، ووصفهن بكونهن طاهرات أي: بعد انقطاع (فإذا تطهرن) فنسب التطهر إليهن، أي: فعلن الاغتسال، فالأصل في الحائض أنها تغتسل، ويجب عليها الاغتسال عند انقطاع دمها. (ونفاس) وكذلك النفاس، وهذا كله بالإجماع، ويكون النفاس بأن يجري معها الدم ثم ينقطع سواء طال أمده أو قل.
حكم الولادة من غير دم
حكم الولادة من غير دم قال رحمه الله: [لا ولادة عارية عن دم]. أي: لو أنها وضعت جنينها دون دم لم يجب عليها الغسل؛ لأن العبرة بالدم، وقد يقول لك قائل: العبرة بخروج الولد، فنقول: لو كانت العبرة بخروج الولد لكان الغسل يجب بمجرد الولادة، لكن كون المرأة النفساء تنتظر حتى ينتهي وينقطع الدم ثم تغتسل بعد انقطاع الدم دلّ على أن حكم وجوب الاغتسال معلق بوجود الدم، والأصل أن الحكم يدور مع موجبه، وما دام أن الدم موجب للغسل، فلا يجب الغسل إذا لم يكن هناك دم، وهي ولدت بدون دم، وهذا موجود الآن، فإذا ولدت امرأة بعملية قيصرية، وأُخرج الجنين منها ولم يجر معها دم لم يجب عليها الغسل.
ما يحرم على من يلزمه الغسل
ما يحرم على من يلزمه الغسل قال رحمه الله: [ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة القرآن]. الشيخ: (ومن لزمه الغسل) أي: من كانت عليه جنابة أو حيض أو نفاس حرم عليه قراءة القرآن، وفيه حديث علي رضي الله عنه وحديث عائشة رضي الله عنها: (أما الجنب فلا ولا آية)، وقوله: (كان لا يمنعه من القرآن إلا الجنابة) والحديثان مختلف في ثبوتهما، ومن أهل العلم من حسن الحديثين، لكن ثبت في الحديث الصحيح عند النسائي وغيره: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر عليه الرجل وكان قد قضى حاجته أو بوله فسلّم عليه، تيمم على الجدار، وقال: إني كنت على غير طهارة فكرهت أن أذكر الله عز وجل) فدل هذا الحديث على أن الأصل في الذكر أن يكون على طهارة، ولذلك ينبغي صيانة القرآن عن تلاوة الجنب، وهذه من الأمور التي يفرق فيها بين القرآن وبين الحديث القدسي كما قال بعض الفضلاء بقوله: ومنعه تلاوة الجنب في كل حرفٍ منه عشراً أوجبِ أي: أن القرآن يمنع الجنب من تلاوة القرآن الذي في كل حرف منه عشر حسنات، بخلاف الحديث القدسي. قال رحمه الله: [ويعبر المسجد لحاجة ولا يلبث فيه بغير وضوء]. (ويعبر المسجد لحاجة)؛ لقوله تعالى: {وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43] وقوله: (إلا عابري سبيل) فيه تقدير وهو: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وهذا أحد الأقوال. وقال بعض العلماء: إن قوله: {إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء:43] راجع إلى التيمم في السفر، وبناءً على هذا الاستثناء قالوا: يجوز للجنب أن يمر بالمسجد، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، ولكن ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ المساجد طرقات، ولذلك لا يعبر المسجد ولا يتخذ طريقاً. وأقول بهذا القول لظاهر السنة بالمنع، فلعل هذا كان في أول الإسلام، وهناك آثار عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يعبرون من المساجد، ولكن يحمل الحديث على أنه متأخر، والأصل: (أنه إذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر على المبيح)، ولا شك أن النفس تميل إلى أن النهي متأخر؛ لأن الأشبه في مثل هذا -كما هو معلوم في مسالك الأصوليين-: أن الحظر فيه متأخر عن الإباحة، فيقوى القول بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد طرقات حتى للطاهر، ولو كانت لك حاجة في طرف المسجد وأنت في الطرف الآخر فتستطيع أن تأتي من خارج المسجد، ويحظر أن تجتاز من داخل المسجد، وكان يقول الإمام أحمد -رحمة الله عليه- وبعض السلف: لا يتُخذ المسجد طريقاً، وهذا الذي تميل النفس إليه، والأحوط أنه لا يمر ولو كان عبوراً.
من يسن لهم الغسل
من يسن لهم الغسل قال رحمه الله: [ومن غسل ميتاً أو أفاق من جنون أو إغماء بلا حلم سُن له الغسل].
حكم الغسل لمن غسل ميتا
حكم الغسل لمن غسل ميتاً (ومن غسل ميتاً) أي: قام بتغسيله، ويكون ذلك على صورتين: الصورة الأولى: أن ينفرد بتغسيله. والصورة الثانية: أن يكون مع غيره، فإن انفرد بتغسيله فقول واحد -عند من يقول بوجوب الغسل عليه أو باستحبابه- وهو: أن عليه أن يغتسل، أما لو كان مع غيره فإنه يأخذ حكم الأصل؛ لأنه يصدق عليه أنه غسله؛ وبناءً على ذلك فإنه إذا غسل الميت منفرداً أو مشتركاً مع غيره فيجب عليه أن يغتسل على قول من يقول بالوجوب، لكن المصنف يميل هنا إلى القول بالسُّنية والاستحباب، وهو أصح الأقوال في هذه المسألة، وفي ذلك حديث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ) قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يثبت في هذا شيء، والحديث ضعيف، وقد تكلم عليه الإمام الدارقطني -رحمه الله- في العلل، وتكلم عليه الحفاظ، والصحيح عدم ثبوته، وإن كان بعض العلماء قد يحسنه، لكن الضعف فيه من القوة بمكان، ويكاد يكون الجماهير على ضعفه، وخاصة المتقدمين منهم، فإنهم يقولون: إنه ضعيف، لكن على القول بثبوته أو أنه حسن فيحمل على الندب والاستحباب والأفضل، أي: من غسّل ميتاً فله أن يغتسل على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب.
حكم غسل من أفاق من جنون أو إغماء
حكم غسل من أفاق من جنون أو إغماء قال رحمه الله: [أو أفاق من جنون أو إغماء]. اختلف العلماء في المجنون: فقال بعض العلماء: المجنون إذا أفاق وجب عليه أن يغتسل، وكذلك المغمى عليه. وقال بعضهم: لا يجب على المجنون غسل، والقول بوجوب الغسل على المجنون من القوة بمكان إذا تأتى منه خروج المني، أما إذا لم يتأتَّ منه خروج المني فيقوى القول بعدم الوجوب؛ لأنه لم يثبت فيه نص صحيح بالوجوب، ولذلك يقولون: إن المجنون إذا جنّ أو فقد عقله لم يأمن أن يخرج منه مني وهو لا يشعر، كما أن النائم إذا نام لم يأمن أن يخرج منه ريح وهو لا يشعر، فكما أن الشرع طالب النائم بإعادة وضوئه لوجود النوم الذي هو مظنة أن يكون فيه حدث، كذلك أيضاً الجنون أخذ حكم النوم في الإيجاب، هذا في الطهارة الصغرى وهذا في الطهارة الكبرى، لكن لماذا فرقنا بين كونه يتأتى منه أم لا؟ هذا مبني على نفس الدليل الذي استدل به، فإنك إذا قست الجنون على النوم في إيجاب الطهارة الكبرى قياساً على الإيجاب بالطهارة الصغرى فإنه يتعذر في النائم العلم بعلامة الريح، فلو خرج منه ريح لم يعلم، فوجب عليه الوضوء مطلقاً إذا نام، بخلاف المجنون فإن الخارج وهو: المني، له علامة وأمارة، ولذلك يفرق بين من كان يتأتى منه خروج المني ومن لا يتأتى فيه خروج المني، ويُنَزَّل المغمى منزلة المجنون. قال رحمه الله: [بلا حلم سن له الغسل]. (بلا حلم) أي: بلا احتلام، (سن له الغسل) أي: لا يجب عليه، وهذا كما تقدم أن المجنون يغتسل -على القول بأنه يغتسل- فينزل السكران منزلة المجنون، فإذا قلنا: إن المجنون يغتسل فالسكران كذلك عليه الغسل، وفي حكم السكران من خُدِّر التخدير العام؛ لكن التخدير الموضعي لا يأخذ حكمه، والعلة في هذا كله زوال العقل.
الأسئلة
الأسئلة
حكم وضوء من أمسك ذكره خوف نزول المني
حكم وضوء من أمسك ذكره خوف نزول المني Q ذكرتم أن المصلي إذا أمسك ذكره خوفاً من نزول المني أن صلاته صحيحة، فهل إذا أمسك الرجل ذكره في حالة الانتصاب ينتقض الوضوء أم لا؟ A إمساك العضو على الصورة التي وردت في السؤال لا يجب بها الوضوء، وإن كان بعض المتأخرين يقول: إذا وجد اللذة والشهوة فيجب عليه أن يتوضأ، لكنه قول شاذ لا أعرف له أصلاً، والصحيح أنه لا يجب الوضوء بمجرد إمساكه الذكر، لما ثبت في حديث طلق بن عدي أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام عن لمس الذكر -على القول بأن هذا إذا كان بحائل- قال: (وهل هو إلا بضعة منك) قالوا: إنه محمول على وجود الحائل، وبناءً على ذلك فلا يجب عليه الوضوء سواءً وجد اللذة أو لم يجدها. والله تعالى أعلم.
حكم من احتلم ولم يجد بللا
حكم من احتلم ولم يجد بللاً Q إذا رأى الرجل ما يوجب الغسل في نومه ولكنه لم يخرج شيئاً، فهل عليه غسل؟ A من رأى ما يوجب الغسل أو تهيأ له أنه احتلم ثم استيقظ ولم يجد أثر الاحتلام فلا يجب عليه الغسل؛ لما ثبت في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) فقد دل هذا الحديث على أن وجود الماء يوجب الغسل، ومفهومه: أنه إذا لم يوجد الماء فلا يجب الغسل، والله تعالى أعلم.
حكم وضوء المستحاضة لكل صلاة
حكم وضوء المستحاضة لكل صلاة Q هل المستحاضة تتوضأ لكل صلاة؟ وهل هذا الوضوء على الاستحباب أم على الوجوب؟ A المستحاضة إذا جرى معها الدم فإنها تتوضأ لكل صلاة، فإذا خرج وقت الصلاة الأولى توضأت لدخول وقت الصلاة الثانية؛ والسبب في ذلك حديث تكلم العلماء في سنده، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) وفي رواية: (تغتسل) لكنها ضعيفة، والقول بضعفها هو المعتبر، واختلف في قوله صلى الله عليه وسلم: (توضئي لكل صلاة) فيقولون: المعذور يُعذر في حد الوقت، فإذا انقطع الوقت عنه طولب بالعبادة بدليل مستأنف، وسقطت الرخصة بالصلاة السابقة، فيجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة عند دخول وقتها، وهذه مسألة فيها خلاف، لكن الصحيح: أنها تتوضأ لكل صلاة -وهكذا من به سلس البول- لكن بشرط: أن يجري معها الدم، أما لو انقطع عنها الدم ثم جرى معها الدم في صلاة الظهر، ثم انقطع، فتوضأت وصلت الظهر ولم يجر معها الدم حتى دخل وقت العصر فوضوؤها معتبر، فمحل الكلام إذا جرى معها الدم، وهذا ينبني على مسألة فقهية قالوا: إنها بمجرد أن يخرج منها الدم ينتقض وضوؤها كالبول، فلما خرج منها الدم مستمراً رخص لها في الوقت، فإذا انتهى الوقت طولبت بدليل جديد أن تتوضأ وتصلي؛ لأنه بدخول الوقت يأتي الخطاب بالصلاة المستأنفة الجديدة فيسقط الترخيص في السابقة.
إعادة مسألة الغسل من الإيلاج بحائل
إعادة مسألة الغسل من الإيلاج بحائل Q يا حبذا لو تعيد مسألة: (بلا حائل)؟ A أما بالنسبة لما سألت عنه وهو قوله: (بلا حائل) فالحائل هو الفاصل بين الشيئين، والمراد بالحائل الذي ذكرناه: أن يكون بين العضو المولج والعضو المولجَ فيه حائل من قماش، سواءً كان ثخيناً أو رقيقاً، فإن قيل بقول التفصيل فيختلف الحكم باختلاف نوعية الحائل، لكن قلنا: الصحيح أن الحائل سواءً كان رقيقاً أو ثخيناً فإنه لا يوجب حكماً، ولذلك يعتبر شبهة، فلو أن رجلاً أولج في امرأة بحائل قد يعتبر شبهة توجب درء الحد عنه، وسنتكلم على هذا في باب الزنا، ولكن المنصوص عند العلماء -رحمة الله عليهم- تعليق الحكم بالإيلاج، ولم يفصلوا هل هو بحائل أو بدونه، والذي اختاره بعض مشايخنا -رحمة الله عليهم-: أن الحائل مؤثر، قال عليه الصلاة والسلام: (ادرءوا الحدود بالشبهات) فلذلك قالوا: لا يأخذ حكم المتصل.
حكم غسل من أسقطت جنينا
حكم غسل من أسقطت جنيناً Q إذا أسقطت المرأة، فهل يجب عليها غسل السقط؟ A إذا أسقطت المرأة الجنين فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إما أن يكون الجنين الذي أسقطته فيه خلقة أو صورة الخلقة، فإن أسقطت جنيناً كامل الخلقة أو فيه جزء من الخلقة كالوجه أو صورة الوجه أو الرأس أو الرجل أو اليد، فالأصح عند المحققين أنها تأخذ حكم النفاس، وحينئذٍ إن جرى معها الدم أخذت حكم النفساء. الحالة الثانية: أن تسقط قطعة لحمٍ لا خلقة فيها، فحينئذٍ لا يجب عليها الغسل، ولا تأخذ حكم النفساء؛ بل تعتبر استحاضة، وتأخذ حكم الاستحاضة، وهذا تجعله أصلاً عندك، لأن هذه المسألة أشكلت عند العلماء. فالضابط المعتبر عند بعض المحققين أن العبرة بوجود صورة الخلقة، فإن وُجِدَت حُكِمَ وإلا فلا.
حكم الغسل من العادة السرية
حكم الغسل من العادة السرية Q هل يجب الغسل في العادة السرية، رغم أن الذكر لم يلج في فرج أصلي؟ A العادة السرية إذا حصل بها إنزال، أي: أمنى وجب الغسل، وإن لم يمن لم يجب الغسل، فمقصود السائل: أنه إذا وضع العضو بين أصابعه أو في موضع مثلاً ليس بفرج ولم يمن فلا يجب عليه الغسل، لكن لو حصل منه إمناء وجب عليه الغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الماء من الماء) ولم يفرق بين كونه يخرج بحلال أو بحرام، والعادة محرمة سواء كانت بيدٍ أو بغيرها، والله تعالى أعلم.
حكم التنفل في المسجد الحرام
حكم التنفل في المسجد الحرام Q هل الانتقال في المسجد الحرام يعتبر من المرور في المسجد؟ A لا، الحكم واحد، فإذا أراد -مثلاً- أن يقطع المسجد من الشرق إلى الغرب لحاجة ما وهو لا يريد أن يصلي فيه، فلا يجوز له ذلك، لكن لو مر وصلى فيه -ولو ركعتين- ثم يمر فلا حرج عليه، لكن أن يتخذه طريقاً فلا، والنهي عام في المساجد، والمسجد الحرام أحقها وأشرفها وأكرمها عند الله عز وجل. وأظن أن السائل قد يقصد: أن ينتقل من جهة الصفا إلى جهة أخرى في الحرم فهل يعتبر ماراً أم لا؟ أما بالنسبة للصفا فكنت أقول: إنها من الحرم، لكن ظهر لي أخيراً أنها ليست من الحرم، وهو اختيار بعض العلماء من المتأخرين ومن مشايخنا -رحمة الله عليهم- ولذلك إذا انتقل من الصفا من جهة المسعى ودخل إلى داخل المسجد فيعتبر آخذاً لحكم من دخل المسجد، وإذا كان العكس، مثلاً خرج من الحرم إلى الصفا، فالصفا خارج المسجد ويجوز فيها المرور، كأن يقطع من طرفي الأشواط، والله تعالى أعلم.
حكم منع تدفق المني
حكم منع تدفق المني Q إذا أحس الشخص بالتدفق فقام من نومه ولم يجعله يتدفق ولم يخرج سوى بعض القطرات، فهل يغتسل أم لا؟ A هذا لا يجوز؛ لأن الأطباء ينصون على أنه ضرر وأذية، ولذلك لا يجوز للإنسان أن يفعل هذا، ولا يشك أن الشريعة تحرم على المكلف أن يتعاطى أسباب الضرر بنفسه؛ ولذلك حرمت العادة السرية -مع وجود ظاهر القرآن الذي يدل على تحريمها- لوجود الأضرار بشهادة الأطباء. فالمقصود: أن كونه يمنع خروج المني هذا فيه ضرر بالغ، وقد قرأت بعض البحوث الطبية وتقول هذه البحوث: إنه يضر ضرراً بالغاً، ولربما يبقى ضرره معه إلى الأبد، فمسألة حبس المني والتلاعب به أثناء خروجه لا تجوز، والله يقول: {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق:6]، فعليه أن يتركه على خلقة الله عز وجل حتى لا يضر بنفسه، وهذا أصل في الشريعة: أنه لا يجوز للمسلم أن يتعاطى الأسباب التي تتسبب في الإضرار بنفسه أو بجسده، فلو حصل هذا وخرج منه المني فإن الصفة الأصلية له: التدفق، واعتبار العارض بتعاطي أسباب عدم تدفقه احتيال على الشرع، والقاعدة أن مثل هذا يعامل بنقيض قصده، فلا يعتد بتلاعبه ويعتبر منياً؛ لوجود الإمناء وهو الكثرة، وصورة التدفق، والتحكم فيها لا يؤثر ولا يلغي حكم الشرع بوجوب الغسل، والله تعالى أعلم.
خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها
خروج مني الرجل من فرج المرأة بعد غسلها Q قد يخرج من المرأة بعد الغسل قطرات وهي تصلي، وقد تكون هذه القطرات مني الرجل، فما الحكم؟ A بالنسبة للخارج من الفرج، هذه مسألة اختلف العلماء -رحمة الله عليهم- فيها وهي مسألة رطوبة فرج المرأة: فمن أهل العلم من يقول: إن الخارج منها نجس ويوجب انتقاض الوضوء. ومنهم من يقول: إنه طاهر. والذي دلت عليه السُّنة أنه نجس، أي: بالنسبة للخارج -أي: الرطوبة- سواءً كانت قطرات أو كانت سائلة، حتى إن كانت من مني الرجل، فإنها تعتبر آخذة حكم الرطوبة بالكثرة والمغالبة؛ لأنه إذا كان منياً غلبه رطوبة الفرج الموجودة، ودل على نجاسة رطوبة فرج المرأة ما ثبت في الحديث الصحيح -عندما كانت الرخصة في أول الإسلام أن الرجل إذا جامع امرأته ولم ينزل فلا يجب عليه غسل- الذي قال عليه الصلاة والسلام فيه: (ليغسل ما أصابه منها) فقوله: (ليغسل ما أصابه منها) يدل على أن الرطوبة نجسة، وهذا لا شك أنه أقوى الأقوال، ودليله صحيح ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أشار إليه الإمام النووي -رحمة الله عليه- في المجموع، وبناءً على هذا فإن هذه القطرات آخذة حكم الناقض سواءً بسواء، ويجب عليها أن تتوضأ عند خروجها، فإن غلبتها واستمرت مع المرأة طيلة وقت الصلاة فلتتلجم كما ثبت في المستحاضة (تلجمي) فتضع قطعة قطن، أو تتلجم وتشد الموضع، فإن غلبها مع التلجم والقطن فتصلي على حالتها كالمستحاضة سواءً بسواء، وتتوضأ بدخول وقت كل صلاة، والله تعالى أعلم.
حكم تنبيه المستيقظ للنائم لشيء حدث منه في نومه
حكم تنبيه المستيقظ للنائم لشيء حدث منه في نومه Q لو رأى الإنسان شخصاً ما يحتلم، فهل يجب عليه إخباره بذلك بعد استيقاظه أم يسكت عنه خشية الإحراج؟ A هذه مسألة أشكلت عند العلماء -رحمة الله عليهم- يقولون: أحدهم مكلف، والثاني غير مكلف، فإذا نُظر -مثلاً- إلى الشخص النائم لو استيقظ وصلى فصلاته صحيحة وعبادته معتبرة؛ لأن الله كلّفه بالعلم وبما وسعه ولم يكلفه ما ليس بوسعه، وهذا ليس بوسعه؛ لأنه ليس بوسعه أن يعلم ما لم يكن. وقال بعض العلماء: يعلمه من اطلع على ذلك واختلفوا هل يجب أم لا؟ فقال بعضهم: يجب؛ لأنه لو لم يخبره لأدى إلى الإخلال بالشرع باستباحة الصلاة على غير طهارة، وقال آخرون: هذا ليس بمستبيح للصلاة على غير طهارة؛ لأنه معذور في حكم الله جل وعلا، مثل الإمام الذي يقع منه الخلل بما يفسد الصلاة ولا يعلم المأمومون بذلك، فإن صلاتهم صحيحة؛ لأن الله ما كلفهم علم ما لم يعلموا، وهذا وجه من يقول بأنه لا شيء عليه إذا سكت. والذين يقولون: يجب عليه أن يخبره، يستدلون بقولهم: عهدنا من الشرع أنه يربط التكليف بالمكلف مع سقوطه عن غير المكلف، ألا تراه أمر أن يؤمر الصبي بالصلاة، والذي يأمره وليه، مع أن الصبي غير مكلف، قالوا: فكلف المكلف بغير المكلف، فلزم أو وجب عليه أن يعلمه؛ صيانة للشرع، لكن لو سكت عنه فهل يأثم أم لا؟ فعلى القول بأنه يجب عليه: يأثم، وعلى القول بأنه لا يجب عليه: لا يأثم، لكن الأحوط أن يخبره، ثم ليس هناك إحراج لو أخبر أخاه بما فيه من خلل، أما بالنسبة للعبادة فهي صحيحة، وبالنسبة للمكلف فغير مؤاخذ.
حكم مقابلة المرأة لأبناء زوجها من الرضاعة
حكم مقابلة المرأة لأبناء زوجها من الرضاعة Q هل يجوز لزوجتي مقابلة أبناء زوج أمها من الرضاعة، وكذلك أبناء هذا الزوج من زوجة أخرى؟ A هذه المسألة فيها خلاف: هل التحريم بالمصاهرة -مثل: أم الزوجة وكذلك زوجة الأب من الرضاعة- هل يأخذ حكم التحريم بالنسب؟ الاحتياط ألا تقابلهم، وقد كنت أقول: لها أن تقابلهم؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) لكن في الأخير قوي القول بأن تحتاط فيها؛ لأن التغليب لجانب المحرمية وأصول الشرع يقتضي تقوية عدم الإلحاق. والله تعالى أعلم.
حكم تناول الرياضي للمنشطات
حكم تناول الرياضي للمنشطات Q ما هو حكم استعمال الرياضي للبروتينات والمنشطات التي تساعده في البروز بسرعة في المجال الذي يمارسه؟ A استعمال المنشطات والمقويات فيها شبهة؛ لأن بعض التركيبات الموجودة فيها قد تعتمد على بعض المواد المخدرة، وبعض تركيبات المخدرات، والدكتور محمد علي البار له بحث جيد في المخدرات، نبّه فيه على أن بعض المنشطات فيها نسبة من المواد المخدرة، ولذلك مثل هذا يقتضي الحظر والتحريم، إلا إذا وجدت الضرورة والحاجة للاستعمال، وهذه ليست بضرورة وليست بحاجة، وعلى العموم: يبقى على الأصل من عدم جواز استعمال مثل هذه المنشطات التي فيها شبهة والتي فيها نسبة من المخدرات، ويرجع هذا الأمر إلى أهل الخبرة والذين لهم علم بتركيبات الأدوية في هذا، والله تعالى أعلم.
حكم ترك المبيت في منى
حكم ترك المبيت في منى Q امرأة حجت هذا العام، وخرجت من منى بعد رمي جمرة العقبة، وذلك بتوكيل أحد الأشخاص، وطافت طواف الإفاضة مع طواف الوداع، فماذا عليها بتركها الإقامة بمنى؟ A أولاً: أوصي السائلة ونفسي بتقوى الله عز وجل، وأنه لا ينبغي لمن حج بيت الله الحرام أن يتلاعب أو يتساهل في الواجبات والأنساك، فمن حج فعليه أن يتقي الله عز وجل، ولذلك قال الله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196] (أتموا الحج) يعني: إذا حججتم فليكن حجكم كاملاً، أتموه لله بفعل أركان الحج وواجباته وأدائها على الوجه المعتبر. أما أن يتساهل الإنسان في الواجبات والفرائض ويوكّل غيره في الرمي ويترك المبيت، فهذا لا يجوز، وبناءً عليه: فالذي يظهر من السائلة أنه لا عذر لها في ترك المبيت وترك الرمي، وعليها دم بترك هذه الواجبات، وكل واجب منها عليها فيه دم، واختلف العلماء: قال بعضهم كل مبيت ليلة نسك، وقال بعضهم: المبيت كله نسك، وأصح الأقوال: أن كل ليلة فيها دم -وهو القول بالتجزئة- وكذلك الحال في الرمي، فعليها دم لمبيت ليلة إحدى عشر، وليلة الثاني عشر وعليها أيضاً دم برمي الحادي عشر ورمي الثاني عشر، ويكون عليها أربعة دماء. والله تعالى أعلم.
الإشارة للحجر الأسود عند الانتهاء من آخر شوط
الإشارة للحجر الأسود عند الانتهاء من آخر شوط Q إذا انتهى الرجل من الشوط الأخير من الطواف فهل يشير ويكبر أم لا؟ A هذه مسألة خلافية، وفيها وجهان: قال بعض العلماء: يشير، وقال بعضهم: لا يشير. والسبب في الخلاف: أنهم اختلفوا: هل هذه الإشارة والتكبير من أجل محاذاة الحجر، أم من أجل استفتاح الطواف؟ فمن قال: إنها من أجل محاذاة الحجر يقول: يكبر في الآخر ويشير؛ لأنه حاذى الحجر، ومن قال: إنها لاستفتاح الطواف قال: ليس هناك شوط ثامن حتى يستفتح فلا يشير. وأصح القولين -والعلم عند الله-: إنها لمحاذاة الحجر؛ لأن جابر رضي الله عنه قال: (استلمه فإن عجز أشار إليه)، فدل على أن العبرة بالمحاذاة وليس من أجل الاستفتاح. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب الغسل [2]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل [2] جاءت النصوص الشرعية مبينة لكيفيات العبادات، ومن ذلك: الغسل، فقد بينت النصوص كيفيته وصفته، سواء كان هذا على سبيل الكمال أو على سبيل الإجزاء، وفصَّل العلماء في أحكامه بناءً على هذه النصوص.
صفة الغسل الكامل
صفة الغسل الكامل بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [والغسل الكامل أن ينوي ثم يسمي]. كان الحديث عن موجبات غسل الجنابة، أي: الأسباب التي توجب الغسل من الجنابة، وهنا -إن شاء الله- سيكون الحديث عن صفة غسل الجنابة، وهذا الترتيب يعتبر مراعياً للأفكار -أي: ترتيب الأفكار- فبعد أن تنتهي من الأسباب تصف الشيء، وبعد أن تبين للمكلف ما هي الأمور التي تتسبب في غُسل الجنابة يأتيك Q كيف أغتسل من الجنابة؟ فأولاً: نبين موجبات الغسل وأسبابه، ثم نتبع بعد ذلك بالحديث عن صفة الغسل. فقال رحمه الله: [والغسل الكامل] الواو: للاستئناف، والغسل له حالتان عند العلماء: الحالة الأولى: يسميها العلماء حالة الإجزاء. والحالة الثانية: يسمونها حالة الكمال. والفرق بين الإجزاء والكمال: أن الإجزاء يتحقق به المأمور شرعاً، بمعنى: أنك إذا أوقعت الغسل على صفة الإجزاء عليه فقد أديت ما أوجب الله عليك، وأما بالنسبة للكمال فإنه يراعى فيه ما فوق الواجب واللازم، بمعنى: أن يصف لك الغسل وصفاً على أتم وجوهه وأكملها، وبناءً على ذلك: انقسم الغسل إلى غسل إجزاء وغسل كمال، فلو أخل المكلف بغسل الإجزاء فقد يحكم بعدم صحة غسله، لكن لو أخل بغسل الكمال في غير الإجزاء تقول: فاته الأفضل والأكمل، وغسله صحيح. يقول رحمة الله: (والغسل الكامل) أي: الغسل الذي هو على أعلى مراتب الغسل هو أن ينوي ثم يسمي، ومن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يذكروا حالة الإجزاء وحالة الكمال، والمصنف هنا ابتدأ بصفة الكمال، وغيره ابتدأ بصفة الإجزاء، فطريقة المصنف رحمه الله حينما ابتدأ بغسل الكمال تدرج فيها من الأعلى إلى الأدنى، وطريقة غيره ممن ابتدأ بالأجزاء ثم أتبعه بالكمال تدرج من الأدنى إلى الأعلى، وكلتا الطريقتين لها وجه. أما طريقة المصنف بأن يبتدئ بالكمال ثم يبين لك غسل الإجزاء فهي أنسب؛ لأنه إذا فعل ذلك ترك التكرار، فإنك إذا ذكرت الغسل الكامل ثم قلت: والواجب منه كذا وكذا، أفضل مما لو قلت: الغسل الواجب كذا، ثم أتبعت صفة الكمال وذكرت ضمنها الواجبات، فطريقة المصنف في ذكر الكمال ثم إتباعه بالإجزاء أولى من طريقة غيره ممن ابتدأ بالإجزاء ثم أتبعه الكمال. هذه الصفة التي يسميها العلماء: صفة الكمال، ثبتت بها أحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها: حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وحديث ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، وكلا الحديثين ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، فقد وصفت كل منهما غسل النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهما من فصلت في شيء وأجملت في شيء، ومنهما من فصلت في شيء آخر وأجملت في غيره، وقد راعى العلماء رحمهم الله في صفة الكمال ما تضمنه حديث عائشة وحديث أم المؤمنين ميمونة رضي الله عن الجميع. يقول رحمه الله: (أن ينوي) أي: ينوي الغسل، والنية: القصد، والمراد بها كما يقول العلماء: العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى، كما ذكر هذا التعريف البعلي في المطلع، وكذلك غيره، ومعنى (العزم على فعل الشيء تقرباً إلى الله تعالى): أن تعزم على عبادة أو معاملة، والهدف من ذلك والقصد من ذلك وجه الله عز وجل، سواءً كانت عبادة أو معاملة، فالعبادة: كأن تصلي فتفعل القيام والركوع والسجود وغيره من أفعال الصلاة وفي نيتك وجه الله جل وعلا، أما المعاملة: كأن تعطي ابنك المال قاصداً بذلك مرضاة الله عز وجل، فإنها عادة ولكنها صارت عبادة بالقصد. بعض العلماء يقول: العزم على فعل الشيء، وبعضهم يقول: قصد فعل الشيء قربة لله، والتعبير بالقصد أنسب من التعبير بالعزم؛ لأن من العلماء من فرق بين القصد والعزم فقال: القصد: ما يكون عند توجه النية، والعزم: يكون متراخياً عن ذلك التوجه، ولذلك قالوا: التعبير بالقصد أدق، خاصة وأن الحقيقة اللغوية للنية عرفوها بالقصد، فيكون فيه اشتراك بين التعريف اللغوي والشرعي من هذا الوجه.
حكم النية في الغسل
حكم النية في الغسل (أن ينويه) يعني: أن ينوي الغسل، صورة ذلك: أن يدخل الإنسان مكان الاغتسال وفي نيته أن يعمم بدنه لرفع الجنابة، وهكذا المرأة لإزالة الجنابة، فإذا حصل هذا القصد فقد نوى العبادة وقصدها تقرباً لله عز وجل، وخرج من هذا أن ينوي فعل الشيء لغرض غير وجه الله، مثل أن يدخل مستحمه للتبرد أو للسباحة، فلو غسل جسمه كاملاً للسباحة لم يكن غسلاً شرعياً، وإنما هو غسل عادة وليس بغسل عبادة، ولذلك قالوا: النية تفرق بين العادة والعبادة. فقوله: (أن ينوي الغسل) أي: ينوي رفع الحدث، فإذا نواه فقد أجزأه، والأصل في النية أن تكون مقاربة لزمان الفعل فلو أنه قال: أريد أن أغتسل من الجنابة وجلس من الساعة الثانية ظهراً إلى الساعة الثالثة، ثم عزبت عنه هذه النية، ثم دخل إلى مستحمه وسبح وقد عزبت عنه النية، فنقول: إن هذا لا يجزئ، إنما المعتبر أن تكون النية مصاحبة، قال بعض العلماء: حتى ولو في طريقه إلى السباحة جرى في نفسه أن يغتسل من الجنابة أجزأه؛ لكن لو كانت النية للنظافة أو للتبرد في الصيف فكل ذلك لا يجزئه. وهذه النية واجبة وفرض في قول جماهير العلماء خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، والصحيح مذهب الجمهور؛ لقوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وجه الدلالة: أن الله أمر بإخلاص الدين والعبادة، ولا إخلاص إلا بنية، إذاً: النية واجبة، والغسل عبادة؛ إذاً: النية فيه واجبة، كذلك أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) فقد علق صحة الأعمال على النية والغسل من الجنابة عمل، فلا غسل إلا بنية. (أن ينويه) هذا هو الأصل؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يغتسل فإنه يبتدئ أول شيء بنية القلب، ثم بعد ذلك يكون منه الفعل المأمور شرعاً.
حكم التسمية عند الغسل
حكم التسمية عند الغسل قال رحمه الله: [ثم يسمي]. (ثم) للعطف مع التراخي، أي: يقول: باسم الله، وهذه التسمية استحبها بعض العلماء، ومن العلماء من قال بوجوبها في الغسل، وسيأتي الكلام عليها -إن شاء الله- وأن الصحيح: عدم وجوبها، ولكن قال بعض العلماء: تستحب التسمية في العبادات وفي مبتدئها؛ لإطلاق الشرع. ويسمي إذا كان المكان مهيأ لذكر الله، كأن يكون في بركة أو يكون في حمام معد للاغتسال لا لقضاء الحاجة، أما لو كان المكان مهيأ لقضاء الحاجة فإنه لا يذكر اسم الله عز وجل فيه، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني كنت على حالة كرهت أن أذكر اسم الله عليها) فإذا امتنع أن يذكر اسم الله في حال حدثه فمن باب أولى أن يمتنع في مكان الحدث، ولذلك لا يسمي جهرة في أماكن قضاء الحاجة، وهذا هو المعهود شرعاً من عموم قوله تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] واسم الله عز وجل لا شك أنه من أكبر الأشياء وأعظمها كما قال تعالى: {وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] فالإجلال لاسم الله عز وجل من شعائر الله، فلا يذكر اسم الله جهرة، ولكن يسمي في نفسه على قول بعض العلماء، أي: أنه يجري في نفسه ذكر التسمية دون أن يتلفظ باللسان.
محل غسل الكفين في الغسل
محل غسل الكفين في الغسل قال رحمه الله: [ويغسل يديه ثلاثاً وما لوثه]. أولاً: ينوي، ثم يسمي، ثم يغسل يديه ثلاثاً، واليدان مثنى يد، والمراد بهما: الكفان، واليد تطلق ويراد بها جميع اليد إلى المنكب، وقد يراد بها إلى المرفق، وقد يراد بها إلى الزندين، وأقل ما يصدق عليه اليدان: الكفين، وسمي الكف كفاً؛ لأنه تكف به الأشياء، فالمراد أن يغسل كفيه ثلاثاً، والمصنف هنا قال: (يغسل يديه ثلاثاً) ثم أجمل، والحقيقة أن غسل اليدين أو الكفين في الغسل من الجنابة له حالتان: الحالة الأولى: غسل الكفين قبل تعميم البدن. والحالة الثانية: غسل الكفين بعد غسل الفرج تهيأً للوضوء، فأما الحالة الأولى: وهي غسل الكفين عند الابتداء بالغسل، فقد ثبت في الصحيحين كما في حديث أم المؤمنين عائشة التصريح بهذا: (بدأ فغسل كفيه) وفي رواية مسلم: (يغسل كفيه) لكن ليس فيه التصريح بالتثليث، وفهم التثليث من مطلق هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الغسل كقوله: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) وكذلك حديث حمران مولى عثمان عن عثمان، وحديث عبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وكلهم ذكر التثليث قبل ابتداء الوضوء، أي: عند غسل الكفين في ابتداء الوضوء. قال العلماء: التثليث مناسبته: أنك إذا أزلت الأذى بالغسلة الأولى، فالغسلة الثانية تبرئ الموضع، بمعنى: أنك ربما تغسل ويكون الشيء عالقاً باليد، فالغسل الثاني آكد في إزالة العين، والغسلة الثالثة آكد وأبلغ للاستبراء، فلذلك قالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل ثلاثاً، ولكن لم يرد التصريح في حديث أم المؤمنين عائشة وميمونة في ابتداء الغسل، ولكن ورد التثليث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل ثلاثاً في حديث ميمونة لما غسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه، فإنها قالت: (مرتين أو ثلاثاً)، على الشك لا على الجزم بالثلاث. والغسل للكفين في ابتداء الغسل من الجنابة مناسبته -كما يقول العلماء- أن اليدين ناقلتان للماء ولما كان الماء هو الذي يقصد به الطهارة فينبغي أن يكون طهوراً، وينبغي أن تكون آلته محافظة على الطهورية، فإذا كانت اليد نظيفة بقي الماء على أصل الطهورية، وإذا كانت اليد ليست بنظيفة فإن ذلك أدعى لخروج الماء عن وصفه بالطهورية، خاصة وأن الكف تنقل ماءً يسيراً، ولذلك أُمر بغسلها قبل الوضوء لمن استيقظ من نومه، أما الغسلة الثانية للكفين فإنها تكون بعد غسل الفرج. قال المصنف: (يغسل يديه ثلاثاً وما لوثه) اللوث يطلق بمعنى: التلطيخ، يقال: لوث الماء إذا لطخه، وقد يطلق بمعنى: المرض والعاهة في العقل، ومنه قولهم: اللوثة الحمق وذهاب العقل -نسأل الله السلامة والعافية- وقد يطلق بمعنى: حاجة الإنسان. فالتلويث في قوله: (وما لوثه) يعني: ما أصاب يده من القذر، وهذا يدل على أن المراد بغسل الكفين ما يكون بعد إزالة الأذى عن الفرج، فكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه يبتدئ فيصب الماء على يمينه ثم يفرغ على يساره، وبعد غسل كفيه صلوات الله وسلامه عليه يفرغ بيمينه على يساره ويأخذ الإناء بيمينه ويفرغه على يساره، ثم يغسل فرجه صلوات الله وسلامه عليه ومواضع الأذى، كما في حديث ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، فابتدأ بغسل الكفين ثم ثنى بغسل الأذى على الفرج وما جاوره كالفخذين ونحوهما. ولما انتهى عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين من حديث ميمونة -: (من غسل فرجه وأزال الأذى، دلك يديه في الأرض دلكاً شديداً) كما قالت أم المؤمنين رضي الله عنها، ولذلك قال العلماء: يبتدئ بغسل الكفين، ثم يثني بالفرج، ثم يدلك يديه للغسلة الثانية، وهذه الغسلة الثانية آكد من الأولى، فإن الأولى قد تكون اليدان طاهرتين ولا يحتاج فيها إلى تجديد غسل، ولكن في الثانية لمكان الأذى وتلطخ اليدين بما هناك من الكدر ناسب أن يدلكها عليه الصلاة والسلام، قال العلماء: السنة لمن اغتسل في أرض ترابية أن يدلك يديه على الأرض الترابية، فالتراب يطهر يابساً أو مخلوطاً بالماء، أما يابساً فدليله: التيمم، وأما مخلوطاً بماء فدليله: حديث ولوغ الكلب، وقد ثبت ذلك طبياً، فناسب أن يدلك عليه الصلاة والسلام يده بالأرض، وورد في الحديث أنه ضرب بها الحائط، ولذلك قال بعض العلماء: إذا كانت الأرض صلبة وكان الحائط من طين فإنه يضرب بيديه الحائط. وللعلماء في ضربه عليه الصلاة والسلام على الأرض وضربه الحائط في غسله من الجنابة وجهان: الوجه الأول: أنها عبادة معللة تكون إذا وجدت علتها، بمعنى: أن الإنسان يضرب الحائط ويدلك الأرض إذا كان الحائط أو كانت الأرض ترابية أو من طين، لكن لو كانت الأرض صلبة وكان الحائط صلباً -كما هو موجود- فإنه على هذا القول تكون السنة الغسل بالصابون وما يحل محل الطين، قالوا: لأن العلة التنظيف، فكما أنه تحصل الطهارة بالطين فعند فقده تحصل بما يناسبه مثل الصابون. الوجه الثاني: أنها عبادة، ويقتصر فيها على الصورة، فيكون وجود التطهير بالطين تبعاً لا أصلاً، وعلى هذا القول فإنه يسن للإنسان ولو كان الجدار أملس أن يضرب به يده -كما يقول بعض العلماء رحمة الله عليهم- وإذا كانت الأرض ليس فيها من فضلات النجاسة أو القذر فإنه يضرب يده أو يدلكها بها. والصحيح: أنه عبادة معللة، فيضرب الجدار إذا كان من طين، وتدلك الأرض إذا كانت ترابية، وأما على حال اليوم فإنه لا يتأتى لقول أم المؤمنين: (دلك بيده الأرض دلكاً شديداً) والدلك الشديد لا يقصد به إلا الإزالة والتنظيف، ولذلك قالوا: إنها عبادة معللة، وهذا هو أصح الأوجه، ويكاد يكون قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم.
محل الوضوء عند الغسل وكيفيته
محل الوضوء عند الغسل وكيفيته قال رحمه الله: [ويتوضأ] إذا فرغ من غسل يديه وأنقاها بالطين أو بالصابون فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة، ولكن يؤخر غسل رجليه، كما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها وأرضاها، قالت أم المؤمنين عائشة: (ثم توضأ وضوءه للصلاة) وذكرت مثلها أم المؤمنين ميمونة، لكن صرحت بتأخيره لغسل رجليه، فمن العلماء من قال: يتوضأ وضوءاً كاملاً ويغسل رجليه، ومنهم من قال: يتوضأ ويؤخر غسل الرجلين، ومنهم من قال بالتفصيل، فقال: إن كان المكان طاهراً نقياً كالموجود الآن من البلاط، فإنه يتوضأ وضوءه للصلاة كاملاً، وإن كان المكان فيه طين فإنه يحتاج فيه إلى تجديد غسله لرجليه بعد غسله لبدنه مع تطاير الطين فقالوا: يؤخر غسل الرجلين حتى لا يكون ضرباً من الإسراف في استعماله للماء، ومنهم من فصل من وجه ثانٍ فقال: إن كان الماء كثيراً غسل رجليه، وإن كان قليلاً فإنه يؤخر غسل الرجلين على ظاهر حديث أم المؤمنين ميمونة. والذي يظهر -والعلم عند الله- أن الأقوى والأشبه أن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لغسل الرجلين قصد به الأذى، وهذا يعرفه كل من اغتسل في مكانٍ ترابي، فإنه مهما فعل وغسل رجليه فإنه بمجرد أن يفيض الماء على بدنه فإن رذاذ الطين يتطاير على الرجل، وأيضاً ثبوت الرجلين على الطين يحتاج به إلى غسل جديد للرجلين، فالأشبه أنه أخر وضوءه عليه الصلاة والسلام لمكان الطين في الموضع.
الخلاف في الوضوء عند الغسل هل هو مقصود أم لا
الخلاف في الوضوء عند الغسل هل هو مقصود أم لا المسألة الثانية: لو أن إنساناً أراد أن يتوضأ، فهل هذا الوضوء مقصود للغسل أو مقصود لذاته؟ للعلماء وجهان: منهم من قال: يتوضأ وضوءه للصلاة وهو عبادة مقصودة، أي: أنها طهارة مقصودة، ومنهم من قال: لا، وضوءه للصلاة لشرف أعضاء الوضوء، يعني: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما اغتسل من الجنابة وبدأ بالوضوء راعى فضل أعضاء الوضوء، وأقوى الوجهين القول الثاني: أنه توضأ لشرف أعضاء الوضوء فقدمها على غسل سائر البدن، يشهد لذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ أم عطية في غسلها لابنته غسل الموت قال: (ابدأن بميامينها وبأعضاء الوضوء منها) وذلك لما أمر بتوضئتها، يعني: إعطاء أعضاء الوضوء الأسبقية، ففهمنا أن هذا لشرف أعضاء الوضوء وليس وضوءاً مقصوداً. فائدة الخلاف: إن قلنا: إنه وضوء مقصود أو وضوء غير مقصود تتفرع عليه مسائل، فمن العلماء الذين قالوا: إنه وضوء مقصود، قالوا: إن خروج المني يؤدي إلى الحدث الأصغر والأكبر فيكون وضوءه لرفع الحدث الأصغر ويكون غسله لرفع الحدث الأكبر، فيصبح خروج المني يؤدي إلى انتقاض الطهارة الصغرى والكبرى، وفائدة معرفة ذلك في القياس، فلو أن إنساناً خرجت منه حصاة فالذين يقولون: إن خروج الحصاة يوجب انتقاض الوضوء يقولون: الحصاة طاهرة، فتنقض الوضوء كما أن المني طاهر وينقض الوضوء، ولذلك وجب الوضوء والغسل. فيستفاد مما سبق في الأقيسة في اعتبار الأصل الشرعي، فإذا اعتبرت أن هذا الوضوء للطهارة الصغرى وأن المجنب بخروج المني عليه طهارتان فيتفرع منها: أن خروج الطاهرات يوجب انتقاض الحدث كما ذكرنا في باب نواقض الوضوء.
إيصال الماء إلى أصول الشعر في الغسل
إيصال الماء إلى أصول الشعر في الغسل قال رحمه الله: [ويحثي على رأسه ثلاثاً ترويه] ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعد أن انتهى من وضوئه حثا على رأسه ثلاث حثيات، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وحديث ميمونة -وهذان الحديثان يعتبران أصلاً عند العلماء رحمة الله عليهم في باب الغسل من الجنابة- وقد ذكرت ميمونة التعميم وذكرت عائشة رضي الله عنها كذلك التعميم في موضع والتفصيل في موضع ثانٍ، فقد بينت أن هذه الثلاث حثيات كانت من النبي صلى الله عليه وسلم؛ الأولى منها: لشقه الأيمن صلوات الله وسلامه عليه، والثانية: لشقه الأيسر، ولذلك فالسنة لمن توضأ في الغسل من الجنابة أن يبدأ فيأخذ حثية إلى شق رأسه الأيمن، فيحثي عليه، ويروي بهذه الحثية الأولى شعر رأسه قالت أم المؤمنين عائشة: (حتى إذا ظن أنه روى أصول شعره). فالمقصود من هذه الثلاث حثيات: أن الشعر يكون كثيفاً، وخاصة أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيفاً، وربما إذا رجّله وصل إلى منكبه، وكانوا في القديم قليلي الحلاقة، ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الخوارج قال: (سيماهم التحليق) فكانت الحلاقة قليلة في ذلك الزمان، فكان الإنسان إذا اغتسل من الجنابة يخاف من الشعر؛ لأن إنقاء البشرة مقصود في الجنابة، ولذلك قال علي رضي الله عنه: (فمن ثم عاديت شعري)، يعني: خوفاً من الجنابة عاديت الشعر، فكان يحلق رضي الله عنه ويكثر منه، وكل ذلك خوفاً من التقصير في تروية أصول الشعر أو البشرة في الغسل من الجنابة. فكان عليه الصلاة والسلام يأخذ الحفنة الأولى ويروي بها أصول الشعر، فإذا بلغ الماء أصول الشعر في الشق الأيمن والشق الأيسر حثا عليه الصلاة والسلام الحثية الثالثة التي يقصد بها التعميم، فإذا عمم رأسه تفرغ لبدنه، قالت أم المؤمنين رضي الله عنها: (ثم أفاض على جسده)، وفي رواية: (على سائر جسده الماء). قال بعض العلماء: يستحب قبل التعميم أن يتفقد الإنسان المواضع الخفية في البدن كالإبطين فيبدأ بإيصال الماء إليها، كما أوصل عليه الصلاة والسلام الماء لشئون رأسه؛ لأنه عند تعميم الماء لسائر الجسد قد يغفل عن هذه المواضع، ولذلك قالوا: تفقد عليه الصلاة والسلام شعر رأسه، وهذا أصل في تفقد المواضع التي قد تكون بعيدة عن الماء إذا عمم.
تعميم البدن ثلاثا أثناء الغسل
تعميم البدن ثلاثاً أثناء الغسل قال رحمه الله: [ويعم بدنه غسلاً ثلاثاً] (يعم البدن) بمعنى: أن يصب على جسده الماء صبة يعممه بها، وهذا التعميم قال فيه عليه الصلاة والسلام لـ أم سلمة: (ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ) والإفاضة: التعميم، والأصل في تعميم البدن قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] وكذلك حديث أم سلمة (ثم تفيضين الماء على جسدك) وقول عائشة رضي الله عنها: ثم غسل سائر جسده، فيعمم البدن بالماء. وقال المصنف: (ثلاثاً) أي: ثلاث مرات، وهذا فيه خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من قال: السنة أن يعم البدن بغسلة واحدة، ولا يزيد إلى الثلاث، وهو قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وممن روي عنه هذا القول الإمام مالك، وكذلك جاءت عن الإمام أحمد رواية بهذا، وشددوا في الغسلة الثانية والثالثة، وقالوا: لأنه يفعلها معتقداً الفضل ولم يفعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنه ثلث في الوضوء، ومن ثم قالوا: التثليث في الغسل بدعة، وشددوا في أن يغسل ثلاثاً بقصد العبادة. لكن لو أنه غسل الغسلة الأولى قاصداً رفع الجنابة، ثم غسل المرة الثانية والثالثة للمبالغة في التنظيف كما هو الحال الآن، فالإنسان قد يغتسل بالصابون فيحتاج إلى صبة ثانية وثالثة، فلا حرج؛ لأنها خرجت إلى قصد النظافة لا إلى قصد العبادة وفرق بين قصد العبادة وبين قصد النظافة، أما لو ثلث بدنه قاصداً العبادة فهذه بدعة في قول طائفة من السلف كما ذكرنا، وهذا القول هو الصحيح، فإن الناظر في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في غسله كلها يجد أنها نصت على أنه أفاض إفاضة واحدة عليه الصلاة والسلام، ولم يثنِ ولم يثلث -بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام- ولو كان الفضل في التثنية والتثليث لما تركه عليه الصلاة والسلام، وهناك رواية عن الإمام أحمد -وهو قول لبعض الشافعية رحمة الله عليهم وبعض العلماء- تقول: إنه يستحب التثليث في الغسل، ولكن الاستحباب حكم شرعي يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
حكم الدلك عند الغسل
حكم الدلك عند الغسل قال رحمه الله: [ويدلكه] أي: يدلك البدن مبالغة في الإنقاء والتطهير وإيصال الماء إلى البدن، والدلك للعلماء فيه قولان: فمن أهل العلم رحمة الله عليهم من يقول: الدلك واجب، ومن اغتسل ولم يدلك بدنه لم يصح غسله، والقول الثاني: أن الدلك مستحب وليس بواجب، وهو قول الجمهور، والقول الأول لـ مالك رحمة الله على الجميع، والصحيح: مذهب الجمهور، وهو أن الدلك ليس بواجب وإنما هو مستحب، والدليل على عدم الوجوب ما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) انظر قوله: (إنما يكفيكِ -أي: يجزئك) وهذا الإجزاء لا يكون إلا في الواجبات، (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ -وفي رواية: فإذا أنتِ تطهرين-) ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالتعميم ولم يبين لها وجوب الدلك وقال لها: (تفيضين) والإفاضة: الصب، ولذلك صح قول من قال: إن المقصود صب الماء دون الدلك، ولذلك يظهر أن هذا القول هو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب. لكن الإمام مالك رحمة الله عليه انتزع وجوب الدلك من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل بالصاع، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ربعة من الرجال، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان عليه الصلاة والسلام وسطاً من الرجال، فالإمام مالك يقول: لا يعقل أن الصاع يغسل هذا القدر إلا بالدلك، وهو من ناحية الاستنباط صحيح، والأعدل أن يقال: الدلك ليس بواجب، لكن إذا كان الماء قليلاً وتوقف وصول الماء لجميع البدن على الدلك فإنه واجب من جهة: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). والاستثناء بالصور المخصوصة لا يقتضي التعميم في جميع الأفراد، وبناءً على ذلك: فإنه ينظر في الماء الذي تغتسل به، فإن كان هذا الماء تستطيع إيصاله إلى جميع البدن دون أن يكون منك دلك فإن هذا هو القدر الذي أوجب الله عليك، وإن كان هذا الماء لا تستطيع إيصاله إلى جميع البدن إلا إذا دلكت فحينئذٍ يلزمك الدلك من باب: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا أنه واجب أصالة، وهذا هو أعدل الأقوال، وعلى قول المالكية بالوجوب يحصل إشكال في الموضع الذي لا تستطيع أن توصل إليه يدك، كأن يكون مثلاً: وراء الظهر، فقالوا: إذا شق عليه الدلك استخدم الليفة وحك بها ظهره. وصل لما عسر بالمنديل ونحوه كالحبل والتوكيل أي: الذي يعسر عليك الوصول إليه باليد فإنك تستخدم واسطة، حتى لو تأخذ قطعة من القماش وتضعها في خشبة وتحك بها الظهر؛ لأنهم يرونه واجباً على جميع أجزاء البدن، والذي يظهر أن الواجب هو تعميم البدن، فلو أنك انغمست في بركة دون أن تمر يدك على سائر البدن أجزأك ذلك.
التيامن أثناء الغسل
التيامن أثناء الغسل قال رحمه الله: [ويتيامن] يعني: يبدأ باليمين قبل اليسار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في غسل الميت: (ابدأن بميامنها وبأعضاء الوضوء منها) قال رحمه الله: [ويغسل قدميه مكاناً آخر]. هذا الذي سبقت الإشارة إليه، وقلنا: التفصيل هو أعدل الأقوال، فإن كان الموضع نظيفاً فلا حاجة إلى تأخير غسل الرجلين، وإن كان غير نظيف فإنه يؤخر غسل رجليه إلى آخر الغسل، إصابة لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
صفة الغسل المجزئ
صفة الغسل المجزئ قال رحمه الله: [والمجزئ أن ينوي ويسمي ويعم بدنه بالغسل] قوله: (والمجزئ) أي: من هذا الذي تقدم، وهذه فائدة تقديم الكمال قبل الإجزاء: أنه يأتيك بعد الكمال ويقول: المجزئ كذا وكذا فيأمن التكرار، لكن لو قدم الإجزاء وأتبعه بالكمال لكرر. (المجزئ) أي: الذي ذكرته لك من الصفة الماضية الواجب عليك منه والفرض هو كذا وكذا؛ وينبغي أن يتنبه طالب العلم إلى أن الإجزاء يقوم وعلى الواجبات على الفرائض والأركان، وقد يدخل في الإجزاء أيضاً شروط الصحة، فقال: (والمجزئ) أي: الغسل الذي إذا فعلته كفاك وأجزأك لعبادتك. (أن ينوي) يعني: النية. (ويسمي) هذا على القول بوجوب التسمية، والصحيح: أنها ليست بواجبة، فليس هناك حديث صحيح يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب التسمية، وإنما أوجبها من أوجبها في الغسل قياساً على الوضوء، وهذا القياس فيه نظر، إذ يعترض عليه أولاً: بفساد الاعتبار، وهو أحد القوادح الأربعة عشر في القياس، وفساد الاعتبار: أن يكون القياس في مقابل نص من الكتاب والسنة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم نص أنه قال: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) ولم يذكر التسمية، وقال الله في كتابه: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] ولم يأمر بالتسمية، وقد أمر بالتسمية للأكل: {فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} [الأنعام:118]، فهذا القادح الأول: فساد الاعتبار. القادح الثاني: أن هذا القياس يعتبر من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، فلك أن تقول لمن يستدل بهذا القياس: أنا أنازعك في الأصل الذي تحتج به -وهو وجوب التسمية في الوضوء- فكيف تقيس على أصل اختلفنا فيه؟ أي: أنا لا أسلم لك أن الوضوء تجب فيه التسمية، فكيف تلزمني بالغسل قياساً على الوضوء؟ ويقولون: هذا من باب رد المختلف فيه -وهو الفرع الذي هو الغسل- إلى المختلف فيه -وهو الأصل-، ومن شرط صحة القياس بالنسبة للإلزام أن يكون المحتج عليه بالقياس مسلماً بحكم الأصل، فإن كان الأصل مختلفاً في حكمه فيكون القياس من باب الالتزام لا الإلزام، أي: أنه يلزم من يحتج به لنفسه؛ لأنه يرى وجوب التسمية في الوضوء، فيقول: أنا أوجب التسمية في الغسل كما أوجبها في الوضوء من باب إلحاق النظير بنظيره. وقوله: (ويعم بدنه بالغسل مرة). إذا حصل في الغسل ثلاثة أمور، أولها: النية، ثانيها: التعميم للبدن، وثالثها: المضمضة والاستنشاق إذا اعتبرناهما من جنس واحد وإلا كانت أربعة أمور، فهذه هي الواجبة واللازمة، فمن دخل إلى بركة -مثلاً- وانغمس فيها غمسة واحدة قاصداً الطهارة من الجنابة، أو قصدت المرأة طهارتها من حيض أو نفاس ثم تمضمض واستنشق أجزأه وتم غسله؛ لأنه عمم البدن ومضمض واستنشق، والفم والأنف من خارج البدن، فيجزئه هذا.
مقدار الماء الذي يغتسل به
مقدار الماء الذي يغتسل به قال رحمه الله: [ويتوضأ بمد ويغتسل بصاع] بعد أن بين رحمه الله صفة الغسل الكاملة والمجزئة، انتقل ليبين هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في قدر الماء الذي يغتسل به فقال رحمه الله: (ويتوضأ بمدٍ ويغتسل بصاع). فقوله: (يتوضأ بمد) المد: هو ضرب من المكاييل التي كانت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، والمد أصغرها، وضابطه عند العلماء: ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، أي: أوسط الرجال لو حفن حفنة ملأت هذا المد، وهذا المد لازال موجوداً إلى الآن في المدينة، ويتوارثه الناس جيلاً فجيل، ويعتبر حجة؛ لأنه من نقل الكافة عن الكافة، وهو ربع صاع بالنسبة لمد المدينة، وعرف المدينة باقٍ على الأصل، وقد حررت ذلك بنفسي على كبار السن، وعندهم أنه إذا صنع الصانع المد فلابد أن يحرر، والتحرير: أنهم يأخذون صاعاً قديماً حرر على أقدم منه وهكذا حتى يضبطونه؛ لأنه في بعض الأحيان الصانع يوسع المد، فلم تكن عندهم المعايير منضبطة مثل ما هو الآن في المصانع، فالصانع ربما وسعه وربما ضيقه، ففي بعض الأحيان يقول لك: هذا المد مسح، بمعنى: إذا امتلأ الطعام فيه فمسحته تم المد، وبعض الأحيان يقول لك: حتى يتساقط، يعني: تملأه بالطعام حتى يتناثر، وبعض الأحيان يقول لك: نصف ملء، بمعنى: أنك تملؤه ولا يتناثر كمال التناثر ولكن إلى نصفه وهكذا، فالمد هذا يعدل ربع الصاع، وصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد، أي: من المد الذي هو ملء اليدين المتوسطتين، فلو ملأت بها أربع مرات أو حثيت بها أربع مرات طعاماً أو تراباً ملأت الصاع، وهذا الصاع كما قيل: إنه وحدة من الكيل فوق المد. وأحياناً يقولون للمد الصغير هذا: صاعاً نبوياً، ولكن المشهور أن الصاع هو الكبير، وهذا الصغير يعد ربع صاع، وكذلك أيضاً هناك وحدة ثالثة وهي: المد الكبير، والمد الكبير ثلاثة أضعاف الصاع، أي: ثلاثة آصع تملأ المد الكبير، فأصبح المد الكبير فيه اثنا عشر مداً صغيراً، فيفرق بينهما، وفي الأعراس قد تسمعهم يقولون: هذا مد كبير أو هذا مد صغير فتفرق بينهما بهذا. يقول: (يتوضأ بمدٍ) وهو المد الصغير، (ويغتسل بصاع)، كما جاء في حديث أم المؤمنين عائشة، وورد عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه اغتسل بإناء قدر الحلاب) والمراد بقدر الحلاب أي: الإناء الذي يسع حليب الناقة، فلو حُلبت ملأته، وهذه ضوابط العرب؛ لأنهم في القديم ما كان عندهم وحدات، فأحياناً يقدرون بمثل هذا وأحياناً يقدرون بشيء تقريبي، وورد عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه اغتسل إلى خمسة أمداد) من المد الذي ذكرناه، وكل هذا على التخيير. وهدي النبي صلى الله عليه وسلم ليس ملزماً؛ لأنه دلالة فعل، بمعنى: لا يلزمك ولا يجب عليك أن تغتسل بالصاع، بل إن في بعض الأحيان لو اغتسل الإنسان بالصاع ربما أخل، فلا تُطلب السنة بضياع الفرض، وإنما يغتسل بالصاع من يضبط الماء، ويحسن صبه على البدن وحفظه، وهذا موجود، وإن كان بعض العلماء يقول: كان الشيء مباركاً فيه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي زمانه، ثم نزعت البركة، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه: (إذا نزل عيسى بن مريم عليه السلام -كما في صحيح مسلم وغيره من أحاديث الرقائق- أنه توضع البركة، حتى أن الشاة يطعمها أربعون) الشاة الواحدة تكفي أربعين شخصاً من البركة، وقد نزعت البركة من الأشياء، فربما لو قلت لإنسان الآن: اغتسل بصاع، قد لا يستطيع، بل حتى في عصر التابعين، قال ابن الحنفية: (ما يكفيني)، فرد عليه الراوي: (قد كان يكفي من هو أكبر منك جسداً وأوفر شعراً)، يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم. فالمقصود: إذا تيسر للإنسان أن يصيب هذه السنة فليصبها، وإذا لم يتيسر له فإنه لا حرج عليه.
حكم الغسل بأقل من صاع
حكم الغسل بأقل من صاع قال رحمه الله: [فإن أسبغ بأقل أو نوى بغسله الحدثين أجزأ]. قوله: (فإن أسبغ بأقل) (أسبغ) بمعنى: عمم أو استوعب أعضاء الفرض، فمثلاً: الصبي الذي هو في الخامسة عشرة من عمره أو الإنسان صغير الحجم، قد يستطيع بأقل من الصاع أو بقدر يقارب الصاع أن يعمم بدنه، فليس مراده أن يغتسل بالصاع إلزاماً، فجاء بهذه العبارة حتى يفيد أنه للندب والاستحباب لا للحتم والإيجاب.
حكم من نوى بغسله رفع الحدثين
حكم من نوى بغسله رفع الحدثين وقوله: (أو نوى بغسله الحدثين أجزأ) إذا اغتسل الإنسان من أجل أن يصلي فإنه يستبيح الصلاة مباشرة، وقال بعض العلماء: إنه يجزئه مطلقاً سواءً نوى أو لم ينو، والأقوى أنه إذا نوى يجزئه، وهذا بالإجماع: أن من اغتسل فإن هذا يجزئه لكلا العبادتين، وإذا وقع الوضوء في الغسل أجزأه قولاً واحداً، لكن عند أبي ثور أنه يجب عليه أن يتوضأ أثناء الغسل، وهذا قول يعتبر من مفردات أبي ثور -وهو الإمام الفقيه إبراهيم بن خالد بن يزيد الكلبي رحمة الله عليه، كان من أصحاب الشافعي ثم اجتهد، وكان له مذهب مستقل، يقول عنه الإمام أحمد: أعرفه بالسنة منذ ثلاثين عاماً رحمة الله عليه- فهذا الإمام الجليل يرى أن الوضوء في الغسل واجب، ولكنه قول مرجوح لظاهر القرآن: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] ولم يوجب الله الوضوء، وما ثبت في الصحيحين من حديث أم سلمة الذي ذكرناه: (إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات) وهذا الحديث من أهم أحاديث الغسل، ولذلك أقول: رضي الله عن أم سلمة وأرضاها، ونسأل الله العظيم أن يعظم أجرها بهذا الحديث، وهذا الحديث دفع إشكالات كثيرة في الغسل من الجنابة، وأزال اللبس في كثير من الأمور التي قيل بوجوبها وهي ليست بواجبة، وما كان هناك مخرج إلا بهذا الحديث، وهذه هي فائدة سؤال العلماء، فقد سألت أم سلمة رضي الله عنها وقالت: (يا رسول الله! إني امرأة أشد ظفر شعر رأسي، أفأنقضه إذا اغتسلت من الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء على جسدكِ فإذا أنتِ قد طهرتِ) وهذا الحديث يستفاد منه فيما لا يقل عن عشرين مسألة من مسائل الغسل من الجنابة، رضي الله عنها وأرضاها. قال رحمه الله: [ويسن لجنب غسل فرجه]. إذا وقعت الجنابة من جماع أو استيقظ وهو جنب فيسن له أن يغسل فرجه، لظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحديث عمر في الصحيحين، أما حديث عائشة فقالت:: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن ينام أو يأكل غسل فرجه وتوضأ)، وأما حديث عمر في الصحيحين قال: (يا رسول الله! أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم، ثم قال عليه الصلاة والسلام: توضأ واغسل فرجك ثم نم) فقالوا: (اغسل فرجك) دل على مشروعية غسل الفرج، حتى أن بعض الأطباء يعتبره من الأمور الطيبة، ويقولون: إنه لا يؤمن أنه إذا تأخر المني في موضعه أن تتولد منه بعض الجراثيم، وقد ينشأ منها بعض الأمراض، ولذلك قالوا: ربما لو يبس على العضو ربما حدث بعض الضرر، فلذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يغسل موضع الجنابة. وقوله: (لجنب). يشمل الذكر والأنثى، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: توضأ واغسل فرجك).
حكم وضوء الجنب لأكل ونوم ومعاودة جماع
حكم وضوء الجنب لأكل ونوم ومعاودة جماع قال رحمه الله: [والوضوء لأكل ونوم] قد ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة عند أحمد ومسلم في صحيحه رحمة الله عليهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان جنباً وأراد أن ينام أو يأكل توضأ) ومن العلماء من قال: هذا الوضوء وضوء الجنب، وهذا الوضوء لا ينتقض، فلو توضأ ثم خرج منه ريح فإنهم يقولون: لا ينتقض وضوءه بل يبقى على وضوئه، وهو الوضوء الذي يلغز به بعض الفقهاء فيقولون: متوضئ لا ينتقض وضوءه لا ببول ولا غائط ولا ريح، فقد تقول: المستحاضة، فيقال: هذه معذورة، لكن هذا غير معذور، فيكون A هو وضوء الجنب، كما أشار إلى ذلك السيوطي بقوله: قل للفقيه وللمفيدِ ولكل ذي باعٍ مديدِ ما قلت في متوضئٍ قد جاء بالأمر السديدِ لا ينقضون وضوءه مهما تغوط أو يزيدِ فهذه من ألغاز الفقهاء، فلو أن إنساناً أراد أن ينام فغسل فرجه ثم توضأ، وقبل أن ينام خرج منه ريح، فيقول: ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نتوضأ في الجنابة قبل النوم، إذاً فقد انتقض الوضوء، مع أنه يكاد يكون إجماعاً أنه لا ينتقض هذا الوضوء بخروج الخارج؛ لأن المراد به -كما يقولون-: أنه أرفق بالأعضاء، والغالب أن الإنسان إذا حصل منه الإنزال ضعف بدنه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الغسل عند معاودة للوطء: (فإنه أنشط للعود) وسبحان الله! ما أكرم الله علينا بهذه الشريعة! فنحمد الله تبارك وتعالى على هذه النعم الظاهرة والباطنة، ولهذا فالخير الكثير والرحمة المهداة والنعمة المسداة التي أكرمنا الله عز وجل بها في هذه الشريعة السمحاء، نسأل الله العظيم أن يحيينا عليها وأن يرزقنا طهارتها وأن يميتنا عليها. وعندما تنظر إلى الكفار ترى الواحد منهم ربما أقبل عليك فلا تستطيع أن تتحمل نتنه وقذارته؛ لأنهم لا يغتسلون ولا يزيلون الحدث، حتى ذكر بعض المؤرخين والمتأخرين أن أوروبا عاشت إلى قرون قريبة -إلى قبل القرن العاشر بيسير- وهم لا يعرفون الغسل، ولا يحسنون تنظيف أبدانهم، وهم الذين يقولون: إنهم أهل الحضارات، وما عرفوا الحضارة إلا من الإسلام، ولا عرفوا الطهارة ولا النقاء إلا من هذه الأحاديث النبوية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ما تركت قليلاً ولا كثيراً، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين؛ والله أخبر أنه يريد أن يطهرنا، فطهرنا سبحانه حساً ومعنى، وهذا من سماحة الشريعة ومن يسرها وفضلها. وقوله: (والوضوء لأكل) لحديث عائشة. (ونوم) لحديث عمر رضي الله عنه في الصحيحين، وكذلك في حديث عائشة [(ومعاودة وطء) أي: معاودة الجماع، فلو أن إنساناً جامع أهله ثم أراد أن يعود فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا جامع أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ) فعندنا الآن: الوضوء للنوم، والوضوء للأكل، والوضوء لمعاودة الجماع. وظاهر الأحاديث الأمر: (فليتوضأ) (توضأ واغسل فرجك ثم نم) كلها أوامر، فهل هذا الوضوء واجب؟ وجهان للعلماء: وأصحهما قول الجمهور: أن الوضوء ليس بواجب على الجنب، لا للأكل ولا للنوم ولا للجماع، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت بالوضوء للصلاة) وهذا هو ظاهر القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] فدل على أن لزوم الوضوء إنما يكون عند إرادة الصلاة، وفرع من هذا عدم الوجوب لغير الصلاة، وفيه حديث عمار أنه رخص للجنب، يعني: في ترك وضوئه عند إرادته الأكل أو النوم، ولكنه متكلم في سنده، لكن الأقوى: (إنما أمرت بالوضوء للصلاة). إذا ثبت هذا: فالأمر بالوضوء للجنب على الاستحباب والندب لا على الوجوب والحتم، فلو أنه ترك هذا الوضوء لم يجب عليه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم سنية الوضوء لمعاودة الجماع، وقال عليه الصلاة والسلام في بيان العلة: (فإنه أنشط للعود) فقوله: (إنه أنشط للعود) يخرج النص عن الوجوب إلى الندب والاستحباب، وهي قرينة تصرف الحديث من الأمر إلى الندب، ففي هذا الحديث ذكرها العلماء، لكن أظهرها قولهم: أنه للندب والاستحباب لا للحتم والإيجاب.
الأسئلة
الأسئلة
حكم المضمضة والاستنشاق عند الغسل
حكم المضمضة والاستنشاق عند الغسل Q إذا اغتسل الإنسان غسل إجزاء ولم يتمضمض ولم يستنشق، فهل غسله باطل؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: اختلف العلماء رحمهم الله في المضمضة والاستنشاق للغسل من الجنابة على قولين: فقال الإمام أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما بوجوب المضمضة والاستنشاق، وقال غيرهم بالاستحباب، والصحيح: أنهما واجبان ولا يصح الغسل بدونهما؛ لأن الله أمر بتطهير ظاهر البدن، والفم والأنف من ظاهر البدن لا من داخله، بدليل أن الصائم إذا تمضمض أو استنشق لم يفطر من صومه، وبناءً على ذلك: فإن أصح الأقوال: أن المضمضة والاستنشاق لازمتان للغسل من الجنابة، فمن لم يتمضمض ولم يستنشق يكون كأنه ترك عضواً من الأعضاء التي أمر بغسلها. والله تعالى أعلم.
حكم من أحدث أثناء الغسل
حكم من أحدث أثناء الغسل Q إذا أحدث الشخص أثناء الغسل، هل يعود ويبتدئ من الأول أم يستمر؟ A إذا أحدث الإنسان أثناء الغسل فحدثه على ضربين: إذا أحدث حدثاً أصغر فإنه لا يؤثر في غسله من الجنابة، ولكن لا يستبيح به الصلاة إلا إذا عمم بدنه بالماء بعد خروج ذلك الخارج، مثال ذلك: لو أن إنساناً -أثناء اغتساله- بعد أن غسل كفيه وتوضأ وضوءه للصلاة وغسل شقه الأيمن خرج منه ريح أو مس فرجه، فحينئذٍ إذا غسل باقي البدن وعمم -بعد انتهائه من الجزء الأيسر- على سائر البدن وتمضمض واستنشق فإنه يجزئه، ويعتبر تعميم البدن بعد خروج الخارج بمثابة الوضوء بعده، أما لو أنه خرج منه الخارج بعد تعميم البدن، كأن يكون مثلاً: عمم بدنه بالماء وقبل أن يغسل رجليه خرج منه الريح أو بال، فإنه في هذه الحالة يعتبر منتقضاً لوضوئه، وأما غسل الجنابة فلا يؤثر فيه الحدث الأصغر. أما لو خرج منه مني فعلى حالتين: إما أن يكون فضلة مني سابقة، كأن يكون مثلاً: خرج منه المني وبقي شيء في المجاري لم يقوَ خروجه إلا عند برود جسده، فلما برد جسده بالماء قويت القوة الدافعة على إخراج ما تم، فخرجت فضلة المني الأول على شكل قطرات فإن هذه تنقض الوضوء ولا تنقض الغسل -على القول بأن خروج المني ناقض للوضوء- وبناءً على ذلك: فإن هذا المني يعتبر لاحقاً للمني الأول، والتابع تابع، لكن لو أن هذا المني كان منياً مستأنفاً فحينئذٍ يلزمه أن يعيد غسله من الجنابة، ولا يصح منه إلا بعد أن يعمم بدنه بالماء، والله تعالى أعلم.
حكم الاغتسال بالماء والصابون في غسل الجنابة
حكم الاغتسال بالماء والصابون في غسل الجنابة Q إذا اغتسل الإنسان بالماء والصابون ونوى به غسل الجنابة، فهل يجزئه ذلك أم أن الماء يعتبر طاهراً؟ A لا ما يمكن؛ لأنه إذا اغتسل بالماء والصابون، وعمم بدنه بالصابون، ثم صب الماء، فالماء طهور، فورود الطهور على الطاهر يطهر، لكن لو كان الماء مخلوطاً بصابون واغتسل بماء وصابون فهل يبقى بالماء والصابون على بدنه؟ ما يمكن هذا، وما يتأتى، فلابد أنه بعد الصابون سيصب صبة مستقلة، فإذا صب الطهور بعد الطاهر أجزأه، أما أن يغتسل بالماء والصابون ويخرج فما أظن هذا حاصلاً؛ لأنه لا يستطيع أن يصبر على أذى الصابون، وبناءً على ذلك: فالمسألة فرضية أكثر من أنها حقيقية، وهي سؤال جيد كمسلك فقهي، أي: هل يؤثر أو لا؟ وهي مفرعة على قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلنها بماء وسدر) قالوا: هل ينفصل، أو يكون مع الماء الطهور، أو يغسل بالماء أولاً ثم يدلك بالسدر ثم يصب الماء الطهور بعد ذلك؟ فالأحوط دائماً: أن تجعل بعد الصابون غسلة مستقلة. فلو كان الماء فيه رائحة الصابون وطعم الصابون فهو طاهر وليس بطهور، وفي هذه الحالة لا يرفع حدثاً أصغر ولا حدثاً أكبر، لأنه طاهر غير طهور.
عصر الذكر عند الغسل من الجنابة
عصر الذكر عند الغسل من الجنابة Q هل يجب على الإنسان عند غُسله من الجنابة أن يعصر ذكره حتى يخرج ما تبقى من المني؟ A لا، تكلف عصر العضو في الخارج سواءً كان منياً أو كان غير مني هذا لا أصل له، ولكن ذكر العلماء أنه إذا حصل عند إنسان مرض ولم تستطع القوة على إخراج الفضلة وتوقف على السلت، قالوا: يسلت من باب: مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولكنها حالة مستثناة، والأفضل والأولى أن لا يفعلها الإنسان ولا يعتاد هذا، وأما هل يجب عليه؟ فلا يجب على أحد أن يعصر ولا أن يتكلف ذلك، وقد يدخل الإنسان على نفسه الوسوسة، وقد يتسلط عليه الشيطان ويقول له: بقي شيء، ويقولون: إن العضو كالضرع كلما حلب در، ولذلك قالوا: كلما اشتغل المكلف بعضوه من ناحية نقاء البول أو المني أو المذي فإنه يدخل على نفسه باباً من الوسوسة يتعب منه كثيراً، ولذلك استحبوا أن الإنسان يقتصر على رحمة الله به ولطفه، فما كلف الله المكلف إلا ما أمامه، فإذا غسل العضو غسلاً عادياً دون أن يتكلف فيه فقد أجزأه وبرئت ذمته، والله تعالى أعلم.
كيفية الاغتسال وفق السنة تحت الدش
كيفية الاغتسال وفق السنة تحت الدش Q كيف يتحقق غسل الجنابة على السنة مع ما يسمى هذه الأيام بالدش؟ A يبدأ الإنسان بغسل كفيه أولاً، ثم يغسل فرجه ومواضع الأذى، ثم يفرغ بيمينه على يساره، فإذا كان عنده صنبور فإنه يفتح الصنبور ويأخذ باليسرى، ويغسل الفرج ومواضع الأذى، ثم يرجع ثانية ويفتح الصنبور ويغسل كفيه حتى يظن أنه أنقاها بالصابون أو نحوه، فإذا حصل النقاء للكفين فإنه يبدأ ويتوضأ وضوءه للصلاة، وبعد أن ينتهي من مسح رأسه -على القول بتأخير الرجلين- يغسل رجليه، ثم يقوم ويقف -وهذا أفضل- ويجعل شقه الأيمن للدُش. فإذا أصاب الشق الأيمن فإنه يدلك شعره، ويبدأ أول شيء بدلك الشعر بحيث يروي أصوله، ثم يجعل شقه الأيسر للدُش، ثم يعمم سائر بدنه، والسنة والأولى -على القول بالتفصيل في غسل الرأس- أن يبدأ بغسل الكفين ثم بغسل الفرج ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ كفاً من ماء ويصبها على رأسه ويروي بها أصول الشعر اليمنى، ثم يروي أصول الشعر ثم يقف، ويصب على شقه الأيمن ثم الأيسر، لكن التيامن والتياسر مشكلة في البركة. فقد يكون الإنسان حريصاً على السنة، فكيف، يفعل في البركة؟ ممكن أن الإنسان، يبدأ بنفس الطريقة، ثم يفيض على شقه الأيمن ثم شقه الأيسر، بل حتى لو وقف في البركة وأصاب الماء منتصف جسده أو إلى صدره ثم أفاض -وهو واقف- يبدأ ويفيض على شقه الأيمن ثم على شقه الأيسر ثم ينغمس في البركة فإن هذا يجزئه.
حكم نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة والحيض والنفاس
حكم نقض المرأة شعرها في غسل الجنابة والحيض والنفاس Q هل يجب على المرأة أن تنقض شعر رأسها في الغسل من الجنابة أم هو خاص في الحيض والنفاس فقط؟ A ظاهر حديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (إني امرأة أشد ظفر شعر رأسي، أفأنقضه إذا اغتسلت من الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيكِ أن تحثي على رأسكِ ثلاث حثيات، ثم تفيضين الماء على جسدكِ؛ فإذا أنتِ قد طهرتِ) قال بعض العلماء: لا يلزمها نقض شعرها مطلقاً، لا في غسل جنابة ولا في غسل حيض أو نفاس، ووجه ذلك أنهم قالوا: إنها سألت عن الجنابة، والسؤال عن الجنابة منبهٌ على النظير وهو: الحيض والنفاس، وقال بعض العلماء: يكون الحكم خاصاً بالجنابة، ويبقى الحيض والنفاس على ظاهر القرآن من الأمر بالتطهير، والأقوى: أن الحكم عام وشامل للجنابة والحيض والنفاس. ولذلك: السؤال عن أحد أفراد العام لا يقتضي التخصيص به إذا كان المعنى يقتضي التعميم، وإن كان بعض العلماء ينازع في هذا ويقول: إنه قد يخفف من جهة الجنابة للكثرة ويكون الحيض والنفاس باقٍ على الأصل للقلة، أي: لقلة الحيض والنفاس، حيث يكون مرة في الشهر، ولكن الجنابة قد تكون مرة في اليوم وقد تكون مرات، فقالوا: خفف عليها في الجنابة، وبقي الحيض والنفاس على الأصل الموجب لسائر البدن، والذي يظهر أنه يجزئها في الحيض والنفاس، ولكن الأحوط والأفضل: أن تنقض شعرها في غسلها من الحيض والنفاس، وتبقى في الجنابة على الرخصة، ولكن لو عملت بالرخصة في الجميع أجزأها، والله تعالى أعلم.
حكم مسح الجسم بالماء دون إفاضة الماء
حكم مسح الجسم بالماء دون إفاضة الماء Q هل يجزئ مسح الجسم بالماء بدل الإفاضة بسبب قلة الماء أو برودته؟ A المسح لا يجزئ، لكن لو صب الماء ثم دلك الجسد والماء عليه أجزأ، وهناك فرق بين المسح وبين الغسل، فإن الله أمر بالتطهر بالماء، ولا يتحقق ذلك إلا بالغسل، والفرق بين المسح وبين الغسل: أن مادة الماء موجودة على الجسم أثناء إمرارك لليد، لكن المسح يكون بفضلة الماء الموجودة على الكف الذي تمسح به، ويكون ظاهر البشرة لا ماء فيه، فإن كان الماء موجوداً في اليد الماسحة دون اليد الممسوحة فهذا مسح، وأما إذا كان الماء موجوداً على اليد المغسولة ومر نفس الماء على يده فإن هذا غسل وليس بمسح، وهي مسألة تشكل على الكثير، وقد تحدث بسببها وسوسة للإنسان، فخذ هذا الضابط: إذا كان الماء جارياً على البدن، وجرفت الماء بجريان أصابع يدك عليه، والماء موجود على نفس العضو الذي جرت عليه اليد فهذا غسل، أما إذا كان الماء موجوداً في اليد التي تجري دون اليد التي تُغسل فإنه يكون مسحاً ولا يكون غسلاً، والله تعالى أعلم.
حكم استباحة فريضة بوضوء نافلة
حكم استباحة فريضة بوضوء نافلة Q إذا توضأت لصلاة نافلة وبقيت على ذلك الوضوء حتى دخل وقت فريضة، فهل أصلي بذلك الوضوء، علماً أنني نويت بوضوئي صلاة النافلة فقط؟ A هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فمن أهل العلم من يقول: من توضأ لنافلة صلى ما شاء الله، ولا يفرق بين النافلة والفريضة، ومنهم من قال: إن من توضأ لنافلة فلا يصلي بها ما هو أعلى منها وهي الفريضة؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عمر: (إنما لكل امرئ ما نوى) فمن نوى الأقل لا يستبيح به الأعلى، كمن صلى نافلة وأراد أن يقلبها ظهراً فبالإجماع أنها لا تنقلب، ولذلك قالوا: إذا نوى أن هذا الوضوء للنافلة فإنه يستبيح صلاة النافلة دون الفرض، وهذا هو الأحوط لظاهر قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) فقال العلماء قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) يدل على أن من نوى الشيء حصل له، وأن من لم ينوه -من باب المفهوم- لا يحصل له، وهذا هو الأحوط، فيعيد وضوءه، والأفضل والأحسن أن الإنسان إذا أراد أن يتوضأ أو يغتسل أن ينوي رفع الحدث، ولا ينوي صلاة معينة، فإنه إذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر أجزأه، وقد أشار بعض الفضلاء إلى هذا المعنى في قوله: ولينوِ رفع حدثٍ أو مفترض أو استباحة لمن معاً عرض فهذه ثلاثة أحوال للنية، (ولينوِ رفع حدثٍ) أي: ينوي مطلق رفع الحدث، وهذا بالإجماع أنه يستبيح به ما شاء مما يمنعه الحدث. (أو مفترض) يعني: صلاة فرضها الله كالظهر والعصر، (أو استباحة لمن معاً عرض) أي: هو محدث فيمتنع عليه أن يطوف فتوضأ للطواف، أو يمتنع عليه حمل القرآن فتوضأ لحمل القرآن، والأولى والأحسن للإنسان أن ينوي رفع الحدث، وإذا نوى رفع الحدث الأصغر والأكبر فإنه يستبيح ما شاء الله أن يستبيح، والله تعالى أعلم.
حكم جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة للمسافر
حكم جمع صلاة العصر مع صلاة الجمعة للمسافر Q هل يجوز للمسافر أن يجمع بين العصر والجمعة جمع تقديم كما يجمع بينه وبين الظهر؟ A هذه المسألة فيها إشكال عند العلماء، ومذهب طائفة من أهل العلم أنه لا يجمع بين الجمعة والعصر، وذلك لأن الجمعة لا تكون للمسافر، والجمع إنما يتأتى إذا قُصرت الصلاة مع الصلاة الثانية، وإن كانت قضية القصر ليست هي العلة الأقوى في هذا؛ لظاهر حديث المناسك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين صلاتين: الأولى تامة والثانية مقصورة وهما: المغرب والعشاء، فإن الأولى تامة والثانية مقصورة، ولذلك قال بعض العلماء: إنه يصح الجمع بين الجمعة والعصر، وقال بعضهم بعدم صحة الجمع بين العصر والجمعة، والأحوط أن الإنسان لا يجمع، لكن لو احتاج وجمع فيقوى القول بأنه يجوز له ذلك ولا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
الخلاف في تحريم زوجة الأب من الرضاع
الخلاف في تحريم زوجة الأب من الرضاع Q قال تعالى: {وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء:22] هل زوجة الأب من الرضاع تحرم على ابنه من الرضاع فتكون داخلة في عموم هذه الآية؟ A هذا التحريم يسمى التحريم بالمصاهرة في الرضاع والتحريم بالمصاهرة اختلف العلماء فيه، هل يستوي النسب والمصاهرة في التحريم بسبب الرضاع أو لا يستويان؟ والحقيقة أن هذه المسألة أنا متوقف فيها، وكنت أقول: إن التحريم بالمصاهرة في الرضاع ينزل منزلة التحريم بالنسب في الرضاع لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) ولكن الإشكال أن التحريم هنا بالمصاهرة، وهي مسألة توقف فيها عدد من العلماء رحمة الله عليهم من المتقدمين، وأنا أرى أن الإنسان يحتاط، فلا يتزوجها ولا يختلي بها، أي: يحتاط في الذي هو مسلك الشبهة، فأقل درجاتها الشبهة، فلا يتزوجها ولا يختلي بها إعمالاً للأصل في الاستبراء في كلا الأمرين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب التيمم [1]
شرح زاد المستقنع - باب التيمم [1] شرع الله سبحانه التيمم في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وأجمع العلماء كذلك على مشروعيته، وهو رخصة من الله سبحانه لعباده المسلمين؛ ليزيل عنهم المشقة والضرر، وله أسباب تبيح الأخذ برخصته، وكذلك له ضوابط نص عليها العلماء وبينوها حتى تكون الرخصة في محلها.
تعريف التيمم لغة واصطلاحا
تعريف التيمم لغة واصطلاحاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب التيمم]. التيمم مأخوذ من قولهم: تيمم الشيء إذا قصده، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [البقرة:267] أي: ولا تقصدوا رديء التمر والخارج من الأرض لتنفقوا منه زكاة أموالكم، ومن ذلك قول الشاعر: تيممتها من أذرعات وأهلُها بيثرب أدنى دارها نَظَرٌ عالي أي: قصدتها. فالتيمم القصد. وأما في الاصطلاح: فإنه القصد إلى الصعيد الطيب بضرب اليدين ومسح الوجه والكفين بنية استباحة الصلاة ونحوها مما تشترط له الطهارة. والمراد بالصعيد الطيب: ما على وجه الأرض، سواءً كان تراباً أو غيره، وسواء كان جامداً -كالحجارة ونحوها- أو كان غير جامد. فقولهم: القصد إلى الصعيد الطيب، المراد به كل ما صعد على وجه الأرض، والعلماء -رحمهم الله- اختلفوا في هذه المسألة، فمنهم من يقول: لا يقصد إلا إلى شيء مخصوص، وهو التراب إذا كان له غبار، وأما إذا لم يكن له غبار فإنه لا يتيمم به. وقالت طائفة من العلماء: إنه يتيمم بكل ما على وجه الأرض، من الجامد، وغير الجامد كالنباتات التي تغتذي بالماء، قالوا: يجوز أن يتيمم بها ما دامت متصلة بالأرض، كما هو مذهب مالك رحمه الله. ومنهم من خصّ التيمم بكل ما على وجه الأرض، لكن خصه بما كان من جنس الأرض، فيشمل الحجارة والطين والجصّ والنورة وغير ذلك. (بضرب اليدين) أي: يقصد إلى الصعيد الطيب مع ضربه اليدين على ذلك الصعيد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام لـ عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ثم ضرب عليه الصلاة والسلام بكفيه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه، فدل هذا على أنه يشرع التيمم على هذه الصفة، فقولهم: القصد إلى الصعيد الطيب بمسح الوجه والكفين: المراد به قصد مخصوص، وقولهم: بنية استباحة الصلاة، هو أحد أقوال العلماء، والقول الثاني: بنية رفع الحدث، والقول بنية استباحة الصلاة هو الأقوى؛ لأن التيمم مبيح وليس برافع.
أدلة مشروعية التيمم
أدلة مشروعية التيمم شرع الله التيمم في كتابه بقوله سبحانه وتعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] في آيتي النساء والمائدة، وشرعه عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن عماراً لما خرج في السرية -وكانت في زمان بارد- وأصابته الجنابة قال: فتمعكت كما تمعك الدابة -وكان يخشى على نفسه لو اغتسل أن يموت- فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ما صنع. فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه). وثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ على رجل لم يصلِّ في القوم، فقال: ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد الطيب، فإنه يكفيك) وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) وفي الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي -ومنها قوله:- وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فدلت هذه الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم على أن التيمم مشروع. وأجمع العلماء رحمهم الله على مشروعية التيمم. أما بالنسبة لمناسبة هذا الباب لما قبله: فقد كان المصنف رحمه الله في باب الغسل ثم شرع في باب التيمم، فما هو الرابط بين باب الغسل وباب التيمم؟ تكلم المصنف رحمه الله في الباب السابق عن الغسل والوضوء ونواقض الوضوء، فجمع بذلك بين الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى، ولكن كان حديثه عن الطهارة بالماء التي هي أصل، ثم شرع هنا في طهارة التراب التي هي بدل، ولذلك قالوا: إن الكلام عن البدل مفرّع عن الكلام على المبدل منه، فبعد أن بين رحمه الله حكم الطهارة بالأصل -وهو الماء- شرع في بيان حكم الطهارة بالبدل، وهو التراب.
التيمم بدل عن الطهارة الصغرى والكبرى وطهارة الخبث
التيمم بدل عن الطهارة الصغرى والكبرى وطهارة الخبث قال رحمه الله: [وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة]. (وهو) أي: التيمم. (بدل طهارة الماء) أي: أنه ليس بأصل، وإنما شرع على صورة مخصوصة، وفي أحوال مخصوصة، ولذلك يمكن للفقيه أن يقول للمكلف: تيمم إذا وجد موجبات الرخصة، وممكن أن يقول له: لا تتيمم إذا لم تتوفر موجبات الرخصة، ولذلك قال: وهو بدل، والبدل يحتاج منك إلى أن تعرف شروطه والقيود التي وضعها الشرع لجواز هذا البدل عن المبدل منه، فالتيمم بدل عن طهارة الماء، وهذه البدلية تشمل الطهارة الصغرى -وهي الوضوء- والطهارة الكبرى -وهي الغسل من الجنابة- فيقع التيمم بدلاً عن الوضوء ويقع بدلاً عن الغسل من الجنابة، وللمكلف إذا تيمم أن يستبيح الصلاة مباشرة، ويقع التيمم بدلاً عن طهارة الخبث كما هو قول طائفة من العلماء، فمن وقعت عليه نجاسة ولم يجد ماء يغسل به تلك النجاسة يتيمم لوجود النجاسة ببدنه، فجعلوا التيمم بدلاً عن الطهارة بنوعيها: طهارة الحدث وهذا بالإجماع، فيقع بدلاً عن الطهارة الصغرى وهي الوضوء والطهارة الكبرى وهي الغسل وطهارة الخبث، فإذا سئلت عن بدليته فقل: عن ثلاثة: عن الوضوء والغسل وطهارة الخبث. أما على القول الثاني الذي يقول: إن من لم يجد الماء ووقعت عليه النجاسة فإنه لا يتيمم، فيصبح التيمم بدلاً عن الطهارة الصغرى والكبرى فقط.
أسباب الأخذ برخصة التيمم
أسباب الأخذ برخصة التيمم قال رحمه الله: [وهو بدل طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة]. وقوله: (وهو بدل طهارة الماء) عمم المصنف فقال: هذا التيمم بدل عن طهارة الماء، فشمل طهارة الحدث -أي: طهارة الوضوء وطهارة الغسل- وشمل طهارة الخبث، فأصبح بدلاً على العموم.
حكم التيمم للفريضة قبل دخول وقتها
حكم التيمم للفريضة قبل دخول وقتها (وهو بدل عن طهارة الماء إذا دخل وقت فريضة) إذا دخل: هذا شرط، والشروط في المتون الفقهية يعتبر مفهومها، وإن كان بعض العلماء له مصطلح في المفاهيم التي يذكرها في متنه. ومعنى قولنا: إن الشروط تعتبر مفاهيمها، أنه مثلاً: إذا قال لك: إذا دخل وقت فريضة، فمفهومه أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة فإنه لا يتيمم لها، لكن لو تيمم لغير الفريضة كأن يتيمم لمس مصحف إذا كان جنباً أو يتيمم للطواف بالبيت فلا حرج عليه. إذاً: قوله: (إذا دخل وقت فريضة) أي: أنك تتيمم وتستبيح رخصة التيمم للفريضة بشرط أن يدخل وقتها، فلو أن إنساناً سألك وقال: لم أجد الماء فتيممت قبل أذان الظهر ثم دخل وقت الظهر فصليت؟ فتجيب: لا يصح التيمم ولا يستباح بهذا التيمم فعل الصلاة؛ لأن شرط التيمم أن يدخل وقت الفريضة. هذا بالنسبة لمعنى العبارة. أما الدليل الذي يدل على اشتراط دخول الوقت للتيمم، فقالوا: إنه الأصل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] إلى أن قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6] هذه الآية وجه دلالتها على اشتراط دخول الوقت -وهذا يحتاج إلى دقة في الفهم والتركيز- أنه في أول الإسلام كان يجب على المكلف إذا دخل وقت الفريضة أن يتوضأ، حتى ولو كان متوضئاً، وكانوا يصلون كل فريضة بعد دخول وقتها بوضوئها، أي: في الوقت، ثم نسخ ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أهل العلم من قيّد النسخ بفعله عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق، كما ثبت في الحديث الصحيح أنه لم يصلِّ العصر حتى غربت الشمس، كما في الصحيحين من حديث عمر: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، فقال عليه الصلاة والسلام: والله ما صليتها، قوموا بنا إلى بطحان، قال: فتوضأ ثم صلى العصر والمغرب والعشاء) قالوا: هذا نسخ وجوب الوضوء عند دخول الوقت، ودل على أنه يشرع للمكلف أن يجمع بوضوء واحد بين عدة صلوات ولا حرج عليه في ذلك، فأصبح الوضوء رافعاً للحدث، وبناءً على ذلك قالوا: نُسخ الحكم في الوضوء وبقي التيمم على الأصل من كونه مطالباً بالتيمم عند دخول الوقت، وهذا صحيح؛ لأنه إن ورد النص على العموم إلا أن سياق الآية يقيد الطهارة بدخول الوقت {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] ولا يقام لفعل الصلاة المفروضة إلا بعد دخول وقتها، فلما جاء الناسخ في الوضوء بقي غيره على الأصل، قالوا: فبقي التيمم على الأصل، ومن هنا لا يتيمم إلا عند دخول وقت الفريضة، وتفرّع على هذا أن التيمم مبيح لا رافع، أي: أن التيمم يبيح لك فعل الصلاة لا أنه يرفع الحدث، إذ لو كان رافعاً للحدث لما احتجت بعد تيممك الأول إلى تجديده بدخول وقت الفريضة الثاني.
مسألة: التيمم رافع أم مبيح
مسألة: التيمم رافع أم مبيح وهذه مسألة خلاف: هل التيمم مبيح أم رافع؟ أصح القولين عند العلماء رحمهم الله: أن التيمم مبيح، ويشهد لذلك -كما قلنا- ظاهر التنزيل، وأيضاً ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رأى رجلاً لم يصلِّ -وفي رواية: أنها صلاة الفجر، كما في حديث عمران في الصحيحين- فقال: ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد الطيب فإنه يكفيك) وفي رواية: (ثم وجد الماء فبعث به إلى الرجل) فوجه الدلالة: أن الرجل حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (عليك بالصعيد الطيب) سيتيمم للصلاة مباشرة، ولا شك أن تيممه قد وقع قبل وجود الماء؛ لأن الوقت الذي وقع بين وجود النبي صلى الله عليه وسلم للماء وبين فراقه للرجل وقت كافٍ للتيمم قطعاً، وقد توجّه عليه الحكم أن يتيمم، فتيمم الرجل لإدراك الفريضة الواجبة عليه، فلما تيمم قال: (فبعث به إلى الرجل) وجه الدلالة: أن هذا يدل على أن التيمم يبيح فعل الصلاة لا أنه رافع للحدث فيصح فعل الصلاة مطلقاً.
التيمم لأداء نافلة
التيمم لأداء نافلة قال رحمه الله: [أو أبيحت نافلة]. عندنا صلاتان: الصلاة المفروضة، والصلاة النافلة، فإن قلت: إن التيمم لا يكون إلا عند دخول وقت الصلاة، فقيده بصلاة الفريضة بوقتها، فتقول: يتيمم لصلاة الظهر بعد زوال الشمس، ويتيمم لصلاة المغرب بعد غروب الشمس. إلخ، وإن كانت الصلاة نافلة اعتبرت فيها الأوقات المنهي عنها، فتقول: يتيمم في وقت تباح فيه النافلة، فلو أنه تيمم بعد صلاة الصبح أو بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس لِفِعْلِ نافلة مطلقة؛ فإنه لا يصح تيممه لوقوعه في غير الوقت المعتبر لإجزاء التيمم في الصلاة.
التيمم عند انعدام الماء
التيمم عند انعدام الماء قال رحمه الله: [وعَدِمَ الماء أو زاد على ثمنه]. (وعدم الماء) هذا شرط؛ دل عليه قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] فمن عدم الماء كأن يسافر سفراً ثم ينتهي الماء الذي معه ولا يجد ماء لا لغسل جنابة ولا لوضوء، فإنه في هذه الحالة يعتبر فاقداً للماء. (عَدِمَ الماء) للعلماء في عدْم الماء قولان: منهم من يقول: عدم الماء يبيح التيمم كلياً، أي: على العموم سواءً وقع ذلك العدم في سفر أو وقع في حضر، فكل من لم يجد الماء في سفر أو حضر أبيح له أن يتيمم، ومنهم من قيده بالسفر، والصحيح: أن الحكم عام يشمل من كان عادماً للماء في السفر أو في الحضر. وعدم الماء يتحقق بأمرين: الأمر الأول: إما يقين تقطع فيه بعدم وجود الماء، وهذا بلا إشكال أنه يعتبر مبيحاً لك أن تتيمم، مثال ذلك: أن يخرج الإنسان إلى مكان يعلم أنه لا يوجد فيه ماء أصلاً، ولا يشك أبداً أن الماء غير موجود، فهذا يقين من المكلف بفقد الماء، فيستبيح التيمم مباشرة. الأمر الثاني: أن يغلب على ظنه الفقد، بمعنى: أن يكون احتمال وجود الماء ضئيلاً، فإذا كان احتمال وجود الماء ضئيلاً فإن العبرة بغالب الظن لا بنادر الظنون؛ لأن الشريعة معلقة على الغالب لا على النادر، ومن قواعدها: (النادر لا حكم له)، ومن قواعد الفقه: (الغالب كالمحقق)، فلما كان غالب ظنك أن الماء غير موجود في هذا الموضع أو في هذا المكان؛ فإنه يعتبر كالقطع بعدم وجوده، فينزل غالب ظنك منزلة يقين عدم الوجود؛ وبناءً على ذلك تستبيح التيمم باليقين وبغلبة الظن، وتبقى لدينا حالة وهي: أن تشك في وجوده، أي: يستوي عندك احتمال وجوده وعدم وجوده، مثال ذلك: نزلت في موضع وأنت مسافر، ولا تدري هل الموضع هذا فيه ماء أو لا ماء فيه، فإن مثل هذه يعتبر شكاً، حيث إن احتمال وجود الماء كاحتمال فقد الماء، ففي هذه الحالة تطالب بالبحث والتحري حتى تصل إلى غالب الظن بالفقد، أو إلى القطع بالفقد فحينئذٍ تأخذ حكم الرخصة ويباح لك أن تترخص بالتيمم.
التيمم عند تعسر شراء الماء
التيمم عند تعسر شراء الماء قال رحمه الله: [أو زاد على ثمنه كثيراً أو ثمن يعجزه]. (أو زاد على ثمنه) أما إذا لم يجد الماء فقول واحد عند العلماء أنه يتيمم، وإن كان هناك خلاف في التفريق بين السفر والحضر، لكنه خلاف ضعيف، فإذا فقد الماء فإنه يتيمم لدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] وكذلك من السنة: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنين) فهذان النصان من الكتاب والسنة نصّا على استباحة رخصة التيمم عند فقد الماء. الدليل الثاني: أنه إذا فقد الماء تعذّر عليه أن يغتسل أو أن يتوضأ، والتكليف إنما يكون بما يمكن، أي: أن الله يكلف المكلف بما في وسعه لا بما ليس في وسعه، فلما كان ليس بوسعه أن يوجد ما ليس بموجود سقط عنه التكليف بطلب الماء، وأصبح مرخصاً له أن يتيمم. وقوله: (أو ثمن يعجزه). في هذه المسألة: الماء موجود، ولكنه لا يبذل للمكلف إلا بمبلغ كبير، كأن يقال له: هذه الزجاجة من الماء ثمنها مائة ريال، فإن المائة قد تعجزه، ولا يستطيع دفع هذا المبلغ الذي هو قيمتها، أو يستطيع دفع المبلغ لكنه يعتبر ثمناً كثيراً في مقابل الماء، فعندنا حالتان في قيم الماء: الحالة الأولى: أن يكون الماء موجوداً وقيمته باهظة، ولكن عنده القدرة على الشراء كأن يكون ثرياً غنياً. الحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً، ولكن القيمة التي يباع بها هذا الماء سواءً كانت باهظة أو غير باهظة ليست موجودة عنده، فإن فقد القيمة وكانت غير موجودة عنده فهو كالفقد الحسي للماء، ويسمونه الفقد الحكمي، قالوا: فلما كان عاجزاً عن شرائه فكأنه ليس بيده، فهذا لا إشكال في أنه يتيمم ويعدل إلى التيمم. أما الحالة الأولى لو قال له البائع: لا أعطيك هذا الماء أو هذه الزجاجة من الماء إلا بمبلغ كبير، فقال بعض العلماء: إن إجحافه بالمال ينزل منزلة الفقد، وهذا قول مرجوح، والصحيح: أنه إذا كان ثرياً قادراً على دفع المال فيجب عليه دفعه، فإن أمر الصلاة أمر عظيم، ولا يستكثر أن يدفع المكلف مقابل ركن من أركان دينه هذا المبلغ من المال، ولذلك تقدّم مصلحة الصلاة على مصلحة المال، ولا يعتبر هذا الإجحاف عذراً شرعياً؛ لأن الله عز وجل قال: {فَلَمْ تَجِدُوا} [المائدة:6] وهذا ليس بفاقد للماء، لا حكماً ولا حقيقة.
التيمم عند خوف الضرر من استعمال الماء
التيمم عند خوف الضرر من استعمال الماء قال رحمه الله: [أو خاف باستعماله أو طلبه ضرر بدنه]. (أو خاف باستعماله ضرر بدنه) صورة ذلك: أن يكون الإنسان مريضاً، فإذا اغتسل أصابته الأمراض أو زاد عليه مرضه، أو أن يكون في زمان شديد البرد، فلو اغتسل خاف على نفسه المرض أو الموت أو الهلاك؛ ففي هذه الحالة يرخص له أن يعدل من الغسل إلى التيمم، وهكذا لو كان الوضوء يضر به وينتهي به إلى تلف نفسه أو حصول ضرر بجسمه جاز له أن يعدل إلى التيمم، وهذا اختيار المحققين، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية فقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لو زاد به الزكام أو حصل له الزكام فمن حقه أن يعدل إلى التيمم؛ لما فيه من وجود الضرر، والله عز وجل كلّف العباد بما لا ضرر فيه، لا بما ينتهي بهم إلى ضرر أنفسهم أو أجسادهم، ولذلك قالوا: إذا كان استعماله للماء يفضي إلى تلف النفس أو حصول ضرر بالنفس أو زيادة سقم ومرض جاز له أن يعدل إلى الرخصة ويتيمم، وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز له ذلك إلا إذا خاف الهلاك على نفسه. فأما دليل الترخص عند خوفه على نفسه وخوفه على جسده فحديث عمار رضي الله عنه وأرضاه وفيه: (أنه كان في زمان برد قال: فخفت على نفسي أو خشيت على نفسي فتيممت) فلذلك قالوا: إن هذا يدل على مشروعية التيمم للبرد الشديد، وظاهر الروايات أنه لم يجد الماء. والضرر يتحقق بنشوء المرض، سواءً كان نشوء المرض ابتداءً أو بالزيادة فيه، كأن يكون مريضاً بالزكام مثلاً، فلو اغتسل زاد عليه زكامه، فحينئذٍ قالوا: إذا كان مفضياً إلى الزيادة فيستبيح به رخصة التيمم.
التيمم عند خوف الضرر على الرفقة في حال استعمال الماء
التيمم عند خوف الضرر على الرفقة في حال استعمال الماء قال رحمه الله: [أو على رفيقه]. كذلك أيضاً إذا خاف على رفيقه من استعمال أو طلب، مثال ذلك: أن يكون الإنسان عنده ماء وهو محدث، وهذا الماء لو توضأ به احتاج إليه رفيقه لشرب، فحينئذٍ قالوا: لو قلنا له: توضأ بهذا الماء أو اغتسل بهذا الماء هلك رفيقه، أو تضرر رفيقه بعدم وجود الماء، فقالوا: يحل له إذا خاف على رفيقه الهلاك أن يعدل عن الاغتسال بالماء والوضوء به إلى التيمم، وهذا يسمى: فقداً حكمياً، فإن الماء موجود، ولكنه في حكم المفقود؛ نظراً لما يترتب على استعماله من وجود الضرر بالنفس المحرمة. وكذلك أيضاً إذا خفت على رفقتك، كأن تكون معك جماعة، وهذا الماء الموجود هو سقاؤهم، فلو أنك اغتسلت بهذا الماء الموجود فإن غالب ظنك أن رفاقك سيتعرضون للهلاك؛ فحينئذٍ نقول: تعدل عن اغتسالك أو وضوئك إلى تيممك؛ لأن خوف هلاك الأنفس المحرمة كخوف الإنسان هلاك نفسه، ولذلك يباح له أن يترخص. وقوله: (أو طلبه). الماء قد يكون موجوداً، ولكن يحتاج منك إلى أن تبحث عنه، وعندك رفاق -سواء كانوا من الرجال أو النساء أو الصبيان الضعفة، ولو غبت عنهم خشيت عليهم الضرر، كأن تكون في أرض لا تأمن فيها عدواً أو فاسقاً، فحينئذٍ يكون الخوف على العرض أو على الأطفال من الضرر يوجب الرخصة التي تعدل بها إلى التيمم. فلو غلب على ظنه أن طلب هذا الماء يحتاج إلى أربع ساعات أو خمس ساعات يغيب فيها عن أهله أو حتى يحتاج إلى ساعة أو نصف ساعة والأرض غير مأمونة الضرر بسبب السباع أو الهوام أو ما شابه ذلك؛ فحينئذٍ يتحقق العذر الذي يبيح للمكلف أن يترخص بالتيمم.
التيمم عند العجز عن تحصيل الماء خوفا على العرض والمال
التيمم عند العجز عن تحصيل الماء خوفاً على العرض والمال قال رحمه الله: [أو حرمته أو ماله]. يكون الماء موجود، ولكن يحتاج إلى أن يذهب لجلبه، ويترك سيارته أو صندوقه أو غنمه، حيث لا يستطيع أن يأخذها معه إلى مكان الماء، فحينئذٍ نقول: الخوف على المال يبيح له أن يعدل إلى رخصة التيمم. قال رحمه الله: [بعطش أو مرض أو هلاك ونحوه]. كل هذه رخص، فإذا خِفت عليهم الهلاك، أو اعتداء مفسد أو سارق، أو خفت عليهم الضرر من السباع والهوام، فكل هذه من الرخص التي تبيح لك أن تعدل إلى رخصة التيمم. (ونحوه) أي: أن هذه أصول، ويمكن أن تقيس عليها صوراً من النظائر، فالفقهاء رحمة الله عليهم أعطوك الأصل الذي هو: خوف الضرر على النفس أو على الرفقة أو على المال، وبناءً على ذلك: يجوز للإنسان أن يعدل إلى رخصة التيمم لوجود هذه الأعذار، سواء كانت بالصور الموجودة في زمان العلماء أو بصور جديدة في زماننا هذا.
التيمم عند عدم وجود ما يكفي من الماء للطهارة
التيمم عند عدم وجود ما يكفي من الماء للطهارة قال رحمه الله: [ومن وجد ماء يكفي بعض طهره تيمم بعد استعماله]. هذه المسألة من المسائل التي اختلف العلماء رحمهم الله فيها، وهي: عندك ماء لا يكفي لغسل جميع البدن في طهارة الغسل أو لا يكفي لغسل جميع أعضاء الوضوء في طهارة الوضوء، فالماء موجود ولكنه غير كافٍ لاستيعاب محل الفرض، فقال بعض العلماء: من كان الماء عنده قليلاً بحيث لا يمكن استيعاب محل الفرض به فإنه يعدل إلى التيمم مباشرة. وقال بعض العلماء: من كان عنده ماء يكفي لبعض الأعضاء دون بعضها؛ غسل البعض ثم تيمم بنية ما بقي، وهذان قولان مشهوران عند أهل العلم. فالذين قالوا بالعدول إلى التيمم مباشرة، قالوا: لا نعرف في الشريعة الإسلامية الجمع بين الوضوء والتيمم وبين الغسل والتيمم، فالله عز وجل أمرنا بغسل أو تيمم، وأمرنا بوضوء أو تيمم، أما الجمع بينهما فلا نعهده شرعاً، وليس في نصوص الكتاب والسنة ما يدل على الجمع بينهما، ولا يصح لنا أن نجزّئ أعضاء المأمور به، فنقول: يغتسل لبعض ويتيمم لبعض؛ لأن الشريعة جاءت بغسل للجميع وبتيمم عن الجميع، ولا يستطيع أن يحدث الفقيه صورة تجمع بين الأصلين، فيقال له: اغتسل للبعض وتيمم للبعض، ثم قالوا: إن الدليل الذي استدل به على الجمع بينهما إما ضعيف كحديث الشجّة التي تكلم عليه الحافظ الدارقطني في الرجل الذي أصابته شجة، فأشار عليه البعض بأن يغتسل، فمات من ذلك الغسل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا إذ جهلوا) ثم بيّن عليه الصلاة والسلام أنه كان عليه أن يجمع بين غسله لما استطاع أن يغسل من بدنه وتيممه على جراحه، قالوا: هذا يدل على الجمع بينهما، لكنه حديث ضعيف، ثم أيضاً قالوا: العمومات التي استدل بها لا تصلح أن تكون دليلاً في صور الطهارة المخصوصة، فإن صور الطهارة المخصوصة إما تيمم وإما غسل أو وضوء، فاستحداث صورة ثالثة بالعموم لا يتأتى، ومن العمومات التي استدل بها قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] قالوا: إن هذا بإمكانه أن يغسل بعض الأعضاء ويتيمم للبعض، فيتقي الله بغسل ما استطاع غسله ويتيمم لما بقي. والذين قالوا بمشروعية الجمع بين التيمم وبين الغسل -كما درج عليه المصنف رحمه الله- يستدلون بظاهر الحديث الذي تكلم في سنده، ثم أيضاً قالوا: إن الله تعالى يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وهذا باستطاعته أن يمس بدنه الماء ويتيمم لما عجز، وقالوا أيضاً: إن الله عز وجل يقول: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] فإذا تيمم مع وجود الماء لم يتحقق فيه الشرط الشرعي لاستباحة الرخصة، فنقول: لا بد -أولاً- أن يستعمل الماء حتى يتحقق فيه شرط فقده. هذه أوجه من قال بالجمع بين التيمم والغسل على ما درج عليه المصنف، وإن كان كلا القولين له وجهه، فإن القول بالجمع بينهما له وجه، ويمكن الجواب عن دليل المخالف، والقول بأنه لا يجمع ويقتصر على التيمم له وجه أيضاً. فالقول الذي يقول بأنه يجمع بينهما تقويه الأصول، ووجه ذلك: أنه إذا توجه الخطاب بمأمور ولم يتأتّ في الكل توجه بقدر ما يستطيع المكلف، وهذا ظاهر قوله تعالى:: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] ثم يبقى ما لا يستطاع تحت موجب الرخصة، فتستباح الرخصة، وتكون الصورة الغير معهودة خارجة لندرة الوقوع، يعني: أن الشريعة لم تنص على هذه المسألة -وهي أن يجد ماء لا يكفيه لبعض أجزائه- لندرة وقوعها وأما بالنسبة للقول الذي يقول بأنه لا يجمع فيقويه أن الطهارة عبادة متصلة لا تتجزأ، وبناءً على ذلك يقوى أصلهم بأنه يتيمم مباشرة ويلغي الماء الموجود. والأحوط أنه يغسل الأعضاء حتى يخرج من تبعة ترك الغسل للمأمور بغسله ثم يتيمم لما بقي بنية استباحة الصلاة.
التيمم للجروح
التيمم للجروح قال رحمه الله: [ومن جُرح تيمم له وغسل الباقي]. (ومن جرح تيمم له) الضمير في (له) عائد إلى الجرح، (وغسل الباقي) أي: باقي جسده، ووجه ذلك: أنه يستطيع غسل باقي جسده فبقي على الأصل، والجرح لا يمكنه أن يغسله فرخص له بالتيمم من أجله. وهذه المسألة يصفها العلماء بالجمع بين البدل والمبدل، ويقول بها فقهاء الحنابلة ويوافقهم الشافعية وغيرهم، ويلغز العلماء فيها فيقولون: ما هي صور الجمع بين البدل والمبدل؟ لأن الأصل في البدل والمبدل ألا يجتمعا؛ لأن الضدين لا يجتمعان، فما تستطيع أن تقول: هذا حلو مر، فإما أن تقول: هذا حلو، وإما أن تقول: هذا مر، وبناءً على ذلك قالوا: إن البدل والمبدل كالضدين، فالتيمم لا يستباح إلا عند عدم الماء أو عدم طهارة الماء، وبناءً على ذلك قالوا: لا يجمع بين البدل والمبدل على القاعدة المقرَّرة، إلا في صور تخرج من هذا الأصل، منها هذه المسألة، أي: أن يكون مجروحاً. وقال بعض العلماء: إذا أمكنه أن يبلّ يده ويمرها على الجرح مبلولة، فإنه يجزئه ذلك ولا حرج عليه فيه، ولا يطلب منه أن يتيمم للجرح إذا أمكنه إمرار يده مبلولة.
حكم طلب الماء للطهارة
حكم طلب الماء للطهارة قال رحمه الله: [ويجب طلب الماء في رحله وقربه]. بعد أن بيّن رحمه الله التيمم من كونه بدلاً عن الماء، ومتى يرخص للإنسان أن يستبيح التيمم، شرع في بعض الأحكام المفرّعة على تقرير هذا الأصل، من قوله: (ويجب طلب الماء) أي: أنه يلزم المكلف عند دخول الوقت أن يطلب الماء للفريضة، وهذا بناءً على الأصل؛ لأن الأمر بالشيء أمر بلازمه، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد يقول قائل: إن الله أوجب علينا أن نتوضأ ونغتسل، فما الدليل على إيجابكم على المكلف أن يطلب الماء؟ قالوا: الدليل على ذلك أنه مأمور بالطهارة بالماء، وهذه الطهارة بالماء تفتقر أو تحتاج إلى طلب، فتوقف تحقيق المأمور -وهو الوضوء والغسل- على طلب هذا الماء؛ فكان مما لا يتم الواجب إلا به، والقاعدة تقول: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب). (في رَحْلِه) لو أن إنساناً سافر فإنه يطلب الماء في رَحْلِه ويبحث عنه، فإن لم يجده في رحله طلبه في رفقته الذين معه، فإنه إذا لم يكن عنده ماء وجب عليه أن يسأل من معه. (وقربه) يعني: قرب الرحل، أي: يطلبه في ما كان قريباً منه، وهذا بناء على القاعدة المعروفة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه)، فلما كان مطالباً أن يبحث في رحله وفي جماعته والمكان الذي هو نازل فيه، صار ما قرب منه داخلاً في حكم الأصل من وجوب الطلب، فيلزمه أن يطلبه في قرب المكان النازل فيه، لكن لو كان بعيداً ففيه تفصيل: إن كان طلبه للماء البعيد لا يضر طَلَبَه، ووجب عليه طَلَبُه، وأما إذا كان وقت الصلاة لا يسع، كأن يكون -مثلاً- بعد غروب الشمس ويخشى ذهاب وقت المغرب، فإنه حينئذٍ لا يجب عليه الطلب ولو كان ذلك قريباً؛ لأنه قد يفوت وقت الفريضة. قال رحمه الله: [وبدلالة]. أي: عليه أن يسأل الناس، فيسأل أهل القرية التي نزل بها، ولذلك يقولون: من آداب السفر: أن الإنسان إذا نزل في موضع فعليه أن يسأل عن مكان الماء حتى يتوضأ ويغتسل، وأن يسأل عن اتجاه القبلة، ويسأل كذلك عن موضع قضاء حاجته، قالوا: هذه من الأمور التي يراعيها المسافر، وكانوا يستحبون للضيف إذا نزل أن يدله مضيفه على هذه الأمور قبل أن يبتدئ بالسؤال عنها، فكانوا يعدون ذلك من إكرام الضيف، فينبغي عليه أن يشعره بتعظيم شعائر الله عز وجل، فيبتدئه بقوله: القبلة بهذا الاتجاه، وقضاء الحاجة هنا، والماء إذا أردته هنا. فقوله: (وبدلالة) مأخوذة من الدليل، والدلالة، أي: الأمارة والعلامة، والدلالة: أن يسأل الناس أن يدلوه، ويتفرع على هذا أنه إذا ثبت وجوب طلب الماء فيجب على الإنسان أن يبحث ويسأل عنه؛ والعلماء نصوا على هذه الجمل؟ نصوا على هذه الجمل لوقوعها، فإذا سئلت -وأنت طالب علم- فسألك سائل وقال: نزلت بقرية ولم يكن عندي ماء، ثم انتظرت لعلهم أن يأتوني بالماء حتى كاد الوقت أن يخرج، فتيممت قبل خروج الوقت وصليت، فما الحكم؟ فعليك أن تسأله بقولك: هل طلبت الماء؟ فإن أجاب وقال: لا، لم أطلب الماء؟ فتقول له: أنت آثم، فقد كان ينبغي عليك أن تطلب الماء؛ لأن الله عز وجل أوجب عليك أن تتطهر بالماء أصلاً، وتطهرك بالماء يفتقر إلى وجوده، ووجوده يفتقر إلى طلبه، فأنت بذلك مأمور بطلبه، وبناءً على ذلك أنت آثم بتفريطك في سؤال الناس عنه، وكذلك قال العلماء: لو أن إنساناً في قرية وهو في طريق سفره، وكان بإمكانه أن يسأل عن جهة القبلة ولكنه لم يسأل وصلى، ثم تبين له أنه على غير القبلة، لزمه أن يعيد الصلاة؛ لأن بإمكانه أن يسأل عن القبلة ويعرف اتجاهها، وكذلك هنا كان بإمكانه أن يجد الماء، فلما فرط؛ أُلزم بعاقبة تفريطه، وحكم بإثمه وتحمله لتبعة ذلك التفريط.
حكم تيمم من كان قادرا على تحصيل الماء ونسي قدرته
حكم تيمم من كان قادراً على تحصيل الماء ونسي قدرته قال رحمه الله: [فإن نسي قدرته عليه وتيمم أعاد]. (فإن نسي قدرته عليه) لو أن إنساناً -مثلاً- نزل في موضع، وكان بالإمكان أن يذهب إلى بئر قريب من الموضع الذي نزل فيه، ثم سأل نفسه: هل أستطيع الذهاب أم لا؟ فأجاب على نفسه بقوله: لا أستطيع، وحكم بأنه لا يقدر؛ لأنه تصور أن هذا المكان قد يكون بعيداً، ثم تذكر أن المكان قريب، فهو قد نسي أنه قادر على أن يأتي لهذا الموضع، فاختلق لنفسه الأعذار وقال: الماء بعيد، ولذلك أتى المصنف بصورة النسيان؛ لأن صورة النسيان تتفرع منها صورة الأعذار، ودائماً الفقهاء يذكرون حكم الأصل ويتبعونه بالأعذار، فلو قال لك قائل: قد عرفنا أنه يجب عليه أن يطلبَ الماء ولم يطلبه؟ قلنا: يأثم. فإن قال: إذا كان قادراً على طلبه ونسي قدرته على الطلب ثم تبين بعد تيممه أنه كان بإمكانه أن يطلب الماء وأن يتحصل عليه، فما الحكم؟ نقول له: يعيد الصلاة، لأنه لا يستباح له أن يتيمم؛ لأن الماء في حكم الموجود، وكان ينبغي عليه أن يطلبه، فيلزم بعاقبة تفريطه، والعلماء الذين يفرعون ذلك يفرعونه من قاعدة معروفة أشار إليها ابن نجيم والسيوطي رحمة الله عليهما في الأشباه والنظائر وهي: (لا عبرة بالظن البين خطؤه)، فما معنى هذه القاعدة؟ يعني: إذا ظننت أمراً ثم تبين لك خلافه وأنك أخطأت في ظنك وجب عليك الضمان، ولها فروع، ومنها هذه المسألة، ومن فروعها: لو أنك قمت في آخر الليل وأنت تظن أن الفجر لم يطلع فأكلت وشربت، ثم تبين أنه طلع، فلا عبرة بالظن البين خطؤه، أيضاً: ظننت أنك لا تستطيع الوصول إلى الماء، ثم تبين لك أنك تستطيع، وأنك كنت ناسياً قدرتك، أو كنت ظاناً أنك لا تستطيع الوصول إليه فتبين خطؤك؛ قالوا: يلزم بالضمان لحق الشرع.
حكم رفع عدة أحداث بتيمم واحد
حكم رفع عدة أحداث بتيمم واحد قال رحمه الله: [وإن نوى بتيممه أحداثاً]. هذا مثل ما يقع في طهارة الماء، يجمع بين حدثين في طهارة واحدة، فإنه يجزئه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) فبين صلى الله عليه وسلم أن من نوى شيئاً كان له، وقد نوى فصحت نيته. قال رحمه الله: [أو نجاسة على بدنه تضره إزالتها]. من أمثلتها عند العلماء: الدم إذا تجلط على موضع الجرح، وقال الأطباء: إن البدن يتضرر بإزالته -كما في بعض الجراحات التي يصعب فيها إزالة هذا الدم المتجلط- فعلى قول الجماهير بنجاسة الدم فإن هذا الدم لا يمكن أن يغسله، فطهارة الماء شبه متعذرة فيه، وبناءً على ذلك قالوا: ينتقل إلى التيمم، وينزل طهارة الخبث منزلة طهارة الحدث، فيتيمم من أجل هذه النجاسة. قال رحمه الله: [أو عدم ما يزيلها]. كما قلنا في الماء. قال رحمه الله: [أو خاف برداً]. (أو خاف برداً) إذا اغتسل يخاف البرد. قال رحمه الله: [أو حبس في مصر فتيمم]. الأمصار والمدن يمكن أن يوجد فيها الماء، وقال بعض العلماء: إنه إذا تيمم في المدن يلزمه أن يُعيد؛ وذلك لأن فقد الماء فيها نادر، ورُخَص الشرع لا تتعلق بالصور النادرة، وهذا أصل لبعض العلماء.
صلاة فاقد الطهورين
صلاة فاقد الطهورين قال رحمه الله: [أو عَدِمَ الماء والتراب صَلّى ولم يعد]. قال بعض العلماء: يصلي متيمماً ويعيد، وقال بعضهم: لا يصلي ولا يعيد. وقال بعضهم: يصلي ولا يعيد، وقال بعضهم: يقضي ولا يصلي. هذه المسألة تسمى مسألة فاقد الطهورين، فمثلاً: رجل حبس في غرفة، وكتفت يداه ورجلاه، فلا يستطيع أن يتوضأ ولا أن يتيمم، فهذه المسألة تسمى: مسألة فاقد الطهورين، إما أن يفقده حقيقة، مثل نزوله في موضع ليس فيه ماء ولا تراب، كأن يكون في طائرة والموجود بداخلها ليس من جنس ما يتيمم به -أي: ليس من جنس ما هو على الأرض- وقد ضاق الوقت بحيث أنه لو انتظر إلى النزول فسوف يخرج وقت الصلاة، فالقول الأول: أنه لا يصلي، وإنما ينتظر إلى أن يجد الماء أو يتمكن من استعماله فيعيد الصلاة؛ لأن الصلاة تكون بوضوء أو بتيمم، وهذا دليلهم، فيقولون: إنه لا يصلي إنما عليه الإعادة فقط، ولو استمر على ذلك أياماً أو أسابيع أو شهوراً؛ لأن الله أمره باستباحة الصلاة إما بوضوء أو غسل أو تيمم، وهذا لم يتحقق فيه لا الوضوء ولا الغسل ولا التيمم، فلا يصح منه أن يصلي ولا يطالب بالصلاة في وقتها؛ لأنه غير مكلف بها، ثم يتأخر الحكم في حقه إلى ما بعد القدرة على الاستعمال أو بعد الوجود، وهذا هو القول الأول: أنه لا يصلي وتلزمه الإعادة. القول الثاني: يصلي ولا يعيد، وأصحاب هذا القول ينظرون إلى عمومات الشريعة ورخصها؛ مثل: قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] وقوله جل وعلا: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6] فقالوا: دخل عليه وقت الصلاة وتوجه الخطاب إليه، وبالإجماع أنه مطالب بفعل الصلاة، وليس بوسعه لا أن يتوضأ ولا أن يغتسل ولا أن يتيمم، وإنما الذي باستطاعته فعل الصلاة، فيفرعونها على تجزؤ المأمور، فهو لا يجد الطهور، ولكنه يستطيع فعل الصلاة، فنأمره بفعل الصلاة؛ لأنه جزء من المأمور به، وبإمكانه أن يفعل الصلاة ويسقط عنه التكليف بالوضوء وبالغسل وبالتيمم؛ لعدم القدرة على الوضوء والغسل والتيمم، وهذا هو القول الثاني، فالقول الأول: أنه يعيد ويقضي ولا يصلي، والقول الثاني عكسه: أنه يصلي ولا يعيد. القول الثالث: أنه لا يصلي ولا يعيد، أي: أن الصلاة سقطت عنه؛ لأن الصلاة بأدلة الشرع لا تستباح إلا بطهور: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) وهذا ليس بمتوضئ ولا في حكم المتوضئ فلا يطالب بالصلاة، ثم سقطت عنه الإعادة؛ لأن الإعادة شرطها أن يكون مكلفاً بالأصل، فلما جاء وقت الأصل وهو غير مكلف بالصلاة سقطت الإعادة، فالقول الثالث: أنه لا يصلي ولا يعيد. القول الرابع: أنه يصلي ويعيد، وهذا القول عكس القول الثالث، أما كونه يصلي الصلاة: فلأنه قادر على أفعال الصلاة، وإنما سقطت عنه الطهارة لعدم القدرة، وبقي فعل الصلاة فهو مطالب به، وتلزمه الإعادة؛ لأنه لما وجد الماء نقض حكم الرخصة ووجب عليه أن يعيد الصلاة. وأقوى الأقوال: أنه يصلي على حالته ولا يعيد؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة من غزواته -وقيل: إنها غزوة المريسيع- ونزل بذات الجيش -وهي الأرض التي تلي البيداء التي بعد ميقات ذي الحليفة من جهة مكة- فُقِدَ عقد لـ عائشة وأصله لـ أسماء -من جذع ظفار- فطلبه بعض الصحابة فانحبس الناس) وهذا قبل التيمم، بمعنى: أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب هذا العقد الذي لـ عائشة، فأخذ الناس يبحثون عنه فانحبس الجيش من أجل البحث عن هذا العقد، ففي هذا الحديث: أن أناساً طلبوا العقد فانقطعوا ولا ماء معهم، فحضرتهم الصلاة فصلوا في موضعهم، ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروج الوقت، فلم يأمرهم بالإعادة، وَصَوَّب فعلهم. ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن هؤلاء فاقدون لطهارة الماء وفاقدون للتيمم -لأن التيمم لم يشرع بعد- فيكون فقد الماء أصالة، وفي حكمه فقد التيمم، فكون النبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على صلاتهم بدون طهارة ولم يأمرهم بالإعادة بعد الوقت، يدل على أن من فقد الطهورين لا يلزم بالإعادة وأنه يصلي على حالته، وبناءً على ذلك: لو كُتِّفَ إنسان أو رُبِطَ أو كان الرجل مقطوع اليدين، فلم يستطع أن يتيمم ولا أن يتوضأ فيصلي على حالته ولا حرج عليه ولا تلزمه إعادة الصلاة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم نفخ الغبار بعد ضرب اليد على الأرض في التيمم
حكم نفخ الغبار بعد ضرب اليد على الأرض في التيمم Q هل يشرع نفخ الغبار بعد ضرب اليد في الأرض؟ A النفخ سنة جاء ذكرها في حديث عمار رضي الله عنه، ولا حرج في فعله.
حكم التيمم للنافلة
حكم التيمم للنافلة Q قال المصنف رحمه الله: (إذا دخل وقت فريضة) فمفهومه: أنه إذا لم يدخل وقت الفريضة لم يبح له التيمم، فهل يعني ذلك أن التيمم يكون للفرائض ولا يباح للنوافل؟ A نعم، هذا بالنسبة لهذه العبارة، فقد ذكرها في الفرائض، ثم أتبعها بالنوافل، فكلامه متصل، يعني: أنه ذكر الفرائض أولاً ثم أتبعها بالنوافل، فليس مراده التقييد بالفرائض، ولكن قيد الحكم بالفرائض إذا كنت تريد أن تتيمم لفريضة، أما بالنسبة للتيمم للنافلة فقد بين أنه يباح إذا كان غير وقت منهي عنه، وقد بينا ذلك، ولا يتقيد التيمم بالفرائض، وإنما هو للفرائض والنوافل وغيرها كلمس المصحف عند من يشترط الطهارة للمسه.
تعريف السبخة وكيفية التيمم بها
تعريف السبخة وكيفية التيمم بها Q ذكر الإمام ابن القيم عليه رحمة الله في الزاد أن التيمم يكون بالسبخة، فما هي السبخة؟ وكيف يتيمم بها؟ A السباخ -عادة- هي الأرض المالحة، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف المدينة بكونها سبخة، وجاء في حديث الدجال: (أنه ينزل بالسبخة من الجرف) ففي بعض المناطق إذا نزل المطر بها -خاصة في البرد- يعلوها مثل الملح الأبيض، فهذه هي السباخ، وبعضهم يتجوز في السباخ ويقول: إنها مطلق الأرض حتى ولو كان يُزرع عليها، لكن السبخة هي الأرض التي لا تنبت، بمعنى: أنك لو وضعت فيها البذر لا ينبت. وهذه السبخة اختلف العلماء فيها: فمن العلماء من يقول بمشروعية التيمم بها، وهذا هو الصحيح، وقد استنبط العلماء دليلاً عجيباً في إثباتها، قالوا: إن الله تعالى يقول: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء:43] فوصف الصعيد بكونه طيباً، والمدينة قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (أُريت دار هجرتكم أرضاً سبخة) ثم قال في حديث الدجال: (هذه طابة هذه طابة) فوصفها بالطيب مع كونها سبخة، وفي الآية أمر بالتيمم من الصعيد الطيب؛ فدل على مشروعية التيمم بالسباخ، وهو قول صحيح واستنباط وارد، وقد أشار إليه الماوردي في كتابه النفيس: الحاوي للأحكام.
حكم تيمم من لم يستطع نزع الماء من البئر
حكم تيمم من لم يستطع نزع الماء من البئر Q ماذا لو وجدت الماء في بئر ولكن ليس لديّ ما أنزع به هذا الماء، ووقت الصلاة قد دخل، فهل أتيمم أم أنتظر من يأتي حتى أجد معه ما أنزع به الماء؟ A هذا يعتبر في حكم الفقد، فإذا كان الوصول إلى الماء يؤدي إلى ضرر أو لا يتمكن الإنسان منه أصلاً، قالوا: يعدل إلى التيمم، لكن يجلس إلى أن يغلب على ظنه عدم وجود الآلة والوسيلة، ومن صور هذه المسألة: لو أنه كان على البئر حية، ويغلب على ظنك أنك لو جئت لتأخذ الماء أنها ربما أضرت بك، فيجوز أن تعدل إلى التيمم، وكذلك أيضاً: لو فقد الحبل الذي يجلب به الماء من البئر أو فقد الدلو الذي يغرف به الماء، فهذا كله في حكم الفقد للماء، لكن يرجع إلى غالب ظنه بالفقد أو بعدم وجود ما يستخرج به ذلك الماء، والله تعالى أعلم.
حكم التيمم مع سهولة الوصول إلى أماكن الماء
حكم التيمم مع سهولة الوصول إلى أماكن الماء Q أرى في زماننا هذا من يكون مسافراً -مثلاً- من مكة إلى الرياض أو المدينة ويستطيع أن يقف عند أي مسجد أو محل تجاري على الطريق ليأخذ الماء، فهل يلزمه الشراء أو يتيمم؟ A لا يصح التيمم مع إمكان الوصول إلى المحطات، سواء كان بالتوضؤ في دورات مياهها، أو التوضؤ بالمياه التي في المحلات التجارية، فإن هذا لا يبيح للإنسان أن يعدل إلى الرخصة؛ لأن الماء موجود، وبناءً على ذلك: فلا يرخص له إلا إذا فقد الماء أو تعذر الوصول إليه على التفصيل الذي ذكرناه، أما كون الإنسان بمجرد سفره يستبيح التيمم فلا، لكن هنا مسألة: لو أن إنساناً سافر وخرج حتى نزل في أرض برية ثم أكل فيها وجبة العشاء -مثلاً- وليس عنده ماء يتوضأ به، وأراد أن يصلي نافلة أو يمس مصحفاً، ففي هذه الحالة يرخص له أن يتيمم؛ لحديث الجدار: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سَلَّم عليه الرجل، وكان عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته، قال: ثم ضرب بيديه الجدار ورد عليه السلام، قال: إني كنت على حال كرهت أن أذكر الله عليها) قالوا: فقد تيمم عليه الصلاة والسلام من أجل ورد السلام، رد السلام ذكر، وهو أخف من الفرائض، وهكذا لمس المصحف، وتلاوة القرآن إذا كانت عليه جنابة، فيخفف عنه ولا حرج عليه في هذه الحالة، وأما بالنسبة للفرائض فلا.
حكم من عجز عن الغسل مع قدرته على الوضوء
حكم من عجز عن الغسل مع قدرته على الوضوء Q إذا وقعت على الشخص -مثلاً- جنابة فلم يستطع الغسل، لكنه يستطيع الوضوء، فهل يتوضأ بدلاً من الغسل، أم يتيمم ويكفيه ذلك عن الغسل والوضوء؟ A ظاهر النصوص أن من تيمم وعليه جنابة فإنه يرتفع الحدث الأصغر والأكبر؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام لـ عمار: (إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا) ولم يقل له: ثم توضأ، فدل هذا على أن التيمم وحده كافٍ لاستباحة الصلاة، وأنه لا يلزم بالوضوء بعد تيممه، وقال بعض العلماء: إذا كان عاجزاً عن الغسل وقادراً على الوضوء، فإنه يتيمم للغسل ثم يتوضأ، ولكن القول الأول هو الأقوى بناءً على ظاهر حديث عمار رضي الله عنه وأرضاه، والله تعالى أعلم.
حكم التيمم على الفراش
حكم التيمم على الفراش Q هل يجوز التيمم على أرض مفروشة أو على أرض (مبلطة) وليس لها غبار؟ A أما إذا كان الفراش له غبار فإنه يجوز؛ لأنه قد تيمم، ويحصل تيممه بالغبار، وهكذا إذا كان على الجدار غبار وضرب بيديه فإنه يجزئه ويصح تيممه، وأما إذا لم يكن عليه غبار فإنه لا يتيمم، وكذلك الفرش لا يتيمم عليها إذا لم يكن عليها غبار.
مسألة خروج الذنوب بالتيمم
مسألة خروج الذنوب بالتيمم Q وردت أحاديث في الوضوء تفيد بأن الذنوب تخرج مع قطر الماء، فهل يكون ذلك في التيمم أيضاً؟ A ثبت النص بالوضوء، وأما التيمم فقد سكت النص عن ذلك، فالله أعلم بخروج الخطايا بالتيمم أو عدم خروجها.
أسباب ضعف الإيمان وعلاجه
أسباب ضعف الإيمان وعلاجه Q إني كنت أجد الأنس بالله عز وجل وبذكره، وكنت لا أحب أن أتكلم مع الناس في أي شيء لا يعنيني، وأما الآن فلا أجد تلك الطمأنينة في الذكر والأنس بالله عز وجل، وأصبحت أتكلم كثيراً في الأشياء التي لا تعنيني، ولا أستطيع حفظ كلام الله ولا حفظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك حفظ كلام أهل العلم، مع أنني كنت قبل ذلك مجداً في ذلك؟ A هذه فتنة أصابتك، وبلية نزلت بك، ولا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، فتب إلى الله واستغفره، فإن الله تعالى يقول: {وَاسْتَغْفِرُوهُ} [فصلت:6] لعلكم ترحمون، فمن كان على استقامة وهداية وصلاح ثم سلب شيئاً منها فإن الله يسلبه ذلك الخير والصلاح حتى ينيب إليه ويتوب إليه، فما سلب الخير إلا بسبب ذنب، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11] فتب وأنب إلى الله، وأعد لهذه الفتنة كثرة الاستغفار البكاء والندم، ولعلّ الله إذا نظر إلى دمعة من عينك وخشوع من قلبك، وندم من نفسك أن يبلغك منازلك التي كنت فيها، فلربما فقد الإنسان حلاوة المناجاة ولذة العبادة من صيام وقيام، فتقطع قلبه على تلك الساعات، ولهفت نفسه على تلك اللحظات المباركات؛ فكتب الله له الأجرين: كتب الله له أجر العمل الصالح بتلهفه وتألمه، وكتب له أجر صبره على الفتنة التي هو فيها. فعليك أن تسأل الله، فإن الله هو أرحم الراحمين، وهو المجيب لدعاء المضطرين، سله وتملق له، ثم أوصيك بالنظر في الأسباب، فلعلك عققت أحد أبويك، أو قطعت رحماً، ولعل أخاً قد آذيته، أو مسلماً قد ظلمته فرفع كفه إلى ربه واشتكى إلى خالقه، فنزلت بك هذه البلية، فتفقد نفسك في حقوق الوالدين والأرحام والأقارب، وأصلح لعل الله أن يصلح ما بك. وأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيذنا من الحور بعد الكور، ومن النقص بعد الزيادة، ومن الضلال بعد الهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب التيمم [2]
شرح زاد المستقنع - باب التيمم [2] التيمم رخصة شرعية، شرعها الله ورسوله، وأجمع عليه على ذلك العلماء، وله شروط وأركان ومبطلات، شأنه في ذلك شأن بقية العبادات، وهذه كلها قد نص عليها العلماء وبينوها.
حكم التيمم بتراب ليس له غبار
حكم التيمم بتراب ليس له غبار بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويجب التيمم بتراب طهور له غبار] قصد المصنف رحمه الله أن يبين بهذه العبارة الشيء الذي يَتيمم به المكلف، وهذا مناسب لما قبله؛ لأنك إذا بينت الحالات التي يجوز فيها التيمم والحالات التي لا يجوز فيها التيمم؛ سيسألك السائل إن كان من أهل التيمم بماذا يكون التيمم؟ فناسب بعد بيان حالات التيمم أن يبين الشيء الذي يحصل به التيمم، وتتحقق به طهارة التيمم وهو المتيمم به. فقال رحمه الله: (ويجب التيمم بتراب له غبار) خص المصنف رحمه الله التيمم بالتراب على ظاهر ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها طهوراً) أي: جعلت التربة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم طهوراً. قالوا: دل هذا الحديث على أن التراب يُتَيمم به، وهذا مستفاد من ظاهر آيتي النساء والمائدة {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6]. وإذا ثبت أن التراب يُتيمم به بدلالة نص الكتاب والسُّنة؛ فإن العمل عند أهل العلم على ذلك، وليس هناك خلاف بين أهل العلم رحمهم الله في أن التراب يُجزئ في التيمم، ولكن الخلاف بينهم في مسألتين: الأولى: هل يشترط له غبار؟ والمسألة الثانية: هل ينحصر التيمم في التراب الذي له غبار؟ فأما بالنسبة لكونه يتيمم بالتراب الذي له غبار؛ فهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم رحمة الله عليهم، وذلك على ظاهر نص الكتاب ونص السُّنة، وأجمع عليه العلماء رحمة الله عليهم، وأما اشتراط أن يكون له غبار أو لا يكون، فهذه مسألة خلافية بين أهل العلم رحمهم الله: أصحها أنه لا يشترط أن يكون له غبار، وذلك لعدم ثبوت دليل في الكتاب والسُّنة يدل صراحة على اشتراط أن يكون التراب له غبار. والذين اشترطوا أن يكون التراب له غبار قالوا: إن قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] الوصف بالطيب يقتضي أن يكون على ذلك، وهذا مردود، فإن الوصف بالطيب المراد به طهارته من النجاسة، فلا يُتيمم بتراب نجس، ثم إننا نقول: إنه لو خُص التراب بما له غبار لخالف ذلك مقتضى الرخصة، فإن كثيراً من الأرض فيها أماكن رمال لا غبار لها كما قرر العلماء ذلك، فلو قلنا: إن التيمم لا يحصل إلا بتراب له غبار لأجحف بالناس، ففي بعض الصحاري ربما تسير يوماً كاملاً ولا ترى أرضاً لها غبار. والمسألة الثانية -وهي: حصر التيمم في التراب- فأصح الأقوال: أنه يجوز التيمم بكل ما على وجه الأرض، فيجوز لك أن تتيمم بتراب له غبار، وبتراب لا غبار له، وكذلك أيضاً تتيمم بالحجر ونحوه مما هو من جنس الأرض كالجص والنورة ونحو ذلك، فلا حرج أن تتيمم به؛ وذلك على ظاهر قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] والصعيد كل ما صعد على وجه الأرض، فلو أن إنساناً أراد أن يتيمم ولم يجد التراب، وإنما وجد حجراً صح له أن يتيمم بالمسح عليه؛ وذلك أن الله تعالى قال: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طَيْبَة مع أن أكثرها حِرَار، وهذا الدليل انتزعه الإمام ابن خزيمة رحمه الله -كما أشار إليه في صحيحه- من ظاهر السُّنة، فإن الله وصف المُتَيمم به بكونه صعيداً طيباً، والنبي صلى الله عليه وسلم وصف المدينة بكونها طيبة مع أن أكثر أرضها (حرار)، وقد ثبت في الحديث (أُريت دار هجرتكم أرضاً ذات نخل بين حرتين) إذا ثبت هذا فيجوز لك أن تتيمم بالتراب وبغير التراب مما صعد على وجه الأرض؛ لكن يشترط أن يكون طاهراً، فلا يتيمم بنجس، فلو كان التراب نجساً لم يصح أن يتيمم به؛ والسبب في التعميم -كما قلنا-: أن قوله تعالى: {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] يعتبر دالاً على العموم، فالصعيد كل ما صعد على وجه الأرض والأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه. والذين قالوا بتخصيص التيمم بالتراب؛ استدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً، وتربتها لنا طهوراً) والاستدلال بهذا الحديث يُردُّ من وجهين: الوجه الأول: أنه استدلال بمفهوم اللقب، ومفهوم اللقب ضعيف على القول الراجح عند الأصوليين، وتوضيح ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام قال: (جعلت تربتها لنا طهوراً) فمفهوم قوله: (تربتها) أن غير التربة لا يعتبر طهوراً، وهذا كما قلنا من مفهوم اللقب؛ لأن مفهوم المخالفة عشرة أنواع: الصفة، والشرط، والعلة، واللقب، والاستثناء، والعدد، وظرف الزمان، وظرف المكان، والحصر، والغاية، وقد جمعها ابن عاصم رحمه الله في قوله: صف واشترط علل ولقب ثنيا وَعُدَّ ظرفين وحصر إغيا فقال: صف واشترط علل ولقب (لَقِّب) مفهوم اللقب. فقوله: (تربتها) الاستدلال به على التخصيص من باب الاستدلال بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند الأصوليين. أما بالنسبة للوجه الثاني في رد هذا الاستدلال: فهو مسلك بعض العلماء حيث قالوا: إن ذكر أحد أفراد العام. وثبوت الحكم له لا يقتضي تخصيص الحكم به، فإن النصوص التي في الكتاب عامة {صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6] وهذا الحديث ذكر فرداً من أفراد العام وهو التراب، والقاعدة: (أن ذكر بعض أفراد العام لا يقتضي تخصيص الحكم به) فنقول: نص النبي صلى الله عليه وسلم على التربة، وذلك من باب ذكر أفراد العام الذي لا يقتضي تخصيص الحكم بذلك الفرد. ومن أدلتهم على تخصيص التيمم بالتراب الذي له غبار حديث: (ضرب بيديه الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه)، فقالوا: لا معنى للضرب إلا لطلب الغبار، وهذا كما قلنا: إن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك في بعض ما يُجزئ التطهر به وهو التراب، فإذا كان التراب له غبار؛ فالسُّنة أن يُضْرَب بالكفين عليها. أما إذا كان غير التراب كالحجر ونحوه فيُجزئ الإنسان أن يمسح عليه. قالوا: فكيف يُجاب عن هذا الحديث الذي ضرب فيه النبي صلى الله عليه وسلم كفيه على الأرض، وقال لـ عمار: (إنما يجزيك أن تقول بيديك هكذا، قال: ثم ضرب بكفيه الأرض فمسح بهما وجهه وكفيه)؟ والجواب على ذلك: بما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في السنن: (أنه لما قضى حاجته عند سباطة قوم -والحديث أصله في الصحيح- مر رجل فسلَّم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيده على الحائط) قال: فضرب على الحائط، ومن المعلوم أن الحائط لا غبار له، فدل هذا الحديث على أنه لا يشترط وجود الغبار فيما يتيمم به؛ إذ لو كان شرطاً لضرب على الأرض ولم يضرب على الحائط، فدل على أن كل ما صعد على وجه الأرض يُجزئ التيمم به كأن يضرب على حائط طين أو حائط حجر، أو يضرب على صخر ونحو ذلك، فذلك كله يعتبر مجزئاً على ظاهر قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة:6].
فروض التيمم
فروض التيمم قال رحمه الله: [وفروضه: مسح وجه، ويديه إلى كوعيه] بعد أن فرغ رحمه الله من بيان الحالات التي يجوز لك أن تتيمم فيها، وبيان من الذي يحق له أن يتيمم والذي لا يحق له أن يتيمم، وكذلك بيان الشيء الذي يُتيمم به؛ شرع في بيان فروض التيمم. الفروض: جمع فرض، وأصل الفرض في اللغة: الحز والقطع، تقول: فَرَضتُ الشيء، أي: قطعته، ومنه الفَرْضَة التي تكون على النهر؛ لأن الإنسان يقطع بها النهر من شِقِّه إلى شِقِّه. وأما بالنسبة للفرض في اصطلاح العلماء: فجمهور العلماء من الأصوليين -ومنهم: المالكية والشافعية والحنابلة- على أن الفرض والواجب معناهما واحد، فإذا قلت: فرض، أو قلت: واجب، فالمعنى واحد، وذهب الحنفية إلى أن الفرض أعلى من الواجب -وإن كان بعض العلماء يُرجح أن الخلاف لفظي- فالفرض عند الحنفية: هو ما ثبت بدليل قطعي، والواجب عندهم: هو ما ثبت بدليل ظني، فيفرقون في مراتب الإلزامات من الشرع، فما ألزمك الشرع به بدليل لا احتمال فيه فهذا فرض، وما ألزمك الشرع به بدليل فيه احتمال فإنه يعتبر واجباً. وفي قوله: [فروضه] الضمير عائد إلى التيمم، أي: الذي أوجب الله عليك فعله في التيمم.
مسح الوجه في التيمم
مسح الوجه في التيمم قال رحمه الله: [مسح وجهه] قال تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة:6] والوجه ما تحصل به المواجهة، وقد تقدم ضابط الوجه: أنه من منابت الشعر عند ناصيته إلى ما انحدر من ذقنه، وكذلك -أيضاً- ما انحدر من اللحيين طولاً، وأما عرضاً: فمن طرف الأذن إلى طرف الأذن الأخرى على تفصيل عند العلماء وسبقت الإشارة إليه في باب الوضوء. فبعد أن يضرب بيديه على الأرض يمسح بهما وجهه؛ لظاهر التنزيل في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة:6] وظاهر السُّنة في حديث عمار: (فمسح بهما وجهه) والمسح بالوجه يقع بالكفين، فلا يقع بكف دون أخرى، ويستثنى من ذلك أن يكون أقطع اليد أو مشلول اليد أو تكون بيده الثانية عاهة، فيجزئه أن يمسح بيدٍ دون أخرى؛ ولكن هل إذا مسح بيدٍ واحدة يجزيه عن تكرار الضرب؟ وجهان للعلماء: قال بعض العلماء: إن كانت له يد واحدة ضرب بها الضربة الأولى ومسح شقه الأيمن، ثم يضرب الضربة الثانية ويمسح بها شقه الأيسر؛ والسبب في هذا القول أنهم يقولون: إنه إذا مسح المسحة الأولى ذهب ما في يده، فلا يجوز أن يمسح بما فضل من طهوره الشق الثاني، والصحيح: أنه يجزيه ضربة واحدة من اليد يمسح بها الوجه كله، وهم قالوا بهذا الحكم قياساً على الوضوء، فإنك إذا توضأت بماء لم يجز لأحد أن يتوضأ به، وقد قررنا هذه المسألة أن الصحيح: أن الماء إذا توضأت به أو اغتسلت جاز للغير وجاز لك أن تعيد به وضوءاً ثانياً وغسلاً ثانياً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الماء لا يجنب) وبينا أن الأصل في الماء أنه طهور لا ينجّسه شيء -على دلالة السُّنة- إلا ما تغير فيه اللون أو الرائحة أو الطعم، فإذا ثبت أن الأصل أنك إذا اغتسلت بماء أو توضأت به جاز للغير أن يعيد الوضوء به، وكذلك التيمم أيضاً، فيعتبر قياسهم التيمم هنا بالمسح المكرر في الكف على الوضوء والغسل من باب رد المختلف فيه إلى المختلف فيه، ويعتبر دليلهم دليل التزام لا دليل إلزام.
مسح اليدين إلى الكوعين في التيمم
مسح اليدين إلى الكوعين في التيمم قال رحمه الله: [ويديه إلى كوعيه] يمسح يديه إلى كوعيه، وذلك لقوله تعالى: {وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] والأصل في اليد أنها تُطلق من أطراف الأصابع إلى المنكب، فكله يد إلاّ ما خص، فتخص بالكفين بالدليل كما في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] حيث جاءت فجاءت السُّنة وبينت محل القطع، فخصصت اليد بالكف، ولذلك قالوا: إنما خصصنا الكفين بالمسح؛ لظاهر حديث عمار: (فمسح بهما وجهه وكفيه). وقال بعض العلماء: يمسح في التيمم اليد كاملة، وهو قولٌ لطائفة من السلف، وقال بعض السلف: يمسح حتى إلى الإبط على ظاهر قوله: {وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة:6] وقال بعضهم: إلى المرفقين إلحاقاً بالوضوء. والصحيح أن الكفين هما المعتبران في المسح، وأنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المسح أكثر من الكفين، والقاعدة: أن بيان المجمل الواجب واجب، فما دام أن القرآن قال: {وَأَيْدِيكُمْ} [المائدة:6] واحتمل ذلك الكفين واحتمل إلى المرفقين واحتمل إلى المنكب؛ وجاءت السُّنة ببيانه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث مسح إلى كفيه، صار البيان واجباً كما في الحج؛ ولذلك يقولون في الأصول: بيان الواجب واجب.
الترتيب في التيمم
الترتيب في التيمم قال رحمه الله: [وكذا الترتيب] وجوب الترتيب قول لبعض العلماء، فكما قلنا في الوضوء نقول في التيمم، فالواو في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] قالوا: تقتضي الترتيب كما اقتضته في الوضوء في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وقالوا أيضاً: إن البدل يأخذ حكم مبدله، فلما وقعت عبادة التيمم بدلاً عن الوضوء، والترتيب شرط في الوضوء، كذلك هو شرط في التيمم، وهو أعدل الأقوال وأحوطها، فيحتاط الإنسان ويراعي الترتيب. فائدة هذا: أننا لو قلنا: إنه لا يجب الترتيب ومسح الإنسان كفيه قبل أن يمسح وجهه أجزأه على القول بعدم اشتراط الترتيب، أما إذا قلنا باشتراط الترتيب؛ فإنه لا يجزيه إلا إذا قدم وجهه ثم مسح كفيه بعد الوجه.
الموالاة في التيمم من الحدث الأصغر
الموالاة في التيمم من الحدث الأصغر قال رحمه الله: [والموالاة في حدث أصغر] والمولاة، أي: أن الموالاة واجبة، فبمجرد أن ينتهي من مسح وجهه فعليه أن يمسح كفيه، فلا يقع الفاصل بين مسح العضوين، فإذا وقع الفاصل أثر كما يؤثر في الوضوء، ودليل الموالاة في التيمم هو دليله في الوضوء، قالوا: إنه كما أن عبادة الوضوء -وهي الأصل- تشترط الموالاة لصحتها كذلك عبادة التيمم، فلو أن إنساناً ضرب بكفيه على الأرض، ثم مسح وجهه وجلس ساعة، وبعد ساعة ضرب مرة ثانية ومسح كفيه؛ فعلى القول باشتراط الموالاة لا يجزيه؛ لوجود الفاصل، فكما لم يجزئه في الوضوء كذلك لا يجزئه في التيمم، وعلى القول بعدم الاشتراط يجزئه ويصح منه ذلك. وقوله: [في حدث أصغر] في: للظرفيّة، أي: أن التيمم يكون في حدث أصغر وهو الوضوء، فلو أن إنساناً انتقض وضوءه ببول أو غائط أو ريح؛ فإنه يجزيه أن يتيمم إذا استوفى شروط الرخصة. فالتيمم يشمل الحدث الأصغر والحدث الأكبر، فلك أن تتيمم لحدث أصغر ولك أن تتيمم لحدث أكبر؛ وذلك لأن الله جل وعلا جعل التيمم بدلاً عن الطهارتين فقال بعد ذكره طهارة الحدث الأصغر في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6] ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] فدل على أن التيمم يكون بدلاً عن الطهارة الصغرى -وهي: الوضوء- والطهارة الكبرى -وهي الغسل-؛ لأنه قال: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] والماء يستخدم للطهارة الصغرى وللطهارة الكبرى، فإذا فقد الماء علمنا أن قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [المائدة:6] أي لطهارة صغرى أو لطهارة كبرى فتيمموا، فعلمنا أنه بدل عنهما.
اشتراط النية في التيمم
اشتراط النية في التيمم قال رحمه الله: [وتُشترط النية لما يُتيمم له من حدث أو غيره] (وتشترط النية لما يتيمم له) تشترط النية لصحة التيمم، وهذا يكاد يكون بالاتفاق، حتى إن الحنفية -وقد سبق معنا في الوضوء والغسل أنهم لا يرون النية، ويقولون بصحة الوضوء أو الغسل بدون نية -قالوا: لابد من النية في التيمم؛ وذلك لأنها رخصة لابد من وجود النية فيها. والدليل على اشتراط النية: أن التيمم عبادة، والله أمر بإخلاص العبادة، ولا إخلاص إلا بنية. وكذلك الدليل من السُّنة: قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات) والوضوء والتيمم عمل، فتشترط النية لصحة التيمم.
حالات النية في التيمم
حالات النية في التيمم وقوله: (من حدث أو غيره) إذا جئت -مثلاً- تريد أن تتيمم، فيكون في قلبك أنك تقصد استباحة الصلاة، سواء كان ذلك في حدث أصغر أو في حدث أكبر، ومثاله: لو أن إنساناً استيقظ لصلاة الفجر وهو جنب وأراد أن يصلي ولا ماء عنده أو عنده ماء ولا يستطيع استعماله، فقد وجد فيه مقتضى الرخصة، فإنه عند قصده إلى الصعيد الطيب -وهو التراب أو الحجر- ينوي في نفسه بهذه العبادة -وهي التيمم- استباحة الصلاة، فإذا وجدت هذه النية في حدث أصغر أو في حدث أكبر صح تيممه وأجزأه، أما لو عزبت عنه النية وضرب يده دون أن يستحضر أو تكون منه النية؛ فإنه لا يجزئه ذلك. قال رحمه الله: [فإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر] إن نوى التيمم عن الجنابة لم يجزئه ذلك عن الوضوء، وقال العلماء: لو كانت عليه جنابة وقصد رفع الجنابة دون أن يقصد بها استباحة الصلاة؛ فإنه لا يجزئه، والصحيح: أن المنبغي على المكلف إذا أراد أن يتيمم أن يقصد استباحة الصلاة المفروضة أو النافلة، فإن كانت مفروضة تقيد بالفرض حتى يخرج وقتها، وصلى بذلك التيمم الذي قصد به الاستباحة، وإن كانت نافلة كذلك أيضاً صلى به النافلة، وإن كانت غير فرض ونافلة مثل: الطواف بالبيت أو لمس المصحف؛ فإنه يتقيد بذلك الذي تيمم من أجله، فيجعل في نفسه عند ضربه لكفيه، أو يستحضر في نفسه عند ضربه لكفيه استباحة هذا المحظور الذي لا يجوز فعله إلا بطهارة. قال رحمه الله: [وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل به فرضاً] وإن نوى نفلاً لم يصل به فرضاً؛ لأن نية الأدنى لا تبيح الأعلى، فكما أنه إذا توضأ لنفل لا يصلي فريضة، كذلك في التيمم؛ والدليل على هذا: ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) فقوله: (إنما لكل امرئ ما نوى) يقتضي التخصيص، فما دام أنه نوى النفل فلا يستبيح الفرض، ولذلك لو أن إنساناً أحرم بالصلاة ناوياً النافلة، وأراد أن يقلبها إلى الفرض لم يصح إجماعاً، كذلك أيضاً لو تيمم ناوياً النافلة لم يصح له أن يستبيح الفريضة. قال رحمه الله: [وإن نواه صلى كل وقته فروضاً ونوافل] وإن نوى الفرض (صلى كل وقته) أي: وقت الفرض، (فروضاً ونوافل)، ويشمل ذلك الفروض إذا كان الوقت يسع فرضين مثل: المسافر، فلو كنت مسافراً ثم أخرت صلاة الظهر حتى دخل وقت العصر ولم تجد ماءً وأردت أن تجمع بين الظهر والعصر في وقت العصر فإنك تصلي الظهر والعصر بتيمم واحد، وهكذا لو أخرت المغرب إلى صلاة العشاء، وهذا بالنسبة للفروض المتعددة.
مبطلات التيمم
مبطلات التيمم
خروج الوقت يبطل التيمم
خروج الوقت يبطل التيمم قال رحمه الله: [ويبطل التيمم بخروج الوقت] وقد ذكرنا هذا في المجلس الماضي، وذكرنا أنه مبني على ظاهر آية المائدة في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6] فإن الله سبحانه وتعالى قصر على المكلفين الوضوء لكل صلاة، ثم نُسخ ذلك في الوضوء، فبقي التيمم على الأصل؛ لعدم ورود الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تيمم وصلى أكثر من صلاة، ثم وجدنا هذا الحكم -وهو أن التيمم يبطل بخروج الوقت- قد أفتى به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر الزركشي رحمه الله هذه المسألة في شرحه للمختصر وقال: إنه قضاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وممن قضى به: ابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو رضي الله عن الجميع، وأما ابن عباس فعنه روايتان في هذا؛ لكن قالوا -خاصة على مذهب من يرى أن قول الصحابي حجة-: إن هذا يعتبر مقيداً بالفرض، ولذلك أفتوا بأنه إذا خرج وقت الفريضة فإنه يتيمم لما بعدها من فريضة، فلو تيمم لصلاة الظهر وخرج وقتها وأراد أن يصلي العصر استأنف تيممه، ويكون التيمم الأول باطلاً بمجرد انتهاء وقت صلاة الظهر.
مبطلات الوضوء مبطلات للتيمم
مبطلات الوضوء مبطلات للتيمم قال رحمه الله: [وبمبطلات الوضوء] يعني: يبطل التيمم بمبطلات الوضوء، كأن يخرج منه ريح أو بول أو غائط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) فجعل الحدث في الوضوء ناقضاً، وكذلك يعتبر الحدث ناقضاً للتيمم؛ لأن البدل يأخذ حكم مبدله.
حضور الماء يبطل التيمم
حضور الماء يبطل التيمم قال رحمه الله: [وبوجود الماء] بهذا أصبح التيمم زائداً على الوضوء في نواقضه، فينتقض التيمم بما ينتقض به الوضوء -وهذا ما يشترك فيه مع الوضوء- وينتقض زيادة على ذلك بأمرين زائدين على الوضوء هما: خروج الوقت، ووجود الماء. أما وجود الماء فلأن ما شرع مقيداً بعلة يزول بزوالها، وقد شرع الله التيمم مقيداً بعلة فقد الماء أو عدم القدرة عليه كما على ظاهر السُّنة في حديث عمار، فلما أمكن المكلف أن يستعمل الماء أو وجده؛ زال الحكم بزوال علته، ولذلك يقولون: إنه إذا وجد الماء انتقض تيممه ولزمه أن يغتسل ويتوضأ؛ ودل على هذا الحكم دليل الكتاب والسُّنة: أما دليل الكتاب: فقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة:6] فجعل التيمم معلقاً على عدم وجود الماء، فإن وجد الماء دل على بطلان التيمم وعدم الاعتداد به. وأكد ذلك دليل السُّنة في حديث عمران في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه صلى بالناس الفجر، فلما صلى عليه الصلاة والسلام الفجر رأى رجلاً لم يصلِّ مع الناس، فقال: عليَّ به، فلما أُتي به قال: ما منعك أن تصلي في القوم؟؟ قال: يا رسول الله! أصابتني جنابة ولا ماء -أي: أصابتني الجنابة ولا أجد ماءً أغتسل به فأرفع الجنابة- فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) وفي الرواية الثانية: (فلما مضى عليه الصلاة والسلام وجد الماء فبعث به إليه). وجه الدلالة: أنه جعل الحكم بتيممه والاعتداد بالتيمم موقوفاً على عدم وجود الماء، فدل على أنه إذا وجد الماء سقطت الرخصة لاستباحة الصلاة. الدليل الثاني أيضاً من السُّنة: ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته)، الفاء تقتضي العطف على الولاء، يعني: بسرعة، ولا تقتضي تراخياً، ولذلك قال: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسَّه بشرته) فدل ذلك -أولاً- على أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح فعل الصلاة، ودل -ثانياً- على أنه إذا وجد الماء لزم على المكلف أن يمسه بشرته، فيزول موجب الرخصة؛ وحينئذ نحكم ببطلان تيممه ووجوب وضوئه وغسله. قال رحمه الله: [وبوجود الماء ولو في الصلاة لا بعدها] (ولو في الصلاة) لو: -كما هو معلوم في المتون الفقهية- إشارة خلافٍ، كما ذكر خليل في المختصر في مقدمته أنه يشير بلو للخلاف، فإذا قال العلماء: ولو قائماً، فُهِمَ أن حالة القيام فيها خلاف، وأن هناك قولاً يقول بالعكس قال: (ولو في الصلاةٍ) قال بعض العلماء: نحكم بكون الماء عند وجوده موجباً لبطلان التيمم مطلقاً سواء وجده وهو فارغ من الصلاة منتهٍ منها أو وجده أثناء فعله للصلاة، فإن وجده بعد انتهائه من الصلاة؛ فهذا فيه قول واحد عند من يرى أن وجود الماء موجب لبطلان التيمم. أما إن وجده وهو في أثناء الصلاة فعلى أصح الأقوال أنه ولو كان في أثناء الصلاة فإنه يحكم عليه ببطلان التيمم، ووجه ذلك أننا نُلزم القائلين بكون وجود الماء -على ظاهر دليل الكتاب والسُّنة- موجباً للبطلان، ونلزمهم بكونه مبطلاً حتى في الصلاة لمكان الإطلاق في الشرع: (فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) فلم يفرق بين كونه وجده أثناء الصلاة أو وجده بعد الصلاة، ولذلك نقول: إن وجود الماء موجب لبطلان التيمم مطلقاً، سواءً كان وجوده أثناء الصلاة أو بعد فعل الصلاة والفراغ منها. وهنا مسألة خلافية: لو أن إنساناً صلى ثم وجد الماء قبل انتهاء الوقت؛ فقال بعض العلماء بالإجزاء وأنه لا يلزمه أن يعيد الصلاة، وذلك لأن صلاته وقعت معتبرة صحيحة وأجزأته على الحالة التي كان معذوراً فيها. وقال بعض العلماء: يلزمه أن يعيد الصلاة بعد غسله ووضوئه، فإذا وجد الماء أثناء الوقت تلزمه الإعادة. وتوسط آخرون بين القولين فقالوا: تستحب له الإعادة ولا تجب عليه، وإن كان أقوى الأقوال أن صلاته صحيحة ولا تلزمه الإعادة.
استحباب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة
استحباب تأخير التيمم إلى آخر وقت الصلاة قال رحمه الله: [والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى] إذا دخل وقت الفريضة على المكلف فإن غلب على ظنه أنه سيجد الماء فحينئذٍ ينتظر وجوده خروجاً من خلاف العلماء رحمة الله عليهم، وإن كان لا يدري هل يمكنه أن يجد الماء أم لا، أو يُرجّي وجوده بحيث لم يكن هناك غالب ظن؛ فحينئذٍ قالوا: ينتظر، وذلك من باب الاستحباب، فإذا تيمم وصلى أجزأه ذلك ولا تلزمه الإعادة على ما ذكرنا فيمن وجد الماء قبل خروج الوقت.
صفة التيمم
صفة التيمم قال رحمه الله: [وصفته أن ينوي ثم يسمي] (وصفته) أي: صفة التيمم، وهذا كله من الترتيب في الأفكار، فميزة العلماء والفقهاء أنهم لا يأتون بالأحكام هكذا مخلوطة دون ترتيب لها وحسن وضع لأحكامها بما يتناسب مع حال المكلفين، فإنك إذا درست باباً من الأحكام فأول ما يأتيك من الأحكام: من الذي يجوز له أن يتيمم ومن الذي لا يجوز له أن يتيمم؟ وبعد أن تعرف الحالات التي يباح فيها أن يتيمم الإنسان لابد أن تعرف بأي شيء يتيمم، ثم ما هي كيفية التيمم؟ ومن هنا ترى دقة الفقهاء في ترتيب هذه الأحكام وتسلسلها على هذا النحو، ومن ذلك يستفيد طالب العلم أنه إذا خاطب الناس أو أراد أن يبين حكماً لهم فعليه أن يراعي ترتيب الأفكار وتسلسلها، إما أن تُسَلْسَل على حسب مناسبة شرعية أو على حسب الطبيعة والواقع. قال رحمه الله: (وصفته): صفة الشيء: حليته والأمور التي يتميز بها عن غيره، فإذا وصفت شيئاً فقد ميزته عن غيره. والضمير في قوله: وصفته، عائد إلى التيمم، أي: صفة التيمم الشرعية. وقوله: (أن ينوي) النية شرط في صحة التيمم. وقوله: (ثم يسمي) يقول: باسم الله، والصحيح: أنه لا يجب عليه أن يسمي؛ وإنما العلماء يستحبون في مثل هذه العبادات البداءة بالتسمية لمطلقات الشرع في فضل ذكر اسم الله عز وجل، وقد قال الله عز وجل: {تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ} [الرحمن:78] فيقولون: من أراد البركة في الأشياء ذكر اسم الله فيها، وأحق ما تكون فيه البركة الوضوء، ولذلك قالوا: يسمي قبل وضوئه، وأما قبل تيممه فلم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بذكر التسمية في التيمم، ولو أن إنساناً تيمم دون أن يسمي؛ فإن ذلك قد يكون أقرب إلى السُّنة. قال رحمه الله: [ويضرب التراب بيديه] لأن عماراً وصف تيمم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ثم ضرب بهما) أي: ضرب بيديه الأرض وهذه هي السُّنة، فإن كانت الأرض، صلبة كالحجر ونحوه مسح عليها. قال رحمه الله: [مفرجتي الأصابع]: قالوا: لوصف عمار لتيمم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ضرب) والضرب لا يكون إلا في الأرض التي لها غبار، فدل على أنه قاصدٌ للغبار، وإذا قصد الغبار فإنه يفرج بين أصابعه حتى يتخلل ما بينها، فيحصل الإجزاء بعبادته. قال رحمه الله: [يمسح وجهه بباطنهما]. يجعل باطن الكفين للوجه. قال رحمه الله: (وكفيه براحتيه (للعلماء رحمة الله عليهم في صفة التيمم كلام، فقالوا: يبدأ باليمنى فيجعل طرف الراحة عند رءوس الأصابع، ثم يمرها على الظاهر، ثم يشبك بإدخال أو إنزال أطراف الأصابع حتى يكون ما بين الأصابع قد أصابه المسح، وكما أنك مطالب بالشرع في الوضوء أن تغسل ما بين الأصابع فكذلك أنت مطالب في التيمم أن تمسح ما بين الأصابع، وهذا عند من يقول بعدم التفريج؛ لأنه إذا فرج لم يحتج للتخليل، فيمرها على هذه الصفة، فيمسح بكفه اليمنى على كفه اليسرى بهذه الصفة حتى يبلغ كوعه، فإذا انتهى منه يقلب إلى راحته ويمسحهما بها. وقال بعض العلماء -وهو الصحيح- يمسح على ظاهر كفيه، قالوا: إنه يمسح بالظاهر فيكون الباطن قد مسح، فيكون المسح على ظاهره. قال رحمه الله: [ويخلل أصابعه] على الصفة التي ذكرناها، بحيث إذا بدأ باليمين يقلب اليسرى عليها ويولجها بين الأصابع؛ لأنه إذا أمرَّ بهذه الصفة لا يبقى ما بين الأصابع، قالوا: كما أنه أُمر في الوضوء بغسله فالله أمر في التيمم بمسحه، وهذا لا يتحقق إلا بالتخلل، والقاعدة: (أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، فلما كان الأصل في هذه الكف أنها تُمسح كاملةً كما أنها في الوضوء تغسل كاملة فيخلل الأصابع كما هو في الوضوء.
الأسئلة
الأسئلة
ازدحام شرط الوقت وشرط الطهارة في الصلاة
ازدحام شرط الوقت وشرط الطهارة في الصلاة Q لو أدركت مقدار ركعة من الصلاة قبل خروج وقتها وأنا متيمم، فهل تبطل صلاتي لبطلان تيممي بخروج الوقت؟ A هذه مسألة مفرعة على المسألة التي ذكرناها وهي: إذا وجد الماء أثناء صلاته، والحكم يستوي فيه أن تبقى ركعة أو لا يكون في الوقت متسع لأن يتوضأ أو يغتسل، بمعنى: أن الحكم عام، فلذلك نقول: إذا وجد الماء وأمكنه أن يستعمله وخشي خروج الوقت فإنه لا يجزئه أن يتيمم؛ لأن الله عز وجل اشترط في التيمم فقد الماء، وقال بعض العلماء -وهو قول مرجوح وضعيف- إنه إذا خشي خروج الوقت فإنه يتيمم ويصلي، والصحيح: أنه يتوضأ؛ لأن الوضوء والغسل مشترط لصحة الصلاة، ولذلك لا يعتبر فعله للصلاة -مع إمكانه للوضوء والغسل على هذا الوجه مع تيممه- صحيحاً، ولا بد أن يتوضأ ويغتسل ولو خرج الوقت، وهذا هو أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم. وهذه المسألة يجعلها الأصوليون من مسائل ازدحام الشروط، بمعنى: أن الشرع اشترط لصحة الصلاة الوقت، فلا يجوز للمكلف أن يُخْرِج الصلاة عن وقتها، واشترط لها الوضوء إذا كان الإنسان محدثاً حدثاً أصغر، والغسل إذا كان محدثاً حدثاً أكبر، فإذا كان في آخر الوقت بحيث لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فهل نقدم شرط الطهارة ونقول: يتوضأ ولو خرج الوقت، أو نقدم شرط الوقت ونقول: تسقط طهارة الماء وينتقل إلى البدل لإدراك الوقت؟ فبعض العلماء يقول: أنا أُغلِّب وأُقوّي شرط الوقت على شرط الطهارة، فما دام أن جلوسه للوضوء، يخرجه عن الوقت فعليه أن يتيمم مباشرة ويقوم إلى الصلاة، فيدرك الوقت وتسقط عنه طهارة الماء، وهذا عند من يقول: إن طهارة التراب قائمة مقام طهارة الماء. الوجه الثاني يقول: هذا مكلف، واشترط الشرع في إسقاط طهارة الماء العجز أو الفقد، وهذا ليس بعاجز ولا فاقد، ولذلك نقول: يتوضأ ولو خرج الوقت؛ لأن مثله في الأصل يقضي ولا يؤدي، كما لو استيقظ بعد خروج الوقت، فما دام أنه توضأ واشتغل بالوضوء فهو معذور شرعاً، وهذا القول الثاني أعدل الأقوال وأقواها؛ لأن إسقاط الوضوء شرطه الفقد أو العجز، وهنا ليس بعاجز ولا فاقد، ولا في حكم العاجز ولا الفاقد، وبناءً على ذلك يلزمه أن يتوضأ ولو خرج الوقت، وتكون صلاته مقضية لا مؤداة. وبعض العلماء عنده مخرج فقهي عجيب يقول: ما دام أننا لو قلنا له: توضأ، خرج الوقت، فنقول له الآتي: تيمم وصل وأدرك الوقت، ثم احتط بالوضوء بعد الصلاة، وأعد الصلاة مرة ثانية؛ لأن الصلاة بالوضوء سيوقعها بعد خروج الوقت، فنقول له احتياطاً: أدرك الوقت بالتيمم -وهذا من ناحية أصولية فقط، إعمالاً للقواعد- فيتيمم ويصلي، لكن هذا فيه مشقة، ولو أراد المكلف أن يحتاط بهذه الطريقة فهذا أفضل: فيتيمم ثم يصلي ثم بعد ذلك يتوضأ ويصلي الصلاة المفروضة على الصفة التي ذكرناها، والله تعالى أعلم.
حكم التيمم بالتراب المحترق
حكم التيمم بالتراب المحترق Q في بعض النسخ زيادة مثل قوله: (ويجب التيمم بتراب طهور غير محترق)؟ A هذا تنبيه جيد، فأما قوله: (غير محترق) فيقصد بذلك إخراج ما أصابته الصنعة من نار ونحوه كالإسمنت، فإن التراب إذا أصابته الصنعة وَحُرِق خرج عن كونه تراباً إلى مادة أخرى، قالوا: فلا يجزئ أن يتيمم به، وهذا أحوط؛ لأنه خرج عن أصل المادة المعتبرة للحكم الشرعي من كونها صعيداً، فعلى المكلف أن يحتاط بعدم التيمم بمثل هذا. ويدخل في التراب المحترق الطوب المحروق ونحوه، وكل هذا لا يتيمم به، لكن يتيمم على الصخر والحجر والتراب والرمال ونحوها.
حكم أداء الفريضة بتيمم النافلة
حكم أداء الفريضة بتيمم النافلة Q قال المصنف رحمه الله: (وإن نوى نفلاً أو أطلق لم يصل بها فرضاً) فما معنى قوله: (لم يصل بها فرضاً)؟ A يقولون: (إذا نوى نفلاً) كأن ينوي راتبة الظهر فلا يصلي بها الظهر، وهكذا لو نوى الراتبة القبلية في الصبح وخص نيته بالراتبة القبلية، فلا يصلي بهذا التيمم، غير ما نوى التيمم لاستباحته، وأما بالنسبة للإطلاق: إذا قصد به الاستباحة للصلاة مطلقاً فهذا يتأتى في طهارة الماء، كما أشار إليه بعض العلماء في قوله: ولينو رفع حدث أو مُفْتَرَض أو استباحة لممنوع عَرَضْ ولينو رفع الحدث: هذه النية العامة في طهارة الماء من وضوء وغسل، وأما بالنسبة للتيمم فحين كان مبيحاً لا رافعاً لم يكن بالقوة التي عليها طهارة الماء، ولذلك خُص بهذا الوجه وأصبح من الفوارق بين طهارتي التراب والماء، والله تعالى أعلم.
تقديم الوجه على الكفين في التيمم
تقديم الوجه على الكفين في التيمم Q كيف نجمع بين حديث عمار: (إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه) ففي هذا الحديث تقديم اليدين على الوجه، وفي رواية البخاري تقديم الوجه على اليدين، وهل هذا يدل على عدم وجوب الترتيب؟ A إن من العلماء من أجاب عنه بأن حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم المراد بها مطلق الجمع بحصول مسحه عليه الصلاة والسلام لكفيه ثم مسحه لوجهه، وليس المراد بها مراعاة الترتيب، وإن كان ظاهر السُّنة يدل على مراعاة الترتيب، والأحوط نظراً لمكان الرخصة وتقيد هذه العبادة بكونها رخصة أن يخرج الإنسان من الخلاف، واخترنا القول الذي يقول بمراعاة الترتيب؛ لوجود الشبيه والنظير مع اختلاف الروايات، واختلاف ظاهر السُّنة والتنزيل مع الاحتمال الوارد في ظاهر السُّنة، فرجعنا إلى الأحوط ورجعنا إلى الأصل، فوجدنا الأحوط يقتضي صيانة عبادة المكلف من الخلل، فقلنا يراعي الترتيب، ووجدنا الأصل -وهو طهارة الماء التي وقع التيمم بدلاً عنها- يراعى فيها الترتيب، فحكمنا بالترتيب من هذه الوجوه، وغلبنا ظاهر القرآن {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6] وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أبدأ بما بدأ الله به) وفي رواية (ابدأوا) بالأمر، لكن هذه الرواية متكلم فيها، فلما بدأ الله عز وجل بمسح الوجه قبل مسح الكفين راعينا هذا الترتيب مع ما ذكرناه من وجود الأصل، ولذلك من المسالك الأصولية تستطيع أن تقدم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب لظاهر الكتاب وظاهر السُّنة، فعندما رجعنا إلى الأصل كان المعارض، وهو الكتاب والسُّنة أبلغ في القبول من قبول سنة منفردة، ثم مراعاة الأصل الذي ذكرناه في عبادة الوضوء، والبدل يأخذ حكم مبدله، وكل ذلك اقتضى تقديم القول الذي يقول بمراعاة الترتيب، والله تعالى أعلم.
حكم إمامة المتيمم بالمتوضئ
حكم إمامة المتيمم بالمتوضئ Q إذا كان هناك رجل متوضئ وآخر متيمم، فمن يقدم للصلاة؟ A هذه مسألة ذكرها العلماء رحمة الله عليهم في آداب الإمامة، فقالوا: إن من آداب الإمامة ومسائل التقديم فيها أنه إذا اجتمع متيمم ومتوضئ فلا يصلي المتيمم بالمتوضئ، وهذا في الحقيقة محل نظر، وأما دليلهم فقالوا: إن المتيمم مرخص له، والقاعدة في الأصول: أن الرخص لا يتجاوز بها محالها، وبناءً على ذلك قالوا: لا يستبيح بالتيمم أن يصلي بغيره، خاصة على المذهب الذي يقول: إن الإمام يحمل الفاتحة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن) وإن كان الصحيح: أنه لا يحمل. والذي تدل عليه السُّنة -وهو أقوى وأقرب إلى الصواب إن شاء الله- أنه يجوز أن يصلي المتيمم بالمتوضئ، ولكن بشرط أن يكون إماماً راتباً أو أميراً أو نحو ذلك؛ والدليل على ذلك حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، فإن عمرو قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إني سمعت الله يقول: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29] فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً)، فقالوا: هذا يدل على جواز إمامة المتيمم بالمتوضئ، ولكن محل ذلك أن يكون إماماً راتباً، كأمير السرية أو أمير السفر أو قائد الجند إذا كان يصلي بهم وهو إمامهم ثم أصابته جنابة، فيصلي بهم ولو كان جنباً؛ لظاهر حديث عمرو. أما لو أن اثنين استويا في المرتبة ووجدنا متوضئاً ووجدنا متيمماً فلا شك أن الخروج من الخلاف أولى، فنقول للمتوضئ: صل بالمتيمم؛ لأنه إذا صلى المتيمم بالمتوضئ شككنا في الصلاة، ولكن إذا صلى المتوضئ بالمتيمم صحت الصلاة قولاً واحداً، ولذلك ينبغي صيانة الصلاة من هذا الخلل، فنقول يصلي المتوضئ بالمتيمم إن استويا، أو كانوا بلا إمام راتب في الناس فلا يتقدم عليهم المتيمم، وإنما يقدم المتوضئ، وهذا من آداب الإمامة، وعلى الإمام ألا يعرض صلاة من وراءه للخلل أو الخلاف، بل عليه أن يحتاط لهم.
حكم من وجد الماء بعد صلاته بالتيمم
حكم من وجد الماء بعد صلاته بالتيمم Q إذا كنت في سفر وحان وقت الصلاة ولم يكن معي ماء فتيممت، مع العلم أني لو سرت مسافة معينة فإنني سأجد محطة، فهل فعلي صحيح؟ وإن لم يكن صحيحاً فكيف أفعل في تلك الصلاة مع العلم أنه مضى عليها ما يقارب شهراً؟ A إذا كان هذا الشخص في سفر ولا يعرف المحطات ولا المنازل، فإنه في هذه الحالة يتيمم ويصلي، فلو مشى -وهو لا يدري- فوجد الماء ولو بعد كيلو ولو بعد نصف كيلو؛ فإنه في هذه الحالة لا يعيد الصلاة، بل صلاته صحيحة؛ لأنها وقعت مجزئه ولا حرج عليه في ذلك، أما لو كان يغلب على ظنه أنه سيجد الماء فصلاته مشبوهة والأحوط له أن يعيدها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب إزالة النجاسة [1]
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [1] لقد أمر الدين الإسلامي بالطهارة من الحدث والخبث والنجاسة، والطهارة من النجاسة تشمل البدن والثوب والمكان، فإذا وقعت النجاسة في شيء من ذلك وجب إزالتها، والأصل في الطهارة هو الماء، فإن كانت النجاسة في الأرض صب عليها الماء، وإن كانت في غيرها غسلت حتى تطهر، إلا إذا كانت نجاسة كلب إحداهن بالتراب.
إزالة النجاسة وأحكامها
إزالة النجاسة وأحكامها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب إزالة النجاسة] الإزالة: المحو، وزوال الشيء: ذهابه. (النجاسة) النجاسة: مأخوذة من النجس، وهو الشيء المستقذر، والمراد بها: النجاسة الشرعية، أي: التي حكم الشرع بقذارتها ووجوب أو لزوم إزالتها لعبادة الصلاة ونحوها كالطواف بالبيت. ما مناسبة هذا الباب للباب الذي قبله؟ A تكلمنا عن الوضوء ونواقضه، ثم عن الغسل، ثم تكلمنا عن التيمم، فنلاحظ في هذه الأبواب الماضية أنها اشتملت على عبادة الوضوء والغسل، ثم على البدل عنهما وهو التيمم، ثم بعد ذلك شرع رحمه الله بقوله: (باب إزالة النجاسة) وهذا نوع جديد من الطهارة، فالنوع الأول الذي هو الوضوء والغسل والتيمم هو طهارة الحدث، والنوع الثاني الذي معنا الآن هو طهارة الخبث، فعلى المكلف أن يعتني بهذا الباب؛ لأمر الشرع بإزالة النجاسة للصلاة ونحوها مما يشترط له الطهارة كالطواف بالبيت، والأصل في هذا الباب دليل الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة.
الأدلة على وجوب إزالة النجاسة
الأدلة على وجوب إزالة النجاسة أما دليل الكتاب: فإن الله عز وجل قال لنبيه: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] فأمره بتطهير ثيابه عند قيامه للصلاة أو إرادته القيام للصلاة، قالوا: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] أمر، والأمر للوجوب، فدل على وجوب تطهير الثياب والملبوس للعبادة وهي الصلاة، هذا بالنسبة لطهارة الثوب. وكذلك إزالة النجاسة دل عليها دليل السُّنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلي عنك الدم وصلي) وقال في بول الأعرابي: (أريقوا عليه سَجْلاً من ماء) وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً) فهذه النصوص كلها قصد منها إزالة النجاسة، وإزالة النجاسة إما من ثوب أو من بدن أو من مكان، فالشرع ألزم المكلف إذا أراد أن يصلي أن يكون طاهر الثوب والبدن والمكان، ولذلك يَنْصَب كلام العلماء ومسائل الناس في النجاسات على نجاسة الثوب أو البدن أو المكان. أما نجاسة البدن: فدل على لزوم إزالتها قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه -لشبهة- فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) فأمر بتطهير البدن والثوب: دليله ظاهر قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4] وقوله عليه الصلاة والسلام: (حُتيه ثم اقرصيه بماء) يدل على تطهير الثوب، وكذلك يدل على تطهير الملبوس من حذاء ونحوه، أنه لما صلى النبي عليه الصلاة والسلام في النعلين ثم قام بخلعهما أثناء الصلاة قال: (أتاني جبريل فأخبرني أنهما -أي: النعلين- ليستا بطاهرتين) فدل على أنه لا يُصلى إلا في حذاء طاهر. وثبت أيضاً في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإن جاء إلى المسجد فليصل فيهما -يعني: في نعليه- فإن وجد بهما أذى فليدلكهما بالأرض ثم ليصل فيهما) فهذا يدل على تطهير الملبوس، ولكنه بنوع آخر من الطهارة وهي الطهارة الترابية الجامدة. أما تطهير المكان الذي يصلي عليه الإنسان: فيدل على لزوم طهارته قوله عليه الصلاة والسلام في الصحيحين من حديث أبي هريرة لما بال الأعرابي في المسجد: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) فأمر بتطهير المكان، فهذه النصوص تدل على إزالة النجاسة في الثلاثة المواضع: البدن، والثوب، والمكان.
الماء أصل في إزالة النجاسة
الماء أصل في إزالة النجاسة أصل الطهارة بالماء، وتكون إزالة النجاسة إما بالماء أو بما في حكم الماء في صور مخصوصة، فإزالة النجاسة بالماء هي الأصل؛ لأن الله تعالى بيّن في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أن الماء أصل المطهرات؛ فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان:48] أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، وقال عليه الصلاة والسلام في ماء البحر: (هو الطهور ماؤه) فدل هذا على أن الماء هو الأصل في التطهير، ويدل على ذلك جلياً قوله عليه الصلاة والسلام: (واغسله بماء وثلج وبرَد) فجعل حتى التطهير بالماء مقدماً على غيره، فدل على أن التطهير في الأصل بالماء، ثم قد يكون التطهير بشيء في حكم الماء في صور مخصوصة، ومثال ذلك: طهارة الخارج من السبيلين تكون بالتراب أو بالحصى، أو تكون بالمنديل، وذلك في الاستجمار، فإن الإنسان إذا قعد فبال أو تغوط جاز له أن يأخذ منديلاً ويزيل ما ثمّ، فإذا فعل ذلك طَهُرَ الموضع؛ لأن طهارته بغير الماء في هذه الصورة المخصوصة أذن الشرع بها، فعلى العموم: الطهارة إما أن تكون بماء، وإما أن تكون بما في حكم الماء في صوره المخصوصة.
إزالة النجاسة من الأرض بغسلة واحدة
إزالة النجاسة من الأرض بغسلة واحدة قال رحمه الله: [يجزئ في غسل النجاسات كلها إذا كانت على الأرض غسلة واحدة تذهب عين النجاسة] (يجزئ) أي: يكفي المكلف وتعتبر ذمته بريئة إذا فعل ذلك، ويجزئه هذا في تطهير النجاسة إذا كانت على الأرض، مثال ذلك: لو وقع بول على أرض مسجد وكانت الأرض من تراب، فإنه يجزئ في إزالة تلك النجاسة أن يصب المكلف صبة من ماء تكون أكثر من النجاسة، أما إذا كانت مثلها أو دونها فإنها لا تجزئ، وإنما تزال النجاسة بالمكاثرة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أريقوا عليه سَجلاً من ماء) أي: على بول الأعرابي، وفي رواية: (دلواً من ماء) فوجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال: أريقوا عليه ماءً ولكن قال: (سجلاً) فدل على أن المكاثرة مطلوبة، وأنه لا يكفي أن تصب أي ماء، فلو بال إنسان -مثلاً- في مسجد، وجاء رجل بمغراف من ماء، فإن المغراف إذا صب على النجاسة فإنه سيتأثر بملاقاتها، ولذلك لا يعتبر مجزئاً في تطهير هذه النجاسة، بل لا بد أن يكون الماء أكثر من النجاسة المصبوب عليها، ووجه ذلك في قوله: (سجلاً) فإن السجل هو الدلو، وقال بعضهم: إنه دلو كبير، وإن كان ظاهر الحديث أن السجل هو الدلو المعتاد، فإن الدلو إذا صببته على بول سيكون أضعاف البول، وهذا يدل على أن النجاسة تزال بالمكاثرة وليس بمجرد صبة واحدة مطلقاً، بل لابد أن تكون مكاثرة بحيث يغلب على ظنك أنها تزيل النجاسة، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ورحمة الله عز وجل بالعباد، فإنك إذا نظرت إلى النجاسة وقد أصابت الأرض الترابية في مسجد أو في غرفة والأرض ترابية فلا يمكن للمكلف أن يقتلع الأرضية ويغسلها كما يغسل ثوبه، فإن في ذلك مشقة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فدل هذا على سماحة الشريعة ويسرها، وهذا النوع من النجاسات يجزئ فيها صب الماء صبة واحدة، لكن بشرط أن يكون على سبيل المكاثرة. وقوله: (غسلة واحدة تذهب بعين النجاسة). (غسلة واحدة) لقوله عليه الصلاة والسلام: (أريقوا عليه سجلاً من ماء) فلم يشترط سجلين أو ثلاثة. (تذهب بعين النجاسة) فلو صب أقل من النجاسة أو مثلها بحيث لا يغلب على الظن زوالها، فيلزمه أن يزيد حتى تكون أكثر من صبة؛ لأن الشرع قصد إزالة النجاسة، فإن بقي أثرها كان صب الماء وعدمه على حد سواء، ولذلك لابد أن يكون الماء المصبوب أكثر من النجاسة حتى تحصل غلبة الظن، وهذا كله إذا كانت الأرض ترابية، أما لو كانت الأرض من القماش فإنه لابد من إزالة النجاسة مثل إزالتها من الثوب، فيرفع القدر الذي أصابته النجاسة، ويصب عليه الماء على نفس الطريقة، ثم يعصره إذا أمكن عصره، وإذا لم يمكن عصره مثل ما هو موجود الآن من السجاد فحينئذٍ نقول: يصب الماء على البساط ثم يسحب ويشفط ثم يصب مرة أخرى ويجفف حتى يغلب على الظن أن النجاسة قد زالت، لأن مكاثرة الصب تذهب عين النجاسة وأثرها.
كيفية تطهير الإناء إذا ولغ فيه كلب
كيفية تطهير الإناء إذا ولغ فيه كلب قال رحمه الله: [وعلى غيرها سبع، إحداها بتراب في نجاسة كلب وخنزير]. عندنا النجاسات إما مخصوصة وإما عامة، فالنجاسة التي تقع على أرض المسجد صورة مخصوصة يصب عليها الماء صباً، ولا يشترط عصر ذلك كما ذكرناه. ثم يليها من المخصوصات نجاسة الكلب والخنزير: أما نجاسة الكلب؛ فورد فيها حديثا أبي هريرة وعبد الله بن مغفل الثابتان في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات) في رواية (إحداهن) وفي رواية: (أولاهن بالتراب) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) وهذا الحديث دل على مسائل: المسألة الأولى: إذا ولغ الكلب في الإناء -والولوغ: هو إدخال رأسه وشربه من الإناء- وشرب منه، وكذلك لو لم يكن في الإناء ماء وجاء كلب ولحس والرطوبة موجودة بلسانه فنقول: لقد ولغ فيه، فطهارة الإناء بفعل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: (أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب) وفي رواية: (إحداهن) وفي رواية: (وعفروه الثامنة بالتراب) ثلاث روايات. أما رواية: (أولاهن) فصورتها: فإن تأخذ كفاً من تراب وترميه في هذا الإناء الذي أدخل الكلب رأسه وولغ فيه، ثم إذا رميت هذا الكف من التراب صببت الصبة الأولى من الماء ثم الثانية ثم الثالثة. إلى السابعة، فبذلك يطهر الإناء. أما رواية: (إحداهن) فهي مطلقة، فإن شئت صببت الماء في الأولى ثم رميت التراب في الثانية وصببت الصبة الثانية من الماء. أما رواية: (عفروه الثامنة) فهي محل إشكال، فقال بعض العلماء: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة) معناه: أنه بعد غسله سبع مرات يصب التراب ثم يحتاج إلى ماء بعد التراب، وهذا قول شاذ قال به بعض السلف، والصحيح: أن قوله صلى الله عليه وسلم: (عفروه الثامنة بالتراب) أنها ليست غسلة ثامنة في الترتيب، وإنما هي ثامنة من حيث العدد، فإنك إذا وضعت التراب في الأولى ثم صببت الماء سبع مرات، فإن حسبت وضع التراب صبة مستقلة صارت ثامنة، وهذا هو الصحيح، وليس المراد بالثامنة أنها تقع في الترتيب ثامنة، وبناءً على ذلك أخذنا من الحديث أموراً: الأمر الأول: وجوب غسل الإناء سبعاً وتعفيره الثامنة بالتراب على الصفة التي ذكرناها، وذلك عند حصول الولوغ، أما لو أن كلباً أدخل رأسه فقط ولم يحرك لسانه، فإنه لا يجب الغسل ويبقى الإناء على أصله من كونه طاهراً، أي: ليست القضية أن يدخل رأسه فقط، لا بل لا بد من أن يلغ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ) فقيّد ذلك بوجود الولوغ، وبناءً على ذلك: إذا أدخل رأسه ولم يحرك لسانه فهذا لا يعتبر ولوغاً ولا يوجب الغسل سبعاً والثامنة بالتراب. إذا ثبت أن الكلب يجب غسل ما ولغ فيه سبعاً والثامنة بالتراب، فهنا يرد Q هل الحكم مخصوص بالكلب فقط أو يقاس عليه غيره؟ قال بعض العلماء: يقاس على الكلب غيره، فلو أن خنزيراً أدخل رأسه وولغ في الإناء فإنه يغسل سبعاً والثامنة بالتراب، وهذا مذهب الحنابلة وهو قول مرجوح، والصحيح: أن الحكم -كما يقول الجمهور- يختص بالكلب، وأما الخنزير فإنه لا يأخذ هذا الحكم، والمصنف عمل بالقول المرجوح، والراجح أن الحكم ورد في الكلب، وأما الخنزير فلا يأخذ حكمه، والدليل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم -رغم أن الخنزير كان موجوداً في زمانه- قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب) وما قال: والخنزير وإنما قال: الكلب، وهذا يدل على أن الحكم يختص بالكلاب ولا يقاس عليها غيرها.
حكم استخدام الأشنان في التطهير من ولوغ الكلب
حكم استخدام الأشنان في التطهير من ولوغ الكلب قال رحمه الله: [ويجزئ عن التراب أشنان ونحوه] (ويجزئ عن التراب) قد قررنا أنه لا بد من التراب في الغسل، فلو أنه لم يجد تراباً، كمن يكون في أرض جبلية، وأراد أن ينتفع من هذا الإناء المولوغ فيه وليس عنده تراب، فما هو الحكم في ذلك؟ الحكم: أن يُنَزَّل الأُشنان منزلة التراب، فيغسله بالأُشنان مع الماء، وهذا على القول بأن الحكم معلل، فإن في الكلب جراثيم يبالغ في تطهيرها على هذا الوجه، ولذلك قالوا: إن الأشنان يقتل الجراثيم كقتل التراب لها وإن كان هناك فرق بين قتل التراب وقتل الأشنان، فإن التراب أبلغ وأقوى في قتل الجراثيم، ولذلك يقولون: إن تخصيص الشرع به أقوى، حتى أن الأطباء الآن يعتبرون التطهير مع الماء من إعجاز الشرع؛ لأن التراب معرض للشمس، وطهارة التراب ونقاؤه من الجراثيم من أكثر الموجودات على سطح الأرض، فإن التراب أبلغ طهارة والماء أقل منه، ولذلك تجد الشرع قد جعل التراب أبلغ في تطهير أو قتل الجراثيم من الماء، وهذا من إعجاز الشرع. وللعلماء في تنزيل الأشنان منزلة التراب ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يُجزئ عن التراب غيره سواءً وجد التراب أو لم يوجد، وبهذا القول قال طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، وهو قول في مذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع. القول الثاني: يُجزئ عن التراب غيره من سائر المنظفات، فلو أردت أن تغسله بماء وصابون أجزأت غسلة الصابون -وكذلك بقية المطهرات- عن التراب كما ذكر المصنف رحمه الله: (الأُشنان) بالضم، والأشنان المراد به: نوع من المنظفات، وفي حكمه المطهرات الموجودة الآن، فعند أصحاب هذا القول أنه يُجزئ أن تغسل الإناء سبع مرات بالماء، وأن تكون ضمن هذه الغسلات غسلة بمنظف، سواءً كان صابوناً أو غيره من المنظفات، وهذا القول هو الوجه الثاني عند الشافعية، وكذلك عند الحنابلة رحمة الله عليهم، وقد درج عليه المصنف حيث قال: (يُجزئ عن التراب أُشنان وغيره). والقول الثالث: أنه إن وجد التراب فلا يُجزئ غيره عنه، وإن لم يوجد فإنه يُجزيء غيره عنه، وهو أعدل الأقوال وأولاها بالصواب -إن شاء الله تعالى- وهو وجه عند الشافعية رحمة الله عليهم، فإذا ثبت هذا فيستوي في الحكم بالمطهر سائر المنظفات سواء كانت من صابون أو أُشنان قديم، فما دام أنه يُنظف ويُنقي؛ فإنه يُجزئ عن التراب إذا فُقد التراب، وهذا محصل أقوال العلماء رحمة الله عليهم في إجزاء غير التراب عن التراب في مسألة ولوغ الكلب.
كيفية إزالة النجاسة غير الكلب والخنزير
كيفية إزالة النجاسة غير الكلب والخنزير قال رحمه الله: [وفي نجاسة غيرهما سبع بلا تراب] أي: غير الكلب والخنزير، فلو أن إنساناً كان عنده ثوب فوقعت عليه نجاسة من غير كلب أو خنزير؛ فكيف يتم تطهير هذه النجاسة؟ للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول يقول: كل شيء وقعت عليه النجاسة من غير الكلب والخنزير فيجزئ أن تصب عليه صبةً واحدة تذهب عين النجاسة وأثرها ويجزئك ذلك، وهذا القول اختاره غير واحد من أهل العلم، ونُسب إلى جمهور العلماء واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع أن العبرة في إزالة النجاسة إذا وقعت على الشيء من غير الكلب أن تصب صبةً واحدة منقية منظفة؛ فحينئذٍ يجزئك ذلك. القول الثاني: لا يجزئ أقل من ثلاث غسلات، وهذا القول اختاره جمع من العلماء وهو وجه عند الحنابلة، واختاره الإمام الموفق ابن قدامة كما هو ظاهر عمدته، وأصحاب هذا القول يقولون: إذا وقعت النجاسة على الثوب وأردت أن تطهره فلابد من ثلاث غسلات: تصب الغسلة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، فإذا أتممت الثلاث حكم بطهارة المحل، بشرط أن يذهب عين النجاسة وأثرها. القول الثالث يقول: لابد في التطهير من سبع غسلات، فلو غسلت بأقل فإن المحل يبقى نجساً، وهذا كما درج عليه صاحب الزاد هنا، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد: أنك تغسل كل شيء تنجس سبع مرات. ولكن عند النظر في أدلة هذه الأقوال الثلاثة يتخلص ما يلي: الذين قالوا: تجزئ صبة واحدة، احتجوا بحديث بول الأعرابي، فإن الأعرابي لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سجلاً من ماء) فأمر بصبة واحدة، فقالوا: إنه إذا صب صبةً واحدة على الماء كان كمثل صب الماء على بول الأعرابي، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: صبوا عليه ثلاثاً ولم يقل: صبوا عليه سبعاً، وبناءً على ذلك يبقى المطلق على إطلاقه، فيجزئ في سائر النجاسات أن يصب عليها صبةً واحدة. كذلك أيضاً استدلوا بدليل العقل، قالوا: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، فنحن نحكم بنجاسة الثوب لوجود النجاسة، فإذا صببت صبة واحدة وذهبت النجاسة؛ فقد زالت العلة التي من أجلها حكم بتنجس الثوب، فينبغي أن يزول الحكم، ونقول: الثوب طاهر بصبة واحدة. والذين قالوا: لابد من الثلاث لهم دليلان: الدليل الأول: وهو حديث أبي هريرة: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء) كما هي رواية مسلم في صحيحه، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما الإناء؛ فدل على أن النجاسة لا تزول إلا بثلاث غسلات، ويقولون: الغسلة الأولى تذهب عين النجاسة، والغسلة الثانية توجب الاستبراء لذهاب الأثر، والغسلة الثالثة استبراء للمحل، والحق أنك إذا غسلت ثلاثاً فإنك ترى أن النجاسة قد زالت في غالب الأحوال، والحكم في الشرع إنما يناط بالغالب. أما الذين قالوا بالسبع فاحتجوا بحديث أيوب بن جابر -وهو حديث ضعيف- (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسة سبعاً). وعند النظر نجد أنه لاشك أن القول الذي يقول بالتثليث في الغسل من القوة بمكان: أولاً: لظاهر حديث أبي هريرة، فإنك إذا نظرت في حديث أبي هريرة مع أن النجاسة مشكوك فيها، يقول: (فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلهما في الإناء). أما حديث الأعرابي الذي فيه صبة واحدة، فإنك إذا نظرت فيه فإنه ليس من قبيل الإزالة بالعصر، والإزالة في النجاسات التي يزال فيها عين النجاسة وأثرها بالعصر إنما يكون بالتثليث، أما في الأرض فإنه لا يتأتى فيها التكرار بمعنى: أنه إذا صب فكاثر الماء على البول؛ فإنه حينئذٍ يكون قد أزال النجاسة وأزال أثرها، فنستثني هذا الخاص من العام. ومما يقوي دليل التثليث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من ذهب إلى الغائط أن يأخذ ثلاثة أحجار، وهذا يقوي الأصل الذي ذكرناه من التثليث، مع أن الذين يقولون بالصبة الواحدة فيهم من يقول: إنه يجب التثليث عند غسل اليدين وعند الاستيقاظ من النوم، فإذا كان التثليث واجباً في نجاسة مشكوكة، فمن باب أولى أن يكون واجباً في نجاسة متيقنة، ثم وجدنا النظير في الاستنجاء، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاستجمار بثلاثة أحجار، فهذا يقوي أن النجاسة تزول بثلاث غسلات، ثم إن شاهد الحس يشهد أن الغالب زوال النجاسة بالثلاث، وأن الصبة الواحدة لا تزيل النجاسة في الغالب إلا بالكثرة، فما دام أنها لا تزيل إلا بالكثرة؛ فالأفضل للإنسان أن يحتاط ويجعل الصبات متكررة؛ فبدلاً من أن يصب بكثرة صبة واحدة؛ فإنه يحتاط بالثلاث لورود الأمر بها، ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما أسبغ الوضوء غسل كفيه ثلاثاً، فكان هذا أدعى للمداومة على التثليث في إزالة القذر والنجس. هنا تنبيه: إذا قلنا: إن النجاسة تزول بمرة واحدة أو بثلاث أو بسبع؛ فاعلم رحمك الله أن الحكم محله ألا يبقى أثر للنجاسة، فلو فرض أن إنساناً غسل النجاسة ثلاث غسلات وما زالت باقية فعند ذلك تجب الزيادة، إذاً: ليس قول من قال: إنها مرة واحدة أو ثلاث أو سبع معناه أن الإنسان يصب دون أن يراعي زوال النجاسة من المحل. والنجاسة تزال كليةً فلا يبقى لها عين ولا أثر، وقد تزال ويبقى أثرها، وقد تزول العين ويزول الأثر وتبقى الرائحة، ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: إما أن تزيل النجاسة فيذهب عينها، وتذهب رائحتها، ويذهب لونها الذي هو الأثر. الحالة الثانية: إما أن تزيل النجاسة، فيذهب عينها دون رائحتها. الحالة الثالثة: إما أن تزيل ويذهب عينها دون لونها. فإذا أزال النجاسة ولم يبق منها عين ولا لون ولا رائحة؛ فبالإجماع أنه قد طهر المحل، لكن يبقى اشتراط التثليث والتسبيع عند من يقول به، ومعنى عين النجاسة: أي: لو أن إنساناً وقع على ثوبه جرم من عذرة آدمي -أكرمكم الله- فإن العين المراد بها: الجرم نفسه، وكذلك الدم، فإن عِلَقَ الدم هذه هي عين النجاسة. أما اللون فهو حمرة الدم، أما الرائحة فهي رائحة الدم التي توجد فيه، ولكن يقول العلماء بعض النجاسات لونها أبلغ من ريحها، وبعضها ريحها أبلغ من لونها، وبعضها يجتمع فيها التأثير بأن تكون قوية الرائحة قوية اللون. بناءً على ما سبق: فإنه ينبغي للمكلف أن يزيل عين النجاسة وأثرها ورائحتها، فلو بذل الوسع في التطهير كما هو الحال في الدم المتجلط أو اليابس الذي يكون على الثوب ربما بالغت بحكه ولكن يبقى شيء من الأثر وهو الصفرة المتحللة، وهي آخر الدم ولا تخرج إلا بصعوبة؛ فهذا مما يعفى عنه. إذاً: بقايا الدم من الصفرة التي يصعب إزالتها حتى مع شدة العصر والفرك لا تضر، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به الصحابية أن تحته وأن تقرصه بماء وأنه لا يضرها أثر ذلك الدم، وبناءً على هذا تبين عندنا أن النجاسة فيها مسائل: المسألة الأولى: هل يشترط التكرار في تنظيفها؟ وقلنا في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول بأن العبرة بصب الماء دون التفات إلى عدد، وقول بالتثليث، وقول بالتسبيع، وأن الأقوى التثليث. الأمر الثاني الذي نبهنا عليه في هذه المسألة: أن محل الخلاف ألا يبقى أثر للنجاسة، فإذا كان صب الثلاث وصب السبع وصب الواحدة يُبقي شيئاً من النجاسة فبالإجماع أنه مطالب بإزالة ذلك الأثر ولو بلغ إلى عشر صبات. الأمر الثالث: أن النجاسة إما أن تكون قوية اللون والرائحة والعين، وهذه الحالة يجب فيها إزالة العين واللون والرائحة فإن بقي شيء من الرائحة أو اللون فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مما يشق زواله. الحالة الثانية: أن يكون مما لا يشق زواله. فإن كان مما يشق زواله عُذر المكلف فيه؛ وإلا فلا.
باب إزالة النجاسة [2]
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [2] تختلف النجاسات في أثرها وشدتها، ومن ثم يختلف ما تزال به بعض النجاسات عن بعض، فقد تزال نجاسة بشيء لا تزال به نجاسة أخرى، وهذا يؤدي إلى اختلاف وسائل إزالة النجاسات، على خلاف بين العلماء في بعضها.
ما لا يجزئ في تطهير المتنجس
ما لا يجزئ في تطهير المتنجس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
حكم زوال النجاسة بالشمس
حكم زوال النجاسة بالشمس فيقول المصنف رحمه الله: [ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك]. (ولا يطهر متنجس بشمس) صورة المسألة: لو أنك رأيت النجاسة قد أصابت طرفاً من الأرض الذي تصلي عليه، ثم هذا الموضع أصابته الشمس أياماً أو فترة من الزمن، وجئت ووقفت عليه فلم ترَ أثراً للنجاسة فهذا يسميه العلماء: (المكان المتطهر بالشمس) أي: زال أثر النجاسة عنه بالشمس، وللعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: إذا زالت النجاسة بالشمس ولم يبقَ لها أثر في الموضع؛ فإنه يحكم بطهارة ذلك المكان، ويرجع إلى أصله. وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية. والقول الثاني يقول: إنه لابد من صب الماء ولو زال أثر النجاسة بالشمس، وبه قال جمهور العلماء، ويستوي في ذلك أن يكون أرضاً أو يكون ثوباً، فلو أن إنساناً أصابت النجاسة ثوبه ثم عرض ثوبه للشمس، وجاء بعد أيام فلم يجد لا لون النجاسة ولا ريحها ولا أثرها، فقال أصحاب القول الأول: نحكم بالطهارة، وهم الحنفية. والقول الثاني يقول: لا نحكم بالطهارة بل لابد من الغسل، وهو مذهب الجمهور. والذين قالوا: إنه يحكم بطهارة الموضع، استدلوا بدليل العقل، فقالوا: القاعدة في الشرع: (أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً)، فلما كان حكمنا بنجاسة الثوب مبنياً على وجود النجاسة في الثوب؛ فإنه ينبغي أن يزول هذا الحكم بزوال النجاسة، وقد زالت بالشمس، فيستوي عندنا أن تزول بالشمس أو بغير الشمس. وأصحاب القول الثاني -الذين قالوا بعدم طهارة الموضع بالشمس- استدلوا بما ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة من قصة الأعرابي، أنه لما بال في المسجد قال عليه الصلاة والسلام: (أريقوا على بوله سَجلاً من ماء) قالوا: لو كانت الأرض تطهر بالشمس إذا زال أثر النجاسة أو ذهب ما يدل عليها لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن يتكلفوا صب الماء على الموضع. والقول الراجح في هذه المسألة والأقوى والأقرب للأصول: أنه لابد من صب الماء؛ وذلك لأمرين: الأمر الأول: أنه إذا اختلف في شيء هل هو لازم أو غير لازم؟ فإنه يرجع إلى الأصل، فهل الأصل في النجاسة أنها تغسل أو تشمس؟ الأصل أنها تغسل، وبناءً على ذلك: نحن شككنا في زوالها بالشمس: هل هو موجب لرجوعها إلى كونها طاهرة أو نبقى على اليقين من كونها نجسة؟ فكان هذا بمثابة القرينة على رجحان القول الذي يعتمد الغسل لإزالة تلك النجاسة. والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بصب الماء على ذلك الموضع، وقد كان مسجد النبي صلى الله عليه وسلم منه ما هو في الشمس ومنه ما هو في الظل. فلو قال قائل: يحتمل أن هذا الموضع الذي أُمر بصب الذنوب عليه كان في الظل، لقلنا: هذا مردود؛ لأن الأعرابي -كما في الصحيح- دخل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في الحلقة، ومما هو معلوم أنه لو أراد أن يقضي حاجته فإنه سيتلمس أبعد المواضع عن الجلاس، وهذا أمر واضح بدليل الاستقراء للعرف، فإنه لن يأتي ويبول قريباً منهم، ومن عادته عليه الصلاة والسلام أن يكون في أقرب المواضع للظل أو في الظل، وبناءً على ذلك: فإن الغالب من صورة الحال أن يكون بوله في موضع لا ظل فيه، وهذا هو الأرفق والأقرب، وإذا ثبت هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بصب الماء عليه، فلو كانت إصابة الشمس تطهر الموضع، لما أمر الصحابة أن يتكلفوا إحضار السجل وصبه على ذلك الموضع ولتركه للشمس تطهره؛ ولذلك لا شك أن الأصل هو كون الماء مطهراً لم يرد دليل صحيح يدل على أن الشمس تطهر، فنبقى على دلالة الأصل خاصةً على مسلك الجمهور الذين يقولون: إن تطهير النجاسة في بعض المواضع فيه شبهة التعبد، فتطهير النجاسة في بعض المواضع ألفنا من الشرع فيه شبهة التعبد، ومثل هذا يقوى فيه البقاء على الأصل، وإلغاء الأوصاف المعللة بالقياس والنظر.
حكم زوال النجاسة بالريح
حكم زوال النجاسة بالريح وقوله: (ولا ريح، ولا دلك). أي: إذا أصابت النجاسة موضعاً وحكمت بنجاسته؛ فإنه إذا طهر بالريح لابد من غسله (ولا ريح) أي: لا يطهر الموضع بالريح، وصورة ذلك: لو أن إنساناً أصاب ثوبه نجاسة فنشره، فجاءت الريح وعبثت بالثوب حتى لم يبق للنجاسة أثر في الثوب؛ فحينئذٍ نقول: إن جريان الريح لا يوجب زوال الوصف المستيقن كونه نجساً، بل لابد من الغسل.
حكم زوال النجاسة بالدلك
حكم زوال النجاسة بالدلك وقوله: (ولا دلك) الدلك له حالتان: الحالة الأولى: ثبت الشرع باعتباره مطهراً فيها. الحالة الثانية: البقاء على الأصل من كون الموضع لا يطهر إلا بالغسل. أما الحالة التي ثبت الشرع باعتبار الدلك فيها مطهراً: فهي في نجاسة الحذاء وثوب المرأة؛ ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالصلاة بالنعال ومخالفة اليهود فقال: (صلوا في نعالكم) ثم قال: (فإن وجد أحدكم فيها أذى -يعني: نجاسة- فليدلكهما بالأرض ثم ليصلِّ فيهما) فدل هذا على أن النجاسة تطهر بالدلك. ومن السُّنة للمرأة إذا لبست العباءة -وهذه سنة أضاعها كثير من نساء المؤمنين خاصةً في هذا الزمان- أن تجر عباءتها في الأرض، وألا تكون هذه العباءة مرتفعة؛ وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء المؤمنات بجر الثوب؛ وسئل عما يصيبه ذلك الثوب من النجاسة فقال: (يطهره ما بعده) يعني: لو مرت المرأة بعباءتها على نجاسة ثم مرت على موضع يابس أو على تراب يابس؛ فإن احتكاك هذا الثوب بالتراب يعتبر منظفاً له كما لو صب الماء عليه، والصحابة يعلمون أن الثوب سيمر على تراب، ولكنهم واستنكروا بقاء هذه النجاسة مع كونه يمر على تراب، فدل ذلك على أن الأصل في النجاسات أنها تُغسل، إِذْ لو كانت تزول بكل طاهر لما استشكل الصحابة كون المرأة تمر بعباءتها وتجرها على الأرض اليابسة، فإذا ثبت هذا فإن الدلك لا يطلق أنه غير مزيل للنجاسة بل يفصل فيه، فما ورد الشرع باعتبار الدلك فيه مزيلاً للنجاسة؛ فيحكم بكونه مطهراً، وما لم يرد فيه دليل فلا يعتبر مطهراً. لكن بعض العلماء يقول: أنا أسلم بكون حذاء الرجل وثوب المرأة إذا مر على النجاسة ثم على الأرض فإنه يطهر، ولكن من باب الرخصة لا من باب الأصل، فيقول: هذا الثوب نجس؛ ولكن الشرع حكم بزوال النجاسة لا حقيقة وإنما اعتباراً من جهة الشرع، ولا أرى الدلك مطهراً. لأنه وإن كان هنا بمثابة المطهّر لكنه لا يحُكم بحقيقة زوال النجاسة، وإنما يرتفع حكمها، وفرق بين ارتفاع حكم النجاسة وبين ارتفاع النجاسة بذاتها وزوال عينها.
حكم زوال النجاسة بالاستحالة
حكم زوال النجاسة بالاستحالة قال رحمه الله: [ولا استحالة غير الخمرة] لو أن هذه النجاسة الموضوعة في الإناء تغيرت واستحالت فإنه لا يحكم بطهارتها. واستحالة النجس إلى طاهر لها أحوال: الحالة الأولى: أن يُكاثر بطاهر. والحالة الثانية: أن يستحيل بنفسه، فالظاهر من إطلاق المصنف العموم. لكن الأمر فيه تفصيل: فإن كانت استحالة النجس بتكثير، كأن يكون عندك سطل من الماء وقع فيه بول، فتغير لون الماء، فجئت بثلاثة سطول وصببتها على هذا السطل حتى ذهب عين النجاسة وأثرها فلم يبق لها أثر، لا طعم ولا رائحة ولا لون، فحينئذٍ نقول: إن الماء قد أصبح طاهراً، وإذا كان الماء الذي صب طهوراً فقد حكمنا باستحالة هذا الماء من كونه نجساً إلى كونه طاهراً أو طهوراً بحسب ما خالطه، وهذا لا يعنيه المصنف هنا، وإن كان الإطلاق يدل عليه؛ لكن المراد الاستحالة الذاتية، والاستحالة المؤثرة بنفسها، وصورة ذلك كما قلنا: أن يكون في إناء أو وعاء شراب، وهذا الشراب تنجس بنجاسة، وبعد أيام تبخرت هذه النجاسة أو وضعت في موضع فأصابته الشمس وبخرت ما فيه من النجاسة وأصبح ماءً نقياً، أو بالتقطير كما هو موجود الآن، فهل يحكم بكونه طاهراً بناءً على أنه رجع إلى أصله أو لا يحكم؟ للعلماء قولان في ذلك: القول الأول: يحكم بكونه طاهراً. القول الثاني: لا يحكم بكونه طاهراً، واختار المصنف الحكم بعدم كونه طاهراً، أي: يبقى على أصله من كونه نجساً، فإن النجاسة قد تتحلل في أجزاء الشيء، فتخفى بعض الخفاء، ولما كان الأصل واليقين أنه نجس، فنبقى على هذا الأصل واليقين حتى يُستحال بمكاثرة الطهور عليه.
القول في نجاسة الخمر
القول في نجاسة الخمر وقوله: (غير الخمرة). (غير) استثناء (الخمرة) والخمر أصله: التغطية، ومنه الخمار؛ لأنه يغطي الوجه، وسميت الخمر خمراً؛ لأنها -والعياذ بالله- تغطي عقل الإنسان وتذهب إدراكه وشعوره، والخمرة تكون مائعة في الأصل، ولكن يلتحق بها كل ما كان مؤثراً في العقل ولو كان جامداً، سواء كان مصنعاً كما هو الموجود الآن في بعض حبوب المخدرات، أو كان طبيعياً كبعض النباتات كالشيكران، فإنه إذا أكل أثر في العقل، أو الخشخاش الذي هو أصل الأفيون، فكل ذلك يعتبر في حكم الخمر، لكن العلماء إذا أطلقوا الخمر فمرادهم به: الشراب المائع الذي يكون من العنب أو من التمر أو من الزبيب أو من غيرها من سائر الثمار، فهذه الخمرة محكوم بنجاستها، وقد تكلمنا على هذه المسألة غير مرة، وفصلنا القول فيها في شرح بلوغ المرام، فإن الذين قالوا بنجاستها -وهم جماهير العلماء- حكموا بالنجاسة لظاهر القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ} [المائدة:90] والرجس: هو القذر في أصل اللغة، والقذر في الشرع أصله النجس، وقالوا: خرجت الأزلام، أما الأنصاب فإنها نجسة؛ لأنها كانت حجارة يذبح عليها، فيكون الدم المسفوح النجس قد أصابها فهي بذلك نجسة بلا إشكال. أما الأزلام فقال العلماء: خرجت بدلالة الحس وبقي ما عداها على الأصل، وأما بالنسبة للخمر فليس هناك دلالة حس على طهارتها، فإنها مستقذرة، فتبقى على وصف الرجس في الشرع من كونها نجسة، وهذا الدليل نوزع بإراقة النبي صلى الله عليه وسلم لوعاء الخمر كما في قصة المزادتين، فإنه أمر الصحابي أن يريق الخمر من المزادتين، قالوا: ولم يأمره بغسلهما، وهذا استدلال فيه نظر كما نبه عليه غير واحد من أهل العلم، فإن سكوت النبي صلى الله عليه وسلم عن أمره بغسل مزادة الخمر إنما هو للعلم به بداهة، فإنك إذا وضعت في هذه المزادة لبناً وأرقت اللبن فمعلوم بداهة أنك ستغسلها، فسكت عليه الصلاة والسلام لعلم الصحابي بذلك بداهة. وقال بعض العلماء في جوابه: لو قيل: إن ظاهر سكوت النبي صلى الله عليه وسلم يدل على طهارتها لاحتج بذلك محتج وقال: يجوز لمن أخذ مزادة الخمر بعد تفريغها أن يصب فيها لبناً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بغسلها، فيكون الجواب بأنه سكت عن الأمر بغسلها للعلم به بداهة، وكما أننا في المشروبات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، كذلك في العبادات نقول: سكت عنه للعلم به بداهة، فهي نجسة، وأما صبها في سكك المدينة فقد بين العلماء أن هذا لا يدل على طهارتها؛ وذلك لأن الصحابة إذا صبوها في سكك المدينة ومشوا عليها بالنعال، فإن المشي على الأرض اليابسة يطهر النعال كما ذكرنا، ولو أن امرأة جرّت ثوبها على خمرة مراقة ثم مضت بعد ذلك إلى أرض يبسة؛ فإنها تطهره بذلك الجر، وبناءً على ذلك: لا يعتبر هذا دليلاً قوياً كما نبه عليه الشيخ الأمين رحمة الله عليه، وله فيه بحث نفيس في تفسير آية المائدة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ} [المائدة:90] فأقوى الأقوال وأعدلها القول بنجاستها. وقال بعض العلماء مستدلاً على طهارة الخمر: إن الله تعالى يقول: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] فوصف الخمر بكونها طهور؛ وقد فاته أن الله حكم بأن خمر الآخرة لا غول فيها، والغَول: هو أساس نجاسة الخمر في الدنيا، فنجاسة الخمر في الدنيا مبنية على وجود هذه المادة التي تستحيل عند الخل، ولذلك لما استحالت هذه المادة في الخمر حكمنا بطهارتها، ولما كانت خمر الآخرة طاهرة من جهة عدم وجود الغول فيها قال تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21] وقلب بعض العلماء هذا الاستدلال فقال: بل هو دليل على نجاستها؛ لأنه لو كانت خمر الدنيا والآخرة مستويان لما قال: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان:21].
حكم تخلل الخمر
حكم تخلل الخمر قال رحمه الله: [فإن خُلّلت أو تنجس دهن مائع لم يطهر]. لو أن إنساناً علم أن هذا الوعاء فيه خمر، فتخللت هذه الخمر -بمعنى: استحالت وصارت خَلاً- فلا تخلو صيرورتها إلى الخَل من حالتين: الحالة الأولى: أن تتخلل بنفسها. والحالة الثانية: أن تتخلل بفعل المكلف. فإن تخللت بنفسها؛ فإنها تطهر وتعتبر طاهرة؛ لدليل الشرع، كما في الصحيح من حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نعم الإدام الخَل) فأثنى عليه، والثناء يدل على أصل الإباحة، فأجاز لك أن تأتدم بالخل، والخل أصله خمر، وإذا ثبت هذا فإنها إذا تخللت بنفسها طهرت على ظاهر هذا الحديث. وقد يقول قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على الخل مطلقاً، سواء تخلل بنفسه أو تخلل بفعل المكلف؛ فجوابه ما رواه أحمد وأبو داود: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخليل الخمر، فإنه لما سُئل عن تخليلها نهى عن ذلك، وقال: لا) وأمر أبا طلحة في خمر الأيتام أن يريقها وأن يكسر الدِّنَّان -وهي: أوعية الخمر- ومعلوم أن هذا مال أيتام، فلو كانت الخمر تتخلل بفعل المكلف لقال له: خللها؛ لأنه مال يتيم يحفظ ولا يراق إذا أمكن استصلاحه، فإذا ثبت هذا فيقال في الخمر في تخللها: إنها لا تخلو من حالتين: إن تخللت بنفسها حكم بطهارتها على ظاهر السُّنة، وإن تخللت بفعل المكلف فلا يحكم بطهارتها ولا بجواز الانتفاع بها على ظاهر حديث السنن.
حكم وقوع النجاسة في الدهون
حكم وقوع النجاسة في الدهون (أو تنجس دهن مائع لم يطهر) الدهن له حالتان: إما أن يكون مائعاً أو جامداً، والدهن: مثل: السمن أو الزيت، فالسمن: كسائر ما يكون من بهيمة الأنعام، والزيت: كأن يكون زيتاً نباتياً، مثل: زيت الزيتون، والدهن إذا جمد -كالسمن- إن وقعت فيه نجاسة، فالحكم أنك تأخذ النجاسة وما حولها؛ لظاهر حديث الفأرة في الصحيح، وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإلقائها وما حولها، أي: في السمن، فدل هذا على أنه -أي: الدهن- إن كان جامداً طهر بزوال عين النجاسة وما حولها، أو ما قاربها. وأما إذا كان الدهن مائعاً تسري فيه النجاسة وتتخلل فيه فللعلماء في نجاسة المائع قولان: القول الأول: يقول: نجاسة الدهون نجاسة مجاورة لا نجاسة عين، ومرادهم بنجاسة المجاورة أنك حينما ترى القطرة من البول وقعت في السمن فإنها تنحاز وتتميز عن السمن، قالوا: فنجاسته نجاسة مجاورة، ونجاسة المجاورة ليست كنجاسة العين، أي: ليست مثل وقوع البول في الماء؛ فإنه يتحلل فيه، وتصير طاقات الماء وطاقات البول ممتزجة، فصارت نجاسة ممازجة، ففرق العلماء بين نجاسة المجاورة التي يكون فيها جرم النجس منفصلاً، أو ترى فيه انحيازه وعدم ممازجته للعين التي أصابها، وبين النجاسة التي تمازج، والسبب في إفراد العلماء للدهون بالكلام في كتب الفقهاء وجود هذا الإشكال، وهو: أن النجاسة إذا وقعت فيها يقول بعض العلماء: إنه يمكن إزالة هذه النجاسة، لأنها نجاسة مجاورة وليست بنجاسة عين، والنجاسة إذا ضعفت عن التأثير بقي حكم الأصل من كونه طاهراً. فإذا علمنا أن عندنا قولين فما هو أقواهما؟ هل هي نجاسة عين أو نجاسة مجاورة؟ فالذي يقوى ورجحه غير واحد من المحققين: أن نجاسة الزيوت والدهون -إلا في بعض الصور المستثناة، وهذا يختلف باختلاف أنواع الزيوت- نجاستها نجاسة مجاورة وليست نجاسة ممازجة، فإن دليل الحس ظاهر، حتى إنك في بعض الأحيان تحكم بأن النجس قد صار إلى هذا الركن أو هذا الجانب من المائع، فنجاسة هذه المائعات أو الدهون نجاسة مجاورة وليست بنجاسة ممازجة. وإذا ثبت في مسألة نجاسة الدهون أنها نجاسة مجاورة، فيرد هنا سؤال وهو: هل يمكن تطهير الزيوت أو لا يمكن؟ هذه مسألة تكلم عليها العلماء في المذاهب الأربعة كلاماً مستفيضاً، ويترتب عليها مباحث مهمة ومسائل عظيمة في العبادات كالطهارات، وفي المعاملات كالبيع والشراء، فإنك إذا قلت: السمن يمكن تطهيره والزيت المتنجس يمكن تطهيره جاز بيعه، كالثوب يباع وفيه نجاسة؛ لأنه يمكن تطهيره، أما لو قلت: إن الزيت قد أصبح متنجساً، فإنه لا يجوز بيع النجس؛ لأنه لا يمكن تطهيره، فتحكم بعدم جواز البيع، فاختلف العلماء الذين قالوا بأن النجاسة فيه نجاسة مجاورة: هل يحكم بتطهيره أو لا؟ وأصح الأقوال وأقواها: أن فيه شبهة التطهير، يعني: يقوى القول بأنه نجس ويصعب تطهيره، لكن إذا تيسر في هذه الأزمنة وجود بعض المواد التي يمكن بها سحب هذه المادة النجسة فيحكم بالطهارة، قالالذين يرون تطهيره: إنه إذا تنجس الزيت بوقوع بول فيه، فنصب من الماء قدراً يغلب على ظننا أنه لو مازج البول كاثره حتى تذهب مادة النجاسة، فلو كان البول قطرة، وصببت كأساً من الماء، فإن القطرة إذا صب عليها الكأس من الماء أذهب نجاستها، قالوا: فنصب هذا الماء على الزيت، ثم لهم طريقة في استخلاص الماء مع البول، فإن البول ينحاز عن السمن، فإذا صببت الماء في هذه الحالة فإن الماء يختلط بالبول؛ لأن البول يمتزج مع الماء، ولا يختلط الماء مع الزيت -كزيت الزيتون ونحوه- فيبقى الماء في ناحية والزيت في ناحية أخرى، فيقومون باستخلاص الماء بطريقة معينة، قالوا: حتى لو بقي شيء من هذا الماء فقد بقي مكاثراً للنجس، فيحكم بطهارته، وهذا وجه من يقول بتطهير الزيت. أما الطريقة الثانية لهم في التطهير: أن يُغلى بالماء، فإذا غلي بالماء تبخرت النجاسة وبقي الزيت؛ لأن الزيت إذا غلى انقدح، ولكن الشيء الذي فيه يتأثر بهذا الغليان، فمن شدة الحرارة على البول أو على الماء المتنجس الذي وقع يزول مع الغليان. وقد ذكر المصنف رحمه الله أن الدهن لا يطهر؛ لأنه يرى أن النجاسة نجاسة ممازجة، وهذا مبني على حديث الفأرة -وهو حديث ضعيف- حيث جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن كان مائعاً فلا تقربوه) ولو صح حديث الفأرة لقطع النزاع في هذه المسألة.
حكم النجاسة التي خفي موضعها
حكم النجاسة التي خفي موضعها قال رحمه الله: [وإن خفي موضع نجاسةٍ غُسل حتى يجزم بزواله] عرفنا كيف نزيل النجاسة، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يتكلمون على الصور المعروفة، ثم بعد ذلك يتكلمون على فرائد الأحوال وبعض الصور الغريبة، وأنت الآن قد علمت أنك إذا أردت تطهير النجاسة غسلتها ثلاثاً، وعلمت كون غير الغسل من دلك وريح وتشميس أنه لا يؤثر. فيرد السؤال الآن: عن نجاسة لم تعلم موضعها؟ مثال ذلك: لو أن إنساناً مر على موضع، فتطاير من ذلك الموضع النجس ذرّات من نجاسة، وتحقق أنها أصابت ثوبه، ولكن لا يعلم أين المكان الذي هو محل تلك النجاسة بعينه، فهذه صورة. والصورة الثانية: أن يعلم موضع النجاسة ثم ينسى ذلك الموضع، وإن كان عنده غلبة ظن أنه أسفل الثوب -مثلاً- لكن يخفى عليه هل هو في جانب الثوب الأيمن أو في جانبه الأيسر، فما الحكم؟ هذه المسألة التي ذكرها العلماء مرادهم: أن المكلف يصل إلى درجة لا يستطيع أن يميز فيها، أي: إذا ذكروا مسائل الشكوك فمرادهم بها أنك قد وصلت إلى درجة لا تستطيع أن تجتهد، بمعنى: أن موضع النجاسة خافٍ تماماً، أما لو أمكنك الاجتهاد مثل: من مر على بول فأصابه طشاش بول والثوب أبيض، ويمكنه أن ينظر في موضع النجاسة؛ فالقاعدة تقول: (القدرة على اليقين تمنع من الشك) ولذلك قالوا: من قدر على اليقين فلا يطالب بالشك، فإذا أمكن الإنسان أن يتحرى ويجتهد فهذا لا إشكال فيه، فعليه أن يتحرى ويجتهد، ولكن الكلام إذا لم يمكنك أن تتحرى وتجتهد، فتعلم أن هذا الثوب أصابته نجاسة، وعندك يقين بأنها لا تجاوز الربع الأسفل من الثوب، ولكن لا تدري أهي في اليمين أم هي في اليسار أم هي وسط بين اليمين واليسار أم أهي في وجه الثوب أم هي في قفاه، فأنت تعلم أن أسفل الثوب متنجس، ولكن لا تعلم أين موضع النجاسة، فما الحكم؟ قالوا: يغسل القدر الذي يجزم معه أن النجاسة قد زالت، فنقول لك: ما رأيك لو أخذت هذا القدر؟ تقول: لا. أشك. نقول: خذ هذا القدر. تقول: نعم. إذا بلغ هذا القدر فإني أتيقن أن هذه المساحة لم تجاوز النجاسة قدرها، فنقول: اغسل هذا الموضع، وهكذا لو أصابت النجاسة اليد ولكن لا تدري موضعها، تجزم بأن نصف اليد الأسفل فيه النجاسة، ولكن أهي في أوله أم في الربع الثاني؛ فحينئذٍ نقول: تغسل نصف اليد، وهكذا يغسل ما يجزم معه أنه قد طَهَّرَ موضع النجاسة بغسله.
كيفية تطهير بول الغلام الذي لم يأكل طعاما
كيفية تطهير بول الغلام الذي لم يأكل طعاماً قال رحمه الله: [ويَطهُر بول غلامٍ لم يأكل الطعام بنضحه] لما قال: (بول غلام) عرفنا أن عذرته لا تطهر إلا بالغسل، فمفهومه أن العذرة لا تطهر إلا بالغسل. [غلام]: فهمنا أن الأنثى والصبية لابد فيها من الغسل؛ ودليل هذه المسألة ما ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة لما جاءت أم قيس بصبيها ورفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأجلسه في حجره، وكان صلوات الله وسلامه عليه يؤتى بالمولود فيحنكه ويدعو له بالخير صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من مكارم خلقه صلوات الله وسلامه عليه، فأجلسه في حجره كأنه ابنه، فلما أجلسه في حجره بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما بال فيه قالت أم المؤمنين: (فأخذ ماءً فرشه) وفي رواية: (فنضحه ولم يغسله) كما هي رواية السنن، فهذا الحديث يدل على أن بول الغلام يرش وينضح، والنضح: أن تأخذ كفاً من ماء وترش به، وأما الغسل فإنك تصب وتعمم الموضع بالماء، فالرش والنضخ أخف والغسل أثقل، فخُفف في نجاسة بول الغلام، وجاء حديث علي رضي الله عنه يؤكد هذا المعنى، فكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا وقاله بلسانه: (يُغسل من بول الجارية، وينضح من بول الغلام) وهذا القول هو قول الجمهور من العلماء، وممن قال به أيضاً: أهل الحديث. وهنا مسائل: المسألة الأولى: أن الحكم يختص بالغلام الذي لم يأكل الطعام، أي: مدة الرضاعة، فإن فُطِمَ فإنه يجب غسله؛ وحديث علي نص في الغلام الذي لم يأكل الطعام، ولذلك يقولون: إذا فطم وانتهت مدة الرضاع فيجب غسل بوله كالجارية سواءً بسواء، وهنا يرد السؤال عن مسألة: لماذا فرق بين الغلام وبين الجارية؟ أولاً: ينبغي على المكلف أن يسلم بالشرع، وألا يتكلف البحث عن العلل، وأن يتعبد الله عز وجل بما ثبت به دليل الكتاب والسُّنة؛ وقال الإمام الشافعي رحمه الله: على الله الأمر وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ، وعلينا الرضا والتسليم، ولذلك من كمال إيمان المكلف أنه إذا جاءه الحكم قال: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، وأثنى الله على هؤلاء الذين يسلمون، ولا يتكلفون في بحث العلل والتقصي فيها؛ لكن العلماء ذكروا العلة هنا لكي يقيسوا عليها حكماً آخر، أي: أنهم يحتاجون لهذا التعليل فإن وجدت الحاجة للتعليل فلا حرج. وللعلماء في التحليل أوجه: قال بعض العلماء: خفف في بول الغلام وشدد في بول الجارية لذات البول، فإن بول الجارية أثقل من بول الغلام؛ ولذلك خفف فيه أكثر من بول الجارية، فبقي بول الجارية لمكان حرارته، فقالوا: إنه يجب غسله وأما بول الغلام فإنه ينضح. الوجه الثاني: خفف فيهما لصورة البول. فالأول قال: لذات البول، والثاني يقول: لصورة البول، قالوا: لأن بول الغلام لا ينتشر وبول الجارية ينتشر، وهاتان العلتان ضعيفتان، فأما علة من قال: إن بول الجارية أثقل من بول الغلام، فهذا محل نظر، حتى أن بعض الأطباء تكلم على هذا، وأما من قال: إن بول الغلام لا ينتشر وإنما يكون منحصراً، وبول الجارية ينتشر فهذا أمر عجيب؛ لأن الغلام حينما يؤتى غالباً إنما يوضع في لفافة أو خرقة، فلما وضع في حجر النبي صلى الله عليه وسلم بال، فلو قال قائل: يمكن أنه كان عارياً، فنقول: هذا بعيد؛ لأنه من المعلوم أن الغلام إذا ذهب به إلى أهل فضل أو نحوه فإنه يكون ملفوفاً في لفافة أو نحوها، ولذلك نقول: هب أنه على النادر كان منكشف العورة، فإنه إذا بال سينتشر بوله؛ لأن الثوب يسمح بالانتشار كبول الجارية في الموضع، فالتعليل بكونه لا ينتشر أضعف من التعليل بكونه أخف وأثقل. وأقوى العلل هو القول الثالث: أن الشرع خفف في بول الغلام أكثر من الجارية؛ لأنهم كانوا يحملون الغلمان أكثر من الجواري في محضر الناس، وكانوا يتعاطون الكمال في إخفاء المرأة، فكانوا يحملون الصبيان ويحضرونهم إلى المجالس أكثر، وقد يحضرون الفتاة -كما في حديث أمامة لما حملها النبي صلى الله عليه وسلم- ولكن هذا في النادر فخفف من أجل هذا، هذا بالنسبة لقضية بول الغلام وبول الجارية. وكما قلنا الحكم يختص بالبول، فلا يسري إلى دمه، فلا يقال مثلاً: في دم الغلام ينضح وفي دم الجارية يغسل؛ لأن الحكم خرج من صورة الأصل؛ والقاعدة: (أنه إذا ورد الحكم مستشنىً من الأصل فإنه يبقى على الصورة التي ورد بها الشرع ولا يقاس عليها غيرها).
حكم الدم نجاسة وطهارة
حكم الدم نجاسة وطهارة قال رحمه الله: [ويعفى في غير مائعٍ ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر] الدم نجس، وهو قول جماهير العلماء رحمة الله عليهم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلي عنك الدم) وكذلك قوله في دم المرأة المستحاضة: (إنما ذلك عرق) قالوا: فكما أن دم المستحاضة خرج من عرق فسائر دم الإنسان خارج من عرق، ولذلك قالوا: إن الدم نجس، وظاهر القرآن يقويه في قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] والدم المسفوح يكون من البهيمة عند قتلها وتذكيتها ويكون كذلك من الآدمي، فهو الدم الذي يراق في حال الحياة، ولذلك أجمعوا على أن الدم الذي يراق عند ذبح الشاة أو نحر البعير أنه نجس، وهذا بالإجماع كما حكاه ابن حزم في مراتب الإجماع، حيث نقل إجماع العلماء على أن الدم المسفوح عند التذكية نجس، وذلك لظاهر قوله تعالى: {أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145] فالجماهير لما قالوا بنجاسة الدم قالوا: إن القرآن أطلق، فوصف كل دم مسفوح بكونه رجساً، والدم المراق في الحياة هو دم مسفوح؛ لأن الدم المسفوح هو الذي خرج عند الذكاة والبهيمة حية، ولذلك إذا سكنت البهيمة وماتت بالتذكية فسائر الدم الذي في أجزائها يعتبر طاهراً. والذين قالوا بطهارة الدم احتجوا بحديث الجزور، أي: لما نحر عليه الصلاة والسلام الجزور ثم سلخه وصلى ولم يغسل أثر الدم فيه. وهذا محل نظر، فإن الدم الذي يكون عند السلخ لا يعتبر نجساً حتى يكاد يكون عليه الإجماع، ألا ترى أنك تأخذ كتف البهيمة ويطبخ ويشوى وفيه أثر الدم، فالاستدلال بهذا الحديث استدلال بما هو خارج عن موضع النزاع. واستدلوا كذلك بحديث عباد بن بشر لما جاءه السهم وهو قائم يحرس، فنزعه فنزف، فقالوا: لو كان نجساً لقطع صلاته، وهذا يعارض المنطوق الذي ذكرناه: (اغسلي عنك الدم) وجوابه كما نبه عليه شراح الحديث في غير ما موضع أن حديث الصحابي في النزيف، والنزيف سواءً كان بسهم أو كان باستحاضة -كالمرأة المستحاضة- فإنه متفق على أنه يعتبر رخصة، يعني: يصلي الإنسان ولو جرى معه الدم، كما صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب؛ لأنه لا يستطيع الإنسان أن يوقف النزف؛ وإنما يستقيم الاستدلال بهذه الأدلة أن لو كان الدم فيها قليلاً بمعنى: أنه يرقأ، فلو كان الدم يرقأ لعارض ظاهر ما ذكرناه من النصوص ولكنه في مسائل مستثناة، ولذلك لا يعتبر حجة على الجمهور؛ لأن الجمهور يقولون: من نزف جرحه أو رعف أنفه أو المرأة المستحاضة غلبها الدم فهذه تصلي على حالتها ولو خرج منها الدم، وكذلك الذي رعف لو غلبه الرعاف فإنه يصلي على حالته ولو كان على ثوبه ولو كان على بدنه؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، فليس هذا دليلاً في موضع النزاع. وكذلك قصة عمر لأنها في النزف؛ وقد قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلي عنك الدم) قالوا: إن هذا دم حيض، ولا شك أن صورة السؤال تقتضي أنه دم حيض، ولا فرق بين دم الحيض وغيره. قالوا: لا. هناك فرق فإن دم الحيض يخرج من الموضع ولذلك حكم بنجاسته، فنقول: الموضع لا تأثير له، ألستم تقولون: إن مني المرأة طاهر وهو خارج من الموضع؟! فلو كان خروجه من الموضع -أي: دم الحيض- هو المقتضي لنجاسته لكان المني الخارج من الموضع نجساً، ولذلك فخروجه من الموضع لا يقتضي نجاسته بدليل أن الولد يخرج من الموضع وهو ليس بنجس، والولد أصله علقة ودم ومع هذا لم نحكم بنجاسته، فدل على أنه نجس لذات الدم، وانتفى في الولد لاستحالته؛ فإنه بعد العلقة خُلِّق فاستحال من كونه دماً إلى كونه مخلوقاً، فلم يكن نجساً من هذا الوجه. وبناءً على ذلك أمر عليه الصلاة والسلام المرأة الحائض أن تغسل الدم، ويُشعر هذا بأن العلة معلقة على كونه دماً لا كونه دم حيض، وإذا ثبت كونه دماً استوى أن يكون دم حيض أو يكون من غيره؛ ويقوى هذا بحديث المستحاضة فإنهم يقولون: إن المستحاضة تغسل الدم أيضاً، فأمروها بغسل الدم، وقالوا: نحكم بنجاسته لورود الشرع به وهو مستثنى، فنقول: إن دم المستحاضة قيل فيه كما في الحديث الصحيح: (إنما ذلك عرق) وجاء في الحديث الآخر: (إنه العاذل) والعاذر، والعاند وكلها أسماء لهذا العرق كما يقول بعض العلماء، فما دام أنه قال: (إنما ذلك عرق) أي: دم خرج من عرق فسائر الدماء التي تخرج من البدن إنما هي من عرق، ولذلك قال جمهور العلماء: إن الدم نجس، ولم يخالف في ذلك إلا بعض أهل الظاهر وبعض أهل الحديث، والأقوى في هذه المسألة أن الدم نجس، وبناءً عليه فإنه يفرق بين كثيره وقليله، فقد أجمع العلماء على أن يسير الدم معفو عنه، وفيه حديث ضعيف وهو حديث الدرهم البغلي، والصحيح: أنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء هذا القدر؛ وإنما استثني بالإجماع.
مقدار الدم الذي يعفى عنه
مقدار الدم الذي يعفى عنه يبقى Q ما الفرق بين الدم القليل الذي يعفى عنه والدم الكثير؟ الدم القليل والدم الكثير للعلماء في ضابطه وجهان: قال بعض العلماء: يسير الدم ما كان قدر الدرهم البغلي. وقال بعضهم وهو الوجه الثاني: يسير الدم: هو الذي لا يتفاحش في النفس. والسؤال: ما الفرق بين القولين؟ أولاً: الذين قالوا: يسير الدم هو مقدار الدرهم البغلي، فما هو الدرهم البغلي؟ الدرهم البغلي على قدر الهللة القديمة، أي: القرش الموجود الآن ينقص منه قليلاً، فهذا هو الدرهم البغلي، فلو خرج من الجرح دم على قدر هذا البياض؛ فإن هذا معفو عنه، ولو نقص عنه فهو معفو عنه أيضاً، فإن جاوزه وكان أكثر من هذا القدر فلابد من غسله، ولابد من إزالة تلك النجاسة إلا إذا وجد ضرراً. ثانياً: الذين قالوا: ما لا يتفاحش في النفس، قالوا: هو الذي إذا نظرت إليه احتقرته، وقلت: هذا قليل، ولاشك أن القول الأول -أي: أنه بمقدار الدرهم البغلي- هو الذي عليه قول المحققين من العلماء رحمة الله عليهم. ثم الذي يتفاحش في النفس، لو قلنا: إنه هو الضابط، لاختلف الناس، فقد يكون اليسير عندي كثيراً عند غيري، ثم يدخل باب الوسوسة، فتجد الموسوس لو عثرت بثرة صغيرة لقال: هذا من الدم الكثير الذي لا يغتفر؛ لأنه موسوس لا يستطيع أن يفرق بين القليل والكثير، ولذلك فالقول بأنه ما لا يتفاحش في النفس يؤدي إلى اختلاف الأحكام؛ فقد يصلي الرجلان أحدهما عليه بقعة دم كبيرة، فيقول هذه قليلة وليست متفاحشة، ويصلي الآخر بجواره وعليه ما هو أقل ويحكم على نفسه بعدم صحة صلاته؛ فتختلج الأحكام، والأقوى أنه قدر الدرهم البغلي. السؤال الأخير: إذا علمنا أن يسير الدم معفو؛ فهل يشترط فيه الانحصار أو يستوي فيه الانحصار والانتشار؟ مثال ذلك: لو أن إنساناً عنده بثرة في يده، وبثرة في وجنته، وبثرة في يده الثانية، فلو أن كل واحدة من هذه البثرات أخرجت قليلاً من الدم، بحيث لو جمعت هذه الثلاث فإنها لا تصل إلى قدر الدرهم، فتقول: الحكم يستوي فيه أن يكون منتشراً أو يكون منحصراً، وبناءً على ذلك يرخص للإنسان إذا كان الدم قدر الدرهم فما دون أن يصلي؛ ولكن محل هذا كله كما قال المصنف: (في غير مائع) بحيث ما يقع في المائع؛ والسبب في هذا: قضية القلتين؛ فإنهم يرون أن المائع إذا وقع فيه النجاسة أثرت فيه سواءً كانت قليلة أو كثيرة، وقد قلنا: إن الصحيح: أن العبرة بالتغير والتأثر، وهذا هو الذي اختاره العلماء ودلت عليه السُّنة كما بيناه في موضعه.
الأسئلة
الأسئلة
إباحة الصلاة في مرابض الغنم لا يعارض منع التطهير بالشمس
إباحة الصلاة في مرابض الغنم لا يعارض منع التطهير بالشمس Q كيف نجمع بين القول بأن تطهير النجاسة بالشمس غير جائز والقول بجواز الصلاة في مرابض الغنم وعدم جوازها في مرابض الإبل؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل لا يعارض قولنا: بأن الشمس لا تطهّر؛ بل هو دليل على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الصلاة في معاطن الإبل، وعلل العلماء ذلك بكونها -أي: الإبل- خلقت من الشياطين، قيل: إنها على الحقيقة، وقيل: إن فيها شبهاً من الشياطين، ولذلك أُمر بالوضوء من لحمها، ولم يؤمر بالوضوء من لحم غيرها، وبقي الحكم في الشرع على أنه يجب الوضوء من لحم الجزور دون غيره. الشاهد: أن كونه يحكم بجواز الصلاة في مرابض الغنم لا يدل على نقض المسألة التي معنا من كون الشمس لا تطهّر، فليس هناك تشابه بين المسألتين، فهذا حكم له علاقة بمسألة طهارة فضلة الحيوان، وهذا حكم له علاقة بتأثير النجاسة، فالأول يتعلق بوجود النجاسة في معاطن الإبل ومرابض الغنم أم لا، والذي نبحثه نحن هو زوال النجاسة بالشمس، فالاعتراض ليس وارداً؛ لأن شرط الاعتراض والتناقض بين الحكمين: أن يتحد المورد، فإذا كان الحكم الأول يتعلق بكون هذا يؤثر في إزالة النجاسة أو لا يؤثر، والثاني يتعلق بكون هذا يُصلى فيه أو لا يصلى فيه ولا علاقة له بالنجاسة، فلا تشابه بين الموضعين، فهذه مسألة وهذه مسألة، والإشكال إنما يكون إذا اتحد مورد المسألتين، فهذا الاعتراض ليس فيه وجاهة، والاستشكال ليس بوارد أصلاً؛ لأن الصلاة أجيزت في مرابض الغنم لطهارتها، ومُنعت في معاطن الإبل إما تعبداً وإما لعلة -وهي كما قلنا- وجود الشياطين فيها، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الجزار بثوب عليه دم
حكم صلاة الجزار بثوبٍ عليه دم Q ما حكم الصلاة في الثوب الذي يلبسه الجزار وفي معظم ثيابه دم؟ A الجزارون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الدم الذي يخرج هو دم البهيمة فهذا نجس؛ الحالة الثانية: أن تأتيه البهيمة وقد ذكيت؛ فالبهيمة التي أمامه مذكاة، وبناءً على ذلك: ما يكون منها من الدم أثناء ضرب الأعضاء وتفصيلها وتقطيعها دم طاهر، وحتى لو وقفت عند الجزار فطار عليك طشاش دم من تفصيل الأعضاء، فإنه ليس بنجس؛ لكن النجس هو موضع الرقبة، وينتبه إلى هذا الموضع الذي هو موضع الذكاة فإنه يعتبر متنجساً، والدم الذي يخرج عند الذكاة هو النجس، وأما لو أراد أن يبين الظهر أو يبين اليد أو يقطعها أو يُفصّل الأعضاء أو يَفْصِل اللحم عنها وتطاير منه دم؛ فهو طاهر ولا يؤثر، والله تعالى أعلم.
حكم إزالة النجاسة بماء زمزم
حكم إزالة النجاسة بماء زمزم Q ما الحكم في استخدام ماء زمزم في إزالة النجاسة من الاستنجاء وغيره؟ A إزالة النجاسة بالمطعوم مشدد فيها، وبالنسبة لماء زمزم وإن كان أصله مشروباً لكنه لوجود احترامه شرعاً وإمكان إزالة النجاسة بالبديل عنه وهو الماء المطلق شدد العلماء في ذلك، وكان العباس رضي الله عنه صاحب السقاية -كما ثبت في الصحيح عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص له أن يبيت في مكة من أجل السقاية- يقول: (لا أحلها -يعني: زمزم لا أحلها- لمغتسل وهي لشارب حلّ وبل) أي: لا أحل ماء زمزم لمغتسل أن يغتسل به، وفي القديم كان نزحه صعباً، ولذلك كان الاغتسال به يحتاج إلى أن يأخذ منه دلواً أو نحو ذلك، فيضر بالناس التي تريد منه ولو شربة واحدة فكان يقول: (لا أحله لمغتسل وهو لشارب) أي: لمن يريد أن يشربه (حل وبِل)، قيل: (حل)، حلال، وبِل أي: (بِلٌ) لحرارة قلبه أو حرارة جسده من العطش، وقيل: (بِل): إنها للاتباع ولا يراد معناها كقولهم: حيص بيص، وكقولهم: حياك وبياك، فإن بياك ليس لها معنىً، فقالوا: إن بِلّ بهذا المعنى، والمقصود: أنهم كانوا يكرهون الاغتسال بماء زمزم، وهذه الكراهة لغسل ظاهر الجسد مع طهارته فكيف بغسل النجاسة، والمحفوظ من فتاوى أهل العلم رحمة الله عليهم أنهم كانوا يشددون في هذا الأمر ولا يستحبون تطهير النجاسات به، والله تعالى أعلم.
حكم قيء الغلام
حكم قيء الغلام Q هل يُعتبر ما يخرج من طفلي من القيء نجساً، وما الحكم إذا صليت ثم علمت بوجوده في ثوبي؟ A الذي يخرج من الطفل لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون متغيراً وقد وصل إلى جوفه، فهذا يعتبر في حكم القيء وهو نجس، كأن تسقيه لبناً فيخرج اللبن وفيه صفرة قد تغيرت مادته وتغيرت رائحته فهذا يحكم بتنجسه. الحالة الثانية: أن يكون الذي خرج لم يتغير وصفه، كأن يكون حديث عهد برضاعة، فلما جاءت تحمله قلس عليها، وهو القلس، فالذي يدفعه الصبي أو الصبية عند الشبع والري من اللبن ونحوه يعتبر طاهراً، فالأول: نجس، والثاني: طاهر، فإذا كان الذي خرج عند استفراغه طاهراً فلا إشكال، وإن كان نجساً قد تغيرت مادته فهو نجس يجب غسله. المسألة الثانية: لو أنها حملت صبياً فقاء عليها، وكان قيئاً متغير اللون والرائحة فعلمت بنجاسته، ثم نسيت أن تغسل الموضع فصلت الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء ثم انتبهت؛ فلا تجب عليها الإعادة في أصح أقوال العلماء؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه صلى بأصحابه في نعليه، ثم خلعهما أثناء الصلاة؛ فخلع الصحابة نعالهم؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ما شأنكم؟ قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال: أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين) فدل هذا على أن من نسي النجاسة أو لم يتذكرها أنه لا يحكم بوجوب الإعادة عليه؛ بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره جبريل بنى ولم يقطع الصلاة، فلو كان ذكر النجاسة يوجب الإعادة لقطع النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ولاستأنف؛ لأنه أوقع تكبيرة الإحرام -وهي أقل ما يمكن أن يكون قد أوقعه- وهي ركن، ولربما يكون قد صلى بعض الصلاة، فكونه عليه الصلاة والسلام لم يعد دل على أن من نسي النجاسة ثم بعد الصلاة رآها، أو لم يعلم بها أصلاً ثم بعد السلام نظر فإذا النجاسة في ثوبه أو بدنه، فحينئذٍ لا تجب الإعادة في أصح أقوال العلماء، والله تعالى أعلم.
حكم حرمان الزوجة من صلة أبويها
حكم حرمان الزوجة من صلة أبويها Q زوجي ملتزم ومتدين ولله الحمد، ولكن -يا شيخ- أشتاق إلى رؤية أبواي وإخواني، فعندما أطلب من زوجي أن أذهب لزيارتهم مرة كل عام فإنه يرفض، وأحياناً يغضب غضباً شديداً، وذلك يحزنني كثيراً فماذا أفعل؟ A لا يخلو والدا المرأة من حالتين: أن يكونا في نفس الموضع الذي فيه الزوج، أو يكونا في غير الموضع، فإن كانا في الموضع الذي فيه الزوج والزوجة فإنه تنبغي الزيارة بالمعروف، فيجعل وقتاً يستطيع أن يصل فيه رحمه ويقوم فيه بحق الله وتقوم المرأة أيضاً بحق أبويها، فإن منعها وأبواها في نفس المدينة والسائلة تقصد ذلك، فلا أشك أنه -نسأل الله السلامة والعافية- قد قطع رحمه وأعان على القطيعة وعقوق الوالدين والعياذ بالله؛ والسبب في ذلك: أن زيارة الوالدين والقرابة الذين هم ملتصقون كالإخوان ونحوهم لا تشق على الزوج مع اتحاد المكان، فكونه يقصر ويمنعها لا شك أنه مخالف لأمر الله عز وجل بصلة الرحم والإحسان إلى القرابة والله يقول في كتابه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1] وهذه والله مصيبة عظيمة، إذا كان الزوج يبلغ به أن يمر العام الكامل ولا يري زوجته أبويها فوالله بئس ما فعل، ووالله إنه لمن اللؤم بمكان، ولا شك أنه إنسان لئيم، فإن لئيم الطبع هو الذي يمتنع. إن والدي المرأة أكرما الإنسان وقبلانه زوجاً لعورة من عوراتهما، وفلذة من فلذات أكبادهما؛ لكي يكون لها ستراً، ويكون لها زوجاً فتنعم عينها بزواجها منه وعشرتها له، ثم تمكث سنة كاملة -والعياذ بالله- لا ترى أبويها! لقد ثبت في الأحاديث الصحيحة دخول فاطمة على النبي صلى الله عليه وسلم سواءً دخلت لحاجة أو دخلت زائرة، حتى قالت عائشة رضي الله عنها -كما في حديث الترمذي - (كانت إذا دخلت عليه، قام لها، فأجلسها في موضعه)، وفي الصحيحين: قالت: (جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما تخالف مشيتها مشيته) فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: ارجعي إلى بيتك، وكان يزورها صلوات الله وسلامه عليه في بيتها، فقضية كون الزوج يبلغ به أن يمر عام كامل ولا ترى زوجته أهلها، والله لا أشك أن هذا من اللؤم بمكان، فإن النفس الكريمة إذا أحسنتَ إليها ملكتها بالإحسان، وأصبحت كأنك ملكت رقبة تلك النفس المؤمنة الكريمة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: (حفظ العهد من الإيمان) فلوالدي الزوجة عهد عند الزوج، بل المنبغي على الزوج الكريم أنه هو الذي يفاتح امرأته بزيارة أهلها، وخاصةً إذا كان ملتزماً ديناً، وكثير من النساء يشكين من بعض الأزواج الذين فيهم خير وفيهم صلاح؛ لأن كثيراً منهم لا ينتبه لمشاعر الزوجة ولا لمشاعر القرابة، فيجلس أحياناً شهوراً وهو غافل عن صلة الرحم، مع أن حقيقة الالتزام هي القيام بمثل هذه الواجبات، فلا تنتظر من الزوجة أن تقول لك: اذهب بي إلى أبي وأمي، بل أنت الذي تبدأ بهذا؛ لأنك تعلم أنك إذا أمرتها بهذا أمرتها بطاعة الله، وأمرتها بمرضاته، وكان لك أجرها، وكان لك أجر صلتها لوالديها، بل إذا بلغ بالإنسان الخير وكان إنساناً كريماً يريد مرضاة الله عز وجل وجدته هو الذي يعرض عليها، ووجدته يذهب إلى أبي الزوجة وأمها، ولا ترضى نفسه إلا أن يذهب إلى أبي زوجته، فيسلم عليه ويجلس معه، ولقد حكى لي بعضهم فقال: قد يكون عندي الظرف الذي لا أستطيع أن أتركه، وتركه من المشقة بمكان، ولكن لا ترضى نفسي أن آتي وأنزلها عند بيتها دون أن أذهب وأقبل رأس أبيها وهو كبير السن، وأدخل على أمها وأحييها، وأدخل السرور عليها؛ فلكونهم اختاروني زوجاً لابنتهم ينبغي أن أرد هذا المعروف. إن هذا أقل ما يرد به المعروف، الزيارة فيها جلب للمحبة والمودة، ثم إن الإنسان بهذه الزيارة يترجم عن الوفاء للجميل، وهذه من الأمور المهمة في المشاكل الزوجية، فالزوجة إذا رأت الزوج غافلاً لا يبالي بقرابتها، ولربما تأتي وتقول له: أريد أن أزور أمي أو أبي، فيضايقها ويتأخر عنها ويماطلها ويؤخرها، بدلاً من أن يكون كريماً، فيدخل الشيطان عليها، فيقول: زوجك لا يحب والديك، زوجك كذا وكذا؛ فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والخطأ ليس من الزوجة أن تسيء الظن، ولكن الخطأ من الزوج أن ينسى المعروف والفضل، ولذلك يعاقبه الله عز وجل فلربما تتنكر عليه الزوجة، وكم من مشاكل زوجية عرضت عليَّ فوجدت من الأسباب الخفية التي كانت سبباً في فساد الزوجة على زوجها وتأثرها في معاملة زوجها: تقصيره في الوفاء لوالديها، وهي في هذا معها حق، ولا شك أن الزوج إذا كان بهذه المثابة فإنه ضعيف الإيمان؛ لأن من كمال الإيمان كمال الوفاء والعشرة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (حفظ العهد من الإيمان). لقد كان عليه الصلاة والسلام وفياً لزوجته خديجة رضي الله عنها حتى بعد وفاتها، فكان إذا ذبح شاة يقول: (هل أهديتم لصويحبات خديجة منها شيئاً؟) صلوات الله وسلامه عليه، حتى أن النساء يغرن من خديجة وهي ميتة ومتوفاة رضي الله عنها وأرضاها، فلا يزال ذاكراً وحافظاً لها العهد، ولما دخلت المرأة العجوز الكبيرة السن الضعيفة الحال على النبي عليه صلوات الله وسلامه ما أن سمع صوتها حتى قام يجر رداءه لها، فقالت عائشة: (يا رسول الله! من هذه العجوز التي تقوم لها هذا القيام؟ قال: إنها هالة، إنها هالة، أخت خديجة) صلوات الله وسلامه عليه، فالوفاء والبر والخير في صلة الأرحام، وفي بر الوالدين والإعانة على ذلك، وينبغي على الزوج أن يكون عنده الإحساس والشعور، ويحاول أن يكرم امرأته وأهلها، وخاصةً إذا كانت المرأة صالحة، فالمرأة الصالحة في هذا الزمان نعمة عظيمة ينبغي على الزوج أن يدخل السرور عليها، ودائماً إذا جلس معها ذكر فضل أهلها وذكر أهلها بخير، والله إن من الأزواج الأخيار من يقول: لقد أوذيت من رحمي ومن أهل زوجتي، ومع ذلك لا أذكر أني في يومٍ من الأيام قد ذكرتهم بسوء؛ لأني لا أريد أن أكسر خاطر هذه المرأة المؤمنة حينما أتذكر التزامها وديانتها واستقامتها، وهذا هو شأن الأخيار، فالمرأة إذا رأيتها صالحة فأكرمها وأسكنها في قلبك، وأدخل عليها من المودة والرحمة ما تلتمس به رضوان الله عز وجل، وصل الرحم يصلك الله، فإنها تعلقت بحقوي الرحمن وقالت: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: أما ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك؟) فرضيت بذلك، فطوبى لمن وصلها فوصله الله، وويل ثم ويل لمن قطعها وأعان على قطيعتها، وقد قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22 - 23] نسأل الله السلامة والعافية، فقد يكون الشاب ملتزماً صائم النهار وقائم الليل، وتأتيه لعنة بسبب قطيعة رحم أو عقوق والدين أو منعه الزوجة من أن تصل رحمها أو تبر والديها، فيحرم -والعياذ بالله- من خشوع في عبادته، أو يحرم من بكاء، أو يحرم من قيام ليل أو صيام نهار، ويقول: ما أدري ما الذي أصابني؟ وكثير من الشباب الأخيار يصاب بنكسة في التزامه أو ضعف إيمان ولا يدري من أين أُتي، وقد يكون هذا من قبل حقٍ لمظلوم دعا عليه فحرمه الله عز وجل هذا الخير، فنسأل الله العظيم أن يُحيي قلوبنا بطاعته، وأن يرزقنا الوفاء لعباده بما يرضيه عنا، ونعوذ بالله من منكرات الأخلاق والأدواء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب إزالة النجاسة [3]
شرح زاد المستقنع - باب إزالة النجاسة [3] من قواعد الشريعة: التخفيف فيما تعم به البلوى، وتكون فيه المشقة، ولهذا خُفِّف في يسير بعض النجاسات التي يشق اجتنابها، على خلاف بين العلماء في نجاسة بعض الأشياء وطهارتها.
المعفو عنه من النجاسات
المعفو عنه من النجاسات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
العفو عن يسير الدم
العفو عن يسير الدم قال المصنف رحمه الله: [ويعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم نجس من حيوان طاهر، وعن أثر استجمار بمحله]. لا زال الحديث في أحكام النجاسات، ولما ذكر رحمه الله الأحكام المتعلقة بإزالة النجاسة والشيء الذي تزال به النجاسة، شرع رحمه الله في محل الرخصة، وهو الشيء المعفو عنه، فقال: (يعفى في غير مائع ومطعوم عن يسير دم من حيوان) هذه المسألة الأصل فيها حديث ضعيف روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: (أنه يعفى في الدم عن قدر الدرهم البغلي)، ثم تأيد هذا الحديث الضعيف بعمل بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما أُثر عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عن الجميع، أنهم كانوا لا يرون في قليل الدم شيئاً، فربما عصر الواحد منهم البثرة -وهي الحبة الصغيرة التي تكون في الوجه أو في اليد أو في الساعد- فخرج منها يسير الدم فلا يتطهر ولا يغسل الموضع، فأخذ العلماء رحمهم الله من هذا دليلاً على مسألتين: المسألة الأولى: أن يسير الدم النجس معفو عنه. المسألة الثانية: هل يلتحق بالدم غيره؟ فمن العلماء من قال: أقصر الرخصة على محلها، فأعفو عن الدم وحده، لأنه هو الذي ورد به الخبر، وهو الذي فعله الصحابة رضوان الله عليهم، ويبقى غيره على الأصل. وقال بعض العلماء: ما دامت العلة التخفيف وأن اليسير لا يأخذ حكم الكثير، فنطرد ذلك في كل ما وافقه، فنقول: يسير النجاسة معفو عنه، ثم استثنى وقال: (في غير مائع ومطعوم) والصحيح المذهب الأول: أن الذي يعفى فيه عن يسير النجاسة هو الدم وحده، فلو سألك سائل عن مذي قليل خرج من الإنسان بشهوة لنظر أو فكر وشعر بخروجه منه، فهل نحكم بنجاسة الثوب الذي أصابه هذا الذي أو لا نحكم؟ إن قلنا: يعفى عن اليسير، حكمنا بجواز وضوئه وصلاته دون أن يغسل الموضع الذي أصابه المذي، وإن قلنا: إنه لا يعفى عنه؛ فحينئذٍ يكون حكمه حكم النجاسة الكثيرة سواء بسواء، فعند ذلك يجب غسله والوضوء بعده، وهذا بالنسبة للمسألة التي ذكرها المصنف مفرّعة على هذا الأصل، والصحيح: ما ذكرنا من أن الحكم يختص بالدم، وأن ما عدا الدم من النجاسات قليلها وكثيرها لا يشمله الرخصة، على ما تقرر من اعتبار الدم نجساً، وقد سبق بيان دليل ذلك، وكلام العلماء رحمة الله عليهم فيه.
العفو عن أثر النجاسة بعد الاستجمار
العفو عن أثر النجاسة بعد الاستجمار وقوله: (وعن أثر استجمار بمحله) أي: يعفى عن أثر الاستجمار في محله، ومن المعلوم أن الإنسان إذا قضى حاجته؛ فإنه ربما غسل بالماء، وربما استجمر بالحجارة، أما لو غسل بالماء فبالإجماع أنه يجب عليه غسل الموضع وإنقاؤه، وأما لو كان بالحجارة فمن المعلوم أن الحجارة لا تنقي الموضع على سبيل القطع كما يحصل في الماء، بل لابد من بقاء أثر للنجاسة في الموضع، وهنا يرد Q لو فرضنا أن هذا الموضع هو الدبر، فلو أن إنساناً قضى حاجته ثم استجمر بالحجارة فأنقى الموضع بالحجارة، فإن الموضع -الذي هو الدبر- سيبقى فيه يسير نجاسة، وهذا اليسير يقولون: إنه معفو عنه، ولكن لا يعفى إلا بما هو في موضع النجاسة، أما لو تعدى موضع النجاسة فإنه لا يعفى عنه قولاً واحداً، كما لو كان على صفحة الإلية ونحو ذلك فإنه لا يعفى عنه. إذا تقرر أنه يعفى عن يسير النجاسة في الدبر أو القبل إذا استجمر الإنسان، فما الدليل على هذا القدر الذي يعفى عنه؟ الدليل: ثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتزاء بالحجارة، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن من استجمر وأنقى الموضع -بمعنى: أنه حصل منه الإنقاء بالحجر الأخير دون وجود أثر- فإنه يحكم بكونه متطهراً، وإنما تأتي النجاسة؛ لأن هذا الموضع وإن وضعت الحجر عليه وخرج نقياً فإن الموضع لا يزال متغذياً بالنجاسة، فإذا عرق الإنسان أو جالت يده بالعرق فلابد وأن تصيب الموضع، فإذا عرق المكان الذي يلي الموضع وسرى هذا العرق إلى الثوب أو إلى السروال الذي يلي الموضع فهذا معفو عنه؛ لأننا لو حكمنا بنجاسته لدخل الناس في حرج لا يعلمه إلا الله عز وجل، وهذا صحيح؛ ولذلك قالوا: إنه أمر الشارع بغسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء -كما يقول الإمام الشافعي - قالوا: لأن الحجاز كانت حارة، كان الناس في الغالب لا يستجمرون إلا بالحجارة ولا يغسلون، وكانوا يعتبرون غسل الفرجين وضوء النساء كما أثر عن بعض السلف، فكان الغالب منهم الاستجمار، قالوا: ومع هذا فإن الشرع لم يأمر بغسل الموضع، وإنما اكتفى بالحجارة، فدل على أنه إذا عرق الموضع أو جالت اليد في الموضع فإنه يعفى عن هذا اليسير.
أشياء مختلف في نجاستها
أشياء مختلف في نجاستها
حكم جثة الآدمي بعد موته
حكم جثة الآدمي بعد موته قال رحمه الله: [ولا ينجس الآدمي بالموت]. (لا ينجس) أي: لا يحكم بكونه نجساً، بل هو طاهر، وهذا أحد قولي العلماء رحمة الله عليهم أن الآدمي لا ينجس بالموت. وقال بعض العلماء: الأصل في الميتة أنها نجسة، واستثني الآدمي المسلم لقوله عليه الصلاة والسلام: (المؤمن لا ينجس) فبقي الآدمي المشرك على الأصل، وأكدوا هذا بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] قالوا: لما كانت الميتة في أصل حكم الشرع نجسة كما نص الله عز وجل في غير موضع؛ فإننا نقول: إن كل ميتة نجسة إلا ما ورد الشرع بإخراجه، فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) وهو عام، والقاعدة: (أن الأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه)، قالوا: نحكم بكونه نجساً إلا ما استثناه الشرع من الميتات، وقد استثنى الشرع المسلم المؤمن بقوله عليه الصلاة والسلام: (إن المؤمن لا ينجس) واستثنى ميتة البحر بقوله: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فلم يحكم بنجاسة ميتة البحر، قالوا: فبقي الكافر والمشرك على الأصل من كونه نجساً، وهذا بالنسبة للمذهب الثاني عند العلماء رحمة الله عليهم. وهناك مذهب ثالث: أن المشرك نجس حياً وميتاً -والمذهب الثاني وسط بين المذهبين- قالوا: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) يؤكد أن الكافر ينجس، لأنه لو كان الآدمي طاهراً؛ لقال: إن الآدمي لا ينجس، لكن كونه يقول: (إن المؤمن) يدل على أن الكافر ينجس، قالوا: إما نجاسة موت بمفارقة روحه -ولذلك يعتبر من الجيفة والميتات- وإما بالعموم سواء كان حياً أو كان ميتاً. واعترض عليهم باعتراضات وجيهة منها: قالوا: إن نساء أهل الكتاب حل لنا نكاحهن، وإذا جاز لنا نكاحهن فإنه لابد من مخالطة. واعترض عليهم بقصة ثمامة بن أثال الحنفي، فإنه رضي الله عنه أخذته خيل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ماضٍ إلى العمرة فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وربطه في المسجد، قالوا: ولو كان نجساً لما أدخله النبي صلى الله عليه وسلم المسجد، هذا بالنسبة للاعتراضات التي اعترضت عليهم. وأجيب عنها أما كون نساء أهل الكتاب حل لنا؛ فإن قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] اختلف هل المشركون يدخل فيهم أهل الكتاب أو لا؟ فنقول: إن الآية وردت في المشركين ولم ترد في عموم الكفار، إذ لو كان أهل الكتاب داخلين فيها لقال: إنما الكفار نجس، لكن قال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:28] ووجدنا أن القرآن يفرق بين المشركين وأهل الكتاب {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة:1] فلما فرق بينهم علمنا أن قوله: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة:28] هم عبدة الأوثان والذين لا دين لهم سماوي، فهؤلاء يحكم بكون الواحد منهم نجساً، هذا من الأجوبة. وأما بالنسبة للأجوبة على قيمة ثمامة بن أثال فقالوا: إنه خارج عن الأصل لمكان الحاجة، والقاعدة: أن ما خرج عن الأصل لا يعترض به، ولا يرد به الاعتراض في الاستدلال. وهذا حاصل ما ذكر في مسألة: نجاسة الآدمي، فقال المصنف: (وميتة الآدمي)، أي: لا يحكم بنجاستها، وهذا -كما قلنا- قول طائفة من العلماء رحمة الله عليهم ولما قال: (الآدمي) فهمنا أنه يستوي في ذلك الكافر والمسلم.
حكم ما لا نفس له سائلة
حكم ما لا نفس له سائلة قال رحمه الله: [وما لا نفس له سائلة متولد من طاهر] أي: أن ما كان مما لا نفس له سائلة وكان متولداً من طاهر فيعتبر طاهراً. (ما لا نفس له سائلة) النفس تطلق بمعنى الدم، قالوا: سمي الحيض نفاساً لمكان الدم الخارج، كما في الصحيحين من قول النبي صلى الله عليه وسلم لـ عائشة: (مالك أنفست؟) وسمي النفاس نفاساً لوجود الدم فيه. فالنفس تطلق بمعنى الدم، وتطلق بمعنى الروح، واختلف هل هي والروح شيء واحد أو لا؟ وهو خلاف معروف، لكن المقصود: أن من إطلاقات النفس: الدم، فيقولون: كل دابة ليس لها نفس، أي: ليس لها دم كالبراغيث، والصراصير، وبنات وردان، وكذلك البعوض وما كان مثل هذه الدواب، أو كان من الهوام، فكل ما لا دم له قالوا: يحكم بكونه طاهراً؛ لأنه إذا مات فلا يعتبر من الميتات المتنجسة بالدم؛ قالوا: لأن الميتة ما حكم بنجاستها إلا لمكان احتباس الدم فيها، بدليل أنها لو ذكيت كانت طاهرة، فهذا مستنبط من مفهوم حكم الشرع، قالوا: لما كان الحيوان الذي يذكى بالذكاة يطهر ويحل أكله ويعتبر طاهر الأجزاء، والميتة التي ماتت حتف أنفها وانحبس الدم فيها يحكم بنجاستها، عرفنا أن ما يذكى طاهر، وما لا يذكى نجس، فإن كان الميت مما لا دم له فإنه يخرج عن هذا الوصف، فليس له دم يراق، فيعتبر من الميتة الطاهرة التي لا يحكم بنجاستها، هذا وجه من يقول بطهارة ما لا دم له. مثال ذلك: الصراصير ونحوها، لكن يستثنى من هذا إذا خرجت من مكان نجس، فيقال: متنجسة، وفرق بين المتنجس والنجس، فالنجس بذاته، والمتنجس بعارض، ويمكن تطهيره، فلو خرجت من مكان نجس وهي رطبة حكم بكونها نجسة. والدليل على أن ما تولد من طاهر يحكم بطهارته: أن السوس كان يصيب التمر، ولم يأمر الله عز وجل ولا رسوله صلى الله عليه وسلم باتقاء ما كان فيه سوس، وكان يوجد في الأطعمة، ويوجد في التمور، ويوجد في الحبوب، ويوجد في الدقيق ومع هذا كان يؤكل ولا ينكر على أحد ولا يحكم بكونه ميتة، وهذا يكاد -بالإجماع- يكون دليلاً على أنه طاهر؛ وبناءً على ذلك: فكل ما تولد من طاهر فهو طاهر، فمثلاً: لو كان هناك طعام وتولد من الطعام دود والطعام طاهر؛ فنقول: إنه طاهر، فلو مات هذا الدود في مكان، وجاء الماء على المكان الذي فيه الدود وأصبح متشرباً به ثم أصاب الثوب؛ فنقول: إن الماء طاهر؛ لأن هذه الميتة ميتة طاهرة ولا تعتبر نجسة.
حكم بول وروث ما يؤكل لحمه
حكم بول وروث ما يؤكل لحمه قال رحمه الله: [وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي] (وبول ما يؤكل لحمه وروثه): الحيوانات تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: أذن الشرع بأكل لحمه. القسم الثاني: لم يأذن الشرع بأكل لحمه، ثم كل من هذين القسمين منه ما أجمع على حكمه ومنه ما اختلف فيه. يقول المصنف رحمه الله: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه) التقدير: طاهر، أي: آخر الكلام أو الحكم فيه أنه طاهر.
الأدلة على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه
الأدلة على طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه أما الأدلة على أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر فهي: أولاً: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه أقوام من عكل وعرينة واجتووا المدينة أي: أصابهم الجوى، والجوى نوع من الأمراض مثل الحمى؛ لأن مناطق أهل البادية تكون نقية ونافعة، فإذا دخلوا المدن يحصل عندهم نوع من الأمراض؛ لأنهم ألفوا المكان الطلق النظيف، والجوى سببه -كما يقول الإمام النووي رحمه الله-: اختلاف الموضع عليهم. لأنهم ألفوا طلاقة الجو ونظافة ما يؤكل وما يشرب، بخلاف المدن التي تكون وخيمة بسبب كثرة الناس بها وضيق أماكنها، فأصابهم الجوى، والعلة في ذكر الجوى هي: معرفة طب النبي صلى الله عليه وسلم كيف عالج الشيء بمألوفه، حتى أن الأطباء يعتبرون هذا من الطب النبوي، فبعض الأمراض يكون علاجها بِرَد الإنسان إلى مكانه الذي نشأ فيه، قالوا: إنه يتأثر بأرضها وهوائها ومائها، وكان بعض الأطباء يداوي بالماء الذي يكون في الموضع الذي ولد فيه الإنسان، فردهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبل الصدقة، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها وألبانها، فلذلك اختلف العلماء: فقال بعض العلماء: إنما أمرهم أن يشربوا من الأبوال والألبان؛ لأنهم مرضى، مع أن البول أصله نجس، فكأنه يقول: إنما أجاز لهم شرب بول البعير لكونهم مرضى ومضطرين لذلك، وهذا مذهب الشافعية، أي: أنهم يرون أن بول البعير وما يؤكل لحمه نجس. وقال الحنابلة ومن وافقهم: إنما أجاز لهم شرب البول؛ لأن بول ما يؤكل لحمه وروثه طاهر، فأجاز لهم شرب البول لا من جهة المرض ولكن من جهة طهارة الذي يتداوى به. فقول الشافعية: إن البول نجس وإنما جاز لهم شربه للتداوي، شددوا فيه في باب الطهارة، وخففوا في باب التداوي. أما الحنابلة فقالوا: البول طاهر ولا يجوز التداوي بالنجس، فخففوا في باب الطهارة، وشددوا في باب التداوي، وهذا من مرونة الشريعة! فقد تجد القول في مكان شديد ولكنه في مكان آخر يسر ورحمة، وقد تجده في موضع يسراً ورحمة، وفي موضع آخر شدة وابتلاء. فالمقصود: أن الحنابلة رحمهم الله يقولون: البول طاهر وجاز لهم شربه لكونه طاهراً. ونحتاج إلى منهج أصولي في الاستنباط حتى نعرف أي المذهبين أرجح، فهؤلاء يقولون: هم مرضى وجاز لهم التداوي به لكونها ضرورة، وهؤلاء يقولون: لا. بل هو طاهر ولا يجوز التداوي بالنجس على الأصل الذي قرروه: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) فنريد أن نعرف الراجح من القولين. القول الذي يقول: إن بول الإبل والبقر والغنم ونحوها مما يؤكل لحمه نجس هو قول الشافعية، فيقولون: لأن في الحديث وصفاً وهو قوله: (فأصابهم الجوى)، وفي رواية في الصحيح: (فاجتووا المدينة) أي: أصابهم الجوى، قالوا: فالوصف المذكور في الحديث -وهو الجوى والمرض- مشعر بالحكم وهو التخفيف والرخصة، هذا بالنسبة لمسلك الشافعية. الحنابلة قالوا: قولنا أقوى وأرجح؛ لأننا وجدنا أدلة أخرى من السُّنة تدل على أن البول طاهر، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر على بعيره وطاف على بعيره، فلو كان بول البعير نجساً لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على البعير؛ لأنه إذا بال أصابه طشاش بوله، ولابد أن البعير يصيبه شيء من الطشاش أو يبقى شيء في الموضع، قالوا: فكونه عليه الصلاة والسلام يصلي ويوتر ويطوف على البعير -وكلها عبادات تشترط لها الطهارة- يدل ذلك على الطهارة. الشافعية يجيبون عن هذا ويقولون: إن هذا من باب الرخصة والتيسير وهو خارج عن الأصل، ويقولون: قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في معاطن الإبل، فلو كان روث البعير طاهراً لما منع من الصلاة في معاطن الإبل. الحنابلة يقولون: إنه منع عن الصلاة في معاطن الإبل لعلة غير النجاسة، وهي كونها أماكن الشياطين، والإبل خلقت من شياطين كما ورد في بعض روايات السنن. فالمقصود: أن أصح الأقوال وأقواها: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، فقد ركب النبي صلى الله عليه وسلم بعيره، وطاف على البعير، وأوتر على البعير، وهذا كله ظاهر الدلالة على طهارته. وأما بالنسبة للقول بأن هذه رخص فنقول: إنه أجاز الصلاة في مرابض الغنم، فلو كانت الفضلة نجسة لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في مرابض الغنم، ولاشك أن أقوى القولين هو: القول بأن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهب الشافعية رحمة الله عليهم في أن فضلة ما يؤكل لحمه نجسة فيه من المشقة شيء كثير، ولذلك من أشق ما يكون إذا كانوا في المساجد وجاء الحمام والطير، فإنهم يعتبرون ذرقه نجساً، وبمجرد ما يصيب الثوب لابد أن يذهب ويغسل ثوبه، فيجدون من الحرج والمشقة ما الله به عليم، حتى إن بعض متأخريهم أفتى بأن ذرق الطيور والحمام في المساجد معفو عنه لمكان الحرج والمشقة، فإنه ربما يكون هناك زحام -كأيام الحج- فيقوم من بين الناس من أجل أن يغسل موضع النجاسة ويطهر المكان. إذا تقرر هذا فإن أصح الأقوال: أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، ويستنبط هذا من أن النبي صلى الله عليه وسلم أدى الصلاة والطواف على ظهر البعير، وأجاز الصلاة في مرابض الغنم، ففهمنا من الصلاة على ظهر البعير أن فضلته طاهرة، وفهمنا من إجازة الصلاة في مرابض الغنم أن فضلتها طاهرة، ثم نستنبط معنى آخر للقياس ونقول: قد حكم صلوات الله وسلامه عليه بنجاسة لحم الحمر الأهلية لكونها محرمة الأكل، فإنه لما نزل تحريمها أمر بإكفاء القدور وقال: (إنها رجس) فحكم بكونها نجسة لما نزل تحريم اللحم، فأخذوا من هذا دليلاً -وهذا من أنفس ما يكون في الاستنباط- على نجاسته ونجاسة الفضلة تبعاً، وإذا ثبت هذا فنقول: الفاصل في الحكم بنجاسة الفضلات والخارج هو أنه إما أن يكون من المأذون بأكله أو غير مأذون بأكله، فإن كان من جنس ما أذن بأكله فهو طاهر، وإن كان من غير ما أذن بأكله فهو نجس.
حكم مني ما يؤكل لحمه
حكم مني ما يؤكل لحمه وقوله: (ومنيه ومني الآدمي) (ومنيه) أي: مني ما يؤكل لحمه فإنه يعتبر طاهراً، وقد ذكر هنا مني الدواب؛ لأن كثيراً من المسائل تترتب عليها أحكام، فمثلاً: مني الدواب يباع، وهذا موجود في مختلف أنواع الحيوانات، وقد تقرر في الشرع -ويكاد يكون قول الجماهير خلافاً للحنفية- أن النجس لا يجوز بيعه؛ لحديث جابر بن عبد الله: (إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام) فإذا ثبت أن النجس لا يجوز بيعه، وحكمت على المني الخارج من الحيوان الذي يؤكل لحمه أنه طاهر، ففي هذه الحالة لو سألك سائل عن بيع مني الحيوان كما يفعل بالحقن وتحقن به الإناث من أجل أن تخصب وتنجب، هل يجوز أو لا يجوز؟ فعلى القول بنجاسة فضلته: لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يجوز بيع النجس، وعلى القول بطهارتها: يجوز بيعه؛ لأنه طاهر أشبه بسائر الطاهرات.
حكم رطوبة فرج المرأة
حكم رطوبة فرج المرأة قال رحمه الله: [ورطوبة فرج المرأة] الرطوبة: سائل يخرج من الموضع من المرأة، وسواء خرج عند الجماع أو خرج في غير وقت الجماع، أي: سواء خرج عند الشهوة أو في غير وقت الشهوة، فهذا السائل للعلماء فيه وجهان مشهوران: القول الأول: أن هذا السائل طاهر. القول الثاني: أنه نجس، وهذا وجه عند الحنابلة وقيل: إنه المذهب، ووجه عند الشافعية. والأقوى -واختاره غير واحد من المحققين- والصحيح: أنه نجس، وقد دلت السُّنة على نجاسته، ويحتاج إلى تأمل حتى يتبين هذا الدليل. ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليغسل ما أصابه منها) وكان في أول الإسلام إذا جامع الرجل أهله ولم ينزل لا يجب عليه الغسل، وفيه حديث صحيح حيث قال عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء) وجاء في الحديث الصحيح أنه طرق على رجل من الأنصار كان يريده في حاجة، فلما خرج الرجل خرج كأنه منزعج، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لعلنا أعجلناك؟ إذا أعجلت أو أقحطت فلا غسل عليك) يعني: إذا لم تنزل فلا غسل عليك، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولكن ليغسل ما أصابه منها) فالذي يصيب الفرج عند الجماع من غير المني هو الرطوبة، فكونه يأمر بالغسل منه يدل على كونه نجساً، وهذا نص صحيح صريح قوي في اعتبار الرطوبة نجسة، وقد أشار إليه بعض المحققين، ومنهم الإمام النووي رحمه الله في المجموع، وبين أن الرطوبة نجسة، ثم القياس والنظر الصحيح يدل على نجاسته، فإن رطوبة فرج المرأة منزلته منزلة المذي من الرجل، قالوا: إنها مذي المرأة، فكما أن مذي الرجل يكون منه فكذلك المرأة، وإذا كان المذي نجساً فإن الرطوبة تكون نجسة؛ لأن النظير يأخذ حكم نظيره، فلو لم يدل الأثر لدل النظر على نجاسته، والسُّنة حاكمة على كل قول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين أنه مأمور بغسله دل على نجاسته.
حكم المرأة المبتلاة بكثرة رطوبة الفرج
حكم المرأة المبتلاة بكثرة رطوبة الفرج وقد تعم البلوى بهذه الرطوبة، فمن النساء من تجلس ساعات وهي مبتلاة بهذه الرطوبة، فنقول: إن هذا أمر يسير لأنها كالمستحاضة، فكما أن المرأة يصيبها دم الاستحاضة ويستمر معها أحياناً شهوراً، والشريعة تحكم بكون هذا الدم نجس، فكما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسله ويكاد يكون بالإجماع أن دم الاستحاضة نجس، لكن إذا غلبها فإنها تضع قطنة تشد بها الموضع، وتصلي على حالتها وتتوضأ لدخول كل وقت، فالمرأة التي تغلبها الرطوبة وتصل بها إلى درجة المشقة تأخذ حكم الاستحاضة سواء بسواء، وهذا لا حرج فيه ولا مشقة فيه؛ لأن القاعدة في الشريعة: أن الأمر إذا ضاق اتسع، فمادام أنه يضيق على المرأة ويحرجها فإنها تتعبد الله عز وجل على قدر وسعها وطاقتها {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. وقوله: (ورطوبة فرج المرأة) هذا تخصيص، فدل على أن الرطوبة من سائر بدن المرأة تعتبر طاهرة ولا يحكم بنجاستها، فالرطوبة والعرق من سائر البدن طاهر، سواء من ذكر أو من أنثى، ولكن المراد الرطوبة في موضع مخصوص.
حكم سؤر الهرة وما دونها في الخلقة
حكم سؤر الهرة وما دونها في الخلقة قال رحمه الله: [وسؤر الهرة وما دونها في الخلقة طاهر] (وسؤر الهرة) وهي: القط، ويستوي في ذلك ذكرانها وإناثها، والسؤر: الفضلة، واحد الآسار، وهذا السؤر صورته: أن تأتي الهرة وتشرب من إناء أو وعاء ثم تبقى فضلة، فهذه الفضلة يحكم بطهارتها؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن أبي قتادة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه أصغى لها الإناء ثم قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) وهذا يدل على أنها طاهرة، إذ لو كانت نجسة لبين النبي صلى الله عليه وسلم نجاستها، وفيه تيسير ورحمة بالناس؛ لأن الهرة تخالطهم وتكون معهم، وقد قال عليه الصلاة والسلام مشيراً لهذه العلة: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات). ولذلك يقول العلماء: هي نجسة ولكن حكم بتخفيف الحكم فيها لمكان المشقة؛ وذلك بقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قالوا: إذ لو كانت طاهرة في الأصل لقال: إنها طاهرة، لكن كونه يقول: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) كأنه يقول: إن هذا فيه حرج وفيه مشقة، فخفف من أجل الحرج ومن أجل المشقة، وهذا مسلك بعض العلماء، ولذلك قالوا: كل ما كان في حكم الهرة فسؤره طاهر، حتى قالوا بالتخفيف في السباع فإذا طاف على الإنسان وكان معه، كما لو أنه ربى أسداً للصيد أو نمراً أو نحو ذلك من السباع وخالطه كثيراً، قالوا: يعفى عن فضلته وسؤره. قال: (وما دونها في الخلقة) (دونها) يعني: أقل منها، وإنما قال: دونها؛ لأن القياس يأتي على ثلاثة أوجه: الأول: قياس الأعلى على الأدنى. الثاني: وقياس الأدنى على الأعلى. الثالث: وقياس المساوي. هذه ثلاثة أحوال للقياس. ضابط كونه أعلى أو أدنى أو مساويه هو: العلة، فإن كان الفرع الذي تقيسه أولى بالحكم من الأصل فهذا يسمى قياس أعلى، أي: أنك ألحقت المستحق للحكم أكثر مما ورد به النص، مثال ذلك: الله عز وجل يقول: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:23] نهى عن قول: (أف) فتقول: يحرم السب والشتم كما يحرم التأفف بجامع كون كل منهما أذية للوالدين، وقد تقول بصورة أخرى تنبه على كونه قياساً أعلى. التأفف للوالدين حرام فسبهما أولى بالحرمة لما فيه من بالغ الضرر، أو بجامع الضرر في كلٍ، وهذا بالنسبة لما يكون أعلى، أو مساوياً: كأن تقيس ما مثل الهرة في الحجم والقدر والتطواف على الهرة. أو دون: أي ما يكون متخلفاً فيه بعض أوصاف العلة، فيكون الأصل أولى بالحكم فيه من الفرع عكس الأول، فلو قست شيئاً علته أدون من علة الأصل، يعني: توجد فيه ولكنها أخف من علة الأصل فتقول: إن هذا قياس أدنى. الشاهد: أنه قال: (وما دونها في الخلقة) وهذا من دقة المصنف، لأن الأصل لما قال: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) قالوا: إن هذا مبني على التطواف ولذلك يقولون: الأصل نجاسة السباع وما في حكم السباع مما يأكل الحشرات ويغتذي بها، فقال: هذا الأصل يقتضي المنع والحكم بالنجاسة، فإذا جئنا نقيس شيئاً على المرخص عليه فإننا نبحث عما هو دونه حتى يكون أبلغ في اللحوق، وأما إذا كان مثله فإنه يقوى رده إلى الأصل، وإذا كان أعلى منه فهو أولى أن يبقى على الأصل. فالهرة سؤرها طاهر ويستثنى مما سبق مسألة ينبغي التنبيه عليها وهي: أن تراها قد أصابت نجساً ورأيته على فمها؛ فإن سؤرها نجس إذا تغير بذلك النجس، صورة ذلك: لو رأيتها اغتذت بميتة، ورأيت فضلة اللحم الذي نهشته أو النجاسة التي أصابتها على فمها، فجاءت إلى الإناء فشربت منه وأفضلت، وقد وجدت طعم ذلك التي أكلت أو شربت منه من النجس في الماء فحينئذٍ تحكم بكونه نجساً، وهذا التنجيس لعارض لا لأصل، لكن نبه العلماء رحمة الله عليهم على هذا، ولذلك قال بعض الفقهاء -كما هو موجود عند المالكية وغيرهم-: وإن رئيت على فمه عمل عليها، (وإن رئيت) يعني: رأيت النجاسة (على فمه) يعني: فم الهر أو السبع، (عمل عليها) يعني: حكم بحكمها إن أثرت في الماء فالماء نجس، وإن لم تؤثر فالماء طهور.
حكم سباع البهائم والطيور
حكم سباع البهائم والطيور قال رحمه الله: [وسباع البهائم والطير] سباع البهائم كالأسود والنمور ونحوها وهي العادية، فالسبع العادي: هو الذي يعدو على الناس وعلى الدواب. والطيور تنقسم إلى قسمين: منها ما هو من السباع، ومنها ما هو من غير السباع، والغالب في سباع الطيور أن تكون من ذوات المخالب، ولذلك حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، وتحريم أكل كل ذي ناب من السباع يدل على نجاسته؛ لأننا نلاحظ في حديث الحمر أنها كانت جائزة وكان أكلها جائزاً فلما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور، فهي لما كان أكلها حلالاً كانت طاهرة، ولما حرِّم أكلها أصبحت نجسة، قال العلماء: وهذا دليل واضح -وهذا استنباط العلة- على أن تحريم اللحم يدل على نجاسة ذلك المحرم إلا ما استثناه الشرع. وإذا ثبت هذا: فعندنا سباع البهائم لا يجوز أكل لحمها، وإذا لم يجز أكل لحمها فإنها نجسة؛ لأن تحريم اللحم ذاته يدل على نجاسته، ومن ثم يكون سؤره وفضلته في حكم أصله المتولد منه، وهذا يقوي أنه نجس، ولذلك قالوا: إن سؤر السبع نجس، وشاهد الحس قوي، فإن السباع تغتذي بالميتات وتغتذي بالنجاسات، بل قَلَّ أن تغتذي بطاهر، ولذلك يقولون: إنه حكم بنجاستها لدلالة الشرع والطبع، فإن العادة والاستقراء تدلان على مخالطتها للأقذار والنجاسات في غالب أحوالها. وسباع الطيور: كالنسور والشواهين، وكذلك الصقور العادية والباشق، ونحوها من الطيور العادية، كلها يحكم على فضلاتها وسؤرها بالنجاسة.
حكم الحمر
حكم الحمر قال رحمه الله: [والحمار الأهلي والبغل منه نجسة]. والحمار الأهلي: الحمار ينقسم إلى قسمين: أهلي، ومتوحش، فأما الحمار الوحشي: فهو الذي يكون في البر، ويختلف، ففي بعض الأحيان يكون مختلط الألوان، وهذا يكاد يكون القول واحداً على طهارته وحل أكله، وأما بالنسبة للذي يكون له لون واحد وهو الباهت القريب إلى الأكحل فهذا مختلف فيه: فقال بعضهم: إنه يأخذ حكم الأهلي. وبعضهم يقول: يأخذ حكم البري. وبعضهم يقول: إن وجد في البر أخذ حكم البري، وإن وجد في القرى والمدن أخذ حكم الأهلي، أي: أنه ينظر إلى موضعه، فحمار الوحش جائز أكله، وهو طاهر، وأما الحمار الأهلي فكان أكله ولحمه طاهرًا في أول الأمر، ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه في عام خيبر، ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكفاء القدور، فأكفئت وهي تغلي بلحمها، وأمر بغسلها، فدل على أنه نجس، ولكن استثني من ذلك ركوبه، كأن يكون منه عرق أو نحوه، فهذا مستثنى لمكان الحرج والمشقة، ولذلك قالوا: البردع التي تكون عليه إذا أصابها عرق لا يحكم بنجاستها، وذلك لفتوى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثر عن أنس رضي الله عنه أنه لما لقيه ابن سيرين بعين التمر وهو مستقبل الشام مستدبر الكعبة ووجهه من ذا الجانب، يعني: على غير القبلة وسأله، فقال: (لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته) وكان قد صلى على حمار، فدل هذا على أن عرقه وما يخالط الإنسان عند الركوب من العرق والفضلة أنه يغتفر ويعفى عنه، هذا بالنسبة للحمار الأهلي؛ لأنه نجس، ويستثنى منه ما ذكرنا، أما الحمار المتوحش فهو طاهر ولحمه طاهر وسؤره طاهر أيضاً.
حكم البغل المتولد من الحمار والفرس
حكم البغل المتولد من الحمار والفرس يبقى النظر في شيء متولد من الحمار ومن غير الحمار وهو البغل؛ لأن الحيوانات تنقسم إلى قسمين: منها ما هو منتزع من ذكر وأنثى من جنسه، ومنها ما هو مختلط، يجتمع فيه ماء ذكر من نوع من الحيوان وأنثى من نوع آخر، وهذا الذي يحصل في البغال، فإنه ربما نزى الحمار على المهرة التي هي أنثى الفرس فأولدها بغلاً، ولذلك إذا خرج هذا البغل، فهنا يرد الإشكال: هل نعطيه حكم الأب، أم نقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر؟! قال بعض العلماء: الشرع يغلب جانب الأنثى؛ بدليل قوله: (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) وهذا باب عظيم في الطهارات وفي اللحوم؛ لأنك إذا حكمت بكونه يتبع للأنثى فتقول: الفرس يجوز أكل لحمه -عند من يقول بجواز أكل لحمه- فإن تولد البغل من الحمار الأهلي والمهرة من الأفراس فيحكم بكونه طاهراً يجوز أكله، وإن قلت: إني أغلب جانب الأب أو الذكر فتقول بحرمته، لكن الصحيح: أن هذا الباب ينظر فيه إلا أصل آخر، وهو: (أنه إذا اجتمع حاظر ومبيح قدم الحاظر على المبيح) وخاصة في باب المطعومات؛ لثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بأنه إذا كان في الطعام جانب حظر وإباحة؛ غلب جانب الحظر؛ دليل ذلك حديث عدي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (وإن وجدت مع كلبك كلاب غيرك؛ فلا تأكل) مع أنه يحتمل أن الذي صاده كلبه فيحل له أكله ويحتمل أن الذي صاده كلاب غيره فلا يحل، فقال: لا تأكل. وقال له: (إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل، وإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون إنما أمسك لنفسه) فبين النبي صلى الله عليه وسلم تردد الحظر والإباحة، فالكلب إذا أرسلته وأكل من الفريسة فيحتمل أنه أمسك لك فيحل، ويحتمل أنه أمسك لنفسه فلا يحل، فقال: (فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف -ليس بيقين- أن يكون إنما أمسك لنفسه) أخذ العلماء من هذا أصلاً عظيماً وهو: تقديم الحظر على الإباحة، واستنبطوا ذلك من قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم فانتهوا) فجعلوا مرتبة الحظر أقوى من مرتبة الإباحة؛ ولذلك القاعدة تقول: (إذا اجتمع حاظر ومبيح فإنه يقدم الحاظر على المبيح)، وهنا عندنا البغل إن قلنا: نقدم فيه جانب الحظر فإنه يحرم وهو نجس، وإن قلنا: إنه يقدم فيه جانب الإباحة؛ فيحلّ ويكون سؤره طاهراً؛ إعمالاً للأصل الذي يقتضي طهارته، والمصنف رحمه الله ألحقه بما ذكرناه. وقوله: (والبغل منه) لم يقل: (البغل) بإطلاق، ولكن قال: والبغل منه، أي: من الحمار الأهلي، فمفهوم ذلك أنه إذا كان من غيره وهو الحمار المتوحش فإنه لا يعتبر سؤره نجساً.
الأسئلة
الأسئلة
حكم مني الآدمي
حكم مني الآدمي Q هلا فصّلتم أكثر في قول المصنف: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه ومني الآدمي. طاهر)؟ A باسم الله. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: في الحقيقة أن السائل متأدب؛ لأننا نسينا الكلام على مني الآدمي، وجزاه الله خيراً. اختلف العلماء: هل مني الآدمي طاهر أو نجس؟ وذلك على ثلاثة أقوال: القول الأول يقول: إن مني الآدمي طاهر، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. والقول الثاني يقول: إن المني نجس سواءً من الرجل أو المرأة وهو مذهب المالكية. والقول الثالث يقول: إن المني نجس، ولكن خُفف في طهارته، وهو قول الحنفية، فقالوا: إن كان يابساً يحك، وإن كان مائعاً رطباً يغسل، وهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم، أصحها وأقواها: أن المني طاهر؛ وذلك لثبوت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه وإن بقع المني وأثرها في الثوب، ولذلك القول بطهارته قوي، وفيه حديث ابن عباس رضي الله عنهما وقد اختلف في رفعه ووقفه: (إنما هو بمنزلة المخاط) فنزّل النبي صلى الله عليه وسلم المني منزلة المخاط بجامع كون كل منهما فضلة عن البدن، والمخاط طاهر بالإجماع، فكذلك المني طاهر، إلحاقاً للفرع بالأصل، هذا بالنسبة لمسألة المني، ولذلك لما نزل الضيف على أم المؤمنين عائشة وأصبح وقد احتلم، وإذا به قد غسل ثوبه أنكرت عليه عائشة، وقالت: (كنت أحتّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يصلي فيه وإن أثره في ذلك الثوب). فالأقوى: أن المني طاهر، والقول بنجاسته محل نظر، ولهم أدلة تكلمنا عليها في شرح بلوغ المرام، فمن أراد التفصيل والإسهاب فليرجع إلى شرح عمدة الأحكام أو بلوغ المرام، فقد ذكرنا فيه المسألة بالأقوال والأدلة والردود والمناقشات، والصحيح كما ذكرنا: أنه طاهر، ويجزئ فيه الحك إذا كان يابساً، ولا حرج عليك أن تصلي ولو كان في الثوب، والله تعالى أعلم.
حكم الطائر الذي يصاد بالحجارة
حكم الطائر الذي يصاد بالحجارة Q هل الطائر الذي يتم اصطياده بالرمي بالحجارة حلال، وكذلك الذي يصطاد بإطلاق النار عليه ويموت دون نزول الدم منه هل يجوز أكله؟ A الذي يرمى بالحجارة، أو بما يسمى في العرف بـ (النبال)، الذي يصيب الطيور ونحوها، هذا فيه تفصيل: إذا كان الحجر قد أصاب الصيد، ولهذا الحجر سن بحيث جرحت الطير وخزقته؛ فإنه يحل أكله، وهذا نادر ويكاد يكون شبه مستحيل في الرمي، لكن في بعض الصور قد يقع. وأما إذا أصابه بالحجر ومات الصيد بضغط الحجر، سواء رماه بيده أو بالنبال أو بالمعراض؛ فإنه وقيذ، والوقيذ: هو الذي يموت بفعل الرض بالحجر أو نحوه، ولذلك لا يجوز أكله إذا كان وجده ميتاً، والدليل على اشتراط الخزق: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله عدي بن حاتم فقال: (يا رسول الله! إني أصيد بهذه البزاة وأصيد بكلبي المعلم وبكلبي غير المعلم ثم ذكر له المعراض، فقال صلى الله عليه وسلم: إن خزق فكل، وما أصاب بعرضه فلا تأكل). فالمعراض هو السهم الذي يكون بدون سن، ومعلوم أن السهام كانت توضع لها حديدة تسمى: الزج، مثلثة في رأس السهم، وهذه الحديدة المثلثة التي في رأس السهم ذكر العلماء رحمة الله عليهم الحكمة منها -كما ذكر ذلك القلقشندي في كتابه: (صبح الأعشى) والدميري في (نهاية الأرب) - يقولون: إن هذه تعين على عدم تذبذب السهم، فهذه الحديدة في العادة إذا أصابت فريسة فإنها إما أن تقتلها أو تعقرها، ولذلك إذا أصابها السهم ثم نزعته أضر ذلك بالفريسة، ففي بعض الأحيان تكون الحديدة غير موجودة، ويكون السهم غير مزجج -أي: ليس فيه الزج الذي هو من الحديد- فهذا السهم الذي يصيد يصيد بالعرض؛ لأنه إذا أصاب بالخزق يكون مثل الحديدة، فسأل أبو ثعلبة رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيده بالمعراض، لأن المعراض يأتي ويضرب الفريسة بالعرض، كأن تكون الفريسة طائراً أو نحوه فيترنح السهم فيضرب الفريسة، فمع الخوف وشدة الضربة تسقط الفريسة ميتة، فسأل عن هذا؛ لأنه ليس فيه إنهار للدم ولا خزق للفريسة، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن أصاب بعرضه؛ فلا تأكل، وإن خزق فكل) فركب الأمر على وجود الخزق، فالحجر في حكمه، إن أنهر الدم دخل في قوله: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه؛ فكل) وإن لم ينهر دماً ولم يخزق؛ فإنه لا يجوز أكله وهو الوقيذ؛ ولذلك قال الله تعالى في المحرمات: {وَالْمَوْقُوذَةُ} [المائدة:3] فالموقوذة محرمة بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، فالطيور التي تصاد بالحجارة دون أن تخزق هذه محرمة ولا يجوز أكلها، وهكذا بالنسبة للطلقات النارية، إن كانت الطلقة لم تخزق؛ فإنه لا يحل أكل الصيد، وأما إذا خزقت ودخلت فيه وأنهرت دمه؛ فإنه صيد حلال، ويجوز أكله، والله تعالى أعلم.
حكم شرب لبن الحمر الأهلية للتداوي
حكم شرب لبن الحمر الأهلية للتداوي Q هل يجوز شرب لبن الحمر الأهلية لعلاج بعض الأمراض أم لا؟ A لبن الحمار الأهلي ينفع للسعال، وهذا من غرائب الأطباء القدماء، فإن السعال يأتي في الصدر وفي الصوت فيمنع الإنسان حتى من صوته، وخاصة السعال الديكي، فنظروا إلى أقوى الحيوانات صوتاً ونفساً فوجدوا الحمار، فأدركوا أن الغالب أن لبنه تكون فيه هذه الخاصية، ولذلك يرضع صغيره كبيره كما قال تعالى: {إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]. فالمقصود: أن هذا قد نبه عليه ابن خلدون -ويقولون: إن الطب اكتشافه كان بالاستقراء والتتبع؛ لأن الله وضع الدلائل والعلامات والأمارات- فاستنبطوا من خصائص الحمار وقوة صوته أن يكون لبنه نافعاً في هذا، ولذلك يستثنون لبن الحمار إذا أعيت الحيلة- عند من يقول بجواز التداوي بالنجس عند الضرورة- ويقولون: إذا أعيت الحيلة في المريض بالصدر جاز استخدامه، وهذا يقع، خاصة في بعض الأطفال -أجارنا الله وإياكم- أن يحصل لهم هذا، وأذكر بعض القرابة أنه سقط كالميت ما وجد له علاج، حتى جاء طبيب شعبي -وهذا قبل قرابة ثلاثين سنة- وقال: لا علاج له إلا قطرات يسيرة من لبن الحمار في أنفه، وفعلاً -سبحان الله العظيم! - لما نقطت شفي بإذن الله عز وجل، وقد أشار إلى هذا بعض العلماء بقوله: وجاز الانتفاع بالأنجاس في مسائلاً نظم بعدها يفي في جلد ميتة إذا ما دبغا ولحمها للاضطرار سوغا وشحمها تدهن منه البكرة عظامها بها تصفى الفضة ولبن الأتن للسعال والجلد للرئمان فيه جالي (لبن الأتن) الأتان: هي أنثى الحمار (للسعال) أي: الديكي ونحوه، (والجلد للرئمان فيه جالي)، في بعض الأحيان تموت الناقة أو البقرة فيمتنع صبيها أو صغيرها من الأكل، فماذا يفعلون له؟ يأتون بجلد أمه ويضعون فيه العلف، فإذا شم رائحة أمه أقبل على الطعام، وهذا من غريب ما يذكرونه. فقال: (والجلد للرئمان فيه جالي)، الرئمان: صغار البقر. (جالي) يعني: واضح من الجلاء، فهذه كلها مسائل تستثنى من الأنجاس؛ لأن الجلد نجس، ولو دبغ جلد البقرة لخرج ما ينتفع به صغيرها؛ لأن الصغير يريد أن يشم رائحة أمه ودمها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب الحيض [1]
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [1] جاء الإسلام مبيناً لأحكام كثيرة مما يتعلق بالمرأة، ومن هذه الأحكام: أحكام الحيض، فقد جاء الشرع ببيانها، وذكر تفاصيلها، كبداية سن الحيض ونهايته، وأقل مدة الحيض وأكثرها، وأقل مدة الطهر وأكثره، والأشياء التي يحرم على الحائض القيام بها وغيرها من المسائل الكثيرة المتعلقة بهذا الباب.
أهمية دراسة باب الحيض
أهمية دراسة باب الحيض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المصنف رحمه الله: [باب الحيض]. الحيض باب عظيم، وتتفرع عليه مسائل عظيمة تتعلق بعبادات الناس ومعاملاتهم، ولذلك اعتنى المحدثون والفقهاء رحمة الله عليهم بهذا الباب، وما من كتاب يتكلم على أحكام الشريعة في العبادات إلا وعقد لهذا المبحث موضعاً خاصاً أورد فيه الأحاديث والأحكام الخاصة به، وهو باب عظيم، وإتقانه ليس من السهولة بمكان بل هو عسير إلا على من يسره الله عليه، ولذلك قال الإمام النووي رحمه الله: إنه من عويص المسائل ومن عويص الأبواب، يعني: من أشدها وأعظمها، ولا شك أن الذي يتقنه يسد ثغرة من ثغور الإسلام، والسبب في ذلك: أن المرأة تلتبس عليها صلاتها، وصيامها، وعمرتها، وحجها، وغير ذلك من عباداتها التي تشترط لها الطهارة، ويلتبس على الرجل حل طلاقه وكذلك إباحة إصابته لامرأته، واستمتاعه بها، وجواز تطليقه وعدم جوازه، وانقضاء العدة وعدم انقضائها، وكل هذه المسائل تتفرع على إتقان باب الحيض، ولذلك لاشك أن طالب العلم ينبغي عليه أن يعتني به، وأن يوليه من العناية والرعاية ما هو خليق به. وقد ألف العلماء رحمة الله عليهم فيه تآليف مفيدة، وجمعها الإمام الدارمي في كتاب مستقل، وجمعها الإمام النووي رحمه الله فيما لا يقل عن مائتي صفحة، وقال: إنه لم يستوعب شتاتها مع هذا كله، وكتب فيها بعض العلماء خمسمائة ورقة، أي: قرابة ألف صفحة في هذه المسائل، وهو أمر دقيق. وقد يقول قائل: كيف يكون عسيراً والأحاديث فيه قليلة، وربما أن الإنسان إذا تفرغ له وأتقن أصوله أَلَمَّ به؟ نقول: الواقع بخلاف ذلك، وأحب أن أنبه على مسألة: وهي أن الحيض حينما يبحث فإنه يبحث من وجهين: الوجه الأول: أصول باب الحيض. والوجه الثاني: الفروع المتعلقة بهذه الأصول فأما الأصول فهي منحصرة ومحدودة، ويمكن للإنسان أن يضبط أحاديثها ولا إشكال فيها، ولكن الإشكال في الفروع، وقد يقول قائل: من أين جاءتنا هذه الفروع التي عُقِّد بها باب الحيض أو وُسّع فيه؟ A أنه ينبغي على طالب العلم أن يتنبه إلى أن الحوادث والنوازل والفروع لا تتقيد، ولذلك قد تكون المسائل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة منحصرة، ثم إذا جاءت من بعد ذلك القرون تعددت المسائل؛ لأن مسائل الحيض في القديم -على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة إلى قرابة عصور الخلفاء الراشدين- تجدها على بيئة واحدة، وهي بيئة الجزيرة، فتجدها منحصرة، لكن لما اختلفت البيئات وفتحت الفتوح ووجدت الأجناس، أصبحت مسائل الحيض واسعة، حتى إن بعض أئمة الحديث يقول: في الحيض ما يقرب من مائة حديث، ولهذه الأحاديث ما يقرب من مائة وخمسين طريقاً، وقد جمَعتُ فيها ما لا يقل عن خمسمائة ورقة، ولذلك قال الإمام ابن العربي المالكي رحمة الله عليه: وهي مسائل تأكل الكبد، وتنهض الكتد، ولا يتقنها منكم أحد، فباب الحيض باب عظيم، يقول الإمام أحمد رحمة الله عليه عن هذا الباب: إنه جلس فيه تسع سنوات حتى فهمه.
التحذير من الاستهزاء بالعلماء لاهتمامهم بباب الحيض
التحذير من الاستهزاء بالعلماء لاهتمامهم بباب الحيض وللأسف نجد من يُثَرّب على العلماء ويقول: إنهم علماء الحيض والنفاس، ووالله الذي لا إله إلا هو، لو أمست امرأته حائضاً وهو لا يعرف أحكام الحيض والنفاس لما أحسن جوابها، ولعرف قدر علماء الحيض والنفاس، ولذلك لا يجوز لأحد أن يستخفّ بهذا الباب، والاستخفاف به يدل على هوى صاحبه. فلو أن إنساناً استخف بالعلماء وقال: علماء الحيض والنفاس! فقد يخشى عليه الكفر؛ لأنه يستهزئ بعلماء الدين، وهذه كلمة كما قال تعالى: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [النور:15]، ولذلك ما جاء الأمة البلاء إلا من الغلو، فتجد العابد الصائم القائم يحتقر طلاب العلم ويحس أن الدين هو الصيام والقيام، وتجد طالب العلم يحتقر العابد ويقول: هذا جالس يصلي ويصوم ويحتقر عبادته؛ وذلك لأن طالب العلم يغلو في طلب العلم، والعابد يغلو في العبادة، وهذا لا يجوز؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أهلك من كان قبلكم الغلو) فلا يجوز الغلو في الدين. والإنسان إذا أراد أن يمسك باباً فلا يحتقر غيره، فكلٌ على ثغرة، والله يقول: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148] فأنبه على هذا؛ لأنها مسألة عارضة، وهي خطيرة جداً أن يستهزأ بالعلماء، ومسألة الاستهزاء بالفقهاء -أي: الاستخفاف بالفقه- وذكر مسائل الحيض والنفاس قديمة وليست وليدة اليوم، ولكن ينبغي على طلاب العلم أن يتنبهوا لهذه الآفة من آفات اللسان، نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الهوى والردى، والمقصود: أن هذا الباب باب عظيم وينبغي على طالب العلم أن ينتبه له.
حالات المرأة في الحيض
حالات المرأة في الحيض الإشكال في هذا الباب أن المرأة لا تخلو من أن تكون مبتدأة، أو معتادة، أو مميزة، أو متحيرة. أربع حالات: إما أن تكون مبتدأة: والمبتدأة هي التي ابتدأها الحيض، أي: جاءها لأول مرة. وإما أن تكون معتادة: وهي التي عاودها الحيض ثلاث مرات فأكثر على وتيرة واحدة. أو تكون مميزة: وهي المرأة التي تعرف دم الحيض، وتميزه بلونه، ورائحته، وغلظه، ورقته، والألم وعدمه. أو تكون متحيرة، والمتحيرة والمحيرة قالوا: متحيرة: في نفسها لا تستطيع أن تميز، ومحيرة: لأنها حيرت العلماء؛ لأن مسائلها تتداخل، فتارة ينظر إلى التمييز، وقد لا تستطيع أن تميز، وتارة ينظر إلى الأمد والزمان فتردها إلى أقل الحيض، وتارة ترد إلى أكثر الحيض، فاحتار العلماء فيها. فأكثر مسائل الحيض وإشكالاته في المميزة والمتحيرة، وأعقدها في المتحيرة، وقد تكون هناك مسائل متداخلة في الحيض، كأن يدخل الحيض على النفاس، فتكون المرأة نفساء ثم لا تشعر إلا وقد طهرت، فتطهر يوماً كاملاً وترى النقاء، ثم يدخل الحيض على النفاس. المقصود: أن باب الحيض باب دقيق، وهذه الفروع ينبغي أن لا تحتقر، بمعنى: إذا مرت علينا مسائل أو فروع للعلماء فينبغي على طالب العلم أن ينتبه لها، وكان بعض طلاب العلم إبان الطلب يستخفون بهذه المسائل ويقولون: هذه التفريعات ما أنزل الله بها من سلطان، والواقع أننا لما قرأناها وجدناها من ألذ ما يكون في دراستها وضبطها وينفع الله بك المسلمين خيراً كثيراً، فكم من إشكالات وعويص مسائل تزال بإتقان هذا الباب، وهي بسيطة -إن شاء الله- إذا يسر الله على طالب العلم بحيث يعرف أصول كل نوع من النساء وضابطه، أي: يعرف أصل كل حكم يريد أن يقرره، فيستطيع أن يعرف ما تفرع عنه. ويحتاج كتاب الحيض إلى إلمام وإتقان، ولا تزال الأمة بحاجة إلى الإتقان من طلاب العلم، بل إن الإمام النووي في القرن السابع يقول: وقد غلط فيه العلماء. وهذا في القرن السابع، واليوم قلَّ -إلا من رحم الله- من يتقن مسائل الحيض، فقد تجد الواحد يقول: الأمر يسير! ويقفل الباب من بدايته، وقد يرد المرأة إلى عادة أمثالها أو أضرابها، ويقول: تنظر عادة أمها أو أختها وتعمل على ذلك وينتهي الإشكال، لكن لا يستطيع أن يعطيك أصلاً أو حجة تدل على أنه قد فهم هذا الباب وأَلَمّ بأصوله، ولذلك ينبغي على طلاب العلم أن ينتبهوا، وأنبه هنا على أنه لو ترجح عندنا -مثلاً- أن المرأة تبني على الغالب فنقول لها: تحيّضي خمساً أو ستاً أو سبعاً في علم الله عز وجل وينتهي الإشكال، فهذا راجح بالنسبة لظننا، والحديث في هذا حسن ولا يقتضي أن غيره مرجوح من كل وجه، وأنه هو الحق الذي لا مرية فيه، فقد تكون التفريعات التي ذكرها العلماء فيها الصواب وفيها ما يوافق الحق في بعض الصور وهي خارجة عن هذا الحديث، فلذلك نقول: ينبغي على طالب العلم أن يتقن هذا الباب ويلمّ به ويوليه من العناية ما هو خليق به. والكتاب الذي معنا مباحث الحيض فيه مختصرة، ولكن لا شك أن فيها إلماماً بأصول جيدة في باب الحيض، وقد ننبه على بعض الفروع، ونسأل الله عز وجل التوفيق والرعاية.
تعريف الحيض لغة وأحكامه
تعريف الحيض لغة وأحكامه الحيض في اللغة: السيلان. يقال: حاض الوادي إذا سال ماؤه، وحاضت السمرة -وهي نوع من الشجر- إذا سال منها سائل كالصمغ، فيقولون لها: حاضت. ويقال: المرأة حائض وحائضة، ونُوزع في الثاني؛ لأن الذي لا يشترك فيه الذكر والأنثى لا يؤنث. قالوا: فيقال: امرأة حائض، كما يقال: امرأة طالق؛ لأن الرجل لا يَطْلُق، وكذلك الرجل لا يحيض، ولا يقال: امرأة طالقة أو حاملة؛ لأن هذا مما يختص به الإناث فلا حاجة للتأنيث؛ لأن الأصل في التأنيث أن يكون فيما يفصل فيه بين الذكر والأنثى مما يدخله الاشتراك. وأما بالنسبة للاصطلاح فاختلفت تعاريف العلماء للحيض اصطلاحاً، لكن عند النظر فيها تستطيع أن تستجمع منها قولهم: دم يرخيه رحم المرأة عادة، وبعضهم يقول: دم يرخيه رحم المرأة لغير مرض أو ولادة. فقولهم: (يرخيه) أي: يسيل منه، وقولهم: (رحم المرأة) قال بعضهم: فرج المرأة، ولكن التعبير بالرحم أدق. وقولهم: (رحم المرأة) وخرج من هذا الرجل، وقولهم: (رحم المرأة) على التغليب، ولذلك يقولون: يشترط فيه ألا يكون لمرض أو لولادة، فإن كان لمرض: فهو استحاضة، وإن كان لولادة: فهو نفاس. فإذا كان لمرض فهو استحاضة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما ذلك عرق)؛ وسميت الاستحاضة استحاضة؛ لأن الأصل الحيض، فإذا استمر الدم معها فوق أمد الحيض قالوا: استحاضة، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي: زاد عن قدره المألوف المعروف. وأما قولهم: (لغير ولادة) فهو إخراج لدم النفاس. وبعض العلماء يقول: دم جبلة وطبيعة يرخيه رحم المرأة لغير ولادة، وهذا أيضاً تعبير دقيق. فقولهم: (دم طبيعة وجِبِلة) يُخْرج دم الاستحاضة؛ لأنه لغير طبيعة وهو عارض. وقولهم: (لغير ولادة) يُخْرج دم النفاس والمعنى كله متقارب. أما بالنسبة للحيض فذكره المصنف رحمه الله في هذا الموضع لتعلقه بمباحث الطهارة؛ حيث يحكم بكون المرأة طاهراً، وبكونها يحل وطؤها ويحل طلاقها كما سيأتي -إن شاء الله- في الفروع المتعلقة بالحيض. وأما بالنسبة لمناسبة ذكره بعد إزالة النجاسة: فدم الحيض دم نجس بالإجماع، وهو نوع من أنواع النجاسات، ويُحَبّب لطالب العلم -لو أمكنه- أن يقرأ بعض كلام الأطباء في هذا الدم الذي يرخيه الرحم، وينظر إلى بديع صنع الله عز وجل وعظيم حكمته، وجليل علمه سبحانه وتعالى، فلو قرأت عن الحِكَم التي توجد في هذا الدم. في كيفية خروجه، وكيفية إرخاء الرحم له، وكيف يتهيأ ذلك الرحم لإخراجه وإفرازه، ثم كيف ينقبض بإذن الله عز وجل عند الخروج؛ لأن هذا الدم يتهيأ الرحم بعده للحمل، وتفرز الهرمونات التي تعين على الحمل، حتى إذا شعر المبيض أنه ليست هناك ولادة امتنع من إفراز هرمون الحمل، فأخذت الأوعية تتقلص، ثم أخذت تفرز ذلك الدم، فإذا به يتجلط في ذلك الموضع، ثم يرسل الله عز وجل له كالخميرة تفكك هذا التجلط، فلو مكث سنوات فإنه لا يتجلط في ذلك المكان -سبحان الله! - وهذا من عظمة الله جل جلاله. ويوجد كلام جيد في الموسوعة الطبية التي ألفها مجموعة من الأطباء، وأيضاً للدكتور محمد بن علي البار كلام طيب في دورة الأرحام، وينبغي على طالب العلم أن يُّلم بهذه الأشياء، وبعضها قد تنبني عليه أحكام فقهية، وأرى أن طالب العلم ينبغي أن يجمع بين الفقه وفهم بعض الحِكَم والأسرار حتى يكون الفقه معيناً له على العبادة، ولذلك أخبر الله عز وجل أنه لا أحسن منه حُكماً لقوم يوقنون، أي: عندهم اليقين وعندهم الإيمان؛ لأن الإنسان إذا تأمل الأحكام الشرعية ونظر فيها أدرك عظمة الله جل جلاله وحكمته، ولو جاء بعكسها لعلم عظمة هذا الحُكم، وأنه ليس أسلم منه ولا أحسن منه ولا أكمل، وكذلك عندما تقرأ بعض الحِكم الموجودة في خلق دم الحيض وتكوينه، وكيف يخرج، وصفة خروجه، ربما أنك تستعين بها في بعض المواضع للتدليل على عظمة الله وعلى قدرته سبحانه وتعالى. فالفقيه ينبغي أن يجمع بين مادة الفقه والحِكم والمعاني المستفادة من الفقه، ففي هذين الموضعين -في الموسوعة الطبية ودورة الأرحام- كلام جيد حبذا لطالب العلم أن يقرأه ويلمّ به، ويقولون: إن السائل الذي يفرز مع دم الحيض يقتل الجراثيم، أي: فيه من القوة على قتل الجراثيم والمكروبات الشيء العجيب، ولو نظر الإنسان إلى أن الله عز وجل لو ترك هذا الموضع دون وجود مثل هذا الشيء لربما أصيبت المرأة بكثير من الأمراض، بل إن الرجل بحكم ما يحصل من الاتصال بينهما ربما يصاب بهذه الأمراض، فالحمد لله على لطفه ورحمته بالعباد. وهذا الباب كما قلنا باب من أبواب الطهارة، ووردت نصوص في الكتاب ونصوص في السُّنة تبين بعض مسائله والأحكام المتعلقة به، ولذلك سنبين بعضها -إن شاء الله- عند ذكر العبارات التي يذكرها المصنف، وقد نتوسع في هذه العبارات، فيحبذ لطالب العلم أن يلم بالأصل الذي نذكره، والفروع التي تنبني على ذلك الأصل.
أسماء الحيض
أسماء الحيض الحيض له أسماء ومنها: النفاس، والإكبار، والإعصار، والطمث، والضحك، فكل هذه أسماء للحيض. فالحيض: اسمه في الكتاب والسُّنة، والنفاس: جاء فيه حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في حجة الوداع لما حاضت: (مالك أنفست؟ ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم) (أنفست؟) أي: أصابك الدم، فسمى الحيض نفاساً، ويسمى أيضاً الحيض بالضحك؛ ومنه قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود:71] فقول طائفة من المفسرين أن قوله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ} [هود:71] أي: أصابها الحيض حتى تتأهل به للحمل، وإن كان بعض العلماء ينازع في هذا الإطلاق، ولكن في لغة العرب يوجد هذا المعنى وفيها ما يدل عليه.
بداية زمن الحيض
بداية زمن الحيض قال رحمه الله: [لا حيض قبل تسع سنين ولا بعد خمسين]: يقول المصنف رحمه الله: (لا حيض قبل تسع سنين) أي: لا حيض للمرأة إذا كان عمرها دون تسع سنين، وهذه المسألة تُعرف عند العلماء ببداية زمن الحيض، ونظيرها: نهاية زمن الحيض. والعلماء يبحثون مسألة بداية الحيض ونهاية الحيض؛ لأن المرأة ربما يصيبها الدم وهي بنت ثمان سنوات -فرضاً- فهل نحكم بكونها حائضاً، أو نقول: إن الدم دم استحاضة؟ فإن جعلت للحيض زماناً يُبتدأ فيه الحكم بكون المرأة حائضاً فتقول: ما قبله استحاضة، وأي دم يصيب المرأة قبل هذا الأمد تحكم بكونه استحاضة، ولا تحكم بكونه حيضاً، فلو أن المرأة أصابها الدم وهي بنت ثمان سنوات ثم سألت، فإن قلت: الحيض يأتي قبل التاسعة وكان على أمد الحيض وجاوز إلى أمد الحيض فتقول: إنها بالغة وحكمها حكم الحائض. أما لو قلت: التسع سنوات أمد؛ فإنك تحكم بكونها مستحاضة ولم تبلغ بعد، وهي في حكم الطفلة، والدم الذي معها دم عارض وليس بدم طبيعة ولا جبلة. ومسألة أقل زمان الحيض فيها أقوال: قال بعض العلماء: أقله تسع سنوات، ويكاد يكون هذا القول للجمهور. والقول الثاني: أن أقل زمن تحيض فيه المرأة ست سنوات. والقول الثالث: أنه اثنتا عشرة سنة، هذه ثلاثة أقوال. القول الرابع: أنه سبع سنوات. فالقول الست هو لبعض فقهاء الحنفية، والسبع أيضاً مثلها، والاثنا عشر لبعض فقهاء الشافعية، ولكن الجمهور على التسع وهو الصحيح والأقوى، والسبب في صحته وقوته: أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة وهي بنت ست سنوات، ونكحها ودخل بها وهي بنت تسع سنوات، فدل على أن التاسعة تتأهل بها المرأة للحيض، وأيضاً دلالة العرف، ولذلك قالوا: قلّ أن تحيض المرأة قبل التسع، وأُثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إذا بلغت الجارية تسع سنوات فهي امرأة)، أي: أنها بالتسع السنوات تتهيأ لكونها امرأة، وأعجل النساء حيضاً اللاتي يكن في المناطق الحارة، ولذلك قال الإمام الشافعي: أعجل من رأيت من النساء في الحيض نساء تهامة، وجدت جدة ابنة تسع عشرة سنة. أي: تزوجت وهي بنت تسع سنوات، فأنجبت حملها وهي بنت عشر، ثم هذه البنت في التسع سنوات أيضاً تزوجت مثل أمها، وأنجبت وهي على آخر التسع، فتكون أمها على أواخر التسع عشرة سنة، ولذلك يقولون: هذا من أغرب ما يكون في النساء، فالتسع تكاد تكون هي الغالب، والقاعدة: أن النادر لا حكم له، وأن الحكم للغالب، هذا بالنسبة لأقل زمان يمكن للمرأة أن تحيض فيه.
نهاية الحيض
نهاية الحيض وأما بالنسبة لأكثره: فقال الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق:4]، وهو نهاية الحيض، ولذلك قال العلماء: (آخر سنّ ينقطع فيه دم الحيض هو خمسون عاماً) على ما ذكر المصنف، وقال بعض أهل العلم: ستون، وقال بعضهم -وهو القول الثالث والأقوى والأقرب للصواب إن شاء الله- أن هذا يختلف باختلاف البيئات والنساء، وطبيعة الأرض التي فيها المرأة، فالبلاد الحارّة تختلف عن البلاد الباردة في طبائع النساء، ولذلك يرد إلى العرف، ويضبط بضابطه. فإذا تقرر أن آخر أو أكثر الحيض أو نهاية سن الحيض هي الخمسون -بناءً على ما ذكر المصنف- فينبني على هذا أن المرأة لو بلغت الخمسين ودخلت -مثلاً- في إحدى وخمسين ورئي معها الدم فيعتبر استحاضة، ولا يعطى حكم دم الحيض، وينبني عليه أيضاً أنها تعتد بالأشهر ولا تعتد بالحيض؛ لأن الدم الذي معها أُلغي، فهذه فائدة معرفة آخر زمن للحيض، فإنك إذا أثبت أنه يتأقّت، فببلوغ المرأة لهذا الأمد المؤقت يحكم بكونها منقطعة من الحيض آيسة منه فتعتد بالأشهر.
اختلاف العلماء في اجتماع الحيض والحمل
اختلاف العلماء في اجتماع الحيض والحمل قال رحمه الله: [ولا مع حمل]. لأن الله جعل عدة الحوامل إلقاء الحمل، فإذا ولدت خرجت من عدتها: {وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4]، فلو كانت الحامل تحيض لجعل عدتها بالأقراء إعمالاً للأصل، ولذلك قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: كان الحمل يعرف بانقطاع الدم. أي: أن الحمل من طبيعته ومن شأنه أنه يعرف بانقطاع دم الحيض، فدلّ على أنه لا يجتمع الحيض والحمل، وقال طائفة من العلماء: إنه يجتمع الحيض والحمل، وهو مذهب بعض أهل العلم، منهم المالكية، وعندهم تفصيل في ضوابط الحيض في الحمل، لكن الذي يقويه الطب: أن الحامل لا تحيض. فائدة الخلاف: أنه لو حملت المرأة وجرى معها دم، فإن قلنا: إن الحامل تحيض وجاء في أمد الحيض حكم بكونه دم حيض، ومنعت من الصلاة والصيام، وإن قلنا: إن الحامل لا تحيض، ففي هذه الحالة يحكم بكونه دم فساد وعلة على الصحيح الذي ذكرناه.
أقل مدة الحيض
أقل مدة الحيض قال المصنف رحمه الله: [وأقلّه يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوماً]. بعد أن بين لك -رحمه الله- من هي المرأة التي تحيض -وهذا تسلسل في الأفكار- وبين لك أن أقل سن تحيض فيه تسع سنوات، وأن أقصى أمد الحيض هو الخمسون، وأن هذا الحيض شرطه أو محله أن لا تكون المرأة حاملاً، إذا ثبت هذا وعرفت من هي المرأة التي تحيض، يرد السؤال الآتي: ما هو أقل أمد للحيض؟ وما هو أكثره؟ لأنك إذا عرفت المحل الذي هو للحيض، يرد السؤال عن نفس الحيض، فتتدرج في الأفكار: فتعرف أول شيء من هي المرأة التي يمكن أن يحكم بكونها من أهل الحيض، والتي يمكن أن يحكم بأنها ليست من أهل الحيض، فإذا عرفت المرأة التي هي من أهل الحيض يرد Q ما هي الضوابط المعتبرة لهذا الدم؟ ومتى نحكم بكونه دم حيض؟ وما هو أقل أمده، وما هو أكثره؟ فقال رحمه الله: (وأقله) أي: أقل الحيض (يوم وليلة) هذه المسألة للعلماء فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: قال بعض العلماء: لا حد لأقل الحيض، كما هو مذهب المالكية واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع. القول الثاني: أن أقله يوم وليلة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، كما درج عليه المصنف رحمة الله على الجميع. القول الثالث: أن أقله ثلاثة أيام، وهو مذهب الحنفية. هذه ثلاثة أقوال، والأقوى والأصح: أن أنه لا حدّ لأقله. فائدة هذا الخلاف كالآتي: الذي يقول: إنه لا حد لأقل الحيض يقول: إذا رأت المرأة دم الحيض في زمان الحيض وإمكانه، واستمر ولو ساعة من نهار فإنه يحكم بكونها حائضاً، والذي يقول: إن أقله يوم وليلة، يقول: إن جرى الدم من المرأة واستمر يوماً كاملاً -أربعاً وعشرين ساعة- فهو دم حيض، وإن استمر ثلاثاً وعشرين ساعة، ولم يتم الأربع والعشرين فهو دم استحاضة، لا يمنع صوماً ولا صلاةً. ومن قال: وأن أقله ثلاثة أيام فكاليوم والليلة. فإذاً: عندنا ثلاثة أقوال؛ قول يقول: الحيض لا أقل له، حتى إنه بالإمكان أن يحكم بكونها حائضاً ولو للحظة من نهار، ولو بدفعة واحدة، ويسمونها: دفعة الدم، فإذا دفعت دفعة واحدة من الدم في وقتها أو في ما يعتبر إمكاناً للحيض فيقولون: هذا حيض. أما أصحاب القول الثاني فيقولون: العبرة باليوم والليلة، فلو أنها دفعت دماً لأقل من يوم وليلة فهو دم استحاضة وليس بدم حيض، فلا يمنع صوماً ولا صلاة، ولا يأخذ حكم دم الحيض. والذين يقولون بالثلاثة الأيام، يقولون: إن قل عن الثلاثة الأيام ولو ساعة واحدة؛ فهو دم استحاضة وليس بحيض. وأصح هذه الأقوال -والعلم عند الله-: أن أقله لا حدّ له؛ وذلك لأنه لم يثبت دليل صحيح باعتبار التحديد، ولاشك أن البلاد مختلفة والبيئات مختلفة؛ ولذلك ما دام أن الزمان زمان حيض، فالأصل في هذا الدم -ما دام أنه يمكن أن يكون دم حيض- أنه دم حيض، وليس في الشرع دليل يدل على إلغائه، فنبقى على الأصل الموجب لاعتبار هذا الدم ما دام أنه في زمنه. هذا بالنسبة لأقل الحيض.
أكثر مدة الحيض
أكثر مدة الحيض قوله: (وأكثره خمسة عشر يوماً). إذا عرفنا من هي المرأة التي تحيض، وعرفنا ما هو أقل الدم الذي يمكن أن نحكم بكونه حيضاً، وأنّ الصحيح أنه لا حدّ له؛ يرد Q فيقول لك قائل: هب أن هذه المرأة عمرها تسع سنوات، وجرى معها الدم، سواءً قلنا بمذهب من يقول: إن جرى معها الدم ولو دفعة فهو حيض، أو قلنا بمذهب من يقول: أقله يوم وليلة؛ فهو دم حيض على الأقوال كلها إذا استمر أكثر من ثلاثة أيام، فهل إذا استمر هذا الدم حتى بلغ أياماً، هل نقول: إنها تبقى حائضاً ما جرى معها دم الحيض، أم أن دم الحيض مؤقّت؟ A أن دم الحيض بالإجماع مؤّقت؛ بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضها)، وأخبر الله عز وجل في كتابه عن دم الحيض أنه منقطع: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]، فأخبر أن للحيض غاية، فإذا ثبت أن للحيض نهاية وغاية، فيرد السؤال: ما هي هذه الغاية التي إذا بلغها الدم وجاوزها حكمنا بكونها مستحاضة؟ وما هي هذه الغاية التي يمكن -في حالة ما لو استمر الدم وانقطع لأقلها وعاودها- أن نثبت لها بها العادة؟ هذا سؤال وارد، ولذلك هذه المسألة تعرف بضدّ المسألة الأولى، المسألة الأولى: أقل الحيض، وهذه المسألة: أكثر الحيض. ما هو أكثر الحيض؟ فالمرأة قد يجري منها دم الحيض ويستمر، وتكون أحياناً مبتدأة صغيرة يجري منها دم الحيض لأول مرة، فتفاجأ، ففوجئت بدم الحيض وقد استمر معها عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً أو شهراً، فلا بد أن تحدد ما هي الحيض، وما هو الاستحاضة، وقد يستمر عشرة أيام، أو ثمانية أيام، أو تسعة أيام، وهكذا فإذًا: تحتاج إلى تأقيت أكثر الحيض، فقال لك: (خمسة عشر يوماً) وهذا على قول الجمهور، وفيه حديث: (تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلّي)، ولكنه متكلّم في سنده، لكن العمل عليه عند أهل العلم رحمة الله عليهم. وهذا أكثر الحيض. وفائدة معرفة أكثر الحيض: أنه إذا نزف معها الدم واستمر وجاوز أكثر الحيض، علمت أنها مستحاضة.
أغلب عادة النساء في الحيض
أغلب عادة النساء في الحيض قال المصنف رحمه الله: [وغالبه ست أو سبع]. النساء إذا حضن لا بد أن تعرف القليل والكثير، وبيناه. لكن يرد Q نحن علمنا أن أقل الحيض لا حد له، وأن أكثره خمسة عشر يوماً، فما هو غالب النساء؟ فقال: (غالبه ست أو سبع)، والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الحسن: (تحيّضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، أي: أن الغالب في النساء أن يستمر دم الحيض وتكون عادتها إما ستة أيام أو سبعة أيام، وللعلماء في قوله: (تحيّضي في علم الله ستّاً أو سبعاً) وجهان: قيل: التخيير؛ يعني: إن شئت أضفت اليوم السابع وإن شئت ألغيتيه. وقيل -وهو الصحيح والأقوى-: إنه للجمع أي: (ستاً وسبعاً)؛ لأن (أو) تطلق في لغة العرب بمعنى الجمع، ومنه قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147] أي: ويزيدون؛ لأن الله لا يشك، وكقوله تعالى: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:9] أي: وأدنى؛ لأن الله لا يشك. وفي لغة العرب: كانوا ثمانين أو زادوا ثمانية؛ أي: كانوا ثمانين وزادوا ثمانية. فالمقصود أن قوله: (أو سبعاً) المراد به: الجمع. فغالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام، ولكنه قد يختل هذا الغالب، فتكون المرأة عادتها خمسة أيام، وقد يختل بما هو أكثر وتكون عادتها تسعة أيام أو عشرة أيام، هذا بالنسبة لغالب الحيض.
أقل الطهر بين حيضتين
أقل الطهر بين حيضتين قال المصنف رحمه الله: [وأقلّ طهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً]. عندنا شيئان: شيء يسمى: الحيض، وشيء يسمى: استحاضة، وهناك شيء يسمى: الطهر، والطهر هو: النقاء، وأصل الطهر: النظافة؛ طهر الشيء إذا نظف، فمن حكمة الله جل وعلا في خلقه أن المرأة يجري معها دم الحيض، وينقطع عند أمد معيّن، وهذا في الغالب، فإذا انقطع تكون هناك علامتان على الانقطاع: العلامة الأولى: القَصّة البيضاء، وهي ماء كالجير يخرج من الموضع، ويعرفه النساء. وهذه القَصّة البيضاء، هي التي عنتها أم المؤمنين رضي الله عنها بقولها كما في صحيح البخاري: (انتظرن، لا تعجلِنّ حتى ترين القصة البيضاء). العلامة الثانية: الجفوف، والجفوف: أن تضع المرأة القطن في الموضع فيخرج نقياً لا دم فيه، أي: يجف الموضع، وهذه مختلف فيها: هل هي علامة طهر، أو لا؟ فمن حكمة الله جل وعلا أن المرأة يجري معها الدم، ثم ينقطع بعلامة تدل على الطهر، فتبقى طاهراً أمداً، وهذا الأمد يقل ويكثر، ولذلك يحتاج العالم والفقيه وطالب العلم أن يعرف ما هو أقل هذا الطهر بين الحيضة والحيضة؛ لأن المرأة إذا انتهت حيضتها الأولى دخلت في الطهر، ثم أتبعت الطهر بحيضة ثانية، فما بين الحيضتين يسمى: طهراً ونقاءً، وهذا الطهر والنقاء مهم جداً لمعرفة بعض الأحكام الشرعية، خاصة في المرأة المتحيرة، أي: التي ليست عندها عادة، ولا تستطيع أن تميز حينما يجري معها الدم دائماً؛ فحينئذٍ: عندما تعرف أكثر الحيض، وأقل الطهر بين الحيضتين، تحكم بأقل الحيض وأقل الطهر، وتحكم بدخولها في الحيضة الثانية بعد مجاوزة أقل الطهر. توضيح ذلك: مثلاً: لو قلنا بقول المصنف: إن أقل الحيض يوم وليلة، فلو أن امرأة استمر معها دم الحيض يوماً وليلةً، واستمر معها وجاوز أكثر الحيض، فبمجاوزة الدم لأكثر الحيض -وهي لم يأتها الحيض قبل وليست عندها عادة- يحصل الإشكال خاصة في المبتدأة والمتحيرة، فالمرأة التي ابتدأها الحيض -كالصغيرة التي يأتيها الحيض لأول مرة- نحكم بكون اليوم والليلة حيض -على قول المصنف ومن وافقه من الشافعية- فإذا جاوزت أكثر الحيض حُكم برجوعها إلى أقل الحيض، وتقول: هذه المرأة لما جاوزت أكثر الحيض تعتبر مستحاضة، إلا في اليقين الذي هو اليوم والليلة، فأعتبرها حائضاً يوماً وليلة، وما بعد اليوم والليلة تعتبر مستحاضة، فتصوم وتصلي، وتقضي صلواتها وصيامها، ثم إذا استمر الدم بها ستسأل وتقول: عرفت أن اليوم والليلة من الشهر الفلاني عليَّ فيه قضاء الصوم، لكن الدم استمر معي، فهل أبقى مستحاضة إلى الأبد، أم أني سأدخل في حيضة ثانية؟ ف A أنها -طبعاً- ستدخل في حيضة ثانية، فكيف تحكم بدخولها في الحيضة الثانية؟ تنظر إلى أقلّ الطهر الذي ذكرناه، الذي هو -مثلاً- ثلاثة عشر يوماً أو خمسة عشر يوماً على القول الثاني، فتضيف الثلاثة عشر يوماً إلى اليوم والليلة، فيكون اليوم الرابع عشر هو يوم دخولها في الحيضة الثانية حكماً، هذا إذا لم تكن لها عادة ولم يكن لها تمييز. إذًا: معرفة أقل الطهر يستعان به في معرفة دخولها في الحيضة الثانية إذا اختلط عليها الأمر، كأن تكون متحيرة أو تكون مبتدأة لا عادة لها ولا تمييز. هذا بالنسبة لمسألة أقلّ الطهر. إذًا: عندنا أقل الحيض، وأكثر الحيض، فأقل الحيض نستفيد منه في الحكم بكون المرأة حائضاً أو ليست بحائض، فمن يؤقت يقول: ما دونه ليس بحيض، وما كان مثله وزاد فهو حيض، وأكثر الحيض قلنا: نستفيد منه في أنه إذا جاوزه الدم حكمنا بكونه استحاضة، ثم يبقى النظر: هل تردها إلى اليقين من أنها حائض يوماً وليلة عند من يقول بالتأقيت، أو تردها إلى أكثر الحيض أو إلى غالب الحيض؟ كلها أوجه للعلماء سنبينها إن شاء الله.
أكثر مدة للحيض
أكثر مدة للحيض قال المصنف رحمه الله: [ولا حدّ لأكثره]. عرفنا أن أقل الحيض لا حد له، وأن أكثره خمسة عشر يوماً، وأن أقل الطهر ثلاثة عشر يوماً. فيرد Q ما هو الحد الأكثر للطهر؟ قال: لا حد لأكثره. فالمرأة بالإمكان أنها تحيض ثم تطهر وتبقى طاهراً شهوراً، وقد تبقى طاهرا أمداً بعيداً؛ فلا حد لأكثر الطهر. فلو سئلت: ما الفرق بين الطهر والحيض بالنسبة للتقدير؟ تقول: إن الحيض لا حد لأقله، وله حد لأكثره على الصحيح، والطهر لا حد لأكثره وله حد لأقله، فهو عكس للحيض تماماً.
ما يحرم على الحائض
ما يحرم على الحائض قال المصنف رحمه الله: [وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة]. بعد أن بيَّن مقدمات كتاب الحيض، شرع رحمه الله في بيان مسألة مهمة وهي: الأشياء التي يمنع منها الحيض، والحيض يمنع عشرة أمور، ذكر المصنف رحمه الله أشهرها وأهمها.
منع الحائض من الصوم والصلاة
منع الحائض من الصوم والصلاة فقال رحمه الله: (وتقضي الصوم لا الصلاة) أي: هذه المرأة التي أصابها الحيض يحكم بمنعها من الصيام ومن الصلاة، فإذا انتهى الحيض وجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة. أما الدليل على هذا الحكم: فحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، والذي روته عمرة بنت عبد الرحمن أنها سألت أم المؤمنين: (ما بال الحائض -ما بال، أي: ما الشأن والحال- تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟) عمرة رحمها الله فقيهة من فقهاء التابعين رحمة الله عليهم أجمعين، فهذه الفقيهة الفاضلة سألت أم المؤمنين لماذا أمر الشرع المرأة الحائض أن تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ لماذا سألت؟ A لأن الصلاة في حكم الشرع أهم من الصوم، فالصلاة عماد الدين، وهي الركن الذي يلي الشهادتين. (فقالت لها أم المؤمنين: أحرورية أنتِ؟) أي: هل أنت من الخوارج الذين يكثرون التشدق في الدين والتنطع فيه؟ وحرورية: نسبة إلى حروراء؛ وهو موضع كان فيه الخوارج. (فقالت: لا، بل سائلة) أي: أستشكل فأسأل. فقالت رضي الله عنها: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، فدل على أن الحائض لا تصوم ولا تصلي، وأنه يلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلاة. قال المصنف رحمه الله: [ولا يصحّان منها، بل يحرمان]. فلو أن امرأة علمت أنها حائض وصامت، فلا يصح صيامها، فإذا علمت بالتحريم وصامت فهي آثمة شرعاً، لكن لو كانت لا تدري أن هذا الدم دم حيض وكانت تظنه دم استحاضة، وصامت أو صلت ظانة أنها طاهر، ثم تبين أن هذا الدم دم حيض؛ فإنه لا إثم عليها ولا يحكم بصحة صومها ولا بصحة صلاتها، وهي غير مطالبة بالصلاة.
المنع من وطء الحائض في الفرج
المنع من وطء الحائض في الفرج قال المصنف رحمه الله: [ويحرم وطؤها في الفرج]. أي: يحرم على الرجل أن يجامع امرأته الحائض في فرجها، والدليل على ذلك: ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وقد نص الله عز وجل في التنزيل على تحريم وطء الحائض في قوله سبحانه وتعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222]، وقوله: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] والمحيض: اسم مكان كالمقيل، أي: مكان الحيض، وفائدة هذا التحديد في الكتاب بكونه في المحيض أنها لا تُعتزل في غيره، وفي ذلك رد على اليهود، فقد كان اليهود -عليهم لعائن الله- إذا حاضت المرأة عندهم لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجالسوها، فجاء الإسلام بالسماحة واليسر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عائشة رضي الله عنها الإناء فتشرب وهي حائض ويشرب من الموضع الذي شربت منه، كل هذا مبالغة في الرد على اليهود، وإبطال ما كانوا عليه من أذية النساء بذلك. فالمقصود: أن الذي حرمه الله عز وجل هو الوطء. قوله: (الوطء في الفرج) يشمل ذلك القبل والدبر، أما الدبر فيحرم العموم، سواء كان في حيض أو غيره، وأما بالنسبة للقبل فهذا يتأقت بحال الحيض. فيمنع الوطء في الفرج، لكن هل يستمتع بغير الفرج؟ هذه المسألة خلافية عند العلماء، والأصل عندهم أنه يجوز للرجل أن يستمتع بالمرأة إذا كانت حائضاً بغير الجماع، لكن يأمرها فتتّزر، وتلبس إزارها من ثوب ونحوه مما يغطي الموضع المحرم، وبعضهم يحدده بما بين السرة والركبة؛ لأن ما قارب الشيء أخذ حكمه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه)، فلذلك قالوا: تتحدد الأزرة بما بين السرة والركبة، وأكدوا ذلك بقولها: (كان يأمر إحدانا فتتّزر فيباشرها وهي حائض) والأزرة: لا تكون أزرة إلا إذا غطت هذا الموضع، فالإزار الغالب فيه أن يكون بهذا القدر، فقال هؤلاء العلماء -وهو مذهب الاحتياط-: إنه يترك عليها من اللباس ما يكون غطاء للفرج وما حوله، ثم شأنه بما دون ذلك. وقال بعضهم: المحرم عليه الفرجان، ولا مانع من أن يستمتع بغير الفرجين ولو كان بالمباشرة، يعني: أن المراد بالاتزار: أن تشد الموضع فقط، ثم لو لامس غير هذا الموضع -الذي هو موضع الجماع- فلا حرج عليه، على ظاهر القرآن: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} [البقرة:222]. وهذا المذهب الثاني أقوى من جهة النص -ظاهر القرآن-: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيض} [البقرة:222] وهذا تأقيت. والمذهب الأول أحوط وأسلم، وأبرأ للذمة، وأبعد عن الشبهة. وفرّق بعض العلماء -وهو قول ثالث- بين الذي يستطيع أن يضبط نفسه، والذي لا يستطيع أن يضبط. فقالوا: يباشر بما دون الفرج قريباً من الفرج إذا كان يملك نفسه، والغالب عليه السلامة، وإلا فلا. وتحريم الله وطء الحائض رحمة بالعباد، فقد ذكر الأطباء أن هذا -وطء الحائض- فيه أضرار، أي: أن هذا الحكم من الحكمة بمكان؛ لما فيه من دفع الضرر عن الزوج والزوجة، حتى أن بعض الأطباء في العصور المتأخرة يقول: أنه كان في إحدى الاجتماعات الطبية، فقالت امرأة طبيبة أنها وصلت إلى أمر هام في الطب وهو: أن من يجامع المرأة وهي حائض فإنه يلتهب عنده البروستات -غدة من غدد الجسم-. فقال أحد الأطباء المسلمين: هذا الذي توصلتِ إليه اليوم عرفه المسلمون من أكثر من ثلاثة عشر قرناً؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة:222] (قل هو أذىً) فأخبر أنه أذى، والأذية قد تكون بالضرر في الجسد؛ كما قال تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} [آل عمران:111]، فهو يشمل أذى الحس وأذى المعنى، فكان هذا من إعجاز القرآن، وإعجاز هذه الشريعة، فالمسلمون يعرفون أن هذا الشيء يفضي إلى الضرر، ويستوي في ذلك عوامهم وعلماؤهم. فمن رحمة الله أنه حرم الجماع في هذا الوقت، وذكر بعض الأطباء أنه يؤدي إلى الإضرار بالمرأة أيضاً، وقالوا: حتى إنه ربما يؤدي إلى أضرار في نفسية المرأة، وعلى هذا فينبغي على طالب العلم أن يكون على إلمام بهذا، وللدكتور محمد علي البار بحث جيد في دورة الأرحام؛ نبه على الأخطار الطبية المترتبة على وجود الجماع في هذا الوقت الذي حرمه الله عز وجل، فينبغي لطالب العلم أن يطلع على هذه الأمور إن تيسر له ذلك؛ لأنها تؤكد حكم الشريعة، وزيادة في اليقين. قوله: (يمنع) وهذا بالإجماع أنه لا يجوز الجماع؛ وذلك على ظاهر الكتاب وظاهر السُّنة.
كفارة جماع الزوجة الحائض
كفارة جماع الزوجة الحائض قال المصنف رحمه الله: [فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارة]. (فإن فعل) أي: المكلف، تجاوز حدود الله عز وجل وجامع امرأته وهي حائض (فعليه دينار أو نصفه) الأصل في هذا حديث ابن عباس -اختلف في رفعه ووقفه- أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت هذا، وهو رواية أبي داود، وحسنه غير واحد من أهل العلم، ومنهم من صححه فقال: إنه صحيح لغيره، ومنهم من ضعفه، والقول بتحسينه أقوى، فهذا الحديث أمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بدينار أو نصف دينار. ثم اختلف في هذه الصدقة، فقال بعض العلماء: إن قوله (دينار أو نصف دينار) للتنويع، فإن شاء تصدق بدينار وإن شاء تصدق بنصف دينار، وهذا إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، أنه مخير بين أن يتصدق بالنصف وبين أن يتصدق بالدينار. واستشكل بعض العلماء: كيف يؤمر بالأقل والأكثر في كفارة واحدة؟! وهذا ليس بإشكال؛ فإن الله عز وجل أمر من أفطر كالشيخ الكبير أو من لا يطيق الصوم بالفدية؛ وهي: إطعام مسكين، وهذا أقل شيء، ثم قال: {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة:184] فذلك يدل على أنه قد يرد في الكفارة الجمع بين الأقل وبين الأكثر، وكذلك أيضاً: لا ضرر في هذا التخيير، إذ قد يجمع بين الشيء ونصفه، وقد يجمع بين الكامل ونصف الكامل، وذلك على سبيل الوجوب، فنقول: لا مانع أن الشرع يأمر بالدينار ونصف الدينار، ولا يتجه اعتراضهم بأنه جمع بين الكامل ونصف الكامل؛ لأن الله أباح قصر الصلاة في السفر، وثبت في السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرباعية تقصر إلى ركعتين، ومع هذا لو أتم صلاته -كأن يصلي وراء حاضر- فلا حرج عليه، فجمع بين النقص للنصف وبين كمال العبادة. والمقصود: أنه إذا جاءت السُّنة عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي حَكَم على كل قول، وبناءً على ذلك يتصدق بدينار أو نصف دينار على التخيير. وقال بعض السلف -وهي فتوى ابن عباس رضي الله عنهما- سبب التخيير بين الدينار ونصف الدينار سببه: أن الجماع في الحيض يختلف، فإن كان في أول الحيض فدينار، وإن كان في آخره فنصف دينار. وقال بعضهم -وهو قول ثان لبعض السلف أيضاً-: دينار إن كان في أول الحيض، ونصفه إن كان في أوسط الحيض أو آخره. وتقسيم الحيض إلى أول ووسط وآخر يكون إما بالزمان وإما بالتمييز، مثال ذلك بالزمان: أن تكون عادة المرأة ستة أيام، فأوله: اليومان، وأوسطه: الثالث والرابع، وآخره: الخامس والسادس. أما تأقيته بالصفات: فكأن يجري معها دم الحيض في الأيام الأول -يومان مثلاً- أحمر شديد الحمرة قريب إلى السواد، ثم يجري معها في اليومين الأوسطين أحمر شديد الحمرة، ثم في اليومين الأخيرين يجري معها أقل حمرة أو قريباً إلى الصفرة، فبناءً على هذا تؤقت إما بالزمان وإما بالصفة. فإذا وقع في زمان شدة الدم وحمرته واشتداده في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف. وفتوى ابن عباس تقوي التفصيل؛ إن كان في أوله فدينار، وإن كان في آخره فنصف، وهو قول من القوة بمكان. أما بالنسبة لقدر الدينار: فالدينار الإسلامي القديم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وما بعده إلى عهد الخلفاء وكذلك دينار عبد الملك بن مروان يعادل مثقالاً، والمثقال: يعادل بالجنيه السعودي الموجود الآن جنيهين إلا ربعاً، فيتلخص أن أربعة أسباع الجنيه السعودي تعادل قدر الواجب، فلو فرضنا أن الجنيه السعودي تقدر قيمته بسبعين ريالاً -مثلاً- فيصير أربعة أسباعه كم؟ تقسم السبعين على عشرة، وتخرج نسبتها فيكون السُبع عشرة، فأربعة أسباعه: أربعون ريالاً، أي: بما يجاوز نصف الجنيه بقليل. قال المصنف رحمه الله: [ويستمتع منها بما دونه]. قوله رحمه الله: (ويستمتع) من المتعة وهي: اللذة. وقوله: (بما دونه) أي: بما دون الموضع الذي حرم الله الجماع فيه، وظاهر كلام المصنف أنه سواء وُجد حائل أو لم يوجد حائل، وهي المسألة التي تعرف عند العلماء بـ (مسألة المفاخذة ونحوها). فقال بعض العلماء -كما تقدم-: يجوز، وهو المفهوم من ظاهر كلام المصنف؛ ودليله حديث عائشة: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وهذا عام، (وكل) -كما يقول الأصوليون-: من ألفاظ العموم، فله أن يستمتع بكل شيء ما لم يصل إلى الحرمة؛ كالوطء في الدبر، فهذا مما حرم الله، ولكن يبقى ما عداه على الأصل؛ لأن الله جعل المرأة عفة للرجل، وجعل الرجل عفة للمرأة.
ما يباح للمرأة عند انقطاع الدم
ما يباح للمرأة عند انقطاع الدم قال المصنف رحمه الله: [وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق]. المرأة إذا طهرت من الحيض، ورأت علامة الطهر، فهذه مرحلة أولى، تليها مرحلة ثانية وهي: تطهرها بنفسها، وذلك بالغسل من الحيض، فعندنا طهارتان: طهر للموضع بانقطاع الدم وبدوّ علامة الطهر، وطهر للمرأة، فالأول ليس بيدها، والثاني بيدها. فإذا طهرت المرأة وتطهّرت -اغتسلت- فتخرج بالإجماع من أحكام الحيض ولا إشكال، لكن الإشكال لو طهرت من حيضها ولم تطهّر نفسها بالغسل؛ فهل يجوز أن يأتيها الرجل، أو لا يجوز أن يأتيها؟ وهل يجوز أن تتلبس بالمحظورات من الصيام ونحوه؟ قال رحمه الله: (لم يبح) يعني: لا يجوز له أن يجامعها إذا خرجت من حيضتها ولم تتطهّر، فلم يبح له أن يجامعها إلا بعد غسلها. وهذا مذهب جمهور العلماء. وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه وعليهم، فقال: إذا انقطع دم الحيض جاز للرجل أن يجامع امرأته ولو لم تغتسل. والصحيح: أنه لا يجوز أن يجامع إلا بعد اغتسالها؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222]. فالإمام أبو حنيفة يقول: (لا تقربوهن حتى يطهرن) فإذاً الجماع مؤقت بوجود الحيض، وما شرع لعلة يبطل بزوالها كما هي القاعدة في الأصول، فلما زال دم الحيض زال المانع، فجاز له أن يجامع، هذا بالنسبة لقول الإمام أبي حنيفة. لكن الجمهور قالوا: إن في الآية غاية وشرطاً؛ فالغاية في قوله: (حتى يطهرن)، والشرط في قوله: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله). قال الإمام أبو حنيفة: العبرة بالغاية؛ لأن القاعدة في الأصول: أن ما بعد الغاية يخالف ما قبلها في الحكم؛ لأنه لو كان الذي بعد الغاية كالذي قبلها فأي فائدة للغاية؟ فإذاً فائدة وجود الغاية أن تعرف أن ما بعدها يخالف ما قبلها في الحكم. فالإمام أبو حنيفة رحمه الله يقول: (حتى يطهرن) وقّت الله عز وجل به القربان، وهو الكناية عن الجماع، ففهمنا أنها إذا طهرت جاز أن يأتيها. ولكن الصحيح مذهب الجمهور: أن في الآية غاية وشرطاً، وهذا له نظائر: فإن الله عز وجل يقول: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء:6] فقال: (حتى إذا بلغوا النكاح) فهذه غاية؛ وقوله: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} هذا الشرط، فلا مانع أن تثبت الغاية مع عدم ثبوت الشرط. فنقول: إن آية الحيض فيها غاية وفيها شرط، والقاعدة: أنه إذا تخلف الشرط تخلف المشروط، وإذا وجد الشرط حكم بالمشروط. فإذًا نقول: إذا وجد الاغتسال صح منه أن يجامع، وإلا فلا. الدليل الثاني على رجحان مذهب الجمهور: أن الله عز وجل قال: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة:222] ثم عقب بقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة:222] فأسند الطهر لأنفسهن بقوله: (فإذا تطهرن) أي: فعلن الطهر، وهناك قراءة: (حتى يطهرن) بالتشديد، وتصلح أن تكون دليلاً كما أشار غير واحد من أهل العلم، واختاره الإمام الماوردي في جوابه في الحاوي. فالمقصود أن أصح الأقوال: أنه لا بد في جماع المرأة من أن تطهر وتغتسل، فإذا طهرت ولم تغتسل فلا يجوز جماعها، وإنما يتريث حتى يتم الشرط الذي أمر الله عز وجل به. قال: (حل لها الصيام والطلاق) يباح لها الصيام، وأيضاً يجوز تطليقها، فالحيض يمنع الطلاق؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لـ ابن عمر لما أخبر عمر -والده- النبي صلى الله عليه وسلم أنه طلق امرأته وهي حائض، قال: (مره فليراجعها -ونهاه عن أن يطلقها- ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)، إذاً: لا يجوز تطليق المرأة الحائض؛ ولذلك يأثم من يطلقها، ثم هل يقع الطلاق، أو لا يقع؟ محله -إن شاء الله- كتاب الطلاق. المقصود: أنه لا يجوز أن تطلق المرأة حال حيضها، فلو انقطع دمها ولم تغتسل، ووقع الطلاق بعد انقطاع الدم وقبل الغسل، فما الحكم؟ قال: وقع الطلاق؛ لأن الطلاق لا يتأقت باغتسال، أما بقية الممنوعات فلا بد فيها من الاغتسال كما قلنا: كالجماع ودخولها المسجد، كذلك أيضاً مرورها به، ولبثها فيه ونحو ذلك من ممنوعات الحيض.
الأسئلة
الأسئلة
الدخول على المرأة قبل سن الحيض
الدخول على المرأة قبل سن الحيض Q هل معنى دخول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على عائشة وهي بنت تسع أنه لا يستحب الدخول على المرأة قبل أن تحيض؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: لا شك أن فعل النبي والتأسي به صلى الله عليه وسلم فيه خير، ولو أن هذا من أمور النكاح لكنها من الأمور التي يشرع التأسي به فيها، ولذلك نص العلماء رحمة الله عليهم على استحباب الزواج في شهر شوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنا فيه بنسائه صلوات الله وسلامه عليه، فلا مانع من أن يحكم بكون المستحب والأفضل أن يدخل بها بعد التسع، أي: بعد أن تبلغ التسع، وأما إذا كانت قبل التسع ولا ضرر في دخول الزوج عليها؛ فلا حرج في دخوله عليها ولا يحكم بتحريمه. والله تعالى أعلم.
حكم تركيب اللولب المانع للحمل والإفرازات التي تكون بسببه
حكم تركيب اللولب المانع للحمل والإفرازات التي تكون بسببه Q امرأة كانت عادتها سبعة أيام حيض، ثم قامت بتركيب شيء اسمه (لولب) لمنع الحمل، فصار ينزل قبل عادتها المعتادة إفرازات لمدة أربعة أيام، ثم سبعة أيام حيض، ثم بعدها أربعة أيام إفرازات، فهل هذه المدة كلها تعتبر حيضاً، أفتونا مأجورين؟ A هذا السؤال فيه مسألتان: المسألة الأولى: اللولب؛ وهو عازل يوضع في الموضع من أجل ألا تحمل المرأة، هل يجوز وضعه، أو لا يجوز؟ الحقيقة أن هذه المسألة نظرت فيها إلى أقوال المجوزين، والعلل الطبية والشرعية التي يتذرع بها لوضع هذا الشيء، فلم أجد عذراً شرعياً يبيح وضع هذا الشيء؛ ولذلك: الذي يظهر ويتبين أنه لا يجوز وضعه، وذلك لأمور: أولاً: لما فيه من استباحة النظر إلى الفرج دون وجود ضرورة. ثانياً: أن فيه لمساً للفرج دون وجود ضرورة. ثالثاً: أن فيه إيلاجاً في الفرج، وتكرار للإيلاج ونظر، خاصةً إذا كان من الرجل فهو أشد وأشنع وأعظم. فهذه الثلاثة الأمور محظورة، حتى لو كان الواضع له طبيبة، فلا يجوز لها أن يحصل منها الإيلاج، أو النظر إلى عضو المرأة أو استباحة وضع العازل فيه. هذه الثلاثة محاذير شرعية، ولم أجد مبرراً شرعياً يجيز وضع اللولب حسب علمي وحسب ما نظرت من أقوال الأطباء، وأقوال من يجيز، فلم أر وجهاً شرعياً لوضعه. أضف إلى هذا تكرار الكشف، والأدهى والأمر أنه يربك عادة المرأة، فلا يستقيم لها أمر، فبمجرد ما تضعه يختلط عليها حيضها، فيتقدم ويتأخر، ويختلط عليها دمها، وقد تلتبس عليها صلاتها وعبادتها بسبب وضعها لمثل هذا، مثل ما ذكرت السائلة، وهذا أهون ما يكون، وإلا فقد مرت عليَّ قضايا من أعجب القضايا في حصول الإرباك للعادة بسبب هذا الأمر، وما ينشأ منه من الأمور التي لا تحمد عقباها؛ ولذلك الذي يظهر عدم جواز وضعه. وأما العذر الذي يتذرع به كخوف حمل المرأة، فإما أن يكون هذا بسبب خوف الضرر مثل أن يكون عندها أمراض أو أعراض فهذه علاجها العزل، أن يعزل الرجل عنها، أو وضع الكيس الذي يمنع القذف في الموضع، وأما بالنسبة لقضية وضع اللولب فالقاعدة عند العلماء: (أنه لا يحكم بالحاجة مع وجود البديل)، وهذا أصل عند أهل العلم، فإن العازل الذي يوضع أخف محظوراً وأخف ضرراً من وضع اللولب. النقطة الأخيرة التي أنبه عليها في هذا الأمر، وهي: مسألة الإفرازات السابقة واللاحقة لأمد العادة، فهذه لا تعتبر من العادة؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في حديث عائشة رضي الله عنها في قصة فاطمة: (لتنظر الأيام التي كانت تحيض فيهن قبل أن يصيبها الذي أصابها)، فترجع إلى عادتها، وتحكم بكونها حائضاً على قدر تلك الأيام. والله تعالى أعلم.
زيادة مدة الحيض على خمسة عشر يوما
زيادة مدة الحيض على خمسة عشر يوماً Q إذا كانت المرأة لها عادة مستمرة مستقرة وهي سبعة عشر يوماً، فهل تعتبر هذه المدة كلها حيضاً، أم ما زاد على خمسة عشر يوماً يعتبر استحاضة؟ A ما زاد على الخمسة عشر يوماً لا يعتبر حيضاً، وإنما هو استحاضة، فلا يحكم بكونها امرأة معتادة سبعة عشر يوماً فأكثر؛ لأن أقصى الحيض خمسة عشر يوماً على ما ذكرناه، وبناءً على ذلك يحكم بكونها حائضاً، إما على أقل الحيض وهو يوم وليلة عند من يرى التأقيت باليوم والليلة، أو بالثلاث عند من يرى التأقيت بالثلاث، أو تتحيض ستاً أو سبعاً عند من يرى عموم دلالة الحديث، أو يحكم بكونها حائضاً أكثر الحيض وهو أحد الوجهين عند الشافعية والحنابلة. والله تعالى أعلم.
علامات دم الحيض
علامات دم الحيض Q هل لدم الحيض علامة؟ وإذا كان كذلك فلماذا لا يُحدَّد أكثره وأقله بهذه العلامة، وكذلك الطهر ودم الاستحاضة؟ A أما بالنسبة للحيض فله علامة، من جهة لون الدم: حيث تختلف ألوانه، فهناك لون السواد، والحمرة، والصفرة، والكدرة، والتُربية، أو الخضرة، هذه ستة ألوان سنتكلم عليها -إن شاء الله- في مبحث المرأة المميزة. وهذه إحدى الضوابط التي يتميز بها دم الحيض -اللون- وفيها الستة الألوان التي ذكرناها، وسنبين أيها أقوى وأيها أضعف، وما الذي يعتد به وما الذي لا يعتد به، وخلاف العلماء فيه -إن شاء الله-، والصحيح من تلك الأقوال التي اختلفوا فيها. وأما بالنسبة للنوع الثاني من التمييز: التمييز بالرائحة -رائحة دم الحيض- فإن المرأة قد تستطيع تمييز حيضها برائحته، وقد يميز بغلظه ورقته، وقد يميز بتجلط الدم، فإن دم الحيض لا يتجلط؛ لأنه يتجلط في الرحم ثم تسلط عليه مادة مثل الخميرة تمنع تجلطه ولو بقي سنوات، وهذا من عجائب ما يكون، ولذلك قالوا: إنه يتميز بالغلظ والرقة والتجلط، وقد جمع بعض العلماء هذه العلامات بقوله: باللّون والرّيح وبالتألمّ وكثرة وقلّة ميزُ الدم وقال بعضهم: باللون والريح وبالتألمّ وغلظ ورقّة ميزُ الدم وهذه الأمور التي يميز بها دم الحيض، سنتكلم عليها -إن شاء الله- بالتفصيل. لكن اعلم رحمك الله أن هذه الأمور ليست في كل حال يمكن أن تميز بها، فقد تأتيك المرأة مبتدأة لأول مرة، لا تعرف دم الحيض، ولا قد رأت دم الحيض، ولا تستطيع أن تميز، فتميز بأي شيء؟ هذا بالنسبة للمبتدأة، وقد تأتيك وتقول لك: نعم، أنا عندي دم يأتيني اليوم الأول أحمر، وفي اليوم الثاني ينقلب لونه إلى أحمر باهت، وفي اليوم الثالث أصفر، وفي اليوم الرابع أكدر، وفي اليوم الخامس أحمر، وفي اليوم السادس أحمر، وهكذا، فتحتاج إلى ضوابط معينة لا بد من دراستها، ولا بد من معرفة متى يحكم بكونها حائضاً، ومتى يحكم بكونها طاهراً، هذا بالنسبة لقضية الحيض، فلم يختلف العلماء، ولم يضعوا هذه الضوابط عبثاً، والسبب في هذا: اختلاف بيئات النساء وأحوالهن وأوضاعهن، واختلاف البلدان التي تعيش فيها النساء، فالبلاد الحارة ليست كالبلاد الباردة، فهذا أمر دعا العلماء رحمة الله عليهم أن يفصّلوا في مسائل الحيض، وأن يبينوها وأن يتكلموا عليها.
تحول دم الحيض إلى غذاء للجنين عند الحمل
تحول دم الحيض إلى غذاء للجنين عند الحمل Q أين يذهب الدم وقت الحمل؟ وهل صحيح أن هذا الدم وقت الحمل يتحول إلى غذاء للجنين عن طريق حبل السر؟ A نعم ذكروا هذا، وأشار إلى ذلك الإمام القرافي رحمه الله في (الذخيرة)، وأشار إليه الإمام ابن قدامة كذلك في (المغني)، وغير واحد من أهل العلم ذكروا هذا، وذكروه عن الأطباء القدماء، وأنه يتحول إلى غذاء للطفل، ثم أصفاه وأطيبه يتحول إلى لبن بعد الولادة، ويكون غذاء للطفل، وأخبثه وأردأه يخرج في النفاس مع الطفل. هذا بالنسبة لما ذكروه من أحوال دم الحيض، وما يكون له أثناء حملها وأثناء وضع جنينها، إذ ينقلب بإذن الله عز وجل إلى كونه لبناً وغذاءً للطفل بإذن الله عز وجل وقدرته. والله تعالى أعلم.
حكم تكفير المرأة إذا جامعها زوجها وهي حائض
حكم تكفير المرأة إذا جامعها زوجها وهي حائض Q إذا جامع الرجل زوجته وهي حائض، فهل الكفارة على الرجل فقط، أم على الرجل والمرأة معاً؟ A هذا فيه تفصيل: إن كانت المرأة طاوعت ورضيت بالجماع، ومكنته من جماعها فالكفارة عليهما، وهكذا إذا أغرته أو رضيت بذلك، فهي في حكم الفاعل، وأما إذا مانعت وغلبت أو أكرهت على الجماع فلا شيء عليها، والكفارة على الزوج وحده، كالحال في كفارة المجامع في نهار رمضان. والله تعالى أعلم.
حكم الإفرازات أثناء الحمل
حكم الإفرازات أثناء الحمل Q ما حكم الإفرازات التي تخرج من الحامل؟ A الإفرازات التي تخرج من الحامل استحاضة على الصحيح من أقوال العلماء رحمة الله عليهم، لكن إن أفرزت دماً قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة فإنها تعطى حكم دم النفاس، كما اختاره غير واحد من المحققين، ونص عليه الإمام ابن قدامة وغيره، وهذا مبني على القاعدة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه). يقولون: ابتدرها دم النفاس، فإن عاجلها قبل الولادة بيوم أو يومين أو ثلاثة فيعتبر داخلاً في حكم دم النفاس، من كونه يمنع الصوم ويمنع الصلاة، وحكمه حكم دم الحيض. هذا بالنسبة لها إذا كانت حاملاً. والله تعالى أعلم.
حكم دخول الحائض المسجد
حكم دخول الحائض المسجد Q هل يجوز دخول الحائض المسجد؟ وهل يجوز أن تجلس في الصفا والمروة من الحرم؟ A أما بالنسبة لدخولها المسجد، فأصح أقوال العلماء أنها لا تدخل؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأم المؤمنين عائشة: (ناوليني الخمرة. قالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك) (ناوليني) أي: مُدي يدك إليَّ في المسجد بالخمرة. (قالت: إني حائض) فدل على أنه كان معروفاً ومعهوداً أن الحائض لا تدخل المسجد؛ إذ لو كانت تدخل المسجد لأنكر عليها النبي صلى الله عليه وسلم كونها تقول: (إني حائض)، فكونها رضي الله عنها تقول: (إني حائض) يدل على أن الحائض ليس مما كان يعرف أنها تدخل المسجد. وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم على امتناعها دال على أنها لا تدخل المسجد، وإلا كان قال: ادخلي المسجد. كما قال لـ أبي هريرة: (إن المؤمن لا ينجس) لكنه لم ينكر على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وقد تكلف بعض العلماء في الجواب على هذا الحديث، فقال: إن قوله: (إن حيضتك ليست في يدك) المراد به: أنك لا تملكين رفعها، فهو عذر ليس بيدك، وهذا مجاز، والحقيقة أن تقول: (ليست في يدك) أي: على الحقيقة، أي: ليست في يدك التي تناوليني بها الخمرة، فظنت عائشة أنها لما منعت من المسجد أن الجزء يأخذ حكم الكل، وهذا من فقهها رضي الله عنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حيضتك ليست في يدك) أي: إنما منعت من دخول المسجد لما يتعلق بالموضع، والكل له حكم والجزء له حكم، ولذلك ليس اعتراض الجزء كاعتراض الكل، فقد كانت تنام بين يديه معترضة، وتقبض رجلها، وقد نهى عن مرور المرأة بين يدي المصلي، فدلّ على أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، فدل هذا على أن الحائض لا تدخل المسجد، ويقوى هذا بما ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها لما خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وأصابها الحيض قالت: فانسللت -كما في صحيح مسلم، أي: خرجت من الفراش- فقال صلى الله عليه وسلم: مالكِ؟ -أي ما شأنك وما حالك؟ - أنفست؟ -أي: هل أصابك الحيض؟ - قالت: نعم. قال: ذاك شيء كتبه الله على بنات آدم، اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت) فمنعها من الطواف ولم يمنعها من السعي، والسعي كان خارج المسجد، فدل على أن امتناعها من دخول المسجد أصل مقرر شرعاً، ولذلك لا تدخل المرأة الحائض المسجد، وهو قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم. وأما بالنسبة للصفا فالصحيح أنها ليست من المسجد، ولا حرج عليها في جلوسها فيه. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب الحيض [2]
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [2] من الضرورة بمكان معرفة أحوال النساء في الحيض، وتنزيل الحكم بمقتضى حال كل امرأة؛ فالمبتدأة لها حكمها، وكذلك المعتادة، والمتحيرة، والمميزة، ومعرفة الضوابط لكل واحدة منهن، وحكم زيادة الحيضة أو نقصها، وكيفية التعامل مع ذلك، وحكم ما يسمى بالصفرة والكدرة، وأقوال العلماء فيها.
أحكام المبتدأة في الحيض
أحكام المبتدأة في الحيض الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال المؤلف عليه رحمة الله: [والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي]. شرع المصنف رحمه الله بهذه العبارة في ذكر أحوال النساء، فالمرأة الحائض إذا جاءها الحيض لا تخلو من ثلاثة أحوال: الحالة الأولى: أن يكون الحيض قد ابتدأها؛ بمعنى: أنها لأول مرة يأتيها دم الحيض. والحالة الثانية: أن تكون معتادة؛ بمعنى: أن دم الحيض عاودها حتى ثبتت لها عادة معينة فيه. الحالة الثالثة: أن تكون المرأة متحيرة؛ بمعنى: أنه لا يمكنها أن تعرف عادتها لمكان النسيان، سواء نسيت قدر العادة أو مكان العادة.
المرأة التي يحكم بكونها مبتدأة
المرأة التي يحكم بكونها مبتدأة هذه الثلاثة الأحوال هي التي ينصبّ عليها كلام العلماء رحمة الله عليهم في مسائل الحيض. ومن عادة أهل العلم أنهم يبدءون بالنوع الأول، وهذا فيه مراعاة لأحوال النساء. فالمبتدأة: هي التي ابتدأها دم الحيض، والمرأة توصف بكونها مبتدأة إذا كان الحيض قد جاءها لأول مرة، هذا أول شرط. والأمر الثاني: أن يكون سنها سن المرأة التي تحيض، فإذا كان سنها دون ذلك؛ فإنه لا يحكم بكون هذا الدم دم حيض -كما تقدم معنا-، فمن شرط أن تكون مبتدأة أن يكون دم الحيض جاءها لأول مرة، ولا يعني هذا إلغاء المرأة التي جاءها الدم قبل تسع سنوات، كأن يكون عمرها سبع سنوات أو ثمان سنوات وجاءها الدم، فإن هذا الدم الذي يأتيها دم استحاضة، لكن إذا كان لأول مرة يأتيها بعد بلوغها لتسع سنوات فإننا نحكم بكونه دم حيض؛ لأن الزمان زمان دم الحيض. إذن: المرأة المبتدأة هي: المرأة التي بلغت سن الحيض، وجاءها الدم في هذا السن لا قبله. والشرط الثالث: أن لا يكون عاودها أكثر من مرة، وهي المعتادة أو التي اختلت عادتها، فلا بد عند حكمنا بكونها مبتدأة أن يكون الدم لأول مرة يأتيها، أعني: دم الحيض.
حكم المبتدأة
حكم المبتدأة المرأة التي جاءها دم الحيض لأول مرة لا نردها إلى عادتها؛ لأنها ليس لها عادة. فإذاً: لا بد أن يكون لها حكم خاص، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: كل امرأة مبتدأة فإننا نردها إلى عادة أمهاتها وأخواتها. وقال بعض العلماء: كل امرأة مبتدأة فإننا نردها إلى عادة لِدَاتها أو أترابها -كما يعبر العلماء- واللدة والتريبة هي التي تكون في سن المرأة ومثلها، وقال بعض العلماء: المبتدأة تجلس أقلّ الحيض ونحكم بكونها حائضاً بذلك القدر الذي هو أقلّ الحيض، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، حتى يعاودها الدم ثلاث مرات على وتيرة واحدة. فعندنا ثلاثة أوجه: أما الوجه الذي يقول: نردها إلى أترابها -لداتها وأمثالها، أو أمهاتها وأخواتها- فهذا وجه معروف، أي: دليله واضح، وهو: (أن الشيء إذا شابه الشيء أخذ حكمه) أنا لا أقول إن هذه المبتدأة تجلس أقل الحيض، ولكن أقول: تنظر إلى أمثالها، فإن كان عادة أمها ستة أيام، فكل امرأة ابتدأها الحيض وعمرها تسع سنوات فإن عادتها ستة أيام حتى تثبت لها عادة جديدة. فالقول الأول والقول الثاني -اللذات يعتبران والأمهات اللاتي هن القريبات- قولان مرجوحان هذا قول مرجوح عند أهل العلم رحمة الله عليهم؛ لأن الرجوع إلى ذات المرأة أو أصل الحيض أقوى من الرجوع إلى العرف، هذا بالنسبة للقول الأول والثاني، فيلغى النظر فيه. يبقى عندنا القول الثالث، وهو معارض لقول قررناه، فإننا حينما تكلمنا على أقل الحيض قلنا: قال بعض العلماء: ليس لأقل الحيض حد، وهذا مذهب المالكية واختاره شيخ الإسلام، وقلنا: هو الراجح. وقال بعض العلماء: أقلُّ الحيض يوم وليلة، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وقال بعضهم: أقله ثلاثة أيام. إذن: عندنا قول يقول: لا حد لأقله، فقليل الدم وكثيره حيض. وقول يقول: اليوم والليلة، وما دونها ليس بحيض، وما أصابها وجاوزها حيض. وقول يقول: الثلاثة الأيام حيض وما دونها استحاضة. إذا نظرت إلى هذه الثلاثة المذاهب، فالحكم في مسألة المبتدأة مفرّع على هذه الثلاثة المذاهب، فينبغي أن تتنبه إلى أن من يقول: للحيض حد أقلي، سواء يوم وليلة كما يقول الشافعية والحنابلة، أو ثلاثة أيام كما يقول الحنفية، يقول: كل مبتدأة لا أحكم بكونها حائضاً إلا إذا جاوزت أقلّ الحيض، فالشافعية والحنابلة يقولون: كل امرأة بلغت تسع سنوات، وجاءها الدم -دم الحيض- فإنها تجلس يوماً وليلة، وإن استمر هذا الدم معها يوماً وليلة فهي حائض، وإن نقص عن اليوم والليلة فهي مستحاضة والدم دم فساد ومرض، هذا المذهب الأول، وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمة الله عليه. والحنفية يقولون: المبتدأة التي يستمر معها الدم ثلاثة أيام، فحينئذٍ تكون حائضاً، وإن نقص عن الثلاثة الأيام تعتبر مستحاضة، والدم الذي معها دم فساد وعلة. هذا بالنسبة لقضية أقل الحيض. وعلى القول الذي رجحناه من أنه لا حد لأقله، فيقال: تبقى المرأة إذا بلغت تسع سنوات قدر ما أصابها من دم، فلو مكث معها ساعة فهي حائض، ولا تصوم ولا تصلي في الساعة هذه. إذن: نحن رجحنا هذا المذهب الذي يقول: لا يعتد بأقل الحيض، فعلى هذا المذهب بمجرد ما يصيبها الدم بعد تسع سنوات فهو حيض إن كانت فيه أمارات الحيض، وقويت القرائن باعتباره حيضاً. هذا بالنسبة لما رجحناه. فلما قال المصنف رحمة الله عليه: للحيض حد أقلي، قال: ما نقص عن هذا الحد الأقلي فليس بحيض؛ فلابد أن يشترط في المبتدأة شرطاً ثالثاً؛ وهو: كونها تصيب الحد الأقلي أو أكثره. فتبينت مذاهب العلماء رحمة الله عليهم في مسألة المرأة المبتدأة وصار عندنا اتجاهان: اتجاه يقول: هي حائض ولو كان دفعة واحدة، وهو الذي رجحناه. المسلك الثاني يقول: تجلس أقلّ الحيض، إما يوم وليلة على قول، وإما ثلاثة أيام على القول الثاني. فإذا استمر معها يوماً وليلة، أو استمر معها ثلاثة أيام على القول بالتثليث، فلا يخلو إما أن ينقطع لأقل الحيض، وإما أن ينقطع على أكثر الحيض، أو ينقطع بعد أكثر الحيض. فيصير عندنا ثلاث حالات. وعرفنا الحكم إذا ما انقطع لما دون أقل من اليوم والليلة أو أقل من الثلاث، وكلام العلماء فيه، فلو جاءتك امرأة وقالت: إنه أصابها الدم وعمرها تسع سنوات، فما الحكم؟ تقول: على القول الراجح، هذا الدم الذي أصابك دم حيض؛ لأنه في زمان الإمكان، فتمتنعين عن الصوم وعن الصلاة على القدر الذي يجري معك فيه الدم، فلو استمر معها ثلاثة أيام أو أربعة أيام، فعلى هذا المذهب لا تصوم ولا تصلي في هذه الأيام وهي حائض، وهذا المذهب هو الراجح كما ذكرناه، لكن الإشكال أين؟ الإشكال على المذهب الثاني الذي يرى اليوم والليلة، أو الذي يرى الثلاثة الأيام، إذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً أو الخمسة عشر يوماً، فيقولون: نعتبر اليوم والليلة -أو الثلاثة أيام- حيضاً، والزائد استحاضة، ثم نترك المرأة ثلاثة أشهر، فإذا انقطع في الثلاثة الأشهر بعدد واحد بمعنى: جاءها في الشهر الأول خمسة أيام وانقطع، وجاء في الشهر الثاني خمسة أيام وانقطع، وجاء في الشهر الثالث خمسة أيام وانقطع، الحكم؟ قالوا: تثبت عادتها خمسة أيام، ثم تطالب بقضاء الأربعة الأيام من الشهر الأول، ومن الشهر الثاني، ومن الشهر الثالث؛ لأننا تيقنا أن الأربعة الباقية حيض وليست باستحاضة. فصاحب القول الذي يقول: للحيض عندي حد أقلي، يقول: إن انقطع لأقل من أكثر الحيض بمعنى: انقطع لعشرة أيام، أو ستة أيام، أو خمسة أيام، فإنها تمسك عن الصلاة يوماً وليلة؛ لأنه هو اليقين بأنه حيض، ثم بعد اليوم والليلة يقولون: تغتسل وتصوم وتصلي، فإذا استمر معها خمسة أيام في الشهر الأول والثاني والثالث، فما الحكم؟ يقولون لها: اجلسي يوماً وليلة لا تصومين ولا تصلين، فإذا انتهى اليوم والليلة فاغتسلي ولو جرى معك الدم، ثم تصومين وتصلين، فإن عاودك في الشهر الثاني فالحكم كذلك، وإن عاودك في الشهر الثالث بنفس الوتيرة ثبتت العادة، وتمكثين الخمسة أيام كاملة، ثم تطالبين بقضاء ما مضى، هذا على مذهب الشافعية والحنابلة، واختاره المصنف، لكن الصحيح: فيما إذا انقطع دون أكثر الحيض -أنها تجلس القدر الذي تجلسه، فإذا انقطع عن ستة أيام فهي حائض بالست، وإن انقطع عن سبعة أيام فهي حائض بالسبع وهكذا، فتجلس الأمد الذي يجري معها فيه الدم، والمذهب الثاني الذي فصلنا فيه؛ مذهب مرجوح، والذي ذكره المصنف مذهب مرجوح. فعلى قول المصنف لو استمر معها الدم وجاوز أكثر الحيض فهو دم فساد وعلة، فتبقى على اليقين اليوم والليلة أنها حائض والزائد استحاضة، والشهر الثاني كذلك، والشهر الثالث كذلك، حتى تثبت لها عادة بوتيرة معينة، أو تميز دمها، وسنبين كيف يكون التمييز. فبالنسبة للمبتدأة، عندنا فيها مذاهب، والجميع متفقون على أنه إذا جرى معها الدم ثلاثة أيام فبالإجماع أنها تعتبر حائضاً، ولكن الخلاف إذا جرى لأقل؛ عند من يضع للحيض حداً أقلياً، فإن جرى أقل من يوم وليلة فالمالكية وحدهم يعتبرونه حيضاً، وإن جرى يوماً وليلة فالجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة- يعتبرونه حيضاً، والحنفية لا يعتبرونه حيضاً حتى يبلغ ثلاثة أيام، هذا بالنسبة لمسألة المبتدأة. فيشترط فيها أول شيء: أن يكون سنها سن حيض. وثانياً: أن تجاوز أقلّ الحيض عند من يقول أن للحيض حداً أقلياً. قال المصنف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس أقله ثم تغتسل وتصلي). (والمبتدأة تجلس أقله) أقله: الضمير عائد إلى الحيض، وأقله: قال: أقله يوم وليلة على ما اختاره المصنف رحمه الله. (ثم تغتسل وتصلي) يعني: نحكم بكونها حائضاً، لكن بشرط أن تجاوز أقلّ الحيض على مذهب المصنف. قال رحمه الله: [فإن انقطع لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه]. هذه مسألة ثانية، نحن قررنا أن ما دون أكثر الحيض يُعتبر فيه اليوم والليلة، لكن هناك أمر آخر، قالوا: إذا جرى معها الدم لأول مرة واستمر يوماً وليلة حكمنا بكونها حائضاً، ثم تغتسل بعد اليوم والليلة وتصوم وتصلي، فإن انقطع لأقل من أكثر الحيض -مثلاً- خمسة أيام، سبعة أيام، ثمانية أيام، تسعة أيام، عشرة أيام، أحد عشر يوماً، اثني عشر يوماً، ثلاثة عشر يوماً، أربعة عشر يوماً، لكن ما بلغ أكثر الحيض، فيقولون: عند انقطاعه لأقل من خمسة عشر تغتسل غسلاً ثانياً؛ لاحتمال أن يكون الكل حيض؛ لأنها إلى الآن ما ثبتت لها عادة، فاحتاطوا باحتياطين: أولاً قالوا: نرجع إلى اليقين من أنها حائض يوماً وليلة، فنأمرها بالاغتسال بعد اليوم والليلة؛ لأنها بيقين حائض، ثانياً: قالوا: نأمرها بالاغتسال إن انقطع الدم لأقل الحيض؛ لأنه قد تثبت لها عادة بهذا الأقلي، فإذا انقطع بعد خمسة أيام، ما الحكم؟ تقول: تغتسل غسلاً ثانياً، ثم إذا جاء الشهر الثاني مدة خمسة أيام، والشهر الثالث مدة خمسة أيام، علمنا أن هذا الأمد هو أمد الحيض وهو عادتها.
الحكم باستقرار عادة المرأة
الحكم باستقرار عادة المرأة قال رحمه الله: [فإن تكرر ثلاثاً فحيض وتقضي ما وجب فيه]. قوله: [فإن تكرر] أي: الدم الذي معها ثلاث مرات، هذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة العادة، فبم تثبت عادة الحيض؟ أو كيف تعلم المرأة أنها معتادة، أو بم تثبت عادتها؟ للعلماء وجهان: قال بعض العلماء: العادة من العود، فيشترط أن يعاودها مرتين، فإذا جاءها في الشهر الأول خمسة أيام، وفي الشهر الثاني خمسة أيام، فعادتها خمسة أيام ثبتت بالشهر الثاني، وهذا مذهب الحنفية ومن وافقهم، وأخذوا هذا من اشتقاق اللفظ أنه من العود. أما الحنابلة ومن وافقهم من الشافعية والمالكية فيقولون: لا بد أن يمر عليها ثلاث مرات، فلا بد من الشهر الأول، والشهر الثاني، والشهر الثالث. وينبغي أن يتنبه إلى أنه لا بد أن يمر عليها متتابعاً، فلو مر عليها الشهر الأول خمسة أيام، والشهر الثاني خمسة أيام ثبتت عادتها عند الحنفية، ولم تثبت عند الجمهور، فإذا جاء الشهر الثالث ستة أيام بطل الاعتداد بالشهرين الأولين عند الجمهور، وأصبحت ترجع إلى خمسة أيام عند الحنفية. فتثبت عادتها عند الحنفية بعد الشهر الثاني، ولا تثبت عند الجمهور إلا بعد ثبوتها في الشهر الثالث، ولابد أن يأتي كله على وتيرة واحدة، فلو جاءها في الشهر الأول خمسة أيام، وفي الشهر الثاني ستة أيام، وفي الشهر الثالث خمسة أيام، وفي الشهر الرابع ستة أيام، فلا عادة لها، قولاً واحداً؛ لأنه لم يعاودها على وتيرة واحدة.
أحكام المعتادة
أحكام المعتادة بينا حكم المرأة المبتدأة فيما مضى، وبعد المبتدأة تأتي المعتادة، فأشار إليها رحمة الله عليه فقال: (فإن تكرر) أي: المبتدأة، ثلاث مرات على وتيرة واحدة. فانتقل إذن إلى صنف ثانٍ من النساء، وهي المرأة المعتادة التي لها عادة في الحيض، والمرأة المعتادة، قلنا: تثبت عادتها بالعود ثلاث مرات على وتيرة واحدة، ودليل العادة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها) فردها إلى العادة، وهذا يدل على أن العادة محكمة ومعتبرة في الشرع، فإذا جاءتك امرأة وسألتك وقالت لك: إن الدم أصابني هذا الشهر واستمر معي عشرين يوماً فماذا أفعل؟ كم الأيام التي أترك فيها الصلاة والصوم؟ وكم أصلي وأصوم من الأيام؟ ومتى أحكم بكوني طاهرةً فأصوم وأصلي؟ ومتى أحكم بكوني غير طاهرة فلا أصوم ولا أصلي؟ فتقول لها: هل كان الدم قبل هذا الاختلال الذي جاءك لك فيه عادة؟ فإذا قالت: نعم، كان من قبل يأتيني خمسة أيام وينقطع. فتقول: امكثي خمسة أيام، ثم إذا مضت الخمسة الأيام فاغتسلي وصلي وصومي. فنردها إلى العادة، سواء كانت عادتها قريبة أو بعيدة، فلو أن امرأة -مثلاً- كانت عادتها خمسة أيام ثم حملت ثم نفست، وبعد النفاس اضطرب الدم معها، فصار يجري معها الدم عشرين يوماً، فاضطربت عليها العادة، يجري يوماً وينقطع يوماً، أو يجري يومين وينقطع ثلاثة، أو أربعة، والتبس أمرها، فتقول لها: كم كنت تمكثين قبل أن يصيبك الذي أصابك؟ فقالت: ستة أيام، فتقول: إذاً عادتك ستة أيام، فاجلسي ستة أيام يجري فيها الدم، ثم احكمي بكونك طاهرةً بعد انتهاء أمد هذه الست. ففائدة معرفة العادة؛ أنه يحتكم إليها عند اختلال دم المرأة، فإذا اختل وضع المرأة إما لجراحة، أو لمرض، أو لولادة، أو غير ذلك، فحينئذٍ ترده إلى العادة، وكما قلنا: العادة بإجماع العلماء مردود إليها. قال المصنف رحمه الله: (وتقضي ما وجب فيه). يعني: في ذلك الأمد، فتقضي الذي وجب فيه من الصوم والصلاة، فإن كانت في رمضان فالواجب عليها الصوم، وإن كانت في غير رمضان فالواجب عليها الصلاة، فتقضي ما وجب فيه، أي: في ذلك الأمد الذي كانت لا تصلي فيه. وقد مرَّ أن المبتدأة تجلس أقلّ الحيض، ثم تغتسل ثم تصوم وتصلي، هذا بالنسبة للمبتدأة، فإذا مكثت يوماً من الشهر الأول، وأفطرت أربعة أيام، ثم مكثت يوماً من الشهر الثاني وأفطرت أربعة أيام، ثم ثبتت عادتها في الشهر الثالث أنها خمسة أيام، فعليها أن تقضي ما وجب عليها فيه، وهو الصوم، أما الصلاة فإن الحائض لا يجب عليها أن تصلي، فتقول: الأربعة الأيام التي كنت تصومين فيها بحجة أنك طاهرة بعد اليوم والليلة تقضينها ويلزمك قضاؤها كما قررناه سابقاً.
حكم الدم الخارج بعد انقضاء أكثر مدة للحيض
حكم الدم الخارج بعد انقضاء أكثر مدة للحيض قال المصنف رحمه الله: [وإن عبر أكثره فمستحاضة]. قوله: (وإن عبر أكثره) يعني: عبر أكثر الحيض (فمستحاضة) مستحاضة بعد أكثر الحيض بالإجماع، أي: إذا جاوزت أكثر الحيض، والمرأة المبتدأة إما أن ينقطع الدم عنها -كما قلنا- لأقل من أكثر الحيض، أو ينقطع على الأكثر، أو ينقطع بعد الأكثر، أي: إما أن ينقطع دون خمسة عشر يوماً، أو على الخمسة عشر يوماً، أو بعد الخمسة عشر يوماً، فإذا انقطع لأقل من خمسة عشر يوماً، فالحكم أنها تنظر في تكراره على وتيرة واحدة على ما اختاره المصنف، وعلى القول الراجح: تمكث كل الذي دون الخمسة عشر يوماً لا تصوم فيه ولا تصلي على أنها حائض حتى تثبت لها العادة. وإن عبر أكثر الحيض قال: (فمستحاضة)، و Q هل نحكم بكونها مستحاضة بمجرد مجاوزتها للخمسة عشر يوماً، أو بعد اليوم والليلة؟ A مستحاضة بعد اليوم والليلة، فاليوم والليلة حيض، فلما استمر معها الدم أكثر من خمسة عشر يوماً عرفنا أن هذا المستمر دم فساد وليس بدم حيض، وحتى نفهم كلام المصنف ونفهم ما اخترناه على القول الراجح نقول: كلام المصنف ينبني على الآتي: إن كانت المرأة مبتدأة، وانقطع دمها لأقل من أكثر الحيض، أو مساوياً لأكثر الحيض الذي هو خمسة عشر يوماً، فحينئذٍ: تعتبر نفسها حائضاً ليوم وليلة، وتعتبر نفسها حائضاً في الشهر الأول وفي الشهر الثاني، والشهر الثالث تحكم بكونها معتادة إذا جاءها على وتيرة واحدة، هذا بالنسبة لمذهب المصنف رحمه الله، وهذا إذا انقطع لأقل من أكثر الحيض أو مثله، وأما لو انقطع فوقه فالحكم أن الحيض يوم وليلة وما زاد فهو استحاضة، هذا على مذهب المصنف. وعلى المذهب الذي رجحناه نقول: بمجرد ما يأتيها الدم تمسك، حتى ولو استمر عشرة أيام، وهي حائض؛ لأنه زمن حيض وأمد حيض، ولا تقدير من الشرع لأقله، فالأصل واليقين أنها حائض، فإن جاوزت أكثر الحيض قالوا: ما زاد استحاضة وما دونه حيض، وهذا أعدل الأقوال وأولاها بالصواب إن شاء الله تعالى.
أحكام المميزة
أحكام المميزة قال المصنف رحمه الله: [فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود، ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله؛ فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني، والأحمر استحاضة]. النوع الثالث: المميزة. والمميزة من التمييز، وتمييز الشيء: أن تكون له حلية وأوصاف يتميز بها عن غيره، وهذا النوع يعتبر عند بعض العلماء أقوى من العادة، أي: رجوع المرأة التي تعرف طبيعة دمها إلى تمييزه أقوى عنده من رجوعها إلى العادة، فيردها إلى التمييز قبل أن يردها إلى العادة، وإن كان الصحيح أن العادة أقوى من التمييز لحديث عائشة في الصحيح لما سألت فاطمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لتنظر الأيام)، وقال في الحديث الآخر: (دعي الصلاة أيام أقرائك) وما قال لها: هل تميزين دم الحيض عن غيره أم لا؟ لكنهم يجيبون عن هذا الحديث قائلين: إنها لو ميزت ما سألت، فالمقصود: أن بعض العلماء يرى أن التمييز أقوى. وخالف الإمام أبو حنيفة النعمان رحمة الله عليه فضعف التمييز، والصحيح: أن التمييز حجة ومعتبر.
دليل العلماء في اعتبار التمييز
دليل العلماء في اعتبار التمييز ما الدليل على أن التمييز يعتبر في الحيض؟ قوله عليه الصلاة والسلام لـ فاطمة في إحدى الروايات في السنن: (إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة)، الشاهد: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) فردها إلى ضابطه وإلى لونه الذي يتميز به، أما اللون الأسود فهو أقواها، ثم يليه الأحمر وهو الطبيعة في دم النساء، ولكنهم قالوا: أحمر محتدم، أي: شديد الحمرة حارق، ويسميه العلماء (القاني) وتعرفه النساء بوصفه، ثم الذي أخف منه هو المشرق، ويسميه بعضهم: الأشقر أو الأشيقر من الشقرة، وقيل: إن الأشقر هو الصفرة التي وردت في حديث أم عطية، ثم يليه الأصفر، ثم يليه الأكدر، والأكدر: كالماء الكدر، ويكون كالماء المتعكر ضارباً إلى شيء من الخضرة، ثم التربي، هذا بالنسبة لألوان دم الحيض، والمرأة تميز باللون وبالرائحة وبالكثرة والقلة وبالألم وبالغلظ والرقة، هذه ضوابط التمييز، ثم سنفصل فيها.
التمييز باللون
التمييز باللون تميز المرأة دم الحيض باللون كالآتي: إن جاءتك امرأة تسأل وقالت لك: جرى معي دم الحيض ثلاثة أيام أسود، ثم ثلاثاً أحمر، ثم ثلاثاً أسود، وعادتي ستة أيام؟ فتقول: الثلاثة الأُول حيض، والثلاثة الحمراء استحاضة، والتي بعدها حيض، فأنت طاهر في الثلاث الوسطى، حائض في الأولى والأخيرة، ويحكم بخروجك من الحيض في اليوم التاسع. فهذه قضية التمييز باللون. وإذا قالت لك: جرى معي يومين؛ يوم أحمر شديد الحمرة، ثم يوماً خفيف الحمرة، أو يومين آخرين خفيف الحمرة، ثم يومين شديد الحمرة، ثم يومين خفيف الحمرة، وعادتي ستة أيام؟ فتقول: اليومان الأولان حيض فلا تصومي ولا تصلي، واليوم الثالث والرابع اللذان يليانهما استحاضة فصومي وصلي، ثم اليومان اللذان اشتدت فيهما حمرة الدم فهذه علامة الحيض فأنت حائض، فتضيفين اليومين هذين إلى اليومين الأولين، فهذه أربعة أيام، ثم تحكمين بطهارتك بانقضاء اليوم الرابع، وتدخلين في الاستحاضة في اليوم الخامس والسادس، ثم في اليوم السابع تدخلين في اليوم الخامس من حيضك، واليوم الثامن هو اليوم السادس من الحيضة، فيحكم بانتهاء حيضك في اليوم الثامن، هذا بالنسبة للأحمر. وإذا قالت: جاءني أحمر مع اختلاف الأوصاف، فجاءني: يومان أحمر، ويومان أصفر، ويومان أحمر، ثم يومان أصفر، ثم يومان أحمر، ويومان أصفر، ثم يومان أحمر، وعادتي ثمانية أيام؟ فتقول لها: أيام الحمرة حيض، وأيام الصفرة استحاضة. هذا بالنسبة لمسألة اختلاف ألوان الدم، وهذا التمييز باللون.
التمييز بالرائحة
التمييز بالرائحة دم الحيض له رائحة شديدة النتن، بخلاف دم الاستحاضة فهو أخف منه، فإذا استطاعت أن تعرف دم حيضها برائحته، فقالت: جاءني دمٌ أحمر عشرين يوماً، ففي الحالة الأولى -التمييز باللون- لا بد أن تختلف الألوان، لكن التمييز بالرائحة يكون اللون فيه واحداً وتختلف الرائحة، فتقول: جاءني عشرين يوماً دم أحمر، فهل كله حيض؟ فتقول: لا، ليس بحيض، وتسألها: هل لك عادة؟ فإذا قالت: ما لي عادة، أو قالت: عادتي ستة أيام، فتقول: هل تستطيعين تمييزه بالرائحة؟ فإذا قالت: نعم، رائحته في الستة الأُول كرائحة دم الحيض، وفي الأربع عشرة الباقية ليست فيه رائحة الحيض، فتحكم بكونها حائضاً في الستة الأول دون ما بقي. ولو قالت: بقي يومين برائحته، ثم أربعاً بدونها، ثم يومين برائحته، ثم أربعاً بدونها، ثم يومين برائحته. فما الحكم؟ تقول: تلفقين -وهذا يسمى: مذهب التلفيق- فاليومان اللذان فيهما رائحة دم الحيض فهو حيض، والأربعة الأيام التي ليست فيها رائحة دم الحيض فهي استحاضة، ثم بعدها دخلت في اليوم السابع في ثالث أيام العادة، وفي اليوم الثامن في رابعه، وقس على هذا. فإذاً: تميَّز بالرائحة.
التمييز بالألم
التمييز بالألم الضابط الثالث للتمييز: التمييز بالألم، فإذا كان اللون واحداً -جاءها أحمر- وقالت: لا أستطيع أن أميز بالرائحة، كأن لا يكون عندها حاسة الشم، أو أنها مزكومة مثلاً، أو أن دم حيضها ليس له ضوابط في الرائحة، فيكون التمييز بالألم، فإذا قالت: جاءني عشرين يوماً، ولكن في الستة الأيام الأول كان مؤلماً حارقاً -وعادتي ستة أيام- فتقول: كونه في هذه الأيام بهذه الصفة، فهو دم حيض، والأيام الباقية دم استحاضة.
التمييز بالقلة والكثرة
التمييز بالقلة والكثرة الضابط الرابع في التمييز: الكثرة والقلة، قالوا: إن دم الاستحاضة تثجه ثجاً ويكون نازفاً بخلاف دم الحيض، فقالوا: إنه يتميز بكثرته وقلته، وبعضهم يضع بدل الكثرة والقلة علامة أخرى وهي: الرقة والغلظ، فإذا قالت لك امرأة: جاءني دم الحيض شهراً كاملاً، فاسألها: هل تستطيعين أن تميزي باللون؟ فإذا قالت: لونه واحد، فاسألها عن الرائحة؟ فإن قالت: ما أستطيع، فاسألها عن الألم؟ فإذا قالت: لا أستطيع أن أميز، لكن ألاحظ أن الستَّةَ الأول كان الدم فيها ثقيلاً غليظاً، والأربعة عشر الباقية من العشرين، أو الأربعة عشر يوماً الباقية من الثلاثين كان رقيقاً، فتقول: الست الثخينة والغليظة حيض، والباقي استحاضة، فهذه ضوابط التمييز: اللون، الريح، الألم، الكثرة والقلة، والغلظ والرقة، وقد جمعها بعض العلماء بقوله: باللون والريح وبالتألم وكثرة وقلة ميز الدم هذا على المذهب الذي يقول بالكثرة والقلة. وبعضهم يرى دخول الغلظ والرقة فيقول: باللون والريح وبالتألم وغلظ ورقة ميز الدم أي: ميز الدم بهذا، هذا بالنسبة لقاعدة التمييز، فالمرأة التي ابتدأها الحيض لو جاءها الدم اليومين الأولين بلون أحمر، ثم اليومين اللذين يليان بلون أصفر، ثم يومين أحمر، ثم يومين أصفر، فنحكم بكونها حائضاً في اللون الذي هو أثقل -الذي هو الأحمر دون الأصفر- هذا بالنسبة لقضية تمييز الدم ورجوع المبتدأة إليه، وهكذا بالنسبة لغير المبتدأة. قال المصنف رحمه الله: (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود). هذه المبتدأة، والكلام الأول إذا كان الدم على وتيرة واحدة، وانظر هنا إلى دقة المصنف حيث جاءك بجميع أحوال النساء، فقال لك: (المبتدأة تجلس أقل الحيض)، ثم قال: (فإن تكرر ثلاثاً) فانتقل إلى العادة وأثبت لها العادة، ثم قال: (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود) فانتقل إلى التمييز. قال المصنف رحمه الله: [ولم يعبر أكثره ولم ينقص عن أقله فهو حيضها تجلسه في الشهر الثاني والأحمر استحاضة].
التي لا تستطيع أن تميز ترجع إلى غالب الحيض
التي لا تستطيع أن تميز ترجع إلى غالب الحيض قال رحمه الله: [وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر]. ما حكم امرأة جرى معها الدم، وليس لها عادة، وليس لها تمييز؟ قال: إذا استمر حتى جاوز أكثر الحيض فنردها إلى غالب الحيض، فاستفدنا الآن من الثلاث النقاط التي كنا نبحثها: أقل الحيض، وأكثر الحيض، وغالب الحيض، ففهمنا أقل الحيض في المبتدأة ووضعناه شرطاً وقيداً لها، وأكثر الحيض إذا جاوز أو وازى، وعرفنا حكم كلٍ منهما، ثم إذا كانت لا تستطيع أن تميز ولا تستطيع أن تضبط بضابط فإنها ترد إلى غالب الحيض، أي: غالب الأيام التي تجلسها النساء، وما هو الغالب في النساء إذا أصابهن الحيض؟ قالوا: الغالب أن المرأة إذا أصابها الحيض يمكث ستة أيام إلى سبعة، ودليلنا على ذلك السنة، من قوله عليه الصلاة والسلام: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، فردها إلى الغالب، فقال العلماء: الست والسبع هي غالب حيض النساء، فالمرأة إذا التبس عليها واستمر معها الدم، ولم يمكن معرفة الحيض لا بالتمييز ولا بالعادة، فإنها ترد إلى غالب الحيض، وقد تأتيك المرأة معتادة ولكن نسيت عادتها ولا تستطيع أن تميز، فتردها إلى غالب الحيض، فإن فقدت العادة وفقدت التمييز فإنها ترجع إلى غالب الحيض.
أحكام المرأة المستحاضة المعتادة
أحكام المرأة المستحاضة المعتادة قال رحمه الله: [والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها]. (المستحاضة المعتادة) المستحاضة: استفعال من الحيض، أي: استمر معها دم الحيض، فالمرأة إذا استمر معها الدم ثلاثين يوماً -كما قررنا - فليس كله حيضاً، بل بعضه حيض وبعضه طهر -الذي هو الاستحاضة- والدليل على ذلك: قوله عليه الصلاة والسلام لما سألته السائلة وهي حمنة رضي الله عنها قالت له: (يا رسول الله! إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟) فهذه امرأة استمر معها الحيض خمس سنوات والدم يجري معها، وهذا يقع في بعض النساء: (إني أستحاض فلا أطهر)، وفي رواية: (حيضة شديدة فلا أطهر)، أي: لا أرى نقاء ولا طهراً، فهذه المرأة مستحاضة، وكانت لها عادة، فتردها إلى العادة وتقول لها: اجلسي قدر الأيام التي كنت تحيضينها، فلو قالت: عادتي خمسة أيام، فقل لها: هي حيضك، والزائد استحاضة، فإذا قالت: ما عندي عادة، فتقول: ميزي الدم؛ إما بلون، أو رائحة، أو ألم، أو كثرة أو قلة، فإذا قالت: لا أستطيع التمييز، تقول: حينئذٍ أردك إلى غالب حيض النساء، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً)، والباقي استحاضة، ثم احكمي بدخولك في الحيضة الثانية بعد انتهاء الاستحاضة وهكذا.
الحكم في حال نسيان المرأة المميزة لعادتها
الحكم في حال نسيان المرأة المميزة لعادتها قال رحمه الله: [وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح]. قوله: (وإن نسيتها) أي: نسيت عادتها، (عملت بالتمييز الصالح)، ولكن في بعض الأحيان تنسى العادة وزمانها، والمرأة المعتادة ينبغي أن تفهم فيها أمرين: أولاً: أن تعرف قدر العادة الذي هو الستة الأيام أو السبعة الأيام، أي: قدر ما يجري معها دم الحيض. والأمر الثاني: أن تعرف هل عادتها في أول الشهر، أو آخر الشهر أي: كونك تعلم أن حيضها ستة أيام، لا يكفي؛ لأنه قد يرد Q هل تحسب ستة أيام من أول الشهر أو من وسط الشهر أو من آخره؟ فقد تجد امرأة تأتيها عادتها ستة أيام من أول الشهر، وتجد امرأة ثانية تأتيها عادتها ستة أيام من وسط الشهر، وتجد امرأة ثالثة تأتيها عادتها ستة أيام من آخر الشهر، فليست قضية قدر الحيض هي المعتبرة فقط، بل ينبغي أن تعرف في المعتادة أمرين: الأمر الأول: قدر العادة، وهو قدر الأيام التي تحيضها. والأمر الثاني: زمان العادة -أول الشهر، وسط الشهر، آخر الشهر- لأنه لا تسألك إلا امرأة استمر معها الدم، وقد يستمر معها ستين يوماً، فلو قلت لها: تحيضي ستة أيام، مباشرة ستقول لك: رحمك الله، أستاً من أول الشهر، أم من وسط الشهر، أم من آخر الشهر؟ لأنها التبس عليها الأمر، ونسيت زمان العادة. والمرأة أحياناً تنسى قدر الحيض ومكانه، أي: موضعه من الشهر: أوله، أوسطه، آخره. وقد تعلم الموضع وتنسى القدر، أو تنسى القدر وتعلم الموضع. فالحالة الأولى: أن تنسى القدر ولكن تعلم الموضع، فتقول: كانت لي عادة، ولكن نسيت الآن هل هي خمسة أيام، أو ستة أيام، أو سبعة أيام؟ لكني أعلم أنها دائماً تأتيني في أول الشهر. الحالة الثانية: أن تنسى الموضع وتعلم القدر، فتقول: حيضي ستة أيام، ولكن لا أدري: أهي في أول الشهر، أم في وسطه، أم في آخره؟ الحالة الثالثة: أن تنسى القدر وتنسى الموضع. وهذه الثالثة يسمونها: المتحيرة. وأحياناً يقولون: المحيرة، وكلاهما صحيح. قالوا: متحيرة في نفسها، ومحيرة؛ لأنها حيّرت العلماء رحمة الله عليهم؛ فنسيت قدر أيامها ونسيت موضع حيضها، فإن كانت نسيت قدر الأيام وعلمت المكان، فتقول لها: تحيضي ستاً أو سبعاً، وتردها إلى الغالب، بشرط: أن لا يكون لها تمييز صالح، وإن نسيت الموضع وعلمت القدر فتردها إلى أول الشهر؛ لأنه الأصل، فإذا قالت لك: أنا أعلم أن حيضي ستة أيام، ولكن نسيت هل هي في أول الشهر أو وسطه أو آخره؟ كما لو أغشي على امرأة -والعياذ بالله- بغيبوبة أو إغماء، ثم أفاقت ونزفت وقالت: أنا أذكر أني أحيض ستة أيام، ولكن نسيت أهي في أول الشهر أم في منتصفه أم في آخره؟ فتردها إلى أول الشهر؛ لأنه الأصل، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: (تحيضي في علم الله ستاً أو سبعاً) ثم يحكم بطهارتها بعد ذلك؛ لأن الأصل أنه لما جرى معها دم الحيض أنها حائض بمجرد جريانه، فلما دخل عليها أول يوم في الشهر فاليقين أنها حائض، ولذلك يقولون: إذا نسيت موضع عادتها ردت إلى أول شهرها. ثم أيضاً هذه التي نسيت القدر، في بعض الأحيان تقول لك: أنا متأكدة أنه في وسط الشهر، أو أنا متأكدة أنه في النصف الأول من الشهر، لكن لا أدري أفي النصف الأول منه أم في النصف الثاني؟ أي: في السبعة الأيام الأول أو السبعة الأيام الثانية، ثم إذا قالت لك: أنا متأكدة أنه في آخر الشهر، ولكن ما أدري أفي نصف نصفه الأول الذي هو الربع الثالث، أم في الربع الرابع من الشهر؟ فيلتبس عليها، فهذه صورة ثانية من التي يلتبس عليها موضع العادة. فبعض العلماء يقول -كما نبه المصنف عليه-: نردها إلى أول الشهر مطلقاً، سواء استيقنت الموضع ونسيت تحديده، أو نسيت الأمرين. فإذا قالت لك: حيضي في النصف الثاني من الشهر، لكن لا أدري أيبدأ من خمسة عشر، أم يبدأ من ثلاثة وعشرين مثلاً فتقول: اليقين عندي أن تبدأ بأول الشهر كما يقول المصنف، والأقوى أن يقال: تبدأ من نصف الشهر الذي هو من يوم خمسة عشر، كما اختاره بعض العلماء رحمة الله عليهم؛ قالوا: لأننا على يقين أن النصف الأول هي طاهرة فيه، والشك إنما وقع في النصف الثاني، فينبغي أن يقصر الشك على موضع التردد ولا يلحق إلى موضع اليقين، وهذا لا شك أنه أقوى الأقوال، فيقال لها: اعتبري الست من أول منتصف الشهر الثاني، هذا إذا كانت لا تعلم موضعه. إذن: لو قالت لك: أنا أعلم أن حيضتي في نصف الشهر الأول، ولكن لا أدري أفي أول الشهر يبدأ، أم من اليوم السابع، فتقول: اليقين أنك تبدئين من أول الشهر، فهي من أول الشهر حائض، وهكذا بالنسبة لنصفه الثاني.
الحكم في نسيان غير المميزة لعادتها
الحكم في نسيان غير المميزة لعادتها قال المصنف رحمه الله: [فإن لم يكن لها تمييز، فغالب الحيض؛ كالعالمة بموضعه الناسية لعدده]. قوله: (كالعالمة بموضعه الناسية لعدده) سبحان الله العظيم! من دقة الفقهاء رحمة الله عليهم أنه من الممكن أن يجمعوا لك ثلاث مسائل في أصل وشبهه. فالآن لما بين لك حكم المرأة الناسية، أدخل عليها كاف التشبيه، فقال: [كالعالمة بموضعه] فالآن أدخل لك صورتين: صورة الأصل التي نتكلم عليها، ومسألة النسيان. قوله: [فإن لم يكن لها تمييز] لو قالت لك امرأة: العادة ليست لي عادة أو نسيت العادة بالكلية؟ فتقول: إذاً ميزي بلون او برائحة الدم؟ فإذا قالت: لا أستطيع أن أميز فإذا كان لا عادة لها ولا تمييز، رجعت إلى غالب الحيض. فالدرجات عندنا كالآتي: أولاً: العادة، ثم يليها التمييز، ثم يليها الحكم بغالب الحيض. هذا بالنسبة لأحوال المرأة المستحاضة. قال المصنف رحمه الله: [كالعالمة بموضعه الناسية لعدده]. ردها إلى غالب الحيض، ثم أدخل مسألة العالمة بموضعه الناسية لقدره، وأيضاً العالمة بقدره الناسية لموضعه، أو الناسية لكلا الأمرين. قال المصنف رحمه الله: [وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر]. كأن تقول: أنا أعلم أني أحيض ستة أيام، ولكن نسيت هل في أول الشهر أو في آخر الشهر. (وإن علمت عدده، ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلستها من أوله كمن لا عادة لها). قوله: (ولو من نصفه) كما قدمنا الإشارة إلى الخلاف في ذلك. قوله: (ولو من نصفه جلستها من أوله) فلو قالت لك: أنا أعلم أن القدر ستة أيام، ولكن لا أعلم الموضع؛ فإنها: ترد إلى أول الشهر مطلقاً. والصحيح كما قلنا مذهب التفصيل: فإذا جهلت هل هو في النصف الأول أو الثاني فإننا نردها إلى أول الشهر، ما الدليل؟ أنه بدخولها في أول الشهر والدم معها فالأصل فيها أنها حائض، فنبقى على اليقين؛ لأن اليقين لا يزول بالشك. فالأصل في الدم أنه دم حيض، وبناءً على ذلك قالوا: نحكم بكونها حائضاً بدخول أول الشهر، لكن قال: (ولو في نصفه) يعني: ولو وقع الشك في النصف الثاني، قال: (جلستها من أوله). وقلنا: هذا مذهب مرجوح، والصحيح: أنها يفصل فيها على نصفه الثاني دون أوله.
حكم المعتادة إذا اختلت عادتها
حكم المعتادة إذا اختلت عادتها قال المصنف رحمه الله: [ومن زادت عادتها أو تقدمت أو تأخرت فما تكرر ثلاثاً حيض]. هنا مسألة أخرى، عرفنا المبتدأة والمعتادة والمميزة والمتحيرة، وعرفنا حكمهن، لكن هناك Q مثلاً عندنا المرأة معتادة لها سنة كاملة وهي تحيض ثمانية أيام على وتيرة واحدة، فلما حملت ووضعت جاءها دم الحيض بعد انتهائها من النفاس والوضع ولكنه أقلّ من الأمد الذي كانت تجلسه، فقد كان حيضها ثمانية أيام، ولكن بعد النفاس جاءها سبعة أيام، أو ستة أيام، أو خمسة أيام، وانقطع وبقيت طاهراً إلى أن جاء الشهر الثاني، فجاءها خمسة أيام وانقطع، ثم بقيت طاهراً، وفي الشهر الثالث جاءها خمسة أيام وانقطع، فما الحكم؟ نقول: انتقلت عادتها من الثمانية أيام إلى الخمسة، هذا إذا كان العدد أقل، لكن الإشكال هنا: لو أن عادتها خمسة أيام، ثم حملت وولدت، وبعد النفاس وانقطاع الدم دخلت في الحيض، فجاءها الحيض سبعاً بالزيادة، أو ثمانياً أو تسعاً، فما الحكم؟ مذهب الجمهور على أنها تجلس أيام الحيضة الأولى وهي الخمس، والزائد استحاضة، حتى يمر عليها ثلاثة أشهر بوتيرةٍ واحدةٍ، أو شهران عند الحنفية. فنفصل الأقوال على هذه المذاهب: الحنفية يقولون: إذا اختلت عادتها بالزيادة، فجاءها في الشهر الأول ستة أيام بزيادة يوم، والشهر الثاني جاءها ستة أيام بزيادة يوم، فهذا اليوم في الشهر الأول نقول لها: صومي وصلي فيه. ثم في الشهر الثاني بعد النفاس جاءها ستة أيام، فتثبت عادتها عند الحنفية ويطالبونها بقضاء اليوم السادس الذي مضى؛ لأنه ثبت أنه من الحيض. عند الحنابلة والشافعية -وهو ما اختاره المصنف- يقولون كالآتي: لا بد من أن تمر عليها ثلاثة أشهر بعد النفاس: في الشهر الأول ستة أيام، وفي الشهر الثاني ستة أيام، وفي الشهر الثالث ستة أيام، ففي الشهر الأول تصوم وتصلي في اليوم السادس، وفي الشهر الثاني تصوم وتصلي فيه كذلك، وفي الشهر الثالث يثبت أنه حيض، فتطالب بقضاء اليومين: الأول: الذي هو السادس من الشهر الأول، والثاني: اليوم السادس من الشهر الثاني. فالخلاصة أنهم يقولون: كل مختلة اختلت عادتها بالزيادة فإننا نحكم بصيامها وصلاتها في الشهر الأول، وفي الشهر الثاني تثبت عادتها عند الحنفية، وعند الشافعية والحنابلة لا تثبت إلا في الشهر الثالث. أما المالكية فيقولون: كل امرأة اختلت عادتها بالزيادة فإنها تستظهر بثلاثة أيام، أي: كل زيادة بلغت ثلاثة أيام وأقل فهي حيض، ففي الشهر الأول بعد النفاس، يلحق المالكية اليوم السادس -الزائد- بالحيض، ثم إذا جاء الشهر الثاني، فإنهم يلحقون اليوم السادس أيضاً بالحيض، وفي الشهر الثالث يحكمون بكونه حيضاً، وبكونها قد صارت عادتها ستة أيام، فلا يطالبونها بالقضاء، فأصبح الخلاف بينهم وبين الشافعية والحنابلة والحنفية في هذا اليوم: أن أولئك يحكمون بصيامها وصحة صلاتها، وهؤلاء يلحقونها بالحائض ما دام أن الزيادة ثلاثة أيام فدون. أما دليل المالكية على هذا الاستظهار فقالوا: إن الثلاث مهلة في الشرع؛ ولذلك قال: {تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ} [هود:65] قالوا: عهدنا من الشرع أن الشيء إذا أراد الإنسان أن يمهل فيه فإنه يمهل بثلاث، فتأخذ بهذا بدل أن نضع ضابطاً من عندنا، وهذه المرأة التي اختل وضعها، يحتمل أنه حيض ويحتمل أنه ليس بحيض، فتحتاط بالثلاثة الأيام، وهذا الاستظهار مردود، ولذلك رده حتى أئمة المالكية، وقالوا: إنه باطل، وممن انتصر لرده الإمام الحافظ ابن عبد البر وقال: إنه لا دليل عليه لا من الكتاب ولا من السنة، ولذلك نبقى على ما ذكرناه من أن الأصل فيها أنها طاهر، ودليلنا على بطلان هذا الاستظهار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها) فردها إلى العادة ولم يستظهر، فدل على بطلان الاستظهار؛ ولذلك لا اعتداد بهذا الاستظهار، فإذا سمعت -مثلاً- عالماً يفتي بالثلاث فتعلم أنه قد درج على مذهب من يقول بالاستظهار، والصحيح عدم الاعتداد به. قال المصنف رحمه الله: [وما نقص عن العادة طهر، وما عاد فيها جلسته]. هناك فرق بين اختلال عادة المرأة بالزيادة وبين اختلالها بالنقص، فإذا كانت عادتها ستة أيام وزادت عليها فإنها تنتظر ثلاثة أشهر عند الجمهور وشهرين عند الحنفية، هذا في حالة الزيادة، أما إذا كان الاختلال بالنقص فيحكم بكونها طاهراً بمجرد انقطاع الدم عنها.
حكم الكدرة والصفرة
حكم الكدرة والصفرة قال المصنف رحمه الله: [والصفرة والكدرة في زمن العادة حيض]. الصفرة والكدرة: الصفرة مأخوذة من اللون الأصفر، كما يقول العلماء رحمة الله عليهم: الصفرة التي تكون من المرأة كالصديد -كلون القيح- فيها خلاف للعلماء على ثلاثة أقوال: القول الأول: إلغاؤها مطلقاً، كما هو عند الظاهرية ومن وافقهم. والقول الثاني: الاعتداد بها مطلقاً. والقول الثالث: التفصيل، وهو أعدل المذاهب، فإن كانت الصفرة والكدرة في زمان الحيض فهي حيض، وإن كانت بعد انقضاء الحيض فليست بحيض. والدليل على ذلك: قول أم عطية رضي الله عنها كما في البخاري وغيره: (كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الحيض شيئاً). والدليل على الاعتداد بها: (أن أم المؤمنين عائشة كان النساء -كما في البخاري - يبعثن لها بالدّرجة فيها الصفرة والكدرة من دم الحيض، فتقول: انتظرن لا تعجلنّ حتى ترينّ القصة البيضاء)، الدُرْجة: مثل الخرقة (فيها الكرسف) الذي هو القطن، فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض. فحكمت بكونها حائضاً، مع أن ذلك صفرة وليس بحمرة ولا غيرها من ألوان الحيض؛ فدل على أن الصفرة والكدرة في زمان الحيض حيض.
تقطع الحيضة
تقطع الحيضة قال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاءً؛ فالدم حيض والنقاء طهر ما لم يعبر أكثره]. هذه المسألة فيها إشكال؛ لو أن امرأة قالت: يجري مني دم الحيض يوماً وينقطع يوماً، ثم يجري يوماً وينقطع يوماً وهكذا، فما الحكم؟ أولاً: مسائل الانقطاع هذه ينبغي أن يتنبه فيها للقاعدة التي ذكرناها في أقلّ الحيض، فعلى مذهب من يقول إنه لا حد لأقله -كالمالكية ومن اخترنا قوله- فإنه إذا مضى نصف يوم ثم كان اليوم الثاني طهر يوماً كاملاً، ثم خرج نصف يوم، ثم جاء طهر يوماً كاملاً فيرون أن ذلك من الحيض، فأيام الدم أيام حيض. أما من يقول بالأقل فيشترط في هذه المسألة -عند الشافعية والحنابلة- أن يكون يوماً وليلة، مثال ذلك: أن ترى يوماً وليلة دماً، ويوماً وليلة طهراً وهكذا، لكن لو جئت تسأل شافعياً أو حنبلياً أو من يرجح مذهب الشافعية والحنبلية في امرأة جرى منها الدم نصف يوم، ثم انقطع يوماً ونصف، ثم نصف يوم، ثم انقطع يوماً ونصف، فإنه سيقول هذا ليس بحيض وإنما هو استحاضة. فهذه فائدة معرفة أقلّ الحيض، فلا بد عند هؤلاء الذين يقولون بالأقل من أن يكون بلغ أقل الحيض، ولا يحكمون بكونه حيضاً إلا إذا بلغ الأقل، ولذلك قال المصنف: (ومن رأت يوماً دماً ويوماً طهراً). والحنفية يقولون: يكون ثلاثة أيام دماً، ويوماً طهراً، وثلاثة أيام دماً، ويوماً طهراً؛ لأن الأقل عندهم ثلاثة أيام. إذًا: فرض المسألة على المذاهب بهذا الشكل، عند الحنفية: تكون ثلاثة أيام دم؛ لأنهم يعتبرون الثلاث حداً أقلياً. والمالكية لا يحددون ويقولون: أن ترى الدم، وعند الشافعية: أن يكون يوماً وليلة، والحنابلة مثلهم. فقال المصنف رحمه الله: [ومن رأت يوماً دماً ويوماً نقاء فالدم حيض والنقاء طهر]. هذه مسألة خلافية: لو أن امرأة جاءتك وقالت: مكثت شهراً؛ أرى يوماً دماً ويوماً طهراً وهكذا فما الحكم؟ وعادتها خمسة أيام. للعلماء فيها قولان: قال بعض العلماء: تجلس خمسة أيام من أول ما يأتيها الدم، فيصبح اليوم الأول الذي رأت فيه الدم حيضاً، وكذلك الثاني والثالث والرابع والخامس، ويصبح اليومان اللذان هما متخللان للخمسة أيام -اليوم الثاني والرابع- عند أصحاب هذا القول مع كونهما طهراً حيضاً. هذا مذهب القول الأول. القول الثاني يقول: اليوم الذي رأت فيه الدم يصير حيضاً، واليوم الذي رأت فيه النقاء يصير طهراً، ثم تعد بحسب أيام الدم، فاليوم الأول حيض، والثاني طهر، والثالث حيض، والرابع طهر، وهكذا حتى تبلغ الخمسة الأيام، والمذهب الثاني يسمى: مذهب التلفيق، وقال به فقهاء الشافعية والحنابلة والمالكية، وهو الأقوى والأرجح إن شاء الله. فللعلماء وجهان: مذهب يقول: كل أيامها حيض بقدرها، فإذا كانت عادتها ستاً فإنها تعتبر بتمام اليوم السادس، وهذا المذهب مرجوح كما قلنا. المذهب الثاني يقول: إنها تعتبر طاهراً في اليوم الذي فيه نقاء، حائضاً في اليوم الذي فيه دم، وبناءً على ذلك: إذا كانت عادتها ستة أيام فمتى يحكم بخروجها من عادتها على القول الثاني؟ يقولون: اليوم الأول حائض، واليوم الثاني طاهر فتصوم وتصلي، واليوم الثالث والخامس والسابع والتاسع والحادي عشر حائض؛ إذًا: تخرج بتمام الحادي عشر. وهذا يسميه العلماء: مذهب التلفيق؛ لأنها تلفق أيامها، وقال به جمهور العلماء، وهو موجود عند المالكية والشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم، وهو أقوى الأقوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علّق الحيض على وجود الدم، وهو أصل في الشرع، فإن تخلّف الدم ورأت النقاء فإنها طاهر، ولا يحكم بكونها حائضاً.
فائدة في مسألة سؤال الشيخ لتلاميذه أمام الناس
فائدة في مسألة سؤال الشيخ لتلاميذه أمام الناس هنا اقتراح يقول: لو كان هناك بعض الأسئلة من قبل الشيخ في نهاية كل درس؛ وذلك لأمرين: حتى يعرف مدى فهم الطلاب وإدراكهم للدرس، ولتمرين الطلاب على المسائل وحلّها ومعرفتها، وجزاكم الله خيراً. أقول: جزاك الله خيراً على هذا، والاقتراحات- شيء طيب حقيقةً وإذا كان أحد يريد أن يرى رأياً في أمر فيه مصلحة للجميع فهذا لا شك أنه من النصيحة، وجزى الله الأخ الفاضل على هذا الاقتراح خيراً، لكن عسى الله أن يعيننا عليه. هذا الاقتراح محل نظر، أولاً: تعرفون أن الدرس نصف شهري، والوقت ضيق جداً. والأمر الثاني: أنا أمتنع من السؤال لأمور؛ أولاً: أنه فتنة للمسئول، فقل أن تجد طالباً يقوم يجيب أمام إخوانه، ويسلم من الرياء وحظوظ النفس ووساوس الشيطان، وأنا أقول: قلّ؛ لأن أكثر النفوس ضعيفة، ولعل أن يكون هناك نوادر، لكن هذا أمر آخر، أما الغالب: الفتنة، ولا يجيب أحد غالباً إلا ويفتن، فلو أن إنساناً سلم، يبقى الإشكال في أمر آخر وهو: لو أني اخترت أحداً يجيب، فسألته فلم يستطع أن يجيب فماذا تتوقعون؟ قد تضعف همته، وتنكسر نفسيته، وقد يقول: الشيخ ينظر إليّ نظرة أخرى، ولن أحضر الدرس مرة أخرى، وقد وقع من ذلك شيء لزملاء أعرفهم. الأمر الثالث: الطالب حينما تقيمه فيجيب، يحتاج عشر دقائق -الله المستعان- حتى يتهيأ للسؤال، فتصتك القدمان، ويتلعثم اللسان، ويبلع ريقه، ويجلس فترة حتى يستطيع مواجهة الجمهور، وهذا أمر صعب، وخاصة أن الإنسان قد يكون لأول مرة يجيب في محضر، ويضيع الوقت، ثم قد تكون إجابته ناقصة، وأنا حقيقة أراعي ما كنا عليه على أيام مشايخنا، فقد كانوا يستحبون أن لا يتكلم الطالب في مجالس العلم؛ لأن ذلك أدعى للهيبة، وأحفظ لحرمة الدرس، ولكم عليّ -إن شاء الله- ما أخرج من هنا حتى أجيب آخر سائل، وأنا أقول: هذه الطريقة اجتهاداً مني، وقد يكون العلماء والمشايخ والفضلاء لهم طريقة أخرى للمناقشة، لكن الذي أراه: أن نلقي الدروس ونلقي الفوائد، فيذهب الطالب إلى بيته مخلصاً لوجه الله عز وجل، يضع كتابه ودفتره أمامه ويراجع ويحرر، ويرى اثنين من طلاب العلم يسهر معهم أو يراجع معهم أسبوعياً، وإذا به بإذن الله عز وجل قد ضبط العلم وأتقنه. أما أن يحُرَج أو يجيب أمام الناس فهي في الحقيقة تذهب الحرمة، وأنا أقول من باب الفائدة: لا أذكر أني تكلمت خلال أكثر من عشر سنوات بين يدي أبي إلا مرة أو مرتين، سألت سؤالاً فقط، وأما غيره فلا ولله الحمد؛ لأنه أدعى للحرمة وأدعى للهيبة، والإنسان الذي هو طالب علم يركز، ويتعود على الفهم بالإلقاء، ولذلك يقولون: درجات الفهم أعلاها وأرقاها: أن يكون الإنسان عنده استيعاب من نفسه، لا من خارج؛ لأن قضية المناقشات والحوار صحيح أنها تحرك الطالب، لكن تحركه متى ما كان الحوار موجوداً، لكن إذا كان طالب العلم الكامل تحركه العلوم وتحركه الفوائد والحكم، وكان متفاعلاً مع ذات العلم لا لمناقشة، فهذه أصالة في الفهم، وقوة في شخصية طالب العلم، وهذا رأي ووجهة نظر، وقد تختلف آراء العلماء، وكلٌ له وجهة نظر، وصحيح أن الحوار فيه فوائد؛ منها: أن الطالب يكمّل نقصه، كما يقولون: يتشجع على مواجهة الناس، وهذه عليها ملاحظة؛ لأن كل ما كان طالب العلم ينتظر من الله أن يفتح عليه فهذا أفضل، والله ما كنا نستطيع أن نقف أمام شخص أو شخصين، وكان يقال: المفروض أنك تتهيب أن تقف أمام الناس، وكان الوالد يقول لي كلمة واحدة، وأقول لكل طالب علم: اصبر، فإن كان عندك علم يراد به وجه الله فسيخرجك الله ولو بعد حين، وسيقبض لك من يأخذ عنك العلم، ويقيض لك من ينتفع بك، ويقيض لك من يحبك ويصدق حتى في علمه وتعليمه والأخذ عنه، هذا أمر يرجع إلى معاملة الإنسان مع الله عز وجل، وهي أسباب، قد تختلف فيها وجهات النظر، لكن أنا أرى الأخذ بالاحتياط والسلامة، هذا في وجهة نظري، خاصة أن الوقت ضيق جداً، وتصوروا لو أننا جلسنا نصف ساعة نناقش لذهب نصف وقت الدرس، وقد يكون الطالب في بعض الأحيان يحب أن يناقش، يعني تأتي تسأله وإذا هو الذي يسألك، وتأتي تستذكر معه -مثلاً- وإذا هو الذي يذاكرك، فقضية المناقشة لها سلبيات عديدة، وقالوا أيضاً عنها: إنها تجرئ بعض طلاب العلم الذين لا يحسنون وتبرزهم في الناس، فعندما يتعود الإنسان على الجرأة ويفتح له المجال في حلق العلم، قد يتجرأ على الفتوى، وقد يتجرأ على العلم، ولذلك تجد بعض النوعيات التي تكون بهذه المثابة تضر بنفسها وتضر بغيرها. على العموم: هذه وجهة نظر، لكن لو ترجح عندك أنك تناقش وتناظر، فكل له مشربه. ونسأل الله العظيم أن يرينا الصواب وأن يوفقنا له. والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
انقطاع الدم لمدة عام بسبب المرض
انقطاع الدم لمدة عام بسبب المرض Q امرأة انقطع عنها الدم لمدة عام كامل أو يزيد، فهل هي في طهر طوال هذه المدة؟ وما الحكم إن كان سبب الانقطاع مرضاً؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: مسألة الطهر بحثنا فيها من جانبين: أقل الطهر، وأكثر الطهر. أقل الطهر: وهي لا تسأل عن أقلّ الطهر، إذ أن أقلّ الطهر تستفيد منه لما تكون المرأة يجري معها الدم، فتقول: إن عادتها -مثلاً- ستة أيام، فستة أيام هي الحيض، وطهرها هو الباقي إذا كان لها عادة، أما إذا لم يكن لها عادة فتعطيها أقلّ الطهر في جريان الدم، لكن لو أن المرأة استمر معها الطهر أكثر من سنة أو سنتين أو ثلاث فلا حد لأكثر الطهر فقد تبقى المرأة طاهرة خمس سنوات أو ست سنوات ويحكم بكونها طاهرة؛ لأن الشرع علّق الحكم على وجود الدم، والدم غير موجود، فهي طاهرة طيلة انقطاع الدم عنها، ولا يحكم بكونها حائضاً بالتقدير والأمد ما دام أن الدم غير موجود. والله تعالى أعلم.
استمناء الرجل بيد الزوجة أثناء حيضها
استمناء الرجل بيد الزوجة أثناء حيضها Q هل يجوز للمرأة أن تستمني لزوجها بيدها وهي حائض؟ A قد يستغرب البعض من هذا السؤال، لكن اعذروا أخاكم، والحقيقة أن مسائل الدين قد يكون بعضها محرجاً، لكن هذا ديننا وهذه شريعتنا، وافرض أنك طالب علم ويوماً من الأيام سئلت هذا السؤال، فبماذا ستجيب؟ قال بعض العلماء: أحل الله المرأة للرجل، فله أن يستمني بيدها، وله أن يستمني بالمفاخذة، وله أن يستمني بأي وضع ما لم يكن في الموضع المحرم؛ لأن الله يقول: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187]، وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} [البقرة:223]، فلما كان ضرباً من الشهوة، والناس يختلفون في انقطاع وانكفاف شهوتهم؛ فإن الأصل حِل الاستمتاع حتى يدل الدليل على المنع، فاستمناء الرجل بيد المرأة أو بالفخذ كل ذلك جائز، ولا حرج فيه حتى يدل الدليل على التحريم والمنع، وقد يجوز الشيء منفصلاً ولا يجوز متصلاً، ولذلك يحرم الاستمناء متصلاً -بيد نفسه- ويحل منفصلاً -بيد غيره كالزوجة مثلاً-؛ لأن الشرع أذن بالاستمتاع بالموضع المنفصل، ولم يأذن بالاستمتاع بالموضع المتصل، فكان محرماً في الاتصال حلالاً في الانفصال، فلا حرج أن يستمني بيد المرأة، ولا إثم عليه ولا عليها في ذلك؛ لأن الرجال يختلفون في الشهوة، والمقصود من زواج الرجل من المرأة أن تطفئ شهوته، وأن تعفه عن الحرام، فالأصل في الاستمتاع الحلّ حتى يدل الدليل على التحريم، ولا دليل هنا على التحريم. والله تعالى أعلم.
حكم استعمال اللولب
حكم استعمال اللولب Q ذكرتم في الدرس الماضي أن استعمال ما يسمى باللولب غير جائز، فهل يعني أنه محرم؟ وماذا تفعل المرأة التي اضطرت إلى تركيبه؛ نظراً لعدم قدرتها على الحمل بكثرة، وهل يلزم عليها إخراجه؟ A اللولب لا يجوز، وقد بحثت جميع المبررات التي ذكرت له فلم أر مسوغاً لوضعه. أولاً: فيه استباحة النظر إلى الفرج، وقد يكون الطبيب رجلاً، وهذا معلوم أن الأصل حرمته. ثانياً: فيه استباحة الإيلاج في الموضع، ويتكرر ذلك مرات وكرات؛ أولاً: لوضعه، ثم للكشف عليه، وتهيئة وضعه ومناسبته للمكان، وكل ذلك يحصل فيه الإيلاج الذي حرم الله عز وجل، فأصبح فيه النظر، وأصبح فيه الإيلاج، مع ما فيه من مفاسد على الموضع، ومفاسد على العادة، فقلّ أن تضعه امرأة -بشهادة أهل الخبرة والأطباء والحس والتجربة- إلا اختلت عادتها، واضطرب عليها حيضها، وأصبح عندها ارتباك حتى تلتبس عليها صلاتها، ويلتبس عليها صيامها، وفيه من المفاسد أنه يمنع النسل، ويحول بين النسل الذي هو مقصود الزواج؛ قال صلى الله عليه وسلم: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا، فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة) فمقصود الشرع: التناسل والتكاثر. والحقيقة أن كثيراً من النساء -أصلحهن الله- لا يرغبن في الحمل إلا من رحم الله، وهذا لا شك أنه مخالف للشرع، وفيه تفويت لكثير من المصالح الشرعية، وعلى المرأة أن تتوكل على الله، وأن تحسن اليقين بالله، وقد كان النساء إلى عهد قريب من الزمان تلد المرأة أربعة عشر ولداً وفيهم البركة وفيهم الخير، وهي من أحسن ما يكون وما وقع لها شيء، واليوم تجد المرأة بمجرد ما تضع الابن والبنت إذا بها لا تريد الحمل، وتختلق المبررات والأسباب لكي تقطع الحمل، وهذا من محق البركة، نسأل الله السلامة والعافية. يذكرون عن طبيب هندي وثني أنه جاءه رجل مسلم وقال له: أريد أن تربط لزوجتي، فقال له: لماذا؟ قال له: لا أريد النسل، الذي عندي يكفي، فبكى الطبيب، فسأله: ما الذي يبكيك؟ قال له: كان لي أربعة من الولد، ثم لما أنجبت زوجتي الأربعة قالت: لا أريد الحمل، الأربعة يكفون، فعملت العملية لها، ثم شاء الله أن الأربعة ذهبوا في حادث واحد، وبقي هو وامرأته، لا تنجب ولا يستطيع أن ينجب منها. فالإنسان إذا حمد نعمة الله بارك الله له فيها، وإذا كفر نعمة الله عز وجل محق الله بركته، وأي بركة في الزواج أعظم من أن تخلف وراءك، وما يدريك أن هؤلاء الأبكار الذين جاءوك قد يكون لا خير فيهم، وقد تكون ذرية غير صالحة، وأن الخير يكون لك في آخر ولد، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلعق اليد ولعق الإناء وقال: (إنك لا تدري في أي طعامك البركة)، فقد تكون آخر لقمة من الطعام هي التي فيها البركة، وقد يكون آخر ابن أو آخر بنت تنجبها هي التي فيها البركة. ونسأل الله العظيم أن يرزقنا السداد والصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
باب الحيض [3]
شرح زاد المستقنع - باب الحيض [3] التفريق بين المتشابهات من المهمات في الشريعة، ولهذا بحث العلماء الفرق بين الحيض والاستحاضة وما يترتب على هذا من أحكام، وبحثوا كذلك أوجه الشبه بين الاستحاضة وبعض المسائل القريبة منها، حتى يلحق النظير بنظيره.
أحكام المستحاضة
أحكام المستحاضة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والمستحاضة]. شرع المصنف رحمه الله بهذه العبارة في بيان أحكام المستحاضة، والمستحاضة نوع من النساء تتعلق بها أحكام في صلاتها وصيامها مفرعة على الحكم بطهارتها.
تعريف الاستحاضة
تعريف الاستحاضة يقال: استحاضة، أي: استفعال من الحيض، أي: أن الدم استمر معها، فالأصل أن دم الحيض يقف عند أمد معين، كأن تمر العادة على المرأة ثمانية أيام أو سبعة أيام أو ستة، وإذا بها في هذا الشهر استمر معها الدم عشرين يوماً أو شهراً كاملاً أو شهرين أو ثلاثة، ولربما يستمر معها الدم سنة كاملة. فالمستحاضة إما أن يكون دمها قد جاء قبل أمد الحيض، أو يكون جاء بعد أمد الحيض، وربما يستمر فيتصل بين الحيضتين، كأن تجلس شهرين أو ثلاثة أو أربعة والدم يجري معها. ولا شك أن الكلام على مسائل الحيض يتضمن الكلام على حكم الاستحاضة. وقال بعض العلماء في تعريفها: إنها دم فساد وعلة يرخيه الرحم من أدناه لا من قعره، أو من أعلاه لا من قعره، كله واحد. وبعضهم يقول: دم فساد وعلة لا في حيض ولا نفاس، أي: لا في أمد الحيض ولا في أمد النفاس؛ لأن دم الاستحاضة يخرج عن كونه حيضاً وعن كونه نفاساً، ففي النفاس يكون جريان الدم مع المرأة أربعين يوماً، فإذا زاد إلى خمسين أو إلى ستين أو إلى سبعين، فحينئذٍ تقول: النفاس أربعون، وما زاد فهو استحاضة ما لم يكن له علاقة دم الحيض.
أصل الاستحاضة
أصل الاستحاضة الاستحاضة أصلها عرق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سألته فاطمة عن استحاضتها قال عليه الصلاة والسلام: (إنما ذلك عرق)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (إنها ركضة من الشيطان) قال بعض العلماء: ركضة حقيقية، أي: أن الشيطان يركض ويضرب هذا الموضع ضرباً حقيقياً كالركض الذي يكون من الفارس أو من الرجل، وقال بعض العلماء: بل إنه ركض معنوي، بمعنى: أن الشيطان يتذرّع بجريان الدم مع المرأة على هذه الصورة، فيلبّس عليها صلاتها، ويدخلها في متاهة، فلا تدري أهي حائض فلا تصلي ولا تصوم، أو ليست بحائض فيجب عليها الصوم وتجب عليها الصلاة. قالوا: فوصف النبي صلى الله عليه وسلم الاستحاضة بكونها ركضة لمكان التلبيس الذي يكون من الشيطان. هذا من جهة المعنى. أما بالنسبة لحقيقة هذا العرق فقد وردت له أسماء، فالثابت في السنن أن اسمه: العاذل، وفي الرواية الثانية -كما أشار إليها ابن الأثير ورواها بعضهم-: العاذر، فالرواية الأولى باللام: العاذل، والرواية الثانية بالراء: العاذر، وذكر الإمام الحافظ العيني رحمه الله صاحب العمدة أن هناك اسماً له وهو: العادل، بالدال بدل الذال. وهناك اسم رابع رواه الإمام أحمد في مسنده أنه: العاند، فهذه أربعة أسماء: العاذل، والعاذر، والعادل، والعاند. قالوا: سمي عاذلاً: وليس على الحقيقة، فليس هناك عرق في الجسد اسمه: عاذل؛ والسبب في ذلك: أن بعض الفقهاء سأل بعض الأطباء عن عرق اسمه العاذل فلم يعرفوه، والواقع أن العلماء قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بكونه عاذلاً من العذل واللوم؛ لأنه يوجب عذل المرأة ولومها، وقيل: إنه يتسبب في العذل واللوم، لا أن اسمه: عرق العاذل. وأما تسميته بالعادل؛ فالعادل عن الشيء هو الجائر عنه، تقول: عدلت عن الطريق إذا جرت عنه وحدت عنه؛ لأنه بخروج المرأة عن عادتها بالحيض ودخولها في الاستحاضة تكون عدلت عن الدم الطبيعي لها، وهو دم الجبلة والطبيعة والصحة -دم الحيض- إلى دم الفساد والعلة والمرض، فعدلت عن الأصل؛ لأن الأصل في الدم أن يجري معها على الصحة فجرى معها على سبيل المرض. وأما العاذر قالوا: لأن المرأة تعذر بوجوده. وأما العاند: فلمكان استمرار الدم كأنه عنيد، وكأنه كالممتنع والصعب على الإنسان. هذا بالنسبة لأسماء عرق دم الاستحاضة.
الفرق بين الحيض والاستحاضة
الفرق بين الحيض والاستحاضة وهناك فوارق بين الحيض وبين الاستحاضة، فيفرق بين الحيض وبين الاستحاضة بأمور: أولاً: من جهة المكان، فدم الحيض يخرج من قعر الرحم، وأما دم الاستحاضة فإنه يخرج من أعلى الرحم وأدناه، هذا بالنسبة لمكان الدمين. أما بالنسبة لأوصاف الدمين: فإن دم الحيض أشد سواداً من دم الاستحاضة؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن دم الحيض دم أسود يعرف) فأعطاه الوصف من كونه دماً أسود يعرف، فقالوا: يعرف بالسواد والحمرة الشديدة، وقد جاء في بعض الأحاديث وصفه بكونه محتدم وبحراني، ولكنها أحاديث ضعيفة، كما نبه عليه الحافظ ابن الملقن في خلاصة البدر المنير. الفارق الثالث: وجود الألم، فإن دم الحيض يكون فيه حرارة وألم للمرأة، بخلاف دم الاستحاضة فإنه لا يكون فيه الألم الموجود في دم الحيض، وقد تقدم معنا ضوابط التمييز التي هي: اللون، والريح، والألم، والكثرة والقلة، والغلظ والرقة، فهذا بالنسبة لما يميز به بين دم الحيض ودم الاستحاضة. وتقدم معرفة أقلّ الحيض وأكثر الحيض، وأقلّ الطهر وأكثر الطهر، وبينا خلاف العلماء رحمة الله عليهم. فيرد السؤال بعد أن عرفنا من هي المرأة الحائض؟ ومتى يحكم للمرأة بكونها حائض، أو بكونها غير حائض؟ فتقول المرأة: إذا حكمت عليَّ بكوني مستحاضة، فما الذي يلزمني من جهة الطهارة، وكيفية أداء الصلوات؟ وماذا يترتب على الحكم بكوني مستحاضة من جهة الوطء؟ وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالمرأة المستحاضة. فشرع المصنف رحمه الله في بيان هذه الأحكام بقوله: [والمستحاضة ونحوها] أي: المرأة إذا حكم بكونها مستحاضة. وقوله: (ونحوها) نحا الشيء نحواً: إذا قصده ومال إليه وطلبه. وقد يطلق النحو بمعنى: الجهة، تقول: وجهت وجهي نحو القبلة، أي: جهة القبلة. وقد يطلق النحو بمعنى: المثيل والشبيه؛ كما في الصحيحين من حديث عثمان لما توضأ وأسبغ الوضوء ثم قال: إن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا) أي: مثل وشبه وضوئي هذا. فهذه إطلاقات النحو، فمراد المصنف بقوله: (والمستحاضة ونحوها) يعني: شبهها. أولاً: نريد أن نعرف ما الذي يلزم المستحاضة؟ ثم بعد ذلك نعرف من يشبه المستحاضة؟ ثم نعرف ما هو الحكم المشترك بين المستحاضة وغير المستحاضة؟
ما ينبغي على المستحاضة
ما ينبغي على المستحاضة المستحاضة فيها أمور: أولاً: أجمع العلماء على أن المرأة إذا حكم بانتهاء حيضها ودخولها في الاستحاضة فإنه يجب عليها أن تغتسل، وهذا الحكم دلّ عليه ظاهر التنزيل والنصوص الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فإذا خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتصل) والمرأة المستحاضة في الأصل أنها حائض، ثم لما انتهت أيام حيضها دخلت في الوصف بكونها مستحاضة؛ فلا نتكلم عن امرأة حاضت وانقطع دمها عند انتهاء حيضها، إنما نتكلم عن امرأة حاضت واستمر معها الدم فوق عادتها وأكثر من أمد عادتها، فلو كانت المرأة التي تسألك يستمر معها الحيض ستة أيام، وكان من عادتها أن ترى علامة الطهر بجفاف الموضع أو ترى القصة البيضاء، ولكنها فوجئت بالدم يستمر زيادة على اليوم السادس ولا يرقأ لها، فاستمر معها اليوم السابع والثامن والتاسع والعاشر إلى آخر الشهر، فبمجرد مرور اليوم السادس الذي هو آخر أيام العادة، سيرد السؤال عن حكم هذه المرأة، فتقول مباشرة: هذه المرأة أصبحت مستحاضة عند انتهاء أمد حيضها، سواء انتهى بالزمان أو انتهى بالوصف؛ فانتهاء زمانه بانتهاء زمان حيضها وهو: ستة أيام، وانتهاؤه بالوصف: كأن يكون دمها أحمر شديد الحمرة، فإذا به بعد السادس يصير أحمر مشرقاً أو أصفر أو أكدر كما ذكرنا. فإذا دخلت المرأة في اليوم السابع أعطيناها وصف الاستحاضة، فأول ما يجب عليها: أن تغتسل عند انتهاء أمد الحيض، وهذا بالإجماع. ثانياً: يلزمها طهارة موضعها -أي: موضع الاستحاضة- لأنه خارج نجس من موضع معتبر؛ لأن الخارج النجس له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون من الموضع المعتبر الذي هو القبل أو الدبر. الحالة الثانية: أن يكون من موضع غير معتبر كسائر الجسد، واختلف في الفم كما ذكرناه في القيء. فالمرأة المستحاضة يجب عليها غسل فرجها؛ لأن هذا الدم خارج نجس من الموضع المعتبر، فكما أن المرأة يجب عليها الاستنجاء أو الاستجمار إذا خرج منها البول، كذلك يجب عليها أن تغسل الموضع إذا خرج منها الدم؛ لأنه خارج نجس -كالبول- من الموضع المعتبر. وغسلها لهذا الموضع، للعلماء فيه مسلكان: بعض العلماء يقول: غسل هذا الموضع أوجبناه على المستحاضة بدليل النقل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (اغسلي عنك الدم ثم صلي) للمرأة المستحاضة، قوله: (لتنظر الأيام التي كانت تحيضهن قبل أن يصيبها الذي أصابها، فإذا هي خلّفت ذلك فلتغتسل ثم لتصلي) فهذه الرواية نثبت بها الغسل. فقوله صلى الله عليه وسلم: (اغسلي عنك الدم) أمر بغسل الموضع، قال بعض العلماء: أمرها أن تغسل الدم، والأصل أنه دم الحيض، فقوله: (اغسلي عنك الدم) المراد به: دم الحيض، وهذا ضعيف، وإنما المراد به (اغسلي عنك الدم) أي: الدم الذي يجري معك؛ لأنها قد حكم بكونها مستحاضة، فدل على أن دم الاستحاضة يعتبر نجساً كدم الحيض. وهناك طبعاً مسلك ثانٍ: وهو مسلك القياس، فيقولون: الدم نجس كسائر الفضلات الخارجة من الموضع الذي هو القبل. فنخلص من هذا إلى أن الحكم هو غسل الموضع؛ والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام لـ فاطمة رضي الله عنها: (اغسلي عنك الدم)، فعرفنا أنه يلزمها غسل الفرج.
أحوال المستحاضة
أحوال المستحاضة يرد Q إذا كنت تقول بأنه يجب غسل الموضع لأجل الدم فما قولك في المستحاضة؛ لأنها يجري معها الدم باستمرار، وقد يستمر معها الدم اليوم كاملاً، فكيف تصلي وتؤدي عبادتها مع جريان الدم منها؟ قالوا: إن المستحاضة لها حالتان: الحالة الأولى: أن تكون استحاضتها خفيفة، بمعنى: أنها لو وضعت قطناً أو قماشاً انحبس الدم وانكف، فيلزمها وضع هذا القطن، ثم تصلي والدم مستمسك معها لمكان خفته، والدليل: قوله عليه الصلاة والسلام لـ حمنة بنت جحش رضي الله عنها لما قالت: (يا رسول الله! إني أستحاض حيضة شديدة فلا أطهر، فقال عليه الصلاة والسلام: أنعت لك الكرسف) (أنعت) من النعت وهو: الوصف. (الكرسف): هو القطن، اسم من أسماء القطن، فقوله عليه الصلاة والسلام: (أنعتِ لك الكرسف) أي: أصف لك علاجاً لهذا الدم الذي لا يرقأ: أن تضعي في الموضع أو تسدي الموضع بالقطن، قالت: (يا رسول الله! هو أكثر من ذلك) موضع الشاهد في قوله: (أنعت لك الكرسف) قال العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (أنعت لك الكرسف:) فيه دليل على أن المرأة المستحاضة التي يجري معها دم الاستحاضة تغسل الموضع أولاً لما ذكرنا، ثم تضع القطن؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلما كان نقاء الموضع واجباً عليها من أجل صلاتها وعبادتها، وهذا الواجب يفتقر إلى وضع حائل وحاجز -القطن- وجب وضعه، هذا بالنسبة للحالة الأولى: أن يكون دم المستحاضة خفيفاً، بحيث لو وضعت قطعة من قماش أو قطن رقأ الدم وسكن. الحالة الثانية: أن يكون الدم شديداً أو ثجّاجاً، ففي هذه الحالة تغسل الموضع؛ لما ذكرنا في النص، ثم تضع القطن وتشدّ الموضع، أو تشد الموضع دون وجود حائل من قطن أو قماش. وشد الموضع يكون إما يجمع حافتي الفرج، أو بوضع الحبل أو الذي يشد على نفس الموضع على حسب ما ترى المرأة أنه يسد أو يكف عنها الدم، وهذا هو الذي عبّر عنه المصنف بقوله: (وتعصب فرجها) والعصب والعصابة مأخوذة من الإحاطة، سميت العصابة عصابة؛ لأنها تحيط بالشيء، وسمي قرابة الإنسان عصبة؛ لأنه إذا نزلت به ضائقة أو شدة أحاطوا به بإذن الله عز وجل وكانوا معه، فالعصابة أصلها الإحاطة، فلما قال: (تعصب) بمعنى: أنها تحيط، وبناءً على هذا التعبير قالوا: تشد طرفي الموضع، والدليل على أنه يلزمها هذا الشد ظاهر، هو حديث حمنة؛ فإنها لما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أستحاض حيضة شديدة فلا أطهر، قال عليه الصلاة والسلام: أنعت لك الكرسف، قالت: يا رسول الله! هو أشد من ذلك -وفي رواية: هو أكثر من ذلك- فقال عليه الصلاة والسلام: تلجّمي) والتلجم مأخوذ من اللجام، واللجام في الأصل يكون حائلاً كما يقال: لجام الدابة؛ لأنه يلجمها فيمنعها، فهو حائل ومانع، ولذلك فقوله عليه الصلاة والسلام: (تلجّمي) قال العلماء: معناه اعصبي الفرج؛ لأن عصبه لجام وحائل ومانع يقي من خروج الخارج، أو يحفظ الموضع من إخراج الخارج، وبناءً على ذلك: استنبط العلماء من قوله عليه الصلاة والسلام: (تلجمي) دليلاً على أن السنة أن المرأة تشد الموضع إذا غلبها الدم. هذا بالنسبة لأحوال المستحاضة إذا حكم بانتهاء حيضها ودخولها في الاستحاضة. ودم الاستحاضة دم نجس محكوم بنجاسته؛ لأن قوله: (اغسلي عنك الدم) يدل على أن الدم نجس؛ لأن الغسل يكون لغير الطاهر، ولما كان هذا الدم لا يرقأ خفف في حكمه، فأُلزم المكلف بما في وسعه وسقط عنه ما ليس في الوسع. وتوضيح ذلك: أن المرأة تضع القطن وتشد الموضع، وإن غلبها الدم صلت ولو جرى معها، أي: لو غلبها بعد اللجام والعصب وجرى معها فلا تكلف أكثر مما فعلت؛ لأن هذا حد التكليف.
ما يلحق بالمستحاضة
ما يلحق بالمستحاضة قول المصنف: (ونحوها) يعني: نحو المستحاضة، والنحو بمعنى: المثل والشبيه، فمن هو شبيه المستحاضة ومن هو مثيلها؟ قالوا: شبيه المستحاضة ومثيلها: خارج نجس لا يرقأ، أو خارج طاهر لا يرقأ؛ لأن عندنا في الاستحاضة أموراً: أولاً: أنه خارج، وأنه نجس، وأنه يوجب انتقاض الطهارة، أي: أنه حدث، والذي يكون مثل الاستحاضة إما أن يكون نحوها، بمعنى أن يكون شبيهاً للمستحاضة من كل وجه، وهذه حالة، أو شبيهاً لها من بعض الوجوه ويأخذ حكمها من بعض الوجوه، وهذه حالة ثانية.
حكم من به سلس البول
حكم من به سلس البول ونبدأ بالشبيه الذي يشبه المستحاضة من كل الوجوه: وذلك مثل: المصاب بسلس البول، أو سلس المذي، فإذا نظرت إلى كون المستحاضة قد خرج معها الدم، تقول: هذا الدم -أعني: دم الاستحاضة- دم نجس من خارج معتبر غلب بكثرة خروجه، وكذلك من به سلس بول، فإن البول خارج نجس يوجب انتقاض الوضوء كما توجبه الاستحاضة؛ وبناءً على ذلك يقولون: يأخذ حكم الاستحاضة؛ لأنه نجس كالدم، وخارج من الموضع كالدم، فمن كان به سلس بول أو سلس مذي فحكمه حكم الاستحاضة؛ لأن المذي نجس والبول نجس. هذا مثال واحد؛ وهو من به سلس البول وسلس المذي -وأوصيكم بالشمولية في التمثيل، أي: لا تنحصر على مثال أو مثالين، بل نوع في التمثيل-
حكم من به ناسور أو باسور
حكم من به ناسور أو باسور فإذا ثبت أن الذي به سلس البول أو سلس المذي يشبه المستحاضة من كل وجه؛ لأن هذا خارج نجس من قُبل وهذا خارج نجس من قُبل، فهل هناك شبيه للمستحاضة في خارج من غير القُبل؟ نقول: نعم، مثل الذي به الناسور -أعاذنا الله وإياكم منه- فإن النواسير تكون في داخل الفرج، وتستطيع أن تعطيها حكم الاستحاضة، ولماذا فرقنا بين الناسور والباسور؟ A لأن البواسير تارة تكون على فتحة العضو -فتحة الشرج- وتارة تكون منحازة، بحيث إنه إذا خرج منها الدم يخرج من الخارج، لا من الفتحة نفسها ولا من الداخل، فهناك فرق بين الناسور والباسور، فإن الناسور إذا خرج من الداخل كان دماً كعرق الاستحاضة الذي يخرج الدم من داخل، والباسور يخرج دماً لكنه ليس من الموضع، فشابه الاستحاضة من جهة النجاسة لكنه لم يشابه من جهة التأثير في نقض الطهارة، ولذلك فالبواسير لا توجب انتقاض الوضوء، ولكن الناسور إذا كان داخل الدبر فإنه يوجب انتقاض الوضوء، وبناءً على هذا تقول: من به سلس المذي وسلس البول يشبه المستحاضة من كل وجه؛ لأن العضو واحد من جهة كون هذا قبلاً وهذا قبلاً، والخارج موصوف بأوصاف مكتملة، فيكتمل القياس من كل الوجوه، وهناك خارج مع اختلاف النوع، مثل من به بواسير أو نواسير من داخل الفرج لا من خارجه. ومن به ناسور أو من به سلس البول ومن به سلس المذي فإنه يفصل فيه كالمستحاضة؛ فإن كان هذا الناسور يخرج قطرات يسيرة، ويمكن للشخص أن يعيد الوضوء، وأن يغسل الموضع، وأن يغسل الثوب دون حرج شديد فحينئذٍ نقول: أنت باقٍ على الأصل؛ لأن غسل المرة والمرتين ليس فيه حرج، لكن لو أن هذا الناسور -والعياذ بالله- نزف وغلب صاحبه، خاصة في أيام مثل أيام الشتاء التي يصعب معها الغسل ويصعب معها إصابة الموضع مع وجود الجروح، وقد ينصح الأطباء في بعض الأحيان بعدم الغسل؛ لخوف الالتهاب أو نحو هذا، فحينئذٍ نقول: حكمه حكم المستحاضة، فإن استطاع أن يغسل الموضع غسله، وإذا لم يستطع فعند بداية وقت الصلاة يطهر الموضع إما بحجر وإما بمنديل أو ورق أو نحوه من الطاهرات، ثم إذا كان الدم يتقاطر فنقول: احشه بقطنة أو احشه بمنديل، ثم بعد ذلك يصلي كالمستحاضة سواء بسواء، هذا بالنسبة لمن به الناسور أو الباسور. أما من به سلس البول أو سلس المذي فننظر فيه، فإن كان سلس البول قليلاً يخرج معه قطرة أو قطرتين، بحيث إن بإمكانه أن يذهب إلى مكان قضاء الحاجة وأن يغسل الموضع، ويغسل البول الذي يصيب الثوب، نقول له: يجب عليك فعل ذلك؛ لأنه لا يصل إلى درجة المشقة، والتكليف أصلاً فيه كلفة، وهذا ابتلاء من الله عز وجل يعظم به أجرك ويعظم به ثوابك، فالذي ينتقض وضوءه بقطرات من البول -مثلاً- مرة أو مرتين بحيث لا يوجب حرجاً؛ فهذا تُلزمه بالأصل، فلو قال لك قائل: أدخل الحمام الساعة الرابعة إلا ربعاً على أذان العصر، ثم إني بعد أن أقضي بولي أقوم فأتوضأ، فتخرج مني القطرة والقطرتان بعد الوضوء، فتسأله: ثم ماذا بعد ذلك؟ فهذا لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: إن قال: تخرج قطرة أو قطرات وينتهي كل شيء، فنقول: اذهب واغسل العضو والموضع، واغسل ما أصاب الثوب من نجاسة ثم أعد الوضوء؛ لأنه تكليف بما في إمكان الإنسان وفي وسعه. الحالة الثانية: أن يقول: أستطيع أن أذهب وأتوضأ، ولكني لو أعدت الوضوء فإنه يحصل نفس الشيء بعد أن أتوضأ بعشر دقائق فتخرج قطرة، نقول له: فلو أعدت مرة أخرى؟ فلو قال: نفس الشيء حتى بعد المرة الثالثة والرابعة. فهذا به سلس، والسلس لا بد أن يكون مستمراً، وبناءً على ذلك نقول: حكمه حكم المستحاضة، فيجب عليه أن يبدأ فيغسل العضو، ثم بعد غسله للعضو يضع في رأس العضو القطنة ونحوها، قال بعض العلماء: مع شد العضو، أي: يضع لفافة على رأس العضو تحبس، ولكن الأطباء يرون أن هذا فيه ضرر، وأن فيه عواقب وخيمة، فإذا ثبت قولهم: فلا يكلف به؛ لأن قبل الرجل ليس كقبل المرأة، فأمرت المرأة بالعصب لعدم وجود الضرر، والرجل لا يؤمر بالعصب لمكان الضرر؛ لأن الشريعة لا تأمر بالضرر، ولذلك من قواعدها الخمس المتفق عليها: (الضرر يزال)، وهي إحدى القواعد الخمس التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، فلا يؤمر الإنسان بما فيه ضرر. هذا بالنسبة لمن به سلس البول ومن به سلس المذي والنواسير.
حكم من به سلس الريح
حكم من به سلس الريح فهذه الأمثلة الأربعة التي ذكرناها تشبه المستحاضة من كل وجه، لكن هناك مثال آخر يشبه المستحاضة من بعض الوجوه؛ ولذلك يعطى بعض الأحكام دون بعضها، مثال ذلك: من به سلس الريح، فإن الذي به سلس الريح يشبه المستحاضة من جهة خروج الخارج الناقض للطهارة دون وصف الخارج، فإن وصف الخارج في المستحاضة: دم نجس، ووصف الخارج في الريح ريح طاهر وليس بنجس، وقال بعض العلماء: إن الريح يعتبر نجساً إذا خرج من الدبر، ولذلك في مذهب بعض الفرق -بعض أهل الأهواء- التي لا يعتد بخلافها أنهم يوجبون على من خرج منه الريح أن يستنجي، وهذا مذهب ضعيف وليس بصحيح، فإن الريح لا يجب منه استنجاء ولا استجمار، وإذا ثبت أنه لا يجب منه استنجاء ولا استجمار، فعلى هذا يكون سلس الريح يأخذ حكم المستحاضة في بعض الأحكام لا في كلها، وبناءً على ذلك: يجب أن نحكم بأن الذي به سلس ريح يجب عليه وضع قطنة أو نحوها على الموضع حتى تمنع خروج الريح، إذا لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو أن يعصر بطنه؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا بالنسبة لما يقاس على المستحاضة. وقد يقاس على المستحاضة من جهة خروج النجس وتأثيره، صور أخرى؛ منها: لو أن إنساناً أصابه جرح ونزف -وقد قررنا أن الدم نجس كما تقدم معنا في باب إزالة النجاسات وبينا دليل ذلك- وثبت أن الدم نجس فما القول في هذا الرجل؟ هل نقول: إنه لا يصلي بناءً على أنه غير طاهر، أو نوجب عليه الصلاة ونأمره بالتطهر مع وجود المشقة عليه، أو نتوسط ونقول إنه يصلي على حالته؟ A من به نزيف فإنه يأخذ نفس حكم المستحاضة، فإذا أمكن رقء النزيف بأن توضع قطنة كالمستحاضة، بأن يكون النزيف خفيفاً، بحيث لو وضع في الموضع قطنة سكن نزيفه؛ فحينئذٍ يجب رقء الدم بوضع حائل من قطن أو قماش أو نحوه ولو بالشد وبالرباط. الحالة الثانية: أن يكون النزيف قوياً لا يرقأ، فإن كان قوياً لا يرقأ فإنه يصلي ولو خرج معه ذلك الدم النجس، والدليل على ذلك: أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب، كما في صحيح البخاري، وكذلك أيضاً: ما جاء عن عباد بن بشر لما أصابه السهم الغائر حينما كان حارساً على فم الشعب، ومع ذلك صلى وجرحه يثعب دماً؛ لأن نزيف السهام نزيف قوي مستحكم، فمثله لا يرقأ؛ ولذلك تعتبر هاتان الحالتان مستثنيين من الأصل الذي يوجب غسل الموضع النجس. ويلتحق بالنزيف: الرعاف، فلو أن إنساناً سألك وقال: أرعفت -خرج الدم من أنفه- فتقول: هذا فيه تفصيل: إن كان الرعاف خفيفاً فلا تصلِّ حتى تغسل الموضع ويسكن الرعاف وتصلي على طهارة؛ لأنه الأصل الذي أمرك الله بفعله. الحالة الثانية: أن يكون الرعاف خفيفاً لا يرقأ من نفسه، وإنما يرقأ بالسبب كالاستحاضة، بأن يضع قطناً أو يسد الأنف، فنقول: حينئذٍ يكون حكمه أن يغسل أنفه قبل الصلاة، فيتطهر ويتوضأ ويغسل الموضع، ثم بعد ذلك يضع فيه القطن الذي يمسكه أو المنديل الذي يستمسك به ثم يصلي. الحالة الثالثة: أن يكون الرعاف قوياً بحيث لا يستمسك، فحينئذٍ نقول: إن دهمه في الوقت وأخذ وقت الصلاة، صلى ولو رعف، ولا يكلفه الله إلا بما في وسعه. هذا بالنسبة للصور التي يقاس فيها غير المستحاضة على المستحاضة.
الخلاف في غسل أو وضوء المستحاضة عند كل صلاة
الخلاف في غسل أو وضوء المستحاضة عند كل صلاة قال المصنف رحمه الله: (وتتوضأ لكل وقت صلاة، وتصلي فروضاً ونوافل). قوله: (وتتوضأ لكل صلاة) ذكرنا حكم الموضع، وكل الأحكام التي كنا نبحثها سابقاً في موضع المستحاضة، بقي السؤال عن طهارتها؟ فالمستحاضة نظراً إلى أن خارجها -وهو الدم- يوجب انتقاض الطهارة، فإنه يرد Q متى تتطهر؟ وكيف تكون طهارتها من الحدث؟ فتقول: طهارتها من الحدث تستلزم عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وهي مسألة خلافية فيها ما يقرب من أربعة أقوال للسلف رحمة الله عليهم. فقال بعض العلماء: المستحاضة يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة، فتغتسل إذا انقطع الحيض وانتهى، ثم بعد ذلك تتوضأ عند دخول وقت كل صلاة. هذا القول الأول، وهذا هو مذهب جمهور العلماء رحمة الله عليهم، وبهذا القول قال فقهاء الحنفية -في المشهور- والشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم. القول الثاني: يستحب لها الوضوء عند كل صلاة ولا يجب عليها، وبهذا القول قال المالكية، وقال به أيضاً الظاهرية، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن إمام المدينة، والذي يسمى: ربيعة الرأي رحمة الله على الجميع، فقالوا: لا يجب عليها أن تتوضأ، ولكن يستحب لها الوضوء عند دخول وقت كل صلاة. القول الثالث: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، وهذا أشد الأقوال، وهو مأثور عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كـ ابن عباس رضي الله عنهما، وإحدى الروايات عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وأفتى به سعيد بن المسيب إمام المدينة. القول الرابع: أنه يجب عليها أن تغتسل في اليوم مرة واحدة دون تعيين، وهو قول علي رضي الله عنه وأرضاه، سواء كان في أول اليوم أو في وسطه أو في آخره، قالوا: ولا يجب عليها إلا غسل واحد في اليوم وحده، وهذه هي أشهر الأقوال في المستحاضة. وأصح هذه الأقوال وأقواها: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة؛ وذلك لأمره عليه الصلاة والسلام لـ أم حبيبة رضي الله عنها بذلك. وللفائدة: كان هناك ثلاث من بنات جحش رضي الله عنهن وأرضاهن مستحاضات: الأولى منهن: زينب أم المؤمنين - زينب بنت جحش - رضي الله عنها وأرضاها، ولكن زينب كانت استحاضتها قليلة، كما أفاده الحافظ ابن الملقن رحمة الله عليه، قال: إنها كانت تستحاض، ولكن كانت حيضتها قليلة. والثانية من بنات جحش: حمنة بنت جحش رضي الله عنها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنها وعنه. والثالثة من بنات جحش: أم حبيبة، وكانت أشدهن، وهي زوجة لـ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه؛ أحد المبشرين بالجنة. فهؤلاء النسوة كن يستحضن، وكانت أشدهن -كما قلنا- حمنة وأم حبيبة رضي الله عنهما، حتى أثر عن إحداهن أنها مكثت خمس سنوات وهي تستحاض، وأثر عن إحداهن أنها كانت تصلي والطست تحتها يجري بالدم. ومن النساء أيضاً فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وحديثها ثابت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. الذين قالوا: يجب عليها أن تتوضأ؛ استدلوا بما ثبت في الرواية -واختلف في ثبوتها، ولكن الصحيح أنها حسنة ومعتضدة بشواهد متعددة- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمستحاضة: (وتوضئي لكل صلاة) فقالوا: توضئي (أمر)، والأصل في الأمر أنه للوجوب، وبناءً على ذلك: يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، هذا القول الأول. أما دليل العقل: فلأنها إذا خرج منها الخارج انتقض وضوءها، وإذا انتقض وضوءها بخروج الخارج؛ فإن الأصل أنها مطالبة بالوضوء، فإذا خفف الشرع عنها مدة الوقت بقي ما عداه على الأصل من كونه فرضاً، هذا بالنسبة لدليل العقل، فاجتمعت دلالة النقل ودلالة العقل على وجوب وضوئها لكل صلاة، وبناءً على هذا: إذا أذن أذان الظهر توضأت، لكن لو توضأت قبل أذان الظهر، كما لو توضأت في الساعة الثانية عشرة والظهر يؤذن في الثانية عشرة والنصف أو وربع فحينئذٍ تستبيح الصلاة إلى أذان الظهر، فإن دخل وقت الظهر فإنها حينئذٍ تستقبله بوضوء جديد، هذا بالنسبة لوضوئها لكل صلاة. أما الذين قالوا بغسلها لكل صلاة، فالروايات ضعيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالغسل، ولا يوجد إلا دليل واحد لهم وهو حديث فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل، قال -كما في الصحيح-: (وكانت تغتسل لكل صلاة) قال بعض العلماء الذين يقولون بوجوب الغسل لكل صلاة: وهذا يدل على وجوب غسل المستحاضة لكل صلاة، وهو مذهب من ذكرنا من الصحابة. والصحيح أنه لا يجب، وأن اغتسال فاطمة رضي الله عنها كان اجتهاداً منها، وليس بنص النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أمره لها أن تغتسل إنما هو عند انقطاع دم الحيض، ولم يكن أمراً بالاغتسال عند كل صلاة، فبقيت الذمة على الأصل من كونها بريئة من المطالبة بالطهارة الكبرى، والأصل أنها مطالبة بالطهارة الصغرى. أما الذين قالوا: إنه يجب عليها غسل واحد في اليوم، فهناك أحاديث ضعيفة وآثار استدلوا بها. وأصح الأقوال في هذه المسألة: أنه يجب عليها أن تتوضأ لكل صلاة على ظاهر ما ذكرناه من حديث أبي داود والترمذي وأحمد والبيهقي والحاكم وصححه غير واحد، وسئل الإمام البخاري رحمه الله عن هذا الحديث فحسن إسناده، والقول بتحسينه من القوة بمكان، وإن كان بعض العلماء يرى أنه صحيح لغيره. فهذا حاصل ما يقال في حكم المستحاضة من جهة طهرها: هل تتوضأ لكل صلاة أو تغتسل؟ وهناك مسألة ثانية: إذا ثبت أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة وأنه لا يجب عليها الغسل، فهل يستحب لها الغسل؟ أعدل الأقوال: أنه يستحب لها الغسل لكل صلاة، ولكن لا يجب؛ لورود ذلك من فعل السلف، وهو فهم الصحابية، ولذلك نقول يستحب لها أن تغتسل ولا يجب. قال المصنف رحمه الله: [وتصلي فروضاً ونوافل]. تصلي الفروض في الوقت، فتصلي فرض العصر، وفرض الظهر، والمغرب والعشاء والفجر كلاً بحسب وقته. فإذا توضأت لصلاة الفجر صلت بهذا الوضوء الفروض والنوافل، فابتدأت بركعتي الرغيبة فصلتها، ثم ثنت بصلاة الفجر، ثم إذا طلعت الشمس وأرادت أن تصلي الضحى صلت الضحى، ولا يلزمها أن تجدد وضوءها؛ لأنها على أصلها من كونها طاهرة.
وطء المستحاضة
وطء المستحاضة قال المصنف رحمه الله: [ولا توطأ إلا مع خوف العنت]. بقيت مسألة متعلقة بالمعاملة، وهي: هل يجوز وطء المرأة إذا كانت مستحاضة؟ الجمهور على أنه لا حرج في وطء المرأة المستحاضة، ولم يصح حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالمنع أو التحريم، والله عز وجل حرّم وطء المرأة الحائض، ولم يحرم وطء المستحاضة. قالوا: والأصل في المرأة أن يستمتع بها، وهذا على ظاهر التنزيل في قوله تعالى: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة:187]، فإذا ثبت أن الأصل حل الاستمتاع وحل الوطء، فدم الحيض عارض نقلنا عن الأصل؛ والناقل يتقيد بزمانه وبمدة وجوده، فإذا انقطع دم الحيض رجعنا إلى الأصل الموجب لحل الوطء، فهذا مسلك الجماهير في تجويز الوطء، لكن كرهوا ذلك للإنسان. وقال بعض العلماء: إنه لا يطأها إلا إذا خشي العنت، والعنت هو الزنا، يعني: إذا خشي الوقوع في الزنا فله أن يطأ الزوجة ولا حرج عليه في ذلك. والصحيح: أنه لا حرج في وطئها، لكن الأفضل والأولى أن يتقيه. قال المصنف رحمه الله: [ويستحب غسلها لكل صلاة]. يعني: إذا دخل عليها وقت كل صلاة فإنه يستحب لها أن تغتسل، أي: تغسل البدن، ولا يجب عليها ذلك؛ لظاهر ما ذكرناه من فعل فاطمة رضي الله عنها وأرضاها، وأما الوجوب فإنه لا يجب وإنما يستحب لها، والمستحب يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ومخالفه.
أحكام النفساء
أحكام النُفساء قال المصنف رحمه الله: [وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً] النفاس: تطلق النفس على معان، يقال: نفس الشيء بمعنى: ذاته، ومنه قولهم: رأيت محمداً نفسه. وتطلق النفس بمعنى: الروح، وتطلق النفس بمعنى: الأخ، ومنه قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} [النساء:29]، وتطلق النفس بمعنى: الدم، ومنه قول العلماء: النفاس، وما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (مالكِ أنفست) أي: هل أصابك الدم؟ فلما كان الدم من أسمائه النفس؛ سمي النفاس نفاساً لذلك، من باب تسمية الشيء بسببه، والنفاس: هو الدم الذي يخرج عقيب الولادة، وقال بعض العلماء: إن ما سبق الولادة باليوم واليومين والثلاثة آخذ حكم دم النفاس، فلو أن امرأة أوشكت على الوضع وقبل وضعها بيوم أو يومين أو ثلاثة جرى معها الدم وهي حامل قالوا: تأخذ حكم النفاس؛ للقاعدة: (أن ما قارب الشيء أخذ حكمه)، هذا بالنسبة لدم النفاس، والفرق بينه وبين دم الحيض: أن ذاك دم معتاد وهذا دم مخصوص لوجود الولد.
الخلاف في أكثر النفاس
الخلاف في أكثر النفاس قال المصنف رحمه الله: [وأكثر مدة النفاس أربعون يوماً]. ذكر رحمه الله أكثر النفاس وأنه أربعون يوماً، ونحتاج إلى معرفة أكثر النفاس في المرأة التي يستمر معها الدم؛ لأنها قد تنزف، وقد تتسبب ولادتها بنزيف، فيستمر معها الدم شهرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة، وقد تبقى سنة كاملة وهي تنزف بعد ولادتها، على حسب ما يكون للنساء من اضطراب في عاداتهن بعد ولادتهن، وبناءً على ذلك: يحتاج الفقيه إلى معرفة أكثر النفاس حتى يحكم بطهارة المرأة، أو يحكم بدخولها في الحيض، أو يحكم بدخولها في الاستحاضة. فقال رحمه الله: (أكثر النفاس أربعون يوماً) وهذه مسألة خلافية، وللعلماء فيها قولان مشهوران: القول الأول: أن أكثر النفاس أربعون يوماً وما زاد فهو استحاضة، وهذا قول الجمهور، واستدلوا بما ثبت في الصحيح: (كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً). القول الثاني: تجلس النفساء ستين يوماً، وهو مذهب المالكية، وقول عبد الرحمن الأوزاعي فقيه الشام رحمة الله على الجميع، يقولون: النفساء لا بد أن تجلس ستين يوماً، وما جاوز الستين فهو استحاضة وليس بدم نفاس. هذا بالنسبة لقوله: (أكثر النفاس أربعون يوماً)، وفهمنا من هذا أن النفاس لا حد لأقله، وبناءً على ذلك: لو أن امرأة ولدت ثم جرى معها الدم لحظة واحدة، فأخرجت دفعة واحدة من الدم ثم انقطع، حكمنا بكونها طاهرة؛ لأنه ليس عندنا حد معتبر لأقل النفاس، وإذا لم يكن هناك حد معتبر فإنه بمجرد انقطاع الدم عنها نحكم بكونها طاهرة، هذا بالنسبة لأقل النفاس وأكثره. والصحيح: أن أكثر النفاس هو أربعون يوماً، تجلسها المرأة، ثم إذا أتمت هذا العدد فإنها تخرج عن كونها نفساء. قال المصنف رحمه الله: [ومتى طهرت قبله تطهرت وصلت]. قوله: (ومتى طهرت قبله) يعني: قبل أكثر النفاس، (تطهرت وصلت) مثال ذلك: امرأة ولدت في أول الشهر، واستمر معها دم النفاس عشرين يوماً ثم طهرت، أي: رأت علامات الطهر، إما جف موضعها، بأن ينقطع الدم، أو خرجت معها قصة بيضاء هي نهاية دم النفاس، فبخروج القصة البيضاء، أو وجود الجفوف تحكم بكونها قد طهرت، فإذا طهرت المرأة أثناء الأربعين يوماً بعد الولادة -مثلاً: طهرت بعد عشرين يوماً أو بعد ثلاثين يوماً أو بعد خمسة وعشرين يوماً- تقول: هي طاهرة، تصوم وتصلي وحكمها حكم الطاهرة.
كراهة وطء المرأة النفساء إذا طهرت قبل مرور الأربعين
كراهة وطء المرأة النفساء إذا طهرت قبل مرور الأربعين قال المصنف رحمه الله: [ويكره وطؤها قبل الأربعين بعد التطهير]. هذه المسألة فيها كلام للعلماء: بعض العلماء يقول: المرأة النفساء إذا طهرت قبل الأربعين لا توطأ، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه. ومنهم من قال: إنه محمول على الكراهية. ومن أهل العلم من قال: توطأ المرأة إذا انقطع دم نفاسها قبل الأربعين. ولكن في الأمر علة خفية، يقول بعض الأطباء -وهذه فائدة، وأنا دائماً أقول: ينبغي لطلاب العلم ألا يقتصروا فقط على مسألة الأحكام، فلا مانع أن الإنسان يستفيد من بعض الأمور الطبية، وإذا جالس طبيباً خبيراً بمثل هذه الأشياء يستفيد منه- يقول بعض الأطباء: إن هذا يضر بالعضو، وأنه لا يرجع إلى طبيعته قبل الأربعين، ولذلك قالوا: إن الأفضل أن لا يحصل جماع، وهذا يدل على بعد نظر السلف الصالح رحمة الله عليهم في زمان كانت إمكانيات الطب قليلة، والعلوم الطبية قليلة، لكنهم كانوا لا تنزل بهم مسألة إلا رجعوا لأهل الفن والاختصاص فيها، فإن كانت مسألة طبية رجعوا إلى الأطباء واستفادوا منهم، وبعض العلماء يعلل فيقول: لخوف رجوع الدم، ويكون انقطاع الطهر عندها مؤقتاً ليوم أو يومين، وهذا يحدث، فإن المرأة تكون نفاساً ثم تطهر بعد عشرين يوماً، ثم في اليوم الحادي والعشرين لا ترى شيئاً وكذلك في اليوم الثاني والعشرين وفي الثالث والعشرين يعود عليها الدم، ولذلك قالوا: لا نأمن ما دام أنها داخل الأربعين أن دم النفاس يعود إليها بعد أن انقطع. فتوسط المصنف رحمه الله وقال: (يكره)، وإذا ثبت كلام الأطباء من أنه قد يضر بالعضو؛ فيشتد المنع ويكون المنع آكد، لكن إذا لم يكن فيه ضرر فحينئذٍ يطأ الإنسان ولا حرج عليه، إلا أنه يستثنى الشخص الذي يخاف الوقوع في الحرام، فإن الناس تختلف شهواتهم، خاصة وأن الرجل قد حملت امرأته ومكثت زماناً منه، فلذلك قد يقع في المحظور، وقد لا يأمن الوقوع في الفتنة، وفي هذا الحال قالوا: له في ذلك سعة إذا خشي العنت.
انقطاع دم النفاس ثم معاودته
انقطاع دم النفاس ثم معاودته قال المصنف رحمه الله: [فإن عاودها الدم فمشكوك فيه]. قوله: [فإن عاودها الدم] يعني: عاود المرأة النفساء وصورة المسألة: أن يكون عندنا امرأة نفست وجرى معها دم النفاس عشرين يوماً وانقطع دون الأربعين، فحينئذٍ قال بعض العلماء: إذا استمر معها بعد انقطاع العشرين حتى جاوزت الأربعين ولم يعد لها دم فلا إشكال، وهي امرأة طاهرة قولاً واحداً عند العلماء. لكن المشكلة لو جرى معها ثلاثين يوماً، ثم انقطع عنها يوماً، ثم رجع لها، ثم انقطع يوماً، ثم رجع لها، وهذا يحدث، وقد ينقطع عنها خمسة أيام، ثم يعود خمسة أيام، ثم ينقطع خمسة أيام وهكذا، ويختلف ذلك على حسب أحوال النساء وما معهن من النزيف، ولذلك يصعب تمييز الاستحاضة من النفاس، ويصعب تمييز الاستحاضة من الحيض، حتى إن بعض الأطباء المعاصرين يقولون: هذا أمر مشكل؛ لأن كلاً منها انفجار في جدار الرحم المبطن، فقد يكون عرقاً مثل ما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كما في الاستحاضة، وقد يكون حيضاً على أصله؛ ولذلك التمييز صعب. فالمشكلة الآن: أنها إذا انقطع عنها دم النفاس، ورأت علامة الطهر -وهذا شرط- فلا يحكم بكون النفساء قد طهرت إلا بعد أن ترى علامة الطهر: الجفوف أو القصة البيضاء كما ذكرنا في الطهر، فلو انقطع عنها الدم عشرين يوماً أو ثلاثين يوماً، ثم هذا الدم الذي انقطع عاودها بعد يومين أو بعد ثلاثة أيام، فلا يخلو من صور: الصورة الأولى: أن يعاودها بصفة دم الحيض وفي زمانه، كأن يكون من عادتها قبل الحمل أن الحيض يأتيها في أول الشهر، فبعد أن انقطع عنها في آخر الشهر من محرم رأت علامة الطهر، وبقيت خمسة أيام طاهراً، ثم جاءها في أول صفر دم يشابه دم الحيض، فنقول: انتقلت من كونها نفاساً إلى كونها حائضاً، وهذا الدم دم حيض، ثم تعطيه حكم دم الحيض فإذا كان عندها عادة قبل الحمل أنها تمكث في الحيض خمسة أيام، فتمكث خمسة أيام، لكن لو قلنا: إن هذا الدم ليس بدم حيض، ماذا نفعل؟ نضيفه إلى عدد النفاس، ثم بعد ذلك نحكم بخروجها من النفاس على قدر أمده، هذا قول. والقول الثاني الذي اختاره المصنف: أنه إذا لم يأتِ بأوصاف دم الحيض وزمانه، فإنه يحكم بكونه مشكوكاً فيه، وإذا كان مشكوكاً فيه فالأصل: أنه استحاضة، والأصل: أنها مطالبة بالصوم والصلاة، فنأمرها بالصيام والصلاة، حتى يحكم بانتقالها ودخولها في الحيض، هذا مذهب المصنف رحمة الله عليه، والحقيقة أن الأقوى هو التفصيل: أنه إذا عاودها في زمان حيض بصفات حيض حكم بانتقالها من نفاس إلى حيض، وإن عاودها بغير أوصاف الحيض قريباً من أوصاف نفاسها فإنه لاحق بما قبله آخذ حكمه، وتلفق في العدد فتضيف الأيام الأخيرة إلى الأيام الأولى حتى تتم عدة النفاس. قال المصنف رحمه الله: [تصوم وتصلي وتقضي الواجبة]. وهذا بناءً على الأصل واليقين من أنها طاهر والدم مشكوك فيه -كونه حيضاً أو نفاساً- فنلغي الشك ونبقى على اليقين؛ للقاعدة المشهورة.
مشابهة النفاس للحيض في غير العدة والبلوغ
مشابهة النفاس للحيض في غير العدة والبلوغ قال المصنف رحمه الله: [وهو كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب]. قوله: (وهو) أي: النفاس (كالحيض فيما يحل ويحرم ويجب) أي: أن النفاس يمنع ما يمنع منه الحيض وقد تقدم. فالمرأة النفاس لا تصوم، ولا تصلي، ولا تدخل المسجد، ولا تلمس المصحف -عند من يقول بمنعها من لمس المصحف- ولا يحل وطؤها كما ذكرنا في الحائض، ويستثنى من ذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله. قال المصنف: (ويُسْقِط غير العدة والبلوغ). قوله: (ويسقط) أي: النفاس، يسقط عن المرأة التكاليف، فما يسقطه دم الحيض يسقطه دم النفاس سواءً بسواء، ولذلك سمى النبي صلى الله عليه وسلم الحيض نفاساً؛ وذلك لمكان وجود العذر، لكن يستثنى من ذلك: العدة والبلوغ، فإنه لا يحكم باعتداد المرأة بدم النفاس، بخلاف دم الحيض فإنه يعتد به، ولذلك قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة:228] فردهن إلى دم الحيض، قيل: قروء؛ أطهار، وقيل: حيضات، كما سنبينه في باب الطلاق إن شاء الله تعالى. وأما بالنسبة للبلوغ فقالوا: لا يثبت البلوغ بدم لنفاس؛ لأنها بحملها يثبت البلوغ، ولذلك يرى العلماء أن الحمل دليل على البلوغ: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثماني عشرة حولاً ظهر وإن كان الصحيح أن خمسة عشر توجب البلوغ.
الاختلاف في أول النفاس وآخره إذا ولدت توأمين
الاختلاف في أول النفاس وآخره إذا ولدت توأمين قال المصنف رحمه الله: [وإن ولدت توأمين فأول النفاس وآخره من أولهما]. امرأة ولدت ولدين: الولد الأول ولدته في العشر الأولى من الشهر، والولد الثاني ولدته في الخامس عشر أو في السادس عشر. فيرد الإشكال: من أين يبدأ دم النفاس هل نبدأ من العشر الأولى التي حصلت فيها الولادة، أو نبدأها من العشر الثانية التي حصلت فيها الولادة الثانية؟ قال الجمهور: إنها تبدأ من الولادة الأولى؛ لأنها الأصل، والولادة الثانية ملحقه بهذا الأصل. وقال الظاهرية ومن وافقهم: العبرة بالولد الثاني، فتبدأ النفاس من الولد الثاني، وهذا في الظاهر. والقول بأن العبرة بالولد الثاني من القوة بمكان، لكن لما كان التوأمان في الأصل أنهما حمل واحد قالوا: إنه يعطى حكمه، ولذلك بعض العلماء يختار التفصيل باختلاف طول الزمان وقرب الزمان بين التوأمين. ولكن كلام العلماء إنما هو في التوأمين المتقاربين في الولادة، في المتقارب، ولذلك يقوى مذهب الظاهرية الذين يرون أن العبرة بالوضع الثاني. سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.
مقدمة كتاب الصلاة
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الصلاة لقد عظم الشرع من شأن الصلاة فجعلها الركن الثاني من أركان الإسلام؛ بل هي عمود الدين، فلا يستقيم دين العبد إلا بها، وهي الفارق بين المسلم والكافر، ولأهميتها يجب على المسلم أن يتعلم أحكامها من شروط وواجبات وأركان، وغير ذلك من المسائل المتعلقة بالصلاة.
من أحكام الصلاة
من أحكام الصلاة
تعريف الصلاة لغة وشرعا
تعريف الصلاة لغةً وشرعاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الصلاة]. قوله: (كتاب) مراد العلماء رحمهم الله بكلمة (كتاب) التعبير بها للدلالة على عِظم المبحث وسعة مسائله، ولذلك يقسمونه إلى فصول، ويقسمون الفصول إلى مباحث ومسائل، وكل مذهب بحسبه. والصلاة في اللغة تستعمل بمعانٍ، أولها: الدعاء، ومنه قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة:103] فقوله: (صلّ عليهم) أي: ادع لهم، ومنه قول الشاعر: تقول بنتي وقد قربت مرتحلاً يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا عليك مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فإن لجنب المرء مضطجعا ومعنى البيت: أن هذا الشاعر لما أراد أن يسافر قالت بنته: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا فقال رداً عليها: عليكِ مثل الذي صليت فاغتمضي عيناً فقوله: (عليك مثل الذي صليت) أي: لك مثل ما دعوت لي من السلامة والعافية من البلاء. ومن معاني الصلاة: البركة، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، أي: بارك لهم فيما رزقتهم. وتطلق الصلاة بمعنى: الرحمة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب:56] أي: إن صلاة الله على نبيه رحمته، ومنه قول الشاعر: صلى المليك على امرئٍ ودعته وأتم نعمته عليه وزادها فهذه معاني الصلاة في اللغة. أما في اصطلاح العلماء فإنهم إذا قالوا: (الصلاة) فمرادهم بها أنها عبادةٌ مخصوصة مشتملة على أقوال وأفعال مفتتحةٌ بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث علي: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) أي: الصلاة. فقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير) هي التكبيرة الأولى، ولذلك قالوا: إن التكبيرة الأولى تسمى تكبيرة الإحرام؛ لأن المكلف بهذه التكبيرة يدخل في حرمات الصلاة، فلا يتكلم ولا يعبث ولا يفعل أي فعلٍ يعارض الصلاة أو يخالف مقصودها، ولذلك قالوا: مفتتحةٌ بالتكبير. وقالوا: (ومختتمة بالتسليم)؛ لأنه إذا أنهى صلاته خرج بالسلام، أي أن خاتمتها تكون بالسلام، ولذلك اعتبر من أركانها. وأما كونها (عبادةً مخصوصة) فقد أجمع العلماء على وصفها بكونها عبادة مشتملة على أقوال وأفعال؛ فقوله صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح وذكر الله وقراءة القرآن) كما في صحيح مسلم. فهذا التعريف الاصطلاحي نفهم منه أن الصلاة عند العلماء -أعني الفقهاء- لها معنىً مخصوص، وأن معناها في اللغة أعم من معناها في الاصطلاح، والسبب الذي جعل العلماء يجعلون تعريفاً لغوياً وتعريفاً شرعياً أن الحقائق الشرعية ربما أطلقت بمعنىً أخص من إطلاقها اللغوي، ولذلك تجد معنى الصلاة في اللغة أعمّ من معناها في الاصطلاح، ولذلك يعتنون بذكر التعاريف الاصطلاحية؛ لهذه الحقائق الشرعية المخصوصة.
أهمية الصلاة في القرآن والسنة
أهمية الصلاة في القرآن والسنة الصلاة عبادةٌ عظيمة مفروضة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهي من أعظم شعائر الإسلام بعد الشهادة، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه لليمن قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة) أي أن الله أوجب عليهم هذه الصلوات الخمس، وفرضها عليهم فجعل النبي صلى الله عليه وسلم بيان وجوب الصلاة تابعاً لفرضية الشهادتين، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: إن أهم ما يعتنى بالدعوة إليه، وأمر الناس به، وحثهم عليه، وحضهم على فعله هو الصلاة بعد الشهادتين، فهي أهم المهمات بعدها، وآكد الفرائض والواجبات بعد قول: (لا إله إلا الله)، شهادة التوحيد، وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عمود الإسلام، ومن المعلوم أن العمود إذا سَقط سقط ما بُني عليه، وهذا يدل دلالة عظيمة على فضل هذا الركن العظيم وعظيم شأنه. وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أنها آخر ما يفقد الناس من دينهم) وأنه إذا فقدت الصلاة فقد ذهب الدين، وثبت في الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: (أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة، فإن صلحت نظر في بقية عمله، وإن كان لها مضيعاً فإنه لما سواها أضيع). فهذه الصلاة فرضها الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وورد ذكرها في القرآن في أكثر من موضع، يأمر الله بها تارة، وتارةً يرغب فيها، وتارةً يبين فضل أهلها ويثني عليهم، ويبين عواقبهم من دخول الجنة وحصول رضوان الله تعالى عليهم بفعلها. وقد أمر الله بها عموماً فقال تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43] وأمر بها خصوصاً فقال تعالى: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ} [العنكبوت:45]. وخطاب النبي صلى الله عليه وسلم خطابٌ لأمته، وأمر سبحانه أن تؤمر بها الذرية والأبناء والأهل والأزواج والزوجات، فقال تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى} [طه:132] وأخبر سبحانه وتعالى عن فضل أهلها الآمرين بها، فأثنى على نبيه إسماعيل فقال: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} [مريم:54 - 55] قال بعض العلماء في قوله تعالى: (وكان عند ربه مرضياً) أي: بأمره لأهله بالصلاة؛ لأنه أمرهم بأعظم شعائر الدين وأجلّها عند الله عز وجل. وأجمع المسلمون على وجوب الصلاة وفرضيتها، وأنها ركنٌ من أركان الإسلام؛ لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة)، فأجمعوا على أنها ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه لو جحد إنسانٌ وجوبها كفر، إلا أن يكون جاهلاً فيعلم، كما سيأتي إن شاء الله بيانه للمصنف رحمه الله. ولما كان من عادة العلماء رحمهم الله أن يقولوا: (كتاب الصلاة)، والمقصود بهذا الكتاب بيان الأحكام والمسائل المتعلقة بعبادة الصلاة، استلزم ذلك بيان ما يشترط لصحة الصلاة من الوقت واستقبال القبلة، ففي المواقيت يتكلمون عن أفراد المواقيت، أعني: مواقيت الصلوات الخمس، وفي استقبال القبلة يتكلمون عن مسائل استقبال القبلة، ومتى يسقط هذا الواجب -كما هو الحال في السفر- ويقوم على الاجتهاد والظن؛ لثبوت السنة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يتكلمون على ستر العورة وأخذ الزينة، وما يتبع ذلك من مباحث، كصلاة العراة ونحوهم. ثم يتكلمون في الصلاة على صفتها، ويتضمن ذلك بيان الأركان والواجبات والسنن التي هي من هيئات الصلاة، فيبدأون ببيان أركانها التي فرضها الله عز وجل، وإذا لم يقم المكلف بها فلا تصح صلاته. ثم بيان الواجبات التي إذا فعلها أثيب، وإذا تركها عوقب وأثم ولا يحكم ببطلان صلاته إلا إذا تركها متعمداً، فهي أخف مرتبةً من الأركان، ثم السنن التي يرغب في فعلها ولا حرج في تركها. ثم بعد ذلك يتكلمون على ما يطرأ على الصلاة، كما هو الحال في باب سجود السهو، فيتكلمون على حال المكلف إذا أخلّ بالأركان أو بالواجبات أو السنن، ثم يتكلمون على أفراد الصلاة الواجبة، ثم المسنونة التي لا تجب على الأعيان وقد تجب على الكفاية، فيتكلمون على صلاة الجمعة وصفتها وشروطها وما يلزم لها، ثم يتكلمون على الصلوات النوافل التي تشترط لها الجماعة، كصلاة التراويح وصلاة العيدين على القول بأنها سنة مؤكدة، وما يتبع ذلك من صلاة الاستسقاء ونحوها. ثم يتكلمون على مطلق النوافل بصلاة التطوع، فيذكرون المباحث المتعلقة بالسنن الراتبة والوتر -على القول بعدم وجوبه- فهذه المباحث كلها متشعبة ومتعددة، فمن العلماء من يختصر، ومنهم من يسهب، ونظراً إلى تعددها حتى في المختصرات فإن من عادة العلماء أن يقولوا: (كتاب الصلاة) دون قولهم: (باب الصلاة)؛ لسعة هذا المبحث، وكثرة مسائله، وتشعب أحكامه. وقد ذكر المصنف رحمه الله كتاب الصلاة عقب كتاب الطهارة، والمناسبة في هذا لطيفة، وهي أن الطهارة وسيلةٌ إلى الصلاة، وقد أمر الله عز وجل بالطهارة قبل الصلاة، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة:6]، فمن المناسب أن يتكلم على الوسائل قبل الكلام على المقاصد، ولذلك أتبع المصنف رحمه الله كتاب الطهارة بكتاب الصلاة.
من تجب عليه الصلاة
من تجب عليه الصلاة قال المؤلف رحمه الله: [تجب على كل مسلم مكلف]. الوجوب في أصل اللغة: السقوط، يقال: وجب الشيء، إذا سقط، ومنه قولهم: وجبت الشمس، إذا سقطت، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36] أي: سقطت واستقرت على الأرض. ويطلق الواجب في لغة العرب بمعنى اللازم، ومنه قول الشاعر: أطاعت بنو عوفٍ أميراً نهاهم عن السلم حتى كان أول واجب أي: أول لازمٍ عليهم أن يفعلوه. والواجب في الاصطلاح: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، فالواجب أعلى مراتب الأوامر، والحنفية يجعلون أعلى مراتب الأوامر الفرض، ثم يليه الواجب، ويفرقون بين الفرض والواجب بأن الفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني سواءٌ في الدلالة أم في الثبوت، كما هو مفصل في مباحث الأصول. قوله رحمه الله: (تجب) أي: الصلاة. أراد المصنف بهذه العبارة أن يبين حكم الصلاة، ولذلك ينبغي على طلاب العلم والفقه أن يبتدئوا أولاً ببيان موقف الشريعة من العبادة، وعادةً إذا قال العلماء: (كتاب الزكاة)، أو (كتاب الصلاة)، أو (كتاب الصوم)، يقولون عقبه: (تجب الصلاة)، أو: (تجب الزكاة)، أو: (يجب الصوم)؛ لأن أول ما يحتاج إليه بيان حكم الشريعة في هذا المبحث من مباحث الفقه، ولذلك قال المصنف: (تجب)، أي: الصلاة، فالأصل فيها اللزوم والوجوب. قوله: [على كل مسلم]. أي: تجب هذه الصلاة على كل مسلم، و (كل) من ألفاظ العموم عند الأصوليين إذا جاءت في صيغ الكتاب أو السنة، وقد درج العلماء على ذلك. فأول ما يخاطب به من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، ولذلك قدم شرط الإسلام؛ لأنه لا تصح الصلاة من كافر، فيطالب المسلم أولاً بالإتيان بالشهادتين، ثم بعد ذلك يتوجه عليه الخطاب بفعل الصلاة. فلابد من وجود الإسلام أولاً، ثم توجه الخطاب ثانياً، وهذا مفرع على حديث معاذ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات). فلا يخاطب أحد بالصلوات إلا بعد أن يحقق الشهادتين، ولذلك قال المصنف: (على كل مسلم)، وهذا الوجوب محل إجماع، إلا أنَّ بعض العلماء يقولون: الصلاة واجبة، وبعضهم يقول: الصلاة فرضٌ، والتعبير بهما على مسلك الجمهور واحد، ولكن الحنفية يقولون: إنها فريضة، ويرون أنها أعلى مراتب الوجوب، والخلاف بين الحنفية والجمهور في هذا عند بعض المحققين من أهل الأصول خلاف لفظي. فالحاصل من هذا أن العلماء رحمهم الله قالوا: إنها واجبة، ونستفيد من هذا أن تَرْكها إثمٌ، وأن فعلها قربة وطاعة. ولما كانت واجبة ويرد Q على من تجب؟ قال: (على كل مسلم)، والمراد هنا: جنس المسلم، فيشمل الذكر والأنثى، ولا فرق بين ذكرٍ وأثنى في الأحكام إلا ما خص الدليل به الرجال دون النساء، أو النساء دون الرجال. وقوله: [مكلفٍ]. التكليف: مأخوذٌ من الكلفة، والشيء الذي فيه كلفة هو الذي فيه مشقة وتعب وعناء، والعلماء رحمهم الله يعبرون عن أوامر الشرع ولوزامها بأنها تكاليف؛ لأنه لا بد في الشرع من ابتلاء، والدليل على ذلك قوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فدل على أنه يكلف، لكنه يكلف بما في الوسع لا بما هو خارج عنه، والسبب في هذا أنه لو كانت الأوامر خاليةً من التكليف والمشقة لعريت عن الابتلاء، ولاستوى المطيع والعاصي؛ لأنه لا يظهر فرق بين المطيع والعاصي إلا بوجود الابتلاء، ولذلك قال تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ} [الملك:2] أي: ليختبركم. وهذا يدل على أن تكاليف الشرع فيها ابتلاء، ومن الأدلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (حفت الجنة بالمكاره)، والمكاره: ما يكون في التكاليف سواءٌ أكانت أوامر أم نواهي، فإن كانت أوامر فالمشقة في تحصيلها، وإن كانت نواهي فالمشقة في تركها والاجتناب عنها. والتكليف ينقسم إلى قسمين: إما تكليفٌ بمشقةٍ مقدور عليها، وإما تكليفٌ بمشقة غير مقدورٍ عليها، كان التكليف يتضمن مشقةً غير مقدور عليها فهذا لا يكلف به ولا يرد به التكليف؛ لأن النص في الكتاب دلّ على أنه لا يكلف بما فيه مشقة؛ لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)، فدلّ هذا على أن تكاليف الشرع ليس فيها مشقةٌ غير مقدور عليها. وإن كان التكليف بالمشقة المقدور عليها، فهذه يكلف بها، ولكن هناك ضوابط عند العلماء؛ إذ قد يخفف على الإنسان، كالحال في مشقة الصوم في السفر، فأنت تقدر على الصوم في السفر ولكن بمشقة فيها حرج، فخيّرك الله عز وجل بين أن تصوم وبين أن تفطر. والتكليف يكون بالأمر والنهي. والتكلف في قوله: (على مسلمٍ مكلف) يتضمن شرطين، وقيل ثلاثة شروط: الشرط الأول: العقل، والشرط الثاني: البلوغ، كما قيل: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل فلا بد في التكليف أن يكون هناك عقلٌ، وأن يكون هناك بلوغ، فلا تكليف على مجنون، ولا على صبيّ دون البلوغ. وقال بعض العلماء: يضاف إليهما أمرٌ ثالث وهو الاختيار وعدم وجود الإكراه. لكن هذا في مسائل مخصوصة، فقد يسقط التكليف لعدم وجود الاختيار كما في المنهيات، فلو أن إنساناً اضطر إلى حرامٍ فإنه يسقط عنه التكليف ولا يكلف، ولذلك يقتصر بعض العلماء على الشرطين الأولين في ثبوت الأهلية، ويرون أن الشرط الثالث يتقيد بأحوال مخصوصة. أما الدليل على أنه لا يخاطب بالصلاة غير العاقل فهو ما جاء في حديث علي عند أبي داود وأحمد في المسند بسندٍ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون عن يفيق)، فدلّ على أن من كان مجنوناً لا يكلف، لقوله: (رفع القلم)، وفرّع العلماء عليه أن من شرط وجوب الصلاة أن يكون عاقلاً، وهذا بالإجماع، وأما بالنسبة لكونه بالغاً فللحديث نفسه، وأما أمره عليه الصلاة والسلام في حديث أحمد وأبي داود أن يؤمر الصبيان بالصلاة لسبع، وأن يضربوا عليها لعشر، فهذا من باب التعويد والترويض، لا من باب التكليف. وعند العلماء خلاف فيما إذا أمر إنسانٌ أن يأمر غيره، فهل الأمر للأول أو للثاني؟ فعلى القول بأن الأمر للأول فإن هذا الحديث دلّ على أن لا تكليف أصلاً؛ لأن الخطاب لم يتوجه إلى صبي، وبناءً على هذا نأخذ من هذين الحديثين دليلاً على المسألتين، وهو أنه يشترط في إيجاب الصلاة البلوغ والعقل. وعند بعض العلماء الصّبي فيه تفصيل: فإذا بلغ العاشرة فإنه يؤمر بالصلاة ويلزم بها، ويعتبرونه نوع تكليف واستثناء من عموم الخطاب الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم برفع القلم عن الصّبي، حتى قال بعض العلماء: إنه يثاب ولا يعاقب لقوله صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم الصّبي، وقال: إن حديث: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع) يدل على أنه يثاب ولا يعاقب، ويبقى الثواب معلقاً على بلوغه، فإذا بلغ جرى القلم بكسب ثوابه، وهذا مذهبٌ فيه تكلّف، وهو مذهب لبعض الأصوليين، وهو رواية عن الإمام أحمد أيضاً، ولكن الصحيح أن ظاهر السنة عدم تكليفه، وأن الأمر متوجهٌ إلى الآباء من باب الترويض والتعويد، كما ثبت مثله في الصوم من أمر الصحابة أبناءهم بالصيام، كما في أثر أنس رضي الله عنه وأرضاه-، وإعطائهم اللعب والدمى من العهن يعبثون بها حتى ينشغلوا عن طلب الطعام والإخلال بصيامهم. قال رحمه الله: [لا حائضاً ونفساء]. أي: لا تجب الصلاة على حائض ولا على نفساء، وقد يقال: إنها واجبة على كل مسلمٍ بالغٍ عاقل إلا أن يكون حائضاً أو نفساء. والمراد بالحائض والنفساء: من كانت متلبسةً بالحيض أو بالنفاس، وليس المراد به الوصف؛ لأن المرأة قد توصف بكونها حائضاً، كما تقول: تجب الصلاة على كل حائض، أي: على كل امرأة بلغت المحيض، أو يجب الستر على المرأة الحائض، والمراد: التي بلغت سن المحيض، والعرب تسمي الشيء بما يقارنه. فالمقصود أن قوله: (لا حائضاً) أي أن الحائض لا تجب عليها الصلاة أثناء الحيض، وللعلماء في هذه المسألة قولان: فبعض الأصوليين يقول: الخطاب متوجب على الحائض والنفساء، وسقط عنهما الفعل لمكان العذر في الصوم والصلاة، ثم إذا طهرتا فإنهما تقضيان صومهما، ولا تعتبران موديتين له. وبعضهم يقول: لا يتوجه عليهما الخطاب أصلاً إلا بعد طُهرهما، فيتوجه عليهما الخطاب بفعل الصوم دون فعل الصلاة، والفرق بين القولين في الأداء والقضاء، فإنك إذا قلت: إن الحائض والنفساء أثناء الحيض والنفاس يتوجه عليهما الخطاب فإنك تقول: تكلف الحائض والنفساء بالصلاة وسقطت عنهما بعذر، فالتكليف باقٍ أصلاً. إذا ثبت هذا فيصبح قوله: (لا حائض ونفساء) أي أنه لا يتوجه عليهما الخطاب، فهذا اختيار صاحب الزاد، وهو أيضاً اختيار صاحب المقنع نفسه الإمام ابن قدامة رحمة الله تعالى عليهما، وقد تكلم على هذه المسألة وبيّنها في كتابه النفيس: (روضة الناظر)، وأشار إلى مذاهب العلماء فيها من ناحية توجه الخطاب على الحائض والنفساء أو عدم توجهه عليهما. فإن قلنا: إنه لا يتوجه عليهما، ففي هذه الحالة بعد انتهاء أمد الحيض والنفاس يتوجه الخطاب بالصوم دون الصلاة، وهذا يعارضه حديث عائشة أنها قالت: (كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر قضاء الصلاة). فقول
من يجب عليهم قضاء الصلاة لعذر
من يجب عليهم قضاء الصلاة لعذر
من زال عقله بنوم
من زال عقله بنوم قال رحمه الله تعالى: [ويقضي من زال عقله بنوم]. قوله هذا دلّ على أن النائم مكلف أثناء نومه، أي أن الخطاب متوجهٌ عليه أثناء النوم، واختلف العلماء: هل النائم والناسي والساهي والسكران مكلفون أثناء السكر والنسيان والنوم، ثم يطالبون بالفعل بعد الإفاقة، كالحال في مسألة الحائض والنفساء؟ فقال بعض العلماء: النائم والناسي والساهي مكلفون، ولكن لا يؤاخذون وقت العذر، فإذا زال عنهم العذر فإنهم يطالبون بالفعل، وبناءً على هذا يقال: يؤمرون بالقضاء ويثبت عليهم؛ لأنه إذا تعذّر عليهم الأداء لعذرٍ فالقضاء مفرعٌ على وجود الأداء، وقالوا: إن النائم يؤمر بقضاء الصلاةِ، وهذا بالإجماع؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة له إلا ذلك)، فدل على أنه مطالبٌ بالقضاء، ودل على أن نومه وخروج الوقت عليه وهو نائم لا يوجب سقوط التكليف عنه، ولذلك يؤمر بقضاء هذه العبادة، والأصل: أن ذمته مشغولةٌ بفعل هذه العبادة حتى يدل الدليل على سقوطها، ولا دليل، فيبقى مطالباً بفعل الصلاة، فيؤمر بها بعد استيقاظه من النوم. لكن هنا مسألة: فقد قال بعض العلماء: من نام عن الصلاة وخرج وقتها، فإنه يؤمر بالفعل مباشرةً، وإن تأخر أثم؟ وقال بعض العلماء: يؤمر بفعلها ما لم يدخل وقت الثانية التي بعدها، ويخرج وقت الصلاة التي هو فيها، وقالوا: يجوز له أن يؤخر. وتوضيح هذه المسألة ما جاء في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما الثابت في الصحيح أنه قال: (عرّس النبي صلى الله عليه وسلم وسار إلى آخر الليل، قال: فوقعنا وقعةً ألذ ما تكون على المسافر -لأنهم كانوا يسيرون في الليل في مقدمهم من غزوة تبوك رضي الله عنهم وأرضاهم- فلما صار إلى آخر الليل وقرب وقت الفجر أعياهم المسير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـ بلال: اكلأ لنا الليلة -أي: يا بلال! ارقب لنا الفجر وانتبه له، حتى إذا تبين الصبح فأيقظنا للصلاة- فنام بلال، ونام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فلم يستيقظوا إلا بحرِّ الشمس، فاستيقظ عمر وصاح في الناس، وصار يكبر، ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إلى القوم قال عليه الصلاة والسلام: يا بلال: ما شأنك؟ -أي: ما الذي دعاك أن تضيع علينا الصلاة؟ - فقال: يا رسول الله: أخذ بعيني الذي أخذ بعينك) أي: أنت متعب وأنا متعب، فكما نمتَ نمتُ، وهذا من لطف الصحابة رضي الله عنهم وحسن أدبهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن قال: (ارتحلوا إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان. فارتحلوا عن الوادي، ثم توضأ عليه الصلاة والسلام، وتوضأ أصحابه فصلّى راتبة الفجر -كما في الصحيح في رواية أنس -، ثم أمر بلالاً فأقام فصلى الفجر). فالمسافة ما بين انتقاله من الوادي إلى الوادي فيها تأخيرٌ للصلاة، ولذلك قالوا: دلّ هذا على أنه إذا استيقظ لا يؤمر بالفعل مباشرة، وأنه لو أخّر ليسير الوقت فلا حرج، وقالوا: إنَّ له أن يؤخر إلى قرب الظهر، فهذا مذهب من يقول: إنه لا يطالب بالفعل مباشرةً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخّر الصلاة فانتقل من الوادي الذي هو فيه إلى واد آخر. وأجاب الأولون بأن فعله صلى الله عليه وسلم عذرٌ خاصٌ بهذه الصورة أو ما في حكمها، ويبقى الأصل بتوجه الخطاب عليه بالفعل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصليها إذا ذكرها). فجعل الأمر عند الذكر، فدل على أنه مطالبٌ بالفعل فوراً، خاصةً على مذهب من يقول: إن الأمر يقتضي الفور، فهذا حاصل ما ذكره العلماء. والحقيقة أنَّ الأحوط أن الإنسان يبادر، ويفعل الصلاة بمجرد الاستيقاظ ما أمكنه.
من زال عقله بإغماء
من زال عقله بإغماء قال رحمه الله: [أو إغماء]. المغمى عليه إما مغمىً عليه باختياره كأن يتعاطى أمراً يفضي به إلى الإغماء، أو مغمى عليه بغير اختياره كمن به صرع أو نحو ذلك، فهذه أحوال المغمى عليه، فعمم المصنف فقال: (أو إغماء). فكل من أغمي عليه داخل في هذا العموم، والمغمى عليه للعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: كل من أغمي عليه فهو مكلف، ويبقى إلى أن يفيق فيطالب بقضاء الصلوات وقضاء الأيام التي فرض الله عليه فيها الصيام. والقول الثاني، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه، وقال به بعض السلف رحمة الله عليهم: أنَّ المغمى عليه ليس بمكلف، وإذا زال إغماؤه لا يطالب بقضاءٍ ولا بأداء. وفائدة الخلاف: أن من أغمي عليه حتى فاتته الصلوات، أو أغمي عليه وفاته مع الصلاة الصيام، فعلى القول بأنه مكلف يطالب بالقضاء ولو طالت المدة، وعلى القول بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء، ويقولون: إنه كالمجنون. والحقيقة أنّ المغمى عليه فيه شبه بالمجنون، وفيه شبهٌ بالنائم، ففيه شبهٌ بالمجنون من جهة أنه إذا أوقظ لا يستيقظ، وفيه شبهٌ بالنائم من جهة أن الأصل فيه أنه مكلف، وأن الذي يعتريه من الإغماء إنما هو أشبه بالغطاء على عقله كالغطاء الذي على النائم فليس فيه زوال العقل بالكلية، ولذلك قال بعض العلماء: هو كالنائم، وقال بعضهم: هو كالمجنون، فمن يقول: إن المغمى عليه كالمجنون لا يطالبه بقضاء الصلوات، ويقول: هو كمن جنّ وأفاق، ومن يقول: إنه كالنائم يطالبه بالقضاء، وهذه المسألة يتفرع عليها ما يسمّى بالموت السريري عند الأطباء -أعاذنا الله وإياكم منه ولطف بنا وبكم في كل حال-، فهذا الموت السريري الذي يكون الإنسان فيه عديم الحركة حتى يشاء الله عز وجل بزوال المانع عنه، إما بجلطة أو بسبب آخر يؤدي إلى تعطله، فيصبح كالنائم في سبات، فإذا كلمه الإنسان لا يعي ولا يجيب، حتى يشاء الله له الإفاقة فيستيقظ بعد شهور، وقد يستمر الإغماء إلى سنوات. فعلى القول بأن المغمى عليه مكلف يصبح في هذه الحالة يطالب مثل هذا بالقضاء، وعلى القول: بأنه غير مكلف لا يطالب بالقضاء. وعند النظر في المسألة من جهة الأصول يترجح القول الذي يقول: إنه كالنائم، والشبه فيه بالنائم أقوى من الشبه بالمجنون؛ فإن الإغماء لا يؤثر في عقل الإنسان من جهة الزوال، ولكنه أشبه بالنائم من جهة السبات والخدر، والنائم حقيقته أنه مخدر، أي: لا يستطيع أن يتكلم ولا يفهم الكلام، فالمغمى عليه أقرب إلى النائم منه إلى المجنون، والقاعدة عندنا في الأصول: (إذا تعارض القولان ينظر إلى أقربهما شبهاً بالأصل). فنحن نسلّم أن المغمى عليه فيه وجه شبه بالمجنون، وفيه وجه شبه بالنائم، فانظر رحمك الله أيهما أقرب إلى الأصل، فإذا نظرت إلى أن الأصل وجوب الصلاة عليه وتكليفه احتطت للشارع، وقلت: هو مكلف وأنا أشك في عذره هل يسقط التكليف أو لا، فيبقى على الأصل من كونه مكلفاً، وإن جئت تنظر إلى الأصل الآخر الذي يغلب فيه جانب الجنون فالأصل براءة الذمة. وعند النظر إلى الأصلين نجد أن أصل التكليف ألصق من أصل براءة الذمة؛ لأن توجه الخطاب عليه في الأصل قد ثبت، وأصل براءة الذمة إنما يقوى في المسائل التي لم يتوجه فيها خطاب، أي: لم يوجد فيها أصل يوجب توجه الخطاب، ولذلك يقوى قول من يقول: إنه يطالب بالقضاء. لكن السؤال هنا: لو قلنا: إنه يطالب بالقضاء فأغمي عليه شهرين أو ثلاثة أو أربعة، فكيف يقضي؟ قالوا: إن طالت المدة رتب الصلوات، فكل صلاةٍ مع فرضها، فلو كانت أربعة أشهر فإنه يبدأ من حين إفاقته، ويصلي كل فرض مع فرضه، ويبدأ بالمقضي أولاً ثم بالمؤداة، حتى تتم له أربعة أشهر بهذه الحالة. أما لو أغمي عليه ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام فإن هذا يطالب بالقضاء مباشرةً. وإسقاط التكليف عنه لمكان المشقة -كما يقوله بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه ليس بصحيح، فإنهم يسلمون أنه يطالب بالقضاء ثم يقولون: إن طالت المدة سقطت عنه. وهذا غير صحيح؛ لأن مشقة القضاء يمكن اغتفارها بمطالبته بتسلسل الأوقات بالفرض مع نظيره، وهذا أقوى، واعتبار الأصل فيه أبلغ من اعتبار براءة الذمة الذي سبقت الإشارة إليه.
من زال عقله بسكر
من زال عقله بسكر قال رحمه الله تعالى: [أو سكرٍ أو نحوه]. السكر قد يكون بسببٍ مباح أو بسبب غير مباح، فالسكر بسبب مباح كأن يشرب خمراً يظنها ماءً، فهذا معذور، أو أكره على شرب الخمر عند من يرى أن الإكراه مسقط للتكليف، فهذا معذور، أو أعطي (البنج) لإجراء عملية جراحية فزال عقله، فهذا السكر يعذر العلماء صاحبه، ويخصونه بأحكام في مسائل العبادات والمعاملات. وأما السكر المحرم فالمراد به ما يزيل العقل سواءٌ أكان شراباً أم كان جامداً، وسواءٌ كان قديماً أم حديثاً، كما يوجد الآن في بعض المركبات كالمخدرات ونحوها، فكل ذلك يأخذ حكم السكر في باب الفقه. فإذا ثبت أن السكر يؤثر فإن السكران غير مكلف بالصلاة أثناء سكره، ويطالب بقضائها بعد الإفاقة؛ لأن الله عز وجل قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء:43]، فدل على أنه أثناء السكر لا يطالب بالصلاة، وبناءً على ذلك فإذا أفاق فإنه يخاطب بفعلها، ويكون فعله لها قضاءً لا أداءً. وقوله: [أو نحوه]. أو نحو السكر، كمثل ما يقع في بعض المخدرات والمركبات التي تكون في حكم السكر.
من تصح منه الصلاة ومن لا تصح منه
من تصح منه الصلاة ومن لا تصح منه قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح من مجنون ولا كافر]. أي: ولا تصح الصلاة من مجنونٍ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (رفع القلم عن ثلاثة)، والصحة تستلزم وجود أو ثبوت الثواب، إلا على القول في الصبي في حده وصلاته. وقوله: [ولا كافر]. أي: ولا تصح الصلاة من كافر؛ لأنه مخاطبٌ بالأصل، وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم يؤمر بالصلاة وتصح منه بعد الشهادتين، وكون النبي صلى الله عليه وسلم يرتب الصلاة على وجود الشهادتين يدل على أن الكافر لا تصح منه الصلاة قبل الشهادتين؛ لأنه قال عليه الصلاة والسلام: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم ... ) الحديث، فدل على أن توجه الخطاب عليهم بالصلاة وصحتها منهم متوقفٌ على تحصيل الأصل وهو الشهادتان، فقد قال تعالى في الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23]، فدل على أن الكافر لا تصح منه قربةٌ ولا طاعة، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعجل للكافر دنياه بحسناته، حتى إذا وافى الله يوم القيامة وافاه وليست له حسنة واحدة)، فلذلك لا تصح منه صلاته ولا تقبل منه عبادته. قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى فمسلم حكماً]. قوله: (فإن صلى) أي: هذا الكافر في الظاهر، وقوله: (فمسلم حكماً) يشير به إلى أنَّ عند العلماء ما يسمونه القضاء وما يسمونه الديانة، والقضاء يعبرون عنه أحياناً بقولهم: (حكماً)؛ لأنه يتصل بحكم الحاكم وهو القاضي، وهذا ينبغي أن يتنبه له طلاب العلم، فالشريعة رتبت الأحكام على الظاهر، ولم ترتبها على السرائر في حكم القضاء، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس، وأن أكلْ سرائرهم إلى الله)، والسبب في ذلك أنه لا يستطيع الإنسان أن يعرف حقيقة الشيء من الإنسان سواءٌ أكان في عبادةٍ أم معاملة، فلا يستطيع أن يعلم قصده ولا نيته، ولذلك أُمِر من زكى إنساناً أن يقول: أحسبه والله حسيبه. ولا يمكن أن تنكشف حقيقة الإنسان أو ينجلي صلاحه من عدمه إلا في يومٍ يبعثر فيه ما في القبور، ويحصل فيه ما في الصدور، وهذا هو الفصل في معرفة حقائق الناس، فلما كانت معرفة حقائق الناس متعذرة بالاطلاع على قلوبهم أخذ بالظاهر، فأحكام الشريعة مبنية على الظاهر، فلو أن إنساناً جاء وصلى مع الناس، وفعل الصلاة في الظاهر، فليس لأحدٍ أن يقول: هذا منافق؛ لأنه يحتاج إلى أن يطلع إلى حقيقة قلبه، ما لم تظهر منه أفعال المنافقين التي تدل على نفاقه، والأصل فيها أنه يحكم على ظاهره، وتوكل سريرته إلى الله عز وجل. فمن دخل المسجد وصلى مع المسلمين، واستقبل قبلتهم، وصلّى صلاتهم، وتأثر بكلامهم في ظاهره فهذا من المسلمين، وحكمه حكم المسلمين، والحقيقة ترد إلى الله سبحانه وتعالى. فعندنا شيء في الظاهر، وعندنا شيء في الباطن، فإن قالوا: (مسلمٌ حكماً) أي: في الظاهر، وأما حقيقته فأمرها إلى الله، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي معه المنافقون وهو يعلم أنهم منافقون، والقرآن ينزل عليه، وسمى المنافقين لـ حذيفة بن اليمان، وقال عمر لـ حذيفة: (أناشدك الله: أكنتُ فيمن سمى لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: لا، ولا أزكي بعدك أحداً)، فكان الصحابة رضوان الله عليهم يعرفون المنافق من المسلم إذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل، فإذا رأوا حذيفة يصلي على الرجل علموا أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا رأوا حذيفة اعتزل جنازة علموا أنه منافق وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه من خبره شيئاً. فالذي ينبغي على الحاكم أن يحكم على الظاهر، وهذا هو الأصل، لظاهر حديث مسلم الذي ذكرنا: (إنما أمرت أن آخذ بظواهر الناس)، وأما النيات والمقاصد فأمرها إلى الله سبحانه وتعالى، ولكن قد توجد قرائن تدل على المقصد فيغلب على الظن، فهذا أمر آخر يحكم به في مسائل في القضاء. ومن أمثلة الديانة والحكم أو القضاء: لو أن إنساناً قال لامرأته: أنتِ طالق، ولم يدر في خلده أن يطلقها، وإنما كان قصده: أنت طالق من الوثاق، أي: أنك غير مربوطة، فإذا رفع إلى القضاء حكم بكونه مطلقاً زوجته، ولكن بينه وبين الله لا تطلق عليه زوجته؛ لأن لفظ الطلاق في قوله: (أنت طالق) لا يقع ديانةً؛ لأنه لم يقصد الطلاق فيه أصلاً، وبناءً على ذلك قالوا: ينفذ الطلاق حكماً -أي: في ظاهر الأحكام- لا ديانةً. ولها نظائر أيضاً في المعاملات، فإن الإنسان قد يتلفظ بلفظٍ يكون فيه احتمال غالب يؤخذ بظاهره، وإن كان قصده أمراً آخر. لكن لو كان الأمر محتملاً لمعنيين على السواء فلا بد فيه من سؤاله عن قصده ونيته، فتجد الفقهاء يقولون: (ينوّى) أي: يسأل عن نيته، فلو قال لفظاً يحتمل الطلاق، ثم رفع إلى القاضي، فقال له القاضي: ما الذي نويت في هذا اللفظ المتردد بين المعنيين؟ قال: نويت المعنى الذي لا طلاق فيه، وحلّفه القاضي فحلف، فحينئذٍ يحكم بكون الطلقة غير واقعة قضاءً، ولكن ديانةً بينه وبين الله قد طلقت عليه زوجته. ولو أن إنساناً ادعى مال إنسان أو اغتصب أرضه، وليس عند الشخص الذي أخذت منه الأرض الدليل، فإنه إذا حكم القاضي بكون الأرض للغاصب دون المغصوب منه بناءً على اليد ففي الباطن لا يحل له من ذلك المال شيءً، فالمال ماله قضاءً لا ديانةً. فهنا يقول المصنف رحمه الله: (فإن صلى) أي: هذا الكافر الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، فدخل المسجد وصلى مع المسلمين (فمسلمٌ حكماً) أي: أعطه حكم المسلمين بناءً على ظاهره، وأما سريرته فتوكل إلى الله عز وجل.
متى يؤمر الصبي بالصلاة ويضرب عليها
متى يؤمر الصبي بالصلاة ويضرب عليها قال رحمه الله تعالى: [ويؤمر بها صغير لسبع، ويضرب عليها لعشر]. هذا هو ظاهر السنة للحديث الذي أخرجه أحمد وأبو داود وهو حديث صحيح: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) فاشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: أولها: أمرهم بالصلاة لسبع، ولا يضربون إذا تركوها ولم يصلوا، والثاني: إذا بلغوا العاشرة يؤمرون بالصلاة ويضربون عليها إن لم يصلوا. والثالث: التفريق بين الذكر والأنثى في المضجع، وكلام المصنف موافق لظاهر السنة. وقوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر) للعلماء وجهان في قوله: (لسبع) وقوله: (لعشر): قال بعض العلماء: يؤمر في السبع عند ابتدائها، ويؤمر بالضرب إن عصى في العشر عند ابتدائها. وقال بعضهم: يؤمر في السبع عند تمامها، ويؤمر ويضرب إن عصى في العشر عند تمامها. والفرق بين القولين أنه على القول بأنه يؤمر بالسبع عند ابتدائها يؤمر بعد السادسة ودخوله في أول السابعة، فلو بلغ ست سنوات يؤمر في اليوم الذي هو زائدٌ على الست؛ لأنه بهذا اليوم قد دخل في السابعة، وهكذا في العشر تضربه إذا بلغ تسعاً وزاد يوماً واحداً، فبدخوله اليوم الواحد يدخل في العشر. وعلى القول الثاني إنما يؤمر بعد تمام السبع أو يؤمر ويضرب إن عصى بعد تمام العشر، وهذا أقوى؛ لأن الأصل عدم أمره وعدم ضربه؛ لأنه غير مكلف في الأصل، فإذا شككنا فهذا ينبني على مسألة أصولية عند العلماء أو قاعدة فقهية لطيفة وهي: (هل العبرة بالابتداء، أو بالتمام والكمال)؟ فإن قلت: العبرة بالابتداء تقول: لأول يومٍ من السبع ولأول يومٍ من العشر، وإن قلت: العبرة بالتمام والكمال تقول: إذا تمت له السبع أو تمت له العشر. قال رحمه الله تعالى: [فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها أعاد]. أي: إذا بلغ الصبي أثناء فعله للصلاة، كما لو أن صبياً دخل في الصلاة وأحرم بها الصلاة وهو غير بالغ، ثم بلغ وهو في أثناء وقت الصلاة، زالت الشمس وليست عليه أمارة بلوغه، ثم لما مضت ساعة أو ساعتان احتلم، فباحتلامه دخل في التكليف، فيؤمر بفعل الصلاة وإن كان عند دخول الوقت غير مكلف بها، وهكذا بالنسبة للمرأة الحائض والنفساء، فإنها لو طهرت قبل انتهاء الوقت ولو بركعة واحدة فإنها تؤمر بفعل الصلاة، وهذا مبنيٌ على حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر) فدل على أن إدراك الوقت ولو بركعة واحدة يوجب الحكم والمطالبة بالفعل. فلو أن هذا الصبي صلى صلاة الظهر وهو صبي، ثم نام واحتلم قبل دخول وقت العصر، فحينئذٍ تأكدنا بلوغه بعد الاحتلام، فتكون صلاته الأولى غير مجزية، ويطالب بأداء الصلاة في وقتها؛ لأن الخطاب توجه عليه بعد البلوغ والاحتلام.
حرمة تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر
حرمة تأخير الصلاة عن وقتها لغير عذر قال رحمه الله تعالى: [ويحرم تأخيرها عن وقتها]. قوله: (ويحرم) أي: يأثم من فعل ذلك، أعني التأخير عن وقتها، ووقت الصلاة سيأتي إن شاء الله في باب المواقيت، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يخصون المواقيت في باب مستقل، ويذكرون فيه مواقيت الصلوات الخمس. وإذا أخّر المكلف الصلاة عن وقتها فإما أن يكون معذوراً أو غير معذور، فالمصنف رحمه الله يقول: (ويحرم تأخيرها عن وقتها) أي: لا يجوز للإنسان أن يؤخرها عن وقتها، فإن كان هناك عذرٌ يسقط التكليف عنه -كما تقدم في النائم والمغمى عليه- فهذا لا إشكال فيه، وإن كان بعناء ومشقة لا يعذر بها كالقتال ونحوه، فإنه يطالب ولو كان على حال المقاتل، ودليل ذلك آية النساء، أعني آية المسايفة في قوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239]، فأمر الله عز وجل بالصلاة ولو حال القتال، فدل على أن الصلاة لا تسقط بحال، وإن كان بعض الفقهاء رحمة الله عليهم -وهو مذهب بعض السلف- يجوز للإنسان إذا عظم عليه الخوف أن يؤخر الصلاة، واستدل بذلك لبعض الآثار عن الصحابة. والصحيح والأقوى أنه يصلي على حاله؛ لأن الله قال: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239] وعمم في الخوف، فدلّ على أن الأصل مطالبته بالفعل، ولذلك يبقى مكلفاً ولو دفن؛ لأن الله لا يكلف الإنسان إلا ما في وسعه، فيقاتل ولو كان راكباً ولو كان ماشياً، كما يقع الآن في الحالات الشديدة التي تقع في القتال فإنه يصلي على حاله، ولو كان على جهاز، ولو كان على آلة أو على دبابة فليصل على حاله، وهذا من سماحة الإسلام، ومن عظم شأن الصلاة؛ لأنه لا يأمن الإنسان أن يقتل أو تزهق روحه، ولذلك يبرئ ذمته ويصلي على قدر استطاعته فيلقى الله عز وجل وقد أدى هذه الصلاة، ولا تسقط في شدة الخوف ولا بشدة ذهول، بناءً على الأصل من كونه مطالباً بفعلها مأموراً بأدائها.
حالات جواز تأخير الصلاة عن وقتها
حالات جواز تأخير الصلاة عن وقتها
من نوى الجمع في السفر
من نوى الجمع في السفر قال رحمه الله تعالى: [إلا لناوي الجمع]. هذا استثناء، والاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ، فلما ذكر أن الأصل أنه مطالب استثني من ذلك من نوى الجمع، وصورة ذلك: لو أذّن عليك أذان الظهر وأنت في السفر فقلت: أؤخر الظهر إلى وقت العصر، جاز لك أن يخرج عليك وقت الظهر وأنت لم تصلها؛ لكونك معذوراً بنية الجمع، وهكذا لو أذن عليك أذان المغرب وأردت أن تجمع مع العشاء فلا حرج عليك، وبناءً على ذلك يعتبر هذا مستثنىً مما ذكرناه؛ لأن الجمع بين الصلاتين رخصة من رخص السفر فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هديه في ذلك ثابتاً عنه عليه الصلاة والسلام.
من اشتغل بشرط الصلاة عنها
من اشتغل بشرط الصلاة عنها قال رحمه الله تعالى: [ولمشتغل بشرطها الذي يحصله قريباً]. مثال ذلك: شخص قام قبل طلوع الشمس بوقت يسير يريد أن يتوضأ فيه أو يغتسل من الجنابة، فقد قال بعض العلماء: يتيمم ويصلي، وقال بعضهم: يغتسل ويتوضأ ولو خرج الوقت، وعلى هذا القول الثاني درج المصنف، فهذه الحالة تستثنى من المنع من تأخير الصلاة إلى خروج الوقت، قالوا: يرخص لشخصين: أحدهما: من نوى الجمع، والثاني: من اشتغل بتحصيل شرط الصلاة، فإن الطهارة من الحدث من شروط صحة الصلاة، فلو أراد أن يسخن الماء، أو أراد أن يغتسل وليس عنده إلا قدر ما يصلي، فإنه يغتسل ولو خرج الوقت، وهو في حكم المصلي لاشتغاله بشرط صحة صلاته.
حكم جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاونا
حكم جاحد وجوب الصلاة وتاركها تهاوناً قال رحمه الله تعالى: [ومن جحد وجوبها كفر]. من جحد وجوب الصلاة كفر إجماعاً؛ لأن الله أمر بها في كتابه، وإذا قال هو: ليست بواجبة: فإنه يكفر، ودليل كفره: أنه كذّب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن كذّب الله ورسوله فقد كفر، فالله عز وجل يقول: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ} [البقرة:43]، وهو يقول: لا تقيموا الصلاة، وليست بواجبة. لأن قول الله: (أقيموا) أمرٌ تضمن الوجوب والإلزام، وهو يكذّب الله فيقول: ليست بواجبة -والعياذ بالله-، ولذلك قال العلماء: من استحل ما حرم الله في كتابه وعلم بتحريمه سبحانه لذلك فإنه يكفر، فلو قال: الزنا حلال لا شيء فيه، أو: شُرْبُ الخمر حلال لا شيء فيه -والعياذ بالله- كفر؛ لأنه يستحل ما حرم الله، ويكون مكذّباً لله عز وجل بالاستحلال. وكذلك رد الواجبات، بشرط أن يكون على علمٍ بوجوبها، أي: أن تقام عليه الحجة، ومفهوم هذا الشرط أن يكون جاهلاً، فلو أن إنساناً -كما مثل العلماء- في بادية ولا يعلم بشرائع الإسلام قيل له: أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فلما أسلم جاءه رجل وقال له: صلّ، قال: ليس هناك صلاة! لكونه جاهلاً لا يعلم، فهذا لا يكفّر، وهي من المسائل التي يعذر فيها بالجهل الذي يدل على عدم وجود التكذيب؛ لأن الأصل في الحكم بكفره تكذيبه لله، ولذلك قالوا: شرطه أن يكون عالماً حتى يوجد فيه السبب الموجب للكفر، وقد تكلم في هذه المسألة الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام عند كلامه على مرتكب الكبيرة عند اعتقاده لكونها كبيرة أو عدم اعتقاده لكونها كبيرة، فليرجع إليه. قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً]. من ترك الصلاة تهاوناً كفر، ولكن للعلماء تفصيلٌ في كفره: فمنهم من يقول: يكفر مطلقاً. ومنهم من يقول: يكفر إذا لم يصل أبداً، بمعنىً أنه يترك الصلاة بالكلية، وهذا ظاهر النص، واختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه جمعاً بينه وبين حديث عبادة رضي الله عنه: (خمس صلواتٍ كتبهن الله في اليوم والليلة، فمن حفظهن وحافظ عليهن كان له عند الله عهدٌ أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)، فإن تركها كليةً كفر، وإن صلى أحياناً وترك أحياناً لا يحكم بكفره جمعاً بين النصين، ولأن قوله: (فمن تركها) أي: ترك الصلاة، أي أنه لم يصل بالكلية، وفرقٌ بين قولك: ترك الصلاة، وبين قولك: ترك صلاةً، ولذلك اختار رحمه الله هذا، ولا شك أنه يوفق بين النصوص ويجمع بينها. قال رحمه الله تعالى: [وكذا تاركها تهاوناً، ودعاه إمامه أو نائبه فأصر]. هذا شرط عند من يقول: إن تارك الصلاة تهاوناً يكفّر. قالوا: بشرط أن يدعوه الإمام، وظاهر النصوص ليس فيها هذا الشرط، ولذلك اختار جمعٌ من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليه عدم اشتراط دعوة الإمام، وقال الذين قالوا باشتراطها: إن ذلك أبلغ في وجود العذر حتى يحكم بكونه كافراً. قال رحمه الله تعالى: [وضاق وقت الثانية عنها]. أي: أن يضيق وقت الثانية عن فعلها. قال رحمه الله تعالى: [ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فيهما]. أي: أننا إذا حكمنا بكونه كافراً بترك الصلاة فإنه لا ينفذ عليه حد القتل إلا إذا استتيب ثلاثاً، فجمهور العلماء: المالكية والشافعية والحنابلة على أن تارك الصلاة يُدعى إليها ثلاثاً ثم يقتل إذا أبى، وقرر شيخ الإسلام رحمه الله أنه إذا دُعي إليها ثلاثة أيام وهو يصر على تركها أنه كافرٌ بإجماع المسلمين؛ لأنه إذا قيل له: صلّ، وهو يقول: لا أصلي. ثلاثة أيامٍ، فإنه في هذه الحالة لا يحكم بكونه مسلماً، وقال: إنه في حكم من جحد، ويحكي الإجماع على ذلك في غير ما موضع من المجموع. فبعض العلماء على أنه يستتاب ثلاثاً، وهذا مبني على مسألة استتابة المرتد، واستتابة المرتد فيها قولان للعلماء رحمة الله عليهم: فمنهم من يوجب الاستتابة لأثر عمر رضي الله عنه، ولا مخالف له، وقد أمرنا بالأخذ بسنن الخلفاء الراشدين، وأثر عمر: هو (أن أبا موسى رضي الله عنه قدم عليه فقال له عمر: هل من مغربة خبر؟ -أي: هل هناك خبرٌ غريب- قال: نعم يا أمير المؤمنين! رجلٌ ترك دين الإسلام ورجع إلى النصرانية أو اليهودية، فتهود أو تنصر فقتلناه، فقال عمر رضي الله عنه: هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً؟!! اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر، اللهم إني أبرأ إليك لم أشهد ولم آمر)، فبرئ رضي الله عنه من فعلهم، قالوا: ولا يبرأ إلا بضياع واجب أو ارتكاب محرم. فقوله: (هلا أطعمتموه وسقيتموه ثلاثاً) دل عند من يقول بوجوب الاستتابة ثلاثاً على وجوبها. والذين يقولون بعدم الوجوب استدلوا بما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن امرأة وجدت مقتولةً ليلاً، فقال صلى الله عليه وسلم: أحرّج على رجل يعلم من خبر هذه إلا أخبرنا، فقام زوجها وهو أعمى وقال: يا رسول الله! إنها كانت تسبك وتشتمك وتسمعني فيك ما أكره، فما هو إلا أن عديت عليها البارحة بمعولي فقتلتها، فقال صلى الله عليه وسلم: ألا اشهدوا أن دمها هدر) قالوا: هذا يدل على عدم وجوب الاستتابة، فإن الرجل قتلها مباشرة دون أن يستتيبها. واستدلوا بحديث ابن عباس الثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، فأمر بالقتل بوجود الشرط وهو تبديل الدين، فدل على عدم وجود وصفٍ زائد وهو الاستتابة. وبعض العلماء -وهو رواية عن الإمام أحمد - يجمع بين القولين فيقول: إن الكفر والارتداد يكون على أحوال: فتارة يحكم فيها بالكفر مطلقاً ويتفق فيها دلالة الظاهر والباطن كمن يستهزئ بالإسلام والدين، فهذا كفره لا شبهة فيه، بخلاف من يكون كفره دون ذلك أو ارتداده دون ذلك لشبهة أو نحوها فإنه يستتاب حتى يعذر إليه، وهذا جمعٌ لطيف لا شك أن فيه جمعاً بين الأخبار والنصوص، وسنفصل هذه المسألة أكثر إن شاء الله في باب الردة وأحكامها. وعند الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه وأصحابه أن من ترك الصلاة يسجن إلى أن يموت أو يصلي. والجمهور على أنه يستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل.
باب الأذان والإقامة [1]
شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [1] الأذان شعيرة من شعائر الإسلام العظيمة، وهو مشروع بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، والغاية منه تعظيم الله، وتنبيه الناس بأوقات الصلاة، وللعلماء في شعيرة الأذان أقوال وتفاصيل في صفته وصيغته، وحكمه، ومن يقوم به، وشروط صحته، ومبطلاته، وحكم أخذ الأجرة عليه، وغير ذلك من الأحكام والمسائل المتعلقة به.
أحكام الأذان والإقامة
أحكام الأذان والإقامة
تعريف الأذان والإقامة
تعريف الأذان والإقامة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب الأذان والإقامة]. الأذان في اللغة: الإعلام، ومنه قولهم: آذنه. إذا أعلمه، قال تعالى: {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج:27]، والمراد بذلك أعلِمهم به. وقال الشاعر: آذنتنا ببينها أسماءُ رب ثاوٍ يمل منه الثواء أي: أعلمتنا وأخبرتنا. فأصل الأذان: الإعلام، وأما في الاصطلاح: فهو الإعلام بدخول وقت الصلاة بلفظٍ مخصوص. فقولهم: (الإعلام بدخول وقت الصلاة) المراد به: الصلاة المفروضة، وقولهم: (بلفظٍ مخصوص): هو اللفظ الذي حدّده الشرع لهذه العباده وعيّنه النبي صلى الله عليه وسلم وأقرّه كما في قصة عمر وعبد الله بن زيد رضي الله عن الجميع. والأذان مشروعٌ بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، شرعه الله في كتابه بقوله: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:58]، أي: أذَّنتم بها وأعلنتم بها، وكذلك شرعه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما أراد مالك بن الحويرث وصاحبه أن يسافرا إلى قومهما، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا)، ووجه الدلالة في قوله: (فأذِّنا)؛ حيث دل على مشروعية الأذان بالسنة القولية، وكذلك أجمعت الأمة على مشروعية الأذان. والحكمة من مشروعية الأذان: تنبيه الناس وإعلامهم بفريضة الله عز وجل. ويكون بعد دخول الوقت، ولا يصح الأذان قبل دخول الوقت إلا أذان الصبح الذي يكون في السدس الأخير من الليل، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من هذا الأذان؛ إذ إن المقصود به أن يرد القائم وينبه النائم، كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أذان بلال بالسحر، وهو الأذان الأول يُقصد منه أن يرد القائم أي: أن الإنسان إذا كان في قيام الليل قد لا ينتبه لدخول الفجر، فربما استمر في قيامه وصلاته بالليل حتى يفاجأ بأذان الفجر وهو لم يوتر بعد، ولذلك شرع الله عز وجل هذا الأذان كما في الحديث السابق عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما وصف وقت الأذان الأول بكونه في ليل دلَّ على أنه قبل وقت الصبح، فهذه هي الحالة التي يُشرع فيها أن يكون الأذان قبل دخول الوقت، وهي حالةٌ مخصوصة، ومن أهل العلم من قصره على رمضان بناءً على ورود الأخبار فيه من أجل الصيام. والمقصود أن حكمة مشروعية الأذان تنبيه الناس، كما أن فيه إعلاءً لذكر الله عز وجل، ولذلك قال بعض السلف في قوله سبحانه وتعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]، قال: المراد بهذا المؤذن، فإنه يدعو إلى الله، ويعمل صالحاً بدعوته إلى الصلاة، ويقول: إنه من المسلمين؛ لأنه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمداً رسول الله، فهذا خيرٌ كثير للقائل، وخيرٌ للناس لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل. فقال العلماء: إن من حكمة مشروعية الأذان، إعلاء ذكر الله عز وجل، ووجود الشهادة لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) أي: حينما تقول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله) فإن الله يُشهِد الحيوان والجامد على شهادتك تلك، وتكون خيراً للعبد بين يدي الله عز وجل. والإقامة: مصدر: أقام الشيء يقيمه، وإقامة الشيء المراد بها أن يؤدِّيه الإنسان على وجهه المعتبر، ولذلك أمر الله بإقام الصلاة، بمعنى أن يُؤديها المكلف على أتم وجوهها وأكمل صفاتها. والإقامة المراد بها: الإعلام بالقيام إلى الصلاة بلفظٍ مخصوص، وهو اللفظ الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله بيانه في موضعه. فكأن المصنف رحمه الله يقول: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالأذان والإقامة، ومناسبة هذا الباب لما قبله أنه بعد أن فرغ من بيان حكم الصلاة شَرَع في بيان مشروعية الأذان، والسبب في هذا أن الفقهاء رحمهم الله، يبتدئون في كتاب الصلاة ببيان حكم الشرع في الصلاة، وعلى من تجب، ومن المخاطب بها. فبعد أن بين لك من الذي يخاطب بالصلاة، ومن الذي يؤمر بها، ومتى يؤمر، شرع في بيان ما ينبغي أن يكون قبل الصلاة من النداء لها، والإعلام بدخول وقتها، فقال رحمه الله: (باب الأذان والإقامة).
حكم الأذان والإقامة، ومن تلزمان ومحلهما من الصلاة
حكم الأذان والإقامة، ومن تلزمان ومحلهما من الصلاة قال رحمه الله تعالى: [هما فرضا كفاية] قوله: (هما): أي: الأذان والإقامة فرض كفاية. فأول ما يعتني به الفقهاء -رحمهم الله- في الأبواب الفقهية أن يبينوا موقف الشارع من هذه العبادة، فيقولون: هل هذا الشيء شرعه الله أو لم يشرعه؟ ثم إذا شرعه فهل شرعه على سيبل اللزوم، أو على سبيل الاختيار، أو على سبيل الندب والاستحباب؟ وحكم الأذان والإقامة مسألة خلافية بين العلماء، قال بعضهم: الأذان واجب والإقامة واجبة، وهذا القول قال به فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم. والقول الثاني يقول: الأذان والإقامة فرض كفايةٍ إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وهذا مذهب الحنابلة ويميل إليه بعض الحنفية وبعض الشافعية رحمة الله على الجميع. والقول الثالث -وينسب للجمهور- أن الأذان والإقامة كل منهما سنةٌ مؤكدة. وهناك قول رابع لبعض السلف وهو وجوب الأذان دون الإقامة. وقول خامس وهو وجوب الإقامة دون الأذان. وأقوى هذه الأقوال وأولاها بالصواب -والعلم عند الله- الوجوب، والدليل على ذلك أحاديث، منها: حديث مالك بن الحويرث، وهو حديث صحيح، وكان مالك بن الحويرث قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة الوفود، فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، ومكث عنده سبع عشرة ليلة، أو تسع عشرة ليلة، قال رضي الله عنه وأرضاه: (أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة فظن أنا قد اشتقنا إلى أهلينا فسألنا عمن تركنا في أهلنا فأخبرناه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رفيقاً فقال: ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم ومروهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكبركم) وفي رواية: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما وصلوا كما تروني أصلي). فالشاهد في قوله: (إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وليؤمكما أكبركم)، ووجه الدلالة أنه أمر، والأصل في الأمر أنه يدل على الوجوب حتى يقوم الدليل على ما دونه، ولذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به أمر إلزام، وبناءً على هذا نبقى على هذا الأصل الذي دل عليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونقول بوجوب الأذان. وأكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت). وأما الفرق بين قولنا: إنه واجب وقولنا: إنه فرض كفاية فهو أن القول بالوجوب يجعل كل جماعة يلزمها التأذين إلا في المساجد العامة، وأما على القول بالفرضية على الكفاية فيسقط هذا الوجوب عند قيام بعض المصلين بهذا المأمور به، فهذا الفرق بين القول بالوجوب والقول بالكفاية، والقول بالوجوب أقوى لما ذكرناه من دلالة السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفرض الكفاية عند العلماء رحمة الله عليهم معناه أنه إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، كأن يقصد الشرع وجود هذا الشيء ولو من بعض الناس، كصلاة الجنازة، فإذا صلى على الجنازة من تحصل به الكفاية سقط الإثم عن الباقين، وكذا تغسيل الميت وتكفينه، وتعليم العلم، وغيره من الأمور التي تعتبر من أصول الشرع ولا تصل إلى حظ فرض العين، فتُعتبر من فروض الكفايات، فإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الباقين. قال رحمه الله تعالى: [على الرجال المقيمين]. بعد أن بيَّن أن الأذان والإقامة كلٌ منهما فرض كفاية، يرد Q من الذي يُفرض عليه الأذان، وتُفرض عليه الإقامة؟ فقال رحمه الله: (على الرجال). فأخرج النساء، والنساء لا يجب عليهن أذان ولا إقامة، ولا تجب عليهن جمعة ولا جماعة، فإذا سقطت الجماعة سقط الأذان والنداء الموجب للجماعة. وأما لو أن نساءً اجتمعن وأراد رجلٌ أن يؤذن لجماعة النساء، ويصلي النساء جماعة فلا حرج، والدليل على ذلك حديث أم ورقة الثابت في سنن أبي داود، وكانت امرأة صالحة من نساء الأنصار رضي الله عنها وأرضاها، وهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن يدعو الله أن تكون شهيدة، فبشَّرها بالشهادة، فشاء الله عز وجل أنها مكثت إلى خلافة عثمان فأتاها عبدان كانا عندها، فمكرا بها وغطاها بقطيفةٍ حتى ماتت، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت تسمى أم ورقة الشهيدة، وتوصف بهذا الاسم قبل وفاتها رضي الله عنها وأرضاها. فهذه المرأة الصالحة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألته أن تقيم الجماعة لأهل دارها، قال الراوي: فأذِن لها أن يؤذَّن لها وأن تصلي بهم. قال: فلقد رأيت مؤذنها قد سقط حاجباه من الكبر -أي: رجلٌ كبير كان يؤذِّن لها، فتجمع النساء وتصلي بهن في بيتها. فدل هذا الحديث على مسائل: منها: أولاً: مشروعية الأذان لجماعة النساء، لكن من الرجال لا من النساء. ثانياً: مشروعية الجماعة للنساء، أي أن تصلي النساء جماعة، وهو قول الحنابلة والشافعية، خلافاً للمالكية والحنفية رحمة الله على الجميع، حيث دلّ هذا على مشروعية الجماعة للنساء، ومَنَع منه من ذكرنا، والصحيح مشروعيته على ظاهر هذه السنة. ويؤخذ من مفهوم قول المصنف: (على الرجال) أن النساء لا يلزمهن الأذان، لكن لو أذن رجلٌ للنساء صح ذلك. وهل تؤذن المرأة؟ A لا؛ لأن صوت المرأة عورة، وهذا أمر قد يُدرك دليله بالشرع، وقد يُدرك بالحس، فقد أُمِرَ النساء أن لا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، فدل على وجود الفتنة في صوت المرأة، وأيضاً دليل الحس، فإن من الرجال من يتأثر بسماع صوت المرأة ولو لم تخضع بالقول، ولا مكابرة في دليل الحس، وقد يُستند حكم الشرع إلى دليل الحس إذا وجدت مفسدة يَنهى عنها الشرع، فالنساء لا يؤذِّنّ، ولا يُشرع لهن أذان بناءً على ما يكون من المفسدة المترتبة على ندائهن، ولأن النداء إنما شرع للجماعة ولا جماعة تلزمهن. وقوله: (المقيمين) مفهوم ذلك أنهم إذا كانوا في سفر فلا يجب عليهم الأذان، ولذلك رتبوا الفرضية على الأمصار دون حالة الأسفار، فقالوا: إذا سافر القوم لا يلزمهم أن يؤذنوا، وما ذكرناه من ظاهر النصوص يدل على أن الإنسان يؤذن ولو نزل في برية، وذلك أن مالك بن الحويرث وصاحبه أمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤِّذنا، فقال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما)، وهذا إنما يكون في السفر؛ لأنه لو كان المراد قدومهم على قومهم لقال لهم عليه الصلاة والسلام: إذا حضرت الصلاة فأذنوا بأهليكم. ولكن قال: (فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبر كما)، فدل على أنهما في السفر، وهذا يؤكِّد على أن الوجوب على الإطلاق سواءٌ في السفر أم الحضر. قال رحمه الله تعالى: [للصلوات الخمس المكتوبة]. قوله: (للصلوات) اللام للاختصاص، أي أن الوجوب واللزوم والفرضية على الرجال المقيمين مختصة بالصلوات، فخصَّص المصنف رحمه الله الحكم بفرضية الكفاية على المكلَّفين فقال: (على الرجال المقيمين)، وخصه بالصلوات فقال: (للصلوات الخمس المكتوبة). وهذا هو الأصل المعروف، فالنداء بالأذان يختص بالصلوات الخمس، وهي التي يُشرع التجمع لها، وأما ما عداها من الصلوات فقد يُشرع النداء لها بلفظ مخصوص كقولهم: (الصلاة جامعة) في صلاة الخسوف ونحوها، وقد لا يشرع لها لا أذان ولا إقامة، كصلاة العيدين، فإن صلاة العيدين لا يشرع أن يؤذن ولا أن يُقام لهما. قال رحمه الله تعالى: [يقاتل أهل بلد تركوهما] أي: يُقاتل أهل بلدٍ تركوا الأذان والإقامة؛ لأن الأذان شعيرة من شعائر الإسلام، ولذلك قال بعض العلماء: يُحكم على البلد بالإسلام إذا وُجِد فيه الأذان، وهذا يسمونه الحكم بالظاهر، والدليل على أنه من شعائر الإسلام وأن البلد الذي يُقام فيه الأذان لا يُقَاتل أهله ما ثبت في الحديث الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا بنا قوماً لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم، وإن لم يسمع أذاناً أغار عليهم). وكما جاء في حديث أنس في الموطأ: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل على أهل خيبر، وكان ذلك عند الفجر، انتظر عليه الصلاة والسلام إلى وقت الصلاة، وصبّح يهود وهم خارجون إلى الحرث والزراعة فصاحوا: محمدٌ والخميس. محمدٌ والخميس -أي: محمدٌ والجيش، والخميس: هو الجيش، فأصابهم الرعب- فقال صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين). ، فقاتلهم صلوات الله وسلامه عليه. والشاهد أن من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا حضر وقت الصلاة انتظر، فإذا سمع النداء كف، وإن لم يسمعه قاتل أهل البلد.
حكم أخذ الأجرة على الأذان
حكم أخذ الأجرة على الأذان قال رحمه الله تعالى: [وتحرم أجرتهما] أي: تحرم أُجرة الأذان والإقامة، وللعلماء في هذه المسألة قولان: قال بعض أهل العلم: لا يجوز للمؤذن أن يأخذ أُجرة على الأذان أو الإقامة، واستدلوا بحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى الطائف أميراً على الطائف، قال: فكان آخر ما أوصاني به أن قال لي: (واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، وكذا استدلوا بهدي السلف الصالح رحمةُ الله عليهم، فإن ابن عمر رضي الله عنه لما قال له المؤذن: إني أحبك في الله. قال له أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر: وإني أبغضك في الله. قال: ولم؟ قال: إنك تأخذ على أذانك أجراً. فهذه أدلة من قال بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة. وأما الذين قالوا بجواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة فاستدلوا بما جاء في حديث أبي محذورة -وهو حديث حسن بمجموع طرقه- وفيه أنه قال: (ألقَى عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ألفاظ الأذان ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم كافأه على الأذان، فدل على مشروعية أخذ الأجرة على الأذان. والقول بالتحريم قول الحنفية والحنابلة، والقول بالجواز قول المالكية والشافعية، وأصح هذين القولين -والعلم عند الله- التفصيل: فإذا كانت الأجرة من بيت مال المسلمين فإنه لا حرج؛ لأن أبا محذورة أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم من بيت مال المسلمين، وأما نهيه عليه الصلاة والسلام لـ عثمان، فالمراد به أن يستشرف الإنسان، كأن يقول: أنا لا أؤذن حتى تعطوني الأجرة، فأصبح أذانه للمال لا لله، وهكذا الإمامة، فلو كان الإمام يأخذ من بيت مال المسلمين فلا حرج ولا حرمة عليه، ولكن إذا قال: أنا لا أصلي ولا أؤم حتى تعطوني الأجرة فهذا هو المحرم، ولذلك لما سئل الإمام أحمد رحمة الله عليه عن رجل يقول لقومه: لا أصلي بكم صلاة التراويح حتى تعطوني كذا وكذا. قال: أعوذ بالله. مَن يصلي وراء هذا؟! أي: من يصلي وراء إنسانٍ يستشرف لأجر الدنيا دون أجر الآخرة؟! نسأل الله السلامة والعافية. فأصح القولين -والعلم عند الله- أن نجمع بين النصوص، فنحمل حديث عثمان بن أبي العاص: (اتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجراً)، على مَن يطلب، وأما حديث: (أعطاني صرة فيها شيء من فضة)؛ فإن أبا محذورة أذن، فلما أذن وفرغ أعطاه، فكان أشبه ما يكون بالرضخ، والرضخ والعطايا من بيت مال المسلمين، وهذا هو أنسب الأوجه. قال رحمه الله تعالى: [لا رزق من بيت المال لِعَدَمِ متطوع] استثنى المصنف رحمه الله الأجرة إذا كانت من بيت المال، وهو الذي ذكرناه، ولكنه اشترط أيضاً وقال: (لعدم متطوع)، فهناك شيء يسمى المذهب، وهناك شيء يسمى الفتوى المختلفة باختلاف العصر والزمان، فأما المذهب فحرمة الأجرة، وأما الفتوى بالجواز لاختلاف الزمان والمكان فهي مقيدة بالحاجة، ولهذا أمثلة، فهم في الأصل يقولون: يحرم أن يأخذ الأجرة، لكن لما قل المحتسبون، وقل من يوجد من يقوم بالأذان حسبة لخفة الدين عند كثير من الناس، خاصة في آخر الزمان -نسأل الله السلامة والعافية- قالوا: يجوز؛ لأننا لو لم نقل بهذا ما وجدنا أحداً يُقيم للناس أذاناً، ولذلك وجود المصالح العظيمة على إعطاء الأجرة بمثل هذا تخفف معها مفسدة ارتكاب المحظور باتخاذ المؤذن الذي يأخذ على أذانه الأجر. ومن هذا أيضاً أنك تجد فقهاء الحنفية والحنابلة يقولون بعدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، لما ثبت في الحديث الصحيح أن أبياً حينما أهدى له الأنصاري قوساً وكان يعلمه القرآن، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال له عليه الصلاة والسلام: (إن أردت أن يقلدك الله قوساً من نارٍ فخذها)، فقالوا: هذا يدل على التحريم، فمنع فقهاء الحنفية والحنابلة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، قالوا: ولما فسد الزمان وخُشي على القرآن أن لا يُحفظ، وأن أبناء المسلمين سيضيعون القرآن، ولا يجدون من يحفظهم أفتوا بالجواز في العصور المتاخرة، وهذا يسمونه: (الاختلاف بالزمان لا بالحجة والبرهان)، فتجد صاحب القول المخالف يعدل عن قوله إلى قول من خالفه لا بأصل المسألة وهي الحجة والبرهان، ولكن باختلاف الزمان لوجود المفاسد، ولها نظائر في الفقه، وهذه المسألة معروفة؛ لكنها مقيدة بضوابط، وتحتاج إلى أصلٍ يُبنى عليه هذا، كما ذكرنا أنهم قالوا: إننا لو تركنا المساجد وليس لها مؤذنون يحفظون الأذان في الأوقات المعتبرة لضاع على الناس صيامهم، وضاعت عليهم صلاتهم، ولذلك قالوا: نُفتي بالجواز لعظيم المفسدة المترتبة على القول بالتحريم. ويُلاحظ قوله: (لا زرق من بيت المال)، أي: فإن لم يوجد المحتسب، فكأن المصنف يقول: نُجيز للمؤذن أن يأخذ الأجرة من بيت المال بشرط عدم وجود المحتسب، أما لو وُجد المحتسب فإنه لا يجوز أخذ الأجرة؛ لأن القاعدة في الفقه تقول: (ما شرع لحاجة يبطل بزوالها)، فلما كان حكمهم بجواز الرَّزق من بيت المال مبنياً على وجود الحاجة، وهي عدم وجود المحتسب بطل بزوالها إذا وجد.
صفات المؤذن
صفات المؤذن
أن يكون صيتا
أن يكون صيتاً قال رحمه الله تعالى: [ويكون المؤذن صيتا أمينا]. بعد أن فرغ رحمه الله من حكم الأذان، والذي يؤذن وهو المحتسب، وأن لا يكون صاحب أجرة شرع رحمه الله في الأوصاف التي ينبغي توفرها في المؤذن. فقال رحمه الله: (ويكون المؤذن صيتاً أميناً). قوله: (صيتاً) أي: قوي الصوت؛ لأن المقصود من الأذان الإعلام، والقاعدة في الشريعة: (الولايات العامة والخاصة يرشح لها المكلفون بحسب وجود مصالح الولاية). فإذا كانت الولاية تعليم الناس فإنه يرشح لها العالِم الفطن، وإذا كانت قضاءً يُرشح لها العالم -لأن القضاء يحتاج إلى علم- الحازم الذكي الذي يعرف ملابسات القضايا وكذب الخصوم وغشهم وتدليسهم، الداهية الذي يعرف الأمور بدلائلها، أو يتفرس في الخصمين بأقوالهما. فقد قرر العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية، وكذا شيخ الإسلام في غير ما موضع من المجموع أن كل ولاية شرعية يُنظر فيها إلى الصفات التي يتحقق بها مقصود الشرع، فلما كان المقصود من الأذان شرعاً إعلام الناس وحصول الإعلام قال المصنف: (ويكون المؤذن صيتاً)، فابتدأ بالصوت؛ لأنه هو المعول في إعلام الناس، فلم يقل: ذا صوت وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، أي أنه أرفع صوتاً من غيره، والشخص يكون ذا صوت على أحوال، فأعلاها وأسماها وأسناها رفعة الصوت مع النداوة والطراوة، وهو الذي يسمونه ندي الصوت؛ فإنه قد يكون صوته عالياً لكنه مؤذٍ، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص، فإن كان صيتاً، مؤذياً بصوته فيُعدل عنه إلى من هو أندى صوتاً ولو كان أضعف صوتاً منه. والسبب في هذا أن المؤذن يؤذِّن والناس في ضجعتهم وفي نومهم وفي راحتهم، فإن كان مزعج الصوت آذاهم بهذا الأذان، وربما أزعج الضعفاء من الأطفال والصبية، فحينما يكون ندي الصوت يكون ذلك أدعى لذهاب هذه المفسدة، ويدل على هذا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن عمر لما أُرِي الأذان قال له عليه الصلاة والسلام: (فألق على بلال ما رأيت فليؤذن فإنه أندى صوتاً)، أي: ألق ألفاظ الأذان على بلال، (فإنه أندى صوتاً)، والجملة تعليلية، أي: أمرتك بهذا لعلةٍ وهي كونه أندى صوتاً. فطراوة الصوت ونداوته مطلوبةٌ في الأذان؛ لأنه أرفق بالناس، خاصةً في أذان الفجر والعصر، فلذلك قالوا: يُشرع أن يكون صيتاً وفي صوته نداوة. وننبه على أمور: فلو كان المؤذن صوته ضعيفاً فوَّت مقصود الشرع؛ لأنه بضعف صوته لا يبلغ أذانه المبلغ، ولذلك ينبغي أن يعدل إلى من هو أقوى منه صوتاً، وقد يكون صوته رقيقاً مبالغاً في النداوة حتى يصل إلى رقة النساء، فيصرف عنه الأذان إلى غيره إجلالاً لهذا المنصب ورعايةً له؛ لأن الناس تجل هذه المناصب الشرعية بحسب أشخاصها، فإذا وضع في الأذان من هو أهل عظم الناس الأذان، والعكس بالعكس، ولذلك ينبغي أن يكون صوته بعيداً عن طراوة النساء ونداوتهن، وكذا بعيداً عن الخشونة المؤذية.
أن يكون أمينا
أن يكون أميناً قوله: [أميناً]. مأخوذ من الأمانة وهي الحفظ. والدليل على اشتراط أن يكون المؤذن أميناً ما ثبت في حديث أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، فقوله: (المؤذن مؤتمن) خبرٌ بمعنى الإنشاء، أي: ينبغي أن يكون المؤذن أميناً. قال العلماء: وصف النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن بكونه أميناً لأمور، منها: أنه يؤتمن على ركن من أركان الإسلام وهو الصلاة، وهو أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، فإن المؤذن مؤتمن على دخول الوقت، فينبغي أن يكون أميناً حتى لا يغش ولا يكذب في أذانه، فإذا كان متساهلاً أو فاسقاً غير عدلٍ فإنك لا تأمن منه أن يبتدر بالأذان قبل الوقت فيفوت على الناس صلاتهم. كذلك المؤذن مؤتمن على ركنٍ ثانٍ وهو الصوم؛ لأن تأذينه في الفجر إعلامٌ بدخول وقت الإمساك، وتأذينه في المغرب إعلام بانتهاء الصيام، فلو كان إنساناً لا أمانة عنده، أو يتساهل ولا يحفظ هذا الأمر العظيم فإن ذلك يؤدي إلى ضياع صيام الناس، وهذا هو الواقع والحال، فإنك إذا وجدت المؤذن لا يتقي الله عز وجل فإنه يضيع على الناس صيامهم، فتجده يقوم في صلاة الفجر متأخراً، ويؤذن بعد دخول الوقت بوقت، ولربما أمسك على أذانه الناسُ، فيضيِّع عليهم صيامهم، ويحمل بين يدي الله وزرهم؛ لأن الناس تأتمنه، ولذلك في يوم الإثنين والخميس الواجب أن يكون أذانه عند أول بزوغ الفجر حتى يحفظ للناس صيامهم، وكذا في الأيام البيض، وينبغي أن يُنصح المؤذنون بهذا، وأن يُنبه ويُؤكد عليهم، بل قال بعض العلماء: الأصل في أذان الفجر أن يكون عند أول الوقت. كل ذلك حفظاً لفريضة الصيام؛ لأنه قد تكون هناك امرأةٌ تريد أن تقضي صيامها، وقد يكون هناك رجل يريد أن يقضي صيامه، فليس له من أمارة أو دليل أو علامة إلا أذان المؤذن، بل لو وُجِدت عنده الساعة فقد لا يعرف متى يكون الإمساك، فلذلك يبني على أذان المؤذن، فاشتراط المصنف رحمه الله للأمانة مبني على السنة، ولما ذكرناه من كون المؤذن مؤتمناً على ركنين من أركان الإسلام: الصلاة والصيام. قال بعض العلماء: اشتُرِطت الأمانة أيضاً في المؤذن لأنهم كانوا في القديم يؤذنون على ظهور المساجد، وربما بنوا المنائر فكان المؤذن يؤذن على المنارة، ولذلك قال بعض أئمة السلف لأحد المؤذنين: (يا بني: إنك ترقى على المسجد، فإذا رقيته فاتق الله في بصرك)؛ لأنه سيرقى على السطح فلربما اطلع على عورات المسلمين، ولربما رأى أموراً من عورات المسلمين، فقال له: احفظ بصرك. فقالوا: هذا من الأمانة، ولذلك قالوا: ينبغي أن لا يُختار لهذا الأمر إلا من كان معروفاً بالعدالة والاستقامة، ولذلك اختلفوا في أذان الفاسق وصحته واعتباره.
أن يكون عالما بالوقت
أن يكون عالماً بالوقت قال رحمه الله: [عالماً بالوقت]. ذلك لأن كل ولاية -كما قلنا- يشترط لها ما يحقق مقصودها، فلما كان الأذان إعلاماً بالوقت وجَب أن يكون المؤذن عالماً بالوقت، فيعرف وقت الزوال، ويعرف دلائل غروب الشمس، ويعرف متى يصير ظل كل شيء مثله، ومتى يصير ظل كل شيءٍ مثليه، وكيف يضبط ذلك، ويعرف الفجر الصادق من الفجر الكاذب، حتى يكون ضابطاً لوقت الفجر، وقس على هذا بقية أوقات الصلاة.
تقديم الفاضل على المفضول في الأذان
تقديم الفاضل على المفضول في الأذان قال رحمه الله تعالى: [فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما فيه]. بعد أن بين لك من الذي يؤذن، وما هي الأوصاف التي ينبغي أن تكون في المؤذن قال: (فإن تشاحَّ فيه اثنان قدم أفضلهما)، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يذكرون الأوصاف المعتبرة للشيء، ثم يذكرون ازدحام الناس فيه كأن يقولوا: من صفة القاضي كذا وكذا، فإن تشاح في ذلك اثنان كل منهما أهل للقضاء (قُدِّم أفضلهما)، والفضل في اللغة: الزيادة، والمراد به في الشرع: الزيادة في الطاعة والخير، ويُعرف فضل الإنسان باستمساكه بالأصل، أي: حفظه للواجبات وبعده عن المحرمات، فإذا حصلت منه المحافظة على فرائض الله، والتقوى عن محارم الله عز وجل كان له أصل الفضل، فإذا أرادت أن تصفه بزيادة الفضل وصفته بالمحافظة على الطاعات. فكذلك الأذان إن تشاحَّ فيه اثنان قُدِّم أفضلهما، فلو حفظ عن أحدهما أنه محافظ على التبكير للمسجد والثاني يتأخر قُدِّم الذي يبكر. ولو عُرِف أن أحدهما طالب علم والثاني مؤذن يعرف الأوقات وفيه أوصاف المؤذن، لكنه ليس بطالب علم، ولا يحرص على طلب العلم، يقدم طالب العلم؛ لأن طلب العلم زيادة فضلٍ ونبل في الإنسان تؤهله لشرف المرتبة، فيُقَدَّم على من هو دونه، ولا يُقدَّم من هو دونه عليه. وكذلك يكون الفضل بالمحافظة على الطاعات، كأن يُعرف أحدهما بصيام النوافل كصيام الإثنين والخميس، والثاني لا يصوم، فيقدم الذي يصوم على الذي لا يصوم، ويُنظر إلى الأوصاف الشرعية التي تدل على زيادة الخير في أحدهما؛ لأنهما إذا استويا في الأوصاف المعتبرة رُشِّح أحدهما على الآخر بزيادة الخير، فإن زيادة الخير تزيد في قدر الإنسان؛ والعكس بالعكس، كما قال الله تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ} [الأنعام:124]، فدل على أن أهل المعاصي في صغار. ومفهوم الآية أنه إذا كان أهل المعاصي يصيبهم الصغار، فأهل الطاعة يصيبهم العلو والفضل، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ} [محمد:17]. قال رحمه الله تعالى: [ثم أفضلهما في دينه وعقله]. أي: أفضلهما من ناحية السمت والوقار، وأفضلهما من جهة الدين. فلو كانا طالبي علم، حافظين لكتاب الله، وكل واحد منهما محافظ على طاعته، وكلاهما على مرتبة واحدة في الدين، ولا يستطاع اختيار أحدهما ينظر إلى العقل، فإن من الناس من علمه أَكبر من عقله، ومنهم من عقله أكبر من علمه، ومنهم من علمه وعقله على كبر، فقد تجد العالم لكنه لا يتعقَّل في الأمور، ومنهم من عنده عقل وليس عنده علم، فتجد عقله أكبر من علمه، فإذا نزلت به النوازل، أو أحاطت به الكروب أحسن إدارتها، وأحسن التخلص منها، ومنهم من جمع الله له بين العقل والعلم، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء. ولذلك قالوا: من جُمِع له بين العقل والدين فقد أعطي النورين، كما قال تعالى: {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [النور:35]. فالعقل نورٌ داخلي، والوحي نور خارجي، والإنسان يرى بنور داخلي ونور خارجي، فإذا كان الاثنان من ناحية الدين على مرتبة واحدة، ولكن أحدهما أعقل يتريث في الأمور ولا يتعجل، ويُعرف بسداد رأيه وصواب رشده، وأنه إنسان لا تستجره العواطف قُدّم؛ لأن العقل زيادة فضل، ويدل على حب الله للعبد، فإذا كمل عقله مع دينه فهذا نعمة من الله عز وجل تدل على إرادته الخير بهذا العبد، فيُقدَّم العاقل. قال رحمه الله تعالى: [ثم من يختاره الجيران]. إذا كان كلاهما على دين وعقل، ولا تستطيع أن تفضل أحدهما من جهة الدين ولا من جهة العقل، فتقدم من يختاره الجيران؛ لأن الإنسان إذا كان محبوباً بين الناس في علمه أو أذانه أو ولايته الشرعية كان أدعى لقبول ذلك منه، فإذا كان الناس يحبونه ويختارونه ويرتاحون له، فهذه تزكية له، فلو قالوا: نحب فلاناً، فهذه تزكية خير كما في الحديث: (يا رسول الله! كيف أعلم أني محسن؟ قال: سل جيرانك، فإن قالوا: إنك محسن فأنت محسن، وإن قالوا: إنك مسيء فأنت مسيء). فالناس شهداء لله عز وجل في الأرض كما ثبت في حديث عمر في الصحيح، فإذا قال الجيران: نحب فلاناً ورشحوه قُدم، وتكون هذا تزكية زائدة على فضله ودينه وعقله. قال رحمه الله تعالى: [ثم قرعة]. وهذا فعله بعض السلف من الصحابة رضوان الله عليهم، كما حكى بعض أهل العلم أن سعد بن أبي وقاص لما فتح إيوان كسرى تشاحّ الناس في الأذان كلٌ منهم يريد أن يؤذن، فأقرع بينهم سعد رضي الله عنهم وأرضاهم، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا محبين للخير، فكادوا أن يقتتلوا؛ إذ كلٌ منهم يريد أن يؤذن في ذلك المكان الذي أعز الله فيه الإسلام، فأحيا فيه الحنيفية وطمس فيه معالم الجاهلية، فتشاحّ الناس حتى كادوا أن يقتتلوا، فهدأهم سعد، ثم أقرع بينهم وأعطى الأذان لمن خرجت له القرعة. والقرعة حلٌ شرعي يصار إليه عند تعذر الترشيح، فلو اجتمعت الأوصاف في الأشخاص لإمامة أو قضاء أو فتوى أو تعليم، واستووا في الفضل والصفات الشرعية يُقرع بينهم. قالوا: والأصل في القرعة أنها اختيار من الله عز وجل، فلو كانوا كلُّهم في مرتبة واحدة وأُقرِع بينهم، فكأن الله اختار هذا الشخص؛ إذ إن الله سبحانه وتعالى شاء أن يكون هذا الشخص دون غيره، مع أنهم كلهم في الفضل على سواء، فلا يضرنا أن تخرج القرعة على واحد منهم. ثم قالوا أيضاً: إن القرعة ثبت اعتبارها في أصل الشرع، كما في قصة يونس بن متى {فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ} [الصافات:141] فهو لما كان في الفلك مع القوم، ولم تكن نجاتهم إلا بإلقاء واحدٍ منهم، فاقترعوا فخرجت على يونس من الله سبحانه وتعالى ابتلاءً ليونس، فدل على أن الله يختار، فوقع الخيار على يونس بالقرعة، ولذلك اعتبر العلماء القرعة من وسائل الإثبات في بعض المسائل، خاصة عند الازدحام، قد فعلها بعض السلف في الأذان فيُعتبر هذا أصلاً للفقهاء في التقديم بالقرعة، والقرعة تكون بوضع أوراق فيها أسماء هؤلاء المرشحين، ثم يختار الإمام أو يختار واحد من الحي ورقةً منها، فيخرج فيها اسم واحد منهم، فيقدم دون من شاحَّه من بقية المؤذنين.
باب الأذان والإقامة [2]
شرح زاد المستقنع - باب الأذان والإقامة [2] لقد وردت ألفاظ الأذان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن يزاد عليها أو ينقص منها أبداً، وهي خمس عشرة جملة، ويستحب أن يكون المؤذن متطهراً مستقبل القبلة، وأن يلتفت عند الحيعلتين، وأن يقول في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم). والفاظ الإقامة إحدى عشرة جملة، ويستحب أن يقيم من المكان الذي أذن فيه، وللأذان شروط لابد على المؤذن أن يعلمها، ويسن متابعة المؤذن، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له بعد الأذان.
ألفاظ الأذان وأقوال أهل العلم فيها
ألفاظ الأذان وأقوال أهل العلم فيها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين: أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وهو خمس عشرة جملة] أي: الأذان خمس عشرة جملة. قال رحمه الله تعالى: [يرتلها على علو] هذا أحد أقوال العلماء رحمة الله عليهم، وألفاظ الأذان فيها أقوال لأهل العلم، فمن العلماء من قال: الأذان أن يثنِّي التكبير ويربع الشهادتين، ويثني ما بعده إلا التهليل الذي هو الخاتمة فيفرد، وهذا القول هو قول فقهاء أهل المدينة رحمة الله عليهم، وعليه درج إمام دار الهجرة مالك بن أنس عليه رحمة الله، واختار أصحابه المتأخرون الترجيع في الأذان، والترجيع صفته أنه بعد أن يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله) يرجع ويقول بصوت خافت: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، فيذكر الشهادتين سراً ثم يرجع إليهما جهراً، وهذا يسمى الترجيع. فهذا القول الأول في المسألة، وله أصل من حديث أبي محذورة (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان بمكة فرجّع في أذانه) أي: أمره أن يقول الشهادة سراً يُسمع نفسه، ثم يرجع ويُعلي بها صوته، وهذا هو الذي يسميه العلماء الترجيع في الأذان. القول الثاني: يربع التكبير الذي في أول الأذان، ويربع الشهادتين، ويثنى ما بعد ويفرد التهليل، وهذا مذهب أهل مكة من السلف رحمة الله عليهم، وبه قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ويرى أنه يرجِّع في الأذان، والفرق بين الأول والثاني، أن القول الأول يثني في التكبير، فيبدأ المالكي ويقول: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت منخفض) ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله (بصوت مرتفع) إلى آخره. القول الثاني: يربع في التكبير (الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر)، ثم يرجِّع في الشهادتين، فيجمع بين التربيع للأول وللشهادتين. ولهذا القول أيضاً أصل من أذان أبي محذورة في مكة مثل ما ذكره المالكية، وهي رواية المالكية لكن فيه زيادة تكلم عليها بعض العلماء كما أشار إليها الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه. القول الثالث: أنه يربِّع في التكبير، ويثني في كل شهادة ولا يرجِّع، على الأذان المعروف الموجود، وهذا قال به أهل الكوفة، وهو مذهب الحنفية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو أذان بلال رضي الله عنه، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية. وهناك قول رابع لبعض السلف تختلف صورته يرى أنه يربع التبكير، ثم يثني الشهادتين حتى يبلغ: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)، فإذا انتهى من الحيعلتين رجع ثانيةً إلى الشهادتين، وهو قول الحسن البصري ومحمد بن سيرين من أئمة السلف، وفيه حديث ضعيف تكلَّم عليه العلماء، وأشار إلى ضعفه الحافظ ابن عبد البر رحمة الله عليه. والذي يظهر والله أعلم أنه لا معارضة بين القول الأول والثاني والثالث، فلا حرج أن تؤذن بأذان الترجيع، ولا حرج أن تؤذن بأذان لا ترجيع فيه، فأذان الترجيع الذي لقَّنه النبي صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، والذي اعتمده العلماء نوع، وأذان بلال وعبد الله بن زيد هو الأصل، ولذلك بعض العلماء يقولون: أذان أبي محذورة ألقاه النبي صلى الله عليه وسلم على أبي محذورة في مكة حينما فُتِحت، فيحتمل لقرب أبي محذورة من الجاهلية أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتشهد حتى لا يسبق لسانه إلى ما اعتاده في الجاهلية. وهذا الجواب ضعيف، والأفضل والأولى كما اختاره بعض المحققين وأشار إليه شيخ الإسلام في القواعد النورانية، وارتضاه الحافظ ابن عبد البر. أنه اختلاف تنوع، وليس باختلاف تضاد، فهذا نوعٌ من الأذان، وهذا نوعٌ من الأذان، ولا حرج أن تؤذن بهذا أو ذاك، ولا إنكار على من أذن بالترجيع، ولا إنكار على من أذن بغير ترجيع، وكلٌ على سنة وخير.
حكم التطهر واستقبال القبلة للمؤذن
حكم التطهر واستقبال القبلة للمؤذن قال رحمه الله تعالى: [متطهراً مستقبل القبلة] قوله: (متطهراً) هذا على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض، وقوله: (مستقبل القبلة)؛ لأن هذا هو المحفوظ من أذان بلال رضي الله عنه، ولم يحفظ أنه كان مستدبر القبلة أو منحرفاً عن القبلة، ولذلك يبقى هذا على الأصل، ولأنها أشرف الجهات في الطاعات. قال رحمه الله تعالى: [جاعلاً إصبعيه في أذنيه] لأنه أبلغ في قوة الصوت، وجاء فيه الحديث.
حكم الاستدارة والالتفات في الحيعلتين
حكم الاستدارة والالتفات في الحيعلتين قال رحمه الله تعالى: [غير مستدير ملتفتا في الحيعلة يميناً وشمالاً]. أي: أنه لا يستدير بجذعه، ولكن يحرف وجهه يمنةً ويسرةً ولا حرج في ذلك، والدليل على أنه في الحيعلتين يلتفت يميناً وشمالاً ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه، قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وهو بالأبطح في قبة له حمراء من أدم، فخرج بلال بوضوئه فمن نائل وناضح قال: وأذن بلال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يقول يميناً وشمالاً حي على الصلاة حي على الفلاح). وفي هذا الالتفات وجوه، قال بعض العلماء: يلتفت عند بداية الحيعلة، ويختم الالتفات عند ختم الحيعلة يمنةً، مثال ذلك: أن يقول: (حي على الصلآة)، فينتهي من آخر اللفظ عند بلوغ كتفه ملتفتاً. فهذا وجه. والوجه الثاني: أن يقول: (حي على الصلاة) ويرجع إلى الاستقامة. والفرق يين القول الأول والثاني زيادة الثاني بالرجوع إلى القبلة عند انتهاء الحيعلة. وأما في الالتفات فقال بعض العلماء: ينادي (حي على الصلاة) يميناً (حي على الصلاة) شمالاً، (حي على الفلاح) يميناً، (حي على الفلاح) شمالاً. وهذا اختيار بعض العلماء رحمة الله عليهم، وهناك قول ثانٍ أنه يحيعل على الصلاة يميناً، وعلى الفلاح شمالاً، وكلٌ منهما له وجه؛ لأن الحديث أطلق، وكلٌ على سنة سواءً، أفعل هذا أم هذا، ولكن الأقوى أن يجمع بين الاثنين؛ لأن المراد الإعلان. وشرع الالتفات مع الحيعلة ولو وجد المكبر؛ لأنها عبادة، والعبادة توقيفية لا يُنظر إلى إسقاطها عند اختلال المعنى، فلا يستطيع الإنسان أن يجزم أن المراد بذلك علة معينة، فيبقى على الأصل من كونه عبادة، فإذا كانت عبادة استوى في ذلك وجود مكبر الصوت وعدم وجود مكبر الصوت، فيلتفت على كل حال. قال رحمه الله تعالى: [قائلاً بعدهما في أذان الصبح: (الصلاة خير من النوم) مرتين] بعد الحيعلتين في أذان صلاة الصبح يقول: (الصلاة خيرٌ من النوم) وهو توجيه وإرشاد، وكلمةٌ عظيمة تشحذ الهمم تناسب الحال، فهي من المقال المناسب للحال؛ فإن الإنسان تعلوه سكرة النوم، فإذا سمع نداء الله عز وجل أن الصلاة خيرٌ من النوم تلهَّفت نفسه، واشتاقت لإيثار مرضاة الله عز وجل على هوى النفس، وقد جاء في مشروعيتها حديث سعيد بن المسيب في روايته عن بلال رضي الله عنه، وتكون بعد الحيعلتين.
أقوال العلماء في ألفاظ الإقامة
أقوال العلماء في ألفاظ الإقامة قال رحمه الله تعالى: [وهي إحدى عشرة يحدرها]. كان المفروض أن يقول: (والإقامة إحدى عشرة)، ولكن لا مانع لأنَّه قال: (وهو) في الأول إشارة إلى المذكر منهما، فقوله: (وهي) إشارة إلى المؤنث، وهي مفهومة من السياق، إلا أنَّ الأولى التصريح: (والإقامة إحدى عشرة كلمة يحدُرها). وللعلماء في الإقامة عدة أوجه، قال بعض العلماء: تُشفَع ويوتر قوله: (قد قامت)، كما هو مذهب المالكية والحنفية. فيقول: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله). القول الثاني: أنه يوتِر الألفاظ الأول فالتربيع يجعله مثنى، والمثنى يجعله واحدة، ويُشفَع قد قامت، كما ورد في الحديث، وعلى هذا تكون الإقامة المعروفة: (الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، وكلٌ على سنة، سواءٌ أوتَر أم شفَع، ولكن الأقوى من جهة النص الإيتار، والسبب في الخلاف قوله: (أُمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة)، فقوله: (يوتر الإقامة)، فَهِم بعضهم عنه أنه يوتِر كلمة (قد قامت) ويبقى النداء على الأصل على نداء بلال وعبد الله الذي ذكرناه. ومنهم من يقول: (ويوتر الإقامة)، أي: في الألفاظ، فيكون الإيتار في الجميع، ويكون قوله: (قد قامت) باقٍ على المثنى كما في الرواية.
استحباب الإقامة في المكان المؤذن فيه
استحباب الإقامة في المكان المؤذن فيه قال رحمه الله تعالى: [ويُقِيم من أذن في مكانه إن سَهُل]. كانوا في القديم يؤذنون خارج المسجد، وقد فعل ذلك بلال على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أذَّن على سطح بيت الأنصارية، كما جاء في رواية السنن أنه كان يؤذن الفجر على بيت الأنصارية، وكان يؤذن على باب المسجد كما يدل عليه حديث: (لا تسبقني بآمين)، فقد قال بلال للنبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسبقني بآمين)، قالوا: لأنه كان يؤذن ويقيم خارج المسجد، فإذا أذن وأقام داخل المسجد لم يُسمع أذانه ولم تُسمع إقامته، ولذلك قال: ويقيم من أذن في مكانه إن سهل). لكن إن عسُر عليه أن يُقيم في مكان الأذان أقام داخل المسجد، ولكن السنة أن يقيم في مكان الأذان كما ذكرنا في حديث بلال، ووجه دلالة حديث: (لا تسبقني بآمين) أنه كان يقيم خارج المسجد، فيكبر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة، فلا يستطيع أن يدرك آمين في بعض الأحيان، وذلك للمكان الفاصل، خاصةً على القول أنه عليه الصلاة والسلام كان يكبر عند قوله: (قد قامت)، فلربما بلغ آخر الإقامة مع مشيه من موضع الإقامة إلى داخل المسجد وقد فاتته الفاتحة، وقد كانت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مرتلة، ولذلك قال له: (لا تسبقني بآمين)، فإنه ربما فاته التأمين لفاصل المكان. ومن أذن فيقيم، قال بعض العلماء: لا يقيم إلا من أذَّن كما هو موجود في مذهب الحنابلة ودرج عليه المصنف، وقال بعضهم: يجوز أن يقيم غير المؤذن، وفي هذا حديث ابن ماجة: (أن أخا صداء قد أذن ومن أذن فهو يقيم)، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه عبد الرحمن بن أبي زياد الأفريقي. وقال بعض العلماء: إن الأمر واسع لو أراد أن يُقيم أحد غير المؤذن. وهذا فيه نظرٌ، فإن كان الذي أذَّن موجوداً فإنه أحق بالإقامة؛ لأنه تولى الأمر من بدايته، فليس من حق أحد أن يدخل عليه لكنهم استثنوا المؤذن الراتب إذا تأخر عن الأذان وحضر عند الإقامة بقي حقه في الإقامة، وإن كان قد سقط حقه في التأذين بسبب التأخير فيقيم، فهو أحق بالإقامة.
شروط صحة الأذان
شروط صحة الأذان
الترتيب والتوالي
الترتيب والتوالي قال رحمه الله تعالى: [ولا يصح إلا مرتباً متواليا]. شرع رحمه الله في شروط صحة الأذان. قوله: (ولا يصح) أي: الأذان. (إلا مرتباً) أي: مرتباً بترتيب الشرع؛ لأن القاعدة في الأذكار والألفاظ الشرعية أنه يُتقَيد فيها بالوارد، فكما أنها جاءت واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الترتيب يُرتبها على هذا الوجه. وقوله: (متوالياً) أي: دون وجود فاصل مؤثر، فلو فصل بينهما بفاصل مؤثر فإنه يستأنف الأذان، ولا يَبني على ما كان عليه.
العدالة في المؤذن
العدالة في المؤذن قال رحمه الله تعالى: [من عدلٍ ولو ملحنا أو ملحونا]. قوله: (من عدلٍ) أي: من إنسان عدل، فهذا الأذان لا يصح إلا من عدل، قالوا: لأنه خبر وإعلام بدخول الوقت، ولا يُقبل خبر الفاسق؛ لأن الفاسق إذا أَخبر بدخول الوقت لا يُوثق بخبره، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]، فقالوا: لا يصح أذان الفاسق والحنابلة رحمهم الله شددوا في الأذان وفي الإمامة فقالوا: لا يصح الأذان من فاسقٍ، ولا تصح إمامة الفاسق، ولذلك يرون إعادة الصلاة إذا صُلِّي وراء الفاسق، وإن كان الصحيح صحة إمامة الفاسق لدلالة السنة على ذلك كما سيأتي. وأما الأذان فقالوا: إنه خبر وقد أمر الله بالتثبت في أخبار الفساق، فكيف نقبل خبر هذا بدخول وقت الصلاة، وكيف نقبل خبره في انتهاء وقت الصيام، أو دخول وقت الصيام، فمثل هذا لا تقبل شهادته، فمن باب أولى في أمور الصلاة والعبادة أن لا يُقبل خبره.
حكم اللحن في الأذان
حكم اللحن في الأذان قال رحمه الله تعالى: [ولو ملحّنا أو ملحونا]. اللحن: أن يكون الصوت فيه نداوة وطراوة، وإذا كان اللحن على وجه التغني الذي لا يخرج الألفاظ عن حقائقها فالأذان صحيح، أما لو كان يخرج الكلمات عن معانيها والألفاظ عن دلائلها فإنه يُبطل الأذان، واللحن في القراءة والأذان للعلماء فيه ضابط التأثير، فقالوا: إن أثَّر فأخرج اللفظ عن مدلوله فحينئذٍ يحكم بعدم اعتباره، وأما إذا لم يُخرج عن مدلوله فإنه لا يؤثر. وسُئِل الإمام أحمد رحمه الله عن رجلٍ يتغنى في الأذان، فقال للسائل: ما اسمك؟ قال: محمد. قال: أترضى أن يُقال لك: (يا موحامد)؟ قال: لا. قال: كيف ترضاه لنبيك؟ -صلوات الله وسلامه عليه-. فالمقصود أنه لا يصح الأذان إلا على هذا الوجه، وهو أن يؤدى بألفاظٍ صحيحة بعيدةٍِ عن الألحان المخرجة للألفاظ عن دلائلها. ومن اللحن المبالغة في المدود، فعلى الإنسان أن يكبر ويتشهد بعيداً عن التكلف؛ لأن الإسلام لا تكلف فيه، والتطريب والتمطيط في الأذان ليس من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم، ولذلك نص العلماء رحمة الله عليهم على اختلاف المذاهب على أنه بدعةٌ في الأذان، وإنما يؤذن الإنسان أذاناً لا يُخرِج ألفاظ الأذان عن مدلولاتها، بعيداً عن التكلف وإطالة المدود والترانيم ونحوها، فكل ذلك مما لا أصل له، فاللحن والصوت الجميل والتغني بالأذان والقراءة شرطه أن لا يخرج الألفاظ عن مدلولاتها، كما قيل: اقرأ بلحن العُرب إن تجوّد وأجز الألحان إن لم تعتد فمعنى: (أجز الألحان إن لم تعتدِ) أنه لا مانع أن يكون هناك لحن في الأذان أو في القراءة، لكن بشرط أن لا يعتدي القارئ أو المؤذن فيخرج الألفاظ عن مدلولاتها، فلا يجوز أن يقول: (أشهد أن موحامداً) فيمطها حتى يخرج اللفظ عن مدلوله، فإن قال: (موحامداً) أخرج لفظ الاسم الذي هو (محمد) عن وضعه في أصل اللغة، فإنه ليس بين الميم والحاء مد، وليس بين الميم والدال مد، ولأنه إذا مد أصبح اسماً آخر غير الاسم الذي شهد أنه نبي الله صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك إذا كان اللحن بالإخلال بالحركات كأن يقول: أشهد أن (محمداً رسولَ الله) بفتح رسول، وهذا كثير وشائع في هذا الزمان، بل قال بعض العلماء ببطلان أذانه. ولذلك ينبغي أن يُنبَّه على ذلك بعض الجهال الذين لا يفرقون بين الضم والفتح في مثل هذا، فينبَّهون على أنه: (أشهد أن محمداً رسولُ الله) -بالضم-، ولا يجوز أن يقول: (أشهد أن محمداً رسولَ الله)؛ لأنه إخراج للشهادة عن مدلولها. فينبه على مثل هذا ونحوه من الألحان التي تخرج الألفاظ عن دلائلها، أو تفسد المعنى في التركيب اللغوي.
حكم أذان الصبي المميز
حكم أذان الصبي المميز قال رحمه الله تعالى: [ويجزئ من مميز] أي: يجزئ الأذان من صبيّ مميز. قالوا: كما صحّت صلاته صح أذانه، ولذلك إذا أذن الصبي المميز صح أذانه. وقال بعض العلماء: لا يصح أذان الصبي ولو كان مميزاً، وقالوا: لأنه خبر، والخبر شهادة ولا تصح من الصبي؛ لقوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282]، فالشهادة لا تكون إلا من البالغ العاقل، والصبي ليس ببالغ ولا بعاقل، فلا يوثق بأذانه ولا يوثق بخبره.
مبطلات الأذان والإقامة
مبطلات الأذان والإقامة
الفاصل الكبير والكلام المحرم وإن كان يسيرا
الفاصل الكبير والكلام المحرم وإن كان يسيراً قال رحمه الله تعالى: [ويبطلهما فصلٌ كثير ويسير محرم] أي: يبطل الأذان والإقامة فصلٌ كثيرٌ وكلامٌ محرَّم، كأن يشرع في الأذان فيقول: (اللهُ أكبر)، ثم يجلس وقتاً طويلاً، كما يحدث بعض الأحيان حين ينقطع جهاز الصوت فيحاول إصلاحه، وربما يأخذ منه خمس دقائق أو عشر دقائق، فهذا فاصل مؤثر، وحينئذٍ يستأنف ولا يبني لكن لو أنه كبر ثم انشغل يسيراً ثم رجع إلى أذانه فإنه يبني ولا يستأنف، فيصح أن يبني على الألفاظ الأُوَل إذا كان الفاصل غير كثير. وكذلك الكلام المحرم، كأن يؤذن ويتشهد ثم يسب رجلاً، فقالوا: يبطل أذانه؛ لأن السب ليس من الأذان، فحينئذٍ يُحكم ببطلان أذانه ويبتدئ من جديد. أما لو كان كلاماً مباحاً فقال بعض العلماء: لا يبطل، والاحتياط أن يعيد ويستأنف؛ لأنه أدخل في ألفاظ الأذان ما ليس منها. فقوله: (ويسير محرم) أي: وكلامٍ يسير محرم.
الأذان قبل دخول الوقت
الأذان قبل دخول الوقت قال رحمه الله تعالى: [ولا يجزئ قبل الوقت إلا الفجر بعد نصف الليل] أي: ولا يجزئ الأذان قبل الوقت، إلا الفجر فيجوز أن يؤذن له قبل دخول الوقت لثبوت السنة بذلك، فيؤذن قبل دخول الوقت ولا حرج، ثم اختلف العلماء، فقال بعض العلماء: الأذان الأول لا يجاوز السدس الأخير من الليل، وهو ما يقارب ساعة ويختلف بالصيف والشتاء، فيؤذن الأذان الأول قبل الفجر بحدود ساعة أو تزيد، بحسب الصيف والشتاء، وبحسب طول الليل وقصره. وقال بعضهم: إنما يؤذن الأذان الأول بفاصلٍ يسير بينه وبين الأذان الثاني، بحيث أنه بمجرد ما ينتهي من الأذان الأول يدخل وقت الفجر فيؤذن الأذان الثاني، وهذا ارتضاه بعض فقهاء الظاهرية رحمة الله عليهم بناءً على حديث: (ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا)، ولكن هذه اللفظة عند بعض العلماء فيها نظر؛ لأن بلالاً كان عندما يؤذن يمتطي على ظهر بيت الأنصارية، حتى إذا قرب بزوغ الفجر صعد ابن أم مكتوم وأذن، وليس المراد به أنه ينزل ويطلع مباشرة، كما أفاده بعض العلماء رحمة الله عليهم. والمصنف أخذ بالقول الثالث، وهو أن يؤذن الأذان الأول من بعد نصف الليل، وهذا في الحقيقة محل نظر، والأقوى أن يؤذن في السدس الأخير، ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن بلالاً يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم)، فلما تُوقِظ النائم في نصف الليل فليس هناك مصلحة، وما دام أن الحديث جاءنا بعلة الأمر فنتقيد بالعلة الواردة؛ لأن العلل المنصوص عليها محكومٌ بها، فلما جاءنا الحديث أن العلة في الأذان الأول رد القائم وتنبيه النائم، فذلك أنسب ما يكون في حدود السدس الأخير، كما هو وجهٌ عند الشافعية وبعض العلماء رحمة الله عليهم.
استحباب صلاة ركعتين بعد أذان المغرب
استحباب صلاة ركعتين بعد أذان المغرب قال رحمه الله تعالى: [ويسن جلوسه بعد أذان المغرب يسيرا] يسن ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين)، وفي رواية: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، ثم قال عند الثالثة: لمن شاء)، قال أنس رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: (فلقد رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري حتى إن الرجل لو دخل ظن أن الصلاة قد أقيمت) أي أنه إذا أذن وانتهى يصلون هذه الركعتين، ويبتدرون السواري يجعلونها سُتراً، وهذا يدل على حرصهم على هذه السنة. ووجه الشاهد أن كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بصلاة الركعتين بين الأذان والإقامة يدل على أن مِن السنة الفصل بين الأذان والإقامة، خلافاً لمن قال بالتعجيل، وهو موجود في بعض المذاهب، كما هو موجود في مذهب المالكية رحمة الله عليهم، فهم يرون سنية التعجيل؛ لأنهم لا يرون التنفل بين الأذان والإقامة، وهو وجهٌ أيضاً عند بعض الحنفية، والصحيح ما ذكرناه بدلالة السنة من حديث مسلم في صحيحه.
حكم الأذان في الجمع أو قضاء الفوائت
حكم الأذان في الجمع أو قضاء الفوائت قال رحمه الله تعالى: [ومن جمع أو قضى فوائت أذّن للأولى ثم أقام لكل فريضة] هذا على حديث المزدلفة أنه عليه الصلاة والسلام أذن للأولى وأقام إقامتين: إقامة للأولى، وإقامة للثانية، فأصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم أن يؤذِّن الذي جَمَع جَمْع تقديم أو تأخير أذاناً واحداً ويقيم إقامتين.
استحباب متابعة المؤذن
استحباب متابعة المؤذن قال رحمه الله تعالى: [ويسن لسامعه متابعته سراً] من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لِمن سمع النداء أن يُتابع المؤذن سراً، أي: لا يرفع صوته، بل سراً بقدر ما يُسمع نفسه، وإن كان هناك عوام ويريد تعليمهم إن كان من العلماء والقضاة ونحوهم ممن يقتدى بهم فله أن يرفع صوته قليلاً حتى يتعلم الناس، فقد رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعه الصحابة كما في حديث معاوية، فيشرع الرفع قليلاً من باب التنبيه للناس والتعليم لهم، ولا حرج في ذلك.
الحوقلة في الحيعلتين
الحوقلة في الحيعلتين قال رحمه الله تعالى: [وحوقلته في الحيعلة] أي: يُسن لك إذا سمعت المؤذن يقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح) أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. وللعلماء في ذلك أوجه: فمنهم من قال: تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم تقول: (حي على الصلاة). وتقول: (حي على الفلاح)، ثم تقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله). ومنهم من قال: تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ومنهم من قال: تقول مثل ما يقول المؤذن ولا تقول الحوقلة، فهذه ثلاثة أوجه للعلماء في المسألة. فمن قال: تقول الحوقلة ولا تحيعل اعتمد حديث معاوية رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغ الحيعلتين حوقل ولم يحيعل صلوات الله وسلامه عليه. والذين قالوا: يحيعل استدلوا بحديث أبي موسى في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، فقول: (فقولوا) أمر، فيشمل جميع أفراد الأذان، فيحيعل إذا قال: (حي على الصلاة)؛ لأنها مثل قول المؤذن، ولم يخص النبي صلى الله عليه وسلم الحيعلتين بذكر، فتبقى على هذا العموم. والقول الثالث جمع بين القولين فقال: يقول: (حي على الصلاة) لحديث: (قولوا مثل ما يقول)، ويحوقل لحديث معاوية، وأصح القولين والعلم عند الله: أنه يقتصر على الحوقلة؛ لأن قوله: (فقولوا مثل ما يقول) مجمل وحديث معاوية مبيِّن مفصِّل، والقاعدة أنه إذا تعارض المجمَل والمفسِّر المبيِّن، يُقدَّم المفسِّر المبيِّن، فإن معاوية حكى ترديد النبي صلى الله عليه وسلم لفظاً لفظاً، فيكون قوله عليه الصلاة والسلام: (قولوا مثل ما يقول) أي: في غالب ألفاظ الأذان، فلما بلغ الحيعلة قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فأصح الأقوال أنه يُحوقِل ولا يُحيعِل. وأما مذهب من قال: يَجمع بينهما. فهو مبني على التعارض على النصين، وشرط التعارض قوة الدلالة منهما، وليست الدلالة منهما قوية، لِما ذكرنا من وجود الإجمال والبيان. وأما مناسبة قول لا حول ولا قوة إلا بالله عند الحيعلة، فقالوا: لأنه إذا قال: (حي على الصلاة) فإنهما تختص بالمؤذن. وهذا صحيح من جهة النظر؛ فإن المؤذن ينادي الناس، فأنت لا وجه لك أن تقول: (حي على الصلاة، حي على الفلاح)؛ لأنه ليس ثم إنسان تدعوه إلى الصلاة، فاختُصَّ المؤذن بالحيعلة، فبقيت أنت مستيعناً بالله، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، لأنه يُطْلَب منك الإجابة، ولا يُطْلَب منك المماثلة، فلذلك ناسب أن تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ قال بعض العلماء: لا حول في طلب خير، ولا قوة في دفع شر إلا بالله. وزيادة (العلي العظيم) لا ينبغي أن تُزاد؛ لأن السنة التقيد بالوارد، والألفاظ الواردة لا يزاد فيها.
استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة بعد الأذان
استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة بعد الأذان قال رحمه الله تعالى: [وقوله بعد فراغه: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محموداً الذي وعدته] هذه هي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ) على أن كثيراً من الناس ترك هذه السنة، وهي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان، فتجده مباشرة إذا قال المؤذن: (لا إله إلا الله)، يقول: (لا إله إلا الله، اللهم رب هذه الدعوة ... )، وهذا خلاف السنة. والسنة أنه إذا قال: (لا إله إلا الله)، أن يصلي بعدها على النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة الإبراهيمية، ثم بعد ذلك يقول: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... ). قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عليه بعد الأذان لذكره في الأذان، ومنهم من قال: إنه أمر بالصلاة عليه لوجود الدعوة؛ لأنه يُسن أن يُبتدئ الدعاء بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فمن فضائله -كما في أحاديث الترغيب- أن يكون في الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول بعد انتهائه من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب هذه الدعوة التامة ... )، فهي دعوة تامة كاملة؛ لأنها اشتملت على أمرين: أحدهما تعظيم الله، وثانيهما توحيده، ولذلك وصف الله صاحبها بأنه أحسن الناس قولاً، فقال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت:33]؛ لأن المؤذن يصلي، وعمل صالحاً بدعوة الناس إلى الصلاة، فلذلك قالوا: هي دعوةٌ تامة، دعا إلى توحيد الله عز وجل بشهادته ثم دعا إلى إقام الصلاة التي هي من تعظيم الله عز وجل. (والصلاة القائمة) أي: التي ستقام، فيوصف الشيء باعتبار ما يؤول إليه، وهذا من بلاغة العرب، حيث يصفون الشيء بما كان عليه، ويصفونه بما يؤول إليه، ويصفونه بحاله، فيقولون: فلان يتيم بناءً على ما كان عليه، كما قالوا: محمد يتيم أبي طالب، باعتبار ما كان عليه، ومنه قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النساء:2] نهى عن إعطاء اليتيم ماله، لكن: آتوا اليتامى الذين بلغوا راشدين أموالهم، فوصفهم بكونهم يتامى بما كانوا عليه، وكذلك تصف العرب الشيء بما يؤول إليه، فيقولون: (فلانٌ مصلٍ). أي: سيصلي، ونحن مصلون، أي: سنصلي، فكذلك قوله هنا: الصلاة القائمة، أي: التي ستقام. والوسيلة هي كما فسَّرها النبي صلى الله عليه وسلم: (درجةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، قال: وأرجوا أن أكون أنا هو). ومن سأل للنبي صلى الله عليه وسلم الوسيلة حلّت له الشفاعة يوم القيامة، فنسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يبلغه الوسيلة، وأن يجزيه عنا خير ما جزى نبياً عن أمته. ثم ختمها بقوله عليه الصلاة والسلام (والفضيلة، والمقام المحمود الذي وعدته)، والفضيلة: من الفضل، والفضل: الزيادة. أي: الفضائل، وهي أعلى الدرجات، وإذا تفضَّل الله على العبد فقد بلَّغه أعالى المراتب وأكملها، كما قال تعالى في الخير: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ} [المائدة:54]، فالفضل: الخير العظيم، وقال تعالى: {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [البقرة:105]، وزيادة (الدرجة العالية الرفيعة في الجنة) ضعيفة كما نبَّه عليها السخاوي في (المقاصد الحسنة)، وهي زيادة ضعيفة لا أصل لها. ومعنى (وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته) هو المقام الذي يحمِده عليه الأولون والآخرون، وهو مقام الشفاعة، قال تعالى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، وعسى في القرآن للحقيقة، وهو مقام الشفاعة. وزيادة: (إنك لا تخلف الميعاد) فيها خلاف، وهي من رواية البيهقي، ومن العلماء من أثبتها، ومنهم من قال بعدم ثبوتها للشذوذ، ومن شرط الصحة عدم الشذوذ، ومن قالها فيتأول الصحة ولا حرج، ومن لم يقلها لا حرج عليه. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.
باب شروط الصلاة [1]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [1] للصلاة شروط مذكورة في الكتاب والسنة، وهي تنقسم إلى: شروط صحة، وشروط وجوب، ومنها: الطهارة من الحدث والخبث والنجس، ودخول الوقت، وينبني على ذلك معرفة وقت كل صلاة ابتداءً وانتهاءً، وأن الأفضل الصلاة في أول الوقت، ولا يجوز تأخيرها إلا لعذر شرعي.
شروط الصلاة
شروط الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب شروط الصلاة]. هذا الباب المراد به بيان العلامات والأمارات التي نصّبها الشارع للحكم بوجوب الصلاة وصحتها من المكلف. وتنقسم الشروط عند العلماء رحمهم الله إلى شروط صحةٍ، وشروط وجوب، وأصل الشروط مبحث من مباحث الحكم الوضعي، بمعنى أن الشروط علامات وأماراتٌ من الشارع سبحانه وتعالى نصَّبها لكي تحكم بوجوب العبادة على المكلف، أو تحكم بصحتها، أو عدم صحتها إذا لم تكن مستوفيةً لهذه الشروط. إذاً لا بد في العبادة من النظر إلى هذه العلامات، وبواسطتها يستطيع طالب العلم أن يقول للمكلَّف: برئت ذمتك وأجزأتك الصلاة، إذا توفرت هذه الشروط المعتبرة لصحة الصلاة، ويستطيع أن يقول للمكلف: عليك إعادة الصلاة؛ لأن العلامة والأمارة التي نصَّبها الشارع للحكم بصحة صلاتك غير متوفرة. فلو أن إنساناً توضأ بعد دخول الوقت، وستر عورته، واستقبل القبلة، وفعل الصلاة بأركانها، فصلاته صحيحةٌ معتبرة. لكن لو أنه صلى قبل دخول الوقت صلاة الظهر، أو صلاة العصر، أو صلَّى ولم يستقبل القبلة عالماً بجهتها مخالفاً لناحيتها، أو صلَّى ولم يستر عورته مع القدرة، فحينئذٍ تقول له: صلاتك باطلةٌ، وتلزمك الإعادة؛ لأن الشارع جعل دخول الوقت علامةً على وجوبه، ولا تصح الصلاة قبل دخول الوقت. وجعل ستر العورة علامةً على صحة الصلاة واعتبارها، فما دمت لم تستر العورة أثناء صلاتك فصلاتك باطلة. فمبحث شروط الصلاة يحتاجه طالب العلم لكي ينظر إلى الأمارات التي نصَّبها الشارع سبحانه وتعالى، لكي يقول: هذه العبادة معتبرة، وبرئت ذمتك أيها المكلف، فلا تُطَالَب بالإعادة، أو يقول: هذه العبادة باطلةٌ ويلزمك إعادة الصلاة؛ لأن شروط الصحة والاعتبار غير متوفرة. والشروط: جمع شرط، والشرط في اللغة: العلامة، ومنه سميت الشَّرْطَة. وأما في الاصطلاح فهو ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته. فالطهارة يلزم من عدمها عدم الصلاة، ودخول الوقت يلزم من عدمه عدم وجوب الصلاة. ولا يلزم من وجوده الوجود، فالإنسان قد يتوضأ، ويكون متطهراً، والشرط محققٌ فيه، ولكنه لا يصلي، فيلزم من عدم الشرط عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود المشروط. فقول العلماء: (باب شروط الصلاة) أي: العلامات والأمارات التي نصَّبها الشارع للحكم بوجوب الصلاة على المكلفين، أو العلامات والأمارات التي نصَّبَها الشارع للحكم بصحة صلاة المكلفين واعتبارها، فإن كانت الشروط شروط صحةٍ حكَمْتَ بالصحة أو بعدمها، وإن كانت الشروط شروطَ وجوبٍ حَكَمْتَ بوجوب العبادة أو عدم وجوبها. فشروط الصلاة تنقسم إلى شروط صحةٍ، وشروط وجوب. فشروط الوجوب منها الوقت، ولا تجب الصلاة قبل دخول الوقت، ومنها البلوغ، فلا تجب الصلاة على الصبي قبل بلوغه، ومنها العقل، فلا تجب الصلاة على المجنون حتى يفيق. وأما شروط الصحة فهي: الطهارة، واستقبال القبلة، وستر العورة. فلا تصح صلاة غير المتطهر، ولا تصح صلاة من لم يستر عورته اختياراً، بمعنى أنه قادرٌ على سترها، أما إذا كان غير قادرٍ فسيأتي إن شاء الله الكلام عليه. ولا تصح صلاة من لم يستقبل القبلة اختياراً، أما إذا كان في حال الاضطرار -كما في السفر- ففيه تفصيل سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقوله: (باب شروط الصلاة) مناسبة هذا الباب أنه بعد أن بين لك حكم الصلاة، وعلى مَن تجب، وتكلَّم على مباحث الأذان والإقامة، ناسَبَ أن يتكلم عن الشروط؛ لأن من شروط الصلاة دخول الوقت، والأذان متعلق بالوقت، فلما ذكر الأذان ووجوبه ولزومه وصفته، يرد Q متى يؤذِّن المؤذن؟ وما هو الوقت المعتبر للصلاة؟ ولما كان مبحث الوقت متعلقاً بمبحث الشروط ناسب أن يذكر الشروط معه، فهذا وجه المناسبة. وهناك وجهٌ ثانٍ وهو أن تقول: بعد أن فرغ المصنِّف رحمه الله من بيان حكم الصلاة، والدعوة إليها بالأذان والإقامة ناسب أن يبين العلامات المعتبرة للإلزام بالصلاة، وهي الشروط، فأتبع ذلك شروط الصحة كما قلنا.
الشرط الأول: دخول الوقت
الشرط الأول: دخول الوقت قال المصنف رحمه الله: [شروطها قبلها، منها الوقت]. قوله: (شروطها قبلها) أي: قبل الصلاة، وقوله: (منها الوقت) (مِنْ) للتبعيض، والضمير في (منها) بمعنى: من شروط الصلاة، وهذا للتبعيض؛ لأن هناك شرط البلوغ والعقل لم يذكره المصنف، وترك لظهور العلم به؛ لأنه لا يقرأ قارئ ولا يبحث باحث في أبواب الفقه إلا وهو عالم أن أهلية التكليف تقوم على البلوغ والعقل. فلذلك تَرْكُ المعلوم بداهةً مألوفٌ عند العلماء رحمة الله عليهم. قوله: (منها الوقت) يقال: وقَّتَ الشيء يؤقته تأقيتاً. إذا حدده، ويكون ذلك بالزمان، ويكون بالمكان، فيقال: (وقَّتَ له ساعة مجيئه) للزمان، و (وقت له مكان لقائه) للمكان. فجاء التعبير بالتوقيت في الزمان في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]، أي: بالزمان. وجاء التأقيت بالمكان، ومنه حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين: (وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة)، وهو ميقات المكان لنسك الحج. والوقت معتبرٌ للصلاة، والأصل في هذا الشرط قول الحق تبارك وتعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] أي: مؤقتاً ومحدداً بزمانٍ معين، وقد بينت السنة إجمال القرآن، وقد جمع الله تبارك وتعالى هذا التأقيت للصلاة في آيةٍ واحدة، وذلك في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، فهذه الآية جمعت مواقيت الصلاة كما ذكر غير واحدٍ من المفسرين، وهذا من بلاغة القرآن وحسن اختصاره، فإن قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي لزوالها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) فشمل الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيكون (غسق الليل) على أنه نصف الليل هو الأمد الذي هو آخر وقت العشاء الاختياري، ثم لما انفصل الفجر قال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} فأغنى باسم الفجر عن ذكر وقته؛ لأن الفجر من الانفجار والوضوح، ونظراً إلى أن اسمه يدل على وقته؛ لأنه عند انفجار الضوء وانتشاره أغنى التعبير باسمه عن التصريح بوقته، فهذه خمسة فروض وخمسة مواقيت، وكلتا الآيتين أصل في باب المواقيت عند العلماء رحمة الله عليهم. أما السنة فجاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم تصف وقت الصلاة، والأصل في هذا أن الله لما فرض على نبيه عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس اختار الله فريضتها أن تكون مباشرةً منه سبحانه وتعالى فوق السماوات العلا، ولذلك كان من دلائل فضل الصلاة وعظيم شأنها أن الله عز وجل لم يوح وجوبها إلى نبيه بواسطة، وإنما باشره بوجوبها والأمر بها تعظيماً لشأنها ودلالةً على عظيم مكانتها، فلما أوجب الله على نبيه الصلوات الخمس، وانتهى الأمر إلى الخمس، وكان يراجع ربه حتى استقرت إلى الخمس نزل عليه الصلاة والسلام، ولما أصبح صبيحة الإسراء وزالت الشمس لم يُفاجأ إلا بجبريل قد نزل عليه فأمَّه عند الكعبة، ولذلك كانت بداية المواقيت بحديث جبريل بمكة. فالأصل في السنة هذا الحديث، وهو أول المواقيت السنية، ولذلك يعتبره العلماء رحمة الله عليهم أصلاً، إلا ما دل الدليل على نسخه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فأَمَّ جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة يومين، صلَّى به اليوم الأول كل صلاةٍ عند أول وقتها، وصلى به اليوم الثاني كل صلاة في آخر وقتها، ثم قال له: (ما بين هذين وقت)، فحدَّد مواقيت الصلاة وبينها. ثم جاءت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وبقوله، فتارةً بالفعل يُبيِّن المواقيت، وتارةً بالقول يدل عليها صلوات الله وسلامه عليه. فشرط الوقت لا يُحكم بلزوم الصلاة على المكلف إلا بدخوله، فلا يطالب الرجل ولا المرأة بالصلاة إلا بعد دخول الوقت، ويتفرع على ذلك أنه إذا مات قبل دخول الوقت ولو بلحظة فهو غير آثمٍ ولا ملزمٍ بها، وكذلك لو جُنَّ أو حاضت المرأة قبل دخول الوقت ولو بلحظة فإنها لا تُطَالَب بها. فلا يتوجه الخطاب بالصلاة إلا بعد وجود هذه العلامة، فلما كان الوقت له هذه المنزلة وهي أنه لا يتوجه الخطاب من الشرع للمكلف أن يفعل العبادة إلا بعد وجود هذه العلامة. قيل: إنه شرط من هذا الوجه.
الشرط الثاني: الطهارة من الحدث والنجس
الشرط الثاني: الطهارة من الحدث والنجس قال المصنف رحمه الله: [والطهارة من الحدث والنجس]. قوله: (والطهارة من الحدث) تقدَّم تعريف الطهارة، وقلنا: إنها صفةٌ حكميةٌ توجب لموصوفها استباحة الصلاة، والطواف بالبيت، ونحوه مما تشترط له الطهارة. وأما الطهارة من النجس أو الخبث كما يُعبِّر العلماء فيشترط كذلك؛ لأن الطهارة طهارةٌ من الحدث بالوضوء أو الغسل أو التيمم بدلاً عنهما، وطهارةٌ من الخبث بإزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان. فأما طهارة الحدث فدليل وجوبها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} [المائدة:6]، ثم قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة:6]، فأوجب وأمر وألزَمَ المكلف بهذه الطهارة، ثم حكم بعدم صحة الصلاة بالفقد، فقال عليه الصلاة والسلام في الصحيحين كما في حديث أبي هريرة واللفظ لـ مسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، فهذه طهارة الحدث ودليل اشتراطها لصحة الصلاة من الكتاب والسنة، لكن دليل السنة في الاشتراط أقوى من دليل الكتاب؛ لأن دليل الكتاب دلّ على الوجوب، وأما دليل السنة فقد دل على عدم الصحة والاعتبار إلا بعد وجود الطهارة، وهو أبلغ في الدلالة على الشرطية؛ لأن كون الشيء واجباً لا يدل على كونه شرطاً لصحة الشيء كما هو معلوم. وأما الطهارة من الخبث، وهي طهارة البدن والثوب والمكان من أجل الصلاة، كونها شرطاً لصحة الصلاة فيدل عليها: أولاً: إلزام المكلف بطهارة البدن، أصله قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلي عنك الدم ثم صلي)، وقوله: (دعي الصلاة أيام قروئك)، وفي الحديث الآخر: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر، فإذا بلغت ذلك فلتغتسل ثم تستذفر بثوب ثم تصلي)، فأمرها بطهارة البدن. ثانياً: طهارة الثوب، والأصل فيها قوله تعالى يخاطب نبيه: {وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر:3 - 5]، فكبر: أي للصلاة، {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]، وليس المقصود الترتيب، وإنما المقصود مجموع هذه الأمور، والمراد بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]: أي طهارتها من النجس والقذر، فلا تصح الصلاة إلا بعد وجود طهارة الثوب. ثالثاً: طهارة المكان، فلا تصح الصلاة إلا بعد أن يكون مكان المصلِّي طاهراً، والأصل في ذلك حديثان: أحدهما حديث الأعرابي لما بال في المسجد، فقال عليه الصلاة والسلام: (أهريقوا على بوله سجلاً من ماء)، فأمر بتطهير المسجد، وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام من دخل المسجد بنعليه إن وجد فيهما أذى بقوله: (ليدلكهما في الأرض)، فجعل دلك الأرض طهارةً لها. والدليل الثاني حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس، ثم خلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلَّم عليه الصلاة والسلام قال: (ما حملكم على إلقاء نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً، أو قال: أذى). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع النعلين بعد العلم بنجاستهما؛ لأنهما ليستا بطاهرتين، فلما خلعهما بعد العلم بالنجاسة دل على أن المصلي لا يقف على موضعٍ نجس، ولذلك اعتُبِر حديث النعلين في خلعه عليه الصلاة والسلام لهما أصلاً في طهارة موضع المصلي الذي يصلي عليه. فمجموع هذه النصوص في الكتاب والسنة دلَّ على أنه ينبغي للمصلي أن يطهِّر ثوبه وبدنه ومكانه من أجل صلاته.
أوقات الصلاة
أوقات الصلاة
وقت صلاة الظهر
وقت صلاة الظهر قال المصنف رحمه الله: [فوقت الظهر من الزوال إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال] الفاء للتفريع، أي: إذا علمت أن الوقت شرطٌ لصحة الصلاة فاعلم أن وقت الظهر ما سيأتي. والظهر: هي الصلاة الأولى تسمى بالظهر، وهذا اسمها الغالب، وللعلماء في سبب تسميتها بالظهر خلاف، قال بعضهم: سُمِّيت بالظهر من الظهيرة، لوجود قائم الظهيرة فيها؛ لأن الشمس تقوم فيها، وهي تقع بعد زوال الشمس مباشرة، فنسبت إلى أقرب موصوفٍ لها. والظُّهر تسمى الأُوْلَى، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي برزة الأسلمي أنه دخل عليه أبو المنهال سيار بن سلامة رحمه الله، فقال: دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي، فقال له أبي: (كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة؟ قال: كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى)، فوُصِفت بكونها هجيراً، وبكونها أُوْلى، وبكونها ظهراً، أما كونها هجيراً فلأنها تكون بالهاجرة، وهذا الوقت الذي تقع فيه صلاة الظهر، حيث تكون الشمس فيه شديدة الحرارة، ولذلك أمر بالإبراد عن أول الوقت في شدة الحر، فإذا اشتدت الحرارة هجر الناس الشمس، وصاروا إلى الظل، وهجروا أعمالهم من أجل شدة الحر والمئونة والمشقة، فسمِّيت الهجير من هذا، وسميت الظهر لما ذكرناه، وسميت الأولى لأنها أول صلاة تصلى. وهذا أصح أقوال العلماء أن الظهر هي أول الصلوات، والدليل على ذلك عدة أدلة، منها: أنه لما أراد الله أن يبين لنبيه عليه الصلاة والسلام مواقيت الصلاة نزل جبريل في وقت الظهر، فكان أول ما أعلمه بوقته هو الظهر، وكذلك الحال في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم للصلوات المكتوبة وأوقاتها كلهم كان يبدأ بصلاة الظهر، وذلك مراعاة لأصل الشرع. وقال بعض العلماء: الأولى هي الفجر والثانية هي الظهر لأجل أن يقوى مذهبهم بأن العصر هي الصلاة الوسطى، وهذا مذهبٌ مرجوح، ويُجاب عنه من وجهين: أولاً مخالفته لظاهر السنة ولهدي الصحابة في قولهم: (كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى ... )، فدل على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسمونها الأولى، وأما اعتذارهم بأن العصر لا تكون وسطى إلا إذا اعتبرنا الفجر الأولى فمحل نظر؛ لأنهم قالوا إن الفجر والظهر يجتمعان في كونهما صلاة نهارية، والمغرب والعشاء يجتمعان في كونهما صلاة ليلية، فيقع العصر بينهما، فتكون صلاةً وسطى من هذا الوجه. والجواب عن هذا يسير، وهو أن يُقال: إن الوصف بكونها وسطى -أعني العصر- إنما هو لانتصافها بين نهاريةٍ وليلية، لا بين نهاريتين وليليتين، وهم يراعون عدد الصلوات، ويمكن أن تراعى دلالة الحال، فإن صلاة العصر بين نهاريةٍ وهي الظهر، وليليةٍ وهي المغرب، وعلى هذا لا يرد ما ذكروه. فلصلاة الظهر وقتان: أول وآخر، فأما أول وقت صلاة الظهر فهو من الزوال إذا زالت الشمس، وأما آخر وقت الظهر فكما ذكر المصنف حين يصير ظل كل شيءٍ مثله، أي على قدر ظل الرجل إذا قام. أما بالنسبة لاعتبار الزوال أول وقت الظهر فدليله الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء:78]، ودلوكها: زوالها. أما السنة ففي الأحاديث الصحيحة، منها حديث ابن عمر في صلاة جبريل وإمامته بالنبي صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء. ومنها: حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين (كان يصلي الظهر إذا دحضت الشمس)، أي: زالت. ومنها: حديث أبي برزة: (كان يصلي الهجير وهي التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس). وكذلك أيضاً حديث مسلم في قصة الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص. فهذه خمسة أحاديث كلها دلت على أن وقت صلاة الظهر يكون بدايته من زوال الشمس، وحُكِيَ الإجماع على أن وقت صلاة الظهر يبتدئ من الزوال، وهذا الإجماع مخالَف بما حُكِيَ عن ابن عباس أنه كان يجيز إيقاع صلاة الظهر قبل الزوال باليسير، وهو قولٌ محكيٌ عن مالك رحمة الله عليه إمام دار الهجرة، وقولٌ مرجوح لمخالفته لظاهر السنة، فحكاية الإجماع يُشكِل عليها ما أُثِر عن ابن عباس وعن مالك رحمة الله عليه. وإذا علمنا أن النصوص دلت على أن أول وقت الظهر الزوال، فما هو الزوال؟ الزوال: مأخوذٌ من زال الشيء إذا تحرَّك، والمراد بالزوال زوال الشمس، والسبب في ذلك أن الشمس إذا طلعت يكون الظل في جهة المغرب، ثم تسير وينقبض ظلها حتى تنتصف في كبد السماء، فتقف عن مسيرها، وبالمناسبة في سير الشمس ينبغي إثباته، والقول بأن الشمس ثابتة باطل مخالفٌ لنص القرآن، ولذلك قال بعض العلماء: لا يجوز أن يعتقد المسلم أن الشمس ثابتة، وذلك لقوله تعالى: {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا} [يس:38]، فنص سبحانه على أنها تجري، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لـ أبي ذر: (يا أبا ذر! هل تدري أين تذهب هذه؟)، فنسب لها الذهاب والمجيء، وهذا يدل على الحركة بخلاف الثبوت، ولذلك يُعتقد جريانها، وقول بعض الفلاسفة: إنها ثابتة مخالفٌ لهذا النص الذي أنبأك به الخبير العليم سبحانه وتعالى خالق الشمس وخالق الكون وهو أعلم بما خلق. فالشمس تطلع من مشرقها فيكون الظل في جهة المغرب، على أقصى ما يكون عند ارتفاع شعاعها، ثم ترتفع قليلاً قليلاً فينقبض الظل من جهة المغرب قليلاً قليلاً حتى تنتصف في كبد السماء، فإذا انتصفت في كبد السماء وقف الظل عن الحركة فلا يزيد ولا ينقص، وهذا الانتصاف قال بعض الخبراء من أهل الفلك: إنه لحظة يسيرة، أي: قد يكون إلى دقائق معدودة جداً، وفي هذا الوقت وهو وقت انتصافها في كبد السماء تسجر جهنم -والعياذ بالله-، ولذلك نُهِي عن الصلاة فيه؛ لأنه لحظة عذاب، وليست بساعة رحمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا اعتدلت على رأسك فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم). وثبت عن عقبة بن عامر أنه قال: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب)، فإذا قال العلماء: (قام قائم الظهيرة)، أو قالوا: (وقف الظل)، فمرادهم هذه الساعة، ولذلك تقف الشمس في كبد السماء فلا تتحرك، فإذا وقفت وقف الظل، وأحياناً يقف الشاخِص بدون ظل، وهذا في الأماكن التي تكون معادلة لمنتصف السماء، ولذلك يقولون: إنه في مكة في اليوم السابع من حزيران تكون الشمس لا ظل لها، بمعنى أنها في منتصف السماء، أو في كبد السماء كما ورد في الخبر، فإذا أخذت في هذه اللحظة التي هي لحظة الإمساك تبدأ بعد ذلك في الحركة إلى جهة المغرب، فإذا ابتدأت حركتها إلى جهة المغرب تحرّك الظل إلى جهة المشرق، على عكس ما كان عليه عند غروبها. وهذه اللحظة هي لحظة انتصاف النهار، وتكون في منتصف الوقت ما بين طلوع الشمس وغروبها بإذن الله عز وجل، فإذا انتصفت في كبد السماء وابتدأت بالمسير فحينئذٍ يبدأ وقت الظهر، فقبل مسيرها، وهي لحظة وقوف الظل لا يجوز إيقاع الصلاة -كما قلنا- في قول الجماهير، وانعقد عليه الإجماع، إلا ما جاء عن ابن عباس ومالك رحمه الله تعالى. فلذلك قالوا: يبدأ وقت الظهر من الزوال، أي: من حركة الشمس، فالسبب في تسمية هذا الوقت بالزوال أنّ الشمس تتحرك، فكأنها زالت عن مكانها الذي ثبتت فيه في كبد السماء، وهذا الوقت هو أول وقت الظهر. ثم كيفية معرفة هذا الوقت تختلف باختلاف الفصول، وباختلاف البلدان، ولكن الطريقة التي يمكن للإنسان أن يضبط بها المواقيت. أن يثبت شاخصاً على مكانٍ مستوٍ، ويعرف طول هذا الشاخص، ثم بعد ذلك ينظر في ظل الشاخص، فتبدأ الشمس طالعة من مشرقها فيراقب الظل في جهة المغرب، فكلما تقاصر الظل، خاصةً عند منتصف النهار يضع العلامة، خاصة إذا كان الشاخص على ورقة أو نحوها، فيضع علامة على الظل، حتى يقف الظل فيعلم أن هذه اللحظة التي وقف فيها الظل هي الساعة التي انتصف فيها النهار، بمعنى أنه بمجرد ما يبتدئ الظل بالزيادة والانحسار إلى جهة المشرق فاعلم أنها ساعة الزوال، وأن ما قبلها ساعة انتصاف النهار. و (من) في قوله: (من الزوال) ابتدائية، أي: يبتدئُ بزوال الشمس. وقوله: (إلى مساواة الشيء فيئه بعد فيء الزوال) الفيء: الرجوع، ومنه قوله تعالى: {فَإِنْ فَاءَتْ} [الحجرات:9] أي: رجعت، قالوا: سمي بذلك لأن الظل يَفِيء، بمعنى: يرجع، فبعد أن كان في جهة الغرب إذا به إلى جهة المشرق، وبتقاصُر الظل يكون الفيء، فالظل الذي تقف عليه الشمس عند انتصافها في كبد السماء لا يُحسب، وببداية تحركها إلى جهة المغرب، وزيادة قدر الظل في جهة المشرق يبدأ وقت الظهر كما قلنا، فيضع من هذه البداية علامة على الورقة، ثم بعد مسيرها ينظر إلى طول الظل حتى يساوي العود أو الشاخص الموضوع. والسبب في ذلك أن الزوال أحياناً يقف على قدر من الظل، بمعنى أنه يكون للشاخص ظل، فلو فُرِض أن ظله يختلف بالصيف والشتاء على حسب قرب الشمس من مسيرها الذي هو في منتصف القطب أو انحرافها في فصل الشتاء، فإذا كان الظل الذي وقفت عليه الشمس يعادل شبراً ونصف لشاخص طوله متر، فحينئذٍ يحسب من هذا الشبر والنصف أو القدم -كما يقولون-، ويُعتبر وصول الظل إلى القدم هو بداية وقت الظهر عند الزيادة، فتضع علامة على هذا القدر. وبعد زيادة الظل في جهة المشرق بقدر الشاخص الذي هو المتر، يكون وقت الظهر قد انتهى، وهذا هو معنى: إلى أن يصير فيء كل شيءٍ مثله بعد فيء الزوال. فلا بد في غالب الأحوال أن يكون للزوال ظل، ولذلك تجد في بعض التقاويمات أنَّ ظل الزوال قدم. بمعنى أن الشمس تنتصف
وقت صلاة العصر
وقت صلاة العصر قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت العصر]. قوله: (ويليه) أي: يقع بعد وقت الظهر وقت العصر، والولاء بمعنى أنه بعد انتهاء وقت الظهر يدخل وقت العصر. وقال بعض العلماء: إن هناك وقتاً مشتركاً بين الظهر والعصر، وهو الأمد الفاصل بين الوقتين، وظاهر السنة ما ذكره ودرج عليه المصنف رحمه الله لظاهر حديث إمامة جبريل، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث الوقتين في صحيح مسلم. والعصر في لغة العرب يُطلق بمعانٍ، فالعصر الدهر، وحملوا عليه قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ} [العصر:1]، فأقسم الله عز وجل بالزمان كله. والعصر: اليوم والليلة، ومنه قول الشاعر: ولن يلبث العصران يومٌ وليلة. وكذلك يطلق على الوقت المحدد المعروف الذي يكون في عشي النهار، أي: في آخر النهار. قالوا: سُمِّي العصر عصراً لأن الإنسان إذا عصر الشيءَ لم يبق إلا آخره، بمعنى أن النهار ولَّى ولم يبق إلا آخره، وكان بمثابة العصارة الأخيرة في الشيء، فسُمي العصر عصراً من هذا. والعصر هو الوقت الثاني كما ذكرناه، وهو أفضل الصلوات؛ لقوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فإن الله عز وجل خصها بالذكر، وعطف الخاص على العام يقتضي تشريف الخاص وتميُّزه على العام بفضيلة، كما في قوله تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ} [القدر:4]، وقوله: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة:98]، فذكر جبريل وميكال من باب التخصيص والتشريف، فالعرب تعطف الخاص على العام للدلالة على شرفه، فلما قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] دل على فضل صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى. وأما الدليل على كونها صلاةً وسطى فما ثبت في الصحيحين من قوله عليه الصلاة والسلام: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم ناراً)، وهذا في الصحيح، وهو نص على أن الصلاة الوسطى هي العصر، ووصِفت بكونها وسطى؛ لأنها تقع بين صلاة نهارية وهي الظهر، وصلاة ليلية وهي المغرب، ومما يدل على أنها هي المختصة بالفضل اختصاصها بالوعيد في قوله عليه الصلاة والسلام: (من فاتته صلاة العصرِ فكأنما وتر أهله)، بمعنى -والعياذ بالله- فقد أهله. فهذا يدل على عظيم شأنها، وأنها تتميز من بين الصلوات بهذا الفضل العظيم. قال بعض العلماء: خُصَّت العصر بهذه المزية لأنها تقع عند التجار في أوقات التجارة، فالناس الغالب أنهم في العصر يتبايعون ويشترون، فتكون ساعة غفلة، ولذلك خُصَّت بهذا الفضل. وكذلك الحال بالنسبة لأول النهار، فلما قال تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25] قال عليه الصلاة والسلام: (صلاة الأوابين حين ترمض الفِصال) قالوا: خصَّ صلاة الضحى بهذا الوقت لأنها ساعة اشتغال الناس بالتجارة، فهذه في النافلة في أول النهار، والعصر فريضةٌ في آخر النهار، وجُعِلت فضيلتها في آخر النهار لأنه وقت الكلال والتعب والسآمة. ولذلك قالوا: إنها هي الوسطى، وهي أفضل الصلوات، ووقتها من صيرورة ظل كل شيءٍ مثله على ظاهر حديث جبريل وحديث ابن عمر في الصحيح، إلى أن يصير ظل كل شيءٍ مثليه، فهذا القول الأول. والقول الثاني أن وقت العصر ينتهي إلى اصفرار الشمس، وكلا القولين في وقت الاختيار. وأما وقت الاضطرار فيستمر من ظل كل شيءٍ مثليه إلى غروب الشمس، أو من صُفرة الشمس إلى غروب الشمس. فأما القول الأول الذي يقول: وقت العصر إلى أن يصير ظل كل شيءٍ مثليه، فتحسب ظل كل شيءٍ مثله، ثم بعد ذلك تحسب صيرورته إلى الضعف، فإذا بلغ الضعف من بعد ظل الزوال فقد انتهى وقت العصر الاختياري، فلا يحل تأخير الصلاة لقادرٍ على فعلها عن هذا الوقت، وهذا على القول الأول، ثم يبدأ الوقت الاضطراري، والوقت الاضطراري للحائض والنفساء إذا طَهُرت من حيضها ونفاسها، فلو أن امرأةً طهُرت من حيضها أو نفاسها في هذا الوقت الذي هو بعد أن صار ظل كل شيءٍ مثليه فحينئذٍ يُحكم بوجوب صلاة العصر عليها إذا طهرت قبل غروب الشمس بركعة، فإن طهرت قبل غروب الشمس بثلاث ركعات وهي مسافرة، أو بخمس ركعات وهي مقيمة، طُولِبت بصلاة الظهر والعصر لما بينهما من الاشتراك بدلالة الشرع، وسنبين هذا إن شاء الله في موضعه. وأما قول من قال: إن وقت العصر إلى أن تصفر الشمس فهو أقوى الأقوال؛ وذلك لأن حديث مسلم في قوله عليه الصلاة والسلام: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) ثبت بالسنة المدنية؛ لأنه كان بالمدينة. وحديث إِمَامَة جبريل -وهو حديث ابن عمر - للنبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، والقاعدة أن المتأخر ينسخ المتقدم، ولذلك لا تعارُض بين الحديثين، فيُعتبر حديث (وقت العصر ما لم تصفر الشمس) نصاً في أن وقتها ينتهي عند اصفرار الشمس، والشمس إذا قربت من المغيب ذهب ضياؤها واصفرت، ثم بعد ذلك يبدأ عند الاصفرار وقت الاضطرار كما ذكرنا، ولا يجوز التأخير إليه إلا لمعذور. وإذا غابت الشمس انقطع وقت الاختيار ووقت الاضطرار. قوله: [إلى مصير الفيء مثليه بعد فيء الزوال]. هذا كما قلنا أحد قولي العلماء، والصحيح القول الثاني أن وقتها ينتهي عند اصفرار الشمس. وأما أول وقت العصر فعند الحنفية أوله إذا صار ظل كل شيءٍ مثليه، وقد بيّنا أن الصحيح أنه إذا صار ظل كل شيءٍ مثله، والدليل من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ وقت العصر إذا صار ظل كل شيءٍ مثله، فالأحاديث الصحيحة التي من تأمَّلها نظر إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقع العصر عند صيرورة ظل كل شيءٍ مثله. فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي المنهال حيث حدث يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية)، ومعنى ذلك أنه كان يوقعها وقد صار ظل كل شيءٍ مثله، ولا يتأتى أن يُصلي بهم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن صار ظل كل شيءٍ مثليه، ثم يرجع الرجل إلى رحله والشمس حية، فهذا معروف، وغالباً من يعرف وقت المدينة يرى أن هذا بعيد، والغالب أنه صلَّى عند صيرورة ظل كل شيءٍ مثله، وانتهى وقت صلاته على ظاهر السنة ما لم تصفَر الشمس، واصفرارها -كما قلنا-: انطفاء نورها، بمعنى أنك تستطيع أن تنظر فيها، فإذا بها تصبح صفراء فتقوى على النظر إليها، ولكنها إذا كانت قريبة من الزوال يكون من الصعوبة أن تنظر إليها. قوله: [والضرورة إلى غروبها]. أي: وقت الضرورة، إلى غروبها، فإن قال قائل: ما الدليل على تقسيم الضرورة والاختيار؟ قلنا: أما دليلنا على الوقت المختار فقوله عليه الصلاة والسلام: (وقت العصر ما لم تصفر الشمس). وأما الدليل على وقت الاضطرار الذي لا يجوز إلا لمعذور، فقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أدرك ركعةً قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فدل هذا على أن من صلَّى في هذا الوقت، فقد أدرك العصر. وفي الحديث الآخر: (وقت العصر ما لم يغب الشفق)، فعلمنا أن هناك وقت اختيار وهناك وقت اضطرار، وأن وقت الاختيار ينتهي عند انطفاء الشمس وصيرورتها إلى الصفرة، ووقت الاضطرار من الصفرة إلى غروب الشمس. قوله: [ويسن تعجيلها] أي الأفضل والأكمل والأعظم أجر التعجيل بالعصر، لظاهر الحديث الذي ذكرناه في الظهر.
وقت صلاة المغرب
وقت صلاة المغرب قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت المغرب إلى مغيب الحمرة]. أي: ويلي وقت العصر المغرب، والمغرب هي الصلاة الثالثة، وتكون بعد غروب الشمس؛ لما ثبت في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه أنه لما ذكر صلاة النبي صلى الله عليه وسلم المكتوبة قال: (والمغرب إذا وجبت)، ومعنى: (وجبت): سقط قرص الشمس وغاب، فإن العرب تقول: وجب الشيء إذا سقط، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا} [الحج:36]، أي: سقطت الإبل واستقرت على الأرض. فقول جابر: (والمغرب إذا وجبت) أي: كان عليه الصلاة والسلام يصلي المغرب إذا وجبت الشمس، بمعنى غابت وذهب ضياؤها. وقوله: [إلى مغيب الحمرة] أجمع العلماء على أن وقت المغرب يبتدئ عند غروب الشمس، فهذا أول الوقت، إلا خلافاً لبعض أهل الأهواء الذين لا يُعتد بخلافهم الذين يقولون: إن المغرب يكون عند اشتباك النجوم، وكان قولاً لبعض السلف المتقدمين، ولكنه قولٌ لا يُعتد به؛ لمخالفته للسنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يرد Q هل المغرب له وقت واحد أو وقتان؟ قال بعض العلماء: المغرب وقتها بقدر ما تفعل، واستدلوا بحديث متكلَّمٍ على سنده. والقول الثاني أن المغرب لها وقتان، بمعنى أنه يبتدئ وقتها بعد غروب الشمس، وينتهي في وقتٍ غيره. فالأولون يقولون: المغرب لها وقتٌ واحد وهو قدر ما تؤديها بعد غروب الشمس، فلا يجوز التأخير فيها، وهذا أضيق المذاهب كما هو موجود في مذهب المالكية والشافعية. والقول الثاني وهو الصحيح أن للمغرب وقتين: الوقت الأول لبدايتها، والثاني لنهايتها، فأما بدايتها فبعد الغروب، وأما نهاية وقتها فيكون عند مغيب الشفق، فإذا غاب الشفق انتهى وقت المغرب، والشفق شفقان: شفقٌ أحمر وشفقٌ أبيض، فأجمع العلماء على أن الشفق إذا غاب انتهى وقت المغرب، ولكنهم اختلفوا في حد هذا الشفق. فقال بعض العلماء: العبرة بالشفق الأحمر، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (وقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق)، فنص عليه الصلاة والسلام على أن وقت المغرب ينتهي عند مغيب الشفق، وسكت عليه الصلاة والسلام، فلم يقل شفقاً أحمر ولا شفقاً أبيض، فإذا غابت الشمس يأتي الشفق الأحمر وينتشر من جهة المغرب، فينتحي ناحية الشمس اليمنى وناحيتها اليسرى ويمتد في الأفق، وهذا يختلف باختلاف أزمنة الصيف والشتاء. وهذه الحمرة تستمر قرابة ساعة زمانية، وقل أن تزيد على ساعة. وبعد هذه الحمرة يأتي بياض في الأفق ليس بليلٍ ولا بنهار، وهذا البياض قدره ثلاث درجات فلكية، وكل درجة لها أربع دقائق، أي: اثنتا عشر دقيقة إلى ربع ساعة، فهذه الاثنتا عشرة دقيقة هي محل الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فإذا قدَّرت بعد غروب الشمس ساعةً كاملة فيغيب فيها الشفق غالباً. وبعد هذه الساعة الكاملة يبدأ الخلاف بين العلماء: هل انتهى وقت المغرب أو لم ينته؟ فمذهب بعض العلماء أنه ينتهي وقت المغرب بمجرد مغيب الشفق الأحمر، وهو أصح أقوال العلماء، والدليل على ذلك أن الشفق إذا أطلق فالمراد به الشفق الأحمر. وأيضاً فإنه إذا أُطلق فالعبرة في الاسم بمبتدئه؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الوصف، ولذلك يعتبر مبتدؤه احتياطاً لأمر الصلاة، وتبقى قد ربع ساعة كما قلنا لا يجوز تأخير المغرب إليها. وبناءً على ذلك إذا غاب الشفق الأحمر يبدأ البياض الذي تدخل به ظلمة الليل، أو ما يسمى في لغة العرب (العتمة)، وسميت بذلك لأن العرب يُعتِمون بالإبل، والسبب في ذلك أنهم كانوا يأتون بالإبل من الرعي، فمن كرمهم وجودهم لا يبادرون الإبل بالحلب خوف الضيف أن يأتي، ويتأخرون إلى قدر العتمة، فترجع إلى ديارهم ومنازلهم وإلى مراحها عند الغروب، فإذا غربت الشمس تركوها، أو تأتي بعد الغروب قليلاً فيتركونها، وإن كان ألذ وأطيب ما يكون عندهم أن يحتلبوها ساعة رجوعها، ولكنهم يؤخرونها خوف الضيف، فيتأخرون إلى (العتمة)، فلذلك يقولون لها العتمة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: (لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل)، فمعنى (اعتموا بالإبل) أي: أدخلوها إلى العتمة، بمعنى أخَّروا حلبها إلى عتمة الليل، وهي الظلمة التي تكون بعد الشفق الأبيض. قوله: [ويسن تعجيلها]. أي: ويسن تعجيل المغرب، ويكون التعجيل نسبياً، فيترك قدر ما يُصلَّى ركعتين خلافاً للحنفية والمالكية رحمة الله عليهم، فتؤخر قدر صلاة ركعتين ثم يقيم، وهو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبت في حديث مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب لمن شاء). وفي حديث أنس في الصحيح قال: (فلقد رأيت كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري -أي: يجعلونها سترة- حتى إن الرجل لو دخل ظن أن الصلاة قد أقيمت). فدل هذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك قدراً بين الأذان والإقامة، خلافاً لمن قال من العلماء: إنه يؤذن ويقيم مباشرة، فهذا خلاف السنة، وليس المراد بالتعجيل هذا. فالأفضل في المساجد أن يُترك قدر ما تصلى به السنة، وهي ليست براتبة ولكنها مستحبة لمكان الندب إليها بقول النبي صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: [إلا ليلة جمعٍ لمن قصدها محرماً]. ليلة جمع المراد بها: مزدلفة، وسميت جمعاً لاجتماع الناس فيها، والمراد بهذا ليلة النحر للحاج، فإن الحاج إذا دَفَع من عرفات لا يصلي المغرب في عرفات، وإن كان دَفْعُه بعد غروب الشمس، فاحتاط المصنف، والدليل على ذلك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولو صلَّى الحاج بعد غروب الشمس بعرفة صحت صلاته ولكنها خلاف السنة، والأفضل أن يؤخر صلاة المغرب ليلة النحر إلى وصوله إلى مزدلفة، ولا يصلي حتى في الطريق، بل قال بعض العلماء: حتى ولو خرج وقت المغرب، فقد اشترك المغرب والعشاء اشتراك جمع، فيؤخرها ولو وصل قرب الفجر؛ لأنه يرى أن وقت الاضطرار يستمر إلى الفجر. واحتج الإمام أبو حنيفة على هذا القول -مع أنه يُضيق في التمسك بظاهر السنة- فإن أسامة لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: الصلاة! قال عليه الصلاة والسلام: (الصلاة أمامك) قال الإمام أبو حنيفة: قوله: (الصلاة أمامك) تحديدٌ من النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى: ألاَّ تصلي إلا أمامك، يعني جَمْعَاً، ولذلك قال: لا تُصلَّى إلا في جمع، ولو وصلها بعد نصف الليل، وهذا من شدة تمسكه رحمة الله عليه بالسنة، وفي هذا رد على من يقول: إن الإمام أبا حنيفة يرد السنة ولا يقبلها، ولا يجوز اتهام هذا الإمام الجليل والعلم الفاضل من أئمة السلف رحمة الله عليه، بل هو غيورٌ على سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وإنما كان يخالف الأحاديث بسبب عدم علمه بها، ولكثرة الوضع بالبلد الذي كان بها -أي: العراق-، فقد كان الوضع والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم منتشراً في زمانه، فكان يحتاط في الأحاديث، ولذلك قلَّت عنده السنن. فالمقصود أن الحديث يدل على أن السنة للحاج أن يؤخِّر المغرب إلى بلوغه مزدلفة، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هنا مسألة وهي أن المعروف في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أنك لو ركبت الدابة أو البعير كما فعل عليه الصلاة والسلام، ودَفَعْت من عرفات إلى مزدلفة، فإنك ستقطع قرابة الساعة أو تزيد قليلاً، ومعنى ذلك دخول وقت العشاء، فقالوا: إن جمعه وقع جمع تأخير. فلو أن إنساناً بادر كما هو موجود الآن في السيارات، ودفع أول ما دفع الناس، فوصل في وقت المغرب، فهل يصليها في أول الوقت أو يتأخر؟ والذي يظهر أنه يصليها وقت بلوغه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم علَّق ذلك بالمكان لا بالزمان.
وقت صلاة العشاء
وقت صلاة العشاء قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت العشاء]. أي يلي وقت المغرب وقت العشاء، ووقت العشاء بعد مغيب الشفق، واختلف العلماء في آخره. قال رحمه الله تعالى: [إلى الفجر الثاني]. وقت العشاء وقتان: الوقت الأول ينتهي عند منتصف الليل؛ لقوله تعالى: {إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء:78]، وهو منتصفه، والمراد الإشارة إلى اختياره. وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام تأخير الصلاة إلى نصف الليل، كما في رواية. وقال بعض العلماء: ينتهي وقت العشاء عند الثلث. والأقوى في دلالة الكتاب والسنة ما ورد من كونه منتهياً عند منتصف الليل، أعني الاختياري، ثم يبقى الاضطراري، فإنه ينتهي بطلوع الفجر الصادق. قوله: [وهو البياض المعترض]. الفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو الذي يكون كذنب السرحان، بياضٌ طويلٌ في أعلى الأفق، ولا يعترض، أي: لا ينتشر. قال عليه الصلاة والسلام: (الفجر أن يقول هكذا)، وقال: (ولا يهيدنكم الساطع المصَعَّد)، (ولكن الفجر أن يقول هكذا)، بمعنى: لا يروِّعكم، ولا يمنعكم من الأكل والشرب وجود ضياء الساطع المصَعَّد -الفجر الكاذب-، والفجر الكاذب يكون في السدس الأخير من الليل، وسرعان ما يتلاشى هذا الضياء، بمعنى أنه لا يثبت الضياء فيه. وأما الفجر الصادق فإنه ينتشر فيه الضياء، ولا يزال الإنسان يدخل في الوضوح والإصباح حتى تطلع الشمس، والمراد بهذا أن وقت الفجر المعتبر يكون بطلوع الفجر الصادق، فإذا طلع الفجر الصادق انتهى وقت العشاء الاضطراري. قال رحمه الله تعالى: [وتأخيرها إلى ثلث الليل أفضل إن سَهُل]. هذا لما ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه قال: (أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بالعِشاء فخرج عمر فقال: الصلاة يا رسول الله، رقد النساء والصبيان. فخرج ورأسه يقطر يقول: لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالصلاة هذه الساعة)، فدل على فضل تأخير العشاء. والسنة التفصيل، فإذا كان المسجد مسجد جماعة فإنه يُسنُّ للإمام أن ينظر إلى حال المأمومين، فإن كان المأمومون مجتمعين وكثيرين، فحينئذٍ يقيم الصلاة ويُبكر، وإن كانوا متأخرين يؤخر في العشاء إصابةً للسنة. والدليل على هذا التفصيل ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر أنه قال: (والعشاء أحياناً وأحياناً، فإذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطأوا أخر)، فدل على أن أمر مساجد الجماعة يُنظَر فيه إلى حال الناس. وأما بالنسبة للمنفرد والمرأة والرجل المعذور فإن الأفضل له أن يؤخِّر العِشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فدل هذا على فضل تأخير العشاء. وقال العلماء: السبب في ذلك أنه لا يزال في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، ولأن الناس بعد العشاء يضطجعون، خاصة في القديم، والغالب فيهم أنهم بعد العشاء يرتاحون، فكون الإنسان لا يبادر إلى راحته ولا إلى نومه مع أنه قد تعب النهار، وينتظر تأخيرها أبلغ في طاعته لله، حتى يأتي عليه الوقت المتأخر للعشاء، وقل أن تجد أحداً يصلي معه، فيصيب فضلاً لا يصيبه غيره، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها)، (لم يصلها أحد ممن كان قبلكم)، فدل هذا على فضل التأخير من هذا الوجه؛ لأن الناس تغفل وتنام لمكان المشقة وعناء النهار، فلذلك فُضِّل تأخيرها من هذا الوجه، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن النوم قبلها، لمكان تعب الناس، ولما فيه من غالب عنائهم بتحصيل مصالحهم في النهار. وأما كيف يعرف المكلف نصف الليل فإنه يحسب من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق، ثم يقسم ذلك على اثنين، ثم يضيف النصف الذي خرج من هذه القسمة إلى وقت الغروب، فلو كان غروب الشمس الساعة السادسة، وأذان الفجر الصادق الساعة الخامسة، فمعنى ذلك أن الليل يستمر من الساعة السادسة إلى الخامسة بمقدار إحدى عشرة ساعة، ونصفها خمس ساعات ونصف، فيضيفها إلى الساعة السادسة التي هي وقت الغروب، فتصبح الساعة الحادية عشرة والنصف هي منتصف الليل. وبناءً على ذلك لا بد أن يعلم ساعة الغروب وساعة طلوع الفجر الصادق، ثم يفعل ما ذكرنا. وقال بعض العلماء: إنه يَقْسِم ما بين طلوع الشمس وغروبها. وهذا مرجوح.
وقت صلاة الفجر
وقت صلاة الفجر قال المصنف رحمه الله: [ويليه وقت الفجر إلى طلوع الشمس]. أي: يلي وقت العشاء الفجرُ، وسُمي فجراً لانفجارِ الضوء فيه وانتشاره، وهذه الصلاة هي الصلاة الخامسة، وقد أثنى الله عز وجل عليها، ووصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها أثقل صلاة على المنافقين؛ لأن الإنسان يكون في نومه، ولا يقوم إلا بوازعٍ من الإيمان وخوفٍ من الله عز وجل، ولذلك أثنى الله على هذه الصلاة وخصها بالذكر وقال: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]. قال بعض العلماء: {قُرْآنَ الْفَجْرِ} أي: صلاة الفجر، وهذا قول جمعٍ من المفسرين، وقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} قالوا: يستمر نزول الله جل وعلا في الثلث الأخير من الليل إلى أن تنتهي صلاة الفجر، ولذلك قالوا: مشهوداً بالخير بهذا الفضل العظيم، فلا تزال ساعة الإجابة مرجوة لقوله عز وجل: (هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له؟)، فدل على فضل هذه الصلاة من هذا الوجه، وقيل: (كَانَ مَشْهُودًا)؛ لأنه تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار)، فملائكة الليل من صلاة العصر إلى صلاة الفجر، وملائكة النهار من صلاة الفجر إلى صلاة العصر. وإذا نظرت فقلَّ أن تجد وقت العصر يفارق وقت الفجر، فتجدهما متقاربين كأنهما النصف، فتجد بين العصر وبين الفجر توافقاً غالباً، ويكون الفرق بينهما أحياناً إلى نصف ساعة، وأحياناً إلى ساعة أو ساعتين، لكن الغالب أن يكون هناك توافق بين العصر وبين الفجر؛ لأنه في بعض الأحيان يُؤخَّر العصر عن وقته. فالمقصود أن هذه الصلاة مفضَّلة من هذا الوجه، وقال بعض السلف: إنها هي الصلاة الوسطى، والصحيح أن الوسطى العصر كما ذكرنا، ولكن لهذه الصلاة فضل، فقد ثبت في الحديث الصحيح أنه: (من صلى العشاء في جماعةٍ فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعةٍ فكأنما قام الليل كله)، وأن (من صلى هذه الصلاة حيث ينادى لها مع الجماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي). ثم قال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيح-: (فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء، فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يدركه ثم يكبه على وجهه في نار جهنم)، أي: لا تتعرض لمسلم، فإذا تعرضت لإنسانٍ من أهل الفجر بأذية، فإنه في ذمة الله جل وعلا، ومن آذاه وتعرض لذمَّة الله أوشك أن يكبه الله على وجهه في النار -نسأل الله السلامة والعافية-، ولذلك خُصَّت هذه الصلاة بهذه الفضائل. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن الفجر يجب أداؤها بعد تبيُّن الفجر الصادق، وأنها إذا وقعت قبل الفجر الصادق، فليست بصحيحةٍ ولا معتبرة، وعلى المكلف قضاؤها. وأما بالنسبة لانتهاء وقت الفجر فإنه ينتهي بطلوع الشمس، وقال حبر الأمة وترجمان القرآن: إنه ينتهي وقتها بصلاة الظهر، وهو قولٌ شاذٌ قال به بعض الفقهاء من أصحاب المذاهب الأربعة، ويُحكى عن ابن القاسم من أصحاب الإمام مالك رحمة الله على الجميع، والصحيح أنه إذا طلعت الشمس فقد انتهى وقت الفجر، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك ركعةً قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح)، ومفهومه أن من لم يدرك الركعة قبل طلوع الشمس، فصلاته صلاة قضاءٍ وليست بصلاة أداء. ولذلك ذهب جماهير السلف والخلف إلى أنه لا يجوز الفجر بعد طلوع الشمس، وإذا طلعت الشمس فقد انتهى وقتها على ما ذكرناه. قال رحمه الله تعالى: [وتعجيلها أفضل] أي: السنة تعجيل الفجر. وللعلماء في هذه المسألة قولان: قال بعض السلف رحمهم الله: السنة أن تبتدئ الفجر في أول وقتها، وهو الذي اصطلح العلماء على تسميته بوقت الغَلَس، وذلك لما ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة أنه كان يصليها بغَلَس. فقد قال جابر رضي الله عنه كما في الصحيح: (والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس). والغَلَس يكون في أول الفجر الصادق؛ لأنه مع تبيُّن الضوء في أعلى السماء، فإنه لا تزال ظلمة الليل بين الناس، أعني على البسيطة والأرض، فلا تزال هذه الظلمة تنكشف بحسب قوة الضياء، فالسنة في فعل هذه الصلاة أن تقع عند الغلس أو في الغلس. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله -مخالفاً للجمهور- إلى أن السنة والأفضل في الفجر أن يُسْفر بها، وذلك لما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، والصحيح مذهب الجمهور أنّ الأفضل في صلاة الفجر أن تؤديها في أول وقتها، وذلك لما ثبت من حديث جابر في الصحيحين، ولما ثبت أيضاً في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس). ولا يعارض هذا قول أبي برزة: (وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه)، فهذا بالنسبة للقرب، فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يُوقِعها في الغلس، ولكن إذا سلّم من الصلاة عرف الإنسان جليسه، وذلك لمكان القرب وتأثير الضياء، أعني دخول الضياء على البسيطة فأقوى الأقوال أن الأفضل إيقاعها في أول الوقت، وأما دليل الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه: (أسفروا بالفجر). فللعلماء في هذا الحديث أوجه، فمنهم من قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)، التبيُّن والتثبت حتى يكون الإنسان موقعاً الصلاة في وقتها؛ لأن الفجر مشكلته أنه يعترض خاصةً في الأزمنة الماضية لم تكن فيها الساعات موجودة، وكان الناس يجدون مشقةً وعناء، خاصةً في الليالي البيض، فإن الليالي البيض يكون -كما هو معلوم- القمر فيها شديد الضياء، ولذلك يلتبس ضياء السماء مع ضياء الفجر، وتجد الناس ربما صلوا الفجر ثلاث مرات، أو أربع، يظنون أن الصبح قد طلع، والواقع أنه لم يطلع، قالوا: فقصَد النبي صلى الله عليه وسلم التبين والتحري. وقال بعض العلماء -والنفس تطمئن إليه-: إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم بالإسفار بالفجر أن تبتدئ بها بغلس وتطيل القراءة فيها، حتى إذا سلَّمت أصبت الإسفار، وهذا في الحقيقة هو الأقوى لأمرين: الأمر الأول: أن فيه معنىً يؤكد زيادة الأجر، ووجه ذلك أنك إذا أطلت القراءة، فإنه يوجد موجب للحكم بزيادة الأجر. الأمر الثاني: تأكد هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان يقرأُ فيها من الستين إلى المائة آية -صلوات الله وسلامه عليه-، مع ما فيه من الترتيل والتحبير في قراءته صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان يُوقِع الصلاة في غَلَس، ويخرج منها حين يتبين الرجل جليسه، فلا شك أن هذا نوعٌ من الإسفار، فقُصِد من الإسفار أن الإنسان يطيل القراءة، بشرط ألا يشق على من وراءه، فهذا هو أعدل الأقوال، فالحديث لا يعارض الأصل، ونضيف إلى ذلك أن المعهود في الشريعة أن مواقيت الصلاة الأفضل فيها الإيقاع في أول الوقت، كما جاء في حديث ابن مسعود: أنه لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحب الأعمال إلى الله، قال: (الصلاة على وقتها)، وفي رواية ابن حبان وغيره: (على أول وقتها)، ولذلك يقوى القول بأن المراد من قوله عليه الصلاة والسلام: (أسفروا بالفجر) التعجيل، وليس المراد به تأخر وقت الصبح إلى الإسفار.
باب شروط الصلاة [2]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [2] من شروط الصلاة: دخول الوقت، ومن المسائل المتعلقة بهذا الشرط: كيفية إدراك الصلاة في وقتها، وحكم أداء الصلاة قبل دخول الوقت، وما هو المعتبر في دخول الوقت، وحكم إذا أدرك المكلف وقت الصلاة ثم زال تكليفه ثم كلف وغيرها من المسائل.
كيفية إدراك الصلاة في وقتها
كيفية إدراك الصلاة في وقتها قال المصنف رحمه الله: [وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها] كأن المصنف يقول: إن المكلف إذا علم أوقات الصلاة، فعلمتَ وقت الفجر، ووقت الظهر، ووقت العصر والمغرب والعشاء، فحينئذٍ ينبغي أن تعلم أنك إن أوقعت الصلاة في هذه المواقيت التي وقَّتها الشرع وحددها لهذه الصلوات فإن صلاتك معتبرةٌ مجزئه. واصطلح العلماء رحمهم الله على أنك إذا أوقعت الصلاة في وقتها أنها صلاةٌ مؤدّاة، بمعنى أنها قد أُدِّيت في الوقت المعتبر، ثم إذا علمت أن الصلاة ينتهي وقتها بذهاب ذلك الزمن المحدد الذي سبقت الإشارة إليه فاعلم أنك إن خرجت عن هذا الوقت أنك قاضٍ ولست بمؤدٍ، ولو كنت معذوراً. فلو أن إنساناً نام عن صلاة الصبح حتى طلُعت الشمس فإنه بالإجماع إذا أراد أن يصلي عليه أن ينوي القضاء ولا ينوي الأداء؛ لأن الوقت الذي يُوقِع الصلاة فيه -بعد طلوع الشمس مثلاً- إنما هو وقت قضاءٍ وليس بوقت أداء. فثبت عندنا أن للصلاة وقتاً، وأنك إن أوقعت الصلاة خارج الوقت تكون قاضياً، وإن أوقعتها داخل الوقت تكون مؤدياً. لكن لو أن إنساناً أوقع جزءاً من الصلاة في الوقت المعتبر، وجزءاً منها في الوقت الخارج عن ذلك الوقت المحدد، فهل يوصف الكل بالقضاء؟ أو يوصف الكل بالأداء؟ أو يوصف بحسب الأَجزاء؟ فهذا يتردد من جهة النظر. و A قال رحمه الله: (وتدرك الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها)، فقوله: (وتدرك الصلاة) أي: أداؤك لها (بتكبيرة الإحرام في وقتها) هذا أحد أقوال العلماء، وهو أن من كبر تكبيرة الإحرام قبل أن ينتهي وقت الصلاة فإنه مؤدٍ لها لا قاضٍ. مثال ذلك: لو أن إنساناً كبر تكبيرة الإحرام قبل أن تغرب الشمس، فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة العصر لا قاضياً لها، ولو أنه كبر تكبيرة الإحرام قبل أن يغيب الشفق الأحمر فإنه يعتبر مؤدياً لصلاة المغرب لا قاضياً لها، وقس على هذا. فالعبرة في إدراك الصلوات الخمس على هذا القول إدراك تكبيرة الإحرام قبل انتهاء الأمد والزمان. وذهب طائفةٌ من العلماء وهو مذهب الجمهور إلى أن إدراك الصلاة إنما يكون بالركعة الواحدة فأكثر، فإن ركعت قبل أن يخرج وقت الفريضة فأنت مؤدٍ ولست بقاضٍ. مثال ذلك: لو أن إنساناً كبَّر لصلاة العصر، ثم قرأ، ثم ركع ووقع تكبيره للركوع قبل أن تغرب الشمس، فلما ركع ورفع من ركوعه غابت الشمس، أو لما ركع وقبل أن يرفع من الركوع غابت الشمس، فكل ذلك يُوصَف فيه بكونه مؤدياً للصلاة مدركاً لها، وهذا أصح القولين، فالعبرة في إدراك الفرائض إنما هو بالركعة الكاملة، فمن أدرك وقتاً يستطيع في مثله أن يؤدي ركعةً من الصلاة يُعتبر مؤدياً لها، لا قاضياً لها. ودليله ما ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر). ووجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم علّق إدراك الصلاتين -أعني الفجر والعصر- على كونه أوقع الركعة قبل أن ينتهي أمد الصلاة المعتبر. فإذاً أصح الأقوال أن العبرة بإدراك الركوع؛ لأن الركعة تدرك بالركوع، وهذا القول لا شك أنه أعدل لدلالة السنة عليه. ويتفرَّع على هذا فوائد: فلو قلت: إن العبرة بتكبيرة الإحرام، فلو أن المرأة أدركت لحظة في مثلها يمكن أن تكبر تكبيرة الإحرام، فطهُرت من حيضها، أو طهُرت من نفاسها وجب عليها قضاء العصر. وعلى القول الثاني: إن كانت قد أدركت هذا القدر الذي لا يمكن إدراك الركعة فيه فإنه لا يجب عليها قضاء صلاة العصر. فبناءً على هذا تنظر إلى قدر الزمان، فتكبيرة الإحرام لا تأخذ وقتاً كبيراً، فمن أدرك هذه اللحظات -عند أصحاب القول الأول- يجب عليه قضاء الصلاة، فلو أن مجنوناً أفاق من جنونه قبل أن تطلُع الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام، نقول: يلزمك أن تقضي صلاة الفجر، ولو أن حائضاً أو نفساء طهُرت نقول: يلزمكِ قضاء هذه الصلاة؛ لأنها قد طهرت في أمدٍ يمكنها أن تكبر فيه تكبيرة الإحرام، والصلاة مدركة بهذا الأمر. أما لو قلتَ: العبرة بالركعة فقَدِّر للركعة زماناً، فلو قلنا إن الركعة أقل ما يجزئ فيها أن يقرأ الفاتحة، ثم يركع، فيمكنه ذلك في حدود الدقيقتين أو ثلاث دقائق، فحينئذٍ تقول: هذا الأمد -أعني الثلاث الدقائق- إذا أدركه الإنسان قبل غروب الشمس، أو قبل طلوع الشمس فإني أحكُم بكونه مدركاً للفريضة على التفصيل الذي ذكرناه، ولكن لو أدرك دقيقةً فإنه على هذا القول لا يجب عليه القضاء، ولو أوقع الصلاة فيها فإنه قاضٍ وليس بمؤدٍ.
حكم أداء الصلاة قبل دخول الوقت
حكم أداء الصلاة قبل دخول الوقت قال رحمه الله: [ولا يصلي قبل غلبة ظنه بدخول وقتها] بعد أن بين لك رحمه الله أن للصلاة بدايةً، وللصلاة نهاية شرع في بيان الأحكام المترتبة على البداية والنهاية، فبيَّن لك أحكام النهاية، وشرع الآن في بيان أحكام البداية. فإذا علمت هذه المواقيت فإن أحكام بدايتها أنه لا يجوز للمكلف أن يُوقِع أي صلاةٍ قبل وقتها، إلا ما استثناه الشرع، كجمع التقديم في صلاة العصر مع الظهر، وجمع التقديم في صلاة العشاء مع المغرب، فإنك إذا نظرت إلى إيقاع صلاة العصر فقد وقعت في جمع التقديم قبل وقتها، وكذلك أيضاً إذا نظرت في صورة الجمع إلى صلاة العشاء مع المغرب فإنها قد وقعت صلاة العشاء قبل وقتها، لكن باستثناءٍ من الشرع، وبأصلٍ ودليلٍ دل على ذلك، وأنه لا حرج على المكلف في فعله. أما لو أن إنساناً ليس عنده عذر الجمع، فجاء فجمع أو أوقع الصلاة قبل وقتها لم تصح صلاته، مثال ذلك: لو أن إنساناً توضأ لصلاة الظهر، ثم صلى الظهر قبل أن تزول الشمس، فإنه بالإجماع تبطل صلاته ولا تصح منه ويُلزَم بالقضاء؛ لأن الله عز وجل أمره بالصلاة بعد زوال الشمس، فحدد الأمر بها، ووقَّت الزمان للإلزام بها بزوال الشمس، فالصلاة إذا أوقعها قبل زوال الشمس فهي صلاةٌ غير الصلاة التي أمره الله بها. فإذا زالت الشمس، فبعد انتهائه من الصلاة توجه عليه خطابٌ جديد يطالبه بفعل الصلاة؛ لأنه أثناء فعله لم يكن هناك خطابٌ شرعي بالفعل. ولذلك يقول العلماء: من أوقع الصلاة قبل وقتها غير معذور فإنه تلزمه إعادة تلك الصلاة، وصلاته السابقة صلاة نفل، سواءٌ أكان ذلك على سبيل الخطأ منه، أم كان على سبيل التعمد والعلم. فقوله: (ولا يصلي قبل غلبة ظنه)، فيه: أولاً: لا تجوز الصلاة قبل وقتها، وبيّنا هذا ودليله. ثانياً: يستفاد من هذه العبارة أنه إذا غلب على ظنك أن وقت الصلاة قد دخل جاز لك أن تصلي، فمن باب أولى إذا تيقَّنْتَ، وقد تقدَّم معنا أن مراتب العلم تنقسم إلى أربع مراتب: الوهم، والشك، والظن أو ما يُعبِّر عنه العلماء بغالب الظن، واليقين. فالمرتبة الأولى: الوهم، وهو أقل العلم وأضعفه، وتقديره من (1%) إلى (49%)، فما كان على هذه الأعداد يعتبر وهماً. والمرتبة الثانية: الشك، وتكون (50%)، فبعد الوهم الشك، فالوهم لا يُكلَّف به، أي: ما يرد بالظنون الفاسدة، وقد قرَّر ذلك الإمام العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه النفيس: قواعد الأحكام، فقال: إن الشريعة لا تعتبر الظنون الفاسدة. والمراد بالظنون الفاسدة: الضعيفة المرجوحة؛ لأن وجودها وعدمها على حدٍ سواء، ثم بعد ذلك الشك، وهو أن يستوي عندك الأمران، فأنت لا تدري أهو موجود أو غير موجود؟ تقول: يحتمل أن يكون موجوداً، ويحتمل أن يكون غير موجود، وكلا الاحتمالين على مرتبة واحدة، فهذا تسميه شكاً. والمرتبة الثالثة: غالب الظن، أو الظن الراجح، وهذا يكون من (51%) إلى (99%)، بمعنى أن عندك احتمالين أحدهما أقوى من الآخر، فحينئذٍ تقول: أغلب ظني. فإذا كان غالب ظنك أن الوقت قد دخل فإنه يجوز لك أن تصلي الصلاة وتفعلها. والمرتبة الرابعة: اليقين، وتكون (100%)، كأن تتيقن أن الشمس زالت، وتعرف زوالها بالأمارة، أو ترى الشمس قد غابت، وتعرف مغيبها بالأمارة، فإذا رأيت الشمس غابت أمام عينيك، فأنت قد جزمت، وهنا تفعل الصلاة لوجود هذا اليقين. لكن لو أن إنساناً قدَّر مغيبها، ومن عادته أن ما بين العصر والمغرب يفعل فيه أشياء، وبمجرد أن ينتهي من هذه الأشياء ينتهي الوقت، وكانت والسماء مغيمة لا يستطيع أن يرى مغيب الشمس فيها، أو يكون في مكان لا يرى فيه الشمس، لكن يعلم أن مثل هذا القدر من الزمان الذي من عادته أن يجلسه أن الشمس تغيب في مثله، فهذا ظن غالب، لا قطع. وكذلك لو جلس من طلوع الشمس إلى زوالها، كرجل كفيف البصر من عادته أن يجلس ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، يصلي ما شاء الله له، ويقرأ من القرآن ما كتب الله له، ومن كثرة الإلف والعادة يعلم أنه إذا بلغ إلى القدر المعين أن الشمس تزول، وأن وقت الظهر يدخل، فهذا غالب ظنٍ معتبر. فهذه دلائل بالنسبة لشخص الإنسان، أو دلائل بالأمارات والعلامات يغلب بها ظن الإنسان أن وقت الصلاة قد دخل، فإذا حصَّل الإنسان غلبة الظن، أو حصَّل اليقين فحينئذٍ يتعبدُ الله ويصلي. أما لو كان الظن وهماً، أو كان شكاً، فإن الأصل عدم الصلاة. والدليل على أنه في غالب ظنه يصلي أن الشرع علَّق الأحكام على غلبة الظن، وقد قرر ذلك العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك قالوا في القاعدة: (الغالب كالمحقق). أي: الشيء إذا غلب على ظنك، ووجِدت دلائله وأماراته التي لا تصل إلى القطع، لكنها ترفع الظنون، فإنه كأنك قد قطعت به، وقالوا في القاعدة: (النادر لا حكم له). فالحكم للغالب، فالشيء الغالب الذي يكون في الظنون أو غيرها مع الذي به يناط الحكم. وبناءً على هذا إذا غلب على ظنك أن الوقت قد دخل أو تحقق فصلِّ، لكن لو أن إنساناً قال: أنا أشك أن الشمس قد غابت، فاحتمال مغيبها واحتمال بقائها عندي بمرتبةٍ واحدة، أو قال: أتوهَّم أن الشمس قد غابت. فإنه لا يُصلي المغرب؛ لأن اليقين أن العصر باقٍ، واليقين أن النهار باقٍ، والقاعدة في الشريعة أن اليقين لا يزول بالشك، ولذلك تبقى على اليقين، والقاعدة المفرعة على القاعدة التي ذكرناها تقول: (الأصل بقاء ما كان على ما كان). فما دمت في النهار فالأصل أنك في النهار حتى تتحقق من مغيب الشمس، وما دمت أنك في المغرب ولم تتحقق من مغيب الشفق فالأصل أنك في المغرب حتى تتحقق من مغيب الشفق، فهذا بالنسبة إذا شككت واستوى عندك الاحتمالان. ولذلك قال العلماء: من شك هل طلع الفجر أو لم يطلع جاز له أن يأكل ويشرب إذا كان في الصيام. فلو أن إنساناً استيقظ من نومه، ولم يستطع أن يتبين هل طلع الفجر أو لم يطلع، فالأصل واليقين أنه في الليل، ونقول: كُل وأنت معذورٌ في أكلك، لكن لو كان مستطيعاً أن يتحرى وجب عليه التحري، للقاعدة: (القدرة على اليقين تمنع من الشك). ولا يجوز للإنسان أن يجتهد ما دام أنه بإمكانه أن يصل إلى اليقين. فهذا بالنسبة لحكم الوقت ابتداءً. فالإنسان له أربعة أحوال: إما أن يتوهم دخول الوقت، أو يشك، أو يغلب على ظنه، أو يستيقن. فإن توهم دخول الوقت أو شك لم يصلِّ، وإن غلب على ظنه أو قطع فإنه يصلي، وصلاته مجزِئة معتبرة.
المعتبر في دخول الوقت
المعتبر في دخول الوقت قال رحمه الله تعالى: [بدخول وقتها إما باجتهادٍ، أو خبر ثقةٍ متيقن] اعتبار الإنسان بدخول الوقت وقد يكون باجتهاد؛ لأن غالب الظن ينبني على الاجتهاد، وغالب الظن يكون مبنياً على الإخبار؛ لأنه ربما كذب المخبر، لكنه رحمه الله عبر بغالب الظن، وإلا فيمكن في بعض الأحوال أن تستيقن، كما لو رأيت الشمس غابت، فحينئذٍ أنت على يقين، فاختار المصنف رحمه الله حالة غلبة الظن لكي نعلم أن اليقين من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا حكم لك أنه في غلبة الظن تصلي فتعلم بداهةً أنه لا حاجة أن يقول لك: أو استيقنت؛ لأنه إذا غلب على ظنه فمن باب أولى إذا استيقن. فغالب الظن إما أن يكون باجتهاد أو بخبر ثقةٍ متيقِّنٍ، أو بالعلامات أو الأمارات أو الدلائل التي يتحرى الإنسان بها زوال الشمس، ويتحرى بها صيرورة ظل كل شيءٍ مثله أو مثليه، ومغيب الشمس، وكذلك أيضاً مغيب الشفق وانتصاف الليل وطلوع الفجر. فإنسانٌ يعلم دلائل الفجر الصادق من الفجر الكاذب ويستطيع أن يتحرى ويجتهد، فيعرف أن هذا الوقت هو وقت الفجر الصادق، نقول له: اجتهد، فإن غلب على ظنك أن الفجر قد طلع فصلِّ وصلاتك معتبرة. وحينئذٍ لا يخلو من أحوال: فإما أن يجتهد ويتبيَّن له صدق اجتهاده، فصلاته معتبرةٌ إجماعاً. وإما أن يجتهد ويتبيَّن له خطؤ اجتهاده، كأن يظن أن الفجر قد طلع، ثم تبيَّن أن الفجر لم يطلع، فحينئذٍ لا عبرة بالظن فالقاعدة: (لا عبرة بالظن البين خطؤه)، أي: لا عبرة بالظن الذي بان واتضح خطؤه، وبناءً على ذلك يطالب بإعادة الصلاة؛ لأن ظنه في غير موضعه، وقد توصَّل باليقين إلى خطئه فيلزمه أن يعيد. وإما ألا يتبين له هل صدق اجتهاده فأصاب الوقت، أو أن اجتهاده على خطأ، فحينئذٍ نقول: تعبَّدك الله بغلبة الظن، ولا عبرة بما وراء ذلك. والدليل على أن غالب الظن في مثل هذا يجزئ ويكفي تعبُّد الشريعة بغلبة الظن، بل إنها تحكم بسفك الدماء في حكم القاضي بالقتل بناءً على شهادة شاهدين، فإن شهد شاهدان أن فلاناً قتل فلاناً، فبالإجماع أنه يُقتص من القاتل؛ لأنه قتله عمداً وعدواناً، مع أنه يحتمل أن الشاهدين زورا أو أخطأا، ومع هذا فالغالب أنهما لم يخطئا، والغالب أنهما صادقان؛ لأننا لا نقبل شهادة إلا من الثقة العدل، فلما كان الشاهدان على ثقةٍ وعدالة حكمت الشريعة بغلبة الظن. ويُحكم به في الفروج، فتقول: فلانة امرأة فلان، ويحكم القاضي بذلك بناءً على شاهدين عدلين. وهكذا بالنسبة للأحكام الشرعية، حينما تأتي للمجتهد وتسأله عن مسألة اجتهادية فيُفتيك، فإنه يفتيك على غالب ظنه، وليس على يقينٍ وقطع إلا فيما دلَّت عليه النصوص القطعية، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر). فاجتهاد القاضي على غلبة ظن، كما قال العلماء، وبناءً على هذا فهمنا أن الشريعة تنيط الأحكام على غلبة الظن، فإذا اجتهد الإنسان وغلب على ظنه أن الوقت قد دخل، ثم لم يتبين له خطأُ الاجتهاد، فاجتهاده معتبر، وعبادته مجزِئةٌ صحيحة. وقوله: [أو خبر ثقةٍ متيقِّن] أي: من غلبة الظن أن يخبرك ثقة، فخرج خبر الفاسق، فإن الفاسق أمرنا الله بالتبيُّن من خبره، كما قال سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]، وفي قراءة: (فتثبتوا)، ولذلك أمر الله عز وجل في مثل هذا الخبر ألا نحكم به، ولكن نتبيَّن، فدلّ على أن خبره لا يُعتد به، إذ لو كان خبر الفاسق مُعتداً به لوجب الحكم به مباشرة، لكن كون الله عز وجل يأمرنا بالتثبت والأخذ من غيره والتبيُّن من صحته دَلّ على أن مثله لا يُعوَّل عليه، ولذلك قال تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق:2]، وقال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ} [البقرة:282] ثم قال بعد ذلك: {مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} [البقرة:282]. فلو أخبرك من لا يُرضَى دينه، ولا يُرضَى خلقه، فليس خبره بمعتدٍ به. قال العلماء: لأن الفاسق كما أنه اعتدى حدود الله بفسقه، فلا يُؤمَن أن يعتدي حدود الله فيكذب عليك ويقول: دخل الوقت، وهذا موجود، فإن بعض الفُسَّاق -والعياذ بالله- عنده استهتار بالدين، فلربما أراد أن يخدع المطيع عن ربه، فقال: دخل الوقت، ثم تركه يصلي، وكل ذلك إما قصداً للسخرية والاستهزاء، وإما تهكماً واستهتاراً واستخفافاً -والعياذ بالله- بحدود الله. فمثله لا يوثق بخبره، فلا بد أن يكون ثقة، وبعد ذلك أن يكون متيقناً. والثقة على حالتين: إما أن يكون مجتهداً، أو يكون متيقناً، فإن كان الثقة متيقناً فلا إشكال، فلو قال لك: رأيت الشمس قد غابت بعيني فحينئذٍ تصلي صلاة المغرب بلا إشكال؛ لأن خبر الواحد في الديانات مقبول، وأما لو قال لك اجتهاداً: يغلب على ظنِّي أن الفجر قد طلع، فإن من أماراته كذا وكذا، وذكر لك الأمارات؛ أو: يغلب على ظني أن النهار قد انتصف، وزالت الشمس؛ لأن الأمارة كذا وكذا. فحينئذٍ لا ينفك المُخبَر عن حالتين: فإما أن تكون مجتهداً مثله، فهذا هو الذي عناه المصنف رحمه الله بمفهوم الوصف، فإن لم يتبيَّن لك الصبح، وجاءك وقال لك: قد تبين الصبح. فهل تترك الاجتهاد وتقلد؟ أو تبقى على الأصل ما دام عندك الآلة والملكة؟ قال بعض العلماء: المجتهد لا يقلِّد، ويجب عليه أن يبقى حتى يتأكد أن الصبح قد طلع. وقال بعض العلماء: المجتهد إذا تعذَّرت عليه الآلة في نفسه وجب عليه أن يعمل بقول غيره؛ لأنه ترفَّع عن مستوى من يقلد بمكان الاجتهاد، فإذا أصبح الاجتهاد فيه متعذراً أو ممتنعاً انتقل إلى حال الأمي وحال المقلِّد، فنلزمه بالعمل بخبر هذا المجتهد. والقول الأول من القوة بمكان، وهو أن المجتهد إذا تعذرت عنده الآلة، ولم يستطع أن يتحرى، فإنه يَقْوَى أن يميل إلى قول غيره، ولكن الاحتياط والأفضل أن يُعمَل بما درج عليه المصنف رحمه الله. والعامِّي الذي لا يعرف الأوقات، ولا يعرف الدلائل لو جاءه إنسانٌ مجتهد يعرف الأوقات بدلائلها وهو ثقة، فلا يَدْخُل فيما سبق، فالعامي يلزمه أن يقلد من عنده علمٌ وبصيرة قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]، فإذا أخبره ثقة أنه باجتهاده قد تبيَّن له أن الصبح قد طلع وجب عليه أن يعمل بقوله؛ لأنه لا آلة عنده، وهو تبعٌ لغيره، فيستوي حينئذٍ أن يكون مخبِرُه على غالب ظنه، أو على يقين. فالحاصل أن الشخص المجتهد لا يَحكُم بدخول الوقت إلا باجتهادٍ منه أو مخبر متيقِّن، أما لو أخبره بغالب الظن ففيه خلاف، وقلنا: الأحوط أن لا يعمل، وهذا على ما درج عليه المصنف. وأما إذا كان الإنسان عامياً أو غير مجتهد فحينئذٍ يعمل بقول من تيقَّن، وبقول من اجتهد ولو كان بغالب ظنه.
حكم من صلى قبل الوقت باجتهاده فأخطأ
حكم من صلى قبل الوقت باجتهاده فأخطأ قال رحمه الله تعالى: [فإن أحرم باجتهادٍ فبان قبله فنفلٌ وإلا ففرض] هذه مسألة من اجتهد وتبيَّن له الخطأ، فلو أنه أحرم بالصلاة على أن الوقت قد دخل، فظن أن المغرب قد وجب، وأن الشمس قد غابت فصلَّى، ثم في أثناء الصلاة أو بعد انتهاء الصلاة إذا بالشمس قد طلعت، فإن طلعت بعد انتهاء الصلاة فحينئذٍ لا إشكال أن الصلاة لا تُعتد فريضةً، أي: لا تقع فريضة، ويبطل الحكم بكونها فريضة والاعتداد بها، ويُلزم بفعل الفريضة بعد المغيب، ولكن تقع صلاته تلك نفلاً؛ لأنه إذا تعذَّرت نية الفرض انقلبت إلى النفل؛ لأنها عبادة، والله يقول: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143]. ولذلك أخبر الله أنه لا يضيع الإيمان، وبالإجماع على أن المراد بقول الله: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} [البقرة:143]، الصلاة؛ لأنهم كانوا يصلون إلى بيت المقدس، فقالوا: إخواننا قد ماتوا وقد صلوا إلى بيت المقدس، فأنزل الله عز وجل النفي الذي يدل على أنه ما كان ليضيع إيمانهم أي صلاتهم، فسمَّى الصلاة إيماناً. قالوا: إن الله عز وجل وعد بأنه لا يُضِيع صلاة المصلي، فإذا تعذر إيقاعها فريضةً وانقلبت إلى نافلة، بما دل عليه دليل الكتاب. وقال تعالى: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30]، والمصلي محسن ومطيعٌ لله عز وجل، وقد يقول قائل: ما الدليل على أن الفرائض تنقلب نوافل والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنما الأعمال بالنيات)؟ فيقال له: الدليل على ذلك أنَّك لو حكمت، فإما أن تحكم ببطلان الصلاة، أو انقلابها نفلاً، فإن قلتَ: أحكُم بانقلابها نفلاً صح ذلك مع دليل الكتاب؛ لأنه ينبني عليه أن صلاته معتد بها، فإنه قصد القربة وقصد الطاعة والإخلاص لله عز وجل، وأوقَع الصلاة بصفاتها الشرعية، فلا وجه للإبطال، والله عز وجل لا يضيع عمل العامل، وهذا عمل، ولذلك نستثنيه من قوله صلى الله عليه وسلم: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فنقول: إذا تعذر الفرض انقلب إلى كونه نفلاً من هذا الوجه.
حكم المكلف إذا أدرك وقت الصلاة
حكم المكلف إذا أدرك وقت الصلاة قال المصنف رحمه الله: [وإن أدرك مكلفٌ من وقتها قدر التحريمه، ثم زال تكليفه أو حاضت، ثم كلف وطهرت قضوها] هذا مما ينبني على معرفة آخر الوقت. وتستفيد منه أنك إن قلت: العبرة بتكبيرة الإحرام فإن المجنون إذا أفاق قبل مغيب الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه أن يقضي العصر، ولو أفاق قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه قضاء الفجر. كذلك أيضاً لو أن صبياً احتلم، فبلغ قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة الإحرام يلزمه فعلُ الصبح، وكذلك أيضاً لو أنه احتلم قبل غروب الشمس فإنه يُحكم بكونه مطالباً بصلاة العصر، وهذا إذا قُلنا: إنه يعتد بتكبيرة الإحرام. أما الراجح والصحيح -وهو مذهب الجمهور- أنه يُعتد بالركعة كاملة، فإذا أدرك الركوع قبل أن تغيب الشمس، أو قبل أن تطلع الشمس حُكِم بإدراكه لوقت الصلاة، وإلا فلا. وقوله: [أو حاضت، ثم كلف وطهرت قضوها]. أي: أو حاضت المرأة، فيلزمها القضاء. قال رحمه الله تعالى: [ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته]. قوله: [من صار أهلاً] يعني: من أهل التكليف بالصلاة، إذا صار أهلاً قبل أن يخرج الوقت [لزمته] أي: يلزمه أن يفعل هذه الصلاة، إذا كان قبل الخروج بقدر تكبيرة الإحرام. قوله: [وما يجمع إليها قبلها]. الكلام متصل بما بعده، أي [لزمته الصلاة]، ولزمه [ما يُجمع قبلها]، وهذا يتأتى في أربع صلوات: الظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء. فإن قال قائل: قد علمتُ أن من أَدرك من آخر الوقت قدر الركعة أنه يُعتبر مدرِكاً للصلاة، لكن لو أن إنساناً أدرك قبل نهاية الوقت في الصلاة التي تُجمع مع ما قبلها بقدر فعل الأخيرة والأولى، أو قدر فعل الأخيرة وركعة من الأولى، فهل يُلزَم بفعل الصلاتين؟ أو يلزم بفعل صلاةٍ واحدة؟ و A لو أن مجنوناً أفاق، أو صبياً احتلم قبل غروب الشمس بقدر خمس ركعات، فالأربع للعصر والخامسة للظهر، فحينئذٍ إن قلتَ: إن وقت الظهر والعصر للضرورات وأهل الأعذار فيُعتبر بمثابة الوقت الواحد، وهو قضاء الصحابة ومفهوم الشرع، وأدلة الشرع تدل عليه من جهة المفاهيم، فإننا نقول: يَلزمه فعل الصلاتين. وهذا هو الصحيح، وأقوى قولي العلماء، فمن أدرك قبل غروب الشمس الصلاة الأخيرة وقدر ركعة من الصلاة التي قبلها يَلزَمه فعل الصلاتين، فيلزمه فعل الظهر والعصر إن أدرك قدر خمس ركعات قبل مغيب الشمس، ويلزمه فعل المغرب والعشاء إن أدرك قبل نصفِ الليل، أو قبل طلوع الفجر -على القولين في آخر وقت العشاء- قدر خمس ركعات. وإن كان مسافراً تقول: إن أدرك ثلاث ركعات؛ لأنه يقصرُ الصلاة، فركعتان للأخيرة وركعة للأولى. وهذا كما قلنا تدل عليه أدلة الشرع، فالصلاتان بمثابة الصلاة الواحدة لأهل الأعذار، فيُلزم بفعلهما معاً، سواءٌ أكان ذلك في الظهر مع العصر، أم المغرب مع العشاء.
باب شروط الصلاة [3]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [3] من فاتته صلاة أو صلوات فلم يدرك وقتها وجب عليه قضاؤها مرتبة، إلا إن نسي فيسقط عنه الترتيب، أو إذا خشي خروج وقت الصلاة الحاضرة، فيصليها ثم يقضي الفائت بعدها.
أحكام وأقوال العلماء في قضاء الفوائت
أحكام وأقوال العلماء في قضاء الفوائت بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتباً]. قوله: [يجب فوراً]: بمعنى أن تُبادر مباشرةً. وقوله: (قضاء الفوائت) معناه أنه قد خرج الوقت، فإذا خرج وقت الصلاة لمعذورٍ ثم زال عذره، كأن يكون نائماً فأفاق بعد طلوع الشمس يجب عليه فوراً أن يصلي الصبح، وهذه المسألة للعلماء فيها قولان: فقالت طائفةٌ من العلماء: إذا استيقظ الإنسان من نومه بعد خروج وقت الصبح، أو خروج وقت أي فريضةٍ، أو زال عذره، فإنه يجب عليه أن يبادر مباشرةً إلى فعل الفريضة، وإذا أخَّر وهو غير معذورٍ، كأن يكون استيقظ الساعة التاسعة صباحاً، وقد خرج وقت الفجر، فيلزمه مباشرةً أن يتوضأ، وأن يصلي الفجر. فلو جلس إلى العاشرة بدون عذرٍ، قالوا: يأثم، وهذا مذهب من يقول: إن القضاء على الفور لا على التراخي، ولا يجوز له أن يتراخى إلا من عذر، وهو قول الجمهور. وقال بعض العلماء: إنه إذا استيقظ الإنسان من نومه، أو كان معذوراً وزال عذره بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء فوراً، وإنما يصلي ما لم يدخل وقت الثانية، وهذا يتأتَّى في الصبح، فإنك إذا نظرت إلى الوقت فما بين طلوع الشمس وما بين زوال الشمس وقتٌ متسع، فعندما نقول: يلزمه الفور، أي: حين يستيقظ، ولكنه ينوي القضاء. وأما بالنسبة للقول الثاني فمن حقه أن يؤخِّر ما لم تَزُل الشمس، وهذا القول الثاني أحد الوجهين عند الشافعية رحمة الله عليهم، ودليله حديث حذيفة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم عرَّس -أي: سار إلى آخر الليل- قال: فوقعنا وقعةً ما ألذ منها على المسافر، فقال صلى الله عليه وسلم: يا بلال اكلأ لنا الليل)، ومراده أنهم من شدة التعب والإعياء وقعوا -بمعنى ناموا- وقعةً ما ألذ منها على المسافر، أي: شعرنا بلذة النوم لمشقة السفر وعناء السهر، قال: فقام صلى الله عليه وسلم: (يا بلال اكلأ لنا الليل)، قال: فقام بلال فلم يشعر الصحابة، ثم طلعت الشمس، ثم استيقظ عمر رضي الله عنه -كما في الرواية- وجعل يكبِّر، وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم استيقظ من حر الشمس صلوات الله وسلامه عليه -والتعبير بالحر يدل على أن الشمس قد ارتفعت- فلما استيقظ قال: (يا بلال ما شأنك؟ فقال رضي الله عنه: (أخذ بعيني الذي أخذ بعينك يا رسول الله) أي: ما أنا إلا بشر ضعيف، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان أتى بلالاً حتى نام)، أي: ما زال يهدئه، ويقول له: الصبح باق، حتى نام رضي الله عنه وأرضاه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ليأخذ كل رجل برأس راحلته، فإنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، أي: ارتحلوا فأمرهم أن يرتحلوا عن الوادي الذي ناموا فيه، وقال: (إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، ثم لما ارتحلوا حتى قطعوه أمر بلالاً فأذن، ثم توضأ فصلى رغيبة الفجر ثم صلى الفجر. ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلِّ مباشرة، فما بين قيامهم من النوم وصلاتهم أمد الارتحال، ومعلوم أن الجيش إذا ارتحل يأخذ وقتاً، فإذا شدوا رِحالهم، ووضعوا الرَّحل، فهذا يحتاج إلى عناء ووقت، فليس هو باليسير، خاصة أنه كان هذا في غزاته الأخيرة عليه الصلاة والسلام في العسرة، فإن هذا يحتاج إلى وقت وعناء، وبناءً على ذلك معناه أنهم قد أخذوا وقتاً ليس باليسير. وبناءً عليه فكون النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر إلى هذا الوقت الذي هو ليس باليسير يدل على أنه يجوز أن يؤخِّر الإنسان، ولا حرج عليه ما لم يدخل وقت الظهر. والذين قالوا بأنه لا يجوز التأخير، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أخَّر وقتاً يسيراً، والحقيقة أنَّ النفس تميل إلى أن قول من قال: إنه يجوز له التأخير أقوى؛ لأن التعليل بكونه منزل حضره الشيطان لا يدل على بطلان الصلاة فيه، بل العجيب أن بعض العلماء يقول: إنه مكانٌ كمَعَاطِن الإبل التي نُهِي عن الصلاة فيها، وقال: (حضرنا فيه الشيطان)، وهذا محل نظر؛ لأن هناك فرقاً بين قوله: (منزل شيطانِ)، و (منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، فإن قوله: (حضرنا فيه الشيطان) أي تسلط على بلال فنام حتى ذهب الصبح، وليس المراد أنه منزلٌ فيه الشياطين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حضرنا فيه الشيطان)، والكلمات دلائلها معتبرة في أخذ معانيها وما يُستنبط منها، فكونه عليه الصلاة والسلام يقول: (حضرنا فيه الشيطان)، ويعدل إنما هو على سبيل الندب والاستحباب، لا على سبيل الحتم والإيجاب، كأنه كرِه هذا المنزل الذي حصل فيه التفويت للصلاة، وهذا من كمال طاعته لله عز وجل، وهذا شأن كمال الطاعة لا شأن الإلزام، ولذلك لو قلنا: إنه كمعاطن الإبل لقال العلماء من نام في غرفةٍ وفاتته صلاة الفجر يجب عليه ألا يصلي فيها، ولا قائل بهذا. فبناءً على ذلك لا وجه أن نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم امتنع لعذرٍ؛ لأن هذا ليس بعذر، وإنما هو من باب الكمال، وإذا كان من باب الكمال والفضيلة، فإن تأخيره -لو كان القضاء على الفور- لا يتأتى أن يَتْرك الفورية الواجبة لفضيلةٍ غير لازمة. فمن هنا صح أخذ وجه الدلالة على أنه يجوز للإنسان إذا استيقظ من نومه أن يؤخِّر، ولا حرج عليه، ولكن الأفضل والأكمل أن الإنسان يخرج من الخلاف، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بادر بفعل الصلاة، ولذلك نقول: الأفضل والأكمل أنه يبادر بالصلاة، حتى يخرج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم. وأما لو أخَّر الساعة والساعتين ما لم يدخل وقت الظهر فإنه لا حرج عليه لدلالة السنة على هذا.
حكم الترتيب بين الفرائض
حكم الترتيب بين الفرائض قال المصنف رحمه الله: [ويسقط الترتيب بنسيانه] أي: يجب على المكلف أن يرتِّب بين الصلوات، والدليل على ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] والمؤقت: المحدد، تقول: أَقَّت الشيء يُؤَقِّته تأقيتاً. إذا حدده زماناً أو مكاناً أو صفةً، فلا يصح أن تصلي الظهر ولم تصل الفجر، ولا يصح أن تصلي العصر ولم تصل الظهر، ومن أدلة الإلزام بالترتيب ما ثبت في الحديث الصحيح (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد أن غربت الشمس، ثم صلى المغرب). فكونه عليه الصلاة والسلام يراعي الترتيب مع أن الوقت وقت المغرب يدل على الإلزام، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولذلك يدل هذا على أن الإلزام مُعتَبر، ومن هنا أخذ العلماء أنه لا يصح لك أن تصلي العصر قبل الظهر، وهذا صحيحٌ من جهة النظر، فإن المكلف إذا وجبت عليه صلاة الظهر فقد تعلقت ذمته بخطاب الظهر، ولا يُخاطب بالعصر إلا بعد أن تفرغ ذمته بفعل الظهر، ولذلك أصبح مُلزَماً بالترتيب من هذا الوجه، فلا يصح أن يصلي العشاء قبل المغرب. وبناءً عليه فمن كان في سفر، ودخل إلى مسجدٍ والقوم يصلون العشاء، فإنه يدخل وراءهم وينويها نافلة، ثم إذا انتهوا أقام للمغرب فصلاها، ثم صلى العشاء، فهذا مذهب من يقول بالترتيب. لكن لو دخل وهم يصلون العصر، وكان قد أخر الظهر يريد أن يجمع، فلما دخل على الناس وجدهم يصلون العصر، فينوي وراءهم الظهر، ولا حرج عليه؛ لأن صورة الصلاتين متحدة، ولا اختلاف في الأفعال. أما في المغرب والعشاء فستختلف الأفعال والأركان، ولذلك لا يتأتى إيقاع إحدى الصلاتين تلو الأخرى، وبناءً على ذلك يُلزم بالترتيب على ظاهر دليل التأقيت في الكتاب والسنة. فلو أن إنساناً صلى صلاة العصر قبل الظهرلم تصح صلاته، فتكون صلاة العصر منه نافلة، فيُلزَم بإعادة الظهر وإيقاع العصر بعدها. لكن لو نسي فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: من صلى العصر ناسياً الظهر، ثم تذكر بعد صلاة العصر يقيم للظهر ويصلي، ولا حرج عليه لمكان النسيان، واختاره المصنف وجمعٌ من أهل العلم، واحتجوا بظاهر قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]. وقال جمعٌ من أهل العلم الذين يقولون بوجوب الترتيب: يلزمه أن يعيد الظهر ثم العصر، وذلك لأن المؤاخذة في قوله تعالى: (لا تُؤَاخِذْنَا) لا تُسقِط الضمان بالحق، ولذلك الناسي يسقط عنه الإثم، ويبقى الأصل بالمطالبة، إذ لو أخذنا بظاهر قوله تعالى: (لا تُؤَاخِذْنَا) على أنه يدل على إسقاط الترتيب لدلّ على إسقاط الصلاة كلها؛ لأنه قد نسيها. وبناءً على ذلك يلزم بفعل الصلاة مع أنه ناسٍ ويلزمه قضاء الصلاة، وحينئذٍ يلزمه أيضاً أن يوقعها مرتبة، كما استثنيتم من قوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) الصلاة نفسها، فبناءً على الدليل يلزمكم استثناء الترتيب بدليل الترتيب نفسه. فمن نسي الترتيب يُطالَب به، ويسقط عنه الإثم؛ لأن قوله تعالى: (لا تُؤَاخِذْنَا) رفعٌ للمؤاخذة، والمؤاخذة: الإثم، وليس المراد بها رفع المطالبة، إذ لو أخذ بقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا) على أن المراد به عدم المطالبة حتى بالترتيب، نقول أيضاً: لا يُطالَب بالصلاة؛ لأنه نص عام على عدم المؤاخذة، فكما أنه طولِب بحق الله بفعل الصلاة، فحينئذٍ يُطَالَب بحق الله في إيقاعها مرتبة، وهذا أعدل الأقوال وأقواها. فالاستدلال بقوله تعالى: (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا) وقوله عليه الصلاة والسلام: (رفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) مقيد بإسقاط الإثم دون إسقاط الضمان، ودليله واضح، ألا ترى الإنسان لو قتل إنساناً خطأً لوجب عليه الضمان لحق الله، فيُطَالب بالكفارة وهي عتق الرقبة، فإن لم يستطع صام شهرين متتابعين، مع أنه مخطئ، والله يقول: {لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، فدلّ على أن المؤاخذة المرفوعة في الآية مؤاخذة الإثم التي لا يفوت بها حق الله وحق المكلَّف. وهذا أعدل أقوال الأصوليين في هذه المسألة المشهورة وهي: هل المرفوع في قوله: (رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) الفعل والإثم، أو أحدهما وهو الإثم؟ فالمرفوع هو الإثم حتى يدل الدليل على رفع الاثنين معاً.
الترتيب بين الصلاتين في وقت لا يسع سوى الحاضرة
الترتيب بين الصلاتين في وقت لا يسع سوى الحاضرة قال المصنف رحمه الله: [وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة]. تقدم معنا أن من الفرائض ما له وقت اختيارٍ ووقت اضطرار، فلو أن إنساناً نام عن صلاته حتى استغرق نومه، فمرَّت عليه صلاة الظهر وصلاة العصر حتى بقي من وقت العصر قدر يسير ثم ينتهي وقت الاختيار، قالوا يبدأ بالعصر فيؤديها، ثم يقيم للظهر فيصليها. ووجه ذلك أنهم قالوا: إننا لو أمرناه بالترتيب لذهب وقت الاختيار للحاضرة، ولذلك نقول: سقط الترتيب تحصيلاً للصلاة الحاضرة، فيؤدي الصلاة الحاضرة في وقتها؛ لأنه إذا ازدحمت الفروض، فبعضهم يقول: يُراعَى صفة الفرض؛ إذ الحاضرة مزدحمة مع التي قبلها، فإذا قلت له: رتِّب الصلوات بناءً على الأصل الشرعي، فإن معنى ذلك أنه سيقضي الصلاتين، فتصبح صلاته للظهر موجبة لخروجه من وقت الاختيار إلى الاضطرار، فبناءً على ذلك قالوا: إنه يكون في حكم المفوِّت لوقت الاختيار، فيلزمه حينئذٍ أن يصلي الحاضرة في وقت الاختيار، ثم يصلي الفائتة. وهكذا قالوا لو لم يبق من وقت الحاضرة إلا قدر أدائها، كأن يستيقظ قبل طلوع الشمس بقدرٍ يصلي فيه الصبح، وكان قد نام عن العشاء والصبح، قالوا: فلو أمرناه بصلاة العشاء لفاتت عليه صلاة الصبح، فنأمره بصلاة الصبح حاضرة، ثم بعد طلوع الشمس يصلي العشاء الفائتة؛ لأن العشاء مقضية على كل حال، سواءٌ أصليت قبل الصبح أم بعده. وذهب طائفةٌ من العلماء إلى أنه يصلي العشاء أولاً مراعاةً لدليل الشرع، حيث قالوا: تأخر لعذر، وأخر الصلاة الحاضرة لعذر، فيصلي العشاء أولاً استناداً إلى أصول الشريعة التي لم تستثن ولم تفرق، فنأمره بصلاة العشاء حتى ولو خرج وقت الفجر، فإذا خرج وانتهى من قضاء العشاء أقام وصلى الفجر؛ لأنه كالشخص الذي قد خرج عليه الوقت. فهذا الوقت اليسير الذي لا يسع إلا للصبح هو -حكماً- بمثابة من استيقظ بعد خروج الوقت؛ لأنه ملغي بأمر الشرع بالترتيب، وهذا القول من ناحية الأصول أوفق. لكن هناك مخرجٌ لطيف لبعض العلماء، قال: يستحب له أن يصلي الفجر إدراكاً للوقت، ثم يقيم فيصلي العشاء ويعيد الفجر احتياطاً، قالوا: فيكون بهذا قد احتاط لأمره؛ لأنه سيكون قاضياً في كل الأحوال، فإن كان في القدر المتسع اليسير فضل يكون قد أدركه بالصلاة الأولى، وإن لم يكن له فضل يكون قد استبرأ ذمته بالاحتياط لواجب الشرع.
الأسئلة
الأسئلة
حكم من تعمد تأخير الصلاة حتى خرج وقتها
حكم من تعمد تأخير الصلاة حتى خرج وقتها Q إذا أخر رجلٌ الصلاة عن وقتها متعمداً حتى خرج الوقت، فهل يقضي الصلاة أم لا؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء رحمة الله عليهم، فبعض أهل العلم يرى أن من أخَّر الصلاة حتى خرج وقتها وهو متعمد لا يطالب بالقضاء، خاصةً على مذهب من يرى أنه قد كفر بإخراج الصلاة عن وقتها. والقول الثاني أنه لا يكفر، ويُلزم بفعل الصلاة بعد خروج الوقت إن أخرها متعمداً، وهو الأقوى والصحيح إن شاء الله تعالى. والدليل على ذلك أنه إذا اختلف العلماء رحمهم الله: هل يطالب بالفعل أو لا يطالب بالفعل رُجِع إلى الأصل، فإن الأصل فيمن دخل عليه وقت الصلاة أنه مطالبٌ بها لتوجه خطاب الشرع عليه بالفعل، فكونه قد أخرها إلى أن خرج الوقت لا يوجب إسقاطها عنه إلا بدليل يدل على أن المتعمد لا يُطالب بفعل الصلاة بعد خروج الوقت، وليس هناك دليلٌ في الكتاب والسنة يدل صراحةً على أنه إذا خرج الوقت لا يطالب بفعل الصلاة، وغاية ما استدل به أصحاب هذا القول أنهم قالوا: إن الصلاة محددةٌ ببداية ونهاية، وإذا كانت محددة بالبداية والنهاية فإنه إذا خرج عن نهايتها لا يُطَالَب بفعلها وهذا محل نظر؛ ألا ترى النائم يطالب بفعلها بعد انتهاء وقتها؟! ألا ترى المعذور -وهذا بالإجماع- يُطَالَب بالفعل بعد انتهاء وقتها. فإذا كان هذا مقرَّراً، وهو أن المعذور مطالبٌ بالفعل بناءً على أصل دليل الخطاب، فإنه يدل على أنهم مسلِّمون بوجود الخطاب بعد انتهاء الوقت، وأصبح التأقيت يحتاج إلى دليلٍ من الكتاب والسنة يدل على عدم إلزام المكلف بالفعل بعد خروج الوقت، ولذلك الأقوى أنه يُطَالَب بالفعل، وقد ثبت بدليل السنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم نزَّل حقوق الله كحقوق العباد، فقال عليه الصلاة والسلام: (أرأيتِ لو كان على أمك دينٌ أكنت قاضيته؟ قالت: نعم، قال: فدين الله أحق أن يقضى)، فجعل الصوم، وجعل الحج بتوجه الخطاب ديناً على المكلف؛ لأنه فريضة. يقول الجمهور: فالصلاة دينٌ على المكلف؛ لأنه مكلفٌ بها بتوجه الخطاب، كالصوم والحج إذا ثبت أنه دَيْن: (فإن دين الله أحق أن يقضى). وكما أن حقوق العباد يُطَالب الإنسان بقضائها حتى ولو أنكرها وجحدها وامتنع مِن الفعل وماطل فيها بعد وقتها وهو قادرٌ على السداد، كذلك حق الله يطالب بأدائه ولو خرج عن وقته؛ لأن السداد مأمورٌ به، وهو القيام بفعل الصلاة، فالذي تطمئن إليه النفس مطالبته بالفعل، والله تعالى أعلم. وقد قالوا في الحج: لو أخر مفرِّطاً فيجوز أن يحج عنه، فلو أن إنساناً غنياً ثرياً أخَّر الحج حتى مات وهو قادر على أن يحج، قالوا: يُطالَب بالحج عنه من ماله، بناءً على قوله عليه الصلاة والسلام: (أرأيتِ لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق أن يقضى)، فجعل الحج في ذمة هذا الميت -مع أنه مفرِّط ومتعمدٌ للتأخير- ديناً في ذمته، مع أنه أخرجه عن الوقت المعتبر؛ لأنه بالإجماع على أنه إذا توجه الخطاب على الإنسان بالحج، وهو قادرٌ مستطيع أنَّه واجبٌ عليه، ولكن اختُلِف في مسألة التأخير وعدم التأخير، فقالوا: إنه يُطالَب بالفعل ويترتب على المطالبة إلزام الذمة. وبناءً على هذا فإن الصلاة أُلزِمت ذمته بفعلها، وليس عندنا دليل على أنه إذا أخَّر حتى خرج الوقت سقطت عنه، ثم جاء دليل النظر والقياس الصحيح، وهو ما يسمى عند العلماء: قياس الأولى، وقياس الأولى من أقوى الحجج، حتى إن بعض العلماء يقول: الخلاف بين الظاهرية والجمهور في الأقيسة لا يشمل قياس الأولى. فيقولون: إذا كان المعذور الذي عذر ونام حتى فاتت عنه الصلاة يُطالَب بالإعادة، فكيف بإنسانٍ متعمد؟! فإنه أحرى أن يُطالَب بالإعادة، وهذا يسمونه: قياس الأولى، فإذا كان صح هذا وهو أن المعذور يطالَب بالفعل مع كونه معذوراً، فمن باب أولى غير المعذور، ولذلك تميل النفس إلى المطالبة بالقضاء، والله تعالى أعلم.
حكم قضاء النوافل
حكم قضاء النوافل Q هل تقضى الفوائت من النوافل؟ A أما قضاء الفوائت من النوافل فإنه سنة، ودل على ذلك حديث حذيفة في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضائه لراتبة الفجر. وقال العلماء: إن راتبة الفجر هي آكد الرواتب، وتقضى قولاً واحداً عند العلماء، وتأكُّد قضائها لقوله عليه الصلاة والسلام: (لا تدعوها ولو طلبتكم الخيل). ولثبوت الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بقضائها مع الصحابة، فإنه لما بات في الوادي الذي ذكرنا أمر بلالاً فأذَّن، ثم صلى ركعتين وهي رغيبة الفجر، ثم أمره فأقام فصلى الصبح. فدل قضاؤه لها على مسألتين: أما المسألة الأولى فسنِّيَّة قضاء الرواتب، والمسألة الثانية: هل يطالب بالقضاء على الفور أم على التراخي؟ ذلك أنه لو كان مطالباً بالفور لصلى الصبح أولاً، ثم صلى بعده الرغيبة، ولَمَا اشتغل بالنافلة قبل الفريضة، فهذا يؤكد ما ذكرناه مِن أن القضاء ليس على الفور؛ إذ لو كان على الفور لما قدَّم النافلة على الفرض. وبناءً على هذا فإنهم قالوا: إنه يُشرَع قضاء النوافل. ومن الأدلة حديث عائشة الصحيح: (يا رسول الله! رأيتك تصلي ركعتين لم أرك تصليهما من قبل؟ قال: أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان). وأما حديث أم سلمة أنها لما سألته فقالت: (أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا)، الذي رواه أحمد في مسنده فهو ضعيف، والصحيح أنه يُشرع قضاء الرواتب، وأنه سنة ولا حرج على الإنسان في فعله. وفي الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فاته حِزبُه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة)، فقضى عليه الصلاة والسلام صلاة الليل مع أنها نافلة، فدل هذا على مشروعية القضاء. وفي الصحيح أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل)، وهذا يدل على سعة رحمة الله عز وجل، وعظيم فضله، خاصةً عند وجود العذر، والله تعالى أعلم.
وقت صلاة الضحى
وقت صلاة الضحى Q نرى بعض المصلين يصلون صلاة الضحى قبل الظهر بقرابة ربع ساعة، فهل نبيِّن لهم أن هذا وقت نهي؟ مع رجاء تحديد وقت النهي بالدقائق قبل أذان صلاة الظهر. A هذا فيه مسألتان: المسألة الأولى: تأخيرهم للضحى إلى هذا الوقت، فلو أن إنساناً أخَّر الضحى إلى ما قبل صلاة الظهر، سواءٌ إلى وقت انتصاف النهار المنهي عنه، أم إلى ما قبل وقت انتصاف النهار، فهل هذا من السنة؟ الجواب: لا؛ لأن الضُّحى شيء، والضَّحَى شيء، فإذا أشرقت الشمس فهناك وقت يسمى الضُّحى، وهو أول النهار إلى اشتداد الشمس بحيث تقرُب من الهاجرة، ثم يأتي وقت قبل انتصاف النهار يُقارب الساعة إلى الساعة والنصف يختلف بحسب طول النهار وقصره صيفاً وشتاءً، ففي الصيف يكون أطول، وفي الشتاء يكون أقصر، فهذا الوقت الذي هو قبل أن تنتصف الشمس في كبد السماء يسمى الضَّحَى، وهو المراد بحديث البخاري: (كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجمعة، ثم تكون القائلة). فهذا هو وقت القيلولة قبل الظهر بساعة ونصف إلى ساعة، فغالباً هذا الوقت الذي هو قبل الظهر يعين بإذن الله عز وجل على قيام السحر. وقالوا: هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (قيلوا فإن الشياطين لا تقيل)، فكانت قيلولتهم قبل منتصف النهار، فهذا الوقت يسمى الضَّحَى بالفتح، والذي قبله ما بين طلوع الشمس قيد رمح إلى اشتداد النهار يسمى الضُّحَى، وهو الذي أقسم به الله عز وجل: {وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى:1 - 2]، فانظر إلى قوله تعالى: (والليل إذا سجى) أي: جعل بداية الليل وإرخاء سدوله ما يكون عند وجود الشفق إلى سقوط الشفق بحيث يسجِّي الليل، مثل الشخص الذي تسجِّيه، أي: تُغَطِّيه. فقوله تعالى: (الليل إذا سجى) أي: غَطَّى بظلامه، فجعل الوقتان متقابلان. فصلاة الضُحى بداية وقتها بعد طلوع الشمس بقيد رمح، أما أثناء الطلوع إلى ارتفاع قيد رمح فهو داخل في المنهي عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخَّر صلاة العيد إلى ارتفاع الشمس قيد رمح، فدل على أن ما قبله باقٍ على الأصل من النهي، وبناءً على هذا لا ينبغي تأخير صلاة الضُحى إلى هذا الوقت. وأفضل ما تقع صلاة الضُحى بعد ارتفاع النهار، فإذا ارتفعت الشمس قيد رمح بدأ وقت الجواز، فإذا اشتد النهار قليلاً بعد إشراق الشمس بقدر ساعة فهو أفضل؛ لأن الغفلة من الناس تكون في مثل هذا الوقت، وهو وقت طلب التجارة والكسب، فكون الإنسان يترك التجارة والكسب ويُقبِل على الله في مثل هذا الوقت فهذا فضل عظيم. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، والفصيل: ولد الناقة، و (ترمض الفصال) أي: يدركها حر الرمضاء، وهذا يدل على أن الشمس قد ارتفعت، وأن صلاة الأوابين هي الضُحى التي وعد الله أهلها بالمغفرة: {َإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25]، فالإضافة المراد بها مثل هؤلاء الذين أثني عليهم بالآية، قالوا: فلا تكون إلا بعد ارتفاع النهار بساعة إلى ساعة ونصف، وما قبل الظهر بساعة إلى ساعة ونصف، فهو أشبه ما يكون بقضاء الضُّحى، وليس بالضُّحى أداءً، وينبني على قضاء النوافل من حيث إنه سائغ أو غير سائغ. فإذا بدأ وقت الضَّحى إلى أن تنتصف الشمس في كبد السماء، فهذا وقت جواز يجوز للإنسان أن يُصلي فيه، وحملوا عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (رحم الله امرأً صلى قبل الظهر أربعاً)، على أن المراد بقبل الظهر قبل وقتها، وليس المراد به الراتبة. قالوا: لقوله: (إنها ساعة رحمة تفتح فيها أبواب السماء)، ولما سئل عنها قال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، فهذا قبل انتصاف النهار. وبعض المؤذنين يحتاطون بقدر ربع ساعة ما بين زوال الشمس وصلاة الظهر، فيقولون: الوقت في الظهر داخل بقدر ربع ساعة. وبناءً على هذا فإذا أذن للظهر في الساعة الثانية عشر والنصف، فمعناه أن الزوال ابتدأ في الثانية عشر والربع، وبناءً على هذا فمن جاء يصلي في مثل هذا الوقت الذي تنتصف فيه الشمس في كبد السماء فإنه حينئذ لا يجوز له، لما ثبت في الحديث: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب). وقال عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (فإذا طلعت الشمس فصل، فإن الصلاة حاضرةٌ مشهودة، فإذا انتصفت -في كبد السماء- فأمسك، فإنها ساعةٌ تسجر فيها نار جهنم). و (تسجر) أي: يشتد لهيبها، فهي ساعة عذاب وليست بساعة رحمة، ولذلك نُهِي فيها عن دفن الموتى، وعن صلاة النافلة، فمثل هذا الوقت لا تصلى فيه صلاة الضُحى، ولذلك قالوا: إن إيقاع النافلة في الأوقات المنهي عنها وجوده وعدمه على حدٍ سواء، إلا عند من يستثني ذوات الأسباب، والله تعالى أعلم. فينبغي تنبيه هؤلاء -الذين يصلون في هذه الأوقات المنهي عنها- على أمرين: أولاً: أن وقت الضُحى من بعد طلوع الشمس قيد رمح، أي: بما يقارب -احتياطاً- اثنتي عشرة دقيقة، فبعدها يغلب على الظن دخول وقت جواز صلاة النافلة، ووقت الفضيلة يبتدئ إذا كان طلوعها السادسة والربع إلى ما يقارب السابعة والنصف إلى الثامنة، وكلما تأخر قليلاً كان أفضل؛ لأنه تكون غفلة الناس باشتغالهم بالدنيا أكثر، والله تعالى أعلم.
حكم من لا يعرف عدد ما فاته من الصلوات
حكم من لا يعرف عدد ما فاته من الصلوات Q فاتتني كثيرٌ من الصلوات بعد بلوغي، وصليت بعضها جنباً خجلا، وكل ذلك لجهل والدي عن تعليمي ما يجب عليَّ، وهي كثيرةٌ جداً ولا أحصي عددها، ولا أستطيع الاجتهاد في معرفتها، فماذا يلزمني تجاه ذلك؟ A هذا السؤال فيه مسائل: أولاً: إذا تركت الصلاة في أمدٍ من بعد بلوغك ولم تكن تصلي -والعياذ بالله- بعد البلوغ إلى أن التزمت بطاعة الله وشريعة الله فلا يلزمك القضاء؛ لأن تركك على هذا الوجه آخذٌ حكم الترك الموجب للكفر، فمن ترك الصلاة والعياذ بالله ولم يصل ولم يركع فإنه يصدق عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). وإذا حكم بكفر تارك الصلاة على هذا الوجه فلا يُلزَم بقضاء، بقوله صلى الله عليه وسلم: (أسلمت على ما أسلفت من خير)، وقال في الحديث الصحيح: (الإسلام يجُبُ ما قبله)، فتكون بالتزامك بالصلاة كأنك قد دخلت في حظيرة الإسلام بأدائها، وبناءً على ذلك لا تُطالب بقضاء ما مضى. ثانياً: أما لو كنت تصلي أحياناً وتترك أحياناً، فحديث عبادة في قوله عليه الصلاة والسلام: (ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له) يدل على عدم الكفر، وبناءً على ذلك تجتهد، وتبني على غلبة الظن، وقولك: لا أستطيع الاجتهاد. غير وارد، فلو قدرت السنة التي التزمت فيها بشرع الله، وأصبحت محافظاً فيها على الصلاة بثلاث سنوات من الآن مثلاً ومن بلوغك إلى الآن لك قرابة سبع سنوات مثلاً، فحينئذٍ تقول: هي أربع سنوات. فأكثر في الصلوات، وصلِ مع كل صلاةٍ حتى تحتاط بقضاء هذا الأمد كاملاً. وأما الأمر الثالث في سؤالك فهو قولك: إنك كنت تصلي وأنت جنب. فلا يجوز هذا، ولذلك قال بعض العلماء: من صلى وهو على غير طهارته عالماً بحرمة ذلك مستخفاً بهذا التحريم فإنه يكفر -والعياذ بالله- وإن كان الصحيح أنه لا يكفر إلا إذا قصد الاستهزاء، ولكن انظر إلى تشدد العلماء رحمة الله عليهم من شدة تعظيمهم لأمر الصلاة، فينبغي حينئذٍ للإنسان أن يحتاط. ولو أن إنساناً دخل في صلاة الظهر، ثم تذكر أنه أجنب، وقال: لو خرجت الآن فإن الناس تراني أو صلى بهم وهو إمام، فقال: كيف أخرج من الصلاة؟! فينبغي أن تكون خشية الله في قلبك أعظم من خشية الناس، وأن تعلم أنه لا يغني عنك أحدٌ من الله شيئاً، وأنه لا يُجيرك من الله ومن سطوته ومن غضبه أحد، فقد يكون استخفافك بعظمة الله وهيبتك للناس أكثر من هيبتك لله سبباً في غضب الله عليك، فاتق الله عز وجل، فبمجرد ما تشعر أنك غير متوضئ فاخرج من الصلاة، ولتنعم عينك بطاعة الله عز وجل، ولك من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الرخصة والتوسعة أن تمسك بأنفك وتخرج، فإن الذي أمرك بدخول المسجد أمرك أن تخرج من المسجد، ولا تبالِ بالصغير ولا بالكبير، ولا بالجليل ولا بالحقير، فلتتق الله عز وجل، ولتكن هيبة الله في قلبك أعظم وأجل وأكبر من أن تهاب غيره فتستخف بعظمة الله فتصلي بين يديه على غير طهارة. ولا يجوز للمسلم أن يصلي على غير طهارة، ولا يجوز له أن يستبيح الصلاة وهو جنُب، لما فيه من الاستخفاف بعظمة الله، ولو كان إماماً فإنه يَسحب من وراءه ويستخلف ويخرج، ولتنعم عينه بطاعة الله، فإن الله يثيبه، والله يبتلي، وقد مر هذا علينا، ومر على بعض العلماء من قبلنا، فالله يبتلي إيمان العبد؛ لأنه لا يمكن أن تخرج من هذه الدنيا حتى يظهر كمال إيمانك من نقصه، ومن الإيمان خشية الله، ولن تخرج من هذه الدنيا حتى تظهر خشيتك لله كاملةً أو ناقصة. فإذا جاءتك مثل هذه المواقف فاعلم أن الله يمتحنك، وأن الله يريد أن يبتليك بخشيته بالغيب، فإن الناس لا يعلمون أنك جُنُب، ولا يعلمون أنك على غير طهارة، ولكن الله وحده هو الذي يعلم، فهو علام الغيوب، فإذا جئت بإيمانٍ منك وصدق وخوف ويقين من الله سبحانه وتعالى تخرج أمام الناس لا تستحيي منهم ولا تهابهم ولا تخشاهم كان ذلك أصدق ما يكون في خشيتك لله سبحانه وتعالى، وهذا أمر شائع ذائع، فإن كثيراً من الناس يقول: صليت وأنا على غير طهارة، أو كنت على غير طهارة وأنا جالس في المسجد فاستحيت أن أخرج؛ وهذا لا يجوز، فينبغي أن تكون عظمة الله فوق كل شيء، قال تعالى: {أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة:13]، فالله أحق أن يُخشى ويهاب، وأحق أن تكون له الرغبة والرهبة، فنسأل الله العظيم أن لا ينزع من قلوبنا خشيته، وأن يرزقنا الخوف منه وإجلاله وإعظامه على الوجه الذي يرضيه عنا، والله تعالى أعلم.
تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر
تذكر صلاة الظهر في آخر وقت العصر Q إذا فاتت المسلم صلاة الظهر ولم يتذكرها إلا في آخر وقت العصر، والوقت لا يكفي إلا لصلاة العصر فحسب، فهل يلزمه الترتيب أم لا؟ A هذه المسألة فيها خلاف، فبعض العلماء -رحمة الله عليهم- يقول: إذا أدركت آخر وقت الثانية، بحيث لا يسع إلا بقدر أن تصلي الثانية حاضرة وأنت لم تصلِ الأولى، فعليك أن تراعي ترتيب الشرع، وتصلي الأُولى ولو خرج الوقت؛ لأن وقت الثانية ساقط عنك بانشغالك بفرض وهذا هو الأصل، وهو قولٌ مبني على اعتبار دليل الترتيب، وقال به جمع من العلماء رحمة الله عليهم. وقال بعضهم: يقدم الحاضرة على الفائتة، وذلك لأنه إذا صلَّى الفائتة كان قاضياً، فاستوى أن يؤديها في وقت الأولى، أو يؤديها في وقت الثانية وهذا القول محل نظر؛ أولاً: لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من حديث عمر: (أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما صليتها). فانظر رحمك الله إلى قوله: (ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب) بمعنى: صليتها فغربت الشمس مباشرة، حتى إنه لا يدري هل الصلاة سبقت أو الغروب، فمعنى ذلك أنه قد غابت الشمس، ثم احسب وقتاً لذكره لله عز وجل بعد أدائه للصلاة، ثم قيامه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكى، فيحتمل أن الوقت إلى دخول وقت المغرب بقدر لمكان هذا الذي ذكرناه، فاحسب حساب كون عمر يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم له: (والله ما صليتها)، ثم قال: (قوموا بنا إلى بطحان قال: فنزل فتوضأ فصلى العصر ثم المغرب والعشاء)، ووجه الدلالة أنهم قالوا: وقت المغرب ضيق وهذا الحديث يرده؛ لأنك لو حسبت تجد أن النبي ذهب إلى وادي بطحان، ثم نزل به ومعه الجيش، ثم توضأ، ثم صلى العصر، وهذا كله يأخذ وقتاً ليس بالقليل مع أن عمر قد جاءه بعد مغيب الشمس، فاحسب كلامه له بعد ذهابه إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد المغيب، ثم شكواه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجوابه، ثم أمره عليه الصلاة والسلام بالذهاب إلى بطحان، ثم وقت الوضوء، ثم القيام إلى الصلاة، فهذا وقت ليس باليسير، خاصة وأن عدد الناس معه لا يقلون عن ألف، فهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم يصلون معه عليه الصلاة والسلام. فالغالب أن وقت المغرب خرج أو كاد يخرج، قالوا: فصلى العصر أولاً، ثم أتبعها بالمغرب، ثم صلى العشاء، ولذلك ما ورد في الحديث أنه انتظر إلى دخول العِشاء قالوا: هذا يؤكد على أنه صلى الله عليه وسلم كان حريصاً على التقديم حتى على الأقل مع خوف خروج الوقت، وهذا يؤكد ما ذكرناه أنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة. والذين قالوا: إنه يبدأ بالحاضرة قبل الفائتة اضطرب قولهم، فهم يقولون بوجوب الترتيب، ثم يأتون في هذه المسألة ويقولون: لا يجب الترتيب، وإنما يلزم بفعل الحاضرة قبل الفائتة؛ لأنه إذا صلى الحاضرة أدَّى، وإذا صلى الفائتة قضى في كلتا الصلاتين. والذي تطمئن إليه النفس أنه يبدأ بالفائتة، ثم يتبعها بالحاضرة ولو خرج الوقت؛ لأن التأخير لعذرٍ شرعي، وهو أمر الشرع بفعل الصلاة، ألا ترى أنهم يقولون: إنه لا يصح أن يوقع صلاة العصر حتى يصلي الظهر، فكونه يقول: فائتة أو حاضرة لا تأثير له في الوصف الشرعي، أي: لا يقوى على الاستثناء من الأدلة التي دلت على وجوب الترتيب من التأقيت الذي ذكرناه من دليل الكتاب والسنة، وعلى هذا يقوى القول الذي يقول إنه يبدأ بالفائتة قبل الحاضرة. لكن بعض العلماء ذكر مَخرجاً لطيفاً، فقال: الأفضل أن الإنسان يخرج من الخلاف، فيصلي الحاضرة في وقتها، ثم يقيم فيصلي الفائتة، ويصلي بعدها الحاضرة، قالوا لأنه إذا كان معذوراً بعدم مراعاة الترتيب فقد أوقع الصلاة في وقتها، فإن كانت معتبرة فقد أدرك الإجزاء والاعتبار، وإن كانت غير معتبرة فقد احتاط لدينه بإعادتها بعد الوقت، وهذا أفضل المخارج، والذي تميل إليه النفس أنه يحتاط، لكن الأصل والأرجح أنه يطالب بفعل الفائتة قبل الحاضرة.
آخر وقت سنة العشاء
آخر وقت سنة العشاء Q ما هو آخر وقت سنة العشاء؟ A تتأقت الراتبة البعدية بآخر وقت الفريضة نفسها التي رُتِّبت عليها، فإن كنت في الظهر فآخر وقت الظهر، وإن كنت في المغرب فآخر وقت المغرب، وإن كنت في العشاء فآخر وقت العشاء، فعلى القول بأن وقت العشاء إلى نصف الليل تتأقَّت الراتبة إلى نصف الليل، فتصلي الراتبة إلى منتصف الليل، وعلى القول بأنه إلى الفجر فلك أن تصلي راتبة العشاء ما لم يتبين الفجر الصادق.
حكم صلاة العاري إذا وجد الساتر قبل خروج الوقت
حكم صلاة العاري إذا وجد الساتر قبل خروج الوقت Q لو أن إنساناً صلى وهو عارٍ لانعدام السترة، ثم جاءت السترة قبل خروج الوقت، فهل يجب عليه الإعادة؟ A إن صلى عارياً فقد مضت صلاته وصحَّت، لكن إذا غلب على ظنه أنه يجد السترة قبل خروج الوقت ينتظر، ومذهب طائفة من العلماء أنه يُستحب له أن يُعيد ولا يجب عليه وهذا أفضل.
حكم تشمير الثوب عند الهوي للسجود في الصلاة
حكم تشمير الثوب عند الهوي للسجود في الصلاة Q هل من كف الثياب ما يفعله بعض المسلمين من رفع ثوبه عند الهوي للسجود؛ لأن ذلك يمكّن الإنسان من السجود بكماله؟ A نعم. هذا يدخل فيه، فذكر بعض العلماء رحمهم الله أن هذا يعتبر من كف الثوب؛ لأنه إذا سجد يكون في حكم من كف طرف الثوب من أجل أن لا يتَّسخ، فيكون تشميره للثوب فيه إخلال من وجهين: أولاً: لأنه حركة زائدة في الصلاة؛ لأن رفعه للثوب ينافي خشوعه، فهذه الحركة في الصلاة زائدة عما قصده الشرع من الخشوع والسكون؛ لقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238] فقالوا: هذا لا يناسب القنوت. والأمر الثاني: كونه يأنف عن سجوده بهذا الثوب لله عز وجل، فأن يترك الثوب على حالته أبلغ لقربته لله عز وجل وطاعته، والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب شروط الصلاة [4]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [4] إن الله عز وجل أمر عباده المؤمنين بعبادته والإقامة على طاعته، وبين لهم كيفية الإتيان بهذه العبادات والطاعات في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، ومن العبادات التي حرص الشرع على بيان أحكامها وشروطها: الصلاة، التي هي عمود الدين، فلا يتأتى للعبد أن يؤدي صلاته صحيحة إلا بمعرفة شروطها وأركانها وواجباتها، ومن الشروط الواجب توافرها لمن أراد أن يصلي صلاة صحيحة: أداء الصلوات في أوقاتها التي بينها الشرع، وستر العورة عند أداء الصلاة، مع الإحاطة بما يتفرع عن هذه الشروط من أحكام.
ستر العورة
ستر العورة
تعريف ستر العورة لغة واصطلاحا
تعريف ستر العورة لغةً واصطلاحاً بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومنها ستر العورة] أي: ومن شروط الصلاة التي يلزم بها المكلف لصحتها ستر العورة. والستر هو: التغطية، تقول: سترتُ الشيء. إذا غطيته. والعَوْرَة: أصلها من العَوَر وهو النقص، وقولهم: (ستر العَوْرَة) أي: تغطيتها. والمراد بالعورة في إطلاق العلماء رحمة الله عليهم أحد أمرين: فمنهم من يقول: القبل والدبر وهذا على الأصل، ومنهم من يقول: القبل والدبر وما أُمِر بستره؛ لأن المرء يؤمر بستر ما عدا القبل والدبر خاصةً مع الأجانب.
أدلة وجوب ستر العورة
أدلة وجوب ستر العورة وهذا الشرط أمر الله به في كتابه المبين، وكذلك في هدي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وأجمعت الأمة على أنه لازمٌ وواجب، لكن حُكِي عن مالك أنه يراه مستحباً ولا يراه واجباً، والصحيح وجوبه. ودليل وجوب ستر العورة للصلاة قول الحق تبارك وتعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]. ووجه الدلالة من الآية الكريمة أن الله أمر المكلف أن يأخذ الزينة عند كل مسجد، والمراد بقوله: (عند كل مسجدٍ) أي: عند كل صلاةٍ، فيكون قوله: (خُذُوا) أمراً، والأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه، ولا صارف له هنا. وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام بستر العورة وهديه صلوات الله وسلامه عليه فيها، حتى نهى الرجل أن يصلي وليس على عاتقيه من ثوبه شيء، ففي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: (لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء). وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم ستر عورته، وأمر بستر العورة في أحاديث منها حديث بهز بن حكيم رضي الله عنه عند أبي داود قال: (يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجك أو ما ملكت يمينك. قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: إن استطعت أن لا يرينها أحد فلا يرينها. قال: قلت: يا رسول الله! إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه). ولذلك ورد: (إن معكم من لا يفارقونكم فاستحيوا منهم)، وهم الكرام الكاتبون. وفي حديث أم سلمة أنه لما سئل عليه الصلاة والسلام عن صلاة المرأة في درعٍ وخمار قال: (في الخمار والدرع السابغ الذي يغيب ظهور قدميها)، والصحيح وقفه على أم سلمة رضي الله تعالى عنها. وكذلك حديث جرهد: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يغطي فخذه)، وحديث جرهد وحديث بهز بن حكيم فيهما كلام، وإن كان بعض أهل العلم يميل إلى التحسين بمجموع طرق هذه الأحاديث. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على وجوب ستر العورة للصلاة، وأن المكلَّف لو صلى الصلاة وهو كاشفٌ عن عورته وقادرٌ على سترها فصلاته غير صحيحة، إلا ما ورد في رواية عن مالك رحمه الله أنه كان يستحب ذلك ولا يوجبه، وإن كان بعضهم يضعفها.
الشروط اللازم توافرها في الساتر
الشروط اللازم توافرها في الساتر وأما من ناحية أحكام ستر العورة فيُعتبر ستر العورة من الشروط التي تتعلق بصحة الصلاة؛ لأننا قدمنا أن من الشروط ما يتعلق بالوجوب ومنها ما يتعلق بالصحة، وشرط الصحة -كما هو معلوم- فقده يُوجِب الحكم بعدم صحة الصلاة. وبناءً على ذلك لا يُحكم بصحة صلاة المكلف إلا إذا حَصَّل هذا الشرط، ومن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يتكلموا على ستر العورة، فيقررون وجوبها، ثم يقررون الضابط المعتبر لستر العورة، ثم يتكلمون بعد ذلك على المسائل المستثناة وأحكام الضرورة، كالعراة الذين لا يجدون ما يسترون به عوراتهم، ونحوها من الأحكام المتعلقة بالاستثناءات. والمصنف رحمه الله راعى ذلك في كلامه على الشروط هنا فقال رحمة الله عليه: [فيجب بما لا يصف بشرتها]. الفاء: للتفريع، فبعد أن قال: (ومنها) أي: من شروط صحة الصلاة ستر العورة، قال: (فيجب) أي: فيلزم المكلف بسترها، والواجب يتفرع منه الحكم أن من صلَّى عارياً يحكم بإثمه إذا كان مختاراً دون اضطرار، وبعدم صحة صلاته، فالتعبير بالوجوب يتفرَّع منه الحكم بالإثم عند الترك في الاختيار، وزيادة شرطية الصحة يتعلق بها الحكم بالمطالبة بإعادة الصلاة. فقوله: [فيجب بما لا يصف بشرتها] أي: فيجب على المكلف أن يستر العورة بما لا يصف بشرتها. فستر العورة على حالتين: إما أن يكون ساتراً مانعاً من رؤية لون البشرة، فهذا لا إشكال في إجزائه واعتباره، كالثوب الثخين، وإما أن يكون الساتر رقيقاً يشف ما تحته، فهذا يقول العلماء: وجوده وعدمه على حدٍ سواء، كالقماش الرقيق الذي ترى معه لون البشرة، فإن وجوده وعدمه على حدٍ سواء. بل قال بعض العلماء: إن ما شفّ أعظم فتنةً مما كشف؛ لأنه يُغرِي، وتكون الفتنة بدعوته إلى النظر أكثر، بخلاف المتعري فإنه ربما اشمأزت النفوس من نظره، لكن لبس الشفاف أبلغ فتنةً وأعظم جُرأةً كما يقول بعض أهل العلم رحمة الله عليهم، فالشفاف وجوده وعدمه على حدٍ سواء. فانقسم الساتر إلى قسمين: ما كان غليظاً غير رقيقٍ يمنع من معرفة أو رؤية لون البشرة، وما كان رقيقاً تُرَى معه البشرة بحمرتها أو ببياضها أو غير ذلك. فبيَّن رحمه الله أنه لابد من الساتر الذي لا يشف، والكلام في الساتر يكون في جرمه، ويكون في صفة تغطيته. أما في الجِرم فيبحث العلماء فيه من حيث السماكة والرقة، وقد بيَّنا حكم السميك والرقيق. وأما بالنسبة لصفة تغطية الساتر، فإنه يكون على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون فضفاضاً، بحيث لا يكون ضيقاً يُحدد تفاصيل الجسم، فهذا بالإجماع يُعتبر ساتراً، لكن كره بعض العلماء المبالغة في الفضفاض إلى درجةٍ قد يكشف العورة في بعض الحالات، كما ذكروه في السراويل، فإنها إذا كانت واسعةً، وكانت أكمامها التي تخرج منها الرجلين مبالغاً في سعتها، وكانت قريبةً من الركبتين فإنها طريقٌ للكشف، ولذلك يُعتبر لبسها سبيلاً أو سبباً لسهولة النظر إلى العورة، ومظنة أن يرفع ركبته فينكشف ما قارب السوءة أو السوءة نفسها. ولذلك قالوا: يُشدَّد فيما كان فضفاضاً واسعاً بحيث يبالَغ فيه إلى درجةٍ لا يُؤمَن معها انكشاف العورة. الحالة الثانية: أن يكون ضيقاً، وهو الذي يحدد جرم العضو، فإن كان من المرأة فإنه بالإجماع يَحرُم عليها لبسه، ولذلك شدَّد بعض العلماء في تفصيل المرأة للعباءة التي تكون فيها اليد منفصلة عن الجسم؛ لأنها إذا كانت على هذه الصفة استطاع الناظر أن يدرك تفاصيل جسمها، وهل هي طويلةٌ أو قصيرةٌ أو رقيقةٌ أو غير ذلك. ولذلك قالوا: تكون عباءتها، ويكون تفصيل يدها على حالٍ لو أنها حركت يدها لا يستطيع الإنسان أن يدرك طبيعة جسمها، أما لو كانت بهذه التفاصيل التي تستخدم عند بعض النساء اليوم بحيث إذا رأيت المرأة تستطيع أن تدرك تفاصيل جسمها، خاصةً في اليدين، وأعالي البدن فقالوا: مثل هذا يحرم عليها لبسه؛ لأنه يحدد تفاصيل جسمها. وبعض المحدد -كما يقول العلماء- أشد إغراء بالفتنة لأنها إذا حددت تفاصيل الجسم كانت مغرية بالنظر إليها، فتكون الفتنة فيها أشد، ولذلك ينبغي على المرأة أن تكون عباءتها مغطيةً لها، ولا يكون هناك تفصيل لأعضاء الجسم، حتى لا تشابه الرجال، ولا يستطيع الرجل أن يدرك جِرم جسمها. وكذلك الحال إذا كان سترها في أسفل البدن، كلبسها للسراويل، أو ما يسمى في عُرف اليوم (البنطال)، فهذا اللبس لا يجوز للمرأة مع وجود الرجل الأجنبي، وأما مع محارمها فأقل درجاته الكراهة؛ فإنه يُفصِّل تفاصيل الجسم، ومن أهل العلم من جزم بالتحريم حتى ولو مع وجود محرمها، وقال: لأنه لا يُعرَف في نساء المؤمنين، وإنما هو من باب التشبه، (ومن تشبه بقومٍ فهو منهم)؛ إذ لا يعرف بين النساء المؤمنات أن المرأة تأتي بلباسٍ بهذه الصفة، وإنما هو شيءٌ واردٌ على المسلمين من غيرهم، ولذلك أنا أميل إلى هذا القول، وأرى أنه تشبُّه، وأرى أن المرأة لا يجوز لها أن تلبس البنطلون ولو كان أمام محارمها، إلا إذا اضطرت إلى ذلك فهذا أمرٌ آخر. فلا تلبس مثل هذا اللباس الضيق الذي يفصِّل تقاطيع الجسم في مواضع الفتنة، حتى ولو كان أمام محارمها. فإن الإمام أحمد رحمة الله عليه لما سُئِل عن كشف المرأة عن صدرها وساقيها لمحرمها كأخيها ونحوه قال: (أخشى عليه الفتنة)، وهو إمام في زمانٍ الخير فيه شائع، وفي قرنٍ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالفضل، فكيف بنا اليوم؟! فلذلك ينبغي التحذير من هذا والنهي عنه، ويعتبر من التشبه الذي لا يجوز للمرأة أن تتعاطاه. وأما بالنسبة لحكمه في الصلاة لو صلَّت به، فإن المفصِّل لتقاطيع الجسم مع ستر العورة يُوجِب الحكم بالصحة، ولكنها آثمةٌ من جهة الإخلال بما ذكرناه.
حد عورة الرجل والأمة
حد عورة الرجل والأمة قال المصنف رحمه الله: [وعورة رجلٍ وأمةٍ وأم ولدٍ ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة]. هؤلاء كلهم عورتهم ما بين السرة إلى الركبة، وقد جاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: (ما بين السرة إلى الركبة عورة)، وقوله: (العورة ما بين السرة والركبة) بهذه الألفاظ، لكنه يأتي على وجهين: الوجه الأول: يأتي مقيداً بالصلاة، وهذا حسَّنه بعض أهل العلم. والوجه الثاني: أن يأتي مطلقاً، وقد تكلم العلماء رحمهم الله على سنده وضعفوه. وقال العلماء: أما بالنسبة للرجل فما بين السرة والركبة. وأما السرة نفسها فقول الجماهير: إنها ليست بعورة. والركبة نفسها عورةٌ في قول بعض العلماء، وليست بعورة في قول طائفة، وإن كان الأقوى أنها ليست بعورة؛ لأن التعبير بالبينية يُشعِر بأن الغاية خارجةٌ عن المغيا، كما هو معلوم في القواعد. وبناءً على ذلك قالوا: إن الركبة كشفها لا يؤثِّر. وقوله: (وأمة) أي: كذلك الأمة، قالوا: لمكان الغالبِ من انصراف النفوس عنها؛ لأن النفوس كانت تأنف من وطء الإماء والزنا بهن، وهذا في الغالب، وإنما كن يتبعن الحرائر، ولمكان تسخير الشَّرْع لهنّ بالرق لخدمة أسيادهن فخُفِّفَت عورتهن، ولذلك قالوا: إنها لا تستطيع القيام بحق أسيادها إلا إذا خرجت ودخلت في قضاء الحوائج والمصالح، فهي أشبه ما تكون بالرجل، فقالوا: عورتها عورة الرجل. ولكن من أهل العلم رحمة الله عليهم من فرَّق بين الأمة الفاتنة وغير الفاتنة لاختلاف النساء في ذلك، وقال: إنه إذا كانت غير فاتنة فالحاجة غير داعية إليها، كما نبه عليه الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني، ودرج على هذا القول، وهو قول الجماهير. وإن كانت فاتنة قالوا: إنه لا يجوز لها الكشف ولو كانت أمةً، فإن بعض الإماء أشد فتنةً من الحرائر، وليس في دين الله الحكم بجواز وشرعية الشيء الذي يُفضي إلى محارم الله عز وجل، والوقوع في حدوده إلا ما استثناه الشرع من الضرورات. وقوله: (ومُعتَقٌ بعضها) كالتي تكون نصفها حرة ونصفها أمة، فعورتها ما بين السرة إلى الركبة، قالوا: لأن الْمُعْتَق بعضها تُعتبر في حكم الرقيقة؛ لأن القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، وفرعوا على هذه القاعدة قاعدة تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالأصل أنها رقيقة، فإذا أُعتِق بعضها ترددت بين أن تُلحق بالحرة وبين أن تُلحق بالأمة، فروعي الأصل، ولأنه إذا تُرُدِّدَ بين الأضعف والأقوى فالأصل حمله على الأضعف حتى يدل الدليل على ما هو أقوى منه ولا دليل، فالْمُعْتَق بعضها تُنَزَّل منزلة الأمة، وليس منزلة الحرة. وهكذا المكاتَبَة، فقد أضاف بعض أهل العلم رحمة الله عليهم أن المكاتَبَة مُنَزَّلَة منزِلة المعتق بعضها. وقوله: [وأم ولدٍ] ذكر أم الولد لشائبة أنه طريقها إلى العتق. وأم الولد: هي الأمة التي يجامعها سيدها فتلد منه، فإن هذه تبقى أم ولد، فإن مات سيدها عتقت، وبناءً على ذلك يقولون: إنها آيلة إلى العتق، فهل ننزلها منزلة الحرة أو الأمة؟ قالوا: تبقى على الأصل من كونها أمةً، فعورتها عورة من ذكرنا.
حد عورة الحرة
حد عورة الحرة قال المصنف رحمه الله: [وكل الحرة عورةٌ إلا وجهها]. هذا كلامه على الصلاة، فالحرة في الصلاة وجهها ليس بعورة، وهذا مذهب الحنابلة. وقال الشافعية والمالكية: إن الحرة وجهها وكفاها ليسا بعورة، وتكشف الوجه والكفين، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله: وظاهر القدمين. فهذه ثلاثة أقوال لأهل العلم رحمة الله عليهم، أصحُّها وأقواها ما اختاره المصنف من استثناء الوجه، وفيه آثار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما هو الأثر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. وبقيت اليدان والرجلان على الأصل، ويدل على ذلك أنه لما سُئِل عليه الصلاة والسلام عن المرأة تصلي في درعٍ وخمار قال عليه الصلاة والسلام: (إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها)، والسابغ: أصله في الساتر، فدل على أن أصل البدن يُستر، واستثني الوجه لما ذكرناه من الآثار. والصحيح في هذا -أعني حديث أم سلمة - وقفه، كما ذكر غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم. وإذا وُجِد الأجنبي؟ قال بعض العلماء تغطي وجهها؛ لأنه حق لله، وقال بعض العلماء: إنها تبقى على الأصل من كونها كاشفةً للوجه والإثم على من نظر.
حكم الصلاة في ثوبين
حكم الصلاة في ثوبين قال المصنف رحمه الله: [وتستحب صلاته في ثوبين] قوله: (وتستحب صلاته) الاستحباب يدل على أنه لا يلزمه؛ لأن المقصود أن تستر العورة، فلو أن إنساناً صلَّى بثوبٍ واحدٍ ساترٍ لعورته صحت صلاته، كالحال الآن فلو لبس الثوب المعروف دون أن يكون عليه ملابس داخلية، وهذا الثوب له لون غامق يمنع النظر إلى ما وراءه وصلَّى صحت صلاته، فهذا من ناحية الأصل؛ لأنه ثوبٌ ساتر، والعبرة بالستر. ولكنهم استحبوا أن يصلي في ثوبين، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أو كلكم يجد ثوبين؟)، لكن قال العلماء: إن سؤال النبي صلى الله عليه وسلم خرج لمكان الضرورة والضيق على عهد الصحابة، أما بعد أن وسَّع الله عز وجل فإنه يستحب للإنسان أن يصلي في ثوبين؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى بالإزار والرداء صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أفضل وأكمل. والثوبان أعلاهما لأعلى البدن، وأسفلهما لأسفل البدن، فما يكون أسفل البدن كالفوط ونحوها يقولون: هذا إزار، وأما الذي يكون على الأعلى فيقولون عنه: رداء، وفي الإحرام تلبس الرداء الذي هو على الكتف، وتلبس الإزار الذي يكون على أسافل البدن. فقد يُصلي في ثوبين من غير الإزار والرداء، يصلي -مثلاً- بقميص وسروال، والقميص قد يكون إلى أنصاف العضد، أو إلى نصف الساعد، هذا بالنسبة لأعلاه، وأما بالنسبة للأسفل فقد يكون إلى الركب، وقد يكون إلى نصف الفخذ، فيكون السروال ساتراً لما هو أدنى منه. وقد يكون قميصاً مع الإزار، وقد كان لبس العرب للقميص في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك قال: (لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس). فكان من لباسهم السروال والقميص، فالقميص يكون لأعالي البدن غالباً، وقد يكون القميص طويلاً، وهذا يقع في لباس النساء في القديم، فيكون قميصها طويلاً كالثوب، ويكون ساتراً لجميع البدن إلا ظهور القدمين، إلا إذا كان سابغاً، فيقولون: إن هذا القميص يجوز للرجل أن يصلي به إذا كان معه سروال، أو ما يستر أسافل البدن. وفي الوقت الحاضر لو صلى بما يستر أعلى بدنه بما يسمى (الفنائل) وصلى بالسروال أجزأه ذلك وصح؛ لأنه ساتر وعلى عاتقه شيءٌ، ولكن لا يصلي بذلك في مجامع الناس، ولا في مساجدهم؛ لأن من فعل ذلك سقطت مروءته، ومن كمال المروءة أن يستر بدنه بما جرى به العرف، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) قالوا: والحياء ألا يلبس مثل هذه الملابس في مجامع الناس، ولذلك تصح صلاته ولكن تسقط مروءته وعدالته، إلا إذا كان مضطراً، أو كان عنده عمل، فلو أن إنساناً عنده عمل فصلى في السروال أو البنطلون أو في القميص فصلاته صحيحة ومجزئة؛ لأن تكليف الناس أن يخلعوا هذه الألبسة وأن يلبسوا ثيابهم فيه مشقة، وفيه حرج عليهم، فيجوز لهم أن يصلوا بمثل هذه الألبسة، لكن الأكمل والأفضل كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما على أحدكم إن وجد سعة أن يتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته). فيستحب لمثل هؤلاء الذين عندهم أعمال أو مهن أن يجعلوا ثوباً قريباً من العمل، فإذا جاء وقت الصلاة نزع ثياب العمل ولبس ثوبه، أو لبس الثوب النظيف على ثياب العمل حتى يكون أستر له وأكمل لمروءته. وهنا تنبيه، وهو أنه شاع في هذه الأزمنة أن بعض الناس -أصلحهم الله- يخرج إلى بيوت الله عز وجل خاصةً في صلاة الفجر والعصر بثياب النوم، وهذه الثياب لها أكمام قصيرة، وهذا لا شك أنه خلاف السنة؛ لأن السنة إبداء الزينة في المساجد، ومثل هذا لا مروءة عنده؛ لأن المروءة أن يلبس ما يستره، ويكون أكمل بصيانة ماء وجهه وهذا من الحياء، فالذي يستحيي لا يخرج بثياب نومه، وهل يليق أن يخرج إلى ملك الملوك وجبار السماوات والأرض الذي أطعمه وسقاه وكساه بهذا المنظر، وكأنه يستكثر أن يقف بين يديه بثيابٍ يتجمل بها لعبادته. فلا شك أنه من ضَعف الإيمان ونقص العقل أن يخرج الإنسان بثياب نومه أمام الناس لكي يصلي فيها، وهذا يدل على استخفافه بالصلاة، وإلا لو كان يُعظِّم الوقوف بين يدي الله لأحسن له عدته ولتجمَّل. ولو أن إنساناً -ولله المثل الأعلى- أراد أن يقف بين يدي عظيم من عظماء الدنيا لتجمَّل وتزين وطلب أحسن الملابس، مع أن الذي أطعمك وكساك ورزقك هو الله جل وعلا. أتستكثر أن تلبس من رزقه، وأن تحسن لباسك وزينتك للموقف بين يديه؟ فهذا ينبغي التنبيه عليه، وينبغي على الأئمة إذا رأوا أحداً بهذه الصفة أن ينبهوه، فإن المسلمين -خاصةً في هذه البلاد- يعظمون شعيرة الصلاة، فإحداث مثل هذه الأمور تُخِل بإكرام بيوت الله عز وجل، وإكرام شعائر الإسلام التي أَمَر الله بتعظيمها وإجلالها، وصدق الله إذ يقول: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32] أي: الذي يتقي الله، وكملت تقواه لله عز وجل يُعظِّم الموقف بين يديه، ويحسن التهيؤ لهذه الصلوات. فلذلك ينبغي التنبيه على مثل هذا الأمر، والنصح بلطف وإرشاد، إلا إذا كان الإنسان عنده حاجة أو ضرورة، كشخص نسي أو ذُهِل؛ لأن الناس قد يحصل منهم هذا، ولا ينبغي التعنيف والمبالغة في التقريع، بل ينبغي أخذ الناس بلطف؛ لأن ذلك أدعى لقبول الحق والرضا به.
ستر العاتقين في النافلة والفريضة
ستر العاتقين في النافلة والفريضة قال المصنف رحمه الله: [ويكفي ستر عورته في النفل ومع أحد عاتقيه في الفرض] الصلوات تنقسم إلى نافلة وإلى فريضة، والنفل: الزيادة. فالنافلة أخف شأناً من الفريضة، بما عُهِد من أدلة الشرع، ولذلك يجوز أن تصلى النافلة في السفر على الدابة بخلاف الفريضة، فخُفِّف أمر النافلة أكثر من الفريضة، ومشى عليه الصلاة والسلام لفتح الباب في النافلة، ولم يمشِ في الفريضة. فالمقصود أن النافلة أخف من الفرض، وإذا كانت أخف قالوا: إنه إذا صلى النافلة ساتراً عورته أجزأه. وبناءً على ذلك: لو صلى في سروالٍ دون أن يستر أحد عاتقيه، أو في إزارٍ دون أن يستر أحد عاتقيه، قالوا: تجزيه. لكن عموم نهيه عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن عمر في الصحيح أنه: (نهى أن يصلي الرجل بثوبٍ ليس على عاتقه منه شيء) يدل على العموم، ويشمل النافلة والفريضة، فالأقوى أنه يشمل الفرض والنفل، ولذلك يصلي الإنسان الفريضة والنافلة مع ستر العاتقين والعورة.
صفة ما يستر عورة المرأة
صفة ما يستر عورة المرأة قال المصنف رحمه الله: [وصلاتها في درعٍ وخمارٍ وملحفةٍ، ويجزئ ستر عورتها]. قوله: [وصلاتها] أي: المرأة، [في درعٍ وخمارٍ وملحفةٍ] الدرع الثوب الموجود لبعض النساء يكون كالثوب الموجود للرجل، وهو ما يسمى بالفساتين تقريباً، فهو على تفصيل الفساتين الموجودة في الوقت الحالي، لكن ليس بالتفصيل المعروف المبالغ به؛ لأن السلف ما كان عندهم هذه المبالغة، إنما كان عندهم أن يُفَصَّل كالثوب. قال بعض العلماء: إن الدرع كالقميص بالنسبة للرجل يكون إلى ساتراً لأعالي البدن، ويكون بعض الأحيان سابغاً بحيث يصل إلى ظهور القدمين، وأحياناً أرفع من أن يستر ظهور القدمين -أي: غير سابغ-، ويختلف بحسب بُعدِه، وقد يرتفع. وأما بالنسبة للخمار فهو مأخوذٌ من خمَّر الشيء يُخَمِّره تخميراً: إذا غطَّاه. فأصل التخمير: التغطية، ومنه سميت الخمر خمراً لأنها تغطي العقول -والعياذ بالله-، فالخمار يغطي الرأس وتضعه من تحت الحنك، فتغطي به شعرها، وتغطي به طرف الرأس من ناحية الأذنين. وأما بالنسبة للملحفة فهي الثوب الذي يكون على سبيل الغطاء من خارج، كما هو موجود الآن بما يسمى بالعباء، فيكون في حكم العباء، وإلا هو عادةً يكون من قطع القماش التي تأخذها المرأة وتلتحف بها، وهذا موجود إلى اليوم. وهذا على سبيل الاستحباب، لكن لو أنها سترت عورتها بما يستر أو يكفي للستر، فأخذت قماشاً فسترت به جميع العورة وبقي وجهها صحت صلاتها؛ إذ لا يُشترط تعيين الدرع، ولا يشترط تعيين الخمار، ولا يشترط تعيين الملحفة؛ لأن مقصود الشرع سترها، فإذا حصل الستر فقد حصل مقصود الشرع، فتصح صلاتها.
حكم صلاة من انكشف بعض عورته
حكم صلاة من انكشف بعض عورته قال المصنف رحمه الله: [ومن انكشف بعض عورته وفحش، أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه أو نجس أعاد]. بعد أن بين المصنف رحمه الله وجوب ستر العورة، ثم بين حدود العورة، ثم بيَّن ما تستر به العورة شرع في المسائل الطارئة، فلو أن إنساناً صلَّى وانكشف منه بعض عورته، فقال رحمه الله: [ومن انكشف بعض عورته وفحش] انكشاف بعض العورة يكون بالاختيار، ويكون بالاضطرار، أما بالاختيار فقولاً واحداً يوجب بطلان صلاته، فإذا كشف عورته مختاراً، دون حاجةٍ ولا ضرورةٍ مع علمه، فإنه تبطل صلاته. وانكشافها بالاضطرار يتأتى في قصر اللباس، كما لو كان له لباسٌ أو ثوب واحد، فإذا سَجَد انكشفت عورته، وكان هذا موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا -كما في أبي داود - يصلون وهم عاقدو أُزرهم على عواتقهم رضوان الله عليهم، فإذا سجد الرجل منهم انكشفت عورته، من قلة اللباس. مصعب بن عمير رضي الله عنه كانت له شملة هي التي خرج بها من الدنيا، إن غطوا بها وجهه في الكفن بدت قدماه، وإن غطوا بها قدميه بدا وجهه، وهذا من ضيق الحالة التي كان عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فكان النبي صلى الله عليه وسلم عاذراً لهم في ذلك، ولم ينزل الوحي بإلزامهم بشيء، أو تحميلهم تبعة ذلك، فدل على أن المضطر لا يكلف أكثر من قدرته. وإن كشفها ذاهلاً وناسياً دون إدراك منه، فقال بعض العلماء: إنه إذا كان ولم يعلم به، صحَّت صلاته إذا لم يفحش، واستدلوا على هذا بما ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه أنه قال: (وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فأسلم الناس بعد فتح مكة، وقدم أبي على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ولأصحابه: صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً، قال: فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم قرآناً فقدموني). فذكر رضي الله عنه أنه كان له ثوبٌ إذا سجد بدت به عورته، فقال رضي الله عنه: (فقالت النساء: استروا عنا است قارئكم). ووجه الدلالة من هذا الحديث قول النساء: (استروا عنا است قارئكم)، فدل على انكشاف عورته، ومع هذا لم تبطل صلاته، ولذلك قالوا: من انكشفت عورته لذهول أو نسيان فإن صلاته تصح بشرط عدم الفحش كما ذكر المصنف رحمه الله. وكان الإمام أحمد رحمه الله يضعف متن هذا الحديث، فكان إذا ذُكِر له حديث عمرو بن سلمة يقول: أي شيءٍ هذا؟ أي شيءٍ هذا؟ دعه فإنه ليس ببيِّن وهذا من فقهه ودقة فهمه رحمة الله عليه. فإن حديث عمرو بن سلمة رضي الله عنه يقول: (رجعوا فنظروا) أي: اجتهدوا، وكان هؤلاء الصحابة -كما هو معلوم- أسلموا في عام الوفود حينما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فمعنى ذلك أن اجتهادهم رضوان الله عليهم مع حدث عهدٍ بجاهلية لا يُؤمَن معه وجود الخلل؛ لأن انكشاف عورة المصلي يوجب البطلان بالأصل، فكونهم يتركونه يصلي بهم والعورة منكشفة -مع إمكان سترها- من ناحية أصول الشرع لا يقتضي الصحة، فكأنه يرى أن هذا فعل صحابيٍ في زمان النبوة لا يستلزم الاحتجاج بمثله، فلو كان في المدينة وبمحضر من النبي صلى الله عليه وسلم وإقرارٍ منه لصح الاحتجاج، لكن كون عمرو نفسه يقول: (فنظروا) يؤكد أن هذا خرج منهم على سبيل الجهل رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان كما جاء عنه في بعض الروايات أنه إذا قيل نفض يديه وقال: أي شيءٍ هذا؟ لأننا لو جئنا نقول بظاهره لأدى ذلك إلى بطلان أصل ستر العورة؛ لأنه بإمكانهم أن يستروه، وبإمكانهم أن يمنعوه من انكشاف عورته، ولذلك قال عمرو: (فنظروا). وهناك رواية عند عبد الرزاق في مصنفه أن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وأقره، ولكنها روايةٌ ضعيفة لم يصح سندها، ومثلها الرواية التي تفيد أن عمراً قدمَ مع أبيه، وهي رواية غير صحيحة، والصحيح أن عمراً كان عند أهله، وأنه كان يتلقى من قدم من المدينة من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيحفظ ما عنده من القرآن حتى كان أحفظ القوم، وكانوا حديثي عهدٍ بجاهلية، فرأوا أنه أحفظهم فقدموه.
حكم الصلاة في ثوب حرام أو نجس
حكم الصلاة في ثوب حرام أو نجس قال المصنف رحمه الله: [أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه، أو نجسٍ أعاد]. قوله: [أو صلى في ثوبٍ محرمٍ] كالثوب المغصوب، كأن يغتصب من إنسانٍ ثوبه ويصلى فيه، والصلاة في الثوب المغصوب للعلماء فيها قولان: قال الجمهور: من صلى في ثوبٍ مغصوبٍ فصلاته صحيحة، فلا يُطَالب بالإعادة، ولكنه آثمٌ بلبس هذا الثوب، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية رحمة الله على الجميع. وقال الحنابلة رحمهم الله: إن من صلى في ثوبٍ محرمٍ كالمغصوب والمسروق فصلاته باطلة، وتلزمه الإعادة، والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن النهي لم ينصب على ذات الصلاة، والنهي إذا لم ينصب على ذات الشيء لم يقتض الفساد؛ لأن النهي هنا عن خارجٍ ليس بمتصلٍ بذات الصلاة، فلو كان النهي عن متصلٍ بذات الصلاة لأوجب البطلان. وبناءً على ذلك قال الجمهور بانفكاك الجهة، فقالوا: نقول: هو آثمٌ بلبس الثوب مثابٌ بفعل الصلاة، وبناءً على ذلك نقول: إن صلاته صحيحة، ولبسه للثوب حرامٌ عليه وهذا أصح القولين لما ذكرناه من أن النهي إذا لم يرجع إلى ذات المنهي عنه لا يقتضي البطلان، ولا يقتضي الفساد، وأما إذا رجع إلى ذاته فإنه يقتضي البطلان والفساد. قوله: (أو نجسٍ) أي: أن صلى في ثوبٍ نجس تلزمه الإعادة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على الصلاة في الثوب النجس والمكان النجس، ولكن هنا إذا لم يكن مضطراً، أما لو اضطر وكان الثوب الذي يصلي فيه نجساً، ولم يوجد ما يطهر به هذا الثوب، كأن يكون في بريةٍ ونحوها، فقالوا: يصلي ولا تلزمه الإعادة. واستحب بعض العلماء أنه إذا اضطر وصلى في ثوبٍ نجس ثم وجد الطاهر قبل خروج الوقت أن يعيد استحباباً، وهذا مذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم. قال رحمه الله تعالى: [لا من حُبس في محل نجس]. قوله: [حُبِس] بمعنى أنه ألجأه الوقت أن يصلي في مكانٍ غير طاهر، قالوا: في هذه الحالة يصلي؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، فلو كان في مكانٍ نجس ولا يستطيع أن يخرج عنه، فحينئذٍ يصلي وصلاته صحيحة. وهكذا لو استغرق امتناعه عن الخروج مدة وقت الصلاة، فيصلي ولا إعادة عليه؛ لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وهذا ليس بوسعه أن يجد مكاناً طاهراً، فيصلي على حالته.
حكم عدم كفاية الساتر لستر العورة
حكم عدم كفاية الساتر لستر العورة يقول المصنف رحمه الله: [ومن وجد كفاية عورته سترها وإلا فالفرجين فإن لم يكفهما فالدبر]. بعد أن بيَّن المصنف رحمه الله وجوب ستر العورة للصلاة، وأنه ينبغي على كل مصلٍ أن يستر عورته، بيَّن أن من وجد هذا الساتر الذي أمر الله به فينبغي عليه أن يستتر، أما لو كان الإنسان غير واجدٍ للسُّترة التي أمر الله بها، كأن يكون خرج من غرق في البحر، ولا يجد ما يستر به عورته إلا شيئاً يسيراً من الثياب فيستر السوءتين وذلك هو الأصل في العورة، وما زاد على السوءتين إنما هو آخذٌ حكمها بحكم التَّبَع لا بحكم الأصل، فإذا تعارض عندنا ستر السوءة بنفسها -أعني: العورة- وستر ما جاورها قدم ستر العورة على ما جاورها، فيبتدئُ بستر الفرجين، فإذا كان هناك شيءٌ زائد على ما يستر به الفرجين ستره، وأما إذا كان القدر من الثياب الذي معه لا يكفي إلا للفرجين ستر الفرجين. وقوله: (فإن لم يكفهما فالدبر) للعلماء في تقديم أحدهما وجهان: فمنهم من قال: إن المكلف إذا فقد الساتر ولم يجد إلا ما يستر به أحد الفرجين ستر الدبر؛ لأنه أبلغ في الانكشاف خاصةً عند سجوده، ولإمكان ستر القبُل بالمواجهة، وبإنزال اليدين بمحاذاة الفرج دون مسٍ؛ لأن مس الفرج يؤدي إلى انتقاض طهارته وبطلان صلاته. قالوا: فخُفِّف في القبُل وشُدد في الدبر، ولأن القبل يستتر في حال السجود والدبر ينكشف، فأصبح أحد الموضعين أبلغ من الموضع الثاني في الانكشاف، وإذا كان أحد الموضعين أبلغ كان هذا مرجِّحاً لستره على غيره؛ لأن التضرر بانكشافه أبلغ. وقال بعض العلماء: إنه يستر القبُل ويترك الدبر؛ لأنه إذا وقف كان الانكشاف للقبل أبلغ من انكشاف الدبر. والحقيقة أن القول بستر الدبر أبلغ وأقوم، وذلك من وجوه: منها ما ذكروه، ولأن الإنسان يستر في صلاته قبله، ويضعف انكشاف القبل في حال القيام بضم الفخذين إليه، وبالركوع يكون أخف، وكذلك في حال السجود، فأصبح حال الفرجين مختلفاً من جهة الانكشاف، فرُجِّح تقديم الدبر على القبل للوجوه التي ذكرناها.
إعارة العادم السترة وحكم أخذه لها
إعارة العادم السترة وحكم أخذه لها قال رحمه الله تعالى: [وإن أُعِير سُترةً لزمه قبولها] بعد أن بين رحمه الله أنه لا تصح الصلاة إلا بالسترة، وأن هناك أحكاماً تتعلق بالمضطر -وهو الشخص الذي لا يجد السترة- شَرَع بعد ذلك في حكم هذا الشخص الذي لا يجد سترة، فلو أن إنساناً قال له: خذ هذا الثوب عاريةً مني، أو هديةً، أو عطيةً، فإنه يجب عليه قبول هذا الساتر لستر العورة، وذلك لمكان الفرض الواجب عليه بالستر، وهذه من الصور التي يجب فيها قبول العارية والهبة، لا لذات العارية والهبة، ولكن لأنه مطالبٌ بستر عورته، فتوقَّف هذا الواجب -وهو ستر العورة- على قبول العارية والهدية، والقاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فلذلك قالوا: يلزمه القبول، ولا يجوز له أن يمتنع.
كيفية صلاة العاري منفردا
كيفية صلاة العاري منفرداً قال المصنف رحمه الله: [ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما]. بعد أن بين الحالة الأولى، وهي التي تتعلق بالإنسان الذي لا يجد السترة من طَوْلِه ومن ماله ووجدها من الغير بين الحالة الثانية، وهي ألا يجد أحداً يتبرع له بالسترة، ولا يمكنه أيضاً ستر أحد الفرجين، فقال رحمه الله: (ويصلي العاري قاعداً)، فلو أن هذا الشخص الذي لا يجد السترة لم يجد من يعطيه سترة أو يعيره السترة، وليس عنده ما يستر به أحد الفرجين فللعلماء في الإنسان العاري إذا أراد أن يصلي وجهان: فمنهم من قال: يصلي قائماً، ومنهم من قال: يصلي قاعداً. وصورة المسألة: لو أن إنساناً غرق، أو جماعةً انكسرت بهم السفينة، فخرجوا وأصبحوا عراةً، أو نزلوا في موضعٍ احترقت عليهم ثيابهم، ولم يجدوا ما يستروا به عوراتهم، فأهل القول الأول قالوا: إذا اجتمعوا أو انفردوا فإنه يصلي الإنسان في هذه الحالة قاعداً، ووجه هذا القول أنهم قالوا: إنه إذا صلى قاعداً فات حق الله عز وجل في القيام، وإذا صلى قائماً فات حق العبد بانكشاف عورته وتضرر فتعارض الحقان، والقاعدة أن حقوق الله أوسع من حقوق العباد، فإذا تعارض الحقان قدم حق العبد على حق الله لا من جهة التفضيل، ولكن من جهة الرحمة واللطف، ولذلك من اضطر في سفر إلى مخمصة وأصابته المجاعة فإن حق الله ألا يأكل الميتة، وحق نفسه أن ينقذها، فقُدِّم حق النفس على حق الله من جهة الرحمة والتوسعة من الله على عباده. فيقولون: إن العاري لو قلنا له: صلِّ قائماً تضرر بحق نفسه بانكشاف عورته وبدو سوءته، وقد سمَّى الله العورة سوءة قال تعالى: {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ} [طه:121]. فأخبر سبحانه وتعالى أن العورة سوءة، قالوا: سميت سوءةً؛ لأنها تسيء إلى صاحبها عند انكشافها. والقول الثاني: يصلي قائماً ولا يصلي قاعداً؛ لأن الله تعالى قال: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقال لـ عمران: (صل قائماً). فالأدلة ملزمةٌ بالقيام، قالوا: فإذا قلنا له: اجلس لمكان انكشاف العورة فإننا نقدم الشرط على الركن، والقاعدة أنه إذا ازدحم الشرط والركن قُدِّم الركن على الشرط، فإن القيام ركن، والجلوس من أجل ستر العورة تحصيل للشرط، والذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان إذا لم يجد ما يستر به عورته يصلي قائماً، لأمور: أولاً: للأدلة التي دلت على لزوم القيام. ثانياً: أن قولهم بأنه يجلس ولا يقوم إنما هو تقديمٌ للشرط على الركن، والقاعدة أن الأركان مقدمةٌ على الشروط، وهذا بدليل الشرع، فإن الأركان أَلْزَم؛ لأنها تعود إلى حقيقة الصلاة وماهيتها. ثالثاً: أن فقه المسألة أن الإنسان إذا صلى قائماً فإنه ليس بمخلٍ من نفسه؛ لأن الله كلَّفه أن يستر عورته عند القدرة، ولا قدرة له على الستر. فبقي نظر الغير إليه يتعلق إثمه بالناظر، فالله لم يكلفني نظر الغير؛ لأنني إذا لم أجد الطّول فغيري هو الآثم بالنظر، وأصبح التكليف بغض النظر متعلقاً بالغير لا بالمكلف، ولذلك يقوى القول بأنه يُصَلِّي قائماً، ولا يصح منه أن يصلي جالساً لما ذكرناه. وقوله: (استحباباً) أي: لا نوجب عليه ذلك، ومعناه أنه لو صلى قائماً صحت صلاته، وخلاصة القول: يصلي قائماً حتى نخرج من الخلاف؛ لأن من قال: (يصلي قاعداً) لا يُوجِب القعود، وإنما قال: (استحباباً) أي: لا حتماً ولا إيجاباً.
كيفية صلاة العراة جماعة
كيفية صلاة العراة جماعة قال المصنف رحمه الله: [ويكون إمامهم وسطهم]. هذه مسألة من مسائل الإمامة، قالوا: الأصل في الإمام أن يتقدم؛ لأن الإمام مأخوذٌ من الأمام، كما قال ابن منظور في اللسان، والأمام هو الخط الذي يُخط في أول الدار. قالوا: فوصفه في الشرع بالإمامة يدل على تقديمه، فلو تأخر لم يكن إماماً شرعياً من هذا الوصف؛ لأنه يُؤتم به. وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به) أي: من أجل أن يؤتم به، فلما أخبر أن الإمام مؤتمٌ به، فهذا مطلق يشمل الائتمام به في حال تقدمه والائتمام به في حال أدائه للصلاة، ولذلك ينبغي على الإمام أن يتقدم، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يصلي بأصحابه متقدماً لا متأخراً، ولا مساوياً للصفوف إلا في حال الاضطرار، فهذا يستثنى لمكان الضرورة والحاجة. لكن لو أن عراةً اجتمعوا وأرادوا أن يصلوا قال: [ويكون إمامهم وسطهم]، وذلك مما يُغتفر فيه تقدم الإمام على المأمومين، لكن يُنبه على أن الإمام ينبغي عليه أن يتقدم على من بجواره قليلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به)، فهذا يدل على تقدم الإمام ولو قليلاً، كما نبه العلماء رحمهم الله على ذلك، كما في حديث أنس، وهو أحد الوجهين عندهم كما نبه عليه فقهاء الشافعية وغيرهم. فيصلِّي وسطهم، لكنه يتقدم قليلاً، والسبب في هذا أنه إذا تقدم انكشفت عورته، وانكشاف العورة مخلٌ بالصلاة، قالوا: فيتأخر؛ لأن تقدم الإمام هنا أخف من المسألة التي معنا في القيام والقعود، فإن التقدم في الإمامة يغتفر لمكان دلالة النص على الستر، فإن دلالة النص على الستر في النصوص الواردة بالأمر بالستر وستر العورة أقوى من الأمر بتقدم الإمام، فلما أصبحت نصوص ستر العورة أقوى من نصوص تقدم الإمام قالوا: إن الإمام يصلي وسطهم، بمعنى أن يكون داخل الصف. فلو فرضنا أنهم ثلاثة عراة، فإنه يصلي وسطهم، ويكون أحدهم عن يمينه والثاني عن يساره. قالوا: وهذا يغتفر فيه مقامه عن اليسار، وهي من الصور التي يستثنى فيها وقوف المأموم عن يسار الإمام. لكن لو أنه أخره قليلاً فإنه أولى وأحرى، ولا شك أنه لو تأخر قليلاً لا يكون ثَمّ انكشاف كما لو تقدم تقدماً حقيقياً كما يفعله الأئمة. قال رحمه الله تعالى: [ويصلي كل نوعٍ وحده] أي: تصلي النساء على حدة، إذا كن عراةً، والرجال على حدة، تحقيقاً لمقصود الشرع من ستر العورة وعدم تعاطي أسباب انكشافها، فيصلي الرجال مع الرجال والنساء مع النساء؛ لأن اجتماع النساء مع الرجال في هذه الصور فيه الفتنة، وقال بعض العلماء: لا حرج أن يصلي النساء مع الرجال حتى في حال العري؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا سجدوا انكشفت عوراتهم؛ لأنهم لم يكن لهم ما يسترون به العورة من ضيق اللباس في زمانهم رضي الله عنهم وأرضاهم، قالوا: ففي هذه الحالة كون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر النساء بالتأخر في رفع رؤوسهن، وإقراره لصلاتهن مع الرجال على هذه الحالة يدل على التخفيف. لكن هذا محل نظر، وذلك من وجوه: أقواها وأولاها أن حال الصحابة رضوان الله عليهم يقع في صورةٍ يمكن تلافيها، وإمامة العراة صورة لا يمكن تلافيها؛ لأن انكشاف العورة من الرجال في عهد الصحابة كان في حال السجود فقط، وبناءً على ذلك يمكن تلافيه، فإن النساء إذا أخرن رفع رؤوسهن وبادرن بالسجود، فإنه يمكن تلافي الفتنة بالنظر، لكن كونهن يصلين والرجال أمامهن منكشفين فإن النساء يحتجن إلى رؤية الإمام ورؤية من يقتدي بالإمام قطعاً حتى يعلمن بالانتقال، خاصة عند كثرة العدد، وبناءً على ذلك فالفتنة غالبة، ولذلك يقوى قول من قال: إنه يصلي الرجال على حدة والنساء على حدة؛ لأن الجماعة متحققة بالنساء على انفرادهن، وبالرجال على انفرادهم. قال المصنف رحمه الله: [فإن شق صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم عكسوا] قوله: [فإن شق] أي: إن شق أن يصلي هؤلاء على حدة، وأن يصلي هؤلاء على حدة، كما لو كانوا في سفينة، وليس معهم ثياب تستر بها العورات، فحينئذٍ يصلي الرجال أولاً والنساء مستدبرات للرجال، ثم تصلي النساء والرجال مستدبرون للنساء؛ لأن القاعدة أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فغض البصر عن النظر إلى العورة واجب، وتوقف في هذه الحالة على حالة الإستدبار، فأصبح الإستدبار لازماً على الرجال ولازماً على النساء.
حكم من صلى عاريا ووجد ساترا أثناء صلاته
حكم من صلى عارياً ووجد ساتراً أثناء صلاته قال المصنف رحمه الله: [فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة ستر وبنى وإلا ابتدأ] هذه القسمة العقلية، فالإنسان عقلاً لديه ثلاث حالات: إما أن يجد السترة، وإما ألا يجد السترة، وإما أن يجد بعض السترة. فإن وجد السترة لزمه قولاً واحداً أن يستتر، وهذا الأصل. وإن فقد السترة صلى عارياً، وقد بين المصنف حكمه جماعةً وفرادى. وإن وجد بعض السترة فهل يستر القُبُل أو الدبُر، وجهان: أصحهما أن يستر الدبر. ثم بعد هذا شرَع رحمه الله في الحالة الأخيرة، وهي أن من فقد السترة إما أن يفقدها حتى يصلي وينتهي من صلاته، وحينئذٍ الحكم ما تقدم، وإما أن يفقدها وتطرأ أثناء الصلاة، فقال رحمه الله: (فإن وجد سترةً قريبةً في أثناء الصلاة)، كأنه يقول: بيَّنت لك حكم من لم يجد السترة وصلى، هل يصلي قائماً أو قاعداً، وبقي أنها لو طرأت أثناء الصلاة، فحينئذٍ إذا طرأت أثناء الصلاة لَزِمه أخذها، والحركة لأخذ السترة جائزة ومغتفرة؛ لأنها تحصيل لواجب، والحركة لواجب مشروعة، وقد تحرك النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة الصلاة، ألا تُراه عليه الصلاة والسلام رقى منبره، ونزل من المنبر، وتحرك في الصلاة لمصالحها، وحرك أصحابه لمصالح الصلاة، فدفع جابراً وجباراً وراء ظهره، وأخذ بـ ابن عباس من ورائه فأداره عن يمينه، كل هذا يدل على جواز الحركة لمصلحة الصلاة. فلو فرض أنه وجدها أثناء الصلاة، فإنه إن كان العمل قليلاً فحينئذٍ لا إشكال، كما لو جاءه رجل بسترة وناوله وهو في الصلاة، فإن مناولة السترة ووضعها على العاتق قد تكون خفيفة يسيرة، والعمل لذلك يسير، لكن الإشكال لو احتيج إلى أن يتكلف في لبسها لطبيعتها إلى عملٍ كثير، ويمكنه أن يستر بعض الجسد بالعمل اليسير، فهل يقدم الستر للكل بالعمل الكثير أو يُقدم الستر للعورة بالعمل اليسير؟ صورة ذلك لو أعطاك ثوباً، فإن لُبسَ الثوب يقتضي حركةً أكثر مما لو احتزمت بالثوب، وفي حال إذا كان الثوب يحتاج إلى عمل كثير من إدخال اليدين فيه، وتعاطي أسباب اللبس، فحينئذٍ يكون هذا التحرك مدفوعاً بما هو أقل منه محصلاً لواجب الشرع، فإنك إذا ائتَزَرْت به، ووضعت أحد طرفيه على عاتقك حققت مقصود الشرع، وذلك بعملٍ يسير، فيلزمك فعل اليسير وترك الكثير؛ لأن ما جاز للحاجة يقدر بقدرها، فهو محتاجٌ لستر عورته، فالكمال أن يلبس الثوب بكامله، والإجزاءُ أن يلبسه على موضع عورته وقدر ما يجب عليه ستره، فيفعل الواجب عليه ستره. لكن هنا مسألة أشكل من هذه المسألة وأعظم، فلو أن إنساناً كان يصلي وهو قائم، وألزمنا القيام وهو عاري البدن، ثم سقط الثوب بجواره، فحينئذٍ لا يستطيع أن يأخذ الثوب في الغالب إلا بالانحناء، وإذا انحنى انتقل من ركنٍ إلى ركن، فإنه ينتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع أو ركن الجلوس، وحينئذٍ هذا الركن زائد في الصلاة، ولذلك أجمع العلماء على أنَّ تَعمُّدَ زيادة الركن في الصلاة يوجب بطلانها، ففي هذه الحالة ينبه بعض مشايخنا رحمة الله عليهم فقالو إنه يرفعه بقدمه ويتناوله ويلبسه ولا ينحني، فيحافظ على هيئات الصلاة ويلبس ثوبه، ويقتصر على أقل ما يتحقق به الواجب. وقوله: [قريبة] أي أن تكون هذه السترة قريبة، وفي هذه الحالة إذا كانت بعيدةً، أو لزمه عملٌ كثير لتعاطيها ولبسها، قالوا لا يجب عليه أن يشتغل بها، بل يتم صلاته. وقوله: [ستر وبنى وإلا ابتدأ]. هذا بالنسبة لحال الإتمام، لكن لو صاح عليه صائح وقال: لك ثياب عند محمد أو زيد فيلزمه قطع الصلاة، ثم يذهب ويلبس ويصلي مستتر العورة. فلو طرأ أثناء الصلاة وجود سترة تحتاج إلى عملٍ كثير، أو ذهاب إلى موضع، ويمكنه ذلك قبل خروج الوقت يقطع ويذهب؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإنما جاز له أن يصلي في حال الفقد، أما في حال الوَجْد فلا يصح منه أن يصلي في حال قدرته على ستر العورة على هذا الوجه.
الأسئلة
الأسئلة
حكم كشف الفخذ في غير الصلاة
حكم كشف الفخذ في غير الصلاة Q إن الأحاديث التي وردت بحد العورة مطلقة ضعفها أهل العلم، وحسنُوا المقيد بالصلاة، فهل يُفهم من ذلك أن الفخذ خارج الصلاة ليس بعورة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فنحن ذكرنا أن الأحاديث المطلقة مضعَّفة، والأحاديث المقيدة بالصلاة محسَّنة وثابتة ويعمل بها، ولكن ليس معنى هذا أنه يجوز للإنسان أن يخرج وعورته مكشوفة. ولذلك قالوا: إن كشف بعض أعضاء البدن إذا جرى العرف بسترها مخلٌ بالمروءة. ويقولون: إن من خوارم المروءة أن يفعل الإنسان ما أبيح له سراً أمام الناس جهراً، ككشف بعض أعضاء الجسم إذا جرى العُرف بتغطيته كالرأس، قالوا إنه يعتبر مسقطاً للمروءة، كما قال القائل: وما أبيح وهو في العيان يقدح في مروءة الإنسان فقالوا: إنه قد يكون الشيء في أصله جائزاً، لكنه من باب المروءة وتعاطي الكمال يجب ستره، وهذا فيما زاد عن حد العورة، كأعالي البدن، فلو أن إنساناً خرج في السوق كاشفاً عن صدره، أو لبس ما يُسمى (بالفنايل)، وجاء أمام الناس لابساً سرواله وفنيلته، فهذا خلاف العُرف، لكن لو كان صانعاً، أو صاحب صنعةٍ أو مهنة، ولبس هذا اللباس أثناء عمله ومهنته فلا حرج ولا عتب عليه، لكن إذا جاء إلى مجامع الناس بهذا اللبس فإنه تسقط مروءته وترد شهادته، قالوا: لأن هذا نقصٌ في العقل، وناقص العقل لا تقبل شهادته، ومن أهل العلم من استدل له بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت). قال الشاعر: يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء فالإنسان إذا استحيا كملت مروءته، بل قالوا: إنه لا يستحيي إلا من كان كامل العقل، أعني الحياء المحمود الذي يحمل على مكارم الأخلاق. ومن مكارم الأخلاق ما ذكرناه من عدم تعاطي الألبسة، أو كشف الأمور التي لم يجر العرف بكشفها، ويستحب للإنسان أن يراعي هذا خاصةً في الأعراف، فيساير العرف الذي هو فيه إذا كان العرف على الكمال، أما لو كان العرف على النقص فلا يسايره، فلو كان العرف درج على لبسٍ يخل بالمروءة، أو على لبس متهتك يخالف شرع الله، فإنه لا يعتبر عرفاً. قال الناظم: وليس بالمفيد جري العيدِ بخلف أمر المبدئ المعيدِ والعرف إن خالف أمر الباري وجب أن ينبذ في البراري فلا قيمة للعرف ما دام أنه يعارض الشرع، ومثل العلماء لذلك فقالوا: لو جرى العرف بحلق اللحية لم يكن عرفاً معتبراً؛ لأنه يُصادم الشرع. فالمراد بالأعراف المعتبرة الأعراف التي توافق الشرع، وتوافق مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وجميل الطباع، فهذا هو العرف المعوَّل عليه، والله تعالى أعلم.
باب شروط الصلاة [5]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [5] كثيراً ما يقع العبد المسلم في أمورٍ قد تخل بصلاته، لذا وجب على كل مصل معرفة شروط الصلاة؛ كستر العورة وما يخصها من أحكام، وما يكره في الصلاة وما يحرم فيها حتى تكون صلاته صحيحة.
ما يكره فعله في الصلاة
ما يكره فعله في الصلاة
السدل في الصلاة
السدل في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويكره في الصلاة السدل]. نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السدل كما في حديث أبي داود الذي حسن العلماء إسناده: (أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن السدل في الصلاة)، وبين العلماء رحمهم الله هذا السدل وهو أن يرسل طرفي الرداء دون أن يضمهما أو يجعلهما على أحد عاتقيه، كما في الإحرام يكون الإزار لأسفل البدن، والرداء لأعلاه، فإذا جاء الإنسان يصلي فإنه إذا سدل يكون منفتح الصدر، وهذه الهيئة لا تليق والعبد واقف بين يدي الله عز وجل، ولذلك لو دخل عليه إنسان يجله ويكرمه فإنه مباشرة سيضم ذلك الرداء، ولا يرى من نفسه أن يكشف صدره ما دام أمكنه أن يحجبه. ولذلك يرمي بطرف الرداء إذا أراد أن يصلي، أو على الأقل يضمه، وإذا كان في غير الإحرام شَبَكه، فجعل له مشبكاً أو زَّرره إذا كان له أزراراً، لكن استُثنِي من هذا ما جرت العادة بلبسه مع وجود ما هو دونه مثل العباءة والبشت، فقد أجاز العلماء رحمهم الله أن يرسله؛ لأن العلة غير موجودة فيه، فإن السدل المراد به ما يؤدي إلى الانكشاف، ولذلك يقولون: ما كان معللاً فإنه يدور مع علة الحكم وجوداً وعدماً. وبناءً على هذا لو كان جرى العرف أنه يُسدَل فلا حرج عليه أن يصلي سادلاً، ولكن مع هذا فالأكمل والأولى أنه يضُم طرفي عباءته حتى يكون ذلك أبعد عن الشبهة.
اشتمال الصماء في الصلاة
اشتمال الصماء في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [واشتمال الصماء] يقال: حجرةٌ صماء. إذا لم يكن فيها منفذ، واشتمال الصماء فيه أقوال للعلماء: أقواها وأولاها أن يأخذ الثوب ويتلحَّف به على وجهٍ لا يوجد فيه لليدين أو لأحدهما منفذ. فبعض الناس في شدة البرد يأتي بالغطاء الذي هو الرداء على أعلى البدن، ويتوشح به على طريقة لا يستطيع أن يخرج يده لو دهمه عدو أو سبع، أو أرادته دابة أو هامة، فلا يستطيع أن يعاجل لدفع هذا الضرر، فنُهِي عن هذا الاشتمال، وهذا وجه. وقيل: أن يأخذ الثوب ويتلحَّف به ويرده على عاتقيه فينكشف فرجه، قالوا: وهذا وجه من الأوجه التي نهي عنها. وورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه تفسيره بالوجه الذي ذكرناه، وبناءً على ذلك، فإن قلنا: السدل هو أن يضم الثوب، ويكون الثوب أصم لا منفذ فيه تكون العلة خوف الضرر على الإنسان؛ لأنه ربما في بعض الأحيان خاصة إذا كان يمشي يفاجأ بحية أو سبع أو عدو، فإذا كان مشتملاً للصماء فلا يستطيع أن ينزع سلاحه، أو يكبح عدوه، ولا أن يدفع الضرر عنه، قالوا: فنُهِي عنها من أجل مضرة البدن. والوجه الثاني: لخوف انكشاف العورة، فإذا التحف بالثوب الواحد فلو تحرك منه انكشفت عورته على الصورة التي ذكرناها، وكل هذه الصور منهي عنها، لكن الخلاف في المراد باشتمال الصماء، وهذا مثله نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الملامسة، فالإجماع منعقد على أن بيع الملامسة لا يجوز، سواءٌ أقلنا: الملامسة أن يقول له: أبيعك ثوبي على أن يقوم لمسك مقام نظرك، أم قلنا: أن يقول له: إذا لمست الثوب فهو عليك بعشرة، أو إذا لمست الثوب انقطع الخيار عنك، فكل هذه الصور في الأصل محرمة، لكن الخلاف أيها المراد بالحديث، فينبغي أن يُتَنَبه أن خلاف العلماء في اشتمال الصماء هنا إنما هو الخلاف في المراد بالحديث، لكن لو أن إنساناً التحف بالثوب بطريقة تنكشف بها العورة نقول: هذا حرام، سواءٌ أكان هو اشتمال الصماء أم لم يكن؛ لأن الشرع لا يجيز انكشاف العورة، ولا يجيز لبس الثياب على وجهٍ تنكشف به السوءة. كذلك لو قلنا: إن اشتمال الصماء لا يشمل التلحف بالثوب، فإن التلحف بالثوب على وجهٍ لا يتمكن الإنسان معه من دفع العدو أو الدابة أو الهامة منهيٌ عنه؛ لمكان الضرر بالبدن.
تغطية الوجه في الصلاة
تغطية الوجه في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وتغطية وجهه]. ذلك لأنه ورد حديث أبي داود في النهي عن تغطية الوجه في الصلاة، ولأنه إذا غطى وجهه في الصلاة شابه اليهود، فإن اليهود في معابدهم يغطون، فنُهِي عن هذا لئلا يكون فيه مشابهة لليهود، كما نهي عن التشبيك لمن عَمِد إلى الصلاة، أو جلس في الصلاة ينتظرها، أو كان في الصلاة؛ لأن فيه مشابهةً لليهود. وكذلك أيضاً لأنه إذا غطى وجهه في الصلاة فإنه يمنعه من مباشرة السجود عليه، والسجود على الجبهة والأنف مقصودٌ في حديث السبعة الأعظم التي أُمِر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود عليها كما في حديث ابن عباس في الصحيح.
وضع اللثام على الفم والأنف في الصلاة
وضع اللثام على الفم والأنف في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [واللثام على فمه وأنفه]. أي: يستوي أن يغطي وجهه كليةً، أو جزئياً فيجعل اللثام على أنفه، أو يجعله على فهمه، قال بعض العلماء: إنه إذا جعل اللثام على فمه منع من خروج الحروف وإحسان القراءة، ومنع من تبينها إذا كان إماماً، فنهي عن هذا من أجل هذا الوجه. وقال العلماء: إن المقام بين يدي الله في الصلاة مقام هيبةٍ وإجلالٍ وتعظيمٍ لله عز وجل وتوقير، فإذا تلثَّم فإن هذا لا يتناسب مع حال المصلي الواقف بين يدي الله عز وجل.
كف الكم ولفه في الصلاة
كف الكم ولفه في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وكف كمه ولفه] كف الكم ولفه تلك الصورتان منهيٌ عنهما. وكف الكم هو أنه إذا أراد أن يسجد ضم كف كمه إليه؛ لأنه إذا سجد ربما اتسخ الكم، قالوا: إن هذا كف الكم. وأما لفه فصورته أن يلفه حتى يَنْشَمِر ويرتفع إلى العَضُد أو إلى نصف الساعد، فهذه الصورة لا تليق بمن وقف بين يدي الله؛ لأنها صورة العمل، والعامل إذا أراد أن يقوم بمهنته وعمله كفَّ ثوبه، وكذلك لَفَّ الثوب، ولذلك نهي عن هذا الكف؛ لأنه لا يليق بمقام العبد بين يدي الله، ولذلك لو دُعِيَ إنسانٍ ليدخل على إنسانٍ يجله ويكرمه ويعظمه لما دخل مشمر اليدين؛ لأنها هيئة لا تليق بالدخول على العظيم أو من يراد تعظيمه، ولله المثل الأعلى، فناسب أن يكون موقف الإنسان بين يدي الله عز وجل على غير هذه الصورة. وهذا يقع فيه كثير من الناس بسبب الخطأ والجهل، فهم يتوضئون، ثم يأتون مباشرة وقد حسر أحدهم عن ذراعيه، فيكبر ويصلي وهو حاسر الذراعين، وهذا -كما قلنا- لا يليق بالمصلي أن يفعله، والأدهى من ذلك أنه أثناء الصلاة يفك هذا اللفاف عن يديه، وهذا اشتغال، ولا ينبغي للإنسان أن يشتغل به إلا في حالة واحدة، وهي أن ينسى ذلك، ثم يتذكر في الصلاة، قالوا: فإنه يتعاطاه من باب تحصيل الواجب، وهو أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن كف الثوب يقتضي خروجه عن هذه الصورة فيُلزم به.
شد الوسط في الصلاة
شد الوسط في الصلاة قوله: [وشد وسطه كزنار]. كان قديماً إذا فُتِحت بلاد الكفار وفيها قومٌ من أهل الكتاب من أهل الذمة يُلزَمُون بلبس معين يختص بهم حتى لا يشابه المسلمين؛ لأن لهم أحكاماً تخصهم، فربما أنهم لو اختلطوا بالمسلمين ولبسوا لباسهم سُلِّمَ عليهم وعوملوا معاملة المسلمين، وذلك تكريمٌ لهم، والشرع قصد إهانتهم كما قال تعالى: {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ} [الحج:18]، فلذلك الكفار إذا كانوا تحت حكم المسلمين يُذلون، وهذا أصل شرعي في حدود اشتمل عليها كتاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل الذمة، والذي شرحه الإمام ابن القيم في كتابه النفيس: (أحكام أهل الذمة). فمن هذه الأحكام أنه يُشَد وسطهم بالزنار، وهو نوع من اللباس يجمع على وسطهم حتى يتميزوا عن المسلمين، ويكون هذا علامة لهم على أنهم من أهل الكتاب، فلا تُعطَى لهم أحكام المسلمين في الظاهر، فإذا أراد أن يصلي المصلي لا يشد وسطه كالزنار، أي: كشد الزنار. أما لبس الزنار ذاته فإنه منهي عنه؛ لأن فيه مشابهة للكفار، ولا تجوز مشابهتهم. لكن لو صلى الإنسان فلا ينبغي أن يصلي وقد رفع ثوبه أو شمَر وسطه، ويستوي في ذلك أن يرفع طرف الثوب ويضمه، مثلما يفعله بعض العمال أثناء عملهم، حيث يرفع الطرف الأسفل ثم يشد الوسط، أو يجعل الثوب مرخياً ويأتي بعمامته ويشدها في الوسط، كمن أراد أن يحمل شيئاً حتى يتمكن من حمله بقوة الوسط، فيجعل في وسطه حزاماً أو عمامةً، فهذا منهي عنه، لكن لو كان اللباس يُحتاج إليه، كإنسان يعمل في حدادة أو نجارة، ويلبس البنطال واحتاج أن يشده بحزام، لخوف انكشاف عورته، فلربما انحسر هذا الساتر عن عورته لو لم يشد، فحينئذٍ لا حرج عليه، إنما المراد بالشد الذي ينبئ عن الصورة الناقصة في المصلِّي، مثلما يقع في الثياب يُوضَع في وسطها ما يُشَد، أما لو كان من طبيعة اللباس فهذا مستثنىً ولا حرج فيه.
ما يحرم فعله في الصلاة
ما يحرم فعله في الصلاة
الخيلاء بالثوب وغيره في الصلاة
الخيلاء بالثوب وغيره في الصلاة قال المصنف رحمه الله: [وتحرم الخيلاء في ثوبٍ وغيره]. لما ثبت من حديث أبي ذر في الصحيحين: أنه انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (ثلاثة لا يكلمهم الله عز وجل يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان بما أعطى، والمسبل إزاره، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب). وجاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)، قالوا: نهى عن الإسبال وتَوَعَد بسببه بهذا الوعيد لما فيه من الخيلاء والتبختر، والحديث الثاني في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) يؤكد هذا المعنى، وكذلك ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد إعطاء سيفه في غزوة أحد قال: (من يأخذه بحقه؟ فقالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: أن يضرب به العدو فتقاعس القوم، فخرج أبو دجانة رضي الله عنه وأرضاه، وعصب عصابته الحمراء وأخذ السيف وتبختر في مشيته، فأخذ يختال بين الصفين، فقال عليه الصلاة والسلام: إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع). فالخيلاء والتبختر في المشي منهيٌ عنه، واعتبر العلماء رحمهم الله أن من تبختر واختال في مشيته أنه من أهل الكبائر، أي: أنه فاسق بهذه المشية، ولو مرةً واحدة، فلو أن أحداً اختال في مشيته، أو جر ثوبه خيلاء فإنه يعتبر متوعَّداً بهذا الوعيد، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه. فالخيلاء لا يجوز، لا في المشي ولا في الثوب، والخيلاء في الثوب تكون بجره وإسباله، وكذلك ربما تكون في صورة المشية، كأن ترى الإنسان يختال اختيال العظيم، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينما رجل ممن كان قبلكم عليه بردان له يتبختر فيهما، إذ نظر إلى عطفيه فأعجب بنفسه، فخسف به فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة). فهذا يدل على أنه لا يجوز لمسلم أن يختال، أو أن يكون من أهل الخيلاء، بل ينبغي عليه التواضع والذلة لله عز وجل.
الصلاة في ثوب فيه تصاوير
الصلاة في ثوب فيه تصاوير قال المصنف رحمه الله: [والتصوير واستعماله] قوله: [والتصوير] تفعيلٌ من الصور، والتصوير سواءٌ أكان باليد أم بآلة، فإنه داخلٌ في عموم الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (ولعن المصورين)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون). وقد دلت السنة الصحيحة على أن المراد من التصوير إيجاد مثل الخلقة، بغض النظر عن كون المصور أوجدها بآلةٍ أو بنفسه، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي)، والكاف تقتضي التشبيه، بغض النظر عن كونه شابه الصورة من كل وجهٍ بآلة، أو لم يشابهها فكان قريباً من الصورة الأصلية، فيشمل ذلك التصوير بآلة والتصوير بالفعل. والدليل الثاني على دخول التصوير بالآلة في النهي أن الصورة التي أخرجتها الآلة لو سُئِل الإنسان عنها: أهي خِلقة الله أو مثل خلقة الله، لأجاب -قطعاً- أنها مثل خلقة الله، فليست هي الخلقة الحقيقية، وقد قال تعالى: (ممن ذهب يخلق كخلقي)، وهذا يستوي فيه أن يكون بآلةً، أو بالشخص نفسه بفعل يده. وكون الإنسان يصور بهذه الصورة يوجب وقوعه في المحظور. فالمصوِّر ولو بآلة يعتبر مصِّوراً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، وهذا مطلق يشمل أي حالةٍ تم بها التصوير، فمن قيد احتاج إلى دليل، وقولهم: إن التصوير بالآلة كالمرآة هذا قياس مصادمٌ للعموم؛ لأنه قياسٌ مع الفارق، ووجه الفارق أن الصورة في المرآة لا تثبت، والصورة بالآلة ثابتة، والأمر الثاني: أن الصورة في المرآة كانت للخلقة نفسها، فهي محاكاة الخلقة دون ثبوت، والصورة بالآلة محاكاة الخلقة مع الثبوت، فأصبح فعل المكلف بالزيادة على الآلة موجوداً، ولأن المصوِّر بالآلة يحتاج إلى تحميض، وهذا التحميض لا شك أنه فعلٌ للتصوير، ولذلك لا يُشَك أن التصوير بالآلة كالتصوير بالفعل، فلو قال قائل: إن التصوير بالآلة يحكي صورة الإنسان نقول: إذاً لو صور المصور الماهر صورة الإنسان على حقيقته لما كان مصوراً. والأمر الثالث: أنه ينتقض هذا القياس بالنظير، فلو سألنا وقلنا: لو أن إنساناً أوجد آلةً تخرج تمثال الإنسان بعد تصويره، فتطبع صورة الإنسان وتخرجه بالجِرم بنفس الصورة التي التقطت، لقيل: الإجماع على أن ذلك محرم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صورة تمثال). إذن هذه نفس الصورة، فإن كانت الآلة غير داخلة في التحريم فهذه أخرجتها الآلة، وإن كانت المشابهة تمنع التحريم فهذا مشابه، مع أننا حكمنا بالحرمة في كلتا الصورتين، ولذلك يقوى القول بالتعميم، لكن إذا وُجِدت الضرورة أو الحاجة في الصور لا حرج، كحاجة الإنسان إليها في معاملة استخراج الجواز، أو إثبات الهوية؛ لأنه لولا ذلك لضاعت مصالح العباد، ولحصلت مفاسد وشرور عظيمة، فهذا من باب الضرورة، ولا حرج في هذه الحالة. أما إذا لم تُوجَد الحاجة فالأصل التحريم وأنه لا يجوز، والفتنة الموجودة في صورة اليد كالفتنة الموجودة بصورة الآلة، بل الفتنة بصورة الآلة أعظم من الفتنة بصورة اليد، فالحقيقة أن الذي تطمئن إليه النفس أن مجرد وجود الآلة لا يكفي لزوال التحريم، فإن الآلة ليست بنفسها التي تصور، ومن قال: إنها تصور بنفسها لا شك أنه يكابر في الحس، أليست الآلة يُضْغَط عليها؟! ومن ضغط عليها لا يختلف اثنان في تسميته مصوراً، إذاً هو مصور، فدخل في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون) هذا أمر. الأمر الثاني: أنه إذا طبع بالآلة حمَّض الصورة، ولو كانت صورةً فورية احتاج إلى دلكها، ولا بد من معرفة حقيقة التصوير حتى نحكم، ولذلك حقيقته تدل على وجود فعل المكلَّف، فالآلة إنما هي وسيلة، كالقلم الذي يُراش به، وكالمواد التي تعين على خروج النظير والظل. ولذلك الذي يظهر -والعلم عند الله- هو القول بالتحريم سواءٌ أكان عن طريق الظل أم كان عن طريق فعل اليد. فيَحرُم التصوير، وهو من كبائر الذنوب؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المصور وقال: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون)، (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم). ويحرم استعماله إلا من ضرورةٍ وحاجة، فلو أن إنساناً عنده صور للذكرى يأثم ببقائها، قال علي رضي الله عنه لـ أبي الهياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن لا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، فهذا يدل على أنه لا يجوز استعمالها، وبناءً على ذلك يحرُم الاستعمال ويحرُم الإيجاد والفعل.
الصلاة في ثوب منسوج أو مموه بذهب
الصلاة في ثوب منسوج أو مموه بذهب قال المصنف رحمه الله: [ويحرم استعمال منسوج أو مموه بذهبٍ قبل استحالته]. ذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرم الذهب، ويحرم استعمال الذهب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الصحيح: (لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة). فلا يجوز استعمال الذهب والفضة في الطعام والشراب في الآنية وهي مصلحة حاجية، فيكون من باب أولى إذا لم توجد الحاجة وهي المصلحة الكمالية، وبناءً على ذلك يكون تنبيه الشرع على الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة تنبيهٌ بالأعلى على ما هو أدنى منه، فلا يجوز استعمالهما في الأقلام، ولا في الساعات، ولا في غيرها، إلا ما ورد استثناؤه بالشرع بلبس المرأة ولبس الرجل؛ لقوله تعالى: {أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف:18] عن النساء، ولبس الرجل للفضة في خاتمه كما أُثِر عنه عليه الصلاة والسلام في تختمه بالوَرِق. وأما استعمالها في الأقلام وغيرها فهذا لا يجوز، والأصل تحريمه، والاستثناء إنما يكون في خاتم الوَرِق، وحديث أم سلمة رضي الله عنها: (دونكم الفضة فالعبوا بها لعباً) المراد به التختُّم، فإن الإنسان إذا تختَّم لعب بالخاتم لعباً، ولو قيل: إن المراد (العبوا بها لعباً) يعني: استعملوها، فهذا تعبيرٌ مجازي، والقاعدة أنه إذا تعارض المعنى في قوله: (العبوا لعباً) بين الحقيقة التي هي اللعب الحقيقي، وبين المجاز الذي هو المعنى الحكمي، فإنه ينبغي صرف اللفظ على الحقيقة إلا بدليلٍ يوجب العدول عنها إلى المجاز. فلا يستعمل ما فيه ذهب، سواءٌ أكان في الثياب، أم البُسُط، أم الأبواب، أم في غيرها من أدوات البيوت أو في السيارة أو غيرها؛ لأن هذا أصل عام، فلا يجوز استعمالها إلا بما ذكرناه من تحلِّي النساء على الصورة التي ذكرناها سواءٌ أكانت بذهب أم فضة، وتحلي الرجال بالفضة في الخاتم، سواءٌ أكان إنساناً يحتاج إلى الخاتم أم لا يحتاجه. وقوله: [أو مموه بذهب] كالكاسات مثلاً تموَّه بالذهب، أو تُطْلى بالذهب، أو الساعة تطلى بالذهب، فهذا لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم قليل الذهب وكثيره، وقد استثنى بعض فقهاء الشافعية وبعض فقهاء الحنابلة اليسير المموه، وهذا استحسان، ولا يصح الاستحسان مع دليل العموم، ولذلك الاستحسان لا يقوى في مثل هذا، بل يُبقَى على الأصل الذي يدل على التحريم.
الصلاة في ثوب الحرير
الصلاة في ثوب الحرير قال رحمه الله تعالى: [وثياب حرير]. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخذ الحرير والذهب فقال: (هذان محرمان على ذكور أمتي، حلال لإناثهم). فدل على أنه لا يجوز لبس الذكر للحرير. ولبس الحرير يستثنى منه قدر أربع أصابع، وذلك لحديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير إلا هكذا، وجمع بين السبابة والوسطى)، وقال ابن عمر: أو ثلاث أصابع أو أربع أصابع كما في الرواية الثانية. فقدر الأربعة أصابع من الثوب مستثنى من الحرير. وللعلماء وجهان، قال بعضهم: إنه أخذ من هذا الحديث بالأربعة الأصابع، وأخذ من حديث الحلة التي لبسها عليه الصلاة والسلام وكان سداها من حرير -والحديث فيه كلام- أنه ينظر في الملبوس: فإن كان أكثره حريراً حرُم، وإن كان أقله حريراً ولو أكثر من أربع أصابع يجوز. والصحيح أنه لا يستثنى من الحرير إلا قدر الأربعة الأصابع فقط، خلافاً للجمهور الذين قالوا: إنه يُستثنى إذا كان -مثلاً- قطناً وحريراً، وكان القطن أكثر، فقالوا: يجوز في هذه الحالة أن يلبس. والصحيح أن المستثنى قدر الأربعة الأصابع، وحديث الحُلَّة فيه ضعف في السند، وشك الراوي من جهة السداة أو تجويفة الحلة، ولا شك أنه إذا كان سداها بالطرف لا يصل إلى الأكثر. قال رحمه الله تعالى: [وما هو أكثر ظهوراً على الذكور] هذا مثل ما ذكرناه، فإذا كان أكثر ظهوراً بالنسبة للملبوس فإنه يحرم، لكن لو كان أقل -بناءً على مذهب الجمهور- يجوز، ولكن الصحيح قدر أربع أصابع فقط، أما إذا كان حريراً خالصاً فبالإجماع لا يجوز. قال رحمه الله تعالى: [لا إذا استويا]. في حال استوائهما قال بعض العلماء: يبقى على الأصل من الحرمة؛ لأن الاستواء داخل تحت دليل العموم الذي ينهى، ويبقى المستثنَى فقط إذا كان أقل وهذا صحيحٌ من جهة الأصول. قال رحمه الله تعالى: [ولضرورةٍٍ] أي: يجوز للرجل أن يلبس الحرير لضرورة، والضرورة جاء بها النص في حديث عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام، فإنهما سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرخِّص لهما في لبس الحرير من الحكة ومن القمل، فأجاز لهما لبس الحرير من أجل الحكة؛ لأن الإنسان الذي معه حساسية في جلده إذا كان الثوب خشناً أثار الجلد وألهبه، لكنَّ ثوب الحرير يخفف احتكاك الجسم وثوران الجلد. قالوا: فرَخَّصَ النبي صلى الله عليه وسلم لهما، وهذا من باب الاضطرار، لكن ينبغي أن يفهم أمر، وهو أنه ليس المراد بجواز لبس من به حكة للحرير الإطلاق، بل يتقيد بالكل والجزء، فإن كانت الحكة في جميع البدن لبس ثوباً باطنه من الحرير وظاهره من غير الحرير ولا حرج عليه، فإذا تعذر عليه ولبس ثوباً كله حرير لا حرج. الأمر الثاني: لو أن يده فيها الحكة وبقية بدنه لا حكة فيها، فإنه يجعل بطانة الثوب لليد من حرير، وأما ما عداه فإنه يبقى على الأصل الموجب لعدم جواز اللبس. وقوله: [وحكةٍ أو مرضٍ أو جرب]. كل هذا من باب التمثيل للضرورة. وفي نسخة (حرب)، ففي الحرب قالوا: يجوز أن يلبس الحرير من باب إغاظة الكافر، والحقيقة هذا الاستثناء لا أعرف له دليلاً صحيحاً يدل عليه. وإنما قالوا اجتهاداً: إن العدو إذا نظر إلى المسلمين وهم في نعمة هابهم. ولكن الحقيقة أن هذا لا يقوى على الاستثناء من النهي، فإن الهيبة تتحصل بأمور أخرى غير ما ذُكِر من اقتراف ما نهى الله عز وجل عنه، وقد أمَر الله عز وجل عند لقاء العدو بتقواه، وهي السلاح العظيم الذي يثبُت به العبد أمام عدوه، ولذلك ينبغي الرجوع إلى أصول الشرع وعدم الاجتهاد في هذا، وعدم تحليل ما حرَّم الله عز وجل بهذا الاجتهاد، ويُبقى على الأصل الذي يوجب عدم جواز لبس الحرير، سواءٌ أكان في لقاء عدوٍ أم غيره. لكن بعض العلماء قال: لعل استثناء الفقهاء بلبس الحرير في الحرب مبني على أن الأسلحة في القديم ربما تكون خشنة، وربما يكون ملمسها خشناً يضر بالبدن، فإذا لُبِس الحرير كان أرفق باحتكاك هذه الأسلحة أو حملها على العواتق، أو نحو ذلك. فإذا وجدت حاجة من مثل هذا فلا حرج، فيكون أشبه بالحاجة إلى الحكة والجرب. أما أن يُلبس من أجل إشعار العدو بالنعمة فلا، بل نقول: إن هذا يغري العدو أكثر، فإن العدو إذا رأى النعمة على المسلمين قال: هؤلاء إذا قتلناهم غنمنا خيراً كثيراً. فالأولى البقاء على الأصل الذي يدل على عدم الجواز وهو أولى وأحرى. وقوله: [أو حشواً] أي: ما يكون بالحشو في الداخل. وقوله: [أو كان علماً أربع أصابع فما دون] أي: يكون في طرف الثوب، على أن الاستثناء لأربع أصابع، فلا حرج، لما ذكرناه من حديث ابن عمر. وقوله: [أو رقاعٍ] الرقاع: جمع رقعة، والثوب يتخرَّق فيحتاج الإنسان أن يرقع هذه الشقوق، فيأخذ الرقعة دون الأربعة أصابع، ولا حرج. وقال بعض العلماء: لا تتقيد بالأربعة أصابع، بناءً على مذهب الجمهور، وقلنا: الصحيح تقيدها بالأربعة أصابع، وما زاد عن أربعة أصابع فلا. قوله: [أو لبنة جيبٍ] هي التي تكون في الرقبة، والجيب الذي يُدخَل منه الرأس فتكون له لبنة، يعني تكون مثل ما تُسمى في عرف الناس بالياقة اليوم، فهذه في بعض الأحيان تجعل من الحرير، ولا بأس إذا كانت في حدود أربع أصابع. وقوله: (وسجف فراءٍ) الفراء: من الفرو، وهو معروف، والسجف يكون في أطرافه، مثلما يوجد الآن في بعض الفراء الذي يُلبس في الشتاء، فيجعل في أطرافه قدر أصبعين أو ثلاث أصابع تكون على أطراف السجف، أو تكون من الأسفل في هذه الأطراف، فلا حرج عليه، لكن شريطة ألا تتجاوز الأربعة الأصابع.
حكم الصلاة في الثوب المعصفر والمزعفر
حكم الصلاة في الثوب المعصفر والمزعفر قال المصنف رحمه الله: [ويكره المعصفر والمزعفر للرجال] قوله: (ويكره المعصفر) الصحيح تحريم المعصفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه ونهى عن لبسه، كما صح عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث، والمعصفر نوعٌ من الثياب يُصبَغ بالعُصْفر، وهذا النوع يكون أقرب إلى لون البرتقال إذا اشتدت حمرته، فيكون الصفار داخلاً في الحمار الغامق، فهذا لون العُصْفُر، وتصبغ به الثياب، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه. وقال بعض العلماء: إن هذا يقتضي تحريم الحُمرة، أن يلبس اللباس الأحمر وهذا ضعيف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه لبس حلةً حمراء، فلا حرج في لبس الأحمر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لبسه، والمعصفَر شيء والأحمر شيء آخر، ولا يمكن الحكم بتعارض النصين إلا إذا استويا دلالةً وثبوتاً، وما ورد من الأحاديث التي فيها النهي عن الأحمر فضعيفة لا تخلو من مقال، ولذلك يبقى الأصل جواز لبس الأحمر، بل قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه لبس حلةً حمراء. والمزعفر: الذي به زعفران، وكانت تصبغ به الثياب، وثبت قوله عليه الصلاة والسلام في الْمُحْرِم في حديث ابن عمر في الصحيحين: (ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس)، فالزعفران كانت تصبغ به الثياب، فيجمع بين الأمرين: طيب رائحته، وجمال لونه. قالوا: هذا يختص بهذين النوعين، لورود النهي عن لبسهما عن النبي صلى الله عليه وسلم للرجال دون النساء، أما المرأة فإنه يجوز. لكن المرأة لا يجوز لها أن تلبس المعصفر في الحداد، كما سيأتي إن شاء الله في باب الحداد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر والممشق، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب الحداد إن شاء الله.
الأسئلة
الأسئلة
الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم في رحله.
الجمع بين قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم في رحله ... ) وقوله: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) Q كيف يجمع بين حديث: (إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام ولم يصل فليصل معه، فإنها له نافلة)، وحديث: (لا تصلوا صلاةً في يوم مرتين)؟ A أما أمره عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلاة لمن دخل المسجد فهو ثابتٌ في أكثر من حديث: أولها: ما ثبت في الصحيح في قصة الرجلين في خيف منى: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، ورآهما لم يصليا، فقال عليه الصلاة والسلام: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة). ومنها: حديث أبي ذر رضي الله عنه: (صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها لك نافلة). فهذه الأحاديث تقتضي جواز الإعادة، وأنه يُشرع إعادة الصلاة، بل ظاهرها الأمر الذي يدل على الوجوب، وأما كيف يُجمع بينها وبين حديث ميمونة: (لا تعاد الصلاة في يوم مرتين) فقال بعض العلماء: درجة الأحاديث التي توجِب الإعادة أقوى في الصحة من حديث ميمونة، فيقدَّم الأصح على الصحيح، والأعلى ثبوتاً على ما هو أدنى، فهذا وجهٌ من يُقَدِّم حديث الأمر بالإعادة. والوجه الثاني قالوا: لا تعارض بين عامٍ وخاص، فالنهي على عمومه وهذه حالةٌ خاصة، والقاعدة: لا تعارض بين عامٍ وخاص، وهذا أقوى الأوجه، وأميل إليه، فهذان الوجهان مسلك من يقول: إنه يعيد. وأما من يقول: لا يعيد، فيتفرقون على طوائف: الطائفة الأولى يقولون: لا يعيد في صلاة كصلاة الصبح والفجر لورود النهي عن الصلاة بعد الصبح والفجر، وهذا ضعيف؛ لأن حديث خيف مِنى وقع في صلاة الصبح. وقالت الطائفة الثانية: لا يعيد المغرب؛ لأنه إذا أعادها أوتر في الليلة مرتين. ويُجاب عنه من وجهين: أحدهما: إما أن يؤمر بنقض الوتر بركعة، وهذا وجه، أو يقال: إن الوتر يبتدئ وقته بدخول وقت العشاء لقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر)، فوقت الوتر جعله بين صلاة الصبح وصلاة العشاء، فإذا وقعت إعادته للمغرب وقعت قبل دخول وقت الوتر، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) أي: في وقت الوتر، وهذا مسلك صحيح وأميل إليه. فأصحاب المذهب الثاني الذي يُقدِّم حديث النهي قالوا: لا يجوز للإنسان أن يُعيد الصلاة مطلقاً فهذا يقوي حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها في نهيه أن تعاد الصلاة مرتين، ولهم أوجه في الأصول، الوجه الأول: قالوا: لأن القاعدة إذا تعارض الأمر والنهي يُقدَّم النهي على الأمر. والوجه الثاني: قالوا: إن أحاديث الأمر منسوخة بالنهي وهذا ضعيف؛ لأن الإثبات النسخي محل نظر لأمور: أولها: أحاديث الأمر بالإعادة فيها قرائن تدل على البقاء وعدم النسخ، فإنك إذا تأملت حديث خيف مِنىً وجدته من آخر ما يكون؛ لأنه في حجة الوداع، وما عاش النبي بعد حجه صلى الله عليه وسلم إلا شهوراً يسيرة، ولذلك يقوى بقاء الحكم. الأمر الثاني: أن القاعدة في الأصول أن النسخ لا يثبُت في الأخبار، فكيف إذا ترتبت الأحكام على الأخبار؟ فلو قال لك: إن النهي عن إعادة الصلاة أقوى من الأمر بإعادتها، وتقول له: كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا ذر أنه إذا كان أميراً عليه مَن يؤخِّر الصلاة أنه يُعيد، ويتعلق الحكم بما بعد وفاته عليه الصلاة والسلام. فلا يتأتى الحكم بالنسخ، ولذلك الذي تميل إليه النفس أننا نقول: أحاديث النهي عامة، وأحاديث الأمر بإعادة الصلاة خاصة، فيُقَدَّم الأمر بالإعادة على النهي. وهناك وجه ثان أشار إليه الحافظ ابن عبد البر رحمه الله في التمهيد، وهو قويٌ أيضاً، يقول: إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إعادة الصلاة مرتين محمولٌ لمن يعتقد الفرض فيهما، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم هذا فقال: (فإنها لكما نافلة)، فيكون نهيه عليه الصلاة والسلام عن إعادة الصلاة مرتين فيه إطلاق، وأمره بالإعادة بنية النفل فيه تقييد. وهذا أيضاً وجه قوي يعتضد مع المسلك الأصولي الذي قلناه، وبهذا لا تعارض بين هذه الأحاديث، والله تعالى أعلم.
حكم شراء كاميرا لتصوير الأهل عند الحاجة والضرورة
حكم شراء كاميرا لتصوير الأهل عند الحاجة والضرورة Q هل يجوز شراء كاميرا لتصوير الأهل لعمل جواز سفر أو لاستخراج الهوية؟ A لا حرج إذا كان الإنسان يريد أن يصور أهله بدلاً أن يصورهم الغريب، فلا حرج في ذلك؛ لأنه مضطر وهي مضطرة، فلا إثم على الفاعل ولا على المفعول به، بل هذا من كمال الغيرة على الأهل، حتى لا يطلع الأجنبي عليهم، بل قد يجب هذا، ولذلك قرر العلماء أنه إذا أريد ختان المرأة، وأمكن ختانها عن طريق زوجها قالوا: إنه في هذه الحالة يتولَّى ختانها زوجها، ولا يجوز أن يُعدل إلى الأجنبي أن يختنها، حتى ولو كانت امرأةً مثلها.
حكم رسم الحيوان أو جزء من الإنسان للطلاب في المدارس
حكم رسم الحيوان أو جزء من الإنسان للطلاب في المدارس Q ما حكم رسم صور الحيوانات للطلاب في المدارس، وما حكم رسم جزء من جسم الإنسان أو رسم خيال لرأس الإنسان؟ A أما بالنسبة لمسألة التصوير فإذا كان الإنسان مضطراً إليها غير مختار فقلنا: إن هذا لا يكون في حكم المحرم، فلو أن إنساناً ألزم بها فلا حرج، لكن عليه أن يتقي الله ويتقيد بقدر الحاجة، والزائد عن الحاجة لا يجوز. أما رسم الظل، فبعض العلماء يقول: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الصورة الوجه) يقتضي التحريم إذا كان التصوير بالمماثلة والمشابهة بحيث يحاكي المصوَّر في رسم أعضائه وبيانها، فإذا كانت الصورة تتضمن أجزاء الوجه من العينيين والأنف فإنها محرمة، وأما إذا كانت ظلاً؛ كأن يظلل بالجِرم دون وجود التفاصيل قالوا: هذا يُغتفر والحقيقة أن فيه شبهةً، فيكون بمقام المتردد بين الحلال والحرام؛ لأنه ليس بالصورة المحضة، ولا بخالٍ عن وصف الصورة لوجود الشبهة في الظل، ولذلك يُتَّقى لما فيه من بالغ التورع كما قال صلى الله عليه وسلم: (وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه)، والله تعالى أعلم.
حكم تغطية الفم في الصلاة لبرد
حكم تغطية الفم في الصلاة لبرد Q ما الحكم إذا تلثم الشخص لبردٍ أو حساسية من ريح؟ A أما بالنسبة للتلثم للبرد والريح أو بسبب عطر أو رائحةٍ كريهة فهذا مستثنى؛ لأنه مضطر، والله عز وجل لا يكلِّف الإنسان ما ليس بوسعه، فإنه إذا شم هذه الرائحة تضرر، ولربما شُغِل عن الخشوع في الصلاة، والتفكر في الآيات والتدبر فيها بسبب ما يختلج النفس من الضعف بسبب هذه الرائحة، فلا حرج في تلثمه كما ذكر العلماء رحمهم الله ذلك، أما إذا لم توجد الحاجة فإنه لا يتلثم ويبقى على الأصل، والله تعالى أعلم.
حكم السجود على طرف العمامة
حكم السجود على طرف العمامة Q ما الحكم إذا سجد الشخص على طرف العمامة إذا كان لابساً لها؟ A مذهب طائفة من العلماء أنه إذا حصَّل السجود على الأنف أنه يصح سجوده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أنفه. وقال بعض العلماء: لا يصح إلا إذا سجد على جبهته، وكور العمامة إذا منع السجود على الجبهة لا يصح، وسيأتي إن شاء الله الكلام على هذه المسألة وخلاف العلماء فيها.
حكم الإسبال من غير خيلاء للحاجة
حكم الإسبال من غير خيلاء للحاجة Q قال شارح الزاد: ويجوز الإسبال من غير الخيلاء للحاجة فما توجيهكم لهذا القول؟ A مذهب الجمهور أن من أسبل إزاره لا حرج عليه إذا كان لغير خيلاء، واحتجَّوا له بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه لما سأله أبو بكر وقال: (يا رسول الله! إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أني أتعاهده، فقال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء). ؟ واحتجوا أيضاً بقوله عليه الصلاة والسلام: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)، وكلا النصيين محل نظر، فإن الصحيح أنه لا يجوز إسبال الإزار مطلقاً ولو كان لغير الخيلاء، وذلك لورود النصوص التي تدل على ذلك، منها: ما ثبت في الحديث الصحيح من قوله: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار). وأما حديث: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) فإن الوعيد في جر الثوب بالخيلاء مبنيٌ على نفي النظر، والوعيد لمن أرخى ثوبه أسفل من الكعبين بالنار، والقاعدة أن حمل المطلق على المقيد شرطه اتحاد المورد، فهذا واردٌ في الجر، وهذا واردٌ في الإسبال. وبناءًَ على ذلك يبقى حديث الإسبال على الأصل أنه للتحريم، ونقول: الوعيد بنفي النظر وعيدٌ خاص زائدٌ على العقوبة بالنار؛ لأن هذا النص دل على حكم وهذا النص دل على حكم. فنقول: كل من أسفل عن الكعبين فإنه يعذب بالنار، كما ثبت في الحديث الصحيح، ومن جر فقد زاد على كونه ظالماً بما أسفل عن الكعبين بالخيلاء. ويبقى الإشكال في قوله عليه الصلاة والسلام: (إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء). والحقيقة هذا الحديث يحتاج إلى نظر، وتأمل ألفاظ الحديث: (إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أني أتعاهده)، والإزار مثل الفوطة أو الإحرام الموجود الآن، فعند ربطك له قد ينحل بسبب المشي فيسقط، فقال أبو بكر رضي الله عنه: (إن أحد شقي إزاري يسترخي)، فهل معناه أن الثوب بذاته طويل، أم أن الوصف بالسقوط والزيادة على الموضع وصفٌ عارض؟ الجواب: وصفٌ عارض، وإذا كان وصفاً عارضاً فإنه لا يُشبه الثوب بحال. وهذا واضح جداً ولا إشكال فيه، فقوله: (إن أحد شقي إزاري يسقط إلا أني أتعاهده، فقال: إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء) معناه: أنني أسهو ولا أنتبه إلا أن أتعاهده، أي: انتبه له، ومعناه أنه إذا انتبه إلى وجوده جره، فقال عليه الصلاة والسلام: (إنك لست ممن يصنع ذلك خيلاء)، فدل على أن من ترك ثوبه يُجر أنه ممن جرّه خيلاء؛ لأن أبا بكر كان يسقط الإزار عنه دون علم؛ لقوله: (إلا أني أتعاهده)، وأنه متى علم كف، فكيف يُقال لك أن تُرخي الإزار مع علمك ولا حرج عليك ولا تكفُّه؟ فهذا شيء وهذا شيء. ولذلك حديث أبي بكر يحتاج إلى تأمل، وليس فيه دليل على جواز الجر من غير الخيلاء البتة؛ لأنه ذكر صورةً معينة قيَّد الحكم بها، فقال: (إنك) أي: ما دمت على هذه الصفة من كونك رافعاً له عند العلم فلست ممن يتوعد بالعذاب بالخيلاء. وهذا أمر واضح جداً ليس فيه معارضة للنص الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار). قال العلماء: إن العبد يعذب بالعضو الذي عصى الله به، كقوله عليه الصلاة والسلام: (ويلٌ للأعقاب من النار) قالوا: لما ترك العقِب في الوضوء، عذب في الموضع الذي عصى الله به، فإذا نزل الإزار عن الكعبين فقد عصى الله بالزيادة، فيعذب في موضعهما، أي: تكون النار في هذا الموضع، وإذا بلغت النار إلى الكعبين فقد ثبت في الحديث الصحيح أن أهون الناس عذاباً يوم القيامة هو أبو طالب حين يوضع في ضحضاح من نار يغلي بهما دماغه -والعياذ بالله-، وهو يظن أنه أشد الناس عذاباً في النار، وهو أهونهم، فكيف إذا كان ما أسفل الكعبين كله في النار؟! نعوذ بالله، فنسأل الله أن لا يعرضنا لسخطه، ونسأل الله تعالى أن يعصمنا بعصمته، وأن يلطف بنا برحمته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
باب شروط الصلاة [6]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [6] من المعلوم أن العبد المسلم يقف بين يدي ربه في اليوم كأقل حد خمس مرات يصلي فيها لله عز وجل، ولذلك فلابد من معرفة شروط الصلاة، والتي منها: طهارة المكان، ويتفرع على ذلك معرفة الأماكن التي لا تصح الصلاة فيها، أو تكره، ونحو ذلك.
الطهارة من النجاسات شرط من شروط الصلاة
الطهارة من النجاسات شرط من شروط الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومنها اجتناب النجاسات]. ما زال المصنف رحمه الله يتحدث عن الأمور التي ينبغي توفرها في المصلي حتى يحكم بصحة صلاته، فذكر أن من هذه الأمور والشروط: شرط اجتناب النجاسة، يقال: اجتنب الشيء يجتنبه اجتناباً: إذا تركه وابتعد عنه، وأما النجاسة فقد تقدم الكلام عليها في باب الطهارة، فقوله رحمه الله: [ومنها اجتناب النجاسات] أي: يجب على المصلي أن يجتنب النجاسة سواءٌ في بدنه أم ثوبه أم مكانه الذي يصلي عليه، والأصل في إلزام الناس بالطهارة في الصلاة قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر:4]، فإن الآية الكريمة اشتملت على الأمر بتطهير الثوب، والمراد به أن يطهر ثوبه عند الصلاة بذكر التكبير الذي يفهم منه الشروع في الصلاة. وأما اشتراط طهارة البدن فقد دل عليها قوله عليه الصلاة والسلام للمرأة الحائض: (ثم اغسلي عنك الدم وصلي)، فدل على أن المرأة لا تصلي إلا بعد أن تطهر بدنها من النجاسة؛ لأن الأمر يدل على الوجوب. وأما اشتراط طهارة المكان فلما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما بال الأعرابي في المسجد أمر بذنوبٍ من الماء أن يصب على ذلك البول)، وليس ذلك إلا لطهارة المكان، فقد قصد النبي صلى الله عليه وسلم تطهير المكان الذي يصلي فيه الناس في المسجد، ودل أيضاً على اشتراط طهارة المكان حديث أنس في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعاله أثناء الصلاة، فلما سلم قال للصحابة: ما شأنكم؟ -أي: لماذا خلعتم؟ - قالوا: رأيناك خلعت فخلعنا فقال: أما إنه قد أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين -أي: أن هذين النعلين ليستا بطاهرتين-)، فاتقى النبي صلى الله عليه وسلم النعل النجس، فدل على أنه لا يجوز للمصلي أن يصلي على موضعٍ نجس. وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه أمر بالصلاة في النعال في المسجد ثم قال: فإن وجد بهما أذى فليدلكهما بالأرض، ثم ليصل فيهما) أي: في المسجد الذي ليس بمفروش. فالمقصود من أمره عليه الصلاة والسلام بتطهير الحذاء أنه لا يجوز للمصلي أن يصلي على موضعٍ غير طاهر، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن هذا الشرط لازمٌ لصحة الصلاة، وإن كان هناك قولٌ شاذ يقول بعدم اللزوم، ولكن الصحيح لزوم طهارة البدن والثوب والمكان، فلو صلى المصلي وبدنه نجس، أو صلى وثوبه نجس، أو صلى ومكانه الذي يصلي عليه نجس فإن صلاته لا تصح مع العلم والقدرة على إزالة تلك النجاسة.
حكم من لاقى نجاسة أو حملها في صلاته
حكم من لاقى نجاسة أو حملها في صلاته قال المصنف رحمه الله: [فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها، أو لاقاها بثوبه أو بدنه لم تصح صلاته] قوله: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها) الفاء في قوله: (فمن حمل) للتفريع والتفصيل، أي: إذا علمت أن اجتناب النجاسة لازمٌ على المصلي فاعلم أن من حمل نجاسةً يحملها بالاتصال، مثل أن تكون في ثوبه متصلةً به، فيوصف بالحمل تجوزاً وإن كان في الحقيقة أنه متلبسٌ بها. وقوله: (أو لاقاها) أصل الملاقاة: مواجهة الشيء للشيء، يقال: لقيه: إذا واجهه قالوا: فإذا اتصل الجسم بالجسم فقد التقيا، ثم إذا حصل اللقاء على سبيل المداخلة كأن يلقى نجاسةً وتدخل في ثيابه فهي مداخلة، وأما إذا لاقت النجاسة الجسم دون أن تداخله، كأن تكون جامدة لا تسيل على البدن أو الثوب فهي مماسة. فملاقاة النجاسة على حالتين: فإن كانت النجاسة دخلت في ثوبه، كأن تكون نجاسةً مائعةً فحينئذٍ لا إشكال، فيقال: لقيها وتنجس بها. وأما إذا لم تدخل واقتصر اللقاء على كونه مواجهاً لها إلى درجةٍ يمس فيها الجسم الجسم يقال: لاقاها، ثم فإذا مس الجسم الجسم لا يخلو من الأحوال: إما أن يمسها ببدنه، فيقال: لاقاها ببدنه، كأن يضع كفه على شيءٍ نجس، فيقال: لاقاها ببدنه؛ لأن بشرة البدن قد لاقت النجاسة، وإما أن يمسها ثوبه، وهو الحائل الذي بين البدن وبين النجاسة، فإذا كان الثوب حصلت به الملاقاة قيل: لاقاها بثوبه، فقال رحمه الله: (أو لاقاها ببدنه أو ثوبه) فالملاقاة بالبدن والثوب على هذه الصور التي ذكرناها. وحمل النجاسة له أمثلة، كأن يحمل النجاسة بالجرم النجس أو المتنجس، كشخصٌ أصابه رعاف، ثم سال دمه في منديل، ثم نسي ووضع المنديل في جيبه، فهذا حاملٌ للنجاسة بالوصف. فإن كان عالماً بها فحينئذٌ نقول: حاملٌ للنجاسة، وأما الحمل المنفصل، وهو الحمل الذي يكون جوف الشيء فيه نجس فهذا له حكمٌ يخصه، مثل أن يكون حاملاً لصبية صغيرة أو صبي صغير، فإنه لا يخلو في الغالب من وجود النجاسة، وهذه المسألة ذكرها العلماء رحمهم الله في زمانٍ قد لا يكون مما عمت به البلوى، ولكن في عصرنا اليوم وقعت هذه المسألة، فإن بعض العمليات الجراحية -أعاذنا الله وإياكم منها- يكون الإنسان فيها مضطراً إلى حمل كيس يكون فيه فضل بوله أو غائطه، ففي هذه الحالة يعتبر حاملاً للنجاسة، فلا يشترط في حمل النجاسة أن يضعها على عاتقه، بل الحمل المطلق الذي يطلق على الجيب والبدن، فإن كانت في جيبه قالوا: حملها بثوبه؛ لأن الثوب معلقٌ على البدن، والنجاسة موجودةٌ فيه، فهو حاملٌ لها من هذا الوجه، أو يحملها بالبدن نفسه، كالكيس الذي يكون فيه فضل البول -أكرمكم الله- في حالة الاضطرار، كما في بعض الجراحات المتعلقة بالمسالك البولية، فهذا حاملٌ للنجاسة، وحمل النجاسة لا يخلو من حالتين: إما أن يحملها معذوراً بها لا يمكن بحالٍ، أو يمكنه ولكن بمشقةٍ كبيرة أن يزيلها عنه فهذا يرخص له؛ لأن التكليف شرطه الإمكان وهذا ليس بإمكانه، كمريضٍ قرر الأطباء أنه لا بد من حمله لهذا الكيس الذي يكون فيه فضل بوله، فحينئذٍ نقول: إنه معذور؛ لأنه لم يكلف إلا ما في وسعه، وهذا ليس في وسعه إلا هذا الشيء. وأيضاً يكون معذوراً بحسب الموضع النجس بالمنديل أو القطن إذا احتاج إلى ذلك، مثل ما يقع في الجراحات السيالة التي لا تنكف إلا بمنديل أو بقطنٍ يوضع عليها، فهذه نجاسة ليست بيد الإنسان أن ينزه عنها فيعتبر مضطراً لها، ويجوز له أن يصلي مع حمله لها. أما الذي يتكلم عليه العلماء هنا فهو حال الاختيار لا حال الاضطرار، فلو حملها مختاراً وعالماً ذاكراً فإنه لا تصح صلاته. فقوله: (فمن حمل نجاسةً لا يعفى عنها) أي: يحمل النجاسة، وتكون هذه النجاسة شرطها مما لا يعفى عنه؛ لأن النجاسة على قسمين: ما عفي عنه وهو يسير الدم، وما لا يعفى عنه وهو ما زاد عن ذلك، وقد تقدم ضابط اليسير وخلاف العلماء رحمة الله عليهم فيه، وهناك من أهل العلم من يقول: كل نجاسةٍ يسيرة شق التحرز عنها فإنه يعفى عنها، وهذا من جهة المشقة لا من جهة اليسير، وفرق بأن تقول: يعفى عنه لمكان المشقة وشقة التحرز، وبين أن تقول: يعفى عنه ولو لم يشق، والفرق واضح في هذا، فإنك إن قلت: يعفى عن اليسير للمشقة، مثلما ذكروا في عرق الحمير، إذا ركب الحمار أو نحو ذلك، فهذا لمكان المشقة والعفو من جهة الاضطرار، بحيث لو أمكنه أن يتحرز لزمه، لكن الذي يتكلم عليه المصنف هنا عن نجاسة يعفى عنها في حال الاختيار كاليسير، أو نجاسة يعفى عنها بحال الاضطرار كالنزيف، فحينئذٍ هذا له حكم. فيشترط في النجاسة المؤثرة في الصلاة أن تكون مما لا يعفى عنها، فإن كانت يسير دمٍ يعفى عنه فهذا معذورٌ صاحبه ولا حرج عليه في حمله. فإن قال قائل يوماً: خرج من سني دمٌ، فأخذت المنديل وكففته، فتعلق بالمنديل، ثم انكف هذا الدم، فنظرت فإذا المنديل حامل لهذه النجاسة، فوضعته في جيبي فما حكم الصلاة؟ فحينئذٍ ننظر في هذا الدم الذي تعلق بالمنديل، فإن كان يسيراً -وهو دون الدرهم البغلي كما ذكرنا ضابطه في إزالة النجاسة- فإن صلاته صحيحة، ولا يؤثر فيه هذا اليسير، وأما إذا كان كثيراً متفاحشاً فحينئذٍ نقول: إنه حاملٌ للنجاسة وتبطل صلاته، ومن هنا سيخرج ما أُثر عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يعصرون البثرة وهي الحبة اليسيرة من الدم الذي يخرج في اليد، كانوا يعصرونها وربما عصروها وصلَّوا؛ لأن الذي يخرج من البثرة إنما هو شيءٌ يسير، فنقول: إذا كان الدم الذي حمله المنديل يسيراً فإنه مما يعفى عنه ويغتفر، وإنما ينظر العالم والفقيه في الدم المؤثر في الصلاة إذا كان كثيراً فاحشاً. وقوله: (أو لاقاها بثوبه أو بدنه) سبق الكلام على الملاقاة بالثوب والملاقاة بالبدن. وقوله: (لم تصح صلاته)؛ لأن الله عز وجل أمر بالطهارة، والطهارة شرط الصحة، وفقدها فقدٌ للحكم بالصحة.
حكم الصلاة بوجود النجاسة المنفصلة عن المصلي
حكم الصلاة بوجود النجاسة المنفصلة عن المصلي قال المصنف رحمه الله: [وإن طيَّن أرضاً نجسة أو فرشها طاهراً كره وصحت] بعد أن بين لنا رحمه الله أنه ينبغي عليك إذا صليت أن يكون البدن والثوب والموضع الذي تصلي عليه طاهراً، شرع في مسألة النجس غير المتصل، فالنجاسة إذا كان المصلي متلبساً بها إما أن يكون مباشراً لها مثلما قال: (أو لاقاها) وإما أن يكون بحائل، فمن ترتيب الأفكار بدأ بالملاقاة؛ لأنها أقوى ما يكون وهي متصلة بالمكلف وحكمها أقوى وأشد، ثم شرع في مسألةٍ ثانية وهي النجاسة المنفصلة، ويتأتى ذلك لو أن إنساناً علم أن هذا الفراش بال عليه صبيٌ أو فيه نجاسة مثلاً، فجاء بسجادةٍ ووضعها فوق الفراش، بشرط أن يكون الفراش الأسفل الذي حكمنا بنجاسته غير رطبٍ، أي: في حال النجاسة، وأن يكون الأعلى أيضاً غير رطبٍ؛ لأنه لو كان الأدنى نجساً والأعلى طاهراً وأحدهما رطب، فإنه يتشرب النجاسة، فهنا نقول: إنه إذا وضع الطاهر على النجس فإنه قد حيل بينه وبين النجس، لكن من العلماء من يقول: تصح صلاته بدون كراهة؛ لأنه صلى على موضعٍ طاهرٍ، والله عز وجل كلفه طهارة المكان، فلا عبرة بهذا النجس المنفصل عن السجاد، أو عن الحصير الذي يصلي عليه. ومن أهل العلم من قال: إنه يفرق بين ما تسري فيه النجاسة وما لا تسري فيه، فقالوا: لو أنه وضع تراباً فوق الأرض النجسة وصلى يحكم بأن صلاته صحيحة، ولا كراهة في هذا، ومنهم من قال: تصح مع الكراهة، فيكون وجه الصحة أن الأرض طاهرة، ووجه الكراهة أنه معتمدٌ على نجسٍ، فتكون الكراهة من جهة الاعتماد؛ لأن ثقله وثبوته على الأرض إنما هو ثبوتٌ على أرضٍ نجسة، والحائل طاهر، فقالوا: الحائل يصحح الصلاة، والاعتماد يوجب كراهتها؛ لأن المتردد بين الحل المحض والحرام المحض يوصف بالكراهة على مذهب بعض الأصوليين، لكن يشترط في هذا التراب حينما يوضع على النجس ألا يكون رطباً، وألا تتخلله الرطوبة، ولذلك قالوا: لو طين أرضاً نجسة فجاء بطينٍ ووضعه فوقها في حال طراوة الطين تنجس الطين بملاقاة النجاسة. وهذه الأمور يذكرها العلماء وهي مسائل فرضية ليس المقصود بها حصر المسائل، وليس المهم أن تعرف حكمها، ولكن الأهم أن تعرف ضابطها؛ لأن الناس لا تسأل عن شيءٍ واضح غالباً، وإنما تسأل عن أمرٍ خفي، فإن كنت قد درست مسائل الطهارة فإنك قد علمت أنه ينبغي طهارة الموضع الذي تصلي عليه، فقد يسألك إنسان عن نجاسةٍ بحائل، ولا يكون فيها طين أو تراب، مثل ما يقع الآن في بعض الحافلات يكون موضع الخلاء -مثلاً- تحت الإنسان، فهل إذا صلى مع وجود هذا الحائل يعتبر كأنه مصلٍ على موضعٍ نجس؟ فهذا كله يذكره العلماء من باب الضابط، والأصل أن يعرف الإنسان القاعدة والأصل في المسألة، وليس المراد أن تحفظ الصورة بعينها بمقدار ما تفهم ضابط الصورة، حتى إذا سئلت عن مسألة مثلها تستطيع أن تخرجها عليها، ولذلك يعرف في الفقه وفي المتون الفقهية ما يسمى بالتخريج، وهو أن يكون أصل المسألة منصوص عليه عند العلماء المتقدمين، وتطرأ مسألة موجودة يمكن إلحاقها وتفريعها على هذه المسألة، وهذا يعتني به العلماء كثيراً لما ذكرناه، حتى يكون الفقيه مستوعباً للمسائل التي تطرأ وتجد عليه من حوادث الناس.
حكم الصلاة مع وجود نجاسة متصلة بطرف المصلى
حكم الصلاة مع وجود نجاسة متصلة بطرف المُصلَّى قال المصنف رحمه الله: [وإن كانت بطرف مصلى متصلٍ صحت إن لم ينجر بمشيه] أي: إن كانت النجاسة بطرف المصلى غير متصلةٍ به فإنها لا تؤثر، ما لم تكن بطرف المصلى وتنجر بمشيه، وهذا يقصد منه أن يكون الشيء النجس بمثابة المحمول على المصلى، وذكر العلماء رحمهم الله أمثلة لهذا بالنجاسة التي تكون في طرف الحبل أو طرف القماش المتصل بالثوب، فلو أن إنساناً أراد أن يصلي وهو على سفر ومعه بعيره ويخشى أن البعير يفر، فربما عقد حبله بيده، وقد تكون الدابة نجسة، فهذه صورة في الأصل قد تكون فرضية، لكن المراد منها وضع الضابط كما قلنا، وليس المراد أعيان الصور، ولكن المراد القاعدة التي تخرجت عليها هذه الصورة، فقد ذكر لك الشيء النجس المتصل فقال لك: [لاقاها]، وذكر لك الشيء الذي بينك وبينه طاهر، ويبقى الشيء الذي يتصل بك كأنك حاملٌ له، فإن حملت النجس فلا إشكال، ولكن عندما يكون هذا النجس متصلاً بك بواسطة، بحيث لو تحركت تحركت به، أو يكون متصلاً بك بواسطة لا تتحرك بتحركك، فلو أن إنساناً ربط شيئاً نجساً بحبلٍ، فهذا الشيء النجس المتصل بالحبل لا يخلو من حالتين: إما أن يكون متشرب المادة بالحبل فحينئذٍ الحبل بذاته نجس، ولا يتكلم العلماء عليه؛ لأنه كحمل النجاسة، بمعنى أن يكون طرف النجس سائلاً وسرى إلى الحبل برطوبةٍ أو نحوها فإننا نقول: الحبل نجس، وحكم حمل هذا الحبل كحمل النجاسة؛ لأنه يستوي أن يكون طرف الطاهر في جيبك أو يكون طرفه بعيداً عنك ما دام أن الأصل واحد، كما لو حمل شيئاً وأطرافه التي تتصل بالمصلي نجسة، وأطرافه التي هي بعيدةٌ عنه طاهرة، فلا تؤثر طهارة البعيد ما دام أن القريب نجس؛ لأن الجرم واحد، كذلك لو كان طرفه الطاهر في جيبه وطرفه النجس في موضعٍ آخر، فإن الحكم بذاته واحد، فكما حكمت ببطلان صلاته باتصاله بالنجس مع أن المتصل به طاهر، كذلك تحكم ببطلانها إذا كان المتصل به طاهراً والبعيد عنه نجس. واحتاج العلماء إلى وضع ضابط في الحبل فقالوا: ينجر بمشيه؛ لأنه إذا انجر بمشيه أشبه الحامل له، لكن لو كان لا ينجر قالوا: لا يعتبر هذا الشيء النجس مؤثراً. ومثلوا له بالجرو -ولد الكلب أكرمكم الله- على القول بنجاسته، وهذا أقوى الأمثلة؛ لأنه ينجر بجرك له، فأشبه ما لو حملته، فيكون طرفه كطرف النجس، فهذا الذي ذكره المصنف ودرج عليه. وهناك قول لبعض العلماء أن النجاسة في هذه الصور لا تؤثر، وهو أصح وأقوى، ما لم تتشرب النجاسة في الحبل؛ لأن كونه ينجر لا يستلزم الوصف بكونه محمولاً، وفرقٌ بين المنجر وبين المحمول؛ لأن المنجر منفصل الذات، والمحمول كأنه موضوعٌ على الذات، فالصحيح في هذه المسألة الصحة؛ لأن المجرور والمتصل بحبل ليس كالمحمول لما ذكرناه، إلا إذا كان هذا الحبل الذي يجره الإنسان طرفه نجس، فإننا قلنا: أَشبَهَ ما لو حمل شيئاً طرفه طاهر من جهة ونجسٌ من جهةٍ أخرى، فإنه يحكم ببطلان الصلاة. فالخلاصة أن العبرة بالتنجيس إذا كان الشيء المتصل بك نجس الطرف، أما لو كان طاهراً في ذاته متصلاً بنجسٍ لا يسري إلى هذا الشيء الذي أنت ممسكٌ به أو واقفٌ عليه فإنه لا يؤثر؛ لأنه ليس في حكم ملاقاة النجاسة ولا حملها لكن لو كان طرف الحبل نجساً فإننا نحكم بالتأثير. وبناءً على ذلك يستوي عندنا أن ينجر أو لا ينجر، ما دام أنه نجس الطرف، كما لو صليت على سجادة وطرفها نجس، فإنك كأنك صليت على النجس؛ لأن الذات واحدة، وبناءً على هذا نقول: إن التفصيل بين الانجرار وعدمه مرجوحٌ، والأرجح والله أعلم القول بالصحة.
حكم من علم بالنجاسة بعد الانتهاء من الصلاة
حكم من علم بالنجاسة بعد الانتهاء من الصلاة قال المصنف رحمه الله: [ومن رأى عليه نجاسةً بعد صلاته وجهل كونها فيه لم يعد] ذكر رحمة الله عليه الأحوال للنجاسة، وقرر لك الأصل أنه ينبغي عليك اتقاء النجاسة، وذكر لك صور ملاقاة النجاسة من جهة التأثير وعدم التأثير. ثم شرع الآن في مسائل متعلقة بالنجاسات وهي خارجة عن الأصل من جهة الاضطرار، إما بنسيانٍ أو خطأ، فلو أن إنساناً صلى وعليه نجاسة، ولم يعلم بالنجاسة إلا بعد انقضاء الصلاة فحكمه فيه قولان للعلماء: أصحهما أن من صلى وعليه نجاسة وعلم بها بعد انتهاء الصلاة أن صلاته صحيحة، والدليل على هذا ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى بأصحابه وفي أثناء الصلاة خلع نعليه، فلما رآه الصحابة خلع نعليه ظنوا أن هناك تشريعاً جديداً بخلع النعال وعدم جوازه في الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم النبي صلى الله عليه وسلم سألهم: ما شأنكم؟ فقالوا: رأيناك خلعت فخلعنا، فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنه قد أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين). ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر تكبيرة الإحرام، وفعل من أركان الصلاة ما فعل؛ لأن تنبيه جبريل وقع أثناء الصلاة، وقد فعل بعض أركانها، فلو كان الناسي أو الجاهل لوجود النجاسة يتأثر بوجودها لاستأنف النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، ولكان كبر من جديد، ولأعاد من أول الصلاة، فكونه عليه الصلاة والسلام بنى على ما كان دل على أن ما مضى بمكان الجهل وعدم العلم معفوٌ عنه، ولذلك فأصح الأقوال أن من نسي النجاسة أو لم يعلم بالنجاسة أن صلاته صحيحة، ولا تلزمه الإعادة، لكن لو علم بها أثناء الصلاة لزمه قولاً واحداً أن يزيل هذه النجاسة التي علقت به، وذلك بشرط عدم وجود الفعل الكثير الذي يخرجه عن كونه مصلياً كما سيأتي إن شاء الله في صفة الصلاة.
حكم صلاة من علم بوجود النجاسة ثم نسيها
حكم صلاة من علم بوجود النجاسة ثم نسيها قال المصنف رحمه الله: [وإن علم أنها كانت فيها لكن نسيها أو جهلها أعاد] هذا مذهب التفصيل، فبعض العلماء يقول: من صلى في ثوبٍ نجس، أو على موضعٍ نجس، أو في بدنه نجاسة، ولم يعلم بها، أو علم بها ثم نسي، فما دام أنه أثناء الصلاة لا يعلم فالحكم أنه لا تلزمه إعادة الصلاة، وهذا هو الصحيح. ومنهم من فصل -كما درج عليه المصنف رحمه الله- فقال: إذا كان غير عالمٍ بالنجاسة، ثم علم بعد الصلاة تصح صلاته، لكن إذا كان عالماً بها ثم نسيها وصلى فإن صلاته باطلة. مثال من جهل وجودها وعلم بعد الصلاة: شخصٌ صلى على سجادة وهو يظن أنها طاهرة، وعهده أن هذه السجادة التي يصلي عليها طاهرة، فلما صلى وانتهى من الصلاة جاءته امرأته، أو جاءه أخوه، أو أحد الناس وقال له: هذه السجادة التي صليت عليها نجسة. فنقول في هذه الصورة: إنه جاهلٌ بوجود النجاسة؛ إذ إنه غير عالمٍ بها، والحكم أن صلاته صحيحة. والمثال الثاني: شخصٌ أصابت ثيابه النجاسة فلم يغسلها بعد الإصابة، وانشغل حتى نسي، فأذن عليه المؤذن ونزل بثوبه النجس وصلى، وبعد الصلاة تذكر النجاسة. فعلى الصحيح أنه لا تلزمه إعادة، وذلك لظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي ذكرناه؛ لأن المعنى فيه وجود النسيان. والقول الثاني: تلزمه الإعادة، يقولون: إنه فرط وقصر؛ لأنه كان عالماً بها قبل الصلاة وفرط وقصر في المبادرة بإزالة النجاسة وهذا -كما قلنا- يحتاج إلى نظر من جهة تفريطه في الغسل، وممكن أن يقال أيضاً: إن من صلى على موضعٍ لا يعلم بنجاسته أنه مفرط؛ لأنه لو قلب السجادة أو ثوبه وتحرى ربما رأى النجاسة، فالمعنى الذي هو التفريط موجودٌ في هذا كما هو موجودٌ في ذلك، وإن كانت الصورة الثانية أكثر من جهة تعدد الأنواع، لكنه لا يمنع التأثير في العلة.
حكم الصلاة في الجبيرة إذا كانت نجسة
حكم الصلاة في الجبيرة إذا كانت نجسة قال المصنف رحمه الله: [ومن جُبِرَ عظمه بنجسٍ لم يجب قلعه مع الضرر]. الجبيرة على حالتين: إما أن تكون بطاهر، أو تكون بنجس، فلو أن إنساناً جبر عظمه بنجس، ويتأتى ذلك بالعظام النجسة، أو توضع له مواد نجسة تساعد على التحام العظم، فإن بعض العلماء قال: يلزمه قلع الجبيرة وإبدالها بجبيرة طاهرة، وذلك لأن الجبيرة النجسة موجودٌ بديلٌ عنها، وهو الجبيرة الطاهرة، ولا يحكم باضطراره مع وجود البديل؛ لأن شرط الحكم بالضرورة عدم وجود البديل، وبناءًَ على ذلك لما وجدت الجبيرة الطاهرة صار غير مضطر، بل صار مختاراً، وقال بعض العلماء: نفصل فيه: فإن شق عليه نزع هذه الجبيرة وحصل له ضرر بنزعها فإنه يبقي عليها ولا تلزمه الإعادة، ولا يلزمه قلعها، وإن لم يشق عليه نزعها وأمكنه النزع فإنه يجب عليه. فتحديد الخلاف بين العلماء أن يقال: من جبر عظمه بنجاسةٍ أو بجبيرةٍ نجسة، وأمكنه إزالة هذه النجاسة دون تعبٍ ولا عناءٍ ولا مشقة يلزمه قولاً واحداً أن يزيلها، وذلك لأنه مأمورٌ بالطهارة، وبإمكانه أن يتطهر ولا ضرورة له، وبناءً على ذلك يبقى على حكم الأصل، فهذه الصورة الأولى نريد أن نبحث أحكامها، فلو قلت لإنسان: هذه الجبيرة طاهرة أم نجسة؟ فقال: نجسة تقول له: اخلعها. فإن قال: لا أستطيع؛ لمشقة ذلك عليه، فحينئذٍ يكون له حكم سيأتي، لكن لو قال: أستطيع وبالإمكان ولا مشقة، نقول: اخلعها. فإن امتنع عن خلعها وبقيت الجبيرة حتى انجبر العظم فتلزمه إعادة الصلوات كلها، إذا كان قادراً على إزالتها وامتنع من الإزالة حتى انجبر العظم؛ لأنه لم يصل كما أمره الله عز وجل متطهراً في بدنه، ولذلك يلزم بالإعادة. أما إذا كانت الجبيرة لا يمكن نزعها أو في نزعها مشقة، فتبقى على ما هي عليه، وقال بعض العلماء: تلزمه الإعادة لأنه فرط، وكان بإمكانه أن يجبر بالطاهر ولكنه فرط. ولكن الأقوى والصحيح أنه يعذر لمكان وجود الحرج والمشقة لإزالة هذه الجبيرة النجسة.
حكم طهارة أعضاء الإنسان بعد انفصالها عنه
حكم طهارة أعضاء الإنسان بعد انفصالها عنه قال المصنف رحمه الله: [وما سقط منه من عضوٍ أو سن فطاهر] من الملاحظ أن هناك اتصالاً في المباحث والمسائل حيث يذكر العلماء فيه الشبيه بشبيهه، فنحن الآن نتكلم عن إزالة النجاسة، وفي بعض الأحيان يذكر العلماء مسائل فرعية متصلة بالفرع الذي بحث في الباب، فالأسنان والأعضاء التي تسقط من الإنسان ليس هذا موضع الكلام عليها؛ لأن موضع الكلام عليها بكونها طاهرة أو نجسة إنما هو في باب النجاسات، ولكن لما كان يتكلم عن الجبائر وحكم اتصال النجس وانفصاله، فإنه من الأشبه أن تذكر مسألة الأعضاء، فقد يبتر من الإنسان عضو ويزال منه، كأن تقلع منه سنٌ، أو تقطع منه إصبع، أو يد، أو رجل، فللعلماء في حكم هذا العضو الذي بُتر وجهان: فمنهم من قال: هو نجسٌ بمجرد المفارقة، فإذا فارق البدن حكم بنجاسته، قالوا: إن اليد فيها الدم، وإذا قطعت فإن هذا الدم نجس، ولأنه مسفوح، فيحكم بتنجسها بمجرد قطعها، وبناءً على هذا لو أن اليد بترت ثم أعيدت فحينئذٍ يكون إعادةً لنجس؛ لأنها بالبتر أصبح الدم فيها مسفوحاً، وإذا أصبح مسفوحاً فإن الله قال عن الدم المسفوح: {فَإِنَّهُ رِجْسٌ} [الأنعام:145]، فحينئذٍ يكون كإعادة النجس إلى البدن. والصحيح أن العضو إذا بتر فهو طاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أبين من حيٍ فهو كميتته). والجواب عن الدم المسفوح أن نقول: الدم المسفوح المراق، فاليد ما أريق من جزئها المتصل بالبدن مسفوح، وما أريق من اليد وخرج عنها مسفوح، والجَرَّاح حين يعيدها يزيل ذلك حتى تتصل العروق وتتصل اليدين ببعضها، فيكون هذا ليس من إيصال النجس بالطاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم بأن ما أُبين من حيٍ فهو كميتته، وميتة الآدمي طاهرة، فاليد حين تبان هي طاهرة، والدم المسفوح لا يحكم بكونه مسفوحاً إلا بالمفارقة، فنحكم بكون الدم الذي جرى خارجاً عن اليد المقطوعة والمكان الذي قطع منه بكونه نجساً، لكن ذات اليد وذات الموضع الذي أُبين منه إذا اتصل عاد إلى أصله، فبناءً على ذلك لا يحكم بكونه نجساً من هذا الوجه. فإذا ثبت أن السن أو اليد لا يحكم بنجاستها يتفرع على هذا جواز ردها إذا أمكن الرد، فإنه يوجد الآن في الجراحات الدقيقة إذا قطعت اليد وكان قطعها قريباً، وعرضت على جراح أو طبيب، فإنه بإمكانه بإذن الله عز وجل أن يعيدها، فتكون إعادتها على هذا الأصل الذي ذكرناه لا حرج فيها؛ لأنها ليست بنجسة ولا بمتنجسة، ونحكم بجواز الإعادة من هذا الوجه. كذلك أيضاً إذا حكم بكون السن طاهرة، فإنه حينئذٍ لا تسري عليها أحكام النجاسات، فلو أن إنساناً حملها فإنه حاملٌ لطاهر، بخلاف من يقول: إنها نجسة وحاملٌ لنجس.
الأماكن التي نهي عن الصلاة فيها
الأماكن التي نهي عن الصلاة فيها
أولا: المقابر
أولاً: المقابر قال المصنف رحمه الله: [ولا تصح الصلاة في مقبرة] بعد أن بين رحمه الله أنه ينبغي عليك أن يكون الموضع الذي تصلي فيه طاهراً، وبين لك أحكام النجاسات المتصلة، وما هو قريبٌ من المتصل، شرع في بيان المواضع التي لا يجوز أن يصلى فيها، وهذه -كما قلنا- مسائل شبيهة بالمسائل التي معنا، فكما أن الأرض النجسة لا يصلى عليها فإن المواضع التي نهي عن الصلاة عليها كالأرض النجسة، فلا يصح أن تذكر في غير هذا الموضع. والمقبرة مثلثة الباء، والمقبرة: المكان الذي يقبر فيه الآدمي، ولا يصلى فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقابر، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته، ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً) فقوله: (ولا تجعلوا بيوتكم قبوراً) يدل على أن القبر ليس موضعاً للصلاة، قال العلماء: نهى عن الصلاة في القبور لأمورٍ؛ فإن الأمر قد يعلل بعللٍ كثيرة، فقالوا: منها: خوف الشرك، وهذا أعظمها وأجلها؛ لأن الصلاة على القبر قد تؤدي إلى تعظيمه وإجلاله إلى درجةٍ قد تصل بالمرء إلى الصلاة لصاحب القبر والعياذ بالله. وقيل: نهي عن الصلاة فيها حتى لا يشابه اليهود والنصارى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعنهم عند موته، قالت أم المؤمنين: (يحذر مما صنعوا)، أي: يحذر أمته أن تصنع كصنيع اليهود والنصارى، فقالوا: من أجل المشابهة وكذلك أيضاً قال بعض العلماء: لأنه إذا صلى على القبر فإنه يؤذي صاحب القبر، وقد يؤذيه صاحب القبر؛ لأن الجلوس على القبور مضرةٌ لصاحب القبر ومضرةٌ لمن جلس عليها، ولذلك شدد عليه الصلاة والسلام في التحذير من أذية أهل القبور بالجلوس والاتكاء عليها فقال: (لأن يجلس الرجل على جمرة فتحرق ثيابه خير له من أن يجلس على قبر). فلذلك نهى عن الصلاة في القبور وعلى القبور، ولذلك بين رحمه الله أن هذا الموضع -القبر- لا يجوز أن يصلى فيه، والإجماع منعقد على أنه لا تجوز الصلاة في القبور، والمراد بها صلاة الفريضة وصلاة النافلة، ويستوي في ذلك النوافل المقيدة والنوافل المطلقة، فلا يصلى في المقابر العيدان ولا الكسوف ولا الخسوف، فلا يصلى فيها نفلاً ولا فرضاً. وأما الصلاة على الجنازة في المقابر أو قريباً من المقابر فهذا مستثنى، كأن تكون الجنازة ما صلي عليها في المسجد، ثم أتي بها عند القبر، فصلي عليها عند قبرها ثم دفنت، فلا حرج أن يصلى عليها، ولكن ينبه على خطأ تكرار الصلاة على الجنائز عند القبور وقد صلي عليها في الجوامع، وأن هذا أمرٌ لا أصل له، فإن الأصل الاكتفاء بصلاة المؤمنين وشفاعتهم في المسجد، ولا يزاد على ذلك. وأما في داخل القبور فقال بعض العلماء بجوازه استدلالاً بحديث المرأة التي كانت تقم المسجد، ولكن هذا الحديث -كما جاء في صحيح مسلم، وهو مذهب طائفة من السلف- فيه شبهة تقتضي التخصيص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على المرأة قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي) فقوله: (بصلاتي) دل على التخصيص، فورود النهي الحاضر مع المبيح يوجب تقديم الحاضر على المبيح، فالأولى والأحرى أن الإنسان يقتصر على الصلاة العامة التي تكون في مساجد المسلمين. أما تكرار الصلاة على الجنائز فهذا لم يكن عليه هدي السلف الصالح رحمهم الله، ولا يستقيم الاستدلال بما ذكرناه لوجود شبهة التخصيص.
ثانيا: الحش
ثانياً: الحش قال رحمه الله تعالى: [وحُشَ] الحَش بالفتح والضم، والمراد بالحَش أو الحُش: المزابل، ويقال: موضع قضاء الحاجة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث ابن ماجة: (إن هذه الحُشوش محتضرة) يعني: أماكن قضاء الحاجة، أي: تحضرها الشياطين والعياذ بالله؛ لأنها تحب الأماكن القذرة وروائحها الخبيثة فتأنس بها وتحبها، وأصل الحُش: البستان، قالوا: سميت أماكن قضاء الحاجة حُشاً لأنهم كانوا في الغالب في القديم يخرجون إلى أحوشة البساتين وأسورتها القديمة لقضاء حاجتهم، فما كانوا يضعون الحمامات في البيوت، وإنما كانت مثل المناصع الذي كان في المدينة، وهو موضع شرقي المسجد النبوي إلى شماله كانت تخرج إليه أمهات المؤمنين، وهو الذي كان يؤذي فيه اليهود والمنافقون نساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرجن، كما قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: (من لي بـ الأشرف فقد آذى الله ورسوله)، فالمقصود أنهم ما كانوا يقضون الحاجة في البيوت، وإنما كانوا يقضونها في الحشوش، فيوصف بكونه حُشاً من هذا الوجه، فلا تجوز الصلاة في هذه المواضع؛ لأنها نجسة، وليست محلاً لذكر الله عز وجل، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني كنت على حالةٍ كرهت أن أذكر الله عليها)، فمن باب أولى إذا كان في الموضع النجس نفسه، ولا تصح الصلاة بالإجماع في هذا الموضع، وهو موضع قضاء الحاجة.
ثالثا: الحمام
ثالثاً: الحمّام قال رحمه الله تعالى: [وحمامٍ] الحمام في لغة القدماء ليس كالحمام الموجود الآن، فالحمام كان مكان الاغتسال، وكانوا في القديم يضعون الحمامات أماكن يغتسلون فيها ولها نظامٌ معين، فيغتسل فيها الناس بالماء الفاتر ويستحمون به، مثل المسابح أو أشبه، لكنها أماكن لها وضع معين تطهر فيها أبدان الناس، ويغتسلون فيها، وهذه الحمامات كانت موجودة إلى عهدٍ قريب في المدن، ونهي عن الصلاة فيها كما في حديث أبي داود والترمذي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في المقبرة والحمام)، وهذا يدل على أنها ليست بموضع للصلوات، وذلك لأنها في حكم أماكن قضاء الحاجة لمكان العري، ولذلك قالوا: لا تصح الصلاة في الحمامات، فلو صلى لزمته إعادة الفريضة، ولا تصح منه إذا صلى في هذا الموضع.
رابعا: أعطان الإبل
رابعاً: أعطان الإبل قال رحمه الله تعالى: [وأعطان إبلٍ] أعطان: جمع عطن، وعطن الإبل: الأصل فيه مراحه، وهو المكان الذي يمرح فيه ويستقر فيه، ويكون على أضرب: منها: أن يكون مراحاً له يبيت فيه ويأوي إليه، فهذا بالإجماع عطن ولا إشكال فيه، أو يكون في وقتٍ دون وقت، فله مكان في الظهيرة يعطِن فيه، ومكان في الليل يعطِن فيه، فإنه إذا عطن في هذا المكان وهو الذي يكون في وقت الظهيرة يوصف بكونه من أعطان الإبل، فلا يشترط أن يمكث جميع وقته في هذا المكان، أعني: وقت راحته أو وقت مراحه. فالأعطان لا تصح الصلاة فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الإبل كما في صحيح مسلم أنه قال: (صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل)، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل، والصحيح أن العلة أنها خلقت من الشياطين، وأنها مواضع الشياطين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فالعلة -والعياذ بالله- وجود الشياطين بها وتلبسها بالإبل، ولذلك أمر بالوضوء من لحم الجزور ولم يؤمر من غيره، ونهى عن الصلاة في معاطن الإبل، قالوا: إنها لا تخلو من حضور الشياطين فيها، والأحاديث صحيحة في هذا المعنى، وقد تكلم الإمام ابن القيم كلاماً نفيساً في (أعلام الموقعين) حبذا لو يرجع إليه في بيان بعض الحكم والأسرار المبنية على تحريم الصلاة في أعطان الإبل قالوا: فلمكان حضور الشياطين فيها يتقيها المصلي، ولهذا نظير فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما بات عند قدومه إلى المدينة وعرس كما في حديث حذيفة في الصحيحين واستيقظ وقد نام عن صلاة الفجر قال: (ارتحلوا فإنه موضعٌ حضرنا فيه الشيطان) قالوا: فهذا أصل يدل على أن المواضع التي تحضرها الشياطين لا يصلى فيها، فلذلك نهي عن أعطان الإبل لمكان وجود الشياطين فيها. والنهي عن الصلاة في أعطان الإبل يحتج به الشافعية رحمهم الله على أن روح أو فضلة ما يؤكل لحمه نجس؛ لأن أعطان الإبل حكم بنجاستها، لكن ينقض هذا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الصلاة في مرابض الغنم، فلو كانت فضلة ما يؤكل لحمه نجسة لكان روث الغنم نجساً أيضاً، ولذلك يقوى القول بأنها طاهرة، وحديث مرابض الغنم يدل على طهارتها، وحديث أعطان الإبل لا يستلزم الحكم بالنجاسة.
خامسا: الأرض المغصوبة
خامساً: الأرض المغصوبة قال رحمه الله تعالى: [ومغصوبٍ] المغصوب: هو المأخوذ قهراً، والفرق بين السرقة والغصب: أن السرقة تكون خفية، والغصب يكون علانية، وللسرقة حكم وللغصب حكم، والسرقة أشد لما فيها من التخفي وعدم معرفة الآخذ بالمال، لكن الغصب يكون علانية، والغصب من كبائر الذنوب، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أراضين)، قال بعض العلماء: إنه يضيق عليه سبعة أراضين، تجمع الأرض التي اغتصبها والشبر الذي اغتصبه كالطوق في عنقه، فيكون من أرضٍ إلى أرض حتى يبلغ السبع الأراضين التي اغتصبها، أي: المسافة التي غصبها، وقيل: يكلف حمل هذا القدر -والعياذ بالله- مما اغتصب، وكيفية تكليفه مع ضعفه أمره إلى الله، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن مقعد الكافر في نار جهنم -أي: مكان قعوده فقط- كما بين المدينة ومكة)، فهذا مقعد الكافر ومكان جلوسه في النار، فالله على كل شيءٍ قدير. وذكر عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أن ضرس الكافر -والعياذ بالله- مثل جبل أحد)، فلا شك أن الله عز وجل على كل شيءٍ قدير، فالغصب حرام وهو من كبائر الذنوب، فلو اغتصب أرضاً فمما يترتب على الغصب مسألة صحة صلاته: فقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة على قولين: فجمهور العلماء على أن الأرض المغصوبة تصح فيها الصلاة، وذهب طائفة من العلماء إلى أن الأرض المغصوبة لا تصح فيها الصلاة، وهو مذهب الحنابلة رحمة الله على الجميع؛ لأنه منهي عن البقاء في هذه الأرض، فالصلاة باطلة، ويقولون: إن هذا مخرج على القاعدة الأصولية أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، والصحيح أن النهي فيه تفصيل، فإن رجع إلى ذات المنهي عنه اقتضى البطلان، وإن كان منفكاً عن ذات المنهي عنه فإننا نقول بانفكاك الحكم، فنقول: إن الصلاة في المكان المغصوب صحيحة ولكن يأثم بالغصب، فهو آثمٌ من جهة الغصب وصلاته صحيحة؛ لأنه فعل ما أمره الله من القيام والقعود والركوع والسجود، وقد قال عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)، فالصلاة صحيحة، ولكن قال بعض أهل العلم: أجمع العلماء على أن من صلى على أرضٍ مغصوبة أو بثوبٍ مغصوب أن صلاته غير مقبولة والعياذ بالله. أي: لا يثاب عليها والعياذ بالله، وإن كانت تجزيه، فيقولون: كأنه لم يصل والعياذ بالله من ناحية خلوه من الثواب، نسأل الله السلامة والعافية، وذلك لأن الله يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة:27] وهذا لم يتق الله، حيث غصب مال أخيه وصلى فيه أو صلى عليه. فإذا ثبت أن الأرض المغصوبة تصح الصلاة عليها، فيتفرع على ما ذكر المصنف رحمه الله أنه إذا قيل: إن الأرض المغصوبة لا تصح الصلاة عليها، يصبح الأصل عند أصحاب هذا القول: كل أرضٍ محرمة لا تصح الصلاة فيها. فيطرد على هذا لو كانت الأرض نهي عن الجلوس فيها مثل أراضي الظالمين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن دخول مساكن الظالمين وقال: (لا تمروها -أي: ديار ثمود- إلا وأنتم باكون أو متباكون)، ولم ينزل بأرض ثمود، وإنما تنحى بأصحابه صلوات الله وسلامه عليه حينما قدم من غزوة تبوك، فأراضي الظالمين النهي فيها للتحريم، ولو صلى لم تصح صلاته على هذا الأصل؛ لأنه منهي عن الجلوس فيها، ويستوي في هذا أن يكون الغاصب هو المصلي، أو يكون غير الغاصب، فلو علمت أن هذه الأرض مغصوبة فعلى هذا الأصل لا تصل فيها، فلو صليت وأنت ترى عدم صحة الصلاة في الأرض المغصوبة تلزمك الإعادة. ويتفرع عليه أيضاً الأرض المحرمة، وهي المشتراة بمالٍ حرام، فإنهم يقولون: إنه لا تصح صلاته فيها، كأن يكون المال الذي اشترى به الأرض مالاً حراماً، كمال يتيم، أو مالاً مغصوباً، أو اشترى به ثوباً فإن الحكم كالحكم في الأرض. فإذا ثبت أن الأرض لا تصح الصلاة فيها، فلو صلى في سطح البيت المغصوب فهل تصح صلاته؟ قالوا: وكذلك السطح، فسطح المغصوب كالمغصوب؛ لأن من ملك أرضاً ملك فضاها وسماها، وملك قعرها بدليل: (من ظلم قيد شبرٍ طوقه من سبع أراضين)، فدل على أنه مالكٌ لأسفل الأرض كما هو مالكٌ لأعلاها، والإجماع منعقد على أنه يملك الأعلى، وبناءً على ذلك قالوا: لو كانت الأرض مغصوبة فصلاته على أعلاها كصلاته على أدناها، وكصلاته فيها، فالحكم في كل ذلك واحد، ولذلك قال رحمه الله تعالى: [وأسطحتها] يعني: أسطح الأرض المغصوبة، وهذا -كما قلنا- مفرع على أن من ملك أرضاً ملك سماها، وتخرج على هذا القول فتوى من يرى الطواف والسعي في الدور الثاني بناءً على أن الأرض وسماها آخذةٌ نفس الحكم. قال رحمه الله تعالى: [وتصح إليها]. إذا ثبت أن الأرض المغصوبة لا يصلى فيها ولا عليها، فإنها إذا كانت بينك وبين القبلة فقد قال المصنف: وتصح إليها. فلو كانت بينك وبين القبلة لا تؤثر، إنما المؤثر عند من يرى عدم الصحة أن تكون تحتك بالمباشرة، أو تكون في أسفل الأرض ونحو ذلك.
حكم الصلاة في الكعبة وفوقها
حكم الصلاة في الكعبة وفوقها يقول المصنف عليه رحمة الله: [ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها، وتصح النافلة باستقبال شاخصٍ منها]. ختم المصنف رحمه الله بهذه الجملة الأحكام المتعلقة بالشرط السابق، وكان الحديث عن طهارة المكان، ولزِم ذكرُ المواضع التي لا يجوز للمكلَّف أن يوقِع الصلاة فيها. فذكرنا المقابر والمزابل، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، والأصل في هذه المواضع حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المجزرة، والمقبرة، والمزبلة، وقارعة الطريق، وأعطان الإبل، وعلى ظهر الكعبة). فهذه المواضع نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة فيها، وقد تقدَّم أن المِجزرة والمقبرة والمِزبلة والحمّام لا يُصلَّى فيها لأنها مشتملة على وجود الشياطين، وذكرنا علَّة ذلك، وأما قارعة الطريق فهي المكان الذي يقرعه الناس، أي: يمشون فيه، سمِّيت بذلك لأن الإنسان إذا سار في الطريق قرع نعاله، وسُمِع قَرع النعال، أي: صوتها، فيُقال: قارعة الطريق، بمعنى المكان الذي يطرقه الناس. وأما بالنسبة لأعطان الإبل فقد ذكرنا أن العلة في ذلك أنها مأوى للشياطين، وبيَّنا أن هذه العلة هي أقوى العلل، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة في أعطان الإبل، وأجازها في مرابض الغنم، فلو كانت العلة كونها أعطاناً للإبل لاشتمالها على فضلة الإبل لمُنِع من الصلاة في مرابض الغنم لاشتمالها على فضلة الغنم، فأقوى العلل كونها من الشياطين كما قرَّره غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم. أما الموضع السابع الذي نُهِي عن الصلاة فيه فهو فوق سطح الكعبة، وهذا هو الذي تكلَّم عليه المصنف فقال رحمه الله تعالى: [ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها، وتصح النافلة باستقبال شاخص منها]. أي: لا تصح الفريضة في الكعبة ولا فوقها؛ لأننا أمرنا باستقبال الكعبة، والمستقبل للكعبة يستقبل جدارين، والله أمر نبيه أن يولي وجهه شطر المسجد الحرام. ومسألة الصلاة على سطح الكعبة أو في داخل الكعبة في الأصل ليست بواردة في هذا المكان؛ لأن الكلام عن طهارة المصلَّى، وذكرنا اشتراط طهارة المكان الذي يصلي فيه المكلَّف، ودليل ذلك من السنة، لكن العلماء رحمة الله عليهم من عادتهم أنهم يذكرون المسائل الشبيهة في المظان، فلما ذَكَر تحريم الصلاة في المواضع النجسة ناسَب أن يُتبِعه بالمواضع المنهي عنها، وإلا فالأصل ألا يُذكَر هذا الحكم في طهارة الموضع من النجاسة. والصلاة على ظهر الكعبة فيها خلاف بين أهل العلم رحمة الله عليهم، فمنهم من قال بعدم صحّتها مطلقاً، ومنهم من قال بجوازها مطلقاً وصحّتها، ومنهم من فرّق بين النفل والفرض، كالصلاة بداخل الكعبة. والصلاة بداخل الكعبة أيضاً فيها ثلاثة أقوال مشهورة: القول الأول: ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى صحة الصلاة داخل الكعبة مطلقاً، سواءٌ أكانت نفلاً أم فريضة، وهو قول طائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع. والقول الثاني أنه تصح الصلاة داخل الكعبة إذا كانت نفلاً دون الفريضة، فلا تصح الفريضة داخل الكعبة، وهذا اختيار طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، كما هو عند المالكية وبعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، ودرج عليه الحنابلة. وهناك قولٌ ثالث بعدم الصحة مطلقاً، وهو لبقية من ذكرنا من المذاهب. فتحصَّل عندنا ثلاثة أقوال، فمن يقول بصحة الصلاة داخل الكعبة مطلقاً يحتج بقوله عليه الصلاة والسلام: (وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، قالوا: فقد عمّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدلّ على أن الإنسان إذا صلَّى داخل الكعبة تصح صلاته؛ لأنه أخبر أن الأرض مسجد وطهور، وداخل الكعبة مسجد لعموم هذا الخبر، فيصح للإنسان أن يصلي فيه. والدليل الثاني: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر عندما دخل النبي عليه الصلاة والسلام الكعبة، وأغلق الباب عليه وعلى أسامة وبلال رضي الله عن الجميع، فلما فُتِح الباب كان ابن عمر أول من ابتدر إلى الدخول فسأل بلالاً: هل صلى؟ قال: نعم، بين العمودين. فدلّ هذا على مشروعية الصلاة داخل الكعبة، قالوا: ولا فرق بين النفل والفرض. وأما من قال بعدم صحة الصلاة داخل الكعبة فاحتج بحديث ابن عباس رضي الله عنه في الصحيحين عن أسامة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل الكعبة فكبَّر في أركان البيت ونواحيه، ثم لم يصلِّ، وخرج واستقبل الكعبة وكبر وركع ركعتين. ف أسامة ينفي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى، وبلال يُثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلَّى، فحصل الخلاف بين هذين الصحابيين، فيقولون: الأصل استقبال القبلة والكعبة بكمالها، فلمّا حصل التردد اعتضد قول أسامة بالأصل، وبقي كلام بلالٍ محتمِلاً؛ لأن الصلاة تُطلق بمعنى الدعاء، وقد قال أسامة: (كبَّر)، فيحتمل أن بلالاً سمع تكبيره وظنها صلاة؛ لأن أسامة يقول: (كبَّر في نواحي البيت)، وهذا يدل على أنه رأى منه انتقالاً في نواحي البيت؛ لأن الإشكال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل أغلق الباب، ومن المعلوم أن من دخل من خارج البيت أو من خارج الغرفة إلى داخلها ثم أُغلِق عليه مباشرة يخفَى عليه رؤية ما بالداخل، فظن أن سماع هذا التكبير المتتالي يُظَن معه أنه صلَّى. هذا وجه من يقول أنه لم يصلِّ. وأما الذين توسَّطوا وقالوا: يصلي النافلة دون الفريضة، فقالوا: إن بلالاً أثبت أنه صلَّى، فنُعمِل حديث بلال على الإثبات، ونُبقي الأصل من الأمر بالتوجه إلى الكعبة على ما هو عليه، فنقول: يصح إذا كانت الصلاة نافلة دون الفريضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما صلى فريضة داخل الكعبة، ولو كانت جائزة لبيَّنها إما بقوله أو بفعله، فحيث إنه عليه الصلاة والسلام صلى النافلة دون الفريضة -على القول بأنه صلَّى-، فحينئذٍ نقول: إن الفريضة لا تُصلَّى. والذي يترجّح والله أعلم أن مسلك من يقول بالتفصيل أقوى لأمور: الأمر الأول: أمر الله تعالى بالتوجه إلى البيت، ومن بداخل البيت يتوجه إلى جهةٍ واحدة، بخلاف من كان خارج البيت، فإنه يجمع بين جهتين من أي الجهات صلى، ولذلك كان استقباله داخل البيت أخف من استقباله خارج البيت، فلو وقفت -مثلاً- من جهة الباب أو المقام استقبلت جدار الباب والجدار الذي هو بين الحِجر وبين الركن، وكذلك لو وقفت بين الركنين استقبلت الجدار الذي فيه الركنان، وكذلك الجدار الذي من جهة الحِجر، بخلاف ما إذا صليت بالداخل فإن ستستقبل جداراً واحداً. والأصل في دلالة القرآن استقبال البيت، فلذلك يُحمَل على أكمل ما يكون، وحيث تعذر استقبال الأربع الجهات اكتُفِي بالجهتين للتعذُّر، فإذا ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى -مع التردد في الرواية- فإن الأصل يقتضي الاحتياط، ولو أن القاعدة: (من حفِظ حجة على من لم يحفظ)، لكن الشبهة هنا واردة وقوية، خاصة وأن هناك من ينفي وله جلالة علمه وقدره، والحادثة واحدة. الأمر الثاني: وجدنا أن الشريعة تخفِّف في النافلة ما لا تخفِّف في الفرض، ألا تراه في السفر عليه الصلاة والسلام كان يصلي على بعيره كما أخبر عنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ولم يصلِّ فريضة على بعيره، وكان عليه الصلاة والسلام يصلي على بعيره حيثما توجَّه به في السفر، فدلّ على تخفيف القبلة في النافلة، بخلاف الفريضة. ومن هنا يقوى القول بالتفريق بين النفل والفرض ولأن الذي ورد من هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في النافلة، ولم يرد عنه في الفرض إذ لو كان الفرض سائغاً لبيَّنه بالقول عليه الصلاة والسلام. فلا يقوى مسلك من يقول بجواز صلاة الفريضة داخل الكعبة، إلا بناءً على قوله بأنه لا فرق بين النافلة والفريضة، فيُنقَض هذا القول بورود النص في استقبال القبلة، فوجدناه يخفِّف في صلاة النافلة على الراحلة في السفر، فيصلي النافلة حيثما توجَّهت به راحلته، فخفَّف في القبلة، بخلاف الفريضة فإنه يجب عليه أن ينزل ويجتهد ويتحرَّى ويستقبل، ففهمنا من هذا أنه قد تختص النافلة في الاستقبال بما لا يكون للفرض، فقوِي مذهب من يقول بصحة صلاة النافلة دون الفريضة. ثم إن هذا هو مبلغ التأسي بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن الحديث فيه ما فيه من تعارض قول أسامة مع بلال رضي الله تعالى عنهما. ولذلك قَوِي مذهب من يقول: إنه يصلي النافلة دون الفريضة، لما ذكرناه. ومن هنا لو صلّى على ظهر الكعبة، فإن ظاهر حديث ابن عمر أنه لا يصلي على ظهر الكعبة، وهذا الحديث رواه الترمذي وهو من رواية سعيد بن جبيرة، وهو راوٍ مُتكلَّم في روايته، قال عنه الترمذي: إنه ليس بذاك، وللعلماء فيه قولان: قال بعضهم: إنه كان يضع الحديث، حتى قال بعضهم: إن هذا الحديث من وضعه وهذا من أشد ما يكون في القدح، وقال بعضهم: الرجل ثقة في ذاته -أي: من ناحية ديانته وصلاحه- ولكنه تدرِكه غفلة الصالحين. ولهذا الحديث أيضاً رواية عند ابن ماجة يرويها عن داود بن حصين، وكذلك أيضاً يرويها ابن ماجة عن الليث بن سعد عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال) وذكر الحديث. ولكن هذه الرواية مضعّفة بـ العمري، وهو ضعيف من قِبَل حفظه، وقد يقول قائل: إنه قد تنجبر هذه الطريق بهذه الطريق، ويُحكَم بحسن الحديث كما قاله بعض العلماء، ولكن يُشكِل عليه أن الانجبار في الأحاديث الحسنة ش
الأسئلة
الأسئلة
حكم حمل الصبي في الطواف وعليه الحفاظة
حكم حمل الصبي في الطواف وعليه الحفاظة Q ما حكم حمل الصبي أثناء الطواف بالبيت وهو حاملٌ للنجاسة فيما يسمى بالحفاظة، وهو مما عمت به البلوى؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فحمل الصبي على حالتين: إن كان طاهراً فلا حرج، وقد ثبت الدليل عن النبي صلى الله عليه وسلم بجواز ذلك ومشروعيته. وأما إذا كان نجساً أو متنجساً فإنه لا يجوز أن يحمله في الصلاة وهو على هذه الحالة، ويستثنى من ذلك حالة واحدة يحكم فيها بالجواز، وهي: إذا خافت المرأة على صبيها، كأن تريد أن تطوف بالبيت معتمرة أو حاجة ولو تركت الصبي خافت عليه أن يضيع أو يؤخذ، فإنه يجوز لها أن تطوف وهي حاملةٌ له لمكان الضرورة، والله تعالى أعلم.
حكم إزالة النجاسة في الصلاة المفضية إلى كشف العورة
حكم إزالة النجاسة في الصلاة المفضية إلى كشف العورة Q إذا كانت النجاسة التي علم بها في الصلاة على ثيابه، فإن خلعها ربما انكشفت عورته، فكيف يفعل؟ A لو أن إنساناً لم يجد إلا ثياباً نجسة، ولا يمكنه ستر العورة للصلاة إلا بهذا النجس، فإن هذه المسألة تعرف عند العلماء بمسألة ازدحام الشروط، فإن قلت: أقدم شرط الطهارة على ستر العورة يصلي عارياً، وإن قلت: أقدم ستر العورة على شرط الطهارة يصلي بالمتنجس، وبناءً على ذلك يفصل في هذه المسألة فإن كان يصلي في موضعٍ لا يراه فيه أحد فإنه يعمل الأصل ويصلي عارياً؛ لأن الطهارة معتبرة، وهذا النجس يقدم فيه ما ذكرناه. أما لو كان في موضعٍ يراه فيه أحد فإنه يصلي بثوبه النجس لمكان الضرورة، والله تعالى أعلم.
حكم من صلى وهو جنب ناسيا
حكم من صلى وهو جنب ناسياً Q رجلٌ احتلم بالليل ولم يعلم بذلك، وصلى الظهر والعصر والمغرب، وعند ذلك رأى آثار المني على ثوبه، فهل يعيد تلك الصلوات مرتبة أم كل صلاةٍ في وقتها في اليوم التالي؟ A من صلى وهو ناسٍ أنه محتلم أو عليه جنابة فإنه يلزمه أن يعيد الصلوات ولو كانت أياماً؛ لأنه لا يصح للإنسان أن يصلي وهو على غير طهارة، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وبناءً على ذلك يلزمه إعادة هذه الصلوات كلها، ويراعي فيها الترتيب حتى ولو تعددت أيامه، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة في مسجد به قبر
حكم الصلاة في مسجد به قبر Q ما حكم الصلاة في المسجد الذي به قبر؟ وإذا كانت غير صحيحة فهل يلزمني إعادة الصلوات التي صليتها في هذا المسجد؟ A إذا بني المسجد على القبر فإنه لا تصح الصلاة فيه؛ لأنه آخذٌ حكم الصلاة على القبر، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على القبر، وبناءً على ذلك يلزمك إعادة الصلاة إذا صليت فيه، ويجب عليك أن تبحث عن مسجدٍ لا قبر فيه وتصلي فيه، وأما إذا كانت المساجد كلها فيها قبور فتصلي في بيتك، ثم إذا خشيت الفتنة فكما قال عليه الصلاة والسلام: (صلِ معهم فإنها نافلة)، أما إذا لم تخش الفتنة فإنه لا تلزمك الجماعة لمكان هذا العذر، والأولى أن تصلي جماعةً بأهلك أو بجيرانك، والله تعالى أعلم.
حكم من صلى إلى غير القبلة مخطئا ثم عرف ذلك
حكم من صلى إلى غير القبلة مخطئاً ثم عرف ذلك Q لو أن رجلاً صلى في بادية فاجتهد في القبلة، وبعد الصلاة أتاه رجل فأخبره باتجاه القبلة الصحيح، فما حكم صلاته؟ A من صلى في بريةٍ أو باديةٍ لا يخلو من حالتين: إما أن يكون بموضعٍ يمكنه السؤال والتحري فيلزمه؛ لأن القدرة على اليقين تمنع من الشك، وقد كلفه الله باستقبال القبلة، وبإمكانه أن يتحرى جهتها، فيسأل العالم بمواضع القبلة من أهل ذلك الموضع ويلزمه الرجوع إليه، أما لو كان في بريةٍ ليس فيها أحد، ولا يجد أحداً يسأله، أو الذين معه عوام وجهالٌُ مثله فإنه يتحرى ويصلي، ولا حرج عليه إذا ظهر أنه صلى لغير القبلة؛ لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى وأصحابه في ليلةٍ فيها غيم ثم لما أصبحوا فإذا هم على غير قبلة، فقال صلى الله عليه وسلم: قد مضت صلاتكم). فإذا تحرى الإنسان عند إمكان التحري على قدر وسعه عند فقد العالم بالقبلة أو بجهة القبلة فإنه قد أدى ما عليه، وصلاته صحيحة، والله تعالى أعلم.
وجود النجاسة في الجبيرة
وجود النجاسة في الجبيرة Q كيف يكون الجبر بالعمود النجس؟ A تحتاج إلى طبيب يذكر لك أنواع الجبارة، وعلى العموم خذ هذا الأصل، أما الكيفية فهذا أمر يرجع إلى أهل الخبرة، وهذا فن ما قرأناه إلى الآن، فتحتاج إلى إنسان يعلم طرق الجبائر وأنواعها ثم يتكلم عليها. أما المهم فأن تكون الجبيرة نجسة، أو توضع فيها مادة نجسة، فلو أن الجبس كان فيه بول -أكرمكم الله- أو خلط بماءٍ فيه بول، أو وضعت خلطة الجبس في ماءٍ فيه بول، أو المادة التي وضعت بجبر هذا العظم نجسة، فهذا كله من جبر النجاسة، أو تكون الجبيرة التي توضع وتلف أصابتها نجاسة فتنجست، فكل هذه الصور واردة، وأما ما هي الجبيرة النجسة فهذا أمر يحتاج إلى عالمٍ خبير بالجبائر، ومن أحيل على مليء فليتبع. أما بالنسبة لحكم العلماء رحمة الله عليهم فهذا هو الأصل، أي: يستوي في ذلك أن تكون الجبيرة بذاتها نجسة، أي: نفس الآلات الموضوعة للشد نجسة، أو الحبال واللفائف التي توضع متنجسة، أو الجبس الذي يوضع نجس، فكل هذا يتأتى ويدخل في مسألة الجبيرة النجسة، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على أسطح الحشوش والحمامات وأعطان الإبل
حكم الصلاة على أسطح الحشوش والحمامات وأعطان الإبل Q هل تصح الصلاة على أسطح الحشوش والحمامات وأعطان الإبل؟ A الصلاة على أسطح الحُش والحمام وأعطان الإبل مفرعة على الكلام على الموضع، فإن قلت: إن سماء الشيء آخذٌ حكم أرضه فحينئذٍ لا تصح، لكن لقائلٍ أن يقول: إن المتصل بالنجاسة ليس كالمنفصل، فنحن حينما ذكرنا مسألة الغصب قلنا: الصحيح أنها لا تؤثر، وأن المغصوب تصح فيه الصلاة، وأن الصلاة على ظهر أو سطح مغصوب صحيحة، كالصلاة على المغصوب نفسه. وبناءً على ذلك إذا قلنا: العلة هي النجاسة وكون الحُش متنجساً يبقى سطح الحُش على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، فنقول بصحة الصلاة عليه من هذا الوجه، وكذلك أعطان الإبل إذا كانت الإبل تمرح في مكان وسطحها لا تمرح فيه، فإن العبرة بالمكان لا بسطحه، وهذا أقوى وأوفق وأقرب إلى الأصل من جهة العموم لقوله عليه الصلاة والسلام: (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً)، ويبقى الإشكال في الجواب عن مسألة من ملك أرضاً ملك سماها. فنقول: هذا في الأوصاف المتعدية، فالاغتصاب الوصف فيه يتعدى؛ لأن الغصب سارٍ على الأرض كلها، لكن النجاسة الوصف فيها لا يتعدى، ونحن قلنا: إذا طين أرضاً نجسة، وكان هناك حائل بينه وبين الأرض النجسة وصلى صحت صلاته، وبناءً على ذلك يفرق بين المتصل والمنفصل، فلما كان في الغصب متصلاً؛ لأن الغصب يسري إلى السطح قلنا بعدم الصحة على الأصل الذي قرره المصنف، ولما كان الوصف هنا لا يسري، ولا يأخذ حكم المتصل قلنا بصحة الصلاة من هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة بالثوب الذي عليه فضلات طير غير مأكول
حكم الصلاة بالثوب الذي عليه فضلات طير غير مأكول Q من صلى وقد أصاب ثوبه من فضلات الطيور الجارحة كالصقر، وهو يعلم أنها على ثوبه، فهل يعيد الصلاة؟ A الطيور الجارحة فضلاتها وذرقها نجس، أما الطيور التي تؤكل كالحمام والعصافير فأصح أقوال العلماء أنها طاهرة، وخالفت الشافعية رحمة الله عليهم فقالوا: إن ذرق الحمام نجس، ولذلك يقعون في حرجٍ كبير إذا صلوا في الأماكن التي فيها حمام، حتى قال بعض العلماء: بسبب كثرة الحمام ومشقة التحرز يعفى عن ذرق الحمام. فالطيور الجارحة على الأصل الذي ذكرناه أن بول وروث ما يؤكل لحمه طاهر، وأن ما عداه نجس، فيتخرج على هذا القول بنجاسته، وسيأتينا إن شاء الله في كتاب الأطعمة، فلو أصابه ذرق فإنه يعتبر متنجساً، لكن عند من يقول: إن يسير النجاسة الدم وغيره معفو عنه، وكان هذا الذرق يسيراً فإنه يعفى عنه على هذا القول، وإن كان الصحيح أنه لا يعفى عنه؛ لأن العفو مختصٌ بالدم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
باب شروط الصلاة [7]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [7] مما لا ينبغي لكل مسلم جهله معرفة شروط الصلاة، والأماكن التي تحرم الصلاة فيها، وحكم الصلاة في الكعبة وعليها، وهل الِحجر داخل فيها، وحكم استقبال القبلة، وهل الفريضة والنافلة في ذلك سواء، وأحوال المصلي في استقباله للكعبة، وما هي الأمور التي يستدل بها على جهة القبلة، وغيرها مما يجدر الإحاطة به.
شرط استقبال القبلة في الصلاة وأدلته
شرط استقبال القبلة في الصلاة وأدلته قال المصنف رحمه الله: [ومنها استقبال القبلة]. أي: من شروط الصلاة التي ينبغي على المكلف أن يراعيها للحكم بصحة صلاته استقبال القبلة، والاستقبال استفعال من القُبُل، ويُقال: الشيءُ قِبَل الشيء، إذا كان مواجهاً له؛ لأن القُبُل ضد الدُبُر، فيُقال استدبَرَه، إذا كان من خلفه، واستقبله، إذا كان من أمامه. قالوا: وُصِفت القبلة بذلك لأنها تكون قِبَالة الإنسان، أي: من وجهه، وقد أُمِر بالشرع أن يجعلها قِبَالة وجهه، ولذلك ينبغي في الصلاة إذا صلَّى أن يجعل ناحية البيت قِبل وجهه، وذلك لأمر الله عز وجل به في كتابه المبين، وكذلك ثبَت بهدي سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، وأجمعت الأمة على اعتباره. أما دليل الكتاب فقوله تعالى: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:149]، فإن قوله سبحانه: (فَوَلِّ وَجْهَكَ) أمر، وقوله: (شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: ناحية المسجد الحرام، وسنبيِّن تفصيل هذه الآية وما دلّت عليه. فوجه الدلالة أن الآية أمرَت فدل على لزوم استقبال القبلة. أما دليل السنة فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر)، فقال له: (استقبل القبلة)، وهذا أمر، والأمر للوجوب، وبناءً على ذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا تصح الصلاة إذا استقبل الإنسان فيها غير القبلة، إلا في حالتين: حالة العذر من وجود السفر، أو حالة العذر من جهة المسايفة، وما في حُكمِها مِن كون الإنسان لا يستطيع أن يتحول إلى القبلة كالمريض الذي يكون مشلولاً ولا يجد من يوجهه إلى القبلة. فاشتراط هذا الشرط دلّ عليه دليل الكتاب ودليل السنة والإجماع.
حكم استقبال القبلة للعاجز والمسافر
حكم استقبال القبلة للعاجز والمسافر قال رحمه الله تعالى: [فلا تصح بدونه إلا لعاجز]. قوله: [فلا تصح بدونه] أي: الصلاة، والفاء للتفريع، أي: إذا علمت رحمك الله أن استقبال القبلة لازم على المكلَّف وواجب عليه، فلا تصح الصلاة مطلقاً سواءٌ أكانت نافلة أم فريضة إذا لم يستقبل القبلة، وذلك لأمر الله عز وجل بها وتعيينها على المكلَّف، إلا ما استثناه الشرع. قال رحمه الله تعالى: [إلا لعاجز]. قوله: (إلا) استثناء، والقاعدة أن الاستثناء إخراج بعض ما يتناوله اللفظ. وقوله: (لعاجز) العاجز يكون على أحوال، كالإنسان المريض الذي يكون مشلولاً ولا يستطيع أن يتحرك يميناً أو شمالاً، وكان على جهة غير القبلة، وحضَرته الصلاة، وليس عنده أحد يحرِفه إلى جهة القبلة، فحينئذٍ يصلي على حالته، خاصة إذا خرج عليه الوقت وهو على تلك الحالة؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وقد قال الله عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهذا ليس بوسعه أن يستقبل، وليس بوسعه أن ينحرف إلى القبلة، فيبقى على العذر لمكان العجز المتعلق به. ولو أن إنساناً رُبِط في بئر أو في مكان بحيث لا يستطيع أن يتحول أو ينحرف، أو رُبط بالجدار وكان وجهه إلى غير القبلة، أو سُجن في موضعٍ فوُضِع وجهه على غير القبلة، ولا يستطيع أن يتحرك، فإن هذا يصلي على حالته؛ لأنه عاجز، والتكليف شرطه الإمكان، والعجز يوجب سقوط التكليف، فلذلك لا يُكلَّف. قال رحمه الله تعالى: [ومتنفل راكب سائر في سفر]. قوله: (ومتنفِّلٍ) أي: في سفر، فيَخرج المفترض، فإن المفترِض يجب عليه أن يستقبل في السفر، وبناءً على ذلك ينزل من على دابته ويستقبل، ودليل استثناء المتنفِّل ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به). فهذا الحديث دل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان من هديه في السفر أن يصلي حيثما توجهت به الدابة، فدل على أنه لا يتعيَّن عليه أثناء ركوبه على الدابة أن يستقبل القبلة، وإنما يصلي حيثما انصرفت الدابة. الدليل الثاني: حديث أنس في الصحيح، وقد رواه ابن سيرين رحمة الله عليه يقول: (خرجنا نتلقى أنس بن مالك حين قدِم من الشام، -فلم ينتظروه حتى يدخل المدينة، ولكن كان السلف الصالح رحمهم الله يُجِلُّون أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم- قال: فلقيناه بعين التمر وهو على دابته، ووجهه من ذي الجانب -يعني على غير القبلة- فقالوا: رأيناك تصلِّي على غير قبلة! فقال: لولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعله ما فعلته). فدل على أنه من هديه عليه الصلاة والسلام الصلاة على النافلة في السفر حيثما توجّهت به. فإذا ثبت أن المتنفِّل على الراحلة في السفر يصلي حيثما توجَّهَتْ به راحلته فهنا مسائل ينبغي التنبيه عليها: المسألة الأولى: أنه ينبغي عليه أن يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، وذلك لحديث أبي داود، وهو حديث حسن، وما ورد من الأحاديث المطلقة عن ابن عمر وأنس مقيد بما ورد بهذا الحديث، ولذلك نقول: إن حديث ابن عمر ذكر الأصل، والقاعدة أن الذي يُفصِّل يُقدَّم على الذي يُجمِل. فكونه يُجمِل ويقول: كان يصلي على دابته حيثما توجَّهت به، هذا يُقدَّم عليه المفصِّل الذي يبيِّن أنه عند تكبيرة الإحرام يَحرِف دابته ويستقبل القبلة، وبناءً على ذلك لا بد من استقبال القبلة عند تكبيرة الإحرام. فإذا كان على بعيرٍ حرَف البعير واستقبل جهة الكعبة وكبَّر ثم عطَف البعير على جهة السير، وهذا بالنسبة إذا أمكن. المسألة الثانية: إذا لم يمكنه ذلك كما هو الحال الآن -مثلاً- في السيارات، فلو كان الإنسان في السيارة والسيارة منطلقة، خاصة إذا كان راكباً فإنه محكوم بقيادة غيره، فحينئذٍ يُكبِّر حيثما توجّهت به السيارة للتعذُّر، فيُستثنَى من هذا الأصل التعذُّر أو حصول المشقة الشديدة، قالوا: وأيضاً في حكمها القاطرة في القديم، وكذلك القطار في الحديث، فإن الإنسان إذا أراد أن يتنفل في قطار أو طيارة أو سيارة وتعذَّر عليه أن ينحرف، فحينئذٍ يكبر على الوجهة التي هو فيها. وإن كان بعض العلماء اجتهد فقال: ينحرف بجسمه ويكبِّر ثم يرجع إلى وضعه، ولكن هذا الفعل فيه إشكال، ويحتاج إلى نظر. وبناءً على ذلك إذا ثبت أن الأصل أنه يكبِّر تكبيرة الإحرام ثم يعطف الدابة ويمشي، فإذا مشت الدابة فحينئذٍ الرخصة أن تمشي في مسيرها الذي هو أصل سيرها، وهذا محل الرخصة، قالوا: فإن انحرفت الدابة عن مسيرها المقصود إلى مسيرٍ آخر كان كانحرافه عن القبلة؛ لأنه إنما جاز له لمكان الحاجة، فهو يستقبل جهته التي ذهب إليها كسباً لوقته، فإذا كان عنده من الوقت أن ينحرف عن طريقه، فالأولى أن ينزل ويستقبل قبلة الله التي أوجبها على عباده. إذاً لا بد وأن يكون على الوجهة التي هو ماضٍ إليها، فإن انحرفت دابته فإنه يكون كما لو انحرف عن القبلة قصداً، وهذا إذا لم توجد حاجة، أما لو انحرفت اضطراراً، أو انحرفت كما يحدث الآن في السيارات أن تنحرف لعارض أو لحاجة فهذا لا يؤثر؛ لأنه في حكم القصد الذي مشى عليه الإنسان من حاجته، فهذا بالنسبة لصلاته على الدابة. المسألة الثالثة: قالوا: إن الله عز وجل لطف بالعباد وخفَّف عليهم، وهذا من شرف العبادة أن جعلهم في عبادة حتى وهم على الدواب، فيؤجرُ المسافر على ذكر الله عز وجل وهو على دابته وبعيره، فكان من رحمة الله عز وجل أن أجاز للمسلمين أن يصلوا وهم على دوابهم حتى لا يفوت المسافر الخير، وبناءً على هذا تكون هذه الرخصة أصل. المسألة الرابعة: لو أن إنساناً كان مسافراً وراكباً على دابته عرَفنا حكمَه، فهَب أنه يمشي على قدمه، فما حكمُه؟ قالوا: إذا مشى على قدمه فإنه يستقبل القبلة ويكبِّر، ثم ينحرف ويمشي في مسيره، فإن جاء وقت الركوع وقَف وركع، وقالوا: يَسُوغ له أن يركع ماشياً؛ لأنه لا يُعذر بالركوع مثل الذي على الدابة؛ لأن الذي على الدابة يومي إيماء، ولا يلزمه أن يقوم ويركع؛ لأنه ربما سقط، كالحال في السفينة أو نحوها. ثم إذا كان يمشي يركع وهو على وجهه، قالوا: ثم يسجد وهو على وجهه، ولا يُعذَر بترك ركوعٍ ولا سجود، فيُفرَّق بين الماشي والراكب على دابته من هذا الوجه.
صلاة المتنفل في السفر
صلاة المتنفل في السفر قال المصنف رحمه الله: [ويلزمه افتتاح الصلاة إليها، وماشٍ، ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها]. قوله: (ويلزمه) أي: يجب عليه، وقوله: (افتتاح الصلاة إليها) أي: إلى جهة القبلة -كما قلنا- وهو أصح أقوال العلماء، لحديث أبي داود الذي ذكرناه. وقوله: [وماشٍ] أي: يجوز له إذا كان ماشياً أن يصلي حيثما استقبل من وجهه الذي هو مسافرٌ إليه. قوله: [ويلزمه الافتتاح والركوع والسجود إليها]. قال بعض العلماء مثلما درج عليه المصنف في الركوع والسجود: ينحرف الماشي ويركع ويسجد، وهذا أحوط المذاهب، وهو أقربها إلى الصواب إن شاء الله. وقال بعض العلماء: إنه يركع على سبيله أو على طريقه. فقال الآخرون: لا؛ لأن الرخصة إنما ثبتت عند الحاجة، وهذا بإمكانه أن ينحرف إلى القبلة ويركع ويسجد، وهذا أحوط وأبلغ في إعمال الأصل، ولذلك اعتباره أولى.
أحوال استقبال القبلة
أحوال استقبال القبلة قال رحمه الله تعالى: [وفرض من قرُب من القبلة إصابة عينها ومن بعد جهتها]. المصلي لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون داخل المسجد الحرام. وإما أن يكون داخل الحرم وخارج المسجد، كبيوت أهل مكة. وإما أن يكون خارج الحرم وخارج المسجد، وهم أهل الآفاق، ومن في حكمهم. فإن كنت داخل المسجد الحرام فيجب عليك استقبال عين الكعبة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -كما في حديث ابن عباس في الصحيح- لما خرج من الكعبة كبَّر وركع ركعتين، وقال: (هذه القبلة)، أي: هذا الذي فعلته من الاستقبال هو المتعيِّن واللازم على المكلَّف، فاستقبل عين الكعبة، فيجب على المكلَّف أن يستقبل عين الكعبة ما دام داخل المسجد. وبناءً على ذلك لو كان في الأروقة ينبغي أن يتحرَّى وأن يستبين، ولا يفعل كما يفعل العوام، فبمجرد ما يجد صفاً يكبِّر، بل ينبغي أن يحتاط ويتحرَّى استقبال عين الكعبة؛ لأنه ربما صار مستقبلاً للفراغ خاصة عند طول الصفوف، فينبغي الاحتياط والتثبت، وكذلك أيضاً لو كان في الأدوار العليا وهو بعيد ينبغي عليه أن يحتاط ويتثبت، ويبني على غالب الظن إذا كانت هناك أمارات وعلامات يقوى بها إلى الاهتداء إلى جهة الكعبة، فيصيب تلك العلامات، أو يكون بينها حتى يكون مصيباً لعين الكعبة. فإذا تبيَّن أنه كان مستقبلاً لفراغٍ أو فضاء، بمعنى أنه لم يستقبل الكعبة لزِمته الإعادة، وذلك لأنه فرّط، فيُلزم بعاقبة تفريطه، فيُعيد صلاته لإمكان استقبال عين الكعبة. الحالة الثانية: أن يكون داخل بيوت مكة وخارج مسجد الكعبة، فهذا يستقبل المسجد، أي: يَعْتَد بالمسجد، ولذلك صلَّى عليه الصلاة والسلام بالمحصَّب، وكذلك صلّى عليه الصلاة والسلام بالبطحاء، قالوا: فاستقبل جهة المسجد. والدليل على أنه يستقبل جهة المسجد أنه لما صلى في منىً وهي في الحرم صلّى بالخط الطويل؛ لأنه كان صف أصحابه طويلاً، ومع ذلك لم يحدد عدد الصف حتى يصيب عين الكعبة؛ لأن الصف الطويل قطعاً سيصيب الفراغ، فكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلِّي بالصفوف الطويلة من أصحابه وهو داخل حدود مكة أثناء حجِّه عليه الصلاة والسلام يدلُّ على أن العبرة بجهة المسجد، وأنه إذا استقبل جهة المسجد أجزأه ما دام أنه داخل حدود الحرم. الحالة الثالثة: أن يكون خارج حدود الحرم، فهذا العبرة عنده بجهة مكة، وبناءً على ذلك قالوا في قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144]، والضمير عائد إلى المسجد، قالوا: (شطره) أي: ناحيته. وقد دلّ الدليل الصحيح على أن العبرة بالناحية والجهة، ووقع إجماع العلماء على أنك إذا كنت في المدينة فاعتبِر الجهة، فجهة القبلة في المدينة في الجنوب منحرفة قليلاً إلى الغرب، وإذا وقفت إلى الجنوب المحض فأنت مستقبل للقبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قبلة أهل المدينة: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وقال كما في الصحيحين من حديث أبي أيوب: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببولٍ ولا غائط، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا)، فدل على أن القبلة بين الشرق والغرب بالنسبة لأهل المدينة، وهذا يُثبت على أن العبرة بالجهة، وليس المراد إصابة عين الكعبة؛ لأن كون الإنسان وهو في المدينة أو جدَّة أو الطائف أو آفاق الأرض يستقبل عين الكعبة فهذا متعذِّر، ولذلك العبرة بالجهة. وإذا ثبَت أن العبرة بالجهة، فحينئذٍ لو أن الإنسان انحرف انحرافاً لا يخرجه عن جهة القبلة فلا بأس بذلك، فلو أن قبلته في الجنوب، ولم ينحرف إلى الشرق ولا إلى الغرب، أو إلى جهة فرعية يتبين بها انحرافه فصلاته صحيحة، وقبلته معتبرة، وقال بعض العلماء بإلغاء الجهات الفرعية، والعبرة بالجهات الأصلية، وهذا مذهب قوي، خاصة للأحاديث التي ذكرناها. ومن هنا يُنبّه على ما شاع وذاع في هذه العصور المتأخرة من العمل بالبوصلة، وتشكيك الناس في محاريبهم، فإن بعض من يضبط بالبوصلة يبالغ في الضبط بها، فلو حُدِّدت الدرجة لأهل المدينة -مثلاً- تسع عشرة درجة، فهل معنى ذلك أن شرق المدينة كغربها كوسطها؟ لا. فإذا وجدنا المسجد ينحرف قليلاً، فما دام أنه يصيب الجهة فلا داعي لتشكيك الناس في صلاتهم، وهدم بيوت الله عز وجل، وإحداث الشوشرة على الناس، فلا يُعتد بالانحراف اليسير؛ لأن الله عز وجل كلَّفهم بالجهة، كما قال تعالى: ((فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)) [البقرة:144]، فإذاً العبرة بالشطر والناحية، فكونه بعد وجود هذه الآلات الدقيقة يُحرص على أنه لا بد من أن يكون استقبالاً محضاً، فهذا محل نظر، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإمكانه أن يستقبل عين الكعبة بالوحي. فإن قال قائل: إن وجود هذه الآلات الآن أمكن معها ضبط عين القبلة! نقول: نعم. لكن في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان محرابه مصيباً لعين الكعبة، وقال بعض العلماء بالإجماع على ذلك، ومع ذلك ما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتي إلى مساجد الناس في المدينة ويقول لهم: هلموا أضبط لكم قبلة الكعبة بعينها، بل ترَكهم يجتهدون، وقال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة)، وهذه هي سماحة الدين ويُسره، وأما المبالغة في الضبط والتحرَّي، وتشكيك الناس في صلاتهم فهذا لا ينبغي؛ لأن الله عز وجل وسَّع على عباده، وديننا دين رحمة، وليس دين عذابٍ وعنت، ولذلك ما دام أنه استقبالٌ للجهة فهذا يكفي، ولا عبرة بالتحديد المبالغ فيه كما ذكرنا. وقوله: (ومن بَعُد جهتها) أي: جهة الكعبة، فإن كانت جهتها في المشرق فالقبلة المشرق، وإن كانت جهتها المغرب فالقبلة المغرب، لا يكلِّفك الله أكثر من الجهة، والدليل على هذا قوله تعالى: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144]، والشطر هو الناحية؛ لأن الشطر يُطلق بمعنيين: بمعنى النصف، وبمعنى الناحية، فيُقال شطر كذا، بمعنى ناحيته، وشطر كذا، أي: نصفه.
كيفية الاستدلال على جهة القبلة
كيفية الاستدلال على جهة القبلة قال المصنف رحمه الله: [فإن أخبره ثقة بيقين أو وجد محاريب إسلامية عمل بها]. بعد أن عرفنا أن من كان داخل المسجد يستقبل العين، وأن من كان خارج المسجد يستقبل المسجد، وأن من كان خارج مكة يستقبل جهة مكة، بقي معرفة هذه الجهات، فللمصلي حينئذٍ حالات: الحالة الأولى: أن يكون عالماً بها عارفاً لها، يعلم أن جهة مكة هنا، فحينئذٍ يعمل بعلمه، وهذا لا يحتاج إلى اجتهاد ما دام أنه يعلم أن جهتها في هذه الجهة؛ فيعمل بما يعلم. الحالة الثانية: أن يكون غير عالمٍ بجهة الكعبة، ولكن هناك من يعلم جهتها، فإن أخبره وهو ثقة عمِل بقوله ما دام أنه يعلمها بيقين، وليست المسألة هنا مسألة اجتهاد، بل مسألة العلم، وفرقٌ بين مسألة العلم والاجتهاد، فالعلم أن تعلم جهة الكعبة، والاجتهاد أن تجتهد في ضبطها، فهذا شيء، وهذا شيء. مثال ذلك: لو كنت في دار بجوار مسجد الكعبة، وهذه الدار تطِل على البيت، لكن الغرفة التي أنت فيها ليس فيها نافذة تطل على البيت، والغرفة التي فوقك فيها نافذة، فجاءك الذي فوقك، وقال لك: القبلة هكذا لأنه نظر ووجد أن القبلة أمامه مباشرة، فحينئذٍ يلزمك أن تعمل بخبره، كأنك رأيت أنّ القبلة في هذا الموضع، وهذه المسألة ليست موضع اجتهاد، بل هذا موضع النقل، وموضع النقل شيء، وموضع التحرِّي والاجتهاد شيءٌ آخر. فابتدأ المصنِّف رحمه الله بمسألة العلم والاطلاع، إن اطلعت بنفسك على الكعبة، فكنتَ في غرفة تطل على مسجد الكعبة، وتعلم أنك تستقبل ما بين الركنين صحّ ذلك ولزِمك أن تعمل بهذا؛ لأنه اليقين، وليس هناك أرفع ولا أعلى من نظر الإنسان إلى الشيء؛ لأنه علم اليقين. الحالة الثالثة: أن يكون في حكم علم اليقين، كإخبار الشخص الثقة، أي: العدل الذي يوثق بقوله، وليس بإنسان كذاب، ولا فاسق لا يُعتَد بقوله وخبره، فإن كان فاسقاً لزِمك التبيُّن؛ لأن الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات:6]. كذلك في حكم هذا قالوا: لو نزل الضيف على مضيفه، فإن صاحب الدار له أن يُعلِمه بأمور، منها قبلتَه ومكان قضاء حاجته؛ لأنه يحتاج إلى ذلك، فالأول لدينه، والثاني لرفقه ببدنه، فإذا أعلمك صاحب الدار عملت بعلمه؛ لأنه لا مساغ في مثل هذه المواضع أن تجتهد، وإنما هي مواضع النقل. قوله: [أو وجد محاريب إسلامية عمل بها]. المحاريب: جمع محراب، وكان بعض السلف يكرهون وجودها في المساجد، ويكرهون الصلاة فيها، كما أُثِر عن طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ورخَّص فيها بعض العلماء، قالوا: هذا مما سكت عنه الشرع، ويُعتبر من المصالح المرسلة؛ لأن الناس ضعُف فيهم الاجتهاد الذي يعلمون به القبلة، والأمر الثاني: قل أن تجد إنساناً منهم يعلم جهة القبلة، وربما جاء الغريب إلى البلد، فإذا وجد المساجد مربَّعة ليس فيها موضع القبلة فإلى أين يصلي؟ قالوا: فإذن هذه تعين على مقصود الشرع من استقبال القبلة، فتسامح فيها طائفة من العلماء رحمة الله عليهم. ودُرِج على ذلك، وانتشرت المحاريب ووُجِدت، وحصل الخلاف على ما ذكرنا، فبعض العلماء يكرهها، وبعض العلماء يُجيزها، وإن كان الأصل كراهيتها، لكن نظراً لوجود الحاجة قد يُغتفر وجودها. وبناءً على هذا فإذا وُجِد في المسجد محراب فإن هذا المحراب دليلٌ على القبلة، وأهل المسجد أعلم بقبلتهم، فكون هذه الأمة كلها تصلي في هذا المسجد، وأهل البلد أو أهل هذا الحي كلهم متظافرون ومتفقون على أن القبلة هنا، فمثل هؤلاء يُعتَد باجتهادهم. قالوا: هذه حالة الغريب إذا نزل، فحينئذٍ يلزمه أن يعمل بهذا المحراب، فيستقبل جهة المحراب؛ لأنها دليل على جهة القبلة، ولا يُعقل أن هؤلاء كلهم يتظافرون على خطأ دون نكير. وقوله: [محاريب إسلامية] مفهوم ذلك أن محاريب غير المسلمين لا يُعتَد بها كالديَر والصوامع، ويتأتى ذلك لو أن إنساناً -مثلاً- مسافر بين الشام وبين المدينة، ورأى بَيْعة (كنيسة) مستقبِلة إلى جهة بيت المقدس يعلم أن عكسها هو القبلة؛ لأن بيت المقدس على عكسه، فيعكس إلى القبلة فيستقبل الجنوب؛ لأن الذي يريد أن يستقبل بيت المقدس يستقبل الشمال، فإذا أراد أن يستقبل الكعبة يستقبل الجنوب. فقالوا: إن هذا لا يُعتد به؛ لأن النصارى لا يُؤمَن منهم تحريف دينهم، فخرج من هذا محاريب غير المسلمين، فقالوا: العبرة بمحاريب المسلمين دون غير المسلمين.
العلامات التي يستدل بها المسافر ونحوه على القبلة
العلامات التي يستدل بها المسافر ونحوه على القبلة قال رحمه الله تعالى: [ويُستدل عليها في السفر بالقطب والشمس والقمر ومنازلهما]. قوله: [ويستدل عليها بالسفر] أي: في حال السفر؛ لأن الباء تأتي بعشرة معانٍ، ومنها الظرفية. تعد لصوقاً واستعن بتسبب وبدِّل صحاباً قابلوك بالاستعلاء وزد بعضهم يميناً تحز معانيها كلا فمن معانيها الظرفية، تقول: محمدٌ بالبيت، أي: في البيت. فُستدل على القبلة بالسفر -أي: في حال السفر- بالقطب، والقطب نجمٌ صغير خفي، والمراد به القطب الشمالي، ويكون بين بنات نعش الصغرى، وهو لا يكاد يظهر إلا في الليالي المقمرة، ويستدل عليه بالجَدي وبالفَرقَدَين، والفرقدان: النجمان اللذان يدوران على القطب، والقطب ثابت لا يتحول، ولكن دورتهما خفيفة، وبقية النجوم التي تراها حوله تدور حوله ومحيطة به كإحاطة الرحى، ولذلك يقولون: سمِّي قُطباً من هذا الوجه، ويستدل عليه إما بالجدي، وإلا بالفرقدين، ويحتاج إلى إنسان له علم وبصيرة بموضعه. وهذا القطب يكون في الجهة الشمالية، وفي بعض المواضع يمكن للإنسان أن يحدد موضع القبلة على حسبه، فإذا كان الإنسان في الشام، أي: في جهة الشمال، ووَضَعه وراء ظهره، ووراء أذنه، قالوا: هذا يُعد مستقبلاً للقبلة، وإذا كان في جهة اليمن يجعله في وجهه، كما قيل: مَن واجه القطب بأرض اليمن وعكسه الشام وخلف الأذُن يُمنى عراقٍ ثم يُسرى مصر قد صححوا استقبالها في العمر ففي اليمن يجعله في وجهه؛ لأنه يكون في الجنوب فيَعكِس؛ لأن من كان في جنوب الجزيرة تكون قبلته في الشمال، فيجعل القُطب في شماله، وإذا كان في الشمال سيكون الأمر بالعكس، فيجعل القطب وراءه، ويكون في يمين مَن كان في جهة العراق، ويَسار من كان في جهة مصر، فهذا المشرق وهذا المغرب، فيُستدل بالقطب، وهو دليلٌ ثابت، هذا إذا كان يعرفه، ويمكنه أن يهتدي إليه. قوله: [والشمس والقمر ومنازلهما]. كذلك الشمس والقمر، فلو فرَضنا أن إنساناً أراد أن يصلي الصبح قضاءً، حيث استيقظ بعد طلوع الشمس، فهو يعلَم أن الجهة التي فيها الشمس الآن هي المشرق، ويقابلها تماماً المغرب، فإذا كانت قبلته في جهة الشرق استقبل جهة طلوع الشمس، وإذا كانت في جهة الغرب استقبل جهة غروب الشمس العكسية، وجعل الشمس وراء ظهره عند الإشراق. لكن ينتبه لفصل الشتاء وفصل الصيف؛ لأنها في فصل الشتاء تنحرف إلى جهة الشمال، وتكون عند مهب الصبا في الشتاء، فينتبه لهذا الانحراف في الدرجات حتى يُراعِي السمت والجهة، ويكون أقرب إلى إصابة جهة الكعبة. وكذلك منازل القمر، فلو أنه في الليلة الأولى رأى الهلال فإنه يعلم أنها جهة المغرب، فإذا أراد أن يستقبل القبلة وكانت هذه جهة المغرب التي فيها الهلال فمعناه أن التي يخالفها المشرق. فإن كان من أهل المغرب جعل الهلال وراء ظهره واستقبل عكس الجهة التي هو فيها، وإن كان من أهل المشرق جعله في جهة المغرب؛ لأن قبلته ستكون في المغرب. قوله: [ومنازلهما] للقمر منازل، فمثلاً في الليلة السابعة لو أن الإنسان في المشرق يكون القمر مواجهاً له، بحيث لو استقبله يكون على القبلة، فهذا في الليلة السابعة؛ لأنه في كل ليلة يكون للقمر منزلة، وهي ثمانٍ وعشرون منزلة. والمقصود أنه يتعلم هذه الأمارات والعلامات ويطبِّقها، وهذا إذا كانت السماء صحواً وأمكنه أن يعلم، أما إذا كانت مغيمة فحينئذٍ يكون الحكم شيئاً آخر، فيستدل إذا وُجِد الإمكان للاستدلال، لكن لو لم يمكن له الاستدلال لوجود الغيم فحينئذٍ لا يُكلَّف بالاستدلال لعدم وجود الأمارات والعلامات، والأصل في اعتبار هذا الدليل وهذه الأمارات قول الله تعالى: {وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16]، وهذه من نعم الله عز وجل. وذكر لنا بعض مشايخنا رحمة الله عليهم -وقد كان يفسِّر لنا قوله تعالى: {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل:63]- أنه كان في صِغَرِه مسافراً من مصر إلى مكّة من أجل الحج، وهذا الكلام قبل قرابة ثمانين سنة، وقد توفِّي الشيخ وكان من العلماء الأجلاء رحمة الله عليه، يقول: كنا في الليل في السفينة، وكنت بجوار الذي يقود السفينة، فوجدته ينظر إلى السماء ويقود، وكنت صغير السن، فعجبت؛ فسألته وقلت له: كيف تقود وأنت تنظر إلى السماء؟ قال: إن بعض الشعاب المرجانية الموجودة في البحر يُستدَل عليها بالنجوم، فبعض النجوم تدل على مواضعها. ولا يقف الأمر عند العلامات والأمارات التي تكون بالجهات، بل حتى ساعات الليل من ناحية أوله وأوسطه وآخره، فالثلث الأول والثلث الأوسط والثلث الأخير يدل على ذلك إذا ضبطها الإنسان، فكل شيء موزون، وليس في الكون اختلاج؛ لأنه من صنع اللطيف الخبير والحكيم البصير سبحانه الذي لا يمكن أن تجد في خِلقته أو صنعه أي خلل، وخلَق كل شيءٍ فقدَّره تقديراً. وقد وضع بعض الخبراء في موضع ما ثقباً صغيراً لا يدخل ضوء الشمس منه إلا في لحظة معينة من السنة كلها، وهذا يدل على أن مجرى الشمس ثابت لا يمكن أن يتحول شعرةً واحدة، وهو يوم معين في السنة خاصة على الأيام التي تكون منضبطة بالأشهر الشمسية، فالشاهد من هذا أن هذه العلامات والأمارات ثابتة، وعلم النجوم محرَّم إذا كان يُتوصل به إلى ادعاء علم الغيب، أو يتوصل به للاعتقاد بالنجوم كما هو مذهب السامرة الذين يعبدون النجوم والكواكب -والعياذ بالله-، وهم قوم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فهذا كفر -والعياذ بالله-، ويعتبر ردة وخروجاً عن الإسلام إذا اعتقد الإنسان أنها تنفع وتضر، كالاعتقاد في بعض النجوم أنها إذا ظهرت كان بلاءٌ وشقاءٌ على الناس، أو إذا اختفت أن ذلك نعمة ويسر، ويسمون هذا سعد السعود، وهذا سعد الذابح ونحو ذلك، فلا يجوز الاعتقاد في الكواكب ولا في النجوم، وإنما يعتقد في الله سبحانه وتعالى الذي يحكم ولا يعقَّب حكمه وهو الحكيم الخبير، فالمقصود أنه يجوز الاهتداء بالنجوم وبالكواكب وبالشمس وبالقمر لمن يعرف هذا الدليل. قال بعض العلماء: يجب على الإنسان إذا سافر أن يكون على علم بهذا الدليل، وإذا تركه يأثم؛ لأنه تلبَّس بالحاجة، وإذا تلبس الإنسان بالحاجة يجب عليه تعلم علمها، وكذلك يقولون: يجب تعلم أحكام البيع لمن تلبس بالبيع، ويجب تعلم أحكام التجارة لمن تلبس بالتجارة، وأحكام الحج لمن أراد الحج، وكذلك هنا من أراد السفر ينبغي أن يتعلم هذه الأمارات والعلامات حتى يكون آمناً أو سالماً في دينه. وهناك أدلة أخرى لم يذكرها المصنف، ومن أضعفها الرياح، فقد ذكر الإمام النووي رحمه الله أن للقبلة أدلة كثيرة، حتى أُلِّفت فيها مؤلفات، وكثيرٌ منها مخطوط، ويقول: إن أضعفها الرياح. فالريح أحياناً يستدل بها على القبلة، كالصبا والدبور والشمال والجنوب، فهذه كلها رياح يُستدل بها على الجهات، خاصةً إذا كان الإنسان غالب حاله في البر فإنه يضبط هذا، فأهل البر عندهم علم وخبرة بذلك. وأذكر أنني ذات مرة زرت بعض المناطق التي على الساحل، فقال أحد المشايخ الفضلاء: إنه إذا جاء الزوال هبت الرياح من البحر، وكانت في أول النهار تهب الرياح إلى داخل البحر، وإذا جاء الزوال هبت من البحر، ثم لا نلبث أن نمكث ثلاث ساعات إلى ساعتين ونصف حتى تهب إلى داخل البحر، ثم إذا جاء العشي أو آخر النهار هبت من البحر، فانظر إلى رحمة الله ولطفه؛ لأنهم في أول النهار يحتاجون الدخول إلى البحر، فسخرها سبحانه على البحر، ثم إذا قضوا معاشهم في منتصف النهار احتاجوا للرجوع فسخرها الله على البر، ثم إذا قضوا واستجموا كانوا أحوج ما يكونون للدخول، فيسخرها الله على البحر ويرسلها على البحر ثم يعيدها إلى البر، وهذا كله من لطف الله سبحانه وتعالى.
اختلاف مجتهدين في القبلة
اختلاف مجتهدين في القبلة قال رحمه الله تعالى: [وإن اجتهد مجتهدان فاختلفا جهةً لم يتبع أحدهما الآخر ويتبع المقلد أوثقهما عنده]. إذا اجتهد المجتهدان فلن يخلو اجتهادهما من حالتين: إما أن يتفقا وإما أن يختلفا، فإذا اتفقا على الجهة وجب عليهما أن يصليا على هذه الجهة، ويأتمُّ كلٌ منهما بالآخر والجماعة فرضٌ في حقهما؛ لأن صلاة الجماعة خاصة على المذهب واجبة، وهذا هو الصحيح لدلالة السنة، ففي هذه الحالة إذا اتفق اجتهادهما لزمتهما الجماعة، ووجب عليهما أن يقيما الجماعة، ويأتم أحدهما بالآخر؛ لأنه يعتقد أنه يصلي إلى القبلة. لكن لو أن أحدهما قال: القبلة هنا، وقال الثاني: القبلة هنا، فحينئذٍ ينبغي النظر في دليل كلٍ منهما، فإن كان لا يمكن الجمع بين الدليلين والنظر إلى الأصوب منهما فحينئذٍ يصلي كل واحدٍ منهما إلى جهته، ولا يأتم أحدهما بالآخر؛ لأنه إذا ائتم به اعتقد بطلان صلاته؛ لأنه يصلي على غير جهة القبلة. وقال بعض العلماء: الشروط مسامحٌ فيها إذا اختلف حال المأموم والإمام. لكن لا أحفظ أن منها القبلة، والمحفوظ في شرط الطهارة والوقت، مثال ذلك: لو أن حنبلياً يرى صلاة الجمعة قبل الزوال، قالوا: يسوغ للمالكي والحنفي أن يصلي الجمعة وراءه؛ لأنها صحيحةٌ في أصلها من جهة المكلف، وقالوا: كذلك أيضاً لو أن من يرى أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء جاز لمن يرى أنه ناقض أن يصلي وراءه، قالوا: فالخلاف في الفروع يرتفع في الاقتداء. وهذا مذهب المحققين، وقد نبه على ذلك ابن عابدين في حاشيته، وابن الهُمَام في فتح القدير، وأئمة المالكية كما في شروح المختصر، حيث يقولون: يرتفع الخلاف في الفروع في مسائل الاقتداء، ونبه عليه الشافعية ومنهم الإمام النووي رحمه الله في شرحه على صحيح مسلم، وفي روضة الطالبين، فذكر أن الخلاف في الفروع يرتفع، ويجوز للإنسان أن يصلي وراء من يرى أن مذهبه مرجوحٌ. وعلى هذا فرّع بعض العلماء مسألة الاقتداء، ولكن فُرِّق بينهما بأن الجهة تخالف الطهارة؛ لأن الطهارة أنت متطهر، قالوا: إنه متطهر في نفسه فصحَّت الصلاة. فالشاهد أن اقتداء المجتهدين بعضهما ببعض لا يتفرع إلا على مسألة من يرى اغتفار الخلاف في الفروع. لكن لو فرضنا أن الخلاف في الفروع مرتفع، وأنه يجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر فمن الذي يكون إماماً؟ إذ ربما يقول أحدهما: أنا أريد أن أكون إماماً حتى أخرج من الإشكال ومن خلاف العلماء. ويقول الآخر: لا، بل أنا الإمام. فقالوا: العبرة بالإمام في الأصل، فإن تشاحَّا جرت بينهما القرعة، فمن خرجت القرعة له فالقبلة ما رجَّحه، هذا بالنسبة إذا حصل خلاف بينهما. وهذا على القول بأنه يأتم أحدهما بالآخر، أما على القول أنهما لا يأتم أحدهما بالآخر كما ما رجح المصنف فلا إشكال. قوله: [ويتبع المقلد أوثقهما عنده] المقلد: هو الذي لا يستطيع أن يجتهد، وليس عنده علم بأدلة القبلة، ولا يعرف القطب، ولا يعرف منازل القمر، ولا يعرف كيف يهتدي إلى جهة القبلة. فلو كان هناك مجتهدان واختلفا، وكان معهما عوام، فمن يتبع العوامُ؟ قالوا: ينظر العامي إلى أقربهما أو أعدلهما أو أوثقهما في نظره، فإن رأى أن أحدهما أكثر ضبطاً وأكثر علماً ائتم به، وهذه المسألة التي يلغزون فيها ويقولون: عاميٌ يجتهد في المجتهد لأن المجتهدين كلٌ منهما توفرت آلته، قالوا: فيجتهد فيهما، فينظُر أيهما أقرب إلى الخير أو أكثر علماً ويصلي وراءه. وقال بعض العلماء: يُستثنى من هذا إذا كان أحدهما أميراً في السفر وهو إمامهم، فحينئذٍ تتبعه لمكان حق الإمارة؛ لأن إمامته هي المنعقدة، فالمأموم تبعٌ لهذا الأمير في سفره.
حكم الصلاة بغير اجتهاد ولا تقليد إلى غير القبلة
حكم الصلاة بغير اجتهاد ولا تقليد إلى غير القبلة قال رحمه الله تعالى: [ومن صلى بغير اجتهادٍ ولا تقليدٍ قضى إن وجد من يقلده]. لو أن شخصاً لا يعرف أن يجتهد، وعنده إنسان عنده علم ومعرفة بجهة القبلة ولم يسأله ولا تابعه بجهة القبلة، وإنما جاء من نفسه وصلى إلى غير القبلة، فإنهم قالوا: صلاته باطلة؛ لأنه اجتهد من نفسه، وهو لا يحق له أن يجتهد، مع إمكان اطلاعه على جهة القبلة من جهة الاجتهاد، ولذلك ما دام أنه بوسعه أن يسأل هذا المجتهد، وأن يرجع إلى مَن هو أعلم منه يُلزم بعاقبة تقصيره، ويُطالب بإعادة الصلاة ولو طالت مدة هذه الصلاة، فلو جلس شهراً ثم سأل يلزم بإعادة الصلاة؛ لأنه صلى إلى غير قبلة، فالذي ليس عنده علم أو إلمام بجهات القبلة مع إمكانه أن يسأل مفرط، فيلزم بعاقبة تفريطه؛ لأن الله لا يأذن له أن يجتهد لنفسه ما دام أنه غير محصِّلٍ لآلة الاجتهاد.
الاجتهاد في تحديد القبلة لكل صلاة
الاجتهاد في تحديد القبلة لكل صلاة قال رحمه الله تعالى: [ويجتهد العارف بأدلة القبلة لكل صلاةٍ]. قررنا أن المجتهد يجتهد، فإن كان عندك علم أن جهة القبلة في هذه الناحية، فصليت البارحة العشاء في هذه الجهة، فإن أصبحت وجاء الفجر فهل تبقى على اجتهادك الأول أم تجتهد اجتهاداً جديداً؟ لأنه ربما في الليل تهتدي بالقطب، ولكن في ليلة ثمانٍ وعشرين ربما تجتهد بطلوع القمر هلالاً من جهة المشرق، فيكون عندك دليل قد يكون أقوى من استدلالك بالقطب في الليل، فبعض الأحيان قد يحصل عند الإنسان في اجتهاده اختلاف على حسب الأدلة والأوقات، ولذلك قالوا: كل صلاةٍ يستأنف الاجتهاد فيها وهذا هو الصحيح، حتى يكون محصِّلاً للأصل، وهو كونه مطالباً بالنظر والاستدلال. قال رحمه الله تعالى: [ويصلي بالثاني ولا يقضي ما صلى بالأول]. إذا اجتهد ثانية لا يخلو من حالتين: إما أن يوافق اجتهاده الثاني اجتهاده الأول فلا إشكال، كما لو صلى العشاء على هذه الناحية، فلما استيقظ الفجر اجتهد فوجد أن القبلة على هذه الناحية، لكن الإشكال لو أنه صلى العشاء على هذه الناحية، ثم اجتهد فوجد أن القبلة في هذه الناحية أو على العكس تماماً من الجهة التي استقبلها، قالوا: يصلي على اجتهاده الثاني ومضت صلاته على اجتهاده الأول؛ لما ثبت عند أبي داود والدارقطني والبيهقي وحسنه غير واحد من حديث سعد بن عامر رضي الله عنه: (أنهم كانوا في سفر في ليلةٍ ذات غيم فأرادوا الصلاة فنظروا -أي: اجتهدوا-، فلما أصبحوا إذا بهم على غير قبلة، قال: فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد مضت صلاتكم) أي: ما دمتم أنكم اجتهدتم وتحرَّيتم فقد مضت صلاتكم، أي أنها معتبرةٌ وصحيحة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم صلاة الفريضة داخل الحجر
حكم صلاة الفريضة داخل الحِجْر Q هل تصح صلاة الفريضة داخل الحِجْر؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة تقدّم الكلام عليها، والحِجْر آخذ حكم داخل البيت؛ لأن الحجر تُرِك منه ستة أذرع، واختُلِف فيما هو زائد على ستة أذرع، كما ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من البيت قدر ستة أذرع وشيء، واختُلِف في هذا الشيء، وتكلَّم عليه المؤرخون الذين تكلموا على تاريخ مكة والكعبة، فقال بعضهم: إنه يصل إلى النصف، وقال بعضهم: إنه دون النصف بقليل. فهذا القدر يُعتبر من البيت، فإن صلى في هذا الحد وقع الخلاف الذي ذكرناه، أما لو أنه صلى فيما هو خارجٌ عنه، -أي: وراء الستة الأذرع والنصف- فإن صلاته صحيحة ومعتبرة، والله تعالى أعلم.
حكم النظر إلى الكعبة أثناء الصلاة في الحرم
حكم النظر إلى الكعبة أثناء الصلاة في الحرم Q إذا كان الإنسان داخل الحرم فهل يلزمه أن ينظر إلى عين الكعبة أم ينظر إلى موضع سجوده؟ A هذه المسألة فيها خلافٌ بين العلماء رحمة الله عليهم، قال بعض أهل العلم: من صلَّى فإنه يضع وجهه قِبَلَه ولا يضعه جهة السجود، وذلك لأن الله عز وجل يقول: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144]، وأما ورود السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرمي ببصره إلى موضع سجوده، فقالوا: لا مانع أن يكون الأصل أنه كان يرمي ببصره إلى حيث أُمِر، ثم إنه يرمي إلى موضع سجوده في بعض الأحيان، كما يقع من الإنسان الخاشع، فهذا وجه من يقول: إنه يستقبل جهة القبلة ويجعل بصره أمامه. وأكدوا هذا أيضاً فقالوا: لأنه يحقق مقصود الشرع، فإنه لو مر أحدٌ بين يديه ينتبه له، ولكن إذا كان رامياً إلى موضع سجوده فقد يكون أقل انتباهاًَ لمن يمر، ولذلك قالوا: إن الأفضل والأولى أن يجعل وجهه قِبَل القبلة، بمعنى أنه يرفعه. وقال بعض العلماء: السنة أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وذلك لثبوت الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه كان إذا صلى رآه الصحابة رامياً ببصره إلى موضع سجوده) صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: وهو أيضاً يحقق مقصود الشرع؛ لأنه أقرب إلى الخشوع. وجاء حديث أم سلمة يؤكد هذا، وهو: (أن الناس كانوا إذا صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كانت أبصارهم لا تفارق موضع سجودهم، ثم لما قُتِل عمر رضي الله عنه نظروا أمامهم، فلما قتل عثمان أخذوا يميناً وشمالاً)، أي: على حسب الفتن، نسأل الله السلامة والعافية. فكان الخشوع موجوداً فيهم، ثم لما حصلت الفتن أصبح الناس يسلبون الخشوع شيئاً فشيئاً، كما جاء في حديث الدارمي: (إن أول ما يرفع من العلم الخشوع). فالمقصود أنهم قالوا: إن أم سلمة أثبتت هذا، فدل على أن مقصود الشرع أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وهذا القول في الحقيقة أقوى، وبناءً على ذلك إذا كان في مكة أو داخل البيت فإنه يأخذ بالسنة من الرمي إلى موضع السجود، وإن رفَع بصره إلى جهة الكعبة فلا حرج، لكن الذي تطمئن إليه النفس ما ذكرناه لورود الخبر مع تحقيق مقصود الشرع من الخشوع. وما ذكروه من دفع المصلي فإننا نقول: إذا تعارضت فضيلتان: الانتباه لدفع المصلي وخشوع المصلي، فإن خشوع المصلي متصلٌ بالصلاة، وفضيلته متصلة من هذا الوجه، ودفع المصلي منفصلٌ عن الصلاة ففضيلته منفصلة من هذا الوجه، فتُقدَّم الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة من هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
استقبال القبلة لصلاة الفريضة في الطائرة
استقبال القبلة لصلاة الفريضة في الطائرة Q في بعض الأسفار تطير الطائرة لمدة ثلاث عشرة ساعة أو أكثر، ويتعذر استقبال الكعبة، فكيف تصلى الفريضة؟ A بالنسبة للأسفار الطويلة في الطائرة فإنه يلزمه أن يستقبل جهة الكعبة، فيقوم ويأتي في هذا الممر؛ لأنه لا بد من وجود أوقات يمكن أن يستقبل فيها القبلة حتى ولو يؤخر إلى آخر الوقت، وإذا كان الناس يمرون أخر إلى آخر الوقت، وهذا مما يُستثنى من النهي عن الصلاة في قارعة الطريق، فإن النهي عن الصلاة في قارعة الطريق أضعف من أن يمنع المكلف من ركن الصلاة الذي هو القيام والركوع والسجود. ولذلك الأقوى -كما اختاره بعض مشايخنا رحمة الله عليهم والنفس تميل إليه- أنه إذا جاء وقت الصلاة يقوم فيستقبل جهة مكة أو جهة الكعبة، وخاصة في بعض الرحلات حيث يتيسر فيها وجود البوصلة التي تدل على الجهة، فحينئذٍ يستقبل الجهة، ثم يصلِّي ولو في الممر، كأن يأتي في آخر الممر ويبسط سجادة ثم يصلي، فيأتي بالقيام والركوع والسجود والجلوس، لكنه لو جلس على كرسيه فلا يستطيع القيام ولا الركوع ولا السجود، فيُذهِب ما لا يقل عن ثلاثة أركان من أركان الصلاة، ولذلك لا يُخفَّف؛ لأنه بإمكانه أن يُحقِّق هذه الأركان بهذا الموضع، ولذلك تُغتفر صلاته في الطريق؛ لأن حديثها ضعيف، وتبقى الأركان المأمور بها على الأصل، ولأن قارعة الطريق إنما نُهِي عنها لوجود الضرر، وخاصة في الطائرات التي تكون ممراتها متعددة، فالضرر غير موجود؛ لأنه إذا صُلِّي في هذه الطريق فيمكن أن يلتمس المارُّ طريقاً آخر، فالذي يظهر أنه يمكن من الصلاة على الصفة التي ذكرناها في كل وقتٍ بحسبه، والله تعالى أعلم.
حكم السترة في الحرم
حكم السترة في الحرم Q ما الحكم في سُترة المصلي داخل الحرم؟ وهل يعذر في قطع الصلاة بسبب الزحام ونحوه؟ A النصوص في السترة عامةٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين قبلته أحد فليفعل)، وسئل عليه الصلاة والسلام عن سترة المصلي فقال: (مثل مؤخرة الرحل)، فلا يضره من مر وراء ذلك، وقال: (إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً) فهذه كلها تدل دلالةً واضحةً على اللزوم. وبناءً على ذلك نظرنا في هذا النص فوجدناه عاماً لم يفرق بين كون الإنسان داخل المسجد أو خارجه. وقال بعض العلماء باستثناء مكة وداخل المسجد، والحديث في ذلك ضعيف، فلم يصح حديثٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم باستثناء داخل الكعبة، وإنما استثناه العلماء بهذا الحديث الضعيف وبالنظر -أي: الاجتهاد- فقالوا: إنه داخل المسجد يرى الكعبة، فلا حرج أن يمر أحدٌ بين يديه ولا يقطع صلاته وهذا اجتهاد في مقابل عموم النص فيُقدَّم عموم النص عليه، والصحيح أنه لا بد من السترة، بل ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته إلى السترة في داخل مكة. ففي الصحيحين من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه أنه قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبةٍ له حمراء من أدم -وهذا بعد أن فرغ من المناسك ونزل عليه الصلاة والسلام- قال: فأتاه بلال بوضوءٍ. إلى أن قال: ثم رُكزت له العَنَزَة). وهذا يدل على أن داخل مكة كخارجها سواءً بسواء، والحديث ضعيف فيُبقى على عموم النص، ويستوي من كان بالداخل والخارج. لكن لو أن إنساناً غُلِب بمرور الناس فليتنح إلى ناحية ليس فيها أُناس، خاصة إذا كان يريد أن يصلي صلاةً واجبةً عليه، كأن يقضي ظُهراً أو عصراً، أما أن يأتي في المطاف مثلاً، أو بجوار المطاف أو المقام، ويريد أن الناس لا تمر بين يديه فإنه يعتبر كالمتسبب لنفسه في مرور الناس، فلو ظن أنه لا يمر بين يديه أحد وغلبه الناس فلا حرج، فلو قام يصلي سنة الظهر، أو ليصلي صلاة رغيبة الفجر فجاء الناس ومروا بين يديه وغلب عليهم فلا حرج؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وهذا ليس بإمكانه أن يدفع إذا حصل الضرر عليه بغلبة الناس له، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب شروط الصلاة [8]
شرح زاد المستقنع - باب شروط الصلاة [8] من المعلوم أن النية في العبادة لها شأن عظيم، خاصة في الصلاة؛ لأنها هي التي تميز بين الفريضة والنافلة، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على اشتراطها في الصلاة، ومحلها هو القلب، ولها أحوال وأحكام ينبغي معرفتها.
شرط النية في الصلاة ودليله
شرط النية في الصلاة ودليله بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ومنها النية] ما زال المصنف رحمه الله يبين شروط الصلاة، وقد تقدمت جملٌ منها وبقي هذا الشرط الأخير وهو شرط النية، فقوله رحمه الله: [منها] أي من الشروط التي ينبغي توفرها للحكم بصحة الصلاة وجود النية. والنية في اللغة: القصد، يقال: نوى الشيء ينويه نيةً (بالتشديد) ونيةً (بالتخفيف)، أي: قَصَدَه. وأما في الاصطلاح: فهي القصد لفعل العبادة تقرباً إلى الله عز وجل، وقد تقدم الكلام على هذا الضابط وبيان الفرق بينه وبين من عبر بالعزم. أي: يشترط لصحة الصلاة أن تنويها، فإذا فقدت النية حكم بعدم اعتبار الصلاة، وهذا ينبني عليه أنه لا تصح فريضةٌ إلا بنية، ولا نافلةٌ معينةٌ إلا بنية، أما إذا كانت الصلاة من النفل المطلق فإنها لا تُشترط لها النية، وإنما يقصد التقرب إلى الله عز وجل بفعل الصلاة. والدليل على اشتراط النية قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، فهذا الحديث المتفق على صحته دل على أن اعتبار الأعمال وصحتها مترتبٌ على النية، وإذا ثبت أن الأعمال اعتبارها موقوفٌ على النية يتفرع عليه ألا عمل إلا بنية. والصلاة من الأعمال، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سماها عملاً، كما قال عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فسمى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عملاً، وقال في حديث عمر في الصحيحين: (إنما الأعمال بالنيات). فللإنسان أن يقول: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أثبت بحديث عمر أن الأعمال اعتبارها وصحتها بالنية، والصلاة عملٌ كما ثبت في الحديث الصحيح الذي ذكرنا، إذاً لا صلاة إلا بنية. وعلى هذا فإنه إذا لم ينو الصلاة فإنها لا تصح، فلو لم ينو الظهر وصلى أربعاً لم تصح لإبراء ذمته، فيُطالب بإعادة الظهر، ولو صلى أربعاً في وقت العصر ولم ينو أنها عن العصر فإنها تقع نفلاً محضاً، ويُلزم بفعل صلاة العصر، وهكذا في المغرب والعشاء والفجر، فلا بد من قصد الصلاة وتعيينها.
حكم استحضار النية عند الصلاة
حكم استحضار النية عند الصلاة قال المصنف رحمه الله: [فيجب أن ينوي عين صلاةٍ معينةٍ، ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن]. قوله: (فيجب) الفاء للتفريع، أي: إذا علمت أن النية لازمةٌ فإنه يتفرع على ذلك أنه يجب على المكلف أن ينوي الصلاة المعينة، ويستوي في ذلك أن تكون فريضةًَ أو نافلة، فالصلاة المعينة من الفرائض كصلاة الظهر ينوي أنها ظهر، وصلاة العصر ينوي أنها عصر، وهكذا المغرب والعشاء والفجر، وهكذا لو نذر صلاةً؛ فإن الصلاة المعينة تنقسم إلى قسمين: نفل وفرض، فالفرض كالصلوات الخمس، وفي حكمها الصلاة المنذورة، فلو أن إنساناً قال: لله عليّ أن أصلي اليوم مائة ركعة؛ فإنه حينئذٍ يُلزم بهذه المائة، ويُعتبر نذراً يجب الوفاء به؛ لأنه نذر طاعة، فيجب عليه أن يعين هذه الصلوات التي يصليها لنذره. وهكذا بالنسبة للنافلة، والنافلة تنقسم إلى قسمين: النافلة المعينة والنافلة المطلقة التي هي غير مقيدةٍ، كإنسانٍ يريد أن يتقرب إلى الله عز وجل بصلاةٍ دون أن تكون لراتبةٍ أو وترٍ أو نحو ذلك، فالمقصود أن النافلة تنقسم إلى هذين القسمين: نافلةٍ معينة كالوتر والسنن الراتبة القبلية والبعدية وصلاة الضحى، فهذه توصف بكونها نافلةً معينة، ونافلةٌ مطلقةٌ، كإنسانٍ يريد أن يتقرب إلى الله، فتوضَّأَ وصلى ركعتين -على القول بأن ركعتي الوضوء ليست من النوافل المعينة-، أو صلى ناوياً التقرب إلى الله عز وجل بمطلق النفل، فهذه تعتبر نافلةً غير مقيدة. فإذا ثبت أن الفرائض معينة، وهناك نوافل معينة وغير معينة فيجب عليك إذا أردت أن تؤدي الفرائض أن تعيِّنها، فتعيِّن الظهر وتعين العصر وهكذا بقية الفروض، وتعيِّن الوتر وتعين السنن الراتبة في النوافل، فلو أن إنساناً أحرم قبل صلاة الظهر بين الأذان والإقامة دون أن يُعيِّن أنها للراتبة القبلية صحت نفلاً مطلقاً، ولا نقول: إنها تحل محل الراتبة القبلية؛ لأن الراتبة القبلية نافلةٌ مقيدة ومعينة، فلا بد من تعيينها والقصد إليها، فإذا لم يُعينها ولم يَقصد إليها فإنها لا تعتبر لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فهذا نوى النافلة المطلقة فلا تجزيه عن النافلة المقيدة. وقوله: [ولا يشترط في الفرض والأداء والقضاء والنفل والإعادة نيتهن] أي: ولا يشترط في الفرض أن ينوي فرضاً، فالإنسان إذا أراد أن يصلي الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر لا يُشترط أن ينوي الظهر فريضةً، وإنما ينوي الظهر، فإذا نوى الظهر أجزأه ذلك. أما تفصيل المنوي فإنه يؤدي إلى الاسترسال، والمؤدي إلى الاسترسال باطل؛ فإنه لو قلنا بوجوب أن ينوي الفرض فرضاً، لزِمه أن ينوي أداءً أو قضاءً، ثم حاضراً أو مسافراً، أربع ركعات أو ركعتين، مع إمامٍ أو منفرد، فيسترسل إلى ما يضر بالناس ويوجب الوسوسة لهم والحرج عليهم، وكل ما أدى إلى باطلٍ فهو باطل، ولذلك اكتُفي بتعيين الفرض، فإن نوى أنها للظهر فهي ظهر، فلا نلزمه بنية أنها فرض، ولا نلزمه بنية أنها أداءٌ أو قضاء. ويتفرَّع على هذا لو دار بخلده أن الشمس لم تطلع بعد في صلاة الفجر، فأحرم بالصلاة ظاناً أن الشمس لم تطلع وفي نيته أنه يؤدي، ثم تبين أن الشمس قد طلَعت، فحينئذٍ يجزيه ولا يُطالب بالإعادة؛ لأنه لا يشترط تعيين الأداء والقضاء، فإذا أُلزِم بتعيين المؤاداة والمقضية لم يصح إيقاع إحداهما عن الأخرى، وهذا وجه إسقاط اشتراط الأداء والقضاء والفرض. فغاية ما يطالب به المكلف أن ينوي عين الفرض، سواءٌ أكان من الفروض الخمسة أم كان من الفرائض التي جاءت بأسبابها، كركعتي تحية المسجد عند من يقول بوجوبها، ينوي أنها تحيةٌ للمسجد. وهكذا لو قلنا بوجوب ركعتي الطواف في الطواف الركن، فإنه ينوي أنها عن طوافه الركن، وقس على هذا.
وقت استحضار النية
وقت استحضار النية قال المصنف رحمه الله: [وينوي مع التحريمة]. بعد أن بين لك رحمه الله لزوم النية، وما هو الشيء الذي يُنوى له، يرد Q أين موضع النية؟ فقال: [ينوي مع التحريمة]، أي: مع تكبيره للإحرام. وللعلماء قولان: القول الأول: المعتبر في النية أن تصاحب تكبيرة الإحرام، ولا يصح أن تقع قبل تكبيرة الإحرام ولو باليسير. والقول الثاني: المعتبر في النية وقوعها مع التكبير أو قبله ولو بزمنٍ يسير ما دام أنه في الوقت، كما درج عليه المصنف، والسبب الذي جعل بعض العلماء يقول: لا بد في النية أن تصحب تكبيرة الإحرام، هو البناء على أنها ركن، والركن لا بد وأن يكون من الشيء لا خارجاً عن الشيء، ولذلك قالوا: لا بد أن تصحب النية تكبيرة الإحرام. ومن هنا لو أنها سبقت تكبيرة الإحرام فهو ركنٌ منفصلٌ عن الماهية وذات الشيء، وإذا انفصل الركن عن الماهية وذات الشيء لم يُعتد به، فهذا وجه من يقول: إذا سبقت نيته تكبيرة الإحرام لم تُجزِه، والعبرة بوقت التكبيرة. والقول الثاني: -وهو أقوى، وإن شاء الله أنه أصح كما درج عليه المصنف رحمه الله- أن العبرة بالمصاحبة أو ما قاربه، فالصحيح أنها شرطٌ للصحة وأنها ليست بركن، وشروط الصحة منها ما يكون قبل فعل الصلاة ومنها ما يكون داخل الصلاة، ولذلك فإنه ينوي ولو قبل الصلاة بيسير، فإذا كان الفاصل يسيراً أجزأه ولا حرج عليه، بل قال بعض العلماء: إنه لو خرج من بيته بعد أذان الظهر قاصداً إلى المسجد فإنَّا نستصحب نيته التي خرج من أجلها وهي السبب الباعث، فلا نلتفت للتفصيل بعد ذلك. والأولى والأقوى ما قلناه أنه ينبغي أن يقارب الفعل؛ لظاهر دليل السنة على لزوم أن تكون النيات مع تكبيرة الإحرام. ومما يُصَحِّح أنه يجوز تقدمها على تكبيرة الإحرام بقليل أن المكلف عند تكبيره للإحرام يستشعر الذكر الذي يذكره وهو تكبيره لله عز وجل؛ لأن المسلم مطالبٌ أن يذكر الله وهو حاضر القلب لا غافلاً عما يقول، فلو قلنا: إن النية يلزم أن تكون مصاحبةً من كل وجه فإن هذا يؤدي إلى الاشتغال، ويكون لفظه بالتكبير دون التفاتٍ إلى المعنى؛ لأن الله تعالى ما جعل لرجلٍ من قلبين في جوفه، فأنت إذا قلت له: انو الصلاة وكبر وأنت مستشعرٌ للتكبير امتنع أن يجتمع الأمران في محلٍ واحد لا يقبل الاجتماع. ولذلك نقول: صحة جواز كونه قاصداً قبل الصلاة بيسير يُنَزَّل منزلة القصد المصاحب، ومن القواعد المعلومة أن ما قارب الشيء أخذ حكمه، ولذلك نقول: إنه يصح منه أن ينوي وهو قريبٌ من الصلاة، ولا حرج عليه في ذلك. وهذه النية التي تكون مصاحبةً لتكبيرة الإحرام تكون بالقلب ولا يتلفظ بها، وعلى هذا ظاهر سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهدي السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو قول الأئمة الأربعة، وإنما خرَّج بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي من قول الشافعي أن الصلاة تنعقد بالقول، خرَّجوا منه وجوب النية أن تكون باللفظ ولا تكون سراً، وهذا القول الذي قاله الإمام الشافعي -أعني: إلزامه الدخول في الصلاة بالقول- المراد به تكبيرة الإحرام، وليس المراد به أن يكون متلفظاً بالنية، ولذلك لا يُتلفظ بالنية إلا في موضعين ثبتت السنة بهما: الموضع الأول: عند نية الإحرام سواءٌ أكان في حجٍ أم عمرة، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أتاني الليلة آتٍ من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)، ولذلك قال أنس: (كنت تحت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم يمسني لعابها، أسمعه يقول: لبيك عمرةً وحجاً). أما الموضع الثاني: فهو عند ذبح النسك، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الأضحية: (اللهم هذا عن محمدٍ وآل محمد)، وقوله في الحديث الثاني: (اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي) صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فدل هذا على موضعين يشرع فيهما التلفظ: عند الإحرام، وعند النسك. أما في الصلاة فإنه لا يشرع التلفظ بالنية، ولا شك أن القول بالتلفظ بالنية متأخر عن القرون المفضلة، وهو إلى الحدَث أقرب، وقد فتح على الناس باب الوسوسة والشكوك، ولذلك تجد الرجل يقول: نويت نويت ويتردد، ويكون عنده التباس، وربما خالف لفظه ما في قلبه فيحصل عنده من الارتباك والوسوسة شيءٌ كثير، ولذلك الأولى أن يبقى على سماحة الشرع ويُسره من القصد ووجود توجه القلب بقصد القربة بهذا الفعل وهذه الطاعة لله عز وجل.
حكم استحضار النية قبل دخول وقت الصلاة
حكم استحضار النية قبل دخول وقت الصلاة قوله: [وله تقديمها عليها بزمنٍ يسيرٍ في الوقت] أي: يجوز له أن يقدمها على الصلاة بيسيرٍ، لكن بشرط أن يكون في الوقت، وبناءً على ذلك فمن سبقت نيته الصلاة المفروضة لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تسبق نيته وتكون خارج الوقت. والحالة الثانية: أن تسبق نيته وتكون داخل الوقت. فإذا سبقت نيته وكانت خارج الوقت فإنه لا يُعتد بها ولو كانت بيسير، مثال ذلك: لو أن إنساناً قبل أذان الظهر بخمس دقائق خرج من بيته ناوياً أن يصلي الظهر، فأذَّن عليه الأذان، فانقطعت نيته قبل الأذان، ثم بعد الأذان اشتغل عن النية، ثم دخل وكبر دون أن يستحضر أو يعين الصلاة التي يريد أن يصليها، فإن نيته لاغية؛ لأن النية وقعت قبل لزوم الذمة وانشغالها بفعل الصلاة، ولذلك لا يعتد بها. وإذا كان الفاصل اليسير سابقاً للصلاة، ولكن بعد دخول الوقت، فبعد أن أذن المؤذن نويت أن تصلي الظهر وكان في نيتك أن تصلي الظهر، ثم انشغلت بقراءة كتابٍ فأقيمت الصلاة، فقمت وكبرت أجزأتك نيتك، وكانت صلاتك معتبرة.
حكم قطع النية في أثناء الصلاة
حكم قطع النية في أثناء الصلاة قال رحمه الله تعالى: [فإن قطعها في أثناء الصلاة أو تردد بطلت]. بعد أن بين رحمه الله أنه يلزمك أن تنوي، وألا حرج أن تنوي والفاصل يسير بشرط أن يكون داخل الوقت شَرَع في مسائل النية بعد وقوعها، وهذا من ترتيب الأفكار، فبعد أن بيّن لزومها شرع في الأحكام المتعلقة بالنية بعد وقوعها، فهذه النية التي دلّ دليل الشرع على لزومها، لو أن إنساناً تردد فيها أو شك أو قطعها فما الحكم؟ فبعد أن أثبتها بيّن ما ينقضها، فلو أن إنساناً كبّر لصلاة الظهر، ثم قطع هذه النية ونواها نافلةً أجزأه ذلك، ولكن لا تقع عن فرضه، فالنية الأولى وهي نيته للفرض ملغية بقطعه لها، فقوله بالبطلان أي: للنية الأولى. فقطع النية الأولى بفرضٍ أو نفلٍ يوجب إلغاءها، فلا بد وأن تكون النية باقية؛ لأنه إذا قطعها لم يكن ناوياً، والشرع لا يصحح الصلاة إلا بنية. فلذلك قالوا: حديث عمر في إثبات النية يدل على أن من قطعها لم ينو، وبناءً على ذلك إذا لم ينو فإن صلاته لا تصح ولا تعتبر لما نواه في ابتدائها، وعلى هذا لو نوى الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الفجر، وفي أثناء الصلاة قطع هذه النية عن فرضه فإن هذا القطع يؤثر ويوجب إلغاء نيته الأولى، لكن لا يُحكم ببطلان صلاته؛ لأنه يمكن الانتقال من الفرض إلى النفل ومن الأعلى إلى الأدنى، فنقول: إذا قطعها واستمر متقرِّباً لله عز وجل فهذا عملٌ صالح، وتبقى نية النافلة المطلقة؛ لأن هذا عمل، فتكون نيته الأولى قد حَلَّ محلها النفل، فتقع صلاته نافلةً وتُجزيه قربةً وطاعة، هذا إذا قطعها أو تردد، أو علق على فعلٍ بالشرط -أي: علّق القطع على الشرط- كما إذا نوت امرأة في نفسها إن قام طفلها فإنها تقطع هذه النية وتقطع صلاتها أو تنتقل إلى النافلة، فهي تريد أن تصلي الظهر أربعاً وتخشى على صبيها، فقالت: لو أتممتها أربعاً ربما خرج، ولكن إذا تحرك الصبي فسأقلِبها نافلة؛ لأن الركعتين أستطيع أن أُسلِّم منهما فأدركه فحينئذٍ إذا علّقت على حركة الصبي، أو على فعلٍ ما فإن النية غير مستصحبة، ولذلك يكون هذا من التردد الموجب لعدم الاعتداد بنية الفرض، وتكون نافلةً كما ذكرنا.
حكم الشك في النية أثناء الصلاة
حكم الشك في النية أثناء الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وإذا شك فيها استأنفها]. هذه مسألة مشكلة، فإذا جاء الإنسان أثناء صلاته وسواس، فحدثته نفسه وهو يصلي الظهر مثلاً أنه لم ينو الظهر، فحينئذٍ قال: [استأنفا] أي: الصلاة. والسبب في ذلك أنه إذا شك فاليقين أنه لم ينو، ومن قواعد الشريعة التي دلت عليها النصوص في الكتاب والسنة أن اليقين لا يزول بالشك، فالأصل أنه لم ينو حتى يتحقق أنه نوى، فإذا شك أنه نوى فمعنى ذلك أنه لم تبرأ ذمته المشغولة بلزوم النية، وبناءً على ذلك يلزم باستئناف الصلاة، فهذا وجه عند العلماء رحمة الله عليهم، ودرج عليه فقهاء الحنابلة والشافعية، وجمع من فقهاء المالكية والحنفية رحمة الله على الجميع. وهذا مبني على القاعدة أن اليقين لا يزول بالشك، فقالوا: الأصل البراءة والعدم حتى يدل الدليل على الوجود، فهو مطالبٌ في الشرع بالنية، فإذا شك أنه فعل أو لم يفعل فالأصل أنه لم يفعل حتى يستبين ويستيقن أنه فعل، فلما حصل عليه الشك أثناء الصلاة أُعمل الأصل، وهو أنه لم ينو حتى يستيقن أنه قد نوى. وقال بعض العلماء: يستمر في صلاته ولا عبرة بهذا الشك، وهذا ينبني على قاعدةٍ ثانية وهي (إعمال الظاهر)، وتعتبر هذه المسألة من تعارض الأصل والظاهر، فإن من يقول: يستأنف الصلاة يقول: إن اليقين أنه لم ينو، والشك أنه نوى، فنبقى على اليقين أنه لم ينو. والذين يقولون: إنه يستمر في صلاته ويلغي هذا الحديث والهاجس يقولون: إن الظاهر من حال المكلف أنه لم يدخل في الصلاة إلا بنية، وبناءً على ذلك نبقى على هذا الظاهر، ونلغي هذا الشك الطارئ، ويعتبر هذا من تقديم الظاهر على الأصل. والحقيقة أن هذه المسألة من قواعد الفقه التي ينبني عليها معارضة الأصل والظاهر. ولكن ما هو الأصل وما هو الظاهر؟ الأصل هو الذي يكون في الإنسان سواءٌ في المعاملات أم العبادات، فلو أن إنساناً أحدث فنقول: الأصل فيه أنه محدث. ثم شك هل توضأ أو لم يتوضأ بعد حدثه، فتقول: الأصل فيك أنك محدث، واليقين فيك أنك محدث حتى تستيقن أنك قد توضأت. كذلك أيضاً العكس، فلو قال: أنا على يقين أنني توضأت من البيت، ثم دخل المسجد وجاءه حديث نفس أنه خرج منه شيء أو لم يخرج، تقول له: الأصل فيك بفعل الوضوء أنك متطهر، فتبقى على هذا اليقين حتى تستيقن أن الوضوء أو الطهارة قد انتقضت بالحدث، فهذا يسمى استصحاب الأصل، ويعتبره العلماء مندرجاً تحت قاعدة: (اليقين لا يُزال بالشك، أو لا يزول بالشك)، ويعتبرون هذا الأصل فرعاً عن القاعدة التي تقول: الأصل بقاء ما كان على ما كان. فهذا الأصل. فالأصل أن تنظر إلى اليقين وتبقيه وتُعمِله حتى تستيقن مثله سواءٌ كان في الطهارة أم في الصلاة، ففي الصلاة قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنتين فليبن على واحدة)؛ لأن الأصل فيه أنه صلى واحدة، والشك أنه صلى الثانية، فيبقى على الواحدة. كذلك في الزكاة، فلو أنه قال: أنا أشك في كوني أخرجت زكاة هذه السنة أولاً، نقول: الأصل أن ذمتك مطالبةٌ بالزكاة وعلى شكٍ أنك أخرجتها، فتبقى على اليقين من كونك مطالباً بالزكاة. وفي الصوم لو شك هل طلع الفجر أو لم يطلع، فإننا نقول: الأصل أن الليل باقٍ حتى تستيقن أن النهار أو الفجر قد طلع فيحرُم عليك الأكل. وفي الحج لو شك -مثلاً- في الطواف هل طاف خمساً أو ستاً، نقول: ابن على خمس. ولو شك هل فعل الطواف أو لم يفعله، فاليقين أنه لم يفعله، فهذا بالنسبة للعبادات. وفي المعاملات لو أن إنساناً تعامل مع غيره، كبائع ومشترٍ اختصما إليك، فقال أحدهما: هذا اشترى مني هذا الكتاب ولم يدفع لي المال، فسألت الخصم: هل اشتريت الكتاب؟ قال: نعم، ولكني دفعت المال. فالأصل أن الذي اشترى مطالب بقيمة الكتاب، فتقول: إما أن تأتي بدليلٍ على أنك دفعت القيمة، وإلا أُلزِمت بالقيمة؛ لأن الأصل أنك مدين؛ لأنك باعترافك أنك اشتريت الكتاب فأنت مدين، فهذه قاعدة عامة في العبادات والمعاملات. كذلك لو شك هل طلق امرأته أو لم يطلقها، فنقول: اليقين أنها زوجته، والطلاق شك، فنبقى على اليقين من كونها زوجةً له، ولو شك هل طلق طلقة أو طلقتين، بنى على أنها طلقة، وقس على هذا، إذاً هذه القاعدة يُعتبر فيها الأصل. لكن هناك دلالة الظاهر، ودلالة الظاهر تقع في العبادات والمعاملات، ففي العبادة لو أن إنساناً رأى ماءً في موضع نجاسة، مثل الماء الذي يكون في دورات المياه، فإن الأصل في الماء أنه طاهر، والشك أنه نجس، لكن كونه في دورة المياه الظاهر منه أنه نجس، فنقول: هنا نقدم الظاهر على الأصل. ولو أن اثنين اختصما في دابة، أحدهما على صدر الدابة أمامها، والثاني وراءه، فإن الظاهر أن الدابة ملكٌ للذي في الأمام؛ لأن قائد الدابة يكون في الأمام، ويكون هو المدَّعَى عليه، والذي خلفه مدعٍ، مع أن القاعدة هنا قدمنا فيها الظاهر، فعندنا ظاهر وعندنا أصل. فهنا حينما تقول: المكلَّف ما دخل المسجد ولا كبَّر في الصلاة ولا قرأ ولا ركع ولا سجد إلا والظاهر أنه ناوٍ؛ لأن الظاهر من حال الإنسان أنه لا يدخل في الصلاة إلا بنية، ثم إذا نظرت إلى الأصل أن ذمة المكلف مطالبة بفعل الصلاة تقول: إنني أُلزِمه بقطع الصلاة، وأعتبر ما قاله غير مُعتدٍ به لأنه شك، والشك عندي لاغٍ بالأصل. هذا بالنسبة لقضية الظاهر والأصل في تكبيرة الإحرام هنا، فمن يقول: يستأنف الصلاة نقول له: المسألة تحتاج إلى تفصيل: فيتم الصلاة نافلة؛ لقوله تعالى: {ولا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، ثم إذا سلَّم يشرع من جديد، ويبتدئ صلاةً مفروضة بنيةٍ من أولها، وهذا القول أوجه وأقوى من حيث الأصول والقواعد؛ لأن عندنا دليلاً في الشرع يُلزِم بالنية، والظاهر هنا ضعيف؛ لأن الظاهر تكون دلالته في بعض الأحيان قوية، وبعض الأحيان تكون ضعيفة، فنظراً لوجود دليل الشرع بإلزام المكلف بالنية نُغَلِّب الأصل، ونقول: تقديم الأصل في هذا أشبه، وهو مذهب الجمهور رحمة الله عليهم. فلذلك نقول: لو أن إنساناً شك في أثناء الصلاة هل نوى الظهر أو لم ينوه يستأنف. وإذا ثبت أنه يستأنف، بمعنى أنه يتمها نافلة ثم يكبر من جديد فحينئذٍ يرد Q هل هذا الحكم بإطلاق؟ و A لا، فيُستثنى من هذا الموسوس، فمن كانت عنده وسوسة لا يلتفت إلى هذا الشك، ونبقى على الظاهر؛ لأن في مثله الظاهر أقوى، الموسوس والمسترسل إذا كان معهما الوسواس فهذا لا يؤثر في نيته ما طرأ عليها؛ لأنه لو فتح عليه هذا الباب لما صلى صلاةً بسبب ما يشتغل به من الوساوس، والتكليف شرطه الإمكان، وهذا ليس بإمكانه أن يطالَب كل فترة بقطع الصلاة؛ لأنه يدخل عليه بل يزيده بلاءً، فيُستثنَى من هذا الموسوس، ونقول: إنه يستمر في صلاته؛ لأن وجود الوسوسة معه يدل على ضعف الأصل وقوة الظاهر.
حكم قلب نية الفرض نفلا
حكم قلب نية الفرض نفلاً قال المصنف رحمه الله: [وإن قلب المفترض فرضه نفلاً في وقته المتسع جاز]. هذه من المسائل بعد وجود النية، فنحن قلنا: إن الإنسان إذا شك أو قطع أو تردد فحكمه أنه يستأنف، وبيّنا مسألة الشك. والسؤال هنا: لو أن إنساناً أراد أن يقلب نيته من الفرض إلى النافلة، كشخصٌ يصلي الظهر ثم أراد أن يقلب هذا الفرض الذي نواه فرضاً إلى نافلة أثناء الصلاة فهل من حقه ذلك أو لا؟ مذهب الجماهير على أن من حقه ذلك ولا حرج عليه أن ينوي النافلة، ولكن هنا تفصيل عند بعض العلماء، فمن يرى وجوب صلاة الجماعة يقول: إذا نوى أن ينتقل إلى النفل في فريضةٍ ولا يتيسر له وجود الجماعة بعده فإنه لا يجوز له ذلك؛ لأنه يفوت أمر الشرع بحضور الجماعة، وهو ملزم بهذه الجماعة التي هو فيها، ولذلك لا يصح انقلابه من الفرض إلى النفل؛ لأن الصلاة متعينةً عليه، كذلك أيضاً يستثنى -كما ذكر المصنف- أن يكون الوقت غير متسع إلا لبقية الفريضة، فلو كان في آخر الوقت بحيث لو قلبها نافلة خرج عليه الوقت فحينئذٍ لا يصح القلب؛ إذ لا يصح التنفل مع انشغال الذمة بالواجب. ولذلك من أصول الشريعة أنها تلغي التنفل مع اشتغال الذمة بالفرض، حتى المعاملات، فإنه لما اعتق رجلٌ غلمانه عن دبرٍ وعليه دين ألغَى النبي صلى الله عليه وسلم هذا العتق، وباع الغلمان، وسدد دينه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان هذا في حقوق العباد فحق الله أولى وأحرى، كما قال صلى الله عليه وسلم. فالانتقال من الفريضة إلى النافلة يُفصَّل فيه: فإن اتسع الوقت جاز، إلا إذا كان في جماعةٍ ولا يمكنه أن يحصل غيرها. أو إذا كان الوقت ضيقاً بحيث إذا صلى نافلةً خرج عليه وقت الفريضة، فحينئذٍ لا يصح منه قلب النية؛ لأنه يفوت مقصود الشرع من إيقاع المكلف للعبادة على وجهها المعتبر.
صور انتقال النية
صور انتقال النية قال المصنف رحمه الله: [وإن انتقل بنيةٍ من فرضٍ إلى فرضٍ بطلا]. للانتقال في النية صورٌ: الصورة الأولى: أن ينتقل من الأعلى إلى الأدنى، فإنه يجوز، وهذا كما قررنا أنه ينوي الفرض ثم يقلبه إلى النافلة. الصورة الثانية: أن ينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ولا يجوز قولاً واحداً، كإنسانٍ كبر في صلاته ناوياً النفل المطلق، فحينئذٍ لا ينقلب إلى فريضة، ولا ينقلب إلى نافلةٍ مقيدة، فلو كبر ناوياً النفل المطلق والتقرب إلى الله بهاتين الركعتين ولم يعين فيهما شيئاً، ثم طرأ عليه أن يقلبهما سنةً راتبةً قبليةً للفجر نقول: السنة الراتبة القبلية في الفجر في حكم الشرع آكد من النفل المطلق، ولذلك لا يجزيه أن ينتقل من هذا الأدنى إلى الأعلى، كما لا يجزيه أن ينتقل من النفل المطلق إلى الفريضة؛ لأن المقصود في الشرع واحد، وهو ارتفاع درجة الثاني عن الأول. الصورة الثالثة: أن يكون الانتقال من النظير إلى نظيره ولا يخلو من حالتين: إما أن يكون في النوافل، وإما أن يكون في الفرائض، ففي الفرائض ينتقل من الظهر إلى العصر، وفي النوافل ينتقل من سنة إلى سنة، فتكون هذه راتبة وهذه راتبة، فلو أراد شخص أن يصلي ركعتي الضحى فهذه نافلة معيّنة، ثم لما أحرم بركعتي الضحى تذكّر أنه لم يصل راتبة الفجر فحينئذٍ ينتقل من النظير إلى نظيره، من نافلةٍ معينة إلى نافلةٍ معينة. فإذا كان انتقاله من فرض إلى فرض بطل الفرضان الأول والثاني، أما الفرض الأول فإنه بطل لقطعه للنية، وذلك أنه فيما استقبل من الصلاة لم يستصحب نيته التي أُمِر باستصحابها، ولذلك لم ينو، فلو أنه انتقل من الظهر إلى العصر وهو في الركوع، أو عند ركوعه للركعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة فإن ما وقع من الصلاة من تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة وقع عن فرضه، ثم ما وقع بعد تجديد النية وقع بنية لفرضٍ ثان، فقَطَع به الفرض الأول فأشبه ما لو لم ينو. وبناءً على ذلك إذا قَطَع النية بفرضٍ محل فرضٍ ألغي الفرض الأول لمكان القطع، ولظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، قالوا: مفهومه أن من لم ينو شيئاً لا يكون له. وبناءً على هذا يبقى النظر في الفرض الداخل، فالفرض الداخل باطل؛ لأن من شرط نية الفرض أن تكون عند تكبيرة الإحرام، وهذا الفرض وقعت نيته في الأثناء، ولا يصح إيقاع النية في الأثناء، إنما المعتبر في النية أن تكون قبل تكبيرة الإحرام، أو مع تكبيرة الإحرام. وبناءً على ذلك لا يصح منه أن يُدخل نية فرضٍ على فرض. ويبقى Q هل تبطل صلاته أو تنتقل إلى النافلة؟ و A تنتقل نفلاً محضاً، وبناءً على هذا إذا نوى من فرضٍ إلى فرض فإنه ينتقل إلى النفل المحض. وأما إذا انتقل من نافلةٍ معينة إلى نافلةٍ معينة فهذا للعلماء فيه خلاف، قال بعض العلماء: إن الانتقال من المثل إلى المثل يسري حتى في النوافل، وقال بعض العلماء: النافلة أهون من الفرض، فيُخفف فيها. ولكن القول بأن النافلة المعينة كالفريضة المعينة أقوى من جهة الأصول وكمسلك أصولي صحيح؛ لأن التعيين في كلٍ منهما يُوجِب إلحاق النظير بنظيره، وبناءً على ذلك يقوى أنه ينتقل إلى نفلٍ محضٌ سواءٌ أكان انتقاله في فريضةٍ أم نافلة.
حكم استحضار الإمام نية الائتمام بالناس
حكم استحضار الإمام نية الائتمام بالناس قال المصنف رحمه الله: [ويجب نية الإمامة والائتمام]. قوله: [ويجب نية الإمامة] أي: على الإمام أن ينوي أنه إمامٌ لمن وراءه ومؤتمٌ به، وذلك لحصول الجماعة، وفي الجمعة آكد، ولذلك قالوا: إنه يُلزَم بنية الإمامة في الجمعة. وقال بعض العلماء بعدم وجوب النية، أي: عدم لزومها، بحيث لو لم ينو الإمامة صَحّ اقتداء المأموم به، وهذا مبنيٌ على مسألة وهي حمل الإمام عن المأموم، فمن يرى أن الإمام يحمل عن المأموم فإنه يقول: لا يصح حمل الإمام عن المأموم إلا بنية، فيجب على الإمام أن ينوي، وهذا يقوى على مذهب من يقول: إن المأموم لا يقرأ الفاتحة وراء الإمام، ويُقوِّي هذا، فكأنه يرى أن صلاة المأموم مبنية على صلاة الإمام، فحتى يقع هذا الحَمْل، وتقع هذه العبادة على الوجه المعتبر فإنه لا بد وأن ينوي، فلو ائتممت بإنسانٍ لم يعلم بك فإنه لا يصح هذا الائتمام، وبناءً على ذلك يقولون: تبطل الجماعة، ولا تقع صلاته جماعةً إذا لم ينو الإمام الجماعة. وأما على مذهب من يقول: إن الإمام لا يَحمِل الفاتحة فالأمر أخف؛ لأنه لا يرى أركاناً تترتب على هذا، بخلاف ما إذا حَمَل عنه الفاتحة، فإنه يحمل ركناً من أركان الصلاة، ويرى أن صلاة المأموم مربوطة بصلاة الإمام بحكم الشرع، ولكن كونه ينوي الإمامة قالوا: يكون بتحصيل الفضيلة له، لكن لا يُحكم بإثمه ولزوم ذلك عليه. والحقيقة أن الأقوى والذي ينبغي دائماً في مسائل الإمامة أن يُحتاط للناس، فينوي الإئمة ولو كان الأمر خلافياً، ولو ترجَّح عند الإنسان أنه لا ينوي فينبغي عليه أن ينوي حتى يصون صلاة الناس عن الخطأ، وكما ذكرناه غير مرة أن من آداب الإمامة مراعاة الخلاف، وقد نبه على هذا غير واحد من الأئمة، منهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام ابن القيم، والحافظ ابن حجر، وأئمة العلم رحمة الله على الجميع، وذكروا أنه ينبغي على الإمام أن ينتبه للخلاف، فيُخرِج صلاة الناس من الشبه دائماً في الأمور اللازمة، فيحتاط لها حتى تقع صلاة الناس على وجهٍ معتبر، فهذا من النصح للعامة.
صيرورة المنفرد مؤتما أو إماما
صيرورة المنفرد مؤتماً أو إماماً قال رحمه الله تعالى: [وإن نوى المنفرد الائتمام لم يصح كنية إمامته فرضاً]. قوله: [وإن نوى المنفرد الائمتام لم يصح] ذلك أنه لما أحرم لزمته الصلاة، ولزمته قراءة الفاتحة، فكان أصله أقوى، ولذلك يقرر العلماء أن المنفرد أقوى من المأموم، وبعض الأحيان تجد المنفرد في حكم الإمام، وتجب على المنفرد أشياء لا تجب على المأموم كالتسميع والتحميد، فإنه يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وتكون واجبة في حقه، لكن لو كان مأموماً فإنه لا يجب عليه التسميع، وإنما يجب عليه التحميد وحده. كذلك أيضاً في حَمْل السهو منه إذا كان مأموماً، فلا يحمل سهو نفسه، ولا يحمل غيره عنه سهو نفسه إذا كان منفرداً، فكأن المنفرد بمثابة الإمام. فقالوا: لا يصح من المنفرد أن ينتقل مأموماً، وصورة المسألة: لو دخلت المسجد بعد أن انتهى الناس من صلاة الفريضة فكبرت للصلاة، فبعد أن دخلت فيها منفرداً جاءت بجوارك جماعة وانعقدت، بحيث يمكنك أن تخطو حتى تدخل في صفها، أو اقتربت منك بحيث يمكن أن تلتصق بمن بجوارك وتعتبر مأموماً لهذا الإمام، فحينئذٍ إن قلنا: يصح للمنفرد أن ينتقل مأموماً يجوز لك أن تدخل في هذه الجماعة، والصحيح أنه لا يجوز له، وخاصةً على مذهب من يرى أن الإمام يحمل عن المأموم الفاتحة، فقد تعينت عليه الفاتحة، وبانتقاله ينتقل من الأعلى إلى الأدنى على وجهٍ يُفوِّت الواجب الذي ذكرناه وهو قراءة الفاتحة عليه، فقالوا: لا يصح انتقال المنفرد مأموماً كما لا يصح انتقال الإمام مأموماً، فهذا مذهب من يقول بعدم صحة الانتقال. وقوله رحمه الله: [كنية إمامته فرضاً] أي أنه لا يصح أن يدخل المأموم وراء المنفرد إذا طرأ عليه أثناء الصلاة. والصحيح أنه يجوز له ذلك؛ لأن من العلماء من قال: لا يصح في الفرض إلا أن يكون من ابتداء الصلاة. والصحيح أنه يستوي الفرض والنفل في ذلك، وقد ثبت من حديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (نمت عند ميمونة والنبي صلى الله عليه وسلم عندها في تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح الصلاة منفرداً، ثم آل أمره إلى كونه إماماً، فالمنفرد والإمام بمرتبةٍ واحدة، فيجوز له أن يصير إماماً سواءٌ أكان في فرضٍ أم نافلة. فلو دخلت بعد صلاة الظهر لوحدك وأقمت الصلاة وكبّرت، فجاء رجل صح له أن يدخل معك حتى تصير لك الجماعة، وقد ثبت بذلك الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلاً يصلي لوحده بعد إن انقضت الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: (من يتصدق على هذا؟ فقال أبو بكر: أنا. فقام أبو بكر فصلى معه)، فدل على أنه يجوز للمنفرد أن يصير إماماً، وبناءً على ذلك يصح منه أن يكون في النفل، أو يكون في الفرض.
حكم المفارقة للمؤتم بلا عذر
حكم المفارقة للمؤتم بلا عذر قال المصنف رحمه الله: [وإن انفرد مؤتمٌ بلا عذرٍ بطلت]. أي: إذا كنت مأموماً وأردت أن تنفرد عن إمامك فتصير منفرداً، لتنتقل من الأدنى وهو كونك مأموماً إلى الأعلى وهو كونك منفرداً، فقال: [لم يصح]. أي: أنه لا يصح من المكلف أن ينفرد عن الإمام وذلك لارتباط صلاته بصلاة الإمام. وقد ينفرد بعذر ويستوي في ذلك أن يكون العذر متعلقاً به أو بغيره، فمثال تعلقه به: كإنسان استفتح إمامه بسورةٍ طويلة، ومعه مرَض -كما يجري لبعض من ابتُلِي بالسكر ونحوه- فيضيق عليه الحصْر، ويَخشى أن يستضر بهذا، فيحتاج إلى قطع الصلاة، فيقطع الصلاة مع إمامه، أي: نية الائتمام، ويبقى منفرداً يتم لنفسه. وأما ما يتعلق بغيره فكامرأةٍ خافت على صبيها وهي مأمومة، فتنفرد وتُتِم لنفسها عند خوف الضرر عليه ثم تدركه؛ لأنها مصلحةٌ قد تصل إلى الضرورة، وأقلها الحاجة. وبناءً على ذلك إذا احتاج الإنسان للقطع لمصلحته أو مصلحة غيره جاز، كما قال المصنف: [لعذرٍ]، فيستوي أن يكون العذر في الشخص أو في غيره، لكن إذا علمنا أنه يجوز للإنسان عند العذر أن ينفصل عن إمامه ولا يجوز له عند عدم العذر، فما الدليل على الجواز؟ و A الدليل على الجواز ما ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم أن معاذاً رضي الله عنه استفتح الصلاة بقومه ثم قرأ بالبقرة، فتخلف أو انفرد رجلٌ عن الصف، فأتم لنفسه، ثم رجع إلى بيته، فأُخبِر معاذ بخبره، فقال: إنه منافق، فقال: لست بمنافق. ومضى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إن معاذاً يصلي معك ثم يأتينا بآخرته، وإنا أصحاب حرثٍ وزرع، ثم ذكر القصة، فقال صلى الله عليه وسلم: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟ أفتانٌ أنت يا معاذ؟) الحديث، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الرجل إتمامه لنفسه، وذلك لوجود العذر. ومن ثمّ قالوا: إنه يجوز للإنسان عند وجود العذر أن ينفرد عن إمامه إذا خشي إطالته، وغلبة الظن كالتحقيق، فإذا كنت تعرف الإمام، أو يغلب على ظنك أنه يطيل وانفردت عنه كأنك متحققٌ أنه يطيل، والقاعدة أن الغالب كالمتحقق، وبناءً على ذلك لا حرج عليك لوجود العذر، وهذا من سماحة الشريعة ويسرها ورحمة الله بعباده، فإن الإنسان إذا كان معذوراً وأُلزِم أن يتم صلاته وراء الإمام استضر، ولربما حصل الضرر بغيره، كالمرأة يحصل الضرر لصبيها، وحينئذٍ يجوز للإنسان أن يقطع ولا حرج عليه.
حكم صلاة المأموم إذا بطلت صلاة الإمام
حكم صلاة المأموم إذا بطلت صلاة الإمام قال المصنف رحمه الله: [وتبطل صلاة مأمومٍ ببطلان صلاة إمامه فلا استخلاف]. هذا مذهب من يرى ارتباط صلاة المأموم بالإمام، حيث يرون أنه إذا أحدث الإمام، أو حصل منه ما يوجب بطلان صلاته فصلاة المأموم وراءه باطلة. وقال بعض العلماء: يصح أن يستخلف الإمام إذا أحدث، والصلاة بالنسبة لمن وراءه صحيحة، ثم يذهب ويتوضأ. مثال ذلك: لو أن إماماً صلى بالناس الظهر، ثم تذكر أثناء الصلاة أنه محدث، أو أن عليه نجاسة، أو صلى وطرأ عليه الحدَث، ففي هذه الأحوال يقوم الإمام بالاستخلاف، وهذا أصح أقوال العلماء، فيشرع للإمام أن يستخلف إذا طرأ عليه العذر في الصلاة فبطلت صلاته، ويصح للمأمومين أن يُتموا فرادى، فإن استخلف الإمام اعتبر البديل خليفته ونُزِّل منزلته، وإن لم يستخلف فحينئذٍ يتم كل إنسانٍ على حدة، فسواءٌ أبنوا صلاتهم على الاستخلاف، أم أتم كل واحدٍ منهم على حدة، فصلاتهم صحيحة، وهذا مذهب الجمهور وهو الصحيح؛ لظاهر قصة عمر رضي الله عنه، فإنه لما طعن استخلف عبد الرحمن بن عوف، وجعله مكانه إماماً يصلي بالناس، فدلَ هذا على مشروعية الاستخلاف، وأنه لا حرج فيه. وبناءً على ذلك لا يُحكم ببطلان الصلاة، ويُعتبر قول المصنف رحمه الله: [فلا استخلاف] مرجوحاً، خاصةً وأن الصحابة رضوان الله عليهم قد فعلوا ذلك، ولم يقع بينهم نكير، وهي سنة راشدة، ويكاد يكون إجماعاً من الصحابة؛ لأنها قصةٌ اشتهرت ولم يُنكرها أحد، فكان هذا أقوى في الدليل على الاستخلاف. والذين يقولون: إنه لا يستخلف قالوا: لقصة معاوية رضي الله عنه، فإنه لما ضُرِب على عجيزته أتم الناس فرادى، ولو صحّ هذا فإنه لا يعارض ما أُثر عن عمر، ونقول: اختلف قضاء الصحابة، فيقدم قضاء عمر على فعل معاوية، فإن عمر رضي الله عنه ممن أمر بالاستنان به، فتكون رتبة الصحابي هنا أقوى من رتبته هناك. والأمر الثاني: نعتذر لـ معاوية بانشغاله بالطعن عن الاستخلاف، وصحة الائتمام بالإمام أن يُوجَد الخليفة المستَخْلف من الإمام، وكون الإمام لم يستخلف فإنه يحمل على أنه من شدة الطعن ذُهِل عن أن يستخلف للناس، وبناءً على ذلك نقول: إن فعل عمر يعتبر مقدماً على فعل معاوية رضي الله عنه، أو نعتذر لـ معاوية، فيصبح لا تعارض بين فعل الصحابيين، فـ عمر استخلف لمكان القدرة على الاستخلاف؛ لأن نفسه كانت أقوى، وكان صبره أكثر، ومعاوية فاته الاستخلاف، أو لم يستطعه لمكان قوة الألم، وحينئذٍ نعتبر حادثة معاوية خارجة عن موضع النزاع؛ لأن النزاع على الاستخلاف، ومعاوية لم يستخلف، فيكون هذا في جانب وهذا في جانب، ويصح القول بالاستخلاف، ويقوى من هذا الوجه.
مسألة إذا جاء الإمام الراتب وقد ائتم بالناس غيره
مسألة إذا جاء الإمام الراتب وقد ائتم بالناس غيره قال المصنف رحمه الله: [وإن أحرم إمام الحي بمن أحرم بهم نائبه وعاد النائب مؤتماً صح]. إمام الحي هو آكد من غيره، فلو أن إمام الحي استخلف إنساناً مكانه، وتقدم وصلى بالناس، فجاء إمام الحي، فما الحكم؟ قال بعض العلماء: لو أن الناس قدموا رجلاً يصلي بهم لتأخر الإمام، ثم جاء الإمام متأخراً كان من حقه أن يُتِم بالناس، وذلك لقصة أبي بكر رضي الله عنه حينما قُدِّم عند اختصام بني عوفٍ وصُلح النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، كما في الحديث الصحيح، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء بلال إلى أبي بكر وأمره أن يصلي، ثم أقام للناس، فتقدم أبو بكر وصلى، وفي أثناء الصلاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر رضي الله عنه منشغلاً في صلاته، فنبهه الصحابة إلى ذلك، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس المراد الالتفاف الكامل وإنما كان من خشوعه رضي الله عنه أنه مقبلٌ على صلاته، فالتفت لمكان إحساسه بتسبيح الناس، فإذا به برسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: رَمَق رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، أي: الزم مكانك، فتأخر رضي الله عنه وأرضاه، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأتم بالناس. وقال بعض العلماء: هذه المسألة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن أبا بكر رضي الله عنه قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستدل بآية الحجرات قالوا: هذا من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يرون أن إمام الحي إذا حضر كان من حقه أن يؤخِّر من كان بدلاً عنه. وبعضهم يرى أن تقدُّم النبي صلى الله عليه وسلم هنا لمكان الاستحقاق في الإمامة، فتقدم أبو بكر لعذر، أو للحاجة وهي تخلف الإمام، وما شُرِع لحاجةٍ يبطل بزوالها، فالشريعة تحفظ الحقوق، فالإمام الراتب الذي رَضِي به الناس أحق، فلما تقدم لحاجة وزالت الحاجة وَجَب أن يُعاد الإمام الراتب، وأكدوا هذا بمرض الوفاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم على أبي بكر رضي الله عنه، وائتم أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم، والناس بـ أبي بكر، وبناءً على هذا قالوا: إن الإمام الراتب من حقه أن يأتي -ولو كان متأخراً- ويُتِم بالناس. فإن صلى الأول ركعتين وكنا في الظهر، ثم جاء إمام الحي، وقلنا بجواز أن يدخل إماماً في الركعتين الأخريين وتأخر الخليفة، فإنهم قالوا: يبقى المأمومون يتشهدون قياساً على صلاة الخوف، فيُتِم الإمام لنفسه ركعتين، ثم يسلم بالناس؛ لأن لها نظيراً في صلاة الخوف. والصحيح الذي يقوى أنه ينبغي صيانة صلاة الناس عن التشويش، خاصةً وأن هذا يُحدِث للناس إرباكاً، وكثيرٌ من الناس لا يفقهون، والدليل فيه شبهة، فإن للنبي صلى الله عليه وسلم من الخصوصيات ما ليس لغيره، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم، خاصةً وأن أبا بكر رضي الله عنه قال: ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على أنه فَهِم أن التقدم المنهي عنه بين يدي الله ورسوله يشمل حتى الصلاة، فاستند إلى دليل، وهذا الدليل من الخاص وليس من العام، فيقوى القول بتخصيص هذا بالنبي صلى الله عليه وسلم والاحتياط فيه. ولذلك الأولى أن إمام الحي يأتي ويدخل مع الجماعة إذا كان مسبوقاً، لكن لو كان الإنسان يرى مشروعية هذا، ويرى أن السنة عامة فله ذلك، فإذا جاء متأخراً قالوا: إنه من حقه أن يفعل ذلك وقالوا: لأن القاعدة: (لا إيثار في القُرَب)، وكونه يصلي بالناس أعظم لأجره من أن يصير مأموماً، فإنه إذا صلى إماماً أفضل له، فقالوا: من حقه أن يتقدم، خاصةً إذا كان يرى ذلك، فالأفضل له إذا كان يرى جواز ذلك أن يتقدم وأن يتأخر الإمام الذي يصلي بالناس مكانه.
الأسئلة
الأسئلة
التشريك في النية بين تحية المسجد وسنة الفجر
التشريك في النية بين تحية المسجد وسنة الفجر Q إذا دخلت المسجد لصلاة الفجر فإني أصلي ركعتين بنية أنها السنة القبلية لصلاة الفجر ولا أصلي غيرها، فهل تسقط عني ركعتي تحية المسجد؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فهذه المسألة -على مذهب الجمهور- جوابها أن ركعتي رغيبة الفجر تحل محل تحية المسجد، وأنه لا حرج على المكلف إذا صلاها أن يجلس ولا يصلي بعد ذلك تحية المسجد، وهذا مبنيٌ على أن مقصود الشرع أن يصلي الإنسان ركعتين، وهو قوي خاصةً لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس)، فدل على أن المقصود أن يصلي قبل أن يجلس، وهذا قد صلى قبل أن يجلس، والله تعالى أعلم.
حكم من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعات متصلات ثم بدا له أن يفصلهن
حكم من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعات متصلات ثم بدا له أن يفصلهن Q من نوى أن يصلي الوتر ثلاث ركعاتٍ متصلات، ثم غير نيته وصلى ركعتين، ثم سلم وأوتر بواحدة، فما الحكم؟ A هذه المسألة تنبني على الشروع في النوافل، فبعض العلماء يقول: الشروع في النوافل يصيرها فرائض. ففي هذه الحالة لما شرع ناوياً أن يصليها ثلاثاً قالوا: ينبغي عليه أن يتمها ثلاثاً ولا يقطعها بركعتين. لكن من العلماء من قال: حتى ولو قيل باللزوم فإنه يتخرَّج هذا بالانتقال من نية الفرض إلى النافلة، قالوا: وإن كانت لازمةً عليه فإنه ينتقل إلى النافلة، خاصةً وأنه سيصلي ثلاثاً، وبناءً على ذلك لا حرج عليه إذا قطعها بالركعتين المنفصلة ثم صلى ركعة الوتر منفردة، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الفريضة بوضوء النافلة
حكم صلاة الفريضة بوضوء النافلة Q مَن توضأ للنفل كصلاة الضحى -مثلاً- ثم دخل وقت صلاة الظهر، فهل يجب عليه إعادة الوضوء قياساً على تحويل النية في الصلاة؟ A ظاهر السنة أن من نوى شيئاً كان له، ومن لم ينوه لم يكن له؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)، فخرج العلماء على هذا أن من نوى وضوءه للنافلة لا يصح أن يصلي به الفرض؛ لأنه مُحدِث، وقد رفع حدثه لاستباحة النافلة لا لاستباحة الفرض، وهذا هو أقوى الأقوال، خاصةً على ظاهر حديث عمر الذي ذكرناه، فإنه إنما نوى النافلة ولم ينو الفرض. ولذلك الأفضل للإنسان وإنما إذا أراد أن يتوضأ أن ينوي رفع الحدث، فإذا نوى رفع الحدث يصح له أن يصلي مطلقاً، أما لو نوى بالخصوص فريضةً أو نافلةً فهذا مُشكِل، فحتى يخرج من الإشكال ينوي رفع الحدث؛ لأن نية الوضوء إما نية رفع الحدث، أو نية الأدنى، أو نية الأعلى، ولذلك جمعها بعض العلماء بقوله: ولينو رفع حدثٍ أو مفترض أو استباحةً لممنوع عرض فالأولى أن ينوي رفع الحدث حتى يخرج من الإشكال، ويكون على ظاهر الحال أنه متطهر، ويصح له أن يصلي النافلة والفريضة دون قيد.
حكم إمامة المتنفل بالمفترض
حكم إمامة المتنفل بالمفترض Q ما الحكم إذا صلى الرجل نافلةً، وفي أثنائها ائتم به شخصٌ بنية الفرض؟ A إذا كان الإنسان في النفل وطرأ عليه من يريد أن يصلي معه الفرض قالوا: لا يصح. على ما قرره المصنف رحمه الله بقوله: [وإن نوى المنفرد الائتمام لم تصح، كنية إمامته فرضاً] فإذا لم يصح وهو مفترض فمن باب أولى ألا يصح وهو متنفل. والأقوى كما قلنا على ظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما صحة ذلك وجوازه. وأما ائتمام المفترض بالمتنفل فإن الصحيح جواز ائتمام المفترض بالمتنفل لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ، وهو أصح الوجهين عند العلماء، ففي هذا السؤال مسألتان: المسألة الأولى: هل يجوز ائتمام المفترض بالمتنفل؟ وهذه المسألة أصح الأقوال فيها الجواز للحديث الذي ذكرناه. والمسألة الثانية: إذا قلنا بالجواز فهل يحق له أن تطرأ عليه نية الإمامة لهذا المفترض أثناء الصلاة؟ أصح الأقوال جواز ذلك لحديث ابن عباس، والله تعالى أعلم.
كيفية صلاة العراة إذا كانوا أكثر من صف
كيفية صلاة العراة إذا كانوا أكثر من صف Q لو اجتمع عراةٌ كثيرون في صفين أو أكثر كيف يصلون؟ A أما بالنسبة لصلاة العراة فإنهم يصلون ويكون إمامهم وسطهم، والصحيح أنهم يصلون قياماً، ولا يصلون وهم جالسون، ولذلك يكونون صفاً واحداً لمكان الاستتار، ولا حرج عليهم إذا ضاق بهم المكان أن يصلوا صفين، والله تعالى أعلم.
وقت صلاة الوتر عند جمع التقديم
وقت صلاة الوتر عند جمع التقديم Q إذا جمع المسافر بين المغرب والعشاء في وقت المغرب، فهل يصلي الوتر أم يصليه بعد دخول وقت العشاء؟ A هذه المسألة للعلماء فيها وجهان: الوجه الأول: وقت الوتر يبتدئ بوقت العشاء، ومن أوتر قبل دخول وقت العشاء لم يصح وتره. والوجه الثاني: وقت الوتر يصح بعد فعل العشاء لا مقيَّداً بوقت العشاء. وأصح القولين أن وقت الوتر مقيدٌ بوقت العشاء؛ لظاهر السنة في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، الوتر جعله الله لكم فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفج)، فإن الصلاة إذا أُطلقت يراد بها وقتها، ولذلك نقول: مما يدل على أن المراد وقت العشاء أنه لو استيقظ بعد وقت الفجر وقبل أن يصلي الفجر لم يوتر؛ لأن وقت الفجر ينقطع به الوتر، فدل على أن ابتداء الوتر كانتهائه، فيكون ابتداؤه مقيداً بوقت الصلاة لا بفعل الصلاة، كما أن انتهاءه مقيدٌ بوقت الصلاة لا بفعل الصلاة، وعلى هذا فالأقوى أنك إذا سافرت وجمعت بين المغرب والعشاء في وقت المغرب أنك تنتظر دخول وقت العشاء حتى توتر، والله تعالى أعلم.
طهارة وصلاة من ابتلي بسلس البول
طهارة وصلاة من ابتلي بسلس البول Q أنا شابٌ مصابٌ بسلس البول أكثر من سنتين وقد شق ذلك علي، فما الحكم؟ A نسأل الله العظيم أن يشفيك وأن يعافيك، وأن يمن بالشفاء على جميع مرضى المسلمين. أولاً: أوصيك بالصبر واحتساب الأجر عند الله عز وجل، فإن البلاء -خاصةً- إذا كان في الدين يكون أعظم أجراً، وبلاؤك هذا في الدين؛ لأنه كما أنه مضرةٌ بالبدن، ويُتعِب الإنسان من حيث عنايته بانتباهه لبوله وأذى البول، كذلك أيضاً هو مضرةٌ في الدين؛ لأن الإنسان ينشغل وتعتني نفسه بهذا الخارج، ويُصبِح في هم وقلق، خاصةً إذا دخل عليه وقت الصلاة، وقد وجدت ذلك ورأيته فأبشر بخير، والله أعلم كم لك من الأجر في هاتين السنتين اللتين مضتا، فأبشر بخير، وأنعم عيناً بالله عز وجل، فإن الله سيرضيك إذا صبرت واحتسبت، والله يقول عن أيوب عليه السلام: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص:44]، فمن صبر فإن الله يُنعم عليه، فاصبر بارك الله فيك، واعلم أن الذي ابتلاك هو ربك، وليس لك إلا الرضا عن الله عز وجل، فأوصيك أولاً بالصبر واحتساب الأجر عند الله. والأمر الثاني: أن تأخذ بالأسباب فإذا دخل وقت الصلاة، وكان السلس مسترسلاً فإنك تتوضأ لدخول وقت كل صلاة، فتتوضأ عند أذان الظهر ثم تصلي الظهر، وتضع إذا أمكنك قطنةً لخروج البول إذا كانت تحبس البول. أما إذا كانت تضر بك وتجحِف بك وتحدث الضرر فحينئذٍ لا حرج عليك، بعد أن تتوضأ في أول الوقت ولو خرج الخارج؛ لأنه ليس بإمكانك إلا أن تصلي على هذا، والله لا يكلفك إلا ما بإمكانك، كما قال سبحانه: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فهذا الذي في وسعك. أما لو كان السلس متقطعاً بحيث يمكن أن يسلم وقت الصلاة لك، بحيث تمكث -مثلاً- ربع ساعة لا يخرج شيء فصلِّ في ربع الساعة ولو أدى ذلك إلى فوات الصلاة مع الجماعة، فإن الصلاة مع الجماعة يجوز تركها تحصيلاً لشرط الطهارة المتصل بالصلاة، فإيجاب الجماعة منفصل، والطهارة إيجابٌ متصل، فيقدم الواجب المتصل على الواجب المنفصل. أما إذا كان لا يسع الوقت فحينئذٍ تنزل وتصلي مع الجماعة، ولو خرج منك البول، والله تعالى أعلم.
حكم من نسي ركعة من الصلاة
حكم من نسي ركعة من الصلاة Q رجلٌ صلى صلاة العشاء ثلاث ركعات، وبعد السلام تذكر بأنه بقي عليه ركعة واحدة، فهل يصلي الركعة الناقصة أم يعيد الصلاة، مع العلم أنه تذكرها بعد تمام الذكر بعد الصلاة؟ A من سلم من صلاة ناقصةً، ولم يعلم بنقصها إلا بعد وقتٍ سواءٌ أكان بعد الأذكار أم بعد السنن فإنه يجوز له أن يستقبل القبلة ويُتم صلاته ما دام أنه في المسجد، ودليل ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم بنا إحدى صلاتي العشي، فسلم من اثنتين، ثم قام إلى الجذع وشبّك بين أصابعه كالغضبان، فهاب الصحابة أن يكلموه، وفي الناس أبو بكر وعمر، فقال له رجلٌ يقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أقصُرَت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما قصرت ولا نسيت)، وفي رواية: (ما كان شيءٌ من ذلك! قال: بلى، قد كان شيءٌ من ذلك، فسأل الصحابة: أَصَدقَ ذو اليدين؟ قالوا: نعم فرجع إلى مصلاه وأتم ركعتين، قال: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين قبل أن يسلم). فدل هذا الحديث على مسائل كثيرة: منها: أن من سلَّم من صلاته منتقصاً لها، وكان في المسجد فمن حقه أن يرجع ويُتِم الصلاة ولو كان قد استدبر القبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم استدبر القبلة. وبناءً عليه فما دمت قد صليت العشاء ثلاثاً فإن ذمتك مشغولةٌ بالركعة الرابعة، فيلزمك أن تستقبل القبلة وتتم الركعة الرابعة، ثم تسجد سجدتين قبل أن تسلم. المسألة الثانية في هذا الحديث، وهي مما يحسن التنبيه عليها: جواز مخاطبة الإمام بخطئه إذا لم يفهم، وهذه المسألة يُغفلها كثير، فلو أن إماماً أخطأ في الصلاة، كأن قام إلى الركعة الثانية وكبَّر ووقف فقرأ فقال: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1] مثلاً، فإنه يظن أنه قرأ الفاتحة وهو لم يقرأها، فلو قلت له: سبحان الله. سيرجع ويقول: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1] يظن أنه أخطأ في الآية، فحينئذٍ لا يمكن أن ينتبه إلا أن تقول له: اقرأ الفاتحة فيجوز لك أن تقول له: اقرأ الفاتحة؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فكون بعض العلماء يقول: إن ذا اليدين كان يظن أن التشريع على الركعتين. خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (ما كان شيءٌ من ذلك)، وقال: (ما قصرت ولا نسيت)، فقال: بلى قد كان شيءٍ من ذلك. فتكلَّم مع علمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد حصل منه السهو، وبناءً على ذلك يصح للمأموم أن يخاطب الإمام بخطئه إذا تعذَّر فهم الإمام، خاصةً إذا كان خطؤه مما تختلج معه الصلاة، بحيث إذا قلت له: سبحان الله يزيد في الخطأ، وبناءً على ذلك تنبهه وتقول له مباشرة -مثلاً-: اركع اسجد اقرأ الفاتحة، وينبغي أن تقتصر على أقل الكلام فتقول له: الفاتحة. بمعنى: اقرأ الفاتحة، وقس على هذا؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بخطئه، والله تعالى أعلم.
حكم دخول الحمام بسبيكة على شكل الكعبة
حكم دخول الحمام بسبيكة على شكل الكعبة Q يوجد عند بائع الذهب سبيكةٌ ذهبية على شكل الكعبة المشرفة تُلبس في العنق، فهل يجوز للمرأة دخول الحمام بها؟ A لا ينبغي في الحقيقة تصوير مثل هذه الصور للأماكن التي قَصَد الشرع تعظيمها، والناس إذا أَلِفوا النظر إلى الكعبة يكون دخولهم عليها لأول وهلة أمراً معتاداً، ولذلك كان عمر رضي الله عنه إذا انتهى الناس من الحج صاح فيهم فيقول: يا أهل الشام شامكم، يا أهل اليمن يمنكم، يا أهل العراق عراقكم، يا أهل مصر مصركم. فلما سُئِل عن ذلك قال: أخشى أن تذهب هيبة الكعبة من قلوبهم؛ لأنهم إذا أَلِفوا الجلوس وألفوا النظر إليها اعتادوها فذهبت هيبتها، ومقصود الشرع تعظيم مثل هذه الأماكن، فهذا من فراسته رضي الله عنه، وكان محدَّثاً ملهماً كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه في الصحيح. وبناءً على ذلك لا ينبغي تصوير مثل هذه الصور التي هي محل إجلال وتعظيم من المؤمنين، فينبغي إجلالها وصيانتها، وبناءً على ذلك فالذي أراه أنها تُصاغ على غير صورة الكعبة، أما من ناحية الجواز فيجوز، لكن كون الإنسان يعلق مثل هذه الصور فلا أرى له وجهاً أن يفعل ذلك، وصلى الله وسلم على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب صفة الصلاة [1]
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [1] تنقسم صفة الصلاة إلى: صفة كمال، وصفة إجزاء، فالأولى هي أتم الصفتين، وهي المشتملة على هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكامل في صلاته، والثانية هي التي يجب على المسلم أن يأتي بها، فإن أخل بشيء منها نقص من صلاته بقدر ما أخل منها. ويذكر العلماء في صفة الصلاة المشي إلى المساجد وآدابه وسننه.
من آداب المشي إلى الصلاة
من آداب المشي إلى الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صفة الصلاة]. بعد أن تكلم المصنف رحمه الله على الأمور التي ينبغي على المكلف أن يحصلها قبل الصلاة شرع رحمه الله في بيان صفة الصلاة. وصفة الشيء: حليته وما يتميز به، فقوله رحمه الله: (باب صفة الصلاة) أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام والمسائل يستدل بها على هدي الصلاة. وصفة الصلاة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: يسمى صفة الكمال، وهذه الصفة هي أتم الصفتين وأكملها، وذلك أنها تشتمل على هدي النبي صلى الله عليه وسلم الكامل في صفة صلاته. والقسم الثاني من صفة الصلاة: صفة الإجزاء، وهي الصفة التي ينبغي على المسلم أن يأتي بها كاملةً، فإن أخلّ بشيءٍ منها فإنه يعتبر مخلاً إما بركنٍ أو بواجب، فإن ترك الركن فإن صلاته تبطل ما لم يكن نسياناً وكان نسيانه مقارباً للصلاة في مسجده، فلو ترك ركناً وهو في المسجد، ثم ذكر قبل الخروج وأمكنه التدارك أتم صلاته، وصفة الإجزاء تشتمل على الأركان والواجبات، وقد يقتصر بعض العلماء فيها على الأركان وحدها. ومن عادة العلماء رحمهم الله أنهم يعتنون بذكر وصف العبادة حتى يحكم على صلاة المكلف بكونها معتبرة أو غير معتبرة، وبعض العلماء يقدِّم على هذا الباب باباً، وهو باب آداب المشي إلى الصلاة، كما اعتنى به الإمام ابن قدامة رحمه الله في كتابه العمدة، وهكذا غيره من العلماء، ومنهم من يقتصر على ذكر الصفة ولا يذكر آداب المشي، والأكمل الاعتناء بآداب المشي في الصلاة، وهي تنحصر في أمورٍ من أهمها ما يلي:
استحضار النية
استحضار النية أولاً: ينبغي للمكلف إذا أراد أن يذهب إلى المسجد للصلاة أن يستحضر النية، وهي قصد وجه الله عز وجل بخروجه إلى المسجد، وهذه النية معتبرة للحكم بكونه في قربة وعبادة، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الرجل تضعّف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأصبغ الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة)، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا يخرجه إلا الصلاة)؛ لأن الناس منهم من يذهب إلى المسجد للآخرة، ومنهم من يذهب للدنيا، ومنهم من يذهب جامعاً بين الدنيا والآخرة، فمن خرج وقصده الآخرة كأن يخرج وقصده العبادة والتقرب لله، وشغل الوقت في طاعة الله، وأداء ما افترض الله عليه فهو في قربة، ومثاب من خروجه إلى رجوعه إلى بيته، حتى ورد في الخبر أنه لو هلك فعلى الله أجره، بمعنى أنه لو أصابته مصيبة فمات في طريقه إلى المسجد، أو أصابته بلية فإن أجره على الله، ولذلك كانوا يعتبرون من حسن الخاتمة موت الإنسان في خروجه إلى الصلاة، أو خروجه إلى المسجد؛ لأنها طاعةٌ وقربة، فإذا خرج يستحضر النية.
ذكر الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم
ذكر الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ثانياً: أن يأخذ بآداب الخروج من الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: (باسم الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة الله إلا بالله)، فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (فإذا قالها تنحى عنه الشيطان، وقال الملك: أمنت وكفيت ووقيت، فقال: ما لكم في رجلٍ كفي ووقي من حاجةٍ) أي أنه في رحمة الله وضمانه. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه خرج من بيته إلى صلاة الفجر، فدعا بثمان كلمات -كما في صحيح مسلم وغيره- وقال: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، واجعل في بصري نوراً، واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، وأعطني نوراً)، فهذه ثمان كلمات من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الإنسان عند خروجه من بيته يريد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فليحرص على هذا الذكر، فما أكثر فلاحه، وما أنجحه حين يخرج وهو يسأل الله أن يجعل في قلبه نوراً، ومن جعل الله في قلبه نوراً فإنه في أمنٍ وعافيةٍ من الفتن، وقال: (اجعل في لساني نوراً)، فلا يقول إلا خيراً، ولا يتكلم إلا بخير، ويعصم في كلامه، وإذا عُصِم الإنسان في كلامه ومنطقه كان على سدادٍ ورشاد، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [الأحزاب:70 - 71] فيحرص على هذه الأدعية النبوية، وهذا من آداب الخروج.
المشي راجلا دون أن يركب
المشي راجلاً دون أن يركب ثالثاً: أن يمشي ولا يركب؛ لأن مشيه أعظم أجراً وثواباً له في الطاعة، لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى)، (وكان رجلٌ يصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تخطئه صلاة، وكان يمشي على رجله، فقالوا له: لو أنك أخذت دابة تقيك حر الرمضاء والهوام، فقال: ما أحب لو أن بيتي معلقٌ طنبه بطنب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أحتسب عند الله أن يكتب أجري في ذهابي ورجعتي، فأخبر صلى الله عليه وسلم بقوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد جمع الله لك بين ذلك)، فإذا كان خروجك ماشياً بقصد أن يكتب الله لك أجر المشي، وكانت نيتك أن يجمع الله لك بين أجر الذهاب والرجعة كتب لك الأجران، فهذا من فضل السعي إلى المسجد. وقال صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، كثرة الخطا إلى المساجد)، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (إذا رفع العبد قدمه وهو ماضٍ إلى الصلاة لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة وحط عنه بها خطيئة)، فهذا خيرٌ كثير. وكان العلماء رحمهم الله يستحبون للإنسان إذا خرج إلى الصلاة أن لا يسرع، وأن يقارب الخطا حتى يكثر أجره بناءً على هذا الحديث، وأذكر من العلماء رحمهم الله من كان يمشي كأنه معقول الرجلين، يخفف من المشي حتى تكون خطاه أكثر وأجره عند الله أعظم؛ لظاهر هذا الحديث الثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
المشي إلى المسجد بالسكينة والوقار
المشي إلى المسجد بالسكينة والوقار رابعاً: والسنة لمن خرج إلى المسجد أن لا يشبك بين أصابعه، وأن لا يشتد سعيه. أما عدم التشبيك بين الأصابع فلأنه في صلاة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تشبيك الأصابع في الصلاة؛ لأن اليهود إذا صلوا شبّكوا، فنهي المسلمون عن التشبيك حتى لا يتشبهوا باليهود، فإذا خرج إلى الصلاة يمتنع من تشبيك الأصابع، وقد جاء في حديث أبي داود تأكيد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما أن لا يشتد في سعيه فمعناه: لا يجري ولا يهرول، ولا يسعى حثيثاً حتى ولو سمع الإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا أقيمت فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من أتى إلى الصلاة أن لا يسعى، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليأتها بسكينة ووقار)، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما خرج إلى الصلاة -أعني صلاة الاستسقاء- خرج متخشعاً متذللاً متبذلاً) صلوات الله وسلامه عليه. فلا بد من العناية بهذه الآداب. وقد يقال: هل الأفضل أن يركب الإنسان حتى يحصل الصف الأول في المسجد، أو الأفضل أن يمشي فيحصل فضل السعي إلى المسجد؟ فإن الإنسان لو مشى قد يكون بعيداً عن المسجد، بحيث لو مشى على قدميه ربما فاته الصف الأول، وإذا ركب سيارته أو دابته أدرك الصف الأول، فهل الأفضل مشيه إلى الصلاة تحصيلاً لهذه الفضائل، أو تبكيره بالركوب وفوات فضل المشي عليه بإدراك الصف الأول؟ في هذه المسألة وجهان للعلماء: أقواهما أنه يركب، فيكون فضل الصف الأول مقدّماً على فضل المشي، ووجه هذا الترجيح أن القاعدة: (إذا تعارضت الفضائل قدمت الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة)، فإن المشي إلى الصلاة فضيلة منفصلة عن الصلاة، والصف الأول فضيلة متصلة بالصلاة، ولذلك تقدم الفضيلة المتصلة على الفضيلة المنفصلة، فالأفضل له أن يركب، ولكن كما قال بعض العلماء رحمة الله عليهم: يستحب له أن يجعل في نيته أنه لولا ضيق الوقت لمشى على قدميه، حتى يكتب له الفضلان.
ذكر الدعاء المأثور عند دخول المسجد
ذكر الدعاء المأثور عند دخول المسجد خامساً: إذا دخل المسجد قال الدعاء المأثور: (باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك)، والسنة أن يقدم يمناه ويؤخر يسراه، والسنة إذا دخل إلى المسجد أن يكفّ أذاه عن الناس بعدم تخطي الرقاب ورفع الصوت تشويشاً على المصلين، حتى ولو كان ذاكراً، إذا أمكنه ذلك، وذلك: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في الجمعة، فجاء رجلٌ يتخطى الرقاب، فقال عليه الصلاة والسلام: اجلس فقد آذيت وآنيت)، ومعنى قوله: (فقد آذيت) أي بتخطيك لرقاب الناس، ومعنى (آنيت): أي تأخرت، فالذي يريد الصفوف الأول، والذي يريد الفضائل التي تكون في الصفوف الأول فليبكر، أما أن يأتي متأخراً ويتخطى رقاب الناس ويؤذيهم ويشوش عليهم فإن هذا لا يجوز له لما فيه من الضرر، والقاعدة في الشريعة: (إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم درأ المفسدة على جلب المصلحة)، وهذا من حيث الإطلاق، فكيف إذا كانت المصلحة عامة والمفسدة خاصة؟! لأن تخطي الرقاب يؤذي العامة، أي: عامة الناس، وكونه يدرك الصف الأول فضيلة خاصة، فلذلك تقدم درأ المفسدة هنا على جلب المصلحة، فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس، ولا أن يؤذيهم بالهيشات ورفع الصوت؛ لأن ذلك مما لا ينبغي في بيوت الله عز وجل؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى منبهاً عباده المؤمنين على حرمة المساجد، وما ينبغي أن تكون عليه من إجلال وإكبار: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36]، ورفع الشيء: إجلاله وتعظيمه، وذلك يكون بالسكينة والوقار في بيوت الله عز وجل. وجاء عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلين اختصما في المسجد ورفعا أصواتهما، فلما جاء إليهما قال: ممن أنتما؟ قالا: من أهل الطائف. قال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضرباً، أي: لمكان حرمة المسجد وأذية الناس في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. فلا بد للإنسان أن يراعي هذه الآداب، ولذلك نبّه العلماء رحمهم الله على أنه كلما كان الإنسان متعاطياً للسنة حريصاً عليها كلما كان موفقاً للقبول في صلاته، وينبغي نصح الناس وتوجيههم إلى عدم الإخلال بهذه السنن، وبيان ما ينبغي من التزامه بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصةً فيما يتعلق بكفّ الأذى.
صلاة تحية المسجد
صلاة تحية المسجد سادساً: فإذا دخل المصلي في وقتٍ لا صلاة فيه كأن يدخل بين الأذان والإقامة فإنه يفتتح الصلاة بتحية المسجد، فيحي المسجد بالصلاة، وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين)، فدل هذا على لزومها، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يجلس في المسجد حتى يصليهما، ثم إذا صلاهما فإنه في صلاةٍ ما انتظر الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: (وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) أي: ما دام جالساً في مصلاه فريضةً كانت أم نافلة فإنه تصلي عليه الملائكة، فتدعو له بالمغفرة والرحمة، وهذا خيرٌ كثير، ولذلك ما دخل إنسان مسجداً وصلى مع الجماعة وخرج إلا خرج طيب النفس ومجبور الخاطر، ولو كانت عليه هموم الدنيا، فإنه إذا دخل وخاصةً إذا بكّر إلى المسجد وصلى فيه فإنه يجد هذا الخير الكثير من صلاة الملائكة عليه، ودعائها له، واستغفارها له. فإذا حضرت الصلاة فحينئذٍ يبتدئ بمراعاة ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فإذا أقيمت الصلاة فإنه يمتنع من التنفل، ويمتنع من إحداث صلاة النافلة بعد إقامة الصلاة.
صفة القيام إلى الصلاة
صفة القيام إلى الصلاة
سنية القيام عند (قد) من إقامتها
سنية القيام عند (قدْ) من إقامتها قال المصنف رحمه الله: [يُسن القيام عند (قدْ) من إقامتها]. إذا كان المكلف جالساً في المسجد وأقيمت الصلاة، فقد قال بعض السلف: يبتدئ قيامه عند قول المؤذن: (الله أكبر) من الإقامة. وهذا القول مأثور عن عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رحمة الله عليه، وكان يقول به بعض السلف، أي: أنه إذا قال المؤذن: (الله أكبر) للإقامة فإن الناس يقومون. والمحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان الستار على بابه، فكان بلال رضي الله عنه إذا شعر بحركة الستار أقام الصلاة، فكان الناس إذا ابتدأ بلال للإقامة قاموا، فإذا رأوا الستر تحرك قاموا، وأخذوا مصافهم، وهيأوا أنفسهم للصلاة، فلا يصل عليه الصلاة والسلام إلى موضع محرابه أو مكان مصلاّه إلا والناس قد أخذوا مصافهم، فسواهم وأمرهم بالاستواء، ثم كبر وصلى بهم. وثبت في الحديث الصحيح أن بلالاً رأى حركة الستر، فظن أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج فأقام الصلاة، فانتظر الناس وهم قيام حتى طال عليهم القيام، ثم دخل عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح مسلم-: (إذا رأيتموني فقوموا)، رفقاً بالصحابة رضوان الله عليهم وبالمصلين، وأخذ العلماء من هذا دليلاً على أنه من السنة أن يقام عند رؤية الإمام، وللعلماء في هذا الحديث وجهان: منهم من يقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتموني فقوموا) لم يقصد به حالة مخصوصة، كأنه يقول: إذا رأيتم الإمام في المسجد فقوموا. حتى يكون ذلك أبلغ في استواء الناس قبل دخول الإمام إلى المحراب أو موضع الإمامة. وقال بعض العلماء: بل هذا خاص؛ لأنه وُجِدت المشقة بقيام الصحابة، فقال لهم: (إذا رأيتموني فقوموا). والذي يظهر أن أقلّ ما فيها أنها سنةٌ تقريرية، فإن الصحابة كانوا يقومون عند دخوله، فالأفضل والأكمل عند رؤية الإمام أن يقوم الناس، وأن يأخذوا مصافّهم، ويحاولوا تهيئة أنفسهم، بحيث لا يبلغ موضع إمامته إلا والناس قد أخذت مصافّها، كما جاءت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإمام مالك رحمه الله فإنه لم يجد حداً معيناً لقيام الناس عند الإقامة، ورأى أن الأمر واسع، فخفف رحمه الله وقال: الناس فيهم الصغير وفيهم القوي وفيهم الجلد، أن الناس يختلفون في أحوالهم، فلم يحدّ في القيام للصلاة حداً معيناً، وهذا لا شك أنه من ناحية الإلزام صحيح، فلا نستطيع أن نلزم الناس بالقيام لا عند ابتداء الإقامة، ولا عند (قدْ)، ولكننا نقول: الأفضل والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يقام عند رؤية الأئمة، فإذا رؤي الإمام داخلاً إلى المسجد، أو رؤي عامداً إلى مصلاّه فإن الناس يقومون، وهذا هو السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ الصحابة على فعلهم، ولأنه يعين على تحقيق مقصود الشرع، فإن الناس إذا ابتدروا بالقيام وسووا صفوفهم، ثم أمرهم الإمام كان ذلك أبلغ في تسوية الصفوف، وخاصةً في هذا الزمان فإنه يعجل الإمام بالتكبير، والفاصل قد يكون قليلاً، وقد يكون الإنسان يرغب في إدراك تكبيرة الإحرام وفضلها، فقد يضطر إلى الاشتغال بتسوية الصفوف، لكن المبادرة للقيام عند رؤية الإمام أبلغ في استواء الصفوف واعتدال الناس، ولا نحفظ في ذلك أمراً يدل على اللزوم بالقيام عند (قد)، ولكن نقول: الأفضل والسنة القيام عند رؤية الأئمة، وأُثِرَ عن علي رضي الله عنه القيام عند قدَّ، ولا يصح هذا عنه ويُروى في حديث مرفوع ضعيف. والصحيح أن الأمر واسع، ولكن السنة والأفضل أن يُقام عند رؤية الأئمة كما ذكرنا. وقوله رحمه الله: [عند (قدْ) من إقامتها] الإقامة -كما هو معلوم فيها-: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، فتقال مرتين، فحينئذٍ هل يكون القيام على قول المصنف عند (قدْ) الأولى أو الثانية؟ و A يكون عند (قد) الأولى، وليس الثانية؛ لأنه أطلق، والمطلق ينصرف إلى أول مذكور، ولو أراد الثانية لقال: عند قوله (قد) الثانية من إقامتها، أو: بعد قوله (قدْ) من إقامتها.
تسوية الصفوف وإقامتها
تسوية الصفوف وإقامتها قال رحمه الله تعالى: [وتسوية الصف]. يسنّ للناس أن يعتنوا بتسوية الصفوف، والمراد بهذه السنة أنها من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسوية الصفوف وإقامتها من إقامة الصلاة، وقول الجماهير على أنه يجب على الناس أن يسووا صفوفهم، وأن من لم يسو الصف فهو آثم، وذلك لدليلين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: (استووا)، وقال: (ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم)، وقال: (عباد الله لَتُسَوُّونَّ صفوفكم)، فجاء بصيغة التأكيد الدالة على اللزوم. الدليل الثاني الذي يدل على وجوب تسوية الصفوف ولزومها: أن النبي صلى الله عليه وسلم توعد على الإخلال بهذا، -فقد ثبت عنه في الصحيح-: (أنه كان يأمر الناس بتسوية الصفوف -قال الصحابي رضي الله عنه-: حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه خرج ذات يومٍ فرأى رجلاً بادياً صدره في الصف، فقال عليه الصلاة والسلام: عباد الله لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم -وفي رواية-: وقلوبكم)، فهذا وعيد، والقاعدة في الأصول أنه إذا ترتب على ترك الأمر وعيد كان هذا دليلاً على أنه من الواجبات، وأن الإخلال به من المنهيات، ولذلك يعتبر الإخلال بتسوية الصفوف من المحرمات، والأمر به واجب، فالناس مطالبون بإقامة الصفوف وتسويتها، وثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تسوية الصفوف من إقامة الصلاة، فالذين يسوون صفوفهم ويعتنون بتسويتها هم مقيمون للصلاة، والله أثنى على المقيمين للصلاة وزكاهم في كتابه، فمن إقامة الصلاة تسوية الصفوف. وثبوت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن عدم تسوية الصفوف سببٌ لمخالفة القلوب، أو مخالفة الأوجه فيه خطر شديد، حتى قال بعض العلماء: المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (أو ليخالفنّ الله بين وجوهكم أو قلوبكم) أن يلبسهم شيعاً وأحزاباً والعياذ بالله، أي: يجعل الناس مفترقين لا يتفقون، فتحصل بينهم النزاعات والخلافات والشجارات بسبب عدم العناية بهذا الأمر وهو تسوية الصفوف، وهو أمرٌ عظيم، وكان عمر رضي الله عنه لا يكبر حتى يأتيه أناسٌ وكّلهم بالصفوف فيعلمونه أن الصفوف قد استوت -رضي الله عنه وأرضاه- حرصاً منه على هذه السنة، وعنايةً منه بها، فيسوّي الصفوف. وإذا كان الذي وراء الإمام يعقل تسوية الصفوف كطلاب علم، فللعلماء وجهان: فبعضهم يقول: السنة أن تطلق، فدائماً تقول: استووا. وظاهر الحديث: (حتى إذا رأى أنا قد عقلنا عنه) يدل على أنه إذا كان الناس عندهم علم بتسوية الصفوف، وكان الذين معه من طلاب العلم، أو من العلماء، فلا حاجة أن تقول: استووا. وهذا مذهب طائفة من العلماء. وقال بعضهم: لا، بل إنها سنة مطلقة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، وكان إذا قام أمر بالاستواء. ولكلا الوجهين وجهه، خاصةً في هذا الزمان الذي كثر فيه العوام وكثر فيه الإخلال، حتى إن من يعلم ربما نسي وربما ذهل، ولربما قام الإنسان في الصف وهو من العلماء أو من طلاب العلم فغفل عن تسوية نفسه، والإنسان بشر، ولذلك الأمر والتنبيه بها فيه أجر للإمام، وفيه تنبيهٌ أيضاً للناس، فلا حرج في المداومة عليها والأمر بها.
تكبيرة الإحرام
تكبيرة الإحرام قال رحمه الله تعالى: [ويقول: (الله أكبر)، رافعاً يديه]. أي: يقول المصلي إذا أراد الدخول في الصلاة (الله أكبر)، وهذا التكبير يسمّى عند العلماء رحمهم الله بتكبيرة الإحرام، وسبب تسميته بذلك ظاهر السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في حديث أبي داود والحاكم بسندٍ صحيح: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير)، فوصف التكبير بكونه موجباً للدخول في حرمات الصلاة، فسمّى العلماء هذا التكبير بتكبيرة الإحرام؛ لأن المصلّي إذا كبر دخل في حرمات الصلاة، وهذا التكبير للعلماء فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يصح لك أن تدخل الصلاة نافلةً أو فريضة إلا إذا قلت: (الله أكبر) وحدها، فلا يجزي غير هذا اللفظ، لا المشتق منه ولا من غيره، ولو اشتمل على تعظيم الله، فلو قال: الله العظيم، أو قال: الله الكبير، أو: الله الأكبر لم تنعقد تحريمته، وكذلك لو اختار لفظاً فيه تعظيم من غير المشتق، كقوله: الله القدوس، الله السلام، الله المهيمن، فإنه لا ينعقد تحريمه، وهذا مسلك الحنابلة والمالكية رحمة الله عليهم، وهكذا لو قدّم: (أكبر) على لفظ الجلالة، فقال: أكبر الله، فإنه لا يصح ولا ينعقد تحريمه، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وكبر معناها: قل: الله أكبر. وهو المعهود في أذكار الشرع في الدخول إلى الصلاة، بدليل ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من تكبيره في الدخول إلى الصلاة، فهذا أمرٌ. الأمر الثاني: أنه لم يثبت حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالعدول عن هذا اللفظ المخصوص، والصلاة عبادةٌ مخصوصة، وأذكارها مخصوصة، فلا يصح أن يجتهد المكلف بإدخال ألفاظٍ قريبة من اللفظ المشهور. الأمر الثالث: أنه لفظ مخصوص في موضع مخصوص لم يشرع إحداث غيره أو قريبٍ منه كالتشهد، أي: كما أن التشهد لا يجزي إلا باللفظ الوارد، كذلك تكبيرة الإحرام لا تجزي إلا باللفظ الوارد. فهذه الأوجه كلها تدل على لزوم التكبير. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز للمصلي أن يدخل بأي لفظٍ دال على تعظيم الله عز وجل وذكره، واستدل بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14 - 15]، فقال رحمه الله: إن الله عز وجل قال: {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ} [الأعلى:15]، فمن ذكر اسم ربه عند بداية صلاته أجزأه ذلك وصحت صلاته، فلو قال: الله العظيم أجزأه وانعقد إحرامه وانعقدت تحريمته. وذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى موافقة الإمام أحمد ومالك، ولكن قال: يجوز إذا كان من لفظ (أكبر)، فقوله مثلاً: الله الأكبر تنعقد به التحريمة، فالمشتق كالكبير والأكبر قالوا: ينعقد به إحرامه، وأما بغير ما اشتق منه فلا ينعقد إحرامه. والصحيح أنه لا بد من ذلك اللفظ المخصوص، وهو لفظ التكبير، والجواب عن دليلهم أنه مطلق مقيد. كما أن الآية التي استدل بها الإمام أبو حنيفة رحمه الله في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14 - 15] الصحيح أن المراد بقوله تعالى: (قد أفلح من تزكى)، أي: زكاة الفطر ليلة العيد، (وذكر اسم ربه) أي: أكثر من التكبير ليلة العيد فصلّى صلاة العيد، والمراد بذلك أنه على فلاح بانتهائه من فريضة الله عز وجل وهي الصيام. فالمقصود أن هذه الآية يجاب عنها من وجهين: إما أن يقال: إنها خارجة عن موضع النزاع، والمراد بها صلاة العيدين. وإما أن يقال: إنها مطلقةٌ مقيدة، والقاعدة أن المطلق يُحمل على المقيد، ولا تعارض بين مطلقٍ ومقيد. وقوله رحمه الله: [يقول: الله أكبر] أي: يقول بلسانه: الله أكبر.
رفع اليدين مضمومتي الأصابع وممدودة عند التكبير
رفع اليدين مضمومتي الأصابع وممدودة عند التكبير قال رحمه الله تعالى: [رافعاً يديه مضمومتي الأصابع ممدودة حذو منكبيه كالسجود]. [رافعاً يديه] هذه هي السنة في تكبيرة الإحرام، وأجمع العلماء على أن تكبيرة الإحرام برفع اليدين، وقد جاء عن أكثر من ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صفة صلاته أنه رفع يديه في تكبيرة الإحرام، ولذلك قالوا: رفع اليدين في تكبيرة الإحرام متواتر، كما أشار إلى ذلك صاحب الطلعة رحمه الله بقوله: ثم من المشهور ما تواترا وهو ما يرويه جمعٌ حظرا كذِبهم عُرفاً كمسح الخف رفع اليدين عادمٌ للخُلفِ وقد روى حديثه من كتبا أكثرُ من ستين ممن صَحِبا فرفع اليدين بالدخول في الصلاة في تكبيرة الإحرام متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواه جمع، وقال بعض العلماء: فيه أكثر من خمسين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلها في رفع اليدين، حتى إن العلماء لما اختلفوا في رفع اليدين في الصلاة اتفقوا على أنه في تكبيرة الإحرام يرفع يديه. ثم هنا في رفع اليدين السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفعها حذو منكبيه، وقال به جمعٌ من العلماء رحمة الله عليهم، كما اختاره الشافعي وأحمد، وقال بعض العلماء: حذو الأذنين، والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم من سنته أنه كان يرفع حذو منكبيه، وأما ما ورد إلى حذو أذنيه فهذا يُحمل على وجهين: الوجه الأول: إما أن يحمل على أنه كان يفعل هذا تارة ويفعل هذا تارة ولا حرج، ويصير خلاف تنوع لا حرج فيه. والقاعدة تقول: إن خلاف التضاد لا يحكم فيه بالخلاف، فتقول: هذا نوع من الرفع، وهذا نوع من الرفع، والأكمل حذو منكبيه، والجائز والسنة التي لا حرج فيها أن يرفع إلى حيال أُذنيه. الوجه الثاني: وجه الجمع، قالوا: إنه رفع، فمن أراد الغاية التي بلغتها أصابعه فهما المنكبان، ومن أراد غاية ما وصل إليه في رفعه حتى يقابل أقلّ أصابعه بهما فهما الأذنان، فيكون هذا من باب الجمع، فيكون هذا عبر بالغاية وهذا عبر بالبداية، فبداية ما يكون من أصابعه حيال أذنيه، فكأنه اعتبر غاية اليد ولم يعتبر أولها، وهذا يكون من باب الجمع بين الروايتين. وأما بالنسبة لقوله: (كالسجود) فللعلماء فيه وجهان: منهم من يقول: يجعل اليدين كالرجل الذي يريد أن يمسك طرفا رأسه، فتكون بطون اليدين مقابلة لصفحتي الوجه. والوجه الثاني: أن يجعل بطون اليدين أو الراحتين إلى جهة القبلة، ولذلك عبر بقوله: (كالسجود) أي: كحال الإنسان في سجوده؛ لأنه لما قال لك: (رافعاً) التبس الأمر: هل يرفع وقد جعل البطون إلى القبلة، أو يرفع وقد جعل البطون إلى وجهه؟ فلذلك قال: (كالسجود). وأما بالنسبة للتفريج والضم للأصابع، فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم يفرج ولم يضم، فالسنة الاعتدال، واختار المصنف الضم، والسنة الاعتدال في هذا، ولا يتكلف في الأمر. وهناك ثلاثة أوجه في الابتداء بالرفع أو التكبير: الأول: أن تبتدئ التكبير وتقول: الله أكبر ثم ترفع يديك، وتخفض بعد إنزالهما، أو: تقدم الرفع على التكبير فترفع يديك ثم تقول: الله أكبر بعد أن تتم الرفع وتنزلهما، أو: تجمع بين الرفع والتكبير، وذلك لكون الإنسان يرفع يديه فيبتدئ التكبير عند رفعه، ثم لا ينتهي إلا وقد انتهى من تكبيره، فهذه كلها أوجه، وقد جاءت بها الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي حديث ابن عمر: (أنه رفع ثم كبر). وثم تقتضي الترتيب، قالوا: فيكون التكبير بعد الرفع. والوجه الثاني الذي هو وجه الجمع بينهما أو وجه المتابعة جاء في حديث وائل وغيره في رواية السنن، والأول صحيح من حديث ابن عمر. وأما كونه يكبر ثم يرفع فقد قال الحافظ ابن حجر: لا قائل به، أي: لا يعلم قائلاً يقول بالتكبير قبل الرفع. قال العلماء: الأفضل للإمام أنه ينتبه لأحوال الناس، فإن من الناس من يسمع الصوت ولا يرى الشخص، ومنهم من يرى الشخص ولا يسمع الصوت، فالشخص الذي هو في أقصى الصف -خاصةً في المواضع التي لا يكون فيها مكبر الصوت موجوداً- يرى شخص الإمام ولا يسمع صوته، فإذا رفع الإمام يديه ظن المأموم أنه دخل في حرمة الصلاة وكبر، فربما سبق المأموم الإمام بالتكبير في هذه الحالة، كما لو كان في آخر الصفوف ويرى شخص الإمام، كما هو الحال في الأرض المنحدرة حيث يرى شخص الإمام، أو يكون الإمام مرتفعاً قليلاً فيراه يرفع يديه، فيرفع المأموم يديه ويقول: الله أكبر، فيسبق تكبيره تكبير الإمام، خاصةً إذا لم يسمع الصوت، وقالوا: أيضاً من الناس من يسمع الصوت ولا يرى الشخص ككفيف البصر، أو من هو بمنأىً لا يستطيع أن يرى الإمام، فإنه يعتبر الصوت ويسمع صوته، كما في الصف الرابع والخامس في الصحراء ونحوها، فربما خفي عليه صوت الإمام، ولذلك الأفضل والأولى للإمام حتى لا يعرض صلاة الناس للبطلان بتقدم التكبير على الرفع أن يجمع بينهما، حتى لا يكون سبقٌ، ما دام أن السنة قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما.
لزوم إسماع الإمام من خلفه من المؤتمين
لزوم إسماع الإمام من خلفه من المؤتمين قال رحمه الله تعالى: [ويسمع الإمام من خلفه كقراءته في أولتي غير الظهرين]. قوله: [ويسمع الإمام من خلفه] أي: تكبيرة الإحرام، وذلك لأن تكبيرة الإحرام تنعقد الصلاة بها، وقال العلماء: إنه لو سبق المأموم الإمام في تكبيرة الإحرام، أو سبقه بالسلام بطلت صلاته خاصة على مذهب من يرى اتصال صلاة المأموم والإمام، كما درج عليه الحنابلة ومن وافقهم أنه لو سبق تكبير المأموم على الإمام بطلت صلاته ولم تنعقد له، ولذلك يقولون: إنه ينبغي عليه أن يتحرى، فإذا كان المأموم مطالباً بإيقاع تكبيره بعد تكبير الإمام فإنه ينبغي على الإمام أن يرفع صوته حتى ينبه الناس. وقد أجمعوا على أن المأموم لا يجوز له أن يسبق الإمام فيكبر قبل تكبير الإمام، واختلفوا: لو أن المأموم ساوى الإمام فكبّر مع تكبير الإمام، فهل هذا هو السنة، أم السنة أن ينتظر إلى أن يكبّر الإمام ويكبر بعده؟ فذهب جمهور العلماء إلى أن السنة أن يكبّر المأموم عقب تكبير الإمام، وذلك لحديث أنس رضي الله عنه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبروا)؛ لأن قوله: (فإذا كبّر) أي: فرغ من التكبير، (فكبروا) أي: أوقعوا تكبيركم بعد تكبيره، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبقوني إني قد بدنت)، فدل على أن المأموم كما أنه في الفعل لا يوقعه إلا بعد الإمام، كذلك أيضاً في القول لا يوقعه إلا بعد الإمام، ولقوله في الرواية الثانية: (ولا تكبروا حتى يكبر). فهذه الثلاثة الأحاديث اقتضت أن يقع تكبير المأموم بعد تكبير الإمام، ولذلك قال أصحاب هذا القول وهم الجمهور -المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية-: تحرم مسابقة الإمام وتكره موافقته؛ لأنها حالة بين الحلال والحرام، فبين الحلال كونك توقع التكبير بعده، وبين الحرام كونك تسبقه، ولذلك عبروا بالكراهة، كما نبهنا غير مرة أن مسلك بعض الأصوليين أن المكروه مرتبة بين الحلّ والحرمة. أما بالنسبة لفقهاء الحنفية فقالوا: السنة أن يوقع المأموم تكبيره مع تكبير الإمام، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا كبّر فكبروا) والفاء تقتضي العطف مع المقارنة، كما تقول: جاء محمد فعمر بمعنى أنهما كادا أن يكونا متصلين ببعضهما، قالوا: وهذا يدل على أن تكبير المأموم يكون مع تكبير الإمام، ولا شك أنه الحل المجازي؛ لأنهم قالوا: (إذا كبّر) بمعنى: شرع في التكبير، كما يقال: أنجد: إذا دخل نجداً، أي: بدايتها، وأتهم: إذا دخل تهامة وإن لم يكن قد بلغ آخرها، وهذا معروف في لغة العرب، قالوا: فقوله: (إذا كبّر) أي: ابتدأ التكبير، (فكبروا) أي: اصحبوه في تكبيره، فهذا وجه الحديث عندهم، ويلاحظ أن الكل يتمسك بالسنة. والحقيقة الذي يترجح ويقوى من جهة النصوص والنظر أن تكبير المأموم يقع بعد تكبير الإمام، وعلى هذه المسألة تفرّع قولهم في السلام، ولذلك تجد بعض من يميل إلى هذا القول يسلم مع تسليم الإمام، ولا شك أن هذا له وجهٌ من السنة بناءً على أنهم يرون أن العطف في هذه اللغة وفي هذا الوجه يقتضي المقارنة، وإن كنا قد قلنا: إن الصحيح أن يأتي بالتكبير والفعل بعده، لكن ما دام أن الإنسان يتأول وجهاً من السنة فلا إنكار، ولكن الصحيح والأقوى أن يوقع فعله بعد فعل الإمام. والجهر بالتكبير على حالتين: الحالة الأولى: المبالغة في الجهر فهذه مكروهة، وهي أن يبالغ في رفع صوته إلى درجة أن يزعج من وراءه من المصلين، فإن الصلاة خشوع وخضوع وسكينة، وينبغي للأئمة دائماً أن يتعاطوا مراتب الكمال وأنسب الأحوال، حتى يكون ذلك أقرب لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأشبه بالعبادة التي يتلبسون بها، ولذلك لا يبالغ بالتكبير بصوتٍ فيه مبالغة في الرفع؛ لما فيه من الأذية والإجحاف بالنفس، والسنة في الشرع في الذكر أن الإنسان لا يبالغ فيه برفع الصوت، كما قال تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء:110]، وقال تعالى: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} [لقمان:19]، فقالوا: تجتنب المبالغة في رفع الصوت، إلا ما ورد النص به كالتلبية، فترفع صوتك حتى تبالغ بها ولا حرج؛ لأن الصحابة كانوا إذا أحرموا لم يبلغوا الروحاء حتى تبح أصواتهم، وهذا لا شك أن ورود السنة به هو مقصود في العبادة، وقال عليه الصلاة والسلام: (الحج العج والثج) فهذا مخصوص، لكن بالنسبة للأذكار تبقى على الأصل من تحري السنة وعدم المبالغة في الرفع، فيرفع صوته على الحالة الثانية، وهي الرفع المعتبر الذي يسمع به من وراءه، وبناءً على ذلك فإذا حصل مقصود الشرع من الإعلام فإنه يقتصر عليه المكلف. ومن هنا كان من الخطأ ما يفعله بعض المصلين حينما يأتي والناس في المسجد، ويريد أن يصلي تحية المسجد، فتجده يكبر تكبيرة الإحرام بلفظ مزعج وملفتٍ للأنظار، ولربما يشوش على غيره، ويجعل الناس يلتفتون إليه من غرابة ما وقع منه، والصلاة -كما قلنا- فيها سكينة وخشوع، فينبغي للمصلي أن يبتعد عن أذية الناس بها. وقوله: [كقراءته في أولتي غير الظهرين]. المراد بالظهرين: الظهر والعصر، وهذا من باب التغليب، كالعمرين والقمرين، والمراد بهذا في قوله رحمه الله: [كقراءته] أن يجهر بالتكبير -أعني تكبيرة الإحرام- كما يجهر بقراءته في الأوليين من صلاة المغرب والعشاء، وكذلك الفجر، فالسنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بالقراءة في صلاتي الصبح والمغرب والعشاء، يجهر في الأوليين من العشاء وكذلك المغرب، وفي صلاة الفجر كلها، فالسنة أن يرفع صوته ويجهر. وهنا ينبه على أمرٍ ينساه كثير من الناس، أو يغفلون عن حكمه، وهو أن الإنسان ربما تفوته صلاة الفجر، أو تفوته ركعةٌ وراء الإمام فيقوم للقضاء، فلا تسمع من يرفع صوته بالقراءة، وهذا كثير بين الناس إلا من رحم الله، فبسبب الجهل تجدهم يقومون ولا تسمع أصوات القراءة، وهذا ينبغي التنبيه عليه، فصلاة الفجر كلها جهر، ولذلك ليس من السنة الإسرار في الجهري، ولا من السنة الجهر الكلي في السري، أما كونك في السر ترفع صوتك بالآية والآيتين فلا حرج، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما ملازمة الجهر في السري كله فهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر معاً.
أن يسمع المنفرد نفسه بالقراءة والتكبير
أن يسمع المنفرد نفسه بالقراءة والتكبير قال رحمه الله تعالى: [وغيرُه نفسه]. أي: يسمع غيرُ الإمام نفسَه القراءة، فإذا صليت لوحدك تسمع نفسك القراءة، أي: تجهر جهراً بحيث تَسمَعُ قراءتك، فهذا هو الحد، كأنه أراد أن يضع لك ضابطاً للجهر إذا كنت لوحدك أو منفرداً.
باب صفة الصلاة [2]
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [2] إذا قام المصلي إلى الصلاة فإنه يبدأ بتكبير الإحرام، ولها صفة معلومة، ثم يضع يمينه على شماله، وصفة الضم معلومة مفصلة، ولها حالات مذكورة في موضعها، ثم ينظر إلى موضع سجوده، ويقرأ دعاء الاستفتاح، وله ألفاظ عدة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتم صلاته على هذا النحو الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ما يفعله المصلي حال قيامه في الصلاة
ما يفعله المصلي حال قيامه في الصلاة
وضع اليمين على الشمال ومحلهما حال القيام في الصلاة
وضع اليمين على الشمال ومحلهما حال القيام في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته]. بعد أن يفرغ الإنسان من التكبير والرفع فالسنة له أن يجعل يمينه على شماله، وهذا ثبتت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وترجم له الأئمة والحفاظ في كتب الحديث. وقال بعض أهل العلم: بلغت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع اليمين على الشمال في الصلاة مبلغ التواتر، أي أنها متواترة بوضع اليمين على الشمال، وهذه هي السنة، وخالف في هذا بعض المالكية رحمة الله عليهم فقالوا: إنه يطلق يديه ويرسلهما إلا في النافلة، وقالوا: في النافلة لا بأس أن يقبض أما في الفريضة فلا، وهذه المسألة تعرف بمسألة الإرسال، وفيها لبسٌ ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا له، حتى يحصل منهم التوجيه لمن يرسل يديه في صلاته اعتماداً على القول في مذهب المالكية. ووجه ذلك أن الإمام مالكاً رحمه الله قال في موطئه: (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، فبوب رحمه الله لوضع اليمين على الشمال في الصلاة، وكان عبد الرحمن بن القاسم العتقي من أصحاب مالك المصريين رحمة الله عليهم أجمعين، فسافر إلى مالك، وقرأ عليه الموطأ، وحمل عنه مذهبهم وعلمه، ثم رجع إلى مصر، وتوفي مالك، فقدم أسد بن الفرات من المغرب لأجل أن يسأل عبد الرحمن بن القاسم، وكانت نيته حينما سافر من المغرب أن يلقى الإمام مالكاً، وأن يتتلمذ عليه، فلما وصل إلى مصر توفي الإمام مالك، فلما أخبر بوفاته سأل: مَنْ مِنَ أصحابه أخذ علمه؟ فقالوا: عبد الرحمن بن القاسم، فلزم عبد الرحمن وقال له: إني سائلك عن مسائل، فما كان فيها من قول مالك فأفتني به بقوله، وما كان لا قول له فيه فأخبرني بالأشبه، أو اذكر أشبه الأقوال بقوله، وذلك لأن عبد الرحمن بلغ مبلغ الاجتهاد في قول مالك رحمه الله؛ لأنه أخذ عنه الفقه وتتلمذ عليه، فسأله عن مسائل، ثم ارتحل أسد إلى المغرب، فجاء رجل يقال له: سحنون واسمه عبد السلام فسأل أسد بن الفرات أن يعطيه المدونة من أجل أن يأخذها ويدون ما فيها من المسائل والعلم، فامتنع أسد من إعطائها له، فضن بها عليه، فقال له: هذا علم، ولا يجوز لك أن تحفظه، فاشتكاه إلى القاضي، فأمر القاضي بها لـ أسد؛ لأن أسداً قال: الكتابُ كتابي والقلم قلمي والمداد مدادي وسحنون يقول: إنه علم ولا يحل كتمه، فحكم القاضي أنها لـ أسد، وله أن يعطيها من شاء ويمنعها من شاء، فارتحل سحنون إلى عبد الرحمن بن القاسم وأخبره بالقصة، فغضب عبد الرحمن، وسأله سحنون عن المسائل، وهي الموجودة الآن في كتابه (المدونة)، وفيها مسائل لـ عبد السلام الذي يسمى سُحنون وكان مما سأل عبد الرحمن أنه سأله عن القبض، فقال عبد الرحمن بن القاسم: سألت مالكاً عن القبض فقال: لا أعرفه، ولا بأس به في النفل وأكرهه في الفرض. فهذه العبارة قالوا: المراد بها وضع اليمين على الشمال وأنه لا بأس به في النفل ويُكره في الفرض. والواقع أن هذه العبارة ليس لها علاقة بوضع اليمين على الشمال؛ لأن هناك شيئاً يسمى وضع اليمين على الشمال، وشيئاً يسمى القبض، وهو الزائد عن الوضع، فالإمام مالك رحمه الله روى الحديث في موطئه، ولا يمكن أن يقول قائل: إن مالكاً يقول: لا أعرفه. فهو قد رواه في موطئه، وهذا لا يمكن أن يكون بحال، والمراد بهذا القبض الأخذ؛ لأن بعض السلف يقول: إنما السنة أن تضع اليمين على الشمال وأما القبض فهذا فيه نوع من الراحة، ولذلك عندما تنظر إلى العبارة الواردة المدونة فسياقها في الاعتماد، والاعتماد في النافلة جائز، ولكنه في الفريضة مكروهٌ وممنوع، وقد يعبر بالكراهة ويراد بها المنع، فلذلك قال: لا بأس به في النفل وأكرهه في الفرض. فلو صليت في التهجد أو أطلت في قيام ليلك، فحينما تتهجد دون أن تقبض تتعب، فبمجرد ما تمضي عليك ربع ساعة وأنت واضع يدك اليمنى على الشمال تجد التعب والعناء، لكن حينما تقبض ترتاح، فأصبح فيه نوع اعتماد، فهذا من دقة مالك رحمه الله في تحري السنة، فليست العبارة لها علاقة بوضع اليمين على الشمال البتة؛ هل يمكن أن يقول في موطئه: (باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة)، ثم يقول: لا أعرفه؟! وفي هذا الوضع أكثر من أربعين حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه وضع وأمر بالوضع، حتى قال: (أُمرنا معاشر الأنبياء أن نأخذ بأيماننا على شمائلنا في الصلاة). فالسنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وأما بالنسبة للقبض فأخذوه من قوله: (أن نأخذ)، والأخذ فيه زيادة معنى، فإنك لا تأخذ الشيء إلا إذا استحكمت يدك به، فلما قال: (أن نأخذ بأيماننا على شمائلنا) دلّ على هذه الزيادة، والإمام مالك لم يرو هذا الحديث، واقتصر على الأحاديث التي فيها وضع اليمين على الشمال، فكان من فقهه تسويغ ذلك في النافلة دون الفريضة. وإنما أحببنا التنبيه على هذا حتى لا ينسب إلى الإمام مالك رحمة الله عليه، ويكون طالب العلم على بينة إذا اعترض عليه معترض فقال: هذا قول الإمام مالك، فليقل له: إن الإمام مالكاً رحمه الله ذكر هذا في المدونة، وقال: باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وقد قال رحمه الله: (إذا وجدتم قولي يخالف قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط وخذوا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وقال: (كلٌ يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر -وأشار إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم-) فكلٌ يؤخذ من قوله ويرد، ولو صح عنه فالحجة في السنة، ونقول: لو كان الإمام مالك لا يرى القبض لعدم ورود الحديث عنده، فإنه يعتذر له بعدم العلم به، ويبقى سنة لورود الخبر من طريق غيره، ولذلك فالسنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة، وهذا الوضع -كما قلنا- ثبتت به الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قبض كوع اليسرى تحت سرته
قبض كوع اليسرى تحت سرته يقول المصنف رحمه الله بعد أن ذكر الوضع: [ثم يقبض كوع يسراه تحت سرته]. هذا وجه في محلهما، وفيه أثر عن علي رضي الله عنه -وهو غير صحيح- في وضع اليدين تحت السرة، وهو مذهب الحنفية أيضاً. والصحيح أن السنة وضعهما على الصدر، وثبتت به الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يبالغ في رفعها في الصدر حتى يصل إلى الرقبة؛ لأن هذا ليس بالسنة، وإنما السنة أن تكونا على الصدر، وذلك على القصد دون تكلف، وإذا وضعها قال بعض العلماء: يقبض يمينه على شماله جهة قلبه؛ لأنه أشرف الأماكن ولا وجه لهذا التخصيص، والسنة مطلقة، فإن الإنسان يضع يمناه على يسراه على صدره كما ورد في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا هو السنة والذي يستحب للإنسان أن يتحراه، وإن وضع الكف على الكف فقد ثبت وضع يمينه على شماله على ظاهر الحديث، وإن وضعها على الرسغ -وهو المفصل الذي يكون بين الكف والساعد- فحينئذٍ لا حرج، وإن وضعها على الساعد فلا حرج، والناس يختلفون على حسب اختلاف الأماكن ضيقاً واتساعاً، وإن أراد الإنسان أن يفعل هذا مرةً ويفعل هذا مرةً ويفعل هذا مرةً فكل ذلك سائغ، وكلٌ على خير وسنة، ولا حرج على الإنسان في فعله. لكن الأخذ بالمرفق يعتبر من المخالف للسنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه وضع أو ألقم كفه الأيمن مرفقه الأيسر، فهذا ليس من السنة في شيء، وهكذا لو عكس. والسنة في وضع اليدين أن تكون اليمنى هي العليا واليسرى أسفل، وليس من السنة وضع اليسرى على اليمنى، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما رأى الرجل وضع يسراه على يمناه نزع، فجعل يمناه على يسراه)، وهذا تشريف وتكريم، ويدل على فضل اليمين على اليسار. وقد أخذت منه فائدة، وهي خلاف العلماء رحمهم الله: هل الأفضل في الميت إذا كفن في ثلاثة أثواب أن يكون أحسنها جمالاً مما يلي الميت، أو الأفضل أن يكون من خارج لمنظر الناس؟ فالذين يقولون يكون من الخارج قالوا: الأفضل يكون الأعلى، ولذلك لما أريد تشريف اليمنى جعلت هي الأعلى، مع أن اليسرى وليت البدن، وكذلك الأفضل في الكفن أن تكون العليا هي الحسنة، إضافةً إلى أنه جمالٌ له أمام الناس، وأبلغ في زينته لكفنه، وأجمل له في حاله، فهذه من المسائل التي خرجت على ما ذكرنا؛ لأنه لما جعل عليه الصلاة والسلام اليمنى على اليسرى دل على أن الأعلى أشرف وأفضل وإن كان الأدنى والياً للبدن أو مباشراً.
نظر المصلي إلى مكان سجوده
نظر المصلي إلى مكان سجوده قال رحمه الله تعالى: [وينظر مسجده]. السنة للإنسان إذا صلى أن يرمي ببصره إلى مكان سجوده، والمسجد: مكان السجود، على وزن (مَفْعِل)، والمراد به موضع سجوده، وذلك لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رمى ببصره إلى موضع سجوده)، وكان إذا تشهد رمى ببصره إلى إصبعه وهو يشير بها صلوات الله وسلامه عليه لا يجاوزها، فقال: السنة في القيام الرمي بالبصر إلى موضع السجود. أما إذا ركع فقال بعضهم: يرمي ببصره إلى رؤوس قدميه؛ لأنه أبلغ في الذلة وقال بعضهم: إلى موضع السجود. والأولى: الكف في هذا حتى يثبت الخبر، ويترك الناس على سعة ولا يحدد لهم شيءٌ معين؛ لأنه لا تحديد من الشرع. فالسنة أنه إذا قام يرمي ببصره إلى موضع سجوده، لكن لو رمى ببصره إلى أمامه، إلا أن يكون في اضطرار كالخوف في صلاة الخوف، فلا بد أن يرمي ببصره أمامه، فالله عز وجل حينما قسّم طوائف المؤمنين في القتال في صلاة الخوف إنما شرع أن تكون الطائفة الثانية قائمة وراء الطائفة الأولى عندما تسجد من أجل مراقبة العدو، ففي هذه الحالة لا يكون من السنة الرمي بالبصر إلى السجود، وهذا من باب تقديم مصلحة فوات الأنفس على الخشوع المتعلق بالصلاة، فهذه من صورها ومن أمثلتها، وقد ثبت في حديث عباد بن بشر أنه لما صلى رمى ببصره إلى الشعب يحرسه بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، لكن اختلف العلماء: هل الأفضل أن يرمي المصلي إلى موضع سجوده أو ينظر أمامه؟ قال بعض العلماء: الأفضل أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، لما ذكرناه وقال بعضهم: الأفضل أن يرمي ببصره قِبَل وجهه، وذلك لقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144] قالوا: فهذا يدل على أن وجهه يكون إلى جهة القبلة، وأنه لا يرمي ببصره أكثر. وأكدوا هذا بما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم -وهو في الصحيح- أنه قال: (أميطي عنا قِرامَك، فإنه ما زالت تصاويره تُعرض عليَّ آنفاً حتى ألهتني عن صلاتي) قالوا: هذا يدل على أن القرام كان ستراً ولا يمكن أن يراه عليه الصلاة والسلام إلا إذا رفع بصره، فدل على أنه كان يرفع بصره. والذي يظهر والله أعلم أن السنة أن يرمي ببصره إلى موضع السجود، وأنه لا حرج أن يرفع بصره أحياناً؛ لأنه قد يدفع إنساناً ماراً أمامه، وقد يحتاج إلى شيءٍ من هذا القبيل، أما السنة فرمي البصر إلى موضع السجود.
ذكر دعاء الاستفتاح
ذكر دعاء الاستفتاح قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك]. هذا دعاء الاستفتاح يقوله بعد أن يفرغ من التكبير، فيضع يمناه على يسراه ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) ودعاء الاستفتاح مشروع، وهو قول الجماهير، خلافاً للإمام مالك رحمةُ الله عليه الذي لا يراه، والصحيح أنه سنة، وقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم بدعاء الاستفتاح أكثر من حديث. منها حديث أبي هريرة في الصحيح، وحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في السنن، وكذلك أيضاً حديث قيام الليل في افتتاحه عليه الصلاة والسلام، وكذلك حديث علي رضي الله عنه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وكلها أحاديث صحيحة في دعاء الاستفتاح، فالسنة مشروعية دعاء الاستفتاح. فبعد أن ذكر المصنف رحمه الله وضع اليمين على الشمال في الصلاة قال: (ثم يقول)، وذكر دعاء الاستفتاح، وقلنا: إنه مشروع على مذهب جمهور العلماء لثبوت الأحاديث الصحيحة به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال له أبو هريرة: (أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي) الحديث، فدل هذا على مشروعية دعاء الاستفتاح، والاستفتاح يأتي على ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يشتمل على التمجيد المحض. الصورة الثانية: أن يشتمل على الدعاء المحض. الصورة الثالثة: أن يجمع بين التمجيد والدعاء. فاستفتاح النبي صلى الله عليه وسلم لصلاته الذي أقره وفعله عليه الصلاة والسلام أتى على هذه الثلاثة الأحوال، تارةً يعظم الله ويمجده ويسبحه ويقدسه، ومن ذلك ما ذكره المصنف من حديث عائشة رضي الله عنها في السنن: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، واستفتح به عمر رضي الله عنه، وجهر به ليعلم الناس، ومن الاستفتاح بالتعظيم ما أقره عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث الصحيح: (أن رجلاً دخل في الصلاة وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، فلما سلّم عليه الصلاة والسلام، قال: من الذي قال كذا وكذا آنفاً؟ قال: أنا يا رسول الله. قال: والذي نفسي بيده لقد رأيتُ اثنى عشر ملكاً يبتدرونها إلى السماء)، فتأمل هذه الألفاظ: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، فكل كلمة يحملها ملك، وإذا نظرت إلى عددها وجدتها اثنتي عشرة كلمة، ولما قال رجل بعد التسمية: (ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، قال صلى الله عليه وسلم: رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها)، فإذا عددت حروفها وجدتها بضعاً وثلاثين، فهذا من المناسبات كما يقولون، وهو يدل على فضل ذكر الله عز وجل، وهذا من الألفاظ الواردة في الشريعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ الصحابي على هذا الذكر المخصوص، وقد ثبت في الحديث أنك إذا قلت: الحمد لله تملأ الميزان، وإذا قلت: سبحان الله والحمد لله ملأت ما بين السماء والأرض، فمن أنواع الذكر أن تستفتح بتمجيد الله عز وجل، أو أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك). أو تقول: (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً)، أو يكون دعاءً محضاً كما في حديث أبي هريرة: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي)، فهذا دعاء محض. أو أن تجمع، وقد جمع عليه الصلاة والسلام بين الدعاء والثناء، وذلك في حديث علي الثابت في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام فيه باستفتاحه: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلكَ أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت وأنا عبدك، ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، واعترفت بذنوبي، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير بيديك، اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها)، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين التمجيد وبين الدعاء، وهو النوع الثالث من الاستفتاحات، وكلٌ على سنة. قال العلماء: إن كان الوقت طويلاً كقيام الليل، وتريد أن تكسب فضل الذكر والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم تقول هذه الدعاء الطويل، وكذلك صلاة الظهر تحتاج إلى الإطالة حتى تصيب السنة في إطالة الأوليين، فتقول الدعاء الطويل في الاستفتاح، وإن كان الوقت ضيقاً ولا يسع فلك أن تقول: (سبحانك اللهم وبحمدك)، أو الدعاء المحض، أو (الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً)، ونحوها مما يشتمل على التمجيد.
بعض مسائل دعاء الاستفتاح
بعض مسائل دعاء الاستفتاح
تفاوت أدعية الاستفتاح في الفضل
تفاوت أدعية الاستفتاح في الفضل يقول المؤلف عليه رحمة الله: [ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك]. تقدم معنا أن هذا الدعاء يسميه العلماء رحمهم الله دعاء الاستفتاح، والمراد بذلك أنه تستفتح به الصلاة، وفاتحة الشيء: ما يكون في أوله، وقد يسمى بدعاء الثناء. وتقدم معنا أن استفتاح النبي صلى الله عليه وسلم الذي ورد من هديه القولي والتقريري منه ما هو دعاء محض، ومنه ما هو ثناءٌ محض، ومنه ما هو مشتملٌ على الدعاء والثناء، فكان صلى الله عليه سلم يستفتح صلاته بالثناء على الله عز وجل، ويستفتح صلاته بالدعاء وسؤال الله، ويستفتح صلاته جامعاً بين الثناء والدعاء. وقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، من قوله وإقراره عليه الصلاة والسلام. وأما المفاضلة بين هذه الاستفتاحات من عدمها فقد ذهب بعض العلماء رحمهم الله إلى تفضيل الثناء على الدعاء، وقال: الاستفتاح بالثناء على الله عز وجل أفضل من الاستفتاح بالدعاء، وذلك لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم استفتح صلاته بهذا الثناء فقال: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، فأثنى على الله عز وجل، وثبت في الحديث أيضاً: (أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، قال: والذي نفسي بيده لقد فتحت لها أبواب السماء، وقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يصعد بها)، فهذا يدل على فضل الثناء على الله عز وجل في دعاء الاستفتاح. وذهب بعض العلماء إلى تفضيل الدعاء، وأخذ بحديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)، وهو حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، قالوا: فالأفضل للمكلف أن يفتتح صلاته بالدعاء والمسألة. وقال بعض العلماء: الأفضل حديث علي: (وجهْتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، وقالوا: لأنه يجمع بين الدعاء والثناء. والذي يظهر والله أعلم أن حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قول أبي هريرة للنبي صلى الله عليه وسلم: (أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول بأبي أنت وأمي يا رسول الله؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي) هو هديه الذي فعله عليه الصلاة والسلام واختاره الله له. وأما حديث: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك) فهو نوعٌ من أنواع الثناء على الله عز وجل لا يخالف ما ورد عن أبي هريرة فإنه قد روته أم المؤمنين عائشة، والأشبه بـ عائشة رضي الله عنها أن تعلم صلاته بالنوافل، وأما بالنسبة لـ أبي هريرة فقد صرح أنه يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، أو اطلع على سكوته بين التكبير والقراءة، وهذا إنما يكون في الصلاة المفروضة، فيجمع بين هاتين، فيقال: الدعاء أفضل لفضل الفريضة، ثم التمجيد والثناء وما ورد في الأحاديث الأُخر فيكون في النوافل، جمعاً بين هذه النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
مشروعية دعاء الاستفتاح في الصلاة
مشروعية دعاء الاستفتاح في الصلاة دلت الأحاديث الصحيحة، كحديث أم المؤمنين عائشة، وحديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وغيرها من الأحاديث التي اشتملت على دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في الاستفتاح على أن دعاء الاستفتاح من الأمور المسنونة والمشروعة في الصلاة، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: فذهب جمهور العلماء إلى أن دعاء الاستفتاح سنة، كما هو مذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والظاهرية رحمة الله على الجميع، وذلك لثبوت الأحاديث والأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استفتح صلاته الفريضة والنافلة. وذهب الإمام مالك رحمه الله في المشهور عنه إلى أن دعاء الاستفتاح لا يشرع، وجاءت عنه رواية إلى أنه يشرع في النافلة دون الفريضة، والسبب الذي جعل المالكية يقولون بعدم مشروعية دعاء الاستفتاح أدلة: منها: حديث أنس في الصحيح أنه قال: (صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان كلهم كانوا يستفتحون القراءة بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]) قالوا: فلم يذكر أنهم استفتحوا بدعاء الاستفتاح. وقالوا أيضاً: إنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه علم المسيء صلاته وقال له: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قالوا: فلم يذكر صلوات الله وسلامه عليه دعاءً بين التكبير والقراءة. والذي يترجح والعلم عند الله القول بمشروعية دعاء الاستفتاح، وذلك لثبوت الأحاديث الصحيحة فيه. وأما الاستدلال بحديث أنس رضي الله عنه فإنه محله القراءة، أي: أنهم كانوا يستفتحون قراءتهم بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، ولا يستفتحونها بسورةٍ أخرى، فهو يتكلم عن الابتداء بالقراءة، ونحن نتكلم عن ابتداء الصلاة، وفرقٌ بين الابتداء العام وهو ابتداء الصلاة، وبين الابتداء الخاص وهو ابتداء القراءة، ولذلك لا معارضة بين حديث أنس وبين حديث الاستفتاح. ثم إننا نقول: لو أن أنساً قال: لم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح لكان حديث أبي هريرة حجةً عليه؛ لأن القاعدة أن من حفظ حجةً على من لم يحفظ، فكيف وحديث أنس لم يصرح بنفي دعاء الاستفتاح؟! فلذلك يقوى اعتبار الأحاديث التي دلت على مشروعية دعاء الاستفتاح.
دعاء الاستفتاح مشروع في كل صلاة
دعاء الاستفتاح مشروع في كل صلاة ظاهر النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن دعاء الاستفتاح مشروعٌ في الصلوات كلها، نافلةً كانت أو فريضة، والمالكية يفرقون بين النفل والفرض كما قدمنا، والصحيح أنه سنةٌ مطلقة. واختلف في صلاة الجنائز: هل يستفتح المصلي إذا صلى صلاة الجنازة؟ فللعلماء في هذه المسألة قولان مشهوران: القول الأول: صلاة الجنازة لا يشرع لها دعاء الاستفتاح، وإنما تكبر وتبتدئ بقراءة الفاتحة، وذلك لثبوت السنة من حديث أبي أمامة، وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عن الجميع في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام على الجنائز، فذكرا أنه استفتح بالفاتحة، وأنه لم يقرأ غير الفاتحة، ولم يفصل بين الفاتحة والتكبير بدعاء. القول الثاني: يُسنّ أن يقرأ دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة في التكبيرة الأولى، وهذا هو مذهب الحنفية رحمة الله عليهم، وأخذوا بعموم الأحاديث. والذي جعل الحنفية رحمة الله عليهم يذهبون إلى هذا هو أنهم لا يرون في الصلاة على الجنائز قراءة الفاتحة، وإنما يرون أنها دعاء، ولذلك قالوا بمشروعية هذا الدعاء؛ لأنه داخل في جنس ما قرروه من أن صلاة الجنازة تقوم على الدعاء والشفاعة للميت. والذي يترجح والعلم عند الله القول بعدم مشروعية دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة؛ لأن العموم الوارد هنا مخصص هناك، فإن حديثي ابن عباس وأبي أمامة في السنن رضي الله عن الجميع يدلان دلالة واضحةً على أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاقتصار على الفاتحة في التكبيرة الأولى.
موضع دعاء الاستفتاح
موضع دعاء الاستفتاح دعاء الاستفتاح يقع بين تكبيرة الإحرام والقراءة، سواءٌ أكان في فريضة أم نافلة. وهنا Q فلو أن إنساناً صلى صلاة العيد، فهل يستفتح بين التكبيرة الأولى والتكبيرة الثانية، أو يستفتح عقيب التكبيرات؟ و A مذهب الجماهير أنه يستفتح عقيب التكبيرات، وذلك لأن الفصل بين تكبيرة الإحرام وبين دعاء الاستفتاح بعد الانتهاء من التكبيرات إنما هو فصل بشيء من جنس التكبير، ولذلك لا يؤثر، وبناءً على هذا يشرع أن يستفتح بعد التكبيرة الأخيرة من تكبيرات العيدين في الركعة الأولى من الصلاة.
نسيان دعاء الاستفتاح وسجود السهو له
نسيان دعاء الاستفتاح وسجود السهو له للعلماء في نسيان دعاء الاستفتاح وسجود السهو له وجهان: أصحهما أن دعاء الاستفتاح سنة وليس بواجب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علَّم المسيء صلاته الأركان والواجبات، ولم يرد في دعاء الاستفتاح دليل يأمر به ويلزم به، فبقي على السنة والتخيير، ويؤكد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالاستفتاح، ولم يطلع عليه أبو هريرة إلا بعد أن قال له: (أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة)، فلو كان دعاء الاستفتاح واجباً لبينه صلوات الله وسلامه عليه، ولما جعل الصحابة ينتظرون أن يعلمهم بعد سؤالهم. وهنا مسألةٌ وهي: لو أن إنساناً نسي دعاء الاستفتاح فكبّر تكبيرة الإحرام في فريضةٍ أو نافلة، ثم شرع بالاستعاذة، خاصة في الصلوات السرية، وتذكّر قبل أن يبدأ بالبسملة والسورة، فهل يرجع أو لا؟ فيه وجهان للعلماء: أقواهما أنك إذا شرعت في الاستعاذة أو البسملة أو الفاتحة لا ترجع للفوات، فإن محل دعاء الاستفتاح ما بين التكبير والاستعاذة، وبناءً على ذلك إذا فات فإنه يشرع في الاستعاذة، ويسقط الاستفتاح.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الجمع بين أدعية الاستفتاح في موضع واحد
حكم الجمع بين أدعية الاستفتاح في موضع واحد Q هل يجوز جمع روايات دعاء الاستفتاح في الصلاة، أم يقتصر على رواية واحدة؟ A الذي اختاره جمعٌ من المحققين أنه ينوع، فيدعو بهذا تارةً ويدعو بهذا تارة؛ لأن الخلاف هنا خلاف تنوع وليس بخلاف تضاد، وبناءً على ذلك ينوع، فيصلي بهذا تارة ويصلي بهذا تارة؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما لو جمع الجميع في موضع واحد فللعلماء وجهان: الوجه الأول: اختار الإمام النووي رحمه الله أنه لا حرج في الجمع بين هذه الأدعية. والوجه الثاني: اختار شيخ الإسلام وغيره: أن الجمع بينهما لم يرد، فلذلك يقتصر على الوارد. والأولى والأحوط أن الإنسان يقتصر على الوارد، فيصلي بهذا تارة وبهذا تارة، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وتعالى جدك)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وتعالى جدك) Q ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وتعالى جدّك) في دعاء الاستفتاح؟ A ( تعالى) من العلوّ، فلذلك وصف الله سبحانه وتعالى بالعلو، وقد ثبتت صفة العلو لله سبحانه وتعالى، وهي على مذهب أهل السنة والجماعة تدل على ثبوت الفوقية لله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل:50]. ولذلك لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم الجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء)، فهذا إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى، على خلاف من قال بعدم ثبوتها، وقال: إن العلو ليس لله سبحانه وتعالى، بمعنى أنك لا تقول: إن الله في العلو كما ثبتت به النصوص الواردة في الكتاب والسنة، ولذلك يقول: من أثبت الجهة كان مبتدعاً، وهذا قولٌ مردود. فمذهب أهل السنة والجماعة إثبات العلو لله عز وجل على ما يليق بجلاله وكماله. فالنصوص ثبتت بوصف الله عز وجل بكونه أعلى، كما قال عليه الصلاة والسلام: (سبحان ربي الأعلى) في سجوده، وقال تعالى في كتابه: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، فأثبت العلو لنفسه، ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء)، فدل هذا على ثبوتها. وقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الدعاء كما جاء في السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أحب الكلام إلى الله: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك).
حكم إشراك نية الدنيا مع نية الآخرة
حكم إشراك نية الدنيا مع نية الآخرة Q هل يشترط في الخروج إلى المساجد أن يستحضر النية في رفع الدرجات وحط الذنوب والسيئات بالخطا، أم أنها تقع بمجرد المشي؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإذا خرج الإنسان من بيته ونيته المسجد فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن تكون نيته الصلاة والتقرب إلى الله عز وجل، وليس في قلبه أن يلقى أحداً أو أي شيء من عرض الدنيا، لا يريد إلا أن يذهب لأجل أن يصلي ويطيع الله عز وجل، فهذا بأعلى المراتب وأشرفها عند الله عز وجل، ونيته نية آخرة، فإذا نوى هذه النية كتب الله له أجره، ورفع درجاته، وحط خطيئاته، فتكفي هذه النية، وهي أن تخرج للصلاة ولا يخرجك إلا إجابة داعي الله عز وجل، وهذا هو الذي يحصل به قدر الفضل. الحالة الثانية: أن يخرج ونيته الدنيا والعياذ بالله، كرجل لولا أن هناك حاجة من حوائج الدنيا ما خرج، أو يخرج رياءً أو سمعة، فهذا -والعياذ بالله- خروجه عليه لا له. الحالة الثالثة: أن يُشَرّك بين النيتين، فتكون نيته الصلاة والدنيا، يقول: أخرج إلى الصلاة وألقى فلاناً فأكلمه على البيت وعلى الحاجة، أو أكلمه على دَين، أو أكلمه على أمرٍ من الأمور. وإن كانت نيته المشتركة نية طاعة وعبادة فلا إشكال، كأن يقول: أخرج إلى المسجد من أجل الصلاة ومن أجل تعليم العلم، فهذا أفضل من الذي قبله من جهة أنه جمع بين فضل الصلاة بالخطا وفضل تعليم الناس، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من عمد إلى مسجده ليتعلم أو يعلم الناس كان كأجر المجاهد في سبيل الله)، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من خصوصيات مسجده عليه الصلاة والسلام. أما إذا كانت النية المشرَّكة لحاجة من حوائج الدنيا كأن يقول: أُصلي وأكلم فلاناً، أو: أصلي وأوصي فلاناً على أمر من أمور الدنيا، فحينئذٍ إن كانت نية الآخرة هي الأصل ونية الدنيا تبع بحيث لو لم توجد نية الدنيا لخرج لا يؤثر هذا التشريك؛ لقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة:198]، فإنها نزلت فيمن يريد الحج والتجارة، فلما كانت التجارة تبعاً لم تؤثر، وقال تعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال:7]، فكانوا يتمنون العير وقد خرجوا إلى غزوة بدر، فجعل الله لهم فضل الجهاد مع أنهم كانوا يتمنون العير وهي دنيا، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (من قتل قتيلاً فله سلبه)، فهذا دنيا لكنه تبع وليس بغاية. فمن خرج إلى المسجد بهذا النوع الثالث وهو يريد الدنيا، والنية لها تبع وليست بأصل، بحيث لو امتنعت نية الدنيا لخرج، فهذا لا يؤثر، ويعتبر من التشريك المغتفر على مذهب المحققين من العلماء، كما ارتضاه الإمام الطبري رحمه الله، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من علماء الإسلام، فإذا كانت نيتك الصلاة أساساً ونية الدنيا تبعاً فلا حرج عليك في ذلك، وأنت مأجورٌ إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
الجمع بين أفضلية الجماعة على الانفراد بسبع وعشرين وخمس وعشرين درجة
الجمع بين أفضلية الجماعة على الانفراد بسبع وعشرين وخمس وعشرين درجة Q ورد في حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة)، وفي حديث آخر: (بخمس وعشرين)، فكيف نجمع بين الحديثين؟ A هذه المسألة فيها خلاف، قال بعض العلماء: سبع وعشرون وخمس وعشرون لا تعارض بينهما، فالسبع والعشرون لمن بكّر إلى المسجد، وحصّل الصلاة من أولها، والخمس والعشرون لمن تأخر فجاء في آخر الصلاة، كأن يدرك التشهد، فمن أدرك الإمام قبل أن يسلم فقد أدرك الخمس والعشرين، وهذا القول له وجهٌ من حديث أبي هريرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وذلك أنه إذا توضأ فأصبغ الوضوء ثم مشى إلى المسجد أو خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوةً) الحديث، وقد قال في صدر الحديث: (تضعف على صلاة الفذ بخمسٍ وعشرين ضعفاً) فجعل الفضل من جهة الخروج، فمن أدرك آخر الصلاة أدرك الخمس والعشرين، والسبع والعشرين لمن أدرك أولها، فلا تعارض بين الحديثين لانفكاك الجهة. وقال بعضهم: السبع والعشرون درجة للصلاة مع الجماعة إذا كانت جهرية، والخمس والعشرون درجة إذا كانت سرية؛ لأن الجهرية فيها قراءة واستماع وتأثر بالقرآن. وقيل: السبع والعشرون درجة لمن سمع القراءة وتأثر بها، والخمس والعشرون لمن سمع وغفل عن التأثر بها. وقيل: إن السبع والعشرين درجة تكون لمن مشى إلى المسجد، والخمس والعشرين لمن ركب. وقيل: إن السبع والعشرين درجة تكون لمن تأثر وخشع وكانت الصلاة مؤثرةً فيه، والخمس والعشرين لمن كان على قدر الإجزاء، فيكون له حظ السعي والتعب والمشي. وهناك أوجه أخرى ذكرها العلماء رحمهم الله، من ذلك أن سبعاً وعشرين درجة للجماعة الكثيرة، وخمساً وعشرين درجة للجماعة القليلة، إلى غير ذلك مما ذكروه. ولكن الحقيقة أن القول الذي يقول: إن الخمس والعشرين للمشي، والسبع والعشرين لكمال الصلاة من القوة بمكان، وهناك وجه يرفع التعارض بالكلية، فيقول: عندنا حديث يقول: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة)، وهذا من حديث ابن عمر في الصحيح، وحديث أبي هريرة: (صلاة الرجل في مسجده تضعف على صلاته في بيته خمساً وعشرين ضعفاً)، فجعل الفضل هنا بالضعف، والفضل هناك بالدرجات، والقاعدة في الأصول أنه لا يُحكم بالتعارض إلا إذا استويا محلاً، وهنا لم يستويا؛ لأن الموصوف بالدرجة ليس كالموصوف بالمضاعفة، وهذا مذهب من يقول بانفكاك جهة التعارض. وعلى العموم صل مع الجماعة وأدرك فضلها وأنت على خير، فالأفضل للإنسان أن يدرك الصلاة على أكمل وجوهها، حتى يحصل الفضل على أتم وجوهه، كتبكير إلى الصلاة، والخشوع والتأثر بالقرآن، فهذا أكمل ما يكون من الحظ في السبع والعشرين درجة، وهو أعلى مرتبة من صاحب الخمس والعشرين درجة، ولذلك ينبغي للمسلم أن يحرص دائماً في مسائل الفضل على تحصيل الفضل، وما دام أن الإنسان يرجو الخير والفضل ويسعى إلى الكمال فهو على خير، ثم العلم عند الله في حقيقة هذه الأمور، وهو الذي يفصل بين عباده وهو خير الفاصلين. والله تعالى أعلم.
حكم الائتمام بمسبوق من الجماعة الأولى
حكم الائتمام بمسبوق من الجماعة الأولى Q يحدث كثيراً أن بعض المصلين يفوتهم شيء من الصلاة، فإذا قاموا ليقضوا ما فاتهم جاء رجلٌ من خارج المسجد وائتم بأحد هؤلاء، فهل يصح ذلك؟ A هذه المسألة فيها تفصيل، فإذا صليت مع الجماعة وأدركت الجماعة فلا تخلو من حالتين: فإن أدركت ركعةً فأكثر فقول جماهير العلماء أنه لا يصح الاقتداء بك؛ لأنك مأموم ولست بإمامٍ، ولا يصح للمأموم حُكماً وفضلاً أن يصير إماماً، ولا يعرف في الشرع هذا إلا في مسائل الاضطرار كالاستخلاف. وقال بعض العلماء -وهو وجهٌ ضعيف عند الشافعية-: يجوز أن يصلي المأموم الذي أدرك الإمام بجماعةٍ ثانية، واستدلوا على هذا بوجود صلاة الخوف في الاستخلاف، ولكن هذا المذهب ضعيف، وبيّن العلماء رحمهم الله أنه قولٌ ضعيف ولا يقوى دليله. والصحيح أن من أدرك ركعةً فأكثر أنه مأموم وليس بإمام، ولا يحمل عن مأمومه الصلاة وهو منها في حلّ، ولذلك لا يكون المأموم إماماً. أما بالنسبة للحالة الثانية فهي أن لا تدرك ركعةً مع الإمام، كأن تدرك الإمام وقد رفع من الركوع الأخير، سواءٌ أدركته بين الرفع وبين السجود، أم أدركته في السجدة قبل الأخيرة، أو السجدة الأخيرة، أو في التشهد، فإذا أدركته في هذه الحالة جاز لك أن تصير إماماً لغيرك؛ لأنك وبالإجماع تأخذ حكم المنفرد، ألا تراهم في هذه الحالة يقولون: إنك لو أدركت إمام الجمعة في التشهد أو بعد الركعة الأخيرة فإنك تصلي ظهراً على الراجح، فدل ذلك على أنك مدركٌ لفضل الجماعة لا لحكمها، فتكون إماماً من هذا الوجه، ولذلك رخص العلماء في هذه الصورة، فإذا دخلت مع إنسان معك تقول له: إذا سلّم الإمام ائتم بي حتى تكون النية منقعدة، فإذا سلّم الإمام تقوم أنت فتكبر فيتبعك دون أن تكلمه، فتنعقد لكم الجماعة، فيحصل لكم فائدة دخولكم في الجماعة الأولى، وفائدة الجماعة الثانية من جهة الاقتداء. ولذلك الأفضل للإنسان إذا دخل أن يتبع الإمام، بل قال العلماء: يجب على من دخل المسجد ولو بقيت لحظة على سلام الإمام أن يدخل معه، ولو لم يدخل يأثم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدركتم فصلوا)، وهذا نص من السنة، وإن كان بعض الشافعية رحمهم الله اختاروا على أنه لا حرج أن يحدث جماعة ثانية، لكنه وجه شاذ؛ لأن الإسلام يحرص على الجماعة ولا يريد الشذوذ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: لما رأى الرجلين لم يصليا قال: (ما منعكما أن تصليا في القوم، ألستما بمسلمين؟!!)، فدل على أنه لا يجوز إحداث جماعة في داخل المسجد مع وجود الجماعة الأولى، ولأنه يحتمل أن الإمام بقيت عليه ركعة كأن يكون سلّم من ثلاث وهو في ظهر سهواً، فلذلك لا يحكم بجواز إحداث الجماعة الثانية ما دام أن الإمام لم يسلم من الجماعة الأولى، ولأن إدراكك للجماعة الأولى أفضل من إحداث جماعةً ثانية؛ لأنك إذا أدركت الجماعة الأولى أدركت فضلاً في الوقت لم تدركه الجماعة الثانية، واللحظة اليسيرة في أوقات الصلاة بينها وما بعدها كما بين السماء والأرض، ففي الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة، وما يصليها في وقتها، وإن ما فاته من وقتها خيرٌ له من الدنيا وما فيها)، فقد يكون وقتاً يسيراً جداً ما بين الجماعة الأولى والثانية، فتفوت على نفسك الفضل بإحداث الجماعة الثانية، ثم إن هذا شذوذ ويخالف ظاهر السنة في قوله صلى الله عليه وسلم: (ما أدركتم فصلوا)، فدل على أن من دخل المسجد يلزم بالدخول مع الجماعة، ولا يجوز له أن يختلف عن الإمام والشذوذ عنه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
باب صفة الصلاة [3]
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [3] إذا أتم المصلي قراءة دعاء الاستفتاح فإنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ثم يبسمل سراً، ثم يقرأ الفاتحة، وهي ركن من أركان الصلاة، ثم يقول (آمين) بعد الفاتحة جهراً في الجهرية، ثم يقرأ بعدها سورة من القرآن، ويلتزم في التطويل والتخفيف بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، ثم يركع مكبراً، وللركوع صفة معلومة، ثم يقوم من الركوع ملتزماً فيه بالصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أحكام الاستعاذة والبسملة
أحكام الاستعاذة والبسملة
الاستعاذة قبل القراءة
الاستعاذة قبل القراءة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يستعيذ ثم يبسمل سراً]. الاستعاذة: طلب العوذ، ومعناها: ألتجئ وأعتصم بالله عز وجل نعم المولى ونعم النصير، ولذلك شرع الله هذه الاستعاذة عند قراءة كتابه العزيز، فقال: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم -وأمره أمرٌ لأمته حتى يدل الدليل على الخصوص- أنه إذا استفتح قراءة القرآن أن يستفتحها بالاستعاذة، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه استفتح قراءته بالاستعاذة، ولذلك قال بعض العلماء: إنه ينبغي على القارئ أن يستفتح قراءته بالاستعاذة، ومن السلف من قال بوجوب الاستعاذة، وذلك لأمر الله عز وجل بها، قالوا: فهي واجبة.
صيغ الاستعاذة
صيغ الاستعاذة والاستعاذة تأتي على صيغ: الصيغة الأولى: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وهذه الصيغة هي التي وردت في سورة النحل، وعليها جماهير القراء، وهي أفضل من غيرها، وذلك لأن الله أمر بها وحدّدها في افتتاح كتابه، والمعين أفضل من غير المعين، فيعتبر تعيينها دليلاً على فضلها، وقد أشار بعض الفضلاء إلى ذلك بقوله: ولتستعذ إذا قرأت واجهر مع استماع وابتداء السور إلى أن قال: ولفظه المختار ما في النحل وقد أتى الغير عن أهل النقل أي: لفظ الاستعاذة المفضل ما في سورة النحل، وهو قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]. وورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه)، فهذه أيضاً استعاذة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض السلف: يقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم)، وبعضهم يقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم)؛ لأن الله قال لنبيه: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:36] قالوا: فيقول: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم). ولا شك أن الوارد أوقى من غيره؛ لأن القاعدة -كما قرر العز بن عبد السلام وغيره- تقول: (إذا وردت ألفاظٌ للأذكار منها وارد ومنها مقتبس من الوارد، فالوارد أفضل من غيره -أعني: المقتبس-)، ولذلك يقدم قولهم: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، وهو أقوى الاستعاذات. وكون النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ أحياناً بقوله: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه) يدل على الجواز، وما دلّ على الجواز ليس كما أُمِر به، فإن اختيار الله له يدل على الفضل.
أوجه الاستعاذة مع البسملة وأول السورة، وأوجه البسملة بين السورتين
أوجه الاستعاذة مع البسملة وأول السورة، وأوجه البسملة بين السورتين والاستعاذة أدب من آداب التلاوة ينبغي لمن تلا كتاب الله أن يستفتح بها، قالوا: لأن الإنسان يُعصم بإذن الله عز وجل من دخول الدخل من الشيطان الرجيم في قراءته، فينال بركة القراءة وخيرها وحظها، ولذلك تجده أكمل الناس تدبراً ووعياً وفهماً، فإنه حينما يلتجئ ويحتمي بالله عز وجل من الشيطان أن يدخل بينه وبين قراءته فإنه يأمن الفتنة، وتكون قراءته على أتم الوجوه وأفضلها وأحسنها، فشرع الله لعباده أن يفتتحوا بهذه الاستعاذة، وهذه الاستعاذة تعتبر أصلاً في القراءة كما ذكرنا، وتكون مع البسملة والابتداء بأول السورة على أربعة أوجه: الوجه الأول: تقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين)، وهذا الوجه يسميه العلماء وجه الوصل، فتصل الجميع. الوجه الثاني: تقطع فتقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، (بسم الله الرحمن الرحيم)، (الحمد لله رب العالمين)، فتقطع الأول عن الثاني، والثاني عن الثالث. الوجه الثالث: أن تجمع بين الأول والثاني وتفصل الثالث عنهما، فتقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم)، (الحمد لله رب العالمين). الوجه الرابع: أن تقول: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، (بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين). وأما البسملة بين السورتين ففيها أربعة أوجه، وأحدها لا يجوز: الوجه الأول: أن يقول مثلاً: " {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:3] بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] " وهذا وجه الوصل، فيصل الجميع. الوجه الثاني: " {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:3]، بسم الله الرحمن الرحيم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] " فيقطع الأول عن الثاني، والثاني عن الثالث. الوجه الثالث: أن يقطع آخر السورة، ويقول: " {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:3] " ثم يسكت، ويبتدئ ويقول: " بسم الله الرحمن الرحيم {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] ". الوجه الرابع: ولا يصح هذا الوجه، وهو أن يصل قوله تعالى: " {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر:3] ببسم الله الرحمن الرحيم " ثم يقطع ثم يقول: " {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] "؛ لأنه يوهم أن البسملة لآخر السور، وإنما شرعت البسملة لأوائل السور.
الإسرار بالبسملة
الإسرار بالبسملة قال رحمه الله تعالى: [ثم يبسمل سراً وليست من الفاتحة]. أي يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فـ (البسملة) اختصار لها، كالحوقلة والحسبلة اختصاراً لما ذُكِر من الأذكار. والبسملة شرعت للفصل بين السور، ومذهب طائفة من العلماء وجوبها إلا فيما بين براءة والأنفال، فإنه لا يفصل بينهما بالبسملة، ولذلك قالوا: بسمل وجوباً عند كل السور عدا براءةٍ وذاك في الأشهر أي: على أقوى قول العلماء رحمةُ الله عليهم، فالأشهر يعني الأقوى والأرجح. فالبسملة مشروعة لابتداء السور، فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وقوله: (سراً) على مذهب الجمهور. والشافعية رحمة الله عليهم يقولون بالبسملة جهراً. وكلا الفريقين يحتج بحديث أنس: (صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان كلهم كانوا يستفتحون القراءة: ببسم الله الرحمن الرحيم {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2])، والرواية الثانية: (كلهم يستفتحون القراءة: بـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]). وجمع العلماء بين الروايتين عن أنس بأن نفيه للبسملة مراده الجهر، وإثباته لها مراده السر، أي: أنهم كانوا يقرؤون (بسم الله الرحمن الرحيم) سراً لا جهراً. فإن كان الإنسان قد ترجح عنده القول بعدم الوجوب فإنه يسر، وهذه هي السنة في حقه، وإن ترجح عنده القول بوجوب البسملة وقرأها جهراً فلا حرج، ولا ينكر على أحد بسمل جهراً، ولذلك اختار بعض العلماء: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل هذا تارة ويفعل هذا تارة، كما يفهم من كلام بعض المحققين، ولذلك لا ينكر على من جهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهو قولٌ أئمة من السلف، ومعتدٌ بقولهم وخلافهم؛ لأن له وجهاً من سُنةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هل البسملة من الفاتحة
هل البسملة من الفاتحة قوله: [وليست من الفاتحة] هو مذهب الجمهور. وعند الشافعية البسملة هي آية من الفاتحة، ولذلك يصلون قوله تعالى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة:7] فإن قلت: إنها آية وصلت اعتبرتها آية واحدة حتى تكمل سبعاً؛ لأن سورة الفاتحة سبع آيات كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر:87] قيل: إنها الفاتحة، وعلى هذا الوجه قالوا: إن آياتها سبع، وبناءً على ذلك يقولون: إذا قرأ البسملة فإنه يصل الآية الأخيرة ولا يحسبها آيتين، ولا يقف عند قوله: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة:7]، أما إذا كان يرى أنها ليست من الفاتحة فإنه يعتبر هذا موقفاً له وآية.
قراءة الفاتحة في الصلاة
قراءة الفاتحة في الصلاة
وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة
وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ الفاتحة]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، وقال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج، فهي خداج)، وسميت فاتحة لأن الله افتتح بها كتابه، وتشرف الكتب بما تفتتح به، ولذلك كانت أفضل سورةٍ في كتاب الله عز وجل، فأفضل آيةٍ آيةٌ الكرسي، وأفضل سورةٌ سورة الفاتحة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام فيها: (هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته) فهذا يدلّ على شرفها، ولذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر:87]، فعطف العام على الخاص، وعطف الخاص على العام والعام على الخاص يدلّ على شرف الخاص وفضله، كما قال تعالى: {تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} [القدر:4]، فإن اختصاصه بالذكر يدل على ثبوت شرفه وعلوه عن غيره، فلذلك قالوا: الفاتحة هي أفضل ما في القرآن من سور.
حكم قطع الفاتحة بذكر أو سكوت طويل
حكم قطع الفاتحة بذكر أو سكوت طويل قال رحمه الله تعالى: [فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال، أو ترك منها تشديدة أو حرفاً أو ترتيباً لزم غير مأموم إعادتها]. قوله: [فإن قطعها بذكر أو سكوت غير مشروعين وطال]. أما الذكر فمثاله: لو أن إنساناً قرأ وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة:2 - 3] فقطع بين الآية الثانية والآية الثالثة بذكرٍ غير مشروع في هذا الموضع، كما لو قال: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم)، فهذا ذكر، لكنه غير مشروع في هذا الموضع، لكن لو قطعها بسؤال رحمته أو استعاذة من عذابه فإنه مشروع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه كما في حديث ابن مسعود أنه: (ما مر بآية رحمة في قيام الليل إلا سأل الله من فضله، ولا مرّ بآية عذابٍ إلا استعاذ بالله عز وجل)، فلو أنه قطع بينهما بذكرٍ مشروع لا يؤثر، وإن قطع بذكر غير مشروع أثر. فلو قال الحسبلة بين الآية الثالثة والرابعة أو الرابعة والخامسة يبتدئ من جديد قراءة الفاتحة؛ لأن هذه الحسبلة ليست من كتاب الله عز وجل، ولا يشرع ذكرُها في هذا الموضع الذي ذكر، فكأنه تكلم بكلامٍ خارجي، وخرج عن كونه قارئاً، وقارئ الفاتحة لا بد أن يتمها، فإن فصل بين آياتها بالذكر الخارجي فإنه لم يتمها، فيلزمه أن يبتدئ قراءتها من أولها، وقال بعض العلماء: يبتدئ من حيث فصل، فيقرأ الآية الأخيرة التي وقع عند الفصل ثم يتم ما بعدها والأول أحوط. وأما السكوت فهو السكوت الفاحش، وهو السكوت الطويل، كما لو قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، ثم سكت وطال سكوته، فإنه حينئذٍ يستأنف؛ لأنه لا يشرع السكوت هنا إذا كان متفاحشاً. أما لو سكت للفصل بين الآيات فهذه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة:2 - 4]، فكانت قراءته عليه الصلاة والسلام مفصّلة مرتلة صلوات الله وسلامه عليه.
حكم ترك بعض الحروف والتشديدات في الفاتحة
حكم ترك بعض الحروف والتشديدات في الفاتحة قوله: [أو ترك منها تشديدة]. في الفاتحة إحدى عشرة تشديدة: (الله)، (ربِّ)، (الرَّحمن)، (الرَّحيم)، (الدِّين)، (إيَّاك)، (وإيَّاك)، (الصِّراط)، (الَّذين)، (الضَّالِّين وفيها تشديدتان)، فهذه إحدى عشرة تشديدة، فإذا ترك منها تشديدة واحدة يستأنف؛ لأن الحرف المشدد يشتمل على حرفين، فـ (ربّ) تشتمل على بائين مدغمتين في بعضهما كأنهما حرفٌ واحد، وهي ولكن حقيقتهما أنهما حرفان، فإذا خفف وترك التشديد كأنه أسقط حرفاً من الفاتحة، ولم يقرأ الفاتحة كما أمرهُ الله، وإنما يعتد بقراءةٍ وقعت على السورة التي أمر الله عز وجل بها، فإن صلى الإمام وكان من هذا الجنس الذي يترك التشديد، أو يُخِلّ بالألفاظ إخلالاً يخرجها عن المعنى، كأن يضم التاء من: (أنعمتَ)، أو يكسرها: (أنعمتِ)، فإنه حينئذٍ لا تصح الصلاة وراءه، فالذي يلحن لحناً يحيل المعنى في الفاتحة فإن صلاته باطلة إذا لم يكن معذوراً، أما إذا كان معذوراً فإنه تصح صلاته لنفسه ولمن هو مثله أو دونه. ومن ذلك أيضاً الأمي الذي يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى، كما لو قال: (أَهدِنا)، فإنه غير قوله: (اهْدِنَا)، وكذلك إذا ضم التاء أو كسرها في قوله تعالى: (أنعمتَ)، فإنه حين يقول: (أنعمتُ) أحال المعنى، فكأنه هو المنعم، وكذلك الحال إذا كسر فإنه خطاب للأنثى، وليس ذلك بصائغٍ لله عز وجل. فالمقصود أن أي إخلال في الفاتحة يُذهِبُ به الحرف أو يخل به المعنى فقراءته غير معتبرة، وإن كان على سبيل السهو فحينئذٍ يرجع ويعيد القراءة؛ لأنها ركن في الصلاة ويتدارك، وإلا صحت صلاته إذا كان معذوراً كالأمي وحديث العهد بالإسلام الذي لا يمكنه، فإذا غلط في أول مرة يتسامح له، ويصلّي على حالته لنفسه، ثم إذا وسعه الوقت للتعلم فإنه يأثم. قوله: [أو حرفاً]. وهكذا لو ترك حرفاً، كما لو قرأ: (الصراط) بتخفيف الصاد، فإنه ترك حرفاً، أو ترك الحرف بالكلية فقال: (أنعم) بدل (أنعمتَ)، فإنه تبطل قراءته، ويلزمه أن يأتي بالفاتحة على الوجه المعتبر. قوله: [أو ترتيباً]. أي: لم يرتب آياتها، فذكر آيةً قبل آية، فإنه لا يعتد بقراءته، ويلزمه أن يستأنف. وقوله: [لزم غير مأمومٍ إعادتها]. أي أن الإمام يلزمه أن يعيد، وإذا أعاد أجزأ ذلك المأموم، ولذلك قال: [غير مأموم]، وهذا على القول أن الإمام يحمل الفاتحة عن المأموم، وإن كان الصحيح أن الإمام لا يحمل الفاتحة عن المأموم، وبناءً على ذلك فإنه قال على الوجه الذي يرى أن الإمام يحمل عن المأموم، فقال: (لزم غير مأمومٍ إعادتها)، فيلزم المنفرد والإمام أن يعيد القراءة إذا حصل واحدٌ من هذه الإخلالات التي ذكرناها، فإذا ترك حرفاً، أو تشديدةً أو لحن لحناً يخل بالمعنى، فإنه يستأنف.
قول (آمين) والجهر بها للإمام والمأموم
قول (آمين) والجهر بها للإمام والمأموم قال رحمه الله تعالى: [ويجهر الكل بآمين في الجهرية]. التأمين معناه: (اللهم استجب)، فقولك: (آمين) أي: اللهم استجب، وقد شُرِع التأمين جهرةً لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به، ولذلك قال: (إذا أمّن الإمام فأمنوا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أمّن) أي: بلغ موضع التأمين، وليس المراد أنه إذا أمَّن وقال لفظ التأمين؛ لأن هذا معروف في لغة العرب، إذ يصفون الإنسان بالشيء عند مقاربته له، فيقال: أصبح، أي: كاد أن يصبح، ومنه قوله: أصبحت أصبحت، أي: كدت أن تصبح، فقوله عليه الصلاة والسلام: (أمّن) أي: قارب التأمين ووقف عليه، فحينئذٍ: (إذا أمَّن فأمنوا)، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (فإذا قال: (ولا الضالين) فقولوا: (آمين) فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه)، وثبت في الحديث تفصيل ذلك بأن الملائكة تقول في السماء: آمين، ويقول العبد: آمين، فإذا وافق تأمين العبد تأمين الملائكة غُفِر له ما تقدم من ذنبه، وهذا يدل على أنه يجهر، لقوله: (قولوا)، والقول إنما هو اللفظ، وليس الكلام النفسي؛ فإن الكلام النفسي لا يسمّى قولاً، على ما هو معروف من مذهب أهل السنة والجماعة من أن الكلام إنما هو باللفظ وليس في النفس. كذلك أيضاً ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان وأصحابه إذا أمَّن رفع صوته حتى ترتج أعواد المسجد، أو يرتج المسجد من تأمينه عليه الصلاة والسلام وتأمين الصحابة معه، ولذلك حسدت اليهود المسلمين على هذا التأمين. فالسنة أن يرفع الصوت، وقال بعض العلماء: يرفع الصوت ولا يبالغ في الرفع إلى درجة الإزعاج، ولا يخافت، ولكن يرفع بقدر وسط.
قراءة سورة بعد الفاتحة
قراءة سورة بعد الفاتحة قال رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ بعدها سورة]. وهذا من هديه صلوات الله وسلامه عليه، والسورة قيل: مأخوذة من السور لارتفاعه، فقيل: سميت سورةً لارتفاعها وعلو شأنها، وقيل: لأن المكلف بقراءته لها يرتفع درجة، فيكون بحالٍ أحسن من حاله قبل قراءتها بفضل التلاوة، وقيل: من السور، بمعنى الإحاطة، وكل هذه أوجه. فقوله: [يقرأ بعدها سورة] أي: من كتاب الله عز وجل، ولا حرج عليك أن تقرأ سورةً كاملة، أو تقرأ بعض السورة، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ السور كاملةً، وجزّأ السورة في الركعة الأولى والثانية كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة، ففي فريضة الفجر قرأ: {قُولُوا آمَنَّا} [البقرة:136]، و: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ} [آل عمران:64]، فالأولى من البقرة والثانية من آل عمران، هذه آية وهذه آية، وكذلك ثبت عنه قراءته بآخر سورة البقرة صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك أيضاً ثبت عنه في الحديث الصحيح قراءة السور كاملة، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في أكثر من حديث أنه قرأ في الصلوات الخمس السورة في الركعتين، في الفجر كما سيأتي إن شاء الله، وفي الظهر، وفي العصر، وفي المغرب، وفي العشاء، قرأ السورة كاملة، ويجوز للإنسان أن يجمع بين السورتين أيضاً ولا يقتصر على سورةٍ واحدة، فقد ثبت في الحديث أن رجلاً كان يقرأ ثم يختم بـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] في كل ركعة، فشكوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ما حملك على هذا؟ - أي: ما حملك على أن تجمع بين السورة وسورة الإخلاص- قال: إني أحبها قال: حبك لها أدخلك الجنة)، فهذا يدل على جواز أن يقرن بين السور، وقد قال ابن مسعود: (إني لأعرف السور التي كان يقرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها). فعلى العموم لا حرج أن تقرأ أكثر من سورة، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه استفتح قيام الليل، فقرأ سورة البقرة والنساء والمائدة -كما جاء في حديث ابن مسعود رضي الله عنه - ولم يقرأ آل عمران) قيل: هذا قبل الترتيب في العرضة الأخيرة. فالمقصود أن هذا كله من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن شئت قرأت سورةً كاملة، وإن شئت قرأت بعض السورة، وإن شئت قرأت نصف السورة في الركعة الأولى أو أكثرها، وفي الركعة الثانية أتممت، فكل هذا من هديه عليه الصلاة والسلام.
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التخفيف والتطويل في الصلوات
هدي النبي صلى الله عليه وسلم في التخفيف والتطويل في الصلوات
القراءة في الصبح بطوال المفصل
القراءة في الصبح بطوال المفصل قال رحمه الله تعالى: [وتكون في الصبح من طوال المفصل]. أي: في صلاة الفجر، والمفصل: مأخوذٌ من فصل الشيء، قال بعض العلماء: إنه من الفصل بين الشيئين أن يُحال بينهما بحائل. قالوا: وُصِفت هذه السور بكونها مفصلة لكثرة الفصل بينها بالبسملة، بخلاف أوائل القرآن كالسبع الطوال، فإنها طويلة، والفصل بالبسملة قليل، والمفصل يبتدئ من سورة (ق) إلى آخر القرآن. والوجه الثاني: سمّي المفصل مفصلاً لكثرة الفصل بين آياته، فآياته قصيرة، على خلاف السبع الطوال وما بعدها من السور، فإن غالبها طويل المقاطع. والوجه الثالث: سمّي المفصل مفصلاً من الفصل بمعنى الإحكام، والسبب في ذلك قلة النسخ فيه؛ لأنه محكم وقليل النسخ، بخلاف أوائل القرآن، فإن فيه آيات منسوخة. وهذه كلها أوجه في سبب تسميته بالمفصل. والمفصل كما هو المعهود عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يعتبرونه من سورة (ق). ثم هذا المفصل فيه طواله وأواسطه وقصاره، فيُقسم على هذه الثلاثة الأقسام: طوال المفصل، وأواسط المفصل، وقصار المفصل. فأما طوال المفصل فتبتدئ من سورة (ق) إلى سورة (عم)، وأما أواسطه فمن سورة (عم) إلى (الضحى)، وأما قصاره فمن سورة (الضحى) إلى آخر القرآن، هذا بالنسبة لطوال المفصل وأواسط المفصل وقصار المفصل. فقوله رحمه الله: [يقرأ في الفجر أو في الصبح بطوال المفصل] أي: من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح أنه كان يقرأ بطوال المفصل، ويطيل القراءة فيها، ثبت هذا في حديث جابر وأبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، ففي حديث جابر: (وكان يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية)، فقراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت ما بين الستين إلى المائة، ولذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يطيل القراءة، قالوا: لأن النفوس في صلاة الفجر مهيأة لسماع القرآن والتأثر به، والناس حديثو العهد بالنوم، وعلى استجمام وراحة. وقول جابر: (ما بين الستين إلى المائة) ظاهره أن ذلك في الركعتين، وحديث صلاة الفجر في الجمعة: (أنه كان يقرأ في الفجر (الم تنزيل) في الركعة الأولى، وسورة (هل أتى) في الركعة الثانية) يدل عليه، فإن مجموع السورتين إحدى وستين آية، وهذا يقوي أنه كان يقرأ ما بين الستين إلى المائة في الركعتين، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه طوّل في صلاة الصبح، ويشترط أن لا يكون في ذلك حرجٌ على الناس وأذيةٌ بهم، فإن كان هناك على الإنسان حرج، أو كان يغلبه النعاس، أو كان خلفه مريضٌ وأراد أن يخفف فهي السنة؛ لما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (قرأ بالزلزلة)، وثبت عنه في الحديث الصحيح أنه استفتح صلاة الفجر التي كان يطوّل فيها فسمع بكاء صبي فقرأ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1]، وقال عليه الصلاة والسلام: (إني سمعت بكاء صبي فأشفقت على أمه) صلوات الله وسلامه عليه، من رحمته وحلمه وتخفيفه ولطفه بالناس. وهكذا ينبغي أن يكون عليه الإمام، والإمام الحكيم الموفّق يُحسِنُ النظر لمن وراءه؛ لأن الله سائله عن جماعته، ومحاسبه عليهم، والهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف)، فهذا خِطابٌ للأمة. وينبغي أن ينبه على مسألة، وهي أننا إذا قلنا بالستين إلى المائة، فإن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت قراءة مرتلة مجوّدة تُعطى فيها الحروف حقها من صفةٍ لها ومستحقها، وكون الإنسان يصلي بالناس بالستين إلى المائة وهو يتغنى ويمطط الآيات ويتكلف فيها ليس من السنة، بل يقرأ قراءة مرتلة ولا يبالغ في التمطيط؛ لأن هذا يجحف بالناس ويضر بهم، ولذلك ينبغي إذا أراد أن يتخير الإطالةَ أن يُحسن ترتيل القرآن، وأن يكون بعيداً عن التكلف والتقعر في تلاوته، وكذلك أيضاً لا يبالغ في الهذ والإسراع في القراءة، وإنما تكون قراءته قراءةً مفصلة مبينة، حتى يكون ذلك أبلغ لانتفاع الناس بقراءته، وحصول الخير لإمامته. فالسنة في صلاة الفجر الإطالة، ولكن -كما قلنا- النبي صلى الله عليه وسلم من هديه التخفيف عند وجود الحاجة، فلو علمت أن هناك مريضاً، أو أن الناس في سفر، كأن تكون مع رفقة مسافرين في الليل وحضرت صلاة الفجر وهم على نعاس وتضرر من أذى السفر للتخفف عليهم وترفق بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم اللهم فارفق به)، فالإمام ولاية، وهي ولايةٌ في أمور الدين، فينبغي التخفيف في هذه الحالة.
القراءة في المغرب بقصار المفصل
القراءة في المغرب بقصار المفصل قال رحمه الله تعالى: [وفي المغرب من قصاره]. أي: يقرأ في المغرب من قصار المفصل، وقد جاء ذلك في حديث سلمان بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: (ما رأيت أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، لإمامٍ كان يصلي به)، وهو حديث قال عنه الحافظ ابن حجر: إسناده صحيح، قال: (فنظرت فإذا به يصلي المغرب من قصار المفصل) أي: من قصار سور المفصل من الضحى فما بعد. وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في المغرب بطوال المفصل، بل بأطول الطوال وهي سورة الأعراف صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك ثبت عنه أنه قرأ (المرسلات عرفاً)، وهي من أواسط المفصل، فدل على أنه لا حرج أن الإنسان أحياناً يصلي بطوال المفصل، والحقيقة أن الأمر يرجع إلى الإمام، فإن بعض الأئمة قراءته تكون طيبة ترتاح لها القلوب والنفوس، ويكون لها أثر من ناحية الخشوع، حتى يتمنى الناس لو طول بهم أكثر مما هو عليه، وهذا كان حال الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الإمام يريد أن يطيل أو يصيب السنة بقراءة الأعراف فلا حرج، ولكن حبذا أن ينبه الناس، خاصةً في هذه الأزمنة التي تكثر فيها شواغل الناس وحصول الظروف لهم، فينبه على أنه سيصلي بالأعراف، ولا حرج أن يصلي بهم بالمرسلات، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى بالطور، وهي من طوال المفصل، فلا حرج أن ينوع بين هذا الهدي، فيصلي على غالب حاله بقصار المفصل، ويصلي أحياناً بطوال المفصل، ولا حرج عليه في ذلك.
القراءة في العشاء والظهرين بأوساط المفصل
القراءة في العشاء والظهرين بأوساط المفصل قال رحمه الله تعالى: [وفي الباقي من أوساطه]. أي: يقرأ في صلاة الظهر والعصر والعشاء من أوسط المفصل، أما صلاة الظهر فثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بما يقرب من ثلاثين آية، وجاء عنه أنه قرأ السجدة وهي ثلاثون آية، أو إحدى وثلاثون آية، فهذا يدل على أنه من السنة قدر الثلاثين، خمس عشرة آية تكون للركعة الأولى، وخمس عشرة آية للركعة الثانية، وجاء هذا في حديث السنن، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ في الظهر بأواسط المفصل، كما في سورة البروج فقد قرأها في صلاة الظهر، وكذلك سورة {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ} [الطارق:1] وسورة: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل:1] كله جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما بالنسبة للعصر فإنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يجعله على النصف من صلاة الظهر، وكان في صلاة الظهر يطول في الركعة الأولى، حتى ثبت في الحديث أنه: (كان الرجل يذهب إلى البقيع فيقضي حاجته ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى)، وثبت أنه: (كان يقوم في الركعة الأولى حتى لا يسمع قرع نعال)، وهذا يدل على تطويله عليه الصلاة والسلام، وورد في حديث أبي داود أنه كان تطويله يفهم منه الصحابة أنه يريد من الناس أن يدركوا الركعة الأولى. أما العصر فإنه كانت قراءته على نفس قراءة الظهر، فلذلك يقرأ بخمسة عشر آية، أو فيما هو في حدودها. وأما العشاء فقد ثبت عنه ما يدل على أنه كان يقرأ من أواسط المفصل، والسبب في ذلك أن معاذاً رضي الله عنه لما اشتكاه الرجل قال له النبي صلى الله عليه وسلم -وكانت القضية في صلاة العشاء-: (هلاَّ قرأت بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} [الليل:1])، فدل هذا على أنه كان يقرأ من أواسط المفصل، ولا حرج أن يقرأ: {إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ} [الانفطار:1] كما جاء في بعض الروايات، وكل هذا من السنة.
حكم القراءة في الصلاة من غير مصحف عثمان
حكم القراءة في الصلاة من غير مصحف عثمان قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح الصلاة بقراءة خارجة عن مصحف عثمان]. والسبب في ذلك أنه كان على العرضة الأخيرة، ولذلك تعتبر هذه العرضة الأخيرة بمثابة النسخ لبقية القراءات التي هي خلاف ما في المصحف الإمام، فقد أجمع المسلمون على هذا المصحف، ولذلك كانت قراءته متواترة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقرأ في الناس بالمصحف الإمام، ولا حرج أن يقرأ بأي القراءات الثابتة. لكن هنا مسألة وهي: لو قرأ بقراءةٍ صحيحة ثابتة، كقراءة ابن مسعود: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) أي: في كفارة الحلف، فهذا فيه وجهان للعلماء: من أهل العلم من قال: إن هذه القراءة وإن صحت بالآحاد فإنها لا تثبت حكماً؛ لأن القراءة إنما تكون بما ثبت بالقطع والتواتر، ولذلك لا تصح بها القراءة. وقال بعض العلماء: إنها تصح، وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه. ولكن لا ينبغي للإنسان أن يخرج بالناس عما هو الأصل الذي اتُفق على صحة الصلاة به وهو مصحف الإمام، ولا حرج على الإنسان أن يقرأ بأي القراءات، ولكن نبه العلماء رحمة الله عليهم على أنه إذا كان الإنسان بين قوم يجهلون القراءات، ويكون تنويعه للقراءات تعليماً لهم أنه يستحب له أن ينوع بين القراءات إذا كانت له رواية بهذه القراءات. وقال بعض العلماء أيضاً: يستثنى من هذا أن يكون بين قومٍ جهال، فلو قرأ بقراءاتٍِ غريبة ربما أحدث الفتنة، فلا يقرأ بغير القراءة المعروفة، فلو كان بين قومٍ يعرفون رواية حفص فجاء وقرأ برواية ورش فلربما تكلم عليه الناس، وربما ردوا عليه وظنوا أنه قد أخطأ، والواقع أنه مصيب، فقالوا: في مثل هذه الأمور لا ينبغي التشويش، خاصة على العامة، فربما عرضهم للكفر؛ لأنهم ربما أنكروا هذا القرآن وهو ثابت، فيكون هذا الإنكار في الأصل من حيث هو كفر، وإن كان العامي على قول طائفة يعذر بجهله إذا لم يعلم أنها قراءة. فالمقصود أن الإنسان إذا أراد أن يخرج عن القراءة المعروفة فلينتبه لحال الناس ولا يشوش عليهم، ولا يأتي بقراءةٍ لا يعرفونها، حتى لا يحدثهم بما لا يعرفون، قال صلى الله عليه وسلم: (حدّثوا الناس بما يعرفون؛ أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟)، وهذا في الأحاديث فكيف بالقراءات؟! أما لو كان بين طلاب علم، ويريد أن يبين لهم بعض القراءات ليستفيدوا منها، فهذا في الحقيقة أفضل وأكمل؛ لأن فيه زيادة علمٍ وبيان للناس وتوضيحٍ وإرشادٍ لهم. فإذا قلنا: تجوز القراءة بالقراءات فهذا يشترط فيه أن يكون في كل ركعة بحسبها، فلا يصح -كما يقول بعض العلماء- أن تخلط بين القراءتين في الركعة الواحدة، فلو قرأت سورةً ما من السور واستفتحت برواية حفص فلتتمها برواية حفص، ولا تدخل القراءة في القراءة، فإذا التزمت القراءة تستمر بها، أما إذا شئت في الركعة الثانية أن تقرأ بقراءة ثانية فقالوا: لا حرج، أما أن ينوع في القراءات في الركعة الواحدة فلا، كأن يقرأ الآية الأولى بحفص، والآية الثانية بورش؛ فإن حفصاً لا يقرأ المصحف كله إلا على قراءته التي رواها، فإذا التزمت استفتاح السورة بقراءة حفص تتمها بقراءة حفص، ولا تدخل فيها قراءة ورش؛ لأن هذا فيه إخلال، وإنما رخص العلماء للقراء والعلماء في أثناء الدروس في القراءات لمكان الحاجة، فله أن يقرأ بالأوجه المتعددة من باب التعليم والحاجة، أما في داخل الصلاة فلا.
الركوع وصفته قولا وفعلا
الركوع وصفته قولاً وفعلاً
رفع اليدين عند الركوع
رفع اليدين عند الركوع قال رحمه الله تعالى: [ثم يركع مكبراً رافعاً يديه]. أي: بعد أن يفرغ من القراءة يركع، وسيأتي إن شاء الله بيان ما هو الواجب منه واللازم، وما هو المندوب والمستحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (ثم اركع)، وقد أمر الله بالركوع فقال: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، وقال: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [الحج:77] فأمر بالركوع، وهذا يعتبر من أركان الصلاة، ويركع في النافلة والفرض، يركع حال كونه مُكبراً، أي: جامعاً بين الفعل والقول، وهذا التكبير يسميه العلماء تكبير الانتقال؛ لأنه انتقل من حال القيام إلى حال الركوع. وقوله: [رافعاً يديه]، لثبوت السنة بذلك من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الركوع).
وضع الكفين على الركبتين مفرجتي الأصابع
وضع الكفين على الركبتين مفرجتي الأصابع قال رحمه الله تعالى: [ويضعهما على ركبتيه مفرجتي الأصابع]. أي: يلقم الركبتين بكفيه، ولا يفعل مثل ما يفعل بعض العوام حين يجعل رؤوس الأصابع عند الركبة، والسنة أن يُلقم أصابعه للركبتين.
استواء الظهر مع الرأس حال الركوع
استواء الظهر مع الرأس حال الركوع قال رحمه الله تعالى: [مستوياً ظهره]. قد كان عليه الصلاة والسلام من هديه إذا ركع هصر ظهره، فاستوى ظهره في الركوع حتى قالوا: لو صُبّ الماء على ظهره صلوات الله وسلامه عليه لم ينكفئ، فكان يركعُ مستوي الظهر. ثم رأسه لا يشخصه ولا يصوبه، وإنما يجعله مساوياً لظهره، كما جاءت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبلغ ما يكون في الذلة والخضوع لله سبحانه وتعالى، فلا يبالغ الإنسان في الانحدار، ولا يبالغ في رفع الرأس، وإنما يهصر ظهره حتى يستوي، ثم يكون رأسه باستواء ذلك الظهر.
قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع
قول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: سبحان ربي العظيم]. وهذا التسبيح بمعنى التنزيه، فسبحان ربي العظيم بمعنى: (أنزهه)، وقد جاء في الحديث: (أنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال عليه الصلاة والسلام: اجعلوها في ركوعكم)، فالركوع فيه فعلٌ وقول، فالفعل هصر الظهر والانحناء، وأما القول فهو قوله: (سبحان ربي العظيم)، والثناء على الله وتمجيده وتعظيمه، قال صلى الله عليه وسلم: (أما الركوع فعظموا فيه الرب)، فيقول: (سبحان ربي العظيم) لثبوت السنة به، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا التسبيح، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) بعد نزول قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3]، وكان في قيام الليل صلوات الله وسلامه عليه يقول: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح)، فكان من هديه صلوات الله وسلامه عليه الثناء على الله في الركوع.
القيام من الركوع وصفته قولا وفعلا
القيام من الركوع وصفته قولاً وفعلاً
قول: (سمع الله لمن حمده) للإمام والمنفرد حال القيام من الركوع
قول: (سمع الله لمن حمده) للإمام والمنفرد حال القيام من الركوع قال رحمه الله تعالى: [ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً إمام ومنفرد: سمع الله لمن حمده]. قوله: (قائلاً) أي: حال كونه قائلاً، (إمام ومنفرد) أي: يقول الإمام والمنفرد: (سمع الله لمن حمده) ولا يقول المأموم: (سمع الله لمن حمده)، وهذا مذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية رحمةُ الله على الجميع، فالإمام والمنفرد يقولان: (سمع الله لمن حمده)، والمأموم لا يقول: (سمع الله لمن حمده)، وإنما يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد) أو: (ربنا لك الحمد)، ولا يزيد التسميع. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه إلى أنه يقول المأموم: (سمع الله لمن حمده)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به). والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن التقسيم ينفي التشريك، وهذه قاعدة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمن فأمنوا)، فدل على أنه في الأصل لا يؤمنون مع الإمام حتى يؤمروا بالتشريك، فلما قال: (إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا:) دل على التقسيم، والتقسيم خلاف التشريك، وإنما قالوا بالتشريك لحديث: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به)، فنقول: هذا مطلق وهذا مقيد، والقاعدة أن المقيد مقدمٌ على المطلق، والأصل: حمل المطلق على المقيد، فنقول: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به) فيه إجمال، وإن كان الأمر فيه من حيث العموم، لكن نقول: جاء المفصل، فقال عليه الصلاة والسلام: (فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد)، قالوا: هذا يدل على أنه لا يجمع المأموم بين قوله: (سمع الله لمن حمده) وقوله: (ربنا ولك الحمد). فأصح الأقوال أنه لا يجمع بينها بالنسبة للمأموم، فمحل الخلاف في المأموم، أما الإمام والمنفرد فشبه إجماع من أهل السنة أنه يقول: (سمع الله لمن حمده).
قول: (ربنا ولك الحمد) بعد إتمام القيام
قول: (ربنا ولك الحمد) بعد إتمام القيام قال رحمه الله تعالى: [وبعد قيامهما: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) ومأموم في رفعه (ربنا ولك الحمد) فقط]. أي: يقول حال رفعه أثناء الانتقال: (سمع الله لمن حمده)، حتى إذا استتم قائماً قال: (ربنا ولك الحمد)، سواءٌ أكان إماماً أم مأموماً أم منفرداً، فالإمام والمنفرد إذا أراد أن يُسَمِّع فأثناء الفعل، وبعضهم يترك التسميع حتى ينتصب قائماً، وهذا ليس من السنة، والسنة أن يكون التسميع أثناء رفعه من الركوع فيقول: (سمع الله لمن حمده) و (سمع) قيل معناه: استجاب الله دعاء من حمده، ولذلك كان من السنة استفتاح الأدعية بالحمد وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بالحمد لله)، قالوا: وهذا يدل على أن من علامات إجابة الدعاء الاستفتاح بحمد الله تبارك وتعالى والثناء عليه. فإذا انتصب الإمام قائماً قال: (ربنا ولك الحمد)، أو قال: (ربنا لك الحمد)، فهذا كله وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم. واستحب طائفة من العلماء رواية الواو: (ربنا ولك الحمد)، وفضلها على رواية: (ربنا لك الحمد)؛ لأن رواية الواو فيها زيادة معنى، فأنت تقول: (ربنا) أي: أنت ربنا، (ولك الحمد) أي: فيه معنى زائدٌ، فتثبت له الربوبية مع الثناء عليه بالحمد، لكن إذا قلت: (ربنا لك الحمد) قالوا: هذا معنىً واحدٌ، والأفضل الأول، وبالنسبة للإمام أو المنفرد فإنه يجمع بينهما، فيقول: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد)، أو: (ربنا لك الحمد)، والمأموم يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد). ولهذا يقول المؤلف عليه رحمة الله: [ثم يرفع رأسه ويديه قائلاً إمام ومنفردٌ: (سمع الله لمن حمده)، وبعد قيامهما: (ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) ومأموم في رفعه: (ربنا ولك الحمد) فقط]. فذكر رحمه الله ما ينبغي على المصلي بعد انتهائه من الركوع من رفعه، وهذا الرفع أمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح من حديث المسيء صلاته، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على لزومه في الصلاة، وإن كانوا قد اختلفوا في الطمأنينة في هذا الرفع، وقد تقدم بيان الأذكار وخلاف العلماء رحمهم الله في مسألة الجمع، ثم ذكر المصنف رحمه الله الدعاء المأثور الذي يقوله بعد قوله: (سمع الله لمن حمده)، أو قول الإمام: (سمع الله لمن حمده) وهو أن يقول: (ربنا ولك الحمد)، أو على الرواية الثانية: (ربنا لك الحمد)، ورواية الواو أوجه عند بعض العلماء، والسبب في هذا أن رواية الواو فيها زيادة معنى، كأنك تقول: (أنت ربنا)، ثم تقول: (ولك الحمد). وذكر رحمه الله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه بقوله: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد)، وفي رواية: (لا مانع لما أعطيت)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (ملءَ): أي حال كونه ملءَ السماوات وملءَ الأرض، وهي رواية الفتح. وقد احتج بهذا الحديث طائفة من العلماء رحمهم الله على أن الأعمال توزن يوم القيامة، وهي مسألةٌ خلافية بين أهل العلم، فهل الذي يوضع في الميزان هو الإنسان نفسه يوم القيامة، وعلى قدر صلاحه وفساده يكون الوزن، أم أن الذي يوزن هو عمله قولاً كان أو فعلاً أو اعتقاداً، أم مجموع الأمرين؟ فقال بعض العلماء: الذي يوزن هو الإنسان نفسه؛ لقوله تعالى: {فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]، ولقوله عليه الصلاة والسلام لما اهتزت الشجرة بـ ابن مسعود فضحك الصحابة من دقة ساقيه: (ما يضحككم من دقة ساقيه؟ والذي نفسي بيده إنهما أثقل في الميزان من أحد)، فهذا يدل على أن الموزون هو الإنسان نفسه. وقال بعض العلماء: إن الموزون هو العمل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقليتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم). فقد دلّ هذا الحديث الصحيح على أن قول الإنسان للذكر هو الموزون، قالوا: فالعمل شامل للقول والفعل، وكله يوزن. والصحيح أنه يوزن الإنسان نفسه وعمله؛ لأن النصوص وردت بالجميع، والقاعدة تقول: (النصوص إذا وردت بأمرين فلا يصح إثبات أحدهما ونفي الآخر إلا بدليل)، فكما أن الله أخبر في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بما يدل على أن الإنسان يُوزَن، وأخبر بما يدل على أن العمل يُوزَن فنقول: كلٌ صحيح، وكلٌ خرج من مشكاةٍ واحدة، فالإنسان يوزن، وعمله يُوزن، وعرصات القيامة مختلفة -كما هو جواب ابن عباس رضي الله عنهما أن عرصات يوم القيامة مختلفة- والمراد بالعرصات: المواقف -نسأل الله أن يلطف بنا وبكم فيها-، فتارةً توزن الأعمال، وتارة يوزن أصحاب الأعمال، وكلٌ على حسب ما يكون منه من خير وشر. فقوله عليه الصلاة والسلام: (ملء السماوات وملء الأرض) دلّ على أن الحمد موزون، وأن له ثقل، فقال في هذا الثقل: (ملء السماوات وملء الأرض)، وهذا يدل على عظم ما للعمل الصالح من عاقبةٍ، وكونه له أثر في ثقل ميزان العبد يوم القيامة. وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع بعض أصحابه يقول وراءه: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، فقال صلى الله عليه وسلم: (من المتكلم بها؟ فقال: أنا يا رسول الله فقال: لقد رأيت اثني عشر ملكاً يبتدرونها أيهم يرفعها) وفي رواية: (رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول)، فلو نظرت في حروف هذه الكلمات لوجدتها ما يقارب اثنين وثلاثين حرفاً، فكان هذا مناسباً، كأن لكل حرف ملك يرفعه، وهذا يدل على فضل ذكر الله عز وجل، وأن له عند الله عز وجل شأناً عظيماً، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذاكرين. فورد عن النبي صلى الله عليه وسلم التحميد بقوله: (ربنا لك الحمد)، وقوله: (اللهم ربنا لك الحمد) (اللهم ربنا ولك الحمد). وقوله: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيءٍ بعد) إنما يقع بعد التحميد، ولا يكون من الإمام جهراً. وقال بعض العلماء: يستحب للإمام أن يرفع صوته قليلاً ببعض الأذكار إذا كان بين قومٍ يجهلونها وهذا على سبيل التعليم؛ فإن العوام والجهال قد يحتاجون من طلاب العلم ومن الأئمة إلى بيان بعض السنن، ويفتقر هذا البيان إلى نوعٍ من الوضوح، كأن يرفع الإمام صوته قليلاً، ولذلك جهر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بدعاء الاستفتاح، لكي يعلم الناس دعاء الاستفتاح. قالوا: فلا حرج أن يجهر الإمام أحياناً بمثل هذه الأدعية المأثورة تعليماً للناس بالسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الأسئلة
الأسئلة
حكم السلام على الجالسين عند دخول المسجد
حكم السلام على الجالسين عند دخول المسجد Q حينما يدخل المصلي المسجد، فهل أن يسلم على الجالسين في المسجد لأن السلام سنةٌ من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، أم لا؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالسنة لمن دخل المسجد أن يبدأ بتحية المسجد قبل السلام على الناس، وهذه السنة دل عليها حديث أبي هريرة في الصحيح: (أن المسيء صلاته لما دخل ابتدأ بالصلاة، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليكم ورحمةُ الله، فقال له: ارجع فصل فإنك لم تصل)، فدل على أن السنة أن يُبتدأ بالصلاة قبل السلام على الناس؛ إذ لو كان من السنة أن يستفتح بالسلام لابتدأ الأعرابي السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصلاة، فكونه يبتدئ بتحية المسجد دل على أن الهدي الذي كان معروفاً أن يبدأ بتحية المسجد قبل السلام، ولذلك قالوا: السنة لمن قدم المدينة أن يبتدئ بتحية المسجد، ثم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التحية. وهذا مبني على ما ذكرنا من حديث المسيء صلاته، ولذلك هذا هو الهدي؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا دخل أحكم المسجد فليركع ركعتين). وبعد أن ينتهي من التحية يسلم على الناس ويحدّث من شاء، أما قبل التحية فلا يشرع له أن يسلم. والذي يظهر والله أعلم ترجيح القول الأول، وهو أنه يبتدئ بتحية المسجد، ثم يثني بعد ذلك بالسلام على الناس؛ لأنه حقٌ خاص، والحق الخاص مقدمٌ على العمومات؛ لأن هذا في موضعٍ خاص ورد فيه دليل السنة الذي يدل على اعتبار تقديم الصلاة على السلام. والله تعالى أعلم.
حكم قطع الفاتحة بالاستعاذة من الشيطان
حكم قطع الفاتحة بالاستعاذة من الشيطان Q لو أن إنساناً قطع الفاتحة بقوله: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)؛ لكي يذهب عنه وساوس الشيطان، فهل يعيد الصلاة، أم ماذا عليه؟ A إذا دخل على الإنسان داخل الوسواس فاستعاذ أثناء القراءة قالوا: هذا ذكرٌ مشروع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشيطان الذي يسمى (خنزب)، وهو شيطان الصلاة، وشيطان الوضوء (الولهان) كما ورد في الخبر عنه عليه الصلاة والسلام، فثبت عنه عليه الصلاة والسلام قوله: (إذا أُقيمت الصلاة أقبل -أي: الشيطان- فيوسوس على الإنسان حتى يحول بينه وبين الصلاة)، وذلك لعلمه أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها، فيأتيه بالوساوس والخطرات، قال عليه الصلاة والسلام: (فيقول له: اذكر كذا. اذكر كذا. اذكر كذا)، حتى ورد: (إن العبد لينصرف من صلاته وليس له منها إلا العشر إلا الربع إلا الثلث إلا الثمن، وما فاته منها خيرٌ من الدنيا وما فيها) وهذا كله بسبب الوساوس، قال عليه الصلاة والسلام: (فإذا وجد أحدكم ذلك فليتفل عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله منه)، ولا يكون فيه التفات، وإنما يكون نفثه إلى اليسار دون حصول اللي للعنق، فيتفل عن يساره ثلاثاً بريق خفيف، ويقول: (أعوذ بالله من الشيطان)، فهذا ذكر مشروع. ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بأصحابه، ثم تكعكع فتكعكع الصف الأول وتكعكع الصف الثاني بعده، وهو يقول: أعوذ بالله منك، أعوذ بالله منك. فإذا بالشيطان قد جاءه بشهاب من نار، فخنقه صلوات ربي وسلامه عليه وقال: (لولا أني ذكرت دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطاً يلعب به صبيان المدينة) فهذا يدل على مشروعية الاستعاذة في الصلاة من الشيطان؛ لأنها ذكر مشروع، فالإنسان إذا حيل بينه وبين القراءة وتدبر كلام الله والتأثر بآيات القرآن لا حرج عليه أن يستعيذ. والله تعالى أعلم.
حكم قراءة الفاتحة للمأموم
حكم قراءة الفاتحة للمأموم Q إذا قرأ الإمام سورة الفاتحة، فهل يقرأ المأموم بعد الإمام، أم ينصت للإمام؟ وما الخلاف في هذه المسألة، وما الراجح؟ A للعلماء في المأموم إذا كان وراء الإمام أقوال في وجوب الفاتحة عليه: القول الأول، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمة الله عليه: الوجوب في جميع الصلاة، سواءٌ أكانت سرية أم جهرية، وهو مذهب الشافعية، وكذلك اختاره جمع من أهل الحديث، والظاهرية رحمة الله على الجميع، فهم يرون أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم والمنفرد والإمام، وأنك إذا صليت وراء الإمام في جهرية أو سرية يجب عليك قراءة الفاتحة. القول الثاني: لا تجب على المأموم قراءة الفاتحة وراء الإمام مطلقاً، وهو مذهب الحنفية رحمة الله عليهم. القول الثالث: تجب عليه في السرية دون الجهرية، كما هو موجود في مذهب المالكية، وكذلك بعض أصحاب الإمام أحمد يميل إليه، وقالوا: إذا جهر لا يقرأ، ولا تلزمه القراءة، وإذا أسر وجبت عليه القراءة. وأصح هذه الأقوال والعلم عند الله القول بوجوب القراءة مطلقاً، وذلك لما يأتي: أولاً: لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، والقاعدة في الأصول أن (أيّ) من ألفاظ العموم، وما فرّق النبي صلى الله عليه وسلم بين صلاتك إماماً أو مأموماً أو منفرداً، نافلة أو فريضةً، فالأصل في العام أن يبقى على عمومه حتى يرد ما يخصصه، ولا مخصص. الدليل الثاني: أنه ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه استثنى الفاتحة في القراءة وراء الإمام حتى في الجهرية، فثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (صلى بالناس الصبح فسمع قارئاً يقرأ وراءه، فقال: إنكم تقرءون وراء إمامكم؟ قالوا: نعم. قال عليه الصلاة والسلام: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فهذا نص، والذين قالوا بعدم القراءة قالوا: هذا منسوخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث جابر: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، قالوا: فهذا يعتبر ناسخاً لحديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب). والجواب عن هذا القول من وجوه: أولاً: إنه لا يصح النسخ بالاحتمال، حيث لم يثبت دليل يدل على تأخر هذا الحديث عن الحديث الذي ذكرناه: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب). ثانياً: أن هذا الحديث ضعيف، وجماهير المحدثين على ضعفه، فلا يقوى على معارضة ما هو أصح منه. ثالثاً: أن قوله: (فقراءة الإمام له قراءة) المراد به: القراءة التي بعد الفاتحة، فبالإجماع أنك إذا صليت وراء الإمام أنك تترك قراءته، وهذا هو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر، ولذلك نهى الصحابي لما قرأ بـ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] فقال: (مالي أنازعها)، فلذلك يفهم من هذا أن المراد بقوله: (فقراءة الإمام له قراءة) ما بعد الفاتحة. وبناءً على هذا يترجح القول بوجوب القراءة مطلقاً، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج). وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وقوله في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب). فهذه الأدلة تقوي مذهب من قال بأنه يقرأ في السرية والجهرية. أما السؤال: متى يقرأ إذا كان وراءه، فإنَّ قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] لا يعارض ما نحن فيه؛ فإن القاعدة: (العام يخصص إذا أمكن تخصيصه)، وقد جاءنا الحديث يقول: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فهذا مخصص، والقاعدة: (لا تعارض بين عامٍ وخاص). فنقول قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ} [الأعراف:204] محمول على العموم إلا في الصلاة؛ لأنك مطالبٌ بالقراءة كما يقرأ إمامك، وبناءً على ذلك: فله قراءته وأنت لك قراءة، فلا يصح أن تترك الفرض للاستماع الذي هو دونه في الوجوب، حتى لو قلنا بوجوب استماع القرآن، فقد تعارض الفرض الذي هو ركن الصلاة والواجب، والقاعدة أنه إذا تعارض الفرض والركن مع الواجب يقدّم الفرض والركن على الواجب، فهذا وجهٌ. الوجه الثاني: أن أبا هريرة رضي الله عنه -كما روى البيهقي عنه بسندٍ صحيح في جزء القراءة وراء الإمام- لما قيل له ذلك قال: (اقرأها في سرك)، وجاء عن بعض السلف: اقرأها في سكتات الإمام، فتقرؤها في سكتات الإمام كسكتته بين الفاتحة والسورة، أو سكتته قبل الركوع، فهذا الذي تميل إليه النفس. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
باب صفة الصلاة [4]
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [4] إذا رفع المصلي رأسه من الركوع فإنه يسجد مكبراً، والسجود ركن من أركان الصلاة، وله صفة معلومة، ثم يرفع من السجود ويجلس بين السجدتين كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه الجلسة ركن من أركان الصلاة أيضاً، ثم يسجد سجدة ثانية كالأولى، ثم يرفع منها ويقوم للركعة الثانية، ويفعل فيها كما فعل في الأولى، ما عدا تكبيرة الإحرام والاستفتاح.
السجود وأحكامه
السجود وأحكامه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ثم يخر مكبراً ساجداً]. الخرور: هو السقوط من أعلى إلى أسفل، ومنه قوله تعالى: {فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل:26]، ولذلك قال بعض العلماء: إنه إذا قرأ الإنسان آية السجدة وكان جالساً فليقف حتى يأتسي بداود عليه السلام في خروره؛ لأنه لما كان الخرور من أعلى إلى أسفل فإنه يقف لكي يسجد. ويُفهم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه الميل إليه، وإن فعله الإنسان فحسن، لكن الأقوى واختيار الجماهير أنه يسجد على حالته. والمراد بهذا الخرور تحصيل الركن البعدي، وهو مرحلة الانتقال من ركن الرفع بعد الركوع إلى ركن السجود، وهذا الركن الذي يَخِرُّ إليه عبر عنه بقوله: (مكبراً ساجداً) أي: حال كونه مكبراً قائلاً: الله أكبر، وقد تقدم أن هذا التكبير يسميه العلماء رحمة الله عليهم تكبير الانتقال؛ لأنه ينتقل فيه من ركنٍ إلى ركن، ما عدا تكبيرة الإحرام. فقوله: (ثم يخر مكبراً) أي: قائلاً: (اللهُ أكبر) كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. والسنة أن يوافق تكبيره الفعل كما تقدم معنا غير مرة، لأنه إذا وُجِد من لا يراه ويسمع صوته فإنه يساويه في الفعل ولا يسبقه، ومن يراه ولا يسمع صوته كذلك أيضاً يساويه في الفعل، فحينما يوافق تكبيره خروره فإن ذلك أنسب لحصول ائتمام الناس به إذا كان إماماً.
أدلة وجوبه ومعناه
أدلة وجوبه ومعناه أمر الله بهذا السجود فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، وأجمع العلماء على أنه ركنٌ من أركان الصلاة. والسجود: أصله التذلل والخضوع، ويتضمن إظهار الحاجة لله عز وجل بما يشتمل عليه من الأذكار من التسبيح والتحميد والتمجيد لله عز وجل، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي)، وهذا السجود أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته فقال: (ثم اسجد)، فأمره بالسجود، ولذلك قلنا بلزومه ووجوبه، وسيأتي أنه من أركان الصلاة. وهذا الخرور بين فيه المصنف صفةً معينة هي من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، على أحد القولين عند العلماء وسيأتي بيانها.
وجوب السجود على سبعة أعضاء
وجوب السجود على سبعة أعضاء قال رحمه الله تعالى: [ساجداً على سبعة أعضاءٍ: رجليه، ثم ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه] هذه السبعة الأعضاء ثبت فيها الحديث عن ابن عباس رضي لله عنهما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم) ثم ذكرها، وابتداء المصنف بذكر الرجلين لأن المصلي ثابت عليهما، والسجود على الرجلين ليس المراد به أن يرفع ويعود، وإنما لبكونه ينتقل إلى الخرور فيضطر إلى ميل الرجلين، فكأنه سجد على الرجلين، وهو في الحقيقة ساجد؛ لأن السنة لمن سجد أن يستقبل بأصابع الرجلين القبلة كما هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حرص على أن تستقبل أصابع رجليه القبلة فإنه يتمكن من السجود أكثر، ولذلك تجد الأعضاء قد تمكنت من الأرض، وهذا أبلغ ما يكون في الذِّلَّة لله عز وجل بالسجود، فحينما يستشعر الإنسان أن أعضاءه جميعها مستغرقة للسجود، وأنه متذلل لله عز وجل، فذلك أبلغ ما يكون في التذلل والخضوع لله سبحانه وتعالى، وهذا هو المقصود من الصلاة، فيستقبل بأطراف أصابعه القبلة، كما جاء في الحديث، وكذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رصّ العقبين، فلم تكن مفرجة، وإنما كان يرص قدميه صلوات الله وسلامه عليه، فيبتدئ بالرجلين مستقبلاً بهما القبلة، فإذا انحنت الرجلان فقد سجدتا؛ لأنه قد تحصل بهما السجود من جهة الاعتماد.
كيفية الهوي للسجود
كيفية الهوي للسجود قوله: [ثم ركبتيه] هذا على القول بأنه يقدِّم الركبتين على اليدين، وهو أحد الوجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، وقال طائفة من أهل العلم: يقدم اليدين على الركبتين. والسبب في ذلك: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبرك الرجل كما يبرك البعير، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه قبل ركبتيه) أخرجه أبو داود. ففي روايةٍِ: (يضع ركبتيه قبل يديه)، وفي رواية: (يضع يديه قبل ركبتيه)، فنظراً لهذا الاختلاف في الروايات اختلف العلماء رحمهم الله: فمنهم من رجّح أن يقدِّم الركبتين كما درج عليه المصنف رحمه الله، واحتجوا برواية أبي هريرة التي تدل عليه، وكذلك حديث وائل بن حجر رضي الله عنه وأرضاه وأنه: (قدّم ركبتيه على يديه) لهذا قالوا: إنه يقدم الركبتين على اليدين. وقالت طائفة: يقدم اليدين على الركبتين، وذلك لرواية في حديث أبي هريرة، وهي عند أبي داود في سننه بسندٍ صحيح، وفيها تقديم اليدين على الركبتين. وقالوا: إن رواية وائل بن حجر مطعونٌ فيها من جهة الثبوت. ثم قالوا: إن صدر الحديث يدل على ترجيح هذه الرواية، وذلك من جهة أن البعير يقدِّم ركبتيه على يديه حال بروكه، ولذلك إذا رأيت البعير أراد أن يبرك فإنه يقدم الركبتين قبل تقديمه لرجليه، ومن ثم قالوا: إنه من السنة أن يقدم اليدين، فإذا قلنا بتقديم الركبتين شابه البعير، وإلا تناقض صدر الحديث مع عجزه. وللشيخ ناصر الدين رحمه الله في الإرواء بحث جيد في هذا يُرجع إليه، وكذلك أشار إلى شيء منه في صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. والحقيقة أن هذا القول هو أعدل الأقوال وأولاها إن شاء الله بالصواب، وهو أنه يقدم اليدين، ولو ترجح عند الإنسان تقديم الركبتين على اليدين فليقدِّم الركبتين على اليدين ولا حرج عليه، فكلٌ على خير، فمن ترجَّح عنده تقديم الركبتين فليقدم، ومن ترجح عنده تقديم اليدين فليقدم، لكن الخلط بين الروايتين باطل؛ إذ يقول بعض طلاب العلم: نجمع بين الروايتين بأن نفعل هذا تارة وهذا تارة. فليس الخلاف هنا من خلاف التنوع الذي يسوغ فيه الجمع بين الصفات، وذلك لورود النهي عن بعضها، فبالإجماع أنه منهيٌ عن واحدةٍ منها، فإذا فعلت هذا تارة وهذا تارة فقد وقعت في المحظور، ولذلك إما أن يأخذ الإنسان برواية أبي داود الثابتة في تقديم اليدين على الركبتين، إضافةً إلى أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يفعل ذلك، وهذا يترجح أيضاً بما جاء عن السلف، كما قال الأوزاعي وهو فقيه الشام، ومنزلته ومكانته لا تخفى: (أدركتهم يقدمون اليدين على الركبتين) أي: إذا سجدوا. فإذا ترجح عند إنسان هذا القول عمل به، وإن ترجح عنده غيره عمل به. وليتأكد من أن أهل اللغة يقولون: إن ركبتي البعير في مقدمته. فهذا يُرجع ويحتكم إليه عند الخلاف؛ لأنه إذا ثبت قولهم: إن ركبتي البعير في يديه فحينئذٍ يُقدِّم المصلي الركبتين على اليدين، وإن قيل: إن الركبتين في موضعهما كما يُفهم من قول صاحب اللسان، وهو الذي اعتمده غير واحد من أهل اللغة فحينئذٍ يترجح القول بتقديم اليدين على الركبتين، وهذا هو الذي تميل إليه النفس، وهو قول طائفة من السلف كما ذكرنا. قالوا: إن مما يؤكد هذا القول أن النزول على اليدين أرفق بالإنسان، وخاصةً إذا كان مع الضعف؛ فإن الغالب فيه أنه إذا خرّ يحتاج للاعتماد على اليدين أكثر من اعتماده على الركبتين، ولذلك تجده يتحامل عند تقديمه للركبتين على اليدين، وهو أرفق وأولى بالاعتبار من هذا الوجه.
حكم الحائل بين أعضاء السجود والأرض
حكم الحائل بين أعضاء السجود والأرض قال رحمه الله تعالى: [ولو مع حائل ليس من أعضاء سجوده] ذكرنا أن هذه السبعة الأعضاء يُسجد عليها، وهذا على سبيل الوجوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، خلافاً لمن قال بعدم وجوب السجود عليها. وبناءً على ذلك فمن سجد فإنه يراعي في سجوده سجود الرجلين بالصفة التي ذكرناها، وكذلك سجود الركبتين بالتصاقهما بالأرض، وسجود الكفين، وذلك بالتصاقهما بالأرض، وسجود الجبهة والأنف، وذلك بوضعهما على الأرض، فلو سجد ورفع رجليه فإنه يُعتبر آثماً، ولا يصح سجوده في قول طائفة من أهل العلم رحمةُ الله عليهم، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالسجود على هذا الوجه، وكذلك لو رفع إحدى الركبتين متعمداً دون حاجةٍ فإنه يأثم ولا يصح سجوده في قول من ذكرنا. فإن وضع أعضاءه على الأرض، ووجد الحائل بينها وبين الأرض، سواء في مقدمة الإنسان أم في مؤخرته، فإن الحائل في القدمين والركبتين يكاد يكون بالإجماع أنه لا يؤثر، وتوضيح ذلك: لو صلَّى في نعليه، فإنه سيكون اعتماده على النعلين، وهذا مع وجود حائلٍ متصل، فقالوا: لا يؤثر. وكذلك الحال بالنسبة للركبتين، فإنه لو صلّى سيصلي بثوبه، وبناءً على ذلك فالحائل المتصل بالإنسان في هذين الموضعين بالإجماع لا يؤثر، وقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي في نعليه وخفيه، ومن المعلوم أن الخف والنعل يحول بين الإنسان وبين إلصاقه العضو بالأرض مباشرة. أما بالنسبة لليدين والجبهة فإن كان على حصيرٍ أو سجاد أو خمرة فإنه بالإجماع لا يؤثر، فقد ثبت في الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاهم عند أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها وأرضاها قال: فقال لنا: (قوموا فلأصل لكم)، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، وهذا الحديث في صحيح مسلم، قالوا: إنه صلى على حصير. وفي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام لـ عائشة رضي الله عنها: (ناوليني الخمرة، قالت: إني حائض، قال: إن حيضتك ليست في يدك) والخمرة: أصلها من خمّر الشيء إذا غطاه، وهي قطعة توضع لكي تحول بين الوجه وبين الأرض يُسجد عليها وتكون من قماش، كالسجادة الصغيرة، وكالقطعة التي تسع مقدم الإنسان، أو تسع غالب أجزائه. فهذا يدل على أن الحائل بالسجاجيد لا يؤثر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرده ولم يعتبره مؤثراً في سجوده. والسنة أن الإنسان إذا كانت أعضاؤه على الأرض أن تلي الأرض، فإن وُجِد هذا الحائل الذي لا يؤثر فلا إشكال. لكن لو أن إنساناً قصد وضع الحائل للحاجة إلى ذلك، كأن يكون في حرٍ شديد، فلو سجد ربما أضر بجبهته وأنفه فيؤثر عليه، فهل له أن يبسط طرف الثوب مثل كمه أو طرف الرداء، ويجعله تحته إذا سجد لكي يكون أرفق به؟ A ثبت الحديث عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا إذا أرادوا أن يسجدوا بسط أحدُهم طرف ثوبه فسجد عليه من شدة الحر في صلاتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا حرج أن يكون ما يسجد عليه حائلاً، ولو بحائل متصل، وهذا الذي دعا المصنف إلى أن يقول: (ولو مع حائل) إشارةً إلى هذا الأصل الذي دلت السنة عليه. السجود مع الحائل إذا لم توجد إليه حاجة فهو ممنوع، وشدد بعض العلماء فقال: إنه إذا احتاج إلى حركة وأفعالٍ من أجل الحائل فإنه لا يبعد أن يأثم، كأن يسحب شيئاً من أجل أن يسجد عليه، فيتكلف دون وجود الحاجة، ومن أمثلة ذلك أن يصلي المصلي فتنقلب سجادته، ويكون بإمكانه أن يسجد على الأرض، فلا ينبغي له أن يشتغل بقلب السجادة؛ لأنها حركة زائدة، خاصةً في الفريضة، ومن مشايخنا رحمة الله عليهم من كان يشدد في ذلك، خاصةً طلاب العلم، لمقام الهيبة والوقوف بين يدي الله عز وجل، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن في الصلاة لشغلا)، فكونه لا توجد الحاجة ويشتغل بقلب السجادة وردها، خاصةً إذا كان هناك هواء وريح، فإنه اشتغالٌ بما لا تأثير له في الصلاة، وليس من جنس أفعال الصلاة، فليتركها على حالها، ويتفرغ لطاعته لله عز وجل بالسجود على الأرض، بل أبلغ وأعظم قربةٍ إلى الله عز وجل أن يعفِّر الإنسانُ جبينه بالسجود لله سبحانه وتعالى. وقد ثبت عن خير خلق الله، وحبيب الله صلى الله عليه وسلم أنه سجد على الطين حتى رئي أثر الماء والطين في جبهته صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلة، ولذلك لما أثنى الله على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم وزكّاهم قال سبحانه: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29]. فلذلك كلما سجد على الأرض وتذلّل لله عز وجل كان أبلغ، ولا ينبغي -كما قلنا- تكلف وجود الحائل، خاصة مع الحركات في الصلاة، أما قبل الصلاة فلو وضع الحائل فلا بأس. وهنا مسألة يخشى فيها على دين الإنسان، وقد أشار إليه بعض أهل العلم وهي أن بعض المصلين يتتبع المواضع الحارة للصلاة فيها، حتى تحترق جبهته، ليكون شعار الصلاح في وجهه نسأل الله السلامة والعافية (خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين) لأنه يريد الرياء ويريد ما عند الناس من التزكية والثناء، فلا يجوز للإنسان أن يبالغ في سجوده في المواضع التي يترتب على السجود فيها حصول الأثر، وهكذا الضغط على الجبين حتى يظهر في وجهه أثر السجود، فهذا لا ينبغي، إنما ينبغي أن يترك الأمر على ما هو عليه دون تقصُّد. وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم يخافون من ظهور الخير من الإنسان فضلاً عن أن يطلبوا أمارات الصلاح رضي الله عنهم وأرضاهم، وكان الرجل منهم إذا اطُّلع على عبادته ربما بكى وأشفق على نفسه من الفتنة، فنسال الله السلامة والعافية، فالمبالغة في وضع الجبهة على مكان السجود حتى تؤثر في الجبين، أو تؤثر في مارِن الأنف كل ذلك مما ينبغي للإنسان أن يحذره، وأن يتقي الله في عبادته، وأن يجعلها لله، فإن الله وصف أهل النفاق بأنهم: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء:142]، فنسأل الله أن يعيذنا من أخلاقهم، وأن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال.
مجافاة العضدين حال السجود
مجافاة العضدين حال السجود قال رحمه الله تعالى: [ويجافي عضديه عن جنبيه] المجافاة: أصلها البعد، وجفاه: إذا قلاه وابتعد عنه، أو امتنع من كلامه والقرب منه، والمجافاة بين العضد والجنب هي أن لا يقرِّب عضده من جنبه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث وائل، وكذلك في الأحاديث الصحيحة عنه أنه جافى، وثبت في حديث البراء قال: (إن كنا لنأوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم من شدة ما يجافي)، فكان إذا سجد جافى حتى يرى بياض إبطيه صلوات الله وسلامه عليه. وهذه المجافاة تعين على تمكن أعضاء الإنسان من السجود، بخلاف ما إذا طبّق بينها أو افترش افتراش السبع، فإن هذه الحالة لا تكون أبلغ في سجوده وتمكن أعضائه من الموضع. فالمجافاة سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يؤذي جاره إذا كان في الصف، فهي سنةٌ لمن تيسر له ذلك، فإذا كان بجواره من يزعجه ويضايقه حين يجافي فإنه في هذه الحالة يجافي بقدر معين؛ لأنه كما أنك تريد تحصيل السنة، كذلك هو يريد تحصيل السنة، فلو ذهب كل منكما يجافي فإنه يضر بالآخر، ولذلك يجافي الإنسان عند الإمكان، واستثنى أهل العلم مَن كان في الصف، ولذلك قالوا: تأتَّى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يتأت لغيره، وذلك لكونه إماماً؛ فإن الإمام يتمكن من السجود أكثر، ويتمكن من المجافاة أكثر.
مجافاة البطن عن الفخذ حال السجود
مجافاة البطن عن الفخذ حال السجود قال رحمه الله: [وبطنه عن فخذيه] فلا يجعل الفخذين حاملين للبطن، وهذا من السنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإنسان مع هذه المجافاة يجد نوعاً من المشقة، ولكنها طاعةٌ وقربة، ولذلك يُحس بأثر هذا السجود، ولعله عند سجوده وحصول نوعٍ من الأثر عليه يُحس بالسجود بين يدي الله، لكنه لو ارتفق ربما ارتاح لذلك فأنست نفسه، ولذلك قال بعض العلماء: إن المجافاة تُشعر الإنسان بالسجود بين يدي الله. وجرِّب ذلك، فإنك كلما جافيت وحرصت على أن يكون هناك مجافاة بين وسطك وبين العضدين والجنب فإنك تجد أنك تُحس بالسجود وثقله عليك، وهذا أدعى لاستشعار الإنسان مقامه بين يدي الله عز وجل، وذلك أدعى لحضور قلبه وخشوعه. قال رحمه الله تعالى: [ويفرق ركبتيه] أي: يفرِّق الركبتين، فليس من السنة التصاقهما، ولذلك يرص العقبين ويفرِّق بين الركبتين، وهذا إذا كان رجلاً، كما سيأتي.
قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود
قول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود قال رحمه الله تعالى: [ويقول: سبحان ربي الأعلى] بعد أن فرغ رحمة الله عليه من بيان صفة السجود الفعلية بدأ بما ينبغي على المكلف أن ينتبه له من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم القولي، فقد كانت للنبي صلى الله عليه وسلم أذكارٌ وأدعية في سجوده، فيُسن للإنسان أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، وهذا الموضع من أبلغ المواضع ذِلةً لله سبحانه وتعالى، وقال بعضهم: إنه من أشرف مواضع الصلاة. ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه من مواطن الإجابة فقال: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً)، وقال عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع: (فقمنٌ أن يستجاب لكم) أي: حريٌ أن يستجاب لكم من الله عز وجل، وذلك لما فيه من بالغ الذلة لله سبحانه وتعالى. فيقول: (سبحان ربي الأعلى)، وهذا التسبيح يُعتبر من أذكار السجود الواجبة فيه، ولذلك لما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] قال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوها في سجودكم). ولما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال: (اجعلوها في ركوعكم)، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا سجد قال: (سبحان ربي الأعلى)، وهذا من الدعاء بالمناسبة، فهو في أدنى ما يكون ذلَّة لله، فقابلها بما يكون من صفة العلو لله سبحانه وتعالى، فقال: (سبحان ربي الأعلى)، وفيه ردٌ على من ينفي جهة العلو لله سبحانه وتعالى، وسيأتي إن شاء الله أن هذا الذكر من واجبات الصلاة. وله أن يدعو بالأدعية التي يريدها من خيري الدنيا والآخرة، فلا مانع أن يسأل الله العظيم من فضله سواء أكان في نافلةٍ أم فريضة. وقد جاء في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه افتقدته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، قالت: (فجالت يدي) أي: في حجرتها، وكانت حجرة النبي صلى الله عليه وسلم من الضيق بمكان؛ لأن الله اختار له الآخرة، ولم يختر له الدنيا، كان إذا أراد أن يسجد لا يستطيع أن يسجد حتى تقبض عائشة رجليها من أمامه، فتقول: (افتقدته فجالت يدي فوقعت على رجله ساجداً يقول: يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) فكان من أجمع الدعوات وأفضلها وأعزها وأكرمها أن يسأل الله الثبات على دينه، فجعله في هذا الموضع، فكونه ساجداً بين يدي الله، وكونه في ظلمات الليل التي هدأت فيها العيون، وسكنت فيها الجفون يدل على شرف هذا الموضع، فاختار له هذه الدعوة العظيمة وهي الثبات على الدين، وكان من هديه أن يقول: (يا مقلب القلوب: ثبت قلبي على دينك)، وفي رواية: (صرّف قلبي في طاعتك). المقصود أن من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء في السجود، فعلى الإنسان أن يدعو ويسأل الله من فضله.
صفة الجلوس بين السجدتين
صفة الجلوس بين السجدتين قال رحمه الله: [ثم يرفع رأسه مكبراً] أي: إذا فرغ من السجود رفع رأسه مكبراً، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الرفع، كما في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في حديث المسيء صلاته، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع)، فأمره بالرفع من السجود لكي ينتقل إلى الركن البعدي، وهو الجلوس بين السجدتين. قال رحمه الله تعالى: [ويجلس مفترشاً يسراه ناصباً يمناه] أي: يجلس حال كونه مفترشاً يسراه، فيقلبها لكي تكون حائلاً بين الإلية والأرض، ولما صارت حائلاً بين إليته والأرض فإنها تعتبر بمثابة الفراش الذي يحول بين البدن وبين الأرض، فمن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يفترش رجله اليسرى كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صفة صلاته صلوات الله وسلامه عليه، فيفترش اليسرى ويجعلها بمثابة الفراش، ثم ينصب يمناه.
دعاء الجلوس بين السجدتين
دعاء الجلوس بين السجدتين قال رحمه الله تعالى: [ويقول: رب اغفر لي] أي: يستقبل بأطراف أصابعه اليمنى القبلة كما هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: رب اغفر لي. وهو الدعاء الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يقول: (رب اغفر لي. رب اغفر لي)، وكان يقول عليه الصلاة والسلام دعاءه المأثور في السنن: (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني واهدني وعافني وارزقني)، وهذه أدعية تجمع خيري الدنيا والآخرة للعبد، فسأل الله عز وجل خير دينه، وذلك بسؤاله الرحمة والمغفرة، وقال: (اجبرني وارفعني) وهذا للدين والدنيا والآخرة، فإنه جبر لأمور الدين والدنيا، ورفعة في أمور الدين والدنيا، وقال بعد ذلك عليه الصلاة والسلام: (وعافني وارزقني) فهذا أيضاً من خير الدنيا؛ فإن الإنسان إذا عُوفي فقد تمت عليه نعمة الله عز وجل بالنسبة لأمور الدنيا؛ لأن أكثر المصائب في الدنيا إنما تقع بسبب زوال عافية الله عز وجل عن العبد، وإذا سُلب العبد العافية فقد هلك، كما قال صلى الله عليه وسلم: (يا عم رسول الله سل الله العافية). فكان يسأل عليه الصلاة والسلام بين السجدتين العافية، ويكون هذا الموضع موضع دعاء، وللعلماء في ذلك وجهان: قال بعضهم: هو موضع دعاء فيشرع أن يدعو الإنسان بما يتخير من أمور دنياه وأخراه، وقال بعضهم: يُتقيد بالوارد. وهذا أقوى، ولكن إذا لم يحفظ، كأن يكون عامياً فلا بأس أن يدعو بما تيسر له. والسبب في أنه يدعو بما تيسر له أن السنة أمران، الأمر الأول: دعاء، والثاني: لفظٌ مخصوص، فإن تعذر عليه اللفظ المخصوص فالسنة أن يسأل، وهو قول الجماهير كما نسبه غير واحدٍ إليهم، فإذا كان لا يستطيع أن يحفظ الوارد، أو كان يجهله ودعا بما تيسر له، كدعائه له ولوالديه فلا حرج، والأفضل والأكمل أن يدعو بالدعاء المأثور، وفرقٌ بين قولنا: الأفضل، وبين أن يقال: إن هذا حرامٌ وبدعة. فلا يسوغ للإنسان أن يحرِّم، إنما يكون التحريم في ألفاظ الذكر المخصوصة، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يسكت عن الصحابة، ولم يأمرهم بلفظ مخصوص بين السجدتين يدل على أن الأمر واسع، وهذا قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم، وينبه على أن الحكم بالبدعة يحتاج إلى دليل، والأصل في الأذكار التوقيف، لكن إذا كان المحل محل تمجيد، أو دعاء، أو أُثر فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء فإن لمن دعا فيه -كأن يدعو له ولوالديه- وجه من السنة، وإن قال: أنا لا أدعو بذلك؛ لأني لا أراه، فله أن يقول ذلك، أما أن يُقال لمن دعا: ابتدعت، ويُحرم عليه، ويحكم بكونه آثماً في صلاته فهذا يحتاج إلى نظر، ولذلك قال بعض العلماء: يدعو لوالديه لتعذر ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه نُهي عن الدعاء لوالديه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك يبقى غيره على الأصل من أمر الله عز وجل له بالدعاء ولوالديه، فلا حرج عليه أن يدعو، لكن السنة والأفضل والأكمل للإنسان أن يتقيد بالوارد. قال رحمه الله: [ويسجد الثانية كالأولى] أي: يسجد السجدة الثانية، ويفعل فيها ما فعل في الأولى من الهدي العملي والقولي.
الانتقال من السجود إلى الركعة الثانية
الانتقال من السجود إلى الركعة الثانية قال رحمه الله: [ثم يرفع مكبراً] أي: ثم يرفع رأسه من سجوده مكبراً لكي ينتقل إلى الركعة الثانية إذا كان في شفع، سواء أكان في الفرض أم النفل. قال رحمه الله تعالى: [ناهضاً على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه إن سهل] هذا وجه عند أهل العلم رحمة الله عليهم، وهو أنه يعتمد القائم من السجود على ركبتيه وصدور قدميه إذا تيسر له ذلك، وهو قول بعض السلف رحمة الله عليهم. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم اعتماده على الأرض كما في حديث العَجْن، وكذلك في حديث مالك بن الحويرث وللعلماء في ذلك وجهان: منهم من قال: إن كان الإنسان مطيقاً قادراً قام على صدور القدمين والركبتين، كما جاء في بعض الروايات عنه عليه الصلاة والسلام من قيامه على هذا الوجه، فإن كان عاجزاً، أو لا يستطيع الأخذ بحديث العجْن فلا حرج عليه. وحديث العجن مختلفٌ في إسناده، وإن كان حسنه بعض أهل العلم وقال بثبوته، فلا حرج في الأخذ بهذه السنة والعمل بها، والعَجْن: أن يجمع أصابعه لكي يتمكن من وضعها، ثم يقوم معتمداً عليها؛ لأنه إذا أراد أن يعجن العجين جمع أصابعه ثم اتكأ عليها، هذا بالنسبة لصفة قيامه من السجود.
تحقيق القول في جلسة الاستراحة
تحقيق القول في جلسة الاستراحة مسألة جلسة الاستراحة للعلماء فيها وجهان: فمنهم من قال: هي سنةٌ مطلقاً للكبير والصغير، واحتجوا بحديث مالك بن الحويرث، وما جاء في بعض روايات حديث أبي حميد الساعدي، وما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علّم المسيء صلاته أمره بهذه الجلسة، ولكن هذه الزيادة في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ضعيفة، ونبَّه على ضعفها غير واحد كما أشار إليه الحافظ ابن حجر رحمةُ الله عليه، هذه الزيادة من أمره عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته بعد فراغه من السجدة الثانية أن يرجع ضعيفة، والأقوى فيما اعتمده الإمام الشافعي رحمه الله في إثبات هذه الجلسة -وهو وجهٌ عند الحنابلة- حديث مالك بن الحويرث، وهو حديث صحيح لا يختلف اثنان في ثبوته، ولكن الإشكال أن مالك بن الحويرث قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره بعد عام الوفود. وثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه في آخر عمره أخذه اللحم، بمعنى أنه بدُن وثَقُل صلوات الله وسلامه عليه، كما في حديث عائشة: (فلما سن وأخذه اللحم) ولذلك كان يصلي في قيام الليل جالساً، حتى إذا قرُب من قدر مائة آية قام وقرأها ثم ركع. فقالوا: كونه يراه في آخر عمره بهذه الصفة يدل على أنه كان يفعلها لحاجة، فهي سنةٌ للمحتاج، إما لضعفٍ أو مرضٍ أو كِبَر، ولكن الحدث والقادر فإنه يقوم مباشرة. وهذا القول هو أولى الأقوال، وهو مذهب المالكية والحنفية، وقولٌ عند الحنابلة رحمة الله عليهم، والدليل على ذلك أنه ثبت عندنا أمر في حديث أبي هريرة في قصة المسيء صلاته إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع)، وهذا بعد السجود، وهو في الصحيحين، والأمر يقتضي الوجوب. وحديث مالك متردد بين أن يكون سنةً جبلِّية لمكان الحاجة، وبين أن يكون سنةً تشريعية للأمة، ولمكان هذا الاختلاف فإنه يُبقى على الأصل من كونه يقوم مباشرةً، ومن تأول هذه السنة وفعلها أيضاً فلا حرج عليه، فلو ترجح عند الإنسان الأخذ بحديث مالك بن الحويرث واعتبرها سنةً مطلقة فإنه لا حرج عليه ولا يُنكر عليه، وكلٌ على سنة وخير. فالأصل عند سلف الأمة رحمةُ الله عليهم أنه لا يُشنَّع عليه ولا يُبدَّع، ولا يؤذى من تأول سنة النبي صلى الله عليه وسلم وعنده سلفٌ من هذه الأمة يقول بقوله، فلا حرج على من جلس وهو يتأول السنة، ومثابٌ إن شاء الله، ولا حرج على من قام وهو يتأول السنة. ولكن لو ترجح عند الإنسان أن جلسة الاستراحة تعتبر سنة فالأفضل له أن لا يداوم عليها؛ لأن كون الصحابة كـ ابن عمر وأبي هريرة وأنس، والذين هم محافظون على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقومون بعد السجود مباشرة، ولم يُحفظ عن واحدٍ منهم أنه كان يجلس هذه الجلسة يدل ويؤكد على أنها على الأقل لا يُوَاظَب عليها؛ لأنه لو وُوظِب عليها لانتشر ذلك وذاع بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك الأولى والأحرى أن الإنسان إذا تأوّل اعتبارها أن لا يداوم عليها، وإنما يفعلها أحياناً. وهنا مسألة وهي: لو ترجح عند الإنسان أنها سنة، فإذا سها مرة فظن أنه في الركعة الثانية، فلما رفع من السجود وفي نيته أن لا يجلس جلسة الاستراحة، فكان عليه أن يقوم، فجلس ناوياً التشهد، ثم تذكر أنه في الركعة الأولى، فهل تنقلب إلى جلسة استراحة، أو تعتبر عملاً زائداً في الصلاة ويسجد للسهو؟ و A لو أنه ابتدأ بالتشهد وتكلم فلا إشكال، لكن قبل أن يتكلم بالتشهد إن تذكَّر ثم قام فالذين يقولون: لا تشرع جلسة الاستراحة للحدث عندهم وجه واحد وهو أنه يسجد سجود السهو. والذين قالوا بمشروعية جلسة الاستراحة اختلفوا: فقال بعضهم: يسجد للسهو؛ لأنه لم يفعلها بقصد السنية، وإنما فعلها على سبيل السهو، والسجدتان جابرتان لهذا النقص. وقال بعض العلماء: إنها تنقلب جلسة استراحة؛ لأن سجود السهو إنما شُرِع لزيادة وهو في الحقيقةِ لم يَزِد، وهذا مبني على أصل، هل يغلّب الظاهر أو الباطن؟ إن قلت: يُغلَّب الباطن لزمه سجود السهو؛ لأنه في الباطن يَعتقد أنها جلسة التشهد، وإن قلت: يُغلَّب الظاهر فإنه في هذه الحالة لا يلزمه أن يسجد؛ لأن الظاهر معتبرٌ مأذونٌ به شرعاً. والوجهان ذكرهما الإمام النووي رحمه الله، وغيره من أصحاب الشافعي الذين يقولون بمشروعية جلسة الاستراحة، وكلا الوجهين من القوة بمكان، لكن القول الذي يقول: إنه يسجد للسهو أقوى من ناحية النظر.
ما يفعله المصلي في الركعة الثانية
ما يفعله المصلي في الركعة الثانية قال رحمه الله تعالى: [ويصلي الثانية كذلك ما عدا التحريمة والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية] قوله: (الثانية) أي: الركعة الثانية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصف للمسيء صلاته الركعة الأولى أمره أن يفعل في الثانية مثل ما فعل في الأولى، والسنة أن تكون الثانية أخف من الأولى. قال بعض العلماء: تخفَّف قسطاً. وقال بعضهم: هي كالأولى في قدر المقروء. وتوضيح هذين القولين أننا لو قلنا: تخفف قسطاً -أي: في القراءة، لأن طول القيام يقوم على القراءة- فمعناه: أن تختار سورة أقل من السورة التي في الركعة الأولى، وإن قلت: ليس المراد أن تخفف قسطاً، وإنما باعتبار فلك أن تختار سورةً مثل السورة التي في الركعة الأولى، ويكون التخفيف بفارق دعاء الاستفتاح في الأولى، فهذا الفرق بين الوجهين، تخفيفها قسطاً أقوى من جهة السنة، ولكن هناك أحاديث تدل على أنه لا حرج أن تتساوى الركعة الأولى مع الثانية في القراءة، ويكون الفضل لدعاء الاستفتاح، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام قراءته للزلزلة في الركعتين، قال الصحابي: ما أُرَاه إلا نسي. وهو في الحقيقة لم ينس عليه الصلاة والسلام، وإنما فعل ذلك لكي يبين أنه لا حرج أن تقرأ في الركعة الثانية نفس السورة التي قرأتها في الركعة الأولى. فهذا الحديث يشير إلى أن التخفيف في الركعة الثانية قد يكون باعتبار زيادة دعاء الاستفتاح، خاصةً إذا أطال الإنسان في قيام الليل، ولكن وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في تخفيفه للقراءة في الركعة الثانية عن الركعة الأولى، وبناءً على هذا يكون حال الإنسان في الركعة الثانية أخف، فلا يدعو بدعاء الاستفتاح، ولا يُكبر تكبيرة الإحرام، وإنما يكبر تكبيرة الانتقال، ولا يتعوذ على ما اختار المصنف، وإن كان الأقوى أنه يتعوذ، وذلك لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]، وللعلماء في هذه المسألة وجهان: فمنهم من قال: يتعوذ. ومنهم من قال: لا يتعوذ. والسبب في هذا الفاصل، فهل هو من جنس العبادة الواحدة، أم من جنس العبادة المختلفة؟ والأقوى أنه يتعوَّذ، فالذين يقولون: إن انتقاله لا يؤثر يقولون: ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ -كما في حديث ابن مسعود - في قيام الليل، فما مر بآية رحمةٍ إلا سأل الله من فضله، ولا مر بآية عذاب إلا استعاذ بالله، قالوا: ففَصَل بين القراءة الأولى والقراءة الثانية بالتعوذ وسؤال الرحمة، ومع ذلك لم يبتدئ قراءته من جديد. فدل على أن الذكر الذي هو من جنس القراءة في حكم المقروء، وبناءً على ذلك قالوا: الفصل بالركوع والسجود وأذكارهما بمثابة كأنه في عبادةٍ واحدة. وقال الآخرون: إن الاستعاذة لفظٌ مخصوص، وزيادته في الصلاة تحتاج إلى دليل. والأقوى أنه يتعوذ لعموم الأدلة، ولا مُخصِّص يدل على سقوطها في هذا الموضع، فيبتدئ بالاستعاذة.
الأسئلة
الأسئلة
قول: (ربنا ولك الحمد ولك الشكر) زيادة لم تثبت
قول: (ربنا ولك الحمد ولك الشكر) زيادة لم تثبت Q ما حكم زيادة: (ولك الشكر) في قول: (ربنا ولك الحمد) بعد تسميع الإمام؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذه الزيادة لم تثبت، فالشكر ثابتٌ لله عز وجل في الأصل على العموم، ولكن اختيار هذا الموضع لزيادة الشكر لا أصل له، وإنما الوارد أن يقول ما ذكرناه، وله أن يقول: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، وإن كان بعض العلماء رحمة الله عليهم سامح في الثناء على الله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الصحابي حينما قال: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، قال: فالمقام مقام تمجيد، فلو مجّد الله وعظّمه فإنه لا حرج عليه. لكن الأولى والذي ينبغي دلالة الناس على السنة والاقتصار على الوارد، والقاعدة -كما نبه عليها العز بن عبد السلام - أن الوارد أفضل من غير الوارد، وهذا فيما شُرِع فيه الدعاء والثناء، فلو اخترت لفظاً وارداً فهو أفضل من غير الوارد، فكيف إذا كان محتمِلاً التقيي؟! ولذلك القول بالتقيد من القوة بمكان، ويُنبه الناس على السنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
حكم من سجد على الجبهة دون الأنف
حكم من سجد على الجبهة دون الأنف Q هل إذا سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه ذلك؟ A هذا فيه خلاف بين العلماء رحمةُ الله عليهم، وقد جاء في حديث ابن عباس الجمع بين الجبهة والأنف، حيث أشار عليه عليه الصلاة والسلام إلى جبهته وأنفه. واختلف العلماء، في الاقتصار على واحدٍ منهما دون الآخر، فقال بعضهم: يُجزيه، ويكون هذا على سبيل أنه عضو أو جزء العضو، وإذا سجد ببعض العضو قالوا: يُجزيه السجود ولكن يأثم بالترك. فهذا هو أعدل الأقوال وهو أنه يأثم بترك الأنف لو تركه، والجبهة لو تركها، كما لو سجد على يده فاعتمد على رءوس أصابعه متعمداً فإنه يصح سجوده من جهة الإجزاء، ولكنه يأثم بترك الباطن، فهو جزء المأمور به. فإذا قلنا: إن الجبهة والأنف بمثابة العضو الواحد على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (على سبعة أعظم) فإنه في هذه الحالة يكون من جنس الجزء المشتمل على موضعين، كالحال في الكف والأصابع، فبطن اليد شيء والأصابع شيءٌ آخر، فلو اتكأ على أطراف أصابعه، أو رفع أصابعه واعتمد على راحته فإنه يجزيه ويأثم.
حكم السجود على العمامة
حكم السجود على العمامة Q إذا كان المأموم لابساً عمامته فهل له أن ينحيها قليلاً حتى يمكن جبهته من السجود؟ A استحب العلماء رحمةُ الله عليهم أن لا يغطي الإنسان جبهته؛ لأنه شعار أهل الخير والصلاح، وقد وصف الله عز وجل أصحاب رسوله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح:29]، وهذا لا يتأتى إلا برؤية الناس لهذا الموضع، ولذلك استُحِب لطالب العلم ولأهل الفضل والصلاح أن يكشفوا عن هذا الموضع، وكان معروفاً في عهد السلف، ولذلك لما قال ابن النصرانية الأخطل في الأنصار يهجوهم -قاتله الله وأبعده ولعنه-: ذهبت قريشٌ بالمفاخر كلها وبقى اللؤم تحت عمائم الأنصارِ لما قال ذلك دخل قيس بن سعد رضي الله عنه وأرضاه على معاوية وكشف جبهته وقال: أترى لؤماً؟ قال: لا. والله ما أرى إلا خيراً ونبلاً. قال: ما بال ابن النصرانية يقول كذا وكذا؟ قال: لك لسانه. فأهدر لسانه، ثم إنه فرّ. فالمقصود أنهم كانوا يرون أن من شعار أهل الصلاح والخير كشف هذا، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (مسح على ناصيته وعلى العمامة). وكان بعض العلماء رحمة الله عليهم يكشفون عن النواصي أحياناً، إيثاراً للتواضع والذلة لله عز وجل، حتى يكون أبلغ في قبول الناس له وإقبالهم عليه، خاصةً العلماء ومن يُحتاج إليه، فإنهم إذا كانوا على سمتٍ فيه لين ورفقٌ بالناس كلما كان ذلك أبلغ لقرب الناس منهم، وتغطية هذا الموضع يفعلها الإنسان في الغالب على سبيل الكبر أو الخيلاء، فلذلك الأفضل أن يجلي جبهته. وإذا أراد أن يسجد -نظراً إلى أنه مأمورٌ بالسجود على الجبهة- فإنه يجليها حتى يتمكن من السجود، والله تعالى أعلم.
حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة
حكم تكرار الفاتحة في الركعة الواحدة Q إذا قرأ المصلي بعد سورة الفاتحة سورة الفاتحة أيضاً فهل صلاته جائزة؟ A إذا قرأ المصلي سورة الفاتحة بعد قراءتها فهذا على صور: الصورة الأولى: أن يقرأ ذلك متعمداً متقصداً تكرار الفاتحة، فللعلماء فيه وجهان: قال بعض العلماء: تبطل صلاته؛ لأنه زيادة ركنٍ، فكما أن زيادة الأركان في الأفعال تبطل الصلاة، كذلك زيادة الأركان في الأقوال تُبطل الصلاة. وهذا القول من جهة الأصول قوي؛ فإنك إذا نظرت إلى أنها زيادةٌ مقصودة في ركنٍ مقصود فإنها كزيادة الأفعال، ولذلك يقوى هذا القول من الوجه الذي ذكرناه. وقال بعض العلماء: أساء ولا تبطل صلاته. ولذلك هذا الفعل أقل درجاته أنه إذا تقصَّده فهو حدث وبدعة؛ لأنه لا يفعل ذلك إلا على سبيل الفضل، ولم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون مبتدعاً من هذا الوجه. أما لو شك هل قرأ الفاتحة أو لم يقرأها، ثم قرأها على سبيل الجزم والاحتياط فهو مأمورٌ بقراءتها في هذه الحالة وتجزيه، فلو صليت ثم شككت: هل قرأت الفاتحة أو لم تقرأها -خاصةً إذا كان الإنسان وحده، أو كان إماماً في سرية من ظهر أو عصر- فإنه في هذه الحالة يعيد قراءتها، ولو ركع قبل أن يجزم بقراءتها فإنه يلزمه قضاء تلك الركعة، فيجب عليه أن يقرأها ويتأكد من قراءتها، إلا إذا كان مبتلىً بوسواس فإنه في الوسوسة لا يلتفت إليها، ولا يعمل بها، والله تعالى أعلم.
مشروعية صلاة الضحى والمداومة عليها
مشروعية صلاة الضحى والمداومة عليها Q هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على صلاة الضحى أم لا؟ وهل المداومة عليها من السنة، أم نصلي بعض الأيام ونترك بعضها؟ A صلاة الضحى ورد فيها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وغيره من الأحاديث التي تدل على مشروعيتها وسنيتها، وكون عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ينكرها وغيره من الصحابة فإن من حفظ حجةً على من لم يحفظ، وكم من سنن خفيت على الأفاضل من كبار الصحابة، كما ثبت عن عمر رضي الله عنه في الصحيح أنه لما نزل بالشام أُخبر بخبر الطاعون -طاعون عمواس- فامتنع من دخول الشام، فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه: (نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله?!) فبيَّن له أن هذا من الأسباب، وليس له علاقة بالفرار ما دامت عقيدته في الله عز وجل وأخذ بالسبب، فلا حرج عليه، ثم قام في الناس فقال: أُحرّج على من كان عنده خبر من هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلمنا أو يخبرنا. فقام عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه)، فحمد الله على موافقته للسنة. فهذا يدل دِلالة واضحة على أنه قد تكون السنة خافية على كبار الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، فكيف بـ ابن عمر رضي الله عن الجميع وأرضاهم؟! وإن كان ابن عمر له فضله ومكانته وعلمه وورعه رضي الله عنه، ولكن المقصود أن كون ابن عمر لا يراها لا يدل على نفيها، فهي ثابتة، ومن السنة فعلها. والأصل أن ما جاء على الإطلاق لا يُقيد إلا بدليل، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بها أبا هريرة رضي الله عنه، ويوصيه بها فإنها سنةٌ ثابتة، فتبقى سنة ثابتة حتى يدل الدليل على التقييد بفعلها تارة أو تركها تارة. ويبقى النظر: هل فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم أو لم يفعلها؟ فهذا مما سكتت عنه الأخبار، وليس عندنا دليل يثبت أنه كان يصلي ركعتي الضحى، وليس عندنا دليل ينفي ذلك. والقاعدة أنه إذا لم يرد ما يوجب النفي وما يوجب الإثبات رُجِع إلى الأصل، فلما كان الأصل عندنا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بها على الإطلاق نبقى على هذا الإطلاق، ونقول: هي سنة. فلو قال قائل: كيف ولم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مداومته؟ قلنا: ولو ثبت عنه أنه تركها فإنه لا يعتبر دليلاً على نفي المداومة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك العمل وهو يحب أن يفعله خشية أن يُفترض على أمته، كما ثبت في الحديث الصحيح. وبناءً على ذلك نقول: السنة المداومة عليها للإطلاق، ولا حرج على الإنسان أن يداوم عليها، وهو على خير. كما أنه ثبت في الحديث الصحيح ما يدل على تقوية هذا القول من قوله صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، فصلاتهم هذه معناها أنه أمر ألفوه وداوموا عليه، فلا يحتاج إلى أن يُقيد بدليل، فنبقى على هذا الإطلاق من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة عنه، والله تعالى أعلم.
حكم قيام الليل لمن صلى الوتر بعد العشاء
حكم قيام الليل لمن صلى الوتر بعد العشاء Q هل يجوز للمسلم أن يقوم الليل إذا كان قد صلى الوتر بعد العشاء مباشرة؟ A من صلى الوتر بعد العشاء وأحب أن يقوم الليل فلا حرج عليه، وكان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه يقوم بعد أن يوتر، وينقض وتره بركعةٍ، ثم يصلي ركعتين ركعتينِ، ثم يوتر. ولا حرج على الإنسان أن يفعل ذلك؛ فإنه ربما خاف الإنسان أن لا يقوم فاحتاط بالوتر في أول ليله، ثم يريد الله به الخير فيستيقظ من آخر ليله، فلا حرج عليه أن يصلي، وأن يسأل الله من فضله؛ لعموم الأدلة الثابتة في ذلك، وإن صلى ركعتين ركعتينِ ولم يوتر فلا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها- صلى ركعتين بعدما أوتر. فدل هذا على أنه من السنة ولا حرج، وقد ألف فيه الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه رسالة في إثبات سنية الشفع بعد الوتر، ولكن السنة والأفضل والذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم جعْل الوتر في آخر الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا). نسأل الله العظيم أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.
باب صفة الصلاة [5]
شرح زاد المستقنع - باب صفة الصلاة [5] للتشهد صفة واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله صور وحالات معلومة، وينقسم إلى: التشهد الأول، والتشهد الثاني، فإذا أتم التشهد الثاني فإنه يسلم من صلاته، وللتسليم صور واردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يكون قد أتم صلاته على أكمل وجه وأحسنه.
صفة الجلوس للتشهد
صفة الجلوس للتشهد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ثم يجلس مفترشا ويداه على فخذيه] أي: إذا تم من الركعة الثانية يجلس مفترشاً كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك غيرها في صفة جلوسه عليه الصلاة والسلام أنه (افترش اليسرى ونصب اليمنى، واستقبل بأطراف أصابعه القبلة)، صلوات الله وسلامه عليه. وكان الصحابة رضوان الله عليهم يفعلون ذلك، حتى أُثر عن بعضهم أنه كان إذا انحنى إبهامه أصلحه حتى يكون مستقبلاً القبلة، ويكون معتمداً عليه في جلوسه، وهذه إحدى الجلسات. كذلك أيضاً جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه جلس بين السجدتين، فنصب قدميه وجعل صدور القدمين على الأرض مستقبلاً بها القبلة وإليته على العقبين، وهذا ليس بالإقعاء المنهي عنه، فقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، وأنه من السنة فلا حرج فيه، وإنما الإقعاء المنهي عنه أن يجعل طرفي القدمين ويفضي بإليتيه إلى الأرض، فهذا الصورة للإقعاء. الصورة الثانية: أن ينصب رجليه، ثم يفضي بإليتيه إلى الأرض. الصورة الثانية: أن تكون بطون القدمين إلى الأرض، وتلتصق العقبان بالإلية، هذه كلها صور للإقعاء المنهي عنه. أما لو نصب واستقبل بأطراف أصابعه القبلة؛ فإن هذا ورد فيه حديث ابن عباس أنه من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: [ويداه على فخذيه] أي: تكون يدا المصلي على الفخذين، وهذه جلسة التشهد، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعل هذا الفعل، فشرع رحمه الله في الصفة الفعلية، فجلسة التشهد تحتاج إلى فعلٍ وقول، أما الفعل فشيءٌ منه يتعلق بمؤخر الإنسان وشيء يتعلق بمقدمه، فالذي يتعلق بمؤخَّره فقد ذكرناه من افتراش اليسرى ونصب اليمنى، واستقبال القبلة بأطراف أصابع اليمنى. أما ما يتعلق بمقدمه فنبدأ بوضع اليد اليسرى، وفيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: قال بعضهم: يُلقِمها ركبته كما جاء في السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه ألقَم ركبته، والإلقام: أن تجعلها بمثابة الفم على الركبة، كأن نصفها على آخر الفخذ، ونصفها الذي هو أطراف الأصابع ملتصق بظاهر الركبة، وهذه الصورة تعرف عند العلماء بصورة اللقم. الوجه الثاني: أن يجعل رءوس أصابعه عند ركبته مستقبلاً بها القبلة. الوجه الثالث: أن تكون على الفخذ، بمعنى أنها لا تكون قريبة من الركبة، وإنما تكون على الفخذ. هذه ثلاثة أوجه للعلماء رحمةُ الله عليهم. واليد اليسرى بالإجماع أنه لا يشرع التحريك فيها، والأصل في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما مرّ على الرجل وهو يشير بإصبعيه قال: (أحِّد أحِّد) أي: اجعله واحداً، فنهى عن رفع إصبعه الثانية؛ فدل هذا على أنه ليس من السنة أن يشير بالأصبعين من اليدين، وإنما يقتصر بالإشارة على الكف الأيمن. قال رحمه الله: [يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها] بالنسبة للوسطى مع الإبهام يحلق بهما، ويشير بالسبابة. والسبابة: هي ما بين الإبهام والوسطى، فالعرب تسمي أصغر الأصابع: الخنصر؛ ثم التي تليها البنصر، ثم الوسطى، ثم السبابة، ثم الإبهام، والسبابة سُمِّيت بذلك لأن الإنسان عند السب أو اللعن -والعياذ بالله- مع شدة الغضب يشير بها، كالمتوعد، ووُصِفت بهذا وأصبح اسمها، فيقبض الخنصر والبنصر، ثم يحلق ما بين الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة. [ويحلق إبهامها مع الوسطى ويشير بسبابتها في تشهده] بعض العلماء يرى أنها تكون كالدائرة، وقال بعضهم: أن يجعل طرف الإبهام عند منتصف السبابة، وهذا مبني على رواية: إحدى وخمسين، بناءً على حساب العرب في عدّ الأصابع. وبعضهم يرى أنه يكون جامعاً بها على هذه الصفة، بحيث تجتمع الأنملة العليا من الوسطى مع طرف الإبهام، وهذا وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في التحليق، وثبت عنه في الأحاديث الصحيحة، ويشير بالتوحيد عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (أحّد) والسبب في هذا أن الأصل عدم التحريك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسكنوا في الصلاة) وقال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]. قالوا: الأصل السكون وعدم الحركة والكلام حتى يدل الدليل على حركة وكلام معتبر، فلما جاء الدليل ووجدنا أنه عليه الصلاة والسلام أمره بالتوحيد، فدلّ ذلك على أنه عند الشهادة، وهذا على الأصل، ولذلك قالوا: يرفعها عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) وهذا هو أوجه الأقوال وأعدلها وأقربها إلى السنة إن شاء الله تعالى. وللعلماء في هذه الإشارة أوجه: منهم من يرى أنه يُشار بها شديدا، يعني: بقوة، ومنهم من يرى أنها لا تُشد ولا تُرخى وإنما يُتوسط فيها، كما جاء في حديث ابن عمر عند البيهقي وغيره؛ ولذلك قالوا: منكتاً بها إلى الأرض، وهذا أولى الأقوال، ولو فعل الأول فلا حرج، لكن أولى الأقوال أنه يُنَكِّت بها إلى الأرض، ويرمي ببصره إليها، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينظر إليها كما في حديث السنن. إذاً: ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يجعل مرفقه عند فخذه صلوات الله وسلامه عليه، ثم يعقد خنصره وبنصره، ويحلق بالوسطى مع الإبهام ويشير بالسبابة. وهناك صورة أخرى اشتمل عليها حديث وائل بن حجر رضي الله عنه وأرضاه، وحديث أحمد في المسند، وكذلك غيره عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم عقد ثلاثاً وخمسين، وهذا يعني: أن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويجعل الإبهام عند أصل الوسطى. الصورة الثالثة: أنه يستقبل بالأصابع القبلة، ويجعل أصابعه مستقبلة القبلة، ويُشير بالسبابة، وهذه الصورة اختارها بعض العلماء رحمهم الله استحساناً، من جهة استقباله للقبلة، قالوا: لأنها هيئة الساجد. والأقوى ما ذكرناه من الصفتين أنه إما أن يُحلّق بين الوسطى وبين الإبهام ويشير بالمسبحة، وإما أن يعقد ثلاثاً وخمسين. والسبب في ذلك أن الخنصر واحد، والبنصر الثاني، والوسطى الثالث، والعرب إذا أرادت أن تعد تعقد الإبهام إلى أصل الأصابع، فيكون فيه إشارةً إلى الخمسين، فأصبح المجموع ثلاثاً وخمسين. هاتان الصفتان هما أقوى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة كفه اليمنى أثناء التشهد. أما بالنسبة للكف اليسرى فلها كما قلنا إما أن يجعلها على فخذه، وإما أن يجعل أطراف أصابعه عند ركبته، وإما أن يلقم بها الركبة، وكلٌ قد جاءت به سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإشارة باليسرى فإنه لم يثبت بها دليل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس وغيره أنه رأى رجلاً يشير بإصبعيه يدعو بهما، فقال عليه الصلاة والسلام: (أحّد أحد) وهو حديث عند النسائي، وهذا على سبيل المناسبة؛ فإن الله واحد؛ ولذلك جعل الإشارة بتوحيده بالإصبع الواحدة، ولم يجعله بإصبعين، حتى تكون هناك مناسبة بين العدد الذي يشير به وبينما يدل عليه.
حكم الإشارة بالإصبع في التشهد
حكم الإشارة بالإصبع في التشهد الإشارة في الصلاة للعلماء فيها ثلاثة أوجه: منهم من قال: يشير ولا يحرك، وهذا بناءً على ما ثبت في حديث ابن عمر وحديث وائل رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار بها، وكلها أثبتت الإشارة دون تحريك. وأما التحريك فقالوا: أخذوه من حديث ابن الزبير (يدعو بها) قالوا: والدعاء بها يقتضي التحريك، وجاءت أحاديث -لم يخل حديث منها من كلام، وقد أشار الذهبي وغيره إلى ضعفها- أنها مذعرةٌ للشيطان أي: أنها تصيب الشيطان بالذعر، ولكن لم يصح في ذلك حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأحاديث إما منكرةٌ أو موضوعة. والذين قالوا بالتحريك ينقسمون إلى طائفتين: طائفة تقول: يبتدئ الدعاء بالرفع، فيجعل الرفع عند ابتداء كل دعاءٍ، وعلى هذا إذا قال: (اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا والممات) ابتدأ الرفع عند قوله: (اللهم) وكلّما ابتدأ دعاءً رفع إصبعه سائلا الله عز وجل الإجابة. هذا بالنسبة لمذهب من يقول: يدعو بها؛ أي: أنه يحركها عند ابتداء كل دعوة. والقائلون بهذا القول كأنهم يرون أن الأصل هو ثبوت الإصبع، فقالوا: يدعو بها؛ ويتقيد تحريكها بالدعاء. لكن يُشكل عليهم لفظ الشهادة، فإنه لا يشتمل على السؤال، ولا يشتمل على الدعاء؛ فالذين يقولون: تثبت دون تحريك أي: من عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله) يبقى مشيراً بها ومنكِّتاً إلى الأرض، كما في حديث ابن عمر عند البيهقي وغيره، وعلى هذا تثبت إلى نهاية الصلاة. وأما الذين يقولون بالتحريك فيقولون: يبتدئ تحريكها عند الشهادة فيشير ثم يقبض، فإذا ابتدأ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لاشتمالها على نوع من الدعاء: (اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد) فيحرك عند ابتداء كل صلاةٍ؛ لأنها دعاء ومسألة. والذين قالوا بالتحريك المطلق -وهو أضعف الأقوال، وهو القول الثالث- قالوا: إنه يشير بها، أي: يحركها سواء كان في ابتداء الدعاء أو أثنائه. وأقوى هذه الأقوال أنه يشير بها ولا يحركها؛ وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اسكنوا في الصلاة) وقوله: (يدعو بها) متردد بين شهادة التوحيد وبين أن يبقى مشيراً بها، فنقول: إن من رفعها أثناء دعائه فكأنه داعٍ بها؛ ولذلك ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا خطب لا يزيد على الإشارة بها صلوات الله وسلامه عليه.
التشهد الأول والصيغ الواردة فيه
التشهد الأول والصيغ الواردة فيه قال رحمه الله تعالى: [ويقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله). هذا التشهد الأول] التشهد -كما قلنا- يشتمل على فعلٍ وقول، ففرغ رحمه الله من هيئة المتشهد، ثم شرع في أذكار التشهد، والسبب في تقديمه للأفعال والأوصاف على الأقوال أن أول ما يبتدئ به المتشهد أن يهيئ مجلسه للتشهد، فابتدأ بهيئة الجلوس، ثم أتبعها بذكر الجلوس، وذكر التشهد يبتدئ بالتحيات. وقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم صِيغٌ للتشهد، منها حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي ذكره المصنف. ومثله حديث عبد الله بن عمر، وحديث أبي موسى الأشعري مع اختلاف يسير، وهناك صيغٌ أخرى منها تشهُّد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وتشهد عمر بن الخطاب. فأما الإمامان أحمد وأبو حنيفة فاختارا تشهد ابن مسعود هذا، والسبب في ذلك أنه قال: (علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه) إشارة إلى القرب واتصال الرواية، ولأن ألفاظ تشهد ابن مسعود جاءت متناسقة، ولم يحدث بينها اختلاف، ولأن هذا التشهد علَّمَه غير واحدٍ من السلف، فلذلك قالوا: إنه أفضل صيغ التشهد. وقيل بتشهد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله)، وهناك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات لله)، وفي رواية: (الطيبات) بدون (لله)، وفي رواية: (الطيبات لله، والصلوات لله)، وكلتاهما روايتان ثابتتان عن النبي صلى الله عليه وسلم. فاختار الإمام الشافعي تشهُّد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، واختار الإمام مالك رحمه الله تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد بيّن المحققون -ومنهم الإمام الحافظ ابن عبد البر، وشيخ الإسلام ابن تيمية كما قرره في القواعد النورانية، وابن عبد البر في الاستذكار، وكذلك الإمام ابن القيم رحمه الله في غير ما موضع من كتبه- أن الأمر واسع، فإن شئت تشهدت بتشهد ابن مسعود، أو بتشهد عبد الله بن عباس، أو بتشهد عمر بن الخطاب. وكأنهم يرون أن هذا الخلاف إنما هو من اختلاف التنوع، وليس من اختلاف التضاد، فالأمر واسع، فإن شئت تشهدت بهذا، وإن شئت تشهدت بهذا، واستحب بعض العلماء أن يُكثر من تشهد عبد الله بن مسعود وذلك لقوة رواياته، ولكن ينوع في بعض الصلوات بالتشهد الآخر الوارد عن عمر وعن عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع. ومعنى: (التحيات) أي: البقاء والدوام لله عز وجل. ومعنى: (والصلوات) أي: الثناء على الله سبحانه وتعالى، والأدعية مختصة بالله عز وجل لا تكون لغيره. وقوله: (والطيبات) وصَفَها بالطيب؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً سبحانه وتعالى. و (المباركات) من البركة، وأصل الشيء المبارك: الكثير الخير والنماء والزيادة، فالبركة هي النماء والزيادة والخير الكثير. وقوله: (السلام عليك أيها النبي) جاء في الرواية عنهم أنهم رضي الله عنهم لما توفي عليه الصلاة والسلام كانوا يقولون: (السلام على النبي)، وقال بعض العلماء: يُبقى على اللفظ الوارد؛ لأنه هو الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة فيقتصر عليه، وإن قال الإنسان: (السلام على النبي) فلا حرج. فالذين قالوا إنه يقول: (السلام عليك أيها النبي) قالوا: إن كاف الخطاب لا يشكل عليها وفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأن الصحابة كانوا يسافرون، وكانوا يبتعدون أحياناً عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال حياته، ومع ذلك لم يغيروا هذا اللفظ، فيبقى هذا اللفظ على ما هو عليه لا يختلف في حياته وموته صلوات الله وسلامه عليه، ولا شك أن هذا المذهب من جهة الاتِّباع والقوة في التأسي من حيث اللفظ الوارد هو أقوى، وذلك لأن التحيات ذكر مخصوص، وينبغي أن يلتزم فيه المصلي ما ورد، وأما اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم فهذا منهم، فلهم أجرهم على الاجتهاد، ولكن الأقوى والأولى ما ذكرناه. وقول: [السلام عليك أيها النبي ورحمةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين] في التشهد لأنهم كانوا في القديم يسلّم بعضهم على بعض عند انتهاء الصلاة، فأبدلهم الله عز وجل بهذا، وكانت هي الصلاة المدنية؛ فعندما كان يسلم بعضهم على بعض، ويشير بعضهم على بعض لبُعدهم قال صلى الله عليه وسلم: (ما لي أراكم رافعي أيديكم كأذناب خيلٍ شمسٍ، اسكنوا في الصلاة)، فنهاهم عن هذا السلام، وأبدلهم الله بقول: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وقد ورد في الخبر أنه لا يبقى عبدٌ لله صالح إلا أصابه هذا السلام، إذا قال المصلي: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، وفيه دليل على فضل صلاح الإنسان. قال بعض العلماء: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) عامة تشمل كل مسلم. وقال بعضهم: بل تختص بمن زاد خيره وزادت طاعته، فهو المختص بهذا التسليم من المصلين إظهاراً لشرف الصلاة والزيادة في الهداية، فكلما زادت هداية الإنسان وازداد صلاحه وخيره كان عليه سلامٌ من المصلين، فمن صلى نفلاً أو فرضاً أصابه هذا التسليم من عباد الله المصلين، وهذا فضلٌ عظيم وخيرٌ كثير. وأما قول: [أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله] لقد جاء في الرواية الثانية: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له -بزيادة (وحده لا شريك له- وأشهد أن محمداً رسول الله)، وجاء في روايةٍ أيضاً: (محمداً عبده ورسوله)، وكل هذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: [هذا هو التشهد الأول] لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبع كلمات وهي تحية الصلاة)، وهو حديث عند مسلم وغيره، قالوا: هو التشهد الأول؛ لأن التشهد تفعلٌ من الشهادة، فمن بلغ إلى قوله: (أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) فقد انتهى من تشهده الأول، وأما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنها لا تكون في التشهد الأول على أصح أقوال العلماء، وهو مذهب الجمهور، خلافاً لمن قال إنها تكون في التشهد الأول. والسبب في ذلك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعاء، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الدعاء إنما يكون في التشهد الثاني لا في التشهد الأول، وقد اختلف في حديث النسائي وغيره الذي فيه ما يدل على أنه يدعو في التشهد الأول، ولذلك خطَّأ بعض العلماء هذه الرواية، وقوَّى أن الدعاء إنما هو في التشهد الثاني، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في قوله لمن انتهى من صلاته: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فالتشهد الأخير هو تشهد المسألة والدعاء، وأما التشهد الأول فإنه لا يُدعا فيه، ولذلك جاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كان إذا جلس في التشهد الأول قام كأنما كان على الرضف)، وهو الحجارة المحماة، وهذا إشارة إلى أنه كان يستعجل، ولم يكن يطيل جلوسه للتشهد الأول. ولذلك قالوا: السنة أنه لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أمُرُه عليه الصلاة والسلام بالصلاة عليه في هذا الموضع، فيقتصر على التشهد، وقد سموه تشهداً واسمه دال عليه، وقد وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قالوا: فتسمية النبي صلى الله عليه وسلم له تشهداً تدل على أنه يقتصر فيه على قول: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله). فالخلاصة أن ما قلنا هو أقوى الأقوال، هناك قولٌ ثانٍ: أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك قولٌ ثالث: أنه يشرع له الدعاء. ولكنه قولٌ ضعيف عند العلماء للاختلاف في ثبوت الرواية بدعائه عليه الصلاة والسلام؛ لأن المحفوظ عدم دعائه، وسرعة قيامه إلى الركعة الثالثة.
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الثاني قال رحمه الله تعالى: [ثم يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد]. هذه هي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولها صيغٌ عديدة، واختار المصنف رحمه الله منها هذه الصلاة، وهي صحيحة ثابتة، فهذه الصلاة لها أكثر من عشر صيغ ثابتة في الكتب الستة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأي صلاةٍ صلى بها فإنها مجزئة، لكن المعتبر منها الصلاة الإبراهيمية التي اختارها المصنف رحمة الله عليه، وقد دلّ عليها حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وأرضاه.
حكم الاستعاذة من النار والقبر بعد التشهد الثاني
حكم الاستعاذة من النار والقبر بعد التشهد الثاني قال رحمه الله تعالى: [ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر] أي: يسأل الله أن يعيذه من عذاب جهنم، والتعوذ من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال أربع كلمات، اختلف العلماء فيها على وجهين: فمنهم من قال: يُستحب للمصلي أن يتعوذ من هذه الأربع: من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب القبر، ومن عذاب جهنم. والسبب في ذلك أمره عليه الصلاة والسلام على سبيل الندب لقوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فقوله: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء) يدل على الندب والاستحباب، وأنك تقول هذا الدعاء على سبيل الأفضلية لا على سبيل اللزوم. وهناك قولٌ ثانٍ يقول: يجب على المصلي أن يتعوذ بالله من هذه الأربع، ويُلزمه بها، وهو قول بعض فقهاء الظاهرية كما اختاره ابن حزم، بل شدد بعضهم -ويوافقه بعض أهل الحديث رحمة الله عليهم- فقال: من لم يتعوذ بالله من هذه الأربع تبطل صلاته. والصحيح أنها مندوبة مستحبة، وليست بلازمة واجبة؛ لدلالة السنة على صرف الأمر عن ظاهره من الوجوب إلى الندب، والقاعدة في الأصول أن الأوامر تبقى على ظواهرها من الدلالة على الوجوب ما لم يقم الصارف على صرفها عن ذلك الظاهر. وقد قام الصارف في قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ليتخير بعد من المسألة ما شاء)، فوسَّع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيِّد. وهذه الأربع -كما يقول العلماء- اشتملت على شرور الدنيا والآخرة؛ فإن الإنسان يأتيه الشر من فتنة المحيا، وقد يؤخر الله عنه البلاء فيكون في فتنة الممات، والأمر الثالث: البرزخ، والرابع: عذاب جهنم. قال بعض العلماء: فتنة الممات ما يكون عند سكرات الموت، نسأل الله أن يلطف بنا فيها. فالإنسان المسلم الموفَّق السعيد يخشى من هذه الأربعة المواضع. الموضع الأول: فتنته في حال حياته، فمادامت روحه في جسده فإنه معرضٌ للفتن، حتى ولو بلغ أعلى درجات الصلاح فإنه لا يأمن أن يُمسِي مؤمناً فيصبح -والعياذ بالله- كافراً، ولا يأمن أن يصبح مؤمناً ويمسي كافراً، ففي الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها) نسأل الله السلامة والعافية. فإذا كان حياً فإنه يخاف من فتنة المحيا، وكم من إنسان كان على خير فانعكس حاله -والعياذ بالله- إلى الشر بسبب طول حياته إلى زمان الفتن، ولذلك كان بعض العلماء -رحمةُ الله عليهم- من مشايخنا يقول: كنت أسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمره بالتعوذ من فتنة المحيا والممات، وكنا نتعوذ، ونسأل الله أن يعيذنا، ولكن لم نعرف ولم نجد أثر ذلك إلا بعد رؤية الفتن، فعلمنا فضل هذا الدعاء: (وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات)، وكم من إنسانٍ يتمنى العيش إلى دهر يسوءه ولا يسره ولا ينفعه، بل يضره، نسأل الله أن يلطف بنا وبكم. الموضع الثاني: إذا سَلِم في حياته فقد يبتليه الله قبل موته، فيختم له بخاتمة السوء، ولذلك قد يتخبط الشيطان الإنسان عند سكرات الموت -والعياذ بالله- فقال صلى الله عليه وسلم: (وفتنة الممات)، فيسأل الله أن يلطف به في فتنة الممات، وأن يجعل خاتمته على خير؛ فإنه قد يموت الإنسان على خاتمة السعداء، وقد يموت على خاتمة الأشقياء، ولذلك ثبت في الحديث أن رجلاً طُعِن يوم أحد فسالت دماؤه فاستعجل الموت -والعياذ بالله- فطعن نفسه فقتل فمات قاتلاً لنفسه. فعلى الإنسان أن يسأل الله أن يلطف به، خاصةً عند سكرات الموت وشدته، فإن سَلِم من فتنة المحيا والممات فإنه قد تكون هناك ذنوبٌ وخطايا منه لم يغفرها الله سبحانه وتعالى لعدم وجود التوبة النصوح منه، فيبتليه بفتنة القبر، فقال صلى الله عليه وسلم: (وأعوذ بك من عذاب القبر)، فإن سلم من فتنة المحيا ومن فتنة الممات، ومن فتنة القبر فإنه يحتاج إلى أن يسلِّمه الله من عذاب جهنم. ثم بعد هذه الفتن الأربع هناك فتنٌ خاصة وهي التي عناها بقوله: (فتنة المسيح الدجال)، فالفتن منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، فاستعاذ من فتنة المحيا العامة، ثم شرع في فتنة المحيا الخاصة وهي فتنة المسيح الدجال، وهي من أعظم الفتن، وسمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنه لا يدع موضعاً من الأرض إلا وطئه، إلا ما يكون من المدينة، فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث تميم الداري - أنه: (على كل نقب من أنقابها ملائكةٌ يحرسونها، فلا يستطيع أن يدخلها، وإنما ترجف فيخر المنافقون إليه في السبخة من أرض الجرف، ويمكث أربعين يوما: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، ويوم كسائر أيام السنة). وتعظُم فتنته، حتى ثبت في الحديث الصحيح أنه يمر على الأرض الخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل، أي: من الذهب والفضة وما فيها من الكنوز، فيفتن الناس به فتنةً عظيمة، ويدعي أنه الله، ويعظمُ بلاؤه، وله جنةٌ ونار، فناره جنة وجنته نار، حتى يكتب الله عز وجل للمؤمنين السلامة من فتنته بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام وقتله للمسيح، كما ثبتت بذلك الأخبار في الصحيحين. وأما عذاب القبر فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (دخل على عائشة، وكانت قد دخلت عليها يهودية فأطعمتها أم المؤمنين عائشة، فقالت لها اليهودية: أعاذك الله من عذاب القبر، فعجبت عائشة من قولها، فلما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته، فقال عليه الصلاة والسلام: أشعرت أن الله أوحى إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم؟! قالت أم المؤمنين: فما سمعته صلى صلاةً إلا واستعاذ بالله من عذاب القبر). وفي الحديث الصحيح من حديث البراء عند أحمد في مسنده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في جنازة أنصاري، فجلس -لكي يلحِدوا له- قال: وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: استعيذوا بالله من عذاب القبر مرتين أو ثلاثاً)، ثم ذكر الحديث، فالشاهد من هذا أنها فتنة عظيمة تكون للإنسان في قبره، ويستعيذ الإنسان منها لكي تحصل له من الله السلامة، فنسأل الله أن يعيذنا من هذه الفتن ما ظهر وما بطن. قال رحمه الله: [ويدعو بما ورد] أي: يسأل الله عز وجل من خير الدنيا والآخرة بما ورد، فيسأله العافية في دينه ودنياه وآخرته، ويقول الدعاء المأثور -كما في حديث أنس -: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار)، ومن أفضل الدعاء الدعاء بجوامع الكلم كقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى)، وكقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادةً لي في كل خير، واجعل الموت راحةً لي من كل شر). فإن هذه الخمس الكلمات تجمع للإنسان سعادة الدنيا والآخرة، فمن أعطاه الله هذه الخمس فقد أعطاه السعادة بعينها. فهذا اختيار جمعٍ من العلماء وهو أنه يقتصر في دعائه على ما ورد، وقالوا: لا يدعو بأدعية الدنيا، كأن يقول: اللهم إني أسألك دابةً سريعة، أو زوجةً جميلة، أو داراً فسيحة، ونحو ذلك. وقالوا: إنما يدعو بما ورد، ورخص بعض العلماء في الدعاء؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (ثم يتخير من المسألة ما شاء)، وهذا في الحقيقة أقوى لظاهر دلالة السنة، ولكن أجمع العلماء على أن الأفضل للإنسان أن يدعو بما ورد؛ لأنه إذا دعا بما ورد كان له أجران: أجر الدعاء وأجر الاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يقال: الأفضل الاقتصار على ما ورد، ولا يُقال: إنه يمتنع عليه الدعاء بغير ما ورد، لثبوت السنة بالإقرار.
السلام من الصلاة والأحكام الواردة فيه
السلام من الصلاة والأحكام الواردة فيه قال رحمه الله: [ثم يسلم عن يمينه: (السلام عليكم ورحمة الله) وعن يساره كذلك] السلام يحتاج إلى فعل وذكر، فأما هديُه عليه الصلاة والسلام فكان يلتفتُ حتى يُرى بياض خده، وهذا البياض للخد سببه أنه كان يلبس العمامة صلوات الله وسلامه عليه فلا يمنع رؤية الخد شيء، فإذا وضع صلوات الله وسلامه عليه ذقنه على كتفه بدا خده، وبعض طلاب العلم يخطئ عند تطبيق هذه السنة، فإنه ربما يكون عليه غطاء رأسه فيتكلف حتى ينحرف عن القبلة بجذعه، فتجدهُ بحرف صدره كأنه يريد أن يري الناس خده، وهذا لا شك أنه يريد الخير والتأسي ببيان خده كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن خفي عليه أن خد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يستره شيء؛ لذلك ينبغي لمن أراد أن يطبق هذه السنة أن يثبُت؛ لأنه مطلوب منه أن يكون مستقبل القبلة، فالانحراف والحركة من الأمور التي شدّد فيها العلماء رحمةُ الله عليهم، بل كان يقول بعض العلماء: إذا انحرف انحرافاً لأغلب الجذع فإنه لا يؤمن أن تبطل صلاته؛ لأنه انحرف عن القبلة قبل تمام صلاته. فهذا ينبغي التنبيه عليه ويخطئ فيه كثير، بل من طلاب العلم من يخطئ فيه. فلذلك يثبت الإنسان مُستقبل القبلة بصدره، ثم يحرف رأسه ويجعل ذقنه على الكتف، فهذه هي السنة في السلام الكامل، وأما المبالغة في الحركة والانحراف، فليست من السنة في شيء، ولذلك يُشدد فيها ويمنع منها. وكان عليه الصلاة والسلام إذا فرغ من تسليمه عن اليمين سلم عن يساره، فابتدأ باليمين تشريفاً لها، ثم سلم عن يساره صلى الله عليه وسلم.
صيغ السلام الثابتة في السنة
صيغ السلام الثابتة في السنة أما الذكر القولي فهناك أربع صيغ للسلام: الصيغة الأولى: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) عن اليمين، (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليسار. الصيغة الثانية: (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليمين، (السلام عليكم ورحمة الله) عن اليسار. وهي الصيغة المشهورة والموجودة الآن. الصيغة الثالثة: (السلام عليكم ورحمة الله) عن يمينه، (السلام عليكم) عن اليسار. الصيغة الرابعة: (السلام عليكم) عن يمينه. فهذه أربع صيغ ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سلم تسليمتين فجعلها كاملة، وجعلها كاملة عن اليمين ناقصة عن اليسار، وجعلها أيضاً متساوية في اليمين واليسار. والتسليم يُعتبر من أركان الصلاة على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، خلافاً للإمام أبي حنيفة رحمه الله الذي لا يرى وجوب التسليم، ويقول: لو أن المصلي خرج من الصلاة بصنعةٍ فإنه يُعتبر خارجاً من الصلاة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (فإذا فعلت هذا فقد تمّت صلاتك) ولم يأمره بالتسليم. والصحيح أنه لازم لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي رضي الله عنه الثابت عنه: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فلما قال: (تحليلها التسليم) دلّ على أن المصلي لا زال في حرماتها حتى يسلم. واحتج الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه أيضاً بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وقضى تشهده ثم أحدث فقد تمت صلاته)، وهو حديث ضعيف، والصحيح ما ذكرناه من لزوم السلام ووجوبه. وأصح الأقوال عند العلماء أن السلام مخيرٌ فيه، فإن شاء سلّم تسليمتين، وإن شاء سلم تسليمة واحدة، ولكن إذا كان مأموماً يرى التسليمتين، وصلى وراء إمامٍ يسلم تسليمة واحدة يُسلِّم وراءه تسليمةً واحدة، وإن كان مأموماً يرى التسليمة الواحدة، وصلى وراء إمامٍ سلم تسليمتين فإنه يسلم من ورائه تسليمتين. قال بعض العلماء: الواجب في التسليم الأولى، والثانية سنة، وقال بعضهم: الواجب التسليمتان. فإن قلنا: الواجب التسليمتان، أو قلنا الواجب التسليمة فالحكم يختلف. وفائدة ذلك أنه لو قلنا الواجب تسليمة واحدة، فإن سلم الأولى ثم أحدث فإن صلاته صحيحة على القول بأن الواجب هي التسليمة الأولى. وكذلك لو قلنا: إن الواجب التسليمة الأولى. فإذا سلم التسليمة الأولى، وقبل أن يسلم الثانية مرت امرأة، أو مر كلبٌ أو مر حمارٌ فإنه على القول بأن الصلاة تقطع يُعتَبر بتسليمته الأولى قد خرج من الصلاة وصحّت صلاته. أما على القول بأن الواجب تسليمتان فلا. ومن فوائد هذا الخلاف أننا إذا قلنا: الواجب التسليمة الأولى فمعنى ذلك أنك لو صليت وراء إمام وفاتتك ركعة فأكثر، وسلم الإمام التسليمة الأولى، فإنك تقوم مباشرة؛ لأنك مأمورٌ بواجب، فلا تتوقف على السنة، قالوا: ولا ينتظر التسليمة الثانية، كما اختاره غير واحدٍ من أهل العلم، ومنهم الإمام العز بن عبد السلام، وطائفة من أصحاب الشافعي رحمة الله عليه، فقالوا: لا يجلس؛ لأن جلوسه تحصيلاً للسنة، وقد أُمِر بالإتمام لقوله عليه الصلاة والسلام: (وما فاتكم فأتموا)، قالوا: فلذلك لا يشتغل بالسنة عن الفرض اللازم عليه. هذا حاصل ما ذُكِر في تسليم المصلي من صلاته.
مسائل متفرقة في الصلاة
مسائل متفرقة في الصلاة
التكبير ورفع اليدين عند القيام إلى الثالثة
التكبير ورفع اليدين عند القيام إلى الثالثة قال رحمه الله تعالى: [وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرا بعد التشهد الأول] أي: إن كان المصلي في ثلاثيةٍ كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء نهض مكبراً إلى الركعة الثالثة، وقوله: (مكبراً)، أي: حال كونه مكبراً يقول: اللهُ أكبر، فإن استتمّ قائماً رفع يديه مشيراً بها كالحال في تكبيرات الركوع والرفع من الركوع. وهذا هو الموضع الرابع الذي يُشرع فيه رفع اليدين كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر في صفة رفعه صلوات الله وسلامه عليه يده في الصلاة. قال رحمه الله تعالى: [وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط] قوله: [كالثانية] أي: كما وصفنا في الركعة الثانية، لا كما وصفنا في الركعة الأولى؛ فإنه في الثالثة والرابعة يفعل ما يفعل في الثانية، لكن يقتصر في الثالثة والرابعة على سورة الفاتحة إلا الظهر، وهذا فيه حديث ابن عباس، فإن السنة أن يقرأ بسورة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون:1] في الركعة الثالثة، و {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] في الركعة الرابعة، وقد ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح عنه. وقال بعض العلماء: يُقاس على الظهر العصر، ففي الأخريين من العصر يقرأ بسورتي الإخلاص. وهذا محل نظر، فإن الأقوى أن يُقتصر على الوارد، ويُقال بسنيته في الظهر، ويضعف القياس في مثل هذا.
مسألة التورك في التشهد الأخير
مسألة التورك في التشهد الأخير قال رحمه الله تعالى: [ثم يجلس في تشهده الأخير متوركا] أي: إذا كان في ثلاثية أو رباعية يجلس في تشهده الأخير حال كونه متوركاً. والتورك ثَبَتَ فيه حديث ابن عمر وابن الزبير رضي الله عن الجميع. وهذا التورك للعلماء فيه ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن يجعل طرف قدمه اليسرى بين الساق والفخذ قريباً من الركبة، وهذا الوجه يصعب في حال ازدحام الناس، بل قد لا يتأتى؛ لأنه يحتاج إلى انفراج الإنسان قليلاً حتى يتمكن من إدخال قدمه اليسرى بين ساقه وفخذه قريباً من الركبة. الوجه الثاني: أنه يؤخِّرها حتى يقترب من الإلية. الوجه الثالث: أنه يُنزلها ويجعلها تحت الساق، وتكون على صورتين: الأولى تكون فهيا مقدمة، بمعنى: قريبة من الركبة. والثانية: تكون مؤخرة بحيال القدم المنصوبة. فهذه كلها أوجه في التورك لا حرج على الإنسان أن يفعل أي واحدةٍ منها. وتشرع في الثلاثية والرباعية. والجلوس في الصلاة على صورتين: الأولى: الافتراش، وهي أن تجعل اليسرى بمثابة الفراش، فظاهرها على الأرض وباطنها الذي يلي الأرض عند المشي يكون إلى الإليتين، وينصب رجله اليمنى، ويجعل أصابعه مستقبلة القبلة، فهذا يسمى الافتراش، وفيه حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث وائل بن حجر رضي الله عنه. الثانية: التورك الذي ذكرناه. والعلماء رحمة الله عليهم لهم في هذه الجلسات ثلاثة مذاهب: فمذهب يقول بتقديم الافتراش على التورك، كما هو اختيار الحنفية ومن وافقهم. ومذهبٌ يقول بتقديم التورك على الافتراش، كما هو مذهب المالكية ومن وافقهم. ومذهبٌ يرى التفصيل، كما هو اختيار الحنابلة والشافعية، وهو الأرجح. ومذهب التفصيل هو أنه إن كان في ثنائيةٍ بعدها سلام، أو في التشهد الأول من الرباعية أو الثلاثية فإنه يفترش ولا يتورك، وإن كان في رباعيةٍ، أو في ثلاثيةٍ وجلس للسلام فإنه يتورك ولا يفترش، فهؤلاء يرون أن الافتراش يكون في الثنائية، ويكون في الجلسة الأولى من الرباعية، بمعنى أفهم يرونه في كل ركعتين، وأما التورك فيرونه لجلسة السلام. ولذلك بعض العلماء يقول: إن كانت ثلاثيةً ورباعيةً جلس متوركاً لسلامه، ويجلس مفترشاً في التشهد الأول، وفي كل ثنائية. فهذا بالنسبة للمذهب الذي يقول بالتفصيل، فجمع بين الأحاديث، وقد جاء في حديث أبي حميد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفترش ويتورك على حسب حاله في التشهد من كونه مسلِّماً أو غير مسلِّم. فإذا قلنا بالتفصيل فإنه قد يقال: هل التورك في الرباعية والثلاثية من أجل السلام، أم من أجل العدد؟ وهذا يتفرع عنه ما لو صلى الوتر، فإن قلنا: إن جلوسه متوركاً في الرباعية والثلاثية من أجل السلام فحينئذٍ يتورك في الوتر. والأقوى عندهم أنه لا يتورك؛ لأنه في الفجر لا يتورك، ومن بعده السلام؛ وبعض العلماء الشافعية يرون أنه يتورك لتشهد السلام، فيرى أنه إذا أراد أن يسلِّم تورَّك لكل تشهد من بعده سلام، وافترش لكل تشهدٍ لا سلام بعده.
المرأة كالرجل في الصلاة
المرأة كالرجل في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [والمرأة مثله لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها] المرأة كالرجل فيما ذكرناه من صفات الصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إنما هن شقائق الرجال)، والأصل في الأحكام أن النساء فيها كالرجال حتى يدل الدليل على اختصاص الرجال، أو اختصاص النساء. ولكن جلوسها للعلماء فيه وجهان: قال بعض العلماء: إذا جلست في التشهد فإنها تتربع ولا تفترش، والسبب في ذلك أنه أبلغ في سترها. ورووا عن بعض أمهات المؤمنين ما يدل على جلوسها متربعة، كما أُثِر عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وقالوا: ما كانت لتفعله إلا وله أصل، خاصةً وأن الصلاة مبناها على العبادة والتوقف. ومنهم من قال بما اختاره المصنف وهو أنها تحمل رجليها إلى جهة اليمين، والسبب في ذلك أنها إذا جعلت الرجلين إلى جهة اليمين فإنه لا يتحدد جِرمها، فيكون أبلغ في سترها، ويكون غطاؤها عليها، فلا تستطيع أن تميِّز جرم المرأة بخلاف إذا ما جلست مفترشة.
الأسئلة
الأسئلة
الإشارة بالسبابة في التشهد وغاية انتهائها
الإشارة بالسبابة في التشهد وغاية انتهائها Q إذا أشار المصلي بسبابته في التشهد عند لفظة الشهادة، فهل يبقى مشيراً إلى نهاية التشهد أم يقبضها؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد ذكرنا أن أصح شيء ما جاء في كونه يشير، ويبقى بإشارته حتى ينتهي منكتاً بها إلى الأرض، وإن حركها يتأول قول من قال بذلك فلا حرج، وإن أشار بها شديداً -كما هو اختيار بعض السلف- فلا حرج، فالأمر في هذا أن كل من ثبتت عنده سنة، أو اطمأن إلى قول عالمٍ يقول بسنة، أو يترجح عنده صحة حديث التحريك والإشارة بها ولو متردداً فلا حرج عليه؛ لأن له أصلاً، والأقوى ما ذكرناه؛ لأن السنة دلَّت على أن الحركة لا تجوز إلا بدليل، لقوله صلى الله عليه وسلم: (اسكنوا في الصلاة) فلما قال عليه الصلاة والسلام: (اسكنوا في الصلاة)، كان الأصل هو عدم التحريك حتى يدل الدليل على التحريك، فجاء الدليل يدعو بها، فنقول: إن مطلق الدعاء بها لا يستلزم الحركة كما هو معلوم.
معنى السلام على عباد الله الصالحين في التشهد
معنى السلام على عباد الله الصالحين في التشهد Q ما معنى أن كل عبدٍ صالح يصله السلام عند التسليم من عباد الله المصلين؟ A المراد بذلك أن السلام أصله الدعاء بالسلامة، فإذا قلتَ لإنسان: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فمعناه: سلمكم الله من الآفات ومن الشرور، وسلمكم الله من الفتن، فتدعو له بالسلامة؛ لأن من سلِم غَنِم، فالعبد إذا سلَّمه الله كان غانماً وعلى خير وبر، والسلامة تكون في الدين والدنيا، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية) فالعافية هي السلامة، فمن عُوفي فقد سلم، فإذا قلت: (السلام عليكم) أي: سلمكم الله، وإذا قلت: (السلام علينا) أي: أسأل الله أن يسلمنا، (وعلى عباد الله الصالحين) أي: أسأل الله أن يسلمهم، فتلقي السلام عليهم، وهذا بمثابة الدعاء أن يسلمهم الله، والله تعالى أعلم.
إذا نسي المصلي فسلم عن اليسار قبل اليمين
إذا نسي المصلي فسلم عن اليسار قبل اليمين Q إذا نسي المصلي فسلّم أولاً على الشمال ثم على اليمين، فهل يلزمه سجود السهو، أم أنه خالف السنة ولا شيء عليه؟ A أما بالنسبة لتسليمه عن يساره قبل اليمين فإنه يعتبر خارجاً من الصلاة بتسليم اليمين زائداً لتسليمة اليسار؛ لأن تسليمة اليسار وقعت في غير موقعها، فلذلك يعتبر أشبه بالالتفات الزائد، ولذلك اختار بعض العلماء رحمة الله عليهم أنه يسجد للزيادة، خاصةً على القول بأن سجود الزيادة بعد السلام، فبعد أن يسلم يسجد سجدتين؛ لأن زيادة التسليم من جنس الصلاة، فيسجد السجدتين بعد السلام، والله تعالى أعلم.
حكم تكبيرات الانتقال للإمام والمأموم
حكم تكبيرات الانتقال للإمام والمأموم Q هل يجب على المأموم تكبيرات الانتقال؟ A تكبيرات الانتقال واجبة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، وقد فعلها عليه الصلاة والسلام وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، والمراد بتكبيرات الانتقال: تكبيره للركوع، وتكبيره للسجود، وتكبيره للرفع من السجود، وتكبيره للسجدة الثانية، وتكبيره للقيام إلى الثانية والثالثة، فكلها وصفت بكونها تكبيرات انتقال؛ لأنه ينتقل بها من ركنٍ إلى ركن، فلما كان قائماً انتقل إلى الركوع فقال: الله أكبر، وكان ساجداً فانتقل إلى الجلوس فقال: الله أكبر. فقالوا: هذه تكبيرات الانتقال، وأصح الأقوال وجوبها، والله تعالى أعلم.
التسليم قبل الوجه ثم الالتفات
التسليم قبل الوجه ثم الالتفات Q ما حكم من ينطق بالتسليمة ثم يقوم بعد ذلك بالالتفات؟ A هذا قول بعض العلماء رحمة الله عليهم، ويميل إليه بعض المالكية، حيث قالوا: إن التسليم أن يسلِّم قبل وجهه ثم يلتفت. خاصةً وأنهم يقولون بالتسليمة الواحدة، وعلى العموم فإذا اختار أحدٌ هذا القول وعمل به فلا إنكار عليه.
حكم من أدرك مع الإمام ركعة
حكم من أدرك مع الإمام ركعة Q رجلٌٌ أدرك ركعة مع الإمام في صلاة المغرب، فهل يقرأ التشهد الثاني مع الإمام حتى يسلم، ثم يكمل ما فاته، أم يقتصر على التشهد الأول؟ A إذا صليت وراء إمام وأدركت شيئاً من الركعات، وفاتك شيءٌ منها، ثم جلست الجلسة الأخيرة فبعض العلماء يقول: العبرة بحاله عند ائتمامه كحال الإمام، فإذا كان مؤتماً يعتبر حاله كحال الإمام، فيفعل ما يفعله مَنْ وراء الإمام، ويَتفرَّع على هذا القول مسائل، منها: أنك لو أدركت الإمام في الركعة الثالثة من العصر تقتصر على الفاتحة، والثالثة من المغرب تقتصر على الفاتحة، والثالثة من العصر كذلك تقتصر على الفاتحة. وأما القول الثاني فإنه يقول: العبرة بالمأموم؛ لأن صلاته مع الإمام هي الأُولى. فعلى القول الأول فإنه عند تشهد الإمام التشهد الأخير يعتبر حاله حال المتم، ويتشهد تشهداً كاملاً، وهذا أقوى. وعلى القول الثاني يعتبر حاله وراء الإمام حال الباني، فصلاته مع الإمام هي الأولى، ويكون حاله دون حال الإمام. ومن فوائد هذه المسألة أن من أدرك الإمام في التكبيرة الثانية أو الثالثة من صلاة الجنازة، فبعضهم يرى أن العبرة بحاله، فحينئذٍ يبتدئ بالفاتحة، خاصةً وأنها ركنٌ في الصلاة، وحتى لو كان الإمام في الدعاء تداركاً لما فات، والقول بأنه يعتبر حاله كحال الإمام أقوى، وذلك لظاهر السنة: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فإنه جعل الإتمام والبناء بعد الانفصال، وبعد الإكمال، ولذلك يقوى في هذه الحالة اعتبار حاله مع الإمام كحال الإمام، فيأتم بالإمام على الصورة التي يجده عليها. ولا يُشكِل على هذا قول من قال: إنه لو أدرك مع الإمام التكبيرة التي قبل الأخيرة في الصلاة على الجنازة فإنه يترك الفاتحة؛ فإننا نقول: إنه لو أدركه وصلى وراءه فإنه يدعو، فكما أنه لو أدركه راكعاً، أو أدركه قبل الركوع بقليل لا يتمكن فيه من قراءة الفاتحة فإنها تسقط عنه، كذلك تسقط عنه هنا، فدل على أن مسائل الاضطرار لا تأخذ حكم الاختيار، ولا يلزم فيها بالأصل ولا يُعترض به، والله تعالى أعلم.
الدعاء في الصلاة بغير اللغة العربية
الدعاء في الصلاة بغير اللغة العربية Q هل يجوز الدعاء في الصلاة بغير اللغة العربية؟ A فقد رخص بعض أهل العلم في الأمور التي هي من غير الأذكار والأدعية المخصوصة كالتشهد، فإذا كان الإنسان أعجمياً ولا يسعه أن يتعلم الدعاء الوارد فله أن يدعو بلسانه ولا حرج عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يتخير من المسألة ما شاء)، ولم يقيد ذلك بلسان، لذلك قالوا: إنه لا حرج عليه. ولأن كثيراً ممن يسلمون ويكونون حديثي عهدٍ بجاهلية لا يستطيعون الكلام، فإذا كانوا من العجم فلا يستطيعون تعلم اللغة ومعرفة اللسان العربي في الدعاء إلا بعد وقتٍ وجهد، ولذلك وُسِّع عليهم من هذا الوجه، فلا حرج عليه أن يدعو بدعائه سواء أكان بعد انتهاء تشهده أم في حال سجوده، والله تعالى أعلم.
حكم التسليمتين في صلاة الجنازة
حكم التسليمتين في صلاة الجنازة Q نرى من يسلم في صلاة الجنائز عن اليمين والشمال، فما حكم التسليم عن الشمال؟ A المحفوظ التسليمة الواحدة، وحكى بعض أهل العلم التسليمة الثانية، لكني لا أحفظ في ذلك حديثاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيُسأل، فإذا كان عنده حجة ودليل ثابت في هذا، فحينئذٍ لا إشكال، وإلا الأصل في التسليم المتابعة وعدم إحداث سلام زائد على ما ورد.
قول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وخلاف العلماء في محله
قول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) وخلاف العلماء في محله Q هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) بعد التشهد؟ A نعم، فهذا اختيار بعض العلماء لقوله عليه الصلاة والسلام: (يا معاذ! إني والله لأحبك. فقال معاذ: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. وأنا والله أحبك، فقال: أوصيك يا معاذ ألا تدع في دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). فقال بعض العلماء في قوله صلى الله عليه وسلم: (دبر كل صلاة) إن دبر الشيء منه. فقالوا: تدعو بهذا الدعاء بعد التشهد، فتقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). وقال بعض العلماء: إنه يدعو به خارج الصلاة وهو أقوى، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، وكبر الله ثلاثا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر). وبالإجماع فإن هذه الأذكار تكون بعد الفراغ من الصلاة، وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بكونها دبر الصلاة، قالوا: قد عرف في اللسان العربي أنه يوصف الشيء بحكم قربه من غيره، ولذلك يقولون: إن قوله: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) إنما يكون بعد الانتهاء من السلام، وهذا المذهب أقوى لوجود النظير الدال عليه، ولأن الأصل أن لا يُدخل في الصلاة إلا بدليل، فإذا فعله الإنسان في أثناء التشهد لا يُنكر عليه، وإن فعله بعد انتهائه من السلام فهو الأولى والأحرى، والله تعالى أعلم.
ضابط صلاة الإشراق
ضابط صلاة الإشراق Q هل ينبغي لمن جلس إلى الإشراق أن لا يتحرك من مكانه الذي صلى فيه؟ أم أن المقصود بالمصلى المسجد عامة؟ A أما بالنسبة لصحة الحديث الوارد في ذلك والقول بثبوته أو تصحيحه لغيره. فهو يتوقف على مجموع طرق الحديث، والمعتبر بالتحسين منها كله بلفظ: (في مقعده)، (في مصلاه)، والقاعدة أن الإضافة تقتضي التخصيص؛ فإن معنى (مقعده) أي: مكان جلوسه، و (مصلاه) أي: مكان صلاته، ولذلك المحفوظ من كلام أهل العلم أن المراد بمقعده ومصلاه نفس المكان، حتى ولو قام يريد أن يأخذ المصحف فإنه لا يعتبر له هذا الفضل فإنك لو تأملت أن فضل ذلك حجة وعمرة تامة تامة فإنه ليس باليسير، وهذا أمر ينبغي للإنسان أن يجتهد فيه، ولذلك كلما كان الفضل أعظم والأجر أكثر كان الابتلاء أكثر وأعظم، ولذلك ابتلي بأن يثبُت في نفس المصلى. ثم إنه ينبغي عليه أن يكون ذاكراً لله؛ إذ بعضهم يجلس وينام، وربما يتكاسل حتى تصيبه السنَة من النعاس، ويغفل عن ذكر الله عز وجل، فقد شدد بعض العلماء حتى قال: لو أنه تكلم في فضول الدنيا فإنه لا يؤمن أن يفوته الفضل وهذا أقوى. واعتُرِض على هذا القول بما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجلس بعد صلاة الفجر فيحلق عليه الصحابة، فيأخذون فيما كانوا فيه من أمور الجاهلية -أي: يتحدثون بما كانوا عليه من الجاهلية- فيضحكون ويتبسم النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: فهذا يدل أنه لا حرج أن يتكلم في أمور الدنيا، ولكن هذا الاعتراض ضعيف؛ لأن الكلام كان من الصحابة، ولم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر الثاني: أنهم كانوا يتحدثون بما كانوا عليه من أمور الجاهلية على سبيل ذكر نعمة الله عليهم، فكان عبادة من هذا الوجه، فإنهم يذكرون ما امتنّ الله عليهم بنعمة الإسلام، فيكون التحدث بما كانوا عليه في الجاهلية على سبيل الإشعار بفضل الله عليهم بالهداية للإسلام، ولذلك كان التحدث بالنعم شكراً لله عز وجل، فهو ذكر وطاعةٌ من هذا الوجه. فالذي تطمئن إليه النفس أن يبقى قارئاً للقرآن، أو مسبحاً، أو مهللاً، أو مكبراً، أو مستغفراً، أو قائلاً لأذكار الصباح، أو أذكار المساء، ويجلس في ذكرٍ وطاعة، وهذا يحتاج إلى جهاد وصبر حتى ينال فضل الحجة والعمرة التامةِ التامة. وأما القول بأن مصلاه المسجد كله فلا أحفظ أحداً من العلماء من السلف رحمة الله عليهم يقول به، وخاصةً أن ظاهر الحديث لا يساعد عليه، فالقول بأن مصلاه المراد به المصلى كله من باب التجوُّز، والأصل حمل اللفظ على حقيقته بقيد (مصلاه) أي: مكان صلاته، كما يُقال: مسجده أي: مكان سجوده، وهذا هو الأقوى والأشبه بلفظ الحديث، والله تعالى أعلم.
فصل: مكروهات الصلاة
شرح زاد المستقنع - فصل: مكروهات الصلاة المكروه هو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وفي الصلاة مكروهات لا ينبغي فعلها؛ لأنها تنقص من الخشوع والإقبال على الصلاة، ومنها: الالتفات، ورفع البصر إلى السماء، وإغماض العينين، والإقعاء في الجلوس، وافتراش الذراعين في السجود، والعبث، والتخصر، والتروح، وفرقعة الأصابع، وتشبيكها، والصلاة مع وجود البول، أو الطعام، وتكرار سورة الفاتحة.
مكروهات الصلاة
مكروهات الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
الالتفات
الالتفات فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: ويكره في الصلاة التفاته] بعد أن فرغ المصنف رحمه الله من بيان صفة الصلاة المشروعة الكاملة، وشرع الآن في بيان ما يُكرَه للإنسان أن يفعله في الصلاة، ولذلك قال: [فصل]، وأصل الفصل: قطع الشيء عن الشيء، والفاصل: هو الحائل بين الشيئيين. ووصف العلماء رحمهم الله هذه المواضع بكونها فصلاً؛ لأنه يُفصَل بها بين المسائل والأحكام لاختلاف أجناسها وما تضمنته من معانٍ. وهذا الفصل سيتكلم المؤلف رحمه الله فيه على الأمور المكروهة، وهي التي يتركها الإنسان فيُثَاب على تركها، ولا يعاقب على فعلها، والسبب في إيراد هذا الفصل في المكروهات هو أن اتقاء هذه المكروهات يحصل به المكلف على كمال الصلاة، فلما فرغ من صفة الصلاة الكاملة نبه على أن هذا الكمال ينبغي أن يكون مصحوباً بترك هذه الأمور التي فِعلها يُعد خلاف الأولى. والمكروه: هو ما يُثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، ويأتي النهي عنه من الشرع إما في الكتاب، وإما في سنة النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة الثابتة عنه، وتدل الأدلة على أن هذا النهي الوارد في الكتاب، أو الوارد في السنة ليس على ظاهره وإنما هو على الكراهة. قوله: [يكره في الصلاة التفاته] أي: يكره للمصلي إذا كان في صلاته أن يلتفت، يُقال: التفت إذا صَرَف وجهه قبل اليمين أو قبل الشمال، وهذا الالتفات يكون من المكلف على صورتين: الصورة الأولى: أن يَصرِف وجهه مع بقاء جذع جسمه. الصورة الثانية: أن يصرف الوجه والجسد. ومراد المصنف رحمه الله هنا صرف الوجه وحده، فإن السنة لمن وقف بين يدي الله عز وجل أن ينصب وجهه، وأن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وهذا من تعظيم أمر الصلاة، وتعظيم الموقف بين يدي الله عز وجل، ولذلك أمر الله باستقبال القبلة، ويكون استقبال المكلَّف لها بجميع جسمه، فإذا التفت فقد صرف وجهه عن قبلته؛ ولذلك يُعتبر هذا ممنوعاً عن المصلي. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سُئِل عن الالتفات الذي يقع من الناس، فقال عليه الصلاة والسلام: (هو اختلاسٌ يختلسه الشيطان من صلاة العبد)، وأصل الاختلاس: الأخذ بسرعةٍ مع غفلة المأخوذ منه، أي: يأخذ الشيطان حظاً بهذا الالتفات من صلاة الإنسان، حتى قال بعض العلماء: إنه ينقص أجره على قدر ما كان منه من الالتفات. والالتفات إذا كان ضرورياً لحاجةٍ؛ أو أمرٍ ناب الإنسان فالتفت من أجله، فهذا إن كان يسيراً فإنه لا يضر ولا يؤثر في الصلاة. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقر أبا بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه حينما كان في الصلاة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد تأخر عن الحضور بسبب كونه يُصلِح بين حيين من بني عوفٍ بقباء، فتأخر النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة، فجاء بلال إلى أبي بكر وأخبره، فأقام بلال الصلاة وتقدم أبو بكر رضي الله عنه؛ فلما كان في الصلاة قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبَّح الناس لـ أبي بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يلتفت من كمال خشوعه وصلاته، فلما أكثر الناس عليه التسبيح التفت فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك إلى آخر الحديث. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ أبا بكر حينما التفت، ولم يجعل التفات أبي بكر موجباً لبطلان الصلاة، فأخذ العلماء من هذا دليلاً أن المكلَّف إذا كان في الصلاة والتفت لمصلحة الصلاة، أو لأمر مضطر إليه لمصلحة نفسه، كأن يظن أن عقرباً يتحرك عن يمينه، أو حيةً تحركت عن شماله فخاف على نفسه فالتفت، فحينئذٍ يكون مضطراً إلى هذا الالتفات ومُحتاجاً إليه، فلا يوجب بطلان صلاته. والالتفات يكون جزءاً وكلاً، فالالتفات الكامل: أن يصل الذقن إلى العاتق، وفي هذه الحالة يكون الالتفات كاملاً، وأما الالتفات الجزئي فيكون بصرف الوجه قليلاً، وهذا لا يؤثر، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل إذا شوّش عليه الشيطان في صلاته فيتفل عن يساره ثلاثاً. فإذا كثُرت وساوس الشيطان على الإنسان وهو في الصلاة، وقال له الشيطان: اذكر كذا، اذكر كذا. يريد أن يصرفه عما هو فيه من أمور الصلاة والخشوع فيها فإنه يُحرِّك رأسه قليلاً دون أن يلتفت التفاتاً كاملاً، ثم يتفل عن يساره، أي جهة اليسار، فكونه عليه الصلاة والسلام يقول: (وليتفل عن يساره) يدل على أنه نوع التفاتٍ، وهو جزء الالتفات الذي ذكرناه. أما الالتفات الكامل فقد قلنا: إنه إذا وُجِدت الضرورة فلا إشكال، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه التفت إلى الشِّعب وهو في الصلاة، وجاء في بعض الروايات أنه كان يلتفت إلى الشعب، وأن الشعب كان في جهة القبلة وهذه الرواية تخفف من شأن الالتفات؛ لأنه لو لم تأت هذه الرواية لفُهِم منه أنه التفات خارجٌ عن جهة القبلة؛ ولذلك لا حرج على المكلف أن يلتفت قليلاً، أو يُحرِّك رأسه قليلاً، ولكن مع هذا فإنه بالتفاته من دون حاجةٍ معرَّضٌ لفوات الكمال، ولذلك جاء في الحديث: (لا يزال الله عز وجل مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف عنه)، وهذا يدل على فوات الكمال، والحظ الأوفر للعبد إذا صلى واستشعر موقفه بين يدي الله ولم يلتفت. أما النوع الثاني من الالتفات: فهو الالتفات بالجذع، وهو الذي يتحرك الإنسان فيه إلى درجة ينحرف فيها عن القبلة، فلو أن إنساناً كان في صلاته ثم سمع صياح صَبِيِّه، فالتفت فتحرك جذعه حتى تحركت قدماه بحيث خرج عن كونه مستقبلاً الشرق فاستقبل جهة فرعية أو جهةٍ أصلية فإنه تبطل صلاته ولو كانت لضرورة، إلا ما استثني من ضرورة القتال؛ فإنه في حال ضرورة القتال يُستثنى لمكان نص الله عز وجل على ذلك في آية المسايفة.
رفع البصر الى السماء
رفع البصر الى السماء قال رحمه الله: [ورفع بصره إلى السماء] كان من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أكمل ما يكون من المكلف في خشوعه وخضوعه وذلته بين يدي الله عز وجل وهو واقفٌ في الصلاة؛ فإن هذا يدل على الإقبال على الله عز وجل، والاشتغال بما في الآيات من العظات والذكرى، فأكمل ما يكون من المكلَّف أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم. فأما رفع البصر إلى السماء فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على إنكاره، فقال عليه الصلاة والسلام: (ما بال أقوامٍ يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم)، ثم شدد فقال عليه الصلاة والسلام: (لينتهنَّ عن ذلك، أو لتخطفن أبصارهم)، وفي رواية لـ مسلم: (أو لا ترجع إليهم)، والعياذ بالله. وهذا يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يصرف بصره إلى السماء، وذلك لأن القاعدة في الأصول تقول: (إذا ورد الوعيد على فعل شيء دل ذلك على أنه محرم)، فكون النبي صلى الله عليه وسلم يبين أنه سبب لأن تُخطَف الأبصار إن استمروا على ما هم عليه يدل على حرمة رفع البصر إلى السماء. وقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُقلِّب بصره في السماء حتى نزلت آية القبلة، ثم نهي عن ذلك، وقيل: لما نزلت آية المؤمنين: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون:1 - 1] رمى ببصره عليه الصلاة والسلام إلى موضع سجوده. فلا يجوز للمصلي أن يرفع بصره إلى السماء، ويستوي في ذلك أن يكون في موضعٍ له سقف، أو يكون في موضعٍ منكشف السقف، وهذا على أن قوله صلى الله عليه وسلم: (إلى السماء)، أي: إلى العلو، فإنه حينئذٍ يكون المراد به أن لا يرمي ببصره إلى أعلى، ويستوي حينئذٍ كونه مسقوفاً أو غير مسقوف. وقال بعض العلماء: الحكم يختص بالسماء، أي: عند نظره إلى السماء. وهذا جمودٌ على ظاهر النص؛ فإننا لو قلنا لهؤلاء: أرأيتم إن كانت السماء مغيمة فإن الحكم واحدٌ عندكم، فالغيم الذي بين المكلفين وبين السماء كالسقف الذي بينهم وبين السماء، ولذلك يستوي أن يكون رفعه للبصر عند وجود الحائل كالسقف، أو يكون بدون حائلٍ كالفضاء.
إغماض العينين
إغماض العينين قال رحمه الله: [وتغميض عينيه] تغميض العين: إطباق الجفن على الجفن، فإذا أطبق الجفن على الجفن فقد غمَّض عينيه، فالتغميض مكروه في الصلاة؛ لأنه من فعل اليهود؛ فإنهم إذا صلَّوا غطوا رءوسهم وغمَّضوا أعينهم. وقال العلماء: إن هذا التغميض يعتبر مكروهاً، ونص عليه غير واحدٍ من أهل العلم، وهذا الصحيح، ووجه كراهته ما ذكرناه من المشابهة، ولأنه يُفوِّت المصالح، وذلك أن المكلَّف إذا غمَّض عينيه قد لا يستطيع أن يدفع المار؛ لأنه مُغمَّض العينين، ولأنها حركةٌ زائدة، وحينئذٍ لا تُشرع إلا بدليل، ويستوي في ذلك تحرك العضو أو جزء العضو. ويستوي في ذلك أن يغمض العينين أو يغمض إحداهما، فالحكم واحد. ولم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يغمض عينيه في الصلاة، وفصَّل بعض الفقهاء فقالوا: إذا كان غمض عينيه لكمال الخشوع، أو لكون الموضع الذي أمامه فيه نقوش وزخرفة وإذا نظر إليها اشتغل بها عن الصلاة فغمَّض، فحينئذٍ لا حرج، والذي ينبغي ترك التغميض مطلقاً، حتى ولو كانت هناك نقوش؛ فإنه من المجرَّب أن الله إذا أراد بعبده خيراً ورزقه الخشوع يستوي عنده أن يُصلي على ذات نقوشٍ أو غيرها، فلو كانت النقوش موجودة وحدد البصر على موضع السجود فإنه سيخشع إن شاء الله، ولذلك الأَولى والأكمل والأحرى والأقرب لهدي النبي صلى الله عليه وسلم الامتناع عن تغميض العينين.
الإقعاء
الإقعاء قال رحمه الله: [وإقعاؤه]. يقال: أقعى الكلب إذا أَلصَق إليتيه بالأرض، وهذه مسألة ينبغي لطلاب العلم أن يتنبهوا لها، فالإقعاء ينصب فيه الكلب -أكرمكم الله- رجليه ويجعل يديه على الأرض، فتكون الإليتين ملتصقة بالأرض والرجلان منتصبتان، فهذا إقعاء الكلب الذي تكلم عليه أئمة اللغة وجهابذتهم كـ أبي عبيدة مَعْمَر بن مثنى، وأبي عبيد القاسم بن سلام الجمحِي، وناهيك بهما علماً وفضلاً، فهما أعرف بلسان العرب، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإقعاء. والذي عليه جماهير العلماء رحمة الله عليهم أنه هو المراد بالحديث، وأن من فعل هذا فقد فعل ما حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، وبعض الناس يفعل هذا الإقعاء بين السجدتين، أو يكون جلوسه لهذا الجلوس عند قيامه للركعة الثالثة أو الثانية، فإنك تجده ينصب القدمين ويلصق الإليتين ويتكئ على اليدين كالمرتاح، وبعضهم يَهِم ويظنها جلسة الاستراحة، وهذا لا شك أنه أبلى وأطم؛ لأن الإنسان حينها يوقع غير المسنون وغير المشروع موقع المسنون. وهذا النوع من الجلوس يستوي فيه أن يكون بين السجدتين، أو يكون حال التشهد، أو يكون عند القيام إلى الركعة الثانية أو إلى الرابعة، فكل ذلك منهي عنه ومحرمٌ. وهناك جلسات اختلف العلماء رحمهم الله في كونها من الإقعاء أو ليست من الإقعاء، ففسَّر بعض العلماء الإقعاء بكونه ينصب القدمين، ويجعل الإلية على العقبين، وهذا النصب له صورتان: الصورة الأولى: أن ينصب القدمين، ويجعل الأصابع مستقبلة للقبلة، وتكون الإلية على العقبين. الصورة الثانية: أن ينصب القدمين ويجعل بطنهما إلى الأرض، ولا يجعل الأصابع مستقبلة القبلة، فإذا جعل البطنين إلى الأرض برز العقبان فكانت الإليتان عليهما. وهناك صورةٌ ثالثة يدخلها بعض العلماء فيقول: هو أن ينصب القدمين ويجعل يديه على الأرض. والأوّلون يقولون: يستوي أن تكون يداه على الأرض، أو تكونان على فخذيه. أما كونه ينصب القدمين ويجعل رءوس الأصابع مستقبلة للقبلة فهذا ليس من الإقعاء، لظاهر حديث ابن عباس، إذ فعله بين السجدتين؛ لأن ابن عباس نصب قدميه رضي الله عنه وأرضاه واستقبل بالأصابع القبلة، وجعل إليتيه على العقبين، فلما قال له تلميذه طاوس بن كيسان: إنه من الجفاء قال: سنةَ نبيكم صلى الله عليه وسلم. وهذا يدل على أنه من السنة أن يفعله الإنسان، ولكن بين السجدتين كما ورد عن ابن عباس. أما الصورة الثانية: وهي أن يجعل بطني القدمين إلى الأرض والعقبين تحت الإليتين والأصابع إلى الأرض ليست بمنتصبة فهذه هي عقبة الشيطان، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، وفيها حديث عائشة رضي الله عنها الصحيح من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الجلسة، فالصحيح أنها محرمة ومنهيّ عنها من حديث عائشة لا من جهة الإقعاء، يعني: إذا رأيت الرجل ينصب قدميه فيجعل بطونهما إلى الأرض مع الأصابع، ثم يجعل الإليتين على العقبين فلك أن تنماه عن ذلك من جهة حديث عقبة الشيطان، لا من جهة حديث الإقعاء، وهذا هو أصح الأوجه عند الجماهير رحمة الله عليهم. ونُهِي عن هذه الصورة -التي ذكرناها- من الإقعاء لما فيها من مشابهة الحيوان -أكرمكم الله-، وقد شرف الله الآدمي وكرمه كما أخبر الله تعالى في آية الإسراء، وأخبر أنه كرمه وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق تفضيلاً، ومن باب أولى أن يُكَرَّم في أثناء وقوفه بين يدي الله عز وجل، ولذلك نهي عن هذه الصورة، ولأنها لا تتناسب مع الأدب ومقام الذلة بين يدي الله عز وجل، فنُهِي عن هذه الجلسة لما فيها من بشاعة الصورة؛ ولذلك فإن طاوس بن كيسان لما ذكر أن الرجل يجعل إليتيه على عقبيه قال: إنه من الجفاء بالرجل. أي: كان السلف رحمة الله عليهم، وكان الناس في القديم يرون أن هذا جفاء، فكيف بالإقعاء الذي هو صورة الحيوان؟!
افتراش الذراعين في السجود
افتراش الذراعين في السجود قال رحمه الله: [وافتراش ذراعيه ساجدا] أي: يُكره للمكلف إذا سجد أن يفترش ذراعيه افتراش السبع، كما ورد مِن نهي النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بالافتراش: أن يجعل الذراعين ممدودين على الأرض كانبساط الكلب إذا جلس، فإنه ينبسط انبساطاً، وهذا الانبساط مَنهِيٌ عنه. فالسنة أن يَرفع وأن يُجافِي عَضُده عن جنبه، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يجافي حتى كان الصحابة يُشفقون على النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة مجافاته، كما في حديث البراء عند ابن ماجة في سننه، ولذلك كان هدي النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا، لكن لو اضطر الإنسان بسبب ضيق المكان فألزَق عضُدَه بجنبه بسبب الضيق وتراصّ الناس فإن هذا لا حرج فيه، ويُعتبر الإنسان فاعلاً له بغير الاختيار.
العبث
العبث قال رحمه الله: [وعبثه]. أي: يكره له العَبَث، والعَبَث: الحركة الزائدة. ووصف المتحرك بغير المشروع في صلاته بكونه عابثاً، لأن الأمر يقتضي منه ما هو أشرف وأكمل من اشتغاله بهذا الشيء. فمثال العبث: أن يصلح ثوبه من دون حاجة، كأن يبالغ في تعديل عمامته على رأسه، أو ينظر إلى ساعته، أو يُحرِّكها كما هو حال بعض الناس اليوم أصلحهم الله. ومن العبث كثرة تحريك الأرض، وإصلاح السجاد عند السجود، وكثرة العبث بها، واشتغاله بحركة يديه على فخذه إذا كان جالساً في التشهد، أو بحركة يده بثوبه إذا كان قائماً بين يدي الله عز وجل في حال وقوفه، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الصلاة لشغلاً)، أي أن المكلف ينبغي عليه أن يشتغل بأمر الصلاة، وشأن الصلاة وحالها يشغل. فقد أُثِر عن علي زين العابدين أنه كان إذا توضأ تغيّر وجهه فاحمرّ، فقالوا: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ قال: ألا تدرون من أناجي؟! فالإنسان إذا أقبل على الله عز وجل فهو في شغل، وهو أشرف الأشغال وأعظمها وأجلها وأكرمها، كما قال العلماء، هو الشغل الذي خُلِق من أجله، وهو العبادة، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات:56]، فهذا هو الشغل وأَنعِم به من شغل، فكونه ينصرف عما هو بِصَدَدِه من الإقبال على الله عز وجل إلى تحريك اليدين، أو العبث بالفخذ، أو العبث بالساق، أو كثرة الحركة، أو الترنُّح أثناء الوقوف فكل ذلك مما لا يليق بالمصلي. فإذا كان العبث يكثر منه إلى درجةٍ لو رآه إنسان لظن أنه في غير صلاة حُكِم بكونه قد بطلت صلاته، أما لو كان عبثه يسيراً فإنه حينئذٍ يكون بين درجة الحرام ودرجة المسنون وهو المكروه، فقالوا: يُكره. فالعبث الذي يريده المصنف هنا رحمة الله عليه هو العبث الذي لا يخرج المصلي عن كونه مصلياً، أما لو بالغ في العبث فحينئذٍ تبطل صلاته. فلو قال قائل: ما دليلكم على أن الحركة اليسيرة لا تُبطِل الصلاة ولو لم تكن من جنس الصلاة؟ قلنا: ثبوت السنة بذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما وقف في صلاة الليل ووقف معه ابن عباس أخذ يفتِل أذنه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا نوع حركة وهي خارجةٌ عن الصلاة، وهذا يدل على أنه لا حرج.
الاختصار
الاختصار قال رحمه الله: [وتخصره]. الاختصار للعلماء فيه أقوال: قال بعض العلماء: التخصُّر الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح هو وضع اليدين على الخاصرة، وهذا الوضع للعلماء فيه ثلاثة أوجه في التعليل: الوجه الأول: أنه من فعل الشيطان، فنُهِي عنه حتى لا يُشابه الشيطان. والوجه الثاني: أنه فِعل اليهود، فنُهِي عنه حتى لا يشابه اليهود. والوجه الثالث: أنه صنيع المتكبرين، والمقام مقام أهل الذلة والخضوع، وهم الخاشعون، فلا يليق أن يقف بهذا الموقف بين يدي الله عز وجل. وهذه الثلاثة الأوجه صحيحة؛ فإنه لما نهى عنه الشرع دلّ على أنه من الشيطان، ولذلك ينسب المنهي عنه إلى كونه من فعل الشيطان. أما كونه من فعل اليهود فقد جاء عنهم أنهم يفعلون ذلك في صلاتهم. وأما كونه من صنيع المتكبرين فإن أهل التكبر إذا أعجبتهم أنفسهم تخصَّروا، فوضع الواحد منهم يديه في خاصرته كالمستعظم لنفسه والمتعالي، والمقام مقام ذلة بين يدي الله عز وجل، فلذلك قالوا: لا يناسب الحال -أعني الخشوع بين يدي الله- أن يتخصَّر، فنهي عنه. وقال بعض العلماء: المراد بالتخصر: الاختصار، وهو اختصار الآيات، كأن يقرأ من بعض السور آية أو آيتين ثم ينتقل إلى سورةٍ أخرى، ويقرأ منها آيةً أو آيتين. وقال بعض العلماء: الاختصار الذي نهي عنه: السرعة والاختلاس في الصلاة، بمعنى أنه يختصر الصلاة، فبدل أن تكون على قدر من الزمان تكون على ما هو أقل منه، والمراد بذلك الاستعجال حتى إنه لا يُعطِي الأركان حظها، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه؛ لأنه يُفوِّت الطمأنينة. فهذه أقوال العلماء رحمة الله عليهم في مسألة الاختصار، وجميع ما ذكرنا منهيٌ عنه إلا مسألة انتقاء الآيات من القرآن، فالصحيح أنك لو أخذت آيةً من البقرة وقرأتها في الركعة الأولى، ثم أخذت آيةً من آل عمران وقرأتها في الركعة الثانية فلا حرج؛ فإن الاختصار بهذا المعنى ثبتت فيه السنة، كما في حديث ركعتي الفجر، فقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الأولى منها بقوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة:136]، وفي الركعة الثانية بقوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، فدل هذا على جواز اقتطاع آيات من القرآن في الركعات، وأنه لا حرج فيه.
التروح
التروح قال رحمه الله: [وتروحه]. التروُّح في الصلاة: مأخوذ من المروحة، وذلك من شدة الحر؛ لأن الإنسان ربما كان في مكانٍ حار، خاصة في القديم؛ فإن المساجد لم تكن مُهيّأة فيها وسائل الراحة والاستجمام، فلربما مع كثرة الناس -خاصةً في الجمع، أو في غيرها، أو في التراويح- يكون الحر شديداً، والمسجد مع كثرة الناس فيه تشتد حرارته، فربما احتاج أن يحرك شيئاً يتروح به، وهذا مكروه وممنوع منه؛ لأنه يُخالف هيئة المصلي، ولأنها حركةٌ زائدة لغير مصلحة الصلاة، لكن قالوا: هو مكروه مع وجود الحاجة، أي إذا كان الإنسان محتاجاً إليه، فقالوا: إذا كان يسيراً فإنه يعتبر مكروهاً لا يوجب بطلان صلاته، كأن تكون معه المروحة، فإذا اشتد عليه الحر إلى درجةٍ تزعجه قالوا: يدفع هذا الإزعاج؛ لأنه يحصل مقصود الصلاة من حضور القلب، فإن الحر يزعجه، وربما يخرجه عن كونه خاشعاً في صلاته. وهناك نوع من التروُّح، وهو المراوحة بين القدمين، فإنك تجد بعض المصلين إذا طال عليه القيام في الصلاة يقف على القدم اليمنى وتكون اليسرى مُرسَلة لا يعتمد عليها، فإذا طال قيامه انتقل إلى الجهة اليسرى، فكان اعتماده على اليسرى وأصبحت اليمنى خفيفة الثقل، فأرسَلها لكي يتروح. وهذا أُثِر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وقالوا: إنه السنة، وهذا هو المقصود، وهو أن يكون هناك تروُّح، بمعنى أن يفرج بين القدمين، ولذلك لا يَرُصّ القدمين معاً إذا وقف، ولا يُبالِغ في التفريج، إذا وقف المصلي فلا يُسن له أن يبالغ في توسعة ما بين القدمين، ولا يبالغ أيضاً في رصّ القدمين فيجمعهما. ولذلك لما رأى ابن عمر رضي الله عنهما هذا الفعل أنكره، وبين أنه خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قالوا: يكون في قيامه وسطاً، ويروح بينهما، بمعنى أنه يعتمد على إحداهما، لكن كره بعض العلماء المبالغة في التروح؛ فإن البعض إذا رأيته متروِّحاً وهو واقفٌ ربما أنكرت أنه في صلاة، وهو التروُّح المبالغ فيه، كأن يَعتَمِد اعتماداً كلياً على اليسرى ويُرسِل اليمنى، وهي صورة ربما يكون فيها نوعٌ من الفوات للأكمل، ولذلك لا حرج أن يُروِّح بين الأقدام، خاصةً عند طول القيام، والسنة وسط، بل قال بعض العلماء: من رص القدمين معاً فقد تنطع، ومن بالغ في إلزاقها بمن هو بجواره فقد تنطع، فالمبالغة في التفريج والمبالغة في الضم كلاهما ذميم، وإنما السنة وسط. لكن هنا مسألة، وهي أنه إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بإلزاق الكعب بالكعب والمنكِب بالمنكِب، وكان الإنسان لا يستطيع أن يُلزق الكعب بالكعب إلا إذا مد رجله ذات اليمين ومد الأخرى ذات اليسار، فقال العلماء: هذا فيه تفصيل، فبعض العلماء رحمة الله عليهم يقولون: إن الذي ينبغي أن الإنسان يرتصّ مع من بجواره، ويسحب الذي بجواره إليه، فإن امتنع الذي بجوارك أن يقترب منك فالإثم عليه والإخلال منه، قالوا: فلا يقتضي أن تبالغ في وجود الاتساع بين القدمين. وبناءً على فإن الأصل أن الإنسان يقف وقوفاً اعتيادياً، فإن احتاج إلى شيءٍ قليل من التفريج لينضم إلى من بجواره حتى يصيب السنة من رصِّ القدم بالقدم فحينئذٍ لا حرج، أما أن يبالِغ في التفريج فإن هذا خلاف السنة، وخلاف صورة الأدب في الوقوف بين يدي الله عز وجل. وإذا قلنا: إنه يسحب من بجواره إليه حتى يرتص القدم مع القدم، وتُلزَق المنكب بالمنكب، فحينئذٍ يرد Q إلى أي جهةٍ يرتص؟ وهذه المسألة كثيراً ما تقع، فلو أن إنساناً مع الإمام وجاء فجذب الذي عن يمينه إليه، فأيهما أحق؟! هل الذي عن اليمين، أو الذي عن الشمال؟ قال العلماء: العبرة بجهة الإمام، فإذا دخلت المسجد وكان الإمام في جهة اليمين فإنك تجذب الذي في جهة اليسار؛ لأنه ينبغي عليه أن يرتص إلى جهة الصف، وبناءً على ذلك لو كان في جهة اليسار فإنك تجذب الذي في جهة اليمين. وعلى هذا تتفرع مسألة إتمام الصفوف، فإنه إذا جاء الإنسان بعد اكتمال الصف الذي أمامه، فقد قالوا: الأفضَل له أن يقف وراء الإمام من جهة اليمين. وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يكون وراء الإمام قصداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى). فجعل هذا المقام مقام فضل، فقالوا: الأفضل أن يكون وراءَه مباشرة، ثم يليه في الفضل من كان عن يمينه، ثم من كان عن يساره، وفي الحديث: (إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف)، وفيه كلام. فالمقصود أنه إذا جئت وراء الإمام مباشرة حُق لك أن تسحب مَن على اليمين ومَن على الشمال، لكن إذا كنت منحرفاً عنه إلى جهة اليمين فإنك تسحب من كان عن يمينه، وإذا كنت على شماله فإنك تسحب من كان عن شماله، وقس على هذا.
فرقعة الأصابع وتشبيكها
فرقعة الأصابع وتشبيكها قال رحمه الله: [وفرقعة أصابعه وتشبيكها]. فرقعة الأصابع أن يضغط على الإصبع حتى يُسمع له الصوت، وهذه الفرقعة نُهِي عنها وتعتبر مكروهة، ولذلك أُثِر عن حبر الأمة وترجمان القرآن رضي الله عنه وأرضاه أنه كان معه مولاه ففرقع أصابعه في الصلاة، فلما سلّم رضي الله عنه وأرضاه قال له: أتفرقع أصابعك في الصلاة لا أم لك؟! أي: وأنت واقفٌ بين يدي الله عز وجل تفعل هذا الفعل! فهذا الفعل لا يليق، ولو فُعِل بين يدي أهل الفضل وأهل العلم وأهل المكانة فإنه يُعد من سوء الأدب، فكيف بالموقف بين يدي الله عز وجل؟ ولله المثل الأعلى، ففرقعة الأصابع لا تنبغي، ولذلك إذا كان الإنسان في صلاته فإنه لا يفرقع، وفيه أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عنه. قوله: [وتشبيكها]. التشبيك: إدخال الأصابع بعضها في بعض، وهذا التشبيك إما أن يكون خارج المسجد، أو يكون داخل المسجد، فإن كنت خارج المسجد قاصداً إلى المسجد فلا تشبك، فقد جاء فيه حديث أبي داود بالنهي، وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من توضأ ثم خرج يريد الصلاة فهو في صلاة)، ولذلك قالوا: ينبغي عليه أن يراعي أدب المصلِّي من السكينة والوقار، وقد ثبتت بذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إذا شبك بين أصابعه فإنه يخالف هيئة الصلاة، ولذلك لا يشبك وهو قاصدٌ إلى المسجد لجمعة أو جماعة. فإذا كان في المسجد فإنه إذا كان قبل الصلاة -كأن يكون في حال دخوله، أو في كونه ينتظر الفريضة- فالحكم سواء، فإنه لا يشبك بين الأصابع لورود النهي، ولأنه في حكم المصلي، وقد ثبتت في ذلك الأحاديث. وإن كان داخل الصلاة فالأمر أشد، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وقالوا: إنه فعل اليهود في صلاتهم، وجاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (رأى رجلاً شبك بين أصابعه في الصلاة ففرقها). فإذا انتهت الصلاة فللعلماء وجهان: قال بعضهم: يستمر النهي. وقال بعضهم: لا يستمر، فإذا أراد أن يقوم بذلك وهو في داخل المسجد فلا حرج وقد ثبت بذلك حديث أبي هريرة في الصحيحين: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي، قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه) الحديث. قالوا: وهذا بعد انتهاء الصلاة؛ لأنه كان يظن أن الصلاة قد انتهت، فدل على أنه لا حرج في التشبيك بعد الصلاة وبعد انتهائها.
احتقان البول
احتقان البول قال رحمه الله: [وأن يكون حاقناً]. أي يكره أن يكون حاقناً ببول، والسبب في ذلك أنه إذا كان البول يزعجه ويحتاج إلى إخراجه، فإنه ينشغل عن الخشوع في الصلاة، كما قال تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} [الأحزاب:4]، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافع الأخبثين) قالوا: فدل هذا الحديث على أنه لا ينبغي للإنسان إذا كان محصوراً ببولٍ أو غائطٍ يدافعهما أن ينشغل بذلك عن الصلاة، وإنما يقضي حاجته ويتوضأ ويتطهر، ثم يصلي وقلبه قد فرغ من هذا الشغل، وهذا مبنيٌ على حديث عائشة الذي ذكرناه. وأَلحق العلماء بهذا شِدة الحر وشِدة البرد، فإذا أمكنه أن يتقيهما فإنه يتقيمهما ثم يصلي، فلو كان المكان شديد البرد وأمكنه أن يأتي في مكانٍ أخف برد فإنه يتنحى إلى ذلك. وهنا مسألةٌ لطيفة وهي: لو كان المكان الذي هو أخف برداً يبعد عن المكان الذي فيه البرد بقدر بحيث يفوته وقت أفضل وهو وقت أول الصلاة، فهل الأفضل له أن يذهب إلى المكان الذي هو منفصل وبعيد، حتى يكون أبلغ لخشوعه، أم أنه يصلي إدراكاً لفضيلة أول الوقت؟ قال بعض العلماء: فضيلة أول الوقت أفضل ويُغتفر فيها فوات الخشوع؛ لأنه كمال. وقال بعض العلماء: هذا من تعارض الفضيلتين: فضيلة تخفيف البرد الذي يزعجه ويشغل ذهنه، وفضيلة الوقت، ولا شك أن الإزعاج المتعلق بذات الصلاة دفعه أولى من الفضيلة المنفكة عن الصلاة، وأَمِيل إلى هذا القول الثاني لوجود النهي عن الصلاة حال مدافعة الأخبثين؛ فإن ورود النهي يُقوِّي أن فضيلة الحضور للقلب والخشوع أبلغ من فضيلة أول الوقت، فلو أنه تنَحَّى إلى المكان الذي لا برد فيه أو لا حر فيه، وكان الوقت بقدر لا تفوت به الصلاة فإن هذا أفضل وأكمل على ظاهر ما ذكرناه.
الصلاة بحضرة الطعام المشتهى
الصلاة بحضرة الطعام المشتهى قال رحمه الله: [أو بحضرة طعام يشتهيه]. حضور الشيء ضد غيابه، وحضرة الطعام هي أي أكلٍ من غداءٍ أو عشاءٍ أو فطورٍ، وقال: [بحضرة]، بمعنى أن الطعام قد حضر، ومفهوم ذلك أن الطعام إذا لم يحضر وجب عليه أن يصلي، فمحل النهي في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا يصلي أحدكم بحضرة طعام)، إذا كان الطعام موجوداً والنفس جائعة بحيث تميل إليه، وبناءً على ذلك فإذا كان لا يشتهيه كأن يكون شبعاناً، أو تكون نفسه لا تميل إليه فإنه حينئذٍ يُصلِّي ويصيب فضل الصلاة في أول الوقت لما ذكرناه. وبنى العلماء على هذا لو أذن المؤذن وعشاء الإنسان بين يديه فإنه يقدم طعام العَشاء على العِشاء، لظاهر السنة: (إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدأوا بالعَشاء قبل العِشاء). فدل على أنه يجوز للمكلف أن يتخلَّف عن الجماعة، ولكن بشرط أن لا يجعل ذلك إلفاً له وعادة، وإنما أن يحصل ذلك على سبيل الموافقة لا على سبيل القصد، وفرقٌ بين الموافقة وبين القصد. والقصد: أن يُهيِّء طعامه على وجهٍ يعلم أنه سينتهي به عند حضور وقت الصلاة، فحينئذٍ يُعتَبر إخلالاً؛ لأن المقاصد مُعتبرة، فالقاعدة أن الأمور بمقاصدها، كما دلّ على اعتبارها حديث عمر: (إنما الأعمال بالنيات)، فلما وضع الطعام عند وقت الأذان أو عند وقت الإقامة دلّ على أنه قَصَد أن يُفوِّت إجابة النداء، فحينئذٍ شُدِّد في حقه، والقاعدة عند العلماء أنه يُعامَل بنقيض قصده، ويجب عليه أن يصلِّي مبالغةً في النكاية به، وهذا مذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم. فالمقصود أنه إذا حضر الطعام وحضرت الصلاة فإنه يقدم الطعام على الصلاة. لكن هنا مسألة، وهي مسألة فطور الصائم، فبعض الناس -أصلحهم الله- يضعون الطعام الكثير، ويبالغون في إفطار الصائم إلى درجةٍ يفوتون بها على الناس إدراك الجماعات، ولربما تفوتهم الركعة الأولى وهم مشتغلون برفع الطعام، وربما يكون بعضهم مشتغلاً بإصابته، وهذا لا شك أنه منهيٌ عنه؛ لأن النصوص دالة على أن من دخل المسجد يجب عليه أن يدخل مع الجماعة، وقد ثبتت النصوص بذلك حتى على من صلى، وقد أَمَر النبي صلى الله عليه وسلم من صلى في بيته أن يعيد في المسجد، كل ذلك حتى لا يشذ عن الجماعة، وإعمالاً للدخول مع الجماعة، فكون الصائم يضع هذه السُّفَر على وجهٍ يخِلُّ أو يؤدي إلى الإخلال لا شك أنه يعتبر آثماً من هذا الوجه، ولكن يفطر الصائم بالوجه المعروف، كأن يضع الطعام اليسير الذي ليس فيه إشغالٌ للصائم عن فرضه من أداء الجماعة والقيام بما أوجب الله عليه من الصلاة. فالمقصود أنه ينبغي تنبيه الناس في إفطار الصائم، ولا شك أن الناس -إن شاء الله- نيتهم صالحة نحسبهم ولا نزكيهم على الله، وبعضهم يقول: إني أريد أن أصيب فضل تفطير الصائم قبل المغرب لا بعد المغرب. ولا شك أنه إذا كان يريد إصابة هذا الفضل أنه سيضيع واجباً أهم مما هو مشتغلٌ به؛ فإن العلماء اتفقوا على أن تحصيل الفضائل لا يكون على حساب المنهيات، وهذا منهي عنه، ولربما أدى ذلك إلى إفساد فرش المساجد وغير ذلك مما لا يخفى، بل إنه يبالغ فيه إلى درجةٍ أن يزعج المصلين أثناء الركعة الأولى، فلا تسمع إلا اللغط، ولربما تسمع الكلام الذي يكون بسببه انشغال الناس عما هم فيه من الإقبال على الله عز وجل، فجميع هذه المفاسد تدل على أن طلبه لهذه الفضيلة لا يُعتبر شرعاً لوجود هذه الإخلالات. وبناءً على ذلك نقول: يفطر الناس على التمرة والشربة، ثم بعد الصلاة يمد لهم ما شاء من الطعام والله يَأْجُره، فإنه على خير؛ لأنه امتنع من وضع طعامه كله لأمر الشرع، فإذا وضعه بعد الصلاة لا شك أنه يصيب الفضل إن شاء الله تعالى والله يأجره على حُسن نيته، فيُنَبَّه الناس على ذلك، وينبغي على الأئمة أن ينصحوا الناس. ولقد رأينا -خاصةً في هذه الأزمنة- أموراً عجيبة مما ذكرناه، من التشويش على المصلين وأذية المساجد في فرشها؛ لأنه ربما يستعجل إلى درجةٍ يصيب بها الفراش، فيبقى الطعام على الفراش ولربما يُنْتِنُه، ولربما يؤذي المصلي بهذا النتن، فكل هذه المفاسد الموجودة مع ما فيها من إضاعة الركعة الأولى وفضل التأمين وراء الإمام، وإصابة أول الوقت بالتكبير تدل على أنه ينبغي تنبيه الناس على مثل هذا الأمر ونهيهم عنه.
تكرار الفاتحة
تكرار الفاتحة قال رحمه الله: [وتكرار الفاتحة]. تكرار الفاتحة يأتي على وجهين: الوجه الأول: أن لا يكون معذوراً. والوجه الثاني: أن يكون معذوراً بالتكرار. أما التكرار الذي لا يعذر فيه فكأن يقرأ الفاتحة مع علمه أنه قرأها، فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: من كرر الفاتحة عالماً أنه كررها بطلت ركعته. وقال بعضهم: بل تبطل صلاته، ووجه ذلك: أن الفاتحة ركن، فإذا كررها مرتين فإنه يكون قد زاد ركناً قولياً، وزيادة الركن القولي مؤثرة كزيادة الركن الفعلي، فهذا وجه من يقول في أن من كرَّر الفاتحة تبطل صلاته. وقال بعض العلماء -كما درج عليه المصنف-: من كرر الفاتحة كرِه له ذلك، ولا تبطل صلاته؛ لأنه خلاف السنة، ولا تبطل صلاته؛ لأن زيادة الأقوال ليس كزيادة الأفعال. وهذا مُرَكَّب على مسألة الزيادة في الماهية والخارج عن الماهية؛ فإن زيادة الأفعال تُعتَبر زيادةً في الماهية فأبطلت؛ لأنها زيادة في هيئة الصلاة، بخلاف زيادة الأقوال فإنها لا تؤثر في الهيئة، فالهيئة على ما هي عليه، قالوا: وبناءً على ذلك لا يؤثر هذا على صلاته. إلا أن تسليم أصحاب هذا القول بأن الفاتحة ركن يُوجِب إحراجهم من هذا الوجه، ولذلك ينبغي اتقاء تكرار الفاتحة على هذا الوجه. الوجه الثاني: تكرارها لحاجة، مثل الذي يشك أنه قرأ الفاتحة، فهذا لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون الشك معه طارئاً، كما لو صليت ذات يومٍ الظهر، ثم شككت هل قرأت الفاتحة أو لم تقرأها، فاليقين أنك لم تقرأ، فتقرأها وتلزمك قراءتها. ففي هذه الحالة إذا كان الشك طارئاً فحينئذٍ لا حرج وأنت معذورٌ لوجود السهو. الحالة الثانية: أن يكون الشك مسترسِلاً، كالموسوس، فإنه حينئذٍ لا يخلو شكه في الفاتحة من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون بعد دخوله في السورة، فإذا دخل في السورة وجاءه الشيطان وقال له: لم تقرأ الفاتحة فإنه يلغي هذا الشك؛ لأن الظاهر من حاله بدخوله في السورة أنه قد قرأ الفاتحة، ووجود الشك المسترسل يدل على ضعف هذه الشبهة، فيبقى على دلالة الظاهر ويُلغِي الأصل من هذا الوجه. الحالة الثانية: أن يكون شكه في حال سكوته، والتبس عليه كون سكوته بين الفاتحة وبين السورة، أو بين دعاء الاستفتاح وبين الفاتحة، فالأصل أنه ما بين دعاء الاستفتاح وما بين الفاتحة فيقرأ الفاتحة ولا حرج عليه في هذا التكرار. قال رحمه الله: [لا جمع سور في فرض كنفلٍ]. أي: أنه لا يُكره تكرار السور وجمعها في فرضٍ، فلو أن إنساناً قرأ سورتين في ركعة فلا حرج عليه، وليس بمكروه، وقال بعض العلماء بالكراهة، ولكن السنة خلافه، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقر الصحابي الذي كان يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص:1] في كل ركعة، فإنه كان يقرؤها مضافةً إلى السورة، وكان ابن مسعود يقول: (إني لأعرف النظائر التي كان يجمع بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته)، فلا حرج أن تجمع بين السورتين في ركعةٍ واحدة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم تغميض العينين في المساجد المزخرفة
حكم تغميض العينين في المساجد المزخرفة Q في المساجد المزخرفة -خصوصاً إذا كانت الزخارف في مواضع السجود- هل يجوز للمصلي أن يغمض عينيه؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فقد قال بعض العلماء: إنه إذا كان في الأرض زخرفة أو نحوها فإنه لا بأس بتغميض الإنسان لعينه؛ لأنه يُحصِّل الخشوع بالانكفاف عن هذه الزخرفة. ولهذا القول ما يدل عليه في السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عنه قال: (أميطي عنا قرامك هذا، فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)، قالوا: هذا يدل على أن الإنسان مهما بلغ من الخشوع فإنه يُشغَل، ولو جاهد الإنسان نفسه فإن الله عز وجل يعينه. وكنا في القديم نغمض ونظن أن هذا يُعين على الخشوع فوجدنا أن المجاهدة أفضل، حتى يصبح هذا الشيء شيئاً عادياً عندك، بحيث إذا أَلِفْته وأحدقت البصر إلى موضع سجودك وتأثرت بالآيات وأحسست أن الله يخاطبك بها بما فيها من الوعد والوعيد والترغيب والترهيب فإن هذا يدعوك إلى التأثُّر وعدم الالتفات إلى الزخرفة، ولذلك الذي تطمئن إليه النفس أن الإنسان يجتهد قدر استطاعته، ويجاهد علّ الله عز وجل أن يبلغه إلى هذه الدرجة من الكمال، والله تعالى أعلم.
الواجب على من ترك الركوع سهوا
الواجب على من ترك الركوع سهواً Q رجلٌ كان يصلي وراء الإمام، وقد قرأ الإمام في آخر قراءته آية سجدة ثم ركع، ولكن هذا المأموم لم يركع مثل الإمام، وإنما سجد سهواً، فماذا يكون على هذا المأموم؟ A هذا أمرٌ ينبغي التنبيه عليه لأئمة المساجد وطلاب العلم، فقد نَبَّه العلماء رحمة الله عليهم أن من فقه الإمامة أن لا يفعل الإمام شيئاً يُوجب اختلال صلاة الناس وراءه، وهذا من النصح للعامة، ووجه ذلك أنه إذا وقف على موضع السجدة أَربَك الناس، فلا يدري الناس أهو ساجد أم راكع خاصةً إذا كان هناك أناس يقتدون به في خارج المسجد، فترى هذا راكعاً وهذا ساجداً، وترى آخر قائماً حائراً لا يدري، أيسجد أم يركع، ولذلك ذكروا أن من فقه الإمامة التَّنَبُّه لمثل هذه الأمور. قالوا: فإذا قرأ ذلك وَوَقَع فيه فإن لم يكن عنده رغبة أن يَسْجُد فليصلها بسورة بعدها، فإنه إذا قرأ الآيتين والثلاث، أو استفتح سورةً مثل سورة (اقرأ)، ولا رغبة له في السجود فإنه يستفتح بسورة القدر، فإن دخوله بسورة القدر ينبه على أنه لا يريد الركوع، قالوا: حتى ولو قرأ منها آيتين لينبه الناس على أنه غير ساجد، ثم يركع بهم. ولذلك يقولون: يَنبغي للإمام أن يكون عنده العلم بأحكام الإمامة وفقه الإمامة. أما بالنسبة لحكم هذه المسألة فإن الإمام إذا كبر وركع ثم سجد الناس، فمَن سجد صحّ سجوده، وحينئذٍ إذا رفع الإمام يقوم مباشرة، ثم يركع ويدرك الإمام في الرفع من الركوع وصلاته صحيحة؛ لأنه سجد على وجه الإخلال، ويَحمِل الإمام عنه هذا السهو. وأما إذا لم يركع وإنما سَجَد ثم قام من سجوده فوقف مع الإمام في الرفع من الركوع ولم يركع فعليه أن يلغي هذه الركعة، فإذا سلَّم الإمام قضى هذه الركعة؛ لأنه لم يركع. فإن تَدَارك صحت ركعته، وإن لم يتدارك وجب عليه قضاء الركعة، فإن خرج من المسجد ولم يقض هذه الركعة وَجَب عليه قضاء الصلاة كاملة. فالخلاصة أن الصور ثلاث: الأولى: أن لا يركع ولكن يتدارك، فصلاته صحيحة وركعته مجزية. الثانية: أن لا يركع ولا يتدارك فتلزمه الركعة، فإن فَعَلَها وهو في المسجد وقام وتحرك كما في قصة ذي اليدين، فحينئذٍ صلاته صحيحة. الثالثة: فإن خرج من المسجد ولم يتدارك هذه الركعة لَزِمه قضاء الصلاة كاملة، والله تعالى أعلم.
وصايا لطلاب العلم قبل الامتحانات
وصايا لطلاب العلم قبل الامتحانات Q أقبلت الامتحانات، فما هو الذي ينبغي على طالب العلم فعله في هذه الأيام؟ A يوصى طلاب العلم بأمور: أولاً: إخلاص العمل لوجه الله عز وجل وإرادة ما عند الله سبحانه وتعالى؛ فإن الله سبحانه وتعالى يأجر الإنسان على قدر نيته، فلا يُغلِّب طالب العلم نية الدنيا على الآخرة. الأمر الثاني الذي يُوصَى به طالب العلم: الاعتماد على الله، كما قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ} [الفرقان:58]، فلا تعتمد على ذكائك ولا على فهمك، ولا على حفظك ولا على تحصيلك، ولكن توكل على الله، فإن الله قادر على أن يترك الإنسان وهو على أكمل ما يكون من الذكاء والحفظ حتى يدخل إلى الاختبار فينسيه جميع ما حفظ، والله على كل شيء قدير، وربما يبتليه بمرض في رأسه أو جسمه فيصبح في شتاتٍ من أمره لا يستطيع أن يبلغ ما يريد. فنحن تحت رحمة الله عز وجل، وإذا أردت أن تنظر إلى توفيق الله لك في الأعمال فلا تستفتح عملاً إلا وأنت تعلِّقه على حول الله وقوته. وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المأثور: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين)، فلا يصلح الشئون إلا هو سبحانه، فالتوكل على الله تعالى، كما قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ} [الفرقان:58]، وقال الله في كتابه: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق:3]، وأيام الاختبارات أيامٌ صعبة، وفيها هموم وغموم، فالإنسان يذهب هذه الهموم والغموم بالاعتماد على الله عز وجل والتوكل على الله سبحانه وتعالى وحسن الظن به. الأمر الثالث: ينبغي لطلاب العلم أن يتراحموا، وأن يكون بينهم ما ينبغي أن يكون بين طلاب العلم من البعد عن الأنانية والبخل بالخير على إخوانهم، فإن احتاج أخوك إلى شرح مسألة أو كتاب أو ملخَّص فأعطِه، وإياك وما يسوِّله الشيطان حين يقول: هذا مهمل متكاسل. فمن الآن تعود على الإيثار، فلربما كانت عنده ظروف، أَعطِه ملخَّصك وانصحه، فلذلك لا ينبغي للإنسان أن يبخل على الناس، وطالب العلم الذي يبخل اليوم سيبخل غداً، والذي فيه الأنانية اليوم فيه الأنانية غداً. فينبغي لطالب العلم أن يُوطِّن نفسه على الإيثار وحب الخير للناس، فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، والعلم رحمٌ بين أهله، فإذا احتاج أخوك إلى مساعدة، أو إلى شرح مسألة فلا تبخل فإن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. الأمر الرابع: البعد عن المحرمات، ومنها الغش في الاختبار؛ لأن الغش في الاختبار يُعتبر كبيرة من الكبائر ولا شك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غشنا فليس منا)، ولأنه يفضي إلى استباحة الأمور المحرمة؛ لأن الإنسان ينال شهادةً مزورة وهو ليس بأهل لهذه الشهادة، بل قال بعض العلماء: يُشتبه في رزقه، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه. ولذلك يُنظر فإن نال الشهادة بالزور وبالغش -والعياذ بالله- فأقل ما يكون أن يمحق الله بركة ماله، ولذلك تجده يأخذ المال الكثير وليست فيه بركة، ولو تاب لتاب الله عليه. الأمر الخامس الذي يُنَبَّه عليه: تعظيم شعائر الله عز وجل، فإن الطلاب في الاختبارات ربما يقطعون أوراق القرآن من المصاحف، وربما يمتهنون بعض الكتب، فينبغي التناصح في هذا الأمر، فلا يجوز امتهان كتاب الله ولا تمزيق أوراق المصحف، وكذلك لا يجوز امتهانها بوضعها في الطرقات والوطء عليها بالأقدام. ولذلك يُخشى على الإنسان إذا رمى بورقة أن يطأ عليها أحد فيكون عليه وزر؛ لأنه هو السبب، والتسبب في الأشياء يوجب ضمان ما نشأ عنه، لذلك من يتسبب في امتهان كتبه وأوراقه بمجرد أن ينتهي من اختباره، أو يضعها في مكان تعبث بها الرياح فهذا لا يجوز، وينبغي التناصح في هذا الأمر. كذلك أيضاً أُوصِي بوصية ينبغي التنبه لها، وهي حقوق الأبناء في مثل هذه الأيام، فعلى الآباء والأمهات أن يتقوا الله في الأبناء والبنات؛ فإن أيام الاختبار أيام عصيبة، ويكون الطلاب فيها في هم وغم، فينبغي الرفق بهم والتوسعة عليهم وإعانتهم وتيسير الأمور لهم وتقوية صلتهم بالله عز وجل، وغير ذلك من الأمور التي ينبغي أن يسديها الوالدان إلى الولد في مثل هذه المواقف، وينبغي القيام بالواجب والمسئولية. وبعض الآباء لا يهمه أن يضبط ابنه العلم أو لا يضبطه، والله سائلك عن ضبط ابنك للعلم؛ لأن تعلم الابن ومعرفته بأمور دينه وما يتصل بها من الأمور التي يحتاجها لحياته أمرٌ مطلوب. فينبغي شحذ همم الأبناء والبنات وإعانتهم على مراجعتهم، وتيسير الأمور التي تعينهم على الخير وبلوغهم لأفضل الغايات؛ لأن هذا من النصيحة؛ فإن من نصحك لولدك قيامك عليه على هذا الوجه الذي يُرضِي الله عز وجل. وكلمةٌ أخيرة إلى من ابتلاه الله بالتدريس، فإني أسأل الله العظيم أن يشكر سعيهم، وأن يعظِّم أجرهم، وأن يجزيهم على أبناء المسلمين وبناتهم كل خير، فنعم ما يصنعه المعلم من كلمات طيبة، فأسأل الله أن يتقبل منا ومنهم صالح العمل، فلا يعلم مقدار ما يبذله المعلم والموجِّه لمن يُعلِّمه إلا الله سبحانه وتعالى، فالله أعلم كم تمر عليه من ساعات هم وغم، حتى وإن كان يُعلِّم شيئاً من أمور الدنيا، فإن المسلمين بحاجة إلى طبيب وبحاجة إلى مهندس، وبحاجة إلى كل من يسد ثغور الإسلام ولو كان في أمور الدنيا ما لم تكن محرمة، فالمعلم بقيامه بهذه المسئولية على خير، وهو مأجورٌ عند الله عز وجل، فنسأل الله أن يتقبل منا ومنكم. والوصية التي يوصون بها: الرفق بالطلاب، وإحسان الظن بهم وعدم التشويش والتضييق عليهم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به). فبعض المدرسين يأتي بأسئلة تعجيزية، وبعضهم يُحاول أن يضيق على الطلاب، وكأن الاختبار شيء من المنافسة والأذية والإضرار، وهذا لا يجوز؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا ضرر ولا ضرار)، فرفقاً بأبناء المسلمين وبناتهم، ولتتق الله في هذا الابن الذي يأتيك متوتر الأعصاب شارد الذهن مهموماً مغموماً مكروباً، فينبغي الرفق بمثل هؤلاء، خاصة وأنهم ذرية ضعيفة، فإن الله سمى الأطفال -خاصة صغار السن- ذريةً ضعيفة، فمثل هؤلاء يرفق بهم. وبعض المعلمين إذا رأى التقصير من الطالب سبّه وشتمه وأهانه، بل ربما ضيق عليه، فيخرج هذا الطالب بهم وغم يبقى معه دهره كله، فلربما يُصاب بمرضٍ في نفسه أو في عقله، وهذا لا يجوز، فهؤلاء أمانة والله سائلنا عنهم، فينبغي الرفق بهم والإحسان إليهم وأخذهم بالتي هي أحسن، وإذا كنت في المدرسة ورأيت من يشدد فذكِّره بالله عز وجل، وذكره أن حوله بحول الله، وأن قوته بقوة الله عز وجل. ولذلك لما ضرب أبو مسعود رضي الله عنه وأرضاه غلامه وهو يملكه قال: أغضبني فضربته ضرباً شديداً، فسمعت صوتاً من ورائي لم أستطع أن أتبينه من شدة الغضب، فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي: (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام). فلذلك ينبغي على الإنسان أن يتقي الله في أبناء المسلمين وبناتهم فهم أمانة، وينبغي أن نعرف نفسياتهم والضيق الذي هم فيه والكرب، فإن الله عز وجل يرحم من عباده الرحماء، وفي الحديث: (من لا يرحم لا يرحم)، وهذا لا يعني أن نسوي بين الخامل وبين المجد، فيستطيع المدرس الموفق الناجح أن يُعطي كل ذي حقٍ حقه، وأن يزن بالقسطاس المستقيم، وهذا لا شك فيه، لكن بطريقة ليس فيها إضرار بأمثال هؤلاء الضعفة الذي ينبغي الإحسان إليهم. والشدة المبالغ فيها تنفِّر، ولو كان المعلم يدرس أفضل العلوم وأحسنها، فإنها تنفر، ولربما يكره بعض الطلاب كتاب الله عز وجل -والعياذ بالله- لصغرهم وجهلهم بسبب الأذية والإضرار، فينبغي تهيئة من يعين الطلاب على بلوغ هذه الغايات الطيبة، فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا وإياكم من امتحان الآخرة، فينبغي علينا أن نتذكر في مثل هذه المواقف حينما يدخل الطالب إلى الاختبار وقد هُيِّئت له الأمور، فكيف إذا قدِم العبد على الله عز وجل في يومٍ تشخص فيه الأبصار؟! ولا شك أن الإنسان الموفَّق يتنقل من فكرةٍ إلى فكرة ومن عبرة إلى عبرة، فاختبار الدنيا يذكر باختبار الآخرة. ويا للعجب حين تجد الآباء والأمهات مشفقين على الأبناء والبنات وهم يذهبون إلى الاختبارات، والأكف تُرفع بالدعوات، ولا يبالي الأب بابنه في الامتحان الأكبر، ومن منا سأل الله لنفسه وأولاده أن يجيرهم الله من عذاب الآخرة؟ فإن الامتحان كل الامتحان في الآخرة. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجيرنا من هول يوم الوعيد، وأن يؤمننا من سطوة ذلك اليوم الشديد، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
مباحات الصلاة
شرح زاد المستقنع - مباحات الصلاة هناك مباحات يجوز للمصلي أن يفعلها في صلاته ولا حرج عليه، ومنها: رد المار بين يديه، وعد الآيات بأصابعه أثناء القراءة، والفتح على الإمام إذا أخطأ أو أرتج عليه، ولبس الثوب أثناء الصلاة، ولف العمامة، وقتل ما يؤذي كالحية والعقرب ونحوها، وقراءة ما شاء من أول السورة أو وسطها أو آخرها، والبصق عن يساره، وإذا كان في المسجد ففي ثوبه.
مباحات الصلاة
مباحات الصلاة
رد المار بين يدي المصلي
رد المار بين يدي المصلي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وله رد المار بين يديه]. الضمير في (له) عائد إلى المصلي، سواء أكان في فرضٍ أم في نفل. وقوله: [وله رد المار بين يديه] قال بعض العلماء: بل يجب عليه ذلك. وقال بعض العلماء: لا يرد. وهو قول طائفة من أهل الرأي، فقد كانوا يرون أن هذا من المنسوخ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اسكنوا في الصلاة)، والصحيح أنه ليس بمنسوخ، وأن الحكم باقٍ إلى قيام الساعة، وأنه لا يجوز أن تترك إنساناً يمر بين يديك، والدليل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (فليقاتله فإنما هو شيطان)، وقوله عليه الصلاة والسلام عن السترة أنها: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، فإن قوله: (فلا يضره) يدل على أنه إذا مر بينه وبين قبلته ضرَّه. قال العلماء: إن من صلَّى ومر المار بين يديه تضرر الاثنان، فيتضرر المصلي لأنه قُطِع عن خشوعه، وإذا سكَت عنه أعانه على الإثم والعدوان، ومن أعظم الإثم والعدوان إثم العبادات والاعتداء على حدود الله عز وجل في المقام بين يديه، فقالوا: يأثَم المصلي من هذا الوجه؛ لأنه أعانه وسكت عنه، ويأثم المار عند علمه؛ لأنه فعل ما نُهِي عنه شرعاً من المرور بين يدي المصلي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه). قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة. ولذلك شدد الشرع في هذا المرور؛ لأنه يشوش على الناس في صلاتهم ويقطعهم عن الخشوع، وهو عبادة لا نعلم علتها الحقيقية، فمِن الله الأمر وعلى الرسول البلاغ وعلينا الرضا والتسليم، وليس هذا بكثيرٍ على أشرف العبادات، وأكمل المقامات وهي الصلاة. والمار بين يدي المصلي لا يخلو المصلى معه من أحوال: الحالة الأولى: أن تشعر به قبل المرور، وهذا يتأتى حينما يكون الإنسان قد رمى ببصره إلى موضع سجوده فأحس بالمار من جهة يمينه أو من جهة يساره قبل أن يحول بينه وبين القبلة، فإن شَعَرت به قبل مروره مددت اليد، وهذا المد من باب التنبيه، ولا يجوز لك في هذه الحالة أن تبدأ بالمقاتلة، وهذا على خلاف ما يُرى من بعض الناس -أصلحهم الله- فإنه بمجرد أن يمر بين يديه يضربه، وهذا لا يجوز؛ لأن أذية المسلم والإضرار به محرَّمة، ولا تجوز إلا في الحدود الشرعية التي أَذِن الله بها ورسوله عليه الصلاة والسلام، وبناءً على ذلك لا يبتدئ الناس بالدفع أو ضربهم على صدورهم مباشرة، وإنما يمد مداً قوياً حتى يتنبه المار، فإذا أحسست أن ثبوت اليد يحول بينك وبينه أثبتّ اليد واكتفيت بالإثبات دون حركة، فإن انصرف فبها ونعمت؛ لأنه ربما يكون المار مشوشَ الذهن، وربما يكون شارد الذهن، وربما يكون غير منتبه لما أمامه، فإذا وضعت يدك تنبَّه، فحينئذٍ يرتدع، ولا شك أن ما أُبِيح للضرورة يُقدَّر بقدرها، فإن أصر على المرور في هذه الحالة دفعته، فإن أصر قاتلته، فلك حق الدفع، ولو كان ذلك على وجه الإضرار. واختلف العلماء لو أنه دفعه وسقط وانكسر، أو أصابه ضرر، فقال بعض العلماء: أَذِن الشرع بالمقاتلة ودمه هدر، فإن مات فلا يلزم الدافع الضمان ولا يجب عليه القصاص. وقال بعض العلماء: إنه ضامن، فلا إثم عليه في الدفع، ولكنه يضمن. وهذا القول أقوى الأصول؛ لأن إسقاط الإثم عليه لا يستلزم إسقاط الضمان، وبناءً على ذلك تَردُّه وتدفعه، فإن حصل له ضرر فإنه من يدك، وابتلاءٌ ابتلاك الله به، كما يُبتَلى الرجل بالسقم في جسمه والبلاء في جسده فيضمن؛ لأن الأصل الضمان حتى يدل الدليل على الإسقاط، وليس هنا دليل يدل على إسقاط الضمانات، فالدليل عندنا في الإذن بالمقاتلة، لكنه لا يستلزم إسقاط الضمان، وفرقٌ بين قوله: (فليقاتله)، وبين قوله: (فليقتله)، فإن المقاتلة هي المدافعة، وهو أسلوب عام، أي أعم من أن يكون دالاً على الإسقاط. واختلف العلماء في قوله عليه الصلاة والسلام: (فليقاتله). فقال بعضهم: ليس المراد أن يقاتل بمعنى أن يدافعه في الصلاة، وإنما المراد أن المار على حالتين: فإن دفعته فلا إشكال، وإن لم يندفع، وغلب فإنهم قالوا: فليدْع عليه في صلاته، فإن القتل يُستعمل بمعنى اللعن، وبمعنى الدعاء، ومنه قوله تعالى: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30]، وقوله تعالى: {قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس:17] أي: لُعِن، فقالوا: إنه بمعنى الدعاء عليه، فإذا غَلَب المكلَّف فحينئذٍ يدعو عليه لعظيم الضرر الذي أصابه. ولكن القول الثاني -وهو أن المراد بالمقاتلة المدافعة- أقوى، وهو قول الجماهير، وليس المراد به استباحة دمه والخروج عن كونه مصلياً. فإن كان المار قوياً، وكنت ضعيفاً وغلبك فحينئذٍ قالوا: الإثم على المار دون المصلي. وفي بعض الأحيان في حال الجلوس بين السجدتين أو التشهد لا تستطيع المصلي أن يدفع إلا إذا كان الإنسان قوياً يستطيع أن يقاتل، فحينئذٍ لا حرج؛ فلقد رأيت رجلاً ضعيف البنية أمسك بساق رجل حتى كاد أن يموت الرجل بسبب ما أعطاه الله من القوة، لكن الإشكال إذا غلبه، فقالوا: إذا غلبه فالإثم على المار دون المصلي. وقد ذكر العلماء حالات المرور بين يدي المصلي فقالوا: لا يخلو المصلي والمار بين يديه من حلالت، ففي حالة يأثمان، وحالة لا يأثمان، وحالة يأثم المار دون المصلي، وحالة يأثم المصلي دون المار. فالحالة الأولى التي لا يأثمان فيها صورتها أن يكون المصلي كفيف البصر، ويمر المار وهو لا يدري أنه مارٌ بين يدي المصلي. فسقط الإثم عن الأعمى؛ لأنه لا يرى، وهذا ليس بإمكانه، وسقط الإثم عن المار لكونه لا يعلم. الحالة الثانية التي يأثمان فيها: أن يبصره وهو قادرٌ على دفعه ولا يدفعه، ويمر المار دون وجود عذر، مع علمه أنه مارٌ بين يدي المصلي، فيأثمان معاً. الحالة الثالثة التي يأثم فيها المار دون المصلي: أن يكون المصلي كفيفاً والمار مبصراً عالماً، فيأثم المار دون المصلي. وأما الحالة الرابعة التي يأثم فيها المصلي دون المار، كأن يكون المار كفيف البصر، أو لا يعلم فيمر دون أن يدفعه، فحينئذٍ يأثم المصلي دون المار. فذكرنا أن السنة رد المار بين يدي المصلي، وعبَّر المصنف بهذا الرد على العموم، فيشمل كل ما مرّ بين يديك، سواءٌ أكان إنساناً أم حيواناً، فإذا مرَّ الشيء بين يديك فإنك تدفعه، خاصةً إذا كان مما يقطع الصلاة فإن الأمر فيه أشد، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه. أما بالنسبة لغير الآدمي، وهي الحيوانات، فهي على ثلاثة أضرب: الضرب الأول: ما يمكن ردُّه بمد اليد، كالبعير وكالبقرة إذا كانت مماثلة لموقف المصلي، فإذا مد يده تنبه البعير وانصرف عنه، وكذلك البقرة، وفي حكمها أيضاً الحمار والبغل ونحوه مما هو عظيم الجثة بحيث يماثل الإنسان حال قيامه. الضرب الثاني: أن يكون مما لا يُمكن رده من الحيوانات، كالطائر إذا مر بين يدي الإنسان، فإنه يتعذر عليه أن يرده بيده. الضرب الثالث: أن يكون مما يمكن رده في حال القيام مع حدوث الانتقال من ركنٍ إلى ركن، وذلك كالهره، فالهرة الصغيرة إذا مرَّت لا تستطيع أن تردها إلا إذا انحنيت إليها، وكذلك البهمة الصغيرة من الغَنَم كالسخلة ونحوها، فإنك تضطر إلى أن تنحني، فتنتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع، وربما تُبالغ في الانحناء لردها كالقطة، فحينئذٍ هناك أوجه: قال بعض العلماء: يجوز له أن يدفعها ولو بالرَّمي، فينحني مسرعاً في انحنائه، أي: ينتقل بسرعة ويأخذها ويرميها، ثم يرجع إلى قيامه ويُغتَفر هذا الانتقال. وهذا قال به بعض السلف. القول الثاني: أنه يَرُد بقدمه، ولا يرد بيده، فينتقل الرد من كونه بيده إلى كونه بقدمه، فيدفعها بقدمه، فإذا جاءت تمر فإنه حينئذٍ يجعل قدمه في منتصف الهر ونحوه ثم يرمي به فيُغْتَفر هذا، ويكون كالمدافعة باليد. القول الثالث: أنه يتقدم حتى يلتصق بالحائط أو بسترته، فتمر البهمة من ورائه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لذلك. وأقوى هذه الأقوال وأعدلها والقولان الأخيران، فإما أن يكون الدفع بالقدم، وإما أن يكون الدفع بأن يتقدم حتى يلتصق ثم تمر هي من رواءه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام. والرد المشروع أن يكون قبل دخوله فيما بين الإنسان وبين سترته، أما لو جاوز هذا المكان ومر، فقال بعض العلماء: يردُّه. وقال بعضهم: لا يرده؛ لأنه إذا رده حصل مروران بين يدي المصلي. وهذا أقوى، أعني الأخير؛ فإنه إذا فات الإنسان ومر، فحينئذٍ قد سقط التكليف وأصبح من المتعذر؛ لأن الإخلالات تنقسم إلى قسمين: ما لا يمكن تداركه فلا تكليف، وما يمكن تداركه فإنه يُكلَّف به الإنسان، وهذا مما لا يمكن تداركه؛ فإن المرور قد فات، فحينئذٍ لا يُطَالَب برده، ولأن رده يتضمن مفسدةً من الانشغال مع حصول مرورٍ زائد، وبناءً على ذلك لا يشتغل برده ثانيةً. الأمر الثاني الذي يُرَاد التنبيه عليه: أن يكون المرور فيما بين يدي المصلي، فلو مر من وراء سترته فإنه بالإجماع لا يُؤثِّر؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السيرة: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، فدل على أن المرور وراء السترة لا يُؤثِّر، وثبتت في الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أقر حينما مرّ الناس من وراء السترة، فالسترة جُعِلت كغاية، فالدفع يكون فيما بينه وبين هذه الغاية، ولا يُشرع له الدفع فيما زاد عن هذه الغاية. ويبقى النظر لو كان الإنسان يصلي إلى غير سترةٍ، أو كانت سترته بعيدة، فهل يُشرع له أن يتقدم حتى يَرُد؟ و A السنة للإنسان أن تكون سترته على ممر الشاة من موضع سجوده، وهذا يأتي بأكثر من ذراع، فهذا القدر يتركه ويسجد، كما جاء في حديث سهل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جعل هذا القدر ممر الشاة) قالوا: العلة في هذه -والله أعلم- أن لا يُشبِه عبدة الأ
عد الآيات أثناء الصلاة
عد الآيات أثناء الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وعدّ الآي]، المراد بالعد: الحساب، والآي جمع آية، وهي آيات القرآن. ومراد المصنف أن المصلِّي إذا أراد أن يعد الآيات في صلاته فلا حرج عليه في ذلك، وقد جاء حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان يعقد أصابعه لعد الآي)، ورخَّص فيه بعض السلف رحمة الله عليهم، وجاء عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعلهم لذلك. وقال العلماء: إنه اغتُفِر هذا الفعل لكونه يسيراً، وقد يحتاج الإنسان للعد لطلب فضيلةٍ، كما في قيام الإنسان بمائة آيةٍ وقيامه بألف آيةٍ في الليل، فبيَّن المصنف رحمه الله بهذه العبارة أن من اشتغل بعد الآي فلا حرج عليه، ولكن الأكمل والأفضل والأعظم أجراً أن يقتصر على التلاوة بالتدبُّر. وأما عد الآي فإن حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه لم أعثر على من صحّحه وقال بثبوته، ولذلك يُبْقَى على الأصل، ولأن المصلي إذا عد الآي فإن ذلك يشوش عليه فكره، وكذلك قد يمنعه ويحول بينه وبين تدبر معاني الآيات، ولذلك قالوا: إنه خلاف الأولى على أقل درجاته.
الفتح على الإمام
الفتح على الإمام قال رحمه الله تعالى: [والفتح على إمامه] إذا صلَّيتَ وراء إمامٍ وارتُج على هذا الإمام أو أخطأ فإنه يحق لك أن تفتح عليه، والفتح على الإمام يكون عند حدوث الخطأ، والخطأ يأتي على صور في تلاوة القرآن، فتارةً يكون الإمام واقفاً عند الآية لا يعرف ما بعدها، وتارةً يُردد الآية على سبيل اللبس مع آيةٍ أخرى، خاصةً في المتشابه من الآيات. ففي هاتين الحالتين يُفَصَّل في حكمه، فإذا كان الإمام قد ارتُجَّ عليه فقرأ الآية ثم وقف ولم يكمل ما بعدها؛ فإنه حينئذٍ يحتمل أن يكون وقوفه لتدبرٍ أو تفكر أو اتعاظ، ويحتمل أن يكون وقوفه لمكان الخطأ وعدم معرفة ما بعد الآية على سبيل النسيان، فإن غلب على ظنك أنه قد وقف على هذه الآية على سبيل الخطأ جاز لك أن تبادره بالفتح وأن تعاجله به، وأما أن يبادر الإنسان مباشرة بالفتح فلا؛ لأن الأصل سكوت المأموم وعدم كلامه، وإنما أبيح لك أن تتكلم فاتحاً على الإمام عند وجود الحاجة، فلمّا تردد الحال بين كونه محتاجاً أو غير محتاج بُقِي على الأصل. ولذلك قال العلماء: ليس كل سكوتٍ من الإمام في وسط الآيات أو عند ختم الآيات يدل على أنه قد التبس عليه، أو ارتج عليه، ولذلك هذا النوع من الوقوف ينبغي على الإنسان أن لا يتعجل فيه؛ لأنه ربما قرأ الإمام فأدركه خشوع الآية فقطع نصفها، وربما غلبته نفسه بالفكر والتأثر فوقف حتى يسترجع نفسه، وربما لم يستطع إكمال الآية لضيق نفسه، ونحو ذلك. قالوا: ففي مثل هذه الصور لا يعاجل الإنسان بالفتح، وهذا إذا وقف الإمام على رأس الآية، أو وقف أثناء الآية، إلا أنهم قالوا: إن وقوف الإمام أثناء الآية أبلغ في الدلالة على كونه ناسياً منه إذا وقف عند آخر الآية. أما وقوفه عند آخر الآية فلا شك أن مبادرتك بالفتح خلاف الأولى، وذلك أنه من المعهود في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من قراءته سكت، ثم كبر للركوع، فلربما سكت الإمام من أجل الركوع، فلذلك كان وقوفه على رأس الآي وتأخره في قراءة ما بعدها لا يدل على كونه ناسياً. ومن هنا قالوا: من فقه الإمام إذا كان وقوفه على سبيل النسيان أن يكرر الآية التي وقف عليها، فإن تكراره يشعر من وراءه بالخطأ، فهذا إذا وقف على رأس الآيات. أما الحالة الثانية: وهي أن يرتج على الإمام، والمراد به: أن تجده يكرر الآية على وجهين وهذان الوجهان لا أصل لهما، بمعنى أن أحدهما الصحيح والآخر خطأ، أما لو كررهما على وجهين يحتملان الصواب -كما هو الحال في القراءات المختلفة- فهذا ليس محل كلام العلماء رحمةُ الله عليهم. فقولهم: (إذا ارتج) مأخوذ من رج الشيء إذا خض، والمراد بذلك أن الإمام يتردد في الآية. أما إذا أخطأ فقرأ الآية على غير ما أُنزلت عليه، فحينئذٍ بمجرد خطئه تبادره بالفتح، ويختلف هذا الوجه عن الوجه الذي قبله بكون الوجه الذي قبله يتحرى فيه المأموم، وهذا الوجه يبادر فيه بالفتح. وقوله: [على إمامه] تقييد فيه نوع من التخصيص؛ لأن الإضافة تقتضي التخصيص، فدل على أنه يُشرع له أن يفتح على إمامه دون إمامٍ آخر، ودون قارئ آخر. ولذلك صور: الصورة الأولى: لو أن إمامين صلّيا بجوار بعضهما، فأخطأ أحد الإمامين وكنت وراء المصيب وسمعت بخطأ الثاني الذي لا تأتم به، قالوا: لا يفتح عليه؛ لأنه ينشغل عن صلاته خاصةً مع وجود من يفتح عليه. الصورة الثانية: أن يقرأ بجوارك إنسان كتاب الله عز وجل فيخطئ، فهنا قال بعض العلماء: يجوز لك أن تفتح عليه، بخلاف الإمام. ومن العلماء من قال: إنه لا يفتح عليه كالإمام الذي لا تأتم به، ومن رخص في الفتح عليه قال: إن هذا -أي الفتح- إنما شُرِع لإصلاح الخطأ في كتاب الله عز وجل، ولعظيم حرمة كلام الله عز وجل، فيُشرع للإنسان أن يبين خطأه، ويُغتفر هذا الكلام ويَقْصِد به الذكر، فخففوا في هذا، كأن يقرأ بجوارك قارئ فيخطئ، فلك أن تقرأ الآية التي يقرأها، وهذا على سبيل التعبُّد لا على سبيل الرد. وقد اختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة -أعني إذا أخطأ الإمام- فهل من حقك أن ترد عليه أو ليس من حقك ذلك؟ وذلك على وجهين مشهورين عند العلماء رحمة الله عليهم، فذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الفتح على الإمام، وأن الإمام إذا أخطأ في قراءته كان من حقك أن تفتح عليه بالصواب، وذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه إلى عدم جواز الفتح على الإمام وقال: إنه يلزم المأموم أن يسكت، وأما الإمام فإنه يتذكر، فإن تذكر فبها ونعمت، وإلا ركع وانتقل إلى موضعٍ آخر من كتاب الله عز وجل. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور، وذلك لما ثبت في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة يقرأ فيها، فالتبس عليه، فلما انصرف قال لأبي بن كعب: أصليت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعك أن تفتح عليَّ). قالوا: فهذا يدل دلالة واضحة على مشروعية فتح المأموم على إمامه، وأنه لا حرج على المأموم إذا تكلم بما يعين إمامه على صواب قراءته، وهذا المذهب لا شك أنه أَقرب المذاهب إلى السنة. وأما ما يفتح فيه من الأخطاء فالصواب أنه يفتح في جميع الأخطاء، سواءٌ أأخطأ بإسقاط آية أم جملة أم كلمة أم حرف أم غير الشكل، وسواء أكان تغيير الشكل محيلاً للمعنى أم غير محيلٍ للمعنى؛ لأن المقصود إصلاح قراءته لكتاب الله عز وجل. وعلى هذا فيُشرع الفتح على الأئمة في هذه الأحوال كلها، والإنسان مثابٌ على هذا الفتح ومأجورٌ عليه.
لبس الثوب أثناء الصلاة
لبس الثوب أثناء الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ولبس الثوب]. أي: وله لبس الثوب في الصلاة. وهذا مبني على حديث مسلم، فقد جاء عن وائل بن حجر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر للصلاة والتحف بإزاره). قال بعض العلماء: هذا يدل على مشروعية لبس الإنسان لثوبه أثناء الصلاة، ولكن قالوا: بشرط أن لا يكون بالحركة الكثيرة، فإن التحاف النبي صلى الله عليه وسلم بالإزار إنما كان على وجه ليس فيه كثير عبث وكثير حركة، بخلاف الدخول في الثوب الآن، فإنه يحتاج إلى كثير حركةٍ وكثير فعل، ولذلك يُفرَّق بين اللبس الذي فيه كثير الحركة، وما فيه يسير الحركة. وبناءً على ذلك فله أن يصلح ثوبه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أصلح إزاره، وصورة ذلك أن تكون العمامة على رأسه فيلفها، أو يرفع الغطاء -أعني غطاء القلنسوة- عن جبهته لكي يسجد عليها، ونحو ذلك، فهذا لا حرج فيه، أما ما كان من اللباس يحتاج إلى كثير عمل فإنه لا يفعله في صلاته.
لف العمامة
لف العمامة قال رحمه الله تعالى: [ولف العمامة]. أي: إدارتها؛ لأنها إذا سقطت أزعجته، ولذلك قالوا: لا حرج عليه في لفها؛ لأنه ربما انحلت العمامة فسقط كورها، خاصةً عند السجود؛ فإذا ارتفع من سجوده وأراد أن يعيد كورها فإنه لا حرج عليه في ذلك إلحاقاً بالتحاف النبي صلى الله عليه وسلم بالإزار. ومن أهل العلم من قال: فرقٌ بين الإزار والعمامة ونحوها؛ لأن الإزار يتوقف عليه ستر العورة الذي من شروط صحة الصلاة، فكان أمره أشد من العمامة التي لا يُشترط فيها ما يُشترط في الإزار، فلذلك فرّقوا بين العمامة والإزار. ولكن هذا التفريق محل نظر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كبر وقد ائتزر، وإنما مراد وائل شد الإزار، وشد الإزار لا شك أنه مرحلة فوق تغطية العورة، فخرج عن كونه مؤدياً لشرط الصحة إلى ما هو فضل أو معينٌ على الفضل.
قتل الحية والعقرب والقمل في الصلاة
قتل الحية والعقرب والقمل في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وقتل حية وعقرب وقمل]. أي: وللمصلي أن يقتل الحية العقرب، وأن يقتل القمل. أما قتله للحية والعقرب فقد جاء فيه حديث السنن من أمره عليه الصلاة والسلام بقتل الأسودين في الصلاة، أي: العقرب والحية. وهذا يدل على سماحة الشريعة ويسرها، ووجه ذلك أن المصلي لو اشتغل بصلاته وجاءته العقرب فلدغته فإن ذلك مظنة أن يموت، وكذلك إذا لُدِغ من الحية، ولذلك يُعتبر هذا -أعني جواز القتل أثناء الصلاة- من باب ارتكاب أخف الضررين، ويَعتبره العلماء من باب تعارض المفسدتين، فعندنا مفسدة الفعل وهو القتل الذي يُخرِج المصلي عن كونه مصلياً، ومفسدة فوات النفس وحصول الضرر بلدغة الحية والعقرب. فلذلك قالوا: كون الشريعة تأذن بقتل الحية وبقتل العقرب يدل على تقديم المفسدة العليا على المفسدة الدنيا، وهذا أصل في الشريعة، ومنه القاعدةٌ المشهورة: (إذا تعارضت مفسدتان أكبرهما)، وبعضهم يقول: (رُوعِي ارتكاب أخفهما بدفع أعظمهما) أي: لدفع الأكبر، ومن ذلك كَسْر السفينة، كما في قصة موسى مع الخضر، حيث علل الخضر عليه السلام كسرها بقوله فيما حكى الله تعالى عنه:: {فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} [الكهف:79]، فكسرها أفضل من أخذها بالغصب كلها، ولذلك قالوا: كسر السفينة مفسدة أهون من فوات السفينة بكاملها. وعليه فرّع العلماء جواز أن يذهب ثلث الوقف لاستصلاح ثلثيه، ونحو ذلك من المسائل، فكون الشريعة تأذن بقتل الحية والعقرب في الصلاة من باب ارتكاب أخف الضررين؛ فإن الاشتغال بالقتل أولى من كون الإنسان يُلدغ، قالوا: لأنه إذا لُدِغ شوّشت عليه صلاته، ولم يستطع أن يصلي وربما مات، فلذلك قالوا: تقدم المفسدة العليا أعني فوات النفس. ومما تفرع على هذا الأصل من المسائل: أنك لو خفت من شيءٍ يُفضِي بك إلى فوات نفسك فإنه يجوز لك في الصلاة أن تدفعه، فلو جاء الإنسان أسد وهو في صلاته شُرِع له أن يفر، أو يتخذ السلاح، أو يضربه بالسلاح درْءاً لمفسدة فوات النفس، وكذلك الحال بالنسبة لغيره، فلو رأيت أعمى يكاد يقع في حفرة جاز لك أن تقطع الصلاة لإنقاذه إن توقَّف إنقاذه على قطع الصلاة، وجاز لك أن تتكلم، وأن تصوِّت بصوت تمنعه من الوقوع إن كان ذلك يمكن، فقالوا: هذا من باب حفظ الأنفُس، ولا شك أنه مطلوبٌ شرعاً، بل هو أحد الضروريات الخمس التي راعتها الشرائع كلها. ومن ذلك أيضاً: المرأة إذا كان معها صبيها الصغير فرأته قد اقترب من نار، أو خشيت عليه السقوط على وجهٍ يوجب تلف نفسه، أو ذهاب عضو من أعضائه، أو حصول الضرر عليه، قالوا يجوز لها أن تتحرك وتنقذه، فإن توقفت نجاته على الخروج من الصلاة شُرِع لها الخروج من الصلاة. فكل هذه الأمثلة مخرَّجة على ما ذكرناه. أما الأدلة التي دلت على مشروعيةِ تحصيل حفظ الأنفس بفوات الصلاة، فمنها حديث السنن الذي ذكرناه في قتل الحية والعقرب. ومنها: ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (جاءه الشيطان في الصلاة فتكعكع، فتكعكع الصف الأول، ثم لما سلّم عليه الصلاة والسلام سأله أصحابه، فقالوا: رأيناك تكعكعت فتكعكعنا -أي: رأيناك تأخرت فتأخرنا- فذكر أن الشيطان قد جاءه بشهابٍ فدفعه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أعوذ بالله منك)، وفي رواية: (أعوذ بالله منك ألعنك بلعنة الله). إلى أخر الحديث. وقالوا: إن كونه يأتيه بشهابٍ من نار ثم يدفعه النبي صلى الله عليه وسلم يدل على دفع المفاسد التي هي دون القتل؛ فإن شهاب النار مُحرِق ولكنه لا يصل إلى درجة فوات النفس فجعلوا حديث الحية والعقرب فيما فيه فوات النفس، وجعلوا حديث النار فيما فيه الضرر البالغ على الإنسان. ومن الأدلة أيضاً: مشروعية الصلاة حال القتال والمسايفة فإن الله أَذِن للعبد أن يصلي ويقاتل، وذلك حفظاً لنفسه، فدل على أنه يجوز للإنسان أن يتحرك تحصيلاً لهذا الأصل الذي ذكرناه. وما الحية والعقرب فبعض العلماء يفرق بين الحية والعقرب، قالوا: إن شأن الحية أخف من شأن العقرب، والسبب في ذلك أن الحيّات لا يعترضن غالباً إلا من اعترضهن، وربما مرّت الحية على ساق الإنسان ولا تؤذيه، وربما مرت أمامه ولا تتعرض له، وإنما تتعرض لمن يتعرض لها. فقالوا في هذه الحالة: هي أخف من العقرب، بخلاف العقرب فإن ضررها أبلغ وقصدها للأذية أبلغ، ففي حالة كونه يتضرر من الحية قالوا: يتريث ولا يعجل إذا غلب على ظنه أنه قد يأمن الشر، وإنما يجوز لك أن تقطع الصلاة، أو تقاتلها أثناء الصلاة إذا كان الفعل يسيراً، وغلب على ظنك كونها ضارةً لك وقال بعض العلماء: لا يُفَصَّل بهذا التفصيل؛ لأن الحية مأمورٌ بقتلها. قال رحمه الله تعالى: [فإن أطال الفعل عرفاً من غير ضرورة وبلا تفريق بطلت ولو سهواً] بعد أن بين لنا رحمه الله أنه يُشرع للمصلي أن يفعل هذه الأفعال من قتل الحية وقتل العقرب بين لنا أنه إن طال فعله -أي للقتل ورد المار- بحيث يؤثر في صلاته استأنف الصلاة، وإلا بنى. وهذه المسألة للعلماء فيها وجهان: فجمهور العلماء على الجواز، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع، ووافقهم أهل الحديث وأهل الظاهر. وذهب الإمام أبو حنيفة إلى عدم مشروعية هذه الأفعال، فقال: إن الحركة في الصلاة نُسِخت، وذلك بقوله عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (اسكنوا في الصلاة). والصحيح أنه باق، وأنه لا حرج على الإنسان أن يفعل هذه الأفعال عند وجود أسبابها وموجباتها. فإذا قلنا على مذهب الجمهور: إنه يُشرع لك أن تقتل الحية وأنت في الصلاة، سواء أكانت فريضةً أم نافلة، وأنه يشرع للإنسان أن يتسبب في نجاة غيره إذا كان في الصلاة، فحينئذٍ لا يخلو فعلك من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون فعلاً يسيراً. والحالة الثانية: أن يكون فعلاً كثيراً. فإن كان فعلاً يسيراً فإنه مغتفر عند الجمهور، ومثال ذلك أن يكون بجوار الإنسان عصا فأخذها ورفعها مباشرة وضرب بها الحية ثم رماها وألقاها، فهذا فعل يسير، أو كان بجواره رمح فأخذه وطعن به الحية فقتلها، فهذا أيضاً يسير مغتفر. وإن كان فعلاً كثيراً، فهذا يوجب استئناف الصلاة، بمعنى أنه قد خرج عن كونه مصلياً وتُستثنى حالة المسايفة وهي القتال، فإن الكثير فيها والقليل على حدٍ سواء، فلو أن العدو نزل بالمسلمين في وقت الصلاة، فقاتلوه بحيث لم يبق إلا قدر أدائها، قالوا: يُقاتِل على حالته، ولو كان في حال ضربه بالسيف، فإنه يقاتِل ويصلي ولو ترك ركوعه وسجوده لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239]. وإذا ثبت أنه يُشرع لك أن تفعل هذه الأفعال، وقلنا: إن الكثير مؤثر، فللعلماء وجهان في هذه ضابط هذا الكثير المؤثر: فقال بعض العلماء: الكثير عندي يرجع إلى العرف ومراده بالعرف أنه لو نظر إليه شخصٌ وهو في حال أفعاله وحَكَم بكونه غير مصلٍ بطلت صلاته، وأما لو نظر إليه ورأى أن فعله يسيراً، ولا يخرج في العرف عن كونه مصلياً، فصلاته صحيحة، ويبني على ما مضى. وقال بعضهم: الضابط ثلاث حركات، وبشرط أن تكون متتابعات، فإن فرق بينها لم يؤثر، فإذا تتابعت ثلاث حركات فأكثر حكم ببطلان صلاته، ويستأنف الصلاة. وقوله: [فإن أطال الفعل عرفاً] دلّ على أن المصنف رحمه الله يميل إلى التقيِيد بالعرف، كما هو مذهب الشافعية ووافقهم جماعة على ذلك. وذهب الحنفية إلى الضابط بالعدد وهو عندهم ثلاث حركات متتابعات. والقول بالعرف من القوة بمكان، ولكن تعتبر الثلاث الحركات في بعض الصور.
قراءة أواخر السور وأوساطها
قراءة أواخر السور وأوساطها قال رحمه الله تعالى: [ويباح قراءة أواخر السور وأوساطها]. أي: يباح لك إذا صليت أن تقرأ أواخر السور وأواسطها، ولا حرج عليك في ذلك؛ لأن هذا من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (أكثر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في ركعتي الفجر: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:136]، إلى آخر الآية، وفي الركعة الثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} [آل عمران:64]، إلى قوله {اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]). قالوا: فهذا يدل على جواز قراءة جزء السورة في ركعة وجزء السورة الثانية في ركعة ثانية، وهو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قالوا: الأفضل والأكمل أن يقرأ السورة كاملة، وذلك أفضل لكونه هدي النبي صلى الله عليه وسلم الغالب، ولاشتمالها على الموعظة، فإن إتمام السور أبلغ من اقتطاع أجزاء منها لكن قالوا: ربما احتاج الإنسان أن يذكر الناس بآيات، أو كانت قراءته تخشع في مواضع دون مواضع فحينئذٍ لا حرج عليه أن يتخير من كتاب الله عز وجل، ويقرأ بعض الآيات في ركعة ثم غيرها في ركعة أخرى، سواء من أواخر السور، كأواخر سورة البقرة أو أواخر سورة آل عمران، أم من أواسطها، كما جاء في حديث ابن عباس في صلاته عليه الصلاة والسلام في الرغيبة، فكل ذلك جائزٌ وسائغ. أما الدليل على جواز ذلك فعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)، فكونه يقرأ من وسط السورة أو آخرها هو الذي تيسر له، ولذلك لا حرج عليه في فعله هذا الوجه، لكن الأفضل والأكمل إتمام السور لما ذكرناه، ولأنه الهدي الغالب من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تسبيح الرجل وتصفيق المرأة في الصلاة للحاجة
تسبيح الرجل وتصفيق المرأة في الصلاة للحاجة قال رحمه الله تعالى: [وإذا نابه شيء سبح رجل، وصفقت امرأة ببطن كفها على ظهر الأخرى]. قوله: [سَبّح] اختصارٌ لـ (سبحان الله) فقوله: [سبح رجلٌ] أي: قال: سبحان الله. ويرفع بها صوته إذا نابه شيء، كأن يقرع عليه ضيف الباب، أو يتحرك عنده الطفل حركة غريبة ويخشى عليه فيقول له: سبحان الله. حتى يتنبه. أو كان هناك أمرٌ يحتاج إلى التنبيه عليه لجالسٍ بجواره، فإنه يقول: سبحان الله. والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، فدل هذا على مشروعية أن يسبِّح الرجال. ومن ذلك أن ينوب الإنسان أمرٌ داخل الصلاة، فإنه من باب أولى وأحرى، كأن يسهو الإمام، فإذا سها الإمام في الأفعال تسبِّح له، فلو أن إماماً كبَّر للجلوس بين السجدتين فإذا به يحاول القيام، أو قام ووقف فإنك تسبح؛ لأن الجلوس بين السجدتين لا بد من الرجوع إليه، فهو ركنٌ من أركان الصلاة، وهكذا إذا فعل فعلاً يُحتاج إلى تنبيهه عليه، ولا حرج عليك في ذلك لعموم قوله عليه والصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال). وأما التصفيق فقد ثبت في جزء الحديث الثاني، وهو يختص بالنساء، والحديث في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (إنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء)، وفيه دليل على أن النساء إذا عَلِمن بخطأ الإمام وسهوه وغفل الرجال عن التنبيه، أو صلت المرأة مع زوجها وسها فإنها حينئذٍ تصفِّق له، والتصفيق ينقسم إلى قسمين في الأصل: تصفيق مشروع في الصلاة، وتصفيق غير مشروع وهو تصفيق أهل اللهو والمجون. ويكون التصفيق ببطن الكف إلى بطن الكف، وهو التصفيق المعروف والمعهود، سواء أوقع بالمقابلة الكاملة أم كان بجزئه، كأن يجعل أصابعه على بطن راحته فإنه يعتبر من التصفيق. أما التصفيق المشروع الذي يكون في الصلاة فقيل: هو أن تضرب بظاهر الكفين على بعضهما. وقال بعض العلماء: التصفيق المشروع في الصلاة أن تضرب ببطن إحدى اليدين على ظهر الأخرى. وقيل: أن تَقْلِب فتجعل الظاهر على باطن الأخرى. وسواء أفعلت هذا أم هذا فكل ذلك جائزٌ ومشروع، وفي هذا الحديث حجة لما ذهب إليه جمهور العلماء من أن صوت المرأة عورة، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صرفها من اللفظ إلى التصفيق، مع أن المرأة قد تصلي مع محارمها ولم يرد استثناء. ولذلك قالوا: عُدِل عن التسبيح إلى التصفيق بالنسبة للنساء لمكان الافتتان بأصواتهن، والفرق بين قولنا: إن صوت المرأة عورة، وقولنا: ليس بعورة يظهر في مسألة محادثتها للرجال من دون حاجة، فإن القول بأنه ليس بعورة معناه أنه لا حرج أن يسمع الرجل صوت المرأة إذا أمِن الفتنة. والأصل أن الغالب كالمحقق، ولذلك قالوا: الأصل فيه أنه عورة، ولا يُرخَّص إلا لحاجة كسؤالٍ واستفتاءٍ ونحو ذلك.
البصق في الصلاة
البصق في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ويبصق في الصلاة عن يساره وفي المسجد في ثوبه]. البصاق والبساق والبزاق ثلاث لغات، بالصاد والسين والزاي. وقوله: [ويبصق في الصلاة عن يساره] لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى المصلي أن يبصق قِبَل وجهه، ونهاه أن يبصق عن يمينه، وقال: (عن يساره تحت قدمه)، فإذا كان في بَرِّيةٍ فإنه يُشرع له أن يتفل عن يساره ويبصق عن يساره تحت قدمه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك. أما إذا كان في المساجد وكانت مفروشة فإنه لا يجوز له أن يبصق لا عن يمينه ولا عن يساره ولا قبل وجهه ولا وراء ظهره، فلا يجوز له بحال أن يبصق داخل المسجد، وفي القبلة أَشَد، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ذلك وقال: (البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها)، وهذا حينما كانت المساجد من التراب، وكان عليه الصلاة والسلام يدفنها، وثبت عنه في الحديث الصحيح أنه لما رأى نخامةً في قبلة المسجد حكّها، ثم طيب مكانها صلوات الله وسلامه عليه. فهذا يدل على تعظيم أمر المساجد، وأنه لا يجوز البصاق فيها، وقد ثبت في حديث مسلم أنها من خطايا أمته التي عرضت عليه صلى الله عليه وسلم. وقال بعض العلماء: إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البصاق في المسجد لمكان الأذية والضرر فإن هذا يدل على أن كل شيء فيه أذيةٌ للمصلين وفيه إضرارٌ بهم لا ينبغي للمسلم أن يفعله في المسجد، فالأصل أن تُرفع المساجد وأن تُكرَم لظاهر آية النور في قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [النور:36]. والمراد بها المساجد. قال بعض المفسرين: معنى قوله تعالى: (أَنْ تُرْفَعَ): أي: تُصان عما لا يليق بها حساً ومعنىً، فما لا يليق بها حساً مثل البصاق ونحوه كالقاذورات، وما لا يليق بها معنىً كلغط أهل الدنيا ونحوه؛ فإنها لم تُبن لهذا، ولذلك جاء في الحديث الصحيح: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا). فقال العلماء: في هذا دليل على أنه ينبغي صيانة المساجد، ولذلك قالوا من دخل بنعليه على مسجدٍ مفروشٍ فإنه لا يخلو من الإثم؛ لأنه إنما شُرِعت الصلاة في النعلين في ما هو غير مفروش، أما إذا كان مفروشاً فإنها قد خرجت عن صورة السنة، ولا بد في صورة السنة من التأسِّي والاقتداء، فكونه يصلي على فراشٍ على خلاف ما أُثِر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كان الفراش غير موجودٍ على عهده صلوات الله وسلامه عليه، ولم يصل على فراشٍ البتة، بل قام على حصير -كما في حديث أنس في الصحيحين- فلم يقم بنعليه صلوات الله وسلامه عليه. فهذا يدل على أن المعنى هو عدم أَذِيَّة المصلين، وعدم التسبب في الإضرار بهم، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام -وهو أصلٌ في الشرع- أنه قال: (لا ضرر ولا ضرار)، وخرّج العلماء عليه القاعدةٌ المشهورة التي هي إحدى قواعد الفقه الخمس (الضرر يُزال)، فلذلك لا يُشرع للمصلي أن يتفل قِبَل وجهه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فقال: (أيحب أحدكم أن يستقبل فيتنخع في وجهه؟!) أي: هل يرضى أحد أن يُستقبل من قبل وجهه بالنخامة؟! فالله أجل، ولله المثل الأعلى. فإن كان في المسجد فإنه يبصق في ثوبه كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، ثم يدلك الثوب، أو كما هو موجودٌ الآن من المناديل التي يضعها المصلي في جيبه، فله الحق أن يُخرِجها من الجيب ويبصق فيها ولا حرج عليه في ذلك، لكن السنة والأولى له إذا بصق في المنديل أن يجعله في شقه الأيسر وأن لا يجعله في شقه الأيمن؛ لأن المعنى موجود. ولا ينبغي أن نجعل الأواني التي تحفظ هذه الفضلة من هذه المناديل في قِبْلة المصلين، وهذا خطأ يشيع عند بعض الناس، فإنهم يجعلون هذه الأواني التي تحفظ بقايا النخامات قبل المصلين أمام وجوههم، ولذلك لا يُشرع مثل هذا، وإنما تُصرَف إلى مياسر الصفوف ونحو ذلك.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الرد على الإمام إذا أخطأ في التجويد
حكم الرد على الإمام إذا أخطأ في التجويد Q هل يجوز لنا أن نرد على الإمام إذا أخطأ في حكم من أحكام التجويد؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: تجويد القرآن وترتيله أمرٌ لازم، وذلك لقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} [المزمل:4]، وهو مشروع؛ فإن القرآن إنما نزل على صورةٍ معيَّنة، وهذه الصورة تلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبريل، وتلقاها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناقلتها الأمة جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل على صورةٍ مخصوصة وهيئة مخصوصة عُرِفت بمصطلحٍ اصطلحوا على تسميته بالتجويد. وهذا المصطلح يكاد يكون إجماع السلف رحمة الله عليهم ومن بعدهم على كونه مشروعاً في الأصل، فلم يُوجد في العصور المتقدمة بل إلى عهدٍ قريب من يقول: إن التجويد بدعة. وذلك لأن القرآن واضح في الأمر بترتيل القرآن. والمراد بترتيل القرآن إعطاء الحروف حقها ومستحقها، ولذلك قال الله عز وجل: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:195]، فلم يقتصر على وصفه بكونه لساناً عربياً حتى أضاف إليه كونه مبيناً، قيل: مبيناً من جهةٍ كونه يبين الحق، وقيل: مبيناً من جهة اللفظ. ولا مانع من الجمع بين المعنيين كما هو مُقرَّر في أصول التفسير أن اللفظ إذا احتمل المعنيين وكان يمكن أن يُطلَق عليهما معاً فإن الأصل حملُه على ذلك العموم المقتضي لهما معاً. وقد اختَص أهل القرآن بتجويده وضبطه وإتقانه وتحريره، وكان لهم شرف هذا الضبط وهذا التحرير، وعُقِدت لهم مجالسهم في بيوت الله عز وجل وفي أماكن حِلَق الذكر والعلم، ولم يُنكر أحدٌ هذا العلم، بل قالوا في حكمتهم المشهورة: القراءة سنةٌ متبعة لا تؤخذ إلا من أفواه الرجال فكانوا يأخذون القرآن بالتلقي. وأخذ المصاحف والقراءة بها فيها بالطريقة الموجودة اليوم ما عُرِف إلا في هذه الأزمنة الأخيرة، وإنما كان في القديم لا يقرأ الإنسان إلا عن طريق الشيخ صيانةً لكتاب الله عز وجل وحفظاً له من الخطأ والزلل. ومن قال: إن التجويد بدعة فإن قوله محل إشكال عظيم؛ إذ لو قلنا: إن الإنسان يقرأ القرآن على ظاهره فكيف يقرأ قوله تعالى: (كهيعص)؟ فمن أين جاءتنا معرفة المدود لنقرأ: (كاف، ها، يا، عين، صاد)؟ ومن أين جاءتنا تلاوة هذه الحروف على هذا الوجه المعين؟ فما جاءنا إلا عن طريق الرواية، فكما أنه أُلزِم بهذه الرواية على هذا الوجه فكذلك الشأن في كتاب الله عز وجل في حروفه، ولذلك تجد التنوين والغُنَّة والإخفاء وغيرها من الأحكام تترتب عليها مسائل دقيقة في صِفَة الحروف. وقد أُثِر عن علي رضي الله عنه أنه لما فَسَّر الترتيل فسَّرَه بإعطاء الحروف حقها من صفةٍ لها ومستحقها، ولذلك قرر العلماء رحمهم الله لزوم التجويد، ومرادهم بذلك التجويد الذي تنضبط به الحروف، وتنضبط به مخارج الحروف، أما الزائد على ذلك من التحبير والتحسين والإتقان الذي هو مرتبة الكمال فهو مرتبة فضل، وليس بمرتبة وجوب، ولذلك لا حرج في كون الإنسان يجهله، لكن إذا جاء إلى القدر اللازم مثل إخفاء الحرف، ومثل كون الحرف منوناً، والذي تبين به صفة الحروف، فهذا سنةٌ متَّبَعة، وينبغي التأسي فيها والاقتداء بسلف هذه الأمة ومن بعدهم، ولا شك أن هذا الأمر مما يكاد يكون مجمعاً عليه بين أهل العلم رحمة الله عليهم. وعليه فإذا أخطأ الإمام في أحكام التجويد بما يُخِل، فلا شك أنه يُشرع الفتح عليه ويُلزَم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، كما لو أخطأ في الآية كلها، ولذلك يُشرع في مثل هذه الصورة أن يُفتح عليه، أما إذا كان في الكمال فإنه يغتفر، وخاصةً إذا كان من الأميين الذين يطول ردهم، والله تعالى أعلم.
حكم الفتح على الإمام بصوت عال
حكم الفتح على الإمام بصوت عالٍ Q يلاحظ على بعض المأمومين في قضية الفتح على الإمام أنه إذا كان في مؤخرة المسجد يفتح على الإمام بصوت عالٍ يُسمع في أرجاء المسجد، فهل هذا الفتح يعتبر من العبث الذي يؤثر في صحة الصلاة؟ A هذه المسألة مهمة جداً، خاصةً في صلاة التراويح، فتجد الناس يمسكون المصاحف، وقد يكون أحدهم خارج المسجد، فإذا أخطأ الإمام رفع صوته ورد على الإمام، وهذا يُعتبر من الأمور التي يُنْهى عنها؛ لأنه لا حاجة إلى كلامه، وما أبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها. ولذلك قال العلماء: إذا كان وراء الإمام من يتولى الرد عليه فإنه يُتْرك الأمر له؛ لأنه ليس هناك حاجة إلى أن يتكلم. وقالوا: إنه لو أخطأ الإمام وأنت خارج المسجد، بحيث لا يمكن أن يبلغ الصواب الإمام فإنه حينئذٍ يُشرع ترك الفتح؛ لأنه يعتبر من العبث؛ إذ ليس فيه إلا التشويش على المأمومين، لكن لو كنت في طرف الصف أو بعيداً، ويغلب على ظنك أنك لو فتحت ربما نقل غيرك فَتْحَك للذي أمامه، والذي أمامه لمن أمامه حتى يصل إلى الإمام، فحينئذٍ لا حرج أن تفتح عليه لكي يُبَلّغ بصوتك، بل وترفع صوتك ولا حرج عليك في هذا. أما لو وُجِد وراء الإمام من يفتح عليه وينبهه على الخطأ فحينئذٍ يلتزم الإنسان الصمت كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم المأموم وراء الإمام، فيُنصِت ويسكت؛ لأنه هو الأصل في المصلي، والله تعالى أعلم.
قتل القمل أثناء الصلاة
قتل القمل أثناء الصلاة Q ما حكم قتل القمل في الصلاة؟ A القمل له حالات: الحالة الأولى: أن يشوش على المصلي، كما لو كان في رأسه وبين شعره وآذاه وأزعجه، فقد شُرع له أن يقتله، ويكون ذلك كما هو معلوم بحركة الإصبع. الحالة الثانية: أن يكون بعيداً عن الأذية، كأن يراه على ثوبه، فبعض العلماء يُعمِّم ويقول: يقتل القمل مطلقاً، فيدخل في هذه الحالة أن يقتله ولو كان على ثوبه؛ لأن الضرر في مظِنّة الوقوع فإذا كان في هذه الساعة على الثوب فربما بعد ساعات يكون على الجسد، ومن ثم قالوا: يُشرع له أن يقتله بناءً على العموم ولا تجد العلماء يفرقون بين كونه مُشوِّشاً في الصلاة أو غير مشوِّش، لكن لو أمكن الإنسان أن يصبر عنه حتى ينتهي من صلاته فهو أولى وأحرى وقتل القمل -كما يقول العلماء- حركته يسيرة وفعله يسير، ولذلك لا يُشدد فيه، وليس كقتل غيره، والله تعالى أعلم.
دعاء المصلي أثناء الصلاة إذا مر بآية عذاب أو رحمة
دعاء المصلي أثناء الصلاة إذا مر بآية عذاب أو رحمة Q إذا قرأ الإمام قول الله عز وجل: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40] ونحوه، فهل يشرع أن يقول الإمام والمأموم: (سبحانك. بلى)، أم لا يُشرع؟ A نعم. فهذا فيه حديث في السنن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (سبحانك. بلى) لما قرأ قوله تعالى:: {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة:40]، وهذا إنما يكون في النافلة، أما في الفرض فلا. وكان عليه الصلاة والسلام في قيام الليل إذا مر بآية عذابٍ استعاذ، وإذا مر بآية رحمةٍ سأل الله من فضله، ولذلك ما حفظ عنه عليه الصلاة والسلام إلا في قيام الليل. ولذلك يُعتبر هذا الأصل في صلاة النافلة، فلا حرج على المصلي أن يفعل ذلك؛ لأن أمرها أخف من أمر الفريضة، وأما في الفريضة فإنه يسكت لأنه الأصل، حتى يدل الدليل على جواز الكلام والنطق؛ لما ثبت في الحديث الصحيح أنه لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، قال الراوي: (أُمِرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام).
حكم تصفيق الرجال والنساء في الحفلات والأعراس
حكم تصفيق الرجال والنساء في الحفلات والأعراس Q ما حكم التصفيق للرجال في الحفلات ونحو ذلك، وما حكم التصفيق للنساء في غير الصلاة، كالأعراس ونحوها؟ A التصفيق من صنيع أهل اللهو؛ ولذلك لا يُشرع، ويُسقِط مروءة طالب العلم والعالم إذا فعلاه، وأما عوام الناس فيُنبَّهون على أنه من صنيع أهل اللهو ومن لا يؤبه له، أما طلاب العلم وأهل الفضل ومَن هم قدوة فلا يصفقون، وحَمَلوا قوله تعالى: {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال:35] على هذا الوجه، والله تعالى أعلم.
حكم تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة
حكم تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة Q ما حكم تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة؟ A تغطية المصلي لفمه أثناء الصلاة مَنْهِيٌ عنها. فقد قال العلماء: نُهِي عنها. واختلفوا في العلة، فقال بعضهم: لأنه تشبه باليهود، ولذلك لا يُغَطِّي فمه. وقال بعض العلماء: نُهِي عن تغطية الفم في الصلاة لأنه لا يُحسن القراءة وإخراج الحروف، وأياً ما كان فلا مانع من تعليل النهي بالعلتين؛ لأن أصح الأقوال عند الأصوليين أنه يجوز تعليل الحكم بعلتين، وبناءً على ذلك نقول: إن تغطية الفم في الصلاة فيها محظور وهو صعوبة خروج الحروف من مخارجها مع ما فيها من التشبُّه، والله تعالى أعلم.
الواجب على المصاب بسلس البول إذا دخل وقت الصلاة
الواجب على المصاب بسلس البول إذا دخل وقت الصلاة Q شيخٌ كبير به سلس البول ولا يتحكم في بوله، فهل يجب عليه غسل ما وَصَل إليه البول من الثياب دائماً وخاصةً إذا كان بعيداً عن بيته؟ A من كان بهذه الحالة فإنه إذا دخل عليه وقت الصلاة يغسِل الأماكن المتنجسة من ثوبه الذي يلي فرجه وما أصابه البول، فإن شقّ عليه وعَسُر فحينئذٍ يمكنه أن يستبدله بثوبٍ آخر إذا كان يشق عليه غسله، كما هو الحال في أيام البرد، فإنه إذا غسل الثوب لا يستطيع أن يلبسه مباشرة، فإذا وجد مثل هذا فليتخذ له سروالين ونحوهما كما هو الأصل في الواجبات، فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فقد أوجب الله عليه الطهارة للصلاة، وكونه يصلي على هذه الحالة مع القدرة على التخلي عن هذه النجاسة لا يباح له ولا يُرَخَّص له. وأما مسألة تطهره للصلاةِ فإنه كلما دخل عليه وقت الصلاة يُشرَع له أن يتوضأ، ولا يضره خروج البول أثناء وقت الصلاة، كالمستحاضة. لكن في مسألة تغيير الثوب وغسل البول، فإذا شق عليه، أو لم يمكنه ذلك، كالمريض الذي يكون طريح الفراش ولا يستطيع أن يجد الماء الذي يغسل به العضو، وحضره وقت الصلاة وخاف خروجه فحينئذٍ يجوز له أن يصلي ولو كان في ثوبه البول لمكان الضرورة، والله تعالى أعلم.
الأمر بغض الصوت للمرأة
الأمر بغض الصوت للمرأة Q زوجي كثير الخروج بنا إلى منزل أهله، وإذا ذهبنا إلى منزلهم أجلس مع أهله جميعاً في مجلس واحد ويكون معهم أخوه البالغ من العمر خمسة عشر عاماً، وأكون أثناء الجلسة متحجِّبة بالحجاب الإسلامي الكامل، إلا أنني أتحدَّث بصوتٍ مسموع مع والدة زوجي وأخواته، وأحياناً يتعدى الأمر إلى الضحك، وقد حاولت عدم التحدث بصوتٍ مسموع والإقلال من ذلك، لكني لم أستطع، فما الحكم في مثل هذه الحالة؟ A إذا كان الإنسان في مثل هذه الحالة يأمن الفتنة فلا حرج أن يجلس القرابات النسوة مع بعضهن ويتحدثن ويكون صوتهن عالياً، لكن إذا كان بجوارهن رجال وكانوا أجانب فإنه في هذه الحالة ينبغي عليهن الغض من الصوت وعدم إسماع الرجال الأجانب؛ لأن الرجل يُفتَن بصوت المرأة غالباً، واغتفَر العلماء صغار السن ومن هو قريب البلوغ إذا أُمِن منه أن يفتتن، والله تعالى أعلم.
حكم قصر الصلاة لمن كان عمله خارج مدينته
حكم قصر الصلاة لمن كان عمله خارج مدينته Q رجلٌ يسكن في مكة وعمله خارجها، فهل يقصر الصلاة إذا خرج من مكة إلى مكان عمله، أو لا؟ A إذا خرج من مكة إلى مكان العمل ولم يكن له مستقرٌ في مكان العمل، كبيتٍ يسكنه ومزرعة يقوم عليها، أو ملك له فيها فإنه في هذه الحالة يقصُر بشرط أن لا يُقِيم أو ينوي الإقامة أربعة أيام فأكثر، فإن نوى الإقامة أربعة أيام فإنه ينتقل إلى حكم المقيم، ويلزمه إتمام الصلاة من أول يوم ينزل فيه في ذلك الموضع، والله تعالى أعلم.
حكم قراءة الآية من نصفها في الصلاة
حكم قراءة الآية من نصفها في الصلاة Q ما حكم القراءة في الصلاة من نصف الآية لا من أولها، علماً بأن المعنى مكتمل؟ A هذا خلاف السنة، فالسنة أن يبتدئ بأول الآية كما ذكرنا في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في قراءته عليه الصلاة والسلام في ركعتي الفجر أما لو فعل ذلك فإن صلاته صحيحة، والله تعالى أعلم.
حكم الدعاء في القنوت بغير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
حكم الدعاء في القنوت بغير ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم Q هل يجوز للإنسان الدعاء بالأذكار التي فيها مواضع دعاء كأذكار الصباح والمساء والنوم أثناء القنوت وغيره، أو الاستغفار بسيد الاستغفار؟ A القنوت لا يُشرع فيه إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم والحاجة الداعية إلى القنوت، فإذا قَنَت الإنسان فإنه يقتصر على الوارد كقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك)، وقوله: (اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد) ونحو ذلك من الأدعية الواردة. ثم يقتصر على أمرين: الدعاء على من فيه ضرر على المسلمين، والدعاء لمستضعفي المسلمين، فإن زاد عن هذين الموضعين -كأن يدعو بأمورٍ خارجةٍ عنهما- فقد حكم العلماء ببطلان صلاته؛ لأنه كلامٌ خارجٌ عن المشروع كما لو تكلَّم بكلامٍ أجنبي، ولذلك قال الإمام أحمد: إن زاد عن الوارد حرفاً واحداً فاقطع صلاتك. تشديداً في هذا الأمر. ومن البدع المحدثة الاستسقاء في القنوت، فهذا بدعة وليس له أصل، وينبغي تنبيه الأئمة على أنه ينبغي عليهم التأسِّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتصار على الألفاظ التي ورَدت، فتدعو على من ظلم، وتدعو للمسلمين بالنُّصرة والتأييد، والزائد على ذلك يعتبر من البدعة والحدَث، والإمام يأثم ويتحمل مسئولية من وراءه، وينبغي على الأئمة إذا أرادوا أن يفعلوا أمراً وله أصلٌ من الشرع أن يسألوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وأن لا يختلقوا من عندهم بالاجتهادات والاستحسانات. ولذلك شدد العلماء رحمهم الله في القنوت، وعباراتهم فيها مشهورة، وينبغي التقيد بما ذكرنا، فإذا دعا بمثل هذا الدعاء فقنوته صحيحٌ ومشروع وأما إذا زاد عليه، وكانت الزيادة بما لم يُشرع فحينئذٍ تنوي المفارقة، أي: تنوي أنك منفرد، ولا حرج إذا خفت الفتنة أن تسجد مع سجوده، ثم إذا رفع ترفع معه، ولا تنو الاقتداء به. وهذا أصل عند العلماء رحمة الله عليهم إذا طرأ في الإمام ما يوجب بطلان إمامته، والله تعالى أعلم.
الواجب على من فاتته تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الميت
الواجب على من فاتته تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الميت Q كيف يصنع من فاتته تكبيرة من تكبيرات الصلاة على الميت؟ A إذا فاتت تكبيرة فأكثر من تكبيرات الصلاة على الميت، فإنه في هذه الحالة لا تخلو الجنازة من حالتين: الحالة الأولى: أن تدرك بقدرٍ يقضي فيه الإنسان ما فاته، فحينئذٍِ تُكَبِّر التكبيرة وتُتِم الأذكار الواردة فيها. وأما الحالة الثانية وهي الموجودة الآن: أن ترفع مباشرة، فإذا رُفِعت مباشرة فإنك تُكَبِّر بدون دعاءٍ وذكر، ثم توالي بين التكبيرات، كأن يفوتك تكبيرتان، فتقول: الله أكبر، الله أكبر، السلام عليكم. فهذا هو المشروع والذي عليه العمل عند أهل العلم رحمة الله عليهم، وإنما قالوا بالتفريق بين كون الجنازة حاضرة ومرفوعة لأن حضورها هو الذي شُرِعت فيه الصلاة، ولذلك لا يُصَلّى عليها قبل حضورها، فالصلاة عليها بعد رفعها كالصلاة عليها قبل حضورها، ولذلك قالوا إنما يُشرع القضاء وذكر الأذكار بين التكبيرات إذا كانت الجنازة ثَم. والله تعالى أعلم.
قول الإمام للمؤذن أقم الصلاة
قول الإمام للمؤذن أقم الصلاة Q هل من السنة قول الإمام للمؤذن أقم الصلاة؟ وهل للإمام أن يطيل في الركوع في الفريضة لكي يتسنى للداخل إدراك الركعة؟ A لا يقول الإمام للمؤذن أَقِم، ولا يتنحنح، ولا يفعل شيئاً. فإذا كان الإمام يأتي من قِبَل المسجد والمؤذن يراه، فحينئذٍ يسكت الإمام ولا يقل: أقم، لكن لو كان المؤذن يأتيه الإمام من ورائه، أو يأتيه من مكان يريد أن ينبهه وينبه من أمامه حتى يمكنه أن يدخل إلى الصف الأول فلا حرج أن يقول: أقم. خاصةً إذا كان الإمام لم يصلِّ تحية المسجد، ولذلك يُشدد في كلامه وذكره، فالأَولى والأفضل أن يكون دخوله على وجهٍ يتنبه به المؤذن لإقامة الصلاة. والله تعالى أعلم.
سنن الصلاة
شرح زاد المستقنع - سنن الصلاة كما أن للصلاة أركاناً وواجبات وشروطاً، فلها أيضاً سنن ينبغي المحافظة عليها، ومنها: السترة، والاستعاذة عند آية وعيد، والسؤال عند آية رحمة، ونحوها.
سنن الصلاة
سنن الصلاة
السترة
السترة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وتسن صلاته إلى سترة قائمة كمؤخرة الرجل] ذكر المصنف رحمه الله تعالى جملةً من الأحكام والمسائل التي كانت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته، وشرع بعد بيان صفة الصلاة في بيان الأمور التي يسن للإنسان أن يحصلها في صلاته، ومنها السترة. فيقول رحمه الله: [وتسنّ]، وهذا التعبير يَدل على أن جعلك للسترة إنما هو على سبيل الندب والاستحباب، بمعنى أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلّى صلّى إلى سترة. والسترة أصلها: ما يستتر به الإنسان، ويشمل ذلك ما يستر عورته، أو يستره إذا كان في مكان، ولكن المراد بها هنا سترة مخصوصة حَكَم الشرع باعتبارها، فأنت إذا صَلَّيت تحتاج إلى حدٍ معين تمنع فيه الناس أن يمروا بينك وبينه، وهذا الحد وَضَعه الشرع على سبيل العبادة؛ لأن المكلَّف إذا خَلِي من مرور الناس بين يديه كان ذلك أدعى لخشوعه، وأدعى لحضور قلبه، ثم إن هذه الصلاة تكون لها حرمة، فيمتنع المار أن يمر بين يدي المصلي، وذلك إنما يكون بوضع حدٍ معين، وهو الذي وصف في الشرع بكونه سترةً. وقد قال صلى الله عليه وسلم في شأن السترة: (مثل مؤخرة الرحل، فلا يضره من مر وراء ذلك)، أي: مثل مؤخرة الرحل سترةً للمصلي، ثم لا يضره من مر وراء هذه السترة. وأمر عليه الصلاة والسلام في غير ما حديث إذا صلى المصلي أن يجعل السترة تلقاء وجهه، ولذلك ذهب طائفةٌ من أهل العلم رحمة الله عليهم إلى أن جعل السترة أمام المصلي في صلاته أمر واجب، ولا شك أن هذا القول أقرب لظاهر السنة الثابتة في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم إننا إذا تأمّلنا خطر المرور بين يدي المصلي وتشديد الشرع في أمره وترهيب المار من مروره فإنه يتضمن الدلالة على أن السترة واجبة. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لو يعلم المار بين يدي المصلي -أي ما في ذلك من الوعيد والعذابِ- لكان أن يقف أربعين أهون من أن يمر بين يديه). قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً، أو أربعين سنةً، أو أربعين شهراً. فأمر يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول أمر عظيم يدل على عظم خطر المرور بين يدي المصلي، فإذا كان الأمر كذلك فإن من مقصود الشرع صيانة الناس عن هذا الخطر، وحفظهم عن الوقوع في هذا الضرر، وذلك إنما يكون بسبيل الإلزام، فإذا أُلزِم المصلي بجعل السُّترة كان ذلك أدعى لحفظ الناس من الوقوع في هذا المحظور. والسترة تكون جداراً، وتكون جماداً، وتكون حيواناً، فلا حرج أن تستتر بظهر إنسان، ولا حرج أن تستتر بحيوان، فلو أنك دخلت المسجد وأردت أن تصلي تحية المسجد ولا تجد شاخصاً إلا ظهر إنسان أمامك فإنه لا حرج أن تصلي وراء ظهره، وقد جعلت في نفسك أن هذا الظهر بمثابة السترة لك، ويحق لك إذا وقع موقفك في الصف الذي يلي الصف أن تجعل الصف الأمامي بمثابة السترة. وتكون السترة حيواناً، كأن يُنيخ الإنسان بعيره ثم يجعل أحد جنبي البعير سترةً له؛ لأنه لا يليق أن يجعل وجهه أمامه، وهكذا بالنسبة للرجل، حتى لا يُظَن أنه ساجدٌ للبعير أو ساجدٌ للإنسان، فسدّاً لذريعة السجود لغير الله عز وجل، لا تجعل الحي قبل وجهك، وإنما تأتي من قفاه إذا استُحسِن أن تكون في القفا، أو تأتي من جنبه، كالحيوان من بهيمةٍ أو إبلٍ أو بقرٍ أو غير ذلك، وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يُنيخ بعيره ويصلي إليه. وكذلك تكون السترة جماداً، وهذا الجماد قد يكون حائلاً كالجدار وكالبناء، فهذا لا إشكال في كونه سترةً مؤثرة. لكنه يكون في بعض الأحيان شاخصاً، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إلى كلٍ منهما، فلما دخل الكعبة اقترب من جدارها وصلى إلى الجدار، وكذلك اعتبر الجماد الشاخص كما في حديث أبي جحيفة وهب ابن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه في حجة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (ثم ركزت له عنزة)، وهذا يدل على جواز الصلاة إلى الشاخص، كأن تغرز عوداً أو عصاً أو رمحاً أو نحو ذلك ثم تصلي إليه، أو تضع حجراً، لكنهم قالوا: إذا صليت إلى الحجر فاجعله عدة أحجارٍ حتى لا تشابه عبدة الأوثان، سداً لذريعة المشابهة لعبدة الأوثان؛ لأنه إذا جعل حجراً واحداً فكأنه يُشَابه أهل الأوثان بعبادتهم للأنصاب ونحوها، فقالوا: تجعل حجرين أو ثلاثة بجوار بعضها حتى تخرج من مشابهتهم. وكذلك قالوا: السنة في الصلاة إلى الحجر أو الشاخص أن تجعل الشاخص إما على حاجبك الأيمن، أو على حاجبك الأيسر، ولكن لا تجعله أمامك مباشرة حتى لا تشابه عبدة الأوثان. وفيه حديث أبي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم، فكان عليه الصلاة والسلام إذا صلّى جعل السترة على جانبه الأيمن، أو على جانبه الأيسر، ولم يصمُد لها صمْداً، أي: ما جعلها أمامه كأنه يسجد لها كحال عبدة الأوثان. قوله: [قائمة كمؤخرة الرحل] الرحل: هو ما يكون على ظهر البعير، ومؤخرته -كما ضبطها بعض العلماء- بقدر ذراع، وهي تحفظ الراكب من ورائه. فإن كانت السترة صغيرة الحجم طلب ما هو أعلى منها، وذلك أن العالي أدعى لانتباه الناس له وتوقيهم المرور بين يدي المصلي. ثم السنة في هذا الشاخص أن تجعل بين سجودك وبين مكانه قدر ممر الشاة، فمكن أن يكون قدر ذراع، وهذا هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان بين منبره والجدار قدر ممر الشاة قال بعض العلماء: الحكمة فيه -والعلم عند الله- أنه يمنع من مشابهة عبدة الأوثان؛ لأنه إذا كان بينك وبين السترة حائلاً دلّ على أنك لا تقصدها. قال رحمه الله تعالى: [فان لم يجد شاخصاً فإلى خط]. الخط يكون في الأرض التي هي كالبرية، والتي يمكن وضع الخطوط فيها، وللعلماء في مشروعية هذا الخط قولان مشهوران: فقال الجمهور بعدم مشروعيته، وذلك لشدة الضعف في الحديث الذي ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: (فإن لم يجد فليخط خطاً)، فالضعف في الحديث قوي جداً، وأشار بعض العلماء إلى تحسينه كالحافظ ابن حجر وغيره، ولكن الكلام فيه قوي، لكن قال العلماء رحمةُ الله عليهم: لو لم يدل عليه الحديث لاقتضاه الأصل؛ لأن المقصود منع الناس، وليس المراد به أن يكون سُترةً. ثم اختلفوا في صورة هذا الخط، فقال بعضهم: يجعله في أحد جانبيه كالحال في العصا. وقيل: يجعل الخط من أمامه على آخر ما ينتهي إليه سجوده كالحال في الجدار المعترض. وقيل: يجعله كالهلال. أي: كالمحراب الذي يدخل فيه الإنسان، وأصح الأقوال أن الأمر واسع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليخط خطاً) -على القول بثبوت الحديث- ولم يبين كيف يكون، فيبقى الأمر على إطلاقه إعمالاً للأصل. قال رحمه الله تعالى: [وتبطل بمرور كلب أسود بهيم فقط]. أي: تبطل الصلاة إن صليت إلى السترة بمرور كلبٍ أسود بهيمٍ، وهذا فيه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب)، فهؤلاء الثلاثة بأمر الشرع يقطعون الصلاة، أي أن الشرع دلّ على أنهم يقطعون الصلاة على سبيل العبادة، والله تعالى أعلم بعلة ذلك، وإن كانوا قد ذكروا في الكلب وخَصُّوه بالأسود لورود الخبر أنه شيطان. وهذا القول -أعني القول بقطع الصلاة بمرور أحد هؤلاء الثلاثة- هو أصح الأقوال وأعدلها، وهو مذهب الإمام أحمد وطائفة من أهل الحديث، بمعنى أن المكلف يُطَالب باستئناف الصلاة، ومثال ذلك: لو قمت تصلي تحية المسجد، فجاءت امرأةٌ، أو مَرّ حمارٌ -أكرمكم الله- بينك وبين السترة، فهذا المرور لهذه الدابة يُوجِب قطع الصلاة، فلو صليت ركعةً من تحية المسجد فكأنك لم تصلِّ، فتسأنف الصلاة ولو كنت في التشهد الأخير، فمروره بين يديك في هذه الحالة يُوجِب انقطاع الصلاة من أصلها فتستأنف الصلاة، وكأنك في غير صلاةٍ، ولو كانت فرضاً، أي ولو كنت في فرض فإنك تستأنف الصلاة، وهذا على أصح أقوال العلماء. وخَالَف الجمهور رحمةُ الله عليهم من الحنفية والمالكية والشافعية، فقالوا: لا يقطع الصلاة واحدٌ من هؤلاء الثلاثة. قالوا: أما الحمار فلثبوت حديث ابن عباس في الصحيح أنه قال: (أقبلت راكباً على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك علي أحد). ووجه الدلالة أن الأتان مرَّت بين المصلين فلم يوجب ذلك قطع صلاتهم، فدل على أن مرور الحمار لا يقطع الصلاة. قالوا: وأما المرأة فلما ثبت في الصحيحين عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح). كانت حجرته عليه الصلاة والسلام صغيرة الحجم إلى درجة أنها لو نامت رضي الله عنها لا يجد مكاناً يسجد فيه صلوات الله وسلامه عليه، ولكنها وإن كانت ضيقة فهي واسعةٌ بما فيها من الإيمان والحكمة ونور القرآن، وبما فيها من خير النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغ الآفاق صلوات الله وسلامه عليه. قالوا: لو كان مرور المرأة يقطع الصلاة لامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة على هذه الصورة. وعند التأمل لهذه النصوص التي احتجّ بها جمهور العلماء رحمةُ الله عليهم فإننا نرى أن الدليل الذي دلّ على قطع الصلاة أرجح، وذلك لكونه نصاً في موضع النزاغ. ثانياً: أن اعتراض أم المؤمنين عائشة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو اعتراض الجزء، والقاعدة في الأصول أن الجزء لا يأخذ حكم الكل، ولذلك لو حَلَفت وقلت: والله لا أدخل الدار، فأدخلت رجلاً ولم تدخل الأخرى لم تحنث؛ لأنه لا يَصْدُق عليك أنك قد دخلت إلا بالجرم كله، و
التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة في الصلاة
التعوذ عند آية وعيد والسؤال عند آية رحمة في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وله التعوذ عند آية وعيدٍ والسؤال عند آية رحمة ولو في فرض]. قوله: [وله] أي: للمصلي، فلك إذا صليت نافلة أو فريضة وقرأت آية عذابٍ أن تسأل الله أن يُعيذَك منه، أو قرأت آية رحمةٍ أن تسأل الله من فضله. والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام في قيام الليل من حديث حذيفة أنه ما مر بآيةٍ فيها ذكر رحمةٍ إلا وقف وسأل الله من فضله، ولا مر بآيةٍ فيها ذكر عذابٍ إلا استعاذ بالله عز وجل. قالوا: فهذا يدل على مشروعية أن يسأل المكلف ربه من فضله إن مرّ بالرحمة، ويستعيذ به إن مر بالعذاب، ولا فرق عند القائلين بهذا القول بين الفرض والنفل. والصحيح أنه يُفَرَّق في السؤال بين الفرض والنفل كما ذهب إليه الجمهور؛ فإنه -كما في الحديث الصحيح- لما نزل قوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، قال الراوي: (فأُمِرنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام)، فدل على أن الأصل في المصلي أن يسكت، وقال عليه الصلاة والسلام في الإمام: (إذا قرأ فأنصتوا)، فالأصل عدم الكلام، فلما ثبتت السنة بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، ولم يثبت حديث صحيح واحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل هذا في الفرض؛ إذ لا يُعقَل أنه يصلي بأصحابه صلوات الله وسلامه عليه هذا الردح من الزمان الطويل ولا يثبت عنه في فرضٍ واحدٍ أنه فعل ذلك، فحينئذٍ نقول: يجوز في النفل ما لا يجوز في الفرض، فيُشرع فعل ذلك في النفل دون الفرض، وهذا هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السنة، فعلى المصلي إذا كان وراء الإمام أن ينصت ويمتنع عن الحديث، ويختص حكم هذه المسألة بالنفل دون الفرض. ولذلك قال المصنف: [ولو في فرضٍ]، وكلمة (لو): تشير إلى الخلاف، ومعنى ذلك أن هناك من يقول بتخصيصه بالنفل دون الفرض، وهو مذهب الجمهور، وهو أقرب الأقوال وأعدلها، ولذلك ينبغي الاقتصار عليه في النوافل دون غيرها، أعني: الفرائض.
الأسئلة
الأسئلة
حكم السترة في الحرم المكي
حكم السترة في الحرم المكي Q ما حكم السترة في الحرم المكي؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: السترة في الحرم المكي وغيره حكمها واحد، وذلك لثبوت السنة على سبيل العموم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن الحرم، والقاعدة في الأصول أن العام يبقى على عمومه حتى يرد ما يُخصِّصه. ولم يثبُت حديثٌ صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في استثناء مكة، فبقِيَت على الأصل. لكن قالوا: إن اقترب من المطاف وآذاه الطائف وتعذر عليه منعه فإن هذا يُوسَّع فيه، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (يا بني عبد مناف: إن وليتم هذا الأمر فلا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار) قالوا: فكأنه يمنع. هناك وجه ألطف من هذا الوجه في استثناء الطائف، قالوا: لأن الطائف في صلاة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الطواف بالبيت صلاة). فمروره أصلاً هو من الصلاة، فهذا التوجيه من أدق ما قيل في هذه المسألة، فالطائف عند مروره استثني وأما غيره فيبقى، ولذلك استثناؤه على هذا الوجه لا حرج فيه. والدليل الذي يدل على أن مكة وغيرها على حدٍ سواء حديثُ أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه الثابت في الصحيحين أنه قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبةٍ حمراء من أدم -لأنه نزل بالمحصِّب بجوار الحجون بعد أن أتم ليالي منى فبات بها وتأخر ولم يتعجل عليه الصلاة والسلام- قال: ثم رُكِزت له عنزة. وركز العنزة إنما يُقصَد به أن تكون سترةً له عليه الصلاة والسلام، فدلّ على أن مكة وغيرها على حدٍ سواء، خاصةً على القول الذي يقول: إن حرم مكة كله آخذٌ حكم مضاعفة الصلاة، وهو قولٌ من القوة بمكان، ولذلك يقوى أن يكون حرم مكة كله يمتنع فيه المرور بين يدي المصلي، والله تعالى أعلم.
منع الأطفال من المرور بين يدي المصلي
منع الأطفال من المرور بين يدي المصلي Q عند الصلاة إلى سترة هل يمنع الأطفال من المرور بين يدي المصلي وكيف؟ A يمنع الطفل من المرور بين يدي المصلي، وإن كانت الصلاة نافلة وأزعج المرأة طفلها فإن لها أن تنحني وتتناوله وترفعه حتى لا يمر، وهذا من أرفق ما يكون إذا كان مما يصعب رده؛ لأن الانحناء في النافلة أوسع منه في الفرض، وقال بعض العلماء بجوازه في الفرض لحديث أمامة بنت أبي العاص رضي الله عنه، قالوا: إنه حَمَلَهَا النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن حديث أمامة فيه إشكال؛ لأن حديث أمامة لم ينتقل فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالانحناء، وإنما كان يرفعها وإذا سجد وضعها ثم حَمَلها عند رفعه، فما كان ينتقل بالانحناء؛ لأنه في الفرض لو انحنى انتقل من ركن القيام إلى ركن الركوع، ولربما اضطر إلى الجلوس، فلما كان النفل يجوز لك أن تجلس فيه مع القدرة على القيام وُسِّع في حملها في النفل دون الفرض، والله تعالى أعلم.
حكم المرور بين يدي المأمومين لغير حاجة.
حكم المرور بين يدي المأمومين لغير حاجة. Q إذا مر الرجل بين المأمومين لغير حاجة، فهل ينبغي له هذا، وهل عليه حرج؟ A لا يُمَر بين يدي المأمومين إلا من حاجة، أما إذا لم توجد الحاجة فلا، وأذكر من أهل العلم رحمة الله عليهم من مشايخنا من يقول: يُشرَع دفعه إذا مر للتشويش والأذية؛ لأنه ينشغل الواحد بدفعه لمصلحة الكل، فيجوز أن تُرتَكب المفسدة الدنيا لجلب المصلحة العليا، فلذلك قالوا: يُشرع أن تدفعه فتنشغل وحدك تحصيلاً لمصلحة الكل، ومنع بعض العلماء من دفعه، وقالوا لأنه إذا اندفع انشغل وهو مكلَّف بمصلحته والعذر متعلقٌ بمصلحة الغير، فلا يسوغ؛ لأنه لا إيثار في القُرَب.
المقصود بالكلب الذي ورد أنه يقطع الصلاة
المقصود بالكلب الذي ورد أنه يقطع الصلاة Q قول المصنف رحمه الله: (بمرور كلبٍ أسود) هل المراد به هذا الكلبٌ المعهود، أم أنه يطلق على السباع وغيرها؟ A يختص بالكلب المعروف، أما السباع كالأسد والنمر ونحوه فلا يدخل في هذا، وأما في الصيد فإنه يدخل فيه لقوله تعالى: {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ} [المائدة:4]، فوصف الجارحة مع الكَلَب يدل على أنه يجوز أن تُعَلِّم أسداً الصيد وتصيد به، وهكذا لو علمت نمراً أو غيره من السباع العادية؛ لأنه يصدق فيه وصف الجارحة والكلب لكن (ال) في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الكلب) عهدية، فيشمل كلب البادية وكلب الحاضرة. والكلاب التي تكون في البادية للصيد معروفة، وهي صغيرة الحجم، فهذا الذي يقطع الصلاة، فنقول بالعموم في جنس الكلاب، بخلاف الكَلَب فهناك فرق بين الكَلْب والكَلَب، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تسمية الأسد في قوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم سلِّط عليه كلباً من كلابِك) حين دعا على عتبة بن أبي لهب، ثم لما خرج في تجارته إلى الشام قال: إني أخاف دعوة محمد. فكان إذا نام ينام بين أصحابه، فلما كان على تخوم الشام جاء الأسد وافترسه من بين أصحابه. فأخذ العلماء من قوله صلى الله عليه وسلم (. كلباً من كلابك) أنه وصف الأسد بكونه كلباً، فدل على أنه في عرف الشرع قد يُطلق الكلْب ويراد به الأسد أو كل جارح؛ لأنه مأخوذ من الكَلَبِ، وهذا كما نبّه عليه ابن منظور رحمة الله عليه في (لسان العرب) فالصيد يكون بأي نوع من الحيوانات المفترسة من السباع، وقد كان عَدِي يصيد بالسباع على اختلافٍ بالكلاب وغير الكلاب، وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا فقال: إنا قوم نتصيد بهذه الكلاب والبزاة فما يحل لنا منها؟ والباز هو الصقر. فأجاز له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم ينكر عليه. فنقول: بعض العلماء يقول: اسم الكلب عام كما جاء في الصيد، ونقول: الصيد شيء، والكلْب في الصلاة شيءٌ آخر؛ لأنه في الصلاة أمر تعبدي، وفي الصيد من جانب الكلب والقوة، والمقصود تحصيل الرفق بالناس في الصيد. فجاز في الصيد على سبيل العموم رفقاً بالناس، ولذلك يقال هنا بخصوصه في الكلب المعهود دون غيره، والله تعالى أعلم.
حكم دعاء القنوت
حكم دعاء القنوت Q هل دعاء القنوت خاصٌ بالفريضة دون النافلة؟ A نعم. القنوت قنوتان: قنوت فرض، وقنوت نفل. فقنوت الفرض مثل الدعاء في النوازل، فالدعاء في النوازل يُقتصر فيه على الوارد مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك)، وكذلك قوله: (اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)، ثم بعد أن تنتهي من هذا التمجيد الوارد في هذين الخبرين تدعو على من ظَلَم من الكفار، وتدعو بالنصرة للمسلمين، وتقتصر على ذلك لا تزيد، فلو دعا بالاستسقاء كان بدعة، ولو دعا بنجاح الطلاب في الاختبار كان بدعة، وهذا مما يحدث الآن، فبعضهم يدعو بنجاح الطلاب في الاختبار، وبعضهم يدعو بعموم الأدعية، وهذا لا يجوز، فالصلاة لا يجوز فيها الكلام إلا بقدر الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (إن هذه الصلاة لا يصلُح فيها شيء من كلام الناس)، فما ورد في القنوت يُقتَصر عليه، ولذلك قال الإمام أحمد: إن زاد على الوارد حرفاً واحداً فاقطع صلاتك. يعني أنه قد خرج عن كونه مصلياً. ولذلك ينبغي على الإمام أن يحتاط لصلاة الناس فيدعو بالوارد، ويدعو بنصرة المؤمنين بجوامع الدعاء، مثل (اللهم انصر المستضعفين) ونحو ذلك من جوامع الدعاء، ولا داعي للإطالة والخروج عن المعهود والتكلُّف، فلذلك يقتصر على جوامع الدعاء، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم يدعو بالنصرة للمسلمين وهلاك على الكافرين، ثم يختم ويسجد. أما بالنسبة لقنوت النافلة وهو قنوت الوتر فيدعو بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الفضل، لا على سبيل الفرض، فلو دعا بغير هذا الدعاء جاز، ولو زاد على الوارد جاز، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الحسن، والحسن كان صغير السن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان الدعاء لازماً بالقيد لعلمه الصحابة، ولألزم الصحابة بهذا الدعاء في الوتر على سبيل الخصوص، ولأن الوتر رِفقٌ بالناس ليسأل المصلِّي فيه حاجته في ليله فوُسِّعَ على الناس أن يسألوا من حوائج الدنيا والآخرة ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم، والله تعالى أعلم.
بيان الترتيب فيما يكون سترة للمصلي
بيان الترتيب فيما يكون سترة للمصلي Q في الحديث: (فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن لم يكن معه عصا فليخط خطاً)، فهل هذا على الترتيب أم على التخيير؟ A قوله: (إن لم يجد) دليل على الترتيب، وهذا أصل، فإن وردت في الكتاب فهي على الترتيب، ففي كفارة اليمين قال تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ} [المائدة:89]، وفي قراءة ابن مسعود: (متتابعات)، فاشترط في جواز الصيام وإجزائه في كفارة اليمين أن لا تستطيع الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة. وبعض العامة هداهم الله إذا حلف اليمين وحنث ينتقل مباشرة إلى الصوم، وهذا لا يُجزيه لإجماع العلماء على أن كفارة اليمين بالصيام شرطها عدم الوَجْد، أي: عدم القدرة. وهكذا قالوا: لو أن إنساناً وجبت عليه الرقبة في الظهار، أو الجماع في نهار رمضان، أو في القتل فانتقل -وهو قادر على أن يشتري رقبة- إلى صيام شهرين متتابعين لم يُجزِه، فكأنه لم يَصُم ويصبح صومه نافلة؛ لأنه شرط مقيد بنص الشرع: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة:4]، {فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ} [المجادلة:4]، فالذي لم يجد له حكم، والذي لم يستطع له حكم، أما أن ينتقل إلى درجة ما بعد الشرط و {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} [المجادلة:4]، مع القدرة والوَجْد فهذا خارجٌ عن الحد المعتبر. فلما قال: (فإن لم يجد) دلّ على الترتيب لا على التخيير، ولذلك يُبتدأ بالشاخص ثم بالعصا ثم بعد ذلك بالخط كما ورد في الخبر على القول بثبوته، والله تعالى أعلم.
فصل: أركان الصلاة [1]
شرح زاد المستقنع - فصل: أركان الصلاة [1] للصلاة أركان دلت عليها الأدلة من الكتاب والسنة، ومن تركها عمداً بطلت صلاته، ومن تركها سهواً فإن أمكنه أن يعود عاد وأداها، وإن لم يمكنه فإنه يقضي الركعة كاملة، وهي: القيام، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال عن الركوع، والسجود على الأعضاء السبعة، والاعتدال عن السجود، والجلوس بين السجدتين وغيرها.
أركان الصلاة
أركان الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصلٌ أركانها]. ركن الشيء: دعامته وعمدته التي يقوم عليها، وقد دلت النصوص الصحيحة الصريحة في الكتاب والسنة على أركان الصلاة، وهذه الأركان من تركها عامداً بطلت صلاته، ومن تركها ساهياً فإن أمكنه أن يعود إليها عاد وجبرها، وإن لم يمكنه العود إليها فإنه يقضي الركعة كاملة. فمن ترك قراءة الفاتحة عامداً وهو يرى رُكنيتها بطلت صلاته، ولو في ركعةٍ واحدة، ومن تركها ساهياً، كما لو صليتَ فابتدأت الصلاة مباشرة، وقرأت دعاء الاستفتاح، ثم سهوت فقرأت: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1]، فابتدأت بالسورة قبل أن تبدأ بالفاتحة، فلما كنت في أثنائها تنبهت أو ذكّرك من وراءك إن كنت إماماً، فإنك ترجع وتقرأ الفاتحة وتتدارك الركن؛ لأنه يمكن التدارك حيث لم تدخل في ركنٍ بعدي، أما إذا كان لا يمكن التدارك كأن تكون دخلت في الركعة الثانية فتذكَّرت أنك في الركعة الأولى لم تركع أو لم تسجد، وقمت إلى الركعة الثانية فإنه حينئذٍ يلزمك قضاء الركعة الأولى، على تفصيل في كونك تلغي الركعة وتلفِّق، أو تبني الصلاة وتعيد الركعة من موضعها؟
الأدلة من السنة على أركان الصلاة
الأدلة من السنة على أركان الصلاة الأركان هي أهم شيءٍ في الصلاة، والأصل فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالساً ذات يومٍ مع أصحابه في المسجد، فدخل رجلٌ فصلَّى واستعجل في صلاته، فلم يحسن ركوعه ولا سجوده ولا جلوسه، فلما فرَغ من الصلاة قَدِم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالسٌ مع أصحابه، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعليك السلام ارجع فصل فإنك لم تصلّ)، فرجع الرجل وصلى كحاله أولاً، ثم أتاه فسلم فرد عليه، فقال: (ارجع فصلّ؛ فإنك لم تصلّ)، فلما كانت الثالثة قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر واقرأ بما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي وتطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها). فهذا الحديث بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فيه الأركان التي لا تصح الصلاة إلا بها، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: (فإنك لم تصلّ)، فيكون بيانه هنا بياناً للأركان، ولذلك ذكر غير واحدٍ من أهل العلم رحمةُ الله عليهم أن حديث أبي هريرة هذا الذي يسميه العلماء: (حديثُ المسيء صلاته) قد جمع التنبيه على أركان الصلاة، فلذلك اعتنى علماء الإسلام رحمهم الله بهذه الكلمة، وهي مصطلح الأركان والواجبات والسنن. وهذه المصطلحات ليست ببدع كما يظن بعض من ليس عنده إلمام بالعلم وضبطه، فيظن أن هذه أمور محدثة، فيقول: من أين جاءنا الركن أو الواجب أو السنة؟ فإنا نظرنا في الشرع فوجدناه تارةً يقول: إذا فات هذا الشيء بطلت الصلاة، أو: يجب قضاء الركعة، ووجدناه تارةً يبين أن الشيء الذي فات يمكن جبره بالسجود، ووجدناه يُرخِّص في ترك شيءٍ، فعلمنا أن أعمال الصلاة ثلاثة أشياء: شيءٌ تبطل الصلاة بعدم وجوده، وشيءٌ يمكن جبره بالسجود، وشيءٌ يُتسامح فيه فلو تركه الإنسان ولو متعمداً صحت صلاته. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى ركعتين ثم سلمّ -كما في قصة ذي اليدين- فقال له ذو اليدين: يا رسول الله! أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن. فقال: بلى. قد كان بعض ذلك. فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فرجع فصلى ركعتين)؛ وكان قد قام من مصلاه كما في الصحيح، قال الراوي: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين وسلم. فدل هذا على أن الأركان لا تُجبر إلا بالفعل وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتبر السهو موجباً لإسقاط الركن، بل تعتبر الركعة بمثابة الركن في الصلاة الجامع للأركان، فهي أصل في الصلاة، فكما أن الظهر قائمة على أربع ركعات كذلك كل ركعة قائمةً على أركانها. ثم وجدنا النبي صلى الله عليه وسلم تفوته أشياء من أفعال الصلاة ويجبرها بالسجود، فقد صلى عليه الصلاة والسلام إحدى صلاتي العشي، فسجد السجدة الثانية من الركعة الثانية ولم يجلس للتشهد، بل استوى واعتدل قائماً، فلما كبر سبح له الصحابة ليعود إلى جلسة التشهد، فأشار إليهم بيديه من وراء ظهره أن: قوموا. أي: إني لستُ براجعٍ وقد لَزِمَكم الركن البعدي الذي هو القيام للركعة الثالثة، فقام الصحابة، فأتم بهم الركعتين ثم سجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فهنا فات شيء من أفعال الصلاة، ولكنه اعتبره مجبوراً بالسهو، فعلمنا أن مرتبة هذه الأفعال دون مرتبة الأفعال التي قبلها. وكذلك أيضاً وجدناه عليه الصلاة والسلام يرى بعض الأقوال في الصلاة لازمة. وبعضها غير لازمة، فقال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فلم يعتد بالصلاة ولم يعتبرها عند عدم وجود الفاتحة، ووجدناه يسامح في ترك دعاء الاستفتاح، فقد قال له أبو هريرة: (يا رسول الله! بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي). فقد ثبت قطعاً أن الصحابة لم يعلموا ما الذي يقول، فلو كان هذا الدعاء حتماً كالفاتحة لألزَمهم به وعلّمهم إياه، فدل على أن هناك أموراً تلزم في الصلاة وأموراً لا تلزم، ولذلك قلنا: إن مثل هذا سنة. فأصبحت القسمة عندنا بتتبع واستقراء الشرع تنقسم إلى هذه الثلاثة الأقسام، فوجدنا ما هو ركنٌ وما هو واجبٌ وما هو سنةٌ. فلو قال قائلٌ: إن هذا بدعة نقول: إن الأسماء في ظاهرها بدعة -أي: لا نعرفها في القديم- ولكنها في الحقيقة موجودةٌ في حكم الشرع، ولا مشاحةً في الاصطلاح أن تسمي الشيء بأي اسم ما دام أن الشرع قد ترك لك التسمية والحكم موجود. فإنك لو قلتَ: جميع أقوال الصلاة وجميع ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لازم لتناقضت النصوص، ولو قلتَ: إن جميع ما قاله النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصلاة ليس بلازم لتناقضت النصوص. فإذاً لا بد من التفريق بين اللازم وغير اللازم، وذلك هو مصطلح العلماء بالأركان والواجبات والسنن. وقوله: [فصلٌ] يبين دقته رحمه الله تعالى، حيث ذكر صفة الصلاة كاملة، ثم جاء يبين ما الذي يَلزَم وما الذي لا يَلزَم، ثم الذي يَلزَم منه ما هو ركنٌ تتوقف الصلاة عليه، ومنها ما ليس بركنٍ وهو الواجب الذي لا تتوقف صحة الصلاة عليه، بحيث لو تركه الإنسان سهواً أمكنه أن يجبره بسجود السهو. فابتدأ رحمه الله بالأركان، اعتناءً بالأهم، وهذا من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى؛ لأن أهم ما في الصلاة أركانها، ولذلك ابتدأ، فقال: [أركانها]. والضمير عائدٌ إلى الصلاة.
الركن الأول: القيام
الركن الأول: القيام قال رحمه الله تعالى: [أركانها: القيام]. القيام ضد القعود، يقال: قَام إذا انْتَصَب عوده، أي: استَتَم. وقوله: [القيام]، أي: أول ركنٌ من أركان الصلاة القيام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، وقال تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). هذه النصوص دلت على وجوب القيام ولزومه على سبيل الركنية والفرض، ولذلك ذهب إلى هذا الحكم جماهير أهل العلم رحمةُ الله عليهم، لكنهم قالوا: الصلاة لا تخلو من حالتين: إما أن تكون فريضة أو نافلة، فإن كانت فريضةً وصلى جالساً مع القدرة على القيام بطلت صلاته؛ لأنه لم يُصلِّ كما أمره الله بالقيام، لكن لو كان في نفلٍ صحَّ له أن يصلي جالساً لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، وهذا إنما هو في النفل. والظاهرية حملوا قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) على الفريضة بالنسبة للمعذور، وقولهم مردود؛ لأننا لو حملنا هذا الحديث على الفريضة بالنسبة للمعذور لردت نصوص الشريعة التي تدل على أن كل مريضٍ ومعذورٍ أجره كامل كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً)، فحينئذٍ بتناقض النصوص، فدلّ هذا الحديث على صرف عموم الحديث الذي معنا عن ظاهره، وأن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم) النافلة دون الفريضة، ووجدنا أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في السفر يُصلِّي على دابته غير المكتوبة. ومن هنا قلنا: إنه يجوز في النفل ما لا يجوز في الفرض، بدليل أنه في السفر يصلي على الدابة حيثما توجهت، وهذا في النافلة دون الفريضة. وعليه فيلزمك القيام لصحة الصلاة المفروضة، لكن بشرط أن توجد القدرة، وذلك لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وقوله سبحانه: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فالعاجز عن القيام معذور. وقد أثبت المصنف أن القيام مع القدرة ركن. وأما ضابط القيام فقالوا: الضابط في القيام أن لا تصل كفَّاك إلى ركبتيك، فلو انحنيت بحيث تصل الكفان إلى الركبتين فقد خرجت عن كونك قائماً إلى كونك راكعاً ومنحنياً. ويتفرع على هذا مسائل: المسألة الأولى: لو أن إنساناً يكون جالساً فيكبر الإمام تكبيرة الإحرام، فيقوم فيستعجل فيكبر تكبيرة الإحرام قبل أن يستتم قيامه، فلا تنعقد تكبيرة الإحرام؛ لأن من شروط انعقادها أن يكون قائماً كما أمر الله عز وجل، فإذا كان أثناء قيامه وانتصابه رفع يديه وكبّر ولم يستتم، بحيث أمكن لليدين أن تنال الركبتين، وهو الانحناء المؤثِّر، فهذا لا يُعتد بتكبيره؛ لأن هذا الركن -وهو تكبيرة الإحرام- يُشترط فيه أن يكون في حال القيام، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر). فدل على أن القيام يسبق التكبير، ومن فعل هذا الفعل فقد سبق تكبيره القيام، فلم يصلِّ كما أمره الله. المسألة الثانية: المعذور الذي لا يستطيع القيام يصلي قاعداً، وهيئة القعود تختلف، فبعض الأحيان لا يستطيع أن يصلي قاعداً إلا على علو ونَشَز، كأن يجلس على دكةً أو سرير أو كرسي، فهذا الجلوس ينبغي أن يُفَصَّل فيه، فإن كان قادراً على القيام في تكبيرة الإحرام، فلا يأتي ويجلس مباشرة ويكبر، وإنما يكبر قائماً؛ لأنه بإمكانه أن يكبر في حال القيام، ثم يجلس إذا كان يشق عليه أن يقوم، وإن كان يمتنع أو يصعب عليه أن يقوم، كالحال في المشلول، فإنه يكبر وهو جالس، أما إذا كان يمكنه أن يقف فإنه يقف ويجعل الكرسي وراءه ولا حرج، فإن أدركته المشقة رجع فجلس، كما هي القاعدة في الفقه أن الضرورة تقدر بقدرها، ويتفرع عنها أن ما أبيح للحاجة يُقَدَّر بقدْرِها. فلما كانت ضرورته أن القيام يشق عليه نقول: كبِّر قائماً ثم اجلس. لكن لما كانت الضرورة أن يتعذر عليه القيام قلنا: كبِّر جالساً ولا حرج. فهذا له قدره وهذا له قدره، فيُنَبَّه الناس؛ لأنك قد ترى الرجل يكبر وهو جالس مع أنه يستطيع أن يقف، وقد يقف ويتناول الكرسي ويخرج به وهو حاملٌ له، فمثل هذا لا يُرَخَّص له أن يؤدي الركن وهو تكبيرة الإحرام في حال قعوده، فهذا يُنَبَّه عليه، فإن تعذر عليه القيام قلنا: يجلس. وهذا الجلوس جلوسان: جلوس على هيئة شرعيةٍ، وجلوس على غير الهيئة الشرعية. فجلوس الهيئة الشرعية كأن يجلس الإنسان متربعاً أو مفترشاً أو متورِّكاً، ووجه كونها شرعية أنها جلسة اعتبرها الشرع للتشهد وللجلسة بين السجدتين، فإذا كان جلوسه على هذه الهيئة فحينئذٍ لا إشكال عليه لو جلس بهذه الصفة. لكن الإشكال إذا جلس الجلسة الثانية، وهي غير الهيئة الشرعية، كأن يجلس على سريرٍ أو كرسي، فإنه بجلوسه على السرير والكرسي في حال القيام يُعذَر، لكن عند التشهد لا يكون ملاصقاً للأرض، ومقصود الشرع أنك عند التشهد أو بين السجدتين تكون قريباً من الأرض، فحينئذٍ يكون ارتفاعه على الأرض خلاف ما ورد في الشرع من كونه ملتصقاً بالأرض. قال العلماء: إن تَعذَّر عليه أن يجلس انتقل بالانفصال هذا لكونه متصلاً بالأرض عن طريق الكرسي، فكان في حكم الجالس، وأبيح له أن يصلي على هذه الهيئة، أما لو كان بإمكانه أن ينزل ويجلس جلسة المفترش، أو جلسة المتربِّع فإنه يلزمه ذلك ولا يجلس على كرسيّ ونَشَز؛ لأنه يفوِّت صفة الصلاة. وفي جلوسه متربعاً أو مفترشاً وجهان للعلماء، وأشار إلى ذلك الطبري وابن المنذر في الأوسط. فقال بعض العلماء -وهو مأثور عن بعض الصحابة-: يجلس جلسة التشهد. وهذا أقوى، وذلك لأنها هيئة أقرب لهيئة الصلاة. وقال بعضهم: يجلس متربعاً لأنه أَرفق. وهذا مأثور عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. والأمر واسع فإن كان الأرفق له أن يجلس متربعاً جلس، وإن كان على جلسة المتشهد جلس، لكن ينبغي أن يُنَبَّه على إعانته على السجود؛ فإن جلوسه كجلسة المتشهد أبلغ في إعانته على السجود من هيئته إذا كان على هيئة المتربِّع؛ لأنه عند التربع يحتاج إلى كلفة حتى يتمكن من السجود. ودليلنا على الترخيص أن يصلي جالساً ما ثبت في حديث عمران رضي الله عنه وأرضاه، فقد كان عمران مبتلى بالبواسير، فشكى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب)، فوسَّع النبي صلى الله عليه وسلم للمعذور؛ لأن من به بواسير فإنه يشق عليه في هيئات الصلاة أن يقوم، ولربما أضرَّه القيام، ولذلك رخَّص له صلوات الله وسلامه عليه، فدلّ على التوسعة في حال وجود العذر، وأنه عند وجود الرُّخصة والعذر لا حرج، وقد قال تعالى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة:286]:.
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام
الركن الثاني: تكبيرة الإحرام قال رحمه الله تعالى: [والتحريمة]. المراد بالتحريمة تكبيرة الإحرام، فالركن الأول: القيام مع القدرة، والركن الثاني: تكبيرة الإحرام. فبعض العلماء يختصر ويقول: التحريمة. ومراده تكبيرة الإحرام. ووُصِفت بكونها تحريمه أو تكبيرة إحرام لأن المكلف إذا جاء بها دخل في حُرُمات الصلاة، ولا يمكن أن يُحكم بكونه مصلياً إلا بعد إتيانه بها. والتكبير للدخول في الصلاة يُعتَبر ركناً من أركان الصلاة، والدليل على ركنيته قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيحين للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، فأمره بالتكبير. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر تكبيرة الإحرام في أكثر من ستين حديثاً عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك بلغ مبلغ التواتر. وأما إلزام المكلف بها بحيث لو لم يأت بها لم تصح صلاته فلقوله عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فقوله في هذا الحديث: (تحريمها التكبير)، أي أن دخول المكلف في حرمات الصلاة يتوقف على شيءٍ وهو تكبيرة الإحرام. فإن وُجِد هذا الشيء حكمت بكونه مصلياً وقد دخل في الحرمات، وإن لم يوجد حكمت بكونه غير مصلٍ، ولذلك قالوا: هي ركن من أركان الصلاة. وتكبيرة الإحرام للعلماء -رحمهم الله- فيها ثلاثة أوجه: الوجه الأول: أن تكبيرة الإحرام لا تنعقد إلا بلفظ: (الله أكبر) بخصوصه، كما هو مسلك المالكية والحنابلة من حيث الجملة. الوجه الثاني: يصح للمكلف أن يقول: (الله أكبر) وما اشتُق من هذا اللفظ، كأن تقول: (الله كبير)، وتنعقد تحريمته، وهو قول الشافعية. الوجه الثالث: يصح للمكلف أن يدخل في الصلاة بكل لفظ دال على التعظيم، فإن قال: (الله العظيم) أو (الله الجليل) صح ذلك وأجزأه واعتبر داخلاً في حرمات الصلاة، وهو قول الحنفية. والصحيح أنه لا بد من قول المكلف: (الله أكبر)، وأنه لو غيَّر في هذه الصيغة ولو بالذكر العام فإنها لا تنعقد تحريمته ولا يعتبر داخلاً في حرمات الصلاة. فإن كان القيام ركناً فلا تصح تكبيرة الإحرام إلا بعد أن يستتم المكلف قائماً، وإن كان القيام موسعاً فيه كصلاة النافلة فيصح أن يكبر وهو جالسٌ تكبيرة الإحرام، ويصح أن يكبر أثناء قيامه، ويصح أن يكبر بعد أن يستتم قائماً. وبناءً على هذا فإن من الأخطاء التي يفعلها بعض الناس في الصلاة المفروضة أن تُقَام الصلاة فيستعجل الشخص في القيام، فقبل أن يستتم قائماً يكون قد كبَّر. فلا ينعقد تكبيره إلا بعد ثبوت القيام، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، فجعل التكبير مرتباً على القيام، ولذلك لا بد من سبق القيام للتكبير، ولا يصح أن يُكبِّر قبل أن يستتم قائماً، فتلازم القيام والتكبير.
الركن الثالث: قراءة سورة الفاتحة
الركن الثالث: قراءة سورة الفاتحة قال رحمه الله تعالى: [والفاتحة]. هذا هو الركن الثالث، أي: قراءة سورة الفاتحة. وهذا الركن دليل لزومه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج) أي: ناقصة. وهذان الحديثان صحيحان ثابتان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن صلَّى ولم يقرأ الفاتحة فإن صلاته لا تصح. وفي قراءة الفاتحة مسائل: المسألة الأولى: أن قراءة الفاتحة لازمة، وأنها ركن من أركان الصلاة لظاهر السنة. وهذا الركن يجب في الصلاة في كل ركعة، ولا يختص بجزء منها؛ لأن العلماء اختلفوا، فمنهم من يقول: من قرأ الفاتحة في ركعة صحت صلاته، ولو تركها في بقية الركعات. وقال الإمام مالك رحمه الله -في إحدى الروايات عنه-: لو ترك الفاتحة في ركعة من رباعية صحت صلاته. والصحيح أنه لا بد من قراءتها في كل ركعة، وذلك لدليلين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، الثاني: قوله تعالى في الحديث القدسي: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل ... ) الحديث، فذكر القراءة وهي واقعة في الركعة، فصح أن يصدق على الركعة أنها صلاة، وأن جزء الصلاة الذي هو الركعة يُعتبر صلاةً، لأن الذين قالوا: يجوز أن تقرأ الفاتحة في ركعة وتجزيك، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيما صلاة لا يقرأ فيها)، وأنت قد قرأت. فيقولون: يصح أن تقرأها في ركعة، ويصح أن تقرأها في ركعتين، وتقتصر على هذا. والصحيح أنه لا بد من قراءتها في كل ركعة، ويقوي هذا حديث المسيء صلاته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره بالقيام والقراءة في الركعة الأولى ووصفها قال له بعد القراءة: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع) ثم ذكر السجود، ثم قال له بعد السجدة الثانية: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها)، فدل على أن هذا الموصوف الذي ذكره وألزم فيه بالقراءة في الأولى أنه يسري حكمه إلى غيره كما هو ثابت فيه، وبناءً على ذلك يُلزَم المكلَّف بقراءة الفاتحة في كل ركعة. وكان بعض العلماء يقول: إن الأخريين من صلاة الظهر لا يُقرأ فيهما، والصحيح أنه يُقرأ، وكانوا يقولون: إنه يرخص للمكلف أن يترك الفاتحة فيهما، واحتجوا بما أُثر عن ابن عباس وعمر رضي الله عنهما أنهما رخصا في ترك الفاتحة، كما روى ذلك مالك عن عمر في الموطأ. والصحيح أن الحجة في السنة، ويعتذر لـ عمر -إن ثبت عنه، وإن كان الأثر عنه غريباً- بأنه لم يبلغه الحديث، والصحيح ما ذكرناه لظاهر السنة، وهو الذي يجب على المكلف التزامه في كل ركعة. المسألة الثانية: قراءة الفاتحة للمنفرد والإمام والمأموم: أما المنفرد والإمام فنلزمهما قراءة الفاتحة وجهاً واحداً. وأما المأموم فللعلماء فيه أقوال: فبعض أهل العلم رحمة الله عليهم يرون أن المأموم يَحْمِل الإمام عنه قراءة الفاتحة، فمذهب الحنفية وإحدى الروايات عن الإمام مالك أنه إذا قرأ الإمام -خاصة في الجهرية- سقط عن المأموم قراءة الفاتحة، ولزمه الإنصات والاستماع. والصحيح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ووافقهم الظاهرية وبعض أهل الحديث أنه يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة وراء إمامه، وذلك لأمور: أولها: أن الحديث الذي دل على وجوب الفاتحة ولزومها عام شامل لحال المنفرد والمأموم، ولا مخصص له. ثانيها: أنه ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى بالناس الفجر فارتج عليه، فقال: (إنكم تقرءون خلف إمامكم! قالوا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فإن هذا نص عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على أن المأموم ملزم بالقراءة وراء الإمام، فإن قوله: (إلا بفاتحة الكتاب) استثناء، والقاعدة في الأصول أن الاستثناء إخراجٌ لبعض ما يتناوله اللفظ، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب، وقال: (فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، أي: بفاتحة الكتاب افعلوا. فألزم النبي صلى الله عليه وسلم بقراءتها وراء الإمام، فدل على أن المأموم وراء الإمام يلزمه أن يقرأ الفاتحة. وأما من قال بعدم لزومها فاحتج بحديث جابر: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا الحديث ضعفه جماهير أهل الحديث، والضعف فيه من القوة بمكان، وقد نبه على ذلك الحافظ ابن حجر وغيره، لكن هناك من أهل العلم من حسن الحديث، وحَسّن إسناده لشواهد. فعلى القول بتحسين هذا الحديث قالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) يدل على سقوط الفاتحة. وهذا الحديث يُجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) المراد به قراءة الإمام التي يختارها بعد الفاتحة، ولذلك نسبها إليه، أي: لو أن الإمام قال: (ولا الضالين) وقلت: آمين، ثم قرأ: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، فلا تقرأها، فقراءة الإمام بـ (سبِّح) لك قراءة، فكأنك قد قرأتها. فيكون قوله صلى الله عليه وسلم: (فقراءة الإمام له قراءة) أي: فيما كان من غير الفاتحة، وهذا هو الذي ورد فيه الحديث. الوجه الثاني: أن من قال: إن هذا الحديث متأخر عن حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب). يجاب عنه بأنه ليس هناك دليل صحيح يدل على تأخر هذا عن تاريخ الذي قبله، وقد تقرر في الأصول أن ادعاء النسخ ليس بحجة؛ لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، فلو قال أحد: إن هذا الحديث متأخر عن الذي قبله لا يُقبل قوله حتى يأتي بالدليل على تأخره، وأنه قد وقع بعده لكي يكون ناسخاً. ولذلك فالأحاديث التي تدل على وجوب قراءة الفاتحة على العموم، لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وكذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) كلها نصوص صحيحة تدل على أنك إذا كنت وراء الإمام فإن قراءة الفاتحة تلزمك. وهذه الركنية شاملة للمنفرد وللإمام وللمأموم، ويستوي في هذا أن تكون الصلاة جهرية أو سرية، فأما الجهرية فقراءة الفاتحة بالنسبة لك ركن، واستماعك لقراءة الإمام لما بعد الفاتحة أعلى درجاته أنه واجب على القول بظاهر الآية: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا} [الأعراف:204]، فنقول: إنه قد تعارض الركن والواجب فيقدم الركن على الواجب. ولو أن قائلاً قال: إن إثبات الركنية إنما هو بالاجتهاد. فلو سُلِّم هذا جدلاً فإننا نقول: هب أنهما واجبان، واجب متصل وواجب منفصل، والقاعدة أنه إذا تعارض الواجب المتصل بعبادة المكلف مع الواجب المنفصل فإن الواجب المتصل الذي أُمِر به إلزاماً يقدم على ما انفصل عنه على سبيل المتابعة للإمام. وقوله: [الفاتحة] يخالفه فيه بعض العلماء فيقول: قراءة الفاتحة. وهذا أدق، فالتعبير بالقراءة إسقاط لما في السِّر، فلا يجزئ الإنسان أن يقفل فمه؛ لأن بعض الناس يكبر تكبيرة الإحرام ويقفل فمه فتجده كالصامت وهو يقرأ في داخل نفسه، فهذه القراءة لا تجزيه، ولا تصح منه حتى ينطق، وقالوا: يُسمِع نفسه. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ) والقراءة إنما تكون باللفظ، وأما ما كان في النفس فليس بقراءة ولا في حكم القراءة. المسألة الثالثة: إذا ثبت أن المأموم مأمور بقراءة الفاتحة فإنه يستثنى من هذا إذا أدرك الإمام راكعاً، فإنه تسقط عنه الفاتحة لظاهر حديث أبي بكرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، وهذا نص، وبناءً على هذين الحديثين نقول: إن هذا استثناء لهذه الحالة بعينها، فمن أدرك الإمام راكعاً سقطت عنه الفاتحة؛ لأنه لم يُدرِك وقتاً يمكنه فيه القيام بركنها. أما إذا أدركه قبل الركوع فحينئذ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يدرك وقتاً يتسنى له أن يقرأ فيه الفاتحة فيقصِّر أو يشتغل بدعاء الاستفتاح، فحينئذٍ يلزمه قضاء الركعة إن لم يقرأ الفاتحة، لأنه كان بإمكانه أن يقرأ. الضرب الثاني: أما لو أدرك وقتاً لا يمكن معه قراءة الفاتحة، فبمجرد أن كبَّر وقبض يديه وشرع في الفاتحة كبَّر الإمام للركوع، فتسقط عنه الفاتحة؛ لأنه لم يدرك وقتاً يُلزَم في مثله بالقراءة. المسألة الرابعة: الأصل وجوب قراءة الفاتحة باللفظ، ويستثنى المريض الذي تكون في لسانه عاهة، ولا يمكنه التحريك، فإنه يجزيه أن يقرأ في نفسه؛ لأن التكليف شرطه الإمكان، وهذا ليس بإمكانه أن يقرأ إلا على هذا الوجه، فسقط عنه اللفظ وتحريك اللسان وبقي على الأصل. وفي حكم هذا من كان في لسانه جراح بحيث يصعب عليه، أو يتألم عند تحريك اللسان، فإنه يجزيه لو أطبق الشفتين وقرأ في نفسه، وتصح منه القراءة ويعتد بها.
الركن الرابع: الركوع
الركن الرابع: الركوع قال رحمه الله تعالى: [والركوع]. الركن الرابع الركوع، ودليل ركنيته قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، فقوله تعالى: (اركعوا) أمر، ودلت السنة على ثبوت ذلك ولزومه، كما قال عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (ثم اركع حتى تطمئن راكعاً)، فدل على لزوم الركوع، وأنه ركن في الصلاة، والركوع يتحقق بوصول اليد إلى الركبة، فإذا وصل الكف إلى الركبة فقد ركع. وبناءً على ذلك لو انحنى فلم تصل الكف إلى ركبته فإنه لا يعتبر راكعاً ولا يجزيه ذلك، ولو انحنى فوصلت كفاه إلى ركبتيه ولكنه لم يهصر ظهره فإنه حينئذ يُجزيه الركوع وفاتته السنة؛ لأن السنة أن يهصر ظهره، كما جاء في حديث عائشة: (ثم هصر ظهره)، فإذا هصر الظهر واعتدل الظهر فهذه مرتبة الكمال، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فإن حصل منه قدر الإجزاء -وهو بلوغ الكفين إلى الركبتين- صح ركوعه، ولكن فاته الكمال، فإن وُجِد عذرٌ من مرض أو ضيق مكان كتب له أجر السنة كاملاً لوجود العذر. فمن كان مريضاً على وجهٍ لا يتسنى له أن يركع، فحينئذٍ يُجزيه أن ينحني بالقدر الذي يصل إليه على حالةٍ لا يشق عليه فيها، أو لا يبلغ فيها بنفسه درجة المشقة، فإذا انحنى بهذا القدر من الانحناء الذي يستطيعه ويطيقه فقد أجزأه وانعقد ركوعه، ويستثنى من كمال الانحناء لانعقاد هذا الركن. كذلك يستثنى من ركنية الركوع أن يكون الإنسان على دابته في السفر ويصلي النافلة، فإن الركوع يعتبر ركناً، بمعنى أنه يُطلب فعلُه، ولكنه ركن باعتبار، فينحني ويكون انحناؤه أقل من انحناء السجود، أما انحناء السجود فإنه يكون أبلغ، فينحني انحناءً بقدر، فإذا حصل هذا الانحناء صدق عليه أنه ركع وأجزأه وتحقق الركن من صلاته النافلة.
الركن الخامس: الاعتدال من الركوع
الركن الخامس: الاعتدال من الركوع قال رحمه الله تعالى: [والاعتدال عنه]. الركن الخامس الاعتدال عن الركوع، والاعتدال: هو الذي لا اعوجاج فيه. فلما كان المكلَّف في حال الركوع ينحني ظهره، فإنه يخرج عن هذا الركن إلى الركن الذي بعده بوجود الاعتدال، والاعتدال: هو أن يستتم قائماً. ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان إذا رفع رأسه من الركوع اعتدل حتى يرجع كل فقار إلى موضعه)، والمراد بقوله: (كل فقار) أي: فقرات الظهر؛ لأن ظهر الإنسان فيه فقرات، فإذا انحنى تباعد ما بين الفقرات، لكنه إذا اعتدل كأنها رجعت إلى حالتها الطبيعية، وهذا الحديث يدل على هديه في الاعتدال. أما كون الاعتدال ركناً فدليله قوله صلى الله عليه وسلم: (ثم ارفع -أي: من الركوع- حتى تعتدل قائماً)، فإذا حصل الاعتدال قائماً أجزأه وتحقق الركن، لكنه لو رفع من الركوع وقبل أن يستتم قائماً انحنى ساجداً أو خرَّ ساجداً فإنه لا يُجزيه ولا يصح منه ذلك، وإذا لم يتداركه وجب عليه قضاء الركعة، فإن لم يقضها بطلت صلاته؛ لأنه لا بد من ركن الاعتدال، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده)، فلا بد من أن يستتم قائماً، فلو أنه قال: (سمع الله لمن حمده) ولم يستتم قائماً وبادر بالسجود فإنه حينئذ يُحكم بأنه لم يقم صلبه. ويستثنى من هذا الذي لا يستطيع أن يستتم قائماً كالمريض، أو الشيخ الهرم إذا كان منحني الظهر، فإن ركوعه يكون بالقدر، ويكون رفعه من الركوع على القدر الذي يستطيع تحصيله في حال قيامه.
الركن السادس: السجود على الأعضاء السبعة
الركن السادس: السجود على الأعضاء السبعة قال رحمه الله تعالى: [والسجود على الأعضاء السبعة]. من أركان الصلاة أن تسجد على الأعضاء السبعة. أما دليل ركنية السجود فقوله سبحانه وتعالى في آية الحج: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} [الحج:77]، فإن قوله سبحانه وتعالى: (اسجدوا) أمر، والأمر يدل على اللزوم والوجوب. وقال عليه الصلاة والسلام للمسيء صلاته: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً)، فدل على أن السجود ركن من أركان الصلاة. ويتحقق السجود على الكمال في كونه على الأعضاء السبعة، وقد بيّنا ذلك، وبينا دليله من حديث ابن عباس الثابت في الصحيح: (أمرت أن أسجد على سبعة آراب)، أو: (على سبعة أعظم)، كما في الرواية الثانية. فإذا سجد فكان سجوده على الأعضاء السبعة فإنه تم ركنه، وأجزأه بمماسة الأرض، ثم يبقى شرط الطمأنينة الذي يأتي ذكره. ويُستثنى من هذا من كان مريضاً بحيث لا يمكنه الهوي للسجود ولا السجود، حتى ولو كان يخشى ضرراً بعضو أو نفس، كمن أجريت له عملية في عينه، فإنه قد يُمنع من السجود خشية ذهاب البصر، فأصح الأقوال -وهو قول جماهير السلف رحمة الله عليهم والعلماء- أنه يُرخص للإنسان إذا خاف على بصره بطب ونحوه أن يترك السجود. وشدَّد في ذلك بعض السلف ومنهم ابن عباس، رضي الله عنهما، فقد قال العلماء عن ابن عباس إن سبب إصابته بالعمى أنه كان مريضاً في عينه، فنصحه الطبيب أن لا يسجد، فلم يرض ابن عباس بذلك وسجد فكُفّ بصره رضي الله عنه. وإن كان الذي ذكره غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم أن ابن عباس ابتلِي بذهاب البصر لأنه قل أن يرى أحدٌ الملائكة إلا عمي بصره، وكان ابن عباس قد رأى الملائكة -كما جاء في الحديث الصحيح- لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم هو وأبوه العباس، فلما دخل سلّم العباس فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه إذ كان مشغولاً بالوحي، وكان جبريل عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فسلّم وكرر السلام فلم يرد عليه فانصرف العباس وفي نفسه شيء، وخاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجِد عليه، فلما انصرف علم عبد الله من أبيه ما علم، فقال: يا أبتِ! إنه قد شغل بمن معه، وكان قد رأى جبريل، فلما قال ذلك رجع العباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره، فقال صلى الله عليه وسلم: (هل رأيته يا عبد الله؟ قال: نعم. قال: ذاك جبريل)، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو كان معي بصري لأريتكم الغار الذي نزلت منه الملائكة يوم بدر) أي: يوم القتال، وقد ذكر عن بعض الصحابة ومن غير الصحابة أنهم رأوا الملائكة فكُفّت أبصارهم، فيقولون: إن هذه سنة كونية من الله عز وجل أنه لا يبقى له البصر لقوة ما رآه. ولكن هذا قد يستثنى منه الأنبياء ونحوهم مما أُعطوا بإقدار الله عز وجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى جبريل على حقيقته. والمقصود أن هناك من العلماء من يقول: إن ابن عباس كان مذهبه أنه يشدد في ذلك، حتى إنه حين نهاه الطبيب خشية أن يكف البصر لم يرخص لنفسه. ولهذا قال بعض العلماء: إن الخوف على العضو أو الخوف من الزيادة في المرض لا يرخِّص به في السجود. والصحيح أنه يرخص به، فمن كان قد تعاطى علاجاً أو عملية جراحية في صلبه أو ظهره، وخُشِي أنه لو سجد يتضرر أو يذهب عضو من أعضائه فإنه يُرخَّص له في ترك السجود، ولا حرج عليه أن يسجد بالقدر الذي يصل إليه. فإن صلّى على مرتفع أو نشز كالكرسي ونحوه فسجوده أخفض من ركوعه، بمعنى أن يكون انحناؤه أبلغ ما يكون في السجود، ويكون الركوع أرفع منه قليلاً، وهذا إذا كان على نشز، أما لو كان على الأرض كأن يجلس جلسة التشهد، فإن سجوده أن ينحني إلى القدر الذي يستطيع تحصيله دون ضرر، فإذا بلغ هذا القدر فإنه يُعتبر ساجداً، لكن ينبغي أن يُنبه على كيفية السجود، فبعض الناس يكون مريضاً ولا يستطيع السجود، فتجده إذا سجد وضع كفيه على فخذيه وانحنى، وهذا لا يصح، بل ينبغي أن ينزل الكفين إلى الأرض، لأنه مأمور بالسجود على السبعة الآراب (الأعضاء)، فكونه عاجزاً عن إيصال الجبهة أو الرأس إلى الأرض لا يُوجِب ذلك الترخيص بترك مماسة اليدين للأرض؛ لأن القاعدة أن الضرورة تقدر بقدرها، فضرورته أن لا يصل رأسه إلى الأرض، والزائد على الضرورة من كونه يترخص بسحب اليد ووضعها على الفخذ لا موجب له، فيبقى على الأصل الموجب لتحصيل السجود به.
الركن السابع: الاعتدال من السجود
الركن السابع: الاعتدال من السجود قال رحمه الله تعالى: [والاعتدال عنه]. أي: الاعتدال عن السجود، والمراد بذلك أن يحصِّل القَعْدة وذلك بالرفع من السجود، فإذا اعتدل من السجود حصل الركن، وهذا الاعتدال أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء صلاته فقال له: (ثم ارفع حتى تستوي جالساً)، فدل على ركنية هذا الرفع من السجود وأنه يُلزم به، وقد ذكره في موضعين: في السجدة الأولى وفي السجدة الثانية، فقال: (حتى تستوي جالساً)، وقال: (ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)، فدل على ركنين: الركن الأول: الرفع من السجود أو الاعتدال عنه. والركن الثاني: الجلسة بين السجدتين.
الركن الثامن: الجلوس بين السجدتين
الركن الثامن: الجلوس بين السجدتين قال رحمه الله تعالى: [والجلوس بين السجدتين]. من دقة المصنف وتحرِّيه وفقهه جعل الاعتدال من السجود والجلوس بين السجدتين ركنين، وليس ركناً واحداً؛ لأن هناك فرقاً بين الجلوس بين السجدتين والاعتدال من السجود؛ لأن الاعتدال يقع بالجلوس ويقع أيضاً بعد الجلوس، كما لو سجد السجدة الثانية، فمن دقة المصنف أن قال: (الاعتدال عنه)، حتى يشمل ما بعد السجدة الثانية. ويكون والجلوس بين السجدتين ركن منفصل؛ لأنه يختص بما بين السجدتين، فلو قال: [الاعتدال عنه] وسكت، فإنه لا يتضمن ذلك الجلسة بين السجدتين، ولو قال: [الجلوس بين السجدتين] وسكت، فإن هذا لا يشمل الرفع بعد السجدة الثانية، ومن هنا كان من فقهه رحمة الله عليه أن جعلهما ركنين، وهذا هو الصحيح، ولذلك تعقُّب بعض الشراح على المصنف رحمه الله ليس في محله، بل من دقته أن هذا ركن وهذا ركن؛ لأنك لو قلت: (الجلسة بين السجدتين) فحسب لم تنبه على ركن الرفع من السجدة الثانية، فإن الرفع من السجدة الثانية ليس فيه جلوس بين السجدتين كما هو معلوم، ولو قلت: (الرفع من السجود) فحسب فإن الرفع من السجود مطلق لا يستلزم جلوسك بين السجدتين؛ لأن من رفع ولم يجلس صدُق عليه أنه قد حصل الركن. والجلوس بين السجدتين يتحقق بحصول الجلسة، والجلسة بين السجدتين تكون بالافتراش بأن يرفع الإنسان رأسه حتى يستوي جالساً وتحصل له طمأنينة الجالس، لكن لو أنه رفع من السجود وقبل أن يستوي جالساً كبّر للسجدة الثانية فإنه لا يجزيه، ولم يتحقق ركن الجلوس بين السجدتين، فيلزمه أن يرجع مرة ثانية ويستقر جالساً؛ لأنه قال: [والجلوس بين السجدتين] وهذا لم يجلس. ويتحقق الجلوس بالتصاق الإلية بالعقب، أو إذا فرش رجله اليمنى للإليتين، فإذا حصل هذا فقد جلس، لكن لو أنه قبل أن يرجع وتصل الإلية إلى العقب قال: الله أكبر. لم يصح ذلك ولم يُجزه، ويلزمه أن يعيد الجلوس بين السجدتين، وتُلغى السجدة الثانية التي سجدها، ويسجد لها سجود الزيادة.
فصل: أركان الصلاة [2]
شرح زاد المستقنع - فصل: أركان الصلاة [2] من أركان الصلاة: الطمأنينة في جميع أركان الصلاة وهيئاتها، والتشهد الأخير والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه، والترتيب بين أركان الصلاة، والتسليم، وبه يخرج المصلي من صلاته.
تابع أركان الصلاة
تابع أركان الصلاة
الركن التاسع: الطمأنينة في الصلاة
الركن التاسع: الطمأنينة في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [والطمأنينة في الكل]. الطمأنينة: هي الوقت الكافي الذي يصدق به تحصيل الركن، ففي القيام لا إشكال أنه سيقرأ الفاتحة فيحصِّل الطمأنينة المعتبرة، فإن وقت قراءة الفاتحة قدرٌ للطمأنينة. لكن بحث العلماء في الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع من الركوع والرفع من السجود. أولها: إذا ركع، لأنه في القيام سينشغل بالقراءة، فلو ركع فإن الواجب عليه تسبيحة واحدة، فإذا ركع ثم رفع مباشرة ولو قال: (سبحان ربي العظيم) اختطافاً فإنه حينئذ لا يُجزيه هذا الركوع؛ لأنه لم يطمئن، وهذا هو الذي وقع من المسيء صلاته، وهو الذي من أجله نبهه النبي صلى الله عليه وسلم على صفة الصلاة؛ لأن هذا الرجل -كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة - صلى ولم يحسن الصلاة، والمراد بعدم إحسانه الصلاة استعجاله فيها. فالطمأنينة إذا ركع أن ينتهي إلى الركوع الكامل، فإذا انتهى إلى الركوع الكامل يقول: (سبحان ربي العظيم)، وقدر قوله: (سبحان ربي العظيم) يعتبر تحصيلاً للطمأنينة، فلو أنه خطف الكلام، أو أنه ركع ونسي أن يقول: (سبحان ربي العظيم) ورفع مباشرة، فإنه في هذه الحالة يبطل ركوعه، ويلزمه أن يعيده، فيقول: (الله أكبر)، راكعاً، ويقول: (سبحان ربي العظيم)، ويُحصِّل قدر الطمأنينة ثم يرفع، ويبقى ما بين الركنين من كونه ركع ورفع لاغياً؛ لأنه ركوع لم يَعتَد به الشرع، فيسجد له السجود البعدي المتعلق بالزيادة.
الركن العاشر: التشهد الأخير
الركن العاشر: التشهد الأخير قال رحمه الله تعالى: [والتشهد الأخير]. التشهد تشهدان إذا كانت الصلاة رباعية أو ثلاثية، أما إذا كانت ثنائية، أو كانت وتراً فالتشهد واحد، فإذا قالوا: التشهد الأخير. فالمراد به الذي يحصل بعده السلام. وهذا التشهد يعتبر ركناً من أركان الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد الإنسان للتشهد. فلو أن إنساناً سجد السجدة الثانية من الركعة الثانية ثم مباشرة سلَّم فإنه يُحكم ببطلان صلاته، فلا بد من التشهد. والمراد بقوله: [التشهد] أي: اللفظ الذي هو ذكر التشهد، والأحاديث الواردة فيه وهي حديث ابن مسعود، وحديث عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن عباس، وحديث عمر بن الخطاب وأبي سعيد الخدري رضي الله عن الجميع. والركن في التشهد الأخير ينتهي عند قولك: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)، فلو أن مصلِّياً قرأ (التحيات لله) حتى بلغ قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) واحتاج أن يقطع الصلاة فسلَّم صَحَّت صلاته؛ لأن الزائد ليس بركن، فما بعد التشهد من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء ليس بركن على أصح أقوال العلماء. وبناءً على ذلك لو وقف عند آخر جملة من التشهد -أي: عند قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) - وسمع أمر خطيراً أو أمراً أفزعه فأراد أن يُدركه فسلم صحت صلاته وأجزأته.
الركن الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير
الركن الحادي عشر: الجلوس للتشهد الأخير قال رحمه الله تعالى: [وجلسته]. أي: من أركان الصلاة الجلوس للتشهد الأخير، فلو قرأ التشهد الأخير وهو واقف فإنه لا يُعتَد بقراءته إلا أن يكون معذوراً، أو قرأ التشهد الأخير قبل أن يستتم جالساً، كما لو رفع من السجدة الأخيرة وانحنى فلم يستتم جالساً وقرأ التشهد بسرعة وسلم فإنه لا يجزيه، فلا بد من أن يستتم جالساً ويقرأ التشهد بكماله إلى القدر الذي ذكرنا، ثم بعد ذلك إن سلَّم لحاجة فحينئذٍ تصح صلاته وتعتبر.
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير
الركن الثاني عشر: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير قال رحمه الله تعالى: [والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه]. الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركن على هذا القول، والحقيقة أنه ليس هناك دليل قوي على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، بل هي سنة ثابتة ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُشك في هذا، لكن القول بأنها ركن لو تُركت تبطل بها الصلاة ليس عليه دليل صريح. واحتج من يقول بركنيتها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56] وهذا عام، ومثل هذا لا يصلح حجة على الإلزام، ولو قلنا بأنه يصح حجة لقلنا: غاية الأمر أن يكون واجباً لا ركناً؛ لأن الركنية توجب بطلان الصلاة. والأمر الثاني: أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم جاءت أشبه ما تكون من أجل الدعاء، ولذلك شرعت الأدعية أن يكون فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة أشرف مواضع الدعاء، فهي مناسبة من أجل الدعاء. فإذا كان الأصل ليس بواجب فمن باب أولى ما يُقصد له، فإن الدعاء نفسه ليس بواجب، وبناءً على هذا يكون ما شُرِع له ليس بواجب من باب أولى وأحرى. ولذلك ليس هناك حديث أو آية تدل صراحة على كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ركناً في الصلاة. واحتجوا أيضاً بحديث كعب بن عجرة رضي الله عنه في تعليمه صلى الله عليه وسلم الصحابة الصلاة عليه بقوله: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) قالوا: هذا أمر، ويدل على ركنية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة. ويجاب عنه بأنه مبني على بيان، وذلك أن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم، والسؤال معادٌ في الجواب، فيكون قوله: (قولوا) من باب البيان. ألا ترى لو أن إنساناً قال لعالم: كيف أصلي ركعتين نافلة؟ فقال له: قم وافعل كذا وكذا وكذا، فإننا لا نقول: إن هذا لازم عليه. وإنما يكون من باب البيان المرتب على السؤال الذي لا يقتضي الإلزام، وإنما يكون إلزاماً أن يقول عليه الصلاة والسلام: إذا صليتم فصلوا علي. وأيضاً فإن حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي فيه التعليم لصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه دليل على تخصيصه بالصلاة. وبناءً على ذلك فإننا لو سلمنا أن دلالة: (قولوا) للوجوب، فإننا نقول: إن هذا على سبيل العموم، ومسألتنا على سبيل الخصوص، وإذا كان الدليل أعم من موضع النزاع فإنه لا يقوى على إفادة المراد. وبناءً على هذا، فالذي يترجح -والعلم عند الله- أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليست بركن، بمعنى أن من تركها لا تبطل صلاته، ولكن لا شك أن الأكمل والأحرى والأولى بالمصلي أن لا يسلم إلا وقد صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم.
الركن الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة
الركن الثالث عشر: الترتيب بين أركان الصلاة قال رحمه الله تعالى: [والترتيب]. الترتيب: مأخوذ من رتّب الشيء على الشيء إذا جعله عليه، بمعنى أن وجود الثاني بعد الأول، والثالث بعد الثاني. ومراد المصنف بالترتيب هنا أن يُوقِع هذه الأركان مرتبة على الصورة التي وردت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك فإن المكلَّف لو فعَل جميع هذه الأركان بأن جاء وكبَّر، فلما قام ركع مباشرة، وبعد الركوع رفع من الركوع وقرأ الفاتحة، فإنك إذا نظرت إلى الصلاة وجدت الأركان جميعها موجودة، لكنها ليست مرتَّبة على الصفة التي وردت في السنة، فنقول: هذا غير معتبر، فالركن ومحل الركن لا بد منه، ودليلنا على الإلزام بالترتيب قوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع) الحديث. فالعطف بـ (ثم) يفيد الترتيب، وقد وقع هذا العطف بين هذه الأركان، فدل على أنه لا يصح إيقاع بعضها سابقاً على بعض.
الركن الرابع عشر: التسليم
الركن الرابع عشر: التسليم قال رحمه الله تعالى: [والتسليم]. التسليم وهو الركن الأخير، والمراد بذلك أن يقول: السلام عليكم، وهذا أقل قدر يصح به التسليم. فلو أن مصلياً قال: (السلام عليكم) تسليمةً واحدة، فإنه يُجزيه وتتم صلاته. وهناك صفات أُخرى في التسليم، منها: الصفة الأولى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله. الصفة الثانية وهي المشهورة: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله. الصفة الثالثة: السلام عليكم ورحمة الله (عن اليمين) السلام عليكم (عن اليسار). الصفة الرابعة: السلام عليكم عن اليمين فقط. وهذه أربع صفات من فعل واحدة منها فإنه قد خرج من صلاته. وقوله: [التسليم] المراد به التسليمة الأولى، فلو أنه سلَّم التسليمة الأولى ثم أحدث فإن صلاته تصح وتجزيه، ولو أنه سلم التسليمة الأولى فمرت بين يديه امرأة قبل أن يسلم التسليمة الثانية فإن صلاته صحيحه؛ لأن التسليم قد حصل بالأولى، والثانية تعتبر سنةً وليست بواجبة. أما دليلنا على أن التسليم ركن فقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وفائدة كونك تجعل التسليم ركناً تظهر عند حصول الموجِب لبطلان الصلاة قبل التسليم. فلو أن إنساناً تشهد وقبل أن يسلِّم انتقض وضوؤه فإنه حينئذٍ تبطل صلاته؛ لأنه بقي ركن من أركانها، وهكذا لو أنه صلى وفي التشهد مرت امرأة، أو مر حمار أو كلب -أكرمكم الله-، فعلى القول بأن هؤلاء يقطعون الصلاة فإننا نحكم بأن صلاته قد بطلت؛ إذ لا بد من وقوع التسليم قبل وجود المُخِل، فما دام أن التسليم ركن فإن الصلاة لا تصح. وقد خالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، فإنه يرى جواز الخروج من الصلاة بصنعة، فلو أن إنساناً التفت وقصد بهذا الالتفات الخروج فإنه يخرج من صلاته، وهكذا لو صنع أي شيء يُخِل بالصلاة قاصداً به الخروج من الصلاة فإنه يجزيه ويعتبر خارجاً من الصلاة. والصحيح أن الخروج من الصلاة عند تمامها، أو قبل تمامها -كأن تُقام الصلاة وأنت في الركعة الأولى وتريد أن تخرج منها- أن تخرج بالتسليم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، ولم يفصِّل صلى الله عليه وسلم بين كمالها وبين نقصانها. فلو قال قائل: قوله صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم) المراد به أن يكون بعد تمام الصلاة. قلنا: هذا تخصيص بدون دليل يدل على التخصيص، بل إن ظاهر الحديث في سياقه يدل على أن التسليم مطلق، وذلك أن قوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها) يدل على أنك قد دخلت في الحرمات، وأن هذا الخروج من الحرمات يفتقر إلى شيءٍ تخرج به، فقال: (وتحليلها التسليم)، فالمقابلة تقتضي الملازمة، بمعنى أنك إذا دخلت في الحرمات لا تخرج من هذه الحرمات إلا بتسليم. ومن الفروق بين قولنا: يخرج بتسليم، وقولنا: يخرج بدون تسليم أنك لو كنت ترى أن التسليم معتبر للخروج من الصلاة، فكبَّرت وقرأت الفاتحة وقرأت السورة فأُقِيمت الصلاة، وغلب على ظنك أن الصلاة ستفوتك لو استمررت في هذه النافلة، فأردت قطع هذه الصلاة فقطعتها بفعلٍ ولم تقطعها بتسليم فحينئذٍ لا أجر لك فيما مضى؛ لأنك أبطلت الصلاة بهذا الفعل؛ لأنه فعل غير شرعي، وخرجت به عن كونك مصلياً، لكن لو سلّمت معتداً بالأصل الشرعي، بأن دخلت بالتكبير وخرجت بالتسليم فإنه يكتب لك أجرها، وهذا إذا كنت ترى أن التسليم لازم. وأما الحنفية فيرون أنه يجوز له أن يخرج بصنعة، ويقولون: إذا أقيمت الصلاة فله أن يلتفت، وله مباشرة أن ينوي القطع في قلبه ويُكبِّر للفريضة، فلو قال: (الله أكبر) تكبيرة الإحرام الثانية تنعقد الفريضة؛ لأنه قد قطع النافلة بنيته. وهذا ضعيف مخالف لظاهر العموم؛ لأن الخروج من الصلاة جمع الشرع فيه بين الظاهر والباطن، فخروجه بمجرد نيته إنما هو خروج بالجزء؛ لأن الشرع في الصلاة المعهودة أن تخرج بالفعل الذي هو التسليم، أي: القول والفعل. فقولهم: نيته كافية في الخروج إنما هو اجتزاء ببعض المطلوب مع أن الشرع اعتبر للخروج من هذه العبادة دلالة الظاهر، فلا وجه للاقتصار على دلالة الباطن وهي النية. ولذلك يقوى مسلك الجماهير أنه لا بد من التسليم.
الأسئلة
الأسئلة
مواطن قراءة الفاتحة للمؤتم
مواطن قراءة الفاتحة للمؤتم Q متى يقرأ المكلَّف الفاتحة خلف الإمام، خاصة إذا لم يترك له الإمام فرصة للقراءة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن قراءة الفاتحة وراء الإمام تكون في السكتات، كسكوت الإمام ما بين قراءة الفاتحة وقراءة السورة، وقد جاء هذا عن سعيد بن المسيب، وهذا الأثر وإن كان مرسلاً فإنه يدل على أن أقل درجاته أنه كان معهوداً عند السلف الصالح رحمة الله عليهم، ومعلوم مكانة سعيد بن المسيب، فهو قريب إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان يقال: إن المدينة إلى عهد مالك لم تدخلها بدعة. فكيف بعهد سعيد بن المسيب الذي كان من أقرَب الناس إلى عهد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم?! ولذلك يسكت الإمام هذه السكتة، وهي من فعل السلف، ويعطي للمأموم مجالاً أن يقرأ، فإذا أمكنته قراءتها فالحمد لله، وإذا لم يمكنه أن فليقرأها يستمر، ولو استمر الإمام في قراءته؛ لأننا قلنا: يتشاغل بالركن عن الواجب، على القول بوجوب الإنصات لقراءة الإمام. ولذلك أمر بها أبو هريرة، فقد روى البيهقي عنه بالسند الصحيح في جزء القراءة خلف الإمام أنه أمر بها، وقال: (حتى ولو قرأ الإمام). ولذلك فإنه يقرأ الفاتحة ولو لم يعطه الإمام مجالاً لقراءتها؛ لانشغاله بما هو ركن تنعقد به الصلاة ولا تصح بدونه، والله تعالى أعلم.
قراءة القرآن
قراءة القرآن Q ما حكم قراءة الفاتحة للمأموم خلف إمامه في صلاة النفل؟ A الحكم في ركنية الفاتحة شامل للفرض والنفل؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُفصِّل في الصلوات، ولم يفرِّق بين حال الائتمام والانفراد والإمامة، فيبقى هذا العموم على ظاهره، ويُلزم المكلف بالقراءة على كل وجه، سواءٌ أكان في فريضة أم نافلةٍ، ولا وجه للتخصيص لعدم ثبوت دليل يخصص، والله تعالى أعلم.
بم تدرك الركعة؟
بم تدرك الركعة؟ Q مصلٍ كبَّر تكبيرة الإحرام وانتهى منها في الركوع أو في أثناء الركوع، فهل تجزيه؟ A إذا جئت متأخراً والإمام راكع، فكبّرت، ثم رفع الإمام، أو كبرت وأثناء التكبير رفع الإمام، فهذه المسألة على صورتين: الصورة الأولى: أن تُكبِّر لركوعك وتنتهي من التكبير بكماله، أي: بعد انتهائك من حرف (الراء) من قولك: (أكبر) قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) فأنت مدرك للركوع، وأيضاً قبل أن يتلفظ الإمام بـ (السين) من: (سمع الله لمن حمده)، ولو رأيته بالفعل؛ لأن العبرة بالقول وليس بالفعل، وبناءً على ذلك فلو رأيته تحرك ثم مباشرة أدركت التكبير وكبّرت، فإنه يجزيك وتُعتبر مدركاً للركوع وتسقط عنك الركعة. الصورة الثانية: أن يرفع الإمام، أو أن يُسمِّع الإمام في أثناء تكبيرك أو قبل تكبيرك، فحينئذٍ لا تُعتبر مدركاً للركوع، فإذا قلت: (الله أكبر) وما بين لفظ الجلالة وأكبر قال: (سمع الله)، فحينئذٍ تتم تكبيرك وتبقى قائماً، فقد أدركت ركن القيام ولم تدرك ركن الركوع. وبناءً على هذا يلزمك أن تقضي هذه الركعة لعدم إدراكك لركوعها، والله تعالى أعلم.
انتظار الإمام الداخل إلى الصلاة أثناء الركوع
انتظار الإمام الداخل إلى الصلاة أثناء الركوع Q هل للإمام إذا كان راكعاً أن ينتظر الداخل إلى المسجد لإدراك الركعة؟ A هذه المسألة اختلف فيها السلف رحمة الله عليهم، فكان بعض العلماء يقول: إذا ركع الإمام وسمع رجلاً يدُّب إلى الصف فإنه لا ينتظره؛ لأن الصلاة لله وليست للناس؛ لأنه إذا انتظره وأطال القيام أساء من وجوه: أولها: أنه قصد الداخل ولم يقصد العبادة، وبناءً على ذلك قالوا: هذا يُخِل في قصده ونيته، والمساجد لله وليست للناس. ثانيها: أنه يشق على الجماعة من أجل الفرد، والأصل تقديم ضرر العامة على ضرر الخاصة، فإن إطالة الركوع مشقة لمن ركع وهم الجماعة، وكونه يرفع من الركوع مشقة على المنفرد وهو المسبوق، فقالوا: إنه يلزمه أن يعتد بركوعه المعتاد، فإن بلغ القدر الذي في مثله يرفع رفع. وقالت طائفة من العلماء بالتفصيل: فإن كان يشق الانتظار على المأمومين فلا ينتظر، كالمساجد الكبيرة التي يكون فيها فسحة والمكان بعيد بين بابها وبين آخر الصفوف؛ لأنه إذا انتظر شق على المأمومين، وأما إذا كان لا يشق عليهم فإنه ينتظر، وذلك لعموم الأوامر، ولثبوت السنة بما يشهد بهذا، فقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كان يصلي في الظهر حتى لا يُسمع قرع نعال)، والمراد بذلك إطالته للقيام لكي يدرك المأمومون الصلاة. وقالوا مجيبين عن الأولين: أما قولكم: فإنه يطيل من أجل الناس فإن الصورة ليست مقصودة، وإنما المقصود معنى الصورة، فإنه لما أطال ليس لذاك الرجل، بدليل أنه لا يعرف من الداخل، وإنما أطال تحصيلاً للقربة، فكان ثواباً للجماعة وثواباً للداخل، فالمأمومون يحصلون الخير فيسبحون أكثر، وتطول صلاتهم، وليس هناك مشقة. فقالوا: إنما أطال تحصيلاً للقربة؛ لأنه إذا أطال كان أعظم لأجرهم وعوناً للمكلف أن يدرك الفضل، فليس ثمّ إخلال. ومن هنا نفهم عبارة بعض العلماء الذين يقولون بهذا القول، قالوا: فإن كان الذي دخل يعرفه أنه من ذوي الشرف أو ذوي الجاه حرُم عليه. وقال بعض العلماء: تبطل صلاته إن كان قصد مثل هذا الرجل، أي أنَّ قصده بإطالة الركوع هو مُدَاهنة هذا الرجل أو محبته أو تأليفه، أو نحو ذلك مما ليس بمقصد شرعي. والمقصود أن أصح الأقوال أنه إذا كان لا يشق على المأمومين ونية الإمام صالحة فلا حرج لظاهر السنة في حديث الظهر، ولعموم الأدلة التي دلَّت على معونة الناس في تحصيل الخير، والله تعالى أعلم.
حكم صلاة راتبة العشاء خلف من يصلي التراويح
حكم صلاة راتبة العشاء خلف من يصلي التراويح Q إذا كان المأموم خلف إمامه في صلاة التراويح، فهل له في ركعتين منها أن ينوي سنة العشاء؟ A لا حرج على المأموم أن ينوي الراتبة (سنة العشاء) مع الإمام في صلاة التراويح، وكان بعض العلماء يستحب غير هذا فيقول: أستحب أن يدخل وراء الإمام بنية التراويح ولا يقلبها راتبة، حتى إذا انتهى من الوتر صلى ركعتين؛ لأنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (صلى ركعتين بعد الوتر). قالوا: لأنه إذا فعل هذا فقد حصَّل فضل قوله صلى الله عليه وسلم (من قام مع إمامه حتى ينصرف ... ) الحديث. قالوا: لأن الركعتين الأوليين من التراويح إنما هي من القيام، أي: من إحياء الليل، فلو نوى بها راتبة العشاء خرج عن كونه مقتدياً بالإمام لاختلاف النيتين. والأولون يقولون: يدخل بنية الراتبة من أجل قوله صلى الله عليه وسلم: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، قالوا: لأنه سيحتاج بعد هذا أن يشفع بعد الوتر فيفوته هذا الفضل. والذي تميل إليه النفس أن لا ينوي، وإنما يصلي حتى يُوتِر، ثم بعد الوتر يصلي ركعتين؛ لثبوت فعل النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) على سبيل الاختيار، وهذا لا اختيار له لمكان ضيق الوقت، والله تعالى أعلم.
توجيه إشكال في قراءة الفاتحة للمؤتم
توجيه إشكال في قراءة الفاتحة للمؤتم Q أشكلت عليَّ حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، فقد قرأت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ما لي أنازع ... ) الحديث. فقال أبو هريرة: فانتهى الناس عن القراءة والفاتحة أيضاً. فما قولكم في هذا الإشكال؟ A هذا يحتاج إلى نظر، فـ أبو هريرة بنفسه أمر بها، وقد روى ذلك عنه البيهقي في جزء (القراءة خلف الإمام) بالسند الصحيح، فأين ثبت قوله: (والفاتحة أيضاً) بهذا اللفظ؟ إلا إذا كان السائل فهمه من قوله: (فانتهى الإمام عن القراءة وراء الإمام). فـ أبو هريرة رضي الله عنه أخبر أنهم كانوا يقرءون، فإذا قرأ الإمام مثلاً: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] فالناس خلفه يقرءون: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]؛ لأنهم كانوا يرون أن الإمامة تقتضي المشاركة، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الجزء الزائد، ولذلك قال: (فقراءة الإمام). لأن الإمام يختار في هذا الموضع، لكن الفاتحة ليس باختياره، وإنما هي قراءة للكل. فقوله: (فقراءة الإمام له قراءة) أي: ما يختاره من السور ويعيِّنه فهو له قراءة. أي: تجزئ المأمومَ. ولو فرض غير هذا فإن حديث:: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص على قراءة الفاتحة صراحة، وقول أبي هريرة (فانتهى الناس) متردد بين ما ذكرناه فهو محتمل، فالتشريع للأمة في قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وكون الناس انتهوا أو لم ينتهوا هو جزء الحكاية، ولا يعتبر حجة. ثم إن أبا هريرة نفسه بيَّن أنه تلزم قراءة الفاتحة، فلا يُعقل أنه يروي أن الناس انتهوا عن القراءة، ثم يروي إلزاماً المأموم بقراءة الفاتحة إلا ومراده ما زاد عن الفاتحة وليس الفاتحة نفسها. فهذا أمر ينبغي التنبه له، ولذلك أوصي طالب العلم بالتحفظ، خاصة في حكاية سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فبعض الأحيان قد تجد في بعض فتاوى العلماء، أو قد تجد في كتبهم أنهم حينما يصفون شيئاً على هدي النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: من السنة كذا وكذا. ويكون ذلك من السنة المفهومة، وليس بالصريح، فينبغي أن يفرق بين حكاية النص، وبين فهم مدلول النص، فالفهم شيء والنص شيء آخر. فإذا جئت تحكي شيئاً عن السنة وتثبته، بمعنى أن تقول: وكان كذا وكذا، أو قال أبو هريرة كذا وكذا، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فينبغي أن تتقيد فيه باللفظ ولا تراعي فيه ما ترى، ولا تراعي فيه المذهب؛ لأن هذا أمانة لا بد فيه من الحيطة والحذر، خاصة طلاب العلم، ولذلك ما رأيت شيئاً يَكمُل به طالب العلم في فقهه وفهمه وفتواه وقضاءه وحكمه بعد توفيق الله عز وجل مثل الأمانة والتحفظ. فلتتحفظ في فهمك، ولا تتجاوز في فهم الشيء أكثر مما دل عليه النص، ولا تتجاوز في بيان ما دلَّت عليه النصوص. فكونك ترى شيئاً فتأتي وتقول: السنة كذا وكذا. بمعنى أنك تحكي السنة، وتقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، أو: فعل كذا وكذا، وأنت تفهم الشيء فتحكيه قولاً، أو تحكيه سنة، فهذا أمر من الصعوبة بمكان، إلا في حالة واحدة رخص فيها العلماء، وهي بيان الهدي الذي يكون على سبيل السياق، مثل أن يحكي الإنسان صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل العموم، لكن يحتاط في المواضع. ولذلك كان من دقة العلماء المتقدمين أنهم يقولون: وكان من هديه عليه الصلاة السلام كذا وكذا. فيذكرون الهدي المنصوص عليه، فإذا جاءوا إلى مواضع الخلاف، لا يقولون: وكان من هديه كذا وكذا. وإن كان الواحد منهم يرى أنه من الهدي، لكن يقولون: وقال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا. فيكون القول محتمل الوجهين، فلا تجد أحدهم ينص صراحة بناءً على مذهبه، أو يقول: وكان من هديه كذا وكذا على أصح قولي العلماء لقوله عليه الصلاة والسلام كذا وكذا. وهذا موجود خاصة عند المتقدمين، وهذا من الورع والتحفظ. وهذا على خلاف حالنا اليوم، فإنك تجد الرجل إذا رأى قولاً أو رأياً، أو اعتبر قولاً فهو يرى أنه السنة التي لا جدال فيها، وقد تكون هذه السنة بنصوص محتمِلة، وقد تكون بأحاديث ضعيفة حُسِّنت بالشواهد والاعتبار، فيأتي ويحكم بكونها السنة الثابتة التي لا تقبل نقاشاً، وأن دلالتها صريحة لا تحتمِل قولاً ثانياً، فلا يجوز أبداً أن إنساناً يحكي ما ليس صريحاً على وجه الصراحة، ويحكي المحتمِل على وجه غير محتمِل، فهذا ليس من الأمانة؛ لأن العلم أمانة وتحفُّظ. فعلى الإنسان أن ينقل العلم للناس مثل ما هو عليه لا يزيد فيه بفهمه ولا ينقص منه برأيه، وهذه هي الأمانة، ومن فعل ذلك بارك الله له في علمه، وغالباً لن تجد طالب علم يتحفظ، ويتقيد في أخذه للعلم وفهمه، وإفهام الناس وبيان الفتوى لهم إلا وَجدت الله عز وجل قد وضع له القبول في فتاويه وفي علمه. لأنه من الصعوبة بمكان أن يترجَّح عندي قول في مسألة فيها حديث محتمِل، وهناك نصوص أخرى عارضته، فآتي وأغرس في نفوس طلاب العلم أن هذه هي السنة وحدها، فيصبح كل من خالفه من أهل العلم كأنه مرتكب لما خالف السنة، فهذا لا ينبغي، إنما ينبغي أن أقول: ترجح، أو ظهر لي، أو: هذا هو السنة على ما ظهر، أو: على أصح أقوال العلماء، أو: هناك قول آخر لقوله تعالى، أو لقوله عليه الصلاة والسلام، أو: لكن الصحيح كذا وكذا. فإذا رأيت من خالفك تعلم أن عنده سنة وأن عنده حجة فلا تبالغ في الإنكار عليه، ولا تستعجل في استهجانه، وقد يكون الحق معه، وكان السلف يقولون: (قولنا صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب)، وهذا في النصوص المحتمِلة، ولذلك لا ينبغي للإنسان أن يجاوز دلالة النصوص، بل ينبغي عليه أن يتقيَّد، فالشيء المحتمِل يقول عنه: محتمِل. فهذه فائدة عارضة، وأوصي بها طلاب العلم كثيراً، خاصة في هذا الزمن الأخير، ولذلك كان الوالد رحمة الله عليه كثيراً ما يوصيني ويقول لي: أي علم تستطيع أن تأخذه من الأوائل فابدأ به؛ لأنه ليس من السائغ أن يبدأ الإنسان بعلمه من الأواخر. ولا يعني هذا هجران العلماء الموجودين، إنما المراد أن تلتزم بمنهج الأوائل وطريقة سلفك الصالح رحمة الله عليهم، فكنت كثيراً ما أرجع إلى كتب الأولين، فأجد المسألة تُعرض بشيءٍ من الأمانة والتحفظ، ووالله إن بعض العبارات في الفتاوى وفي الشروحات تلمس فيها من العالم من خلال كلامه خوفه من الله عز وجل، وتلمس ورعه وتحفظه وصيانته. ولذلك لو جئت تجمع فتاوى المتقدمين قد تجدها لا تتجاوز جزءاً واحداً، فتجد السؤال وجوابه بكل تحفظ وحذر من الزيادة عما دلت عليه النصوص الشرعية، وهذا هو العلم، فمن سلك هذا المسلك فقد علم وفهم. ولكن إذا جئت اليوم إلى إنسان في مسألة تريد أن يبين لك فيها حكماً قال لك: هذه مسألة خلافية سبق الكلام فيها بين العلماء، ويكتب رسالة، أو يجيب عن سؤال فتجده يبيِّن لك المسألة ويبين لك دليلها، وقد يكون هذا الدليل حديثاً اختلف في إسناده، أو يكون دليلاً صحيحاً ثابتاً في الكتاب والسنة ولكن دلالته محتمِلة، فيأتي ويذكر الحديث، فلا ينتهي منه حتى يقول: قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر:7]، ويملي عليك خطبة في حجية السنة، بمعنى: إن خالفتني فقد خالفت السنة، وإن تركت قولي فأنت على غير محجَّتي، وعلى هلاك. وهذا لا ينبغي؛ لأنك إذا أصبحت تحجر الناس كلهم على رأيك وفهمك، فإنك ستأتي إلى الأقوال المخالفة وتستهجن آراء العلماء، وتبالغ في ذم الرجال، وتعتبر شيخك هو الوحيد الذي ينبغي قبول السنة منه، وأنه إن خرج أحد عن الذي في كتاب فلان فليس من أهل السنة والجماعة، ويصل بك الأمر إلى أنك تجد أقوالاً للسلف الصالح رحمة الله عليهم -إذ الخلاف قديم وموجود بين أئمة العلم- فتحتقر هذه الأقوال وهي لأئمة وعلماء، وقد يكون الذي رجّحه مشايخك من أقوال الشذاذ والأفراد، فتأتي وتقول: سبحان الله! جماهير أهل العلم خالفوا السنة! إي نعم لا تعتد بالرجال إنما اعتد بالدليل. وقد تجد أقوال أفراد من التابعين أو الصحابة نُسيت وتركت، وأصبح العمل في القرون كلها على قول انتشر وذاع، فهل أصبحت هذه الأمة كلها على ضلالة، وهي أمة معروفة بالعلم والورع والصلاح والإخلاص لله عز وجل، أفكل هؤلاء ما أصابوا الجادة?! فهذا أمر يحتاج إلى تَنبُّه، فإنك تجد بعض طلاب العلم اليوم يفرحون ببعض الأقوال المنفردة، فبعض طلاب العلم قد يفرح عندما يجد أن هذا القول لا يقول به إلا الأفراد، وهذا موجود وملموس في طلاب العلم، ولذلك ينبغي التأنِّي والتريُّث وأخذ العلم عن أهله، والتحفظ في ضبط العلم وتحريره، فإذا قال لك العالم: هذا القول هو الصواب، وظهر لي منه كذا فعليك أن تفتش وتنقب؛ إذ ليس قوله هو الغابة، وليس هو النهاية، فقد سبقه رجال فحول وأرباب في العلم، وأناس لهم فهمهم وعلمهم وورعهم وقدمهم الراسخة، فينبغي الرجوع إليهم والاعتداد بأقوالهم، والتنبه لكون الأمر مجمعاً عليه أم أن فيه خلاف، وهل الدلالة مسلمة أم لا. فكثير من الطلاب يغتر بمثل هذا، إذ يأتيني طالب علم قرأ رسالة ما لمتأخر وهو مقتنع اقتناعاً كاملاً أن الحق في هذه الرسالة، وكأن صاحبها هو المعصوم؛ لأن أسلوب الرسالة يحمل هذا الطالب على أنه لا يحيد عنها؛ لأن صاحبها ابتدأها بالسنة وأهمية السنة وحجية السنة، وكأنه يقول: إنني قد أصبتها فإياك أن تحيد عنها. وهو وإن أصاب شيئاً لكنه محتمل، فليس هذا من الأمانة، فينبغي التحفظ والصيانة، خاصة في المسائل الخلافية. فإذا جاء الطالب قلت له: هذا القول الذي تقوله يستدل بحديث كذا وكذا، وهذا الحديث دلالته مختلف فيها حتى بين الأصوليين؛ لأن دلالته معارضة بما هو أقوى منها، أو هذا الحديث ضعيف، وتحسينه قول لبعض العلماء، وهناك حديث أصح منه، فتجد الطالب مقتنعاً اقتناعاً كاملاًلا يرضي أن يتركه. وفي بعض الأحيان نجد الطالب لا يحفظ
حكم صلاة الجالس القادر على القيام
حكم صلاة الجالس القادر على القيام Q بعض النساء -هداهن الله- يعملن في البيوت طوال الوقت، فإذا جاء وقت الصلاة صلَّين وهنّ جالسات بحجة أنهن متعبات لا يستطعن القيام، فما حكم هذا، وما هو توجيهكم لهؤلاء النسوة؟ A إذا كانت الصلاة فريضة وصلّت المرأة جالسة وهي قادرة على القيام، فعليها أن تعيد صلاتها، ولو جلست مائة سنة بهذهِ الحال لا تجزيها الصلاة، وينبغي عليها أن تعيد صلواتها مدة حياتها إذا لم يكن ثم عذرٌ؛ لأنها لم تصلِّ كما أمرها الله، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسيء صلاته أن يرجع ويصلي لفوات ركن الطمأنينة، فكيف بركن القيام، ولذلك يلزمهن الإعادة لهذه الصلوات. وأما إذا كان التعب عُذْراً بيِّناً، كما يكون في بعض النساء الحوامل، وقد تكون بعض النساء ضعيفة البنية، فيحصل لها إرهاق شديد، خاصة مع شدة السهر أو نحوها، وتخشى السقوط في صلاتها، أوتخشى الضرر فلا حرج أن تصلي جالسة، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهكذا إذا كانت مريضة كما ذكرنا. أما الترَخُّص والتوسُّع في هذا فإنه يوجب بطلان الصلاة، والله تعالى أعلم، لكن ينبغي أن يُنصَح الرجال بالتخفيف على النساء، حتى لا يضطررن إلى ذلك، فالحكمة تقتضي تخفيف أعباء البيوت حتى لا تصبح معونة على تركهن لفريضة الله عز وجل.
حكم تقييد الصلاة على الراحلة
حكم تقييد الصلاة على الراحلة Q هل الصلاة على الراحلة مقيَّدةٌ بصلاة الوتر كما ثبت في الحديث الصحيح، أم أنها مطلقة في جميع صلاة النفل بما فيها السنن والرواتب؟ A صيغة السؤال تفيد أنه ورد حديث يقول: (لا تصلوا النافلة في السفر إلا إذا كانت وتراً على الدابة). وهذا لم يرد، ولهذا فلينتبه طالب العلم، وليحذر من الكلمات في التعبير، فينبغي أن تنتبه لمنطوق اللفظ ودلالة المفهوم؛ لأنك غداً ستكون المعلم والمربي والمفتي والقاضي، فينتبه الإنسان في العبارات، ولتكن عنده دقة، ولا يُحمِّل النصوص في دلالتها ما لا تحتمل، فانتبه رحمك الله وقل: هل هي مقيدة بالوتر، أو ليست مقيدة بالوتر؟ أمَّا النصوص فهي تدل على العموم، كما في حديث ابن عمر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ إيماء صلاة الليل إلا الفرائض)، وهذا في الصحيح. وكما في حديث أنس، حيث يقول ابن سيرين: (خرجنا فاستقبلناه بعين التمر، فلقيناه يصلي على حماره ووجهه من ذا الجانب، فقلنا: رأيناك تصلي إلى غير قبلة! قال: لولا أني رأيت الرسول صلى الله عليه وسلم يفعله ما فعلته). فالمهم أن النصوص الواردة ورد فيها في الوتر، ووردت نصوص أنه أوتر على بعيره، لكن هذا ليس على سبيل التقييد. والقاعدة في الأصول أن ورود الخاص بخصوصه لا يقتضي حمل العام عليه ما لم تُفهم القرائن أو تَدُل الأصول على اعتبار هذا الحمل. ولذلك فالذي يقوي العموم في النوافل قوله: (إلا الفرائض)، ويشمل هذا الوتر، وهكذا لو توضأ وأراد أن يصلي ركعتي الوضوء، أو ركعتي استخارة، أو يتَنفَّل طاعةً وقربة لله في سفره، فلا حرج عليه أن يصلي على دابته حيث توجهت به.
حكم تكبيرة الانتقال إذا دخل المصلي والإمام راكع
حكم تكبيرة الانتقال إذا دخل المصلي والإمام راكع Q رجلٌ دخل المسجد والإمام راكع، فدخل معهم في الصلاة، وجعل تكبيرة الإحرام والركوع تكبيرة واحدة، فهل هذا يجزئه؟ A قال بعض العلماء: لا بد من التكبيرتين. وقال بعضهم: تجزيه تكبيرة واحدة. وهذا هو الصحيح. وهذا ظاهر؛ فإن النصوص لم يرد فيها الإلزام بالتكبيرتين، لكن الذين قالوا بالإلزام قالوا: لأنه يكبر التكبيرة الأولى للإحرام، والثانية: للركوع. وهذا محل نظر؛ لأنه لو جاء والإمام ساجد فإن قالوا: يُكَبِّر أيضاً تكبيرتين، فحينئذٍ نقول: إنه ليس في حال قيام؛ لأن تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة وللقيام، فلذلك ليس ثم ركن قيام إذا كان ساجداً. وبناءً على ذلك قال بعض العلماء الذين يقولون بالتكبيرة الواحدة: لو كبَّر تكبيرتين لم يجزه؛ لأنه إذا كبر في القيام لزمته القراءة، وهو لم يقرأ ويريد أن يركع، ولذلك قالوا: لا يصح منه. والصحيح: أنه يجزيه؛ لأنه كبَّر للقيام في وقتٍ لا يتسنى له فيه قراءة الفاتحة فسقطت للعجز فأجزأه أن يُكَبِّر، فمن فعل هذا فلا حرج، ومن فعل هذا فلا حرج، لكن الأشبه والأقوى أن يُكبِّر تكبيرةً واحدة، وهذا أصل خَرَّجَهُ العلماء على القاعدة الشرعية: (اندراج الأصغر تحت الأكبر)، وهذا له ضوابط كثيرة، فالأصغر هو تكبيرة الركوع، والأكبر تكبيرة الإحرام، فاندرج الأصغر تحت الأكبر. ولذلك لو جئت وأنت متأخر والإمام في الركعة الثالثة واقف فإنك تكبر تكبيرةً واحدة مع أن الإمام تعتَبر صلاته في الثالثة، فإذا كان كذلك فمعناه أن عليك تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام للثالثة؛ لأنه قام لها الإمام ولها تكبيرة خاصة. فقالوا: أصل الاندراج يَدُلُّ عليه. وله نظائر في العبادات والمعاملات، ومن نظائره في المعاملات أن يسرق الإنسان -والعياذ بالله- ويزني ويقتل، فقالوا: إن حد القتل يأتي عليها جميعاً. فلو كان محصناً فزنى وقتل فإنه يُقتَل بالقصاص، فيُعتَبر قتله قصاصاً يندرج تحته قتله بالرجم، ولا حاجة أن يُرجَم، ولذلك يقولون: يندرج الأصغر تحت الأكبر؛ لأن حَدَّ القتل أعظم من حد الزِّنا في الأصل، بدليل تنوع حد الزنا وعدم تنوع حد القتل، قالوا: فاندرج الأصغر تحت الأكبر. وهو مذهب بعض الصحابة رضوان الله عليهم الذين يقولون بالاندراج. وتتفرع على هذه القاعدة فروع منها هذه المسألة، وهي أنه لو قدم والإمام راكع، فقالوا: يُكَبِّر تكبيرةً واحدة، فتندرج تكبيرة الركوع تحت تكبيرة الإحرام. نسأل الله أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وموجباً لرضوانه العظيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
واجبات الصلاة
شرح زاد المستقنع - واجبات الصلاة الواجب في الصلاة: هو ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ومن تركه عمداً بطلت صلاته، وإن تركه سهواً جبر بسجود السهود على تفصيل في ذلك، وواجبات الصلاة هي: لفظ التكبير عند الانتقال من ركن إلى ركن، وقول سمع الله لمن حمده، وربنا لك الحمد، والتسبيح في الركوع والسجود، والتشهد الأول والجلوس له.
واجبات الصلاة
واجبات الصلاة
تكبيرة الانتقال
تكبيرة الانتقال بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعثه رحمة للعالمين، وإماماً للمتقين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وواجباتها التكبير غير التحريمة] الواجبات: جمع واجب، والضمير عائد إلى الصلاة، أي: واجبات الصلاة، فعَطَفَ رحمه الله الواجبات على الأركان، أي: إذا علمت أحكام الأركان فاعلم أن هناك أموراً واجبة، وأن للصلاة واجبات، ثم شرع في بيان هذه الواجبات، وهذا -كما يسميه العلماء- من باب التدرج من الأعلى إلى الأدنى. وهذه والواجبات لها أحكام: الحكم الأول: أنه يثاب فاعلها. الثاني: يعاقب تاركها. الثالث: من تركها متعمداً بطلت صلاته. الرابع: أن من ترك هذا الواجب ساهياً فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون منفرداً أو إماماً، أو يكون مأموماً، فإن كان منفرداً أو إماماً وجب عليه أن يجبر هذا الواجب بسجود السهو، وأما إذا كان مأموماً فإن الإمام يَحمِل عنه الواجب، وبناء على ذلك اتفقت الأركان والواجبات في كون كل منهما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، وانفردت الواجبات بأن تركها نسياناً يُجبر بسجود السهو، والأركان إذا تركت نسياناً وجب جبرها بالفعل، فالواجبات تجبر بسجدة السهو والأركان لا تجبر، بل لابد من فعلها. ثم إن الواجبات يحملها الإمام إذا نسيت أو سهيت أو لم يمكنك فعلها، ولكن الأركان لا يحملها الإمام عنك البتة، بل ينبغي عليك فعلها، وإن لم تفعلها وجب عليك قضاء الركعة كاملة، فهذا بالنسبة للفرق بين الواجبات وبين الأركان في الصلاة. قوله: [التكبير غير التحريمة] أي: من الواجبات التي أوجبها الله عز وجل في الصلاة التكبير غير التحريمة، والتكبير لفظ: (الله أكبر)، وهذا التكبير يسميه العلماء بتكبير الانتقال، أي: يجب على المصلي أن يُكبر عند انتقاله من ركن إلى ركن، فإذا أراد أن ينتقل من القيام إلى الركوع قال: الله أكبر. وإذا أراد أن ينتقل بعد رفعه من الركوع إلى السجود قال: الله أكبر. وإذا أراد أن ينتقل من سجوده إلى الجلسة بين السجدتين كبَّر. وإذا أراد أن ينتقل منها إلى السجود كبر، وهكذا، فهذا التكبير الذي يقع بين الأركان لكي تنتقل به من ركن إلى ركن يسميه العلماء تكبير الانتقال. وقوله رحمه الله: [التكبير غير التحريمة] المراد بالتحريمة تكبيرة الإحرام، وهي ركن وليست في مرتبة الواجبات، وإنما هي في مرتبة أكبر، فالتكبير من غير تكبيرة الإحرام واجب. فلو أن إنساناً كان يصلي لوحده فقرأ الفاتحة، ثم قرأ السورة، ثم ركع ونسي أن يكبر فإنه يجبره بسجود السهو لأنه واجب عليه، فإن تعمد فركع دون أن يكبر قاصداً ترك التكبير بطلت صلاته فرضاً كانت أو نفلا. فهذا معنى قولهم: (التكبير غير تكبيرة الإحرام) أي: يلزمك إذا صليت فريضة أو نافلة أن تكبر تكبيرة الانتقال، فلا تنتقل من ركن إلى ركن إلا بهذا التكبير، فلو حصل أن تركت هذا التكبير قاصداً ومتعمداً بَطَلت صلاتك نفلاً أو فرضاً، ولو حصل أن تركته سهواً قلنا: إن كنت منفرداً تجبره بسجدتي السهو قبل السلام لمكان النقص، وإن كنت مع الإمام حَمَل الإمام عنك هذا السهو لقوله عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن) كما في حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد في مسنده، فقد دل هذا الحديث على أن الإمام ضامن، والمراد بضمانه ضمان صلاة من وراءه، وذلك بحمل الواجبات دون الأركان، كما هو معلوم ومقرر عند العلماء. وهكذا الحكم لو أن إنساناً بدلاً من أن يكبر للركوع قال: سمع الله لمن حمده، فأبدل ذكراً مكان ذكر في الانتقال، أو أراد أن يسجد فقال: (ربنا ولك الحمد) سهواً، فإنه حينئذٍ يمكنه التدارك إن أمكنه، وإن لم يمكنه التدارك فإنه لابد وأن يأتي بسجدتي السهو على التفصيل الذي ذكرناه. أما دليل وجوب التكبير فقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا كبر فكبروا)، وهذا أمر، وشمل تكبيرة الإحرام وغيرها للإطلاق، ولكن خُصَّت تكبيرة الإحرام بالزيادة لورود النصوص فيها، كقوله صلى الله عليه وسلم: (تحريمها التكبير)، ونحوه من النصوص التي ذكرنا، ودلت السنة على وجوب تكبير الانتقال، وبناء على ذلك فإن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بالتكبير يوجب علينا التكبير.
قول: سمع الله لمن حمده
قول: سمع الله لمن حمده قال رحمه الله: [والتسميع] أي: الواجب الثاني من واجبات الصلاة التسميع. والتسميع على وزن (تَفْعِيل) والمراد به قول المكلف: سمع الله ولمن حمده أي: استجاب الله دعاء من حمده، وقيل: معناهنا: سمع الله على الحقيقة من أثنى عليه سبحانه وتعالى، فلا يخفى عليه شيء وهي جملة متصلة ببعضها، فلو قال: (سمع الله) لم يُجزِه، بل لا بد من تمام الذكر، فلا يُنقص منه ولا يزاد عليه، فلا يقال: سمع الله الجبار المتكبر من حَمِده. فلا تُشرع الزيادة، ولا يُشرع النقص كأن يقول: (سمع الله)، ويسكت، أو يقول: (سمع الله مَن)، ويسكت، فكل هذا لا يجزي، بل لا بد من تمام الجملة؛ لأنه ذكر توقيفي، فوجب البقاء على حدِّه دون زيادة ولا نقصان.
قول: ربنا لك الحمد
قول: ربنا لك الحمد قال رحمه الله: [والتحميد] التحميد على وزن (تَفْعِيل) من الحمد، أي قولك: (ربنا ولك الحمد)، أو (ربنا لك الحمد)، فكلاهما وارد ومأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن قلت: (ربنا ولك الحمد)، أو: (ربنا لك الحمد)، فقد فعلت ما أوجب الله عليك من التحميد. والتحميد يتعلق بالمأموم، والتسميع يتعلق بالإمام والمنفرد فيجمعان بين التسميع والتحميد، أما المأموم فيقتصر على قوله: ربنا ولك الحمد. أما دليل الوجوب فما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من قوله: (وإذا قال -أي الإمام- (سمع الله لمن حمده) فقولوا: (ربنا ولك الحمد))، فقوله: (فقولوا) أمر، والأمر يدل على الوجوب، وقد قاله عليه الصلاة والسلام في معرض التقسيم، وكونه يقوله في معرض التقسيم فقد خص الإمام بالشرط في قوله: (إذا قال)، فإذا كان التحميد واجباً كان موجبه واجباً، فأصبح التسميع والتحميد واجبين من واجبات الصلاة، فلابد من قول المكلف: (سمع الله لمن حمده. ربنا ولك الحمد) إن كان إماماً أو منفرداً، أما إذا كان مأموماً اقتصر على قوله: (ربنا لك الحمد). ومكان هذا التسميع والتحيمد مختص بما بعد الرفع من الركوع، فيقول: (سمع الله لمن حمده) في حال الرفع، فإذا استتم قائماً قال: (ربنا ولك الحمد)؛ لأنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يُشرع له أن يقول: (ربنا ولك الحمد) قبل أن يَستتم قائماً، وإنما يقول: (ربنا ولك الحمد) إذا انتصب عوده واستقام ظهره، وبناءً على ذلك فإن السنة أن يبتدئ بالتسميع عند ابتداءِ الرفع حتى إذا استتم قائماً قال كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث أم المؤمنين عائشة قال: (ربنا ولك الحمد)، وقاله عليه الصلاة والسلام وهو قائم. قال العلماء: في هذا فائدة لطيفة، وهي أن التسميع ذكر الانتقال من الركوع إلى القيام الذي هو الوقوف، فيُشرع له الذكر المقارن كالتكبير، ثم إذا استتم قائماً كان ذكر ما بينهما -أي: ما بين الرفع وبين سجوده- أن يقول: (ربنا ولك الحمد)، كما هو الحال فيما بين السجدتين، فتقول التكبير عند الانتقال من السجود إلى الجلوس، فإذا جلست قلت: (رب اغفر لي). بين السجدتين، كذلك هنا يكون تسميعك عند الانتقال وقولك: (ربنا ولك الحمد)، عند استتمامك قائماً، كأنهم نظروا أن التحميد ذِكرٌ لما بين الركنين، والتسميع ذكر انتقال.
تسبيحتا الركوع والسجود
تسبيحتا الركوع والسجود قال رحمه الله: [وتسبيحتا الركوع والسجود] هذان واجبان، أي: قوله: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، وقوله: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، وأما دليل وجوب التسبيح في الركوع فإنه لما نزل قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة:74] قال عليه الصلاة والسلام: (اجعلوها في ركوعكم)، فإن قوله: (اجعلوها) أمر، والقاعدة تقول: الأمر يدل على الوجوب إلا إذا قام الدليل على صرفه. فوَجَب على المكلف أن يمتثل هذا الأمر على سبيل اللزوم، وبناءً على ذلك فإذا ترك التسبيح لا يخلو من حالتين: إما أن يتركه ناسياً، وإما أن يتركه متعمِّداً، فإن ترك تسبيح الركوع أو تسبيح السجود متعمداً فإنه تبطل صلاته إماماً كان أو منفرداً أو مأموماً، سواءٌ أكان في فريضة أم نافلة، وإن تركه ناسياً فإنه إن كان وراء إمام قلنا: حمل الإمام عنه التسبيح، كأن يكون نسي، أو اقتصر على تعظيم الله عز وجل بغير التسبيح سهواً ونسياناً، أو ركع ولم يتكلم لمكان السهو، فرفع الإمام ولم يتدارك التسبيح، فحينئذٍ نقول: هذا السهو وراء الإمام يَحمِله الإمام عنه؛ لأن الإمام ضامن، وإن كان إماماً أو منفرداً فإنه يسجد للسهو. وأما التسبيح في السجود فالدليل على وجوبه في السجود ما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لما نزل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1] قال: (اجعلوها في سجودكم)، فدل قوله: (أجعلوها) على الأمر، والأمر يقتضى الوجوب، وبناءً على ذلك يجب على المكلف أن يقول: (سبحان ربي الأعلى) في السجود، وأن يقول: (سبحان ربي العظيم) في الركوع، فلو أبدل اللفظين فجعل (سبحان ربي الأعلى) في ركوعه، و (سبحان ربي العظيم) في سجوده، فإنه إن تَقصَّد وتعمَّد فقد أساء، وذلك لمخالفته للسنة. وأما بطلان صلاته فالذي يظهر أن التسبيح قد حصل، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم في ركوعه يقول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي)، فدل على أن قوله: (أما الركوع فعظموا فيه الرب) يشمل التسبيح الذي يكون للسجود، ويكون اختلاف التسبيحين تنوعاً لا يُوجِب بطلان الصلاة بترك التسبيح المأمور به في الأصل، وبناءً على ذلك يجزيه، ولكن لا يخلو من الإثم لمكان التعمد بالعصيان، وأما لو تَرَك ذلك سهواً فإنه يُجزيه ويصح منه، ولا يُلزَم بسجود السهو، وإن سجد للسهو فحسن.
سؤال الله تعالى المغفرة بين السجدتين
سؤال الله تعالى المغفرة بين السجدتين قال رحمه الله: [وسؤال المغفرة مرة، مرة ويسن ثلاث] التسبيح في الركوع والسجود الواجب منه مرة، ولا حرج أن يزيد المكلف، فقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يزيد، وكان يقول: (سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى)، وكان يُسمَع تسبيحه صلوات الله وسلامه عليه في صلاته. وقوله: [وسؤال المغفرة مرة مرة]، أي: بين السجدتين، وهذا واجب آخر، أي: ويجب على المكلف أن يقول: (رب اغفر لي بين السجدتين)، وقد صح عنه أنه قال: (رب اغفر لي رب اغفر لي)، قاله مرتين صلوات الله وسلامه عليه بين السجدتين، فدل على مشروعية التكرار. وهذا الذكر الذي بين السجدتين يعتبر واجباً بناءً على الأصل؛ لأننا عهدنا من الشرع أنه جعل الأذكار المتخللة بين الأركان واجبة فأُلحِق النظير بنظيره، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، فقوي إلحاقه بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فأُلحِق بالواجبات، فصار ذكراً لما بين السجدتين، وأُلزِم به المكلف تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم. فلو صلى المصلي ونسي أن يقول بين السجديتن: (رب اغفر لي)، وقال أي ذكر آخر، فحينئذٍ لا يخلو إما أن يكون منفرداً أو مأموماً، فإن كان منفرداً وتعمَّد بطلت صلاته، وإن كان منفرداً ونسي سجد للسهو، وإن كان مأموماً فإن تعمد بطلت، وإن سها حَمَل عنه ذلك الواجب الإمام.
التشهد الأول والجلوس له
التشهد الأول والجلوس له قال رحمه الله: [والتشهد الأول وجلسته] التشهد الأول وجلوسه كلاهما واجب، أما دليل الوجوب فما ثبت في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه أنه قال: (صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من بعض الصلوات، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه كبر قبل التسليم، فسجد سجدتين وهو جالس ثم سلم). وهذا الحديث في الصحيح، ومثله حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه في كونه رضي الله عنه وقع في نفس السهو، ولما سبحوا له أشار إليهم أن قوموا، ثم سجد قبل أن يسلم سجدتين، ثم رفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعل. فهذان الحديثان يدلان دلالة واضحة على أن هذا الجلوس واجب، أما دليل وجوبه فكون النبي صلى الله عليه وسلم جبره بسجدتي السهو، فدل على أنه دون الأركان؛ لأنه لو كان ركناً لرجع له النبي صلى الله عليه وسلم، فكونه لم يرجع له يدلّ على أنه ليس بركن، وكونه يَجبُره بالسجدتين يدلّ على أنه من الواجبات وليس من السنن والمستحبات، وبناءً على ذلك ارتقى عن درجة السنن والمستحبات، ونَزَل عن درجة الأركان، فأصبح واجباً من واجبات الصلاة. ولما كان هذا الموضع يشتمل على فعل وقول قالوا بوجوب كل منهما؛ لأن الجبر وقع لهما معاً، واستُدِل به على أن الواجبات تتداخل، فمن ترك أكثر من واجب جبره بسجدتين وكان ذلك كافياً له ومبرِئاً لذمته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الواجب الفعلي وهو الجلوس، وترك الواجب القولي وهو قراءة التشهد. فأصبح عندنا واجبان: الواجب الأول: الجلوس للتشهد بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثانية. الثاني: قراءة التشهد. فإن تركهما جبرهما بسجود السهو، وإن ترك واحداً منها كأن يجلس وينسى أن يقول الشهد ثم يقوم، فإن كان وراء الإمام حمل الإمام عنه الذكر القولي، وإن كان منفرداً ومتعمداً بطلت صلاته، وإن كان ناسياً جَبَره بسجود السهو.
سنن الصلاة
سنن الصلاة قال رحمه الله: [وما عدا الشرائط والأركان والواجبات المذكورة سنة] تقدَّم معنا ذكر المصنف شروط الصلاة من النية والوقت والطهارة، واستقبال القبلة، وغيرها مما ذكر من الشروط، وذكر لنا الأركان الأربعة عشر التي ذكرناها، وذكر لنا الواجبات الثمانية التي كنا بصددها. وعليه فما عدا هذه الأركان والواجبات والشروط فهو سنن، ومستحبات يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولو تركها عمداً فإن الشرع لم يُلزِم بها، والأصل أننا نعتبر ما اعتبره الشرع، فإن كان اعتباره على سبيل اللزوم ألزمنا، وإن كان اعتباره على سبيل عدم اللزوم رخَّصنا وقلنا: الناس في سعة، فإن فعلوا أثيبوا، وإن تركوا فلا حرج عليهم. ومن هذه السنن المستحبات قوله: (ملء السماوات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد) إلخ بعد قوله: (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد). فهذا الذكر من المستحبات، وليس بواجب ولا لازم، ولو قال بين السجدتين: (اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني وارفعني وارزقني واهدني وعافني)، فهذا الدعاء المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة وليس بواجب.
حكم ترك بعض شروط الصلاة غير النية
حكم ترك بعض شروط الصلاة غير النية قال رحمه الله: [فمن ترك شرطاً لغير عذرٍ غير النية فإنها لا تسقط بحال] قوله: (فمن ترك) الفاء للتفصيل، فبعد أن ذكر الشروط والأركان والواجبات شَرَع رحمه الله في حكم ترك هذه الأمور، فابتدأ بالشروط، وقد سَبق أن ذكر الشروط قبل الأركان، والسبب في هذا أن شروط الصحة والوجوب تكون قبل الأركان في غالب صور المصلي وأحواله، فإن الإنسان يتوضأ قبل الصلاة وقبل فعل أركان الصلاة، وهكذا بالنسبة لاستقباله القبلة يكون قبل تكبيره حتى يقع تكبيره وفعله للأركان في حالة استقباله للقبلة، وهكذا طهارته من الحدث وطهارته من الخبث. فلذلك ابتدأ بحكم ترك الشروط، فالتارك للشرط إما أن يتركه معذوراً فحينئذٍ يسقط عنه لمكان العذر، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إلا شرطاً واحداً من شروط الصحة وهو النية. فلو ترك المكلف الوضوء والتيمم لعدم وجود الماء وعدم وجود ما يتيمم به -وهي مسألة فاقد الطهورين- فإنه تصح صلاته وتجزيه؛ لأنه ليس بإمكانه إلا ذلك، والقاعدة تقول: (التكليف شرطه الإمكان) لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. فإذا كان المكلَّف عاجزاً عن تحصيل الشرط الذي هو طهارة الحدث فإننا نعذره ونقول: صلاته صحيحة، والدليل على ذلك ما ذكرناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للمستحاضة أن تُصَلِّي والدم يجري معها، فدل على أنها معذورة، وأن من كان في حكمها معذوراًَ أنه يرخص له في صلاته. ولأنه عليه الصلاة والسلام أقر الطائفة التي صلت قبل فرضية التيمم بدون وضوء، مع أن الوضوء كان لازماً، وقد ثبت اعتبار لزومه بالشرع، ومع هذا صحَّح صلاتهم ولم يأمرهم بالإعادة، وذلك لعدم إمكانهم أن يتوضأوا، فدلنا ذلك على أن من ترك الطهارة من الحدث لوجود العذر فصلاته صحيحة. ولو ترك شرط طهارة الخبث لعذر فالحكم كذلك، كأن تَرَكه نسيان، كما لو صلَّى ولم يعلم أن بثوبه نجاسة، فلما سلَّم اطلع على النجاسة فإن صلاته صحيحة، والدليل حديث أنس في الصحيح (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف قال: لم خلعتم نعالكم؟ فقالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة من بدايتها؛ لأنه فعل أركاناً كتكبيرة الإحرام، وربما قرأ الفاتحة، وقد يكون ركع عليه الصلاة والسلام، أو فعل أكثر من ركعة، ومع هذا لم يُعِد ولم يستأنف الصلاة، وإنما اعتبر الأركان السابقة، وذلك بسبب وجود العذر من النسيان. فدلّ على أن من ترك طهارة الخبث لمكان النسيان أنه معذور وصلاته صحيحة، وهكذا لو ترك استقبال القبلة لعذر يُعذر به شرعاً، ألا ترى المسافر عذره الشرع في استقبال القبلة، فلو اجتهد ثم تبين له أن اجتهاده خاطئ فإن صلاته صحيحة، فقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان مع الصحابة في ليلة مغيمة، فصلّوا وهم على غير قبلة، فلما أصبحوا تبينوا أنهم على خطأ، فقال عليه الصلاة والسلام: (قد مضت صلاتكم)، فدل على أن من فقد هذا الشرط معذوراً -وهو استقبال القبلة- الذي يُشترط لصحة الصلاة أنه يعذر وتصح صلاته. ويستثنى من سقوط الشروط بالعذر النية؛ فإنه لا تصح الصلاة إلا بها، والدليل على هذا أن النية دلّ الشرع على عدم الاعتداد والاعتبار بالعبادات إلا بها، فدل على أن الأصل عدم صحة العبادة إلا بالنية. أما الشروط الأخرى فقد جاءت النصوص تستثني بعضها، كاستقبال القبلة، والطهارة من الحدث والخبث، ونحوها من الشروط، فتلك الشروط من تركها لعذر عذرناه لورود النصوص بالاستثناء، وبقي شرط النية على الأصل الموجب لعدم الاعتداد بالعبادة إلا بها.
حكم ترك ركن أو واجب من الصلاة عمدا
حكم ترك ركن أو واجب من الصلاة عمداً قال رحمه الله: [أو تعمد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بخلاف الباقي] أي: كذلك لو تعمّد ترك ركن أو واجب بطلت صلاته بخلاف البواقي، إلا إذا كان لعذر فيُعذر. فمن ترك ركناً متعمداً، كما لو لم يقرأ الفاتحة وهو ذاكر ومتعمِّد بطلت صلاته، أو قرأ الفاتحة وسورة، ثم قال: بدلاً من أن أركع أسجد. فسجد مباشرة، فإنه حينئذٍ يكون قد ترك ركن الركوع والرفع من الركوع فتبطُل صلاته إذا تعمد. فهذا بالنسبة للأركان وهو بالإجماع. وهكذا لو ترك الترتيب بين الأركان، كما لو قال: أسجد ثم أقوم وأركع. فإنه حينئذٍ تبطل صلاته؛ لأن الترتيب يُعتبر من فرائض الصلاة، ولا تصح إلا به.
أحكام السنن
أحكام السنن قال رحمه الله: [وما عدا ذلك سنن أقوال وأفعال] ذكر لنا رحمه الله الصلاة مجملاً، ووصف لنا الصلاة بصفتها الكاملة، ثم قال: ما عدا الأركان والواجبات والشروط فسنن، سواءٌ أكانت من الأقوال أم من الأفعال، فلا تبطل الصلاة بتركها، فمن فعلها فقد أُثِيب وأَحْسَن، ومن تركها فلا إثم ولا حرج عليه. قال رحمه الله: [ولا يشرع السجود لتركه، وإن سجد فلا بأس] أي: ولا يشرع سجود السهو بترك هذا المسنون قولاً كان أو فعلاً، فإن سجد فلا بأس. وبعض العلماء يقول: إذا كان الإنسان ترك سنة يسجد لها، ولا يُفرق بين الواجبات وغيرها. وهذا القول مذهبٌ والعمل على خلافه عند أهل العلم رحمة الله عليهم، والصحيح أن السنة لا يجب جبرها؛ لأنها ليست بلازمة، ولو كانت لازمة لنُزِّلَت منزلة الواجبات، فيكون رفعة لها عن مرتبتها التي نص الشرع أو دلّ دليل الشرع، على كونها فيها، وبناءً على ذلك لا تُنَزَّل السنن منزلة الواجبات، فحيث ترك سنة نقول: إنه لا حرج عليه، ولكن فاته الأكمل والأفضل. والدليل على ذلك أن الصحابة كانوا يصلون وراء النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم سنن، ومع ذلك لم يُلزِمهم بسجود السهو لعدم إتيانهم بهذه السنن. ألا ترى دعاء الاستفتاح لم يطلع عليه أبو هريرة إلا بعد أن سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم ولا يستفتح بهذا الدعاء، فدلّ على أن السنن لا يجب جبرها بسجود السهو، وإن فعل ذلك فقد قال بعض العلماء: لا حرج أن يسجد للسهو. لكن بعض أهل العلم يقول: لو أن الإنسان ألف السنة -أي: أعتادها-، وداوم عليها ثم أتاه الشيطان فنسيها، فلو جبرها بسجود السهو فإنه حسن أي أنه يُفرِّق بين السنة التي يداوم عليها والسنة التي لم يداوم عليها، فإن كان مداوماً على الدعاء الذي بعد التحميد، وهو قوله: (ملء السماوات وملء الأرض ... ) إلخ، أو مداوماً على دعاء الاستفتاح وتركه ناسياً قالوا: يسجد للسهو، وحسنٌ منه أن يفعل ذلك.
الأسئلة
الأسئلة
مناسبة تقديم المصنف للمكروهات قبل الأركان والواجبات
مناسبة تقديم المصنف للمكروهات قبل الأركان والواجبات Q أشكل عليَّ تقديم المصنف رحمه الله للمكروهات على الأركان والواجبات فهل هذا هو الأولى؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهذا من الدقة بمكان، لأن الإنسان إذا جاء يصلي فإنك تحذِّره مما يكره قبل أن يشرع في الصلاة؛ لأن التحذير يقع قبل التلبس بالشيء لا بعده، ولذلك تقديمه على الأركان والواجبات له وجه من جهة التحذير ومن جهة والبيان، حتى يكون الإنسان على بينة من أمره، وهذا اعتذارٌ للمصنف، وإلا فإنه يستقيم لو أنك ذكرت الشروط، ثم الأركان، ثم الواجبات، ثم السنن والمستحبات، ثم المخالفات وهي المكروهات، وهذا أيضاً له وجهه، ويفعله بعض العلماء رحمة الله عليهم، فهذا له وجهه وهذا له وجهه، والله تعالى أعلم.
وجوب التلفظ بجميع أذكار الصلاة وضابطه
وجوب التلفظ بجميع أذكار الصلاة وضابطه Q إذا كانت قراءة الفاتحة يجب التلفظ بها، فهل يُقاس على ذلك بقية أذكار الصلاة؟ A نعم، فلا بد لمن كبر أن يتلفظ بالتكبير، فلو تلفظ في نفسه لم يقم بالواجب، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر)، وقوله: (إذا كبَّر فكبروا)، ولا يصدق على الإنسان أنه كبَّر إلا إذا تلفَّظ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا)، والقول إنما يكون باللفظ، والكلام النفسي لا يعتبر قولاً، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً لمن يقول: إن الكلام النفسي كلام. وبناءً على ذلك لا بد وأن يتلفظ، واللفظ يكون بتحريك الشفتين واللسان وحصول الحروف على الوجه المعتد به، والله تعالى أعلم.
حكم متابعة الإمام في السنن
حكم متابعة الإمام في السنن Q ما هو حكم متابعة الإمام في السنن، وهل تضر مخالفته عند تركها؟ A متابعة الإمام في السنن ليست بواجبة، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما ذكرنا في حديث أبي هريرة -كان يفعل السنن وهي خافية على الصحابة، فدل على أنها ليست بواجبة ولا لازمة. ومن الأدلة على عدم وجوبها حديث أنس في الصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ثم فصَّل وبين، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فإن قوله: (فإذا كبر فكبروا) تفصيل لإجمال وهو قوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فبين صلوات الله وسلامه عليه ذلك الإجمال بقوله: (إذا كبروا فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) فقولوا: (ربنا ولك الحمد))، وفي الرواية الثانية: (إذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: (وَلا الضَّالِّينَ) فقولوا: (آمين)) فهذا كله يدل على ما يجب وما هو ركن، وأن ما ليس مذكوراً في هذا من السنن فالأمر موسَّع فيه. فلا يجب على المكلف أن يتابع إمامه في السنن، فلو أن الإمام جلس جلسة الاستراحة وأنت لم تجلس فلا حرج. وهذا إذا كانت سنة فعلية، وفي حكمها السنة القولية، فلو أن الإمام قرأ دعاء الاستفتاح ولم تقرأه فإنه لا حرج عليك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ دعاء الاستفتاح ويتركه بعض الصحابة ولم يُنكِر عليهم، وكذلك كان يزيد في قوله: (سمع الله لمن حمده) قوله: (ربنا ولك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض ... ) إلخ، وكان يخفى على كثير من أصحابه، ومع ذلك لم يُلزِم به، فدلّ على أنه على سبيل النفل لا على سبيل الوجوب، وأن المكلف لو ترك هذه السنن فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
حكم من صلى بغير طهور ثم ذكر بعد خروج وقت الصلاة
حكم من صلى بغير طهور ثم ذكر بعد خروج وقت الصلاة Q صلى رجل وهو محدث وكان ناسياً، ولما خرج وقت الفريضة تذكر أنه صلى بغير وضوء، فما الحكم؟ A لا تصح الصلاة إلا بطهور كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وبناءً على ذلك فإنه إذا تذكر داخل الوقت، أو تذكر بعد خروج الوقت فإنه يُلزَم بقضاء الصلاة، ولو تذكر بعد أيام، ولو تذكر بعد شهور، بل ولو تذكر بعد أعوام فإنه يلزم بقضاء الصلاة؛ لأنه لا تُقبل منه صلاة إلا بطهور كما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
الفرق بين من صلى وفي ثوبه نجاسة وبين من صلى تاركا للطهارة
الفرق بين من صلى وفي ثوبه نجاسة وبين من صلى تاركاً للطهارة Q أشكل عليَّ فهم مسألتين: الأُولى: صلى وفي ثوبه نجاسة ناسيا فصحت صلاته، والثانية: صلى ونسي أنه ليس بمتوضئ فلم تصح صلاته، وهل المسألتان من باب واحد؟ A الطهارة نوعان: طهارة حدث وطهارة خبث، وينبغي في الأصل أن يتساويا في الحكم؛ لأنه يقال: كيف إذا صلى وعليه نجاسة ناسياً وتذكّر بعد الصلاة تصح صلاته، وإذا صلى وهو ناسٍ للوضوء، أو ناسٍ للغُسل يُلزم بالإعادة؟! والجواب: أن الفرق واضح وظاهر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وجاء دليل الشرع بالأمر بطهارة الخبث، فلما جاءت السنة تستثني في حديث النعلين طهارة الخبث بقيت طهارة الحدث على الأصل الذي يُوجِب عدم صحة الصلاة إلا بفعلها. وهناك مخرج آخر لبعض الفقهاء، حيث يقولون: إن طهارة الخبث من التروكات، وطهارة الحدث من الأفعال والواجبات، فيُغتفر في التروكات ما لا يُغتفر في الواجبات، فالتروكات الأمر فيها أوسع من الواجبات، فصحَّت صلاته في التروكات ولم تصح في الواجبات، والله تعالى أعلم.
لزوم مقارنة تكبيرات الانتقال للأفعال
لزوم مقارنة تكبيرات الانتقال للأفعال Q هل يكبِّر المصلي ثم ينتقل إلى الركوع، أم يكبر أثناء الانتقال، أم يكبر بعد الانتقال؟ A الأولى والأحرى أن يكون التكبير مقارناً؛ فإن بعض السنن تشير إلى ذلك، كما في صحيح البخاري من حديث خباب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود فإني قد بدنت)، فقد دل ذلك على أن قوله كان مُصاحباً لفعله، فلو كان فعله يسبق قوله لما شعر به الصحابة، ولما كانوا سابقين له، لكن لما أقترن قوله بفعله دل على أن الصحابة يشعرون بالانتقال فتكون خفتهم موجبة للسبق فقال: (لا تسبقوني فإني قد بدنت)، فدل هذا الحديث -كما قرر غير واحد من الأئمة- على أن الأولى بالإمام والمنفرد والمأموم أن يجعل الذكر مقارناً، إلا ما دل الشرع على تأخيره، كالتحميد بعد انتهائه من الرفع، فقد قالت عائشة: ثم قال وهو قائم: (ربنا ولك الحمد)، فهذا يشرع بعد تمام القيام. أما التكبيرات فتشرع عند الانتقال، خاصة الإمام. قال بعض العلماء: في تخصيص الأئمة حكمة لطيفة، وذلك أن المأمومين منهم من يرى الإمام ولا يسمع صوته، ومنهم من يسمع صوته ولا يرى شخصه، فلو سبق القول الفعل أو الفعل القول فإن هذا يحدث الاختلاف، فإن الأعمى يسمع الصوت ولا يرى الشخص، فلربما سبق بالفعل إذا كان الإمام يسبق بالقول، وكذلك الحال لو كان يرى شخصه ولا يسمع صوته كالحال في الصفوف البعيدة جداً التي يرى فيها الإمام ولا يسمع فيها صوته، فلو كان الإمام بمجرد قيامه من التشهد يقوم ولا يكبر إلا إذا وقف، فإنك إذا كنت في الصف الأخير ولا تسمع صوته، فإنه مظنة أن تراه يتحرك فتتحرك مع أنه لم يكبر للانتقال، قالوا: فهذا يؤدي إلى سبق المأموم للإمام. ولذلك قالوا: يُحتاط بالمقارنة فهذا أولى وإن كان بعض السنة يُفهم منه سبق القول للفعل، والله تعالى أعلم.
عمرة أهل مكة في رمضان
عمرة أهل مكة في رمضان Q هل لأهل مكة عمرة، خصوصاً في رمضان؟ A لا حرج على أهل مكة أن يعتمروا، فإن الترغيب في العمرة خاصة في رمضان النص فيه عام، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة يُحرِّم على أهل مكة أن يعتمروا، ولو نقل المنع عن بعض السلف فإن هذا لا يقوى على التحريم. فالتحريم والمنع يحتاج إلى دليل ينص على أنهم لا يعتمرون، وفي حديث ابن عباس في الصحيح قال صلى الله عليه وسلم في المواقيت: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك -أي دون المواقيت- فمن حيث أنشأ، حتى أهل مكة من مكة). فدل على أن لأهل مكة أن يُهِلوا، ويشمل ذلك تلبيتهم بالحج والعمرة، خصوصاً أن مذهب طائفة من العلماء أن العمرة واجبة، ولذلك لا يُفرَّق بين أهل مكة وغيرهم، ولكن كان بعض العلماء رحمة الله عليهم يقول: لا ينبغي للمكي أن يذهب للعمرة ويُفَوِّت فضل الطواف بالبيت، وأُثر عن بعض أصحاب ابن عباس أنهم كانوا يقولون: عمرة أهل مكة الطواف بالبيت. ووجه ذلك أنهم خرجوه على النظر، فقالوا: لأنهم إذا خرجوا إلى التنعيم تكلَّفوا الخروج، فما دام أن العمرة يقصد منها الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فإن هذه الخطوات التي يذهب بها إلى التنعيم ويرجع منه الأولى أن تُستغل في الطواف بالبيت. أي: بدلاً من أن يذهب إلى التنعيم ويتكلَّف الذهاب فليطُف بالبيت، فمن هنا تخرَّج قولهم: عمرة أهل مكة الطواف بالبيت. إلا أن هذا إنما يكون لأُناس معروفين بالمرابطة عند البيت، فتجدهم لا يفرطون في مكة، ولا يفرطون في الصلاة في الحرم، ولا يفرطون في الطواف، بحيث إذا خرج من مكة ضاع عليه وقته في الذهاب، فيكون فيه نوع من الاشتغال بالمفضول عن الأفضل، لكن إذا كان مثل حالنا ولا حول ولا قوة إلا بالله، حيث تجد الإنسان في مكة وعهده بالبيت منذ أسابيع أو شهور، وبعضهم ربما تمر عليه فترة طويلة وهو لا يرى البيت، لأنه يرى قول من يقول إن الصلاة بمكة كلها مضاعفة، فتَرَخَّص في هذا القول، وإذا قيل له: انزل وطُف بالبيت قال: فيه فتن. فيُضيِّع الشيطان على كثير من الأخيار الخير بسبب ما يكون من هذه الأعذار والعلل العقلية، ففي هذه الحالة الأولى له أن يعتمر، فالطواف بالبيت له فضله، فإذا كان الشخص قائماً بمكة كثير العبادة في الحرم فلا شك أن الأفضل أن يشتغل بالطواف، ومن أراد أن يُصيب فضل العمرة في مكة تحصيلاً لهدي النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة في رمضان فإنه لا حرج عليه، وليس هناك دليل يمنع، ومَن مَنع يُطالَب بالدليل، لكن الاستكثار من الخروج والرجوع وتكرار العمرة للمكي وغير المكي بدون موجب لا أصل له، فإذا وجد الموجب فلا حرج، كرجل قدم من الآفاق فاعتمر، ثم أراد أن يعتمر عن أبيه الذي لم يعتمر، أو عن أمه التي لم تعتمر فلا حرج، لكن لو أراد هذا الآفاقي بعد إتيانه بالعمرة أن يأتي إلى التنعيم ويعتمر نقول له: طف بالبيت؛ لأن الآفاقي الأفضل له أن يشتغل بالطواف بالحرم؛ لأن المقصِد أولى من الوسيلة، فإن خروجه إلى العمرة مآله إلى الطواف بالبيت، فالأفضل منه أن يشتغل بالطواف بالبيت، وهذا هو الذي ذكره غير واحد من أهل العلم رحمة الله عليهم، وإلا فالأصل الجواز، والبقاء على الأصل معتبر حتى يدل الدليل على الزوال عنه، والله تعالى أعلم.
حكم طواف الوداع للمعتمر
حكم طواف الوداع للمعتمر Q ما حُكم طواف الوداع للمعتمر؟ A هذه مسألة خلافية، فمن العلماء من قال بوجوبه لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه يعلى بن أمية رضي الله عنهما وأرضاهما أنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابي عليه جبة عليها صفرة من أثر الطيب، وهو معتمر بالجعرانة فقال: يا رسول الله! ما ترى في رجل أحرم بالعمرة وعليه ما ترى؟ قال: فأُوحِي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يغط كغطيط البكر، فلمّا سُرِّي عنه قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: انزع عنك جبتك، واغسل عنك أثر الطيب، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). قالوا: وجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك). فهذا يدل على أن العمرة تأخذ حكم الحج، فإن كان طواف الوداع واجباً في الحج فيلزمكم أن تقولوا بوجوبه في العمرة. وذهب طائفة من العلماء إلى أنه لا يجب طواف الوداع في العمرة. وهذا هو الصحيح؛ لأنه الأصل، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عائشة أن تطوف طواف الوداع بعد فراغها من عمرتها بعد الحج، ولأن الدليل الذي استدلوا به إنما هو أشبه بالتروكات لا بالأفعال، ووجه ذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) المراد به حسب السياق الذي ورد في القصة: اصنع في عمرتك هذه ما أنت صانع في حجك من الانكفاف عن المحظورات؛ إذ لو كان المراد به الأفعال لوجب عليه أن يخرج إلى عرفة، وأن يبيت بمزدلفة، وأن يفعل ما يفعله الحاج في الأفعال، فدل على أنه في مقام التروكات، وليس في مقام الأفعال. فبما أن قوله: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) تخرج منه أفعال الحج، فإن طواف الوداع من أفعال الحج، وتأكّد هذا من جهة النظر في معنى طواف الوداع، ففي حديث عائشة في طواف الوداع في الصحيح قالت رضي الله عنها: (كان الناس يصدرون من فجاج منى وعرفات) بمعنى أنهم يكون آخر عهدهم بمنى وعرفات، قالت: (فأُمِروا أن يجعلوا آخر عهدهم بالبيت طوافاً)، والسبب أنهم كانوا يطوفون يوم النحر فيبعد عهدهم بالبيت، فشُنِّع على الحاج أن يصدُرَ من حجه دون أن يطوف بالبيت، قالت: (فأُمِروا -وهذا تخصيص واضح بالحاج- أن يجعلوا آخر عهدهم -أي: عهد الحاج- بالبيت طوافاً)، فصار من واجبات الحج، ولم يصر من واجبات العمرة، ويتأكد هذا بأن عائشة بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم وأمره بطواف الوداع في الحج لم يأمرها أن تطف طواف الوداع في عمرتها، وإلا كانت ستقول: أُمِر الناس إذا صَدَروا من مكة أن يطوفوا؛ لأنه يشمل المعتمر وغير المعتمر. ولذلك الذي تميل إليه النفس أنه لا يصح الاستمساك بقوله عليه الصلاة والسلام: (اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك) بوجوب طواف الوداع. وذلك لأنه ثبت بدليل الشرع أن المراد به ترك المحظورات، فإن كان لا يشمل أفعال الحج الواجب من رَمْي الجمار والمبيت بمزدلفة ونحوها من الواجبات، فكذلك لا يشمل طواف الوداع الذي هو من خصوص الحج، لكن الأولى والأحرى إذا أحب الإنسان أن يخرج من الخلاف أن يطوف للوداع. ومن الأدلة أيضاً التي تدل على ضعف قول من يقول بطواف الوداع في العمرة قول: بعض العلماء -وهو استنباط جيد-: إن الذين قالوا بوجوبه على المعتمر اضطربت أقوالهم، فقال بعض العلماء: يجب على المعتمر بمجرد انتهائه من عمرته. أي: بعد أن ينتهي من العمرة ينزل ويطوف. وقال بعضهم: لا. بل أجمعوا على أن المعتمر إذا طاف وسعى ومشى مباشرة ليس عليه طواف وداع. فاضطربت أقوالهم في المعتمر الذي يَصدُر مباشرة، ثم اضطربت في المعتمر الذي يجلس، قال بعضهم: إن جلس ساعة وجب عليه طواف الوداع. وقال بعضهم: إن جلس فرضاً وجب عليه طواف الوداع. وقال بعضهم: إن جلس خمسة فروض، أو يوماً كاملاً وجب عليه طواف الوداع. فلو كان طواف الوداع واجباً على المعتمر لما تُرِك على هذا الاختلاف، ولحَدّ الشرع فيه حداً معيناً يُنتَهى إليه، ولذلك يَقوى أنه اجتهاد، والأصل براءة الذِّمَم، وإن احتاط المكلف فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
حكم التقبيل والمداعبة للصائم
حكم التقبيل والمداعبة للصائم Q هل يجوز التقبيل والمداعبة للصائم إذا لم يُنزل، وما الحكم إذا أنزل دون جماع؟ A أما التقبيل فلا حرج فيه على الصائم، فقد جاء في حديث عمر رضي الله عنه في تقبيل الصائم أنه كالمضمضة، ولكن إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه يقع في المحظور فإن الوسائل آخذة حكم المقاصد فيَتَّقي ويَمتَنع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أملك الناس لإربه كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، وقد قال العلماء: أكمل الناس أجراً في الصيام من اتقى الرفث واللغو، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو لبيان الجواز وتوسِعةً على الأمة، ولكن الأفضل والأكمل تركه. ولذلك قال بعض العلماء: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم المفضول كان أفضل في حقه. ولا يُشكِل على هذا أن يقول قائل: لو كان الأفضل ترك التقبيل فلماذا لم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فإنهم قالوا: فعله تشريعاً، ولم يفعله على سبيل القصد. وفرقٌ بين التشريع والقصد، ومن هنا يتخرَّج قولهم: إذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ما قد نهى عنه فهذا الفعل يصرف النهي إلى الكراهة. فحين يقول قائل: كيف يصير هذا الشيء مكروهاً مع أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله؟ عندئذ تقولون: لأن المقام مقام تشريع، ولا يسري عليه ما يسري على عموم الأمة. فنسأل الله العظيم أن يرزقنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، وأن يجعل ما تعلمناه وعلّمناه خالصاً لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
باب سجود السهو [1]
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [1] شرع الله السهو جبراً للنقص وإبطالاً للزيادة، ويشرع كذلك لأجل الشك في الصلاة، وهو سجدتان يسجدهما المصلي قبل السلام أو بعده على تفصيل معلوم في ذلك، ولا يسجد للسهو إلا من نسيان أو شك، أما العمد فليس فيه سجود سهو.
أحكام سجود السهو
أحكام سجود السهو بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب سجود السهو]. أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالسهو في الصلاة، ويعبِّر عنه العلماء بـ (باب سجود السهو)، والأصل أن يقال: باب السهو. لكن لما كان هذا السهو يترتب عليه الأمر بسجدتي السهو قالوا: (باب سجود السهو)، و (باب سجدتي السهو) كما يعبر عنه بعض العلماء، وبعضهم يقول: (باب السهو في الصلاة)، أو (أحكام السهو في الصلاة)، فيجعل الباب عاماً، لكن لو جُعِل خاصاً فإن هذا هو الأصل الذي ورد الدليل فيه. فمن عادة العلماء رحمة الله عليهم أن يذكروا ما يشرع له سجود السهو في هذا الموضع، ويذكرون أحكام السهو العامة، فمن يعبر ويقول: (باب أحكام السهو في الصلاة)، يُعبر بالعموم، ومن يعبر فيقول: (باب سجود السهو)، يُعبر بالخصوص، ثم يتبع بالخاص الذي ورد الدليل فيه بقية الأحكام لمكان المجانسة؛ لأن من عادة الفقهاء أن يذكروا أجناس الأحكام المتقاربة مع بعضها في أبوابها أو فصولها ومباحثها. وسجود السهو المراد به سجدتان، وهاتان السجدتان تكونان قبلية وتكونان بعدية، على التفصيل الذي سنذكره إن شاء الله، وتُشرع هاتان السجدتان بتكبير للسجدة الأولى ورفع، ثم تكبير للثانية ورفع، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسلِّم من هذا السهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
خلاف العلماء في التشهد بعد سجدتي السهو
خلاف العلماء في التشهد بعد سجدتي السهو للعلماء وجهان في التشهد بعد سجود السهو إذا وقع بعد السلام: قال بعض العلماء: إذا سجد بعد السلام سجدتي السهو تشهد، وفيه حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما في قصة ذي اليدين أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فرجع إلى مقامه فصلى ما تركه، ثم سلم، ثم كبر فسجد، ثم تشهد، ثم سلم)، لكن زيادة (تشهد) انفرد بها أشعث عن أصحاب ابن سيرين الحفاظ، ولذلك قالوا بأنها شاذة. والعمل عند طائفة من المحققين من أهل الحديث على شذوذ ذكر التشهد، وإن كان الحافظ ابن حجر يقول: لو قال قائل بتحسين الحديث لوجود شواهد أخرى تقويه فإنه له وجه وقوَّى ذلك العلائي أيضاً فقال: إن التحسين له وجه، خاصة وأن ابن مسعود فعله، فقد جاء عنه بسند صحيح كما روى ابن أبي شيبة في المصنف. وعلى ذلك فلو فعل الإنسان التشهد خروجاً من الخلاف فلا حرج عليه خاصة وأن له أصلاً، ولو تركه فلا حرج عليه.
حكم سجود السهو
حكم سجود السهو للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: القول الأول: سجود السهو جميعه زيادةً ونقصاً واجب. وهذا قول الحنفية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وبناءً على ذلك لو أن المكلف زاد في الصلاة أو نقص منها، وتذكَّر أنه زاد أو نقص فلم يسجد للسهو فإنه يُحكم ببطلان صلاته إذا تركه متعمداً، فعند أصحاب هذا القول أنه واجب من واجبات الصلاة، فلو قلت للإمام: إنك زدت. فقال: علمت أني زائد. فقلت له: اسجد للسهو. فقال: لا أريد أن أسجد. وتركه متعمداً بطلت صلاته وصلاة من صلى وراءه لتركه متعمداً. القول الثاني: سجود السهو سنَّة، وبه قال الإمام الشافعي رحمة الله عليه، فعنده إن فعل فقد أحسن، وإلا فإن الصلاة يُحكم بصحتها والاعتداد بها. القول الثالث: التفصيل، وهو مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمة الله عليه، قال: إن كان السجود سجود نقص فواجب؛ لأنه يجبر نقصاناً في الصلاة فكأنه من الصلاة، فحل محل الواجب من الصلاة، وإن كان السجود لزيادة فسنة، ولا يحكم ببطلان صلاة المكلف؛ لأنه قد جاء بالصلاة كاملة. والصحيح أن سجود السهو واجب، وذلك لما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)، فإن أمره بالسجود يدل على الوجوب، وفي الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمسا، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً. فثنى رجليه وسجد سجدتين ... )، ثم ذكر الحديث وفيه: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم). فهذه أوامر، والقاعدة في الأصول أن الأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه. فلما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نسجد سجدتي السهو دلّ ذلك على وجوبها ولزومها، وأنه إذا تَركها المكلَّف فقد ترك الواجب، وحكمه حكم تارك الواجب سواءً بسواء. وإذا قلنا بالوجوب وأنه هو الصحيح، فإنه لو أن إنساناً صلَّى ونسِي واجباً من واجبات الصلاة، ثم سلَّم وقام من مصلاه وهو في المسجد إلى حلقة علم، أو قام إلى موضع ثانٍ، وتذكَّر بعد قيامه فعلى القول بالوجوب يلزمه أن يستقبل القبلة وأن يكبر ويسجد، وذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث عبد الله بن مسعود قال: (فثنى رجليه وسجد سجدتين) الحديث، فإنه عليه الصلاة والسلام تداركه حين كان في المسجد، فلذلك إذا تذكر السجديتن وهو في المسجد يقضي، وهكذا لو كان في بيته في مكان الصلاة، أما لو خرج من المسجد وتذكَّر بعد خروجه فإنه لا يُلزَم بالرجوع، وقد مضت صلاته وصحَّت، وتسقط عنه السجدتان لمكان العذر؛ لأن المكان قد فارقه المكلف، ولا يمكن بمفارقته التدارك فتصح صلاته وتجزيه.
الحكمة من سجود السهود في الصلاة
الحكمة من سجود السهود في الصلاة شرع الله عز وجل السهو جبراً للنقص وإبطالاً للزيادة، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد في الصحيح: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان). فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أحكاماً، منها أن سجود السهو إن كان لزيادة أبطل الزيادة، فكأن المصلي لم يفعلها. وقال بعض العلماء: في سجود الزيادة إغاظة الشيطان، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان)، وبناءً على ذلك قالوا: إن السهو كان من الشيطان، فكونه يسجد أبلغ في رد الأذية التي كانت من الشيطان. ولذلك ثبت في الحديث أنه: (إذا سجد ابن آدم اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله! أُمِر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار)، فيكون ذلك أبلغ في الأذية والتحقير والإرغام له. ومن حكم الله تعالى في تشريعه لهذا السجود الرفق بالمكلف؛ فإنه لو قيل: إن المكلف إذا نقص من صلاته فصلاته باطلة، وإذا زاد في صلاته فصلاته باطلة، فكيف سيكون حال الناس؟ فإن الإنسان ضعيف، فربما دخل الصلاة وهو مشوّش الفكر بهمٍّ في نفسه أو أهله أو ولده أو ماله أو تجارته، ومن مظان ضعفه أن يضعف أمام الوساوس والخطرات، فالسهو لا بد منه، ولا بد وأن يقع، وقل أن تجد إنساناً يسلم من هذا السهو، وقد حصل لنبي الأمة صلوات الله وسلامه عليه وهو أكمل الناس خشوعاً وتقوى لله عز وجل، فما بالك بغيره صلوات الله وسلامه عليه؟! فلو أن الشريعة حكمت على كل من زاد في صلاته أو نقص ساهياً ببطلان صلاته فكيف ستكون صلاة الناس؟ وكيف يكون حالهم؟! خاصة من ابتلي بالوسوسة أو كان عنده شك، فإنه تضيق به الأرض، وتصعُب عليه عبادته حتى يكون أصعب ما يكون عليه أن يصلي، أو يقف بين يدي الله عز وجل، مع أن الصلاة طمأنينة القلوب، وفيها انشراح الصدور وحصول الخير للإنسان بوقوفه بين يدي ربه، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقول: (يا بلال! أرحنا بالصلاة)، فتنقلب الصلاة هماً على المكلف بدلاً من كونها انشراحاً لصدره ورحمة به.
التفصيل في محل سجود السهو
التفصيل في محل سجود السهو المسألة الأخيرة في سجود السهو: السهو يكون بالزيادة ويكون بالنقص، وبعض السجود يكون قبل السلام وبعضه بعد السلام، فهل المكلف مطالب بالسجود على وتيرة واحدة، بمعنى أنه يسجد السجود كله بعد السلام، أو كله قبل السلام، أو فيه تفصيل؟ للعلماء رحمة الله عليهم ثلاثة أقوال في محل السجود: القول الأول: أن السجود جميعه بعد السلام. وهذا القول مأثور عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود فجميع السجود عندهم يكون بعد السلام، وبهذا القول قالت الحنفية رحمة الله عليهم، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة الله عليه، ومروي عن عمار بن ياسر، سواءٌ أكان لنقص أم لزيادة، وحكاه بعض العلماء عن سعد بن أبي وقاص. وعند هؤلاء أيضاً أنك إذا سجدت للسجدتين فإنك تتشهد، فيقولون بالتشهد بعد السلام أيضاً، لما ذكرناه من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه. القول الثاني: أن السجود كله يكون قبل السلام، وهذا القول مروي عن أبي هريرة، وبه قال الليث بن سعد فقيه مصر رحمة الله عليه، وهو مذهب الأوزاعي، ومذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، فيقولون: جميع السهو يكون قبل السلام سواءٌ أكان المكلف قد زاد في صلاته أم نقص منها، لكن استثنى الحنابلة أنك لو سلمت ونسيت السجود قبل السلام فإنك تسجد بعد سلامك ولا حرج عليك. القول الثالث: التفصيل بين النقص والزيادة، فقالوا: إن سها بنقص فالسجود قبل السلام، وإن سها بزيادة فسجوده بعد السلام، وهذا هو مذهب المالكية رحمة الله على الجميع. فعندنا في المسألة ثلاثة أقوال: قول بأن السجود كله يكون بعد السلام، وهو مروي عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص، وبهذا القول يقول فقهاء الحنفية رحمة الله عليهم. وقوله: أن السجود كله يكون قبل السلام، وبه يقول فقهاء الشافعية والحنابلة، ومروي عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وقول: بالتفصيل، إن كان نقصاً فقبل السلام، وإن كان السهو زيادة فبعد السلام، وهو مذهب إمام دار الهجرة مالك بن أنس رحمة الله على الجميع. واحتج الذين قالوا: جميع السجود يكون قبل السلام بأحاديث: أولاً: حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثا أم أربعا؟ فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم)، قالوا: فقوله صلى الله عليه وسلم: (فليسجد سجدتين قبل أن يسلم) أمر، والأمر يدل على اللزوم والوجوب، وكونه قبل أن يسلم يدل على ظرفية الأمر وهو كونه واقعاً قبل السلام. ثانياً: حديث ابن عباس، وهو بنحو حديث أبي سعيد، وأصله في الصحيح. ثالثاً: حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام من الثنتين من الظهر ولم يجلس بينهما، فلما قضى صلاته سجد سجدتين ثم سلم)، وهذا حديث أيضاً في الصحيح. ومثله ما أخرجه الترمذي وصحَّحه أن المغيرة صلى بالناس وسها فلم يجلس في التشهد الأول، فسبحوا له فأشار إليهم أن: قوموا. فلما فرغ من تشهده سجد السجدتين ثم سلم) ورفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل مثل ما فعل. قالوا: هذه الأحاديث كلها تدل على أن السجود كله يكون قبل السلام، سواءٌ أكان لنقص أم لزيادة، فهذا مذهب الشافعية والحنابلة كما قلنا. وأما الذين يرون أن السجود كله بعد السلام -وهم الحنفية- فقد احتجوا بأحاديث: أولاً: حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي -أي: الظهر أو العصر- فسلَّم من ركعتين، ثم قام وشبك بين أصابعه واستند إلى الجذع، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهاب الناس أن يكلموه، وكان رجل من بني سلمة يقال له ذو اليدين -واسمه الخرباق - فقال: يا رسول الله: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ قال: كل ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله! فقال عليه الصلاة والسلام: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، قال: فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد، ثم كبر ورفع). ووجه الدلالة أن السجدتين وقعتا من النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام، ثانياً: حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وهذا الحديث مثل حديث أبي هريرة في قصة التسليم من الركعتين، وأنه بعد أن أتم الصلاة وسلَّم كبر فسجد ثم رفع، قال الراوي: (وأُنبِئت أن عمران قال: (ثم سجد سجدتين بعدما سلم). ثالثاً: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه -وهو في الصحيح أيضاً ورواه الجماعة- قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً، فقالوا: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟! قالوا: صليت خمساً، فثنى رجليه وسجد سجدتين). ووجه الدلالة أن هذا الحديث وقع فيه سجود النبي صلى الله عليه وسلم بعد السلام، فدل على أن السهو كلَّه يكون بعد السلام، ولا يكون قبله. وأما أصحاب القول الثالث فجمعوا بين النصوص فقالوا: تأمَّلنا هذه الأحاديث فوجدنا حديث أبي سعيد الخدري في الشك، والشك خارج عن أصل المسألتين؛ لأن مسألة الشك تُستثنى، والكلام عن الزيادة والنقص. قالوا: وحديث عبد الله بن مالك بن بحينة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك الجلسة التي للتشهد، فهذا نقص، فسجد عليه الصلاة والسلام قبل السلام، وحديث ذي اليدين زاد فيه التسليم، فحينما صلى ركعتين وسلم قام ثم سجد بعد السلام، وأكَّده حديث عبد الله بن مسعود أنّه صلَّى خمساً فاتجه إلى القبلة فسلَّم، فاتفقت عندنا الأحاديث؛ لأنها كلها من مشكاة واحدة، فوجدناه يسجد للنقص قبل السلام، ووجدناه يسجد للزيادة بعد السلام. ولما كانت حالة الشك مترددة بين النقص والزيادة أُلحِقت بالنقص لأنه الأصل لاحتمال أن تكون ناقصةً، فلذلك قالوا: حينئذٍ نقول: إن نقص من الصلاة فقبل السلام، وإن زاد في الصلاة فبعد السلام، فوجدنا النظر يُقوي الأثر، وذلك أن النقص من الصلاة سيُجبر في الصلاة، والزيادة خارجة عن الصلاة، فيكون ترغيم الشيطان بها بعد الصلاة، فقالوا: نجمع بين النصوص على وجهٍ لا تعارض فيه. وبهذا يكون مذهبهم قد أخذ بهذه النصوص كلها؛ لأنك إن قلت: السجود قبل السلام عارضتك أحاديث ما بعد السلام، وإن قلت: السجود بعد السلام عارضتك أحاديث ما قبل السلام، مع أن القاعدة أنه لا يعارض بين الأحاديث إلا باتحاد موردها، فوجدنا المورد مختلفاً، وأنا أميل إلى هذا القول، فما كان من نقص فقبل السلام، وما كان من زيادة فبعد السلام، على التفصيل الذي يميل إليه أصحاب هذا القول.
مشروعية سجود السهو
مشروعية سجود السهو قال المصنف رحمه الله: [يشرع لزيادة ونقص وشك]. قوله: (يشرع) الضمير فيه عائد إلى سجود السهو، أي أن سجود السهو شرعه الله عز وجل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيادة ونقص وشك. وقوله: (لزيادة) أي: من أجل الزيادة. وقوله: (ونقص) معطوف على الزيادة، أي: يشرع سجود السهو للنقص كما يشرع للزيادة، فإن وقع سجود السهو لزيادة ألغى الزيادة، فلو أن إنساناً صلى الصبح ثلاث ركعات ثم علم بعد انتهائه منها أن الذي صلاه إنما هو ثلاث، فإنه بفعله للسجدتين يلغي الركعة الزائدة، وهكذا لو زاد ركوعاً أو سجوداً أو ركناً قولياً، كأن يكرر الفاتحة مرتين، فإن قوله: (لزيادة) معناه أن الله شرع هاتين السجدتين إذا زاد المكلف في صلاته، سواءٌ أزاد واجباً، أم زاد ركناً، أم ركعة متضمنة للأركان، فمن زاد في صلاته وسجد هاتين السجدتين فإنها تلغى الزيادة، وهذا محله إذا زاد في صلاته سهواً لا قصداً. وقوله: (ونقص) أي: ويشرع سجود السهو للنقص، والانتقاص من الشيء الأخذ منه، فلما كان الله عز وجل قد حدّ في الفرائض حدوداً فجعلها على عدد معين، فإن المكلف ينتقص إما من أركانها وإما من واجباتها، فإن انتقص الأركان فلا بد من الإتيان بها، لكن إن انتقص الواجبات فإن انتقاصه للواجبات يوجب جبره لها بسجدتي السهو، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قوله: (وشك) أي: ويشرع سجود السهو لمكان الشك، والشك مأخوذٌ من: شك في الشيء: إذا تردد بين الأمرين، تقول: أشك في وجود محمد. أي أنك متردد بين كونه موجوداً أو غير موجود، فالشك استواء الاحتمالين. فالإنسان إذا صلى لا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يتم صلاته ويجزم بتمامها. الحالة الثانية: أن يزيد في صلاته ويجزم بالزيادة. الحالة الثالثة: أن ينتقص منها ويجزم بالنقص. الحالة الرابعة: أن يتردد بين كونه قد صلى على التمام، أو أن صلاته ناقصة أو زائدة. فهذا الشك هو استواء الاحتمالين، فيتردد بين كونه قرأ الفاتحة أو لم يقرأها، وكونه ركع أو لم يركع، وكونه سمع أو لم يسمع، وكونه حمد أو لم يحمد، ونحو ذلك مما يعتري الإنسان من الشك. فيشرع سجود السهو إما لزيادة في الصلاة، أو نقص فيها، أو شك يحدث للمكلف في أعداد الركعات، أو في أركانها، أو في واجباتها.
أدلة مشروعية سجود السهو للزيادة
أدلة مشروعية سجود السهو للزيادة ثبت في سجود السهو للزيادة أحاديث: منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين في قصة ذي اليدين المشهورة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إحدى صلاتي العشي -إما الظهر وإما العصر- فسلم من ركعتين، ثم قام كالغضبان -صلوات الله وسلامه عليه- وشبّك بين أصابعه واستند إلى الجذع، فهاب أصحابه رضي الله عنهم أن يكلموه، ورأوا الغضب في وجهه -وكان صلوات الله وسلامه عليه مهاباً بينهم- فلما هابوه قال رجل في القوم يقال له ذو اليدين: يا رسول الله: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: ما كان شيء من ذلك، قال: بلى قد كان شيء من ذلك، فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فرجع وأتم الركعتين، قال الراوي: وأنبئت أن عمران قال: ثم سجد سجدتين بعدما سلم) وهذا الحديث فيه زيادة؛ لأنه لما جلس للتشهد الأول صلوات الله وسلامه عليه زاد أمرين: الأمر الأول: الدعاء؛ لأنه ظن أنه في التشهد الأخير. الأمر الثاني: التسليم، فسلم من الصلاة، والتسليم ركن. فهذه الزيادة للدعاء والسلام اقتضت أن تجبر بسجدتين، فسجد بعد سلامه صلوات الله وسلامه عليه، فدل هذا الحديث على مشروعية السجود للزيادة. ومما يدل على مشروعية السجود للزيادة حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمساً، فقيل له: أزيد في الصلاة؟ فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمساً، فسجد سجدتين بعدما سلم)، وأصل الحديث في الصحيح. فدل هذان الحديثان الصحيحان على أن الزيادة في الصلاة يشرع لها سجود السهو.
أدلة مشروعية سجود السهو للنقص
أدلة مشروعية سجود السهو للنقص وأما السجود للنقص ففيه أحاديث، ومن أشهرها ما ثبت في حديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه، فكلهم صحابة رضوان الله عليهم، فقد ذكر هذا الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى فقام في الركعتين، فسبحوا فمضى، فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين ثم سلم)، فدل هذا الحديث على أن فوات الواجب يجبر بسجود السهو، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك الركعتين -كما في الحديث السابق- رجع وفعلها، ولما ترك الواجب هنا -وهو التشهد الأول- جبره بسجود السهو، فدل على أن الأركان في النقص لا تجبر إلا بالفعل إذا أمكن التدارك. وأما الواجبات فإنها تجبر بسجدتي السهو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر على السجدتين جبراناً للنقص الحاصل من كونه لم يجلس في التشهد الأول، فدل هذا الحديث على مشروعية سجود السهو للنقص. ومن أدلة السجود للنقص: حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه وأرضاه، حيث صلى بأصحابه، فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس، فسبّح من خلفه، فأشار إليهم أن: قوموا. فلما فرغ من صلاته سلم وسجد سجدتي السهو وسلم، وقال: هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم). فالحديث الأول -وهو حديث عبد الله بن مالك بن بحينة - عند النسائي وغيره، والثاني -وهو حديث المغيرة - عند الترمذي، وصححه غير واحد من أهل العلم. فهذان الحديثان الثابتان يدلان على أن نقص الواجبات يجبر بسجدتي السهو، وأما الأركان فلابد وأن تأتي بالركن، فإن فات تدارك الإتيان بالركن فإنك تقضي الركعة كاملة.
أدلة مشروعية سجود السهو للشك
أدلة مشروعية سجود السهو للشك وأما السجود للشك ففيه حديثان صحيحان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيماً للشيطان)، وهذا الحديث في الصحيح، ونفهم منه أن الإنسان إذا شك فإنه يبني على الأقل، وأنه ببنائه على الأقل يلزم بالإتيان بما يوجب الكمال والتمام، فإذا فعل هذا -أعني: الإتيان بما يوجب الكمال- أُلزم بالسجدتين قبل أن يسلم، وهاتان السجدتان اللتان تشرعان في حال الشك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة منهما، فإنك إن صليت الفجر وشككت هل الركعة التي تصليها الأولى أو الثانية، فإنك تبنى على أنها الأولى، ثم تضيف ركعة، ثم تسجد قبل أن تسلم سجدتين، فإن كانت الركعة التي أضفتها توجب تمام عدد الفجر، بمعنى أنك فعلت الصحيح وأنك لم تزد في صلاتك، كانت السجدتان ترغيماً للشيطان؛ لأن الشيطان إذا رأى ابن آدم يسجد يتولى يبكي، ويقول: أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار. وكلما رأى ابن آدم يسجد كلما ازداد غيظاً، وكان ذلك أبلغ في إرغامه. وإن كان الذي صليت زيادة فالسجدتان تلفيان الركعة الثالثة، فكأنها لم تكن، وتكون الصلاة تامة كاملة من هذا الوجه. فدل هذا الحديث على مسائل: أولاً: مشروعية السجود للشك، وهذا هو المطلوب. ثانياً: أن هذا السجود يكون ترغيماً للشيطان إن كان الذي فعلته على التمام، ويكون إلغاء للزيادة إن كان الذي فعلته زائداً. ومثل حديث أبي سعيد رضي الله عنه حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو في الصحيح. فهذان الحديثان الصحيحان يدلان على مشروعية سجود السهو في الحالة الثالثة وهي حالة الشك. فقول المصنف: (يشرع لزيادة ونقص وشك) من باب ترتيب الأفكار، حيث بيّن محل سجود السهو، وبيّن مشروعيته في قوله: (يشرع) أي: يشرع سجود السهو، ومن عادة الفقهاء والعلماء رحمة الله عليهم أنهم إذا تكلموا على أمر أن يبينوا موقف الشرع منه، فقال: (يشرع)، فالأصل في سجود السهو أنه مشروع، لكن مشروعية هذا السجود لموجب، أي: ليست مشروعية مطلقة، وذلك لقوله: (يشرع لزيادة ... )، أي: أنها مشروعة في حد، أو في مكان معين، ولذلك يكون ابتداؤه رحمه الله بذكر الزيادة والنقص والشك من باب بيان المحل الذي يشرع فيه فعل هاتين السجدتين.
حكم سجود السهو في حال التعمد
حكم سجود السهو في حال التعمد قال رحمه الله تعالى: (لا في عمد). أي أن سجود السهو إنما يشرع في حال النسيان والشك، أما في حال التعمد والقصد فلا يشرع. كما لو صلى الظهر فزاد قراءة الفاتحة مرتين متعمداً، فهذه زيادة ركن قولي، أو زاد ركوعاً مع الركوع الذي شرعه الله في أي ركعة من ركعات الظهر، وهذه زيادة ركن فعلي. ففي هاتين الحالتين تبطل صلاته، ويكاد يكون بإجماع العلماء أن من زاد في صلاته ركناً واحداً متعمداً فقد أحدث وابتدع وترتب عليه أمران: الأمر الأول: أنه آثم لإحداثه في دين الله وابتداعه، ومعلوم ما للبدعة من سوء عاقبة والعياذ بالله، فإن صاحبها يفتن، كما قال تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} [النور:63] ويصرف عن حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فالمبتدع لا يسقى من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي يزيد ركعة، أو يحدث في صلاته ركناً زائداً، أو واجباً زائداً، فإنه قد أحدث في دين الله ما لم يأذن الله عز وجل به، ويحكم ببطلان صلاته؛ لأنه لم يصل كما أمره الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام -وهو يبين تأقيت الصلاة وتحديدها وأنها عبادة لا مجال فيها للرأي والاجتهاد-: (صلوا كما رأيتموني أصلي) أي: لا تجتهدوا من عند أنفسكم. أما لو اجتهد العالم في إثبات حكم في الصلاة بناءً على كتاب أو سنة فلا حرج؛ لأنه من الدين، أما أن يأتي إنسان ويقول: أصلي الظهر بدل ركعتين ثلاثاً. فقد حبط عمله وكان من الخاسرين، فصلاته رد عليه. الأمر الثاني: قال بعض العلماء: زيادة الأركان وزيادة الركعات استهزاء واستخفاف -والعياذ بالله-، والاستخفاف بهذه الشعيرة أمره عظيم، ولذلك يخشى على صاحبه. فقوله: (لا في عمد) أي: أن سجود السهو لمكان السهو والنسيان، وذلك أن الله سبحانه وتعالى علم ضعف الإنسان، وأنه لا بد أن يعتريه ما يعتري هذا البشر الناقص من الخلل والنسيان، فانظر رحمك الله لو أن الله أوجب علينا أن لا نؤدي الصلاة إلا كاملة، وأن من شك في أقل شك ينبغي عليه أن يعيد صلاته، كيف يكون حال الناس، خاصة وأن الإنسان ربما دخل في صلاته مهموماً بكرب في نفسه أو في جسده أو في أهله أو في ولده أو في ماله، فيتشتت ذهنه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في انبجانية أبي جهم التي أهداها إليه: (فإنها ألهتني عن صلاتي آنفاً)، والانبجانية: الخميصة التي لها الأعلام. فالإنسان بشر يعتريه ما يعتري البشر، فلو أن الله سبحانه وتعالى ألزم المكلف أن يوقع الصلاة كاملة لحصل له من الضنك ما الله به عليم، فسجود السهو لا يشرع إلا عند السهو والنسيان، أما عند التعمد والقصد فلا.
سجود السهو للفريضة والنافلة
سجود السهو للفريضة والنافلة قال رحمه الله: [في الفرض والنافلة]. أي: أن سجود السهو يشرع لك أن تفعله في زيادة ونقص وشك، سواءٌ أكانت الصلاة مفروضة أم نافلة، فهو لا يختص بالنوافل دون الفرائض، ولا بالفرائض دون النوافل، وإنما حكمه على العموم، ولذلك من سها في فريضة كمن سها في نافلة، ولذلك يعمم العلماء رحمهم الله في أحكام سجود السهو، فيشمل حكمه النافلة والفرض على حد سواء، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم) ولم يقل: نافلة ولا فرضاً، والحديث ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وابن عباس رضي الله عن الجميع. وقوله رحمه الله: (في الفريضة والنافلة) فيه فائدة، وذلك أنه لما قال: (والنافلة) عمم، فشمل أي نافلة، وهذا قد يشمل النافلة التي ألزم الشرع بها على الكمال، أو أوجب فيها بعض الأفعال فانتقص منها بعض أفعال الناس المعهودة، كصلاة الجنائز على أنها سنة مؤكدة. فإن صلاة الجنائز إذا سها الإنسان فيها فمن العلماء من يرى أن السهو في صلاة الجنائز يجبر بسجود السهو، وظاهر كلام المصنف العموم، فيشملها من هذا الوجه، وهو اختيار بعض العلماء، ولكن لا يسجد والجنازة أمامه، وإنما يسجد بعد رفعها في قول بعض العلماء، وإن كان قد استحب طائفة من العلماء أن السجود يكون عند وجودها أمامها. وهذا أقوى؛ لأنه لا يعتبر ساجداً لها إلا إذا كانت أمامه كالسترة التي تكون أمام المصلي؛ فإنه حينئذٍ يسجد جبراناً لواجبها على القول بأن سجود السهو يشرع حتى في صلاة الجنائز.
حكم زيادة أقوال أو أفعال في الصلاة عمدا أو سهوا
حكم زيادة أقوال أو أفعال في الصلاة عمداً أو سهواً قال رحمه الله تعالى: [فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت، وسهواً يسجد له]. قوله: (فمتى) الفاء للتفريع؛ لأنه إذا أثبت لك الأصل والقاعدة فإنه بعد ذلك يفصل، فبعد أن بيّن أن سجود السهو يشرع للزيادة وللنقص وللشك شرع الآن في التفصيل. وابتدأ بذكر الزيادة قبل النقص؛ لأن الإنسان إنما يراعى فيه حال أدائه للصلاة على الكمال، والزيادة زيادة على الكمال، فيبتدأ بأحكام الزيادة أولاً ثم بأحكام النقص. وقوله: (فعلاً) لأن الزيادة تكون أقوالاً وتكون أفعالاً، فالأقوال كأن يكبر مرتين، أو يُسَمِّع مرتين، فيقول: (سمع الله لمن حمده، سمع الله لمن حمده)، أو يزيد فعلاً مرتين، كأن يركع مرتين، فيركع ويرفع، ثم يسهو ويظن أنه قائم فيركع ثانية ويرفع، فيتذكر أنه قد ركع مرتين، أو يسجد ثلاث سجدات في الركعة الواحدة أو أربع سجدات، وقس على هذا، فهذا من الزيادة في الأقوال والزيادة في الأفعال، وهذه الزيادة إذا وقعت في الصلاة لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يزيد شيئاً مشروعاً أصله في الصلاة، كأن يقرأ الفاتحة مرتين، أو يكبر مرتين، أو يسمع مرتين، وهذا في الأقوال، أو يركع ركوعين أو ثلاث سجدات، وهذا في الأفعال، فكونه يزيد فيقرأ الفاتحة مرتين فإن الفاتحة التي زادها من جنس ما شرع في الصلاة، فإن قراءة الفاتحة مشروعة في الصلاة، وكونه يزيد الركوع فإنه بزيادته للركوع مرتين في الصلاة قد زاد فعلاً أصله مشروع في الصلاة. الحالة الثانية: زيادة شيء من خارج الصلاة قولاً أو فعلاً، فالقول كقوله: أف، أو يتأوه فيقول: آه، أو يتنحنح، فهذا كله ليس من جنس الصلاة. وأما زيادة الفعل الخارج عن الصلاة فكأن يتناول كتاباً، أو يرفع شيئاً، أو يضع شيئاً، أو يدخل يده في جيبه، أو يعبث بساعته، فهذه زيادة أفعال ليست من جنس الصلاة. فإذا ثبت أن الزيادة لها حالتان فإن من عادة العلماء أن يبتدئوا بالشيء الذي هو من جنس الصلاة، فابتدأ رحمه الله بقوله: [فمتى زاد فعلاً من جنس الصلاة قياماً أو قعوداً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت]. فقوله: (فعلاً) نكرة يشمل أي فعل. وقوله: (من جنس الصلاة قياماً أو ركوعاً أو سجوداً عمداً بطلت) هذا تفصيل لقوله: (لا في عمد)، أي: إذا علمت رحمك الله أن سجود السهو محله أن يكون في سهو ونسيان فاعلم أنه لو زاد فعلاً من ركوع أو سجود أو قيام عمداً فإن صلاته تبطل، فيكاد يكون بإجماع أهل العلم رحمة الله عليهم أن من زاد متعمداً عالماً فصلاته باطلة. قوله: [وسهواً يسجد له] أي: إن زاد في صلاته الركوع والسجود والقيام سهواً سجد لمكان هذه الزيادة. وقلنا: إن هذا السجود قد بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة بكمالها، فإذا كان السجود يلغي الركعة بكمالها فلأن يلغي جزء الركعة من باب أولى وأحرى؛ لأن الشرع ينبه بالأعلى على الأدنى، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد بيّن لنا أن من زاد ركعة كاملة في صلاته وسجد للسهو، -أي: سهو الزيادة- أن هذا السجود يرفع هذه الزيادة، فلأن يرفع السجود زيادة الركن الذي هو جزء الركعة من باب أولى وأحرى.
الأسئلة
الأسئلة
حكم نسيان السجدة الثانية من الركعة الأخيرة في الصلاة
حكم نسيان السجدة الثانية من الركعة الأخيرة في الصلاة Q كُنت إماماً فنسيت السجدة الثانية في آخر ركعة، ثم جلست للتحيات وقرأتها، وكنت أظن أنها الجلسة الأخيرة، ثم تبين لي أنها الجلسة بين السجدتين، فكيف العمل وقتئذٍ إن تذكرت في أثناء الصلاة، أو إن تذكرت بعد الصلاة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فهناك إشكال في السؤال؛ لأنه وصف نفسه بأنه في السجدة الأخيرة لقوله: (كنت إماماً فنسيت السجدة الثانية من آخر ركعة). وهذا يقتضي أنه إذا جلس بعدها تكون الجلسة للتشهد الأخير، ثم قال: (ثم جلست للتحيات وقرأتها وأظن أنها الجلسة الأخيرة). فظنك في محله لأنك تقول: (نسيت السجدة الثانية من آخر ركعة)، فمعنى ذلك: أن هذا التشهد هو التشهد الأخير. وبناءً على ظاهر كلامك لا يستقيم هذا، وذلك في قولك: (ثم تبين لي أنها الجلسة بين السجدتين، فكيف العمل وقتئذٍ؟) فإذا نسي الإنسان السجدة الثانية من الركعة الأخيرة، وسلّم وهو ظان أنه في الجلسة الأخيرة فللعلماء فيه وجهان: فبعضهم يرى أنه يلزمه أن يسجد سجدة بعد سلامه، وينوي بهذه السجدة السجدة الثانية التي نسيها، ثم يتشهد، ثم يسلم، ثم يسجد بعد السلام للزيادة. وهذا هو أصح الأقوال. وهناك قول يرى الإلغاء، فحينئذٍ لا يعتد بركعته ويستأنف ركعة مكان الركعة التي أخلّ فيها ما دام أنه سلم. والصحيح أن يعتبر نفسه كأنه لم يقرأ التشهد، وكأنه لم يسلم، فيسجد السجدة الثانية التي نسيها، ثم يتشهد بعد ذلك، ثم يسلم، وإن كان يرى أن السجود كله قبل السلام يسجد قبل سلامه سجدتي السهو، وإن كان يرى أن الزيادة بعد السلام يسلم ثم يسجد للسهو، فهذا هو أصح أقوال العلماء. والدليل على ذلك أنه لما رفع رأسه من السجدة الأولى ظاناً أنه في السجدة الثانية فإنه في هذه الحالة يلزمه أن يذكر أذكار السجدتين، كقوله: (رب اغفر لي) -كما في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام- فعدل إلى التحيات، فحينئذٍ يرجع وإن كان في جلسة التشهد ثم يقول: (رب اغفر لي، رب اغفر لي) لكي يأتي بالذكر الواجب، ثم يسجد السجدة الثانية، ثم يتم على الصفة التي ذكرناها. والله تعالى أعلم.
حكم سجود المؤتم إذا ركع الإمام عند وقوفه عند آية سجدة
حكم سجود المؤتم إذا ركع الإمام عند وقوفه عند آية سجدة Q إذا صلى وقرأ آيات وكان آخر آية في السورة سجدة فكبر وركع، وظن المأموم أنه سجد للتلاوة فنزل للسجود، فرفع الإمام من الركوع، فتبين للمأموم أن الإمام ركع وسجد للتلاوة، فماذا عليه في هذه الحال؟ A هذا السؤال تعم به البلوى، وفيه جوانب: الجانب الأول: أن بعض العلماء رحمة الله عليهم نبهوا إلى أن الإمامة لها فقه وآداب، فلا يكفي طالب العلم أن يكون على علم بأفعال الصلاة ليأتي ويؤم الناس، بل ينبغي أن يعرف فقه الخلاف، والنوازل التي تطرأ على الأئمة، وفقه الإمامة. ومن الأمور التي ذكروها في فقه الإمامة أنهم قالوا: لا ينبغي للإمام أن يتسبب في أمر يوجب اختلال صلاة الناس. ومن ذلك ما ذكر في السؤال: أن يقرأ سورة في آخرها سجدة. قالوا: إذا قرأ السورة التي في آخرها سجدة فإنه يسجد ولا يركع؛ لأن الناس لا شك أنهم سيسجدون، وبناءً على ذلك يعمل بالأصل فيسجد، فإن كان ليس عنده نية أن يسجد فحينئذٍ لا يقف على السجدة، وإنما يقف إما قبل السجدة، أو يصل السورة بالتي بعدها ويستفتح بآية أو آيتين ويركع. فيعلم الناس أنه بدخوله في السورة الثانية قصد أن لا يسجد، وحينئذٍ تحفظ صلاة المأمومين من الاختلاج، ولذلك قال الأئمة: إنه مما يكره تخيّر آيات السجدة لمن لا يريد السجدة، كأن يقرأ سورة (اقرأ باسم ربك) في صلاة المغرب وهو لا يريد أن يسجد، فإنه إذا مر بالسجود وقال: (الله أكبر) فإن من لا يراه، كالنساء سيسجد مباشرة، كذلك من هو بعيد عن الإمام، خاصة في المساجد الكبيرة. فمن فقه الإمامة التنبه لمثل هذا، ولذلك لا ينبغي فعل مثل هذا، فإن أراد الإمام أن يقرأ السجدة ويسجد فلا حرج، وقد أصاب السنة، أما إذا لم ينو السجود فلا يقرأ، أو يقرأ ما بعدها من آيات لكي يبين أنه غير قاصد للسجود. فهذا بالنسبة لما يتعلق بالإمام. أما بالنسبة لما يتعلق بالمأمومين فإذا كبّر الإمام وركع فمن الناس من يسجد، ومنهم من يركع، أما من ركع فلا إشكال، ولكن من سجد فلا يخلو من حالات: الحالة الأولى: أن يسجد ويتنبه أن الإمام راكع أثناء سجوده أو أثناء الهوي، أو يتنبه بعد سجوده أن الإمام لم يسجد، أو يتنبه بمن بجواره، أو يتنبه برؤية الإمام أثناء الهوي أنه ركع ولم يسجد، فحينئذٍ إذا تنبه رجع مباشرة؛ لأنه مطالب بالاقتداء، وزيادة هذا الفعل حصلت لما كان الأمر في الآية بالسجود، ولا عبرة بالظن الذي بان خطؤه، فيلغى فعله، والإمام يحمل عنه هذا الخلل، فهذا إذا تنبه ورجع. الحالة الثانية: أن لا يتنبه إلا بعد تسميع الإمام، وحينئذٍ لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون ساجداً، فيقول الإمام: (سمع الله لمن حمده)، فإن قام واستتم قائماً وركع وأدرك الإمام في الرفع من الركوع أو في السجدة صحت صلاته وأجزأته، وقد فاته الركن وتدارك، ويكون تأخره للعذر، فيجبره بالتدارك، وهذا إذا قام وركع. الحالة الثانية: أن يجهل الحكم فيقوم ولم يركع، لكون الإمام قد وقف، فاجتهد لحظ نفسه، فحينئذٍ إذا لم يركع يلزمه أن يأتي بركعة بعد سلام الإمام، كمن فاتته ركعة وراء الإمام، وكمن لم يقرأ الفاتحة وراء الإمام، أو لم يركع أو يسجد لسهو وراء الإمام، فيلزمه أن يأتي بركعة تامة؛ لأن الركوع لا يجبر إلا بالركعة التامة، وحينئذٍ إذا جاء بالركعة الثانية صحت صلاته تامة، لكن لو فرض أنه لم يفعل شيئاً من هذا، كأن قام ووقف مع الإمام وسجد وسلم مع الإمام، ثم خرج من المسجد ولم يقضِ هذه الركعة فقد بطلت صلاته ولزمته الإعادة. فهذا حاصل ما يقال في هذه المسألة التي يكون فيها سجود المأموم وركوع الأئمة، وقس على هذا بقية الأركان التي يحصل فيها الاختلاج بين الأئمة والمأمومين. والله تعالى أعلم.
كيفية الفتح على الإمام إذا لم يفهم المقصود بالتسبيح
كيفية الفتح على الإمام إذا لم يفهم المقصود بالتسبيح Q إذا سبح الثقات للإمام، ولكن الإمام لا يعلم هل زاد أم نقص، فما الحكم في ذلك؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإذا كنت وراء إمام وسبحت له ولم يفهم مقصودك فإنه يشرع في هذه الحالة أن تخاطبه، وتبين له ما ينبغي عليه فعله، وهذا الكلام الذي تخاطبه به دلت السنة على مشروعيته في حديث أبي هريرة في الصحيحين، فإن ذا اليدين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (أقصرت الصلاة، أم نسيت؟) فباشره ببيان الحال. فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أن الإمام إذا لم يفطن، أو غلب على ظنك أنك لو سبحت له أنه يرتبك ولا يعرف ماذا يصنع، فحينئذٍ تباشره بالكلام وتقول له: اركع. أو: فاتت ركعة. أو: فاتت سجدة. أو: اقرأ الفاتحة. فلو أن إماماً كبر وابتدأ القراءة بـ (التِّينِ وَالزَّيْتُونِ)، فإنك إذا سبحت له ظن أنك تسبح لخلل في قراءته فيرجع ويقول: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1] فحينئذ تقول له: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] قال بعض العلماء: تذكر الآية حتى تكون من جنس القراءة، ويكون فتحاً عليه. وهذا أولى وأنسب، فإن لم يفهم ولم يتفطن فلك الحق أن تقول: اقرأ الفاتحة، أو: فاتت الفاتحة، فإن الفتح على هذا الوجه لعذر، وإذا كان الكلام لعذر، لمصلحة الصلاة فإنه جائز ولا حرج فيه. والله تعالى أعلم.
حكم سجود المؤتم للسهو إن لم يسجد الإمام
حكم سجود المؤتم للسهو إن لم يسجد الإمام Q نرى بعض الناس بعد تسليم الإمام يسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، فما حكم هذا؟ A لا يشرع للمأموم أن يسجد بعد تسليم الإمام لما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود وأحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، وبناءً على هذا الحديث قالوا: يحمل الإمام عن المأموم سهوه بالنقص في الواجبات، ولا يحمل عنه سهوه في الأركان، وبناءً على ذلك فإن الأركان لا تجبر إلا بالفعل، وعليه فإذا سها المأموم وراء الإمام في غير الأركان فإن الإمام يتحمل عنه السهو، وقد خرّج العلماء على هذا أن المأموم لا يشرع له سجود السهو وراء الإمام، إلا في مسألة ما إذا كان المأموم مسبوقاً، كما لو أدركت الإمام في الفجر في الركعة الثانية فقمت بعد سلام الإمام بالركعة الثانية بالنسبة لك وفي قيامك بها حصل خلل، فإن نسيت أن تقول: (سمع الله لمن حمده)، أو غيره من الواجبات، فحينئذٍ يشرع لك أن تسجد للسهو، لكن هذا بعد الانفصال وليس قبل الانفصال، أما وأنت وراء الإمام وسلامك بسلام الإمام فلا يشرع لك أن تسجد وراء الإمام سجود السهو، وينصح مثل هذا. والله تعالى أعلم.
حكم سجود السهو مع الإمام إذا زاد في صلاته وقد فارقه المؤتم
حكم سجود السهو مع الإمام إذا زاد في صلاته وقد فارقه المؤتم Q قام الإمام إلى الركعة الخامسة ولم يرجع، فجلسنا للتشهد حتى أتم الصلاة ثم سلمنا معه، ثم قيل له بعد الصلاة: إن الصلاة زائدة فهل نسجد معه سجود السهو؟ A من كان مع الإمام متصل الصلاة وانتظر تسليم الإمام فإنه لم يفارقه، والذي لم يفارق يسجد مع الإمام لسهو الإمام؛ لأنه متصل بصلاته، كما لو سها الإمام في ركعة لم تدركها، أو سها قبل أن تدركه في الركعة، فحينئذٍ يشرع لك أن تسجد وراءه، ولا يشترط في متابعة الأئمة أن يكون سهوك كسهوه، ألا ترى في صلاة الظهر لو أنه نسى واجباً من الواجبات كقراءة التشهد الأول وقام وأنت قرأت التشهد الأول فإنك تسجد وراءه، مع أنك لم تحدث النقص. وبناءً على ذلك فلو أنك انتظرته حتى أتم الركعة ثم جلس للتشهد وسجد بعد السلام للزيادة فإنك تسجد وراءه، أو سجد قبل سلامه سجدت وراءه على الأصل الذي ذكرناه. والله تعالى أعلم.
ضوابط بيع الذهب بغيره
ضوابط بيع الذهب بغيره Q أنا تاجر ذهب في محلٍّ صغير آخذ الذهب من التجار الكبار بدون مبلغ أحياناً، ثم أبيعه وأعطيهم الثمن بعد ذلك، فهل في هذا شيء؟ A لا يجوز التعامل في الذهب والفضة إلا يداً بيد، مثلاً بمثل عند اتحاد الصنف لما ثبت في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير والملح بالملح، مثلاً بمثل يداً بيد)، فبيع الذهب بالفضة لا يجوز إلا يداً بيد لقوله في نفس هذا الحديث: (فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)، فإذا اشتريت ذهباً فإنه لا يجوز لك أن تفارقه حتى تعطيه قيمة الذهب، فلو قلت له: هذه خمسون، وتبقى علي مائة، أو: يبقى ريال واحد. فإنه يحكم بكونه ربا النسيئة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر في التعامل في الذهب مع الفضة في البيع أن يكون يداً بيد. والله تعالى أعلم.
الاستدلال بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب السترة
الاستدلال بحديث المسيء صلاته على عدم وجوب السترة Q القاعدة الأصولية تقول: (لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة)، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخبر المسيء صلاته عن السترة، فهل يدل ذلك على أنه صارف لوجوب السترة إلى الندب؟ وإذا كان ترك الواجب عمداً يبطل الصلاة وسهواً يجبر بالسجود، فهل يكون كذلك في ترك السترة؟ A هذا اعتراض على مسألة وجوب السترة، والاعتراض بحديث المسيء صلاته غير وارد، وذلك لأن المسيء صلاته حدثه النبي صلى الله عليه وسلم عمَّا هو متعلق بذات الصلاة -أي: بجنسها-، مع أن لقائلٍ أن يقول: إنما نبهه على الخلل -وهو حصول عدم الطمأنينة- وارتبطت به الواجبات التي ذكرت تبعاً، ولذلك قال العلماء رحمهم الله عند ذكرهم لهذا الحديث: أجمعوا على أنه تضمن أركان الصلاة والتنبيه على الأركان. ولذلك فما ورد إلا في روايات الآحاد والأفراد مسألة: (استقبال القبلة)، ورواية: (توضأ)، وإلا فإن الرواية المشهورة ذكرت الأركان التي حصل الخلل فيها. ولذلك قالوا: هذا منفك؛ فإنك توجب الأذان ولا تستطيع أن تسقطه بحديث المسيء صلاته؛ لأن حديث المسيء صلاته منصب على شيء معين حصل الإخلال فيه، مع أنه يمكن أن يعترض على من اعترض بحديث المسيء صلاته، فيقال له: يحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه اقترب من السترة وكبّر فنبهه على الإخلال في الأركان ولم ينبهه على السترة، فهذا محتمل، والقاعدة تقول: (ما تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال)، وإنما يستقيم الاستدلال به لو رآه عليه الصلاة والسلام يصلي إلى غير سترة ولم يأت في الحديث ذكر السترة، فإنه حينئذٍ يكون دليلاً صريحاً يقوى على معارضة الصريح من الأمر بالسترة، أما إذا كان الدليل متردداً يحتمل أنه صلى إلى سترة ويحتمل أنه صلى إلى غير سترة فلا؛ لأنه لا يستقيم استدلاله بالحديث إلا إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم رآه يصلي إلى غير السترة وسكت عنه، أما لو رآه يصلي إلى السترة فإنه صلى الله عليه وسلم يعلم أن الرجل يعلم وجوب السترة، فلا يحتاج إلى أن ينبهه عليها. الأمر الثاني: أنه يمكن أن يقال: إنه لا تعارض بين هذا وهذا لورود الأمر بالسترة منفصلاً عن حديث المسيء صلاته، وإنما يستقيم الاستدلال بحديث المسيء صلاته إذا جاء بأسلوب القصر والحصر الذي يدل على أن ما عدا ما ذكر من المستحبات والمندوبات. وأما بالنسبة لجبرها بسجود السهو فليست السترة من جنس الأفعال والأقوال المتعلقة بالصلاة التي يعتبر تركها مجبوراً بسجود السهو، فهي عبادة هيئة إن وجدت حصل المقصود، وإن لم توجد أثم التارك لها متعمداً، ولا يجبر تركها بالسجود. والله تعالى أعلم.
حكم قصر الصلاة لمن يظن أنه سيصل إلى بلده ويدرك الوقت
حكم قصر الصلاة لمن يظن أنه سيصل إلى بلده ويدرك الوقت Q هل يجوز القصر لمن يستطيع أن يدرك الفريضة في المدينة التي يريد أن يسافر إليها؟ A لو كنت من أهل مكة وجئت من المدينة في الساعة الثالثة والنصف أو الرابعة، وأذّن المؤذن أذان العصر وأنت في الجموم أو في عسفان، ويغلب على ظنك أنك ستصل إلى مكة قبل غروب الشمس فأنت مدرك للوقت، فلك أن تأخذ بالرخصة وتصلي قصراً، مع علمك أنك تصل قبل انتهاء الوقت. وذلك لأن الخطاب توجه عليك بدخول الوقت بركعتين، فأنت مطالب بهما على الأصل. أما إدراكك للمحل الذي تريده قبل غروب الشمس فمظنون فإذا لطف الله وصلت، وإذا لم يلطف الله عز وجل فلو بلغت شق الأنفس لن تبلغ، وبناءً على ذلك تبقى على الأصل، فيجوز لك أن تصلي؛ لأن الخطاب متوجه عليك بركعتين، فإذا صليت الركعتين فقد برئت ذمتك. وهذا على أصح أقوال العلماء، فمن صلى مسافراً في أول الوقت وأدرك آخر الوقت في الحاضرة لا يلزم بالإعادة؛ لأن ذمته برئت. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب سجود السهو [2]
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [2] من زاد في صلاته ركعة فلم يعلم بها إلا بعد إتمامها فإنه يسجد للسهو، وإن سها الإمام فزاد في الصلاة فعلى من خلفه أن يسبحوا، فإن سبحوا ورجع فبها، وإلا بطلت صلاته وصلاة من تبعه إن كان عالماً. ومن أكثر الحركة في الصلاة من غير جنسها فإن صلاته تبطل، وإن كانت الحركة يسيرة فلا تبطل بها الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو. وهناك أحوال لا يشرع فيها سجود السهو مفصلة في موضعها.
أحكام سجود السهو
أحكام سجود السهو
حكم زيادة ركعة في الصلاة
حكم زيادة ركعة في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد]. الزياة في الصلاة إما أن تكون عمداً أو سهواً، فإن كانت عمداً فإنها توجب البطلان، وإن كانت سهواً، كأن زاد فعلاً أو أفعالاً من جنس الصلاة ساهياً سجد، فالزيادة مع السهو تجبر بسجدتي السهو، ولذلك قال المصنف: [وإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد]. فلو أنّه صلى الصبح فقام إلى الركعة الثالثة وهو يظن أنه في الثانية، فلما سجد الثانية من هذه الركعة الزائدة، أو كان في التشهد تذكر أنه قد زاد وأنه قد صلى ثلاثاً، فلا إشكال أنه يسجد بعد السلام سجدتين. قال رحمه الله تعالى: [وإن علم فيها جلس في الحال، فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم]. قوله: (وإن علم فيها) أي: بأن قام للركعة الزائدة ناسياً فقرأ الفاتحة وأتمها، أو قرأ نصف الفاتحة، أو قبل ابتدائه بالفاتحة وبعد أن استتم قائماً فذكر أنه زاد ركعة فعليه أن يجلس مباشرة، سواء أذكر عند بداية الركعة بمجرد وقوفه، أو تذكر بعدما وقف وقرأ الفاتحة، أو تذكر بعدما وقف وقرأ الفاتحة وشرع في السورة، أو قرأ الفاتحة وقرأ السورة وأراد أن يركع فتذكر أنها زائدة، أو قرأ وانتهى من القراءة وركع وأثناء الركوع تذكر، أو قرأ وركع ورفع من الركوع وقبل سجوده تذكر، ففي هذه الأحوال كلها يلزمه أن يرجع مباشرة، ولا يجوز له أن يبقى لحظة واحدة بعد العلم متلبساً بهذه الحالة الزائدة، فإن بقي لحظة واحدة بعد العلم وكان متعمداً بطلت صلاته؛ لأنها زيادة قيام وركن. وهنا أحكام: الحكم الأول: أنه يلزمه قطع الأقوال والأفعال مباشرة، فلو قلت: (الله أكبر)، وقمت واستتمت قائماً، فقلت: (الحمد لله رب العالمين)، ثم تذكرت مباشرة فإنك تجلس. الحكم الثاني: أن انتقالك من القيام إلى الجلوس بعد أن علمت أنك زدت لا تتكلم فيه ولا تكبر؛ لأنك في هذه الحالة مأمور بالجلوس للتشهد، وبمجرد رفعك من السجدة الثانية قد كبرت للتشهد الأخير، فلا تحدث أي قول، بل تجلس مباشرة وأنت ساكت، وإن كنت إماماً جلست وأنت ساكت والناس معك سكوت. ثم إن كنت في مثل صلاة الفجر، فقمت إلى الركعة الزائدة، ثم تبين لك بعدما قمت أنك زدت، وكنت قد قرأت التشهد، فحينئذٍ إذا رجعت لا تقرأ التشهد؛ لأنك قد قرأته، فتتم بالدعاء ثم تختم بالتسليم، فهذا إذا تذكرت بعد أن كنت قد قرأت التشهد. أما لو أنك بعد سجدتك الثانية قمت إلى الركعة الثالثة الزائدة، فتذكرت فإنك تجلس مباشرة، ثم تشرع في قراءة التشهد؛ لأنك مخاطب في هذه الحالة بقراءة التشهد، فتتشهد وتتم صلاتك، ثم تسجد بعد السلام للزيادة؛ لأنك لما وقفت هذه الوقفة كان ركناً زائداً جبر بسجدتي السهو بعد السلام. فقوله: (جلس في الحال) هذا هو الحكم الأول، وقوله: (فتشهد إن لم يكن تشهد) حكم ثان في حالة ما إذا صليت الظهر أربع ركعات ثم جلست للتشهد، ثم شككت بعد أن انتهيت من التشهد بكماله، في كون الركعة التي أنت فيها الثالثة أو الرابعة، فالشك إذا حصل للإنسان قبل سلامه فإنه يلزمه أن يأتي باليقين على ظاهر حديثي ابن عباس وأبي سعيد رضي الله عنهما، فإن قمت ظاناً أنك في نقص، فلما وقفت تذكرت أن الذي أنت فيه إنما هو التمام والكمال، فإنك تجلس مباشرة، وحينئذٍ لا تقرأ التشهد، وكونك أحدثت قياماً بعد تشهدك لا يلغي التشهد الأول لمكان إذن الشرع بالتمام، فألغي بعد العلم، وصار وجوده وعدمه على حد سواء، فإن شئت أتممت الدعاء، وإن شئت جلست مباشرة وسلمت. وقوله: (وسجد ثم سلم) هذا على ما اختار رحمة الله عليه -وهو أحد أقوال العلماء- أن سجود السهو كله قبل السلام، والراجح للنصوص الواردة أن الزيادة يسجد لها بعد السلام، والنقص والشك قبل السلام.
حكم إلزام الإمام بتسبيح المؤتمين إن سها في الصلاة
حكم إلزام الإمام بتسبيح المؤتمين إن سها في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وإن سبح به ثقتان فأصرو لم يجزم بصواب نفسه بطلت صلاته وصلاة من تبعة عالماً لا جاهلاً أو ناسياً]. أي: قالا: (سبحان الله). وهو اللفظ الذي يشرع عند حصول الخلل من الإمام، أو يكون لعارضٍ يريد أن ينبه الإنسان به غيره، كما لو رأى إنسان غيره يريد أن يقع في ضرر أو شيء ما فإنه يقول: (سبحان الله). وأما الدليل على اشتراط الثقتين فحديث ذي اليدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حينما سلم من الركعتين وقام كالغضبان، قال ذو اليدين: (يا رسول الله! أقصرت الصلاة، أم نسيت؟) فالنبي صلى الله عليه وسلم بنى على ظنه واجتزأ بهذا الظن وسلم بالمأمومين، فدل على أن الإمام يعمل بظنه، فلما قال له ذو اليدين: (يا رسول الله: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: ما كان شيء من ذلك. فقال: بلى قد كان شيء من ذلك) فلم يرجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى قول ذي اليدين وحده. فدل على أن قول الثقة وحده لا يكفي؛ إذ لو كان كافياً لعدل النبي صلى الله عليه وسلم عن صواب نفسه إلى قول ذي اليدين، وإنما قال عليه الصلاة والسلام للصحابة: (أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم). فدل على أنه لا بد من تمام البينة والشهادة، وذلك إنما يكون في أصل الشرع بشهادة ثقتين، فإذا قال أحد المأمومين: (سبحان الله). وهو وحده، وأنت على غلبة ظنك أنه لابد من ركعة، فإنك تقوم، فإن سبح اثنان ثقتان وراءك فحينئذٍ ترجع إلى قوليهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ألغى ظنه ورجع إلى ظن الثقات، فدل على أنه إذا كمل النصاب رجع إلى قول الثقات، وهذه من المسائل التي يقدم فيها قول الثقتين على ظن النفس. ولها نظائر، منها: لو أن القاضي شهد عنده عدلان أن لفلان على فلان ألفاً، وهو يعلم أن فلاناً قد سدد هذا الألف، ولكن ليست عنده بينة، فلا بد أن يحكم بشهادة الشهود، ولا يعتبر بعلم نفسه، قالوا: يحكم بما قال الشهود، ثم يخبر صاحب الحق أنه سيشهد له، فيقيم صاحب الحق دعوى عند غيره ويكون القاضي شاهداً بحقه. ولذلك قال: وعدل إن أدى على ما عنده خلافه منع أن يرده وحقه إنهاء ما في علمه لما سواه شاهداً بحكمه فهذه من المسائل التي تقدم فيها شهادة الشهود على ظن نفسك، وإلا فإن الأصل يقتضي أن يقين نفسك لا تعدل به إلى ظن غيرك. لكن قالوا: إنما اشترط العدلان لأنه حينما يقول لك رجل: (سبحان الله) فأنت على يقين في نفسك، وهو أيضاً على يقين في نفسه، فحينئذٍ ليس من حقك أن تعدل عن يقين نفسك إلى يقين غيرك؛ لأن الله كلفك بيقين نفسك، ومن هنا قالوا: لا يجوز للمجتهد أن يعدل إلى اجتهاد غيره، ما دام أنه قد تبين له الحق في اجتهاد نفسه. وقالوا: يحرم على المجتهد أن يقلد؛ لأنه على بينة في قرارة نفسه والله تعبده بظنه. فالإمام إذا سُبِّح له وهو على يقين من نفسه، وقال الذي وراءه: (سبحان الله) فهذا ظن غيره، فلما اكتملت الشهادة ضعف جانب الإمام وحده، ووجب عليه الرجوع إلى قول هؤلاء العدول. وقوله: [سبح به] الباء لها معانٍ تقرب من عشرة معانٍ، وقد أشار إليها ابن مالك بقوله: تعد لصوقاً واستعن بتسبب وبدَّل صحاباً قابلوك بالاستعلاء فقوله: (سبح به الثقتان) بمعنى: أعلموه بالزيادة التي هو فيها، فهو قائم وهم جلوس، فسبحوا له أن: ارجع إلى التشهد. فإن لم يكن على يقين نفسه، وأصر على القيام ولم يكن جازماً في قرارة نفسه فحينئذٍ (بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً)؛ لأنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأمومين على هذا الأصل المقرر عند فقهاء الحنابلة والحنفية. قالوا: لأنه لما سبح به الثقتان ولم يكن عنده يقين نفسه فإنه في هذه الحالة مأمور بالرجوع إلى قول الثقتين، وكونه لم يرجع إلى قول الثقتين يكون قد ترك واجباً من واجبات الصلاة، ومن ترك الواجب متعمداً فصلاته باطلة، ولذلك يقولون: دليل الوجوب هدي النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي). وأما كونهم اشترطوا الجزم فلأن ذا اليدين لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (بلى قد كان شيء من ذلك) شك عليه الصلاة والسلام فقال: (أصدق ذو اليدين؟)، فدل على أنه ليس على يقين من نفسه، وبناءً على ذلك فإذا كان الإمام على يقين من نفسه فحينئذٍ يعمل بيقين نفسه. وقوله: (عالماً) أي: بالزيادة. وقوله: (لا جاهلاً أو ناسياً) هذا على العذر بالجهل والنسيان، وفيه حديث معاوية بن الحكم المشهور. وبعض العلماء يقولون في مسألة العذر بالجهل: إذا استقرت الأحكام فلا يعذر بالجهل، وإنما يعذر بالجهل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وحملوا عليه حديث الأعرابي في عمرة الجعرانة، وحديث معاوية بن الحكم في الكلام، فقالوا: إن الأحكام لم تستقر، ولذلك يعذر، ويعتبر هذا موجباً لعذره. ومنهم من يقول: إن العذر يكون لعدم العلم بالناسخ، خاصة في الكلام، وسيأتي إن شاء الله ذكره، وهو قول بعض العلماء، منهم أبو الخطاب، حيث يخرجها على المسألة الأصولية المشهورة: (إذا لم يعلم بالناسخ فإنه يعذر بفعل المنسوخ). وبناءً على ذلك يكون كأنه متعبد لله عز وجل بأصل، فيعتبرون الجهل في هذا موجباً لعدم بطلان صلاته، وموجباً للعذر.
أحكام مفارقة المؤتم للإمام إذا سها في الصلاة
أحكام مفارقة المؤتم للإمام إذا سها في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ولا من فارقه]. إذا كنت وراء الإمام وصلى الإمام الظهر خمساً وقام إلى ركعة وأنت على يقين من أنها خامسة، فإن الذي يلزمك شرعاً -إذا علمت أنه قد زاد الركعة- أن تبقى في مكانك وتتشهد، ولا يجوز أن تتابعه على الزيادة، ولك هنا حالتان: الحالة الأولى: قال بعض العلماء: تتشهد وتتم لنفسك وتفارقه لمجرد زيادته. الحالة الثانية: تبقى تتشهد وتنتظر حتى ينتهي من الركعة؛ لأنه معذور فيها فله حكمه على ظنه، وأنت معذور بترك الائتمام، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، إذ جلست الطائفة الأولى وقام للطائفة الثانية بالركعة، فأتمت لنفسها وسلم بالجميع. قالوا: فيتخرج على هذا أنه يعذر المأموم في ترك الاقتداء لمكان الزيادة، ثم يبقى يتشهد، ثم يكثر من الدعاء والاستغفار وسؤال الله من فضله حتى يتم الإمام ركعته، ثم يسلم معه. وهذا المذهب أقوى؛ لأن الأصل المتابعة حتى يدل دليل على الخروج من الصلاة. وبناءً عليه، فلو صلى إمام الحي الصبح ثلاثاً، فإذا قام للثالثة تجلس وتتركه حتى يتم إذا أصر على رأيه ويقينه، ثم إذا تشهد تبقى تتشهد حتى ينتهي من الركعة بكمالها، ثم تسلم معه. وإذا زاد إمام الحي بأن قام للثالثة في صلاة الفجر، أو الخامسة في صلاة الظهر أو العصر، أو الرابعة في المغرب، أو الخامسة في العشاء، فالمأمون على حالات: الحالة الأولى: من تبعه منهم ظاناً أنه على حق وصلاته صحيحة، كأن يقوم الإمام في الفجر إلى الثالثة والمأموم يعتقد أنها الثانية، فصلاته وصلاة الإمام صحيحة؛ لأن الله تعبدهما بهذا الظن. الحالة الثانية: أن تعلم أنها زائدة، فثبت على الحالة التي ذكرناها وسلمت مع الإمام، أو فارقته على مذهب من يرى المفارقة، فصلاتك صحيحة. الحالة الثالثة: أن تعلم أنها زائدة وتقوم معه متعمداً عالماً بزيادته لكنك جهلت الحكم، فحينئذٍ تعذر بالجهل عند من يرى العذر بالجهل، والدليل على ذلك أن الصحابة سلموا وراء النبي صلى الله عليه وسلم -كما في قصة ذي اليدين - ظانين أن الصلاة قد قصرت بدليل الحديث: (فقام السرعان من الناس يقولون: قصرت الصلاة. قصرت الصلاة)، فسلم أبو بكر وهو يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سلم وأن هذا السلام ليس في موضعه، لكنه جاهل بالحكم، ويظن أن الصلاة قد نسخت. فلذلك قالوا: (الجهل بالحكم والظن بالتشريع في مرتبة واحدة)، فيعذر هذا كما يعذر هذا، وبناءً على ذلك فمن قام من العوام مع الإمام يظن أنه يتابعه وهو يعلم أنه قد زاد فحينئذٍ يحكم بصحة صلاته من هذا الوجه. وقالت طائفة من العلماء: تبطل صلاتهم. وهذا على مذهب من يقول: إن العذر بالجهل خاص بزمان النبي صلى الله عليه وسلم. وهو أقوى المسلكين من مسالك الأصوليين رحمة الله عليهم.
حكم كثرة الحركة في الصلاة من غير جنسها
حكم كثرة الحركة في الصلاة من غير جنسها قال رحمه الله تعالى: [وعمل مستكثر عادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه]. وصف المصنف العمل بكونه مستكثراً، أي: كثيراً، فخرج العمل القليل، كأن يصلح عمامته أو يصلح ثوبه، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حينما جر ثوبه وهو في الصلاة والتحف به، فهذا عمل يسير. وللعلماء قولان في ضابط العمل الكثير: القول الأول: أنه يضبط بالعدد، فإذا فعل ثلاث حركات متتابعات بدون فاصل فهذا عمل كثير ويوجب بطلان الصلاة، وهذا قول الحنفية. القول الثاني: لا حد بالعدد، وإنما يحد بالعادة والعرف؛ لأن ما أطلق في الشرع فإنه يبقى على إطلاقه. فيعرف الكثير من العمل في العادة بأنه لو رآه رجل من بعيد يفعل هذه الأفعال لقال: هذا غير مصلٍ. فبناءً عليه فرقوا بين القليل والكثير بضابط العادة، وهذا قول الجمهور، ومنهم الشافعية والحنابلة، ودرج عليه المصنف فقال: [عادة]، والقاعدة أن ما أطلقه الشارع فإنه يرجع فيه إلى العرف والعادة. فعمل المستكثر عادة يعتبر من موجبات بطلان الصلاة؛ لأن الإنسان إذا فعل الأفعال الكثيرة التي لا تتعلق بالصلاة خرج عن كونه مصلياً، وبناءً على ذلك يحكم ببطلان صلاته، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن في الصلاة لشغلاً)، والتعبير بهذا الأسلوب يدل على أنه شغل، أي: ينبغي للمكلف أن يستجمع نفسه لهذه الصلاة فلا يشتغل بأي أمر خارج عنها. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن الحكم: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس)، فهي عبادة مخصوصة تقع على هيئة مخصوصة، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي). فالأفعال التي هي من جنس الصلاة إن كانت عمداً فالصلاة باطلة، وإن كانت سهواً جبرت بسجود السهو. وهذا هو النوع الأول من الأفعال الزائدة. والأفعال الزائدة من غير جنس الصلاة يفرق بين قليلها وكثيرها، فإن كان الفعل كثيراً بطلت، وإن كان يسيراً لم تبطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فتح الباب وهو في الصلاة، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه حمل أمامة في الصلاة ووضعها، وصعد المنبر ونزل عنه عليه الصلاة والسلام، وكل ذلك لم يوجب بطلان صلاته صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: (يبطلها عمده وسهوه). أي أن الأفعال المستكثرة التي ليست من جنس الصلاة يبطلها العمد والسهو، فلو أن إنساناً نسي أنه في الصلاة فتحرك حركات كثيرة، ثم تذكر أنه في الصلاة ورجع إليها؛ فإنه يحكم ببطلان صلاته، ويستوي في ذلك أن يكون متعمداً أو ناسياً، ولذلك يعتبرون النسيان في مثل هذا الحال لاغياً. فإن قال قائل: كيف نجيب عن قول الله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]؟ قلنا: نسيانه وذهوله يوجب سقوط الإثم عنه، ولا يوجب سقوط الحق عنه، ولذلك فإن النسيان لا يسقط الحقوق، فلو كان لرجل على إنسان دين ونسيه ثم تذكره وجب عليه أن يقضي الدين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (فدين الله أحق أن يقضى)، فحق الله لا يسقط بالنسيان، وهذا على الأصل وإن كان هناك استثناءات دلت النصوص عليها، ولذلك يعبر الأصوليون بعبارة أدق فيقولون: يسقط عنه الإثم من باب الحكم، ويلزم بإعادة صلاته واستئنافها إعمالاً للأصل.
يسير الحركة في الصلاة
يسير الحركة في الصلاة قال المصنف رحمه الله: [ولا يشرع ليسيره سجود]. أي: إذا عمل عملاً كثيراً حكم ببطلان صلاته، أما لو عمل شيئاً يسيراً فإنه لا يشرع له أن يسجد سجود السهو، فلا يسجد لليسير من الأفعال سجود السهو جبراً للخلل، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعل بعض الأمور اليسيرة التي ليست من مقصود الصلاة ولم يسجد لها، كفتحه للباب لما قُرع عليه، ورده السلام حينما سُلم عليه وهو في الصلاة، فهذه الأعمال اليسيرة لا يحكم فيها ببطلان الصلاة، ولا يشرع لها سجود سهو، وإنما تغتفر سماحة ويسراً من الشرع.
الأكل والشرب في الصلاة
الأكل والشرب في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ولا تبطل بيسير أكل وشرب سهواً]. لأن الأكل والشرب يخالف مقصود الصلاة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الصلاة لشغلاً)، فالأصل في المصلي أن يشتغل بذكر الله عز وجل، وعمل الأعمال التي أمر الله بعملها حال الوقوف بين يديه، فإذا أكل أو شرب فقد خرج عن كونه مصلياً. ومذهب كثير من العلماء أن من أكل أو شرب اليسير أو الكثير عمداً أو نسياناً فصلاته باطلة، وهذا القول أشبه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الصلاة فيها شغل، وليس من شغل الصلاة الأكل والشرب، بل هو متضمن للإعراض عن الله عز وجل بالالتهاء بشهوة البطن، سواءٌ أكان أكلاً أم شرباً، كثيراً أم قليلاً، إلا أن هؤلاء منهم من استثنى اليسير الذي يكون بين الأسنان، وهكذا طعم الطعام، كأن يكون شرب لبناً فبقي شيء من طعمه في ريقه، أو بقيت رائحته في فمه فاستطعم ذلك الطعم، فقالوا: لا تبطل صلاته لما في ذلك من المشقة؛ إذ يصعب على الإنسان -خاصة أثناء صيام رمضان إذا كان حديث عهد بالسحور وجاء لصلاة الفجر- أن يدفع مثل هذا اليسير، ثم هو شيء قليل لا يقصد عادة فاستثنوا مثل هذا اليسير الذي يكون بين الأسنان، أو يكون داخل الفم من رائحة قوية للطعام لم تزل بالمضمضة. وفصّل بعض العلماء فيما يكون بين الأسنان فقال: إن اشتغل بقلعه أثناء الصلاة ووضعه بين أسنانه كحال الطاعم والعاض فإنه يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه في صورة الآكل. أما لو أنه استخرجه مباشرة فإنه لا يحكم ببطلان الصلاة لكونه لم يطعم. ولا شك أن الأكل والشرب لا وجه لاستثنائه يسيراً كان أو كثيراً، إلا ما أثر عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أنه شرب الماء في صلاة النافلة، وبعض العلماء يشكك في ثبوت الخبر، ولكنهم قالوا: إن هذا لا يقوى على معارضة السنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على أن المصلي ينبغي عليه أن يشتغل بمقصود الصلاة. وبناءً على هذه السنة فإنه لا يقوى على تخصيصها إلا ما هو في مثلها في القوة أو أقوى منها، كأن يكون نصاً قطعياً متواتراً، فلا يقوى مثل هذا على الاستثناء، ويتأول لـ ابن الزبير لو صح عنه، فإذا قيل بهذا فإنه يُبقى على الأصل الذي يوجب الحكم ببطلان الصلاة. واستنثى المصنف رحمه الله حالة السهو إذا أكل أو شرب يسيراً، وقد قال بعض العلماء: يغتفر له وتصح صلاته. والصحيح ما ذهب إليه طائفة من أهل العلم أنه يستوي في ذلك العمد والسهو، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر برفع المؤاخذة عن الساهي، فيقولون: يسقط عنه الإثم لمكان السهو ويحكم ببطلان صلاته ولزوم استئنافها. وهذا له أصل، فلو احتاج لإنقاذ نفس، كأن رأى صبيه يوشك أن يقع في الهلاك، فقد قالوا: لو قطع صلاته واشتغل بإنقاذه فخرج عن الصلاة بالعبث الكثير لإنقاذه، فإننا نحكم بسقوط الإثم لمكان الضرورة، ونحكم بوجوب الاستئناف لكونه قد خرج عن الصلاة ومقصودها. وكذلك قالوا هنا: يسقط عنه الإثم لمكان السهو، ويؤمر باستئناف صلاته وابتدائها. قال رحمه الله تعالى: [ولا نفل بيسير شرب عمداً]. أي: ولا يبطل النفل بيسير شرب عمداً، فإذا كان شربه للماء قصداً في النفل قالوا: إن صلاته لا تبطل. وهذا مبني على مذهب من يقول من الأصوليين: إن قول الصحابي وفعله حجة. وهذا لا شك أن له وجهاً عند من يقول به، ولكن نظراً لمعارضته للأصل الذي يدل على وجوب اشتغال المصلي بما هو من مقصود الصلاة فإنه لا يقوى تخصيص هذا الأصل بالأثر الوارد عن ابن الزبير لو صح عنه ذلك.
نقل الذكر المشروع في الصلاة إلى غير موضعه
نقل الذكر المشروع في الصلاة إلى غير موضعه قال رحمه الله تعالى: [وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كقراءة في سجود وقعود، وتشهد في قيام، وقراءة سورة في الأخيرتان لم تبطل ولم يجب له سجود، بل يشرع]. قوله: (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه) مثاله: أن يصلي إنسان الظهر، فعندما قام للركعة الثانية فبدل أن يقرأ الفاتحة قرأ التشهد سهواً لا قصداً، أو ركع فسها فقرأ القرآن راكعاً، أو سجد فقرأ الفاتحة ساجداً، أو جلس للتشهد فسها فقرأ الفاتحة وهو في التشهد. فالفاتحة مشروعة في الصلاة، والتشهد مشروع في الصلاة، فهو متلفظ بلفظ مشروع في الصلاة، ولكن الموضع الذي تلفظ فيه لا يشرع إيقاع هذا الذكر فيه. فسواءٌ أكان في حال القراءة أم حال الرفع من الركوع، أم تشهد بين السجدتين في جلسته بينهما، فكل هذا إذا سها فيه فقد قال رحمه الله: (لم تبطل، ولم يجب له سجود، بل يشرع). وهذا النوع من الأقوال يعتبر متردداً في القياس، أي: يعتبر قياسه قياس شبه، وهو عند الأصوليين (أن يتردد الفرع بين أصلين مختلفين في الحكم)، فأنت إذا نظرت إليه وقلت: إن هذا القول مشروع في أصله. فإن زيادته في الصلاة توجب سجود السهو، كما لو زاد في الصلاة ذكراً في موضع لا يشرع أداء ذلك الذكر فيه، كأن يتشهد مرتين في موضع التشهد فإنه يسجد للسهو، فحينئذٍ إن قسته على من تشهد مرتين أو قرأ الفاتحة مرتين قلت: يسجد للسهو؛ لأن الذكر مشروع في أصله، ولأن إيقاع التشهد الثاني وقراءة الفاتحة مرة ثانية واقع في غير موقعه، فهذا إذا قلت: إنه يسجد للسهو. وإن قلت: لا يجب عليه سجود السهو فذلك لأن المكان ليس بمكان هذا الذكر، فأشبه الفعل الخارج عن الصلاة والقول الخارج عن الصلاة، فلذلك تقول: إنه قول زائد عن الصلاة، فلا يشرع سجود سهو له، كما لو فعل اليسير من الأفعال فلا يجب عليه أن يسجد سجود السهو. فتوسط أصحاب هذا القول بين الأصلين وقالوا: لا يجب عليه سجود السهو؛ لأن الموضع ليس بموضع الذكر، ويشرع له، أي: لو سجد لشرع له لمكان الأصل الذي يلتحق به، كما لو كرر الفاتحة أو كرر التشهد. فالمصنف رحمه الله ذهب إلى هذا القول المتوسط فرأى أنه لا يجب عليه سجود سهو، ولكن لو سجد فلا حرج، وهذا معنى قوله: (بل يشرع) أي: له أن يسجد. فلو سألك سائل وقال: أنا قرأت التشهد قائماً، قلت له: لا يجب عليك أن تسجد، وإن سجدت فلا حرج. ولو سألك وقال: قرأت الفاتحة ساجداً، أو حال التشهد، أو بين السجدتين تقول: لا يجب عليك أن تسجد للسهو، وإن سجدت فلا حرج.
التسليم قبل إتمام الصلاة عمدا أو سهوا
التسليم قبل إتمام الصلاة عمداً أو سهواً قال رحمه الله تعالى: [وإن سلم قبل إتمامها عمداً بطلت، وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد]. قوله: (وإن سلم) أي: الإمام أو المأموم أو المنفرد، (قبل إتمامها) أي: إتمام الصلاة (عمداً بطلت) أي بطلت صلاة الجميع. فلو أن شخصاً صلى الصبح، فلما انتهى من الركعة الأولى سلم، وهو عالم أنه في الركعة الأولى وأن صلاته لم تتم فإن صلاته تبطل بالإجماع، أو سجد السجدة الثانية الأخيرة، وقبل أن يقرأ التشهد سلم فقد بطلت صلاته، إلا عند من لا يرى وجوب التشهد ولزومه. فمن سلم من الصلاة قبل كمالها وتمامها عالماً أن صلاته لم تتم، فصلاته باطلة؛ لأنه لم يصل على الصفة المعتبرة شرعاً، وقد ثبت في الحديث الصحيح من حديث علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، فدل على أنه لما سلم أثناء الصلاة فقد حل منها، وبناءً على ذلك يكون تسليمه قبل انتهاء صلاته خروجاً من الصلاة، وقد خرج من الصلاة قبل كمالها فبطلت، وهذه المسألة تدل على أن من أراد أن يقطع الصلاة إذا أقيمت الصلاة فعليه أن يسلم حتى يصدق عليه أنه صلى، ولذلك قالوا: من سلم قبل تمام الصلاة بطلت صلاته. وهذا يدل على أنهم معتبرون للتسليم، وأن التسليم يوجب الخروج من الصلاة، وكل هذا إذا بقي له ركن، أما لو سلم قبل الكمال الذي هو بمنزلة الفضل، كأن يكون سلم قبل الدعاء الأخير، فإن صلاته صحيحة؛ لأن الدعاء الأخير لا يعتبر ركناً ولا واجباً ولا شرطاً في صحة الصلاة، فلو أنه قرأ التشهد وأكمله وكان مستعجلاً وسلم صحت صلاته وأجزأته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (إذا فعلت هذا -أي: الأركان- فقد تمت صلاتك). وقوله: (وإن كان سهواً ثم ذكر قريباً أتمها وسجد) مثاله: أن يسلم من ركعتين في الرباعية، كما لو صلى الركعتين الأوليين من الظهر وجلس للتشهد، ثم ظن أنه في الركعة الأخيرة فسلم، أو صلى الفجر ركعة ثم جلس يظن أنه في الأخيرة وتشهد وسلم، فكل هذه الصور داخلة تحت هذا الأصل الذي ذكره المصنف، وهذا الحكم مبني على حديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين أنه قال: (صلى النبي صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدمة المسجد فوضع يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس، فقالوا: قصرت الصلاة، فقام رجل يقال له: ذا اليدين فقال: يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: بلى، قد نسيت، فسأل الصحابة: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فصلى ركعتين، ثم تشهد، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعدما سلم) صلوات الله وسلامه عليه. وهذا الحديث يدل على مسائل، منها: أن من سلم من صلاته ساهياً يجوز له أن يرجع فيتم ما فاته ويستدركه، وأنه يسجد للسهو لمكان الزيادة، وبناءً على ذلك فمن صلى الصبح ركعة وسلم فإنه يرجع، وإذا رجع يجلس كحال المتشهد ليأتي بصفة القيام من الجلوس إلى القيام، فيقوم ويقرأ الفاتحة ويتم الركعة، ثم يجلس للتشهد ويسلم، فإذا سلم سجد بعد السلام سجدتين، وهاتان السجدتان لمكان الزيادة، ووجه الزيادة أنه زاد في تشهده، ثم زاد السلام بعد التشهد، وهذه الزيادة التي وقعت وهي من جنس الصلاة شرع لها جبر، وذلك بسجوده بعد السلام. فإذا ثبت أن من سلم من نقص يلزمه التمام، فهل كل من ذكر النقص في الصلاة يرجع ويتمها؟ A هذه المسألة فيها تفصيل، فلو أن إنساناً صلى الركعتين وسلم بعد انتهائه منها وبقيت له ركعتان، كأن يكون في الظهر أو العصر أو العشاء، فإن تذكر في المسجد فإنه يشرع له أن يرجع ويتم الصلاة، سواء أطال الوقت أم قصر، ويستوي في هذا أن يكون في مكان صلاته، أو يكون في غير مكان الصلاة. والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قام من مكان الصلاة وانتقل إلى جوار الجذع، فخرج عن المكان الذي صلى فيه، لكنه داخل المسجد، فاشترط أن يكون ذكره حال كونه داخل المسجد، فلو خرج من المسجد انقطع التدارك ولزمه الاستئناف. وقال بعض العلماء: إن طال الزمان بين تسليمه من الركعتين وذكره يلزمه أن يستأنف. واختلفوا في قدر الطول والقصر على تفصيل. ولكن الأشبه والأقوى أن يرجع إلى المصلى ولو طال الزمان ما دام أنه في المسجد، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع، فدل على أنه في حال المصلي، مع وقوع الكلام الأجنبي الذي ليس هو من ألفاظ الصلاة كقوله: (ما نسيت ولم تقصر)، وقوله: (أصدق ذو اليدين؟)، فهذا كله كلام ليس من أذكار الصلاة، وإن كان مشروعاً لمصلحة الصلاة. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى الصلاة، واعتبر هذا الفاصل مع وجود الكلام غير مؤثر في الصلاة، وعلى هذا فيشرع للإمام والمنفرد أن يرجعا إلى صلاتهما ويتما على الصورة التي ذكرنا. أما لو أنه خرج من المسجد فإنه يستأنف الصلاة، سواءٌ أطال الوقت أم قصر، فلو أنه سلم من ركعتين وخرج من المسجد مباشرة فإنه حينئذٍ لا يتدارك، وإنما يرجع ويستأنف الصلاة؛ إذ قد بطلت صلاته الأولى بالخروج من المحل، فاعتبر المحل لتصحيح بنائه على صلاته الأولى. وبناءً على ذلك فلو أوقع شخص صلاة بين الركعتين الأوليين من الظهر والركعتين الأخريين، كأن صلى الظهر ثم سلم من ركعتين ساهياً، ثم قام وصلى ركعتين نافلة، ثم بعد أن صلى الركعتين تذكر أنه سلم من اثنتين فعليه أن يرجع ويتم الصلاة، وذلك لأن الصلاة التي أوقعها من جنس الصلاة، وهذا ظاهر. ومثله لو طاف إنسان شوطين، ثم أقيمت الصلاة المفروضة فصلى، ثم رجع وبنى فهو من جنس الطواف، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (الطواف بالبيت صلاة)، فلم يجعل دخول الصلاة بين الأشواط الأولى والأشواط الأخيرة فاصلاً؛ لأنه من جنس الطواف من جهة كونه صلاة. وهكذا لو أوقع نافلة بين الصلاتين المفروضة فيعذر لمكان السهو، وتصح صلاته لمكان الكمال والتمام.
من فاته شيء في الصلاة ثم ذكر بعد السلام
من فاته شيء في الصلاة ثم ذكر بعد السلام قال رحمه الله تعالى: [فإن طال الفصل، أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها، ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل]. في هذه المسألة مذاهب، فبعض العلماء يقول: أعتبر في الفاصل بين الركعتين الأوليين والأخريين وجود الوقت الطويل، ويعبرون عنه بالفاصل كما درج عليه المصنف. وطائفة من العلماء يقولون: لا عبرة عندنا بالفاصل، ما دام أن المكان لم يغادره المصلي إعمالاً لظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ظاهر السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى مصلاه وهو في المسجد، فقالوا: نعتبر الحال والهيئة. وهذا المذهب أشبه من جهة دلالة حال النبي صلى الله عليه وسلم على ما ذكروه. قوله: (أو تكلم لغير مصلحتها بطلت ككلامه في صلبها) أي: إذا تكلم بكلام أجنبي، كأن يسلم من ركعتين فيسأل الذي بجواره عن حاله، أو يكلمه في أمر ما من الأمور، أو سئل عن مسألة فأجاب، أو تكلم بكلام أجنبي ليس من ذكر الله عز وجل وليس من الصلاة، فإنه يستأنف الصلاة على هذا المذهب. والذي يختاره بعض العلماء أنه إذا تكلم بكلام أجنبي نزل منزلة الساهي، كمن تكلم ناسياً كونه في الصلاة، قالوا: فإذا كان كلامه كثيراً فإن صلاته باطلة، وأما إذا كان يسيراً فلا تبطل الصلاة. قوله: [ولمصلحتها إن كان يسيراً لم تبطل]. أي: إن كان الكلام يسيراً لمصلحة الصلاة لم تبطل، فلو سلمت من ركعتي الظهر فقال رجل بجوارك: يا هذا: إن صلاتك لم تتم لأنك صليت ركعتين، فقلت له: لم أصل ركعتين. أو سألته متأكداً من قوله فحينئذٍ إذا رجعت مباشرة صحت صلاتك، وذلك أن سؤالك على سبيل الاستيقان والتثبت، كسؤال النبي صلى الله عليه وسلم: (أصدق ذو اليدين؟)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطبه ذو اليدين فراجعه النبي صلى الله عليه وسلم حتى تأكد وتحقق، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أن الكلام لمصلحة الصلاة ولتصحيحها لا يوجب البطلان. وفرعوا على هذا لو كنت وراء إمام أخطأ في صلاته بحيث لو سبحت له ازداد في الخطأ، قالوا: يشرع أن تكلمه، فتخاطبه بالذي يفعله، ولا حرج عليك؛ لأن ذا اليدين خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بالذي يفعله، ولم يوجب ذلك الحكم ببطلان صلاته.
باب سجود السهو [3]
شرح زاد المستقنع - باب سجود السهو [3] ينتاب العبد في صلاته أمور كثيرة، منها ما قد يوجب إعادة الصلاة، ومنها ما يوجب نقصانها وجبرها بسجود سهو وغير ذلك، وكل حال من الأحوال التي تعرض للعبد في صلاته فإن لها أحكاماً نصت عليها أدلة السنة النبوية وبينها أهل العلم في مصنفاتهم، وفي هذه المادة كثير من تلك المسائل التي تتعلق بسجود السهو.
تابع أحكام سجود السهو
تابع أحكام سجود السهو
حكم القهقهة والنفخ والانتحاب والتنحنح
حكم القهقهة والنفخ والانتحاب والتنحنح بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وقهقهة ككلام]. القهقة: هي الضحكة المعروفة، والقهقهة للعلماء فيها قولان إذا وقعت في الصلاة: فمنهم من يقول: من ضحك في صلاته فإن صلاته باطلة ويلزمه أن يعيد الوضوء. وهذا مذهب الحنفية. ومنهم من يقول: من ضحك في أثناء صلاته فصلاته باطلة ووضوءه صحيح، وهذه هو مذهب الجمهور. واستدل الحنفية بحديث ضعيف وهو: (أن الصحابة -رضوان الله عليهم- كانوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم فرأوا أعمى تردى فضحكوا، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا الوضوء والصلاة). وهذا حديث ضعيف السند والمتن: أما ضعف سنده فالكلام فيه، وأما ضعف متنه فلأن الصحابة أورع وأتقى لله وأخشى من أن يروا أعمى ويضحكون عليه، خاصة وأنهم وقوف بين يدي الله عز وجل، بل إنهم أبعد من أن يضحكوا لو سقط الأعمى في غير صلاة، فكيف وهم واقفون بين يدي الله عز وجل؟!! فهذا حديث ضعيف لا يعول على مثله في بناء الأحكام عليه. وبناءً على ذلك فإذا قهقه أو ضحك في الصلاة فإن صلاته باطلة لخروجه عن كونه مصلياً، ولا شك أن الضحك في الصلاة يعتبر من الآثام، أما لو غلب الإنسان عليه، كأن ذكر أمراً لم يستطع دفعه فهذا له حكمه، لكن أن يضحك قاصداً متعمداً فهذا على خطر، ولذلك يخشى عليه أن يكون مستهزئاً، ومعلوم ما للمستهزئ بالدين من حكم، فالضحك في الصلاة على سبيل العبث واللهو واللعب أمر خطير، ولذلك قال الله عز وجل: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا} [الأنعام:70]، فلذلك لا يجوز للإنسان أن يتشبه بأمثال الكفار الذين قال تعالى عنهم: {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا} [المائدة:58]، فالاستهزاء في داخل الصلاة أمره عظيم، وهو من صنيع أهل النفاق والكفر، والعياذ بالله. ولا يقع من إنسان إلا إذا كان في قلبه مرض -نسأل الله السلامة والعافية-، أما لو غُلِب على ذلك فإنه يدل على ضعف إيمانه؛ لأنه لو استشعر مقامه بين يدي الله عز وجل، ووقوفه بين يدي الله ملك الملوك وجبار السموات والأرض، وأن الله مطلع عليه حال وقوفه لما ضحك، خاصة وأنه يتدبر ويتأمل الآيات، فإنه في هذه الحالة أبعد من أن يضحك، ولو تذكر ما يضحك الإنسان فإنه لشدة الهيبة والمقام بين يدي الله يستطيع أن يتماسك ويمتنع من الضحك. فنسأل الله العافية من هذا البلاء، ونسأل الله أن لا يبتلينا بالاستخفاف بعظمته وهيبة المقام بين يديه. وقد قال بعض العلماء مستنداً إلى بعض الأحاديث، وإن كان قد تكلم في سندها: (إن مقام الناس بين يدي الله يوم القيامة على قدر خشوعهم في الصلاة). فيقف الإنسان بين يدي الله يوم القيامة على قدر ما كان منه من حال أثناء صلاته، فإن كان أثناء وقوفه بين يدي الله في الصلاة يعظمه ويجله كان مقامه بين يدي الله يوم القيامة على أكمل المقامات وأتمها وأحبها إلى الله، ويكون حاله على حال السعداء، وإن كان حاله على الاستخفاف والتلاعب والتشاغل فهو بحسبه، نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: [وإن نفخ، أو انتحب من غير حشية الله تعالى، أو تنحنح من غير حاجة فبان حرفان بطلت]. وقوله: (وإن نفخ) النفخ في الصلاة هو إخراج الهواء من الفم، ويكون في بعض الأحوال متضمناً لبعض الحروف والكلمات، خاصة إذا كان نفخه فيه شيء من التأوه والتألم والتضجر والسآمة، فإنه في هذه الحالة يخرج شيء أشبه بالأصوات، فقد يقول: آه. فإن فيه الهمز والهاء، وهذان حرفان. وقوله: (أو انتحب من غير خشية الله) أي: بكى، وذلك كالشخص الذي يكون حزيناً لأمر، فيدخل في الصلاة وهو حديث عهد بالحزن، فيبكي في صلاته لحزنه لا لخشية الله، فهذا البكاء إذا كان فيه نحيب وصوت فإنه يوجب بطلان صلاته. وقوله: (أو تنحنح لغير حاجة) التنحنح استثناه بعض العلماء لحاجة، كأن يجد في صدره ما يوجب التنحنح، أو يتنحنح للتنبيه، فقالوا: إنه يكون في حكم التسبيح، وقد جاء عن علي رضي الله عنه أنه: (كان إذا دخل على النبي صلى الله عليه وسلم بالليل تنحنح له عليه الصلاة والسلام)، فهذا يعتبره العلماء بمثابة التسبيح؛ فإن التسبيح فيه حروف وجمل، فإن (سبحان الله) جملة، وبناءً على ذلك قالوا: لا تبطل الصلاة إذا وجدت الحاجة الداعية إلى أن يتنحنح، خاصة لورود حديث علي رضي الله عنه في السنن. أما إذا انتحب -وهو الصوت الذي يكون مع البكاء-، وكان نحيبه من خشية الله فبعض العلماء يقول: إذا أصدر الأصوات وأزعج فإن صلاته تبطل، وخرج عن كونه مصلياً، وقد أثر عن عمر رضي الله عنه أنه: (كان يسمع نشيجه وبكاؤه من آخر الصفوف)، لكن هذا النحيب من عمر وأمثال عمر إنما هو من مغلوب عليه، أما أن يتكلف الإنسان ويحاول أن يغلب نفسه لكي تبكي، ويرفع صوته بذلك فلا شك أن هذا يوجب بطلان صلاته، خاصة إذا علت الأصوات وشوش على المصلين، ولا يأمن على صاحبه من الرياء، نسأل الله السلامة والعافية. ولذلك تجد بعض العلماء والأخيار والصالحين يغالب نفسه في البكاء، ويحاول أن لا يبكي حتى يغلب، وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه الله برحمته الواسعة (إذا خطب في الناس وبكوا قطع الخطبة وجلس خوف الرياء). فإذا كان الإنسان مغلوباً على البكاء فلا حرج، خاصة إذا كان من خشية الله عز وجل، أما إذا كان بكاؤه تكلفاً ويغالب به نفسه وحصلت من الأصوات الحروف فإنه يحكم ببطلان صلاته وخروجه عن كونه مصلياً.
ترك الركن وغاية تداركه
ترك الركن وغاية تداركه قال المصنف رحمه الله: [فصل: ومن ترك ركناً فذكره بعد شروعه في قراءة ركعة أخرى بطلت التي تركه فيها]. من ترك ركناً فإما أن يكون تكبيرة الإحرام، وإما أن تكون غيرها، فمن ترك تكبيرة الإحرام بطلت صلاته؛ لأن الصلاة لا تنعقد بغير تكبيرة الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث علي: (تحريمها التكبير)، وهو حديث صحيح، فلو أن إنساناً وقف ظاناً أنه كبر تكبيرة الإحرام وقرأ الفاتحة وركع وسجد، ثم تذكر أنه لم يكبر تكبيرة الإحرام فصلاته لم تنعقد أصلاً، فتكبيرة الإحرام لا تنعقد الصلاة بغيرها. أما بالنسبة لغير تكبيرة الإحرام، كأن ترك قراءة الفاتحة، بأن كبّر ثم سها فقرأ السورة التي بعد الفاتحة، ثم ركع، فتذكر وهو في الركوع أو بعد الركوع، فحينئذٍ قال بعض العلماء: من نسي ركناً وشرع في الركن الذي يلي الركن الذي بعده فإنه يلزمه قضاء الركعة؛ لأنهم يرونه بدخوله في الركن البعدي قد ابتعد ولم يمكنه التدارك؛ لأنه قد اشتغل بركن غير الركن الذي هو فيه، فلا يرجع. وقال بعضهم: العبرة بأربعة أركان، فإن دخل في الركن الرابع لم يرجع للذي قبله؛ لأنه في الركن الأول والثاني والثالث يمكنه أن يتدارك، أما فيما بعد الأركان الثلاثة بدخوله للرابع فإنه لا يمكنه التدارك. وقال بعضهم: إن دخل أو شرع في قراءة الركعة التي بعد الركعة التي سها فيها فحينئذٍ قد خرج عن التدارك، وإن كان قبل ذلك يتدارك. وهذا هو الذي درج عليه المصنف، وهو الأقوى والأرجح إن شاء الله، فمن نسي ركناً وتذكر هذا الركن قبل أن يدخل في قراءة الركعة التي تلي الركعة التي سها فيها فإنه يرجع ويتدارك الركن، فلو نسي الفاتحة فركع وتذكر وهو راكع فإنه يرفع رأسه بدون ذكر، ويقرأ الفاتحة ويقرأ السورة التي تليها، ويتم الصلاة على سننها وطريقتها، ثم يسجد بعد السلام؛ لأنه زاد ركن الركوع قبل أن يفعل ركن القراءة. وكذلك لو تذكر في ركن ثان، كأن نسي قراءة الفاتحة وركع ثم رفع من الركوع، فإذا تذكر في حال الرفع من الركوع فإنه يقرأ الفاتحة ثم ما بعدها من سورة، ثم يتم الصلاة على سننها ويسجد للزيادة. وكذلك لو تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة وهو في السجدة الأولى، أو بين السجدتين، أو في السجدة الثانية من الركعة التي نسي فيها، فإنه يقوم مباشرة بدون ذكر ويقرأ الفاتحة والسورة التي تليها، ويتم الصلاة على سننها ويسجد للزيادة. والسبب في هذا أنه بمجرد تركه للركن لا يزال خطاب الشرع عليه بقراءة الفاتحة، فلما ركع أوقع الركوع في غير موقعه؛ لأن الركوع في هذه الركعة لا يصح إلا بعد قراءة الفاتحة، فكأنه فعل شيئاً خارجاً عن الصلاة، فلم يعتد بوقوع ذلك الشيء ورجع للتدارك، وهكذا لو رفع أو سجد أو كان بين السجدتين، ففي الجميع قد توجه عليه الخطاب أن يقرأ الفاتحة فيرجع تداركاً لأمر الشرع، ويكون انتقاله لهذه الأركان مغتفراً لمكان السهو، ويلزم بسجود السهو البعدي لمكان الزيادة، فقد زاد شيئاً من جنس الصلاة، فهذا وجه كونه لم يرجع ما لم يدخل في ركعة ثانية. أما لو دخل في الركعة الثانية، كما لو نسيت الفاتحة فركعت ورفعت وسجدت، ثم سجدت السجدة الثانية، ثم قمت إلى الركعة الثانية وقرأت الفاتحة، فقد دخلت في ركعة جديدة، وألغيت ركعتك الأولى، وحينئذٍ وقع الخلاف في كونه يلفق أو يلقي: فقال بعض العلماء: يلغي الركعة الأولى كأنها لم توجد؛ لأن هذه الركعة وجودها وعدمها على حد سواء. وقال بعضهم: يقضي ركعة بعد انتهائه من الصلاة. وفائدة الخلاف: أنك لو صليت الركعة الأولى ونسيت فيها الفاتحة، ثم قمت إلى الركعة الثانية وشرعت في قراءة الفاتحة، فبعد انتهائك من الركعة الثانية فإنك على أحد القولين تقوم بناءً على أن الركعة الأولى ألغيت وأنت في الثانية، وهو الأقوى والأصح إن شاء الله. وعلى القول الآخر تجلس للتشهد، ثم تأتي بالركعتين الأخريين، ثم تقضي ركعة كاملة. والأقوى ما ذكرناه؛ لأن الأولى تلغى لكونها غير معتدٍ بها، ويلزمه أن يأتي بالركعة الثالثة بعد الركعة الثانية على الصورة المعهودة في الصلوات. قال رحمه الله تعالى: [وقبله يعود وجوباً فيأتي به وبما بعده]. أي: قبل أن يشرع في الركعة الثانية يرجع ويتدارك وجوباً، كما لو نسي الفاتحة وتذكرها وهو راكع فإنه يرجع مباشرة، وهكذا لو تذكرها وهو ساجد، وقس على هذا. قال رحمه الله تعالى: [وإن علم بعد السلام فكترك ركعة كاملة]. ذلك بأنه إذا لم يقرأ الفاتحة في الأولى، أو الثانية، أو في الثالثة، أو الرابعة فكتركه لركعة، أي: يلزمه أن يرجع إلى مصلاه، أو يستقبل القبلة إن بعد عنه المصلى ويتم ركعة كاملة. فكأنه يقول: ابن الحكم في هذه المسألة على المسألة التي تقدمت معنا فيمن سلم من ركعتين، فلو أنك سهوت عن الفاتحة ولم تتذكر إلا بعد السلام، فإن طال الفصل فإنك حينئذٍ تستأنف الصلاة وتعيدها كاملة، وإن لم يطل الفصل فحينئذٍ تأتي بركعة كاملة. فهذا وجه تشبيهه؛ لأنه كتركه لركعة، وبناءً على ذلك فإن طال فصله فعلى مذهب المصنف رحمه الله يستأنف الصلاة وتبطل صلاته الأولى، وإن لم يطل الفصل فإنه يبني ويأتي بركعة كاملة قضاءً لهذه الركعة التي اختلت بفوات ركنها. وأما على المذهب الذي قلنا: إنه أقوى فعلى ظاهر حال النبي صلى الله عليه وسلم، فإن تذكر أنه لم يقرأ الفاتحة وهو داخل المسجد فإنه يستقبل القبلة ويتم صلاته على الصورة التي ذكرناها.
ترك التشهد الأول ومتى يتدارك حال النسيان
ترك التشهد الأول ومتى يتدارك حال النسيان قال رحمه الله تعالى: [وإن نسي التشهد الأول ونهض لزمه الرجوع ما لم ينتصب قائماً]. هذه المسألة تتعلق بنسيان الواجبات، والمسألة الأولى في نسيان الأركان، فذكر لك رحمه الله حكم ما إذا نسي الركعة بكاملها، وفصّل لك بين أن يطول الفصل وألا يطول، ثم إن نسي جزء الركعة، وفصّل بين أن يتذكر داخل الصلاة أو بعد الفراغ من الصلاة، ثم انتقل إلى نسيان الواجبات، كأن ينسى التشهد الأول ويقوم إلى الركعة الثالثة، فإذا نسي التشهد الأول، كما لو صلى الركعة الأولى والثانية، ثم بدل أن يجلس للتشهد انتصب قائماً، فحينئذٍ إذا انتصب قائماً فإنه انتصب عوده واستتم قائماً فإنه لا يرجع إلى التشهد، ويسقط عنه التشهد لحديث عبد الله بن مالك بن بحينة رضي الله عنه وأرضاه، وفيه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم الظهر فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، وسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم)، ومثله حديث المغيرة بن شعبة حينما كان أميراً على الكوفة، فإنه سها وقام ولم يجلس في التشهد الأول، فسبحوا له، فأشار إليهم أن: قوموا. ورفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه فعل فدل هذا على أن من نسي التشهد الأول واستتم قائماً أنه لا يرجع، بل يمضي في صلاته، ثم يسجد سجدتي السهو قبل السلام تداركاً لهذا الواجب الذي تركه. وهناك أقوال أخر للعلماء في هذه المسألة: فقد قال بعضهم: بمجرد مفارقته للأرض لا يعود. - وقال بعضهم: إذا استتم قائماً وشرع في الفاتحة. - وقال بعضهم: ما لم يركع. فهذه كلها أقوال للسلف رحمهم الله. وأقواها أنه يعود ما لم يستتم قائماً؛ لأنها صورة حال النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه انتصب قائماً، ولم يذكر الراوي شروعه في الفاتحة، ولا قدر الشروع في الفاتحة، والذي يظهر أن الصحابة رفعوا رءوسهم مباشرة، وأنت إذا تأملت حاله فالغالب أنه إذا كبّر عليه الصلاة والسلام فتكبيره كان مقارناً بقيامه، فإذا تأملت حال الصحابة أنهم رفعوا رءوسهم سيكون تسبيحهم بمجرد استتمامه قائماً، ولا شك أنه يقوي القول بأنه قبل قراءته للفاتحة، وأن العبرة باستتمامه قائماً، فكما أنه قوي من جهة الأثر فإنه قوي من جهة النظر؛ لأنه إذا استتم قائماً قد دخل في الركعة التي تلي واجب التشهد، فيقوى حينئذٍ اشتغاله بالركن عن الرجوع إلى الواجب. وعليه فيقوى أن يقال: إنه يتم بناءً على وقوفه، ولا يشترط قراءته للفاتحة. قال رحمه الله تعالى: [فإن استتم قائماً كره رجوعه وإن لم ينتصب لزمه الرجوع، وإن شرع في القراءة حرم الرجوع وعليه السجود للكل]. المصلي إذا يستتم قائماً، كأن تحرك أو وثب فلما وصل إلى درجة الركوع سبحوا له فإنه يلزمه الرجوع؛ لأنه لا يعتبر متلبساً بالركن ولا داخلاً فيه إلا عند استتمامه بالقيام، ويلزمه حينئذٍ الرجوع، وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مفاد قوله: (وإن لم ينتصب لزمه الرجوع) وحينئذٍ إذا تركه متعمداً بطلت صلاته، فلو أنه تحرك للقيام فسبحوا له وعلم أنه قد ترك التشهد فقام عالماً متعمداً، ولم يتأول مذهب من يقول بمفارقة الأرض، فحينئذٍ يحكم ببطلان صلاته؛ لأن من ترك واجباً من واجبات الصلاة متعمداً بطلت صلاته. قوله: [وإن شرع في القراءة حرم الرجوع] أي: حرم عليه أن يرجع إلى التشهد، فبين لك رحمه الله متى يلزم بالرجوع للتشهد، ومتى يلزم بالبقاء وإتمامها، فقال: إن فارق الأرض ولم يستتم قائماً وجب عليه أن يرجع؛ لأن الخطاب متوجه عليه بالجلوس للتشهد، وإن استتم قائماً لزمه إتمام الركن؛ لأن الخطاب متوجه عليه بإتمام الركعة، وحينئذٍ لا يرجع للتشهد، فلو رجع فقد حكم بعض العلماء ببطلان صلاته؛ لأنه زاد ركن القيام. وقال بعضهم: يحكم ببطلان صلاته؛ لأنه زاد التشهد بعد سقوطه عنه. وكلا القولين والتخريجين صحيح. وقال بعض العلماء بالتفريق بين الجاهل وبين العالم على الأصل الذي يسلكه بعض الأصوليين في العذر بالجهل، وكون الجاهل يعذر بالجهل بعد استقرار الأحكام أو لا يعذر مسألة معروفة عند الأصوليين. وقوله: [وعليه السجود للكل]. فيه صورتان: الأولى: أن يستتم قائماً ويقرأ الفاتحة ولا يرجع، فيكون سجوده عن نقص، ويكون قبل السلام. الثانية: أن يكون قد ارتفع من الأرض ولم يستتم قائماً ورجع فيكون سجوده للزيادة؛ لأنه زاد الحركة -التي هي قيامه ومفارقته للأرض قبل استتمامه- ما بين جلوسه وما بين استتمامه قائماً، وهذه الحركة زائدة؛ لأنه مطالب أن يجلس للتشهد، فكونه يزيد الوقف أو التحرك للوقوف فإنه يطالب بسجدتي السهو جبراً لهذه الزيادة. ولما كان المذهب لا يفرق بين الزيادة والنقص قال: (وعليه السجود) للكل وسكت، لكن من يفصل يقول: يسجد للزيادة إن كان قد رجع، ويسجد للنقص إن كان قد استتم قائماً.
الشك في الركعات والأركان
الشك في الركعات والأركان قال رحمه الله: [ومن شك في عدد الركعات أخذ بالأقل، وإن شك في ركن فكتركه]. بعد أن بيّن لنا رحمه الله النقص والزيادة وأحكامها في سجود السهو شرع بإلحاق مسائل ملتحقة بهذا، وهي تصرف الإنسان في حال الشك. والشك: هو استواء الاحتمالين، فلو صليت الصبح ولم تدر هل صليت الركعة الثانية، أم صليت ركعة واحدة فحينئذٍ كأنك لم تصل الثانية إذا استوى عندك الاحتمالان، أما لو ترجح عندك أو غلب على ظنك رجحان أحد الاحتمالين فحينئذٍ تبني على غالب ظنك، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سلم من اثنتين، بناءً على ظنه الغالب. وقال بعض العلماء: الشك والتردد يوجب البناء على الأقل مطلقاً. والأقوى أنه يتحرى الصواب ويبني على غالب ظنه. والبناء على غالب الظن هو أن توجد قرائن تدل على أنه ليس في الركعة الثانية، كأن يحس أن الوقت قصير جداً بحيث لا يتسع لصلاة ركعتين، فحينئذٍ يبني على واحدة، أما لو أحس بطول الزمان، وقراءته قليلة، وغلب على ظنه أنه صلى الركعتين فحينئذٍ يبني على أنه أتم الصلاة ولا يأتي بالركعة الثالثة. والأصل في هذا حديث أبي سعيد الخدري في الصحيح أن النبي صلى قال: (إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى أثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته، وإن كان صلى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان)، فدل على أنه مطالب بالأخذ بالأقل، وهذا مفرّع على القاعدة المشهورة: (اليقين لا يزول بالشك)، فمن كان شاكاً: هل صلى واحدة أو اثنتين فهو على يقين من واحدة وشك من اثنتين، واليقين أنه مأمور بركعتين، فحينئذٍ لا تبرأ ذمته إلا بيقين، فيلزمه حينئذٍ أن يأتي بالركعة الثانية، ويقاس على هذا تكبيرات الجنائز، فلو شك هل كبّر واحدة أو اثنتين فإنه يبني على واحدة، ولو شك في أشواطه في طوافه بالبيت فإنه يبني على الأقل، وهكذا السعي بين الصفا والمروة، فكل هذا يبني فيه على الأقل، وفي الصلاة يسجد سجدتين قبل أن يسلم. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم الحكمة من هاتين السجدتين، فقال: (إن كان صلى تماماً -يعني: أربعاً- كانتا ترغيماً للشيطان)، وذلك أن الشيطان يتألم من سجود ابن آدم، فإذا رأى ابن آدم ساجداً تولى يصيح: يا ويله! أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فلم أسجد فلي النار. فإن كنت صليت تماماً فيكون بناؤك صحيحاً واعتبارك لليقين صحيحاً، وتكون السجدتان ترغيماً للشيطان؛ لأنه أدخل عليك الوسوسة بالشك فيؤذى بالسجود، وأما إن كانت صلاتك زائدة وكانت الركعة التي صليتها ركعة خامسة في رباعية، أو رابعة في ثلاثية، أو ثالثة في ثنائية، فإن السجدتين تشفعان هذه الركعة، فتلغيانها كأنها لم توجد، وصلاتك صحيحة ومعتبرة. وقوله: [وإن شك في ترك ركن فكتركه]، أي: إذا شك في ترك الفاتحة أو عدم تركها فإنه كما لو تركها، ويلزمه أن يقرأ الفاتحة، وهكذا أي ركن سواها.
حكم الشك في ترك واجب
حكم الشك في ترك واجب وقوله: [ولا يسجد لشك في ترك واجب أو زيادة]. فرق العلماء بين الواجب والركن لوجود الأصل في الركن الذي دل عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فلم يدر واحدة صلى أم اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر اثنتين صلى أم ثلاثاً فليبن على اثنتين)، فاعتبر عليه الصلاة والسلام في الأركان الأقل، وبقي الواجبات على الأصل، وبناءً على ذلك فإنه يلزم بسجود السهو إذا تيقن أن شكه باطل، سواء أتيقن أثناء أدائه أم تيقن بعد انتهائه. مثال ذلك: لو قام إلى الركعة الخامسة ظاناً أنه قد صلى ثلاثاً، وأن هذه التي قام لها هي الرابعة، فإنه إذا تذكر أثناء صلاته للركعة الخامسة وأدائه لها لزمه أن يجلس مباشرة، وحينئذٍ يسجد بعد السلام لمكان الزيادة بالقيام والقراءة إن وجدت. وكذلك الحال لو تذكر أنه لم يفعل واجباً ثم تبين له أنه فعله، كما لو رفع رأسه من الركوع فقال: (سمع الله لمن حمده)، ثم شك: هل قال أو لم يقل، أو شك هل كبر للسجود أو للركوع أو لم يكبر؟ هذه الواجبات إذا شك في وقوعها فإنه حينئذٍ يتدارك إذا أمكنه التدارك، وأما إذا لم يمكنه التدارك فإنه حينئذٍ يسجد للسهو قبل السلام، على الأصل الذي ذكرناه: أن نقص الواجبات يجبر بسجود السهو.
ما يحمله الإمام عن المأموم
ما يحمله الإمام عن المأموم قال رحمه الله تعالى: [ولا سجود على مأموم إلا تبعاً لإمامه]. وهذا مبني على أن الإمام يحمل عن المأموم نقص الواجبات، ولا يحمل عنه نقص الأركان، ويحمل عن مأمومه الزيادة، فإذا زاد المأموم وراء إمامه سهواً فإن الإمام يحمل عنه هذه الزيادة. فلو أنك كنت وراء الإمام، فسهوت وركعت ظاناً أن الإمام راكع، أو قرأ الإمام فاختلجت عليك القراءة فظننت أنه يكبر فكبرت راكعاً، فهذه زيادة وراء الإمام، وهي ركن، فالإمام يحمل عنك هذا الركن الذي زدته. وكذلك لو زدت واجباً وراء الإمام، فعلى القول بأن المأموم يقتصر على قوله: (ربنا ولك الحمد) فإن قلت وراء الإمام ساهياً: (سمع الله لمن حمده) فزدت واجباً، فإن الإمام يحمل عنك هذا الواجب الذي زدته سهواً. والدليل على أن الإمام يحمل عن المأموم الواجبات ظاهر حديث أبي هريرة عند أبي داود وأحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن)، وهذا الضمان فسره غير واحد من أهل العلم أنه حمل الإمام عن المأموم. وبناءً على ذلك فيحمل عن المأموم الواجبات إذا نسيها، ويحمل عنه زيادة الأركان، فيعتبر كأنه لم يزد في صلاته إذا كان وراء إمامه.
حكم سجود السهو
حكم سجود السهو قال رحمه الله تعالى: [وسجود السهو لما يبطل عمده واجب]. أي أن سجود السهو لجبر الواجبات وجبر الأركان واجب. وقد اختلف العلماء في حكم سجود السهو: فمنهم من قال: إنه واجب. ومنهم من قال: إنه سنة. ومنهم من يفصل بين سجود الزيادة وسجود النقص، فيوجبه في النقص ولا يوجبه في الزيادة. والصحيح وجوبه على العموم لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فليسجد سجدتين)، فهذا أمر والأمر ظاهره الوجوب، ولا دليل يدل على صرف هذا الأمر عن ظاهره. فالأصل في سجود السهو أنه للوجوب، لكن هذا الوجوب يتقيد في جبر الواجبات؛ والأركان لا تجبر إلا بفعلها. وبناءً على ذلك فإن سجود السهو لجبر الواجبات واجب، أما لو سها في صلاته بزيادة ذكر في غير موضعه كقراءة الفاتحة في حال الركوع أو السجود فإنه يشرع ولا يجب، على التفصيل الذي ذكرناه عند كلام المصنف رحمه الله على زيادة الأقوال المشروعة في غير موضعها. قال رحمه الله تعالى: [وتبطل بترك سجود أفضليته قبل السلام فقط وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمانه]. سجود النقص إذا تركه متعمداً بطلت صلاته إذا كان السجود قبل السلام، أما عند من يقول بالسجود بعد السلام فإنه يمكن أن يتدارك بعد سلامه، فلو تعمد ترك السجود عند من يقول بوجوبه فهو كترك واجبات الصلاة، وهذا المذهب صحيح، فمن ترك واجباً كالتسميع والتحميد وتكبيرات الانتقال، ثم علم أنه ترك هذا الواجب ناسياً، وتعمد ترك سجود السهو قبل السلام بطلت صلاته كما لو ترك واجباً متعمداً، وذلك أن سجدتي السهو جبر، لهذا الواجب، فكونه يترك سجدتي السهو متعمداً كما لو تعمد ترك هذا الواجب أصالة، وبناءً على ذلك تبطل صلاته بترك سجود السهو من هذا الوجه. وقوله: [وإن نسيه وسلم سجد إن قرب زمانه] أي: إن نسي سجود السهو جبره إن قرب زمانه، كالحال في الأركان، فإذا كانت الركعات يمكن تداركها مع قرب الزمان فإن الواجبات من بابٍ أولى وأحرى. مثال ذلك: لو صليت فنسيت تكبيرات الانتقال أو التسميع أو التحميد، أو نسيت التشهد الأول، ثم صليت وسلمت ونسيت أنك قد نسيت هذا الواجب فلم تسجد للسهو، ومكثت في مصلاك، ثم تذكرت قبل أن يطول الفصل فإنك تسجد سجدتي السهو وتسلم، ولا يلزمك شيء. وكذلك الحال لو أنه قام من مصلاه -على القول بأنه ما دام في داخل المسجد- ثم تذكر، فإنه يستقبل القبلة ويسجد سجدتي السهو، ويصح ذلك منه ويجزيه.
تكرار السهو في الصلاة
تكرار السهو في الصلاة قال رحمه الله تعالى: [ومن سها مراراً كفاه سجدتان]. أي: من ترك أكثر من واجب فإنه تكفيه سجدتان، ويدل على ذلك ظاهر السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما ترك التشهد الأول كان التشهد مشتملاً على الجلوس للتشهد، وعلى تشهده، وعلى التكبير الجلسة؛ لأن تكبيره الذي قام فيه للركعة واقع بعد التشهد. وبناءً على ذلك فقد حصل هنا أن ثلاثة واجبات قد تركت، فتداخلت في سجود النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبرها بمثابة الواجب الواحد، فهكذا الحال لو ترك واجبات متفرقة فيسجد لها سجدتين وتجزيه، ويتداخل السهو في هذه المسألة.
الأسئلة
الأسئلة
حكم تكرار قراءة الفاتحة في الركعة الواحدة
حكم تكرار قراءة الفاتحة في الركعة الواحدة Q رجل صلى الفجر، وفي قراءة السورة التي بعد الفاتحة سجد للتلاوة، ثم بعد الرفع سها وقرأ الفاتحة وسورة بعدها وتذكر قبل التسليم، فما الحكم في ذلك؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن هذا قد زاد ركناً قولياً وهو قراءته للفاتحة بعد قيامه من سجود التلاوة، ويلزمه أن يسجد بعد السلام، على القول بأن سجود الزيادة بعد السلام، وصلاته صحيحة إن شاء الله. والله تعالى أعلم.
حكم استئناف الصلاة من جديد إن علم نقصانها بعد الصلاة
حكم استئناف الصلاة من جديد إن علم نقصانها بعد الصلاة Q رجل صلى الفجر وسلم بعد ركعة واحدة، وأخبر قبل أن يبرح من مكانه، ولكنه لم يتم بل استأنف الصلاة من جديد، فما هو الحكم؟ A هذا الفعل خلاف السنة، وبناءً على ذلك فلا شك أنه لو علم بالسنة وتعمد هذا الفعل فقد خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدث وتنطع، وذلك أنه لم يجتزئ بالرخصة التي وسّع الله على عباده؛ لأنه كان يكفيه أن يستقبل قبلته ويتم ركعة واحدة، فتنطع واعتقد عدم الإجزاء فزاد على الشرع، ولذلك يعتبر فعله هذا من الحدث والابتداع، أما لو كان جاهلاً ولم يعلم الحكم وأحب أن يحتاط ويستبرأ فحينئذٍ يجزيه فعله، ولا حرج عليه. إلا أن بعض العلماء قال: إنه يعتبر منتهياً من الصلاة بالركعة الأولى من الركعتين الأخيرتين؛ لأنه لما قام وجاء بركعة تمت صلاته الأولى فيسجد حينئذٍ للسهو، وتجزئه صلاته في هذه الحالة لمكان العذر بالجهل، كما لو سها وزاد ركعة على صلاة ثنائية فصلاها ثلاثاً، فبهذا يكون قد صلى مرة واحدة على هذا القول، لكن القول الثاني يرى أنه قد صلى صلاتين: الصلاة الأولى لاغية والصلاة الثانية مستأنفة. والله تعالى أعلم.
موضع سجود السهو في الزيادة والنقص
موضع سجود السهو في الزيادة والنقص Q صليت الظهر وأدركت مع الإمام الركعة الأخيرة، فلما سلم أكملت الصلاة، فلما قمت من الركعة الثانية نسيت التشهد، ثم في الركعة الثالثة جلست للتشهد سهواً، ثم قمت للرابعة، فهل السجود هنا قبل السلام أم بعده؟ A هذه المسألة اجتمع فيها سجود السهو للزيادة والنقص، أما النقص فلكونك قمت بعد الركعة الأولى من قضائك؛ لأن الأصل أنك بعد الركعة الأولى من القضاء تجلس للتشهد؛ لأن أصح أقوال العلماء أن من فاته شيء مع إمامه أنه يبني على صلاته على ظاهر حديث أبي هريرة في الصحيح، فكان يلزمك أن تجلس لهذا التشهد الأول، ويعتبر هذا تشهداً أولاً بالنسبة لك، وقد سهوت وأنت ترى هذا القول، فتكون قد تركت واجباً، فهذا هو النقص في صلاتك، ثم لما قمت إلى الركعة الثانية من القضاء والثالثة بالنسبة للصلاة كان يلزمك بعد سجدتها الثانية أن تقوم للركعة الرابعة، ولكنك جلست ساهياً على سبيل السهو، فحدثت زيادة التشهد بين الركعتين الأخريين، وليس في الأخريين من الظهر أو العشاء أو العصر تشهد بينهما، فهذا هو مكان الزيادة في صلاتك، فاجتمع في صلاتك وصف الزيادة ووصف النقص، فبعض العلماء يقول: إذا اجتمعت الزيادة والنقص اجتزأ بسجدتين قبل السلام، خاصة على مذهب المصنف ومن وافقه في كون السجود كله قبل السلام، وأما على مذهب من يرى التفصيل فهذا هو الذي يقع فيه الإشكال، فهل يغلب النقص فيسجد قبل السلام، أم يغلب الزيادة فيسجد بعد السلام، أم يجمع بينهما فيسجد قبلياً وبعدياً؟ فالوجه الأقوى عندهم: أنه يغلب جانب النقص لاتصاله بالصلاة ويسجد السجدتين، وتكون بهذا صلاته تامة صحيحة. والله تعالى أعلم.
صلاة من لا يجيد قراءة الفاتحة
صلاة من لا يجيد قراءة الفاتحة Q هناك امرأة كبيرة في السن ولا تعرف أن تصلي بغير الفاتحة، وقد لا تجيد الفاتحة كذلك، ولا تحسن الحفظ لكبر سنها، فما هو العمل مع هذه المرأة الكبيرة؟ A إذا كان الشخص لا يستطيع أن يُعلّم الفاتحة لمكان صمم أو نحو ذلك أو لا يستطيع أن يضبط الفاتحة لكبر سنه وضعف ذاكرته، فإنه يحفظ قدر ما يستطيع، ويجزيه ذلك القدر الذي يمكنه حفظه ولو آية من الفاتحة، فإذا حفظه أجزأه. ثم قال بعض العلماء: يسبح ويكبر ويذكر الله عز وجل على قدر ركن الفاتحة؛ لأن الله أوجب عليه أمرين: الأمر الأول: قراءته للفاتحة. الأمر الثاني: إن تعذر عليه أن يقرأ الفاتحة في الوقت المستغل للفاتحة فعليه أن يقرأ قدر ما يستطيع من الآيات، ثم يذكر الله بقدر قراءة الفاتحة، ثم يركع، ثم يفعل ذلك في بقية الركعات الأخر. والله تعالى أعلم.
تحية المسجد لمن فارق المسجد بنية الرجوع إليه
تحية المسجد لمن فارق المسجد بنية الرجوع إليه Q من خرج من المسجد وفي نيته الرجوع كمن أراد الوضوء، فهل تجب عليه تحية المسجد، أثابكم الله؟ A جماهير أهل العلم على أن من خرج من المسجد ولو خطوة واحدة يلزمه أن يصلي ركعتي التحية، وهذا القول هو الذي دلت عليه السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين)، فقوله: (إذا دخل) يعيد ذلك، فإن الإنسان بمجرد خروجه من الباب ورجوعه ثانية يصدق عليه أنه دخل، وبناءً على ذلك يستوي أن يطول الزمان أو يقصر. أما القول بأنه إذا كان في نيته أن يرجع فلا يصلي تحية المسجد فهذا القول محل نظر؛ لأنه ما من إنسان صلى فرضاً من الفروض إلا وفي نيته أن يرجع ليصلي الفرض الذي بعده، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي: (قم فاركع ركعتين) وأمره أن يترك الاستماع للجمعة من أجل هاتين الركعتين لكونه دخل المسجد، ولم يقل له: هل كان في نيتك أن تعود إلى المسجد، أو لم يكن في نيتك؟ ثم إن التفصيل بأنه إذا قرب العهد كما لو ذهب ليتوضأ ورج لا يصلي، وإن طال العهد يصلي، تفصيل وتفريق بدون دليل؛ لأن الطول والقصر يحتاج إلى دليل باعتبار الأصل، والأصل لم يقم عليه دليل، فلا وجه للتفريق بين طول الزمان وقصره؛ لأنه استحسان، والاستحسان لا يعارض العموم، فإن عموم النص: (إذا دخل أحدكم المسجد) يلزم المكلف بأداء هذه الصلاة التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم كل داخل إلى المسجد، وهذا القول لا شك أنه قول جماهير العلماء، وهو أولى بالصواب لدلالة السنة عليه. وبعض العلماء يستثني النية، وهذا مذهب مبني على تغليب الباطن على الظاهر، فيقولون: في الظاهر أنه دخل، لكن كونه في نيته أن يعود فإنه في حكم الجالس في المسجد. وهذا محل نظر؛ فإنه بخروجه عن المسجد لا يعطى حكم المصلي، فخرج عن كونه في المسجد أصلاً، ولذلك لو فعل الأفعال التي تخالف مقصود المسجد من بيع وشراء صح منه ذلك وأجزأه، ولا عتب عليه ولا ملامة؛ لأنه خارج عن كونه في المسجد، وتغليب الباطن على الظاهر لا يقع إلا في صور، وليست هذه الصور منها، أي: كونه في نيته أن يرجع، فهذا تغليب للباطن على الظاهر، ولا شك أن إعمال الظاهر الذي دلت عليه السنة أقوى وأولى. والله تعالى أعلم.
الأحكام المترتبة على سقوط الجنين وهو ابن ثلاثة شهور
الأحكام المترتبة على سقوط الجنين وهو ابن ثلاثة شهور Q ما هي الأحكام المترتبة على سقوط جنين عمره نحو ثلاثة شهور، لم تتضح أعضائه، وذلك فيما يتعلق بصيام المرأة التي أسقطت وصلاتها؟ A إذا أسقطت المرأة وكان الذي أسقطت ليس فيه صورة الخلقة واسترسل معها الدم، فإن هذا الدم دم استحاضة وليس بدم نفاس على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، فالعبرة بالتخلق، فإن وجد في هذا الذي سقط منها صورة الآدمي، أو صورة أعضائه وأجزائه أخذت حكم النفاس وامتنعت مما تمتنع منه النفساء. أما لو لم تكن فيه صورة الخلقة فإن هذا الدم لا يعتبر دم نفاس ما لم تميزه، فإن ميزت أنه دم حييض دخلت في حكم الحيض، كأن يجري معها يومين أو ثلاثة أيام ثم ترى أوصاف دم الحيض، فتكون قد انتقلت من الاستحاضة التي كانت عقب الإسقاط إلى الحيض الذي دخلت فيه بصفته. والله تعالى أعلم.
باب صلاة التطوع [1]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [1] صلاة التطوع هي الصلاة النافلة غير الواجبة، وتنقسم إلى: قسم محدد مقيد، وقسم مطلق غير مقيد، فمن الأول: الكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والوتر، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل، وينبغي على المؤمن الحرص على النافلة قدر المستطاع.
صلاة التطوع
صلاة التطوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [باب صلاة التطوع]. تقدم تعريف الصلاة، وأما التطوع فهو تفعُّل من الطاعة، يقال: تطوع الرجل: إذا تبرع بالشيء، وأصل التطوع: النافلة التي ليست بواجبة على المكلف، ولذلك يوصف كل شيءٍ فعله الإنسان من العبادات دون أن يكون لازماً عليه على سبيل القربة والطاعة لله عز وجل بكونه تطوعاً، فيقال: هذه صلاة تطوعٍ، وهذه صدقة تطوعٍ. ونحو ذلك، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:79]، فالمراد بهم المتبرعون بصدقاتهم الذين دفعوها ولم تكن لازمةً عليهم. ومن فوائد هذه النوافل أنه إذا كان هناك نقص في الفرائض فإنها تجبر بما كان من النوافل، وهذه النوافل فيها حِكَم، خاصةً إذا كانت قبل العبادات المفروضة، فإنها تهيئ المكلف لفعل العبادة المفروضة، فإذا دخل الإنسان إلى العبادة المفروضة وكان قد تنفل قبلها قويت نفسه على العبادة المفروضة لحدث عهده بالطاعة، وتوضيح ذلك أن الإنسان إذا دخل مباشرةً إلى الفريضة يكون إقباله على الله في حال أضعف من حاله إذا سبق الفريضة بنافلة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، إذا سبق الفريضة بنافلةٍ فإن نفسه تقوى على أداء الفريضة أكثر، ويكون أكثر انشراحاً صدره، وأقوى لفهم آيات ربه.
أقسام صلاة التطوع
أقسام صلاة التطوع الصلاة التي توصف بكونها تطوعاً تنقسم إلى قسمين: قسم محدد ومقيد، وقسم مطلق غير مقيد، ولا شك أن المحدد يعتبر أفضل من المطلق، وذلك أن تحديد الشرع له يدل على عنايته به، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن فضل النوافل المقيدة بأحاديث، منها قوله صلى الله عليه وسلم: (ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها). وإخباره عن الله تعالى في الحديث القدسي أنه قال: (يا ابن آدم اكفني أربع ركعات في أول اليوم أكفك آخره). ففي هذه النوافل المقيدة كصلاة الضحى وركعتي الفجر فضل وعلو درجة على النافلة المطلقة، وأفضل الصلوات صلاة الليل، فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار؛ لأن الليل مظنة أن يكون الإنسان مجهداً من عناء النهار، فكونه يتقرب إلى الله عز وجل مع أنه وقت راحته وسكونه واستجمامه وأنسه بأهله فإن ذلك أبلغ وأعظم في تقربه إلى الله عز وجل. ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن العبد يقوم من الليل، فإذا قام وصلى قال الله تعالى: يا ملائكتي: عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه؟)، فيكون نائماً بجوار زوجته فيذكر الجنة والنار فيتوضأ ويصلي بالليل، فيقول الله: (يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حبه وزوجه؟ قالوا: إلهنا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك. قال: أشهدكم أني قد أمنته من عذابي وأدخلته في رحمتي)، فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار، ولأن صلاة الليل فيها إخلاص، فإنها بعيدةٌ عن أنظار الناس، وبعيدة عن اطلاع الغير، ولذلك يكون الإنسان فيها أقرب، ولأن الليل فيه الثلث الذي ينزل فيه الله عز وجل، ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب له)، فلذلك فضّل العلماء هذا النوع من النوافل. أما النوافل المقيدة فإنها تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ما شرعت له الجماعة، كصلاة العيدين والاستسقاء والخسوف والكسوف والتراويح والتهجد ونحوها من الصلوات التي شرعت جماعةً. القسم الثاني: ما يقع فرادى، كصلاة الضحى وغيرها. فهذا نوع وهذا نوع، وكلٌ قد ثبت الشرع بجواز أدائه على حاله، إن كان يصلى جماعةً فجماعة، وإن كان يصلى فرادى ففرادى. فقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة التطوع] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملةً من الأحكام المتعلقة بصلاة التطوع.
آكد صلاة التطوع
آكد صلاة التطوع [آكدها كسوف]. آكد الصلاة النافلة صلاة الكسوف، وهي الصلاة التي تكون بسبب ذهاب ضوء الشمس كله أو بعضه، فإن ذهب ضوء الشمس كله فإنه حينئذٍ يقال: كسوف كلي، وإن ذهب بعضه فإنه يقال: كسوف جزئي، وكذلك صلاة الخسوف، والخسوف: هو ذهاب ضوء القمر كله أو بعضه، وقد يطلق الخسوف على غياب الشمس، كما في حديث أم المؤمنين: (خسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم). وصلاة الكسوف إنما فضلت على بقية الصلوات التي هي من النافلة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، حيث ثبت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسفت الشمس على عهده قال الناس: كسفت لموت إبراهيم، وكان الناس في الجاهلية يعتقدون أن الشمس لا تنكسف إلا لموت عظيم أو لولادة عظيم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس ونادى: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس، فصلى بهم عليه الصلاة والسلام وأطال قيامه على الصفة التي ستأتي إن شاء الله في صلاة الكسوف، ثم لما سلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ثم قال: فإذا رأيتم ذلك -أي: كسوف الشمس- فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فقوله: (فصلوا) أمر قالوا: فورد بها الأمر فكانت أعلى مراتب صلاة التطوع، ولأن هذا الأمر ورد على سبيل الجماعة على ظاهر النص.
الخلاف في أفضل الطاعات
الخلاف في أفضل الطاعات صلاة التطوع فيها مسألة ذكرها العلماء رحمة الله عليهم وهي: هل صلاة التطوع أفضل الطاعات، أم هي دون غيرها من الطاعات الأخر؟ فمن المعلوم أن العبد إذا تقرب إلى الله إمّا أن يتقرب بواجب لازمٍ عليه، فهذا الذي اصطلح عليه بالفرائض، وإما أن يتقرب بالنوافل التي لا تجب عليه. فاختلف العلماء في الأفضل من النوافل الذي ينبغي للعبد أن يكثر منه، فهل الأفضل أن يكثر الإنسان من الصلوات، أم الأفضل أن يكثر من الصيام، أم الأفضل أن يكثر من الذكر، أم الأفضل أن يكثر من الجهاد في سبيل الله، أم من الدعوة، أم من العلم؟ فقال الجمهور: أفضل الطاعات وأشرفها وأزكاها وأعظمها نفعاً للعبد في الدنيا والآخرة طلب العلم وتعليم الناس، ويعبرون عنه بقولهم: العلم. فهو أفضل الطاعات وأشرف القربات لورود النصوص في الكتاب والسنة الدالة على عظيم منزلة أهله وشرفهم وعلوّ درجتهم وعظيم بلائهم، قال الله عز وجل في كتابه: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [الزمر:9]، وهذا الاستفهام يدل على أنهم لا يستوون، فهذا نصٌ من كتاب الله يدل على أنه لا يستوي العالم والجاهل. ثم إنَّ الله سبحانه وتعالى قد قرن العلم بالإيمان، وأخبر عن رفعة درجة أهل العلم والإيمان، فقال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11]، وقال: [درجات] ولم يقل: درجة. والتعبير بالنكرة بصيغة الجمع يدل على أنها كثيرةٌ بإذن الله عز وجل. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبين فضل رباط طالب العلم وصبره على طلب العلم وتحمله لمشاق العلم، وكذلك تحمله لمشاق العمل بهذا العلم، ومجاهدته للنفس والشيطان والهوى حتى يبلغ مرتبة العلم والعمل، فإذا بلغ مرتبة العلم والعمل جاءت مرتبة الدعوة إلى الله عز وجل بتعليم الناس، فهذه المراتب الثلاث أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن علو درجتها، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)، قال بعض السلف: في هذا دليل على أن من حُرم الفقه في الدين فقد حُرِم خيراً كثيراً. فقوله: (من يرد الله به خيراً) يدل على أن الله أراد لأهل العلم خيري الدنيا والآخرة؛ ولذلك هم أنفع الناس وأصلح الناس، وأقربهم إلى الخير وأدعاهم إليه، وبهم تشحذ الهمم إلى الطاعات، ويتنافس الناس في الخيرات. وأيضاً ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع)، ولذلك قالوا: إن المراد بهذا الحديث أن الملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم وهو يغدو إلى مجالس العلم لشرف هذه العبادة وعظيم منزلتها، فالدين لا يصان ولا يحفظ إلا بطلب العلم، ولذلك إذا كثر العلماء انتشر الدين بين الناس وانتشر الخير، وحمل الناس على الطاعات والخيرات، وإذا قلّ العلم كثر الجهل وعظمت المصائب والبلايا بين الناس، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من علامات الساعة فشو الجهل وقلة العلماء، وكان ابن عباس رضي الله عنه من تلامذة زيد بن ثابت، فلما توفي زيد قام على قبره وبكى، وقال: (ألا من سره أن ينظر كيف يقبض الله العلم فلينظر هكذا، ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بموت العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جُهّالاً فسُئِلوا فأفتوا بغير علمٍ فضلوا وأضلوا)، فصلاح الأمة موقوف على كثرة العلماء العاملين، وعلى وجود العلماء العاملين المخلصين في الدعوة إلى الله عز وجل. وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن أفضل الأعمال فقال: أفضلها طلب العلم. وفي رواية عنه: أفضلها العلم إذا صحت فيه النية. قالوا: كيف تصح نيته؟ قالوا: ينوي أن يتواضع فيه، وأن يعلمه الناس. أي: ينوي أن يجعل علمه للآخرة، كما قال الله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا} [القصص:83]، فينوي أن يصحح نيته، فهذا بخير المنازل عند الله عز وجل. فهذا هو قول جمهور العلماء، ومن تأمل الواقع وتأمل الحال فإنه لا يشك أن طلب العلم هو أفضل القربات وأجلها وأعظمها. فالمقصود أنه ظهر من ظاهر دليل الكتاب والسنة أن طلب العلم والعمل به وتعليمه للناس أفضل وأحب الأعمال إلى الله عز وجل، وإذا تعارضت عند الإنسان الأعمال الخيرية فليبدأ بطلب العلم، ثم انظر إلى دليل العقل والنظر، فإنك إذا تأملت كثيراً من المشاكل والنوازل والمعضلات والمشكلات تجد أنها لا تحل إلا بالعلم، ولا يمكن للناس أن يجدوا من يحل لهم المشكلات ويرفعها عنهم بإذن الله عز وجل إلا العالم العامل، فالرجل يأتيك في جوف الليل لا يدري هل امرأته تحل له أو لا تحل له، حيث قال لها: أنت طالق، فقال كلمةً لا يدري أهي بها حرام أم حلال. ويأتيك الناس وقد عظمت الفتن والخصومات بينهم في الأراضي والأموال، ويحتاجون إلى من يفصل بينهم. بل قد تجد العالم مشلول الجسد لا يستطيع أن يبرح مكانه، وقد تجده مشوه الخلقة، ولكن عنده لسان ينبئ به عن حكم الله عز وجل، فتضعه الناس فوق رؤوسها بهذا العلم، لشرفه وعلو منزلته وعظيم بلائه. فالمقصود أنه لا يشك أحد في عظيم فضل هذا العمل، ولو تأملت العالم وهو يسهر الليالي فيجيب الناس عن المشكلات والمسائل فإنك لا تشك أن طلب العلم وتعليمه أفضل. وقال بعض العلماء: إن الجهاد أفضل لما فيه من إعلاء كلمة الله عز وجل، وكسر بأس الذين كفروا، وصد العدو. وهذا إنما يراد به جهاد النفل وليس جهاد الفرض؛ لأنهم اتفقوا على أن الفرائض ليست بداخلة في هذا الخلاف، فإذا تعين العلم أو تعين الجهاد فلا يدخلان في هذا الخلاف، إنما الكلام هنا على النافلة، أي: جهاد النفل، وهو جهاد الطلب، واحتج هؤلاء الذين قالوا: إن الجهاد أفضل فقالوا: إن إعلاء كلمة الله عز وجل ونشر دين الله متوقفان على الجهاد، ويفتقران إلى مجالدة أعداء الله عز وجل، حتى ينتشر التوحيد، وترفع راية الإسلام، ويكون في ذلك الخير لأهل الأرض جميعاً، فلذلك يكون الجهاد هو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل. وهذا القول يقول به الإمام أحمد، ففي رواية عنه أن الجهاد أفضل الطاعات. وهناك قول ثالث في المسألة أن أفضل الطاعات وأشرفها الصلاة، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، ولما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يقول: ما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (من سعادة المؤمن كثرة الصلاة، وكثرة الصيام، وصحبة الفقيه). فقالوا: إن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله عز وجل الصلاة، ولأنها في أصلها عماد الدين، فتشرف بشرف أصلها. وأصح هذه الأقوال كما ذكرنا هو القول بأن طلب العلم والعمل به والدعوة إليه أفضل وأشرف وأكمل هذه الطاعات كلها، بل إن ما ذُكِر من الأعمال الصالحة من الصلاة والجهاد يفتقر إلى العلم، فإذا نظرت إلى الجهاد فإن ثغور الجهاد لا تملأ ولا يمكن أن تقوى عزائم المجاهدين إلا بالعلم، وابحث عن ثغرٍ فيه طالب علمٍ يذكر الناس ويعظ الناس فستجد نفوسهم معلقة بالله سبحانه وتعالى، وتجدهم أقوى شكيمة وأشد بأساً وأعظم حميةً، كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم كانوا مع أعلم من على وجه الأرض صلوات الله وسلامه عليه، فكيف يخرج الناس للنفير وتسد الثغور بغير العلماء؟ فالعلم هو أفضل الأعمال. ثم إن الصلاة إذا تأملتها وجدتها تفتقر إلى علم، وتفتقر إلى معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومعرفة ما يطرأ في الصلوات.
ترتيب بقية النوافل في الفضيلة
ترتيب بقية النوافل في الفضيلة قال رحمه الله تعالى: [ثم استسقاء]. ذكرنا أنَّ أول النوافل فضلاً وأعلاها وآكدها صلاة الكسوف لما فيها من الدعاء برفع البلاء، ولذلك قالوا: إنها آكد مع ورود أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها، فتأكد فضلها وتأكد القيام بها. ثم تليها صلاة الاستسقاء. والاستسقاء: استفعالٌ من السقي، والمراد به هنا: طلب السقيا، أي: طلب الغيث من الله عز وجل، وأن يمطر العباد والبلاد، وإنما فضل الاستسقاء لما فيه من رفع البلاء عن الناس، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وسنه للأمة، وسيأتي إن شاء الله بيان صفة هاتين الصلاتين، صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء، وسنبين إن شاء الله هدي النبي صلى الله عليه وسلم فيهما، والأحكام المتعلقة بهما. قال رحمه الله تعالى: [ثم تراويح]. التراويح: قيل: إنها مأخوذ من الراحة، والسبب في ذلك أنهم كانوا يرتاحون بين كل تسليمتين، فقد كانوا يطيلون حتى اعتمدوا على العصي، كما في الأثر حين جمع عمر الناس لصلاة التراويح وجعل أبياً الإمام، فقالوا: إنها سميت بذلك لمكان الاسترواح والراحة في أثناء هذه الصلاة والتراويح المراد بها: القيام جماعةً في ليالي رمضان، وقالوا: إنها من آكد السنن. وإذا قيل: سنةٌ مؤكدة فإنها تقارب الوجوب، لكن ليست بواجبة ولا لازمة، والنص في هذا واضح، كما في الصحيح من قوله عليه الصلاة والسلام: (خمس صلواتٌ كتبهن الله في اليوم والليلة)، فالفرض الخمس المعروفة، والكسوف والاستسقاء والتراويح كلها زائدة عن هذه الفرائض.
حكم صلاة الوتر
حكم صلاة الوتر قال رحمه الله تعالى: [ثم وتر يفعل بين العشاء والفجر]. قوله: (ثم وتر) أي: آكد النوافل بعد الصلوات التي شرعت لها الجماعة الوتر، والوتر المراد به الواحد في الأصل، ويعبر به عن كل ما لا يقبل القسمة على اثنين فيقال: إنه وتري فيشمل ذلك الواحد والثلاثة والخمسة إلخ. والوتر من آكد النوافل، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الوتر حق، ومن لم يوتر فليس منا)، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد زادكم صلاةً هي خيرٌ لكم من حمر النعم، جعلها لكم ما بين العشاء والفجر)، وقال الإمام أحمد رحمةُ الله عليه فيمن ترك الوتر: هذا رجل سوءٍ لا ينبغي أن تقبل شهادته. وهذا يدل على تأكد الوتر، ولذلك جعله العلماء رحمهم الله سنةً مؤكدة. واختلف العلماء رحمهم الله في الوتر على قولين مشهورين: فمذهب جمهور السلف رحمة الله عليهم أن الوتر سنةٌ وليس بواجب، وبهذا القول قال فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث، فلو ترك الإنسان الوتر فإنه لا يأثم، ولو فعله فإنه يثاب. وذهب غيرهم إلى أن الوتر واجب، وبهذا القول قال الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه وأصحابه. واستدل الذين قالوا: إن الوتر ليس بواجب بأدلة منها: أولاً: قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة:238]، ووجه الدلالة أن الله عز وجل قال: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238]، فدل على أن الصلاة التي أُمر بالمحافظة عليها وهي واجبةٌ على المكلف وترية، ولو قيل بوجوب الوتر لصارت الصلوات ستاً، فيكون العدد شفعياً لا وسط فيه؛ لأن قوله: {وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى} [البقرة:238] يدل على أن العدد وتري؛ لأنها خمس، ونصف الخمس معناه أنه يكون في وسط الخمس واحدة، فيكون المقابل لها اثنتان واثنتان، فيكون العدد بهذا وترياً. ثانياً: ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أُسْري به وعرج صلوات الله وسلامه عليه، قال الله له في آخر المرات حينما راجع ربه في الصلوات المفروضة: هي خمسٌ وهنّ خمسون)، فقوله تعالى: (هي خمس) أي: الصلوات التي كتبتها عليك يا محمد -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى أمتك هي خمس، (وهن خمسون) أي: في الأجر والثواب تفضلاً من الله عز وجل، ثم قال تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ)، فثبت أنها خمس إلى قيام الساعة لقوله تعالى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) أي أنه لا يكون هناك تشريعٌ بزيادة. الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما سأله الأعرابي عن الصلوات التي فرضها الله عليه، قال له: (خمس صلوات في كل يوم وليلة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع)، فدلّ على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن الوتر غير الصلوات الخمس، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بواجبٍ عليه. الدليل الرابع: ما ثبت في الصحيحين من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: (فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلواتٍ في كل يومٍ وليلة)، فهذا الحديث -إذا تأملته- من آخر ما كان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً في آخر حياته، ومع هذا قال له: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة)، فلو كان الوتر واجباً لقال: افترض عليهم خمس صلواتٍ ووتراً. فالمقصود أن هذه الأدلة من الكتاب والسنة تدل على أن الوتر ليس بواجب. أما الذين قالوا: بالوجوب فقد استدلوا بأحاديث السنن: أولها: قوله عليه الصلاة والسلام: (أوتروا يا أهل القرآن). ثانيها: قوله عليه الصلاة والسلام: (الوتر حقٌ، ومن لم يوتر فليس منا). ثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد زادكم صلاةً هي خيرٌ لكم من حمر النعم، وهي الوتر). قالوا: أما الحديث الأول: (أوتروا) فهذا أمر، والأمر للوجوب، وأما الحديث الثاني: (إن الله قد زادكم صلاةً) فإنه يدل على أنها زائدة على الصلوات الخمس، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يوتر فليس منا) فإنه ذم، والذم لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم، فثبت أن الوتر واجب. فهذا حاصل أدلة القائلين بالوجوب. والذي يظهر والله أعلم أن الوتر ليس بواجب، وذلك لصحة دلالة الكتاب والسنة على هذا القول. أما استدلال من قال بالوجوب بقوله: (الوتر حق) فالجواب عنه بأن الحق معناه: الثابت، تقول: هذا حقي. أي: ثابتٌ في ملكي، فالحق يعبر به بمعنى الثابت، فمراد النبي صلى الله عليه وسلم أن الوتر سنة من هديه، أي ثابتٌ في الشرع ومسنونٌ فعله. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (من لم يوتر فليس منا) فمعناه: ليس على هدينا الكامل، وليس المراد به الهدي اللازم الذي يعتبر من تركه وأخل به مذموماً. وأما قولهم: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله قد زادكم صلاةً) يدل على الوجوب، فيجاب عنه بأنه صلى الله عليه وسلم قد قال مثل هذا في ركعتي الفجر، وأنتم لا تقولون بوجوبها، أي أنه عبر بالزيادة في ركعتي الفجر، ومع هذا لا يقول الحنفية بوجوبها، فكما أنهم رأوا أن صيغة الخبر هناك لا تدل على الوجوب فيلزمهم القول هنا بأن صيغته لا تدل على الوجوب. فأصح ما يقال في الوتر أنه مسنون وفيه فضيلة، ومن فضائله أنه يسن فيه الدعاء، وهو خاتمة صلاة الليل، فتشرع صلاة الوتر بالليل. وأما صلاة الوتر بالنهار تنفلاً لا قضاءً، كما لو دخل المسجد وصلى ركعتين، ثم قال: أحب أن أتنفل بركعةٍ ركعة فقد أُثِر عن بعض الصحابة أنه فعل هذا، ومذهب جماهير العلماء رحمة الله عليهم أنك لا تسلم إلا من ركعتين إلا في الوتر وحده، على أن السنة والذي ينبغي للمصلي أن يصلي ركعتين ركعتين ولا يسلم من واحدة، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وفي حديث آخر: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فدل على أنه لا يسلم من واحدة، وما أثر عن الصحابي مردود إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك يختص الوتر بأنه من صلاة الليل، والسنة فيه أن يكون في آخر الليل، كما سيأتي إن شاء الله بيان أحكامه.
وقت صلاة الوتر
وقت صلاة الوتر قال رحمه الله تعالى: [يفعل بين العِشاء والفجر]. العِشاء من العشي، وسميت بذلك لأنها تقع في وقت العشي بعد ذهاب الشفق الأحمر على أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم لحديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فتبدأ صلاة العشاء بمغيب الشفق الأحمر، ويستمر وقتها إلى طلوع الفجر الصادق. وقد اختلف العلماء في كون العبرة في وقته بصلاة العشاء أم بوقت العشاء: فبعض العلماء يقول: العبرة بصلاة العشاء، فإن صلى العشاء شُرِع له أن يصلي الوتر ولو لم يدخل وقت العشاء. وقال بعض العلماء: العبرة بوقت العشاء لا بفعل العشاء. والذي ينبني على هذا الخلاف أن العشاء لها حالتان: الحالة الأولى: أن تصليها في وقتها، وحينئذٍ بالإجماع يجوز لك بعد أن تصلي العشاء أن توتر. الحالة الثانية: أن تجمع العشاء مع المغرب، كالحال في ليلة مزدلفة، فإذا أقبلت على مزدلفة في أول الوقت وأدركت صلاة المغرب فصليت المغرب والعشاء، فإنك إن قلت: العبرة بصلاة العشاء فحينئذٍ توتر ولا حرج، وإن قلت: العبرة بدخول وقت العشاء نفسه فحينئذٍ لا بد وأن يكون وترك بعد مغيب الشفق الأحمر كما ذكرنا. ومذهب الجمهور أنه لابد من مغيب الشفق، وأنه لا يصلى الوتر قبل دخول الشفق؛ لأن تقدم العشاء على خلاف الأصل، وإنما شُرِع على سبيل الرخصة فاقتصر فيها على موضعها، ولذلك جاء في الرواية الأخرى: (ما بين صلاة العشاء والفجر)، ويدل التعبير بقوله: (صلاة العشاء والفجر) على الوقت المعهود، وكذلك تعبيره: (ما بين العشاء والفجر) يدل على أن العبرة بالوقت نفسه كما في رواية السنن، فأقوى الأقوال أنه لا يصلي الوتر إلا بعد دخول وقت العشاء. وقوله: (يفعل بين العشاء والفجر) أي: يفعله المكلف ما بين العشاء إلى الفجر، فإذا دخل وقت الفجر فحينئذٍ لا يصح إيقاع الوتر بعد تبين الفجر الصادق من الكاذب بعد الأذان. وقال بعض الصحابة: يشرع أن يصلي الوتر ما بين الأذان والإقامة من صلاة الفجر، وهو مذهب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. والصحيح أنه إذا أذن المؤذن لصلاة الصبح فإنك تمسك عن الوتر، وتنتظر إلى طلوع الشمس، ثم تقضيه بعد طلوع الشمس وتشفع الوتر بركعة، فإذا كنت صليت بالليل عشر ركعات، فلما كبرت ودخلت في صلاة الوتر أذن المؤذن لصلاة الفجر، فحينئذٍ تنوي أن هذه الصلاة شفعية، وتقلبها من الوتر إلى الشفع؛ لأن الوقت قد زال، ويجوز الانتقال في هذه الحالة من الوتر إلى الشفع، ثم إذا انتهيت من هاتين الركعتين انتظرت حتى طلوع الشمس، فإن طلعت الشمس صليت الوتر ركعة وشفعته بركعةٍ معه، فتصلي ركعتين إن كان وترك ركعة، وإن كان وترك بثلاث صليت أربعاً؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فاته حزبه من الليل صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة)، وكان حزبه من الليل إحدى عشرة ركعة، فلما قالت: (صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة) دل هذا على أن وتر الليل قد شُفع بركعةٍ واحدة. ثم إن وتر النهار قضاءً فيه أحكام: أولها: أن تشفع الوتر ولا تتركه على حاله. ثانيها: أن لا تدعو بعد الركعة الأولى، فوتر الليل فيه دعاء ووتر النهار لا دعاء فيه. ثالثها: أن صلاته في النهار سرّية، وصلاة الليل جهرية.
عدد ركعات صلاة الوتر وهيئاتها
عدد ركعات صلاة الوتر وهيئاتها قال رحمه الله تعالى: [وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشر ركعة مثنى مثنى، ويوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس أو سبع لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم]. قوله: (وأقله ركعة، وأكثره إحدى عشرة) ثبت في عدد ركعات الوتر أحاديث مختلفة، أما الركعة -وهي أقله- فقد ثبت فيها الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة). وأما الوتر بثلاث أو خمس أو سبع أو تسع فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (الوتر حقّ، فمن شاء أن يوتر بثلاث أو بخمس أو بسبع أو بتسع ... ) الحديث. كما ثبت الوتر بخمس في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أنه صلى الوتر خمساً). وثبت الوتر بسبع كذلك في حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها وأرضاها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر في الوتر بسبع). وثبت الوتر بالتسع كذلك في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بتسع، ولم يقعد إلا في الثامنة، ثم قام -أي: نهض عليه الصلاة والسلام- ولم يسلم، فصلى التاسعة -وهي الوتر- ثم سلم) صلوات الله وسلامه عليه. وأما الوتر بإحدى عشر ركعة، فهو أكثره كما ذكر المصنف رحمه الله، وللوتر بإحدى عشرة ركعة صور: الصورة الأولى: أن تجعل صلاتك مثنى مثنى، وتجعل الحادية عشر ركعةً مستقلة، وهي الصورة التي فيها حديث ابن عمر. الصورة الثانية: أن تصلي أربعاً بتسليمة واحدة، ثم أربعاً بتسليمة واحدة، ثم توتر بثلاث، فيكون العدد إحدى عشرة ركعة، لما أخرجه النسائي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (. فمن شاء منكم أن يوتر بثلاث)، وكذلك ثبت في حديث أبي بن كعب في صلاته صلى الله عليه وسلم. الصورة الثالثة: أن تصلي ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم خمساً متصلة، فهذه إحدى عشرة ركعة، ويكون وترك بخمس في الإحدى عشرة ركعة. قال رحمه الله تعالى: [وإن أوتر بخمسٍ أو سبعٍ لم يجلس إلا في آخرها، وبتسع يجلس عقب الثامنة ويتشهد ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويتشهد ويسلم] هذا الذي ذكره المصنف ثبت فيه حديث أم سلمة رضي الله عنها في السنن، فالسنة أن تصلي الخمس متصلة وتجلس في آخرها ثم تسلم، وإن أوترت بالسبع فكذلك، فتصلي السبع ثم تجلس في آخرها، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه فعل في التسع خلاف ما فعل في الخمس والسبع، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام صلى ثماني ركعات متصلة ثم جلس عليه الصلاة والسلام في الثامنة، ثم قام إلى التاسعة ولم يسلم، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيح مسلم، فهذا يدل على مشروعية الجلوس في وتر التسع قبل الأخيرة، فيجلس للتشهد في الركعة الثامنة ولا يسلم منها ويقوم للركعة التاسعة ثم يجلس، فيكون وتره بالتسع فيه جلستان في آخر الصلاة على ظاهر حديث عائشة. وقد جاءت رواية أخرى تدل على خلاف ما اختاره المصنف في السبع، وذلك أنه جلس عليه الصلاة والسلام في السبع قبل تسليمه عليه الصلاة والسلام ثم أوتر بواحدة، وهذا يدل على أن الأمر واسع، لكن حديث عائشة رضي الله عنها الذي فيه الجلوس في الثامنة قالت فيه: (فلما كبر وضعف) عليه الصلاة والسلام، فدل على أنه لم يستطع أن يصلها ببعضها صلوات الله وسلامه عليه، فأوتر على هذه الصورة التي ذكرناها، وهذا كله من باب التوسعة. وأما السبب في مشروعية الوصل فقد ذكروا أنه لذلك حكماً عظيمة، ومنها أن المصلي يقوى على طول القيام؛ إذ إنّ للعلماء رحمهم الله تعالى في كون الأفضل في صلاة الليل كثرة الركعات أو طول القيام مذهبان: فبعض العلماء يقول: الأفضل في صلاة الليل أن يكثر العدد ويكثر السجود. وقال بعضهم: الأفضل أن يطيل القيام ولو قلّ السجود. واحتج من قال: إن الأفضل أن يكثر من السجود بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ربيعة أنه لما كان يعد للنبي صلى الله عليه وسلم طهوره بالليل قال له صلى الله عليه وسلم: (سلني حاجتك؟ قال: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: أو غير ذاك؟ قال: هو ذاك. قال: أعني على نفسك بكثرة السجود) قالوا: فهذا يدل على أن الأفضل أن تكثر من السجود، وهذا يدل على مشروعية الزيادة على إحدى عشرة ركعة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، ولم يقيد ذلك بالليل ولا بالنهار، وإنما أطلق. وأما الذين قالوا: إن الأفضل طول القيام في الليل فاحتجوا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر أنه لما سئل صلى الله عليه وسلم: (أي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت)، أي: طول القيام في القراءة. وهذا المذهب الثاني أرجح، فإن الأفضل أن يصلي إحدى عشرة ركعة يطيل القراءة فيها، وذلك لدليلين: أحدهما: أنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يختار الله لنبيه إلا الأفضل والأكمل. الثاني: أن الشخص إذا صلى إحدى عشرة ركعة وسجد في كل ركعة سجدتين فإنه يوصف بكونه قد أكثر من السجود؛ لأنه تكون له قرابة اثنتين وعشرين سجدة، ولذلك يكون موصوفاً بكونه قد أكثر من السجود، وعلى هذا فالأفضل طول القنوت، ولأن طول قنوتك ووقوفك فيه كثرة قراءة للقرآن، وكثرة القراءة يصحبها التدبر والتأمل والتأثر، وهذا هو المقصود من قيام الليل، وهو أن الإنسان يتأثر بالقراءة في وقتٍ لا شغل فيه، فلذلك قالوا: إن هذا كله يرجح مذهب من يقول بطول القنوت. وفائدة الخلاف أنه لو كان رجلٌ عامي يحفظ سوراً قصيرة فالأفضل له أن يقرأ هذه السور، ولو بالتكرار ولا حرج عليه؛ لأن المراد شغل الركن الذي هو القيام بالقراءة. فلو قال قائل: كيف نجمع بين هذا وبين كراهية تكرار الفاتحة؟ قلنا: إن الفاتحة ركن، وتكرار الأركان محظور، ولكن السنن التي هي القراءات ونحوها لا حرج فيها، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كرر سورة الزلزلة في ركعتين، فقرأها في أولى الفجر وثانيتها)، وكذلك ثبت عنه أنه أقر الصحابي على قراءة سورة الإخلاص في كل ركعة، فالأفضل لمثل هذا أن يكثر من القراءة حتى يطول قنوته وقيامه. وعلى القول الثاني: يقرأ قصار السور ويكثر من السجود، فيعوض ما عنده من نقص في حفظ القرآن بكثرة السجود، والأرجح ما ذكرناه. [وأدنى الكمال ثلاث ركعات بسلامين، يقرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بالإخلاص]. ثبت في حديث أبي بن كعب وحديث ابن عباس رضي الله عن الجميع في وتره عليه الصلاة والسلام أنه: (أوتر بثلاث، قرأ في الأولى بـ (سبح)، وفي الثانية بـ (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة بسورة الإخلاص)، وورد عنه أنه قرأ في الثالثة بالمعوذات مع سورة الإخلاص، فهذا يدل على أدنى الكمال الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ثلاث. ثم إن في صلاتها ثلاث ركعات ثلاث صور: الصورة الأولى: أن تصلي الثلاث متصلة وتجلس في آخرها وتسلم. الصورة الثانية: أن تصلي ركعتين وتسلم، ثم تقوم للثالثة وتسلم، فتكون ثلاث ركعات. الصورة الثالثة: أن تصلي الركعتين وتجلس للتشهد، حتى إذا فرغت من التشهد الأول قمت ولم تسلم وأتيت بالركعة الثالثة، فهذه ثلاث صور. فالصورة الأولى -وهي صلاة جميع الركعات بدون وجود فاصل- لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا في وتره عليه الصلاة والسلام بالخمس والسبع. وأما إذا صلى ركعتين ثم سلم ثم قام إلى الثالثة فمذهب الجمهور أنه الأفضل، وأنه هو المعتبر، وأنه كذلك لا يفعل الصورة الثالثة، وهي أن يصل الثلاث بتسليمة واحدة، فيتشهد في الثانية، ثم يقوم ولا يسلم إلا في الثالثة. وذهب أبو حنيفة إلى جواز أن تصل الثلاث في الوتر، فتجلس بعد الركعة الثانية للتشهد ولا تسلم، كصلاة المغرب سواءً بسواء، وقد جاء في حديث السنن: (لا تشبهوا بالمغرب)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الوتر بثلاث تشبهاً بالمغرب. والصحيح أنه يمنع، فلا يصليها ثلاثاً على صفة صلاة المغرب، والأفضل أن يسلم من ركعتين، وأن يقوم للركعة الثالثة كما ثبت في الحديث الذي ذكرناه.
حكم القنوت في الوتر ومحله
حكم القنوت في الوتر ومحله قال رحمه الله: [ويقنت فيها بعد الركوع]. قوله: (ويقنت) أي: يدعو. والقنوت في الوتر سنة، وقد اختلف العلماء والسلف رحمة الله عليهم في هذا الدعاء في الوتر: فمنهم من يقول: يشرع مطلقاً. أي: في جميع الوتر في سائر السنة. ومنهم من يقول: إن السنة في دعاء الوتر أن يكون في آخر رمضان. أي: في النصف الثاني من رمضان دون النصف الأول. ومنهم من يقول: في رمضان كله، فيخصه برمضان. ومنهم من يقول: يقنت أحياناً ويترك أحياناً، وهذا القول هو أعدل الأقوال وأقربها إلى السنة، واختاره غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم، وإن داوم عليه فلا حرج، لكن لو علّم الناس السنة فترك القنوت في ليلة من ليالي الشهر فلا حرج، لكن في رمضان استحبوا أن يستديم القنوت؛ لأن هناك قولاً للسلف في استدامة القنوت في كمال رمضان خاصة، وذلك لما فيه من حصول البركة باجتماع الناس، كما ثبت في الحديث الصحيح اعتبار هذا النوع من الخير، ففي حديث العيد ذكرت أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالخروج إلى المصلى، وقال في شأن الحيض: (يشهدن الخير ودعوة المسلمين) فاجتماع الناس في الدعاء فيه خيرٌ كثير؛ لأنه اجتماعٌ مشروع، وليس باجتماع بدعةٍ ولا حدث، بل هو اجتماع مشروع وله أصلٌ في الشرع، فمثل هذا الاجتماع إذا اغتنم في الدعاء للناس بخيري الدنيا والآخرة فلا شك أنه أفضل، فاستحب بعض العلماء أن يُخرج قنوت رمضان من الخلاف لما فيه من الفضائل ولما ذكرناه. والقنوت له صورتان: الصورة الأولى: أن يكون قبل الركوع. الصورة الثانية: أن يكون بعد الركوع. وكل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمن قنت قبل الركوع فقد فعل سنة، فلو أن إماماً قرأ سورة الإخلاص، أو قرأ سورة الإخلاص والمعوّذات ثم ابتدأ الدعاء فلا حرج عليه في ذلك، وهو على سنة وخير، ولا ينكر عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه في حديث أبي ذلك، وإن ترك قنوته إلى ما بعد الركوع فكذلك هو على سنةٍ وخير، وهذا النوع من الخلاف يسميه العلماء خلاف التنوع، وليس بخلاف التضاد الذي يوجب التبديع أو المنع من إحدى الصورتين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا مرة وفعل هذا مرة، وكلٌ جائز ولا حرج فيه.
شرح دعاء القنوت
شرح دعاء القنوت قال رحمه الله تعالى [ويقنت فيها بعد الركوع فيقول: (اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت)]. هذا حديث الحسن بن علي رضي الله عنه في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه هذا الدعاء:: (اللهم اهدني فيمن هديت) وأصل (اللهم): يا الله، فحُذف حرف النداء (الياء) وعوّض عنه (الميم) فقيل: اللهم. ولذلك لا يقال: يا اللهم، إلا في القريض والشعر، كما قال الناظم: والأكثر اللهم بالتعويض وشذ يا اللهم في قريض أي: في الشعر. ومنه قول الشاعر: إني إذا ما حدثٌ ألمّا ناديت يا اللهم يا اللهما وهذا خاص بالشعر، أما في النثر فإنه يقال: (اللهم)، ولا يقال: يا اللهم. وقوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) الهداية: الدلالة. يقال: هداه: إذا دله. والهداية تكون بمعنى التوفيق، وهذه خاصةٌ بالله سبحانه وتعالى، فهو يوفق من يشاء إلى رحمته بفضله سبحانه وتعالى، وتكون بمعنى الدلالة، فإن كانت بمعنى الدلالة فإما أن تكون دلالةً على خير، وإما أن تكون دلالةً على شر، فيقال: هداه إلى الشر. بمعنى دله عليه، وهداه إلى الخير، بمعنى دله عليه، وقد تكون دلالةً على مصالح الدنيا، ومنه قوله تعالى: {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] أي: هدى كل مخلوقٌ إلى ما فيه صلاحه في معاشه، فتجد النملة تغدو لرزقها، وتجد الطير تغدو إلى أرزاقها، وتُهدى كيف تبني أعشاشها وأكنانها، وكيف تقضي مصالحها وتربي أطفالها، فهذا كله من الهداية، والله هو الذي هداها لذلك، فهذه هداية إلى مصالح الدنيا، أما الهداية إلى مصالح الدين فإنها على نوعين: النوع الأول: التوفيق، وهي مختصة بالله عز وجل، والنوع الثاني: الدلالة والإرشاد، فهذه تكون لله، وتكون لأنبيائه ورسله، ولذلك نفى الله هداية التوفيق عن نبيه فقال سبحانه: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص:56]، وأثبت له هداية الدلالة فقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى:52]، فهنا الهداية بمعنى الدلالة والإرشاد. والمراد بالهداية في قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) هداية التوفيق، أي: اجعلني على صلاحٍ وخير، وهذا فيه تعطشٌ لرحمة الله عز وجل، وإظهارٌ للفقر، وأنك بحاجة إلى رحمة الله أن يرحمك بالاستقامة على دينه، وفيه استرحامٌ من العبد لربه أن لا يجعله محروماً؛ لأنه لما قال: (اهدني فيمن هديت) فمعناه: لا تصب الناس بهدايتك وتجعلني محروماً من هذه الهداية. قوله: وعافني فيمن عافيت. المعافاة: السلامة، والمعافى: هو السليم، وعافاه الله: سلّمه الله من شر دين، أو شر دنيا، أو منهما معاً، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (عافني) فيه إطلاق يشمل عافية الدين وعافية الدنيا، ولذلك لما جاء العباس رضي الله عنه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (يا عم رسول الله! سل الله العافية. يا عم رسول الله! سل الله العافية. يا عم رسول الله! سل الله العافية)، فإذا عافاك ربك فقد صلح لك دينك، وصلحت لك دنياك، وصلحت لك آخرتك، فأكثر المصائب تأتي من البلاء، حين يبتلى الإنسان -نسأل الله السلامة والعافية- ولا يرزق التوفيق للصبر على هذا البلاء. قوله: (وتولني فيمن توليت) الولاَية بالفتح تكون بمعنى النصرة، وتكون بمعنى التأييد، وولي الله عز وجل وصفه الله عز وجل بصفتين، فقال تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [يونس:62 - 63]، ولا يوصف الإنسان بكونه ولياً لله عز وجل إلا إذا كان مؤمناً تقياً، ولذلك لما توسع الناس في هذا ضل فئام وحارت أفهام حينما تُرِك هذا الأصل الذي دلّ عليه دليل الكتاب، فولي الله عز وجل هو المؤمن التقي، فأصبحت الولاية تطلق على أناس هم أبعد ما يكونون عن دين الله عز وجل من أهل الأهواء والبدع والضلالات -نسأل الله السلامة والعافية-، حتى أصبحت الولاية في لبس الخرق، وإظهار رثاثة الحال، والخروج عن سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وتحريم الحلال، وغير ذلك من الأمور المنكرة التي أحدثها الناس، وأصبحت الولاية إنما تكون للإنسان المجتهد في أذية الناس والتعرض لهم، فيوصف بكونه ولياً -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذا كله من الضلال والبدع والأهواء التي أصابت الناس فأضلتهم عن سبيل الله، فالولاية لا تكون إلا بهذين الأمرين: الإيمان والتقوى. قوله: (وبارك لي فيما أعطيت). البركة: الزيادة والنماء والخير؛ لأن الله قد يعطيك شيئاً ولا يبارك لك فيه -نسأل الله السلامة والعافية-، فقد يعطى الإنسان علماً ولا يبارك له فيه، وقد يعطى دنيا ولا يبارك له فيها، فربما رأيت الرجل العالم لا ينصح، ولا يُذَكِّر بالله تعالى، ولا يأمر بمعروف، ولا ينهى عن منكر، بل قد تجد الرجل يدخل إلى المسجد وبجواره رجلٌ يقرأ القرآن يحرّف كلام الله عز وجل ويخطئ في آياته ولا يرد عليه بحرفٍ واحد، ويقول: أنا الذي أخذت الدكتوراه فكيف أجيب على هذا فأشتغل به؟!! فهذا من محق البركة -نسأل الله السلامة والعافية- لنظره إلى علو مرتبته في نفسه، أو بسبب موت قلبه عن استشعار مسئوليته أمام الله عز وجل، لكن الله إذا أحب عبداً وأعطاه نعمة بارك له فيها، ولذلك فدائماً سل الله البركة فيما أعطاك. والبركة كما تكون في أمور الدين تكون في أمور الدنيا، فقد تجد إنساناً عنده المال القليل توضع له البركة فيه، فإذا به مالٌ كثير. وقد تجد الرجل عنده الولد الواحد فيقوم بمصالحه ويقضي حوائجه، ويكون قرة عينٍ له في الدنيا والآخرة، فإن كان في الحياة خدمه وأحبه وأكرمه، وإن توفي رفع كفاً إلى الله عز وجل لا تخيب بصالح الدعوات، فجعل الله له فيه خيراً كثيراً، فهذا من البركة في الولد، وقد تجد الرجل عنده العشرة من الولد وأكثر من ذلك لكنهم أصحاب مصائب، لا يجني منهم إلا سوء السمعة والأذية والبلية والإضرار، ويتمنى موتهم بدل حياتهم -نسأل الله السلامة والعافية-، وهذا من محق بركة الولد. كما تكون البركة تكون في الزوجات، وتكون في الأموال. والدعاء هنا بوضع البركة إنما هو الدعاء بالخير، فقوله: (وبارك لي فيما أعطيت) أي: اجعل فيما أعطيتني وأوليتني بركة وخيراً، فنسأل الله العظيم أن يبارك لنا فيما أعطانا. قوله عليه الصلاة والسلام: (إنه لا يذل من واليت). الذلة: ضد العزة، فقوله: (إنه لا يذل من واليت) أي: لا يذل من كنت ولياً له، وهذا كأنه تعليل لسؤال الولاية. وقوله: (ولا يعز من عاديت) يفيد أن الولاية طريق إلى العزة، كما قال الله عز وجل: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون:8]، فجعل الله العزة لمن أطاعه والذلة لمن عصاه، فإذا كان الإنسان مطيعاً لله فإن الله يعزه، يقول بعض العلماء: إن سؤال الأثر أو المسبب يتضمن ما يكون سبباً في وجوده، فكأنه لما يسأل الله عز وجل أن يكون على هذه الحال من كونه ولياً لله عز وجل فقد حصل العزة. وفي هذا الدعاء تنبيه على أن الناس إذا أسلموا وأطاعوا وكانوا من أتباع هذا النبي الكريم وأصابتهم الذلة فإنها تكون بسبب ضعف الولاية لله عز وجل، فإذا رأيت المسلمين في ضعفٍ وخور وذلة ومهانة واحتقار من الأعداء فاعلم أن بينهم وبين الله أموراً، وهذه الأمور هي معاصي الله وانتهاك حدود الله عز وجل، فإذا عظّموا الله وكانت ولايتهم لله أعزهم الله عز وجل. فقوله: (لا يعز من عاديت) أي: لا يكون من عاديته عزيزاً، وهذا فيه إطلاق يشمل عزة الدنيا وعزة الآخرة، ولذلك جعل الله أهل الكفر في ذلةٍ وحقارة كما قال تعالى: {سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ} [الأنعام:124]، فلا يكتب لأحد عصى الله عز وجل عزة ما دام على معصية -نسأل الله السلامة والعافية-، فلذلك ضرب الله الذلة والمهانة على اليهود لما قتلوا أنبياء الله واعتدوا حدود الله عز وجل. (تباركت ربنا وتعاليت). (تبارك) تفاعلٌ من البركة، فأعظم ببركته سبحانه وتعالى. وقوله: (وتعاليت) مأخوذ من العلو، وهذا فيه ثناء على الله عز وجل، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الدعاء بين الثناء وبين المسألة، فمن أبلغ ما يكون أن تجمع بين الثناء على الله عز وجل والمسألة. قال عليه الصلاة والسلام: (وقني شر ما قضيت) قوله: (قني): مأخوذ من الوقاية. وهذا الدعاء يشمل الوقاية من شرور القضاء، سواء أكانت في أمور الدين أم أمور الدنيا. والله عز وجل قد كتب ما هو كائن وما يكون إلى قيام الساعة، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائنٌ وما يكون إلى قيام الساعة)، فكتب الله عز وجل المقادير، وقضى بها سبحانه وتعالى، ولا شك أن ما كتبه لا بد أن ينفذ، فيسأل العبد ربه أن يكفيه وأن يقيه شر ما قضى، وليس المراد بهذا ما قد كتب على العبد، فإن الذي يكتب على العبد لا بد من مضيه ولا بد من نفاذه، ولكن المراد من هذا أن يسأل الله عز وجل العافية والسلامة مما يكون من البلاء على العباد، أي: من سواه من العباد، وقد يقول قائل: إذا كان الله عز وجل لم يكتب عليه فكيف يدعو وهو سالم من هذا القضاء؟ فقالوا: لأنه يثاب على هذا الدعاء ويؤجر، وثانياً: لأنه لم يطلع على الذي كتب، ولذلك هو يسأل على ما ظهر له، وهذا هو الأصل في قضايا القضاء والقدر. وقوله: [(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا نحصي ثناء عليك،
مسح الوجه باليدين بعد الدعاء
مسح الوجه باليدين بعد الدعاء قال رحمه الله: [ثم يمسح وجهه بيديه]. المسح: هو إمرار اليد أو الكف على الشيء، ويستدل لهذا المسح بحديث عمر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع يديه في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه)، وهذا الحديث تكلم العلماء على سنده، والأقوى أنه ضعيف، وإن كان الحافظ ابن حجر رحمة الله عليه أشار إلى أن للحديث طرقاً يقوي بعضها بعضاً، وأنه يرتقي إلى درجة الحسن، وتضعيف الراوي موقوف على كلام الحافظ ابن حجر نفسه الذي نقله في التهذيب وأشار إليه في التقريب، فإذا كان الحافظ ابن حجر الذي كتب وبيّن وأرشد إلى الكلام في هذا الراوي، يقول: إن مجموع طرقه تقوّي الحديث وتشهد بأصله، فإنه حينئذٍ لا ينكر على من فعله، لكن الأولى والأكمل أن يقتصر على رفع اليدين، وإن مسح وجهه فلا ينكر عليه؛ لأنه فقد ثبت الحديث: (أنه رفع يديه في القنوت)، وهو حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسنه الحافظ ابن الملقن في تحفة المحتاج في تخريجه لأحاديث المنهاج، حيث ذكر حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قنت رفع يديه)، وهو أصل عند العلماء في رفع اليدين في القنوت، فإذا ضممت حديث أنس مع حديث عمر الذي ذكرناه: (أنه كان إذا رفع يديه لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه) فحينئذٍ لا ينكر على من مسح، لكن الأسلم والأولى -نظراً للكلام في الحديث، ولعظيم شأن الصلاة وشدة أمرها، وأنه لا ينبغي أن يفعل الإنسان إلا ما ثبت وتقرر- أن يقتصر على الرفع دون المسح، ومن مسح فإنه لا ينكر عليه إذا تأوّل الحديث وكان يرى تحسينه، أو يرى اعتبار قول من يقول بالحسن، على الأصل المقرر عند العلماء أنه لا إنكار إذا اختلفت النصوص صحةً وضعفاً، فكما أنك تقول بصحة حديث لتصحيح من ترى علمه، وتقول بضعف غيره للقول الذي يقوله هذا العالم، فكذلك غيرك يرى، والكل بشر يحتمل قوله الصواب والخطأ، ولذلك لا ينكر على من فعله إذا كان يتأول، وإنما يُدل من فعله على الأفضل، فيقال له: الأفضل أن تقتصر على الرفع ثم تضع يديك، وهكذا في الدعاء العام، فإذا جلس ورفع كفيه يسأل الله من خيري الدنيا والآخرة فإنه يقال له: لا تمسح وجهك. ويُدل على الأفضل، ويقال: إن الحديث ضعيف. لكن لو قال: إنني أقول بحديث عمر، وفيه كذا وكذا. فلا حرج، كما قال الناظم: واقبل لإطلاق لصحة السند أو حسنه إن كان ممن يعتمد أي: ما دام أن هذا التحسين والتضعيف من أئمة وأناس شهد لهم بالأهلية فإنه يقبل، ويكفيك بالحافظ ابن حجر رحمة الله عليه علماً وفهماً ودرايةً بأصول التصحيح والتضعيف، فلا شك أن مثل قوله له وجه. وعلى العموم يُدَل الناس على الأفضل، ويقال لهم: الأفضل والأكمل أن لا يُمسح. لكن الذي نعتقده وندين الله عز وجل به -لضعف الحديث- أنه لا يثبت المسح في الدعاء العام ولا في الدعاء الخاص، وأما أمر الصلاة فهو أعظم. وعلى القول بحديث عمر رضي الله عنه أنه كان يمسح بهما وجهه، فقد اختلف العلماء في تعليل هذا الفعل، ومن التعليلات ما ذكره بعضهم -وأشار إليه الصنعاني رحمة الله عليه في السبل- أن هذا الحديث إنما خُرّج على أن الإنسان يقوى يقينه بالله من باب الفأل، والشرع يستحب الفأل، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، فكأن الداعي اعتقد أن الله لا يخيبه وأنه سيعطيه سؤله، ولذلك مسح أشرف المواضع كأنه مصيبٌ لحاجته من قوة يقينه بالله. فعلى القول بثبوت هذا الحديث فإنه يُخرّج على هذا التعليل. وأما ما يفعله بعض الجهال بعد الانتهاء من مسح الوجه حيث يجعل مسحه جميع الجسد فهذا لا أصل له، ويعتبر بدعةً وحدثاً، وهذا في الصلاة أشد؛ لأنه فعلٌ خارج عن هيئات الصلاة لا يشرع إلا بدليل، ولا دليل.
الأسئلة
الأسئلة
كيفية قضاء الوتر لمن لم يكن له حزب محدد
كيفية قضاء الوتر لمن لم يكن له حزب محدد Q إذا كان الإنسان يصلي الوتر مرة ثلاثاً ومرة خمساً ومرة سبعاً، فكيف يقضي إذا فاته الوتر؟ A الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإذا كان يوتر بخمسٍ أو بسبع فحينئذٍ يشفع وتره، فيكون وتره ستاً إن كان يوتر بخمس، وإن كان يوتر بسبع فيكون وتره ثماني ركعات، يشفع وتر الركعة السابعة بالثامنة. أما لو اضطرب حاله، فتارةً يوتر بسبع وتارةً يوتر بخمس، فهذا مما لا أحفظ فيه نصاً عن العلماء، ولذلك أتوقف في حكمه. والله تعالى أعلم.
حكم من أوتر في النهار سهوا
حكم من أوتر في النهار سهواً Q رجلٌ صلى صلاة النافلة في النهار فسها وصلى وتراً، ثم تذكر بعد سلامه، فماذا يصنع؟ A هذا فيه تفصيل: فإن كان تذكر في نفس المكان الذي صلى فيه قبل خروجه منه فإنه يستقبل القبلة ويجلس كحال المتشهد حتى يأتي بالقيام، ثم يقوم للركعة التي فاتته ويتمها كأنه لم يسهُ، ثم يسجد سجدتين بعد السلام، على ظاهر حديث ذي اليدين في الصحيحين، فحينئذٍ يجبر هذه الركعة التي فاتته ما دام أنه لم يخرج من المسجد، أو لم يخرج من الغرفة التي صلى فيها. أما لو خرج من الغرفة أو خرج من المسجد فإن كانت الصلاة التي صلاها ركعةً واحدة مفروضة فإنه يلزمه قضاؤها وفعلها تامةً على الصفة المشروعة، وقد بطلت بخروجه من المسجد وبخروجه من الغرفة، أما لو كانت الصلاة نافلة ففيها قولان للعلماء: فمن يقول: إن النوافل إذا شرع فيها المكلف وجبت عليه، فإنه يوجب عليه القضاء. ومن يقول: إن الشروع في النافلة لا يصيرها فرضاً، فحينئذٍ لا يوجب عليه القضاء. وتوضيح ذلك أن بعض العلماء يقول: إذا كبّرت في نافلةٍ، أو أنشأت صيام تطوعٍ وجب عليك أن تتم النافلة وأن تتم الصيام، فإذا قطعته بدون عذر أثمت، وإذا قطعت الصلاة النافلة بدون عذرٍ أثمت، واحتجوا بقوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، قالوا: نهى الله تعالى عن إبطال العمل، والصلاة عمل، بل هي من خير العمل، وهكذا في بقية النوافل. والذين قالوا: إن الشروع في النوافل لا يصيرها فرائض قالوا: إنها ليست بواجبةٍ في أصل الشرع، فإذا قلنا: إنها تصير فريضةً فقد زدنا على أصل الشرع الذي دلّ على عدم لزومها، وقاسوا النظير على نظيره، فقالوا: هي ليست بواجبةٍ بعد الشروع كما أنها ليست بواجبةٍ قبل الشروع، وأما قوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33] فإنما هو في الأعمال التي هي على سبيل اللزوم، وأما بالنسبة للأعمال التي هي على سبيل الخيار فالمكلف مخيرٌ بأصل الشرع. وبناءً على هذا فلو أنشأ نافلة، كأن يقوم في غرفته ليصلي ركعة في النهار ثم سلّم منها ظاناً أنه صلى ركعتين فحينئذٍ إن قلنا: النوافل تصير فرائض بالشروع فإنه يلزمه أن يتم هذه الركعة الباقية، وإن قلنا: النوافل لا تصير فرائض بالشروع فإننا نقول له: أنت بالخيار، فإن أحببت أن يثيبك الله وأن يتم لك أجر الركعتين فأتمها، وإن لم تحب فحيئنذٍ لا حرج عليك؛ لأن النوافل لا تصير مفروضةً؛ إذ هي نافلةٌ في أصل الشرع، وليست بفريضةٍ واجبة.
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم Q هل من وصيةٍ لطالب العلم عن كيفية مراجعة الدروس؟ A طلب العلم فيه سآمةٌ وملل، وفيه تعبٌ ونصب، وطالب العلم لا بد أن تمر عليه ساعات وأيام وأعوام يجد فيها بعض السآمة والملل والظروف والمصائب والمتاعب، ولذلك ينبغي لطالب العلم دائماً أن يستشعر الإخلاص؛ فإنه لا يبدد هذه الهموم والغموم شيءٌ غير توفيق الله سبحانه وتعالى، ثم وجود نيةٍ خالصة بين العبد وبين ربه، وهذا هو الذي صبر به الأولون وسار على نهجه الأخيار الصالحون، فبارك الله في علمهم وتعلمهم ونفعهم للعباد، فإذا استشعرت دائماً حب الله في هذا العلم وحب الله لك في هذا التعلم والسعي لإنقاذ نفسك وإنقاذ الأمة بهذا العلم المبارك فإن الله سبحانه وتعالى يرحمك ويوفقك ويذهب عنك كل ما يحول بينك وبين رحمته، فهذا الأمر الأول. والأمر الثاني الذي يوصى به طالب العلم حتى يثبت في طلب العلم ويقوى على تحصيل العلم وضبطه: أن يجمع في علمه بين العلم والعمل، فأي سنة يتعلمها يطبقها، وأي نافلةٍ يُدعى إليها يعمل بها ولو مرة، وقد قالوا: اعمل بالحديث مرةً تكن من أهله، فتلقى الله يوم تلقاه وقد عملت به ولو مرةً واحدة، حتى إذا قلت للناس: إن هذا الحديث يدل على الخير، تكون لك قدم سابقة عند الله عز وجل، وتكون لك قدم صدق أنك فعلت وعملت بهذا الذي دعوت إليه، ولذلك أوصي طلاب العلم خاصة في مرحلة الطلب أن يكثروا من العبادة والعمل بالعلم؛ فإن لهذا أثراً عظيماً فيما يكون في مستقبلهم، وأن لا يشتغلوا بالقيل والقال وإضاعة الأوقات فيما لا ينفع، وإنما يشتغلون بهذا العلم، وطالب العلم إذا أقبل عليه يقبل بكله ولا يقبل بجزئه، فتقبل على هذا العلم إقبالاً صادقاً، وتجعله ليلاً ونهاراً أنيسك وجليسك الذي تسعد به وترتاح إليه وتأنس به، ويكون أفرح ما عندك أن تظفر بالفائدة والحكمة والمقولة التي تستنير بها وتضيفها إلى علمك، فإذا بلغت إلى هذه المرتبة -وهي التفاني في تحصيل هذا العلم مع العمل- فإن الله سبحانه وتعالى يبلغك أعالي درجات العلماء بإذنه سبحانه وتعالى، وإذا جمعت بين العلم بالعمل والتفاني في تحصيله فإن الله عز وجل سيجعل العاقبة لك محمودة، ولذلك تجد بعض طلاب العلم يطلبون العلم سنة ويملون، أو سنتين ويسأمون، أو ثلاث سنوات ويتركون، والسبب في هذا -والله أعلم- أنهم يضعون العلم أحمالاً على ظهورهم، فلا يعملون بما علموا، وتجد طالب العلم يجمع الأقوال ويجمع المسائل ويجمع الردود والمناقشات، وهذه أمور قد يقسو القلب بسببها إذا كثر الاشتغال بها، وكان اشتغالاً جامداً عارياً عن العمل، وقد تخرج الإنسان عن المقصود الأعظم، ولكن الإنسان إذا عُرضت عليه المسألة فتأملها ونظر الحق الذي فيها عجب من فتح الله على العلماء، وأدرك فضل الله على هذا العالم في فهمه، وأدرك فضل الله عز وجل على هذا العالم في استنباطه ومناقشته ومراجعته، فيقول: يا رب أسألك أن تفتح عليّ كما فتحت عليه. وينظر إلى دواوين السلف التي زخرت بهذه المسائل فيزداد حباً لها ويقول: يا رب كما وفقتهم وفقني، فحين يكون علمه في مثل هذا الارتباط بينه وبين الله عز وجل يجد أنه كلما ازداد علماً كلما ازداد قرباً من الله تعالى. وشوب العلم بالعمل له بركة عظيمة، ولذلك قالوا: إن أول العلم طفرة وآخره انكسار وخشية لله عز وجل. فهذا هو العلم المبارك الذي يهتدي الإنسان به إلى الله، بل قال بعض العلماء: إذا أراد الإنسان أن يعرف أن علمه نافع فلينظر إلى كسر هذا العلم لقلبه لله، فإن وجد أنه يزداد خشية لله ومعرفة بالله سبحانه وتعالى فليعلم أن علمه نافع بإذن الله عز وجل، وأنه علمٌ مبارك، فهذا العلم النافع الذي تحس أنه يكسر قلبك لله عز وجل ويذهب عنك طفرة الغرور لا يكون إلا بشوب العلم بالعمل والخشية لله عز وجل، قال الإمام أحمد رحمه الله: أصل العلم خشيةُ الله. كما أن العلم بحاجة إلى أشياء كثيرة بجانب خشية الله تعالى، منها: حب الله، والتعلق بالله سبحانه وتعالى، والقرب من الله عز وجل، واستشعار أن هذا العلم بفضل الله وحده، لا أنه بفضل الذكاء والفهم، فالذين حفظوا لم يحفظوا لأن أذهانهم كانت حافظة، وإنما هو فضل الله سبحانه وتعالى، فكم من مسائل تنزل على المفتي يفتح عليه في جوابها، ووالله لو أعمل فكره ليلاً ونهاراً على أن يصل إلى هذا الفتح الذي فتح الله عليه لما وصل إليه، لكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فمن الأمور التي تعين على الجد والاجتهاد في تحصيل العلم الإخلاص وكثرة العبادة مع العلم، وقرن العلم بالعمل والتزكية والخشية والقرب من الله عز وجل والحب لله سبحانه وتعالى، وتجعل كل مجلس علم تجلسه لا تقوم منه إلا وأنت تثني على الله، وتسأل الله عز وجل أن يجعل هذا الذي تعلمته خالصاً لوجهه الكريم. فطلاب العلم بحاجة إلى مثل هذه المواقف الكريمة التي يحسون فيها بلذة العلم، فكم من مجلس علم جلسته وانتفعت فيه!! فقل لي بربك: هل جلست مجلس علمٍ، وبعد أن انتهيت منه دمعت عيناك من خشية الله، وقلت: يا رب علمتني ما لم أكن أعلم وكان فضلك عليّ عظيماً. فتأملوا إلى هذه النعم، فكم من أناسٍ في دياجير الجهل والظلمات بعيدين عن الله سبحانه وتعالى هم أحوج ما يكونون إلى كلمةٍ تنقذهم، وكم من إنسان مشغول يتمنى أن يجلس هذا المجلس، وكم من مريض يتمنى أن يجلس هذا المجلس، فهذه النعمة العظيمة إذا شبتها بالشكر لله والثناء على الله عز وجل أحبك وبارك فيك، وإذا شكرت هذا المجلس بورك لك في المجلس الثاني، فبدل أن تعلم ربع العلمٍ يعطيك الله نصف العلم، ثم ثلاثة أرباع العلم، حتى تبلغ من العلم خيراً كثيراً. فالارتباط بالله في هذا العلم مهم، وليست القضية أن نحمل الكتب ونذهب إلى المجالس ونرجع وحالنا هو الحال، بل إن بعض طلبة العلم قد يفتن بعلمه، فنريد أن نشوب علمنا بالورع وبالعمل وبالطهارة. أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا نافعاً، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم. اللهم إنا نسألك علماً يقربنا إليك، وأن تهب لنا رحمةً من لدنك إنك أنت الوهاب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب صلاة التطوع [2]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [2] من صلوات التطوع: صلاة الوتر، ويشرع فيها القنوت، وكذلك يشرع القنوت إذا نزلت بالمسلمين نازلة، فيقنت في جميع الصلوات، ومن الصلوات المسنونة المؤكدة: صلاة التراويح في رمضان، وهي إحدى عشرة ركعة، ولا بأس بالزيادة، وتصلى جماعة مع الإمام حتى ينصرف.
أحكام القنوت
أحكام القنوت
محل القنوت
محل القنوت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [ويكره قنوته في غير الوتر إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض]. تقدم معنا بيان مشروعية القنوت في الوتر، وذكرنا تعليم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء للحسن بن علي رضي الله عنه وعن أبيه. وهنا شرع المصنف رحمه الله في التنبيه على مسألة القنوت في غير الوتر التي تعتبر من مسائل الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فهذا القنوت -وهو الدعاء الذي يكون بعد الركوع، أو يكون قبل الركوع- هل يشرع في غير الوتر، أو لا يشرع؟ فمذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم أن دعاء القنوت في الفريضة يعتبر سنة. وبهذا القول قال الإمام مالك والشافعي عليهما رحمة الله، وقال الإمام أبو حنيفة وأحمد رحمة الله عليهما: إن المداومة على دعاء القنوت في الفريضة ليست بسنة، ثم اختلفوا على قولين: فقال الإمام أحمد رحمة الله عليه: إنما يشرع في النوازل. ومنع الإمام أبو حنيفة القنوت مطلقاً. فأما الذين قالوا بمشروعية دعاء القنوت فقد استدلوا بأحاديث صحيحة ثابتةٍ عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أنه قنت ودعا، ومن أصحها ما ثبت عنه: (أنه قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله)، وكان يدعو بالنجاة للمسلمين، فكان يدعو أن ينجي الله الوليد بن الوليد، وكذلك دعا عليه الصلاة والسلام بنجاة عياش بن أبي ربيعة رضي الله عن الجميع، فأخذ العلماء من هذا دليلاً على مشروعية القنوت، وأكدوا هذا بحديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا). وأما الذين قالوا: إنه لا تشرع المداومة على القنوت، وإن المداومة عليه بدعة فقد استدلوا بما ثبت في حديث لـ مالك الأشجعي رضي الله عنه وأرضاه أنه سأل أباه رضي الله عنه فقال: يا أبت: صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فهل كانوا يقنتون؟ قال: أي بني: إنه مُحْدث. وهو حديثٌ رواه أصحاب السنن، قالوا: فهذا يدل على أن المداومة على القنوت تعتبر بدعة. وقالوا: إن الأحاديث التي دلت على أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في صلاة الفجر إنما كانت في أول الأمر، ثم نسخ ذلك. وأجابوا عن حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بالطعن في سنده، وهو حديثٌ متكلمٌ في سنده، رواه البيهقي وغيره. ولذلك فالذي يظهر من هذه المسألة أحد أمرين: الأول: ما اختاره جمعٌ من المحققين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل القنوت أحياناً ويتركه أحياناً. وهذا مسلك يسلكه بعض العلماء رحمة الله عليهم في الجمع بين النصوص. والمسلك الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت لحاجة، فيعتبر القنوت سنة إذا وجدت الحاجة. وهذا القول الأخير هو أحوط الأقوال وأولاها بالصواب إن شاء الله؛ لأن الصلاة شأنها عظيم، وقد حصل التردد بين كون القنوت باقياً وبين كونه منسوخاً، ولا شك أن الأدلة على نسخه أقوى، أي: نسخ المداومة عليه، فإن الله عز وجل أوحى إلى نبيه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] فكفّ عليه الصلاة والسلام. وجاء في الحديث الآخر: (أنه لما قنت يلعن رعلاً وذكوان، وعصية عصت الله ورسوله، وقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف أوحى الله إليه: يا محمد: إنا لم نجعلك نكالاً، وإنما جعلناك رحمةً للعالمين) -صلوات الله وسلامه عليه- وكان فيما أنزل عليه: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران:128] أي: لا تدعُ عليهم، فلعلّ الله أن يتوب عليهم، ولذلك فالفاسق والمجرم والكافر المعين لا يدعا عليه، وإنما يدعا بتوبته، ويدعى بكف بأسه عن المسلمين، ومنه أخذ جمعٌ من أهل العلم تحريم لعن الكافر المعين، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نُهي عن ذلك، أما الدعاء على الكافر فإنه يشرع ولا حرج، ولكن الأفضل والأكمل أن يدعا بصلاحه وبهدايته إن أمكن ذلك. وبناءً على هذا فالقنوت يشرع عند وجود النوازل، والنوازل المراد بها المصائب والنكبات، كأن يعتدى على أعراض المسلمين، أو على دمائهم، أو يضيق بهم الحال في كربٍ أو خطب، فيلجأون إلى الله بالدعاء، وهذا هو الأصل الذي دعا الله إليه عباده فقال: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، والمسلمون (كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). ولا يبلغ المسلم حقيقة الإسلام، ولا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان إلا إذا بلغ به الحال أنه إذا بلغه ضرر بأخيه المسلم أحس به كما يحس به أخوه المسلم أو أشد، ولذلك كان بعض العلماء رحمة الله عليهم إذا بلغه المصاب في المسلمين، أو النكبة تحل بالمسلمين تأثر، وربما مرض حتى يعاد في بيته، وهذا من كمال الإيمان، ومما جعله الله عز وجل وشيجة بين المؤمنين، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه بقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد). فإذا نزلت المصيبة بالمسلمين هنا أو هناك شرع أن يقنت، وأن يدعا بالنجاة والسلامة لمن ابتلي، وكذلك يدعا بكفّ بأس الذين ظلموا عن المسلمين، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك فهذا القول يعتبر أعدل الأقوال، وفيه جمع بين النصوص، خاصةً وأنه أعمل السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحالة التي فعل فيها النبي صلى الله عليه وسلم القنوت. وبناءً على ذلك يشرع القنوت للنوازل في دفع ضرر عام أو خاص على بلاد المسلمين.
السنة في القنوت
السنة في القنوت وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت، منها دعاؤه المشهور: (اللهم إنا نستعينك ونستهديك، ونستغفرك ونتوب إليك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونهجر من يفجرك، اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق)، وقد كانت سورة تتلى من سور القرآن، وكان يقنت بها في دعاء القنوت. فالسنة أن الإمام إذا دعا في القنوت أن يتأسى برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما في هذا الدعاء الوارد من إظهار الفاقة والحاجة إلى الله سبحانه وتعالى، والاعتراف له بالعبودية، والإسلام له سبحانه وتعالى. ثم إنه يقتصر على أمرين: الأول: أن تدعو بكف بأس الذين ظلموا، فتدعو على الكافرين أن يستأصل الله شأفتهم، وأن يكفّ بلاءهم عن المسلمين. الثاني: الدعاء للمسلمين أن يرحمهم الله، وأن يغاثوا، وأن يعجل لهم بالنصر إن كانوا في ضائقة. وأما الزائد على ذلك من الأدعية الأخرى فلا يشرع في هذا الموضع؛ لأنه كلام أبيح للضرورة، ولا يجوز فيما أبيح للضرورة والحاجة أن يزاد فيه على الوارد، فإن هذا القنوت إنما شرع للنازلة، فيتقيد الإمام فيه بالوارد، حتى قال الإمام أحمد: إن زاد حرفاً واحداً -أي: عن الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- فاقطع صلاتك. أي: لا تأتم به إذا خرج عن السند والسبب في هذا أنه إذا زاد كلاماً آخر فإنه قد خرج عن كونه قانتاً إلى كونه مُحدثاً، نسأل الله السلامة والعافية. فينبغي على الأئمة أن يتقيدوا بما ورد، وأن لا يزيدوا على هذه السنن الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالوارد موصوف بهذين الوصفين: أولهما: ما ورد من الثناء على الله عز وجل في هذه الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، كقوله: (اللهم لك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق) إلى آخره. الثاني: الدعاء بالنجاة للمسلمين والهلاك على الكافرين، ولا حرج أن يعمم في دعائه أو يخصص قوماً؛ فإن تخصيص القوم جائز إذا كان لا يعني منهم شخصاً معيناً، ولذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رعلٍ وذكوان وعصية عصت الله ورسوله، فلا حرج إذا دعا على طائفة أن يكون دعاؤه على هذا الوجه لثبوت السنة به، وقال بعض العلماء: إذا سمى طائفةً أو سمى جماعةً بعينها فإنه يعتبر داخلاً في نهي الله عز وجل لنبيه؛ لأن سبب نزول الآية إنما ورد في دعائه عليه الصلاة والسلام على مضر في قوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف)، قالوا: فخصص، وتعتبر مضر بطوناً كثيرة، ومع ذلك نهاه الله عز وجل. وهذا القول لا شك أنه من القوة بمكان، فلو دعا على الكافرين فإنه يعمم، ولذلك كان من دعائه عليه الصلاة والسلام: (اللهم قاتل الكفرة من أهل الكتاب الذي يصدون عن سبيلك)، فعمم صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخص منهم طائفة دون أخرى.
قنوت النازلة وموضعه
قنوت النازلة وموضعه قال: [إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة غير الطاعون فيقنت الإمام في الفرائض]. قوله: (إلا أن تنزل) استثناء، والاستثناء -عند أهل العلم رحمة الله عليهم-: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ. فكأنه يقول: إنه لا يشرع أن يقنت إلا أن تنزل بالمسلمين نازلة، وقد ذكرنا ذلك. قوله: (غير الطاعون) الطاعون: مرض يصيب الجوف، ويعتبر شهادةً، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن من أصابه الطاعون فمات منه -والعياذ بالله- يعتبر في حكم الشهيد. ويقول بعض العلماء: إنه هو المرض المعروف اليوم بالكوليرا فتعتبر هي الطاعون، ومن مات بها فإن هذا الموت يعتبر شهادة، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الطاعون: (أنه رحمةٌ بالمؤمن، ونقمةٌ على الكافر)، فإذا انتشر بين المسلمين فإنه رحمةٌ يريد الله أن يرحم بها عباده المسلمين، وإذا انتشر بين الكافرين فيعتبر عاجل نقمة عجلها الله لهم في الدنيا قبل الآخرة، ولا يشرع إذا نزل هذا المرض أن يدعا أو يقنت، قالوا: لما فيه من معنى الرحمة، ولأن الصحابة رضوان الله عليهم طُعنوا كما في طاعون عمواس في عهد أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم أجمعين، فلم يقنت رضي الله عنه، ولم يسأل الله رفعه، ولذلك قالوا: لا يشرع في هذا أن يدعا برفع البلاء. قوله: [فيقنت الإمام في الفرائض]. قد جاءت أحاديث تدل على هذا، وقد اختلف العلماء في ذلك: فمنهم من يخص القنوت بالفجر، وهذا لا شك أنه لا شبهة فيه ولا إشكال، ومن أهل العلم من قال بالعموم في الصلوات. والسبب في هذا الخلاف ورود أحاديث اختلف في تصحيح أسانيدها، فمن يصحح أسانيدها يقول بمشروعية القنوت في الصلوات الخمس، وأنه لا فرق بين السرية والجهرية، وأنه في السرية يقنت ويكون قنوته سرياً، ويعتبر هذا تابعاً للسنة كما ذكرنا. ومن أهل العلم من خصه بالجهرية دون السرية، وقال: إنما يشرع القنوت في الجهرية دون السرية، ولذلك فعله النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر.
صلاة التراويح
صلاة التراويح التراويح: تفاعيل من الراحة، وسميت التراويح بهذا الاسم لأنهم كانوا يتروحون ويرتاحون بين كل أربع ركعات، فكانوا يرتاحون لطول القيام، وقد اختار عمر بن الخطاب رضي الله عنه أبي بن كعب أن يصلي بالناس بعد صلاة العشاء، وكان أبي رضي الله عنه من حفّاظ كتاب الله عز وجل، وكان من الصحابة القلائل الذين جمعوا حفظ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفاه شرفاً وفضلاً ونبلاً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصلاة وارتج عليه، فلما سلم قال: (أفي الناس أبي؟ قال: نعم. قال: ما منعك أن تفتح عليّ آنفاً؟)، فاختاره من بين الصحابة. وثبت في الحديث الصحيح: (أن الله أوحى إلى نبيه أن يقرأ القرآن على أبي، فقال أبي: وسماني لك؟ قال: نعم. فبكى -رضي الله عنه وأرضاه-)، فلما قام بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أطال قيامه، فقام بهم من بعد صلاة العشاء وأطال بهم القيام، فكان يروح أو يرتاح بهم بين الأربع، فلذلك سميت التراويح بهذا الاسم.
أصل مشروعية صلاة التراويح
أصل مشروعية صلاة التراويح صلاة التراويح من أهل العلم من يقول: إنها شرعت بهدي النبي صلى الله عليه وسلم. ومنهم من يقول: إنها شرعت في أصلها بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم شرعت بوصفها بسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وهذا القول الثاني أدق، ووجه ذلك أن الصحابة اجتمعوا وصلّى بهم النبي صلى الله عليه وسلم الليلة الأولى، ثم كثروا في الليلة الثانية، ثم كثروا في الليلة الثالثة، فلم يخرج إليهم عليه الصلاة والسلام، حتى حصبوا الخيمة التي كان فيها ليشعر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إنه لم يخف عليّ مكانكم البارحة، ولكني خشيتُ أن تفرض عليكم)، فامتنع من الخروج والصلاة بهم خوف أن تفرض هذه الصلاة على الأمة، وكان عليه الصلاة والسلام من رحمته وشفقته ورفقه بالمؤمنين يخشى أن ترهقهم التكاليف، فيعجزون أو يمتنعون عن فعلها فتكون فتنةً عليهم، فكان صلى الله عليه وسلم ممتنعاً من أجل هذا المعنى، فلما توفي صلّى الناس قيام رمضان في المسجد، فصار هذا يشوش على هذا، وتجدهم أوزاعاً كلهم يصلي، وصلاة الليل فيها نوع من الجهر، فلا يجهر بها جهراً كاملاً ولا يخافت، فلما صار بعضهم يشوش على بعض جمعهم عمر رضي الله عنه -وهو المحدّث الملهم- على أبي، فكانت سنةً حسنةً منه، فكان أصلُ الجمع مستنداً إلى السنة من فعله عليه الصلاة والسلام، لكن الوقت الذي اختاره من كونها بعد صلاة العشاء لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فاستند إلى الأصل في قيام الليل، وكانت الصفة من كونها في أول الليل من سنة عمر، ولذلك لو اعترض معترضٌ على فعل التراويح والتهجد في آخر رمضان أجيب بهذا الجواب، وقيل له: إن التراويح شرعت سنةً عمرية، أي أنها سنة، وحصل الإجماع عليها، وأما التهجد فيكون بعد الهجود؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تهجده إنما كان بعد اضطجاعه، فسمي التهجد تهجداً لأنه بعد الهجود، وهو أكمل وأفضل وأعظم ما يكون لكونه بعد الراحة والاستجمام، كما أشار الله إلى ذلك حينما أمر به نبيه فقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:79]. فكان هذا القول أدق من هذا الوجه، فتكون سنةً عمرية من جهة الوقت، أي: كونها في أول الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جمع الصحابة في آخر الليل.
عدد ركعات صلاة التراويح
عدد ركعات صلاة التراويح قال رحمه الله تعالى: [والتراويح عشرون ركعة] في القرون المفضلة كانوا يقومون بعشرين ركعة، وفي هذا العدد حديثٌ عن ابن عباس مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه حديث ضعيف، فيه إبراهيم بن عثمان، وهو ضعيف باتفاق المحدثين. وفيه كذلك أثر السائب بن يزيد في قيام أبي بن كعب، وتكلم العلماء فيه، فمنهم من صححه كالإمام النووي وغيره، ومنهم من ضعفه، وكانت عشرين على عهد عمر رضي الله عنه، واستمر هذا في عهد السلف الصالح، فقد كان في عهد مالك رحمة الله عليه، وكذلك أدركه الأئمة كالإمام أحمد رحمة الله عليه، وهذا يدل على أن له أصلاً، ومن المعلوم أن المدينة إلى عهد مالك -كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - لم تدخلها بدعة واحدة، ولذلك رأى الإمام مالك أن العمل بقول أهل المدينة حجة إذا كان من الأمور الظاهرة، وقد فصّل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في رسالةٍ نفيسة في إجماع أهل المدينة. فكون التراويح تصلى بعشرين ركعة إلى عصر مالك -كما نقل في الموطأ ما يدل عليه ويشهد له- يقوي أن هذا العدد له أصل، لكن اعتقاد أن هذا العدد بمثابة اللازم، والمحافظة عليه على وجهٍ يُظَنّ أنه لازم لا تشرع الزيادة عليه ولا النقص منه لا أصل له، ولذلك ينبه على أن فعله من حيث الأصل جائز؛ لأنه داخل تحت الأصل الذي يطلق قيام الليل، لكن إذا اعتقد الشخص أنه لا تجوز الزيادة على ثلاث وعشرين، أو أنه لا يجوز النقص عن ثلاث وعشرين، وتقيد بذلك والتزم فقد أحدث، ووجه الإحداث فيه أنه ظن ما ليس بلازمٍ لازماً، واعتقد فضل الثلاث والعشرين بعينها دون ورود نص بالتحديد، فكان تبديعه من هذا الوجه، أما لو صلّى ثلاثاً وعشرين على أصل أنه كان محفوظاً، وأراد بذلك التخفيف، كالإمام يريد أن يخفف على كبار السن ونحوهم، فيجعل طول القيام لأجل أن يكون أرفق بهم فلا حرج في ذلك، والهدي الأكمل والأفضل والأعظم أجراً اتباع هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاقتصار على إحدى عشرة ركعة، فهي الثابتة في حديث أم المؤمنين عائشة، وإن زاد إلى ثلاث عشرة ركعة فلا حرج؛ فإنها سنة كما في الحديث الآخر، وكذلك إلى خمس عشرة ركعة، كما هو حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه في السنن، فكلٌ على سنةٍ وخير، ولا يجوز لأحدٍ أن يقول: إن الإحدى عشرة ركعة واجبة، فمن زاد عليها يعتبر مبتدعاً. فليس هناك أحدٌ من أئمة السلف رحمة الله عليهم يقول: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة؛ لأنك إذا قلت: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة فمعناه أنه يجب على من قام الليل أن يلتزم بإحدى عشرة ركعة، ولكن تقول: الهدي الأكمل والأفضل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو المحافظة على إحدى عشرة ركعة، أما أن يعتقد أن من زاد على إحدى عشرة ركعة أنه مبتدعٌ فلا، ويأبى الله ويأبى رسوله عليه الصلاة والسلام ذلك؛ لثبوت الأدلة من الكتاب والسنة على مشروعية الزيادة على إحدى عشرة ركعة. أما الدليل الأول على إطلاقها فقوله سبحانه وتعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، فأطلق ولم يقيد، ولم يلزم بعددٍ معين. وقال سبحانه وتعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ} [الزمر:9]، فأطلق ولم يقيد. وقال تعالى: {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} [المزمل:2]، فأطلق ولم يقيد. وقال سبحانه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ} [الإسراء:79]، فأطلق ولم يقيد. فدليل الكتاب صريحٌ في عدم الإلزام بعدد معين. ثم انتقلنا إلى السنة فوجدناها قد دلت على هذا قولاً وفعلاً وإقراراً: أما القول فقد وجدنا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما سأله السائل -كما في الصحيحين من حديث ابن عمر - عن صلاة الليل كان الجواب من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الفجر فليوتر بواحدة)، فلم يبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الليل يلزم فيها بإحدى عشرة ركعة، وإنما أطلق له، وثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي بالليل). وأقوى الأدلة دلالةً على عدم الإلزام بإحدى عشرة ركعة ما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن سلام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما دخل إلى المدينة خاطب أهل المدينة -وهم لم يروه يقوم الليل- خاطبهم بقوله: (أيها الناس أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام)، فلو كانت هذه الإطلاقات مقيدة بالفعل فكيف يفهم أهل المدينة في أول لحظة يلقون النبي صلى الله عليه وسلم فيها أنهم مطالبون بإحدى عشرة ركعة، وهو يخاطبهم ويقول: (صلوا بالليل والناس نيام)؟ فأطلق لهم، ففهمنا من هذه الأدلة في الكتاب والسنة أن قيام الليل على الإطلاق، ثم جاء فعل النبي صلى الله عليه وسلم فوجدناه على صورتين: فصورة إحدى عشرة ركعة ترويها عائشة، وصورة في الزيادة على إحدى عشرة ركعة يرويها ابن عباس وغيره، وبناءً على ذلك فإنك لو قلت: احملوا المطلق على المقيد من فعله عليه الصلاة والسلام يرد الإشكال: أنحمله على إحدى عشرة ركعة، أو على ثلاث عشرة ركعة، أو على خمس عشرة ركعة؟ ثم إن مسلك حمل المطلقات على المقيدات في مثل هذا ضعيف، ولا يتأتى بحال؛ لأنك لو قلت بهذا لزمك أن تقول: إن صلاة النهار المطلقة مقيدة بما ورد؛ لأنه كما قيدت في صلاة الليل تقيد في صلاة النهار، فتعتبر من زاد على ما ورد في صلاة النهار مبتدعاً ولا قائل بذلك، فعلى العموم لو صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث واحد ينهى عن الزيادة على إحدى عشرة ركعة ما حل لمسلمٍ أن يجاوزه، ثم إننا لم نجد في عصر القرون المفضلة التي شهد لها بالخيرية إماماً واحداً من الصحابة أو التابعين أو تابعيهم يقول: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة. ومن وجد أحداً من السلف الصالح من الأئمة الذين هم أهل الفضل والعلم في القرون المفضلة يقول بذلك فإنها فائدةٌ عظيمة وليتحفنا بها، لكن الذي يظهر من أدلة الكتاب والسنة وهدي السلف الصالح من هذه الأمة أن الأمر موسّع فيه، وأنك إذا أردت أن تلتزم السنة تقول: الأفضل والأكمل أن يصلى كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة، فتكون ملتزماً بدليل النص. ثم لو قلت: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة فاعلم أنك تقول ذلك بالاجتهاد، ووجه الاجتهاد أنك حملت مطلق النص على المقيد، وهذا -كما هو معلوم- ليس من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يقوى على ترك النصوص المطلقة التي هي من كلامه، كقوله: (صلوا بالليل والناس نيام)، وكذلك التي من نص القرآن، فضلاً عن أن حمل المطلق على المقيد فيه النزاع المعروف بين الأصوليين، فالتزام نصوص الكتاب والسنة الواردة أولى من الميل إلى هذا الاجتهاد في حمل المطلق على المقيد مع ضعفه من جهةٍ أصولية؛ لأن فقه الأصول في حمل المطلق على المقيد أن يكون الأصل دالاً على التقييد، أما إذا كان الأصل دالاً على الإطلاق فإنه لا يقوى حمل المطلق على المقيد في مثل هذا، فهذا الذي ظهر والله تعالى أعلم. فإذا ثبت هذا فهل الأفضل لو صلّى الإمام ثلاثاً وعشرين ركعة أن تنصرف من عشر ركعات تتأول السنة، أو تبقى معه إلى تمام قيامه؟ والجواب أنه إن انصرف من عشر ركعات فإنه يكون على الحال المفضول، وإن انصرف من ثلاث وعشرين ركعة فلا شك أنه يكون على الأفضل، وذلك لثبوت النص في قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع إمامه حتى ينصرف كُتب له قيام ليلة). وإذا قال قائل: إنه الإمام الأول فهذا ضعيف؛ لأنه إذا قيل بأنه الإمام الأول الذي ينصرف من خمس تسليمات فمعنى ذلك أنك تخالف معنى النص؛ لأن النص إنما جاء من أجل شحذ همم المأمومين للبقاء مع الأئمة، فقصد الشرع من قوله: (من قام مع إمامه حتى ينصرف) أن يبين فضل معونة الأئمة على البقاء، فإذا قال: إنه الإمام الأول خالف المقصود. ثم إن الإمام الأول إذا انصرف فإنه لم ينصرف حقيقةً، وإنما بقي كما هو معلومٌ ومعهود، وبناءً على ذلك فلا يسلم الانصراف لا من جهة معنى النص، ولا من جهة دلالة ظاهر الحال، فلا يشك أن البقاء إلى انتهاء التراويح بكمالها أقرب إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأقرب إلى هديه، فهو أكمل من وجوه: أولها: أنه ظاهر قوله: (من قام مع إمامه حتى ينصرف)، فلم يفصّل النبي صلى الله عليه وسلم بين إمامٍ يلتزم الإحدى عشرة ركعة أو يزيد. ثانياً: أنه إذا بقي مع الإمام حتى ينصرف فإن هناك فضائل كثيرة لا يشك أنه مثابٌ عليها، منها: سماعه للقرآن، ومنها: قيامه بين يدي الله راكعاً ساجداً، ومنها: ما يكون من مشقة ومؤنه العمل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ثوابك على قدر نصبك)، أي: على قدر تعبك. وقال الله تعالى: {أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى} [آل عمران:195]، فلا شك أنه لو بقي إلى تمام التراويح فهو أفضل وأعظم أجراً، وأضف إلى ذلك أن آخر التراويح فيه الوتر، خاصةً في الثلثين الأولين من الشهر، وهذا الوتر فيه دعوة المسلمين، وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحائض أن تشهد صلاة العيد وتعتزل المصلى، مع أن عندها العذر وممنوعةٌ من الصلاة، فقال: (وأما الحيّض فليعتزلن الصلاة وليشهدن الخير ودعوة المسلمين)، فلا شك أنه لو بقي إلى انصراف الإمام الأخير أصاب هذه الفضائل التي دلت عليها السنن، وبناءً
حكم الجماعة في صلاة الليل
حكم الجماعة في صلاة الليل قال رحمه الله تعالى: [تفعل في جماعة]. صلاة التراويح مما تشرع له الجماعة، وهنا مسألة، وهي: لو أن قوماً خرجوا ذات يومٍ، أو ذات ليلة ثم قام رجلٌ منهم يصلي، فصلوا معه جماعة في غير رمضان، فهل تشرع الجماعة في غير التراويح في قيام الليل؟ و A هذه المسألة لها صورتان: الصورة الأولى: يسميها العلماء الجماعة قصداً. والثانية: أن تكون اتفاقاً. أما الجماعة قصداً فصورتها أن يقول قائل: إذا سافرنا أو بتنا الليلة نقوم الليل جماعة، فمعنى ذلك أنهم قصدوا القيام. والحالة الثانية: أن تكون اتفاقاً، كأن تقوم في المسجد فيأتي رجلٌ ويأتم بك، أو تكون مع جماعة في السفر فتتوضأ وتقوم تصلي بالليل فيراك أخوك فيأتي بجوارك، ثم يأتي الثاني والثالث حتى تصير جماعة، لكن اتفاقاً لا قصداً، أي: موافقةً دون أن يكون ذلك بترتيب معين. فإن كانت قصداً فقد منع منه طائفة من العلماء، وأشار إلى ذلك غير واحد من محققي أهل العلم، فلا تشرع الجماعة في قيام الليل في غير رمضان، وهذا الذي أشار إليه المصنف رحمة الله عليه بما ذكر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم مع سفره وكثرة خروجه وحصول الجماعة له حتى في بيته -كما في حديث ابن عباس وابن مسعود - فإنه لم يطلب منهم أن يكونوا معه جماعة، فلم يحدث الجماعة على سبيل القصد. أما الحالة الثانية، وهي أن تكون الجماعة اتفاقاً، كأن تقوم تصلي ويأتي رجل بجوارك ويصلي معك، أو يكون هناك إنسان عرف بقيام الليل فرأيته فقمت معه فهذه سنة؛ لما ثبت في الصحيح من حديث عبد الله بن مسعود وحديث عبد الله بن عباس، قال رضي الله عنه -أعني ابن عباس -: (بِتُّ عند خالتي ميمونة، وبتّ في عرض الوسادة، فلما كان هوياً من الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح النوم من عينيه، ثم تلا الآيات من آخر سورة آل عمران، ثم قال: ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، ويل لمن قرأهن ولم يتعظ بهن، قال: فتوضأ، ثم قام فكبر، فقمتُ فصنعت مثل ما صنع، فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه)، ووجه الدلالة أن ابن عباس تبع النبي صلى الله عليه وسلم في فعله، فوقعت جماعة ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقاً لا قصداً، بمعنى أنه لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: إذا قمتُ فقم معي وكذلك الحال في قيامه عليه الصلاة والسلام مع بقية الصحابة. وعلى هذا فإنه تشرع الجماعة اتفاقاً لا قصداً، فلو قال جماعة في رحلة أو نحوها: سنصلي بالليل. وألزموا من معهم أن يصلوا معهم جماعة فإن هذا يعتبر مضيقاً فيه عند العلماء رحمة الله عليهم، خاصةً وأن قيام الليل كما هو معلوم أمرٌ أقرب إلى الإخلاص، وأقرب إلى معاملة الله سبحانه وتعالى بالسر، فإذا رتب لها، أو أمر بها إنسانٌ كانت أشبه بالفريضة، ولذلك لا يدعا الناس إلى مثل هذا إلا بسنة أو بدليل من الشرع ولا دليل، فهذا بالنسبة لقوله: [تفعل في جماعة]، فقيام الليل جماعة إنما يفعل في التراويح، أو يفعل على سبيل الاتفاق لا القصد.
وقت التراويح ووقت الوتر في لياليها
وقت التراويح ووقت الوتر في لياليها قال رحمه الله تعالى: [تفعل في جماعةٍ مع الوتر بعد العشاء في رمضان]. أي أنه يقوم بهم ويوتر، ولذلك يوتر بهم في التراويح، فإذا جاءت أواخر رمضان وأرادوا أن يقوموا في التهجد فلا شك أن الأفضل انصرافهم بدون وتر؛ لما يحدثه قيامهم بالوتر في أول الليل وآخر الليل ما هو معروف من اللبس على الناس، مع أن أكثرهم يحضرون ويشهدون التهجد، ولذلك يوتر وتراً واحداً، خروجاً من مخالفة حديث الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام في قوله: (لا وتران في ليلة) وعلى هذا فالسنة في إيقاع صلاة جماعةً على هذا الوجه يختص بها شهر رمضان، والسبب في هذا أن رمضان نُدِب إلى إحيائه، وثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم النصوص بمشروعية هذه الجماعة في رمضان دون غيره، والأصل أن يتقيد بالوارد، فكانت السنة في قيام رمضان بالتراويح في أول الليل خاصة برمضان دون غيره من سائر الشهور. وقوله: (بعد العشاء) أي: بعد صلاة العشاء، ويكون هذا -كما هو معلوم- بعد أن تصلى سنة العشاء، ولذلك يبتدأ بسنة العشاء، ويترك للناس وقت ليصلوا سنة العشاء، ثم يبتدأ بصلاة التراويح، وتعتبر صلاة التراويح في الأصل قياماً لأول الليل، وصلاة التهجد قياماً لآخر الليل، والقيامان بينهما فرق، فقيام التهجد أفضل من قيام التراويح، فإذا كان الشخص لا يستطيع أن يقوم الاثنين معاً فإن الأفضل والأكمل أن ينتظر إلى قيام التهجد؛ لما فيه من هجر النوم والكرى، وهذا أبلغ في الطاعة والعبودية، وأكثر عناءً ونصباً وتعباً، ثم إن فيه إحياءً لآخر الليل الذي ثبتت فيه النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل إحيائه، وأنه أفضل ما تكون فيه صلاة العبد، كما قال عليه الصلاة والسلام للصحابي في شأن جوف الليل الآخر: (وإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) أي: في جوف الليل الآخر. [ويوتر المتهجد بعده]. أي: بعد صلاة التهجد. وهذا هو الأصل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، فالسنة في الوتر أن يجعل بعد التهجد، أي: في آخر التهجد، وهذا فيه حكم: منها: أن يكون وتراً للصلاة على ظاهر ما ورد في السنة. وثانياً: أنه يصيب السَحَر، أو يقارب السَحَر الذي يكون فيه الدعاء أسمع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن دعاء السحر أسمع، ففي الحديث الصحيح أن الله تعالى ينزل كل ليلة في الثلث الآخر، ويقول: (هل من داعٍ فأستجيب دعوته، هل من مستغفرٍ فأغفر له ... ) الحديث. فهذا يدل على فضل الدعاء في مثل هذه الساعات، ولذلك يكون الوتر آخر الليل، وفي الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (من كل الليل قد أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتهى وتره إلى السحر)، فمن صلّى التهجد فإنه يجعل وتره في آخر التهجد، وهذه هي السنة.
الجمع بين أكثر من وتر في ليلة
الجمع بين أكثر من وتر في ليلة قال رحمه الله تعالى: [فإن تبع إمامه شفعه بركعة]. قوله: (فإن تبع إمامه) أي: في التراويح طلباً للفضل، فإذا صليت التراويح وأوتر الإمام فللعلماء أوجه: قال بعض العلماء: لا توتر معه، حتى لا يكون وتران في ليلة، إذا كنت تريد أن تتهجد وتوتر. وقال بعضهم: توتر معه، وتوتر في التهجد، وتوتر بعدهما. وقال بعضهم: توتر في التراويح، ثم تصلي التهجد، وتترك وتر التهجد بناءً على أن الفضل للأول منهما والأسبق. والذي يظهر والله أعلم أن الأفضل والأولى أن توتر في التراويح لكي تحصل ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (من قام مع إمامه حتى ينصرف)، فإن انصراف الإمام -كما هو معلوم- إنما يكون بعد الوتر لا قبل الوتر، فتوتر معه في التراويح، ثم إذا قام للتهجد فإنك تصلي ركعةً قبل التهجد تنقض بها الوتر الذي أوترته مع الإمام، ثم تصلي ركعتين ركعتين، ثم تجعل وتر الإمام هو وترك، فهذه هي أسلم وأفضل الصور، وهي مأثورةٌ عن عبد الله بن عمر. أما دليل فضلها فلكونك تدرك فضل القيام مع الإمام في التراويح إلى الانصراف، وقد ثبت النص بتفضيل هذه الحالة، وأنها كقيام الليل. وأما نقض الوتر الأول بركعة فيدل له قوله: (لا وتران في ليلة)، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) ونهيه عن إيقاع الوترين في ليلة يدل على أن أحدهما ناقضٌ للآخر؛ لأن العلة في النهي عن الوترين في الليلة أنه يجعل العدد شفعاً، ويصير مثنى، وقد قصد الشرع أن تختم صلاة الليل بالوتر، وهذا يكون مؤكداً لما ذكرناه من أن الركعة المنفصلة ناقضةٌ للركعة التي وقعت في التراويح، فإن قوله: (لا وتران) يدل على أن الوتر الثاني يؤثر في الوتر الأول؛ إذ لو لم يكن مؤثراً في الوتر الأول لما قال: (لا وتران في ليلة). والأمر الثالث في هذا الفضل أنه يدرك أيضاً الإيتار مع الإمام في التهجد، فهو أفضل من القول بتركه، ولا شك أن وتر التهجد أفضل؛ لما فيه من إصابة السنة التي ذكرناها من كونه يقع في هذا الوقت الذي يكون فيه الدعاء أسمع، ولكونه مطابقاً لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأضف إلى هذه الفضائل كلها أنه قد جاء عن عبد الله بن عمر فعل ذلك. ويتخرّج على هذا أن من أوتر ثم نام ثم استيقظ فهو على حالتين: الحالة الأولى: أن يريد أن يصلي ركعتين ويقتصر عليهما، فهذا السنة له أن يصلي الركعتين، ولا ينقض الوتر الأول، ولا يوتر بعد الركعتين، لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى ركعتين بعدما أوتر)، وألف الحافظ ابن حجر في هذا رسالة أثبت فيها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وفي السنن التي تدل على شفعه بعد الوتر، وأنه فعل ذلك على سبيل الجواز لكي يبين الجواز للأمة. الحالة الثانية: أن يكون قصده أن يصلي أكثر من ركعتين، وأن يقوم آخر الليل، فهذا الأفضل له أن ينقض الوتر الأول بركعة كما ذكرنا، لحديث الترمذي: (لا وتران في ليلة)، ثم يصلي شفعاً شفعاً، ثم يوتر لقوله عليه الصلاة والسلام: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)، فيصيب هذه السنة، خاصةً وأنها جاءت بالأمر المشتمل على الحث والحض، فيطابق السنن من هذه الوجوه كلها. أما إذا صلى مع الإمام الوتر وقام ليشفع بركعة ففيه وجهان للسلف: قال جمهور العلماء: إنه يسلم مع الإمام. وهذا على ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به). قالوا: فلا يحدث الركعة الزائدة، وذلك لأن الأصل فيه أن يتابع الإمام، فليست هذه الركعة الزائدة واجبةً عليه حتى يتكلف القيام لها ويأتي بالشفع. والقول الثاني: أنه يأتي بركعةٍ شفعية. وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد في هذه المسألة، فينقض وتره مع الإمام بركعة بعد سلام الإمام. والقول الأول بأنه يسلم مع الإمام على ظاهر السنة، وأما القول بالشفع فإن أقل درجاته أنه خلاف الأولى لأمور: أولها: أنك إذا صليت مع الإمام وشفعت بعد سلامه خالفت ظاهر الحديث: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). ثانياً: أنك تستبيح الدعاء في الركعة الأولى مع أنك تريد الشفع، ولا يعرف في الشرع صلاة شفعية يكون الدعاء في الركعة الأولى منها، وإنما يكون الدعاء في الشفعية في الثانية كالفجر، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا شفعت وترك كنت قاصداً لركعتين مستبيحاً للدعاء في أولهما، ولا صورة في الشرع لمثل هذه الصلاة. ثالثاً: أنه يُحدثُ جلوساً بين ركعتين شفعيتين، ولا يعرف في الشرع صلاة شفعية يجلس فيها بين الأولى والثانية للتشهد، فإنه سيستبيح الجلوس في التشهد والدعاء والذكر بعد انتهائه من السجدة الثانية من الركعة الأولى. رابعاً: أنه -خاصةً في أول الشهر- إذا صلى مع الإمام وقام أمام الناس لكي يأتي بركعة فكأنه يشير وينبه على أن له حظاً من قيام الليل في آخره، ولذلك يكون في هذا شيءٌ من الإظهار للعبادة، فإذا سلم مع الناس كسائر الناس خفيت عبادته، لكن لو قام أمام الناس فإن هذه ينبه على أن عنده ورداً في آخر الليل، وكأنه يشعر بهذه الصلاة التي سيصليها، والتي الأولى فيها والأحرى أن تكون سرية بين العبد وبين الله، لذلك فالأفضل والأكمل أن يسلم مع الإمام حتى يصيب ظاهر الحديث، ثم بعد ذلك إذا أراد أن ينقض الوتر نقضه قبل دخوله في التهجد، أو يوتر ويجعل وتر التهجد ناقضاً لوتر التراويح، ثم يصلي بعد ذلك ما شاء الله، ثم يوتر لظاهر قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً).
التنفل بين التراويح
التنفل بين التراويح قال رحمه الله تعالى: [ويكره التنفل بينها لا التعقيب بعدها في جماعة]. أي: يكره التنفل بين التراويح، فإذا صلى الإمام التراويح وجلس بين الركعات، كأن صلى تسليمتين، ثم جلس لكي يخفف على الناس ويرتاح الناس، فقام الإنسان يتسنن، فإنهم قالوا: يكره والسبب في هذا أنه أثر عن زيد بن أرقم رضي الله عنه أنه أنكر ذلك، وقال لمن فعل ذلك: أتتنفل وإمامك أمامك؟! ولذلك قالوا: إنه لا يتنفل بينها، ولو تنفل جاز له ذلك، لكن مشى المصنف رحمه الله على مذهب بعض الأصوليين الذين يقولون: إن قول الصاحب حجة، فحكم بالكراهة، مع أنه لو صلى فلا حرج عليه؛ لأنه داخل في ظرفٍ شرع فيه أن يصلى فرادى وأن يصلى مع الجماعة، ألا ترى أنك لو انصرفت عن الإمام وصليت لوحدك لما أنكر عليك، وعلى هذا فإنه لا حرج أن يتنفل، والمصنف رحمه الله إنما حكم بالكراهة لما أُثِرَ عن زيد رضي الله عنه، والكراهة حكمٌ شرعي تحتاج إلى دليل، وليس عندنا دليل مرفوع؛ ولذلك لو بقي المصنف على الأصل لكان أولى وأحرى. قوله: [لا التعقيب بعدها في جماعة]. أي: لا حرج عليه أن يعقب بعدها في جماعة، كأن يصلي في تهجد ونحو ذلك.
الأسئلة
الأسئلة
صلاة الرجل بامرأته ليلا
صلاة الرجل بامرأته ليلاً Q إذا كانت الجماعة لا تستحب إلا في رمضان، فكيف يمكن الجمع بين هذا والحديث الذي يحث على قيام الزوج مع زوجته؟ وهل يصح أن يصلي مع زوجته قيام الليل والوتر؟ A أما حديث قيام الرجل مع زوجه فقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رحم الله امرأً قام من الليل فصلى وأيقظ أهله، فإن أبت نضح في وجهها الماء)، وليس فيه التصريح بصلاتهما معاً، وهو أعمّ من أن يكون جماعةً أو يكون فرادى. الأمر الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه جمع بأهله، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان، فهو ما صلى بنسائه، ولا حفظ عنه في حديث واحد أنه صلى بأهله صلوات الله وسلامه عليه، وهذا يقول فيه العلماء: إنه من السماحة، فكانت أم المؤمنين عائشة وأمهات المؤمنين ربما أوترن أول الليل وعجزن عن القيام آخر الليل، وهذا أمر يحتاج إلى صبر ومكابدة، فليست كل زوجة تستطيع أن تفعله، وإنما دلّ النبي صلى الله عليه وسلم على نضح الماء في وجه المرأة على سبيل الأفضلية، وعلى سبيل السنية والاستحباب، ولكن لا يستلزم ذلك وجود جماعةٍ بينهما، فإنه لم يثبت في هذا ما يدل عليه، وليس في نفس الحديث ما يدل عليه، ولا يعتبر معارضاً للأصل الذي ذكرناه. والله تعالى أعلم.
اقتداء المسافر في صلاة المغرب بمن يصلي العشاء
اقتداء المسافر في صلاة المغرب بمن يصلي العشاء Q رجل مسافر أخر صلاة المغرب إلى العشاء ليجمع جمع تأخير، وحين نزوله إلى المسجد وجد المصلين يصلون العشاء، فماذا يصنع؟ A إذا نوى الإنسان أن يؤخر صلاة المغرب والعشاء ويجمع بينهما فإنه في هذه الحالة إذا دخل المسجد فإنه يدخل وراء الإمام بنية النافلة، ثم إذا انتهى من صلاته نافلةً أقام لصلاة المغرب ثم صلاها وصلى بعدها العشاء، والسبب في كونه لا يتابع أن صلاة العشاء والمغرب ليس بينهما اتفاق في الصورة، وشرط اقتداء المأموم بالإمام عند اختلاف نية الصلاتين أن تتحد صورتهما، والصورة هنا مختلفة، فالثلاث لا تصلى وراء الأربع، ولا يمكن بحال أن تتحقق المتابعة على الصورة المعتبرة شرعاً، وإن كان بعض العلماء -وهو وجهٌ ضعيف شاذٌ يحكى ولا يعول عليه قال به بعض فقهاء الشافعية قياساً على صلاة الخوف- قالوا: يجوز له أن يدخل وراء من يصلي العشاء، ثم إذا انتهى الإمام من الركعة الثالثة جلس، وترك الإمام يتم الركعة الرابعة قياساً على صلاة الخوف. وهذا محل نظر؛ لأنه قياس في صورة التعبد، وفيما هو تعبدي يفتقر إلى نص يدل على مشروعية هذه الصورة وجوازها. ثانياً: أن نفس القياس معارض بأنه قياسٌ على الخارج عن الأصل، والقاعدة أن ما خرج عن الأصل لا يقاس عليه. توضيح ذلك أن صلاة الخوف خارجة عن الأصل، ولذلك الإمام في بعض الصور يصليها أربعاً والمأمومون يصلون ركعة ويفارقونه، والطائفة الثانية تصلي ركعة وتفارقه، وهذا لا يعرف في سنن الصلاة أو الجماعة الأصلية، ولذلك قالوا: إن ما عدل عن سنن القياس -أي: عن الأصل- فغيره عليه لا ينقاس. كما لو قال قائل -مثلاً-: أقيس الأخ لو قذف أخاه -والعياذ بالله- بالزنا على الزوجة، فيشرع بينهما اللعان قياساً على لعان الزوج لزوجته. فيكون القياس باطلاً؛ لأن أصل اللعان الذي وقع بين الزوجين خارجٌ عن الأصل؛ لأن الأصل: (البينة أو حدٌ في ظهرك)، فشرع للزوجين على سبيل الخصوص، فكذلك أيضاً متابعة الإمام في الأصل واجبة على المأموم، فجاءت صلاة الخوف بعينها واستثنيت، فلا وجه لأحدٍ أن يقيس على هذا المستثنى. لكن هنا مسألة، حيث قالوا: لو أدركه في الأخيرتين من صلاة العشاء، أو أدرك إماماً مسافراً يصلي ركعتين، فقد اختار بعض العلماء أنه يدخل وراءه في ركعتين ناوياً بها المغرب، فإذا سلم الإمام قام وجاء بركعة، وهذا أخف من الذي قبله؛ لأن الذي قبله فيه اختلاف، وأما هذا فلا اختلاف في صورته، وغاية ما فيه أنه كالمسبوق يقوم ويتم لنفسه. والأحوط والأفضل ما ذكرناه من كونه يدخل متنفلاً، ثم بعد ذلك يقيم لصلاة المغرب، ثم يقيم بعدها لصلاة العشاء، أما لو نوى الجمع بين صلاتي الظهر والعصر وأخرهما فدخل ووجد إماماً يصلي العصر فإنه يدخل وراءه بنية الظهر، ثم إذا سلم الإمام أقام لصلاة العصر وصلاها؛ لأن الظهر والعصر صلاتان متفقتان في الصورة، والله تعالى أعلم.
حكم المسبوق إذا سجد إمامه للسهو بعد السلام
حكم المسبوق إذا سجد إمامه للسهو بعد السلام Q إذا زاد الإمام في الصلاة وسجد سجود السهو بعد السلام وبعض المأمومين فاتته الركعة الأولى، فقاموا بعد سلام الإمام مباشرة، ولم يسجدوا معه للسهو، فهل يرجعون ليسجدوا للسهو، أم يتمون صلاتهم ثم يسجدون للسهو؟ A إذا دخلت المسجد وقد فاتتك ركعة، وكان الإمام قد سها في صلاته، سواءٌ أدركت السهو، كأن يقع سهوه بزيادة في ركعةٍ خامسة، أو يقع سهوه بزيادة سجدة في الركعة الرابعة، وقس على هذا، أم لم تدرك السهو، كأن يكون في الركعة التي لم تدركه فيها قد زاد شيئاً، فحينئذٍ للعلماء وجهان: قال بعض العلماء: تثبت في مكانك وتسجد معه بعد سلامه دون أن تسلم، وهذا إذا علمت أنه سيسجد، كأن تكون قد اطلعت على زيادته، فتثبت في مكانك ولا تقوم للإتمام، وذلك لأنك مطالب بالمتابعة، وإنما تنفصل عنه بعد سلامه الكلي لا سلامه الجزئي الذي يكون قبل إتيانه بسجدتي السهو، فتثبت في مصلاك، ثم تكبر وراءه ساجداً السجدتين لمكان المتابعة، ولا يضر وقوع هاتين السجدتين قبل إتمامك للصلاة؛ لأن النص استثناهما بالأمر بالمتابعة. الوجه الثاني يقول: تقوم وتتم لنفسك، ثم بعد سلامك تقضي ما فاتك من السجدتين. وكلا الوجهين صحيح، فلو أنك انتظرت وسجدت معه ولكن لم تسلم فلا حرج، ولو أنك -وهو أقوى وأولى- قمت بعد سلامه مباشرة لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما فاتكم فأتموا) فحينئذٍ لا حرج عليك، وتسجد سجدتي الزيادة بعد سلامك من الصلاة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
باب صلاة التطوع [3]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [3] السنن الراتبة التي تصلى قبل الصلوات المفروضة وبعدها من أفضل صلاة التطوع، وقد شرعت لحكم عظيمة، منها: الاستعداد لأداء الفريضة، وجبر النقص الواقع في الفريضة، وهي ركعتان قبل الفجر وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وركعتان بعد المغرب وركعتان بعد العشاء، ومن فاته شيء منها سن له أن يقضيه. ومن أفضل صلاة التطوع صلاة الليل، وخاصة في الثلث الأخير منه.
السنن الراتبة
السنن الراتبة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ثم السنن الراتبة]. السنن الراتبة: مجموعةٌ من الصلوات ثبت في الشرع الحث والحض عليها، وسميت راتبة؛ لأن الشرع رتبها، وهذه السنن الراتبة تفعل مع الفرائض إما قبل، وإما بعد، وإما قبل وبعد، ولذلك قسّم الشرع هذه السنن بهذا الترتيب، فجعل لبعض الصلوات المفروضة سنناً قبلها ولم يجعل لها شيئاً بعدها كالفجر، وجعل لبعضها سنناً بعدها ولم يجعل لها سنناً راتبة قبلها كما في المغرب والعشاء، فإن السنة الراتبة فيهما بعد وليست قبل، وجعل للظهر سنة راتبة قبل وسنة راتبة بعد، وجعل لبعض الصلوات رواتب ولم يجعل لبعض الصلوات لا قبلية ولا بعدية على سبيل الترتيب وهي العصر، وإن كان للعصر سنة عامة، وهي داخلة في السنن العشرين، فهناك السنن العشر الراتبة التي ذكرت هنا، وبعضهم يجعلها اثنتي عشرة ركعة على تفصيل سنذكره، وهناك السنن المطلقة التي رتبت لكن لم تكن على سبيل التقييد بالوصف الذي ذكرناه، ويجعلونها عشرين ركعة، وهي: الأربع قبل الظهر والأربع بعدها، والأربع قبل العصر، والأربع بعد المغرب، والأربع بعد العشاء، فهذه عشرون ركعة وردت بها الأحاديث وصحت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
حكمة مشروعية السنن الراتبة
حكمة مشروعية السنن الراتبة والسنن الراتبة هذه شُرعت لفضائل وحكم عظيمة؛ فإن المصلي إذا دخل إلى الفريضة مباشرة يكون في حالة أدنى من الخشوع والخضوع واستحضار القلب مما لو سبق الفريضة بسنة قبلية، كما هو الحال في صلاة الظهر، فإن الناس في الظهر يكونون على عناء العمل وشظف طلب العيش، فإذا دخلوا إلى الصلاة وهم حديثو عهد بالتجارات ونحوها فإنهم يكونون أقل خشوعاً مما لو قدموا بسنة ثم دخلوا الفريضة بعد السنة، فإن الطاعة تشرح الصدر وتيسر الذكر، وهذا محفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما أراد أن يقوم الليل عليه الصلاة والسلام استفتح بركعتين خفيفتين، قالوا: لأن هذا الاستفتاح يهيئ النفس للإطالة، وللاستحضار وللخشوع، فكان في السنة الراتبة نفس المعنى، وهذا مجرب في الشخص الذي يأتي متأخراً في الصلوات، أو يأتي مع الإقامة، فإنه إذا دخل لا تجده في الخشوع كحالته حين يدخل بين الأذان والإقامة فيصلي الراتبة ويذكر الله، فإن الحسنة تدعو إلى أختها، فتجده بعد انتهائه من الراتبة أشرح صدراً وأكثر طمأنينة في قلبه، فهذا يقوّيه على فعل الفريضة بنفس أقوى وحضور أبلغ، وهذا إذا كانت الراتبة قبلية، وكذلك الحال إذا كانت بعدية، فإن فيها كمال خضوع وكمال تعلق بالله سبحانه وتعالى؛ لأن الرواتب ليست بواجبة، فكونه بعد فراغه من الفريضة يتعلق بربه سبحانه وتعالى وينيب إليه بقيامه بهذه الصلاة الراتبة البعدية فهذا فيه كمال ذكر وكمال إنابة إلى الله عز وجل أبلغ مما لو انصرف إلى أمور دنياه بعد انتهائه من فريضته.
عدد السنن الراتبة
عدد السنن الراتبة ثبت عن عبد الله بن عمر في الصحيح أنه حفظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر. فهذه في الأوصاف خمس ركعتان ركعتان، وعددها عشر، وهي ثابتة وصحيحة. وحمل بعض العلماء هذه الرواتب على حديث أم المؤمنين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله في كل يوم ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً)، وفي رواية: (بني له بيت في الجنة)، قالوا: إنها هي الرواتب. وأضافوا إليها الأربع قبل الظهر، فتكون أربعاً قبل الظهر وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل الفجر، فيكون المجموع ثنتي عشرة ركعة.
مسائل في راتبة الفجر
مسائل في راتبة الفجر المسألة الأولى: أفضل هذه الرواتب وآكدها راتبة الفجر، وهي التي تسمى بالرغيبة، وكان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أنه يصليها ويخفف فيها صلوات الله وسلامه عليه، حتى كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول: (لا أدري أقرأ فيهما بفاتحة الكتاب أو لم يقرأ). وقال بعض أهل الظاهر وبعض أهل الحديث: إنه لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب والصحيح أنه يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (أيما صلاةٍ)، وقولها: (لا أدري) لا يعتبر نافياً للأصل، ولذلك يبقى على الأصل، ويحمل قولها: (لا أدري) على التجوّز؛ فإن قول عائشة لا يقوى على معارضة النص بالإلزام بالفاتحة. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقوم الليل فإذا بلغ السحر أوتر، ثم يترك السحر للاستغفار والراحة عليه الصلاة والسلام، فإن كانت له حاجةٌ إلى أهله فعل، وإن كانوا مستيقظين حدّثهم صلوات الله وسلامه عليه حتى يؤذن المؤذن بالصبح، ثم يصلي ركعتين وهما رغيبة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن صلوات ربي وسلامه عليه، قال العلماء: إنما اضطجع على شقه الأيمن لأجل أن يرتاح من قيام الليل وعناء الليل. فقد كان يقوم حتى تفطرت قدماه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يضطجع هذه الضجعة على شقه الأيمن، ولا ينام فيها، وإنما هي ضجعة، ولذلك سنّ فعل هذه الضجعة لمن قام آخر الليل، أما من كان نائماً ثم أذن عليه الصبح فإنه لا يعتبر فيه المعنى الذي كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم. وثبت عنه أنه قرأ في ركعتي الفجر بسورتي الإخلاص، وقرأ فيهما آيتين: أولاهما من البقرة وهي قوله تعالى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة:136]، والثانية: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ. } [آل عمران:64]، فهذا بالنسبة لهديه عليه الصلاة والسلام في القراءة فيها، وكان يخفف فيهما عليه الصلاة والسلام، ويتجوّز فيهما، ولكن مع إتمام الأركان من الركوع والسجود. المسألة الثانية: السنة في هذه الرغيبة أن تقع بين الأذان والإقامة، فإذا أقيمت الصلاة فلا يجوز فعلها بعد الإقامة، ووردت في فعلها بعد الإقامة بعض الأحاديث الضعيفة، ولا تصلح للاستمساك بها في معارضة النص الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وهذا النص ورد في صلاة الفجر، ولذلك لما رأى رجلاً يتنفل بركعتين بعد الإقامة، قال: (يا هذا! بأي الصلاتين اقتديت: أبصلاتك معنا، أم بصلاتك وحدك؟!)، وفي الحديث الآخر عن أنس قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً)، فلا وجه لإنشاء هاتين الركعتين بعد الإقامة، أما لو أقيمت الصلاة وأنت في الرغيبة فأنت على حالتين: فإن كنت قريباً من السلام، أو تستطيع أن تتمها وتدرك الإمام قبل تأمينه حتى تحصل فضيلة التأمين فحينئذٍ تتم، على ظاهر قوله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]. وأما إذا غلب على ظنك فوات الركعة فإنك تقطع الرغيبة، ويكون قطعك بالسلام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، وإذا قطعتها بسلام كتب لك الأجر كاملاً؛ لأنك قطعت بعذرٍ على صورةٍ شرعية، فيكون تسليمك في موضعه، كأنك سلمت من الصلاة بعد كمالها في الحكم من ناحية الفضل، أما إذا قطعتها بدون تسليم فإنه لا يكون لك أجر العمل السابق، وذلك لأنه بمثابة الإلغاء للركعتين. وكان عليه الصلاة والسلام لا يدع هاتين الركعتين حضراً ولا سفراً، بل كان عليه الصلاة والسلام إذا نام عن صلاة الفجر قضى هاتين الركعتين قبل أن يفعل صلاة الفجر، ففي الصحيحين من حديث حذيفة رضي الله عنه أنه لما عرّس عليه الصلاة والسلام ونام عن صلاة الفجر هو وأصحابه في الوادي، في مقفله إلى المدينة، وقام وقد ارتفعت الشمس أمر بلالاً فأذن، فصلى ركعتين -وهما رغيبة الفجر- ثم أمره فأقام فصلى الصلاة. وفي هذا دليل على مسائل: الأولى: أنه يجوز لك أن تتنفل قبل أن تفعل الفرض إذا كان وقت قضاء الفرض موسعاً، ومن هنا تخرّج قول من يقول: يجوز أن يصوم ستاً من شوال ثم يقضي رمضان بعد ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ من نومه كان في الأصل مخاطباً بصلاة الفجر، وفي ذمته فريضةٌ هي صلاة الفجر، فاشتغل بالنافلة قبل القضاء؛ لأن الصورة صورة قضاء، فكذلك يجوز لك أن تشتغل بالنافلة بستٍ من شوال مع تعلق الذمة بقضاء رمضان لمكان التوسع في القضاء. المسألة الثالثة: أن قضاء الفجر موسع إذا كان بعد طلوع الشمس، ووجه ذلك أنه يجوز لك أن تؤخر القضاء، وذلك لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه تحول من الوادي إلى موضع آخر وقال: (إنه منزلٌ حضرنا فيه الشيطان)، وصلى رغيبة الفجر وهذا نوع تأخير، فأخذ منه بعض العلماء دليلاً على أن من استيقظ بعد طلوع الشمس وكان عنده أمرٌ ضروري واحتاج أن يفعله مع أنه عازمٌ على أن يفعل الصلاة بعد انتهائه من هذا الأمر ما لم يدخل وقت الظهر فلا حرج عليه في ذلك، على ظاهر هذا الحديث، ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم انتقل من الوادي لكونه حضره فيه الشيطان، وهذا على سبيل الفضل وليس على سبيل اللزوم والوجوب، ولذلك أجمعوا على أن من نام في موضعٍ لا يجب عليه أن يتحول عن ذلك الموضع ليصلي. المسألة الثالثة: لو فرض أنك استيقظت على قربٍ من طلوع الفجر، بحيث لو صليت الرغيبة خرج وقت الفجر وطلعت الشمس فحينئذٍ يجب عليك أن تبتدئ بالفجر، وأن تلغي ركعتي الرغيبة وتجعلهما من بعد طلوع الشمس. المسألة الرابعة: أنه يُسنّ قضاء رغيبة الفجر، وقضاء رغيبة الفجر لا يخلو من حالتين: إما أن لا يمكنك أن تصليها قبل الفجر، كأن تستيقظ عند الإقامة، فتأتي ولا يمكنك أن تصلي قبل صلاة الفجر، أو تخشى فوات الجماعة، ففي هذه الحالة هل بعد سلامك مع الإمام تقوم وتأتي بالرغيبة، أو تنتظر إلى طلوع الشمس؟ فأقوى ما دلت عليه النصوص أن تنتظر إلى طلوع الشمس؛ لورود المعارض من قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه. فإن صليت بعد الفجر ففيها أحاديث اختلف في أسانيدها، وإن كان تحسينها مقبولاً عند جمع من المحققين رحمة الله عليهم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر من قضى ركعتي الفجر بعد صلاة الفريضة. والأفضل والأولى أن تصلي بعد طلوع الشمس، لكن إذا كان عند الإنسان عمل، أو غلب على ظنه أنه لو أخر القضاء إلى بعد طلوع الشمس فربما لا يتمكن من القضاء لوجود المشاغل، فحينئذٍ لا حرج عليه أن يصليها بعد صلاة الصبح، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك في حال طلوع الشمس؛ فإنه في حال طلوع الشمس لا يجوز إيقاع النوافل؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا طلعت الشمس فأمسك عن الصلاة)، وثبت في الحديث الصحيح: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا، ثم ذكر منها: إذا طلعت الشمس)، وقال عليه الصلاة والسلام: (إذا طلعت فأمسك عن الصلاة؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)، فهذا بالنسبة لرغيبة الفجر وما فيها من أحكام.
راتبة الظهر
راتبة الظهر قال رحمه الله: [ركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها]. السنة أن تصلي أربعاً قبل الظهر، وهي المذكورة في الحديث: (من حافظ على أربع قبل الظهر حرمهُ الله على النار)، وهذا فيه فضل، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى قبل الظهر أربعاً، وسألته أم المؤمنين فقال عليه الصلاة والسلام: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عملٌ صالح)، قال بعض العلماء: إن مراد عائشة: بقبل الظهر أي: فيما بين الأذان والإقامة، أي: قبل فعله لصلاة الظهر، وقال بعض العلماء: (قبل الظهر) أي: وقت الضَحَى، أي: قبل أن يدخل وقت الظهر، وكلاهما وجهان للعلماء.
التنفل قبل الجمعة
التنفل قبل الجمعة الركعتان اللتان هما قبل الظهر في غير الجمعة، أما في الجمعة فليس للجمعة قبلية، وإنما يسن لك إذا مضيت إلى الجمعة أن تتنفل، وأن تستكثر من النوافل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل التبكير إلى الجمعة أنه قال: (من غسّل واغتسل، وبكّر وابتكر، ومشى ولم يركب، ثم صلى ثم دنا وأنصت ... ) الحديث، قالوا: فقال: (صلى)، فدل على أن الأفضل أنك إذا دخلت المسجد في الجمعة أن تستكثر من الصلاة، حتى يأتي وقت الخطبة، ولا حرج عليك أن تصلي في حال الأذان الأول أو بين الأذان الأول والثاني، فهذا لا حرج فيه، لكن لو كنت جالساً وقصدت أن تصلي بين الأذان الأول والثاني فحينئذٍ للعلماء وجهان: قال فقهاء الشافعية: لا حرج -أو يسن- أن يصلي بين الأذان الأول والثاني. واستدلوا لهذا بما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (بين كل أذانين صلاة)، قالوا: والأذان الأول أذان مشروع؛ لأنه سنةٌ راشدة ثبت النص باعتبارها؛ لأنه فعلها عثمان، وعمل السلف الصالح رحمة الله عليهم بها دون أن ينكرها أحد، وأجمعت الأمة على هذا الأذان الثاني. ومن قال: إنه بدعة فقوله لم يسبق إليه، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه له؛ فإن هذه السنة فعلها خليفة راشد أمر باتباعه، وعلماء الأمة كلهم ليس فيهم واحد يقول: إنها بدعة، فلا شك أنه أمرٌ من السنة بمكان، وأثرٌ يتعين اقتفاؤه ولزومه، ولا شك أن اعتبار قول هذه الطائفة من المؤمنين التي تتابعت جيلاً بعد جيل، ورعيلاً بعد رعيل أنه أولى وأحرى من حيث الأصل في الأذان الثاني، ولا يحكم ببدعيته في أي زمان، وذلك لأن السلف الصالح رحمة الله عليهم أقروا ذلك، ولم ينكروه، ولم يوجد عالم من علماء السلف رحمة الله عليهم يقول: إن الأذان الثاني بدعة، إنما هو سنة ثابتة، ولا إشكال في ثبوتها، وأما قصد الصلاة فقلنا: إن بعض فقهاء الشافعية يرى ذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين)، قالوا: الأذان الأول ثبتت مشروعيته بالسنة؛ لأن الشرع وصف سنة الخلفاء الراشدين بكونها سنة، فإذا ثبت أنه أذان مسنون، وأجمعت الأمة على اعتباره فإنه يصدق عليه ظاهر الحديث: (بين كل أذانين صلاة). وقال الجمهور: إنه لا يسن التنفل بين الأذان الأول والثاني. وهذا هو الأرجح بمعنى: لا يسن أن يقصد الإنسان التنفل قصداً، لكن لو أنك قمت تصلي وأطلت الصلاة بحيث استغرقت الأذان الأول ووقعت صلاتك بين الأذان الأول والثاني اتفاقاً لا قصداً فإن ذلك مشروع؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلى ثم دنا وأنصت)، فإن قوله: (فصلى ثم دنا وأنصت) يدل على مقاربة الصلاة للخطبة، ولذلك قالوا: إنه وقت فضيلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ندب إلى الاستكثار من النافلة يوم الجمعة، وقال: (فيها ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي ... ) الحديث، قالوا: فهذا يدل على أن الشرع قصد الاستكثار من النافلة في هذا اليوم، وبناءً على ذلك لا حرج أن يستطيل الإنسان في قيامه حتى يصيب هذا الفضل، ويخرج أيضاً من الخلاف، ولا شك أن مذهب الجمهور، أنه لا يسن قصد فعل ركعتين بين الأذان الأول والثاني، أما فعل النوافل المطلقة فلا حرج. وبناءً على ذلك يكون قوله: (ركعتان قبل الظهر) في الأصل في الظهر، وعلى هذا فالمريض لو ترك الجمعة شُرِع له أن يصلي قبل ظهره ركعتين وأربعاً على الصورة التي ذكرناها.
راتبة المغرب
راتبة المغرب قال رحمه الله: [وركعتان بعد المغرب]. قد ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلهما، وكان يفعلهما في بيته صلوات الله وسلامه عليه، فيدخل إلى بيته ويصلي هاتين الركعتين بعد صلاة المغرب، والتنفل بعد صلاة المغرب جعله بعض العلماء من قيام الليل، وإن كان الصحيح أنه ليس من قيام الليل، وحملوا عليه قوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، قالوا: إنها نزلت في جمع من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا فرغوا من أعمالهم في المغرب أصابهم الجهد والنصب، فإذا صلوا المغرب قاموا يتنفلون حتى يقووا على الصبر والمكابدة إلى صلاة العشاء، فأنزل الله فيهم: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، وعدّ -كما ذكرنا- بعض العلماء هذا الوقت وقتاً من قيام الليل. والصحيح أن قيام الليل إنما يبتدئ بعد صلاة العشاء على الأصل الذي دلّت عليه النصوص من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
راتبة العشاء
راتبة العشاء قال رحمه الله: [وركعتان بعد العشاء]. هذه سنة بعدية، فتجتمع العشاء والمغرب في كون كل منهما السنة فيها بعدية، ولكن كان عليه الصلاة والسلام إذا جمع بين صلاة المغرب والعشاء بجمعٍ لم يسبح بينهما، كما في حديث ابن عمر في الصحيحين: (أنه -عليه الصلاة والسلام- جمع بين المغرب والعشاء ولم يسبح بينهما)، وهذا أصل عند العلماء، وهو أن السنة الراتبة تترك في السفر، وهكذا بالنسبة للظهر؛ حيث ثبت في حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نزل وصلى بالمحصب -وذلك حينما ركزت له العنزة- لم يتنفل قبل الظهر. والركعتان بعد العشاء راتبة، وتقدم على التراويح، وإن أخر العشاء فإنه يؤخر راتبة العشاء بعده، فإذا أخرها إلى آخر وقتها لكي يصيب فضيلة تأخير العشاء كما في حديث عائشة في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتم بالعشاء، فخرج عمر يقول: الصلاة يا رسول الله! فقال: إنه لوقتها لولا أن أشق على أمتي)، فإذا طلب الإنسان هذه الفضيلة وأخر العشاء إلى آخر وقتها فإنه يجعل كذلك الراتبة مؤخرة، فراتبة العشاء تكون بعدية في الصورة والحقيقة، فلا تقع راتبة العشاء بمجرد دخول وقت العشاء، فهي راتبة بعدية.
تأكد راتبة الفجر على غيرها
تأكد راتبة الفجر على غيرها قال رحمه الله: [وركعتان قبل الفجر وهما آكدها]. أي: هاتان الركعتان آكدهما وذلك للأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيان فضل هاتين الركعتين، حتى قال في الحديث الحسن: (لهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها)، أي: هاتان الركعتان رغيبة الفجر القبلية، وقال في اللفظ الآخر: (ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها)، وجاء في الحديث الثالث -وإن كان ضعفه من القوة بمكان-: (لا تتركوها ولو طلبتكم الخيل)، وفُهِم تأكدهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركهما حتى في السفر، كما ذكرنا في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه أنه لما فاتته عليه الصلاة والسلام صلاة الفجر قضى هاتين الركعتين وحافظ على قضائهما، فدلّ على تأكدها، وهذا يدل على عظيم شأنها وفضيلتها.
حكم قضاء الفوائت
حكم قضاء الفوائت قال رحمه الله: [ومن فاته شيء منها سن له قضاؤه]. أي: من فاته شيءٌ من هذه السنن سنّ له قضاؤه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى، فيسن لك -مثلاً- أن تقضي راتبة الظهر القبلية، فإذا دخلت والإمام قد دخل في الصلاة فإنك تدخل معه، وبعد السلام تقوم وتصلي ركعتين تنوي بهما القبلية إن كانت قبليتك اثنتين، وإن كانت قبليتك أربعاً فتقضي أربعاً، وهكذا الحال لو نسي الإنسان راتبة المغرب، فإنه حينئذٍ لو تذكرها بعد العشاء شرع له أن يصليها. وقال بعض العلماء: إنه لا حرج في تداخل الصلوات، بمعنى أن يجعل الراتبة البعدية من الأولى تُصلى قبل الراتبة البعدية من الثانية، ومثال ذلك: صلاة العشاء والمغرب، فقال بعض العلماء: لا حرج أن تؤخر راتبة المغرب إلى ما بعد العشاء، فتصلي راتبة المغرب أولاً ثم راتبة العشاء ثانياً. والذي يظهر أن هذا ليس من السنة إذا قصده قصداً، لكن لو أنه شُغِل ونسي، أو جاءه شغل لا يستطيع معه أن يصلي الراتبة فأخرها إلى ما بعد العشاء فصلاها ثم صلى راتبة العشاء فإنه لا حرج عليه في ذلك.
صلاة الليل وأفضل وقتها
صلاة الليل وأفضل وقتها يقول المصنف عليه رحمة الله: [وصلاة الليل أفضل من صلاة النهار]. فبعد أن ذكر رحمه الله النوافل التي يسن للمكلف فعلها، وبيّن أنواع هذه النوافل من حيث ما تسن له الجماعة وما يوقعه المكلف حال انفراده شرع رحمه الله في بيان فضل صلاة الليل، فإن أفضل النوافل وأحبها إلى الله عز وجل وأعظمها أجراً صلاة الليل، وهذا بالنسبة للمقابلة بين صلاة الليل والنهار، والأصل في تفضيل صلاة الليل على صلاة النهار ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل)، وقد امتدح الله عز وجل أهل الليل الذين يتهجدون، خاصةً إذا كان تهجدهم في دياجير الظلمات، أعني الثلث الأخير من الليل، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه انتهى وتره إلى السحر)، فكان قيامه أكمل القيام، وإحياؤه الليل أكمل الإحياء. وقد جاءت الآيات في كتاب الله عز وجل والأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبيّن فضل قيام الليل، وأنه لا يحافظ عليه إلا مؤمن يخاف الله ويرجو رحمته، قال الله عز وجل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ} [الزمر:9]، قال العلماء: في هذه الآية دليل على أنه لا يحافظ على قيام الليل إلا من خاف الله عز وجل ورجا رحمة الله سبحانه وتعالى، وأكد الله هذا المعنى بقوله: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} [السجدة:16]. وفي قيام الليل الفضائل والنوائل، ولذلك قال الله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} [الإسراء:79]، أي: مقاماً يحمدك عليه الأولون والآخرون. وهذا إنما ذكره الله بعد أمره لنبيه صلى الله عليه وسلم بقيام الليل. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قيام الليل دأب الصالحين وشأن عباد الله الأخيار المتقين، كما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين من قبلكم)، فدلت هذه النصوص من كتاب الله عز وجل وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم على فضيلة قيام الليل، ونظراً لكون قيام الليل فيه المشقة وفيه العناء وفيه الجهد أثنى الله عز وجل عليه، وأخبر أنه أجلّ وأكرم، وقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا} [المزمل:6]، وناشئة الليل إنما تكون بعد الليل وبعد الضجعة، فأفضل قيام الليل ما كان في آخر الليل، وكان بعد نوم وهجود، فحينئذ يصدق على الإنسان أنه متهجد، والسبب في هذا أنه إذا اضطجع ونام وذاق لذة النوم والكرى فإنه لا ينبعث من فراشه إلا بقوة إيمان وخشية لله عز وجل ورجاء في رحمته، وفي الحديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن العبد إذا قام من الليل يتهجد من بين زوجه وحِبّه قال الله: يا ملائكتي! عبدي ما الذي أقامه من حِبّه وزوجه؟ قالوا: إلهنا: يرجو رحمتك ويخشى عذابك. فيقول الله: أشهدكم أني قد أمنته من عذابي وأصبته برحمتي)، فقيام الليل فيه فضلٌ عظيم. وإنما قال العلماء بتفضيله لورود النصوص في الكتاب والسنة بالثناء على أهله وبيان عظيم فضله، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: أفضله وأكمله أن يكون في آخر الليل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الدعاء أسمع في آخر الليل، وأن أفضل ما يكون من الصلاة في جوف الليل الآخر، فقال عليه الصلاة والسلام يخاطب الصحابي: (إن أحببت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن)، أي: إن أحببت واستطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن. أعني: الثلث الأخير من الليل. وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن في الليل ساعة لا يوافقها عبدٌ يسأل الله خيراً من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه)، فهذا فضلٌ عظيم، وقد قرر العلماء رحمهم الله أن أفضل قيام الليل الثلث الآخر، ولكنهم استحبوا أن يكون السحر للاستغفار، والسحر يوافق سدس الليل الأخير، فيجعل ما قبل السدس للتهجد والعبادة وتلاوة القرآن تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقوم ثلث الليل الآخر، فكان يصلي ما شاء الله له أن يصلي، ثم إذا فرغ جعل بينه وبين صلاته وأذان الفجر وقتاً كما ثبت في الحديث الصحيح عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولذلك قال العلماء: الأفضل في آخر الليل -أعني السدس الأخير من الليل- أن يتفرغ للاستغفار، حتى قال بعض العلماء: هو أفضل من تلاوة القرآن؛ لأن الله يقول: {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات:18]، فأثنى على من استغفره سبحانه في هذا الوقت -أعني السحر-، وقد ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن الله تعالى ينزل في كل ليلة في الثلث الآخر من الليل)، كما ثبت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام، ولذلك استحب العلماء أن لا يصل قيام الليل إلى السحر، وإنما يكون وتره عند ابتداء السحر، وهذا أفضل الهدي وأكمله؛ لما فيه من الراحة للنفس قبل الفجر، فإنه إذا جلس للاستغفار هدأت أعضاؤه وسكنت من عناء قيام الليل؛ لأن الإنسان بشر، وربما أنه لو واصل قيام الليل إلى الفجر ضعف عن الصلاة المفروضة ولم يخشع فيها، فكان مشتغلاً بفضل نافلة عن فضيلة فريضة، والفريضة أفضل من النافلة. وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن قيام الليل أفضل من صلاة النهار تطوعاً. قال رحمه الله: [وأفضلها ثلث الليل بعد نصفه]. أي: أفضل قيام الليل ثلث الليل بعد نصفه، أي: الثلث الآخر كما يعبر عنه العلماء رحمة الله عليهم. قال العلماء: فضلت صلاة الليل على صلاة النهار من وجوه: أولها: ثناء الله على أهل هذه الصلاة في كتابه العزيز، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في أكثر من حديث. ثانياً: لأنها صلاة خفية لا يعلمها إلا الله عز وجل، وذلك أن ساعة الليل ساعة تهدأ فيها العيون، وتسكن فيها الجفون، ولا يرقب فيها أحد أحداً، حتى إن الرجل ربما قام يصلي وأهله الذين هم أقرب الناس منه لا يشعرون بقيامه، ولذلك قالوا: لمكان الإخلاص وكون هذه العبادة خفية لا يعلمها أحد كانت أفضل من غيرها، بخلاف صلاة النهار، فإن الغالب فيها أن يطلع عليها الناس، وأن يعلم بها الناس. ثالثاً: لأن الناس في الليل يحتاجون إلى النوم ويحتاجون إلى الراحة، فإن قام أول الليل فإنه يقوم بعد عناء وتعب ونصب وهو أحوج ما يكون إلى النوم، فكونه يؤثر الصلاة على النوم فذلك أبلغ ما يكون في العبادة والطاعة، وإن صلاها بعد نومه كان أبلغ وأبلغ؛ لأنه إذا ذاق لذة النوم والكرى وحلاوة الفراش ثم قام من ذلك كله فهو مؤثر مرضاة الله عز وجل. فلأجل هذه الفضائل كلها فضلت صلاة الليل على صلاة النهار.
كيفية تطوع الليل والنهار
كيفية تطوع الليل والنهار قال رحمه الله: [وصلاة ليل ونهار مثنى مثنى]. أي: إذا صليت تطوعاً بالليل، أو صليت تطوعاً بالنهار فصلّ مثنى مثنى، أي: سلم من ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن عمر -وأصله في الصحيحين-: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى) فقوله: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، أخذ منه الإمام أحمد رحمة الله عليه وطائفة من أهل العلم أنه لا يسلّم المصلي من ركعةٍ واحدة في الليل والنهار إلا في الوتر. ولذلك قال العلماء: من أراد أن يتطوع في النهار فلا يصلي ركعة واحدة إلا في الوتر، وأما في غير الوتر فإنه يسلم من اثنتين، وإن شاء سلم من أربع، وإن شاء سلم من ست، وإن شاء سلم من ثمان، فقالوا: إنما يسلم من شفع ولا يسلم من وتر؛ لما ذكرناه في الحديث السابق. قال رحمه الله: [وإن تطوع في النهار بأربع كالظهر فلا بأس]. أي: لا حرج عليه، وأخذ العلماء هذا الحكم مما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (رحم الله امرأً صلى قبل الظهر أربعاً)، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأربع، وإن كان مذهب بعض العلماء أن هذا المطلق محمول على المقيد في قوله: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، ولكن أجيب بأن قوله: (مثنى مثنى) أي: يسلم من شفع، فتدخل الأربع في هذا، ولذلك لو صليت أربعاً وجلست في آخر الأربع فلا حرج وإن صليت أربعاً وجلست جلستين أو تشهدت تشهدين فلا حرج، على أصح أقوال العلماء، ولذلك قال: [كالظهر] أي: يصليها كالظهر. وقد أسقط النبي صلى الله عليه وسلم التشهد الأول في قيام الليل، كما في حديث عائشة: (يصلي أربعاً لا تسأل عن حسنهن وطولهن)، فقالوا: أسقط التشهد لكي يكون قيامه أطول، فكان يريد أن يجعل وقت التشهد لقراءة القرآن، وذلك أفضل؛ لقوله: (أفضل الصلاة طول القنوت). ومن هنا قال العلماء: الأفضل إذا صليت أربعاً أن تصلها؛ لأن الوقت الذي تأخذه في الجلوس للتشهد ستستغله في قراءة القرآن؛ لأن طول القيام أفضل من وجود التشهد؛ لما ثبت في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن أفضل الصلاة؟ قال: (طول القنوت) أي: طول القيام بالقراءة.
أجر صلاة القاعد
أجر صلاة القاعد قال رحمه الله: [وأجر صلاة قاعد على نصف أجر صلاة قائم]. هنا مسألتان: الأولى: الأصل عندنا صلاتان: صلاةٌ مفروضة، وصلاة نافلة، فأما الصلاة المفروضة فمذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم أنه لا يجوز لك أن تصليها قاعداً إلا من عذر. وذهب الإمام داود الظاهري وأصحابه إلى أنه يجوز لك أن تصلي جالساً وأجرك على النصف من أجر القائم، وهذا إذا كان عندك العذر. والصحيح ما ذهب إليه الجمهور أنه لا يجوز لك أن تصلي الفريضة قاعداً إلا من عذر، فإن صليت قاعداً من عذر في الفريضة فأجرك كامل. والإمام داود الظاهري ومن معه يقولون: يصلي قاعداً للعذر ويكون أجره على النصف. فطبّقوا هذا الحديث على عمومه. وأصح الأقوال في هذه المسألة أنك إن صليت في الفريضة قاعداً من عذر فأجرك كامل؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له عمله)، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن بالمدينة رجالاً ما سلكتم شعباً ولا قطعتم وادياً إلا شركوكم في الأجر)، وقال هذا الكلام وهو في تخوم الشام صلوات الله وسلامه عليه في غزوة تبوك غزوة العسرة، فقالوا: (يا رسول الله! كيف وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر)، فدلت هذه الأحاديث الصحيحة على أن المعذور أجره كامل، ولذلك إذا كان الإنسان مريضاً فصلى الفريضة قاعداً فإن أجره على الكمال والتمام. المسألة الثانية: يجوز لك أن تصلي النافلة قاعداً، ويجوز لك أن تصليها قائماً، ولا إلزام في ذلك. فإن صليت النافلة قاعداً وأنت قادرٌ على القيام انطبق عليك الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، وذلك أن القعود أقل عناءً وأقل تعباً، ولذلك كان أجره على النصف من أجر القائم. وجمهور العلماء على أن المراد بهذا الحديث النافلة لا الفريضة، خلافاً لـ داود الظاهري الذي يحمله على الفريضة في حال وجود العذر. والصحيح أن هذا الحديث الذي يدل على أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم إنما هو في النافلة، فالإنسان مخيرٌ، فلو رأيت إنساناً -كما يفعله بعض الناس بعد صلاة الفريضة- كبّر للسنة وصلاها قاعداً فإنه لا ينكر عليه؛ لأنه مخيّر بين أن يصلي قائماً أو يصلي قاعداً، فإن صلّى قاعداً فأجره على النصف، إلا أنه إذا كان الإنسان معذوراً أو يشق عليه القيام فإن الأفضل له أن يجلس حتى إذا قارب الركوع قام ووقف وأتم قراءته ثم ركع، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه من طول القيام، وذلك لأنه أخذه اللحم صلوات الله وسلامه عليه في آخر عمره وبدن، فكان يثقل على بدنه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا طال القيام عليه كان عبء الجسد على القدمين حتى تتفطر، قالوا: تفطرها أن تتشقق كاللحم يتمزع عن بعضه من طول قيامه صلوات الله وسلامه عليه، فلما ثقل عليه طول القيام كان يصلي قاعداً، تقول عائشة: (حتى إذا بلغ مائة أو قدر مائة آية قام -صلوات الله وسلامه عليه- فأتمهن قائماً ثم ركع). فهذا أفضل، فلو صليت في التهجد وكنت على تعب أو نصب وأردت أن تجلس فالأفضل أن تجلس حتى إذا قارب الإمام الركوع تقوم وتتم معه حتى تصيب فضيلة القيام ولو في بعض أجزاء ركن القيام.
باب صلاة التطوع [4]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة التطوع [4] من الصلوات المسنونة: صلاة الضحى، فقد ورد في فضلها أحاديث صحيحة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ووقتها من بعد طلوع الشمس إلى قبل الزوال، ومن النوافل: صلاة الاستخارة، وصلاة الشروق، وصلاة الهم والحاجة، ويسن كذلك سجود التلاوة، وسجود الشكر.
نوافل الصلاة
نوافل الصلاة
صلاة الضحى
صلاة الضحى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [وتسن صلاة الضحى]. من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصلى صلاة الضحى، وصلاة الضحى هي إحدى الصلوات التي أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسميت بهذا الاسم من باب تسمية الشيء بزمانه الذي يقع فيه، كالأضحية سميت أضحية لأنها تذبح أضحى يوم النحر، فقالوا: صلاة الضحى من إضافة الشيء إلى زمانه، وهذه الصلاة جماهير السلف رحمة الله عليهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ومنهم الأئمة الأربعة على أنها سنة، وقد ثبتت فيها الأحاديث الصحيحة، وكان بعض الصحابة رضوان الله عليهم ينكرون هذه الصلاة، ومنهم عبد الله بن عمر، فكان إذا رأى من يصليها في المسجد حصبه بالحصباء منكراً عليه وكأنه يراها بدعة، إلا أنه أجيب عن فعل ابن عمر هذا من وجهين: الوجه الأول: أن ابن عمر رضي الله عنهما يحتمل أنه لم يبلغه النص بثبوت صلاة الضحى، فرأى كأنهم يفعلون أو يتكلفون فعلاً لا أصل له، وقد كان حريصاً على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم فأنكر على حسب علمه. والوجه الثاني -وهو أقوى-: أن ابن عمر إنما أنكر على الناس قصدهم مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة الضحى، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلف فعلها في المسجد، فحينئذٍ يكون كأنه يوافق في أصل المشروعية ولكن ينكر صفة الإيقاع، وقد يكون الشيء مشروعاً بأصله ولكنه غير مشروع بوصفه، ومن أمثلته هذا، فحمل إنكار ابن عمر رضي الله عنه على الناس أنهم تكلفوا المجيء إلى المسجد، مع أن صلاة الضحى تفعل في البيوت. وقد ثبتت في صلاة الضحى أحاديث: منها ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (يصبح على كل سلامى من الناس في كل يوم تطلع فيه الشمس صدقة، فبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى)، (فقوله: على كل سلامى) أي: مفصل، فهذه المفاصل الثلاثمائة والستون في الإنسان إذا أصبحت سليمة وأنت معافى بنعمة الله عز وجل ثبت أداء شكرها، فمن شكر هذه النعمة التي أنعم الله بها عليك من سلامة أعضائك أن تفعل الخير، فتكثر من التسبيح والتحميد حتى تبلغ عدد هذه الأعضاء، فتسبح وتحمد وتكبر وتهلل، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعين الرجل على دابته فتحمل له متاعه عليها أو تحمله عليها، حتى تبلغ من الصدقات والنوافل قدر هذه النعمة التي أنعم الله عليك بها وهي الثلاثمائة والستون مفصلاً، فكأنها صدقة الأعضاء، فقال عليه الصلاة والسلام: (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى)، وفي هذا دليل على فضيلة هاتين الركعتين اللتين بلغتا شكر نعمة الله عز وجل على سلامة البدن كاملاً، وهذا يدل على فضل الصلاة. وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى يقول: (يا ابن آدم! اكفني أربع ركعات أول النهار أكفك آخره)، أي: إن صليت أربع ركعات قربة ونافلة أول النهار كفيتك همّ يومك كله، سواء همّ دِين أم دنيا أم آخرة، فتكفاه إلى نهاية هذا اليوم بالأربع ركعات. وكذلك ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه يوم الفتح اغتسل صلوات الله وسلامه عليه، وسترته فاطمة، فدخلت عليه أم هانئ يوم الفتح وهو يغتسل، فلما انتهى من الغسل التحف عليه الصلاة والسلام بردائه فكبّر وصلى ثماني ركعات)، ومذهب طائفةٌ من السلف أن المراد بها ركعات الضحى، ولذلك تسن هذه الصلاة. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بثلاث، ومنها صلاة الضحى. فصلاة الضحى سنة، والأحاديث فيها صحيحة وثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. فقوله: (تسن) أي: فعلها سنةز واختلف العلماء: هل الأفضل أن يداوم عليها، أو يفعلها أحياناً ويتركها أحياناً؟ وأصح الأقوال -والعلم عند الله-: أن الأفضل المداومة عليها، وكونه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه داوم عليها لا يمنع المداومة عليها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم دلّ على فضلها بالسنة القولية، وقد كان يترك فعل الشيء وهو يحب أن يفعله خشية أن يفترض على الأمة، مع أن عدم النقل لا يدل على عدم الوجود، ولهذا الأفضل أن يداوم على ركعات الضحى. قال رحمه الله تعالى: [وأقلها ركعتان وأكثرها ثمان]. هذه الركعات أقلها ركعتان، وأكثرها فيه للعلماء وجهان: فقيل: ثمان ركعات. وقيل: اثنتا عشر ركعة. وهو الأقوى. أما كونها تصلى ركعتان فلما ثبت في حديث أبي هريرة: (ويجزئ عن ذلك ركعتا الضحى). وأما كونها تصلى أربعاً فلما ثبت في الحديث الصحيح الذي ذكرناه: (ابن آدم اكفني أربع ركعات من أول اليوم أكفك آخره). وأما كونها تصلى ست ركعات فلحديث أنس -وقد ذكره الترمذي في الشمائل-: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الضحى ست ركعات). وأما كونها تصلى ثماني ركعات فلما ثبت في الصحيح من حديث أم هانئ: (أنها دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، وفاطمة تستره بثوب وهو يغتسل، وفيه قالت: فالتحف، ثم صلى ثماني ركعات)، وحديث أم هانئ هذا فيه وجهان للعلماء: فبعض العلماء يقول: هي صلاة الضحى. وكانت أم هانئ تفعل ذلك، وكان ابن عباس لا يرى الضحى، حتى دخل على أم هانئ فوجدها تصليها فاعتبر صلاة الضحى لما رآها تصلي هذه الثمان. فمذهب طائفة أن هذه الصلاة صلاة الضحى. وهناك وجه ثانٍ أن هذه الصلاة التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يوم الفتح إنما هي صلاة الفتح، صلاها شكراً لله عز وجل أن فتح له مكة، وبلّغه هذا اليوم الذي أعزّ فيه جنده وأعلى فيه كلمته ونصر فيه عبده، فكانت شكراً لله على الفتح، ولذلك لما فتح سعد بن أبي وقاص إيوان كسرى صلى فيه هذه الثمان الركعات، كانوا يستحبون لأمراء الجيوش والقادة أن يصلوها عند الفتح شكراً لله عز وجل على الفتح، فهذا أحد الوجهين فيها، وعلى القول بأنها صلاة الضحى تصبح صلاة الضحى ثماني ركعات. وتصلى اثنتي عشرة ركعة، وفيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صلى ركعتين كان من العابدين ... ) الحديث، وذكر فيه من صلى اثنتي عشرة ركعة. ولذلك قالوا: أقل الضحى ركعتان وأكثر الضحى اثنتا عشرة ركعة. وقيل: ثمان. وقيل: يصلي ما شاء الله. وفي هذا حديث أم المؤمنين عائشة: (أنها لما سُئِلت عن صلاة الضحى قالت: (كان يصلي أربعاً، ويزيد ما شاء الله)، فهذا يدل على أن فيها أدنى الكمال وأعلى الكمال. فأفضل ما يكون أن تصلى اثنتي عشرة ركعة، وحملوا عليه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من صلى لله في يومٍ ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة)، فحملوه على هذه الركعات التي تكون في صلاة الضحى.
وقت صلاة الضحى
وقت صلاة الضحى قال رحمه الله: [ووقتها من خروج وقت النهي إلى قبيل الزوال]. قوله: (ووقتها) الضمير عائد إلى صلاة الضحى، فبعد أن عرفنا أنها سنة وعرفنا عدد ركعاتها، يجئ الكلام على وقتها. فوقتها يبتدئ بابتداء وقت صلاة العيد، ويكون بعد انتهاء وقت النهي، ووقت النهي يبتدئ بصلاة الفجر، ويستمر من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، ثم من بعد الطلوع حتى ترتفع قيد رمح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة عيد الأضحى صلاها والشمس على قيد رمح، ولما صلى صلاة عيد الفطر صلاها والشمس على قيد رمحين، فعجّل الأضحى وأخر الفطر، فعجّل الأضحى لأن الناس تحتاج إلى وقت الضحى من أجل الأضحية، فعجّل صلاة الضحى وأوقعها بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، وأخّر صلاة الفطر لأن الناس يحتاجون لهذا الوقت من أجل إخراج زكاة الفطر حتى تكون زكاة مقبولةً إن شاء الله، فأول وقت الجواز بعد طلوع الشمس حين ترتفع قيد رمح، فهذا هو وقت بداية صلاة الضحى، ثم ينتهي وقت صلاة الضُّحى في الضَّحى، أي: في دخول وقت الضَّحى، فهناك وقت يسمى وقت الإشراق، وهو ما بعد طلوع الشمس بقيد رمح، ثم يدخل وقت الضُّحى، وذلك عند تجلي الشمس بارتفاعها، وهناك وقت الضَّحى، وهو ما قبل الزوال بما يقرب من ساعة ونصف إلى ساعتين إلا قليلاً، وهو الذي ورد فيه الحديث الصحيح: (فنرجع إلى بيوتنا -يعني يوم الجمعة- فنقيل قائلة الضَّحى)، فالضَّحى ما قبل الظهر بقرابة ساعتين إلا ربع فما دون، فهذا الوقت يسمى، وقت الضَّحى، أي: قرب الزوال. فإذا دخل وقت الضَّحى -أي: قبل صلاة الظهر بساعة ونصف إلى ساعتين إلا قليلاً- فهذا الوقت ينتهي فيه وقت صلاة الضُّحى. ثم إن هذا الوقت الذي هو وقت صلاة الضُّحى فيه وقت فضيلة، فأفضل أوقات صلاة الضُّحى إذا ارتفعت الشمس قليلاً، أي: بعد ارتفاعها قيد رمح، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه: لا يحافظ على صلاة الضحى إلا أوّاب. وقد قال الله تعالى: {فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء:25]، فالذي يحافظ على هذه الصلاة أوّاب، وعندما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة قال: (صلاة الأوّابين حين ترمض الفصال)، كما في الصحيح. أي: صلاة الضحى. ,الفصال: جمع فصيل، وهو ولد الناقة الصغير، ومعنى: (تمرض) أي: يدركها حرّ الرمضاء. فالفصيل يسرح بجوار أمه حتى إذا ارتفعت الشمس وابتدأ وهيج الشمس دخل تحت أمه، أو أوى إلى ظل الشجر، فهذا الوقت -الذي هو ما بعد طلوع الشمس إلى ساعتين، أو ساعتين وقليل- هو أفضل أوقات صلاة الضحى، والسبب في فضله ما ذكره العلماء في كلامهم على حديث مسلم: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، حيث قالوا: إنما فُضّل هذا الوقت لأنه وقت غفلة. ولذلك أشد ما تكون عليه السوق في هذا الوقت، فالناس مشتغلون بالتجارة ومشتغلون بالبيع والشراء، ومشتغلون بمصالحهم وأمورهم الدنيوية، ثم إنك قلّ أن تجد فراغاً في هذا الوقت، فكون الإنسان يعرض عن لغط الدنيا في ساعة غفلة الناس فهذا من أبلغ ما يكون في القربة إلى الله، كصلاة الليل إذا نام الناس وهجدوا فضلت لإعراض الناس عن العبادة سكوناً إلى الراحة وخلوداً إليها، كذلك أيضاً في حال الغفلة، فلما غفل الناس في أول النهار بطلب معايشهم وطلب أمورهم كان وقت الفضيلة عند اشتداد النهار قبل الضَّحى، فهذا هو أفضل الأوقات، وكلما تأخّر قليلاً إلى ما قبل الضَّحى كان أبلغ، إلا أنه إذا كان الإنسان يخشى الانشغال فليصلها في أول وقتها ولا حرج عليه، وكان بعض العلماء يستحب أن تكون في أول اشتداد النهار؛ لقوله: (يا ابن آدم اكفني أربع ركعات من أول النهار)، فقالوا: كلما قرب من أول النهار كان ذلك أفضل وأكمل.
نوافل لم يذكرها المصنف
نوافل لم يذكرها المصنف وهناك نوافل أخرى لم يذكرها رحمة الله عليه ورضوانه، ومن هذه النوافل ركعتا الوضوء، وفيها أحاديث صحيحة:
ركعتا الوضوء
ركعتا الوضوء منها: حديث عثمان رضي الله عنه، فعن حمران مولى عثمان أن عثمان دعا بطهور، فتوضأ فأكفأ على يديه، فغسلهما ثلاثاً، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً -أي: توضأ وضوءاً كاملاً، وهو وضوء الإسباغ-، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: (من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا يدل على فضيلة ركعتي الوضوء. ومنها: حديث بلال رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (إني سمعت خشخشة -أو دف- نعليك في الجنة، فأخبرني عن أرجى عمل عملته؟ قال: يا رسول الله! ما أحدثت إلا توضأت، ولا توضأت إلا صليت ما كتب لي)، قالوا: فلذلك يحافظ الإنسان على ركعتي الوضوء. وقال بعض العلماء رحمة الله عليهم: الأفضل في ركعتي الوضوء أن تكون بعد الوضوء مباشرة، حتى قال بعض العلماء: قبل أن تجف الأعضاء؛ لما فيه من وصل الطاعة بالطاعة. وهذا أبلغ ما يكون في القربة والانكسار لله عز وجل، حتى لا يدخل بينهما غيبة ونميمة، أو شيء من أمور تغفل قلبه عن ذكر الله؛ لأنه بمجرد انتهائه من الوضوء تتحات عنه الذنوب، فيكون أشرح صدراً، فربما لو أخرها اغتاب أحداً أو وقع في محرم فصرف عن الخشوع، والخشوع هو المعين على المغفرة في ركعتي الوضوء.
صلاة الاستخارة
صلاة الاستخارة ومن النوافل: صلاة الاستخارة، جعلها الله عوضاً عما كان عليه أهل الجاهلية من البدع والخرافات، فيقدمون على أمورهم ومصالحهم الدنيوية ويحجمون عنها بالاستقسام بالأزلام، وبتحريك الطيور والنظر إلى جهاتها، فعوض الله المسلمين بركعتي الاستخارة، فإذا أهمك أمر ولم تدر تقدم عليه أم تحجم، فحينئذ إذا هممت به وأردت أن تعزم عليه بعد استشارة الناس فإنك تستخير. وهنا أمر يخطئ فيه كثير من الناس، فبعض الناس يجعل الاستخارة قبل الاستشارة، وهذا خطأ، بل الذي ينبغي أن تكون الاستخارة بعد أن تهتم النفس بالشيء، وبعد أن يشاور الناس فيجد من يعينه ومن يثبطه؛ لأنك إذا استخرت فلا تستشر أحداً بعد الله عز وجل، ولذلك قالوا: تكون الاستخارة هي آخر الأمر، بمعنى: أنه التبس عليك الأمر، فوجدت هذا يقول لك: أقدم، وهذا يقول لك: أحجم، وهذا يقول لك: هذا فيه خير، والثاني يقول: فيه شر، فحين تتردد نفسك وتهتم بالأمر فإنه تستخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا همّ أحدكم بالأمر)، فمعناه: أن يكون عنده الاهتمام، ومعنى ذلك أنه قد وجد من مشورة الناس ومن حديث النفس ما يجعله يتردد، فحينئذٍ يصلي ركعتين من غير فريضة، ثم يقول الدعاء المأثور: (اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- فيه خيرٌ لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فيسره لي وسهله لي، وإن كنت تعلم أن فيه شراً لي في ديني ودنياي وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، ثم اقدر لي الخير حيثما كنت، ثم رضِّني به)، فأي شيء بعد هذه الاستخارة تفعله هو خير مهما كان هذا الشيء، ولذلك بعد الاستخارة سلّم الأمر لله، حتى ولو وجدت الأمر في أوله يسوؤك فإن عواقبه خيرٌ لك في الدنيا والآخرة، وقد يكون الشيء في أوله حزن ولكن آخره سرور، وقد يكون أوله نكبة ولكن آخره صلاح وفلاح وخير لك في الدنيا والآخرة، ولذلك إذا استخرت الله عز وجل فحينئذٍ تنشرح نفسك، ولا تجعل في قلبك من هذا الأمر أي هم، إن تيسر فعله فافعل، وإن تيسر تركه وصرفت عنه فهو الخيرة من الله عز وجل، وهذه رحمة من الله عز وجل. وأما هل يفعل الدعاء في آخر الصلاة، أو يفعله بعد السلام فأصح الأقوال أنه يفعله داخل الصلاة. وقال بعض العلماء: إذا فعله داخل الصلاة أو بعد السلام فلا حرج عليه. ولكن الأولى والأكمل أن يكون عقب تشهده وقبل السلام، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن بعد الفراغ من التشهد: (ثم ليتخير من المسألة ما شاء)، وهذه مسألة، وشرعت الصلاة من أجل هذه المسألة، فالذي يظهر إيقاع السؤال والاستخارة قبل السلام.
صلاة الإشراق
صلاة الإشراق ومن الصلاة النافلة: صلاة الإشراق، وهي تكون بعد جلوس الإنسان في مصلاه بعد صلاة الفجر في جماعة، فقد ثبت في الحديث عند الترمذي وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع عليه الشمس ثم صلى ركعتين كان له كأجر حجة وعمرة تامةٍ تامة). وهذا الفضل له شروط: أولها: أن يصلي الفجر في جماعة، فلا يشمل من صلى منفرداً، وظاهر الجماعة يشمل جماعة المسجد وجماعة السفر وجماعة الأهل إن تخلف لعذر، كأن يصلي بأبنائه في البيت فيجلس في مصلاه. ثانياً: أن يجلس يذكر الله، فإن نام لم يحصل له هذا الفضل، وهكذا لو جلس خاملاً ينعس فإنه لا يحصل له هذا الفضل، إنما يجلس تالياً للقرآن ذاكراً للرحمن، أو يستغفر، أو يقرأ في كتب العلم، أو يذاكر في العلم، أو يفتي، أو يجيب عن المسائل، أو ينصح غيره، أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن جلس لغيبة أو نميمة لم يحز هذا الفضل؛ لأنه إنما قال: (يذكر الله). الأمر الثالث: أن يكون في مصلاه، فلو تحول عن المصلى ولو قام يأتي بالمصحف فلا يحصل له هذا الفضل؛ لأنه فضلٌ عظيم، وهو حجةٌ وعمرة تامة تامة، فهذا فضل عظيم، والمراد به الرباط؛ لأنه قال: (ثم جلس في مصلاه)، فهذا يدل على أنه لا يبرح المصلى، ومن قام من مصلاه لسلام أو تحية أو طلب حاجة فإنه لا يصدق عليه هذا الشرط، وهو قوله:. (ثم جلس في مصلاه)، فلذلك يلزم المصلى؛ لأنه فضل عظيم، وتحصيل الفضل العظيم يكون أكثر عناءً وأكثر نصباً، فيحتاج إلى أن يتكلف العبد في إصابة ظاهر هذه السنة، فيجلس حتى تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتين. رابعاً: أن يصلي ركعتين. وهاتان الركعتان هما ركعتا الإشراق، وهناك من يطلق ركعة الإشراق على الركعة التي تكون بعد ارتفاع الشمس بين الضحى وبين طلوع الشمس، أي: بعد ارتفاعها قيد رمح. وأثر عن ابن عباس في التسبيح بالإشراق، قال في قول الله عز وجل: {يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ} [ص:18]: ما كنت أعلم التسبيح بالإشراق حتى سمعت أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها تذكره. فحملوه على الركعتين ركعتي الإشراق، وجعلوها صلاةً تكون في أول النهار.
صلاة الهم والحاجة
صلاة الهم والحاجة وهناك أيضاً صلاة الهمّ والحاجة، كأن ينزل بالإنسان كرب، أو -لا قدّر الله- فاجعة أو مصيبة، فإذا نزل به أمر ضاق به صدره، أو جاءته مصيبة، أو بلغه خبر يحزنه أو يفجعه، أو أهمه أمر فالسنة له أن يتوضأ ويصلي ركعتين؛ لما ثبت في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزّ به أمرٌ -وفي رواية: إذا حزبه أمر- فزع إلى الصلاة) فقولها: (فزع إلى الصلاة) أي: ناجى الله عز وجل وصلّى، فالأفضل للإنسان إذا نزلت به كربة أو مصيبة أن يصلي، ولذلك أخبر الله عز وجل أنها معونة للعبد، فقال سبحانه وتعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وذكر الصلاة مع الصبر، فمعناه: أن يستعان بالصلاة عند وجود الشدائد والأهوال، وهذا أبلغ ما يكون في العبودية؛ لأن الله يحب من عبده إذا نزلت به المصائب أو نزلت به البلايا أن يضرع إليه، قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، أي: فهلا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا، وأبلغ الضراعة الصلاة، ولذلك قالوا: يشرع أن يصلي إذا نزلت به مصيبة، أو ألمت به حادثة، أو أصبح عنده أمرٌ يهمه ويقلقه، فينزل حاجته بالله جل جلاله الذي تنزل به الحاجات ومنه تفرج الكربات، فهذا من أفضل ما يكون عند نزول الشدائد بالعبد.
أحكام سجود التلاوة
أحكام سجود التلاوة قال رحمه الله: [وسجود التلاوة صلاة]. بعد أن فرغ رحمه الله من النوافل التي تكون بفعل الصلاة شرع في النوافل التي هي أجزاء من الصلاة، كسجود التلاوة، وهو آخذٌ حكم الصلاة من حيث الطهارة واستقبال القبلة والتكبير والتسليم. فسجود التلاوة يأخذ حكم الصلاة، وقال بعض العلماء: يجوز له أن يسجد ولو لم يكن متوضئاً، بل قال بعضهم: يسجد ولو لغير القبلة، وهذا القول من أضعف الأقوال أي: أن يسجد لغير القبلة، وذلك لما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) يعني الكعبة، وهذا نصٌ عام، ولذلك شرع في الميت إذا وضع في قبره أن يقبّل للقبلة، وهكذا إذا كان عند الاحتضار، فقال: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً)، ومن هنا أخذ العلماء رحمة الله عليهم أن من زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأراد السلام عليه عند الدعاء أن يستقبل القبلة، وذلك لأن القبلة تقصد عند الدعاء وعند السجود، ولذلك لا يقال بالتوسع بحيث يسجد لأي جهة، ومن قال بالسجود لغير القبلة فهو مطالبٌ بالدليل، ومطالب بأن يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد لغير قبلة، ونحن لا نحفظ ذلك عنه عليه الصلاة والسلام في صلاة فريضة ولا نافلة، بل حتى في سجود التلاوة ما حفظ عنه نصٌ واحد أنه استقبل غير القبلة وسجد، ولذلك لا بد من استقبال القبلة، ولا يعتبر ساجداً إلا إذا استقبل القبلة التي سنّ الله عز وجل للصلاة، وما في حكم الصلاة -أعني: سجود التلاوة-، وبناءً على هذا فسجود التلاوة يشرع لأن الله عز وجل ذكره في كتابه، وامتدح أهله، وكذلك فعله النبي صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ آية السجدة فيسجد ونسجد معه حتى لا يجد أحدنا موضعاً يضع فيه جبهته)، وهذا دليل على متابعة النبي صلى الله عليه وسلم في السجود.
الخلاف في وجوب سجود التلاوة
الخلاف في وجوب سجود التلاوة وسجود التلاوة للعلماء فيه وجهان: أحدهما: أنه عزيمة وواجب. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، واستدل بالأوامر في القرآن، حيث جاءت أكثر آيات السجدة بالأمر بالسجود في مواضع متعددة، فقال: هو واجب ولازم. وذهب الجمهور إلى أنه ليس بواجب، واحتجوا بحديث أبي داود بسند صحيح أنه عليه الصلاة والسلام: أنه لما قرأ السجدة وتهيأ الصحابة أن يسجدوا قال: (على رسلكم، إنها ليست بعزيمة)، ولما رآهم تهيأوا للسجود نزل فسجد تطييباً لخواطرهم صلوات الله وسلامه عليه، فدل على أنها ليست بعزيمة. ومما يؤكد هذه الآثار الصحيحة ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد روى عنه مالك في الموطأ أنه قرأ السجدة وهو في الخطبة أي: قرأ آية السجدة-، فنزل فسجد في أصل المنبر، فسجد الناس معه، ثم لما كانت الجمعة الثانية قرأها فتهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إنها ليست بعزيمة -أي: سجود التلاوة ليس بعزيمة- وإنما هو فضل لا فرض)، ولذلك قال جمهور العلماء: إنه فضيلة وليس بفريضة. أما استدلال الإمام أبي حنيفة رحمة الله ورضوانه عليه بما ورد من الأوامر بالسجود في الآيات فهو مردود بورود حديث السنة الذي يدل على صرف الأمر عن ظاهره من الوجوب إلى الندب. كما أنه لو قيل بهذا الاستدلال -كما أجاب بعض العلماء- للزم المصلي أن يصلي عند كل آيةٍ فيها أمر بالصلاة، كقوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، ولا قائل بهذا، فدل على أن الأمر بالسجود غير واجب كما أن الأمر بالصلاة غير واجب عند تلاوته الأمر بها. فسجود التلاوة يشرع عند تلاوة الآية التي فيها سجدة.
سجود التلاوة للمستمع واقتداؤه بالقارئ
سجود التلاوة للمستمع واقتداؤه بالقارئ قال رحمه الله: [يسن للقارئ والمستمع دون السامع]. أي: يسن سجود التلاوة لمن قرأ ولمن استمع، أي: حضر مجلس القراءة وكان مع القارئ في نفس المجلس، أما لو سمعه بالمبلّغ الذي لا يجتمع معه في المكان، أو سمعه في الأجهزة من مسجلٍ ونحو ذلك فإنه لا يشرع له أن يسجد معه، وذلك لأنه ائتمام، وحكمه حكم الائتمام في الصلاة، وحينئذٍ لا يسجد معه، كما أنه لا يصلي وراءه ولا يركع ولا يسجد بالتبليغ بالجهاز دون التبليغ الحقيقي الذي يكون فيه مجتمعاً معه في المكان، وعلى هذا فلا تسجد إذا كنت مستمعاً إلا إذا كان المكان متحداً، ولذلك بعض العلماء يضيف قيد المجلس، ولا يقتصر على كونه مستمعاً، وإنما يضيف قيد المجلس، وهو اتحاد القارئ والمستمع في المجلس؛ لأنه ربما حصل الاستماع بدون حضور المجلس، كأن يعلو صوته من بيته وأنت في بيتك فتسمعه، أو تسمعه من غرفته وأنت في غرفتك، فحينئذٍ قالوا: إنه لا يشرع السجود لمكان عدم صحة الاقتداء. وأما السامع فإنه لا يسنّ له السجود، وهناك فرق بين السامع والمستمع، ففضل الاستماع أكثر من فضل السماع؛ إذ السامع هو الذي لا يقصد، ولذلك قالوا: لو مررت على صوت غناءٍ وسمعته ولم تستمع له لم تأثم، ومن هنا خرّجوا أثر ابن عمر الوارد عنه حينما كان معه مولاه نافع، فمر بالسوق فسمع صوت الغناء فوضع أصبعيه في أذنيه، فما زال يسأل نافعاً: أنتهى الصوت؟ فيشير له: لا بعد. حتى أشار له أنه قد انقضى. فاستشكل العلماء: كيف ابن عمر يضع أصابعه ولا يأمر نافعاً أن يضع أصبعه في أذنه؟ فقالوا: وضعها ابن عمر ورعاً وكمالاً في البعد والهجر لمعصية الله، وبقي نافع على الأصل من الرخصة. ولذلك قد تغلب على سماع شيءٍِ وأنت لا تريده، فإذا سمعته ولم تستمع له -بمعنى: لم تصغ إليه- لم تأثم، وهكذا إذا سمعت القرآن ولم تستمع له لم تؤجر، وبناءً على ذلك فرقوا بين السماع والاستماع من هذا الوجه، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم، ونبه عليهم علماء محققون، منهم الإمام ابن قدامة رحمة الله عليه في المغني. قال رحمه الله تعالى: [وإن لم يسجد القارئ لم يسجد]. أي: إذا لم يسجد القارئ لا تسجد لمكان الاقتداء، وقد جاء فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه آثار عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لم يسجدوا، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه أمر تميماً رحمة الله عليه فقال له: اسجد حتى نسجد معك. فدلّ على أن سجود المستمع متوقف على سجود القارئ، ولذلك قالوا: لا يسجد المستمع دون أن يسجد القارئ.
عدد سجدات التلاوة
عدد سجدات التلاوة قال رحمه الله: [وهو أربع عشرة سجدة]. أي: سجود التلاوة أربع عشرة سجدة. أولها سجدة الأعراف، ثم تليها سجدة الرعد، ثم النحل، ثم الإسراء، ثم مريم، ثم في الحج سجدتان، ثم الفرقان، ثم النمل، ثم السجدة، ثم سجدة حم فصلت ثم سجدة النجم، ثم الانشقاق، ثم العلق، فهذه أربع عشرة سجدة، ومذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه وطائفة من السلف أنها كلها من عزائم السجود. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يسجد في المفصّل، كما هو مذهب إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمة الله عليه، فقال: إنه لا يسجد في المفصل، واستدل بحديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما سجد في المفصل بعد الهجرة)، ولكنه حديث منكر كما بيّن العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الحافظ ابن عبد البر الذي بيّن أنه حديث ضعيف. والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في المفصل، وعلى هذا يشرع السجود في المفصل، ولا حرج على الإنسان، وتكون السجدات أربع عشرة سجدة. واختلف العلماء في سجدة الحج الثانية، وأما الأولى منهما فعزيمة، والثانية وهي قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج:77] فيها خلاف. ومذهب طائفة كـ الشافعي وأحمد رحمة الله عليهما السجود فيها، وثبت فيها حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم يدل على صحة القول بالسجود فيها. وأما سجدة (ص) فالصحيح أنها ليست من عزائم السجود، وجاء فيها حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (إنها ليست بعزيمة، إنما كانت توبة من نبي من أنبياء الله)، فيكون الاقتداء به على سبيل الاستنان العام بهدي الأنبياء، ولذلك ابن عباس لما قيل له في سجدة (ص) قرأ قول الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} [الأنعام:90]، فسجد نبي الله داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، فنحن نسجد من باب الاستنان العام، لكنها ليست من عزائم السجود، والفرق بين قولنا: إنها تسجد من باب الاستنان العام وكونها من عزائم السجود أنه لو سجد الإمام بها في الصلاة فلا تتابعه؛ لأنها ليست من عزائم السجود، فتكون فعلاً زائدة. وبناءً على ذلك لا يسجد وراء الإمام إذا سجدها، وهذا إذا كان الإنسان لا يراها عزيمة، أما إذا كان يراها من عزائم السجود -كما هو مذهب بعض السلف رحمة الله عليهم- فحينئذٍِ لا حرج أن يسجد وراء الإمام إذا سجدها. قال رحمه الله: [في الحج منها اثنتان]. أشار إلى الخلاف رحمة الله عليه، أي أنه يرى القول الذي يقول بالسجدة الثانية من الحج، وهي التي تكون في آخر سورة الحج، أما الأولى منهما فيكاد يكون بالاتفاق أنها من عزائم السجود.
التكبير والتسليم والقيام في سجود التلاوة
التكبير والتسليم والقيام في سجود التلاوة قال رحمه الله: [ويكبر إذا سجد وإذا رفع ويجلس ويسلم ولا يتشهد]. قوله: (ويكبر إذا سجد وإذا رفع) هذا هو المحفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح أنه كبّر لسجوده، وفي حديث أبي داود أيضاً ما يؤكد ذلك حينما سجد عليه الصلاة والسلام، فكان يكبّر لسجوده ورفعه من السجود. وقوله: [ويجلس ويسلم ولا يتشهد]. أي: يجلس ثم يسلم، ولا يتشهد في جلوسه. وللعلماء في الأفضل في كيفية الابتداء في هذا السجود وجهان: فاختار بعض العلماء من الحنابلة والحنفية رحمة الله عليهم أن الأفضل في سجود التلاوة أن تقوم ثم تخر ساجداً؛ لأن الله أثنى على من خرّ ساجداً فقال تعالى:: {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107]، فالخرور قالوا: من أعلى إلى أسفل. فإذا وقف كان هذا أبلغ؛ لأن فيه تكلف الفعل، ووجود المشقة فيه أكثر مما لو سجد وهو جالس، ثم إنه مطابقٌ لوصف الآية. وقال بعض العلماء: لا فضيلة في القيام، وإنما يجلس ويسجد وهو جالس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه تكلف القيام. وهذا القول الثاني فيه قوة ووجاهة، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفظ عنه أنه قام ثم خرّ ساجداً، لكن لو خرّ الإنسان وسجد فلا حرج عليه ولا بأس.
سجود الإمام للتلاوة في الصلاة السرية
سجود الإمام للتلاوة في الصلاة السرية قال رحمه الله تعالى: [ويكره للإمام قراءة سجدة في صلاة سر وسجوده فيها]. هذا لأنه إذا قرأ سجدة -مثلاً- في صلاة الظهر وهي صلاة سر ثم سجد فإنه يشوش على المأمومين، وهذه من آداب الإمامة، ولذلك ينبغي للإمام أن يكون ملماً بفقه الإمامة، فمن فقه الإمامة هذه المسألة. وذكروا مسألة ثانية في سجود التلاوة، وهي إذا قرأ آية السجدة وكانت في آخر قراءته، كما في سورة العلق، فحينئذٍ قالوا: إذا كان لا يرغب في السجود فليقرأ بعد فراغه من آخر السورة آيات أو سورة حتى ينبه من وراءه أنه لا يريد السجود؛ لأنه لو كبّر راكعاً في هذه الحالة سيخرّ الناس سجداً، وحينئذٍ يحصل الاختلال في صلاة الناس، فعدوا من فقه الإمام أن يتفطن لمثل هذا، فلا يركع عند آية السجدة؛ لأنه إذا ركع لبّس على الناس، خاصةً في الفريضة فإن الأمر أشد، فتجد هذا قائماً وهذا راكعاً وهذا ساجداً؛ لأن الناس يلتبس عليهم الأمر. ولذلك قالوا: لا يقرأ آية السجدة عند الركوع، إلا إذا كان يريد أن يسجد فحينئذٍ يقرؤها. ومن ذلك أن يقرأ السجدة في السرية، فكره بعض العلماء أن يقرأها، ولكن ورد ما يدل على مشروعية قراءتها في السرية وسجوده فيها، وعلى هذا فلا حرج أن يفعل ذلك، لكن يقول بعض العلماء: لو أنه رفع صوته قليلاً بآية السجدة قبل أن يسجد في السرية فلا بأس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان في الصلاة السرية يرفع صوته أحياناً يُسمِّع بالآية، قالوا: فإذا ثبت التسميع بالآية وهو مشروع فليفعل ذلك قبل سجوده حتى ينبه الناس أنه يريد أن يسجد، وإنما كره من كره من العلماء أن يقرأ آية السجدة في السرية لأنه إذا ترك السجود ترك السنة، وإن سجد ظن الناس أنه وهِم، فبدل أن يركع سجد، فيلتبس على الناس فعله، ولذلك قالوا: لا يقرأ في الصلاة السرية السجدة. والصحيح أنه لا حرج عليه أن يقرأ السجدة لثبوت ما يدل على مشروعية ذلك، والأصل العام يقتضيه. قال رحمه الله: [ويلزم المأموم متابعته في غيرها]. أي: إن شاء سجد وإن شاء لم يسجد، فيلزمه متابعته على الأصل في حديث أنس بن مالك في الصحيح: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا)، فأمر المأموم بمتابعة إمامه، ولذلك يلزم المأموم في الأصل بمتابعة الإمام، وسيأتي إن شاء الله الكلام على المتابعة وأحكام الاقتداء في باب صلاة الجماعة بعد هذا الباب.
مشروعية سجود الشكر
مشروعية سجود الشكر قال رحمه الله: [ويستحب سجود الشكر عند تجدد النعم واندفاع النقم]. استحباب سجود الشكر هو مذهب طائفة من السلف رحمة الله ورضوانه عليهم أجمعين، قالوا: إنه يستحب للمسلم إن أصابته نعمة أن يسجد شكراً لله عز وجل؛ لأن داود عليه السلام أناب إلى ربه وخر راكعاً، حينما تاب الله عز وجل عليه، فقالوا: يستحب للإنسان إذا نزلت به النعمة أو اندفعت عنه الشدة والنقمة أن يستقبل القبلة ويسجد لله عز وجل شكراً. وسجود الشكر كسجود التلاوة، لكن خصص بعض العلماء الطهارة له، فقالوا: إنه لو سجد على غير طهارة صح منه سجوده ولا حرج عليه. ويكون سجود الشكر في موضعين: الأول: حصول النعم، كأن يأتي خبرٌ سار بحصول الخير، فأول ما تستقبل الخبر تشكر الله عز وجل فتسجد، وقد تأذن الله بالزيادة لمن شكر. الثاني: اندفاع النقم، كزوال بلية أو مصيبة، عامة كانت أو خاصة، فلو بلغه أن كربة فرجت عن المسلمين، أو ضائقة زالت عنهم سجد شاكراً لله عز وجل، وهكذا إذا بلغه أن نعمة أصابت إخوانه المسلمين خرّ ساجداً شاكراً لله عز وجل، فكل ذلك مما هو مشروعٌ، ولا حرج على المكلف في فعله. قال رحمه الله: [وتبطل به صلاة غير جاهل وناسٍ]. هذه مسألة العذر بالجهل، قالوا: إنه يعذر إذا كان جاهلاً ويعذر إذا كان ناسياً. والسبب في ذلك أن الله عز وجل رفع المؤاخذة عن الناس، فقد جاء في الحديث الصحيح في قوله سبحانه وتعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286]، أن الله تعالى قال:: (قد فعلتُ)، أي أني لا أؤاخذكم إذا نسيتم أو أخطأتم، فقالوا: إذا كان الإنسان جاهلاً بالحكم عذر؛ لحديث معاوية رضي الله عنه عندما تكلم في الصلاة فقال: واثكل أمياه وكذلك أيضاً إذا كان ناسياً فتابعه فيها وهي زيادة فعل، فحينئذٍ يقولون: إنه لا تبطل صلاته لمكان الجهل والنسيان
الأسئلة
الأسئلة
اندراج ركعتي الإشراق والضحى في ركعتي الطواف
اندراج ركعتي الإشراق والضحى في ركعتي الطواف Q هل تجزئ ركعتي الطواف عن ركعتي الإشراق أو الضحى؟ A مذهب طائفة من العلماء أنه يحصل الاندراج في مثل هذا، ولكن بما أن الأمر متوقف على ركعتين فاركع لطوافك واركع لإشراقك، وهذا خير كثير ونعمة عظيمة. أما في الإشراق فلا يحصل هذا؛ لأن الإشراق -كما هو معلوم- متصل بجلوسه، فإذا فصل بالطواف فصل بأمرٍ أجنبي عن الذي من أجله قصد الصلاة التي هي ركعتا الإشراق، وعلى هذا فلا يحصل الاندراج. فالذي يظهر أن الإنسان يركع ركعتي الإشراق أولاً، ثم بعد ذلك يطوف، ثم يصلي ركعتي الطواف على الأصل المعروف الذي وردت به السنة. والله تعالى أعلم.
قراءة الإمام للقرآن بعد الرفع من سجود التلاوة
قراءة الإمام للقرآن بعد الرفع من سجود التلاوة Q إذا قام الإمام من سجود التلاوة فهل له أن يركع، أم لا بد أن يقرأ ما تيسر؟ A ذكر بعض العلماء أنه يستحب له أن يقرأ، حتى لا يكون هناك وصل بين السجود وبين الركوع، ولا يحفظ في هذا أصل، وإنما استحبه بعض العلماء. والله تعالى أعلم.
حكم تكرار صلاة الاستخارة
حكم تكرار صلاة الاستخارة Q هل يشرع تكرار صلاة الاستخارة إذا لم يحصل انشراح الصدر من أول مرة؟ A لا يشرع هذا فمن الحدث والبدعة تكرار صلاة الاستخارة، أو سؤال غير أن يصليها، أو ادعاء أنه يرى في النوم ما يسر وما يزعج، فكل هذا من البدع، فإن صلاة الاستخارة إنزال للأمر بباب الله جل وعلا الذي تنزل به الأمور، وبه تتيسر الأمور، ويستفتح المغلق، ويزال الهم والغم، فلذلك إذا صليت هاتين الركعتين فحسبك، وخذ بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإياك والحدث، ولا تلقَ الله عز وجل وقد زدت في دين الله ما ليس منه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليركع ركعتين من غير الفريضة)، فلا تزد على هذا الحد الذي حده رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليكون لك في ذلك الخير والفلاح والصلاح والنجاح. أما تكرار الاستخارة وتعلق القلب برؤيا ونحوها فكل ذلك مما لا أصل له، فإن أصابك الهم فأكثر من ذكر الله عز وجل حتى يأتيك الفرج من الله، فإنك إن صليت هاتين الركعتين فقد قضي الأمر وفرغ من الأمر، فإن وجدت هماً وعيق بينك وبين الأمر بهذا الهم فاعلم أنه صرفٌ من الله صرفك الله به عن هذا الأمر بالهم، وإن حصل انشراح ولو بعد حين فهو خيرة الله عز وجل، فيكون ما سبق من الهم نفث من الشيطان نفثه في قلبك فعوضك الله به تيسير الأمر، وقد يسلط الله على المستخير هماً بمجرد انتهائه من الاستخارة، فيبقى اليوم واليومين والأسبوع والشهر والشهرين والثلاثة ثم يجد الانشراح؛ لحكمةٍ من الله، فهو يعلم أنه لو فعل هذا الأمر خلال هذه الأيام فإنه لا يكون له خير، ولذلك أَنْزِل الأمر بالله عز وجل، ولا تنتظر شيئاً غير أن يأتيك الفرج بإذن الله عز وجل، أما أن ينتظر الإنسان رؤيا في المنام، أو يأمر غيره أن يصلي له، ويكثر الاستخارة ويقول: ما تبين لي شيء فكل هذا من حدث الناس، وهو غير هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى المسلم الاتباع ونبذ الابتداع. والله تعالى أعلم.
اشتراط الطهارة لسجود التلاوة
اشتراط الطهارة لسجود التلاوة Q هل تشترط الطهارة لسجود التلاوة؟ A هذا هو المحفوظ: أن السجود أُمِر فيه باستقبال القبلة والتكبير وما ورد من صفات الصلاة مما يدل على أنه آخذ حكمها، والنظر الصحيح دال على صحة هذا القول، ووجه ذلك: أن صلاة الجنازة تشتمل على القيام، وتشتمل على القراءة، وهذه أركان، ويشابهها سجود التلاوة؛ فإن سجود التلاوة فيه ركن السجود، والرفع من السجود مع وجود الذكر من تسبيح وسؤال الله عز وجل الخير، كما ورد في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول في سجود تلاوته: (سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين)، وفي الحديث الآخر: (اللهم اكتب لي بها أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك ونبيك داود)، فهذا ذكر، ولذلك خصه النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر، فيقوى إلحاق سجود التلاوة بصلاة الجنازة، وصلاة الجنازة قال الجمهور رحمهم الله بوجوب الوضوء فيها لحديث أبي هريرة: (لا صلاة بغير طهور)، وبناءً على ذلك فإذا كانت صلاة الجنازة مع اشتمالها على هذا القيام والتكبير الذي لا سجود فيه فإن في حكمها سجود التلاوة؛ لأنه مشتمل على جزء الصلاة، ولا فرق بين هذا وهذا من جهة النظر الصحيح. والله تعالى أعلم.
تكرار السجود بتكرار قراءة السجدة لمن يحفظ القرآن
تكرار السجود بتكرار قراءة السجدة لمن يحفظ القرآن Q إذا كان الإنسان يحفظ ومرت به سجدة التلاوة فهل يسجد عند كل إعادة؟ A إذا كان الإنسان يكرر آية السجدة فما أحلى وما أجمل وما ألذ تكرار السجود؛ لأنه من الذي يشرع له أن يكرر السجود غيره؟ فما يشرع لأحد أن يكرر السجود إلا بتكراره بالتلاوة، وهذا على سبيل الحفظ، ولذلك قالوا: لو قرأ وسجد ثم رجع مرة ثانية يقصد تكرار السجود كان مبتدعاً لكن هذا معذور لمكان الحفظ، فما ألذه من سجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط عنك بها خطيئة وكتب لك بها حسنة، فهذه نعمة عظيمة من الله عز وجل، وهذا هو الأفضل والأكمل. أما لو أخذ بقول جماهير العلماء، فجمهور العلماء يقولون: من حفظ وكرر فإنه يجزيه السجود لأول مرة، فيسجد السجدة الأولى ثم التكرار الباقي تبع للسجدة الأولى؛ لأنه لم يقصده، وقصده إنما وقع على سبيل التبع، والقاعدة أن المشقة تجلب التيسير والأمر إذا ضاق اتسع، قالوا: فيضيق عليه أنه كلما قرأ يسجد، لكن إذا كان لا مشقة عليه وكان يمكنه أن يكرر السجود فلا حرج، وهو حسن، وهو مأجور على ذلك. والله تعالى أعلم.
حكم من أحدث وهو ينوي الجلوس إلى الشروق
حكم من أحدث وهو ينوي الجلوس إلى الشروق Q إذا أحدث الإنسان فهل يخرج من المسجد للوضوء، ثم يرجع إلى مصلاه، أو يبقى حتى تطلع الشمس ثم يخرج ويتوضأ ثم يصلي الركعتين؟ A استحب بعض العلماء إذا أحدث أن يبقى حتى تطلع الشمس، ويجلس في ذكر حتى يصيب فضيلة: (جلس يذكر الله)، ثم يعذر في صلاة الركعتين لوجود الحدث، فيتوضأ ويصلي ركعتيه، فتقع حينئذٍ بعد انتهاء جلوسه، فكانت كما لو جلس ولم يحدث. والله تعالى أعلم.
نصيحة وتوجيه في صلة الأرحام
نصيحة وتوجيه في صلة الأرحام Q إلا لم أصل الأرحام بالزيارات ووصلتهم بالكلام معهم عبر الهاتف هل أعتبر قاطعاً للرحم؟ A الله المستعان وإلى الله المشتكى. صلة الرحم من أحب الأعمال وأفضلها عند الكبير المتعال، ولذلك عظّم الله شأنها ورفع الله قدرها، وأمر عباده أن يتقوه فيها: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [النساء:1]، فالأرحام أمرهم عظيم وشأنهم كبير، وصلة الرحم منسأةٌ في الأثر، وزيادة في العمر، وبسطٌ في الرزق، وتيسيرٌ في الخير، وقلّ أن يصل عبدٌ رحمه إلا خرج مسرور النفس منشرح الصدر قوي العزيمة على طاعة الله عز وجل، فمن أحب الأعمال بعد توحيد الله وبر الوالدين صلة الأرحام، ودخل صلوات الله وسلامه عليه المدينة فكانت أول الكلمات التي قالها: (أيها الناس! أطعموا الطعام، وأفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا جنة ربكم بسلام)، فمن وصل الرحم وصله الله، ففي الحديث القدسي: (إني أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها اسماً من اسمي، فأنا الرحمن وهي الرحم، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته)، فمن قطعه الله عز وجل فبئس -والله- حاله، ولذلك أخبر الله عز وجل أن من قطعها ملعون، وأنه لا ينتفع بخير ولا ذكر، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} [محمد:22 - 23]، قال بعض العلماء: أصمهم فإذا سمعوا موعظةً لا ينتفعون بها، (وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فإذا رأوا خيراً لا يهتدون إليه -والعياذ بالله- ولذلك تجد بعض الناس إذا ذكّرته بالله لا يتذكر، فهو قاسي القلب يتمنى أن يكون خاشعاً، وقد حالت الرحم بينه وبين الله عز وجل، فالرحم أمرها عظيم. وأوصيكم ونفسي -وخاصةً طلاب العلم- أن نتقي الله في الرحم، فكم من طالب علم يجد في قلبه الظلمة ويجد في نفسه الوحشة، وقد يبتلى ببعض الذنوب، وقد يبتلى ببعض المعاصي بسبب لعنة أصابته بقطيعة الرحم، فسل نفسك كلما مر عليك أسبوع متى عهدك بالرحم، ومتى عهدك بالعم، ومتى عهدك بالعمة، ومتى عهدك بالخال، ومتى عهدك بالخالة، ومتى عهدك بهذا القريب الضعيف، ومتى عهدك بذلك القريب المحتاج، وإذا وصلتهم أعظم الله أجرك، قال صلى الله عليه وسلم: (من أحب منكم أن ينسأ له في أثره، ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)، فهذه نعمةٌ عظيمة، ولذلك كان الناس بخير، وكنت تجد كبار السن فيهم الرحمة، وتجدهم دائماً يعصمون من كثير من الشرور والبلايا؛ إذ تجدهم من أوصل الناس للرحم. واليوم نشأت الناشئة ونشأ الشباب بعيدين عن الأرحام، حتى تجد الإنسان عهده بعمه في العيد، وهذا إذا كان يأتيه في العيد، بل إنه لا يكاد يعرف عمه إلا في المناسبات -نسأل الله السلامة والعافية-، بل إن بعضهم يستحي في المناسبات أن يسلم على عمه وخاله، فتكمل له القطيعة حتى تكمل عليه لعنة الله والعياذ بالله. والله عز وجل يقطع من قطع الرحم ولو كان أقرب الناس منه، فإن قطيعة الرحم أمرها عظيم، ولقد توعد الله عز وجل من يقطعها أن يقطعه، ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يتنبه لهذا الأمر، وقد تجد الرجل صالحاً لكنه قاطع للرحم من حيث لا يشعر، فهذا أمر يحتاج طالب العلم دائماً أن يضعه في حسبانه، ويسأل نفسه دائماً عن عهده بالعم والعمة والخال والخالة، والأقارب والأرحام، خاصةً إذا كانوا محتاجين، وإذا وصلت الرحم وكان له حقٌ عليك -كأن يكون كبير سن- فعظمه وأجله، فقد دخل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر فقام له يجر رداءه صلوات الله وسلامه عليه، فالتزمه وقبّل بين عينيه. فمن آداب الإسلام وشعائر الإسلام إجلال ذي الرحم، خاصةً إذا كان كبير سن، أو كان من أهل العلم والفضل وبينك وبينه رحم فينبغي أن توصل، بل إن الرحم قد تكون من أجل المصاهرة، ولو كانت في طبقة عالية، فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنكم ستفتحون أرضاً يذكر فيها القيراط -وهي مصر-، فاستوصوا بأهلها خيراً فإن لهم رحماً)؛ لأن أم إسماعيل منهم، وكذلك مارية أم إبراهيم منهم، فأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بها لوجود الرحم البعيد، فكيف بالرحم القريب كالعم والخال؟! فلذلك ينبغي للإنسان أن يحرص كل الحرص على صلة رحمه، وإذا دخلت على العم فقبّل بين عينيه، ولو كان أصغر منك سناً عظمه وأجله؛ فإن جعفراً دون النبي صلى الله عليه وسلم في الفضل، ومع ذلك قبّل النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه؛ لكي يرسم للأمة المنهج في صلة الرحم، وينبغي عليك مع صلة الرحم أن تعوّد أبناءك وبناتك وتأخذهم معك، فيا لها من نعمةٍ عظيمة إذا نشأت أبناءك على صلة الرحم، ووالله ما خرجت بابنك إلى صلة عم أو عمة أو خال أو خالة فاغبرت قدمه إلا كان لك أجره، ولن يحافظ من بعد موتك على صلة رحم إلا أجرت كأجره؛ لأنه ما عرف صلة الرحم إلا بك، فإذا نشأت أبناءك على هذا الخير وعودتهم على صلة الرحم وجعلت فيهم حب القرابة والميل إلى القرابة آجرك الله وعظّم ثوابك، وفتح لك أبواب الخير، بل يسعدك حتى في هذا الابن؛ لأن الابن الذي ينشأ على صلة الرحم يكون فيه رحمة من الله عز وجل، فينبغي التواصي بهذا الأمر، ولذلك لما سأل هرقل أبا سفيان: بماذا يأمركم؟ قال: يقول: اعبد الله ولا تشركوا به شيئاً. ويأمرنا بصلة الرحم، فكانت من الأمور الهامة التي اعتنى بها النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته صلة الرحم. وينبغي دائماً على طلاب العلم أن يحيوا هذا الأمر في المساجد في كلمة بعد الصلاة تذكر فيها الناس بصلة الرحم، وكذلك الأئمة والخطباء، ولو بكلمة عابرة في الشهر، أو على الأقل في العام تذكر فيها بحق الرحم؛ حتى تنشأ الناس على التواصل والرحمة. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
أوقات النهي في الصلاة
شرح زاد المستقنع - أوقات النهي في الصلاة جاء النهي عن الصلاة في خمسة أوقات: بعد صلاة الفجر، وعند طلوع الشمس، وعند انتصاف الشمس في السماء، وبعد صلاة العصر، وعند الغروب، وهذا النهي يتعلق بالنوافل، واختلف في إيقاع بعض النوافل في وقت النهي، وكذلك قضاء الفرائض.
أوقات النهي عن صلاة التطوع
أوقات النهي عن صلاة التطوع بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [وأوقات النهي خمسة]. بعد أن بيّن لنا رحمه الله أنواع النوافل شرع في بيان الأوقات التي يمنع فيها الإنسان من فعل النافلة؛ لأن الكلام عن الصلاة يستلزم بيان مواقيتها، ولذلك يقول العلماء: إن لصلاة النافلة ميقاتاً، يعنون بذلك ألا تقع في وقت النهي. والوقت: مأخوذ من وقّت الشيء يؤقته تأقيتاً إذا حدده فإما أن يحدد بالزمان أو يحدد بالمكان، فالحدود الزمانية مواقيت، والحدود المكانية مواقيت، ومواقيت الصلاة التي ذكرها هنا مواقيت زمانية. قوله: [وأوقات النهي] أي: الأوقات التي ينهى فيها عن الصلاة، وهذا راجع إلى الزمان، وجمعها رحمة الله عليه لأنها أكثر من وقت، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيقاع الصلاة فيها، وهي على التفصيل الآتي: الأول: من بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، الثاني: من بعد طلوعها حتى تبلغ قيد رمح، الثالث: حين يقوم قائم الظهيرة -أي: حالة انتصاف الشمس في كبد السماء كما سيأتي-، والوقت الرابع: من بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، الخامس: من الغروب حتى يتم الغروب، فهذه خمسة مواقيت ينهى فيها عن صلاة النافلة، والأصل في ذلك حديث عبد الله بن عباس في الصحيحين قال رضي الله عنه: (شهد عندي رجال مرضيون -وأرضاهم عندي عمر - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس)، وفي الحديث الصحيح قال: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة)، وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (فإذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس؛ فإنها تطلع بين قرني شيطان)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأوقات الثلاثة -التي تنقسم بالتفصيل إلى خمسة- عن إيقاع الصلاة، والمراد بهذا صلاة النافلة.
حكم قضاء الفريضة في وقت النهي
حكم قضاء الفريضة في وقت النهي لو أنك نمت عن صلاة الفجر، واستيقظت فتوضأت ثم صليت فأوقعت ركعة قبل الطلوع، ثم أثناء أدائك للركعة الثانية طلعت عليك الشمس، فهل تتم الصلاة، أو تقطعها؟ في هذا قولان للعلماء: فمذهب جمهور العلماء أن النهي لا يشمل الفرائض، وأن الفريضة مستثناة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن إدراكك للركعة قبل الطلوع يوجب إدراكك لصلاة الصبح، وكذلك إدراكك لها قبل الغروب يوجب الحكم بكونك مدركاً للعصر، وهذا لا يتّأتى إلا إذا أتممت الصلاة؛ لأنك لو قطعتها لكنت كمن أداها بعد الطلوع وبعد الغروب. وبناءً على هذا الحديث الصحيح ثبت أن من طلعت عليه الشمس أثناء أدائه لصلاةٍ مفروضة فإنه يتم الصلاة ولا يقطعها. وذهب الإمام أبو حنيفة رحمة الله عليه إلى أنه إذا طلعت عليك الشمس وأنت في صلاة الصبح، أو غربت عليك وأنت في صلاة العصر، أو في غيرهما من الفرائض فإنك تقطع الصلاة لظاهر الحديث الذي تقدم: (لا صلاة بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس). والصحيح ما ذهب إليه الجمهور؛ فإن الحديث نصٌ في موضع النزاع، وهو دال على أن من أدرك الركعة قبل الطلوع فقد أدرك الصبح، ومن أدركها قبل الغروب فقد أدرك العصر. وهنا أيضاً مسألة ثانية في قوله رحمه الله: [وأوقات النهي] حيث تقيد بالنافلة ولا تشمل الفرائض، والنوافل على قسمين: نافلة لها سبب، ونافلة لا سبب لها، ثم النافلة ذات السبب على صور، وسيأتي إن شاء الله الكلام على أحوال الأسباب المتقدمة والمصاحبة والمتراخية. من العلماء من يقول: إن النهي يتبدئ من صلاة الصبح حتى تطلع الشمس. ومنهم من يقول: من طلوع الفجر الثاني. والفرق بين القولين يظهر في مسألة خلافية، وهي: لو أذن أذان الصبح هل يجوز لك أن تتنفل غير راتبة الصبح؟ فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه لا يصلي الإنسان بعد أذان الصبح إلا راتبة الصبح، حتى قالوا: إذا دخل المسجد فإنه ينوي تحية المسجد تحت راتبة الصبح. كل ذلك تشديدٌ لمنع غير الراتبة بين الأذان والإقامة في الصبح، وهذا فيه الحديث الصحيح: (لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر)، قالوا: إنه يحمل على هذا. وبناءً على ذلك قالوا: إنه لا يصلي بعد أذان الصبح إلا راتبة الفجر، وأما غيرها فلا يصليها. وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للإنسان أن يصلي بعد أذان الفجر بين الأذان والإقامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا صليت العشاء فصلّ فإن الصلاة حاضرة مشهودة حتى تصلي الصبح، فإذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس) الحديث، وهو حديث صحيح، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز للصحابي أن يتنفل بعد العشاء ما لم يصلّ الفجر، فدل على أن ما بين الأذان والإقامة من الفجر وقت نافلة. أما الذين قالوا: إنه لا يتنفل فقد احتجوا بالحديث الذي فيه النهي، وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ركعتي الفجر -التي هي الرغيبة- ثم اضطجع ولم يصلّ، فدل على أنه ليس بوقت نافلة. لكن أجيب عن ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان متهجداً، وأراد أن يتقوى على الفريضة؛ لأن تهجده عليه الصلاة والسلام كان طويلاً حتى تفطرت قدماه فيه، فكان يصلي بالبقرة وآل عمران والنساء في ركعةٍ واحدة، فهذا يأخذ من الجهد شيئاً كثيراً، ويحتاج بعد الأذان أن يستجم حتى يقوى على الصلاة، خاصة أنه كان يقرأ في صلاة الصبح -كما في حديث أبي برزة في الصحيح- من الستين إلى المائة آية، فاضطجاعه بين الأذان والإقامة ليس لتحريم الصلاة، وإنما ليتقوى على صلاة الفجر. فالذي يترجح أنه لا حرج في إيقاع النوافل بين الأذان والإقامة؛ لأن الأصل جواز ذلك، وأما حديث: (لا صلاة بعد الصبح إلا ركعتي الفجر) فالمراد بذلك على أحد الوجهين أنه يقضي رغيبة الفجر بعد صلاة الصبح، وفي ذلك أحاديث أخرى صحيحة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم رخّص في استثناء ركعتي الرغيبة بعد صلاة الصبح.
حكم قضاء الرغيبة وقت النهي
حكم قضاء الرغيبة وقت النهي المسألة الثانية: من نام حتى سمع الإقامة، أو نام حتى سمع الأذان، وأثناء تهيؤه لصلاة الفجر أقيمت الصلاة، فلم يتمكن من الرغيبة، فهل يصلي الرغيبة بعد صلاة الصبح، أم ينتظر إلى طلوع الشمس؟ للعلماء وجهان: فذهب الجمهور إلى أنه ينتظر إلى أن تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قضى رغيبة الفجر. وفي ذلك أحاديث صحيحة، منها ما صرح فيه النبي صلى الله عليه وسلم بتأخيرها إلى ما بعد طلوع الشمس، ومنها -أيضاً- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نام عن حزبه من الليل فقرأه ما بين طلوع الشمس وزوالها -أو صلاة الظهر كما في الرواية الثانية- كتب له كأنما صلاه من ساعته) قالوا: فإذا كان هذا في صلاة الليل فمن باب أولى في رغيبة الفجر التي هي بين أذان الفجر وإقامته وهذا القول هو أحوط الأقوال، لكن لو كان الإنسان يخشى أن ينسى رغيبة الفجر، أو يخشى أن تفوته فحينئذٍ لو صلاها بعد صلاة الفجر فلا حرج عليه إن شاء الله.
النهي عن النافلة في الساعات الثلاث
النهي عن النافلة في الساعات الثلاث المسألة الثالثة: أجمعوا على أنه أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء بقاء الشمس في كبد السماء لا تصلى النوافل، وهذا الإجماع يحكيه طائفة من علماء الإجماع، حتى ذوات الأسباب لا تصلى؛ لأن النص فيها صريح، وهو قوله: (ثلاث ساعات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن أو أن نقبر موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تغرب، وحين يقوم قائم الظهيرة)، فهذه الثلاث الساعات نهي عن الصلاة فيها، قالوا: فلا تصلى النافلة في أثناء الطلوع وأثناء الغروب وأثناء انتصافها في كبد السماء، خاصةً في أثناء انتصافها في كبد السماء؛ لأنها ساعة عذاب وليست بساعة رحمة -والعياذ بالله- ولذلك نهى عن قبر الموتى فيها، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة السلام أنه قال: (فإذا انتصفت الشمس في كبد السماء فأمسك عن الصلاة؛ فإنها ساعةٌ تسجر فيها جهنم). قال رحمه الله: [من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس، ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح]. دل حديث ابن عباس المتقدم على النهي عن الصلاة من بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس. والعبرة بصلاتك لا بصلاة الناس، توضيح ذلك: لو أنك دخلت المسجد بعد انتهاء الجماعة فصليت رغيبة الفجر، أو صليت تحية المسجد، ثم أقمت للصبح فلا حرج؛ لأنه قال: (لا صلاة بعد صلاة الصبح)، فلذلك العبرة بفعلك لصلاة الصبح، وعلى هذا: فلو أوقعت النافلة قبل أدائك لصلاة الصبح فلا حرج. وقوله: [ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح] دلّ عليه حديث العيدين: (كان صلى الله عليه وسلم يصلي الأضحى والشمس على قيد رمح، ويصلي الفطر والشمس على قيد رمحين)، وقد بينا فيما سبق أنه أخّر الفطر وعجّل الأضحى؛ لأن الناس يحتاجون في عيد الأضحى إلى الوقت حتى تقع الأضحية في الضحى، وفي صلاة الفطر الناس يحتاجون إلى الوقت لإخراج زكاة الفطر، فأخّر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الفطر إلى قيد رمحين، وقدم صلاة الأضحى إلى قيد رمح، فأخذوا من كونه عليه الصلاة والسلام يوقع صلاة الأضحى على قيد رمح أن وقت النهي ينتهي بارتفاع الشمس قيد رمح.
تسعير جهنم عند انتصاف الشمس في السماء
تسعير جهنم عند انتصاف الشمس في السماء قال رحمه الله: [وعند قيامها حتى تزول]. قوله: [وعند قيامها] أي: انتصافها في كبد السماء؛ لأن الشمس تسير من المشرق إلى المغرب، فإذا جاءت في منتصف السماء الذي هو منتصف النهار وقفت لحظات، وبعض العلماء يقول: من ثلاث دقائق إلى خمس دقائق تقف ولا تتحرك، وهذا الوقوف تسعر عنده -والعياذ بالله- جهنم، وعلى صفة الله أعلم بها، وهذا أمر يرد غيبه إلى الله عز وجل، وقد تجد من أهل الفلسفة والعقل من لا يتصور ذلك، ويقول: كيف هذا، وهي تسير على الأرض كلها، فما من فترة إلا وهي تقف فيها؟ فنقول: هذا أمرٌ مردهُ إلى الله، كالنزول في الثلث الآخر من الليل، فهذه أمور نسلم ونؤمن بحقيقتها، والله أعلم بالكيفية التي تقع عليها، فتسعير جنهم مردهُ إلى الله عز وجل، لكن نؤمن بأنها تسعر كما أخبر صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، ولذلك قال العلماء: إنها ساعة عذاب وليست بساعة رحمة، ولذلك يمسك عن الصلاة في وقتها. ومن هنا قال بعض العلماء: إن مواطن العذاب لا يصلى فيها، فكما أن ساعات العذاب لا يصلى فيها فكذلك مواطن العذاب لا يصلى فيها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم لما مر على ديار ثمود التي تسمى مدائن صالح: (لا تدخلوها إلا وأنتم باكون أو متباكون، لا يصيبكم ما أصابهم) وضرب دابته وأسرع، حتى إنه أرخى عليه الصلاة والسلام رداءه على عينيه، كأنه يقول: إني مؤمن ولو لم أر. وهذا يدل على أن مواطن العذاب لا ينبغي الجلوس فيها، كذلك قالوا: ولا يصلى فيها حتى قال بعض العلماء ببطلان الصلاة فيها كمواطن الغصب.
النهي عن التطوع بعد صلاة العصر إلى الغروب
النهي عن التطوع بعد صلاة العصر إلى الغروب قال رحمه الله: [ومن صلاة العصر إلى غروبها]. أي: غروب الشمس، لحديث ابن عباس المتقدم. قال رحمه الله: [وإذا شرعت فيه حتى يتم]. أي: وإذا شرعت الشمس في الغروب حتى يتم، أي: حتى يتم غروبها. بمعنى: تتوارى في الحجاب فإذا توارت الشمس في الحجاب فحينئذٍ تم غروبها، قال بعض العلماء: العبرة بتواريها في الحجاب، وذهاب الحجاب ليس بشرط ومن أهل العلم من قال: ذهاب الحجاب شرطٌ لصلاة المغرب وبناءً على ذلك طردوا النهي فيه، فقالوا: يمسك بعد غروبها إلى قدر ما تتوارى بالحجاب والصحيح أنها إذا توارت بالحجاب وسقطت فقد حل إيقاع الصلاة، ويجوز للإنسان أن يتنفل بين الأذان والإقامة في ذلك الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، وقال في الثالثة: لمن شاء). وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: (ولقد رأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتدرون السواري -أي: يسرعون إلى السواري لأجل أن يجعلوها سترة- حتى لو دخل الداخل ظن أن الصلاة قد أقيمت)، من كثرة من يصلون. قال رحمه الله: [ويجوز قضاء الفرائض فيها]. إذا استيقظت بعد صلاة العصر ولم تصل الظهر فيجوز لك أن تقضيها وتصليها في هذا الوقت.
حكم إيقاع ركعتي الطواف وقت النهي
حكم إيقاع ركعتي الطواف وقت النهي وأما ركعتي الطواف فاختُلف في إيقاعها في الأوقات المنهي عنها: فقال بعض أهل العلم رحمة الله عليهم: يجوز فيها إيقاع ركعتي الطواف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أي رجلٍ طاف بهذا البيت وصلى أي ساعةٍ شاء من ليلٍ أو نهار)، فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم عمم، ثم قالوا: إن ركعتي الطواف لهما سبب، وكل ما له سبب يجوز إيقاعه بعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر، ولا حرج في فعل هذا، وهذا القول هو منصوص الشافعية والحنابلة رحمة الله عليهم. وذهب طائفة من أهل العلم -وهو مذهب الحنفية والمالكية، وبعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله عليهم- إلى أن ركعتي الطواف لا تفعل بعد صلاة الصبح ولا بعد صلاة العصر ولا حين يقوم قائم الظهيرة، وذلك لأنهم قالوا: إن العموم مخصص، ولأن النهي عن فعل الصلاة في هذا الوقت نصٌ في موضع النزاع، ولأن القاعدة في الأصول أنه إذا تعارض نصان أحدهما نهيٌ والثاني أمر يقدم النهي على الأمر. فركعتا الطواف أبلغ ما فيها إذا كانت عن طواف واجب أنها واجبة، فتعارض النهي عن فعل الصلاة والأمر بفعلها فيقدم النهي. والوجه الثاني للترجيح: أنه إذا تعارض نصان وعمل الخلفاء الراشدون أو واحد منهم بواحد من النصين كان مرجحاً، فلما تعارض حديث يدل على جواز فعل ركعتي الطواف على العموم وحديث أوقات النهي قلنا: نرجع إلى الخلفاء الراشدين، فنجد عمر رضي الله عنه كان يؤخر ركعتي الطواف حتى تطلع الشمس وحتى تغرب. وفي الأثر الصحيح عنه الذي رواه مالك في الموطأ: أنه طاف طواف الوداع بعد صلاة الصبح، فأخر ركعتي الطواف إلى ذي طوى وهذا بمحضرٍ من الصحابة وباطلاعٍ منهم ولم ينكر عليه أحد، فكان هذا مرجحاً. والوجه الثالث لرجحان مذهب من يقول بالمنع: أنَّ حديث: (يا بني عبد مناف) عام دخله التخصيص، ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، وبناءً على ذلك لو أنه استأنف الصلاة بعد المكتوبة لمنع، فدخل العموم التخصيص، ولذلك قالوا: إنه إذا دخل النص العام التخصيص لم يصح الاستدلال بعمومه، مع أنهم يقولون: إنه عام ويخص بالأوقات والقاعدة: (لا تعارض بين عام وخاص)، فقوله: (يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أي ساعة شاء من ليل أو نهار)، نقول هذا عام، وجاءت أحاديث المواقيت خاصة، فيخص العموم للقاعدة: لا تعارض بين عام وخاص. وهذا المذهب لا شك أنه أحوط وأسلم، خاصةً أنه لو أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد الطلوع أو الغروب خرج من الخلاف ولم يحصل له محظور، لكن لو فعلها في وقت النهي شك هل تجزيه أو لا تجزيه. وبناءً على ذلك يحتاط الإنسان لإيقاعها بعد الطلوع وبعد الغروب، والله تعالى أعلم.
حكم إعادة الجماعة وقت النهي
حكم إعادة الجماعة وقت النهي قال رحمه الله: [وإعادة جماعة]. هذه المسألة ثبت فيها الحديث الصحيح، ولكن المقصود بها أعلى، حتى قال بعض العلماء: إن إعادة الجماعة واجبة. صورة ذلك: لو أنك صليت الصبح في بيتك، ثم طلبت رجلاً في مسجد فدخلت فإذا الناس يصلون صلاة الصبح، فإنه يجب عليك أن تدخل معهم، وذلك لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى بالناس الفجر في الخيف -خيف منى-، فرأى رجلين لم يصليا فقال: عليّ بهما فأتي بهما ترعد فرائصهما من الخوف، قال: ما منعكما أن تصليا معنا ألستما بمسلمين؟ قالا: يا رسول الله! صلينا في رحالنا قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة)، ووجه الدلالة أنه قال: (فصليا) فأمر، فقالوا: إن الوجوب فيها آكد من الوجوب في ركعتي الدخول إلى المسجد، قالوا: لأن الإسلام منع من الشذوذ، وجواز عدم الصلاة مع الجماعة فيه فتح بابٍ ليدخل الرجل ويجلس والجماعة تصلي، ولذلك حارب الإسلام هذا الشذوذ، وأمر من دخل المسجد ولو كان قد صلى أن يصلي مع الجماعة، ولذلك قال: (ألستما بمسلمين؟)، فأمر بالدخول في جماعة المسلمين، ولذلك قالوا: شدد في هذا وعلى هذا قالوا: تعاد الجماعة، واختلف العلماء في إعادة الجماعة: فمنهم من يقول: تعاد الجماعة في كل الصلوات، فإذا دخلت المسجد وقد صليت تعيد في جميع الصلوات، سواءٌ أدخلت في صبح أم ظهر أ/ عصر أم مغرب أم عشاء لظاهر هذا الحديث: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا)، فهذا عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه. ومنهم من قال: لا تعاد أي صلاة صلاها المكلف، وقالوا: إن هذا الحديث منسوخ بحديث ميمونة: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعاد الصلاة مرتين). والقول الثالث يقول: تعاد في جميع الصلوات ما عدا صلاة الصبح وصلاة العصر، للنهي عن النافلة بعد الصبح وبعد العصر. ومنهم من قال: تعاد في جميع الصلوات إلا صلاة الصبح والعصر والمغرب؛ لأن المغرب وترية، ولا وتران في ليلة. فحاصل أقوال العلماء رحمة الله عليهم في المسألة تتلخص في هذه الأربعة الأقوال. وأصحها -والعلم عند الله- أن الصلوات جميعها تعاد، وذلك لصحة دلالة النص الذي معنا، حيث إنه نصٌ في موضع النزاع، أما من قال باستثناء الصبح والعصر فجوابه أن الحديث ورد في صلاة الصبح، وهو نصٌ في وقتٍ منهي عنه، وفيه الأمر، ولذلك يعتبر مستثنى. أما من قال: بالنسخ فالقاعدة أن النسخ لا يثبت إلا بإثبات أن الناسخ متأخر عن المنسوخ ولا دليل هنا، بل لو قال: إن الأمر بإعادة الصلاة آخر ما كان لكان أقوى؛ لأنه وقع من النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، ومعلوم أن حجة الوداع توفي النبي صلى الله عليه وسلم بعدها بفترة وجيزة، ولذلك الذي يقوى أن حديث الأمر بإعادة الصلاة لم يدخله النسخ، ويقوي هذا حديث أبي ذر: (كيف بك إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة إلى شرق الموتى؟ قال: فما تأمرني يا رسول الله! قال: صلّ الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم)، والقاعدة في الأصول: (النسخ لا يثبت في الأخبار)، فقال له: (صلها معهم)، فأعطاه حكماً إلى ما بعد وفاته، فدلّ على أن هذا الحكم غير منسوخ، ولهذه الأوجه يقوى القول بأنها تعاد الصلوات كلها، ويبقى الإشكال: كيف نجيب عن حديث: (نهى أن تعاد الصلاة مرتين)؟ فيجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إعادتها لمن يعتقد أن كلتا الصلاتين فرض، بمعنى: يعيد الصلاة الثانية على أنها فرض أيضاً، فيحتسب أجر الأولى فريضة والثانية فريضة، وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة على أن الثانية نافلة، والقاعدة في الأصول: لا تعارض بين نصين إلا إذا اتحد موردهما، وهنا النصان اختلف موردهما، فالنهي وارد لمن يعتقد الفريضة في الاثنتين، والأمر بالإعادة لمن يعتقد النافلة في الثانية، فلا تعارض بينهما، وهذا جمع بين النصين.
حكم فعل ذوات الأسباب وقت النهي
حكم فعل ذوات الأسباب وقت النهي قال رحمه الله: [ويحرم تطوع بغيرها في شيء من الأوقات الخمسة حتى ما له سبب]. هذا مذهب الجمهور، وهو أنك لا تصلي بعد العصر وبعد الصبح حتى ذوات الأسباب، والصلاة التي لها سبب ينقسم سببها إلى ثلاثة أقسام: السبب السابق، والسبب المصاحب، والسبب المتراخي، فيكون السبب سابقاً كدخول المسجد، فإن تحية المسجد وجبت لسبب سابق وهو دخولك المسجد، ولذلك قالوا: إن السبب إذا كان سابقاً أثّر وإذا كان مقارناً أثر، وأما إذا كان لاحقاً فإنه لا يؤثر، فإن كان السبب سابقاً كالدخول للمسجد وركعتي الطواف فإنهم قالوا: تصلي. أما إذا كان السبب مصاحباً كما لو كسفت الشمس واستمر كسوفها إلى ما بعد صلاة العصر فإنك تصلي صلاة الكسوف، وعند الجمهور لا تصلي، والسبب المتراخي يكون بعد الصلاة، فتشرع الصلاة لسبب بعدها، ومن أمثلته: الاستخارة، فهنا لا يجوز لك أن تصلي بعد الصبح وبعد العصر بالإجماع قولاً واحداً، فهذه أحوال السبب الثلاثة، وهي: أن يكون سابقاً كتحية المسجد وركعتي الطواف، وأن يكون مقارناً كالكسوف، وأن يكون متراخياً كمسألة الاستخارة. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب صلاة الجماعة [1]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [1] فرض الله تعالى على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة، وأوجب عليهم أن يؤدوها جماعة مع المسلمين، فصلاة الجماعة واجبة على الرجال دون النساء، ولها حكم وفوائد عظيمة، وأحامها معلومة في بابها، ومنها: حكم صلاة الجماعة في البيت، وصلاة أهل الثغور في المسجد الجامع وغيرها.
أحكام صلاة الجماعة
أحكام صلاة الجماعة
مشروعية صلاة الجماعة
مشروعية صلاة الجماعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الجماعة]. وهذه الترجمة تشتمل على مضاف ومضاف إليه، وذلك في قوله [صلاة الجماعة]، وقد تقدم معنا تعريف الصلاة لغة واصطلاحاً. وأما الجماعة فإنها مأخوذة من قولهم: جمع الشيء إلى الشيء إذا ضمه إليه، فأصل الاجتماع الانضمام، وسميت الجماعة جماعة لانضمام أفرادها بعضهم إلى بعض. وقد ائتسى العلماء والفقهاء رحمة الله عليهم في هذه الترجمة برسول الله صلى الله عليه وسلم في تسميته لهذا النوع من الصلوات التي تقع على صورة الاجتماع، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين) وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة)، فقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة بهذا الوصف، فمن الفقهاء من يقول: (باب صلاة الجماعة) مراعاة لهذا الحديث، ومنهم من يقول: (باب الإمامة) وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح لـ مالك بن حويرث وأخيه الذي كان معه من قومه: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وليؤمكما أكبركما)، فقال: (وليؤمكما)، وقال كما في الصحيح من حديث ابن مسعود: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فعبر بالإمامة. فبعض العلماء يقول: (باب صلاة الجماعة)، وبعضهم يقول: (باب الإمامة) والمعنى واحد، أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بصلاة الجماعة، وتقوم الجماعة على ربط المأموم صلاته بالإمام، فيتابعه قولاً وفعلاً كما يتابعه مكاناً، فلا يتقدم على الإمام من جهته، وذلك مراعاة لهذا الائتمام. والإمامة مأخوذة من أمَّ الشيء يؤمه إذا قصده. وهي هنا: ربط المأموم صلاته بالإمام، ويقع هذا الربط بصورة مخصوصة بيّن الشرع حكمها كما في دليل الكتاب في صلاة الخوف، وكذلك أدلة السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد شرع الله صلاة الجماعة في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وبفعله عليه الصلاة والسلام، وكذلك أجمع العلماء رحمة الله عليهم على مشروعيتها. أما دليل الكتاب على مشروعية هذا النوع من الصلاة فقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله تبارك وتعالى أمر نبيه عليه الصلاة والسلام أن يقوم بالطائفة، وذلك في صلاة الخوف، وإذا كانت الجماعة مشروعة في حال الخوف فمن باب أولى وأحرى أن تشرع حال الأمن والطمأنينة، ولذلك دلت هذه الآية الكريمة على مشروعية صلاة الجماعة، كما يقول العلماء، واحتج بعض أهل العلم بدليل الكتاب في قوله سبحانه: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة:43]، ووجه الدلالة أن هذه الآية الكريمة أمرت بني إسرائيل أن يركع بعضهم مع بعض، وشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وهنا ورد شرعنا بما يوافقه. وأما دليل السنة فأحاديث صحيحة، منها حديث ابن عمر في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية صلاة الجماعة، وأنها أفضل من صلاة الفذ، وذلك لما ذكر من الدرجات، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث مالك بن حويرث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكما أحدكما، وليؤمكما أكبركما)، فدلت هذه الأحاديث وغيرها من الأحاديث الصحيحة على مشروعية صلاة الجماعة، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجماعة، بل إنه حين وطئت قدمه طيبة الطيبة بعد نزوله من قباء كان أول ما فعل أن اختط مسجده صلوات الله وسلامه عليه تأكيداً لأهمية الصلاة في المساجد وفي بيوت الله عز وجل. فالصلاة إذا ثبتت مشروعيتها، وتبين لنا أنها مشروعة بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينبغي أن يعلم أنه قد أجمع العلماء رحمة الله عليهم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على مشروعيتها. وهذه المشروعية لها فضائل ونوائل تعود على الإنسان بالخير في دينه ودنياه وآخرته، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: شرع الله صلاة الجماعة وجعل فيها الخير للفرد وللمجتمع وللأمة كلها، وهذا الخير لا يقتصر على خير الدين بل يشمل حتى خير الدنيا، ويقولون: إن صلاة الجماعة تعود على الإنسان بالخير في دينه، فمن خيراتها في دينه أن الله يكفر بها سيئاته ويرفع بها درجاته، والدليل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ كثرة الخطا إلى المساجد)، وإنما يأتي الإنسان إلى المساجد تحصيلاً لصلاة الجماعة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الرجل في مسجده تضعف على صلاته في بيته وسوقه خمساً وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يخط خطوة إلا كتبت له بها حسنة، ورفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الفضل من كونها تكفر خطايا العبد وترفع درجاته، وكفى بذلك فضلاً ونبلاً للإنسان، مع أن فيها إيماناً واهتداءً، ولذلك يعمر المسلم بيوت الله بشهود صلاة الجماعة، وأثنى الله عز وجل على من كان متخلقاً بذلك ومتصفاً به بقوله: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه من أهل الإيمان، وأن مآله إلى الاهتداء، وكان العلماء رحمة الله عليهم إذا لمسوا من الإنسان ضعفاً في دينه سألوه عن الصلاة مع الجماعة. فصلاة الجماعة جعل الله فيها هذه الخيرات الدينية للفرد والمجتمع، فبها يتواصل الناس ويتراحمون؛ لأن الإنسان إذا غاب عن المسجد لمرض أو عاهة أو بلاء علم الناس ذلك واطّلعوا عليه وأدركوه بتخلفه عن الصلاة مع الجماعة، خاصة إذا كان من المحافظين والمداومين عليها، ومع ما فيها من جوار لله عز وجل، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي)، فهذه نعم عظيمة وخيرات كثيرة، وبشهود الناس لصلاة الجماعة تتحقق أواصر المحبة للمجتمع، فهذا يلقى أخاه يسلم عليه، ويسأله عن حاله، ويعين الضعيف، ويفرج كربة المكروب، إلى غير ذلك من الخيرات التي جعلها الله عز وجل في هذه الصلاة.
حكم صلاة الجماعة
حكم صلاة الجماعة قال المصنف رحمه الله تعالى: [تلزم الرجال للصلوات الخمس لا شرط]. قوله: (تلزم) الضمير عائد إلى صلاة الجماعة، أي: تجب. والمراد بالتعبير باللزوم الدلالة على أنها واجبة لازمة في ذمة المكلف، لكنه قال: (تلزم الرجال)، ومفهوم قوله: (الرجال) أنها لا تلزم النساء، وهذا بإجماع العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك كان من تعبير العلماء أن قالوا: ليس على النساء جمعة ولا جماعة. أي: ليس على النساء أن يشهدن الجمعة ولا الجماعة، وهذا من باب درء المفاسد؛ إذ إنه لو أذن للنساء كلهن بالخروج لكان في ذلك مفاسد عظيمة وأضرار كثيرة لوجود العبء عليهن بالخروج. وقوله: (تلزم الرجال) هذه الجملة ظاهرها أن كل مسلم بالغ من الرجال يجب عليه أن يشهد الصلاة مع الجماعة، والمراد بذلك الصلوات الخمس، وهذا الحكم اختلف العلماء رحمة الله عليهم فيه على قولين: فذهب الإمام أحمد وداود الظاهري -وهو قول مأثور عن جمع من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان- إلى أن صلاة الجماعة واجبة على كل بالغٍ ذكر، وأنه إذا تخلف عنها من غير عذر يعتبر آثماً. ووافقه على هذا القول بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة والشافعي رحمة الله على الجميع، فعند أصحاب هذا القول أن صلاة الجماعة لازمة، ولا يجوز للمسلم أن يتخلف عنها إلا إذا وجد عنده عذر من مرض يحبسه أو نحو ذلك. القول الثاني: أن الصلاة ليست واجبة على الرجل. وبهذا قال جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية رحمة الله على الجميع. وقد استدل أصحاب القول الأول الذين قالوا بالوجوب بدليل الكتاب والسنة والأثر: أما دليلهم من الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102]، ووجه الدلالة من هذه الآية الكريمة أن الله عز وجل قال: (فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) وهذا أمر، والأمر للوجوب، ثم أمر الطائفة الثانية التي تخلفت بالشهود فقال تعالى: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء:102]، قالوا: فدلت هذه الآية الكريمة على وجوب صلاة الجماعة، وذلك في حال الخوف، فلأن تجب في حال الأمن والسلامة من باب أولى وأحرى. وكذلك استدلوا بدليل السنة، وذلك بأحاديث: الأول: حديث أبي هريرة رضي الله الثابت في صحيح مسلم: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أعمى فقال: يا رسول الله! إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد. فرخص له، فلما ولّى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال: نعم. قال: فأجب، فإني لا أجد لك رخصة) رواه مسلم. ووجه الدلالة من هذا الحديث أن هذا الرجل الأعمى مع وجود المشقة والعناء عليه بشهود الجماعة أمره النبي صلى الله عليه وسلم بها، فدل على أنها واجبة لازمة، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (فأجب)، وهذا أمر، والأمر للوجوب، وقال: (فإني لا أجد لك رخصة)، فدل على اللزوم، وأن من تخلف عن الجماعة آثم. الدليل الثاني: حديث أبي هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الجماعة فأحرّق عليهم بيوتهم). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في هذا الحديث أنه سيعاقب من تخلف عن الجماعة، وأنه همَّ بمعاقبة من لا يشهد هذه الصلاة، ولا ترد العقوبة إلا على ترك واجب أو على فعل محرم، فدل على أن شهود الجماعة واجب، وأن التخلف عنها من غير ضرورة ولا عذر محرم. الدليل الثالث: حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة وغيره. ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم بين في هذا الحديث أن من لم يشهد الجماعة فلا صلاة له إلا من عذر، فدل على أنها واجبة لازمة، فهذا حاصل ما احتج به أصحاب القول الأول من دليل الكتاب والسنة. وأما دليلهم من الأثر فما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هذه الصلوات حيث ينادى بهن؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو تركتموها لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان يؤتى بالرجل يهادى بين الرجلين فيقام في الصف. ووجه الدلالة من هذا الأثر أن هذا الصحابي الجليل الموسوم بالفقه والعلم والعمل أخبر عن أهمية هذه الصلاة، وأنها بمثابة اللازم الواجب الذي لو ترك لضل العبد بتركه، وهذا كله يؤكد وجوبها ولزومها؛ لأنه لا يوصف بالضلالة إلا على ترك الهدى اللازم والواجب على المكلف. فهذا حاصل ما استدل به أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب. أما من قال بعدم الوجوب فقد استدلوا بحديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين)، وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر كلتا الصلاتين، وجعل لصلاة الفرد فضلاً، فدل على أن صلاة الجماعة ليست بواجبة؛ إذ لو كانت واجبة لما ورد الفضل لضدها، أعني صلاة الفرد. والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بوجوب صلاة الجماعة، وذلك لصحة دلالة الكتاب والسنة على هذا القول. وأما ما استدل به من قال بعدم الوجوب فإن حديث ابن عمر رضي الله عنهما غاية ما دل عليه إثبات الأجر لصلاة الفذ، وذلك لا يستلزم عدم وجود الإثم المترتب على التخلف عن صلاة الجماعة. ووجه ذلك أن يقال: إن الأحاديث التي أمرت بصلاة الجماعة دلت على وجوبها، وحديث أبي هريرة دل على المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ، فكأن حديث أبي هريرة خرج عن موضع النزاع؛ لأن موضع النزاع في الدلالة على الوجوب أو عدم الوجوب، وكون الأجر يرد على هذا أقل من غيره، أو يرد على هذا أكثر من غيره فهذا خارج عن موضع النزاع، والقاعدة في الأصول أن النص إذا خرج عن موضع النزاع لم يصلح دليلاً على عين المسألة المختلف فيها. وبهذا يترجح القول القائل بالوجوب. وقوله: [للصلوات الخمس] أي: تلزم في الصلاة المكتوبة، وهي الصلوات الخمس: الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ولذلك قيد المصنف رحمه الله إطلاق الوجوب واللزوم بهذه الصلوات الخمس على ظاهر النصوص؛ لأنها إنما وردت في الصلاة المفروضة والمكتوبة، وأما جماعة النوافل كصلاة التراويح والصلاة على الجنازة إذا كانت جماعة فهذه ليست بلازمة ولا واجبة على المكلف. وقوله: [لا شرط] أي: صلاة الجماعة شهودها مع الجماعة واجب ولازم، ولكن ليس شرطاً في صحة الصلاة. ونحن ذكرنا أن العلماء رحمة الله عليهم -الظاهرية والحنابلة وبعض الحنفية والشافعية- الذين قالوا بوجوب صلاة الجماعة انقسموا إلى طائفتين: فطائفة أوجبت صلاة الجماعة، وقالت: لو صلى لوحده صحت صلاته. وطائفة قالت بوجوب صلاة الجماعة، وقالت: لو صلى فرداً من دون عذر لم تصح صلاته. وإذا ثبت أن صلاة الجماعة واجبة، فهل وجوبها وشهودها شرط في صحة الصلاة أو ليس شرطاً؟ في المسألة قولان عند من يقول بالوجوب: قال الحنابلة، والحنفية والشافعية الذين يوافقونهم على وجوب صلاة الجماعة: إنها ليست بشرط في صحة الصلاة، فمن صلى منفرداً صحت صلاته وأجزأت ويأثم؛ لأنه لم يشهد الجماعة. وقال الظاهرية -وهو رواية عن الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله على الجميع- إنها واجبة وشرط في الصحة. فلو صلى منفرداً بدون عذرٍ فإن صلاته باطلة على هذا القول. وقد استدل الذين قالوا بالوجوب وأنها ليست بشرطٍ في الصحة بأدلة الوجوب التي ذكرناها؛ لأن الأصل أن من أدى صلاته كاملة بأركانها وشرائطها وواجباتها فصلاته صحيحة حتى يدل الدليل على البطلان. فلو سألك سائل: ما الدليل على أن الأصل فيمن أدى الصلاة بأركانها وواجباتها أن يحكم بصحة صلاته تقول: حديث المسيء صلاته؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بين له ما يجب في الصلاة قال له: (إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)، فإذا صلى المنفرد وأدى الصلاة بأركانها وواجباتها انطبق عليه ما ورد في هذا الحديث. أما فقهاء الظاهرية ومن وافقهم فقد استدلوا على بطلان صلاة المنفرد بدون عذر بما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع النداء فلم يأتِ فلا صلاة له إلا من عذر) رواه ابن ماجة، وهذا الحديث مختلف في إسناده وفيه كلام، ولكن على القول بصحته، قالوا: إن قوله: (فلا صلاة له) أي: فلا صلاة صحيحة. فدل هذا الحديث على بطلان صلاة المنفرد؛ لأنه صلى بدون عذر. وأما الذين قالوا بصحتها فإنهم يقولون: إن قوله: (فلا صلاة له) أي: كاملة، والذين يقولون بعدم صحتها يقولون: فلا صلاة صحيحة، فأصبح حديث ابن عباس متردداً بين نفي الكمال ونفي الصحة. والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بصحة صلاة المنفرد ولو كان تاركاً للجماعة بدون عذر، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة ما احتج به أصحاب هذا القول. ثانياً: أن استدلال أصحاب القول الثاني بحديث ابن عباس يجاب عنه من وجهين: الوجه الأول: من جهة السند، فإنه معارض لما هو أصح منه، مع ما فيه من الطعن في روايته. الوجه الثاني: من جهة المتن، فإن قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا صلاة له) يتردد بين نفي الصحة ونفي الكمال، وال
صلاة الجماعة في البيت
صلاة الجماعة في البيت قال رحمه الله تعالى: [وله فعلها في بيته]. قوله: (وله) أي: للمكلف، (فعلها) أي: فعل صلاة الجماعة في بيته، بأن يجمع أهله، فيصلي بامرأته أو ببناته، أو يصلي بإخوانه وأخواته، أو يصلي بأبنائه وبناته، وقس على هذا، فلا حرج عليه على هذه الرواية. ومن الأصحاب من قال: إن كان تخلفه عن المسجد لا يؤدي إلى ضعف الجماعة فإنه يجوز له أن يتخلف ويصلي مع جماعته في المنزل، واحتجوا بحديث الرحل -وهو ثابت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام-: أنه صلى بالناس بخيف منى، فرأى رجلين لم يصليا، فقال: (ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه؛ فإنها لكما نافلة). ووجه الدلالة أنهما تركا جماعة المسجد لجماعة الرحل والبيت، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهما ذلك. وهناك من العلماء من قال: إن هذا لا يشمل صلاة الرجل في أهله، وإنما هو وارد في صلاة السفر، والجماعة في السفر ساقطة عن المسافر لهذا الحديث، فلا تشمل من جمع في أهله. وهذا القول من القوة بمكان، أعني أنه لا يشرع للإنسان أن يتخلف عن الصلاة مع الجماعة ويجمع بأهله؛ لأنه لو فتح هذا الباب لفات كثير من مقاصد الشريعة بإيجاب الجماعة، ولذلك يحمل حديث الرحل على المسافرين؛ لأنهما كانا بخيف منى فكانا في حكم المسافرين، ولذلك صلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قصراً، فالحديث وارد في المسافرين، وأحاديث الجماعة إنما هي في المقيم، وعلى هذا نقول: إن المسافر لا تجب عليه الجماعة إن كان يصلي في رحله رفقاً وتوسعةً من الله عز وجل على هذا النوع من المكلفين.
صلاة أهل الثغور في مسجد جامع
صلاة أهل الثغور في مسجد جامع قال رحمه الله تعالى: [وتستحب صلاة أهل الثغر في مسجد واحد]. أهل الثغور: هم الذين يكونون في الجهاد، ويوصف الجهاد بكونه ثغراً، فيقال: ثغور الإسلام؛ لأنها منافذ يدخل منها على المسلمين، ويقف المجاهدون المرابطون عليها صيانة لثغور الأمة. فيستحب لأهل الثغر -أي: الذين يكونون في الجهاد -أن لا يتفرقوا في جماعات متعددة؛ لأنهم إذا اجتمعوا في جماعة واحدة كان أمكن في إظهار هيبة الإسلام وعزة أهله وتآلف أصحابه، وإذا رآهم العدو وهم بهذه الكثرة العظيمة يصلون مع بعضهم ويركعون وراء إمام واحد وينضبطون انضباطاً كاملاً كان ذلك أبلغ في الهيبة، حتى إن الأوزاعي قال: لقد هممت أن أحرق المساجد في الثغور من أجل أن يجتمع المجاهدون على إمام واحد، وهذا لا شك أنه أبلغ في الجماعة، وفي الألفة والمحبة، وفي قوة الأخوة وتحقيق الأواصر، وأبلغ في النكاية بالعدو وإرهابه من شوكة المسلمين، فلذلك استحب العلماء أن تكون جماعتهم واحدة، ولكن نظراً لأن الثغور يعتريها ما يعتريها من وجود التفرق خوفاً من دهم العدو ومباغتته فلا حرج أن تكون هناك أكثر من جماعة، ولا حرج أن يتفرقوا جماعات، ويكون الأمر مرتبطاً بمصلحة الجهاد على حسب ما يراه إمامهم.
صلاة الرجل في المسجد القريب منه
صلاة الرجل في المسجد القريب منه قال رحمه الله تعالى: [والأفضل لغيرهم في المسجد الذي لا تقام فيه الجماعة إلا بحضوره ثم ما كان أكثر جماعة]. بعد أن بين لنا لزوم الجماعة ووجوبها، وأنها ليست شرطاً في الصحة شرع الآن في بيان أفضل الجماعات. فمنها: أن الرجل الذي تتوقف الجماعة عليه في مسجده، ويكون مسجده محتاجاً إليه لحصول الكثرة، فهذا الأفضل له أن يصلي في جماعة مسجده. مثال ذلك: أن يكون لحيك جماعة، وهذه الجماعة قليلة العدد، وبشهودك يكثر العدد ويعرف الناس هذا المسجد ويقبلون عليه وتقوى جماعتهم، فحينئذ تصلي معهم، ولا تنصرف إلى غيره؛ لما فيه من تقوية هذه الجماعة ودعوة الناس لشهودها، وهذا يحقق مقصود الشرع. قال: (ثم ما كان أكثر جماعة). إن كان مسجدك لا تتوقف جماعته عليك يرد Q لو أن عندك أكثر من مسجد، فهل الأفضل أن تصلي في هذا المسجد، أو في ذاك المسجد؟ و A أن المساجد قد فاضل الشرع بينها، فما كان من المساجد منصوصاً على فضله فمقدم على غيره، فيقدم المسجد الحرام على سائر المساجد على وجه الأرض، فمسجد الكعبة أفضل المساجد على الإطلاق، والصلاة فيه أشرف وأكمل وأعظم أجراً وحظاً، وذلك من كل الوجوه، خاصة وجود المضاعفة التي تصل إلى مائة ألف صلاة، وكذلك الجمعة فإنها آكد، والحض عليها في مسجد الكعبة آكد، ولو كان الإنسان يرجح القول الذي يقول: إن كل مكة يعتبر من المسجد الحرام فلا ينبغي له أن يذهب الفضل بعدم شهود الصلاة في المسجد الحرام؛ فإن دخوله وشهوده وتكثير سواد المسلمين فيه من الخير بمكان، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أخبر أن صلاة الرجل مع الرجل أفضل وأزكى من صلاته وحده، وأنها مع الثلاثة أزكى من الاثنين، وما كان أكثر كان أفضل، كما في حديث أحمد، فصلاة الجماعة في المسجد الحرام فيها فضيلة المكان، وفضيلة العدد -الكثرة-، وفضيلة القدم؛ لأن الله يقول: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فقدم هذا المسجد، وشهود الله عز وجل بقدمه يدل على فضله وبركة الصلاة فيه؛ لأن كل شيء شهد الشرع بفضله فهو مبارك. ويلي ذلك المسجد النبوي، وذلك لشهود النبي صلى الله عليه وسلم له بالفضل في قوله: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام)، فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصلاة فيه أفضل، ثم يليه المسجد الأقصى، فإنه بخمسمائة صلاة فيما سواه إلا ما ذكرنا من المسجدين، فهذه المساجد الثلاثة هي أفضل المساجد على وجه الأرض، والصلاة فيها أكمل وأعظم أجراً، ويليها مسجد قباء، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه كان له كأجر عمرة) رواه النسائي وغيره بسند صحيح. ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الفضل لمسجد قباء، وأما الصلاة فيه فمطلقة، سواءٌ أكانت نافلة أم فريضة، وأما رواية: (فصلى فيه ركعتين) فضعيفة، لكن الرواية القوية: (فصلى فيه) بإطلاق، ولذلك لو صلى فيه فريضة أو نافلة فإنه ينال أجر العمرة. فهذه المساجد أفضل، وشهود الجماعة فيها أكمل، وفي مكة لا شك أن الإنسان ينبغي له الحرص على الصلاة في المسجد الحرام، خاصة في يوم الجمعة؛ فإن الجمعة فيه بمائة ألف جمعة، فهي الفضل بمكان، ولو أن الإنسان حسبها لوجدها تعادل قروناً من العمر، فهذا فضل عظيم خص الله عز وجل به أهل مكة، فلا ينبغي -خاصة لأهل العلم وطلاب العلم- البعد عن هذا الفضل، خاصة وأن المسجد الحرام -مع ما في شهوده من الخير- فيه تعليم الجاهل وإحياء السنة؛ لأنه إذا كثر شهود أهل السنة الصلاة في هذا المسجد ائتسى الناس، وأحييت السنن، وكان في ذلك من الخير ما الله به عليم، ولذلك ينبغي الحرص على هذه الفضيلة. وبعد هذه المساجد للعلماء تفصيل في تفضيل الجماعات: - فمنهم من يقول: يلي هذه المساجد أقدم المساجد، فلو كان عندك مسجدان، أو جماعتان إحداهما مسجدها أقدم فإنه تقدم الجماعة على المسجد الذي يلي ذلك المسجد في القدم، واحتجوا بقوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فقد أخبر الله تعالى أن قدم المسجد دال على فضله، فأثبت الأحقية للأقدم، وعلى هذا كلمة جماهير العلماء، فالمسجد القديم أفضل من المسجد الجديد وأحق، حتى قالوا: لو وجد مسجد قديم ثم جاء إنسان وأحدث مسجداً جديداً من دون حاجة لصلاة جماعة وإنما لقصد جذب الناس إلى مسجده فإنه يعتبر مسجد ضرار، ولو أُحدث مسجد للجمعة بعد مسجد قديم فإن العبرة في الجمعة بالمسجد القديم، ولا تصح الجمعة في المسجد الجديد إذا لم توجد حاجة، وهذا على ظاهر آية التوبة التي ذكرناها. وعلى هذا جمع من أهل العلم رحمة الله عليهم من الفقهاء، فالمسجد القديم أحق لنص كتاب الله عز وجل على تفضيله، ولأنه أكثر طاعة وشهوداً للخير، وذلك لفضل الزمان الذي امتاز به على المسجد الذي هو دونه في الزمان. فقوله: [ثم ما كان أكثر جماعة] أي: ثم ينظر إلى المسجد الذي هو أكثر جماعة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كان أكثر فهو أفضل)، وهذا الحديث المسند يدل على أن الجماعة الأكثر عدداً أفضل من الجماعة الأقل عدداً. قال رحمه الله تعالى: [ثم المسجد العتيق]. اختلف العلماء فيما لو كان هناك مسجدان أحدهما قديم وجماعته قليلة، والثاني جديد وجماعته أكثر، فهل الأفضل أن تشهد القديم مع قلة الجماعة، أو تشهد الجديد مع كثرة الجماعة؟ فمنهم من يقول: أقدم فضيلة المكان -أي: فضيلة المسجد القديم-، وذلك لورود النص بها من القرآن. ومنهم من قال: أقدم فضيلة الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين مسجد قديم وجديد، والذي يظهر -والله أعلم- أن المسجد القديم ولو كان أقل جماعة أفضل؛ وذلك لأن حديث النسائي فيه كلام في سنده، ودلالة نص الآية أقوى من دلالة السنة. قال رحمه الله تعالى: [وأبعد أولى من أقرب]. أي أن أبعد المساجد أفضل من أقربها. فلو كان عندك جماعة بعيدة وجماعة قريبة، فالجماعة البعيدة أفضل؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) أي: الزموا دياركم تكتب آثاركم. وذلك لأنهم أرادوا أن يتحولوا إلى جوار المسجد، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم إليها ممشى)، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن أعظم الناس أجراً في صلاة الجماعة أبعدهم إليه ممشى، فدل على أن المسجد البعيد أفضل من المسجد القريب، ولذلك قالوا: الأفضل أن يذهب إلى ما هو أبعد لما فيه من المشقة والعناء. وفي الصحيح من حديث أنس رضي الله عنه أن رجلاً كانت لا تخطئه صلاة في المسجد، فقيل له: لو أنك اتخذت دابة تقيك حر الرمضاء وهوام الليل؟ فقال: ما أحب لو أن بيتي معلقاً بطنب بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. إني أحتسب أن يكتب الله لي الأجر في ذهابي ورجعتي. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد جمع لك بين ذلك)، فمن كان بعيداً واحتسب الخطا إلى المسجد فإن ذلك أفضل وأكمل، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ كثرة الخطا إلى المساجد، وإسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، فدل هذا على أن من كان أبعد فهو أفضل ممن كان أقرب، ولذلك قالوا: إذا وجد مسجدان أحدهما أبعد والثاني أقرب فإن الأبعد أحب وأفضل من الأقرب.
الأسئلة
الأسئلة
حكم صلاة الجماعة للمسافر
حكم صلاة الجماعة للمسافر Q هل يعتبر السفر عذراً في سقوط الجماعة عن المسافر ولو سمع النداء؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فظاهر حديث الخيف أنه إذا صلى المسافران أو المسافرون في رحلهم سقطت عنهم الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من الرجلين: أسمعتما النداء أو لم تسمعا. والقاعدة في الأصول: (ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال)، فكأنه إذن بالعموم، سواءً أسمعوا أم لم يسمعوا، وهذا هو الذي يترجح من ظاهر السنة. والله تعالى أعلم.
الترخص برخص السفر لمن نوى السفر وهو لا يزال مقيما
الترخص برخص السفر لمن نوى السفر وهو لا يزال مقيماً Q نويت السفر، وأثناء الاستعداد للرحيل نودي لصلاة الظهر، فهل الجماعة واجبة في هذا الظرف، أم أصلي بأهلي ثم أسافر؟ A إذا سمعت النداء وأنت تنوي السفر فحكمك حكم المقيم، ولا يأخذ المسافر رخصة المسافر إلا إذا أسفر وخرج من آخر العمران، فإذا أسفر فقد سافر، وحينئذٍ لا حرج عليه أن يأخذ برخص السفر من قصر الصلاة والفطر ونحو ذلك مما يشرع للمسافر أن يترخص به، أما وأنت لا زلت مقيماً وتسمع النداء فإنه يجب عليك شهود هذه الجماعة، إلا إذا كنت مسافراً واضطررت بحيث يتوقف على تعجيلك أمور مهمة ويكون في تأخرك ضرر عليك، فحينئذ ينزل هذا منزلة العذر، كالعذر في حال الإقامة، ولا حرج عليك أن تبرد وتسافر. والله تعالى أعلم.
حضور صلاة الجماعة لمن سمع النداء وهو في نزهة
حضور صلاة الجماعة لمن سمع النداء وهو في نزهة Q نحن مجموعة من الشباب نخرج إلى نزهة ونصلي الجماعة في المكان الذي نحن فيه، ونسمع النداء في المكان المجاور لنا، فما حكم صلاتنا؟ A إذا كنتم تسمعون النداء بدون وسائل التكبير الموجودة الآن فإنه يجب عليكم شهود الجماعة، وذلك لنص النبي صلى الله عليه وسلم على شهودها لمن سمع النداء، ولا عذر لكم. والله تعالى أعلم.
تعدد صلاة الجماعة في أيام الحج
تعدد صلاة الجماعة في أيام الحج Q ما حكم تعدد الجماعات في وقت واحد في أيام الحج، وما الواجب عليّ فعله أثناء تواجدي في ذلك المكان؟ A الأصل أن يجتمع الناس على إمام واحد تحقيقاً لمقصود الشرع، فإن كان المنزل الذي نزلته فيه مكان قد هيئ لصلاة الجماعة فإنه أحق، وجماعته هي الجماعة، فالزمها واحرص عليها، وأنت مأجور بشهودها أكثر من غيرها، وأما إذا كان منزلاً يستوي فيه الناس، كأن يكون في أطراف المناسك -كما يحصل في عرفات وفي مزدلفة وفي منى- فحينئذ تصلي في أقرب الجماعات إليك إن أردت اللزوم، وأما إن أردت الفضل فانظر إلى أكثرها عدداً وأكثرها جماعة؛ فإن شهودها أفضل. والله تعالى أعلم.
اللحن الذي تبطل به الصلاة
اللحن الذي تبطل به الصلاة Q ما هو اللحن الذي تبطل به الصلاة، وهل لي أن أعلم جماعة المسجد بذلك؟ A اللحن الذي يبطل الصلاة أن يكون لحناً يحيل المعنى، كأن يقول: (أهْدِنَا)، فإن (اهدنا) غير (أهْدِنَا)، ولذلك يقولون: إذا لحن هذا اللحن الموجب لخروج المعنى من الدلالة فإنه حينئذ تبطل صلاته وصلاة من وراءه إذا كان من وراءه يحسن الفاتحة، أما إذا كان هذا الرجل لا يحسن الفاتحة ومن وراءه مثله أو أسوأ منه، فإن صلاته صحيحة، وتصح صلاته ولا يأثم إلا إذا فرط في التعلم. والله تعالى أعلم.
إتمام الصلاة لمن فاته بعضها
إتمام الصلاة لمن فاته بعضها Q من أعاد صلاة في مسجد آخر وقد سبقته الجماعة الثانية بركعة فأكثر هل يتم ما فاته؟ A من صلى وراء إمام فإنه يتم ما فاته؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمام والكمال، إلا إذا كان مسافراً ودخل وراء المقيم في الركعتين الأخريين من الرباعية. فإنه يشرع له أن يسلم بسلام الإمام والله تعالى أعلم.
نصيحة لمن يتخلف عن صلاتي الفجر والعصر
نصيحة لمن يتخلف عن صلاتي الفجر والعصر Q كثير من الناس في هذا الزمن يتخلفون عن الجماعة في صلاتي الفجر والعصر بحجة غلبة النوم، فما توجيهكم لهؤلاء؟ A على المسلم أن يأخذ بالأسباب، وذلك إذا كان شديد العناء شديد التعب، فإنه يوصي من يوقظه، أو يضع بجواره من الآلات ما يعينه على الاستيقاظ، فإن تعاطى أسباب إيقاظه وغلبه النوم فإنه يعذر، أما إذا لم يأخذ بالأسباب فإنه يعتبر آثماً؛ لأن تعاطي الأسباب واجب عليه، وتركها أوقعه في محظور التخلف عن الجماعة، فيعتبر آثماً من هذا الوجه، أما لو تعاطاها واحتاط لنفسه فإنه لا يأثم؛ لظاهر حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه حينما عرس النبي صلى الله عليه وسلم في مقدمه من غزوة تبوك إلى المدينة. وأما تساهل الناس في شهود هاتين الصلاتين فإنه لا يجوز للناس أن يتعاطوا أسباب التقاعس عن هاتين الصلاتين وشهودهما مع الجماعة، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن فضل شهودهما مع الجماعة، فقال في الحديث الصحيح: (من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله)، وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وشهود الصلاة فيه خير كثير على الإنسان، من استفتاح يومه بالعمل الصالح، واستفتاحه بسماع كلام الله وكتاب الله عز وجل، خاصة إذا كان الإمام قد أعطى كتاب الله حقه من الترتيل والتجويد؛ فإن في ذلك أثراً عظيماً على النفس، من انشراح الصدر وطمأنينة القلب وقوة النفس واستجمامها وإقبالها على الخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فأصبح طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)، نسأل الله المعونة وكفاية المئونة. والله تعالى أعلم.
إمامة المتنفل بالمفترض
إمامة المتنفل بالمفترض Q إذا صليت في جماعة ثم أتيت إلى مسجد آخر وقد أقيمت الصلاة فهل لي أن أصلي بهم؟ A من صلى الفريضة في جماعة ثم قدم على جماعة ثانية، فإن وجد غيره ممن هو أهل للإمامة فإن الأفضل له أن لا يتقدم؛ لأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في إمامة المتنفل بالمفترض، وإن كان الصحيح جوازها، ولكن صيانة صلاة الناس والخروج من خلاف العلماء رحمهم الله أولى وأحرى، ولذلك تقدم غيرك، إلا إذا لم يكن هناك إمام سواك، فتتقدم بهم ولا حرج عليك. والله تعالى أعلم.
الصلاة في المسجد لمن فاتته صلاة الجماعة
الصلاة في المسجد لمن فاتته صلاة الجماعة Q لو جئت إلى المسجد وقد انتهت الصلاة، فهل الأفضل أن أصلي في المسجد أم أرجع إلى البيت؟ A الأفضل أن تصلي في المسجد، وذلك لأن صلاتك في المسجد فيها فضيلة إتيان غيرك إليك، فإنه ربما رآك إنسان متخلف وصلى معك فأصبت وإياه الجماعة، ثم قد يصلي معك إنسان ممن صلى فيتصدق عليك ويثاب وتثاب أيضاً فتحصل فضيلة الجماعة، أما الرجوع إلى البيت فهذا قول شاذ ضعيف قال به بعض العلماء في المتخلف وراء الصف، حيث قالوا: من دخل ووجد الصفوف مكتملة فإنه يقف وينتظر، فإذا لم يأتِ أحد فإنه يرجع إلى بيته ويصلي. وهذا القول من الشذوذ بمكان؛ لأن معناه أو مبناه على أن صلاته في المسجد غير صحيحة، فأين الدليل الذي يدل على أنه لو صلى لا تصح صلاته؟! وبناء على ذلك لا تصح صلاته إلا إذا صلى منفرداً خلف الصف، أما لو صلى منفرداً بعد الجماعة فعلى الأقل يقال: إنه يصلي، فإن جاء أحد معه فبها ونعمت، وإن لم يأتِ أحد معه استقبل الصلاة. أما أن يرجع بعد أن أمره الله عز وجل بالشهود والحضور فهذا قول ضعيف قال به بعض العلماء رحمة الله عليهم، ووصفه جمع من العلماء رحمة الله عليهم بالشذوذ، أعني القول الذي يقول: إنه لو جاء والصف قد اكتمل ولم يجد من يصلي معه فإنه ينصرف ويرجع إلى بيته ولا يصلي في المسجد. والله تعالى أعلم.
كيفية إحرام من دخل مكة لغرض العمل ثم غير نيته
كيفية إحرام من دخل مكة لغرض العمل ثم غير نيته Q ما حكم رجل يقيم في جدة، وخرج إلى مكة بنية العمل فغير نيته إلى نية الحج، فحج من مكانه؟ A من كان من أهل جدة وبعد أن خرج إلى مكة للعمل طرأت عليه النية في الطريق أو في مكة ففيه تفصيل: فإن طرأت عليه النية في الطريق فمن المكان الذي طرأت عليه يجب عليه الإحرام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)، فإذا أنشأ نية الحج وهو في طريقه بين مكة وجدة يلزمه أن يحرم من المكان الذي جددت فيه نيته، ولذلك أحرم عبد الله بن عمر رضي الله عنه من وادي الفرع، وذلك من مزرعته التي كانت هناك، وهذا يدل على أن من طرأت عليه النية أحرم من حيث طرأت عليه النية، وعلى ذلك جماهير العلماء رحمة الله عليهم. أما لو طرأت عليه النية بعد أن دخل مكة، أو بعد أو وصل إلى منى فيحرم من موضعه ولا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
حكم من جامع زوجته بعد التحلل الأول
حكم من جامع زوجته بعد التحلل الأول Q ما حكم رجل جامع زوجته بعد التحلل الأول، وهل على الزوجة شيء؟ A هذه المسألة قضى فيها بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن حجه صحيح. وعلى هذا جماهير العلماء رحمة الله عليهم، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة)، ولكن يلزمه أن يذهب إلى التنعيم ويأتي بعمرة حتى يقع طواف الإفاضة في نسك صحيح؛ لأنه بجماعه قد أفسد نسكه -أعني فيما يستقدم-، فيمضي إلى التنعيم ويحرم بعمرة، ثم يطوف طواف الإفاضة قبل العمرة، ثم يعتمر بعد ذلك، ثم يرجع ويتم مناسكه وعليه الدم. والله تعالى أعلم.
صلاة الحاج من أهل مكة
صلاة الحاج من أهل مكة Q هل الحاج من أهل مكة في الحج بين المشاعر يقصر الصلاة أو يتمها؟ A هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم -أعني مسألة أهل مكة-، وبعض العلماء يرى أن أهل مكة في حكم المسافر، وإذا خرجوا إلى عرفات أو منى يقصرون؛ لأن أصحاب هذا القول لا يرون أن للسفر حداً، وعلى هذا فإن قليل المسافة وبعيدها سفر، وبناء عليه يشرع لهم الجمع لا للنسك ولكن للسفر، وذهب جمع من العلماء رحمة الله عليهم إلى أنهم يأخذون حكم المقيم إعمالاً للأصل، ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) صح عنه في مكة، ولم يصح عنه في عرفة، قالوا: إنما سكت في عرفة؛ لأنه سبق وأن أعلن أهل مكة بمكة. وهذه المسألة مشكلة حتى على القول بأنهم قد خرجوا، فالمشكلة الآن أنه اتصل البناء، فأصبحت الأرض سكناً لأهل مكة، ولذلك أرى أن يحتاط وأن يخرج من خلاف العلماء رحمة الله عليهم، وإن جمعوا تجمع للنسك في يوم عرفة، وتجمع للنسك أيضاً ليلة مزدلفة لورود السنة بها، فإذا جمعت للنسك فلا حرج، لكن إتمام الصلاة يعتبر خروجاً من الخلاف. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب صلاة الجماعة [2]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [2] لصلاة الجماعة أحكام ومسائل متعلقة بها، منها: حكم إمامة الشخص في المسجد مع وجود الإمام الراتب، وحكم إعادة الصلاة لمن صلاها ثم حضر جماعة يصلون نفس الصلاة، وحكم تكرار الجماعة في المسجد، وحكم النافلة إذا أقيمت الصلاة، وبماذا تدرك الجماعة ونحوها من المسائل.
تابع أحكام صلاة الجماعة
تابع أحكام صلاة الجماعة
التقدم للإمامة مع وجود الإمام الراتب
التقدم للإمامة مع وجود الإمام الراتب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه أو عذره]. قوله: [ويحرم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه] أي: يحرم على المكلف أن يؤم غيره في المسجد الذي له إمام راتب إلا بإذنه. أي: بإذن الإمام الراتب. فلا يجوز للإنسان أن يتقدم للإمامة إذا وجد الإمام الراتب إلا بعد إذنه، وذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه تخلف للصلح بين حيين من بني عوف، فلما تأخر جاء بلال فآذن أبا بكر بالصلاة، فأقام وتقدم أبو بكر يصلي بالناس، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم، فنبه الناس أبا بكر رضي الله عنه، فالتفت فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب يتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأتم، وتأخر أبو بكر. ووجه الدلالة: -كما يقول العلماء- أن أبا بكر تأخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأحقية النبي صلى الله عليه وسلم بالإمامة، وذلك لمكان الرسالة من وجه، ولمكان الإمامة من وجه؛ ولذلك قالوا: إن هذا الحديث سنة، فلو قدم الإمام الراتب أثناء الصلاة وقد تقدم غيره، وأراد أن يؤخره ويتقدم صح ذلك وأجزأه، وبه أفتى جمع من العلماء رحمة الله عليهم، والسنة دالة على هذا. والسبب في ذلك أنه أحق، والشرع قد أعطاه ذلك إن تعيّن من الإمام، أو من ينوب منابه، كما هو الحال لو عُين إمام راتبا لمسجد، فهذه الأحقية من جهة الولاية لا يجوز لأحد أن يتقدم عليها إلا بإذن من الشرع، وأذن لك الشرع أن تتقدم إماماً بدل الإمام الراتب عند عدم وجوده، فأما لو وجد فإن التقدم عليه يعتبر طعناً فيه وأذية له، وتقدماً من دون حق، وقد قال صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث عنه-: (من زار قوماً فلا يؤمهم)، فنص عليه الصلاة والسلام على أن لا يتقدم على إمامهم، ولذلك قال جماهير العلماء: الإمام الراتب أحق، ولا يجوز لأحد أن يتقدم عليه، وقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل أن يؤم الرجل في سلطانه، والإمام الراتب سلطان في مسجده. وقالوا: هو في حكم الرجل في بيته وفي سلطانه، فلا يجوز التقدم عليه، ومن هنا لا يشرع للإنسان أن يتقدم للإمامة مباشرة، وإنما يتقدم إذا لم يوجد الإمام الراتب، أو وجد إمام راتب وأذن له أن يتقدم، كأن يكون أعلم وأحق وأولى لعلم وفضل ونحو ذلك، فإنه يشرع للإمام أن يقدمه إظهاراً لفضله وإظهاراً لنبله ولذلك تأخر أبو بكر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لعظيم حقه صلوات الله وسلامه عليه، فإن تأخر له فحينئذ يتقدم. فإذا لم يوجد الإمام الراتب ولم يوجد له نائب فحينئذ يجوز لك أن تتقدم إذا كنت أهلاً للإمامة، أو جد إمام راتب لكنه يلحن في الفاتحة لحناً يوجب بطلان صلاة من وراءه، فحينئذ يشرع لك أن تتقدم، وذلك صيانة لصلاته وصلاة من وراءه، فحينئذ لا حرج عليك أن تتقدم، إلا إذا وجدت مفسدة أو ضرر فحينئذٍ لا تعتد بصلاتك وراءه. وقوله: [أو عذره]. أي: وجود العذر. وإذا تأخر الإمام عن المسجد فحينئذٍ يرسل إليه إذا كان بيته قريباً، ولا حرج أن يطلب من الأئمة إذا تأخروا أن يحضروا، فإن عمر رضي الله عنه لما أعتم النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العشاء خرج يصرخ ويقول -كما في الصحيحين-: الصلاة يا رسول الله! رقد النساء والصبيان. فإذا كان تأخير الناس في انتظار الصلاة يحصل به المشقة والضرر فلا حرج أن يرسل إلى الإمام ويقال له: بادر إلى الصلاة. فإن كان. عنده عذر، أو طرأ عليه عذر فقال لهم: صلوا. وأذن لهم بالصلاة، فحينئذ يقدمون من رضوه لإمامتهم ويصلي بهم.
إعادة الصلاة لمن صلى ثم حضر جماعة يصلون
إعادة الصلاة لمن صلى ثم حضر جماعة يصلون قال رحمه الله تعالى: [ومن صلى ثم أقيم فرض سن أن يعيدها إلا المغرب] قوله: [ومن صلى] أي: الفريضة. [ثم أقيم فرض] أي: لنفس الفريضة التي صلاها، كأن تصلي العصر في مسجد، ثم تذهب إلى مسجد آخر تطلب أخاً أو تريد حاجة، فدخلت في هذا المسجد فأقيمت الصلاة، فإنه يجب عليك أن تدخل مع هذه الجماعة الثانية، وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فمنهم من قال: من صلى صلاة ثم دخل المسجد وأقيمت نفس الصلاة فلا يصليها ولا يعيد. واحتجوا بحديث ميمونة: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تعاد الصلاة مرتين). والقول الثاني: يعيد جميع الصلوات بدون استثناء وهو مذهب بعض أهل الحديث وأهل الظاهر، وذلك لظاهر حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (صل الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم، ولا تقل: إني صليت)، وحديث الخيف بمنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا؛ فإنها لكما نافلة). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإعادة الجماعة، وهذا في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فدل على أن الصلاة تعاد في المسجد مطلقاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: إلا المغرب، أو العصر، أو الفجر، وإنما قال: (فصليا؛ فإنها لكما نافلة). ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا صلاة الفجر والعصر. ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا المغرب، كما اختاره المصنف. ومنهم من قال: يعيد جميع الصلوات إلا صلاة الفجر والعصر والمغرب. والسبب في استثناء المغرب -كما درج عليه المصنف- أن المغرب وتر، وإذا صلاها فإنه يكون موتراً وترين في ليلة، وفي حديث الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (لا وتران في ليلة). والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- أنه يشرع له أن يعيد جميع الصلوات بدون استثناء، وذلك لما يلي: أولاً: لصحة حديث أبي ذر في الصحيحين أنه قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صل الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم، ولا تقل: إني صليت)، ولم يقل: إلا المغرب. بل أطلق، والقاعدة في الأصول: (المطلق يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده)، ولا مقيد له هنا. وكذلك حديث الخيف، حيث قال للرجلين: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا)، ولم يقل: إلا المغرب، أو الفجر، أو العصر. وهذان النصان مطلقان. أما استثناء المغرب لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا وتران في ليلة) فيجاب عنه بأن الوتر يبتدئ وقته من بعد صلاة العشاء، وإذا صلى المغرب فإنه لم يدخل بعد وقت العشاء، فيكون هذا الوتر غير معتدٍ به ولا مؤثر. ثانياً: أن نقول: إنه بعد سلام الإمام يقوم ويشفع صلاته بركعة، جمعاً بينه وبين حديث: (لا وتران في ليلة)، وعلى هذا فلا تعارض بين هذه النصوص، وكل من صلى ثم دخل المسجد فإنه يعيد صلاته مع الجماعة الثانية. وهذا -كما يقول العلماء- فيه نكتة لطيفة، وهي أن الإسلام حرص على الجماعة ونهى عن الشذوذ؛ لأن الشذوذ عن الجماعة شر وبلاء، ولذلك من خرج عن جماعة المسلمين العامة مات ميتة جاهلية والعياذ بالله، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخروج عن الجماعة، حتى قال: (من مات وليس في عنقه بيعة فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً)، فالخروج عن جماعة المسلمين هلاك، فأدب الله عز وجل عباده المؤمنين في أهم أركان الدين وهي الصلاة أن يكونوا على وتيرة واحدة ولا يشذون، ولأنه لو فتح باب التخلف عن الجماعات لفتح لأهل الأهواء والبدع أن يتخلفوا عن أهل السنة، ولذلك جمع الله شمل المسلمين بهذه الصورة، فإذا دخل الإنسان إلى المسجد فإنه يلتزم بجماعة المسجد، حتى نص جماهير العلماء على أنه لو دخل قبل تسليم الإمام ولو بلحظة وأمكنه أن يكبر يجب عليه أن يكبر، ولا ينتظر، ولا يحدث جماعة ثانية، وذلك للنص الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا) أي: ما أدركتموه مع الإمام فصلوا، قالوا: فهذا مطلق يشمل جميع ما يدرك، وإذا أراد أن يحدث جماعة ثانية يقول لمن معه: ندخل في التشهد، فإذا سلم الإمام فائتم بي. فإن كل هذا تعظيم لأمر الجماعة، ولذلك قالوا: من دخل وقد صلى فإنه يصلي ويدخل مع الجماعة ويعيد، وتعتبر هذه الإعادة لازمة وواجبة؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بها دون استثناء لفرض.
حكم تكرار الجماعة في المسجد
حكم تكرار الجماعة في المسجد قال رحمه الله تعالى: [ولا تكره إعادة الجماعة في غير مسجد مكة والمدينة]. أي: لا حرج في استحداث جماعة ثانية بعد الجماعة الأولى، وذلك لأدلة: أولها: أنه قد ثبتت النصوص في الكتاب والسنة باعتبار المساجد للجماعات، وأن الأصل في المساجد أنها للجماعة. ثانيها: أنه ثبت في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس جماعة، ثم لما انفتل من صلاته رأى رجلاً يصلي وحده، فقال صلى الله عليه وسلم: (من يتصدق على هذا؟) فقام أبو بكر فصلى معه. ووجه الدلالة أن هذا الرجل دخل لوحده، وأبو بكر كان قد صلى، ولم يوجد مع الرجل رجل ثانٍ، فندب النبي صلى الله عليه وسلم من كان صلى أن يصلي معه. قالوا: عرف منه الشرع أنه ينبه بالأدنى على الأعلى. وقالوا: فإذا شرعت الجماعة في المسجد بعد الجماعة الأولى لمتنفل مع مفترض، فلأن تشرع لمفترض مع مفترض من باب أولى وأحرى. ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لو وجد معه رجلاً لم يقل للناس: (من يتصدق على هذا)، فكأن مقصود الشرع الرفق بالناس، ونفهم من قوله: (من يتصدق على هذا) أن مقصود الشرع حصول الجماعة بأية وسيلة ولو بإعادة الصلاة مرة ثانية، فإذا علمت أن مقصود الشرع هو حصول الجماعة من جهة قوله: (من يتصدق) دل قوله: (من يتصدق) على العموم، أي أن مقصود الشرع أن تحصل الجماعة الثانية، بدليل قوله: (من يتصدق) أي: من يجعل صلاة هذا صلاة جماعة، فإذا كان مقصود الشرع أن يتصدق على هذا، وأن تكون الصلاة بالرجل صلاة جماعة فلا فرق أن تقع الجماعة الثانية بمفترض مع مفترض، أو بمفترض مع متنفل، والقول بأن هذا خاص بالمتنفل تخصيص بدون مخصص، ولا يستقيم هذا القول. فلو قال قائل: إن هذا يختص بمتنفل مع مفترض، فهذا قول ضعيف؛ لأن مسلك التخصيص عند الأصوليين شرطه أن يكون الأصل خلاف ما ورد به النص، بمعنى أن يأتي أصل نص صريح يدل على أنه لا تجوز الجماعة الثانية، وليس عندنا نص صريح بل غاية ما فيه حديث ابن مسعود، وحديث تأخر النبي صلى الله عليه وسلم في الصلح بين حيين بقباء، فقدم المسجد فوجدهم قد صلوا، فلم يعرج على المسجد بل مضى إلى بيته، فهذا الحديث لا يدل على المنع من الجماعة الثانية -كما يقول الإمام مالك ومن وافقه-؛ لأن حديث الصلح يجاب عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم مضى إلى بيته، ودعوى أصحاب هذا القول أنه: لا تشرع الجماعة الثانية -أي: نهي ومنع وتحريم- تحتاج إلى صريح نص، ولذلك يقولون: دلالة الفعل لا تدل على التحريم، فيقول الجمهور: لا مانع أن ينصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته لئلا يكسر خواطر أصحابه؛ لأنه لو دخل المسجد لانكسر خاطر من صلى بهم، وقد كان عليه الصلاة والسلام من أرحم الناس بأصحابه، وغاية ما فيه أن يقال: إنه خارج المسجد، وخلافنا في داخل المسجد، والقاعدة في الأصول: (لا يحكم بالتعارض بين نصين إلا إذا اتحدا مورداً ودلالة). وقد جاءنا حديث أبي بكر في داخل المسجد، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في خارج المسجد، مع وجود صريح اللفظ في حديث أبي بكر، ووجود دلالة فعل محتملة في حديث الصلح، فبقي قول من قال بمشروعية التكرار أقوى وأوجه وأولى بالاعتبار، ولذلك كان أرجح القولين، والعلم عند الله عز وجل. وقوله: [في غير مسجدي مكة والمدينة]. أي أن مسجدي مكة والمدينة لا يشرع تكرار الجماعة فيهما، وهذا توسط بين القولين اللذين ذكرناهما، وإلّا فإن الخلاف بين العلماء رحمة الله عليهم عام في المساجد كلها، وكان الإمام مالك رحمة الله عليه ومن وافقه من السلف يشددون في الجماعة الثانية من باب سد الذرائع، ومن أصول المالكية سد الذريعة؛ لأن عصورهم كان فيها أهل بدع وأهواء يتخلفون عن جماعة أهل السنة ويحدثون الجماعة الثانية، فخشي أن يفتح لأهل البدع والأهواء ما يفعلونه من التخلف عن الجماعة واستحداث جماعة ثانية حتى تكون شعاراً لهم، قالوا: ولأنه لو حدثت الجماعة الثانية لتقاعس الناس عن الجماعة الأولى، وهذه كلها علل عقلية لا تصادم النص الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (من يتصدق على هذا)، ولا تصادم النصوص التي دعت إلى إحياء الجماعة، وغاية ما نقول: إن الجماعة الثانية لو تخلف الإنسان لها فقد فاته فضل الجماعة الأولى، فبقي مشدود الهمة للجماعة الأولى تحصيلاً لفضيلة أول الزمان وفضيلة أولى الجماعتين.
حكم صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة
حكم صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة قال رحمه الله تعالى: [وإذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها] هذه العبارة تعتبر جملة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح، وأصله قصة وقعت لبعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة فأقيمت الصلاة فكبر رجل ودخل في الصلاة، فلمّا سلّم النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجل: (يا هذا بأي الصلاتين اقتديت؟ أبصلاتك وحدك أم بصلاتك معنا؟) وفي الحديث الآخر قال عليه الصلاة والسلام: (يوشك أن يصلي أحدكم الصبح أربعاً)، وهذا الحديث يتضمن النهي عن الدخول في صلاة النافلة إذا أقيمت الصلاة المفروضة. فقوله: [إذا أقيمت الصلاة] معناه: إذا كان الإنسان في المسجد وأقيمت الصلاة الحاضرة [فلا صلاة] أي: لا يجوز له أن يبدأ في صلاة إلا المكتوبة التي أقيمت. وبناءً على ذلك فلو كان يريد التنفل، كأن يصلي الفجر القبلية ويكون ذلك عند الإقامة أو بعد الإقامة فإنه ينهى عن ذلك، ويعتبر فعله هذا محرماً ومنهياً عنه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلا صلاة إلا المكتوبة)، والنفي في قوله: (فلا صلاة) يتضمن النهي؛ إذ لم يفرق بين صلاة وأخرى. وهناك فائدة ثانية، وهي أن هذا الحديث دلنا على أن التعارض بين الواجب وغير الواجب الذي هو أدنى منه يوجب تقديم الواجب لعلو مرتبته في الشرع، ووجه ذلك أنه إذا أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فإنك مخاطب بواجب حاضر وهو الصلاة مع الجماعة، والتنفل دون هذا الواجب، وبناءً على ذلك تقطع هذه النافلة وتدخل في الفريضة مع الجماعة. وفيه دليل على فائدة ثالثة، وهي أن الإسلام يريد من المسلمين أن يكونوا جماعة واحدة، ولا يريد التفرق حتى في أشرف العبادات وهي الصلاة، ولذلك منع المصلي أن ينفرد عن الجماعة في المسجد، وكما أنه في الابتداء يدخل مع الجماعة فكذلك عند الانتهاء، فلو دخلت قبل تسليم الإمام ولو بلحظة فإنك تدخل مع الجماعة، وحينما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أنه سيكون عليهم أئمة يؤخرون الصلاة قال الصحابي: ماذا أفعل؟ قال: (صلِّ الصلاة لوقتها، ثم صلها معهم) أي: لا تشذ عن الجماعة، وقال للرجلين لمّا صليا بعد يوم النحر بمنى ثم جاءا إلى ناحية من المسجد فلم يصليا: (ألستما بمسلمين؟) أي: لو كنتما مسلمين لكنتما مع جماعة المسلمين قالا: بلى يا رسول الله. ولكنا صلينا في رحالنا. قال: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا؛ فإنها لكما نافلة) يقول العلماء رحمة الله عليهم: وهذا كله يؤكد أمر ولزوم جماعة المسلمين ما أمكن، حتى في أشرف المواطن وأعظمها وهي الصلاة. فلو فتح للناس أن يتنفلوا أثناء الفريضة لتفرقت جماعة المسلمين، وأصبح هذا يصلي الرغيبة وهذا يصلي تحية المسجد، فلا يدري الإنسان وهو داخل عن حال الجماعة، لكنهم إذا صلوا وراء إمام واحد، واقتدوا بإمام واحد كان ذلك أبلغ في الاجتماع والاتئلاف، وهذا هو مقصود الشرع من صلاة الجماعة. وللإنسان عند إقامة الصلاة حالتان: الحالة الأولى: أن تقام الصلاة ثم يبتدئ النافلة، وهذا محرم بالإجماع، فلا يشرع في النافلة بعد إقامة الصلاة، سواءٌ أكانت في أول الإقامة أم بعد الانتهاء من الإقامة، أم في أثنائها، فإذا قال المؤذن: (الله أكبر)، يقيم الصلاة فإنه يحرم على الإنسان أن يكبر لنافلة أو غيرها. وقد استثنى بعض فقهاء الحنفية المتأخرين رحمة الله عليهم رغيبة الفجر، فتجدهم ينفردون يصلون ولو كان الإمام في الأولى، واحتجوا بحديث ضعيف: (إلا رغيبة الفجر)، ولكنه لا يقوى على استثناء هذا النص الصحيح الصريح، وبناءً على ذلك فإن العمل على ما عليه جماهير العلماء من أنه لا يجوز إذا أقيمت الصلاة أن يبتدئ المصلي بصلاة نافلة أياً كانت هذه النافلة. الحالة الثانية: أن تقام الصلاة وأنت في أثناء الصلاة، فإن غلب على ظنك أنك سوف تتم الصلاة قبل أن يركع الإمام ويمكنك أن تدرك الركعة معه فحينئذ تتم الصلاة على قول جماهير العلماء، خلافاً للظاهرية وأهل الحديث، حيث قالوا: إذا أقيمت الصلاة -حتى ولو غلب على ظنك أنك تدرك الإمام في ركوعه- فإنك تقطع هذه الصلاة، ولو كنت في آخرها؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: (فلا صلاة إلا المكتوبة) والصحيح مذهب الجمهور؛ لأن الله يقول -كما في التنزيل-: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، فنهانا عن إبطال العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن خير أعمالكم الصلاة)، فنهانا الله عن إبطال العمل، والصلاة عمل، فلا نبطلها إلا بوجه بين، فإنه إذا غلب على ظنك أنك مدرك للركعة جمعت بين الأمرين، والقاعدة: (الجمع بين النصين أولى من العمل بأحدهما وترك الآخر). ثم إننا نقول: إن قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة) هو نص في ابتداء الصلاة، وليس المراد به إلغاء الصلاة التي من قبل، وبناءً على ذلك فإنه يقوى أن يكون المعنى: (فلا صلاة ابتدءاً)، ويؤخذ المعنى منسحباً إلى كل صلاة تؤدي إلى فوات جزء الصلاة ركعة فأكثر. وقوله: [فلا صلاة إلا المكتوبة]. المكتوبة هي المفروضة؛ لأن الكَتْب يطلق بمعنى الفرض، ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة:183] أي: فرض ووجب ولزم عليكم الصيام، فالكتب هو الفرضيّة والوجوب، فمن هنا يكون قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) أي: المفروضة الحاضرة. وقوله: [فإن كان في نافلة أتمها إلا أن يخشى فوات الجماعة فيقطعها]: أي: إن كان في نافلة فإنه يتمها إن وسعه الإتمام دون أن تفوته الركعة، وأما إذا كانت الركعة سوف تفوته فإنه يقطعها ويدخل في الجماعة.
ما تدرك به فضيلة الجماعة
ما تدرك به فضيلة الجماعة قال رحمه الله تعالى: [ومن كبر قبل سلام إمامه لحق الجماعة]. إذا دخلت إلى المسجد والإمام في التشهد الأخير ففي هذه الحالة تعتبر غير مدرك للركعة؛ لأن من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة، وهناك أمران عند العلماء: أحدهما: حكم الصلاة مع الجماعة. وثانيهما: فضل الجماعة. فهناك فرق بين الحكم وبين الفضل، يُقال: أدرك الفضل. ويقال: أدرك الحكم. وإدراك الحكم شيء، وإدراك الفضل شيء آخر، فإذا كان الإنسان قد أدرك ركعة فأكثر مع الإمام فقد أدرك الصلاة، فلو أدركت ركعة فأكثر، كأن دخلتَ في صلاة الظهر فأدركت الإمام في الركعة الأخيرة، وكبرت وركعت معه فأنت مدرك للصلاة، وكذلك الحال لو أدركته يوم الجمعة في الركعة الأخيرة، فأنت مدرك للجمعة، وحكمك حكم المجمّع. الحالة الثانية: إدراك الفضل، وهو على صورتين: الأولى: إدراك الفضل الحقيقي بالدخول مع الجماعة الأولى الذي يتضمن إدراك فضلها وقتاً. الثانية: إدراك فضلها ثواباً، ولكن دون ثواب من أدركها كاملة، وهناك إدراك فضلها بمطلق الخروج. فأما إدراك فضلها الذي يكون دون إدراك الحكم فكما لو أدركته قبل التسليم وقلت: (الله أكبر)، فانتهيت من تكبيرة الإحرام قبل أن يسلم فقد أدركت فضل الجماعة، وبناءً على ذلك قال بعض العلماء: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة)، وفي رواية: (بخمس وعشرين درجة) محمول في رواية السبع والعشرين على من أدركها من أولها، وأجر الخمس والعشرين لمن أدرك آخر أجزائها، فيكون أقل ما يدركه الإنسان في فضل صلاة الجماعة الخمس والعشرين جزءاً، وإذا أدركها من ابتدائها فيدرك سبعاً وعشرين درجة، ويتردد بين الفضيلتين، فهذا بالنسبة لإدراك الفضيلة. وتوضيح هذين الأمرين يتضح بصلاة الجمعة، فلو أن إنساناً أدرك الإمام في يوم الجمعة في الركعة الأخيرة فقد أدرك الجمعة، ويتم ركعة واحدة، لكنه لو أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع ولم يدرك الركعة الأخيرة نقول: أدرك فضيلة الجمعة ويتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك الحكم، فهناك فرق بين حكم الجمعة وبين فضلها، وبين حكم الجماعة وبين فضلها. وبناءً على هذا فمن أدرك الإمام قبل تسليمه ولو بلحظة فكبر فإنه مدرك للفضيلة، وبناء على ذلك لو دخلت ولو قبل تسليم الإمام بلحظة فإن الجماعة الأولى التي تدركها أفضل من الجماعة الثانية التي ستصلي معها، خلافاً لمن اختار من بعض الأئمة أنه ينتظر ويقيم جماعة ثانية، وهذا فيه إشكال من وجوه أشهرها وجهان: الوجه الأول: أنه مخالف لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا)، وهذا عموم؛ حيث لم يفرق بين إدراك الحكم وإدراك الفضيلة، وهذا نص لا يحتاج إلى اجتهاد، ولم يقل: إلا أن يكون قبل السلام بلحظة فجمعوا، وإنما قال: (فما أدركتم فصلوا). الوجه الثاني: أنك لو دخلت مع الجماعة الأولى أدركت فضيلة الجماعة الأولى في الوقت، ولكن لو تأخرت وأحدثت جماعة ثانية فقد فاتك من الفضائل ما الله به عليم؛ لأنه ربما تكون اللحظة بين أول وقت الصلاة وبين التي تليها كما بين السماء والأرض. وفي الحديث: (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها -أي: الكامل- ولما فاته من وقتها خير من الدنيا وما فيها)، فربما أن الجماعة الأولى ستأخذ الركعة الأولى والثانية والثالثة والرابعة فيها أجزاءً من الوقت، وقد تطول الصلاة، فعندما تدخل مع الإمام قبل تسليمه ولو بلحظة فقد أدركت فضيلة الوقت، وكان لك حكم الجماعة الأولى التي أدركت من فضل الوقت ما لم تدركه الجماعة الثانية. ومن هنا ترجح قول الجماهير أنه يدخل مع الجماعة الأولى، ولكن استحب بعض العلماء أنه لو دخل بجواره من يفقه ويعلم أن يقول له إذا دخل بعد الركعة الأخيرة: إذا سلم الإمام فائتم بي. فإذا سلم الإمام فإنه يقتدي هذا المتأخر بالمتأخر، ولو كانا اثنين دفعهما وراءه ثم صلى بهما، أما لو أدرك ركعة فأكثر فلا يحدث جماعة ثانية، فيكون مدركاً لفضيلة الجماعة الثانية ومدركاً لفضيلة الجماعة الأولى، وهذا أنسب الوجوه وأحبها عند طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم. قال رحمه الله تعالى: [وإن لحقه راكعاً دخل معه في الركعة وأجزأته التحريمة]. الضمير في [وإن لحقه] راجع إلى الإمام، فإن لحق الإمام راكعاً أدركه، أي: إذا كبر تكبيرة الإحرام فإنه يعتبر مدركاً لتلك الركعة ما لم يرفع الإمام رأسه، وبناء على ذلك فإن أصح أقوال العلماء -وهو مذهب الجمهور- أن من أدرك الإمام راكعاً وركع معه فإنه يعتبر مدركاً للركعة وتسقط عنه الفاتحة. وهناك حديث في ذلك صحيح قوي، وهو حديث أبي بكرة رضي الله عنه: أنه انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (زادك الله حرصاً ولا تَعُدْ)، فروي بلفظ: (ولا تَعْدُو)، ولفظ: (ولا تُعِد)، وأصحها: (ولا تَعُد) أي: لا تعد إلى التأخر عن الجماعة حتى تضطر إلى هذا الفعل. وقيل: (لا تَعُد) بتكبير دون الصف والمشي؛ لأنه حركة في أثناء الصلاة، وأما رواية: (لا تعْدُ) فلأن المساجد القديمة المفروشة بالحصى إذا أسرع الإنسان فيها شوش بصوت الحصى، وهذا موجود إلى الآن، فقال: (لا تعدُ)؛ لأن الصلاة تحتاج إلى سكينة. وأما رواية: (ولا تُعِد) أي: لا تعد الركعة فقد أجزأتك، والروايتان الأخيرتان أضعف من الرواية الأولى، وهي: (ولا تَعُد)، أي: لا تعد إلى هذا التأخير الموجب لفوات الفضل عليك. و (راكعاً) في قوله: [وإن لحقه راكعاً] حال، أي: حال كونه راكعاً، وبناءً على ذلك فأنت حينما تدرك الإمام راكعاً فأنت على أحوال: الحالة الأولى: أن تنتهي من التكبير والانحناء قبل أن يُسمّع الإمام ويرفع رأسه؛ لأن هنا شيئين: شيئاً يصدر منك وهو التكبير، وشيئاً يصدر من الإمام وهو التسميع والرفع من الركوع. فعندنا أمران لا بد من بيانهما لتفصيل أحكام الإدراك، فالذي يفعله المكلف التكبير والانحناء لكي يدرك الركوع، والذي يفعله الإمام التسميع والرفع من الركوع، فالذي يدرك الإمام راكعاً إما أن يقول التكبير ويفعل الانحناء، بمعنى أن يركع قبل أن يتلفظ الإمام ويرفع رأسه، وبناءً على ذلك تكون قد أدركت القول والفعل قبل أن يكون من الإمام القول والفعل، فحينئذٍ لا إشكال أنك مدرك للركوع عند من يقول: إن إدراك الركوع يوجب إدراك الركعة. الحالة الثانية: أن تدرك القول ولا تدرك الفعل قبل رفعه، بأن تقول: (الله أكبر)، ثم يقول الإمام: (سمع الله لمن حمده) قبل أن تحني رأسك، أو قبل أن تركع، ففي هذه الحالة إذا انتهيت من راء (أكبر) قبل أن يبتدئ الإمام بالسين من (سمع الله لمن حمده) فأنت مدرك للركعة؛ لأنك بتكبيرك قد دخلت، وتسقط عنك التكبيرة الثانية؛ لأنها داخلة في الأولى، وبناء على ذلك يجزئ المكلف في قول الجماهير تكبيره واحدة لإدراك الركعة، كما اختاره المصنف ودرج عليه. وبناءً على هذا فالعبرة بانتهائك من قولك: (الله أكبر)، فإن ابتدأ الإمام بالسين من (سمع) أثناء تكبيرك، أو قبل ابتدائك التكبير فتبقى واقفاً؛ لأنك لم تدرك الركوع، وقد أدركت الرفع من الركع، فتبقى واقفاً لم تدرك الركعة ويلزمك قضاءها. الحالة الثانية: أن تبتدئ بالتكبير وترى الإمام أمامك رافع الرأس قبل أن يسمع كما يفعل بعض الأئمة، فيسبق الفعل القول، فأنت تراه أمامك قد رفع رأسه، فإذا رفع قلت: (الله أكبر)، قبل أن تسمع منه الصوت فحينئذ أنت مدرك ولا عبرة بالفعل؛ لأن العبرة بالانتقال الذي هو التسميع، قال صلى الله عليه وسلم: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، وأمر عليه الصلاة والسلام من أدرك الإمام على حالة أن يدخل معه عليها، وقوله: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة) نص في أن إدراك الركوع يوجب ثبوت إدراك الركعة، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فإنه عموم مخصص بالنصوص السابقة، كحديث أبي بكرة الصحيح، وحديث: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجود، ومن أدركهما فقد أدرك الركعة)، ثم إننا نقول: إن إيجاب قراءة الفاتحة محله إذا وسع الوقت لقراءتها، وهذا لم يسع الوقت له بالقراءة، وبناء على ذلك لا يجب عليه أن يقرأ الفاتحة ولا يلزمه ذلك، وتسقط عنه، والركعة مجزئة.
الأسئلة
الأسئلة
كيفية قطع النافلة إذا أقيمت الصلاة
كيفية قطع النافلة إذا أقيمت الصلاة Q إذا شرع المصلي في نافلة، ثم أقام المؤذن للصلاة، فكيف يكون القطع لصلاة النافلة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن دخل في صلاة ثم أقيمت الصلاة وأراد أن يقطع فمذهب جمهور العلماء أن قطعها يكون بالتسليم، وذلك لحديث علي الصحيح في الصلاة قال (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، فلم يفرق بين التحليل الذي يكون أثناء الصلاة أو بعد الصلاة، والقاعدة أن النص العام يبقى على عمومه. وذهب الحنفية رحمة الله عليهم وأهل الرأي إلى أنه ما دام سيقطع الصلاة فلا يحتاج إلى تسليم، فقالوا: لو التفت أي التفات، أو فعل أي فعل فإنه يخرج به عن الصلاة ويجزئه ذلك. وقال بعضهم: لو نوى الخروج بقلبه أجزأه. وكلا القولين ضعيف للآتي: أولاً: أنه اجتهاد في مقابل النص؛ فإن النص: (وتحليلها التسليم) عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه. ووجه هذا العموم أنه قال: (تحريمها) بمعنى أنه دخل في الحرمات بالتكبير، فدل على أنه أثناء الصلاة في حرمة، ولا يخرج إلا بما يخرج من الحرمة وهو التحليل، فقال: (وتحليلها التسليم)، وبناء على ذلك يبقى هذا العام على عمومه، كما هو مذهب الجمهور. أما قولهم: إنه يخرج بنيته فهذا محل نظر؛ لأن الشريعة فيها ثلاثة أوجه: الأول: ما انحصر فيه الحكم في الباطن. الثاني: ما انحصر فيه الحكم في الظاهر. الثالث: ما اجتمع فيه الحكم بينهما، أي: بين الظاهر والباطن. فهناك أمور تجزئ فيها النية -الباطن- ولا يحتاج إلى ظاهر، وهناك أمور يجزئ فيها الظاهر ولا يحتاج فيها إلى نية، وهناك أمور يجمع فيها بين الأمرين. فما كان فيه حكم للظاهر فإنه لا يقتصر فيه على الباطن، وما كان الحكم فيه للباطن لا يقتصر فيه على الظاهر؛ لأن الشريعة أعطت كل شيء حقه وحظه، فلما كانت الصلاة أفعالاً قائمة على الظاهر والدخول فيها راجع إلى النية فإنه كما أنه لا يصح أن يصلي بنية خالية عن الفعل كذلك لا يصح أن يبطل الصلاة بنية خالية عن الفعل، ولذلك فإن الخروج من الصلاة في حكم الشرع وفعل الشرع إنما يكون بالفعل مع النية المصاحبة، فلو سلم ساهياً لم يجزه السلام وعليه أن يعيد السلام؛ لأن الشرع اعتبر الظاهر مع الباطن، فكذلك هنا، وهذا إذا جئنا إلى العقل والرأي. أما إذا جئنا إلى النص الذي ينبغي أن يحتكم إليه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وتحليلها التسليم)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أيها الناس: من كبر في صلاة فقد دخل في حرمات الصلاة. ولذلك سميت التكبيرة بتكبيرة الإحرام، فمن دخل في حرمات الصلاة لا يخرج إلا بتحليل، ولذلك قال: (تحليلها التسليم)، وقال: (تحريمها التكبير)، فكل من كبر فقد أحرم، ومن أحرم لا بد وأن يخرج بحل وإذن من الشرع. فالذي يظهر أنه لا بد وأن يسلم، ويجزئه أن يسلم تسليمة واحدة عن يمينه يقول: (السلام عليكم)، فيكون قد خرج من صلاته، ويدخل في الفريضة بعد ذلك. والله تعالى أعلم.
قراءة الفاتحة لمن يخشى فوات الركعة
قراءة الفاتحة لمن يخشى فوات الركعة Q إذا دخلت مع إمام في سرية، وبعد شروعي في قراءة الفاتحة ركع الإمام، وإذا علمت أني لو أكملت قراءة الفاتحة فلن أدرك الركعة مع الإمام فماذا أفعل؟ A من أدرك الإمام قبل أن يركع فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن تدرك قدراً يمكنك معه قراءة الفاتحة فحينئذ يجب عليك قراءة الفاتحة، وتتم الفاتحة ثم تركع، وتدرك الإمام. الحالة الثانية: أن تكون غير مدرك للقدر الذي يمكن معه قراءة الفاتحة، فعند تكبير الإمام لو قرأت آية أو آيتين، وغلب على ظنك أنك لو أتممت الفاتحة أن الإمام سيرفع فإنك تقطع الفاتحة وتركع؛ لأن الذي وجب عليك قراءة الآيتين اللتين أدركت وقتهما، وما بعدهما ليس بواجب عليك؛ لأن الوقت الذي أدركته ليس كافياً لوجوب الفاتحة عليك، فكأنك أدركت الإمام راكعاً فتسقط عنك قراءة الفاتحة، وتعتبر قراءة ما قرأته حداً مجزئاً أو كافياً في براءة الذمة، والله تعالى أعلم. أما لو أدرك قدراً يمكن معه قراءة الفاتحة وتساهل أو تشاغل، ثم ركع الإمام وغلب على ظنه أنه سوف يرفع فترك الفاتحة وركع مع الإمام فإنه يلزمه قضاء هذه الركعة؛ لأنه فرط، والمفرط ملزم بسبب تفريطه، والله تعالى أعلم.
الائتمام بالمسبوق بعد ما يفارق الإمام
الائتمام بالمسبوق بعد ما يفارق الإمام Q من أدرك الإمام قبيل السلام فهل يشترط أن يخبر من بجواره أن يأتم به، أم لا حرج ولو ائتم به دون قصد مسبق؟ A لا حرج عليه، سواء أطرأ القصد أم كان سابقاً؛ لكن ينبغي أن لا يقف قبل وقوفك، فإن وقف قبل وقوفك فإنه لا يدخل معك؛ لأنه ينتقل من الإفراد إلى الائتمام، لكن لو أنك أخبرته قبل أن تدخل مع الإمام فقلت: إذا سلم الإمام فائتم بي فهذا هو الذي ينبغي، وهو الأفضل والأحرى، وخاصة لكثرة جهل الناس بمثل هذا، فتخبره قبل أن يسلم الإمام حتى يكون على بينة، ثم تنال فضل الجماعتين على الصورة التي ذكرناها. والله تعالى اعلم.
باب صلاة الجماعة [3]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجماعة [3] أحكام صلاة الجماعة كثيرة ومتنوعة، ينبغي على المسلم أن يعلمها ويلم بها، ومنها: حكم القراءة للمأموم، سواء في الجهرية أم في السرية، وحكم متابعة المأموم لإمامه، ومشروعية التخفيف في صلاة الجماعة، وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية، ومنها: حكم خروج المرأة إلى المسجد وغيرها من المسائل.
تابع أحكام صلاة الجماعة
تابع أحكام صلاة الجماعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا قراءة على مأموم]. هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم: - فمن أهل العلم من يرى وجوب قراءة الفاتحة على المصلي، سواءٌ أكان منفرداً أم كان في جماعة، وذلك لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، والقاعدة في الأصول أن (أي) من ألفاظ العموم؛ حيث لم يفرق بين المأموم والمنفرد. وذهبت طائفة من العلماء إلى سقوط الفاتحة وراء الإمام مطلقاً في السرية والجهرية. وذهبت طائفة ثالثة إلى وجوبها في السرية على المأموم دون الجهرية؛ فإن الإمام يحملها عنه في الجهرية، كما درج على ذلك المصنف رحمه الله، وهي رواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليه. أما الذين قالوا بسقوطها عن المأموم وراء الإمام فيحتجون بحديث جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، كما هو مذهب الحنفية ومن وافقهم، ويحتجون أيضاً بما رواه أبو داود وأحمد في مسنده: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن) قالوا: الضمين: هو الحميل الذي يضمن الشيء ويتحمله، فهو يحمل عن المأموم، وبناءً على ذلك لا تلزم المأموم قراءة الفاتحة، فهذا مذهب من يرى الإسقاط، سواءٌ في جهرية أم سرية. وهناك من يرى التفصيل فيقول: إن كانت جهرية سقطت القراءة؛ لقوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204]، وفي السرية يقرأ لحديث: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج)، الحديث، وقوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، فعملوا بالنص في السرية، وأما في الجهرية، فقالوا: إنه مأمور بالإنصات، فيلزمه الإنصات ولا يقرأ. والذي يترجح -والعلم عند الله- القول بوجوبها مطلقاً، سواءٌ أكانت الصلاة سرية أم جهرية، في جماعة أم منفرداً، وذلك لما يلي: أولاً: لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ... ) الحديث، ولم يفرق. كما أن الصلاة في قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ) نكرة في سياق النفي، والقاعدة أنها تفيد العموم. ثانياً: النص الصحيح الصريح القوي في هذا، وهو أنه لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه فارتج عليه قال: (لعلكم تقرءون وراء إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وقد قال بعض العلماء المتأخرين: إن هذا الحديث منسوخ بحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة)، وهذا القول ضعيف من وجوه: الوجه الأول: أن حديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) ضعيف عند جماهير المحدثين، والضعف فيه من القوة بمكان. الوجه الثاني: أنه لو قيل بتحسينه فهناك قاعدة في الأصول تقول: (إن النسخ لا يثبت بالاحتمال)؛ لأنا لا ندري أي الحديثين أسبق. الوجه الثالث: أن متن هذا الحديث وهو: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) لا يقوى على معارضة متن: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)؛ فإن قوله: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) دل على أن هناك قراءتين: قراءة الفاتحة، وقراءة ما بعد الفاتحة التي هي السورة، فقال: (لا تفعلوا -أي: في السورة- إلا بفاتحة الكتاب)، فاستثناها، وفي الحديث الآخر لم يقل: فكل قراءة الإمام له قراءة. وإنما قال: (فقراءة الإمام له قراءة)، والقراءة إنما تكون لما بعد الفاتحة، وتبقى الفاتحة على الأصل. وهذا أنسب الوجوه عند جمع من العلماء؛ لأنه يجمع بين النصين، ولذلك يقولون: لا يقوى التخصيص ولا المعارضة إلا إذا استويا دلالة وثبوتاً، فحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) أضعف ثبوتاً؛ لأن غاية ما قيل فيه: إنه حسن لغيره، وحديث (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) وحديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)، وكذلك حديث: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب) أقوى صحة من هذا الحديث، فهذا من جهة السند. أما من جهة المتن فعمومات صريحة، حتى إن بعض العلماء يرى أن النص العام قطعي الدلالة على أفراده ثم إن القاعدة في الأصول أن صورة السبب قطيعة الدخول في الحكم. وصورة السبب وردت في صلاة الفجر وهي جهرية، وبناءً على ذلك تعتبر الصلاة الجهرية قطعية الدخول في هذا الحكم: (لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب)، وحديث: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة) متردد، فلا ندري أقراءة الفاتحة هي المرادة به أم قراءة ما بعد الفاتحة، فهو لا يقوى على المعارضة. وبناءً على ذلك فالذي تطمئن إليه النفس القراءة، ولذلك فقد روى البيهقي بسند صحيح في كتابه النفيس: (القراءة وراء الإمام) أن أبا هريرة سئل: متى أقرأ إذا عجل الإمام؟ قال: اقرأها في سكتات الإمام قال: فإن عجزت؟ قال: اقرأها وقول الله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف:204] عموم تستثنيى منه الصلاة؛ لأن القرآن إذا قرئ فالاستماع له واجب، وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج) يدل على الوجوب واللزوم ويدل على أنه ركن من أركان الصلاة، كما هو قول من يقول باعتبار الفاتحة، فوجوب الفاتحة آكد من وجوب الاستماع. وثانياً: أن الاستماع منفصل ووجوب الفاتحة متصل، والقاعدة أن الواجبات أو الفروض إذا تعارضت ينظر إلى جهاتها، فيقدم باختلاف الجهات، فلما كانت عين الفاتحة على المأموم متصلة به، والاستماع إلى غيره منفصل عنه قدم المتصل بوجوبها على المنفصل، ولذلك ترجح القول بالوجوب على العموم.
حكم قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام
حكم قراءة المأموم الفاتحة خلف الإمام
استحباب قراءة الفاتحة للمأموم أثناء سكوت الإمام أو إسراره
استحباب قراءة الفاتحة للمأموم أثناء سكوت الإمام أو إسراره قال رحمه الله: [وتستحب في إسرار إمامه وسكوته وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش]؛ لأنهم لا يرون وجوبها. قوله: [في إسراره] أي: في الصلاة السرية. وقوله: [وسكوته] أي: في حال سكتات الإمام، فإذا أراد أن يقرأ الفاتحة فلا يقرأها في الصلاة الجهرية على مذهب من يرى أنها لا تقرأ في الصلاة الجهرية. وقوله: [وإذا لم يسمعه لبعد لا لطرش]. كأن هذا المذهب قائم على كونه يسمع قراءة الإمام، ولذلك يعتبر الاستشهاد بالآية أضعف من الاستشهاد بالحديث الذي هو نص في موضع النزاع، فقالوا: لما كان وجوب أو إسقاط الفاتحة مبنياً على سماع قراءة الإمام فإنه لو كان بعيداً لن يسمع؛ لأنه في القديم لم تكن هناك وسائل تعين على نقل الصوت مثل الأجهزة الموجودة الآن، فكان الصف قد يصل إلى مائتين أو ثلاثمائة أو أربعمائة أحياناً فلا يسمع الصوت، ولذلك اختلفوا فيما لو أن إنساناً أراد أن يصلي الفجر والصف طويل وليس هناك مكبر صوت، فإذا اقترب من الإمام يسمع القراءة سيكون في الصف الثاني أو الثالث، فهل الأفضل أن يكون في الصف الأول مع عدم سماع القراءة، أم يكون قريباً من الإمام مع تخلفه في الصف؟ فهذا مسألة خلافية في صلاة الفجر، فبعضهم يرى أن استماعه للقرآن وتأثره به لفضل القراءة في صلاة الفجر أفضل؛ لقوله تعالى: {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] فيستثنون صلاة الفجر. وبناءً على ذلك قالوا: إذا كان بعيداً لا يسمع الإمام لا لطرش -والأطرش: هو ثقيل السمع- فمثل هذا يبقى على الأصل، أما من لا يسمع لبعد فيستحب له القراءة.
دعاء الاستفتاح
دعاء الاستفتاح قال رحمه الله: [ويستفتح ويستعيذ فيما يجهر فيه إمامه]. قوله: [ويستفتح] أي: يقرأ دعاء الاستفتاح. وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، قالوا: فيسن أن يقرأ دعاء الاستفتاح ولذلك لما سأل أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دعاء الاستفتاح علمه، ولم ينكر عليه ذلك، ولم يقل: هذا خاص بي. وهنا مسألة مهمة، وهي أنه: إذا قلنا بمشروعية الاستفتاح وراء الإمام فلو جئت في صلاة الظهر أو العصر، أو أي صلاة والإمام قبل الركوع بقليل، بحيث يغلب على ظنك أنك لو قرأت الاستفتاح لم تستطع قراءة الفاتحة فحينئذٍ تترك الاستفتاح، وبمجرد تكبيرك تبدأ بقراءة الفاتحة؛ لأننا عهدنا من الشرع تقديم الواجب على ما هو دونه، كما في الحديث: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة)، فعلمنا أن الشرع يقدم الأهم على المهم، وبناءً على ذلك فإنه يقدم قراءة الفاتحة ويشتغل بها، قال بعض العلماء: لو كبر وقرأ الاستفتاح وركع الإمام ولم يقرأ الفاتحة ولم يتمكن منها لم تجزه الركعة، وعليه قضاؤها؛ لأنه حينما أدرك القدر الذي تقرأ فيه الفاتحة فوجبت عليه قراءتها، وهذا إذا أدرك وقتاً يغلب على ظنه أنه لو قرأ الاستفتاح وراء الإمام فاتته الركعة، فتسقط عنه من هذا الوجه. فإذا كان الأصل في إسقاط القراءة عن المأموم الاستماع في الجهريات أو غير الجهريات بناءً على أن الإمام يتحمل قالوا: يبقى دعاء الاستفتاح على ما هو عليه، ويبقى التعوذ، فيستفتح ويستعيذ بالله عز وجل من الشيطان، ثم يبقى ساكتاً منصتاً لقراءة الإمام إذا كان يقرأ، أو ينتظر تكبير الإمام، وإذا قرأ على الاستحباب فلا حرج عليه، لا على الحتم والإيجاب.
سبق الإمام بالركوع أو السجود
سبق الإمام بالركوع أو السجود قال رحمه الله: [ومن ركع أو سجد قبل إمامه فعليه أن يرجع ليأتي به بعده]. ذلك لأن الله عز وجل أوجب على المأموم متابعة الإمام، ويحرم على المأموم أن يسابق إمامه، ويكره له أن يوافقه، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به ... ) الحديث. أي: إنما شرع الله الإمام من أجل أن يؤتم به، فقوله: (ليؤتم به) بمثابة التعليل، كقوله: (إنما فعلت هذا لتأتموا بي)، فاللام تعليلية، أي: إنما شرع الله الإمامة في الصلاة لكي يكون الإمام بمثابة القدوة لمن بعده، فيوقع فعله بعد فعله، ولا يوقعه قبله. وقال أئمة اللغة: الإمام: مأخوذ من الأمام والأمام هو الخط الذي يخط في أول الباب عند البناء؛ لأنه يعول عليه ويبنى عليه، فصلاة المأموم لما كانت واقعة وراء الإمام كأنها بنيت على صلاة إمامه، ولذلك لا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام، فإن سبقه أعاد. قال رحمه الله: [فإن لم يفعل عمداً بطلت]. أي: إن سبقه في ركن فركع قبله، ولم يرجع لكي يتابع الإمام ويكبر ويركع بعده بطلت صلاته، وحينئذٍ يلزمه أن يستأنف الصلاة، لكن لو أنه ركع قبل الإمام ولم يشعر، إما لغلبة هم أو حزن عليه، أو فرح، أو انشغال ذهن، فلم يشعر إلا وقد كبر وركع، فلم يفاجأ إلا والإمام قال: (الله أكبر) وركع، فقالوا في هذه الحالة يرجع ويكبر وراء الإمام ويدركه في الركوع، وهكذا الحال لو شعر قبل أن يكبر الإمام. فإنه يرجع مباشرة إلى حالته مع الإمام، ولا يبقى على حالة السبق والتقدم؛ لأن ذلك مما نهى الله عز وجل عنه. ومن الأدلة التي تدل على عظم هذا الأمر قوله عليه الصلاة والسلام: (أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار)، والقاعدة في الأصول أنه إذا ورد الوعيد بعقوبة دينية أو دنيوية أو أخروية فإن هذا مشعر بالإثم وبكون الفعل ذنباً وهذا من دلائل المنهيات وأنها تدل على التحريم، ويعتبر العلماء رحمة الله عليهم سبق الأئمة بالأركان كبيرة من الكبائر؛ لورود الوعيد على من سبق الإمام، واختص الرفع من الركوع لكثرة البلوى به؛ لأن الانحناء في الركوع غالباً ما يكون فيه مشقة، فالركوع ليس كالسجود، ولذلك يعجل الناس في مثله لقربهم من الاعتدال، ولخفته عليهم، فخص الركوع بهذا، فلذلك يقولون: لا فرق بين ركن الركوع وغيره من سائر الأركان، فالشرع قصد أن يرتبط المأموم بإمامه، وكونه يورد هذا الوعيد على هذا الفعل يدلنا على أنه كبيرة من كبائر الذنوب، ولذلك عده جمع من الأئمة والعلماء -منهم صاحب الزواجر- أنه من كبائر الذنوب وهذا بناءً على ثبوت ضابط الكبيرة فيه. قال رحمه الله: [وإن ركع ورفع قبل ركوع إمامه عالماً عمداً بطلت]. أي: بطلت صلاته، سواءٌ أتم الركعة ورفع قبله أم ركع عامداً ولم يرفع أو ينتظره حتى رفع، فكل ذلك يوجب بطلان صلاته بالعمد. قال رحمه الله: [وإن كان جاهلاً أو ناسياً بطلت الركعة فقط]. يعذر بالجهل -عند من يقول بالعذر بالجهل- أن يكون جاهلاً بالاقتداء، وبعد ذلك رأى الناس يتابعون الإمام فرجع إلى المتابعة، فإنه في هذه الحالة يعذر عند من يقول بعذره، وهذا خاصة في الناس الذين هم حديثوا عهد بإسلام، فمثلاً شخص قيل له: صلِ مع الجماعة وعرف أنه يقرأ ثم يركع ثم يرفع، فجاء وسبق الإمام في الركوع، فرأى أن أصحابه لم يركعوا، فعلم أن الذي فعله خطأ، ثم رجع والتزم مع الإمام، فإن هذا يعتبر عذراً عند طائفة وجمع من أهل العلم رحمة الله عليهم. وقوله: [أو ناسياً]. أي: أو ناسياً كونه مع الإمام، فيظن أنه لوحده، وهذا يحصل مع غلبة الفرح، أو غلبة الترح، أو الحزن، أو يكون منصرف الذهن -نسأل الله السلامة والعافية- فيسهو عند الانتهاء من القراءة، فلا يفاجأ إلا وهو راكع يظن أنه لوحده، ثم يتذكر أنه مع الإمام، فإنه يرجع ويتابع الإمام على الصورة التي ذكرنا. قال رحمه الله: [وإن ركع ورفع قبل ركوعه، ثم سجد قبل رفعه بطلت إلا الجاهل والناسي]. ومن فعل هذا يلزمه في هذه الحالة قضاء هذه الركعة بعد سلام الإمام، كأنه لم يدرك الإمام في هذه الركعة، فإن كان قد صلى مع الإمام أربع ركعات -كصلاة الظهر- فإنه يلغي هذه الركعة، ويصبح حاكماً على نفسه بأنه مدرك لثلاث ركعات، كأنه سبق بركعة كاملة؛ لأنه إذا سبق الإمام في الأركان الثلاثة فقد سبقه في أغلب الركعة، فحينئذ تلغى هذه الركعة، ويلزمه قضاؤها كاملة. قال رحمه الله: [ويصلي تلك الركعة قضاء]. أي: بعد سلام الإمام يقوم ويأتي بهذه الركعة قضاء، والفرق بين قولك: إنه يتمها، وقولك: يقضيها هو أنه إن قلت: يتمها ففي هذه الحالة -إذا كان في الظهر- يأتي بالفاتحة وحدها، لكن إذا قلت: يقضيها وكان في الركعات الأول فإنه يأتي بالفاتحة والسورة؛ لأن القضاء يحكي الأداء، فكأنه لم يفته شيء مع الإمام، ويعتبر كأنه يؤديها حال قضائه على الصورة المعتبرة حال متابعته للإمام.
مشروعية التخفيف بالمصلين
مشروعية التخفيف بالمصلين قال رحمه الله: [ويسن لإمام التخفيف مع الإتمام]. من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف، والتخفيف ضد التطويل، والمراد به الرفق بالناس؛ لأن شريعتنا شريعة رحمة ويسر، قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)، وقال: (أنا رحمة مهداة)، وفي التنزيل قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، وهذا يتضمن أن الشعائر والشرائع التي بعث بها صلوات الله وسلامه عليه فيها رحمة، وليس فيها عنت ولا عذاب، ولذلك ثبت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن الأفضل والأكمل والأصل التخفيف من قبل الإمام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم بالناس فليخفف)، فهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويدل على أن السنة والأصل هو التخفيف على الناس؛ لأن التطويل عليهم ينفرهم من الصلاة مع الجماعة، وقد حدث هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم أفضل الأمة، فقد أخبر رجلٌ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يتأخر عن الصلاة بسبب تطويل إمامهم، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فوعظ موعظة -قال الراوي: ما رأيت أشد منه في تلك الموعظة- وقال: (إن منكم منفرين)، وقال لـ معاذ لما اشتكاه الرجل في تطويله لما صلى بالناس البقرة في العشاء قال: (أتريد أن تكون يا معاذ فتاناً)، أي: هل تريد فتنة الناس عن دين الله؟! وصرفهم عن دين الله! فالدين يسر والشريعة شريعة رحمة، فعندما يأتي الإمام ويطول على الناس، وإذا دخل المحراب لا يشعر بالضعيف ولا بكبير السن، ولا يشعر بالسقيم والمريض وذي الحاجة، فهذا يدل على غفلته وعدم فقهه بسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من هديه أنه كان يطيل فما يمل من إطالته، ويخفف فما يخل في تخفيفه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك قال أنس: ما صليت وراء أحد أتمّ ولا أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ودخل في صلاة الفجر - وكان يقرأ من الستين إلى المائة آية، كما في الصحيح من حديث أبي برزة وجابر في صلاة الفجر- فلمّا سمع بكاء صبي قرأ: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} [الكوثر:1]، فلما سلم قال: (إني سمعت بكاء صبي فأشفقت على أمه)، وهكذا الحال إذا صلى الإمام بالناس ورأى أن الوقت وقت إزعاج، وأنهم في حالة من التعب والإعياء فليخفف عنهم، كأن يكونوا في سفر، ونزلوا بعد عناء السفر، فيجب على الإمام أن يخفف ويقرأ قراءة محببة إلى النفوس، وتكون إمامته بهم تدل على رحمته وشفقته، فهذا من خيرية الإمامة، ولذلك يرزق أمثال هؤلاء القبول وحب الناس والدعاء بظهر الغيب، وترى الناس يقبلون على مواعظهم، ويتأثرون بهم؛ لأنهم يحسون أنهم يريدون الخير ويتلمسون أحوال الناس، بل والغريب أن الإنسان إذا تعود التخفيف على الناس بدون أن يكون تخفيفاً زائداً عن الحد، ثم أطال في بعض صلواته لتطبيق السنن في التطويل في بعض المناسبات فلن تجد أحداً يكرهه؛ لأنه يعلم أنه يحب الرحمة والتيسير، وأنه إنما فعل هذا على سبيل التأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم فيحب السنة، لكن إذا ألف التطويل على الناس ولو جاء بسنة نفروا منه، وتجدهم لا يحبون ذلك منه، وأشد ما يكون هذا في الخطب؛ فإن الخطب إذا كانت طويلة جداً ومزعجة فإن الناس لا تتيسر لهم الاستفادة، وربما ينفرون، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة، ولو جئت إلى بعض خطبه المأثورة عنه عليه الصلاة والسلام تجده لم يتجاوز الصفحة، ولو تتبعت المرويات في خطبة حجة الوداع التي بين فيها شرائع الإسلام وشعائره فإنها لا تتجاوز صفحة ونصف صفحة، وهكذا الأئمة وغيرهم كانوا على هذا الحال، فخير الكلام ما قل ودل، وكان آخذاً بمجامع قلوب الناس موجباً لحبهم لهذا العلم الذي يكون في الخطب والمواعظ، نسأل الله العظيم أن يرزقنا الائتساء والاقتداء بنبيه صلى الله عليه وسلم. وقوله: [مع الإتمام]؛ لأن التخفيف على حالتين: الحالة الأولى: التخفيف مع التقصير. الحالة الثانية: التخفيف مع الإتمام، كأن يقرأ فيهز بقراءته القلوب، فيعطي الحروف حقها من صفة لها ومستحقها، ويعرب كتاب الله ويفصله ويبينه، فيقرأ السور المناسبة، ثم إذا ركع سبح ثلاث تسبيحات تدل على طمأنينته، كذلك إذا رفع من الركوع قرأ هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الأذكار وحافظ عليها، وما تقوم به الأركان، فهذا كله من الكمال، فيخفف مع التمام والكمال؛ لحديث أنس: (ما صليت وراء أحد أتم ولا أخف صلاة من رسول الله صلى الله عليه وسلم).
تطويل الركعة الأولى على الثانية
تطويل الركعة الأولى على الثانية قال رحمه الله: [وتطويل الركعة الأولى أكثر من الثانية]. من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم التخفيف، وقال بعضهم: الأصل التطويل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالأعراف في صلاة المغرب، كما كان يقرأ المرسلات والطور صلوات الله وسلامه عليه. ولكن هذا محل نظر؛ فإن المفردات لا تدل على العموم، ولذلك ولو سُلِم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا فإن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كانت قراءة مرتلة لا يشعر الناس معها بالملل ولا بالسآمة، وكان عليه الصلاة والسلام لا يُمَلُّ في إطالته، ولو سلم هذا فإن له خصوصيات عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما صلى معه الصحابي في الركعة الواحدة في قيام الليل قرأ البقرة والنساء والمائدة في ركعة واحدة، وهذا إنما يكون بقوة نفسه عليه الصلاة والسلام، أما كون الإنسان يأتي يريد أن يقرأ سورة الأعراف، ويحاول أن يتكلف في أحكام التجويد، أو يقرأ -مثلاً- سورة المرسلات ويتكلف فيها، أو يقرأ فجر يوم الجمعة سورة السجدة والإنسان بالتجويد، ويحاول أن يتكلف ويتقعر ويترنم ويشق على العجزة وعلى المسلمين وكبار السن فهذا ليس من السنة، إنما السنة أن القراءة إذا كانت لجزء طويل فيرتل، والدليل على هذا واضح؛ إذ القراءة على مراتب معروفة، وهي التجويد والتدوير والترتيل والحدر، كما قال الناظم: إن القراءة على مراتب أربع قد فصلت للراغب ترتيلنا والحدر والتدوير كذلك التجويد يا فصيح فلو جاء يجود سورة الأعراف وقت المغرب فيخرج الوقت وما انتهى من الأعراف، ولذلك كان للنبي صلى الله عليه وسلم مناسبات في القراءة، فمن كانت عنده قدرة على القراءة بحيث يقرأ للناس في فجر يوم الجمعة ويرتل وتكون قراءته بالحدر الذي يعطي به أيضاً للقرآن حقه من التأثر بالآيات فهذا شيء طيب، ولذلك تجد الناس يرتاحون إذا قرأ الإمام بالحدر وأعطى الآيات حقها من التأثر، هذا من أفضل ما يكون؛ لأنه لا يشق على الناس، ويطبق السنة، ويتأثر بكتاب الله، أما لو جاء يتكلف بالإتيان بأحكام التجويد، ويحاول أن يتقعر في الآيات ويبالغ فيها فهذا يشق على الناس كثيراً، ولذلك ينبغي أن نطبق السنة من جميع وجوهها، فعندنا سنة قراءة السجدة والإنسان في الجمعة -مثلاً- أو قراءة الأعراف في المغرب لكن عندنا قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا أم أحدكم الناس فليخفف)، وهذا أمر والأمر للوجوب، ويدل على اللزوم، خاصة وأن هناك مفاسد، فلذلك ينبغي الالتزام بمثل هذه السنة، فيفعل هذه السنن دون أن يؤدي إلى إحراج الناس أو الإضرار بهم. ومن السنة -ونبه عليه المصنف- تطويل الركعة الأولى وتقصير التي بعدها، فهذا من السنة، والتطويل للأولى والتقصير في الثانية من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن ينبغي أن ينبه على أمر، فإن العبرة بالآيات لا بعدد الآيات، فقد تكون السورة آياتها قليلة ولكن قراءتها تأخذ وقتاً، ولربما تكون السورة كثيرة الآيات ولكنها سهلة تقرأ بسرعة، ويمكن للإنسان أن يقرأها في وقت أقل من التي هي أطول منها، فإذا نظرت إلى سورة الأعلى مع الغاشية فإنك تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بهما، فإنك إذا نظرت إلى سبح تجد في آياتها ما يحتاج إلى التأخر، ولكن الغاشية تجد فيها سهولة في الانسياب في الآيات، وهذا يختلف باختلاف الحروف ومخارجها كما هو معروف، وكذلك تجد -مثلاً- سورة الليل إذا قرنتها بسورة الشمس، وقد تجد سورة أقل في الآيات ولكنها تحتاج إلى معالجة مثل العاديات، بحيث يطول وقتها أكثر، فقال العلماء: العبرة بالوقت والقدرة على الأداء، وليست العبرة بالقدر، فإن كان في قراءة الأولى مسترسلاً بحيث يستطيع أن يقرأ القدر الأكثر فحينئذ يؤخر، وإذا كانت الثانية أقل فإنه يجعل القليل للثانية والكثير للأولى. ويجوز له أن يجمع في الوقت بين الأولى والثانية، فلو جعل وقت الأولى والثانية متناسباً فإنه لا حرج عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قرأ: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1] في الركعة الأولى، وقرأ في الركعة الثانية: {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة:1]، فأخذ العلماء منه دليلاً على مسألتين: المسألة الأولى: جواز تكرار السورة في الركعتين. المسألة الثانية: جواز العدل بين الركعتين، بحيث تكون الأولى والثانية بقدر واحد، وبناء على ذلك قالوا: لو كانت السورة ثلاثين آية فإنه يقرأ في الركعة الأولى خمس عشرة آية، وفي الركعة الثانية خمس عشرة آية. فبناءً على ذلك يكون قد عدل بين الركعتين، ولو جعل للركعة الأولى عشرين آية وللثانية عشر آيات فحسن، ولا حرج عليه، والأمر واسع في هذا كله. ومن السنة أيضاً أن يطيل الأوليين ويخفف الأخريين؛ فإن سعداً رضي الله عنه وأرضاه الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ارم فداك أبي وأمي)، وكان من المبشرين بالجنة، اشتكاه أهل الكوفة إلى عمر، حتى قالوا: إنه لا يحسن كيف يصلي وهذا يدل على أن الإنسان لا يسلم من الناس، فلما جيء إلى عمر وبلغت الشكوى، أمر محمد بن مسلمة أن يأتي به إلى المدينة، فجاء إلى المدينة، فقال له: لقد قالوا: إنك لا تحسن أن تصلي. قال: والله ما كنت آلوا أن أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أطيل في الأوليين، وأركض في الأخريين. فدل على أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم تطويل الركعتين الأوليين وتخفيف الركعتين الأخريين. قالوا: لأنه كان يقرأ فيهما بالفاتحة وحدها، كما في حديث ابن عباس، وكان أحياناً ربما قرأ بالفاتحة وسورتي: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، كما كان يفعل ذلك في صلاة الظهر، وثبت وصح عنه ذلك. قال رحمه الله: [ويستحب انتظار داخل ما لم يشق على مأموم]. هذه المسألة اختلف فيها العلماء، فإذا كنت راكعاً وأنت إمام فسمعت الداخل فهل تنتظر هؤلاء الداخلين أو لا تنتظر؟ فللعلماء أقوال في هذه المسألة أشهرها قولان: القول الأول: ينتظر؛ لأنه من التعاون على البر والتقوى واستدلوا بالعمومات التي فيها الرفق والتيسير، وقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم من ولي من أمور المسلمين شيئاً فرفق بهم فارفق به). قالوا: فهذا من الرفق. القول الثاني: لا ينتظر؛ لأنه أطال الصلاة من أجل الداخل لا لله جل وعلا. وبناء على ذلك قالوا: لا يشرع هذا. ولأنه يفتح باب المحاباة، ويعين على التكاسل عن الصلاة. إلى غير ما ذكروا من العلل. والذي يظهر أنه لا حرج أن يطيل قليلاً إذا رأى أكثر الناس يأتون، فيزيد في القراءة لا في الركوع؛ لأن هدي النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صلاة الظهر- أنه: (كان يصلي حتى لا يسمع قرع النعال)، فدل على أنه كان يراعي حال الناس، فيكون التطويل في القراءة، فإذا ركع بعد تطويله في القراءة فالأفضل إذا كان لا يوجد مشقة على الناس وأحب أن ينتظر ولا حرج، وإن وجدت مشقة فإنه لا ينتظر.
حكم خروج المرأة إلى المسجد
حكم خروج المرأة إلى المسجد قال رحمه الله: [وإذا استأذنت المرأة إلى المسجد كُرِهَ منعها، وبيتها خير لها]. الاستئذان استفعال من الإذن، والإذن: هو السماح بالشيء، يقال: أذن له إذا أحل له الشيء وسمح له به، واستأذنت، أي: طلبت الإذن. فالحل للمرأة أن يسمح لها زوجها بالخروج، وهذا فيه دليل وهو حديث ابن عمر في الصحيح: (إذا استأذنت أحدكم امرأته المسجد فلا يمنعها)، وقال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وفيه دليل على مسائل: المسألة الأولى: أنه لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها؛ لأنها إذا كانت وهي خارجة إلى الصلاة تستأذن فمن باب أولى إذا خرجت لأمور الدنيا، وهذا أمر يقصر فيه كثير من النساء، فلا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها إلا بإذن زوجها، وينبغي على المرأة أن تسمع وتطيع، فلو قال لها زوجها: لا تخرجي فلا تخرج، ولا تراجع ولا تحاول؛ لأن الزوج ربما كانت عنده أعذارٌ، لا يستطيع أن يبينها، كما قال الإمام مالك رحمه الله: ليس كل الناس يستطيع أن يبين عذره. وقد تكون عنده حمية أو يريد لها الخير، كما قالت فاطمة رضي الله عنه: خير للمرأة أن لا ترى الرجال ولا يراها الرجال. المسألة الثانية: من سماحة الشرع أنه جعل الأمر للزوج، ولكن قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، فإذا قالت له: أريد أن أصلي، أو أريد أن أشهد التراويح أو التهجد فإنه يعينها على الخير، وينبغي للزوج أن يكون حكيماً؛ لأن الشيطان ربما دخل عليها وقال لها: هذا يمنعك من الخير، فيزين لها أن زوجها أحد رجلين: الأول: أنه إنسان يشك فيها والعياذ بالله؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، يقول العلماء: إنه يدخل الشك والوساوس على المرأة والمرأة ضعيفه، فإذا منعها من الخير قالت: الصلاة لا أحد يمنع منها، فليس هناك سبب إلا الشك فيدخلها الشيطان من هذا الباب، فكان من حكم الشرع: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله). الثاني: أنه إذا ضعيف الإيمان؛ لأنه لو كان قوي الإيمان لأحب لها الخير كما يحبه لنفسه، ولذلك منع الشرع من منعهن، ولما قال بلال بن عبد الله بن عمر: والله لنمنعهن أقبل عليه ابن عمر فسبه سباً سيئاً، قال الراوي: ما سمعته سبه مثله قط، قال: أقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعهن. أي: تجرأ على السنة! فهذا يدل على أن المسلم ملزم باتباع السنة. ولكن يجوز للزوج أن يمنعها إذا علم أو غلب على ظنه الوقوع في الفتنة والمحظور، كأن يغلب على ظنه وجود الفساق والفجار، وأنها قد تتعرض لما لا يحمد عقباه، فمن حقه أن يمنعها؛ لأن الله لم يجعل الأمر بيده إلا لكي يتقي الله عز وجل، ومن تقوى الله سبحانه وتعالى منعها عند وقوع الفتن، ولذلك أثر عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب عجيزة امرأته لما خرجت إلى الصلاة، وقال: إن الناس قد تغيروا، فأصرت عليه أن تخرج فتركها، فلما كانت الليلة الثالثة ضرب عجيزتها، أي: ضربها على عجيزتها وهي مارة، وكانت النساء على حياء وخجل، وكانوا يعرفون أن المرأة الحرة، فيقولون: لو ضربت بالسوط على ظهرها لم تلتفت من كمال عفتها وحيائها. حتى إن العلماء لما تكلموا على توبة الزانية من الزنا قالوا: توبتها أن تترك ماشية، ثم يصاح وراء ظهرها، فإن التفتت فما زالت في ضعف العفة؛ لأن من كمال عفة المرأة الحية أنها لا تلتفت ولا تنظر إلا في أرضها، وقد يبلغ بها أن تتعثر وتسقط، ولكن سقوط الجسم أهون من سقوط الهوى والردى، ولذلك كن بهذه المثابة. وإذا أذن لها فعليها أن تخرج تفلة، بمعنى أنها لا تخرج متعطرة ولا متبرجة، وإلا منعها وأخذ على يدها، فإن لم يفعل فهو آثم، وبناءً على ذلك فمن حقه أن يمنعها في مثل هذه الأحوال، وكذلك الحال إذا كان طريقها غير آمن، فإنها قد تكون صالحة ولكن غيرها غير صالح، فيشرع للزوج أن يحبسها. وقوله: [وبيتها خير لها] لنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاتها في مخدعها خير لها من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها خير لها من صلاتها في مسجد حيها، وصلاتها في مسجد حيها خير لها من صلاة المسجد الجامع)، وهذا مبالغة في ستر المرأة.
الأسئلة
الأسئلة
التطويل في الركعتين الأوليين ليس خاصا بالقراءة فقط
التطويل في الركعتين الأوليين ليس خاصاً بالقراءة فقط Q هل التطويل في الركعتين الأوليين مختص بالقراءة فقط كأم هو عام في سائر الأركان كالركوع والسجود؟ A المحفوظ من هديه -بأبي هو وأمي صلوات الله وسلامه عليه- أن قراءته وركوعه وسجوده ورفعه من السجود كل ذلك كان قريباً من المساواة، وهذا هو هديه صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك وصفت صلاته بالتمام، فإذا فعل الإنسان هذا ووسعه ذلك فإنه يفعل، لكن إذا كان فيه مشقة على الناس فإنه يقتصر على حد الإجزاء، ففي التسبيح يقتصر على ثلاث، وكذلك أيضاً في الرفع من الركوع يقرأ الدعاء المأثور: (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) إلى آخره، ويجعل صلاته موزونة حتى يدرك السنة بصورتها إن لم يدرك حقيقتها، فإنه يدرك فضل صورة السنة، فيكون مدركاً للسنة من وجه؛ لأن الله لا يضيع عمل العامل، فهذا من إدراك جزء السنن كما يقرره جمع من الأصوليين رحمة الله عليهم. والله تعالى أعلم.
دعاء الاستفتاح لمن دخل والإمام يقرأ الفاتحة
دعاء الاستفتاح لمن دخل والإمام يقرأ الفاتحة Q من أدرك الإمام وهو يقرأ الفاتحة فهل ينصت، أم يقرأ دعاء الاستفتاح؟ A إذا أدركت الإمام وهو يقرأ الفاتحة تنصت، ويسقط دعاء الاستفتاح لفوات المحل والانشغال بالواجب؛ فإن مرتبة دعاء الاستفتاح دون مرتبة وجوب الإنصات، وبناء على ذلك يسقط دعاء الاستفتاح لمكان المتابعة، ولوجود قراءة، ويشتغل الإنسان بالاستماع على ظاهر النص. والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الراتبة بعد السلام من الفريضة
حكم صلاة الراتبة بعد السلام من الفريضة Q ما حكم صلاة الراتبة بعد السلام من المكتوبة مباشرة؟ A هذا فيه حديث في يوم الجمعة، حيث ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن يصل الصلاتين ببعضهما حتى يتكلم أو ينصرف على الأقل من مكانه، لا أن تقوم مباشرة بعد سلامه من صلاة الجمعة، فهذا هذا منهي عنه في حديث معاوية رضي الله عنه وأرضاه. فالسنة أن يأتي بالأذكار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك يتسنن ويتنفل بما شاء، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الاستغفار وقول: (اللهم أنت السلام ... ) إلى آخره، وكذلك أيضاً: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) كما في حديث معاذ، ثم يشرع في الأذكار والمعقبات التي لا يخيب قائلهن، ثم إذا انتهى من المعقبات وقال تمامهن: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على شيء قدير، بعد ذلك يقول: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت. ثم بعد هذا يتسنن إذا أحب ذلك، والأفضل أن يؤخر السنة إلى بيته. وقال بعض الحفية: إنه يصل الصلاة بالصلاة. ولهم في هذا حديث ضعيف: (صلاتان لا لغو بينهما)، والحديث ضعيف، لكن لو صح فإنه يجاب عنه بأن قوله: (صلاتان) المراد به صلاة فريضة وفريضة، كصلاة الظهر والعصر، وقوله: (لغو بينهما) أي: لا يغتاب الناس، ولا يقول النميمة، ولا يسب، ولا يشتم، ولا يفعل الحرام؛ لأنها موجبة للرحمة وللخير، فيشمل الفريضة مع الفريضة، وهذا يدل على أن صلاته الأولى مقبولة؛ لأن الرجل إذا كان يصلي الصلاة ويتبعها بالصلاة الثانية لا ذنب بينهما فإن هذا -كما يقول جمع من العلماء- من علامات القبول، وأن صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، وهذا بأفضل المنازل عند الله سبحانه وتعالى، فمن أفضل المنازل أن يصل إلى درجة أن تكون صلاته تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ومن دلائل ذلك أن تجده يصلي الصلاة ويعقبها بالصلاة لا لغو بينهما، فهذا يدل على أنه بخير المنازل، وأن صلاته نهته عن الفحشاء والمنكر، نسأل الله العظيم أن يبلغنا هذه المنزلة، وأن يجعلنا من أهلها بمنه وكرمه. والله تعالى أعلم.
قراءة آيات معينة في صلاة العشاء
قراءة آيات معينة في صلاة العشاء Q هل ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة سور أو آيات معينة في صلاة العشاء؟ A نعم ورد عنه. وأخذوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم لـ معاذ: (هلا قرأت بهم بـ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى)، و (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)، و (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)) على الروايات التي وردت، ولذلك يقولون في هذه السور: هذا هو الذي يقرأ في صلاة العشاء؛ لأن الشكوى كانت من معاذ في صلاة العشاء، وأمره أن يقرأ هذه السور في صلاة العشاء، فدل على أنها السنة، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) كما جاء من حديث البراء رضي الله عنه وأرضاه، فالأمر في هذا واسع، والناس يختلفون، فقد يصلي الإنسان العشاء مع جمع لكن على حرج ومشقة، وقد يصلي بجمع على سعة وجلد، كشباب وراءهم عمل ولا شغل، ويكونون متهيئين للإطالة فيطيل بهم، فهذا من الأفضل. ومن أفضل ما تكون الصلاة إذا طولت القراءة فيها، فإن بعض العلماء يقول: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة) المراد به أن السبع والعشرين درجة للصلاة الجهرية؛ لأن فيها قراءة للقرآن وتأثر الناس به، وكلما كان استماع الإنسان مع التأثر وحضور القلب والخشوع وحب هذه الآيات المنزلة من الله سبحانه وتعالى وحبه للعمل بها والتأثر بها كلما كان أرفع درجة وأعظم حظاً، ولذلك يرى بعض العلماء أن السبع والعشرين مختصة بالصلاة الجهرية، كصلاة الفجر وصلاة العشاء وصلاة المغرب كله لمكان القراءة. وعلى العموم فإن قراءة العشاء تكون على الوصف الذي ذكرناه، ولكن إذا كان هناك مجال للإطالة، كأن يكون الإنسان مع جمع ورفقة تحب الإطالة وترتاح لقراءته، ويرى أن هذا فيه خير لهم، فإنه يطيل، ونعم الإطالة أن يشتغل الإنسان بكتاب الله عز وجل، فلا يزال بخير ما وقف بين يدي الله عز وجل، نسأل الله العظيم أن يوفقنا لحسن الصلاة وكمالها.
حكم من أفطر رمضان جاهلا بوجوبه عليه
حكم من أفطر رمضان جاهلاً بوجوبه عليه Q امرأة لما بلغت كانت تجهل وجوب الصيام عليها، ولم تصم طيلة عامين، فماذا عليها، وهل تعذر بالجهل؟ A يجب عليها قضاء الشهرين، قضاء الشهر من السنة الأولى وقضاؤه من السنة الثانية، وفي هذا تفريط ولو ادعت الجهل، خاصة في هذه الأزمنة الذي أمكن فيها سؤال العلماء والرجوع إليهم. وكون المرأة تجلس هكذا لا تسأل ولا تراجع العلماء، وتبلغ ولا تبحث عن أحكام دينها ولا تسأل، ثم تقول: إنها جاهلة فمثل هذا الجاهل يلزم بعاقبة التقصير، ويقال له: تقضي ما فاتك. فليس هذا الجهل بعذر؛ لأنه يمكنها أن تسأل وقد قصرت، والواجب على من أسلم أن يعلم شعائر الإسلام، وأن يتفقه كما ندب الله عباده إليه، فقال سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة:122]، فندبهم إلى هذا، قال العلماء: يتعين طلب العلم على من بلي بالعبادة والمعاملة، فمن أراد أن يصلي صار فرضاً عليه أن يسأل عن أحكام الصلاة، ومن أراد أن يزكي صار فرضاً عليه أن يسأل عن أحكام الزكاة. أما أن يجلس ويترك الزكاة السنة والسنتين والثلاث، ولا يسأل وهو يعلم أن هذا من دينه فإنه في هذه الحالة يلزم بعاقبة تقصيره، ويتحمل وزر ذلك. والله تعالى أعلم.
ضابط الموالاة في الوضوء
ضابط الموالاة في الوضوء Q ما هو ضابط الموالاة في الوضوء؟ A الموالاة: وقوع الشيء وهو يلي الشيء الذي قبله. والضابط عند العلماء رحمة الله عليهم في الموالاة: أن تغسل يدك -مثلاً- ثم بعد غسل اليد مسح الرأس، قالوا: يشترط في صحة مسح الرأس أن لا تنشف اليد، والتنشيف يختلف باختلاف الصيف والشتاء، فقالوا: ننظر للزمان المعتدل، فلو أن إنساناً توضأ وغسل كفيه فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه، ثم غسل يديه فانقطع الماء من الصنبور، أو انتهى الماء الذي معه فنزل من دور إلى دور يبحث عن الماء، أو ذهب يبحث عن الماء، أو ذهب إلى مكان آخر فيه ماء، والمسافة التي بين المكان الأول للذي يتوضأ فيه والمكان الثاني الذي يوجد فيه الماء يسيرة جداً بحيث تبقى نداوة العضو، ويبقى أثر الماء عليه، فحينئذ شرط الموالاة لم يذهب، ويصح منه أن يبتدئ من الموضع الذي انتهى إليه فيغسل ما بعده. وبناء على ذلك يكون شرط الموالاة أن لا ينشف العضو في الزمان الواحد، لكن لو فرض أنه في شدة البرد ينشف بسرعة، وفي شدة الحر يكون فيه شيء من الرطوبة والنداوة للجسم، خاصة إذا لم ينشف، فيتأخر في الصيف ويبادر في الشتاء، قالوا: في هذه الحالة ننظر إلى الزمان المعتدل، فمثلاً: الزمان المعتدل دقيقتان إلى ثلاث دقائق فنقول: لو كان في شدة الصيف أو شدة الشتاء فالعبرة بثلاث دقائق، أو العبرة بالدقيقين. وهذا يرجع إلى غلبة ظن الإنسان، أما العضو فما زال الماء عليه. والله تعالى أعلم.
عدم اشتراط الطهارة للأذان
عدم اشتراط الطهارة للأذان Q هل تشترط الطهارة للأذان؟ A الطهارة للأذان لا تشترط، وبناءً على ذلك يجوز للإنسان أن يذكر الله في الأذان ولو لم يكن متوضئاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن وهو على غير وضوء، فمن باب أولى الأذان الذي هو دون القرآن؛ لأن القرآن أفضل، وقد جاء في الأثر: (فضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه)، كما في الصحيح، فإذا كان القرآن الذي هو أفضل الأذكار وأشرفها وأعظمها لا تشترط له الطهارة لتلاوته فمن باب أولى الأذان الذي هو دون ذلك، وبناءً على هذا يصح الأذان من المحدث، ولكن ليس الإشكال هنا، فالإشكال أنه إذا دخل المسجد وأذن سيضطر إلى الخروج بعد الأذان، وهذا أمر منكر يقع حتى من بعض طلاب العلم؛ فإن الإنسان إذا سمع الأذان وهو في المسجد لا يخرج ولو إلى مسجد أفضل من المسجد الذي هو فيه، بل يجب عليه أن يبقى في المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخروج بعد الأذان، حتى إن ابن مسعود رضي الله عنه لما رأى رجلاً خرج بعد الأذان قال: أما هذا فقد عصى الله ورسوله فلا يجوز الخروج بعد الأذان إلا لمن كان محدثاً، قالوا: فهذا محدث، ويكون حدثه عالماً به قبل الأذان، فكأنه يتعاطى أسباب التقصير، بخلاف من أحدث أو تذكر أنه محدث بعد الأذان، لكن إذا أحدث قالوا: يضع يده على فيه كما ورد في السنة، ثم يخرج أما أن الإنسان يؤذن ثم يخرج من المسجد، خاصة ما يجعله بعض المؤذنين الآن -أصلحهم الله- من التساهل في مثل هذه الأمور، فتجده لا يحضر إلا عند الإقامة، فيؤذن ثم يخرج، وقد يخرج خارج المسجد، وقد يخرج إلى مصالح دنيوية، وهذا من بالغ الغفلة -نسأل الله السلامة والعافية- وبسبب تقصير كثير من الناس في تعظيم شعائر الله عز وجل بعد أن كان الأئمة والمؤذنون لا يفارقون المساجد، وترى الرجل منهم وتعرفه كحمامة المسجد، وإذا أردت أن تبحث عن إنسان منهم وتعلم أين هو فانظر إليه في المسجد، فلا يؤذن للصلاة إلا وجدته في الصفوف الأول حريصاً عليه، أو قريباً من المسجد، لكن الآن قد تجده يؤذن ثم يخرج في صلاة الفجر ويجلس مع أصحابه أو أولاده، ثم لا يخرج إلا وقت الإقامة، كأنه أمر من أمور الدنيا، نسأل الله السلامة والعافية. فينبغي التناصح في مثل هذا، حتى لطلاب العلم الذين يخرجون بعد الأذان، ولو كانوا أئمة لا يخرجون، فإذا أرادوا أن يخرجوا فعليهم أن يخرجوا قبل الأذان. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يوفقنا للسداد والرشاد، وأن يلهمنا لما فيه مرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
فصل: الأولى بالإمامة [1]
شرح زاد المستقنع - فصل: الأولى بالإمامة [1] مما يتعلق بصلاة الجماعة: أحكام الإمامة، ويقدم فيها الأقرأ للقرآن العالم فقه الصلاة، ثم الأكبر سناً، ثم الأقدم هجرة، ثم يقرع فمن خرجت قرعته تقدم، وهناك أئمة أحق من غيرهم؛ كصاحب البيت، وإمام المسجد الراتب. ويقدم الحر والحاضر والمقيم والبصير على غيره، ولا تصح الصلاة خلف الكافر، ولا خلف امرأة أو خنثى.
أحكام الإمامة
أحكام الإمامة
تقديم أقرأ الناس للإمامة في الصلاة
تقديم أقرأ الناس للإمامة في الصلاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصلٌ: الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته] الإمامة منصبٌ شريف ومقام عزيز مُنيف لا ينبغي لكل أحدٍ أن يتصدّر له، ولا ينبغي لكل أحدٍ أن يكون فيه إلا إذا كان أهلاً لهذا المقام، فحينئذٍ يجوز له أن يتقدم على الناس، وأن يتشرف بهذا المكان الذي يكون فيه مؤتمناً على صلاتهم، وإقامة هذه الشعيرة لهم، والناس تقتدي بالأئمة، فكلما كان الإمام على صلاح وتقوى لله عز وجل وعلمٍ بالشريعة وفقه في الدين ومعرفةٍ بهدي النبي صلى الله عليه وسلم كلّما كان ذلك أدعى لحبِّه وحب الصلاة وراءه، والتأثر بقراءته ومواعظه وخطبه، الأمر الذي يكون له أحمدُ العواقب، وأحسنُ الثمرات، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أن تهيئ لهذا المقام من توفرت فيه شروط الأهلية، فقال صلى الله عليه وسلم -كما في حديث أبي مسعود في الصحيح-: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). فأمرنا عليه الصلاة والسلام أن نقدم الأقرأ لكتاب الله عز وجل، والسبب في ذلك أنّ الغالب في الإنسان إذا شرّفه الله وكمّله وفضّله بحفظ كتابه فالأصل فيه أن يكون من أهل كتاب الله العالمين به، العاملين بما فيه، ومثل هؤلاء أئمة يُقتدى بهم إذا كان القرآن إماماً لهم في القول والعمل والاعتقاد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). فلما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يحفظ كتاب الله عز وجل إلا من علمه وعمل به كان ذلك أدعى لتقديم هؤلاء الخيرة البررة الذين هم صفوة الله عز وجل من الخلق، أعني العلماء بكتاب الله العاملين به. فالمصنف رحمه الله بعد أن بين لنا حكم صلاة الجماعة، والمسائل المتعلقة بمباحث صلاة الجماعة شرع في بيان من الذي يُقدّم للإمامة لكي يُصلِّي بالناس جماعة، فقال رحمه الله: [الأولى بالإمامة الأقرأ] وفي هذه النسخة [العالم فقه صلاته]، وفي غيرها الإطلاق: [الأقرأ]، وهذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها، ولذلك لا بد من بيان المراد بقولهم: (الأقرأ) ثم بعد ذلك نبيِّن أقوالهم وأدلتهم، والراجح من الأقوال والأدلة. فلفظ (الأقرأ) اختلف العلماء رحمهم الله فيه على قولين: قال بعض العلماء: الأقرأ: هو الأكثر أخذاً للقرآن، والمراد بذلك أن يكون حفظُه أكثر من غيره، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال ذلك فَهِم منه الصحابة هذا الفهم، كما في الحديث في الصحيح أن سالماً مولى أبي حذيفة رضي الله عنهما كان يؤم المهاجرين والأنصار، وذلك في المدينة قبل مقدِم النبي صلى الله عليه وسلم قال الراوي: وكان أكثرهم قرآناً. فقوله: كان أكثرهم قرآناً، أي: كان حفظه أكثر. وكذلك استدلوا بحديث عمرو بن سلمة، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا فارقه قوم أبي سلمة قال لهم: (وليؤمكم أكثركم قرآناً) قال: فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم أخذاً للقرآن، فقدموني. ووجه الدلالة أنه علَّق التقديم على كثرة الحفظ، فدلّ على أن المراد بالأقرأ الأكثر حفظاً للقرآن، وعلى هذا يُقدم حافظ القرآن كله على من حفظ ثلاثة أرباعه، ويقدم من حفظ ثلاثة أرباع القرآن على من حفِظ النصف ولو كان أكثر ضبطاً لأحكام التجويد والترتيل، فهذا هو الوجه الأول، فالعبرة عندهم بكثرة الحفظ، ولكن يلاحظ أنهم يرون مع كثرة الحفظ أن يكون ضابطاً لما ينبغي أو يُشترط لصحة التلاوة واعتبارها. القول الثاني يقول: إن المراد بالأقرأ الأتقن في مخارج الحروف وضوابط القراءة، وهو المجوِّد لكتاب الله عز وجل الذي يحسن ترتيله ويحسن تحبيره وتتأثر الناس بقراءته أكثر، وهذا القول يعتمد على ظاهر اللفظ في قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)؛ فإن اللغة العربية تدل على أن (الأقرأ) أفعل تفضيل، والمراد به أنه فَضُل على غيره بحسن التلاوة وحسن الأداء للقراءة، فقالوا: المهم عندنا أن يكون محبِّراً لكتاب الله عز وجل، وعلى هذا الوجه. فلو اجتمع حافظٌ للقرآن كله وحافظٌ لنصف القرآن، والذي يحفظ نصف القرآن أكثر ضبطاً لأحكام القراءة، والناس تتأثر بقراءته أكثر، ويُحسن تحبيره وتجويده قالوا: يُقَدَّم على من هو أكثر حفظاً منه. والذي يظهر -والعلم عند الله- أن العبرة بكثرة الحفظ، وليس المراد التحبير وحسن النغمات والمبالغة في التجويد، وعلى هذا فلو اجتمع من هو أكثر حفظاً للقرآن مع من هو أحسن أداءً وأحسن ترتيلاً وتجويداً فإنه يُقَدَّم الأحفظ؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم فَهِموا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدلّ على أنه هو المعوَّل وعليه العمل. وإذا عرفنا ما هو المراد بالأقرأ ف Q لو اجتمع عندنا رجلان أحدهما أقرأ، سواءٌ أكان أكثر أخذاً للقرآن أم أكثر ضبطاً للقرآن، والآخر أفقه، بمعنى أنه يعلم أحكام الصلاة وما يكون فيها من أحكام السهو ونحوه، وما يطرأ فيها من الطوارئ التي يحتاج الأئمة فيها إلى جبر النواقص والزوائد، أو كان عالماً بالأحكام الشرعية من عبادات ومعاملات، فهل نُقدِّم الأقرأ أو نقدم الأفقه؟ في ذلك قولان للعلماء: القول الأول: ذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه، ووافقه جمعٌ من المحدثين، وبه قال بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمة الله على الجميع إلى أن الأقرأ لكتاب الله يقدم على الأفقه. القول الثاني -وهو قول الجمهور-: أن الأفقه يقدم على الأقرأ، فلو اجتمع حافظٌ للقرآن ومن هو أكثر منه علماً وفقهاً في الدين فإنه يقدم الأفقه والأعلم بالحلال والحرام على الحافظ لكتاب الله عز وجل. واستدل الذين قالوا بتقديم الأقرأ بظاهر حديث أبي مسعود رضي الله عنه وأرضاه في الصحيح، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، ووجه الدلالة من هذا الحديث واضح، حيث قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)، قالوا: فقدّم الأقرأ على الأعلم بالسنة فدل على أن القارئ مقدمٌ على الفقيه. وأصحاب القول الثاني احتجوا بحديث أبي بكر رضي الله عنه في إمامته، كما في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم أبا بكر، وكان أبو بكر رضي الله عنه من أعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك قالوا: قُدِّم لفقهه لا لقراءته؛ لأن أُبياً رضي الله عنه أعلم منه بالقراءة، ومع هذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر، فدل هذا على أن الأفقه مُقدمٌ على الأقرأ، وهناك أدلة أخرى، ولكن المعوَّل على هذين الدليلين، فالأول حديث أبي مسعود رضي الله عنه، والثاني حديث أبي بكر في إمامته. ومما علل به الجمهور لمذهبهم أن قالوا: إن الأقرأ نحتاج إليه للقراءة، والقراءة تتعلق بركنٍ واحدٍ وهو القيام. وأما بالنسبة للأفقه فنحتاج إليه في أركان الصلاة؛ فإن الصلاة قد يطرأ فيها السهو، فتطرأ فيها الزيادة ويطرأ فيها النقص، وتختلج الصلاة على الناس، فإذا كان الأفقه موجوداً أو هو الإمام فإن ذلك أدعى لتعليم الناس، وهو أعرف وأعلم بما ينبغي فِعله على الإمام في مثل هذه الأحوال الطارئة. فكأن الفقه يُحتاج إليه لأركانٍ، والقراءة يُحتاج إليها لركن، فقُدِّم ما يحتاج إليه لأركانٍ على ما يحتاج إليه لركنٍ واحد. والذي يترجح -والعلم عند الله- هو القول بتقديم الأقرأ لكتاب الله، وذلك لظاهر السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثانياً: أن سالماً مولى أبي حذيفة -كما في الصحيح- كان يؤم المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر رضي الله عنه وأرضاه، وأما إمامة أبي بكر رضي الله عنه فإنها لم تتمحض بإمامة الصلاة، وإنما قُصِد منها الإشارة إلى استخلافه رضي الله عنه وأرضاه، فخرج الدليل عن موضع النزاع، ولذلك يُعتبر تقديم الأقرأ لكتاب الله هو المعوّل عليه، لكن ينبغي أن يُنبه على أن الأقرأ يُقدَّم إذا كان عنده إلمام بضوابط الصلاة، وليس المراد أن يُقدَّم مطلقاً حتى ولو كان جاهلاً ببعض الضوابط، كالأمور التي تطرأ في السهو ونحوه. فقول المصنف رحمه الله: [الأولى بالإمامة الأقرأ]، أي: أقرأ الناس لكتاب الله عز وجل. والسبب في هذا ظاهر؛ فإن القرآن يشرِّف أهله، ويرفع من مكانتهم في الدنيا والآخرة، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعمله)، وما أوتي أحدٌ عطاءً أشرف ولا أكمل -بعد الإيمان بالله عز وجل- من حفظ كتاب الله عز وجل والعمل بهذا الكتاب؛ فإنه نور في قلبه، ونورٌ له في حشره، ونورٌ له بين يدي ربه ولذلك إذا أنعم الله على العبد بهذا الكتاب فإنه يشرِّفه ويكرِّمه، ولم يبق إلا أن يُكرم قارئ القرآن ما في قلبه، فيصونه -أو يصون نفسه- عن الأمور التي لا تليق بمثله. وقوله: [العالم فقه صلاته] هذا إضافة في بعض النسخ، فنُقدِّم الأقرأ إذا كان عنده إلمام بفقه الصلاة، لكن لو كان عندنا إنسان يحفظ القرآن ولكنه يجهل أحكام الصلاة، ولربما يقع الناس في لبس في صلاتهم فحينئذٍ لا يُقدَّم؛ لأنه قد يُعرِّض صلاة الناس للفساد. قال رحمه الله تعالى: [ثم الأفقه]. (ثم) تقتضي الترتيب، فيُقدم بعد الأقرأ الأفقه، والأفقه: أفْعَلٌ، من فقه الشيء: إذا فَهِمه. ويقال: إن الفقه يختص بالمعضلات، ولا يكون إلا في المسائل الدقيقة، والفقه شرف ونعمةٌ عظيمة يُنعم الله عز وجل بها على من شاء من عباده، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين
الأدلة على تقديم الفقيه للإمامة
الأدلة على تقديم الفقيه للإمامة أما الدليل على تقديم العالِم بالحلال والحرام فحديث أبي مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة). والعلم بالسنة يكون على ثلاثة أضرب: الأول: أن يحفظ السنة ويكون من حفّاظها، وهذا الذي يسميه العلماء الحافظ والمحدّث، وهو الذي يُسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحفظ الأحاديث، ويكون عالماً بما قاله عليه الصلاة والسلام. الثاني: أن يعرف، أو يفهم ويفقه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام التي تتضمنها هذه الأحاديث، ولكن حفظه للأحاديث قليل، وليس عنده حفظ للأحاديث، ولكن إذا جاء النص من الأحاديث يحسن فهمه، ويحسن تخريجه، ويعرف ما تعارض من الأحاديث وكيفية الجواب عنها، وكيف الخروج من إشكالها، فالأول حافظٌ للحديث، والثاني فقيه بالحديث. الثالث: من جمع الله له بين الحسنيين فحفظ الأحاديث مع الفهم، فيكون عنده إلمام بما قال عليه الصلاة والسلام، بحيث يحفظ الأحاديث والآثار، وعنده شغف وتلهف لمعرفة ما ورد من هدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي والتقريري، ثم كذلك إذا جاءته السنة فإنه يعرف كيف يفهمها، وعلى أي محملٍ يحملها عليه، فهذه أشرف المراتب، وهي أعلى مراتب السنة، فيكون حافظاً لها فقيهاً بما فيها من المعاني، وكل هذه المراتب مراتب شرف. وأما المرتبة الأولى -وهي مرتبة الحفظ- فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: (نضَّر الله امرأً سمع مقالتي فحفظها -وفي رواية: فوعاها- فأداها كما سمعها)، فقوله: (نضّر الله) قال بعض العلماء: هو من النضارة، وهي الحسن. وقال بعض العلماء: يُحشر أهل الحديث وهم بيض الوجوه لهذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: نضر الله له وجهه في الآخرة. وقال بعض العلماء: بل الحديث على إطلاقه، أي: نضّر الله وجهه في الدنيا والآخرة. فمن حفظ حديثاً من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وبلغه فإنه داخلٌ تحت هذا الفضل، فمن شاء فليستكثر، ومن شاء فليستقل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (نضّر الله) وأطلق، وقال بعض العلماء: لأهل الحديث نورٌ في وجوههم بحفظهم لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. وأما فقه الأحاديث فهذا هو المقصود في النصوص، كما قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]، ولم يجعله للحفظ وحده، وإنما قال: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29]. وقد عتب على بني إسرائيل حين حفظوا ولم يعملوا، فقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة:5]، فالمهم مرتبة الفقه والعمل، وإذا جمع الله للعبد الحسنيين فقد حاز تلك الفضيلتين، فلو اجتمع من يحفظ الأحاديث ومن يحفظ القرآن فإننا نقدم من يحفظ القرآن، ثم لو اجتمع من يحفظ السنة أكثر ومن هو أقل منه حفظاً للسنة فإننا نقدم من هو أحفظ للسنة.
تقديم الأكبر في السن للإمامة عند التساوي في الحفظ والعلم
تقديم الأكبر في السن للإمامة عند التساوي في الحفظ والعلم قال رحمه الله: [ثم الأسن] الأسنَّ: مأخوذ من السِّن، والمراد بذلك: الأكبر سناً، فلو كان عندنا رجلان كلاهما حافظٌ للقرآن، وكلاهما فقيه أو عالم بالحلال والحرام من السنة، فحينئذٍ استوت مرتبتهما في الكتاب والسنة، فنرجع إلى التفضيل بالسن، والسبب في ذلك أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم منعقد على تفضيل الكبير وإكرامه وإجلاله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ليس منا -أي: ليس على هدينا الكامل- من لم يوقر كبيرنا)، فتوقير الكبار وإجلالهم ومعرفة قدرهم شأن الفضلاء، فلا يُجلهم إلا الكرام ولا يحتقرهم إلا اللئام، فالكبير له حق على الصغير، ومن هنا قدَّمت الشريعة الإسلامية الكبير في السن حتى في الإمامة، فلو كان أحدهم أسن فإنه يقدم. قال العلماء: الدليل على التقديم بالسِّن حديث مالك بن الحويرث، وذلك أن مالكاً هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه رجلٌ من قومه، فجلسا قرابة عشرين يوماً فقال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حليماً رحيماً رفيقاً بأصحابه، فرأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، فقال: (ارجعوا إلى أهليكم فعلموهم، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما)، ووجه الدلالة أن مالكاً رضي الله عنه والذي معه اجتمعا في الحفظ والفهم، فعلما وسمعا القرآن، وسمعا السنة، فاستوت مرتبتهما في العلم، فقال: (وليؤمكما أكبركما). قال العلماء: في هذا دليل على التقديم للإمامة بالسن، فلو اجتمعت مراتب المتقدمين علماً بالقرآن والسنة فإننا نقدم بالسن. وهذا يدل على ما ينبغي من تقديم الكبار وإجلالهم، وقال العلماء: تقديم الكبار له فضيلة، فإن الكبير -خاصةً إذا كان كبير السن ضابطاً لصلاته- يكون أخشع في الصلاة وفي القراءة؛ لأنه قريبٌ من الآخرة، فيتأثر أكثر من تأثر الشاب الحدث. ثانياً: أن كبير السن أكثر هيبةً وأكثر إجلالاً، فتهاب الناس المحراب، وتهاب المنبر، وتُحس بهيبته ورهبته إذا تقدم كبار السن والأجلاء والعُقلاء. الأمر الثالث: أنهم أناس لهم بصيرة ولهم علم ومعرفة بالحوادث وبما يكون، فإذا وقع أمرٌ ما على الناس واحتاجوا إلى من عنده تجربة ومعرفة وجدوا عند الإمام ما يعينهم على صلاح دينهم ودنياهم، فهذه كلها أمور تدل على حكمة الشريعة في تقديم الأكبر سناً، ولكن إذا استوت مرتبة العلم بكتاب الله والعلم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله تعالى: [ثم الأشرف]. الأشرف: مأخوذ من الشّرف، والشرف يرجع إلى النسب؛ فإن الإنسان إذا شرُف نسبه فكان من أهل البيوت الشريفة، وفضّله الله عز وجل بنسبه فإنه يُقدَّم، وهذا مذهب بعض العلماء، والصحيح أن النسب لا دخل له في التقديم بالإمامة، ولكن على سبيل الاستحباب، فلو وُجِد من ينتسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وله شرف النسب فإنه يقدم، كما في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأئمة من قريش)، ففضَّل بالنسب، وقالوا: لأنه لما يكون نسيباً فإن الناس تهابه وتجله وتكرمه، وكل ذلك المراد منه أن تتهيأ الأمور التي تعين على إجلال الإمامة وتشريفها وتشريف من يقوم بها. فالصحيح أن الشّرف لا يُقدَّم به، أي: أنه لا يُلزم بالتقديم به كما تقدم في القراءة وفي السنة وفي السِّن، فلو اجتمع عندنا من هو أتقى لله عز وجل، ومن هو أشرف فإننا نقدِّم الأتقى لله عز وجل، قال علي رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13] قال: ذهب النسب اليوم. ولكن قوله هذا معناه -كما قال العلماء-: ذهبت المفاخرة بالنسب، لكن لو وجد إنسان عنده دين وصلاح وأعطاه الله شرف النسب فإنه يُقدّم؛ لأن الله جمع له بين الحسنيين، وشرّفه بهاتين الفضيلتين، فهو مقدمٌ على من دونه.
تقديم الأقدم هجرة والأتقى للإمامة
تقديم الأقدم هجرة والأتقى للإمامة قال رحمه الله تعالى: [ثم الأقدم هجرة]. وهذا ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: (فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلماً) وهذه رواية صحيح مسلم، ومعنى (أقدمهم سِلماً): أي: إسلاماً. ويمكن الآن أن يُنظر إلى التزام الشخص واستقامته وهدايته، فلو كان كِلا الشخصين حافظاً للقرآن عالماً بالسنة، ولكن أحدهما أقدم وأسبق في الالتزام وسنهم سواء؛ فإننا نقدم من نشأ في طاعة الله عز وجل على من هو دونه؛ ولذلك له شرف السَّبق والالتزام بدين الله عز وجل فحملوا عليه رواية الصحيح: (فأقدمهم سِلماً)، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإن كانوا في السِّلم سواء فأقدمهم هجرةً) وفي رواية الأشج في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأقدمهم سناً) بدل (سِلماً)، وعليها حُملت الرواية بتقديم الأسن، ثم بعد السن جاء التفضيل من جهة الهجرة، وكانت الهجرة -ولا زالت- سنة من السنن، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها)، ولذلك الهجرة باقية، وإذا كان أحدهم أقدمهم هجرة فإنه يقدم لسبقه إلى الإسلام، وابتلائه في ذات الله عز وجل، وصبره على هذا الابتلاء أكثر من غيره، وهذا يدل على أن التقديم كله من جهة الدين، وهذا شرفٌ للإنسان من جهة الدين لا من جهة الدنيا. قال رحمه الله تعالى: [ثم الأتقى]. الأتقى: أي: الأكثر تقوى لله عز وجل، وهذا بلا إشكال؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات:13]، وتقديم النبي صلى الله عليه وسلم أشخاصاً للإمامة ومفاضلته بين المتقدمين يدل على أن الأتقى لله عز وجل مُقدّم؛ فإن الأتقى لله عز وجل ينفع الله بقراءته، وينفع الله بمواعظه، وينفع الله بهديه واستقامته، بخلاف الفاسق الفاجر المتهالك المتهافت، فإنه قد يدعو الناس إلى الرذائل، وقد يستخف الناس بالحرام بسبب وجود هذا الفاجر والعياذ بالله، وقد ترى هذا الفاجر وهو إمام يصلي بالناس يفعل أموراً لا تليق بمثله، فيُشِين الإمامة ويجعل الناس في نفرة من دين الله عز وجل، ولكن الأتقى لله عز وجل على العكس من ذلك؛ فإنه لا يزال الإنسان يتمسك بشريعة الله عز وجل ويلتزم بدين الله حتى يتأثر به من يراه، ويحبه من يسمع قوله ويرى هديه، كما قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا} [مريم:96] أي: سيجعل الله لهم في القلوب حباً. ولكن بالإيمان والعمل الصالح، فإذا كان الإمام تقياً نقياً يخاف الله عز وجل ورعاً بعيداً عن الحرام فإن هذا أدعى لتأثر الناس به واقتدائهم به.
العمل بالقرعة عند التنازع على الإمامة
العمل بالقرعة عند التنازع على الإمامة قال رحمه الله تعالى: [ثم من قرع]. أي: من أصابته القرعة، فلو كان عندنا جماعة تقدموا للإمامة حفظهم لكتاب الله على حدٍ سواءً، وكلهم عالمٌ بالسنة بمرتبة واحد، وكلهم في سنٍ واحد، والتزامهم واحد، وتقواهم وديانتهم وصلاحهم واحد فإننا حينئذٍ نرجِع إلى التفضيل بالقرعة، والسبب في ذلك أن القرعة تُخرج عند المشاحّة، وقد عمل بها العلماء والأئمة والسلف رحمة الله عليهم، واعتبرها العلماء رحمهم الله حتى في مسائل عديدة مسائل القضاء، فإذا تشاح القوم فإن الناس سيفترقون بسبب أن كل طائفة تريد فلاناً أن يتقدم، فتقع فتنة ويقع شر، ولذلك يُقرع، أي: تُكتب أسماؤهم، ثم بعد ذلك يؤخذ بالقُرعة، فمن خرج اسمه فقد اختارهُ الله عز وجل، فيُقدم على غيره.
صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره
صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره قال رحمه الله تعالى: [وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان]. قوله: (وساكن البيت) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا يؤمن الرجل في داره، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه)، فدل على أن صاحب البيت أحق، وهذا فيه حِكم ذكر العلماء رحمهم الله منها: أولاً: أحقيته بالدار. ثانياً: أنه ربما كان يحتاج في ضيافته للناس إلى أن يستعجل، وإذا تقدم الإنسان الذي ليس وراءه مثل هذه الأمور فقد يُجحف برب البيت، فحينئذٍ يقدم للإمامة صاحب الدار، وشرط هذا ألا يكون فيه ما يمنع من إمامته، فإذا كان أهلاً للإمامة قُدِّم، وإلا تقدم من هو أهل على الصفة التي ذكرنا، إلا من ذي سلطان؛ فإن السلطان إمام للإنسان ولو في بيته، كالأمير ونحو ذلك، فإنه يلي أمره ويُقدَّم؛ لأنه ولي أمر الإمامة العامة، فمن باب أولى أن يلي ما دون ذلك، وهذا هو الأصل، وبناءً على ذلك يتقدم عليه، وفيه استثناء حديث السنن، فإذا حضر على بساطه، أو في بيته يتقدم عليه، وقال العلماء: ينبغي لصاحب البيت إذا رأى من هو أعلم وأفقه منه أن يقدمه ويشرِّفه بالإمامة، وهو مثاب على ذلك؛ لأنه من إنزال الناس منازلهم.
إمام المسجد أحق بالإمامة من غيره
إمام المسجد أحق بالإمامة من غيره قال رحمه الله تعالى: [وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان]. إمام المسجد هو الذي يسميه العلماء: الإمام الراتب. والإمام الراتب سواءٌ أكان من قبل ولي الأمر كما يحصل الآن، حيث يكون الإنسان مرتبطاً بالإمامة ومعيناً فيها، فهو أحق ويُقدم على غيره، أم كان راتباً لأن أهل الحي أحبُّوه، ورضوا به أن يتقدمهم، فهو إمامٌ راتب، فيُقدم ولا يتقدم عليه أحد إلا بإذنه. أما الدليل على تقديمه فإن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في الحديث الصحيح- لما تأخر في قُباء ليُصلح بين حيين من بني عوف جاء إلى المسجد وقد تقدم أبو بكر يصلي، فسبّح القوم فلم يلتفت أبو بكر -وكان رضي الله عنه خشوعاً في صلاته مقبلاً-، فلما أكثروا عليه التشويش التفت فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب يتأخر، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن مكانك، فتأخر رضي الله عنه وأرضاه. وهذا لمكان أحقية النبي صلى الله عليه وسلم مع النبوة ومع الولاية، وأحقيته كذلك بالإمامة الراتبة ولذلك استنبط العلماء رحمهم الله أنه إذا حضر الإمام الراتب في الركعة الأولى حُقَّ له أن يتقدم، وهذا نص عليه غير واحدٌ من السلف، فلو حضر أثناء إمامة هذا المستخلَف الذي وُضِع من قبل الناس، أو تقدم من نفسه وحضر الإمام الراتب فمن حقه أن يؤخِّره ويتقدم ويُتم بالناس صلاتهم، وهذا مذهب طائفة من العلماء، وتدل عليه السنة. وذهب بعض العلماء إلى تخصيص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك لقول أبي بكر: (ما كان لـ ابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: كان يتأوّل آية الحجرات. والصحيح أنه على ظاهره، وإمام الحي إذا حضر فإن إمامة من دونه إنما كانت لضرورة وحاجة، وما أبيح للضرورة والحاجة يبطل بزوالها، فيتأخر ويتقدم الإمام الراتب، وهذا إذا كان في الركعة الأولى، أما إذا كان في أثناء الركعة الثانية والثالثة فمن حقه أن يتقدم، ثم الناس يثبتون بعد تمام صلاتهم، ويُتِم كصلاة الخوف، ولكن نظراً لجهل كثير من الناس وعدم معرفتهم بالسنن وحدوث التشويش، إذ قد يُحدث هذا إرباكاً في المسجد، فحينئذٍ إذا اقتصر الإمام وبقي في آخر القوم فلا حرج، ولكن لو أراد الفضل فله أن يتقدم؛ لأن صلاته بالناس لها فضل، ولا إيثار في الفضل؛ لأنه إذا تأخر فقد آثر غيره بهذا الفضل، ولذلك قالوا: لو رضي أن يتنازل عن هذا فلا حرج. وقوله: [إلا من ذي سلطان] هو لمكان الولاية كما قلنا.
استحباب بعض العلماء لبعض صفات الإمام
استحباب بعض العلماء لبعض صفات الإمام قال رحمه الله تعالى: [وحرٌ وحاضر ومقيم وبصير ومختون ومن له ثياب أولى من ضدهم]. قوله: [وحر]. هذه من باب الأفضلية، فالحر يُقدم على العبد والرقيق؛ لأن الرِّق يكون بسبب الكفر، كما هو معلوم أنهم يؤخذون في الجهاد ويُضرب عليهم الرق، فلِمكان النقص الموجود في الرقيق يُقدَّم عليه الحر، فهو أولى، ولكن ليس هناك نص، بل لو كان العبد حافظاً لكتاب الله عز وجل، أو عالماً بالسنة فإنه يُقدم ولو كان مولىً أو عبداً، خلافاً لمن قال: إنه لا يؤُم العبد، وهذا قولٌ ضعيف، والصحيح أن القرآن يُقدِّمه وعلمه يقدمه ولذلك لما سُئِل بعض السلف رحمة الله عليهم عن إمامة العبد قال: سبحان الله! ومن لا يصلّ وراء عكرمة؟ ثم ذكر غيره ممن كان من الموالي كـ نافع وغيره، فمن الذي لا يستطيع أن يصلي وراء هؤلاء الأئمة الأجلاء، فالإسلام وإن كان قد ضرب الرِّق عليهم فإن هذا لا يعني عدم إعطائهم حقوقهم إذا كانوا أهلاً لهذه الإمامة بحفظهم لكتاب الله عز وجل وعلمهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وفقههم في الدين، فإنهم يُقدمون ولو كان فيهم شائبة الرق. وقوله: [وحاضر]. قالوا: يُقدم الحاضر على البادي. والسبب في ذلك غلبة العلم في الحاضر أكثر من البادي، ولكن لو كان من بالبادية أعلم وأفقه فإنَّه يقدم، والصحيح أنه لا تُمنع إمامة البادي إذا كان عالماً أو فقيهاً أو عارفاً بالسنة؛ لأن العبرة في الإمامة بالأوصاف التي ذكرناها، وأما ما ذكره العلماء رحمةُ الله عليهم من هذه الأوصاف فهذه كلها أمورٌ اجتهادية، والنص الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم سلماً، فإن كانوا في السلم سواء فأكبرهم سناً) يدل على التفضيل بهذه الأمور، وأما ما عداها فإنه لم يرد به نص مما اجتهد به العلماء رحمهم الله، كالعبد والحاضر ونحو ذلك، فكل هذا مما لا نص فيه، بل قد تجد غير الحاضر أكثر ديانةً واستقامةً، وأبعد عن المعاصي والفواحش من غيره، وأكثر تمسكاً بالدين، وقد يكون على فطرته التي فيها استقامة في الأخلاق، وكمال في العقل، فالعبرة بالديانة والاستقامة، بغض النظر عن كون هذا حاضراً أو غير حاضر، فهذا كله لا تأثير له مع وجود الدين والاستقامة والعلم بأحكام الصلاة. وقوله: [ومقيم]. قالوا: يُقدم المقيم على المسافر، والسبب في ذلك أن المسافر سيقصر الصلاة، وبناءً على ذلك قالوا: ربما اختلجت على الناس صلاتهم؛ لأنه سيصلي ركعتين في الرباعية، فإذا تقدّم بالناس وصلى بهم فإنهم يظنون أنه وَهِم فربما سبّحوا له، وربما سلّم بعضهم معه؛ لأن الناس بعضهم فيه غفلة فيدخل في الصلاة ولا يعي عدد ما صلّى، فإذا قال الإمام: (السلام عليكم) ظن أنه على الكمال فسلّم معه، ولذلك قالوا: يُقدَّم المقيم على المسافر. وكل ذلك من باب الاجتهاد، ولكن المسافر إذا كان على عِلمٍ، وكان حافظاً لكتاب الله عز وجل، وأحب القوم أن يقدموه فإنه يقدم. وقوله: [وبصير]. قالوا: البصير يقدم على الأعمى. وهذا لا نص فيه، وإنما هو اجتهاد من العلماء رحمة الله عليهم، ولكن قالوا: إن وُجِد من هو أعمى ومن هو بصير، فإن البصير ربما يكون أرفق بالناس. ولكن الحقيقة أن العبرة بالديانة والاستقامة، وأما البصير والأعمى فهما على حدٍ سواء؛ فإنه لا يُفضَّل بينهما إلا بنص من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكم من أَعمى قد كُف بصره ولكن استنارت بصيرته، والعمى عمى القلب، ولذلك إذا جمع الله للإنسان الفقه في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مقدَّم ولو كان كفيف البصر. وقوله: [ومختونٌ]. قالوا: يُقدم على الأقلف وهو غير المختون؛ لأن غير المختون تنحبس النجاسة في الموضع المعروف، ولذلك يكون المختون أكمل طهارة من غير المختون، وهذا ذكره العلماء رحمة الله عليهم من باب الاحتياط للصلاة، وعندهم كلام في إمامة الأقلف، ولكن ليس هناك نص على بطلانها وعدم صحتها، والصحيح أنه يجوز أن يُصلي بالناس، ومثاله: أن يسلم رجلان، ثم أحدهما اختتن، وكلاهما حفظ القرآن، أو حفظا مع بعضهما من كتاب الله عز وجل وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فكان علمهم على حدٍ سواء، ولكن أحدهم اختتن والثاني لم يختتن، فقالوا: نقدِّم المختون. وفي مثل هذا يستقيم، فيُقدم المختون على غير المختون؛ لأن هذا تقديم من جهة الدين، والسبب في ذلك أنه التزم بشرع الله أكثر من غير المختون؛ فإنه بادر واختتن، ولذلك يكون هنا التقديم من جهة الدين، ويعتبر زيادة في تقوى الله عز وجل، والتزاماً بحدود الله سبحانه وتعالى. وقوله: [ومن له ثياب]. لأن شرط صحة الصلاة ستر العورة، فإذا وُجِد العاري وغير العاري فإن الذي يؤم هو الذي قد ستر عورته، ولا يتقدم العاري؛ لأنه إذا تقدم انكشف، وتكون إمامته سبباً في انكشافه ولذلك يتقدم غير العاري على العاري. وقوله: [أولى من ضدهم]. ولا يُشترط أن يكون العري كاملاً، فلو كان أحدهم عنده ثوبٌ كامل، وآخر عنده ثوب يستر العورة، والثاني عنده ثوب إلى نصف العورة فإننا نقدم من كمُل ستر عورته على من هو دونه.
حكم الصلاة خلف الكافر والفاسق
حكم الصلاة خلف الكافر والفاسق قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح خلف فاسق ككافر]. بعد أن بين لنا رحمه الله من الذي يُقدم للإمامة ومراتب الأئمة والمفاضلة بينهم شرع رحمه الله في حكم إمامة من لا تصح الصلاة وراءه، فقال رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر]. والفاسق: مأخوذٌ من قولهم: فسقت الرُّطبة، أو الثمرة عن قِشرها إذا خرجت، فأصل الفِسق في لغة العرب: الخروج، وسُمِّي الفاسق فاسقاً لأنه خارج عن طاعة الله -والعياذ بالله-، وذلك بعصيانه والتمرد عليه سبحانه وتعالى، والفسق يكون على حالتين: الأولى: أن يصل بالإنسان إلى الكفر والعياذ بالله، فإن الكافر يُوصف بكونه فاسقاً لأنه على أعلى درجات الفسق والخروج عن طاعة الله عز وجل. الثانية: أن يكون دون حد الكفر، بمعنى أن فِسقه لا يُخرجه من الإسلام، ولذلك تجد في القرآن وصف الكفار بالفسق؛ لأنهم خرجوا عن طاعة الله عز وجل على أكمل ما يكون عليه الخروج. فأما إذا كان الإمام كافراً فالصلاة لا تصح وراءه بإجماع العلماء؛ لأن إمامة الكافر لا تجوز، ولا يجوز تقديمه، ومذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم أنّهم يُلزمون بإعادة الصلاة فلو أن كافراً قُدِّم للصلاة بالناس ولم يعلموا إلا بعد خمس سنوات فإنهم يُلزموا بإعادتها خمس سنوات، ووقع هذا في بعض الأماكن، حيث قدّموا بعض الكفار فصلّوا وراءه أكثر من خمس سنوات، ثم تبين أنه كافر فأعادوا صلاتهم خمس سنوات، وهذا يكون بالترتيب في الفروض على الصفة التي ذكرناها في قضاء الفوائت. فلا تجوز إمامة الكافر، ولا يجوز تقديمه، ولا تجوز الصلاة وراءه. وبناءً على ذلك قال رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر]. والفاسق الذي يرتكب الكبائر أو يصر على الصغائر ضد العدل، فالعدل: الذي لا يرتكب الكبيرة ولا يصر على الصغيرة. كما قيل: العدل من يجتنب الكبائر ويتقي في الأغلب الصغائر فالذي يرتكب الكبائر ولو كبيرة واحدة، أو يصر على الصغائر ويداوم عليها يُوصف بكونه فاسقاً، فلا تصح الصلاة وراءه، واختلف العلماء رحمهم الله في هذه المسألة، فلو أن إنساناً فاسقاً تقدم وصلى بالناس، فهل صلاتهم وراءه صحيحة أو ليست بصحيحة؟ فللعلماء قولان فيها: القول الأول: الصلاة وراء الفاسق صحيحة، ما دام أن فِسقه لم يخرجه عن الإسلام، وبه قال جمهور العلماء، وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية وبعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع. القول الثاني: الصلاة وراء الفاسق باطلة لا تصح إمامته، ولا تصح الصلاة وراءه، وهو مذهب الإمام أحمد رحمة الله عليه. واستدل الذين قالوا بصحة الصلاة وراء الفاسق بأدلة، أولها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)، ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإن أخطأوا فلكم -أي: لكم صلاتكم كاملة- وعليهم): أي عليهم خطؤهم. فبين أنه لا علاقة للإنسان بفسق الإمام أو صلاحه، فالعبرة بصلاتك، فقال: (يصلون لكم، فإن أصابوا -أي: إن كانوا صالحين- فلكم ولهم -أي: الصلاة على ما هي عليه- وإن أخطئوا -أي: كانوا على خطأ- فلكم -أي: صلاتكم لكم وعليهم خطؤهم-. وهذا الحديث نصٌ واضح في صحة إمامة الفاسق. الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا ذرٍ رضي الله عنه أن يصلي مع الجماعة، وقال: (صلها معهم فإنها لك نافلة)، كما في الصحيح، ووجه الدلالة أنه صحّح صلاته وراء الفسّاق، وأثبت كونها نافلة؛ إذ لو كانت باطلة لم تكن نافلة ولا فريضة. الدليل الثالث: هدي السلف وإجماع السلف الصالح رحمةُ الله عليهم، فإن ابن عمر وأنس بن مالك رضي الله عن الجميع صليا وراء الحجاج، ومع ذلك لم يحكم أحدهما ببطلان الصلاة وراءه، ولم ينكر عليهما أحد، فدل على أن الصلاة وراء الفاسق صحيحة. الدليل الرابع من العقل: قالوا: الفاسق صلاته في نفسه صحيحة، أي: مجزئة لنفسه، فمن باب أولى أن تُجزئ إمامته لغيره. وتوضيح ذلك أنهم قالوا للحنابلة: الفاسق لو صلى الظهر وصلى العصر فهل تطالبونه بإعادة الظهر والعصر؟ قالوا: لا. قالوا: ما دام أن صلاته صحيحة في حق نفسه فمن باب أولى أن تصح في حق غيره. أما بالنسبة لمن قال بعدم صحة الصلاة وراء الفاسق ففي الحقيقة ليس لهم دليل واضح صحيح صريح يدل على بطلان الصلاة وراء الفاسق. ولكن لهم أُصول، منها: أنه إذا تقدم الفاسق وأمّ بالناس فإنه لا يُؤمن أن يحملهم على المحرمات، أو يدعوهم إلى المنكرات، ثم إن هذا فيه انتقاصٌ من مكانة الإمامة، وامتهانٌ لهذه الإمامة التي تقوم عليها أعظم شعائر الدين بعد الشهادتين وهي الصلاة، ولهم في ذلك اجتهادات، لكن الصحيح ما ذهب إليه الجمهور وهو أن الصلاة وراء الفاسق صحيحة، وأن الفاسق له صلاته، فكما أن صلاته صحيحة في حق نفسه فمن باب أولى أن تصح في حق غيره. فقوله رحمه الله: [ولا خلف فاسق ككافر] جمع به رحمه الله بين هذه المسائل: أولاً: عدم صحة الصلاة وراء الفاسق، وهذا مذهب مرجوح. ثانياً: عدم صحة الصلاة وراء الكافر، وهذا يكاد يكون إجماعاً. ثالثاً: الدليل في قوله: [خلف فاسق ككافر] قياس.
أدلة تقديم الفقيه للإمامة
أدلة تقديم الفقيه للإمامة
حكم صلاة الرجال خلف امرأة أو خنثى
حكم صلاة الرجال خلف امرأة أو خنثى قال رحمه الله تعالى: [ولا امرأة وخنثى للرجال] أي: ولا تصح الصلاة وراء امرأةٍ، أي: الرجال أن تكون إمامتهم امرأة، فلا تجوز إمامة المرأة للرجال، وهذا بإجماع العلماء رحمهم الله، لكن شذّ بعض العلماء -ويُنسب الشذوذ إلى الطبري وداود - فقالوا: يجوز أن تؤم المرأة الرجال. وهذا قولٌ شاذ، ففي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما أفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)، وقال في الحديث: (استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فخير الأمور الصلاة، فإذا لم تصح إمامتها فيما هو دونها، وورد الوعيد فيما دونها فمن باب أولى في الصلاة نفسها، فلا تُقدَّم المرأة للإمامة بالرجال، ولأنها إذا تقدمت بالرجال فَتنت أو فُتِنت، أو اجتمعت الفتنتين، فكانت الإمامة فتنةً لها في نفسها وفتنةً لغيرها، فلا تتقدم المرأة على الرجال. قوله: [وخنثى] كذلك الخنثى؛ لأن الخنثى محكومٌ بكونه أنثى، ولا يؤم الرجال، وإنما يؤم من هو مثله، أو يؤم من هو دونه وهي المرأة.
الأسئلة
الأسئلة
الفرق بين الإمامة والأذان من حيث الفضل
الفرق بين الإمامة والأذان من حيث الفضل Q أيهما أفضل: الإمامة أم الأذان؟ A اختلف العلماء رحمهم الله في ذلك: فمذهب الجمهور أن الإمامة أفضل، وذلك لأن الإمامة هي المقصد، والأذان وسيلةٌ للإمامة والصلاة جماعة، ولأن الإمامة يُشترط فيها من الفضائل ما لا يشترط في الأذان، ويشترط لصحة الصلاة نفسها ما لا يشترط لصحة الأذان، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أم، وأمّ مِن بعده الخلفاء الراشدون، وكذلك أيضاً لم يُحفظ عنه عليه الصلاة والسلام نصٌ صحيح بتقديم الأذان على الإمامة، ولهذا قالوا بتقديم الإمامة على الأذان. القول الثاني: الأذان أفضل. وهو روايةٌ عن الإمام أحمد رحمةُ الله عليه اختارها جمعٌ من أصحابه، وقيل: إنها هي المذهب، فالأذان أفضل من الإمامة. واحتجوا بما أُثر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لولا الخلافة لأذّنت، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين)، وهو حديث أبي داود وأحمد في مسنده عن أبي هريرة. قالوا: هذا يدل على أن الأذان أفضل من الإمامة، وقال صلى الله عليه وسلم: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت للصلاة فارفع صوتك بالنداء؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا حجرٌ ولا شجرٌ إلا شهد له يوم القيامة)، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) قالوا: هذا يدل على فضل الأذان، وأنه أفضل من الإمامة. والصحيح أن الإمامة أفضل من الأذان؛ لأن الله اختارها لنبيه عليه الصلاة والسلام، ولم يحفظ في حديث واحدٍ أنه تولّى عليه الصلاة والسلام الأذان. وأما كونه يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم الدلالة على فضل الأذان فإن هذا لا يدل على أنه أفضل من الإمامة، ألا ترى الصلوات النوافل وردت فيها أحاديث بفضلها، ولم يرد بخصوص صلاة الفرائض كصلاة الفجر والعشاء والمغرب مثل الأحاديث التي وردت في النوافل، ولذلك الإمامة مقدمة من وجوهٍ عديدة، فإن الإنسان إذا نظر إلى ما للإمامة من مسئولية ومن تحمل أعباء أدرك ذلك، ولما فيها من الفضل، كما قال بعض السلف: من صلى بالناس كُتب له أجره. يعني أن الإمام له أجر من يصلي وراءه قلُّوا أو كثروا، وهذا فضل عظيم، مع ما في مواعظهم وتذكيرهم؛ فإن الإمام يذكِّر الناس في الخطب، وفي المواعظ العابرة، وفي المناسبات المقتضية لذلك، وهذا التذكير فيه حياةٌ للقلوب، ودلالةٌ على الخير، وانشراحٌ للصدور، وهداية إلى سبيل الله عز وجل، والله تعالى يقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ} [فصلت:33]، فإن (مَنْ): بمعنى (لا)، أي: ولا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله. وقد يقول قائل: إن هذه وردت في المؤذن! فنقولك هذا قول مرجوح، وإنما هي عامة. وعلى هذا نقول: المؤذن داعٍ إلى شيء معين وهو الصلاة، والإمام الخطيب داعٍ إلى أشياء، بل داعٍ إلى شعائر الإسلام كلها، فإن قلت بتفضيل المؤذن لكونِه يدعو إلى الصلاة فإن الإمام يقوم بها، وإن قلت إنه يدعو فإن الإمام يدعو إلى الصلاة، ويدعو إلى ما هو أعظم وأجل، كدعوته إلى توحيد الله عز وجل، وخطبته في الناس وتذكيره، فالذي يظهر -والعلم عند الله- أن القول بترجيح الإمامةَ أولى وأحرى، وأن الإمامة لها فضلٌ عظيم. وقوله عليه الصلاة والسلام: (اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) دليلٌ لنا لا علينا؛ فإن قوله: (اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين) يدل على فضل الإمام؛ لأنه لعظم مسئوليتها صرف الدعوة إلى أن يعينهم على أدائها حتى يكون أجرهم أكثر، وقال عليه الصلاة والسلام: (واغفر للمؤذنين) فلخفة أعباء الأذان كان الدعاء لهم بما يناسبهم، وقال بعض العلماء: إنما هو دعاءٌ بما يناسب الحال لا علاقة له بالتفضيل، والذي يظهر -والله أعلم- أن تفضيل الإمامة أولى وأحرى، وذلك لما ذكرناه من الوجوه التي بُنِيت على النقل والعقل والقول بتفضيلها، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس. والله تعالى أعلم.
حالات المأمومين أثناء سهو الإمام
حالات المأمومين أثناء سهو الإمام Q إذا قام الإمام لركعةٍ خامسة فهل المسبوق بركعة يصلى معه الخامسة وهي له رابعة، أم ماذا يفعل؟ A إذا قام الإمام لخامسة فحينئذٍ الناس على ثلاثة أقسام: القسم الأول: من منهم تامةٌ صلاته ويعلم بخطأ الإمام، فحينئذٍ يجب عليه أن يبقى في التشهد، ويترك الإمام يُتم الخامسة ويتشهد معه ويسلم، أي: يتشهد ويطيل في الدعاء حتى ينتهي الإمام من الركعة الخامسة الزائدة، فأنت معذور لأن الواجب عليك أربع، والإمام معذور لأنه مأمور إذا شك أن يُتِم الخامسة، وأما المأموم فيبقى على ما هو عليه وصلاته صحيحة. القسم الثاني: من يكون غير عالم بزيادة الإمام، فتلزمه متابعة الإمام ولا يجوز له أن يبقى؛ لأنه ملزم بالمتابعة حتى يتيقن أنها الخامسة فيجلس كالطائفة الأولى، وبناءً على ذلك إذا لم تعلم هذه الزيادة، ولم تدرِ هل زاد أم لم يزد. فالأصل أنك تتابع، فتصلي معه، فإن تبيّن أنها خامسة فصلاتك صحيحة؛ لأنك كالإمام لمكان العذر بالسهو. القسم الثالث: هم الذين سُبِقوا بأجزاء من الصلاة، أو بكل الصلاة، فهؤلاء يتابعون الإمام ويصلون معه الركعة الخامسة؛ لأنهم مأمورون بالاقتداء بالإمام، والإمام معذورٌ فيما زاد، وبناءً على ذلك: ركعة الإمام صالحةٌ له وصالحةٌ لمن وراءه، فلو أنك علمت أنها زائدة وقد فاتتك ركعة دخلت وراءه وأتممت وسلمت معهم، فتسلم معه لأنه قد تمت لك أربع ركعات، فأنت مأمورٌ بالصلاة أربعاً، ومأمور بمتابعة الإمام، فتابعت الإمام فيما يُشرع لا فيما يُمنع، والطائفة الأولى إنما تعذرت عليها المتابعة لأنها في الممنوع لا في المشروع، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة في مسجد فيه قبر
حكم الصلاة في مسجد فيه قبر Q ما حكم الصلاة في المسجد الذي به قبر؟ A لا تجوز الصلاة في القبور، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لعن الله اليهود والنصارى، واتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، وقالت أم المؤمنين رضي الله عنها: يحذر مما صنعوا. أي: يُحذِّر أمته أن تصنع كما صنعت اليهود والنصارى. فإن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح يبيِّن لنا أنه لا يجوز اتخاذ القبور مساجد، فلا تجوز الصلاة على قبر، ولا عند قبر، ولا بين القبور، وكذلك لا تجوز الصلاة إلى القبور، كأن تكون جدرانها متصلة بالمساجد. وهذا القول قال به جماهير السلف رحمة الله عليهم، وقال جمعٌ منهم بعدم صحةِ الصلاة، وأنها باطلة ولو صلى في المقابر فإن صلاته غير صحيحة. ويستثنى من هذا الصلاة على الجنازة في القبر إذا دُفِن وقُبر، فقال بعض السلف بجواز الصلاة على الميت بعد قبره، ثم اختلفوا في المدة فقال بعضهم: في حدود ثلاثة أشهر. وقال آخرون: في حدود ستة أشهر. وقال آخرون: ما لم يبلَ. فهي ثلاثة أقوال للعلماء الذين يقولون بجواز الصلاة على القبر بعد دفنه، وإن كان الأقوى والأولى من ناحية الدليل أن الصلاة على القبر مختصة بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لما صلّى على المرأة التي كانت تقيم المسجد قال: (إن هذه القبور مملوءةٌ ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم)، فهذا يقتضي التخصيص كما يقول الجمهور، حيث قال: (ينورها بصلاتي)، وهذه رواية مسلم، لكن لو أن إنساناً صلّى على قبر يتأول قول من يقول بالجواز فلا حرج. فالشاهد أنه لا تجوز الصلاة في المسجد الذي فيه قبر لعدم صحة الصلاة فيه، ولأنه ذريعة إلى الشرك والعياذ بالله؛ فإن الصلاة على القبور أو عند القبور تفضي إلى تعظيمها، وقد حدث الشرك أول ما حدث في قوم نوح بتعظيم الصالحين، وذلك حينما صوّروا صورهم، ثم جاء مِن بعدهم جيل فعبدوهم والعياذ بالله، وكان السبب في عبادتهم تعظيم الأوائل لهم. فالصلاة عند القبر تعظيم له، فقد يُعتقد أن هذه البقعة لها فضل ولها مزيَّة، ولذلك إذا فُتح هذا الباب للجهال فإنهم يسترسلون ويقعون في الشرك -والعياذ بالله-، كما هو واقع في بعض الأماكن -نسأل الله السلامة والعافية-؛ فإنه لما بُنِيت المساجد على القبور طافوا واستغاثوا بها، وذبحوا ونذروا لها -نسأل الله السلامة والعافية- حتى إنهم يعظمونها كتعظيمهم لبيت الله الحرام -نسأل الله السلامة والعافية-، بل إن بعضهم لو دُعي إلى تعظيم شيء من هذه الأمور فإنه قد يُعظمها أكثر من البيت، فلو دُعي للحلف عند قبر فلان من الصالحين ودعي للحلف عند الكعبة لربما وجد أن الحلف عند قبر الصالح أشد وأعظم من الحلف عند البيت، وقيل لرجل: أتحلف بالله؟ فحلف بالله أيماناً مغلظة أنه ما فعل. فقيل له: احلف بفلان الصالح؟ قال: لا. فأصبح -والعياذ بالله- تعظيمه لهذا أكثر من تعظيمه لله، وهذا بسبب الجهل، وبسبب التساهل في الذرائع التي تُفضي إلى الشرك، فلا تجوز الصلاة في القبور أو عندها أو الصلاة إليها. والله تعالى أعلم.
حكم من صلى بالناس وهو محدث وعلم ذلك بعد الصلاة
حكم من صلى بالناس وهو محدث وعلم ذلك بعد الصلاة Q لو صلى الإمام بجماعةٍ وهو محدث، ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة، فهل يخبر المأمومين ويُعتبر من واجبات الإمامة بيان هذا الأمر؟ A إذا صلى الإمام وهو محدث ثم تبيّن له بعد الصلاة وبعد تمام الصلاة أنه كان محدثاً فصلاة من وراءه صحيحة، ولا يلزمه أن يخبرهم، بل يقتصر على الوضوء إذا كان محدثاً حدثاً أصغر، أو الغسل وإعادة الصلاة إن كان محدثاً حدثاً أكبر، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه وأرضاه -كما روى مالك في الموطأ- أنه صلى بالناس الصبح -أي: الفجر- ثم انطلق إلى مزرعةٍ له بالجرف -وهي من ضواحي المدينة- فلما جلس على الساقية -أي: على القنطرة التي فيها الماء- رأى أثر المني على فخِذه، فقال: ما أُراني إلا أجنبت وصليت وما اغتسلت. وهذا بعد طلوع الشمس، ثم اغتسل رضي الله عنه، وفي رواية قال: إنا لما أصبنا الودك لانت العروق. اغتسل رضي الله عنه وصلى، ولم يأمر الناس بالإعادة. قالوا: وهذا القول هو قول جمهور العلماء رحمةُ الله عليهم، وله أصل في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه في صحيح البخاري: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) أي: لكم صلاتكم صحيحة وعليهم خطؤهم. ولكن لا يجوز للإمام أن يتقدم بالناس وهو مُحدِث، ولا يجوز للمأموم أن يأتم به إذا علم حَدَثَه، أو رأى عليه نجاسة، فإنك إذا رأيت حدثه وعلمت كونه مُحدِثاً، أو رأيت الإمام وقد دخل وقضى حاجته وانتقض وضوؤه، أو سمعت منه ما يُوجب انتقاض وضوئه، ثم رأيت منه الذهول والنسيان، فتقدم بالناس وصلَّى فلا يجوز لك أن تأتم به، وإن ائتممت به فذهب طائفة من العلماء إلى أن الصلاة باطلة ولا تصح. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
فصل: الأولى بالإمامة [2]
شرح زاد المستقنع - فصل: الأولى بالإمامة [2] من المسائل المتعلقة بالإمامة: من هم الذين تصح خلفهم الصلاة والذين لا تصح خلفهم الصلاة؟ وهنا بيان للذين لا تصح الصلاة خلفهم، وهم: الصبي غير البالغ، إلا أن فيه خلافاً والصحيح الجواز، ومنهم: الأخرس والعاجز عن الركوع أو السجود أو القيام أو القعود. وتصح الصلاة خلف من به سلس البول بمثله، ولا تصح خلف محدث ولا متنجس، ولا أمي لا يحسن القراءة. وهناك من تكره إمامتهم في الصلاة ذكرهم العلماء في باب الإمامة.
تابع أحكام الإمامة
تابع أحكام الإمامة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ولا تصح خلف فاسق ككافر، ولا امرأة وخنثى للرجال، ولا صبي لبالغ]. ما زال المصنف رحمه الله يبين لنا الأمور التي تؤثر في الإمامة، فبين رحمه الله من لا تصح إمامته، وذكرنا عدم صحة إمامة الكافر بالمسلمين وبينا وجه ذلك، ثم تعرض رحمه الله لإمامة الفاسق، وبينا أن مذهب الحنابلة رحمة الله عليهم وجمهور أهل العلم على أن الصلاة خلف الفاسق صحيحة؛ لثبوت الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم)، أي: لكم صلاتكم كاملة وعليهم خطؤهم. وقال العلماء: إن الفاسق تجزئه في حق نفسه، ولذلك تصح إمامته لغيره. وبينا أن السلف الصالح رحمة الله عليهم كانوا يصلون خلف الفساق وما كانوا يبطلون الصلاة، كما هو فعل أنس بن مالك وعبد الله بن عمر رضي الله عن الجميع. ثم بعد ذلك ذكرنا إمامة المرأة للرجال، وقلنا: لا تصح إمامة المرأة للرجال، وأما إمامتها للنساء فللعلماء فيها قولان. وأما الدليل على أن المرأة لا تؤم الرجال: فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة)، فالنساء جبلن على الضعف الذي هو كمال لهن في أمورهن الخاصة، وجعل الله هذا الضعف رفقاً بهن وبغيرهن، وفيه خيرٌ لهن ولغيرهن، ثم جعل في الرجل ما لم يجعله للمرأة من إمامة الرجال لافتتان الرجال بها وافتتانها بهم، ولذلك يضيع المقصود من الإمامة والصلاة من قصد القربة إلى الله عز وجل، وبناءً على ذلك لا تصح إمامة المرأة للرجال، وشذ داود والطبري رحمة الله عليهما، فقالا بصحة إمامة المرأة للرجال، وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). وهذا القول ضعيف لمعارضته للسنة الصحيحة التي دلت على عدم ولاية المرأة، والإمامة ولاية، والصلاة كذلك من أعظم الأمور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولو أمرهم امرأة). وأما بالنسبة لاحتجاجهم بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) فمحل نظر؛ لأن لفظ (القوم) يطلق بمعنى الرجال، كما في قوله تعالى: {لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ} [الحجرات:11]، فقيل: إن القوم يطلق ويراد به الرجال خاصة، بدليل عطف النساء عليه بعد ذلك بقوله تعالى: (وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ)، فلم تجتزئ الآية بذكر القوم حتى خصصت ذكر النساء، فدل على أن القوم يطلق ويراد به الرجال. وأيضاً قول الشاعر: فما أدري ولست إخال أدري أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ؟ فقوله: أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ؟ أي: هل هم رجال أم نساء؟ فدل على إطلاق القوم وإرادة الرجال وحدهم، وهذا هو لسان العرب الذي نطق به القرآن، وكذلك نطقت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك لا تؤم المرأة الرجال، ولكن يرد Q هل المرأة تؤم النساء؟ في هذه المسألة قولان: فقالت الحنابلة والشافعية رحمة الله عليهم: إن المرأة تؤم النساء. واحتجوا بحديث أبي داود في سننه وعند أحمد في مسنده: (أن أم ورقة استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم -وكانت امرأة صالحة- أن تؤم أهل دارها، فأذن لها -عليه الصلاة والسلام- بذلك)، وكان يؤذن لها رجلٌ أعمى كفيف البصر، قال الراوي: فلقد رأيته قد سقط حاجباه فكان يؤذن لها، ثم تؤم أهل دارها، فدل على أنها تؤم النساء مثلها. وقالت الحنفية والمالكية رحمة الله عليهم: إن المرأة لا تؤم النساء. وهذا قولٌ ضعيف، وقد احتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (آخروهن حيث أخرهن الله)، وهو حديث ضعيف. وقوله عليه الصلاة والسلام: (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها)، فقالوا: إن الإمامة تكون فضلاً، ولكن على هذا الوجه تكون بخلافه فتعارض مقصود الشرع من تأخير النساء. والصحيح جواز إمامة المرأة للنساء، وبناءً على ذلك فلا حرج أن تصلي المرأة بمثلها من النساء. ثم قال رحمه الله: [ولا صبي لبالغ]. أي: لا تصح إمامة الصبي للبالغ. والصبي لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون غير مميز، وهو الصبي الطائش الذي لا يضبط أمور الصلاة ولا يعيها ولا يعقلها، فهذا لا يؤم البالغين بالإجماع. والحالة الثانية: أن يكون الصبي يميز، والمميز للعلماء فيه ضابطان: فمنهم من يضبطه بالسن فيقول: هو الذي بلغ سبع سنين، وهو المميز، فمن كان دون سبع سنين فليس بمميز. واحتجوا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فدل هذا الحديث على أن سن السبع هو سن التمييز، وأن الصبي يؤمر بالصلاة لسبع، وما دون سبع لا يؤمر لها، فدلنا على أن السبع فاصل بين التمييز وعدمه. وهناك قولٌ ثانٍ ضبط الصبي المميز بضابط الحال، فقالوا: الصبي المميز هو الذي يفهم الخِطاب ويحسن الجواب. أي: إذا كلمته فهم ما تريد، وإذا أجابك أحسن الجواب على الوجه الذي تطلب والفرق بين القولين: أن الصبي قد يكون قوي الذكاء فيحسن الجواب والخطاب وعمره خمس سنوات، أو ست سنوات؛ فحينئذٍ -على القول الأول- ليس بمميز، وعلى القول الثاني هو مميز، والصحيح اعتبار السن. فقوله: [ولا صبي لبالغ] أي: ولا تصح إمامة الصبي، والصبي من هو دون البلوغ، ومحل الخلاف في المميز، واختلف العلماء لو أن صبياً كان حافظاً لكتاب الله عز وجل، وأمّ البالغين فهل تصح إمامته أو لا تصح؟ وجمهور العلماء على أن الصبي لا يؤم البالغين، وأنه لا يؤم البالغين إلا البالغ. وبهذا القول قال فقهاء الحنفية والمالكية والحنابلة رحمةُ الله على الجميع. القول الثاني: إن الصبي إذا كان أحفظ القوم فإنه يؤم البالغين ولا حرج في ذلك، وبهذا القول قال الإمام الشافعي، وهو كذلك قولٌ لطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمةُ الله على الجميع. والذين قالوا: لا يؤم الصبي البالغين احتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم خاطب البالغين فقال في الحديث الثابت في الصحيح: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يخاطب البالغين، فدل على أنه لا يؤم البالغين إلا واحد منهم. وقالوا أيضاً: إن الصبي كالمجنون؛ لأن الصبي لم يبلغ الحلُم ولم يكتمل عقله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رفع القلم عن ثلاثة) ثم قال: (وعن الصبي حتى يحتلم)، فأخبر أنه لا يبلغ الحلم والعقل، وهذا معروف ومجمع عليه، فالصبي لا عقل عنده بمعنى الكمال، وبناءً على ذلك قالوا: إنه كالمجنون وهذا ضربٌ من القياس والنظر. الوجه الثالث: قالوا: إن الصبي إذا أمّ البالغين فإنه متنفل؛ لأن الصلاة ليست بواجبةٍ عليه، والذين يصلون وراءه من البالغين مفترضون، ولا يؤم المتنفل المفترض. فهذه هي أوجه من قال بعدم صحة إمامة الصبي للبالغين. أما الذين قالوا بصحة إمامة الصبي للبالغين فاحتجوا بحديث عمرو بن سلمة -وهو ثابت في الصحيح- أنه قال: كانت العرب تلوم بإسلامها فتح مكة ومعنى هذه العبارة: أن العرب كانوا يقولون: اتركوا هذا الرجل وقومه، وكانوا يجلون قريشاً ويقدرونها ويعظمون أمرها، وكانوا يقولون: أهل الحرم -أي: أهل مكة- لا يقصدهم ظالم إلا آذاه الله عز وجل، ولا يسلم من نقمة الله عز وجل. فقالوا: إن كان محمدٌ ظالماً فسيكفيكم أمره ظلمه لقريش، وإن كان على حق وغلبهم أسلمنا وأطعنا، فقال عمرو بن سلمة: كانت العرب تلوم بإسلامها فتح مكة. أي: تنتظر ما الذي سيجري بين محمدٍ وأهل مكة، فلما فتحت مكة ظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم دينه دين حق؛ لأنه لو لم يكن على حق لما فتحت له مكة، كما قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا} [النصر:1 - 2]، قال: فقدم أبي وقومي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعلمهم ما شاء الله أن يعلمهم من أمور الإسلام وشرائعه. قال: ثم قال عليه الصلاة والسلام: (صلوا صلاة كذا في حين كذا وكذا وليؤمكم أكثركم قرآناً)، والرواية في الصحيح تقول: فرجعوا فنظروا فإذا أنا أكثرهم أخذاً للقرآن فقدموني. قالوا: وهذا الحديث فيه أن عمرو بن سلمة وهو غلام ابن تسع سنوات قد أمَّ هؤلاء البالغين، وكان في عصر التشريع والوحي، فلو كانت إمامة الصبي للبالغين لا تصح لما أجاز النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك. ووجه هذا أنهم قالوا: إن عموم قوله: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله) يدل على أن الصبي إذا كان حافظاً للقرآن فإنه يقدم. وناقش الجمهور هذا الحديث من وجوه: فكان الإمام أحمد رحمة الله عليه إذا ذكر هذا الحديث -كما نقل عنه الإمام ابن قدامة وغيره- يقول: أي شيءٍ هذا؟ أي شيء هذا؟ دعه فإنه ليس ببين. والسبب في هذا أن حديث عمرو بن سلمة فيه إشكال، ووجهه أنه يقول: (كنت أؤمهم) وكان من التابعين ولم يلق النبي صلى الله عليه وسلم، فكان إذا سجد بدت عورته كما في رواية البخاري، فقالت امرأة: استروا عنا است قارئكم. فالإمام أحمد فطن إلى هذا المأخذ؛ إذ إن الإنسان لو صلى مكشوف العورة بالاختيار لبطلت صلاته، فدل على أنهم مجتهدون وهم قريبوا العهد بالجاهلية كما هو ظاهر الرواية في الصحيح، فكان رحمه الله يقول: أي شيءٍ هذا؟ دعوه فإنه ليس ببين. أي: إذا أُخذ على ظاهره من أنهم اجتهدوا؛ لأنه قال: فرجعوا فنظروا. فقوله: (فنظروا) واضح في الدلال على أنهم اجتهدوا. كما رد الجمهور على هذا الحديث
حكم إمامة الأخرس
حكم إمامة الأخرس قال رحمه الله: [وأخرس]. أي: ولا تصح الإمامة من أخرس، وهو الذي لا ينطق، وكل من كان مبتلىً بالخرس -على أحد الوجهين- فإنه لا يتقدم الناس، والسبب في ذلك أن الإمام يتحمل القراءة، قال صلى الله عليه وسلم: (الإمام ضامن)، فالأخرس لا يستطيع القراءة، فكيف يتحمل عن الناس قراءتهم؟ وكيف يقوم بواجبات الصلاة وأركانها المشتملة على قراءة الفاتحة، وهكذا بالنسبة لأذكار الانتقال من التكبير والتسميع ونحو ذلك؟ فلا تصح إمامة الأخرس.
حكم إمامة العاجز عن الركوع أو السجود
حكم إمامة العاجز عن الركوع أو السجود قال رحمه الله: [ولا عاجز عن ركوعٍ أو سجود أو قعود أو قيام]. هذه كلها أركان للصلاة، فالقيام مع القدرة والركوع والسجود والجلوس كلها من أركان الصلاة، فقالوا: إذا كان الإمام عاجزاً عن القيام أو الجلوس أو الركوع أو السجود فإنه لا يصلي بغيره، والسبب في ذلك أنه معذورٌ في نفسه وغيره غير معذور، فعذره لا يتعدى إلى الغير، ومن ثم قالوا: لا يؤم العاجز عن القيام والعاجز عن الركوع والسجود غيره، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى جالساً في موضعين: الموضع الأول: حينما وقع من على فرسه وجرح شقه الأيمن، قال أنس -كما في صحيح مسلم-: (سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم من على فرس فجحش شقه الأيمن -أي: جرح-، فصلى قاعداً فصلى وراءه أصحابه قياماً، فلما سلم قال: لقد كدتم أ، تفعلوا فعل الأعاجم. ثم قال عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا. وإذا رفع فارفعوا، إلى أن قال: وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين)، فهذا يدل على أنهم يقتدون بالإمام إذا كان جالساً، وبناءً على ذلك قالوا: إذا كان معذوراً وهو الإمام الراتب جاز أن يصلي بالناس قاعداً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إمامٌ راتب. والذين يقولون بالمنع من إمامة من يعجز عن الركوع والسجود والقيام السبب عندهم أن العجز مختصٌ به والإمام ضامن، وبناءً على ذلك لا يكون الناقص ضامن للكامل، وعلى هذا لا يحمل ولا يضمن للناس صلاةً فلا يصح أن يتقدم بهم، وهناك حديث: (لا يؤمن أحدٌ بعدي جالساً)، وهو حديث ضعيف. قال رحمه الله: [إلا إمام الحي المرجو زوال علته، ويصلون وراءه ندباً]. هذه المسألة فيها خلاف، فقال بعض العلماء: لا يؤم الإمام الجالس أو القاعد مطلقاً، سواءٌ أكان إمام حيّ أم غيره. ويحتجون بالحديث الذي ذكرناه، ومنهم من قال: يؤم الإمام ولو كان جالساً إذا كان إماماً راتباً أو إمام الحي فإنه يؤم جالساً ويصلي الناس وراءه، واختلفوا في المأمومين على قولين، فقيل: يصلون قياماً. وقيل: يصلون جلوساً مثله. فالذين قالوا: يؤم ويصلي الناس وراءه جلوساً يحتجون بحديث أنس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما سقط من على الفرس وصلى جالساً عتب على الصحابة أن صلوا وراءه قياماً، وبناءً على ذلك قالوا: إن هذا يدل على أن الإمام لا يصلى وراءه إلا بالصفة التي هو عليها، فإن صلى معذوراً جالساً صلينا وراءه جلوساً لقوله عليه الصلاة والسلام: (وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين). القول الثاني يقول: لا يصلون وراءه جلوساً، وإنما يصلون وراءه قياماً؛ لأن الإمام معذورٌ في حق نفسه ومن وراءه غير معذور، فهو مخاطبٌ بأن يقوم كما أمره الله، فيبقى العذر مخصوصاً بصاحبه ويبقى غيره على القيام، فقيل لهم: كيف تجيبون عن حديث أنس؟ قالوا: حديث أنس كان في أول الأمر، ثم نسخ بصلاته عليه الصلاة والسلام في مرضه. فإنه لما مرض مرضَ الموت وتقدم أبو بكر ليصلي بالناس جاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة ثم قعد فصلى، فصلى أبو بكر بصلاته يسمع الناس، فكان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً والصحابة من ورائه قياماً، فقالوا: هذا وقع في آخر إمامةٍ أَمّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة، ويؤكدون هذا بأن النصوص قوية في الدلالة على مخاطبة المكلف بالقيام، فنبقي هذه النصوص التي أوجبت القادر على القيام على دلالتها، ثم يستثنى الإمام لمكان العذر، وتكون صورة الصلاة كصورة إمامته عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة التي كانت آخر حياته، بل كانت آخر إمامةٍ وقعت منه عليه الصلاة والسلام للصحابة. وجمع الإمام أحمد رحمةُ الله عليه بين هذه النصوص فقال: إذا كان إمام الحي المرجو زوال علته فإنهم يصلون وراءه جلوساً -على الصفة التي ذكرناها، ويكون ذلك ندباً كما ذكر العلماء رحمةُ الله عليهم، وهذا بأمره عليه الصلاة والسلام- وأما إذا كان طرأ عليه العذر أثناء الصلاة فإنهم يصلون وراءه قياماً. فجمع بين الحديثين بأن قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى جالساً فصلوا جلوسا أجمعين) عام سواءٌ أبتدأ الصلاة جالساً أم طرأ عليه الجلوس أثناءه، وأما حديث مرض الموت فإن الجلوس من الإمام طرأ ولم يكن في أول الصلاة؛ لأن الذي استفتح الصلاة إمامٌ قائم وهو أبو بكر، والجلوس طرأ بعد هذه الإمامة، وبناءً على ذلك يقول: كأنه وجب عليهم أن يقوموا في مرض الموت، وبقي حديث أنس على العموم. فكأنه يرى أنه لا يصلي المأمومون وراء الإمام قياماً إلا في حالةٍ واحدة، وهي أن يستفتح الصلاة بهم وهو صحيح ثم يشتد عليه مرضه فيجلس، فإذا استفتح بهم الصلاة وهو صحيح واشتد عليه المرض وجلس فيصلي المأمون وراءه قياماً، وأما في غيرها، كأن يصلي من بداية الصلاة جالساً فيصلي الناس وراءه جلوساً. فهذا في الحقيقة فيه الجمع بين النصوص وهو أقوى الأقوال -إن شاء الله- وأقربها إلى الصواب. وقوله: [ويصلون وراءه جلوساً ندبا]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر، فصُرِف الأمر من الوجوب إلى الندب لوجود حديث مرض الموت؛ لأنه معارض لحديث الأمر، فحملوا الأمر على أنه محمول على الندب، وأكدوا هذا بأن الصحابة لما صلوا وراء النبي صلى الله عليه وسلم قياماً لم يؤثمهم. وقالوا: إن هذا يدل على أن الأمر للندب والاستحباب، وليس للحتم والإيجاب. قال رحمه الله: [وإن ابتدأ بهم قائماً ثم اعتل فجلس ائتموا خلفه قياماً وجوباً]. هذا على ظاهر حديث مرض الموت، فإن الصحابة بقوا على حالتهم وهم قائمون، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذلك، وبناءً على ذلك نقول: إذا دخلت المسجد والإمام الراتب يريد أن يصلي جالساً واستفتح الصلاة جالساً فصل وراءه جالساً، ودليلك حديث أنس: (وإذا صلى جالساً فصلوا وراءه جلوساً أجمعين)، وأما إذا دخلت والإمام يستفتح الصلاة وليست به علة، ثم طرأ عليه المرض، أو طرأ عليه العذر فاحتاج للجلوس فإنك تبقى على القيام حتى تتم الصلاة لحديث مرض الموت.
حكم إمامة من به سلس البول
حكم إمامة من به سلس البول قال رحمه الله: [وتصح خلف من به سلس البول بمثله]. بعد أن ذكرنا المعذور في الأركان انتقل إلى المعذور في الشروط، فابتدأ بالمعذور في شرط الطهارة. فلو كان الإمام به علة، أو به مرض كسلس البول، فهذا المرض -في الأصل- يقتضي أنه معذور، وبناءً على ذلك فإن طهارته لا تأتي على الوجه الكامل، وإنما رُخّص له أن يتوضأ عند دخول وقت كل صلاة، وإلا فإنه غير متوضئ؛ لأن السلس لا يمكنه من إبقاء طهارته على ما هي عليه، فكأنك تصلي وراء إنسانٍ محدث، وبناءً على ذلك قالوا: هذا عذرٌ في حق نفسه أن يصلي وبه سلس، والإمام -خاصة على مذهب الحنابلة والحنفية- يحمل الفاتحة عن المأموم، ويحمل الأركان، فقالوا: لا بد وأن يكون على صفةٍ يكون بها حصول براءة الذمة، وهي أن يكون متطهراً، فلا يكون محدثاً، أو في حكم المحدث، فقالوا: صحيح أن الشرع عذره أن يصلي وبه سلس البول، ولكن عذره في حق نفسه، ولم يأتنا دليل أن من به سلس يصلي بالناس، وعلى هذا فإنه لا يصح أن يصلي بغيرهِ، وإنما يصلي بمن هو مثله، فلو وجد إنسان به سلس البول إماماً به سلس بول فإنه يصلي معه؛ لأن حالتهما واحدة، فيبني المثل على مثله، أما القوي فلا يبنى على الضعيف.
حكم صلاة المأمومين خلف محدث
حكم صلاة المأمومين خلف محدث قال رحمه الله: [ولا تصح خلف مُحدِث]. قوله: [ولا تصح خلف محدث] عموم، سواءٌ أحدث حدثاً أصغر أم أكبر، وصورة ذلك أن يعلم المأمومون أن إمامهم محدث، فإن علموا أن إمامهم محدث فإنه لا يجوز لهم أن يأتموا به، ولو وقع الحدث أثناء الصلاة وتابعوه بركنٍ واحد بعد الحدث بطلت صلاتهم، وإنما يلزمهم بمجرد حدث الإمام أن ينووا مفارقته. فلو أن إماماً تقدم، ثم أحدث أثناء صلاته وإمامته، سواءٌ في أول الصلاة أم في وسطها أم في آخرها قبل تمامها، فالذي يفعله الإنسان هو أنه إذا أمكن أن يستخلف فلا إشكال، لكن لو كان جاهلاً، أو لا يمكنه الاستخلاف فإنك تنوي المفارقة، وتنوي مفارقته كأنك منفرد، وتحتسب لنفسك ما كان من صلاتك، وبناءً على ذلك لو أحدث في الركعة الثانية وأنت في الظهر فتتم الثانية ثم الثالثة والرابعة وتسلم، وهذا إذا أحدث وعلمت بحدثه أثناء الصلاة، أما لو علمت بحدثه قبل الصلاة فلا يجوز لك أن تأتم بإمام محدث، وبناءً على ذلك لو ائتم به وهو يعلم بحدثه قبل الصلاة بطلت صلاته. وهناك صورةٌ ثالثة وهي لو أن هذا الإمام كان محدثاً ولم يعلم المأمومون إلا بعد انتهاء الصلاة، كما لو قام إلى صلاة الفجر يظن أنه على غير جنابة، فتوضأ ثم صلى بالناس، وبعد أن سلم وانتهى تبين له أنه محدث، أو أحدث حدثاً أصغر ثم نسي أنه محدث، فتذكر أنه على طهارة ولم يذكر الحدث الذي بعد طهارته، ثم تقدم وصلى بالناس، وبعد أن صلى تذكر أنه أحدث قبل صلاته، فللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: إذا كان الإمام محدثاً ولم يعلم المأمومون بحدثه إلا بعد الصلاة فإن صلاتهم صحيحة. وبهذا قال جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وطائفة من أهل الحديث. أي أن الإمام إذا صلى بالناس ناسياً للحدث، ثم لم يتذكر إلا بعد انتهاء الصلاة فإن صلاة المأمومين وراءه صحيحة، ولو كان بعد تسليمه مباشرة. القول الثاني: إن صلاة المأمومين فاسدة وتلزمهم الإعادة حتى ولو بعد سنوات وبهذا القول يقول فقهاء الحنفية رحمةُ الله على الجميع. واستدل الجمهور على صحة صلاة المأمومين بما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأئمة: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأو فلكم وعليهم)، فوجه الدلالة من هذا الحديث أن قوله: (وإن أخطأوا فلكم) أي: لكم صلاتكم كاملة، (وعليهم) أي: عليهم خطؤهم. وهذا عام يشمل خطأ الشروط وخطأ غيرها. وبناءً على ذلك يقولون: إن هذا يدل على صحة الصلاة وراء الإمام المحدث. وكذلك احتج الجمهور بإجماع الصحابة، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه -كما روى مالك عنه في الموطأ- صلى بالناس الفجر ثم انطلق إلى مزرعته بالجرف بضاحية المدينة، فلما جلس على الساقية -على قنطرة الماء- نظر إلى فخذه فإذا هو بأثر الماء من الاحتلام فقال: ما أُراني إلا أجنبت وصليت وما اغتسلت. فقام رضي الله عنه مباشرة واغتسل وأعاد صلاة الفجر بعد طلوع الشمس، ولم يأمر الناس بالإعادة، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. فهذه سنةٌ راشدة عن خليفةٍ راشد في نفس المسألة المتنازع عليها، ولم ينكر عليه أحدٌ من فقهاء الصحابة وأجلائهم، وبناءً على ذلك فكأنه إجماع منهم أن الإمام إذا صلى بالناس وهو لا يعلم بحدثه فإن صلاتهم صحيحة، ولا تلزمهم الإعادة. وأما الذين قالوا بأنه تلزمهم الإعادة فإنهم احتجوا بما جاء عن علي رضي الله عنه أنه صلى بالناس الفجر، ثم رأى أثر الاحتلام، فأمر منادياً أن ينادي في الناس بإعادة صلاة الفجر. ووجه الدلالة أن علياً أعاد الصلاة، ولم تكن الإعادة لازمة حتى ألزم الناس بها. والذي يترجح في نظري -والعلم عند الله- هو القول بعدم الإعادة، وأن الصلاة صحيحة؛ لظاهر الأدلة من السنة والآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم، وأما ما احتج به أصحاب القول الثاني من أثر علي ففيه كلام، ولو صح فإنه معارض بما هو أقوى، ويحتمل أن علياً لم يبلغه حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ونقول: إن فعل علياً قد عارضه فعل عمر، ولا شك أن عمر رضي الله عنه محدَّثٌ ملهم مقدم؛ لأنه إذا تعارضت آراء الصحابة نظر إلى الفضائل، ففضل عمر رضي الله عنه لا شك أنه مقدمٌ على فضل علي رضي الله عن الجميع. وبناءً على هذا فإن الذي يترجح هو القول بصحة الصلاة، وأن المأمومين لا تلزمهم الإعادة، ودرج على هذا المصنف رحمه الله، وهو قول الجمهور كما قلنا.
حكم صلاة المأمومين خلف متنجس
حكم صلاة المأمومين خلف متنجس قال رحمه الله: [ولا متنجس يعلم ذلك، فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأموم وحده). قوله: [ولا متنجس] أي: ولا تصح الصلاة وراء متنجس يعلم بنجاسته، كإنسان -مثلاً- كان على ثوبه بول، أو غيره من النجاسات، فإنك إذا رأيت النجاسة في ثوب الإمام فإن أمكنك أن تريه النجاسة وينصرف ويستخلف فلا إشكال، فلو أن النجاسة في طرف كمه فإنك تتقدم إلى جوار الإمام وتسحب كمه لتريه -لأنها حركة لمصلحة الصلاة- حتى يستخلف وتصح صلاة من وراء. وإذا تعذر عليك إعلامه، أو كان الإمام جاهلاً فحينئذٍ بمجرد رؤيتك للنجاسة والخلل في الإمام فإنك تنوي مفارقته -أي: تنوي أنك منفرد-، وتتم لنفسك وصلاتك صحيحة، أما لو رأيت النجاسة وبقيت وراءه عالماً بنجاسته التي في ثوبه فإن صلاتك وراءه باطلة، وتبطل بأداء ركنٍ واحد بعد العلم. قوله: [فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحت لمأمومٍ وحده]. هنا مسألتان: المسألة الأولى: أن يصلي الإمام وهو مُحدث غير عالمٍ بحدثه؛ فلا إشكال أنه يطالب الإمام بالإعادة ولا يطالب المأمومون. الحالة الثانية: أن يصلي بنجاسته التي لا يعلمها حتى ينتهي من الصلاة فلا يعيد هو ولا المأمومين. فإذا كان الإمام محدثاً فحينئذٍ تلزمه الإعادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ)، وأما إذا كان في ثوبه أو بدنه نجاسة لا يعلمها، فإن الإعادة لا تلزمه ولا تلزم المأمومين، والسبب في ذلك حديث أنس الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه صلى بالصحابة فخلع نعاله أثناء الصلاة، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم -عليه الصلاة والسلام- قال: ما شأنكم؟ قالوا: يا رسول الله! رأيناك خلعت فخلعنا. فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنه قد أتاني جبريل فأخبرني أنهما ليستا بطاهرتين)، أي: خلعتهما لعذر، وهو وجود النجاسة. ووجه الدلالة من هذا الحديث -وهو دقيق- أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة من بدايتها، حيث كبر تكبيرة الإحرام، ويحتمل أنه فعل بعض الركعات، ومع ذلك لم يستأنف الصلاة بعد العلم بالنجاسة، وإنما بنى، فكما صحت أجزاء الصلاة والإحرام بتكبيرة الإحرام التي هي الركن، فكذلك تصح الصلاة في كمالها إذا علم بعد السلام، وبناءً على ذلك يفرق في الإمام بين أمرين: الأول: أن يكون محدثاً ولا يعلم بحدثه أو لا يتذكر أنه محدث إلا بعد الصلاة. فإنه حينئذٍ تلزمه الإعادة. والثاني: أن يكون الإمام عليه نجاسة في بدنه أو ثوبه ولا يعلم بها، أو كانت في المكان الذي يصلي به ولا يعلم بها إلا بعد انتهاء الصلاة، فصلاته وصلاة من وراءه صحيحة.
حكم إمامة الأمي
حكم إمامة الأمي قال رحمه الله: [ولا إمامة الأمي، وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يدغم، أو يبدل حرفاً، أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى إلا بمثله]. أي: ولا تصح إمامة الأمي، والأمي نسبة إلى أمه، أي: الإنسان الذي لا يقرأ ولا يكتب. والأمية وصفٌ لهذه الأمة، والعلماء رحمةُ الله عليهم يقولون: الأمية وصف شرف لهذه الأمة. على خلاف ما يظن بعض المتأخرين -وخاصة في هذه الأزمنة- أن الأمية وصف ذلة، أو وصف نقص. فهذا ليس بصحيح، بل الأمية وصف شرف لهذه الأمة، قال تعالى: {الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ} [الجمعة:2]، وقال عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين-: (إنا أمةٌ أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا). وانتبه رحمك الله: فإن الأمية لا تستلزم الجهل، وفرق بين الأمية والجهل؛ لأن الإنسان قد يكون أمياً لا يقرأ ولا يكتب وهو عالم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إمام العلماء وقدوتهم صلوات الله وسلامه عليه وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فليست الأمية مستلزمةً للجهل، وفرق بين الجهل والأمية، إلا أنهم قالوا: الغالب في الشخص إذا بقي على حاله منذُ أن ولدته أمه أن يكون جاهلاً أي: أنه يكون به الجهل، ولكن ليس هذا مطرداً، فكم من علماء لا يقرؤون ولا يكتبون، وكم من كفيف البصر لا يقرأ ولا يكتب، ومع ذلك قد يكون أعلم الناس وأعرفهم بالحلال والحرام. فعدم القراءة والكتابة الذي هي وصف الأمية لا يستلزم الجهل، ولذلك قالوا: إن الأمية وصف شرف لهذه الأمة، وليست بوصف نقص. ف (الأمي) الذي يجهل، فالجاهل الذي لا يعلم أحكام الصلاة ولا يعرف ما يقرأ فإنه لا تصح صلاته إلا بمثله، وبعض العلماء يضع ضابطاً للأمي فيقول: هو من لا يحسن الفاتحة. وهذا ضابط خاص بالإمامة وهو الصحيح، فالمراد بالأمي: الذي لا يحسن الفاتحة، وبناءً على ذلك إذا كان لا يحسن الفاتحة فإنه لا تصح صلاته إلا بمثله أو من هو دونه، ولكن إذا كان أعلم منه فللعلماء قولان: قال بعض العلماء: إذا أمّ الأمي غيره ممن هو أحسن منه وأعلم منه بطلت صلاة من وراءه وصحت صلاة الأمي. وقال الحنفية: إذا حضر القارئ والأمي في الصلاة بطلت صلاة الأمي ومن وراءه والقارئ معه؛ لأن الواجب أن يقدم القارئ، وكانوا معذورين قبل حضور القارئ، فلما حضر القارئ بطل عذرهم، ووجب عليهم أن يأتموا بالقارئ؛ لأنه عندهم، والإمام لا بد وأن يكون على وجه يضمن به، لقوله عليه الصلاة والسلام: (الإمام ضامن)، وبناءً على ذلك لا تصح إمامة الأمي إلا بمثله أو من هو دونه. قوله: [وهو من لا يحسن الفاتحة، أو يدغم فيها ما لا يُدغَم، أو يبدل حرفاً]. هذا كله من صفات الأمي فمن ذلك أن لا يحسن الفاتحة، أو يدغم ما ليس يُدغم، فتجده يغير في أوضاع الحروف وصفاتها التي هي من حقوق الحرف، فإذا كان بهذه الصفة فلا تصح إمامته، ولو كان يبدل المعنى ويلحن لحناً يحيل المعنى كأن يقول: (أَهدنا الصراط المستقيم)، أو يقول: (إِياكِ نعبد)، فإن (إياكَ) و (إياكِ) معناهما مختلف؛ فإنه إذا قال: (إياكِ) خرج عن المعنى المقصود، ويعتبر لحناً محيلاً للمعنى، فتبطل صلاته، فإذا صُلي وراء مثل هذا تبطل صلاة من وراءه، ويعذر إذا كان جاهلاً وليس هناك من يعلمه. أما لو كان هذا الأمي يمكنه أن يتعلم وقصر في التعليم فإنه تبطل صلاته وصلاة من رواءه وتلزمه الإعادة مدة تقصيره. فلو كان الأمي في بادية بعيداً عن الناس، وليس عنده من يعلمه فإنه يعذر، وبناءً على ذلك يعتبر بُعده وعدم وجود من يعلمه عذراً له، لكن لو فرض أنه كان بموضعٍ قريب من العلماء ويمكنه أن يأتيهم، أو جاء أناس من أهل العلم إلى الموضع الذي هو فيه وأمكنه أن يصحح قراءته فقصر وترك التصحيح، ولم يتعرض لهم بشيء ليتيسر له أن يصحح قراءته ولم يفعل؛ فتعتبر صلاته وصلاة من وراءه باطلة؛ لأنه غير معذورٍ حينما كان عاجزاً عن إتقان الفاتحة، لكنه لما تيسر له أن يتقنها قالوا: فإنه يأثم، ويكون عليه إثمه وإثم من يصلي وراءه -نسأل الله السلامة والعافية-. وقالوا: لو صلى بالناس عشر سنوات بهذه الصفة تلزمه الإعادة عشر سنوات. فالأمر جد عظيم، فإذا كان يلحن في الفاتحة لحناً يحيل المعنى ويمكنه أن يجلس مع العلماء ولا يتعلم، أو جاءه عالمٌ، أو من يستطيع أن يصحح له قراءته فامتنع وتكبر، أو استنكف، أو اعتذر بأعذار لا تغني فإنه يأثم ويتحمل وزره ولو مرت عليه سنوات، نسأل الله السلامة والعافية. قوله: [أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى]. هذا كما لو قال: (أنعمتُ عليهم). فإذا قال: (أنعمتُ عليهم) أو: (إياكِ نعبد) أو: (أََهدنا الصراط المستقيم)، أو أبدل حرفاً بحرف، أو أدغم بعض الحروف ببعضها يجعل في موضع لا يصح فيه الإدغام فإنه في هذه الحالة يعتبر لحناً مؤثراً، وهكذا إذا لحن، أو كان في لسانه علة يبدل بها حرفاً مكان حرف، كأن يقول: أهدنا الشراط. بدل الصراط، فإنه في هذه الحالة يكون إبداله مؤثراً، وهكذا بالنسبة للتمتام والفأفاء ونحوهم ممن فيه آفة في لسانه لا تمكنه من إعطاء الحروف حقوقها من الصفات المعتبرة. وقوله: [إلا بمثله]. أي: إذا أم الأمي مثله صحّت. قال رحمه الله: [وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته]. أي: وإن قدر على إصلاح خطئه لم تصح صلاته؛ لأنه مفرط ويلزم بعاقبة تفريطه، وهذا -نسأل الله السلامة والعافية- من التكبر والاستنكاف عن الحق، ومثل هذا لا يجوز أن يقدم إذا كان يلحن لحناً يحيل المعنى وهناك من يستطيع أن يقرأ بدون لحن، فيجب على الناس أن يقدموا القارئ، وإذا لم يقدموه فإنهم يأثمون.
من تكره إمامته للناس
من تكره إمامته للناس قال رحمه الله: [وتكره إمامة اللحان والفأفاء والتمتام، ومن لا يفصح ببعض الحروف، وأن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق]. أي: الذي يلحن لحناً لا يحيل المعنى، أما لو كان لحناً يحيل المعنى فكما تقدم في الأمي. وقوله: [والفأفاء والتمتام]. الفأفاء: الذي إذا جاء يقرأ يكثر من الفاء أثناء حديثه بقوله: (ف ف ف)، فتجده يرددها مرات. والتمتام في التاء، فتجده إذا أراد أن يتكلم يتأخر ويأتي بالتاء مكررة. قوله: [ومن لا يفصح بعض الحروف]. كأن يقول: (الشراط) بدل الصراط، أو تكون صفات الحروف متداخلة عنده بطبيعة لسانه، أو يكون فيه عجمة، كأن يقول في (الرحمن): الرهمن، بالهاء، فهذا أيضاً يعتبر إبدال حرف بحرف، وهكذا بالنسبة للراء إذا كان ألثغ. قوله: [وأن يؤم أجنبيةً فأكثر لا رجل معهن]. أي: ويكره له أن يؤم أجنبية فأكثر لا رجل معهن، وذلك لأنه منهي عن الدخول على النساء والخلوة بهن إذا لم يكنّ من المحارم، قال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والدخول على النساء. قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت)، وإذا خلا بأجنبية فإنه منهي عن هذه الخلوة لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما خلا رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وقال: (ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة) فهذا نهي، قالوا: وبناءً على ذلك لا يصلي الرجل الأجنبي بالمرأة الأجنبية على خلوة؛ لأنه قد يخرج عن مقصود الصلاة إلى الفتنة. وقوله: [أو قوماً أكثرهم يكرهه بحق]. لقوله عليه الصلاة والسلام: (وأن يؤم القوم وهم له كارهون)، وفي هذا الحديث وعيد شديد، حتى عد بعض العلماء هذا من الكبائر. والكراهة تنقسم إلى قسمين: إما تكون كراهةً مشروعة، وإما أن تكون كراهةً غير مشروعة. فالكراهة المشروعة التي تكون لخلل في الإمام لدينه، أو يكون إنساناً يعسر عليهم ويؤذيهم ويخرج عن حدود السنة، فتجده يطوّل عليهم وأسلوبه منفر، فمثل هذه الكراهة شرعية، ولذلك لما جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنه يتأخر عن الصلاة مما يطول فلان قال عبد الله فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعظ موعظةً أشد من تلك الموعظة وقال: (إن منكم منفرين) فأقر الرجل حينما كره من هذا الإمام إطالته، ولما شكي بـ معاذ في الإطالة لم يعتب على الشاكي في ذلك، وإنما سمع شكواه، وعنف معاذاً وقال له: (أفتانٌ أنت يا معاذ)، فهذه كراهة مشروعة، فكون الإمام إذا دخل المحراب نسي من وراءه، فلم يرحم الشيخ الكبير، ولا يراعي السقيم، ولا يراعي ذا الحاجة، ولربما يكون المسجد في مكانٍ فيه الناس في شغل فلا يراعي أوضاعهم، ويحاول أن يطول بهم ويعنفهم، وقد تكون فيه شدة وغلظة وعنف فمثل هذا يكره كراهة جبلية لا يستطيع الإنسان أن يمسك عنها نفسه، خاصةً وأنه على خلاف السنة، وعلى خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل هذا لا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه، فقال: (إن منكم منفرين)، فإذا كرهوه لهذا الوجه من وجود العنف والمشقة والإضرار بهم فالكراهة شرعية، ومثل هذا ينطبق عليه الوعيد الشديد، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم قيد شبر: -أي: لا تقبل منهم نسأل الله السلامة والعافية، ولا ترفع إلى السماء- رجلٌ أم قوماً وهم له كارهون، وعبدٌ أبق عن سيده حتى يعود إليه، وامرأةٌ باتت وزوجها عليها ساخط)، فهؤلاء الثلاثة لا تجاوز صلاتهم رءوسهم قيد شبر، فنسأل الله السلامة والعافية. وإذا كان الإمام لا يبالي فالأمر أشد وأعظم، فإذا قيل له: إن الناس يكرهونك. أو: لا تطول على الناس ولا تؤذهم، قال: من أعجبه فالحمد لله، ومن لم يعجبه فلينصرف. فهذه جرأة، ومثل هذا على خطر، فينبغي عليه أن يتقي الله عز وجل، وأن يراقب نفسه، وأن يستشعر أنه على نقص وأنه بشر، وقد يكون من الإنسان الخطأ وهو لا يدري، فالعين لا ترى ما بها إلا بالمرآة، فالإنسان لا يستطيع أن يرى ما بعينه إلا بمرآة، والمرآة هم الناس، فإذا جاءك الناس وقالوا لك: إنك تطول أو جاءك أكثر من شخص، أو شخص تثق بدينه وبأمانته فاعذر الناس وأنصفهم من نفسك. وأما الكراهة غير الشرعية فهي التي تكون من أناس متساهلين في أمور دينهم والإمام يدعوهم إلى السنة، ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل فيكرهونه لأنه يدعوهم إلى الخير، ويكرهونه لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويكرهونه؛ لأنه لا يحابيهم، ويصدع بالحق، فهذه الكراهة وجودها وعدمها على حدٍ سواء، ومثل هذا ينطبق عليه قوله عليه الصلاة والسلام: (من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس)، فهذا على خير وعلى سنة ورشد، فإن كان الإمام مكروهاً فإنه لا يقدم على الناس من يكره؛ لأنه إذا تقدم على الناس من يكره لا ترتاح الناس للصلاة وراءه، ولا تتأثر بقراءته، ولا تتأثر بمواعظه، وفي هذا صرف للناس عن الخير، ولذلك عاتب النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً، وأمره أن يهيئ لنفسه ما يدعو إلى قبول إمامته وحبه والإقبال عليه.
حكم إمامة ولد الزنا والجندي
حكم إمامة ولد الزنا والجندي قال رحمه الله: [وتصح إمامة ولد الزنا والجندي إذا سلم دينهما]. تصح إمامة هذين إذا كانا على ديانةٍ واستقامة، فولد الزنا الذنب ذنب غيره وليس بذنبه، وقد قال تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وكره بعض العلماء أن يقدم ابن الزنا للإمامة بالناس، وهذا قولٌ فاسد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وقد يكون على صلاح وديانةٍ واستقامة، والذنب ذنب غيره وليس بذنبه هو، وليس عليهم من وزر والده شيء، وما ورد من أنه لا يدخل الجنة فباطل وقولٌ مردود مصادمٌ للنصوص الصحيحة الصريحة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا قولٌ شاذ لا يعول على مثله، وهذا قول رده العلماء وأبطلوه؛ لأنه يصادم النصوص الصحيحة الصريحة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يضيع الله صلاحه وقد صلح واستقام؟! وقد أخبر الله تعالى أنه يخرج الحي من الميت، فقد أخرج عكرمة من رأس الكفر أبي جهل، فلذلك لا يمتنع أن يخرج العبد الصالح من أصل فاسد، وقد يكون الرجل زنى ثم تاب إلى الله فتاب الله عليه، وهكذا بالنسبة لأمه، فالمقصود: أن ولد الزنا تصح إمامته إذا استقام، لكن بعض العلماء يقول: إذا وجد غيره وهو مثله -أي: في مثل حاله- يقدم عليه؛ لئلا يغتابه الناس، ولأجل صيانة الإمام إذا وجد غيره، أما إذا لم يوجد غيره، أو كان أفضل الموجودين فخليقٌ بها، ونعما هو عليه. وقوله: [والجندي]. كذلك الجندي تصح إمامته ويصلي بالناس إذا كان على استقامةٍ وخير.
حكم صلاة من يصلي قضاء خلف مؤد والعكس
حكم صلاة من يصلي قضاءً خلف مؤدٍ والعكس قال رحمه الله: [ومن يؤدي الصلاة بمن يقضيها وعكسه]. مثال ذلك: لو أنك دخلت على أخيك وهو يصلي العصر -خاصةً عند من يقول: إنه يجوز أن تصلى الظهر وراء العصر- وأنت تنوي الظهر قضاءً فإنه يجوز ذلك ولا حرج فيه، فصلاتك مقضية وراء مؤدٍ، وهكذا لو قضى الظهر فجئت وصليت وراءه العصر أداءً صح هذا، فيصح الأداء خلف القضاء والقضاء خلف الأداء إذا اتحدت صورة الصلاتين، وبناءً على ذلك لا حرج، ويعتبر العلماء هذا مع اختلاف النية لحديث معاذ رضي الله عنه الثابت في الصحيح حينما كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء، وينطلق إلى قومه يصلي بهم العشاء فهو متنفل وهم مفترضون، فاختلفت نيته معهم، وقالوا: فلا يؤثر أن ينوي القضاء وينوي غيره الأداء، أو ينوي هو الأداء وغيره ينوي القضاء، فلا حرج في هذا. وقوله: [وعكسه]. أي: كذلك لو صلى أداءً وصليت وراءه قضاء فلا حرج، وهكذا بالنسبة لصلاة الظهر، فلو أن إنساناً نسي صلاة الظهر البارحة ولم يذكرها إلا اليوم، ودخل عليك وأنت تصلي الظهر، فإنه هو قاضٍ وأنت مؤدٍ، فيصح القضاء خلف الأداء، ولو ابتدر هو بصلاة الظهر وصلاها بنية القضاء، ثم دخلت عليه بعده فنويت وراءه الأداء صح ذلك ولا حرج.
حكم صلاة مفترض خلف متنفل
حكم صلاة مفترض خلف متنفل قال رحمه الله: [لا مفترض بمتنفل]. أي: لا يصح أن يصلي المفترض وراء إمامٍ متنفل. وهذه المسألة فيها قولان للعلماء: القول الأول يقول: يجوز أن يصلي المفترض وراء المتنفل. وبهذا القول قال فقهاء الشافعية وجمعٌ من أصحاب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمةُ الله على الجميع. القول الثاني: لا يصح أن يؤم المتنفلُ المفترضين. وبهذا القول قال جمهور العلماء من المالكية والحنابلة والحنفية. أما الذين قالوا بصحة صلاة المفترض خلف المتنفل فاحتجوا بحديث معاذ الذي سبقت الإشارة إليه الثابت في الصحيح أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم عشاءً، ثم ينطلق إلى قومه فيصلي بهم وهو متنفل وهم مفترضون. وفي الرواية عن جابر: (هي له تطوع ولهم فريضة)، ووجه الدلالة أن هذا وقع من معاذ رضي الله عنه وعلمه النبي صلى الله عليه وسلم وأقره على ذلك، فدل على صحة إمامة المتنفل بالمفترض. وذهب الجمهور -كما قلنا- إلى عدم صحة إمامة المتنفل بالمفترض، واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به إلى أن قال: فلا تختلفوا عليه)، فوجه الدلالة أن هذا نهي، فإذا كانوا ناوين للفريضة وراءه فقد اختلفوا عليه، وبناءً على ذلك لا يصح أن يوقع الفريضة مع إمام متنفل، ثم إن الفريضة أقوى من النافلة، وقد عهدنا بناء الضعيف على القوي لا بناء القوي على الضعيف، خاصةً أن الإمام ضامن. ثم أجابوا عن حديث معاذ بوجوه، فقالوا: إن حديث معاذ محمول على أنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم النافلة ويأت قومه فينوي الفريضة. وهذا مردود وباطل، خاصةً وأنه يصادم الراوية الصحيحة عن جابر أنه كان ينوي وراء النبي صلى الله عليه وسلم الفريضة ثم يصلي بقومه نافلة. ولا يعقل أن معاذاً رضي الله عنه -وهو الفقيه- يضيع صلاته وراء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الفريضة أفضل. كما أجابوا -أيضاً- عن حديث معاذ بقولهم: سلمنا في حديث معاذ أن قومه مفترضون وهو متنفل، ولكن نقول: قد نهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. ولذلك يقول فقهاء الحنفية أنه منسوخ. وبناءً على ذلك لا يصلح للاحتجاج به لرواية السنن: (إما أن تصلي معنا أو تصلي مع قومك)، فقالوا: فهذا يدل على أن هذا الفعل منسوخ. وهذا باطل؛ لأن الرواية متكلم في سندها، وبناءً على ذلك لا يسلم النسخ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الصحيحة أنكر عليه الإطالة، ولم ينكر عليه إمامته بقومه وهو متنفل، وإنما قال: (أفتانٌ أنت يا معاذ؟)، ثم بين له السبيل الأمثل والسنة في إمامة الناس، فدل هذا على أن النبي صلى الله وسلم قد أقره على إمامته، وأن إمامته صحيحة، وأن هذا الفعل يعتبر في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم من جهة الإقرار؛ أي أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم إقراره، وعلى هذا يعتبر القول بجواز إمامة المتنفل للمفترض هو القول الراجح، فالصحيح أنه لا حرج للمتنفل أن يؤم المفترضين، ولهذه المسألة نظائر وصور منها: لو أنه دخل وراء متنفل فإن اتحدت صورة الصلاة فلا إشكال، وإن اختلفت فلا، وبناءً على ذلك لو أنه دخل والمتنفل يصلي التراويح فإنه يجوز له أن يصلي وراءه العشاء، سواءٌ أكان مسافراً فيسلم بتسليم الإمام أم كان مقيماً فبعد تسليمه من الركعتين يقوم ويأتي بركعتين كأنه مسبوق، وهكذا الحال بالنسبة لبقية الصور، أما لو اختلفت صورة الصلاتين، كأن تكون المغرب وراء العشاء، أو العشاء وراء المغرب فإنه لا يصح الائتمام في هذه الحالة؛ لأنه يؤدي إلى اختلاج الصلاة، والمحفوظ من إقراره عليه الصلاة والسلام إنما هو في اتحاد صورة الصلاتين، أما في الاختلاف فإنه لم يثبت، فيبقى الأصل في متابعة الإمام على ما هو عليه. وأما ما استدل به من قال بالمنع من قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا تختلفوا عليه)، فإنه محمول على الاختلاف في الأفعال، وليس المراد به الاختلاف في النيات؛ لحديث معاذ الذي دل على تخصيص هذا الأمر.
حكم صلاة الظهر خلف من يصلي العصر وغيرها
حكم صلاة الظهر خلف من يصلي العصر وغيرها قال رحمه الله: [ولا من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها]. هذا بناءً على المذهب الذي يقول: إنه لا يُصلّى مع اختلاف النيات. والصحيح أنه يجوز أن يصلي مع اختلاف النية، أما لو كانت نيتك النافلة والإمام مفترض فإنها تصح بالإجماع، كأن تكون قد صليت الظهر، ثم دخلت المسجد والإمام يصلي، فإنك تصلي وراءه الظهر، فهي لك نافلة ولهم فريضة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك الصحابيين، كما في حديث خيف منى، وهو ثابت في الصحيح، وكذلك أمر أبا ذر رضي الله عنه لما أخبره عن الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الأذان للمرأة
حكم الأذان للمرأة Q إذا صلى النساء جماعة فهل يجوز أن تؤذن إحداهن وتقيم؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فالثابت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أن يؤذن لـ أم ورقة الشهيدة وكانت تسمى الشهيدة؛ لأنها استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في خروجها لبدر فمنعها عليه الصلاة والسلام فأخبرته أنها تريد الشهادة، فقال لها: (امكثي في بيتك وستأتيك الشهادة)، فمكثت حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أبو بكر وعمر، حتى إذا كان زمان عثمان قام غلامان من غلمانها فغطاها بقطيفة حتى ماتت، فصدقت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه المرأة الكريمة الفاضلة رضي الله عنها وأرضاها أمرها أن يؤذن لها، فدل على أن الأذان ليس للنساء، ومن ثم قالوا: ليس على النساء أذانٌ ولا جماعة، وإنما هو للرجال. والغالب في صوت المرأة أنه فتنة، وبناءً على ذلك فإن الأذان إنما يكون لرجلٍ يؤذن لها على ظاهر السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.
استخلاف الإمام غيره في الصلاة إذا خرج منها
استخلاف الإمام غيره في الصلاة إذا خرج منها Q إذا خرج الإمام من الصلاة بسبب تذكره أنه محدث واستخلف، فهل يستأنف النائب أم يبني؟ A يبني ولا يستأنف، وهذا هو المقصود من الاستخلاف، فيبني على الصلاة ولا يستأنف، وظاهر حديث أبي بكر رضي الله عنه في إمامة النبي صلى الله عليه وسلم في مرض الموت يدل على الاستخلاف في صورة العكس. والله تعالى أعلم.
حكم من وجد ببدنه أو ثيابه نجاسة أثناء الصلاة
حكم من وجد ببدنه أو ثيابه نجاسة أثناء الصلاة Q من علم أن ببدنه نجاسة، أو بثوبه أثناء الصلاة وهو إمام فماذا يفعل؟ A هذا فيه تفصيل، فإذا كان الماء قريباً، وأمكنه أن يصل إليه دون أن ينحرف عن القبلة فإنه يجوز له أن يمضي إلى الماء، وأن يغسل هذه النجاسة، ثم يبني على صلاته ويستمر، كأن يكون بجواره صنبور ماء، أو بجواره وعاءٌ فيه ماء وأمكنه أن يأخذ منه ويغترف دون أن ينحرف عن القبلة، فإن الجماهير على أن له ذلك ويتم صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعليه، فخلع النعال فعلٌ لإزالة النجاسة، فلما خلع النعال وفعل فإنه كذلك يخلع النجاسة عن ثوبه بالغسل؛ لأن الإذن بالشيء إذنٌ بلازمه، فلما أُذِن له بأن يزيل نجاسته أذن له بلازم ذلك من الأفعال التي لا يخرج بها عن كونه مصلياً ولا ينحرف بها عن القبلة. أما لو كان الإمام بعيداً عن الماء، أو يتعسر عليه، أو لا يمكنه أن يصل إلى الماء إلا بفعل كثير، أو ينحرف عن القبلة فإنه يستأنف ولا يبني، وبناءً على ذلك يقطع الصلاة ويخرج منها، ويستخلف غيره إن كان إماماً. والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة خلف الفاسق فسقا أكبر
حكم الصلاة خلف الفاسق فسقاً أكبر Q إذا كان الإمام فاسقاً فسقاً أكبر، كأن يكون ممن يستغيث بالقبور ويقع في الشركيات، فهل تجوز الصلاة خلفه؟ A لا تجوز الصلاة وراء كافرٍ، وهكذا الحكم فيمن ثبت شركه، فإنه لا يصلى وراءه، أي: إذا ثبت أن في عقيدته خللاً يوجب بطلان صلاته فإنه لا يصلى وراءه، إنما المراد الفسق الذي لا يخرج عن الملة، أما لو كان فسقه -والعياذ بالله- أكبر مخرجاً عن الملة فإنه لا يصلى وراءه.
حكم من فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة
حكم من فاتته بعض تكبيرات صلاة الجنازة Q كيف يقضي المصلي صلاة الجنازة إذا دخل مع الإمام بعد التكبيرة الثالثة؟ A إذا دخل المصلي مع الإمام في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثالثة فإنه إذا سلم الإمام لا تخلو الجنازة من حالتين عند المحققين من العلماء، فإن كانت الجنازة تترك برهة لقضاء من فاتته الصلاة لكي يقضي فحينئذٍ يكبر ويقول الأذكار التي بين التكبيرات، أما لو كانت ترفع -كما هو الحال في غالب الجنائز الآن- فإنه يوالي بين التكبيرات ويسلم، وهذا اختيار جمع من أهل العلم رحمةُ الله عليهم. ووجهه أن الصلاة إنما شُرعت بحضور الجنازة، ولذلك لا يصلى في المسجد قبل حضور الجنازة، وإنما يصلى بعد حضورها، وبناءً عليه فرفعها يعتبر موجباً لانتهاء الصلاة عليها، فمتى ما رفعت من المسجد، أو من الأرض فقد انتهت الصلاة عليها، فيوالي بين التكبير، فإن فاتته تكبيرتان فعند سلام الإمام يقول: الله أكبر. الله أكبر. السلام عليكم ورحمة الله. وإن فاتته ثلاث تكبيرات فإنه عند سلام الإمام يقول: الله أكبر. الله أكبر. الله أكبر. السلام عليكم ورحمةُ الله، فيوالي بين التكبيرات ولا يقول الأذكار التي بينها. والله تعالى أعلم.
حكم صلاة المغرب خلف من يصلي العشاء
حكم صلاة المغرب خلف من يصلي العشاء Q شخصٌ مسافر أراد أن يؤخر صلاة المغرب جمع تأخير مع صلاة العشاء، وعندما حضر وقت صلاة العشاء، فهل يصلي العشاء مع الجماعة ثم يصلي المغرب؟ A يصلي العشاء بنية النفل، ثم يقيم للمغرب ويصليها، ثم يصلي العشاء، ووجه ذلك أن صلاة العشاء لا تصح قبل المغرب، فقد قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى الصلوات مرتبة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وبناءً على ذلك لا يصح إيقاع فريضة قبل فريضة إلا إذا كانت مرتبة على الوجه الذي وقعت عليه. وعلى هذا فلو قلنا له صلِّ العشاء ثم صلِّ المغرب فقد خالفنا مقصود الشرع من مراعاة الترتيب، حيث لا يخاطب بصلاة العشاء إلا بعد أن تبرأ ذمته بصلاة المغرب، وعلى هذا قال العلماء يدخل بنية النافلة في العشاء، ثم بعد ذلك يقيم للمغرب فيصليها، ثم يصلي بعد ذلك العشاء، وهذا إذا كان المسجد لا يسع أكثر من جماعة، أما لو كان مسجداً سابلاً كمساجد السفر التي على طرقات السفر فإنك تقيم للمغرب وتحدث جماعةً ثانيةً للمغرب وتصلي بمن شئت؛ لأن المساجد السابلة رخص فيها تكرار الجماعات، شريطة ألا يشوش بعضها على بعض. والله تعالى أعلم.
مسألة مضاعفة صلاة الفرض والنافلة في المسجد الحرام
مسألة مضاعفة صلاة الفرض والنافلة في المسجد الحرام Q هل الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاةٍ في الفريضة والنافلة، أم ذلك خاصٌ بالفريضة؟ A هذه المسألة فيها وجهان للعلماء: أصحهما أن المضاعفة في مسجد مكة والمدينة والمسجد الأقصى شاملةٌ للفرض والنفل لقوله عليه الصلاة والسلام: (صلاةٌ في مسجدي هذا بألف صلاة)، فإنها نكرة، والقاعدة في الأصول أن النكرة تفيد العموم. فشملت الفريضة والنافلة. وقال جمعٌ من أهل العلم: إن المضاعفة تختص بالفريضة دون النافلة، واحتجوا بوجوه. أولها وأقواها حديث رمضان، حينما أمّ النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة في قيام الليل، ثم في الليلة الثالثة امتنع من الخروج. وقال: (صلوا في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ووجه الدلالة أنه صرفهم عن صلاة القيام في المسجد إلى صلاتها في البيت، فدل على أن المضاعفة مختصة بالفريضة دون النافلة وأكدوا ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الرواتب في بيته، ولم يكن يصليها في مسجده إلا ما ورد من الاستثناء في صلاة الجمعة البعدية، فقالوا: إن هذا كله يؤكد أن النوافل الأفضل فيها أن تكون في البيوت، وأن المضاعفة هذه المساجد مختصة بالفرائض دون النوافل. والذي يترجح القول الأول الذي هو للجمهور، وهو أن المضاعفة شاملة للفرض والنافلة لعموم الحديث الذي ذكرناه، وهذا أولاً. ثانياً: الاستدلال بحديث: (فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، الذي يظهر أنه لا تعارض بين النصين؛ فإن المضاعفة في قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة في مسجدي هذا بألف صلاة فيما سواه) مضاعفة متجهةٌ إلى العدد، وحديث: (فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) راجع إلى البعد عن الرياء، فانفكت الجهة بين النصين، والقاعدة في الأصول أنه لا يحكم بالتعارض إلا إذا اتحد مورد النصين. أي: أن يأتي حديث ويقول: بألف صلاة، وحديث يقول: هي بصلاة وبناءً على ذلك لا نسلم أن الحديثين متعارضان، وإنما كلٌ منهما في جهة، ويؤكد هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا صلى أحدكم فليجعل من صلاته في بيته؛ فإن الله جاعل له من صلاته في بيته خيراً)، وهذا من جهة بعده عن الرياء وعمارته لهذا البيت حتى لا يكون كالقبر الذي لا يصلى فيه، فالذي يظهر -والله أعلم- أن المقصود بذلك إحياء البيوت بالذكر؛ لكي لا تشابه القبور، ولكي تعود بالبركة والخير عليه وعلى أهل بيته، وأما بالنسبة لمضاعفة الصلاة في المساجد فهي باقيةٌ على عمومها لثبوت السنة فيها على العموم. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه وسلم.
فصل: يقف المأمومون خلف الإمام
شرح زاد المستقنع - فصل: يقف المأمومون خلف الإمام يجب على المأمومين التأخر خلف الإمام إن كانوا جماعة، والواحد يقف عن يمينه إلا المرأة فخلفه، ولا يجوز لمنفرد أن يصلي خلف الصف وحده إلا المرأة، ولا تعتبر المصافة مع الكافر والمحدث والمرأة، ومن وجد فرجة دخل فيها وإلا جذب من يصلي معه، ولابد من سماع لمن صلى في المسجد أن يسمع الإمام، وإن لم يره، وإن كان خارج المسجد فلابد أن يرى الإمام وتكره الصلاة بين السواري، وهناك آداب ينبغي للإمام أن يتحلى بها.
تابع أحكام الإمامة
تابع أحكام الإمامة
موقف المأموم من الإمام
موقف المأموم من الإمام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: يقف المأمومون خلف الإمام] تقدم في المواضع السابقة بيان جملة من الأحكام المتعلقة بالإمام، وما ينبغي أن يكون عليه من صفات قبل إمامته للناس، وكذلك حال إمامته. وهنا شرع المصنف في مسألة مهمة من مسائل الإمامة وصلاة الجماعة، وهي التي تعرف بموقف المأموم مع الإمام، وذلك أن الجماعة تتحقق بواحد مع الإمام، ولا تكون الجماعة لواحد منفرد. وعلى هذا يرد السؤال عن موقف الواحد مع الإمام، وعن موقف الاثنين، وعن موقف الثلاثة وأكثر. ثم بعد ذلك يرد السؤال عن موقف الرجال وموقف النساء وموقف الصبيان والخناثى، ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بالمواقف. قال رحمه الله: [يقف المأمومون خلف الإمام]. السنة للمأموم أن يقف وراء الإمام، وهذا إذا كان المأمومون أكثر من واحد، والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إنما جعل الإمام ليؤتم به). والإمام -كما يقول العلماء رحمهم الله-: مأخوذ من الأمام، وهو الخط الذي يخط في أول الدار؛ فكأنه ينبني عليه غيره، ولذلك يكون متقدماً متميزاً على غيره بهذا التقدم، ولا يكون مساوياً للمأمومين، فهذا في الأصل. فقوله: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، معناه أن يكون المأموم تبعاً للإمام، وهذا يشمل ما يكون في الأفعال وما يكون في الصورة، فصورة المأموم في موقفه، فالأصل إذا كان المأمومون أكثر من واحد أن يكونوا وراء الإمام، أما لو كان المأموم واحداً فسيرد التفصيل في أحكامه، لكن الأصل في المأموم أن يقف وراء الإمام. وقوله: [يقف المأمومون] عبر فيه بالجمع، وهذا يقتضي أن موقف الجماعة يكون وراء الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر، وإذا وقف الاثنان عن جانبه الأيمن صحت صلاتهم؛ لأنه موقف معتبر. وفي الصحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أنه لما قام عليه الصلاة والسلام بعد هوي من الليل وتوضأ ووقف قال ابن عباس: (فقمت فصنعت مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جئت فقمت عن يساره فأدارني فجعلني عن يمينه). فدل على أن ميمنة الإمام موقف، لكن إذا كان المأمومون أكثر من واحد فإنهم يقفون وراء الإمام، فلو وقف الاثنان عن يمينه فقد وقفا في موقف معتد به شرعاً فيصح ائتمامهم. قال رحمه الله تعالى: [ويصح معه عن يمينه] هذا يقع في الأحوال التي قد توجد فيها حاجة، أو توجد فيها ضرورة، كما لو كان المكان لا يتسع أن يتأخر المأمومون عن الإمام، فإذا كان المكان لا يتسع أن يتأخر المأمومون عن الإمام فإنهم يقفون ويصلون عن يمينه، ثلاثة كانوا أو أكثر، ولو كان صفاً طويلاً فلا حرج، كأن يكون هناك ممر وليس هناك متسع أن يكون الإمام متقدماً، فحينئذٍ يقفون عن يمينه. وقال بعض العلماء: إنهم لو جعلوا الإمام أمامهم ثم تأخروا قليلاً عنه، وجعلوا فسحة بينهم وبينه فإنه لا حرج، واغتفروا هذا الفاصل اليسير، لكن شدد فيه بعض العلماء؛ لأنه بمثابة قطع الصف. فالحاصل أنهم لو كانوا محتاجين ووقفوا عن يمينه فلا حرج، وهكذا إذا كانت ثَمَّ مشقة، بأن قطع الإنسان الصفوف وجاء ووقف عن يمين الإمام فلا حرج. قال رحمه الله تعالى: [أو عن جانبيه]. يعني عن جانبي الإمام، فإنه لا حرج في أن يقف المأمومان أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، وهذا ثابت في حديثٍ أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه صلى بـ علقمة والأسود صاحبيه، فأقام أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره، ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وإن كان هذا الحديث فيه إشكال في رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه إن صح موقوفاً فـ ابن مسعود ناهيك به علماً وفقهاً، وهذا مذهب الحنفية رحمة الله عليهم، فيرون أن الاثنين يقف أحدهما عن يمينه والثاني عن يساره. وخالفهم الجمهور رحمة الله عليهم فقالوا -وهو الصحيح-: إن الاثنين يقفان وراء الإمام؛ لحديث جابر وجبار فإنه لما قام جابر عن يمينه صلى الله عليه وسلم وجاء جبار دفع صلوات الله وسلامه عليه بصدورهما وراءه، كما في الحديث الصحيح، فدل على أن الاثنين يقفان وراء الإمام، ولا يقفان بحذاء الإمام عن يمينه وعن يساره. وأما حديث ابن مسعود فالذي يظهر -والعلم عند الله، كما هو جواب طائفة من المحققين- أنه كان في أول الإسلام، وهي الصلاة المكية، ثم نسخت بالتشريع المدني. والسبب في ذلك أن ابن مسعود لما صلى بـ علقمة والأسود رحمة الله عليهما ركع فطبق بين يديه، والتطبيق: هو أنه حينما يركع يجعل كفه اليمنى مع كفه اليسرى مجموعتين غير متداخلتين -أي: بدون تشبيك-، ويجعلهما بين الفخذين. وكانت الصلاة بهذه الصفة كالتعظيم لله سبحانه وتعالى، ثم نُسِخت بوضع الكفين على الركبتين وإلقامهما، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم معنا في صفة الركوع. فكانت سنة مكية أنه إذا صلى الإمام يجعل أحد المأمومين عن يمينه والثاني عن يساره، ثم نسخ هذا بحديث جابر وجبار، وكما يقول العلماء: إنه يستفاد من رواية الراوي ما يدل على النسخ، فلما كان ابن مسعود من أحفظ الناس للتشريع المكي، وهو من أسبق الصحابة رضوان الله عليهم وأعرفهم بالفقه المكي، وحديث جابر وجبار إنما كان بالمدينة قالوا: هذا يشير إلى أنه كان منسوخاً، بدليل أن جباراً لما جاء وقف عن اليسار، فدل على أنه كان معهوداً في أول الأمر أن يقف أحدهم عن يمينه والثاني عن يساره، وهذا هو أعدل الأوجه وأقواها في الجواب عن هذه السنة الواردة، والتي حفظها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. فالخلاصة أن الاثنين فأكثر يقفون وراء الإمام، والأصل في ذلك حديث أنس (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فلو أنه وقف الإمام بينهم لم يكن ائتماماً بالصورة، ولذلك قالوا: يتقدم ويتأخران. قال رحمه الله تعالى: [لا قدامه]. أي: لا يجوز للمأموم أن يتقدم على الإمام، وذلك لنص الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فلو تقدم عليه لم يأتم به، وإنما صار المأموم كأنه إمام لإمامه، وهذا خلاف المقصود شرعاً. ثم إنَّ تقدمَ المأموم على الإمام فيه مفاسد، ومن أعظمها أنه تختلف عليه أفعال الإمام، ولربما يحصل منه اختلاج في صلاته، والسبب في ذلك واضح، فلو صلى وراء الإمام رباعية وسها الإمام ولم يجلس للتشهد الأول فقام ووقف، فإن المأموم سيجلس للتشهد؛ لأن ظنه أن الإمام جلس للتشهد، فلا يشعر إلا والإمام راكع، وحينئذٍ تختلف صلاة المأموم مع إمامه. قال رحمه الله تعالى: [ولا عن يساره فقط]. الدليل على أن اليسار ليس بموقف حديث ابن عباس رضي الله عنهما، فإن ابن عباس لما بات عند خالته ميمونة رضي الله عنه وعنها قال: (فلما كان هوياً من الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى إلى شنِّ فتوضأ، ثم قمت فصنعت مثلما صنع فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم حرك ابن عباس، وحصل هذا الفعل لمصلحة الصلاة، فدل على أن يسار الإمام ليس بموقف، وأنه إذا وقف المأموم في يسار الإمام وجب أن يحوله إلى يمينه.
بطلان صلاة المنفرد خلف الصف غير المرأة
بطلان صلاة المنفرد خلف الصف غير المرأة قال رحمه الله تعالى: [ولا الفذ خلفه أو خلف الصف إلا أن يكون امرأة]. أي: لا تصح صلاة الفذ إذا وقعت خلف الصف، فإنه إذا صلى منفرداً خلف الصف لم تصح صلاته، إلا المرأة، فإن النص ورد باستثنائها. أما الدليل على أن المنفرد لا تصح صلاته خلف الصف فحديث وابصة بن معبد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف). وكذلك حديث علي بن شيبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انفتل من صلاته ورأى رجلاً يصلي وحده فقال له: (استقبل الصلاة -أي: أعد الصلاة- فإنه لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، فدل على أن من صلى وراء الصف ركعة كاملة فأكثر أن صلاته باطلة وتلزمه الإعادة. قوله: [إلا أن يكون امرأة] أي: إلا أن يكون الواقف امرأة، وهذا الأصل فيه حديث أنس رضي الله عنه -وهو ثابت في الصحيحين- أن النبي صلى الله عليه وسلم زار أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها وأرضاها، قال أنس: فقال لنا: (قوموا فلأصلي لكم) -وهذا في الضحى- قال أنس: (فقمت إلى حصير قد اسود من طول ما لُبس فنضحته، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من خلفنا). ووجه الدلالة أن العجوز -أي: المرأة- صلت وراءهم وهذا يدل على أن المرأة إذا انفردت فصلاتها صحيحة، وعلى هذا قالوا: إن عموم قوله: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) يخصص، وتستثنى منه المرأة لثبوت الحديث الصحيح باستثنائها، وللشرع في ذلك حكم، منها: دفع المفاسد باختلاط الرجال مع النساء.
موقف إمامة النساء
موقف إمامة النساء قال رحمه الله تعالى: [وإمامة النساء تقف في صفهن]. ذكرنا أن النساء يُشرع لهن أن تكون بينهن جماعة، وأن تكون إمامتهن منهن، ولا حرج في ذلك؛ لحديث أم ورقة الأنصارية رضي الله عنها، حيث أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلي بأهل دارها. فلما أذن لها عليه الصلاة والسلام أن تصلي بأهل دارها دل هذا على أن المرأة تكون إماماً، ولكن للنساء، وعلى هذا يرد Q حيث عرفنا أن موقف المأموم يكون وراء الإمام فهل هذا الحكم عام للرجال والنساء؟ والجواب أنه يختص بالرجال دون النساء، أما النساء فلو كانت الإمامة منهن فإنها تقف بينهن ولا تقف أمامهن، وهذا فعل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكذلك أم سلمة رضي الله عن الجميع، وروى ذلك سعيد بن منصور في السنن. فقالوا: إنه لا يمكن أن تفعل أم المؤمنين رضي الله عنها وهي الفقيهة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها، لا يمكن أن تفعل هذا دون توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم. ثم إن مقاصد الشرع تؤكد هذا، حيث إن المرأة إذا صلّت بين النساء كان هذا أستر لها وأحفظ، بخلاف ما لو تقدمت عليهن، ولأن للرجال درجة على النساء، وفرق ما بين النساء والرجال، فقُدِّم الرجال لأمن الفتنة، وتأخرت النساء لوجود الفتنة.
ترتيب المأمومين خلف الإمام
ترتيب المأمومين خلف الإمام قال رحمه الله تعالى: [ويليه الرجال ثم الصبيان ثم النساء كجنائزهم]. أي: يلي الإمام الرجال، والأصل قوله عليه الصلاة والسلام: (ليلني منكم أولو الأحلام). فدل على أن السنة أن يلي الإمام الكبار والعقلاء، خاصة أهل العلم والحلم والعقل والفضل، ويكون هذا المكان -الذي هو خلف الإمام مباشرة- لأمثال هؤلاء. والمطلوب أن يبكروا، وأن يبادروا بالحضور لا أن يتأخروا ويتخطوا رقاب الناس، أو تحجز لهم أماكن، فإن المساجد لا يجوز فيها حجز الأماكن إلا لمن خرج لضرورة وحاجة بعد أن يجلس وينال حق المكان، أما أن يحجز لأمثال هؤلاء الأماكن ويمنع منها من سبق فهذا لا يجوز، وهذا من الظلم الذي يعتبر أذية للناس، والله تعالى منع أن يمنع الإنسان أحداً أن يصلي في مساجده، فإذا جاء شخص إلى الصف الأول مبكراً فهذا حقه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من سبق إلى شيء فهو أحق به). وبعض الناس يفهم من قوله: (ليلني منكم أولو الأحلام) أنه يحجز ما وراء الإمام للكبار وأهل العقل ونحوهم، وهذا ليس بصحيح، فإن الناس في المساجد على حد سواء. ولذلك مَن سَبق فهو أحق، وإنما مراده عليه الصلاة والسلام في قوله: (ليلني منكم أولو الأحلام) أن يبادروا وأن يبكروا بالمضي، حتى يكون ذلك أدعى لحفظ صلاة الإمام. والسبب في الأمر بأن يليه الرجال وأهل العقل أنه ربما طرأت أمور، بمعنى أن الإمام قد يسهو، وكذلك أيضاً ربما يصيبه السهو في القراءة، فيحتاج إلى من يرد عليه، وكذلك ربما التبس عليه الأمر ماذا يصنع في صلاته، فإذا كان وراءه من يعقل ويفهم فإنه ينبهه. ثم إنه يكون على درجة من الوعي والإدراك لما يفعله الإمام، بخلاف العوام وهيشات الناس فإنهم دون ذلك لانشغالهم بمصالحهم، وبعدهم عن استشعار الصلاة مثل أولي الأحلام والنهى. فيتقدم الرجال، ثم بعد الرجال الصبيان، كما ورد في حديث أنس وأبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع، فكان صلى الله عليه وسلم يكون الرجال وراءه، ثم وراءهم الصبيان، ثم من بعد ذلك النساء، فهذه هي سنة النبي صلى الله عليه وسلم. والخناثى يكونون بين الرجال والنساء، ولا يكون الخناثى مع النساء ولا مع الرجال؛ لأنهم لم يبلغوا درجة الرجال، وليس بمتحقق أنهم نساء، فهم بين الأمرين، ونظراً لهذا يكون موقفهم بينهما، أي بين الرجال والنساء. وقوله: [كجنائزهم]. يعني مثلما تقدم في الجنائز.
صلاة المنفرد خلف الصف وما يتعلق بها
صلاة المنفرد خلف الصف وما يتعلق بها قال رحمه الله تعالى: [ومن لم يقف معه إلا كافرٌ أو امرأة أو من علم حدثه أحدهما أو صبي في فرض ففذ]. هذا نوع من التسلسل في الأفكار، ومن عادة الفقهاء رحمة الله عليهم أنهم يذكرون لك الأصل، وبعد تقريرهم للأصل يبينون ما استُثني من الأصل، أي يبين الأصل الذي دلت عليه النصوص، ثم بعد ذلك يرد السؤال في الأحوال الطارئة. فنحن لو قلنا: إن المنفرد لا تصح صلاته خلف الصف، فهذا يأتي على صور، فإن كان المنفرد جاء وصلى وحيداً وراء الصف فلا إشكال في أن هذا انفراد حقيقي. وهناك نوع ثانٍ وهو الانفراد الحكمي، وصورة ذلك: أن يصلي معه صبي، أو يصلي معه كافر، أو يصلي معه محدِث يعلم بحَدَثه، فهؤلاء وإن كانت صورة حالهم أنهم مؤتمون، ولكنهم في الحقيقة وجودهم وعدمهم على حد سواء، فإن الكافر لا تصح صلاته، والصبي لا تعتبر مصافته على هذا القول الذي درج عليه المصنف رحمه الله، والمحدِث كذلك صلاته غير صحيحة لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). فمعنى ذلك أن المحدث الذي يصلي بجانبه لا صلاة له، وإذا كان لا صلاة له فإنه حينئذٍ لا تعتبر مصافّته، فوجوده وعدمه على حد سواء. وأما الكافر فإنه لا إشكال أن الكافر وجوده وعدمه على حد سواء، والمحدث لا إشكال أن وجوده وعدمه على حد سواء، وبقي عندنا اثنان: أحدهما الصبي، والثاني المرأة. فلو فرضنا أنك جئت والإمام في ركعة من الركعات، فجئت وكبرت وبجوارك صبي ليس هناك غيره، وأنت وإياه دون الصفوف، فهل تعتد بهذه الركعة وتصح صلاتك، وتعتبر في حكم من دخل الصف، أم أن وقوف الصبي بجوارك وجوده وعدمه على حد سواء فأنت منفرد، ولو كنت في الظاهر مع غيرك؟ A هذه المسألة فيها قولان للعلماء: فالجمهور على أن الصبي يُعتبر من صلى بجواره غير فذ وصلاته صحيحة. وذهب بعض الحنابلة رحمة الله عليهم -ونص البعض أنه هو مذهب الإمام أحمد - إلى أنه لا يُعتد بالصبي، وأنه يلزمه أن يعيد صلاته إذا لم يأتِ بالغ يعتد بموقفه. والصحيح مذهب الجمهور أن وقوف الصبي معك معتد به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع)، فدل على صحة الصلاة واعتبارها منهم، وأمر بضربهم عليها لعشر. والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وقف ابن عباس عن يساره أداره عن يمينه، فدل على أنه معتد بموقفه، إذ لو لم يكن لموقفه اعتداد لما كان لإدارته من فائدة؛ لأنه يستوي أن يقف هنا أو هنا إذا كان لا يُعتد به. فدل على أن الصبي يُعتبر وقوفه مع الإنسان رافعاً لوصف الفردية، كذلك أيضاً مما يؤكده حديث أنس في الصحيحين: (وصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا) فقوله: (وصففت أنا واليتيم وراءه) يدل على أن الصبي يعتبر رافعاً لوصف الانفراد. إذ لو لم يكن رافعاً لقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم أنساً يصلي بجواره، فلو قال قائل: إن أنساً ربما كان صبياً، أو صغير السن، فجوابه: ولو قلنا بذلك! ألا تراه عليه الصلاة والسلام أخَّرهما، فدل على أنهما اثنان، وإذا كانا اثنين فمعنى ذلك أنه معتدُّ بوقوف اليتيم مع أنس، فبوقوف أنس مع اليتيم صارا بمثابة الصف، وعلى هذا فمن وقف بجوار صبي صحت صلاته، ولا يعتبر منفرداً على الصحيح. وأما المرأة ففيها خلاف أيضاً: فمن العلماء من قال: إن المرأة إذا وقفت بجوار الرجل وهو فذ فصلاته صحيحة، ويرتفع عنه الوصف المؤثر الموجب لبطلان صلاة الفذ؛ لأنه ليس بفذٍ. وهذا مذهب المالكية والشافعية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع. والقول الثاني يقول: إن وقوف الرجل بجوار المرأة لا يعتبر رافعاً لوصف الفذ، بل هو فذ وشدد الحنفية وقالوا: لو وقف الرجل بجوار امرأة، أو صف الرجل بجوار النساء ولو كان معه رجال من الطرف ونساء من الطرف، ولو امرأة واحدة بالغة بطلت صلاة الرجال الذين صفوا والنساء. وقد ذكرنا هذه المسألة من قبل، وبينا أن الصحيح أن الرجال إذا حاذوا النساء لا تبطل صلاة الرجال؛ لأنه ليس ثم دليل على أن المرأة إذا وقفت بجوار الرجل تُبطِل صلاته، لكن المسألة التي معنا هي أنه لو وقفت المرأة مع الرجل فإنه فذ على الصحيح، وهو المذهب، والسبب في ذلك واضح، وهو أن الشرع أمر المرأة في هذه الحالة أن تتأخر، فإن تقدمت وصافت الرجل فإن هذا التقدم منهي عنه شرعاً، والمنهي عنه شرعاً لا يُعتد به ولا يُحتسب، فصار وجوده وعدمه على حد سواء.
الدخول في الفرجة والتفصيل فيه
الدخول في الفرجة والتفصيل فيه قال رحمه الله تعالى: [ومن وجد فرجة دخلها وإلا عن يمين الإمام]. أي: من وجد فرجة في الصف فمن حقه أن يدخل، بل يجب عليه أن يسد ما بين الصفوف من الفرج، وهذا هو الأصل، حتى لا يتخلل الشيطان. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإلزاق الكعب بالكعب والمنكب بالمنكب، وكل ذلك حتى لا يتخلل الشيطان، وبناءً عليه فمن وجد فُرجة فإنه يُحاول أن يتمكن منها ويدخل. والفرجة فيها تفصيل، فالفرجة في بعض الأحيان تكون دون الشخص، فلو وجد فرجة ولكنها دونه بحيث لو دخل في الصف فإنه يضايق الناس فهذا لا يدخل في الصف لوجود الحرج والأذية، والذين سبقوا أحق بذلك. والحل في هذه الحالة أنه إذا وُجِدت الفرجة سحب بعضهم بعضاً، والعبرة بجهة الإمام، فإن كانت الفرجة عن اليمين والإمام في المنتصف فإن معنى ذلك أن ينسحبوا إلى جهة اليسار؛ لأن العبرة بجهة الإمام، وإن كانت الفرجة في اليسار والإمام في المنتصف فإنهم ينسحبون إلى جهة اليمين، فيسحب بعضهم بعضاً إلى جهة اليمين حتى تصير الفرج في الأطراف. فإن صارت الفرجة في الطرف ففيها تفصيل: فإن كانت الفرجة تسع الرجل أثم من تأخر من الرجال في الصف الذي يليه، وإن كانت الفرجة لا تسع بأن كانت لا يمكن دخول الرجل فيها فإنهم يُعذرون في ذلك، ولا تؤثر شيئاً، كما لو صلوا وانتهى حد الصف عند هذا القدر. قوله: [وإلا عن يمين الإمام]. أي: إن وجد الفُرجة دخل حتى لا يصلي منفرداً، وإلا صلى عن يمين الإمام حتى تصح صلاته، ويصح له أن يأتي عن يمين الإمام، ولا حرج عليه.
حكم جذب المنفرد لشخص من الصف
حكم جذب المنفرد لشخص من الصف قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يمكنه فله أن ينبه من يقوم معه] إذا جئت فوجدت الصفوف مكتملة بينك وبين الإمام، ولا تستطيع أن تتخطى هذه الصفوف، ولم تجد فرجة أمامك، فلك أن تنبه من أمامك، قالوا: فإذا أمسك الساحب بطرف ثوبه يتراجع، وإذا رجع كان هذا من التعاون على البر والتقوى، ولا إثم عليه. وقالوا: إنه إذا رجع فقد أعان على صحة صلاةٍ، خاصة إذا لم يوجد شخص آخر، فإعانته على صحة الصلاة له فيها الأجر؛ لأن الصلاة لهذا المنفرد لا تصح إلا مع وجود من يقوم معه، وهذا قد فعل السبب الذي صحّت به صلاته فكان له كأجره؛ لأنه أعان على خير. وقد ورد في هذا حديث عند الحاكم، ولكن تُكلِّم في إسناده ولم يخل من مقال، ففي هذا رواية معضلة، وفيه رواية مرسلة وهي رواية الجذب: أي أنه يجذب أحداً من الصف، وقال بعض العلماء: إنه لا يجذب، وإذا جذب أحداً فإنه يأثم، ولا ينبغي للمجذوب أن يستجيب لمن يجذبه. وإن كان الأقوى والأشبه أنه إن جذبه واستجاب فبها ونعمت، وإن لم يجذبه فإنه يُصلي، فإن جاء أحد فبها ونعمت، وإن لم يجئ أحد فإنه يستقبل صلاته ويصليها. وشدد بعض العلماء حتى قال ابن حزم الظاهري: إنه إذا لم يجد أحداً فإنه يرجع إلى بيته، وهذا أمر الصعوبة منه بمكان؛ فإن المساجد بنيت لإقامة الجماعة، وكونه يؤمر بالرجوع إلى بيته فيه مخالفة لمقصود الشرع. والذي يظهر -والله أعلم- أنه يحاول الجذب حتى يجد من يستجيب، فإن رجع الإنسان بالجذب فعلى حالات: الحالة الأولى: أن تمكث معه بقية الصلاة ولا يأتي أحد فلا إشكال، فتصير الفرجة التي حدثت في الصف يمكن سدها بجذب بعض الناس لبعض حتى تصير في طرف الصف، ويصير الناس معذورين بهذا، وأنت معذور بتصحيح صلاة من معك. قالوا: إن مفسدة الفرجة أهون من مفسدة فساد الصلاة وهذا صحيح؛ فإنك لو تأمَّلت أنه لو سُحِب صارت فرجة فإن هذه الفرجة يمكن سدها لو حضر شخص معه، وإذا لم يمكن سدها وبقيت فإن مفسدتها أهون من مفسدة فوات الصلاة على هذا المصلي. وعلى هذا فإن لم يجئ أحد وبقيت معه فلا إشكال، فلك أجر إعانته على صحة صلاته، وإن جاء أحد تقدمت إلى الفرجة وسددتها؛ لأن القاعدة تقول: (ما شرع لعذر بطل بزواله)، وبعضهم يقول: (ما جاز لعذر بطل بزواله)، وهذا جاز لعذر -وهو تصحيح صلاته معك- وقد صحت، ثم لما جاء الثاني زال العذر، فحينئذٍ يبطل تأخرك عن الصف، فتتقدم للصف الذي كنت فيه. قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى فذاً ركعة لم تصح]. قيل: لم تصح صلاته، وقيل: لم تصح الركعة التي صلاها دون الصف، وعلى هذا لو أدركه أحد في الركعات الباقية فإنه يقضي هذه الركعة وحدها، فتبطل الركعة التي دون الصف ويلزم بإتمامها، وقال بعض العلماء: بل تبطل جميع الصلاة.
حكم الركوع فذا قبل الدخول في الصف
حكم الركوع فذاً قبل الدخول في الصف قال رحمه الله تعالى: [وإن ركع فذاً ثم دخل في الصف، أو وقف معه آخر قبل سجود الإمام صحت]. هذه مسألة اعترض بها الجمهور على القائلين بأن صلاة الفذ لا تصح، فالإمام أحمد رحمة الله عليه يقول: من صلى فذاً أو منفرداً دون الصف بطلت صلاته إلا المرأة. فاعتُرض عليه بحديث أبي بكرة، وحاصل حديث أبي بكرة أنه (دخل والنبي صلى الله عليه وسلم راكع، فخاف أن يرفع النبي صلى الله عليه وسلم فكبر دون الصف، ثم دب ودخل في الصف، فلما سلّم عليه الصلاة والسلام قال: من فعل كذا وكذا؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: زادك الله حرصاً ولا تَعُد)، فروي في لفظ الحديث: (لا تَعُد)، (ولا تُعِد)، (ولا تعدُ). وأقوى الروايات: (ولا تَعُد) قيل معناها: لا تعد إلى التأخر عن الصلاة حتى لا تضطر إلى مثل هذا الفعل. وهذا عند من يرى صحة هذا الفعل وبقاء التشريع به. وقيل: ولا تعد إلى مثل هذا الفعل مرة ثانية. وقيل: لا تَعُد إلى الإسراع؛ لأنه كأنه أسرع بعد ركوعه فصار فيه تشويش؛ لأن المساجد كانت في الرمال، ومشي الناس بسرعة يزعج المصلين. ولذلك قالوا: هذا هو المقصود من قوله (ولا تَعُد)، وأما (ولا تُعِد)، و (ولا تَعْدُ) فلا إشكال فيهما. فعلى هذا اعترض الجمهور، فقالوا: أنتم تقولون: إن المنفرد إذا صلى خلف الصف بطلت صلاته، وهذا أبو بكرة قد كبر تكبيرة الإحرام وركع ودب إلى الصف، فانعقد ركنه دون الصف! فلو كانت صلاة الفذ لا تصح لبطلت صلاته، ولأمره عليه الصلاة والسلام بإعادتها. والجواب عن ذلك ما قاله الإمام أحمد حيث قال: أُبقي حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) على عمومه، وأستثني من فَعل فِعل أبي بكرة وهذا هو الفقه، وهو الجمع بين النصوص على حسب دلالتها، فأعمل رحمة الله عليه عموم قوله: (لا صلاة لمنفرد خلف الصف)، واستثنى حالة أبي بكرة، وقال: لا إشكال فيمن فَعل فِعل أبي بكرة، فإني أصحح صلاته، بمعنى أنه يكبر ثم يدب إلى الصف. قال: وفي حكمه ما لو ركع وجاء رجل معه وركع قبل أن يرفع الإمام فإنه تصح صلاته وتجزيه. وهذا القول لا شك أن السنة تدل عليه، خاصة أنه مسلك أصولي صحيح، فأنت إذا تأملت حديث (لا صلاة لمنفرد خلف الصف) وجدت أن هذا العموم دخله التخصيص، والدليل على ذلك أنه استثني منه المرأة فيما ذكرناه من حديث أنس، فإذا استثنيت المرأة فمعنى ذلك أنه عام مخصص، فلا مانع أن تخصص منه الأحوال في جنس ما قيل بالعموم فيه، أعني الرجال.
حكم الاقتداء بالإمام مع رؤيته وعدمها
حكم الاقتداء بالإمام مع رؤيته وعدمها يقول رحمه الله: [فصل: يصح اقتداء المأموم بالإمام في المسجد وإن لم يره]. هذا كما في الأعمى، فإنه يصح اقتداؤه به، خاصة أنه إذا كان داخل المسجد فإنه سيرى من يقتدي بالإمام، وسيعلم بأفعال الإمام من جهة المأمومين الذين يصلون معه. قال رحمه الله تعالى: [ولا من وراءه إذا سمع التكبير وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين]. أي: كذلك إذا لم ير من وراءه، بشرط سماعه للتكبير، وهذا أحد المذاهب عن العلماء رحمة الله عليهم، فيقولون: المهم عندنا أن يكون في المسجد، كما هو مذهب الحنابلة، ووافقهم الشافعية رحمة الله على الجميع. فيقولون: ما دام أنه داخل مسجد واحد وموضع واحد يصلي مع الإمام، فيستوي ألا يراه ويرى المأمومين، أو لا يراه ولا يرى المأمومين، لكن المهم أن يسمع الصوت. قوله: [وكذا خارجه إن رأى الإمام أو المأمومين]. ظاهر السنة أن الصلاة تصح إذا رأى المأموم الإمام أو المأمومين. فيقولون: إن هذا يدل على أن الأصل أن يرى الإمام أو من يقتدي بالإمام داخل المسجد؛ لأنه إذا لم ير الإمام لم يأمن أن تختلج أفعاله، ولا يأمن عند سهو الإمام ألا يدري ماذا يصنع، كما لو سها في الرباعية فقام الإمام بدل أن يجلس للتشهد، فإنه لا شك إذا لم ير الإمام ولا من يقتدي بالإمام أن يقع منه هذا اللبس. لكن قالوا: إنه يصح الاقتداء ولو لم يرَ أحداً قياساً على الأعمى. وأكدوا هذا بحديث الحجرة أيضاً، فإنهم ائتموا بالنبي صلى الله عليه وسلم وهم يسمعون صوته ولا يرون شخصه، قالوا: لأن الحجرة مع المسجد كالشيء الواحد، فاستثني هذا. فهذا حاصل ما قيل إذا كان داخل المسجد، أما إذا كان خارج المسجد فجماهير أهل العلم لا يصححون الصلاة إلا برؤية الإمام، أو من يقتدي بالإمام، ولا يكون هذا إلا باتصال الصفوف؛ لأنها هي الإمامة الحقيقية، وهي السنة والهدي والاقتداء. أما لو كان لا يرى الإمام ولا يرى المأمومين وهو منفصل عن المسجد، كأن يكون في بيت بينه وبين المسجد طريق، أو بينه وبين المسجد بيوت، ويسمع عن طريق الأجهزة الموجودة الآن فإنه لا يصح اقتداؤه ولا تصح متابعته. وهكذا لو سمع عن طريق الأجهزة التي تنقل، كالراديو ونحوه، فإنه لا تصح صلاته؛ لأنه غير مؤتم حقيقة بالإمام. فلذلك قالوا: لابد وأن يرى الإمام أو من يقتدي بالإمام.
حكم ارتفاع الإمام على المأمومين
حكم ارتفاع الإمام على المأمومين قال رحمه الله تعالى: [وتصح خلف إمام عالٍ عنهم]. إن كانت الأرض التي يقف عليها الإمام والمأموم واحدة فلا إشكال، وهذا الأصل في موقفه عليه الصلاة والسلام. لكن هناك حالة يرتفع فيها الإمام ويكون المأموم أنزل منه، وحالة يكون الإمام في أرض هي أدنى في الارتفاع من أرض المأموم. فأما إذا علا الإمام فإنه لا يعلو إلا من ضرورة وحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت أنه في حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه وأرضاه قال لامرأة من الأنصار: (انظري غلامك النجار يعمل لي أعواداً أكلم الناس عليها) فصنع أعواد المنبر، قال سهل: (فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام عليها فكبر -أي: كبر تكبيرة الإحرام على المنبر- ثم ركع، ثم رفع -وهو على المنبر- ثم نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر، ثم رفع ثم سجد، ثم رفع ثم صعد المنبر، ثم كبر فركع، ثم رفع، ثم رجع القهقرى وسجد في أصل المنبر، ثم قال: إنما صنعت هذا -أي: كوني صليت على المنبر- لتأتموا بي)، واللام للتعليل، أي: من أجل أن تأتموا بي فتروني، (لتأتموا بي ولتعلّموا صلاتي). فللعلماء في هذا وجهان: فمنهم من قال: لا حرج عندي في ارتفاع الإمام عن المأمومين، ولا بأس بذلك؛ لأن السنة دلت عليه فلا حرج. ومنهم من قال: لا يجوز للإمام أن يرتفع عن المأمومين، وإن ارتفع من غير حاجة فإنه يأثم. وشدد بعضهم فقال بعدم صحة الصلاة والاقتداء إذا كان الارتفاع بدون حاجة، خاصة إذا قصد به الكبر والترفع، والعياذ بالله. وأكدوا هذا بما جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه مع ابن مسعود، فإن حذيفة حينما صلى بأصحابه وهو على دفة الدكان القديمة وقف عليها رضي الله عنه والمأمومون وراءه، فلما رآه ابن مسعود جاء وجذبه فأنزله، فلما سلم قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا؟ قالوا: فدل على أنه منهي عنه، وأنه لا يجوز، قال: قد علمت، أو تذكرت حينما جذبتني. فدل على أن ارتفاع الإمام عن المأمومين الأصل فيه الحظر والمنع. وهذا القول هو الصحيح، فلا يرتفع الإمام عن المأمومين إلا إذا وُجدت حاجة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي)، فكأنه ارتفع بقصد التعليم، فقالوا: لو زار عالم أناساً لا يعرفون هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فأحب أن يكون في موضع يراه الجميع فيعلمون صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في انتقاله وفي وقوفه وفي ركوعه وسجوده، فصلى على نشز أو مرتفع فلا حرج. ويكون بقدر المنبر، فلا يرتفع ارتفاعاً فاحشاً؛ لأنه هو الهدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن الحاجة تتحقق بمثل هذا، فقالوا: لا حرج. أما إذا لم توجد الحاجة فلا. قال رحمه الله تعالى: [ويكره إذا كان العلو ذراعاً فأكثر كإمامته في الطاق]. ذلك لأنهم حزروا وقدَّروا منبره عليه الصلاة والسلام -الذي هو ثلاث درجات- بهذا القدر؛ لأنه لا يقل عن ثلاثة أشبار، وبناءً على ذلك قالوا: لا يزيد على ذراع، فإذا زاد على ذراع قالوا: إنه في هذه الحالة يكون مكروهاً. ونص بعض العلماء على حرمته؛ لقوله: كانوا ينهون عن ذلك. والأصل في النهي أنه يُحمل على أعلى درجاته، إلا إذا دل دليل على ما هو أدنى من ذلك، أعني الكراهة. قوله: [كإمامته في الطاق] الطاق هو: المحراب، أي: دَخْلة المحراب، وكان السلف كـ ابن مسعود وغيره يشددون في ذلك ويمنعون منه، خاصة أن في القديم ما كان هناك سماعات، فإذا دخل الإمام في الطاق داخلاً لم يروه، وبناءً على ذلك تخفى على بعض الناس الذين هم في أطراف الصف أفعاله، ولذلك قالوا: لا يصلي داخل الطاق، وكرهوا ذلك، وشدد فيه بعض أئمة السلف كالإمام مالك رحمة الله عليه وغيره.
حكم تطوع الإمام في موضعه
حكم تطوع الإمام في موضعه قال رحمه الله تعالى: [وتطوعه موضع المكتوبة إلا من حاجة] أي: لا يتطوع الإمام موضع المكتوبة، وهذا فيه تفصيل، فبعضهم يقول: الإمام لا يصلي النافلة في موضع إمامته. وهذا القول وجيه، وسبب ذلك أن المحفوظ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا صلى بالناس وانتهى من الأذكار ينصرف. يقول العلماء: الحكمة في ذلك -والله أعلم- أن الإنسان إذا تقدم على الناس تميز وصار له فضل، وحينئذٍ يكون الناس وراءه، وهذا الفضل شُرِع لحاجة وهي الإمامة، ثم أعطي قدر الأذكار، فبقي ما عداها على الأصل، فلا ينبغي له أن يبقى في موضع إمامته. ولذلك شدد العلماء رحمة الله عليهم، وبعض المتقدمين شددوا على الإمام أن يطول في الأذكار ويطيل الجلوس في المحراب، ولا يتذكر أنه متقدم على الناس؛ لأن هناك أناساً لهم فضلهم ولهم مكانتهم، فلا يتقدم عليهم إلا بقدر ما أذن له الشرع بالتقدم. وهذه من آداب الإمامة التي ينبغي أن يتنبه لها الإمام، وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يبقى في موضعه إلا بعد صلاة الفجر، فكان عليه الصلاة والسلام يجلس -كما ثبت في الصحيح- ويتحلّق حوله أصحابه، واستثنى بعض العلماء إذا وُجدت حاجة كالتعليم، كأن يكون عند الإمام درس علم ونحو ذلك، ويكون في موضع المحراب، قالوا: لا حرج في هذا. وإن كان بعضهم يستحب له أن ينتقل. فالشاهد أنهم قالوا: لا يتطوع في موضع المكتوبة، وجاء فيه حديث ضعيف عند ابن حبان، أو ابن ماجة ينهى عن التطوع في موضع المكتوبة. واختلف الأئمة في تعليل ذلك، فقال بعض العلماء: إنما هو للتميز -كما ذكرنا-، وقال بعضهم: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يوصل بين الصلاتين، فلا يصل بين الصلاتين حتى يتكلم، أو يفعل فعلاً يخرج به عن الصلاة، وهذه من سماحة الإسلام، حتى يخرج المسلم عن رهبنة النصارى والغلو في العبادات. ولذلك قالوا: إنه لا يصل الصلاة بالصلاة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن وصل الصلاتين ببعضهما ما لم يتكلم أو يعمل، قالوا لا يصلي حتى يكلم أحداً، أو ينتقل من موضعه، وقالوا: فإذا انتقل من موضعه صلى ولا حرج عليه. وقال بعض الأئمة في تعليل ذلك: إنه إذا صلى في موضع المكتوبة فإنه يشهد الموضع له بالصلاة، فإن أراد أن يصلي النافلة فليستكثر من الخير وليتقدم أو يتأخر أو يتيامن أو يتياسر، وقد حفظ عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي على يمين منبره، وهو الموضع الذي ورد في الصحيح أنه كان يتحرى الصلاة عنده عليه الصلاة والسلام. فهذا يدل على أن الإمام لا يتعطَّن، كأنهم يقولون: إنه إذا صلى في هذا الموضع كأنه تعطَّنه؛ لأنه إمام يصلي المكتوبة ويصلي النافلة في هذا الموضع، قالوا: كأنه تعطَّن، وقد نهي عن تعطن المواضع في المساجد. فهذا حاصل ما ذُكِر في تنفِّله في موضع المكتوبة، وإن كان الأشبه أن المراد به ألا يتميز على الناس، وألا يتقدم عليهم، فبعد انتهائه من الأذكار يدخل إلى بيته متأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ويصلي الراتبة، إلا ما ورد فعله منها في المسجد، أو يصلي في أي ناحية من المسجد، حتى لا يكون متميزاً على الناس.
حكم إطالة الإمام القعود في موضعه بعد الصلاة وكيف ينصرف
حكم إطالة الإمام القعود في موضعه بعد الصلاة وكيف ينصرف قال رحمه الله تعالى: [وإطالة قعوده بعد الصلاة مستقبل القبلة]. السنة للإمام إذا صلى بالناس وانتهى أن يستغفر وهو مستقبل القبلة ولا يلتفت. والسبب في هذا أنه يمكث بقدر ما يقول: أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله ثلاثاً، قالوا: لاحتمال أن تكون الصلاة فيها نقص، واحتمال أن يكون قد سها في صلاته، فإذا انتقل مباشرة فإنه لا يكون بحالة أكمل مما لو بقي في موضعه. ولذلك كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه لا يتحول مباشرة، فعلى الإمام أن يبقى، قالوا: فيه مصالح، منها: قضية تدارك ما فات، سواءٌ أكان بسجود سهوٍ، أم بقضاء ركعة بقيت وسلم قبل أن يفعلها، وكذلك أيضاً قالوا: إنه قد يكون هناك نساء يُرِدن الانصراف، فإذا عجل فإنه لا يأمن الفتنة، ولذلك قالوا: لا يبادر بالانصراف. وقد كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يتأخر في انصرافه قليلاً ليتمكن النساء من الانصراف، كما ورد في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام. فهذا من آداب الإمامة، فإذا ثبت أنه لا يستعجل فكذلك أيضاً لا يتأخر، فلا يبقى معطياً للناس ظهره؛ لأنها صفة لا تليق؛ لما فيها من الانتقاص؛ لأن تولية الظهر للشيء انتقاص له. ولذلك وصف الله عز وجل من أعرض عن القرآن بأنه اتخذه وراءه ظهريا، فإذا كان الإنسان معطياً لغيره ظهره فإن هذا لا يكون إلا بقدر الحاجة، فلما وُجِدت الحاجة بالإمامة وانتهت الإمامة فإنه ينفتل إلى الناس ويستقبلهم. وللعلماء أوجه في جهة الانصراف: فقيل: السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يُكثر الانصراف عن يساره، وقال: (لا يجعل أحدكم للشيطان حظاً من صلاته)، قالوا: إذا انصرف فلا ينصرف دائماً عن يمينه وإنما ينصرف عن يساره، وقال بعض العلماء: بل ينصرف عن يمينه كابتداء انفتاله من الصلاة؛ لفضل اليمين وشرفه، ثم إذا قام وهبَّ إلى بيته، أو هب إلى موضع درسه، أو إلى موضع في المسجد فإنه يكون انصرافه عن اليسار تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا ضعيف؛ لأن بيت النبي صلى الله عليه وسلم كان في اليمين بعد أن ينفتل، ولم يكن في اليسار. فلو كان انصراف النبي صلى الله عليه وسلم دائماً المراد به عن يمينه ثم ينفتل عن يساره، لأصبح في هذا مشكلة أنه عن يساره سينفتل إلى الجهة الغربية في المدينة، والجهة الغربية جهة الخوخات في المسجد، وهي بيت أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعلي رضي الله عنه وغيرهما من الصحابة، وليس ببيته وحجراته عليه الصلاة والسلام، ولم تكن إلا حجرة بعض نسائه عند باب الرحمة، وهي الجهة الغربية، ولا يمكن أن يقصدها ابن مسعود في إخباره عن أكثر انفتاله عليه الصلاة والسلام في قوله: (أكثر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم ينفتل عن يساره). والذي يظهر أن الإنسان لا يجعل حظاً للشيطان، فينفتل تارة عن يمينه وتارة عن يساره، والناس تُنكر هذه السنة، فإحياؤها طيب، ومستحب أن يحيي الإنسان هذه السنة، والأفضل أن يسبق ذلك بتنبيه للناس حتى لا يحدث تشويشاً عليهم. قال رحمه الله تعالى: [فإن كان ثم نساء لبث قليلاً لينصرفن]. هذا من باب الرفق بهن حتى يكون ذلك أدعى لسترهن وأبعد عن فتنته.
حكم الصلاة بين السواري
حكم الصلاة بين السواري قال رحمه الله تعالى: [ويكره وقوفهم بين السواري إذا قطعن الصفوف] الصلاة بين السواري قد جاء فيها حديث أنس رضي الله عنه أنهم كانوا يُطردون عنها طرداً. وقال بعض العلماء: إنه لا تجوز الصلاة بين السواري، واختلفوا، فقال بعضهم: إنما نهي عن الصلاة بين السواري لأنها تقطع الصفوف، وهذا وجه للتعليل. والوجه الثاني أنها كانت موضع الأحذية، وليست موضع الِعبادة، ولذلك مُنِع منها تنزيهاً وتشريفاً للصلاة، كما هو معهود في غير ما مثال من الشرع. فلذلك قالوا: لا يصلى بين السواري لهذا، وإنما يصلى في الصف التالي، واغتفر بعض العلماء رحمة الله عليهم القاطع اليسير والقاطع المضطر إليه كقاطع المنبر ونحوه، قالوا: إن هذا يغتفر، وهكذا إذا كان القاطع يسيراً لا يمنع العلم بأطراف الصلاة، كما كان في المسبوقات القديمة التي تكون للأئمة ونحوهم. قالوا: إن هذه القياسر ونحوها تستثنى ولا حرج فيها، خاصة إذا كانت قدر شبر ونحوه، أي: يسيرة، قالوا: إن هذا يغتفر ولا حرج فيه.
الأسئلة
الأسئلة
حكم التقدم على الإمام من غير جهته في الكعبة
حكم التقدم على الإمام من غير جهته في الكعبة Q الصلاة في الحرم المكي أمام الصف الأول مما يلي الكعبة في غير جهة الإمام هل تعتبر من التقدم على الإمام أم لا؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن صلى داخل المسجد الحرام فإنه على حالتين: الحالة الأولى: أن يكون في الجهة التي فيها الإمام. والحالة الثانية: أن يكون في غير جهة الإمام. فأما من كان في جهة الإمام فإنه لا يجوز له أن يتقدم على الإمام، وهذا هو الأصل الذي ذكرناه وقررناه. توضيح ذلك: لو صلى الإمام في الجهة التي تلي باب الكعبة وكان بينه وبين الكعبة ثلاثة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يتقدم على هذا القدر، وإنما يكون وراء الإمام. وأما بالنسبة للجهات الأُخَر فإنه يجوز له أن يكون على بعد ذراع من الكعبة، ولا حرج عليه في ذلك، وهذا قول جماهير العلماء، وأفتى به طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وكان معروفاً في مكة في أزمنة الأئمة رحمة الله عليهم، ونقله الإمام الشافعي رحمه الله، قالوا: إن هذا لم يكن أحد ينكره، أي: التقدم في غير جهة الإمام. والسبب في ذلك أن غير جهة الإمام لا يكون الإنسان فيها مطالباً بالتأخر عن الإمام؛ إذ لو قلنا: إنهم مطالبون بالتأخر إلى حد الإمام لوجب عليهم أن يرجعوا ويصلوا وراءه فتتعطل الجهات الأُخَر، فلما أُذِن بالصلاة في الجهات الأخر استوى أن يكونوا قريبين أو بعيدين. والأمر الثاني: أن المفسدة التي من أجلها نهي عن التقدم على الإمام غير موجودة في هذه الحالة، والسبب في ذلك أنهم في الجهة هذه يرون الإمام أو من يقتدي بالإمام، وعلى هذا قالوا: إنه إذا لم يره بشاخص الكعبة فإن أطراف الصف يرون، فينتقل العلم بطرف الصف. وإذا ثبت أنه يجوز في الجهة التي هي غير جهة الإمام أن يتقدم فلو كان الإمام من جهة الباب، أو من جهة المقام بينه وبين الكعبة متر حيث يجوز أن يكون بينك وبين الكعبة قدر ذراع، فيجوز أن تكون أقرب إلى الكعبة، فإنه يرد السؤال: هل العبرة في الصف الأول بمن يلي الإمام من حدِّه دائراً على الكعبة؟ أم العبرة في الصف الأول في غير جهة الإمام بمن كان أقرب للكعبة؟ وجهان للعلماء: أصحهما وأقواهما أن من كان أقرب للكعبة فإنه هو الصف الأول؛ لأنه لما أُذِن بالشرع بتقدمهم فإنه يعتبر صفهم هو الأول، ولا يستقيم أن يُقال عن صف: إنه الصف الأول، وقد تقدم عليه غيره؛ لأن الوصف لا يتحقق، لقوله عليه الصلاة والسلام: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول). فالصف الأول من غير جهة الإمام الذي أذن به الشرع هو أقرب الصفوف إلى الكعبة، فكما أن الصف الأول من جهة الإمام أقربها إليه كذلك من غيرها الصف الأول أقربها إلى الكعبة، وهو أولى الأقوال وأقواها إن شاء الله تعالى.
حكم القصر إذا سافر دون مسافة القصر
حكم القصر إذا سافر دون مسافة القصر Q إذا وصل المسافر إلى ضاحية أو قرية من قرى مدينته التي لا تبعد عنها مسافة القصر، فهل له أن يقصر الصلاة إذا قفل راجعاً من سفره؟ A من خرج من مدينته إلى موضع دون مسافة القصر فإنه لا يقصر الصلاة، فلا بد في جواز القصر من وجود المسافة، وهذا هو مذهب طائفة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وتدل عليه السنة في ظاهرها. أما دليل السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم)، فوصف مسيرة اليوم بكونها سفراً، ولو كان ما دون اليوم يسمى سفراً لمنع النبي صلى الله عليه وسلم أن تسافر. الأمر الثاني: أن الصحابة رضوان الله عليهم أفتوا بذلك، فإن ابن عباس رضي عنه سئل وهو بمكة عن قصر الصلاة إلى مر الظهران وما قرُب من مكة فقال: لا، إنما يقصر إلى عسفان وجدة والطائف، وكانت عسفان وجدة والطائف على مسافة القصر. ولذلك قالوا: إن هذا يدل دلالة واضحة على أن مسافة القصر مؤقتة، ويؤكد هذا السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحد وهي بضاحية المدينة ولم يقصر الصلاة، ومكث بالخندق وهي تبعد ميلين عن المدينة إبان عهده عليه الصلاة والسلام ولم يقصر الصلاة، وخرج إلى بني النضير خمسة عشر يوماً وحاصرهم ولم يقصر الصلاة، وخرج إلى بني قريظة وصلى بأصحابه العصر ولم يقصر الصلاة، وكلها ضواحٍ، مع أنه في حكم المسافر؛ لأنه حينما نزل على بني قريضة إنما قصد حصارهم وحربهم، وهذا سيكون بلا شك أنه في حكم السفر، ومع ذلك لم يقصر الصلاة، حتى إن الإمام ابن حزم الظاهري مع تمسكه بظواهر النصوص والتزامه بها رحمة الله عليه يقول: علمنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يقصر في القليل والكثير، وإنما كان يقصر في المسافة. فدل على أنه يؤقت السفر بالمسافة، وهذا هو الذي أفتى به جمهور العلماء، وعليه العمل، فالعبرة في السفر بالمسافة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى ضواحي المدينة لم يقصر. وعلى هذا إذا كان المكان الذي تريد قصده دون مسافة القصر كضاحية فإنك لا تقصر، لكن لو أنك قصدت مدينة بعيدة، كأن تخرج من مكة إلى المدينة، ثم لما خرجت من مكة نزلت بعد بُعدِك عن مكة بعشرة كيلو مترات، أو بخمسة كيلو مترات في موضع أو في ضاحية حل لك أن تقصر. فمتى خرجت عن آخر عمران مكة جاز لك أن تترخص بالقصر في السفر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة العصر ركعتين. فدل على أن القصر يكون بمجاوزة آخر العمران، وهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما يفهم من حديث أبي بصرة الغفاري رضي الله عنه وأرضاه. والله تعالى أعلم.
حكم إعادة تحية المسجد عند الخروج والدخول للمسجد
حكم إعادة تحية المسجد عند الخروج والدخول للمسجد Q يصلي كثير من الطلاب مع الجماعة في الصف الأول، ثم يصعدون للحلقات في الدور الثاني، فهل عليهم إعادة تحية المسجد مرة أخرى؟ A هذا فيه تفصيل، فإن خرجوا من باب المسجد ودخلوا من باب ثان صاعدين إلى المسجد فالسنة واضحة: (إذا دخل أحدكم المسجد)، ولم يفرق صلى الله عليه وسلم بين طول العهد وقصر العهد، والأصل في العام أن يبقى على عمومه. فلو قيل: إنه إذا كان حديث العهد جاز، وإن كان طال العهد لم يجز، أو: إذا خرج بالنية جاز له أن يدخل ولا يصلي فإن هذا فيه نظر؛ لأنه إذا خرج وكان خروجه قريباً ورجع فإنه يحتاج إلى تأقيت يُفرَّق فيه بين القليل والكثير، وهذا ليس فيه دليل من الشرع، ولذلك يقولون: تأقيت بدون مؤقت. وقالوا: إن التفريق بين كونه قريباً وبعيداً مبني على الاستحسان، والأصل أن إعمال عموم النص أولى من إعمال الاستحسان في مثل هذا، خاصة وأنه شُرِع على وجه التعبد؛ فقال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، ولم يفرق بين هذا وذاك. وقال بعض العلماء: لو خرج بكامل جسمه ثم رجع مباشرة لزمه أن يعيد تحية المسجد، أما لو خرج من المسجد ناوياً الرجوع، أو خرج من المسجد على نية أن يبقى فهذا مبني على إلغاء الظاهر وإعمال النية والباطن. وتوضيح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إذا دخل أحدكم المسجد)، علق هذا على ظاهر المكلف ولم يعلقه على نيته. وما من إنسان يخرج من المسجد -إذا كان عبداً صالحاً أو يريد الخير- إلا وفي نيته غالباً أن يعود إليه، ولذلك ورد في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل قلبه معلق بالمساجد). بل قل أن تجد إنساناً صالحاً يخرج إلا وفي نيته أن يعود إلى الفرض الذي بعده، وعلى هذا تسقط تحية المسجد، والذي يظهر والله أعلم أن العبرة بعموم النص، وما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا دخل أحدكم المسجد)؛ حيث لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين دخول يطول الفصل فيه ودخول يقصر فيه الفصل، ولم يفرق بين كونه ناوي الرجوع، أو غير ناوٍ. والله تعالى أعلم.
حكم قطع الطواف لصلاة الجنازة
حكم قطع الطواف لصلاة الجنازة Q من كان يطوف فهل له أن يقف ويصلي على الجنازة، أم يمضي في طوافه؟ A الذي يظهر -والعلم عند الله- أنه يُتم طوافه ولا ينشغل بصلاة الجنازة، أما لو كان الطواف فرضاً كطواف الإفاضة ونحوها من الأطوفة الواجبة واللازمة كطواف الوداع فلا إشكال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الطواف بالبيت بأنه صلاة، ولا يترك الصلاة المفروضة اللازمة لما هو دونها في المرتبة، فإن الصلاة على الجنازة من فروض الكفايات، وقد قام حقها بصلاة غيره عليها، فلا يترك الفرض العيني المتعلِّق به إلى فرضٍ قد سقط عنه بفعل غيره، ولذلك يبقى في طوافه ولا يقطع. ولكن إذا أُقيمت صلاة فريضة فإنه ينسحب ويصلي، ثم إذا صلى الفريضة كالعصر والظهر ونحوها ورجع فهل يرجع من أول الطواف، أو يرجع من الموضع الذي قطع فيه؟ أصح الأقوال أنه يرجع من الموضع الذي قطع فيه. وبناءً على ذلك يرجع إليه ويُتِم طوافه، والأحسن أن يبتدئ من بداية الشوط الذي قطعه على سبيل الندب والاستحباب لا على سبيل الحتم والإيجاب. والله تعالى أعلم.
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم
نصائح وتوجيهات لطلبة العلم Q نود ذكر ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من حيث ضبط المسائل ومراجعتها؟ A أولاً: أوصي الإخوان وأوصي الجميع ونفسي بتقوى الله عز وجل، فيتقي الإنسان ربه، وهذا العلم يراد به ما عند الله سبحانه وتعالى. وكان العلماء رحمة الله عليهم يوصون دائماً بالإكثار من التواصي بالإخلاص في العلم، فإن الله يضع البركة فيه، ويكثر خيره، وينمي ما فيه من نفع المسلمين بحسن نية صاحبه. فينوي الإنسان بهذا العلم أن ينقذ نفسه من الضلال، وأن يعمل به، وأن يعلمه الناس، وأن يكون في نيته ألا يبخل على أحد بحكمة رزقه الله علمها، فهذا من أفضل ما يكون في توفيق الإنسان، وكلما صلحت نية طالب العلم كان ذلك أدعى لتوفيق الله ورحمته به. فإن الله اختار القلوب للنظر، ففي الحديث: (إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)، فأَرِ الله من نفسك حسن النية. الأمر الثاني: لا تعجب، ودائماً كن في احتقار وانتقاص لنفسك؛ فإن الله يرفع قدرك، قال بعض السلف: والله ما جلست مجلساً أظن نفسي أني أعلى القوم إلا خرجت وأنا أدناهم، وما جلست مجلساً أرى نفسي أصغر القوم إلا خرجت وأنا أعلاهم. فإذا احتقر الإنسان نفسه وقال: من أنا، وأخذ يظن بنفسه أنه دون الناس رفع الله قدره، وجعل بين الناس حبه والثقة بما يقول. الأمر الثالث: أن تضبط هذا العلم حق ضبطه، فتأخذه كما ينبغي أن يأخذه طالب علم بجد واهتمام وصدق كما قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم:12]، فيحتاج العلم إلى عزيمة، ولا يكون بكسل أو خمول أو توانٍ، فتأخذ العلم بهمة صادقة وعزيمة على الخير وحب للانتفاع به. قال صلى الله عليه وسلم: (منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا)، فأرِ الله منك الجد والاجتهاد والصبر والتحمل. ولذلك موسى عليه السلام لما بلغه أن هناك من هو أعلم منه قال: {لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا} [الكهف:60] ومعنى (حقبا) أي: إلى آخر الدهر حتى أبلغ هذا الذي هو أعلم مني. وهذا يدل على الهمة الصادقة في العلم، فإن وجدت من هو عالم ويوثق بدينه وما عنده من العلم فخذ العلم كما ينبغي أن يؤخذ، فتكون عندك الهمة الصادقة فيه، والجد والاجتهاد والتفاني فيه، وبقدر ما تضحي للعلم يضع الله لك البركة والخير والنفع للمسلمين. فمن تعب اليوم فإنه يجني الثمار غداً، فيجنيها في الدنيا والآخرة، ويجنيها من الله سبحانه وتعالى في عاجل أمره وآجله؛ لأن المعاملة مع الله رابحة على أتم الوجوه وأكملها. الأمر الرابع: أول ما تُعنى به تطبيق العلوم بعد أن تعلمها وتعرف حلالها وحرامها، فتعمل بهذا العلم الذي علمته، ولذلك قالوا: اعمل بالحديث ولو مرة تكن من أهله. فإذا علمت أن الله أحل فأحِل، وإذا علمت أن الله حرم فحرم، وكن عاملاً بهذا العلم، فإذا وفقك الله للعمل بما علمت فإن الله يرزقك علم ما لم تعلم. قالوا: من عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم، أي: رزقه ما لم يكن له على الحسبان، وفتح الله له البركة؛ لأن العمل توضع بسببه البركة في علم العالم. الأمر الآخر الذي أحب أن أوصي به بعد العمل: أن تدعو الناس، وتهدي الناس إلى هذه السنن، وتحس أنها في رقبتك أمانة، فتبين للناس حلال الله وحرامه، وتدعوهم بالتي هي أحسن إلى أن يعملوا بالحلال وأن يحلوه، وأن يجتنبوا الحرام ويبتعدوا عنه وينبذوه. فمن خير المنازل الدعوة إلى الله عز وجل بالعلم، حتى تكون ممن عناهم الله عز وجل بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا} [فصلت:33]. وينبغي عليك أن تتنبه لأمور: أولاً: شيء لا تعلمه لا تتكلم فيه؛ فإن الله عز وجل إذا أراد أن يسلم العبد من تبعة هذا العلم رزقه الأمانة فيه، فلا تتكلم إلا بقدر ما علمت، وكلما كان طالب العلم دقيقاً من أول طلبه للعلم، فلا يتكلم إلا في حدود ما يعلم كان أدعى لضبطه للعلم، وأدعى -أيضاً- لسلامته من تبعة العلم. فإن الإنسان تزل قدمه بكلمة واحدة، وقد يمقت الله العبد بكلمة من غضبه حينما يفتري على الله كذباً فيقول: هذا حلال، والله حرَّم، أو: هذا حرام، والله أحل، خاصة إن كان عن جهل وجرأة على الله، نسأل الله السلامة والعافية. قال الله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [الأنعام:21]، فلو وقفت أمام الناس والخلق أجمعين يسألونك عن شيءٍ لا تعلمه فقل بكل عزة وإباء: الله أعلم، فمن قال: لا أدري، فقد أُنفذت مقاتله، ويكون الله أعلم في قلبك من كل أحد، ولا تبال بأحد. ولو ضاقت عليك الأرض بما رحبت فلا تقل في دين الله وشرع الله ما لا تعلم أبداً، فلا تتقدم، فإنك إن فعلت فقد تقحّمت النار على بصيرة، نسأل الله السلامة والعافية. ومن كانت عنده الجرأة على الاجتهادات والخوض في الآراء وكثرة الجدل حتى يُحدث لنفسه أقيسة وفروعاً فقد زلت به القدم -نسأل الله السلامة والعافية- إن عاجلاً أو آجلاً، وقل أن يسلم من مكر الله به والعياذ بالله، فينبغي أن تكون أميناً. فاتق الله يا طالب العلم، فإن الناس إن جلست بين يديك تريد علماً صادقاً، ولا تريد الكذب، ولا تريد الغش، ولا تريد إحلال الحرام وتحريم الحلال، وإنما تريد الأمانة. وقد قال تعالى: {اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الأحقاف:4]، قال بعض العلماء: في هذه الآية دليل على أن العالم لا يكون صادقاً إلا إذا تتبع الأثر. ولذلك تجد في بعض الأحيان بعض الكتب تنقل ولا تزيد، حتى إن الكلمات مكررة، وهذا يدل على أمانة العلماء، وهم قادرون على أن ينظِّروا، وأن يجتهدوا، وأن يفرعوا، وأن يؤصِّلوا، ولكن الخوف من الله حبسهم. فينبغي لطالب العلم أن يكون بهذه المثابة، فلا تتكلم في شيء لا تعلمه، وإذا أصبحت من الآن لا تخطو خطوة إلا وأمامك دليل وحجة من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فأنت على خير. والوصية التي أحب أن أنبه عليها أيضاً أنك لا تدخل في مماراة السفهاء ومجادلة العلماء، فلا تتعلم العلم لتماري به السفهاء، أو تجادل به العلماء، فمن تعلم العلم ليماري به السفهاء أو ليجادل به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فليتبوأ مقعده من النار. وليكن أهم شيء عندك رضوان الله العظيم، وأهم شيء أن الله يرضى عنك حينما علمت فعملت وعلّمت ودعوت، فإذا بلغت هذا وضع الله في قلوب العباد الثقة بعلمك، ووضع الله في قلوب العباد حبك، وتجد من تيسير الله لك في العلم، حتى إنه في بعض الأحيان تقول: (الله أعلم) فتخاف الله عز وجل وتتورع، فلا تجاوز مكانك حتى يفتح الله عليك بالحق فيها، وهذا مجرب، فربما تتذكر أدلة ونصوصاً في المسألة، وكأن الله يمتحنك، وكأن الله يبتليك ويختبرك، فإذا كنت بهذه المثابة فإن الله يفتح عليك. ثم عليك أن تشوب العلم بالصلاح والتقوى والورع، فكلما نظرت إلى الله سبحانه وتعالى كيف علّمك وفهمك وهداك وأرشدك فينبغي أن تشكر هذه النعمة؛ فإن الله تأذن بالزيادة لمن شكر، وتأذن بمحق البركة لمن كفر. ولذلك يقول العلماء: قرينان لا يمكن أن يكون الإنسان إلا على واحد منهما، إما شكر وزيادة، وإما كفر -والعياذ بالله- فمحق للبركة وخسارة، فإذا أردت أن يبارك الله لك في هذا العلم فدائماً اذكر فضل الله عليك، وأثن على الله بما هو أهله. ودائماً ينبغي أن تدمع عينك، خاصة إذا كنت في خلوة بينك وبين الله، فتقول: يا رب: لك الحمد، علمتني وكنت جاهلاً، وهديتني وكنت ضالاً، وأرشدتني وكنت حائراً. إلى غير ذلك. فلا تزال تثني على الله وتصعد منك هذه الكلمات، ففي الحديث: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها). فلربما أنك تجلس خالياً فتذكر ولو مجلساً واحداً جلسته، ولو فتوى واحدة سمعتها من أهل العلم، فإن الله يرفعك بها درجات، فإن شكرت بارك الله لك. والوصية الأخيرة: أن تتأدب مع العلماء والسلف الصالح رحمة الله عليهم، فأنت لم تتعلم العلم لكي تضع نفسك في مكان لست بأهله، فلا تكن جريئاً على تخطئة الأسلاف، وكذلك بيان عوارهم وانتقاصهم، وإنما تأدب مع السلف الصالح والأئمة، وتأدب مع من هو أعلم منك. وإن جلست في مجلس وهناك من هو أعلم منك فأعط الزمام له، قال صلى الله عليه وسلم: (كبر كبر)، فاحفظ حق من هو أكبر منك، ومن هو أسبق منك، ولا تتعال على الناس، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص:83]. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل علمنا نافعاً، وعملنا صالحاً خالصاً لوجهه الكريم، ونسأله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما علمنا وعملنا، وأن يجعله خالصاً لوجهه ليس فيه لأحد سواه حظ ولا نصيب؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل: أعذار ترك صلاة الجماعة
شرح زاد المستقنع - فصل: أعذار ترك صلاة الجماعة المرض هو أحد الأعذار التي يعذر بها صاحبها عن ترك صلاة الجمعة والجماعة، وقد قسم العلماء المشقة فيه إلى مشقة مقدور عليها ومشقة غير مقدور عليها، ومن الأعذار التي يعذر بها صاحبها عن التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة: مدافعة أحد الأخبثين، وحضرة الطعام مع الحاجة إليه، وكذلك الضرورة التي يقاس عليها بعض الأعذار وغيرها، ولأهل الأعذار كالمريض كيفية خاصة في الصلاة كما جاء في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه.
أعذار ترك صلاة الجمعة والجماعة
أعذار ترك صلاة الجمعة والجماعة
المرض
المرض بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: ويعذر بترك جمعة أو جماعة مريض]. قوله: [يعذر بترك] أي: بالتخلف. فالجمعة والجماعة لا تجب على المريض الذي لا يستطيع شهودها وحضورها، والسبب في ذلك أن تكاليف الشرع مبنية على التيسير على الناس، لا على التعسير عليهم. وقد بعث الله نبيه رحمة للعالمين، ولم يبعثه -صلوات الله وسلامه عليه- بما فيه حرج ومشقة لا يطيقها الناس، والمرض فيه مشقة وحرج. ولذلك لما مرِض عليه الصلاة والسلام لم يشهد الجماعة، كما في الصحيحين أنه قال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فتخلف عليه الصلاة والسلام عن شهود الجماعة، فأخذ العلماء من هذا دليلاً أن من كان مريضاً يُعذر بترك الجماعة. والمرض له أحوال، فتارةً يمتنع الإنسان بالكلية عن شهود الجماعة، كأن يكون مشلولاً أو به ألم لا يطيق معه الخروج من بيته، فهذا يُعذر، ويعتبر وجود مثل هذا الأذى رخصة له في ترك الجمعة والجماعة. وتارة يكون مرضه يستطيع معه الخروج، ولكن يتضرر بالخروج؛ فتارة يزداد عليه المرض، كأن يكون مصاباً بالزكام، فلو خرج في شدة البرد زاد عليه زكامه، ولربما ساءت صحته، واشتدت عليه علّته، وتارةً يستطيع الخروج ولا يزداد المرض، ولكن يجد الأذى والمشقة في النقلة، كأن يكون مرضه في قدميه، فلو سار عليهما أو حمل بين اثنين فإنه يتضرر بالمشي. ففي الحالة الأولى اختار بعض العلماء والمحققين أنه إذا خاف زيادة المرض، وغلب على ظنه أن المرض يزداد والعلة تشتد فإنه يترك شهود الجماعة، فلو أنه أصابه الزكام، وغلب على ظنه أنه لو خرج لهذه الصلاة تشتد عليه العلة ويعظم عليه البلاء فإنه يتخلف. وهكذا لو كان خروجه فيه المشقة والحرج والأذية، أما لو كانت به مشقة يستطيع أن يتحملها فعليه أن يخرج، ولذلك يقول العلماء: المشقة مشقتان: مشقة مقدور عليها، ومشقة غير مقدور عليها، فالمشقة غير المقدور عليها لا يكلف معها إجماعاً وإذا كان الإنسان لا يطيقها، ولا يمكنه أن يأتي بالشيء مع وجودها، فلو أن إنساناً أصابه مرض لا يستطيع معه القيام ألبتة -كالشلل- فإنه لا يكلف إجماعاً بالقيام. والمشقة المقدور عليها تنقسم إلى قسمين: الأول: أن تكون مقدوراً عليها وفيها حرج وضيق وعناء. الثاني: أن تكون مقدوراً عليها، ولا يلحق الإنسان بها حرج ولا ضيق. فمثال الأول -إذا أصابته المشقة وأجحفت به- أن يكون في سفر وتشتد عليه المخمصة، فلو كان في سفر وهو صائم، فإنه في حال السفر يمكنه أن يصبر على الصيام، ولكن تصل نفسه إلى الضيق والحرج، فهذا يرخص له في الفطر. ومثال الثاني: مشقة الخروج لصلاة الفجر، فإنه يترك النوم ويخرج، ومشقة الوضوء في الشتاء، فإنه يكلف بها، فأصبحت المشقة ثلاثة أقسام: الأول: ما لا يُقدر عليه، كالمخمصة التي تفضي به إلى الموت. فهذه يسقط فيها التكليف، وينتقل إلى الرخصة بأكل الميتة. الثاني: مشقة مقدور عليها مع الحرج، كالصوم في السفر، فيخير بين الفعل والترك، والرخصة له أن يترك، فالإنسان في السفر يخير بين أن يفطر ويصوم. الثالث: مشقة مقدور عليها بدون حرج، فيلزم فيها بالتكليف، ولذلك قال العلماء: سميت التكاليف تكاليفاً لوجود الكلفة والمشقة فيها. وبناءً على ذلك فالمريض الذي إذا خرج من بيته أجحف به الخروج وحصل له العناء والضررله أن يترك شهود الجماعة، ولا حرج عليه في ذلك. أما لو كان يطيق -ولو مع يسير المشقة- فإنه يشهد، فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم نفاقه، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف). فهذا يدل على حرصهم رضي الله عنهم على شهود الجماعة، ويدل على تأكدها ولزومها.
مدافعة أحد الأخبثين
مدافعة أحد الأخبثين قال رحمه الله تعالى: [ومدافع أحد الأخبثين] أي: يعذر بترك الجماعة من كان يدافع أحد الأخبثين. والمدافعة: مأخوذة من دفع الشيء، والمراد به كفه. وهناك (دفع) و (رفع)، والعلماء يقولون في القاعدة المشهورة: (الدفع أسهل من الرفع). وسأل بعضهم: ما الفرق بين الدفع والرفع؟ فقالوا: الدفع لما لا يقع، والرفع لما وقع. فأنت ترفع شيئاً قد وقع وحصل، كأن ترفع شيئاً على الأرض، فإنه بعد سقوطه على الأرض يرفع. وأما بالنسبة للدفع فإنه يكون لشيء لا يراد وقوعه، فمدافعة الأخبثين المراد بها: أن يكون حاقناً بالبول أو الغائط أو بهما معاً، فمثل هذا لا يستطيع أن يكون مستحضراً للخشوع في صلاته، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم من يدافع الأخبثين أن يصلي حال مدافعته للأخبثين، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)، والأخبثان -كما قلنا-: البول والغائظ. ومدافعة الأخبثين تكون على صور: الصورة الأولى: أن تكون إلى درجة لا يعي الإنسان معها الصلاة، بأن تشتد عليه، وتبلغ به إلى مقام تذهله عن صلاته، وكذلك عن خشوعه وموقفه بين يدي ربه. الصورة الثانية: أن تكون في بدايتها، بحيث يطيق الصبر إلى انتهاء الصلاة، فيرجع إلى صلاته تارة ويغيب عن صلاته تارة. فإن وصلت به إلى حد لا يستطيع معه أن يدرك صلاته فإن صلاته لا تصح في قول طائفة من العلماء، وهو مذهب الظاهرية، وكذلك قال به الإمام مالك، وكذلك قال به بعض السلف رحمة الله على الجميع. فإذا وصلت المدافعة إلى درجة لا يعي معها صلاته، فإن صلاته غير صحيحة، ويُلزم بإعادة الصلاة. والقول الثاني: صلاته مكروهة، وتقع مجزئة؛ لأنه صلى وهو متوضئ وغير محدث، وإنما كانت مدافعة الأخبثين متعلقة بالخشوع، وفوات الخشوع لا يؤثر في ذات الصلاة، وإنما يؤثر في كمالها وحصول الأجر فيها، وهذا مذهب الجمهور. وهذا المذهب يقول: لا يستلزم فوات الخشوع بطلان الصلاة، فغاية ما هو فيه -أي: الذي يدافع الأخبثين- أنه لا يعي صلاته، بمعنى أنه لا يخشع فيها الخشوع المعتبر. وبناءً على ذلك قالوا: إن صلاته صحيحة. والحقيقة أنه إذا دافع مدافعة يذهل فيها عن صلاته بالكلية فإن القول بالإعادة من القوة بمكان. وأما إذا كانت المدافعة يسيرة، بأن تغلبه تارة ويرجع تارة إلى الصلاة، فإن الظاهرية يقولون ببطلان الصلاة، وبعض أهل الحديث يوافقهم، والجمهور على صحة الصلاة، وقالوا: لكن يُكره له أن يصلي على هذه الحالة. والصحيح أنه إذا كان في بداية المدافعة بحيث يرجع إليه الشعور تارة ويغيب عنه تارة فإن صلاته صحيحة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لأم المؤمنين عائشة: (أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)، فقوله: (أميطي) أي: أزيلي. (قرامك) القرام: هو الستارة، وكانت فيها صور، فقال: (أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي)، ولم يبطل صلاته ولم يقطعها. فدل على أنه إذا فاء تارة وغلبه فذلك لا يؤثر في الصلاة، وفي الصحيح أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، فأمر عليه الصلاة والسلام فقال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي، وائتوني بأنبجانية أبي جهم)، فهذا الحديث يدل على أن من ذُهل عن صلاته بحيث يفيء تارة ويغلب تارة فصلاته صحيحة. وبناءً على ذلك يفرق فيمن يدافع الأخبثين بهذا التفريق، فإن غلبته المدافعة إلى درجة لا يعي معها الصلاة بالكلية فإنه حينئذٍ يعيد، وأما إذا كان تغلبه تارةً وتارةً يغلبها فإنه تصح صلاته وتجزيه، لما ذكرنا من الأحاديث. فمن يدافع الأخبثين إذا أقيمت الصلاة يشرع له أن يخرج ويتوضأ، أو يعيد وضوءه، والسبب في ذلك واضح إذا كانت المدافعة قوية؛ لأن صلاته محكوم ببطلانها، أما إذا كانت المدافعة يسيرة فإنه يصلي. وقال بعض العلماء: لا حرج أن يخرج من المسجد وأن يعيد وضوءه في هذه الحالة ولو كانت يسيرة.
حضرة الطعام مع الحاجة إليه
حضرة الطعام مع الحاجة إليه يقول المصنف: [ومن بحضرة طعام محتاج إليه] الطعام قد يكون غداءً أو عشاءً، وحضور الطعام مع الصلاة هو المعبر عنه في الحديث في قوله في حديث أم المؤمنين عائشة: (لا صلاة بحضرة طعام)، وحضور الطعام كمال نضجه واستوائه وتهيؤه لتناوله، فالمراد بذلك أن تحضر الصلاة في حال حضور الطعام. بمعنى أن يكون فعل الجماعة للصلاة وقت وضع الطعام بين يديه، أو يكون مشغولاً بالأكل فتقام الصلاة أثناء اشتغاله بالأكل، فإذا كان الطعام يحتاج إليه وتتعلق نفسه به فإنه حينئذٍ ينصرف إلى الطعام؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدأوا بالعشاء). وهذا من سماحة الشريعة، وفيه دليل على كمال منهجها ورحمة الله عز وجل بعباده؛ فإن الإنسان ضعيف، إذ لو صلى وهو بحضرة الطعام تنشغل نفسه فيفوته الأجر، فأُذِن له أن يشتغل بالطعام. وقوله: [محتاج إليه] خرج به الطعام الذي لا يحتاج إليه، فلو دعي إلى صلاة العِشاء، وكان بحضرة طعام لا يحتاج إليه، كأن يكون في شبع، أو يكون شراباً كالشاهي أو نحوه، كما هو موجود في زماننا الآن فإنه ينصرف إلى الجماعة، ولا يجوز له أن يتخلف عنها. أما إذا كان محتاجاً إليه، كمن أصابه الجوع وحضرته صلاة العصر والطعام بين يديه فإنه يتخلف، وينبغي أن يُنبه أنه لا يجوز اتخاذ هذا وسيلة لترك الجماعة، كأن يُهيئ طعامه عند حضور الصلوات بقصد التخلف عنها، فإنه يعامل بنقيض قصده، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات). فإذا نوى مخالفة الشرع وتفويت هذه الفريضة عليه من شهود الصلاة مع الجماعة فإنه يأثم بهذا الفعل، وقال طائفة: لا يرخص له. فتسقط الرخصة عنه معاملة له بنقيض قصده، والمعاملة بنقيض القصد الفاسد معروفة شرعاً ومعهودة عند العلماء رحمة الله عليهم. فالمقصود أن حضور الطعام المراد به نضجه وتيسر أكله له مع تعلق نفسه به، فإن كان الطعام لم ينضج بعد فإنه ينصرف إلى صلاته، وكذلك إذا كانت نفسه لا تتعلق بهذا الطعام، بمعنى أنه في شبع ولا يجد الحاجة لهذا الطعام، فيجب عليه شهود الجماعة إعمالاً للأصل.
الخوف من ضياع المال أو فواته
الخوف من ضياع المال أو فواته قال المصنف: [وخائف من ضياع ماله أو فواته أو ضرر فيه] أي: يرخص للإنسان إذا كان عنده مال ويحرس هذا المال ويقوم عليه أن يتخلف عن الجماعة إذا خاف بذهابه إليها أن يسرق هذا المال، أو يضيع عليه. فمن كان عنده مال أمانة، أو ماله هو يملكه، ولا يستطيع أن يدخله معه فإنه يرخص له في ترك الجماعة لوجود الضرر. وقد نبه الشرع بالنهي عن الصلاة بحضرة الطعام على اعتبار حاجة الإنسان، والمال من حوائجه، ولذلك لا حرج عليه في قول جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم في ترك الجماعة، خاصة إذا كانت هناك جماعة أخرى كأهله وزوجه ونحو ذلك. فإن خاف على ماله، أو مال يكون أمانة عنده فإنه حينئذٍ يُشرع له أن يحفظ المال، وأن يتخلّف لوجود الحاجة، والحاجة تنزل منزلة الضرورة للقاعدة التي تقول: (الحاجة تنزَّل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة). وهذا بالنسبة لفوات المال، ويكون أيضاً ضياع المال في حكم الفوات، كأن يكون عنده دابة ولا يجد مكاناً يحفظ فيه هذه الدابة، فإن أقيمت الصلاة وإذا تركها فإنها تضيع فحينئذٍ يجوز له أن يتخلف عنها، خاصة إذا كان في سفر وفواتها يضر به ويجحف.
الخوف من موت قريب إذا تركه بمفرده
الخوف من موت قريب إذا تركه بمفرده يقول المصنف: [أو موت قريبه]. أي: إذا خاف موت القريب فإنه يُشرع له أن يتخلف لمداواته والقيام عليه وتجهيزه للصلاة عليه، وقد أُثر عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه لما سمع الصارخ على ابن عمه -وقد كان خرج للجمعة- ترك الجمعة، وانصرف إليه وأقام حاله. وهذا من باب التيسير، وبناءً على ذلك فإذا أقيمت الصلاة والإنسان يخاف على والدته أو على والده أن يموت، أو كان في شدة المرض يحتاج إلى قيامه عليه ورعايته له، فلا حرج عليه أن يتخلف للقيام عليه ورعايته. وكذا لو غلب على ظنه أنه لو ترك المريض وذهب فإنه يموت، أو ربما يحصل له ضرر، كالأطباء في بعض الأحوال التي يقومون فيها على المرضى، فيشرع لهم أن يتخلفوا عن الجماعة في الحالات الطارئة. فالأطباء الذين يستقبلون الحالات التي تطرأ على الناس، ويغلب على الظن فيها فوات الأنفس يشرع لهم أن يصلوا جماعة مع بعضهم، وأن يتخلفوا عن الجماعة العامة إحياءً للأنفس إذا غلب على ظنهم وجود الضرر أو التلف. وهكذا بالنسبة لمن يحفظ الأموال وخاصة عند وجود الفساد، فإنه يُشرع لهم أن يتخلفوا لوجود الحاجة، وهكذا الخوف على العرض، فإذا كان الإنسان في سفر ومعه زوجه أو معه أخته، وهو في موضع لا يجد فيه أين يضع أهله، ويخشى لو فارقهم أن يُعتدى عليهم، أو يحصل الضرر عليهم، فإنه يجوز له أن يصلي معهم جماعة، ولا حرج عليه في مثل هذه الأحوال.
الخوف على النفس من ضرر أو سلطان
الخوف على النفس من ضرر أو سلطان يقول المصنف: [أو على نفسه من ضرر أو سلطان]. إذا خاف على نفسه من ضرر فإنه يجوز له -في قول جماهير العلماء- أن يتخلف عن الجماعة، وذلك لأنه إذا تعارض حق الله وحق العبد فحقوق الله مبينة على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة والمقاصة. ولذلك أباح الله عز وجل للعبد أن يأكل من الميتة في حال خوفه على نفسه، فسقط التكليف بالحرمة، فإذا خاف على نفسه سقط التكليف بوجوب شهادة الجماعة، وجاز له أن يتخلف. والأمثلة التي ذكرها إنما هي أمثلة أنواع، وليست أمثلة تقييد، فإذا خاف على نفسه الضرر من أي جهة كانت فإنه يشرع له ويجوز له أن يتخلف دفعاً لهذا الضرر، فإن الشرع دفع الضرر عن المكلف كما في الصوم، وكما في المخمصة. ولذلك قالوا: إن الشرع قصد المحافظة على الأنفس فيخفَّف في شهود الجمعة والجماعة، فيصليها في بيته إذا خاف الضرر، ولا حرج عليه في هذه الأحوال. قالوا: وأصول الشريعة تدل على هذا؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، وهذا ليس في وسعه أن يعرض نفسه للهلاك والتلف. وكذلك أيضاً يقول تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107]، فلو أُلزِم بشهودها كان ضررا يخالف القصد الذي بُنيت الرسالة عليه من الرحمة بالناس، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن خير دين الله أيسره)، وقال: (إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين). فلو أوجبنا عليه شهود الجماعة مع وجود هذه الأضرار كان هذا مخالفة للأصول التي دلت عليها هذه النصوص من كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستنبط الجماهير رحمة الله عليهم من هذا الحكم بجواز التخلف عن شهود الجماعة في مثل هذه الأحوال.
ملازمة غريم
ملازمة غريم قال رحمه الله تعالى: [أو ملازمة غريم ولا شيء معه] ملازمة الغريم تكون على حالتين: الأولى: أن يكون الإنسان معذوراً بالتخلف عن سداد الدين. الثانية: أن يكون غير معذور. فإن كان معذوراً لا يجد السداد والغريم يسيء إليه، فيؤذيه بالكلام، أو يتسبب في التضييق عليه، أو الاستعداء عليه، بحيث يكون سبباً في لحوق ضرر به، أو يخاصمه أمام الناس، فيقول له: يا ظالم. يا مماطل. أو يؤذيه بدون حق فيجوز له أن يتخلف في هذه الأحوال. والسبب في ذلك -كما يقول العلماء رحمة الله عليهم- أنه لو خرج لحقت به المشقة والحرج، والله يقول: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج:78]، فإن الإنسان إذا أوذي أمام الناس وانتقصت كرامته، وأوذي بسبه وشتمه قد يكون الأذى والضرر عليه أكبر مما لو أُوذِي بجرحه والضرر في جسده. ولذلك قالوا: جرح اللسان أعظم من جرح السنان. فالمقصود أن الإنسان إذا خاف من أذية صاحب الدين وكان مظلوماً بهذه الأذية وليس عنده سداد شرع له التخلف. أما لو كان عنده سداد ويستطيع أن يدفع فإنه ظالم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته) فإذا امتنع عن السداد وهو قادر عليه، وعنده ما يتمكن به من سداد الحقوق التي عليه فإنه لا يشرع له أن يتخلف عن الجماعة، بل يجب عليه أن يخرج، وإذا أُوذِي فإنه يستحق الأذية بإذن الشرع بذلك.
فوات الرفقة
فوات الرفقة قال رحمه الله تعالى: [أو فوات رفقة] إذا كان في سفر وكان فوات الرفقة قد يعرضه للهلاك فقد قالوا: يشرع له أن يترك الجماعة. أما لو كانت هناك رفقة بديلة عن هذه الرفقة، أو يستطيع أن يمشي وحده ولا حرج عليه فإنه حينئذٍ يتخلف ويصلي، فإن أدركهم فبها، وإلا أقام حق الله عز وجل عليه بشهود الجماعة.
غلبة نعاس
غلبة نعاس قال رحمه الله تعالى: [أو غلبة نعاس] مثال هذا: لو أن إنساناً اشتغل من الصباح الباكر، فجاء قبل صلاة الظهر وإذا به في شدة الإعياء والإرهاق، ثم إنه غلب على ظنه أنه لو نزل إلى المسجد فإنه سينتظر بقدر ربع ساعة إلى ثلث ساعة وهو في غاية الإرهاق، وغلب على ظنه أنه لو نزل لا يعي الصلاة من شدة ما يجد من العناء والتعب، أو قد لا يستطيع ذلك إلا بعناءٍ شديد ومشقة، فحينئذٍ يصلي في موضعه، ولا حرج عليه في التخلف عن الجماعة.
الأذى بمطر أو وحل
الأذى بمطر أو وحل قال رحمه الله تعالى: [أو أذى بمطر أو وحل] وذلك لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر من هديه عليه الصلاة والسلام أنه إذا نزل المطر وحضرت الصلاة كان ينادي المنادي: (الصلاة في الرحال الصلاة في الرحال). وهذا بعد قوله: حي على الصلاة. وهذا من سماحة الشرع ويسره، وذلك أن الخروج في المرض أو في المطر لا يخلو من وجود الضرر والأذية، ولذلك يقولون: إذن الشرع بالتخلف عن الجماعة في حال المطر يدل على اعتبار الأضرار مرخِّصة في ترك الجماعة. فكون الشرع مع وجود المطر يأذن في ترك الجماعة ينبِّه على أنه لو وُجِد الضرر الذي ذكرناه من خوف النفس والخوف على الأموال ونحوها يُشرع له التخلف؛ فإنها في مقام ضرورة، أو مقام حاجة قد تكون أشد من أذية المطر وما يكون فيه من مشقة. وبعض العلماء يقول: يسير المطر وكثيره سواء، وهذه سنة ضائعة اليوم إلا ممن رحم الله، وينبغي للمؤذنين أن يحيوها، وأن يُنبه على المؤذنين بإحيائها، فإن الأذان يؤذن -سواءٌ هناك مطر أم لم يكن هناك مطر- وقل أن تسمع هذه السنة، بحيث يقال: الصلاة في الرحال. فينبغي إحياء هذه السنة والتنبيه عليها، وأنه إذا وجد المطر يقول المؤذن: (الصلاة في الرحال الصلاة في الرحال) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من هديه ذلك، وقد فعل ذلك ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما، ورفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك لا يقتصر على الأذان وحده، وإنما يدخل هذه العبارة؛ لأنها من ألفاظ الأذان المشروعة. والمطر إن كان شديداً فقولاً واحداً أنه يتخلف ويعذر بالتخلف عن الجمعة والجماعة. وأما إذا كان يسيراً فقال بعض العلماء: إن يسيره لا يوجب الترخيص، وإنما يوجب الترخيص إذا كان فيه ضرر. بمعنى أن يكون شديداً. وإن كان ظاهر النص على أنه يُرخص في المطر مطلقاً، والاحتياط أنه إذا كان يسيراً وأمكن الإنسان أن يشهد معهم الجماعة دون وجود ضرر فإنه يشهدها. قوله: [أو وحل]. هو الذي يكون ناتجاً عن المطر، كالطين الذي يكون في الطريق، فإذا كان طريقه فيه وحل فحينئذٍ لا حرج أن يتخلف عن الجماعة؛ لأن الشرع لما أذن بالصلاة في البيوت مع وجود المطر فإن الوحل أثر من الآثار التي أوجبت الرخصة.
الريح الشديدة البرودة في الليلة المظلمة
الريح الشديدة البرودة في الليلة المظلمة قال رحمه الله تعالى: [أو بريح باردة شديدة في ليلة مظلمة]. الريح فيها حرج ومشقة، وخروج الناس مع وجود الريح في شدة البرد يُضر بهم، وقد يتسبب في حصول الضرر بالإنسان، ولذلك قالوا: يشرع له أن يتخلف عن الجماعة إذا كانت الريح باردة، والريح الساخنة التي تسمى بالسموم يمكن الصبر عليها، ويمكن اتقاؤها وإذهاب حرها بما يكون من الملابس ونحوها. والريح الباردة أقوى في الإضرار بالجسد من الحارة، ولذلك رخِّص في الباردة دون الحارة، فالأمر الأول: أن تكون الريح باردة. الأمر الثاني: أن تكون شديدة، فإذا كانت يسيرة وجب عليه أن يشهد الجماعة؛ لأنه الأصل. الثالث أن تكون في ليلة مظلمة، والسبب في ذلك أن الضرر بها يكون أبلغ ما يكون إذا كان بهذه الصفة، أما لو كانت الريح باردة وشديدة، ويمكنه أن يخرج ويرى فحينئذٍ يخرج، فقوله: [مظلمة] إشارة إلى أنه لا يرى الطريق، فلما كان الشرع يأذن بالتخلف عن الجماعة مع وجود المطر الذي يعيق السير كان تنبيهاً إلى الريح الشديدة الباردة وما في حكمها. قالوا: فحينئذٍ يتخلف، لكن بشرط أن يكون متأذياً، أو متضرراً ببرودة هذه الريح وشدتها وكونه في ليلة ظلماء، أما لو اتقى الريح بركوب سيارة، أو كان عليه ما يحفظه من الأذى والضرر فإنه يشهد الجماعة، ولا يتخلف عنها؛ لأن العلة في مثله ليست بمتحققة، فيشهد الجماعة ويصلي مع الناس. وهذا كله من سماحة الشرع وتيسير الله عز وجل على عباده، والعلماء ذكروا هذه الصور، وهي إما منصوص عليها كمدافعة الأخبثين والصلاة بحضرة الطعام ونحوها من الأعذار التي نص عليها. وإما أن تكون في حكم المنصوصة، كالخوف على النفس، وما يوجب الحرج على الإنسان، سواء أكان ذلك في نفسه أم في ماله، فإنه يجوز له أن يتخلف للمعنى الذي استنبط من النصوص. فعندنا أعذار نصية وأعذار اجتهادية، فالأعذار النصية مثلما ذكرناه، والأعذار الاجتهادية آخذة حكم الأعذار المنصوصة؛ لأن الشرع ينبه بالشيء على مثله، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخاطب أبا موسى: (اعرف الأشباه والنظائر). فإنه قد ينبه الشرع على شيء لكي يكون أصلاً لغيره، فلما نبه الشرع على المطر، وكان ذلك موجباً للترخيص في ترك الجمعة والجماعة كان أصلاً في دفع كل ما فيه ضرر لشهود الجماعة.
الأسئلة
الأسئلة
أكل الثوم أو البصل ونحوهما ومدى تأثير ذلك في حضور الجماعة
أكل الثوم أو البصل ونحوهما ومدى تأثير ذلك في حضور الجماعة Q هل يعذر من أكل ثوماً أو بصلاً في ترك الجمعة والجماعة على ظاهر حديث النهي عن أكلهما قبيل الصلاة؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فمن أكل الثوم والبصل فإنه لا يشهد الصلاة في المسجد؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيته، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، وحينئذٍ يصلي في بيته، ولكن هناك فرق بين من أكل الثوم والبصل من غير عذر ومن كان معذوراً، فإن المعذور يكتب له أجره كاملاً، وأما من أكل الثوم والبصل من غير عذر فقد فاته الأجر. ومن أمثلة المعذور: من أكله للتداوي، بمعنى أن الطبيب أمره بأكل الثوم والبصل للدواء فأكله، أو أكل دواءً له رائحة نتنة ومضرة، فإنه حينئذٍ يكون في حكم المريض، ويُكتب عمله كاملاً ولا ينقص أجره، والله تعالى أعلم.
قياس مدافعة الريح بمدافعة الأخبثين
قياس مدافعة الريح بمدافعة الأخبثين Q هل تنزل مدافعة الريح منزلة من يدافع الأخبثين وتأخذ نفس الحكم؟ A مدافعة الريح قال بعض العلماء بالرخصة فيها، ونص بعض العلماء على أن من يدافع الريح فإنه آخذ حكم من يدافع الأخبثين ولكن في الريح فرق بينه وبين البول والغائط، ولذلك يجعلون ضرر البول والغائط أعظم من الريح، فيخففون في البول والغائط ولا يخففون في الريح. وهنا مسألة ذكرها بعض العلماء، فلو أن إنساناً فيه بعض الأمراض، وإذا وقف استطلقت بطنه، أو كان معه الريح، وإذا صلى جالساً فإنه لا يحصل معه شيء من ذلك، فهل نقول له: صل جالساً حتى لا ينتقض وضوءك، أو نقول له: صل قائماً ولو انتقض وضوءك؟ وهذا إذا كان معه المرض باستمرار، أو يكون المرض لا يستطيع معه أن يحافظ على طهارته، فالصحيح أنه يصلي قائماً ولو استطلقت بطنه بالريح، وهذا يتفرع على مسألة اعتنى العلماء رحمهم الله بها وهي مسألة الازدحام. والازدحام يكون على صور: منها: ازدحام الفروض مع الفروض، وازدحام الشروط مع الشروط، وازدحام الواجبات مع الواجبات، وازدحام الفروض مع الشروط، وازدحام الشروط مع الواجبات، وازدحام الفروض مع الواجبات، فهذه من مسائلها التي تكلم عليها الأصوليون. فمن مسائل الازدحام ازدحام الركن -وهو هنا القيام والركوع- مع شرط الصحة وهو الطهارة، فلو قلنا له: صل قاعداً حتى لا ينتقض وضوؤك، فإننا قدمنا شرط الصحة على الأركان فأسقطنا الأركان واعتبرنا الشرط، والركن أقوى من الشرط. وحينئذٍ يُقدَّم الركن على الشرط، فالصحيح أنه يصلي قائماً ولو استطلق بطنه ولا حرج عليه في ذلك، والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب صلاة أهل الأعذار
شرح زاد المستقنع - باب صلاة أهل الأعذار الإسلام دين يسر ورحمة، ومن تيسيره على العباد أن جعل لمن كان به عذر صفة خاصة في الصلاة بحسب استطاعته، فمن كان مريضاً صلى قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب، ويومئ إيماءً، ومن كان في سفينة وقدر على القيام في الصلاة قام، وإن لم يقدر صلى قاعداً، ومن كان على راحلة وحضر وقت الفرض وكان هناك وحل ونحوه، صلى على راحلته وهذا كله يدل على يسر الإسلام ورحمته بالناس.
صفة صلاة أهل الأعذار
صفة صلاة أهل الأعذار
كيفية صلاة المريض
كيفية صلاة المريض ذبسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة أهل الأعذار]. أي في هذا الموضع سأذكر لك جملة من المسائل والأحكام التي تتعلق بالمعذورين. وهذا الباب من أهم الأبواب، نظراً لأنه تعم به البلوى، خاصة وأن المرضى يكثر تساؤلهم: كيف يصلون؟ وقد يكون الإنسان مريضاً في نفسه أو في جسده، وقد يكون في بيته المريض فيسأله، وقد يسأل عامة الناس عن مثل هذه المسائل والأحكام. وقد اعتنت نصوص الكتاب ونصوص السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ببيان الرخص وأهل الأعذار. فبعد أن فرغ رحمه الله من أهل الأعذار في شهود الصلاة مع الجماعة شرع في أهل الأعذار الذين يعذرون في صفة أداء الصلاة. فهناك من يعذر في شهود الصلاة، وهناك من يعذر في كيفية أداء الصلاة، وهذا الباب من أهم الأبواب؛ لأن مسائل الناس تكثر عنه، وهو صلاة المريض وما في حكمه. قال رحمه الله تعالى: [تلزم المريض الصلاة قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب] قوله: [تلزم المريض الصلاة قائماً] أي: إذا أطاق ذلك وقدر عليه، والأصل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ} [المائدة:6]، فدل على أن من يصلي يكون قائماً. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة ثم كبر)، وقال عليه الصلاة والسلام لـ عمران بن حصين: (صل قائماً). فالأصل أن يصلي الإنسان قائماً، والمريض مطالب بالصلاة قائماً، ولكن إذا أطاق القيام، وأما إذا كان عاجزاً عنه ففيه التفصيل. وهذا هو نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله عمران بن حصين، وكانت بـ عمران رضي الله عنه وأرضاه بواسير فاشتكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم مما يجده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (صل قائماً)، فدل هذا على الأصل. ولذلك نقول: الأصل في المصلي أن يصلي قائماً بنص الكتاب ونصوص السنة التي ذكرنا، ولقوله عليه الصلاة والسلام لـ عمران وهو مريض: (صل قائماً). قوله: [فإن لم يستطع فقاعداً]. أي: لا يستطيع أن يقوم، كأن يكون الإنسان مصاباً بالشلل والعياذ بالله، فإنه حينئذٍ ينتقل إلى الرخصة، فشرط إيجاب القيام الاستطاعة والقدرة، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]. والمريض إذا لم يستطع القيام فله حالات: الحالة الأولى: أن لا يستطيعه بالكلية، فحينئذٍ يصلي جميع الصلوات قاعداً بلا إشكال. الحالة الثانية: أن يطيق بعض القيام دون بعض، فحينئذٍ يلزمه القيام بقدر ما يطيق، ويأتي هذا على صورتين: الأولى: أن يستطيع القيام من أول الصلاة ثم يضعف، فالرخصة له بعد ضعفه، فنقول له: افتتح الصلاة وصل قائماً، فإذا أحسست بالعناء والمشقة جلست. الثانية: أن يكون العكس، كأن يبتدئ الصلاة عاجزاً ثم يجد الخفة والنشاط، فنقول: تُلزَم بالقيام، ويلزمك أن تتم قائماً. وقد أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم الصورة الثانية، حيث كان في قيام الليل يصلي قاعداً لما بدُن وكثر لحمه عليه الصلاة والسلام وأسن صلوات الله وسلامه عليه، فكان لا يطيق طول القيام؛ لأنه كانت ركعته بما يقارب البقرة وآل عمران والمائدة، حتى إن قدمه تتفسخ من طول القيام صلوات الله وسلامه عليه. فلما كبر وضعف في آخر سنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي قاعداً، تقول أم المؤمنين: حتى إذا بقي قدر مائة قام. فجعل الإطاقة بعده، ولذلك يقولون: إذا كان الإنسان بمثل هذه الحالة فالأفضل أن يجعل ذلك في الثانية. أما إذا كان في الفرض فإنه يبتدئ بقدرته، ثم إذا وجد الضعف ترخص عند وجود الضعف. وأما جلسة المريض فهناك من يجلس متربعاً، وهناك من يجلس مفترشاً، وهناك من يجلس متوركاً كجلسة التشهد، فهل يصلي قاعداً متربعاً، أو يصلي قاعداً كقعدة التشهد؟ هذه المسألة فيها قولان للعلماء، فمن العلماء من قال يتربع. وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وآثار عن بعض أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال بعضهم بل يفترش. وقد أشار إليهما الإمام ابن المنذر رحمه الله في الأوسط، وكذلك أشار إليها الإمام الطبري في اختلاف الفقهاء. هذان الوجهان مشهوران عن أهل العلم، فالذين يقولون: يجلس جلسة المتشهد قالوا: لأنها جلسة صلاته، إذ لا يعرف في الصلاة أن يجلس متربعاً، وإنما جلسته في الصلاة لما يُصلي ويبلغ الجلسة بين السجدتين أو التشهد، ما عهدنا من الشرع أنه يجلس كجلسة التشهد. وبناءً على ذلك قالوا: إنه يجلس مفترشاً. والصحيح أنه يجلس جلسة المفترش، ولا حرج عليه أن يجلس جلسة المتربع، خاصة إذا كان يحتاج إليها، أما جلسة الافتراش فإنها أشبه عند طائفة من السلف رحمة الله عليهم؛ لأنها هي جلسة الصلاة. والحديث الذي ورد في تربعه عليه الصلاة والسلام فيه كلام لا يخلو من ضعف، فقالوا: إنه يجلس جلسة المتشهد. والدليل على أنه يجوز له أن يصلي على هذه الصورة أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق، فقال عليه الصلاة والسلام: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)، فمن جلس متربعاً فهو قاعد، ومن جلس مفترشاً فهو قاعد، لقوله عليه الصلاة والسلام في المفترش: (إذا قعد أحدكم للتشهد)، فسمَّى جلسة التشهد ووصفها بكونها قعدة. ولذلك يكون الافتراش أولى وأشبه لأنه على صفة الصلاة؛ لقوله: (إذا قعد أحدكم للتشهد)، ولأنها جلسة معهودة، فهو أولى وأحرى. لكن هنا مسألة وهي: لو أن إنساناً يصلي قاعداً بين القائم والجالس، كمن يصلي على كرسي ونحوه، فهذا فيه تفصيل، فإن كان جلوسه لوجود العلة وما يوجب ارتفاقه بعلو ونشز فلا إشكال في جواز ذلك وحله. وأما إذا كان من دون حاجة، كأن يرى ذلك أيسر له، وأريح لنفسه وأجم لجسمه فإنه حينئذٍ ينبغي عليه أن يجلس في الأرض؛ لأنه ليس هناك ما بين القيام والقعود، فإما أن يقف على الأصل الذي أمر به الشرع، وإما أن يجلس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)، فلم يجعل ما بينهما موضعاً للرخصة، وإذا كان به علة أو مرض يمتنع معه نزوله إلى الأرض، كمن يكون به الضرر تحت ركبته، أو يكون عنده مرض يمنعه من النزول إلى الأرض فحينئذٍ يجلس على كرسيه. فإذا جلس على كرسيه يبتدئ تكبيرة الإحرام واقفاً فيكبر، ثم إذا أطاق القيام قرأ الفاتحة وصلى قائماً بقدر ما يطيق، ثم يجلس إذا لحقه العناء والمشقة، أما أن يكون قادراً على القيام ويجلس مباشرة ويكبر وهو جالس فلا يجزيه، إنما يجزيه أن يكبر قائماً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قمت إلى الصلاة فاستقبل القبلة وكبر). فدل على أن التكبير يكون حال القيام، وعلى هذا فلابد وأن يفصل في مثل هذا بالآتي: أولاً: أنه لا يجلس على الكرسي من دون حاجة، وإن جلس خالف الأصل الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لـ عمران: (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً)، فهذا ليس بقائم ولا قاعد في الصورة، وإن كان قاعداً في الحكم. ثانياً: أن يكون محتاجاً لهذا الجلوس، فيكبر تكبيرة الإحرام قائماً ثم يجلس، ولا يكبرها وهو جالس متى أطاق التكبير وهو قائم. قوله: [فإن لم يستطع فعلى جنب] هذا هو تكملة حديث عمران: (فإن لم تستطع فعلى جنب)، والجنب: هو شق الإنسان الأيمن أو الأيسر. وقد اختلف العلماء في تعيين الجنب، فقال بعضهم: على جنبه الأيمن ويستقبل القبلة، وذلك لأنها صفة مَن في اللحد؛ إذ يوجه للقبلة على هذه الصفة. وقال بعضهم: على شقه الأيمن أو الأيسر أيهما شاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق. والمذهب الأول أحوط، خاصة وأن الحديث يقول: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً)، وهو حديث حسنه بعض العلماء رحمة الله عليهم، والعمل بالإجماع عليه في القبور. وبناءً على توجيه الميت في قبره على هذه الصفة لفضل اليمين نقول: إذا أطاق الجنب الأيمن فإنه أولى وأحرى وفيه خروج من الخلاف، وفيه استئناس بالسنة المقيدة: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً). فدل على أن استقبال القبلة حال الاضطجاع إنما يكون بالشق الأيمن لا بالشق الأيسر، وهذا إذا أطاقه. وأما إذا لم يطق الشق الأيمن فإنه ينتقل إلى الشق الأيسر ولا حرج، فإذا انتقل إلى الشق الأيسر فإنه يجعل القبلة في وجهه. فيصلي على جنبه على التفصيل الذي ذكرناه من كونه إذا كان يطيق الجنبين يصلي على جنبه الأيمن للحديث الذي ذكرناه، ولاستقبال القبلة استئناساً بالفعل بالميت حال تقبيله في لحده. وأما إذا كان لا يطيق الأيمن، أو فيه حرج عليه ومشقة فينتقل إلى الأيسر، لقوله تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286]، فيدخل الشق الأيسر لعموم قوله: (فإن لم تستطع فعلى جنب)، وهذا على جنب. قال رحمه الله تعالى: [فإن صلى ورجلاه إلى القبلة صح]. وذلك بأن يكون مستلقياً كهيئة النائم، فقالوا: تصح صلاته. وهذا قول طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وله أصل، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد)، فجعل النائم -وهو من استلقى- آخذاً نصف صلاة القاعد، كما في حديث: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد)، قالوا: فسماه مصلياً حال استلقائه على قفاه. وبناءً على ذلك فإنه إذا اضطجع ونام على قفاه ووجهه إلى السماء قالوا: يُرفع صدره قليلاً، وهو التقبيل للميت، فيكون جذعه الأعلى إلى جهة القبلة، بحيث لو قام كان أول ما يباشره القبلة، وهكذا يكون التقبيل، وكذلك في الصلاة. وهذا وج
صلاة المريض مستلقيا مع القدرة على القيام للمداواة
صلاة المريض مستلقياً مع القدرة على القيام للمداواة قال رحمه الله تعالى: [ولمريض الصلاة مستلقياً مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم] قوله: [لمريض الصلاة مستلقياً] هذا إذا كان العذر الدواء والعلاج، كما في بعض الأمراض الجراحية في بعض الأعضاء التي لا يستطيع معها أن يركع ولا يسجد ولا يقف، فحينئذٍ إذا كان على الفراش بحيث لا يستطيع أن يقوم فإنه يصلي على هذه الحالة. كذلك لو كان يتداوى، فلو كان المرض في عينيه وأُلزم بوضع معين لا يستطيع معه القيام ولا يستطيع معه الركوع ولا السجود، وقيل له: إن قمت أو ركعت أو سجدت فإنه سيحدث الضرر فإنه في هذه الحالة يصلي وهو مستلقٍ، لكن بشرط أن يكون ذلك بشهادة طبيب مسلم. ووجه هذا أن احتمال وقوع الضرر بغلبة الظن كوجوده؛ لأن القاعدة: (الغالب كالمحقق)، فلما غلب على ظننا أنه لو صلى قائماً أو ركع أو سجد يصاب بالضرر والأذى، أو أن علاجه لا يتمكن منه الطبيب، فإنه حينئذٍ يعتبر هذا رخصة، كما لو كان مريضاً لا يطيق القيام والركوع والسجود. وهذا قول جمع من السلف، وأُثر عن ابن عباس رضي الله عنه، وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً روي عن ابن عباس أنه شدد في ذلك، حتى قالوا: إن سبب العمى الذي بلي به رضي الله عنه وأرضاه أنه نصحه الطبيب في علاجٍ وضعه له أن لا يسجد، فامتنع وسجد فكُفَّ بصره رضي الله عنه وأرضاه، فهذا مما ذكروه. فالشاهد أنه كان بعض السلف يشدد في هذه المسألة ويقول: التداوي ليس كالمرض الذي يمنع. والصحيح أنه ينزل منزلة المرض المانع، وإنه إذا كان بالإنسان عملية جراحية، أو يتداوى من مرض في جوفه أو في صلبه أو في عينيه، أو نحو ذلك من الأمراض التي تكون في مواضع الجسم المختلفة، وقيل له: إنه لا يتم علاجك إلا إذا امتنعت من الركوع، أو امتنعت من السجود، أو امتنعت من القيام فإنه يمتنع، بشرط أن يكون الطبيب الذي يخبره عدلاً مسلماً. والسبب في ذلك أنها أمور الديانات، وأمور الديانات لا يُجتزأ فيها إلا بشهادة الثقة العدل، وأما إذا كان غير ثقة وغير عدل فإنه يُنتقل إلى من هو أعدل منه. فإذا وجد الطبيب المسلم الذي يشهد له بهذا فلا إشكال، وحينئذٍ إذا قال له الطبيب الكافر: ينبغي عليك أن تصلي مستلقياً. فإنه لا يسمع قوله حتى يشهد الطبيب المسلم؛ لأن وجود الطبيب المسلم يغني عن شهادة الكافر. والسبب في ذلك أن الكافر لا يُوثق بقوله في الديانات، وقد كان بعض أئمة السلف رحمة الله عليهم -مثل الإمام أحمد رحمه الله- يستطب عند اليهودي والنصراني، فيقول الراوي: كان يستطبه بمعنى أنه يتعالج عنده ويعتمد على ما يصفه له من دواء. فإذا نهاه عن أمر من أمور الديانة، كأن يقول له: لا تصم. أو: صلِّ قاعداً. لم يطع في ذلك لمكان التهمة، وهذا إذا لم يوجد المسلم، وإذا وجد المسلم فعلى حالتين: الأولى: أن يوجد العدل وغير العدل، فحينئذٍ ينبغي اعتبار شهادة العدل دون غير العدل. الثانية: أن لا يوجد العدل، بأن يكون الأطباء ليس فيهم مَن تتوفر فيه شروط الشهادة المعتبرة، فحينئذٍ يؤخذ بأمثلهم. وهذه قاعدة قررها جمع من المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن فرحون في تبصرة الحكام، حيث بين فيها أنه يرجع إلى الأمثل في مثل هذا إذا تعذر وجود العدل في أهل الصنعة. فالقاضي لو احتاج إلى قول أهل الخبرة في الخصومات والنزاعات من مهندسين أو أطباء ولم يجد العدل فإنه يأخذ أمثلهم، وهو من وُجدت فيه صفات أفضل من غيره. وعلى هذا فإما أن يوجد المسلم والكافر، فلا يجوز أن يقبل شهادة الكافر مع وجود شهادة المسلم، وإما أن لا يوجد الطبيب المسلم، كأن يكون هذا المرض الذي به لا يحسنه إلا طبيب كافر، أو في بلد ليس فيه إلا كفار، فحينئذٍ يأخذ بشهادة أمثلهم، وله أن يأخذ بذلك. وهذه المسألة تكلم عليها الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية بكلام نفيس في الفتاوى المصرية، بيّن فيه رحمة الله عليه أن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعانة بالكافر والمشرك إذا أُمنت منه المفسدة، وذكر لذلك الأدلة الصحيحة، ومنها حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر رجلاً من بني الديل هادياً خريتاً). وهو عبد الله بن أريقط، والحديث ثابت في الصحيحين، ووجه ذلك أنه مكَّنه من السير معهما في الهجرة، والهجرة يُسلك فيها مسالك وعرة، ومسالك لا يسلكها الناس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد التخفي عن العيون، ومع ذلك مكنه النبي صلى الله عليه وسلم من السير بهما لمكان الثقة. وكذلك ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في الزاد، فقال: وكانت خزاعة عيبة نصح لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلمهم وكافرهم. فكان صلى الله عليه وسلم يأخذ بأخبارهم مع أنهم مع الشرك والكفر، لكن علم فيهم الثقة والأمانة. وكذلك ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر الصحابة أن يستطبوا الحارث بن كلدة، وكان على دين قومه، ومع هذا قال: لم يمنعه الكفر أن يأمرهم أن يستطبوه. فالشاهد من هذا كله أنه لا مانع من أخذ شهادة الطبيب الكافر إذا لم يوجد طبيب مسلم في هذا المرض الذي يحتاج المسلم لعلاجه، أو كان المسلم في بلد فيه كفار وأطباء كفار ولا يوجد المسلم فإنه يعمل بشهادتهم وقولهم.
كيفية الصلاة في السفينة
كيفية الصلاة في السفينة قال رحمه الله تعالى: [ولا تصح صلاته في السفينة قاعداً وهو قادرٌ على القيام] الإشكال في الصلاة في السفن أنها تتقاذفها الأمواج، ولا يستقر الراكب فيها، خاصة عند اشتداد الموج. ولذلك تكون أحوالهم مختلفة -أعني الملاَّحين، أو من يكون في السفينة-، فإن أطاقوا القيام بأن سكن الموج، وأمكنهم أن يقوموا فإنه يجب عليهم أن يقوموا ويصلوا قياماً، فلو أنهم في هذه الحالة وهم قادرون على الصلاة قياماً صلوا قعوداً بطلت صلاتهم؛ لأن الفريضة القيام فيها ركن كما بيناه، وهذا في الحالة الأولى، وهي أن يطيقوا القيام ويؤمن الضرر. الحالة الثانية: أن يوجد الضرر في قيامهم، كأن يسقط الإنسان، أو يغرق، أو يسقط ويتضرر بسقوطه، كما يكون بجوار شيء عالٍ، أو على نشز داخل السفينة، فلو اضطربت به الأمواج وهو قائم ربما سقط، ففي هذه الحالة يجوز لهم أن ينتقلوا إلى القعود إن غلب على ظنهم فوات الوقت. أما لو غلب على ظنهم أن الموج سيهدأ كأن يقطعوا مسافة ويغلب على ظنهم سكون الموج، فإنهم يؤخرون الصلاة حتى يقطعوا هذه المسافة ويهدأ الموج، ثم يصلون الفرض. فإن أُمن الضرر فإنهم يصلون قياماً. وإن لم يؤمن الضرر فإنهم يصلون قعوداً. وإن شكوا فإن الأصل وجوب القيام عليهم ولزومه، فيصلون قياماً حتى يطرأ الضرر، فإن طرأ عليهم الضرر أثناء القيام قعدوا.
جواز الصلاة على الراحلة خشية التأذي
جواز الصلاة على الراحلة خشية التأذي قال رحمه الله تعالى: [ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لوحل لا للمرض] أي: تصح الصلاة -أي: الفريضة- على الراحلة إذا خشي الأذى من الأرض إذا كانت السماء قد أمطرتها، وفي هذا حديث الترمذي، وكذلك أحمد في مسنده: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة عند المضيق والسماء ممطرة والأرض بها بلة، فأقام عليه الصلاة والسلام الصلاة ثم تقدم وصلى بهم). وهذا الحديث حديث ضعيف، وذكر الإمام الترمذي رحمه الله بعد إيراده للحديث أن العمل عند أهل العلم على هذا الحديث، واختاره جمع من السلف رحمة الله عليهم، فعندهم يصلي إذا كان هناك ضرر ومشقة بالطين والوحل. ولكن -نظراً لضعف الحديث- إذا أمكن الإنسان أن يحتاط ويستبرئ لدينه فإنه أولى وأحرى.
فصل: صلاة المسافر [1]
شرح زاد المستقنع - فصل: صلاة المسافر [1] السفر مظنة لوجود المشقة والتعب، والله سبحانه وتعالى رحيمٌ بعباده، ومن رحمته أن خفف عليهم الصلاة في السفر، فشرع للمسافر قصر الصلاة الرباعية، والجمع بين الصلاتين.
صلاة المسافر
صلاة المسافر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد ذكر المصنف رحمه الله باب صلاة الجماعة، وبين الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة والمسائل التي تندرج تحت هذا الباب. ثم بعد ذلك عقد فصلاً في آخر باب صلاة الجماعة في الأعذار التي تُسقط عن المكلف الجمعة والجماعة، ثم بعد أن انتهى من الأعذار شرع في باب صلاة أهل الأعذار، وذكر صلاة المريض، ثم انتقل إلى صلاة المسافر، وهذا الترتيب فيه تسلسل في الأفكار، ومراعاة لما تتضمنه هذه الفصول من معان شرعية. وذلك أن التخفيف في الشرع يكون فيه شيء من الإسقاط، وهذا الإسقاط تارة يكون لذات العبادة، بحيث تسقط العبادة عن المكلف، وهذه أعلى درجات الإسقاط في العبادات، وتارة يُخفف عنه في هذه العبادة ولا تسقط عنه، وهذا التخفيف بالنسبة للصلاة، أما بالنسبة للرخص عامة فلها تقسيمات أخر واعتبارات أخر، لكن التخفيف في الصلاة إما إسقاط للصلاة، وإما تخفيف في الأركان، وإما تخفيف في الشروط، كما سنبين إن شاء الله. فابتدأ رحمه الله بالفصل الذي قبل صلاة أهل الأعذار، وهو سقوط الجمعة والجماعة، فهذا إسقاط كلي لعبادة الخروج إلى الجمعة وشهودها، وكذلك صلاة الجماعة. وبعد أن انتهى من التخفيف بالإسقاط شرع في التخفيف الجزئي، وهو التخفيف في هيئة الصلاة، فابتدأ بالتخفيف في أركانها بعذر المرض، ثم شرع في التخفيف في ذات الصلاة من حيث الأعداد، وذلك في صلاة المسافر، فإن الشرع خصص بعذر السفر عدد الصلوات، وذلك في الرباعية وحدها، فجعل الرباعية تقصر إلى ركعتين، وهذا نوع من التخفيف، وهو التخفيف في أعداد الصلاة. وأما التخفيف في شروط الصلاة؛ فكاستقبال القبلة بالنسبة للمصلي في السفر، فقد خفف الشرع عنه لو كان على راحلته بأن يصلي حيثما توجهت به، وكذلك التخفيف على المريض الذي به سلس بول فإنه يخفف عنه في شرط الطهارة، وكذلك بالنسبة للنجاسة التي يحملها يخفف عنه. فالتخفيف إما بإسقاط الصلاة، أو بالنقص من أعدادها، أو بالتخفيف في أركانها وشروطها.
معنى السفر وسبب تسميته
معنى السفر وسبب تسميته السفر في لغة العرب: مأخوذ من قولهم: أسفر الشيء: إذا بان واتضح. ومنه قولهم: أسفر الصبح: إذا بان ضوؤه واتضح. وسمي السفر سفراً لمناسبات، فقيل: لأن الإنسان يُسفِر، بمعنى أنه يَبِيْن عن العمران، فإن المسافر يبِيْن عن القرى والأمصار والمدن، فينفرد عنها ويبِيْن منها. كما سمي بذلك لأن فيه معنى الوضوح، وذلك أنه يسفر عن حقيقة الإنسان من ناحية صبره وضعفه وجلده وخوفه وقوة شكيمته إلى غير ذلك من أخلاقه. ولذلك قالوا: سمي السفر سفراً لأنه يسفر عن وجه صاحبه، وفي سنن البيهقي لما شهد الشاهد عند عمر قال له عمر: إني لا أعرفك، فاذهب وائتني بمن يزكيك. فجاءه برجل فقال عمر للرجل: أتعرفه؟ قال: أعرفه بالعدالة والأمانة. قال: أهو جارك الذي تعرف مدخله ومخرجه؟ قال: لا. قال: أعاملته بالدينار والدرهم الذي يعرف به صدق الرجل من كذبه؟ قال: لا. قال: أسافرت معه؟ قال: لا. قال: لا تعرفه. ثم قال للرجل: اذهب وائتني بمن يعرفك. فالسفر من حيث هو يعين على معرفة حقيقة الإنسان ويسفر عن وجهه. والسفر له ضوابط معينة، فلا يحكم بكون الإنسان مسافراً إلا بها.
أحوال المسافر
أحوال المسافر لا يخلو الإنسان الذي يريد أن يخرج للسفر من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون مستقراً في بيته ناوياً السفر، فيكون السفر في باطنه -أي: في نيته-، ويكون ظاهره أنه غير مسافر. الحالة الثانية: أن يخرج من بيته. فإذا كان في بيته ناوياً السفر فإنه ليس بمسافر في قول جماهير العلماء حتى يخرج من البلد، فإن خرج من البلد فإنه يحكم بسفره على التفصيل الذي سنذكره، وهذا قول جماهير السلف رحمة الله عليهم من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم رحمة الله على الجميع. فلو أصبحت فنويت الخروج إلى بلد ما بعد الظهر، فإنك -على هذا القول- لست بمسافر حتى تخرج، فلا يكفي باطنك حتى يجتمع مع الباطن دليل الظاهر على السفر. وذهب بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -وهو رواية عن عطاء، وقال به موسى بن سليمان - إلى أنه يحكم بكونه مسافراً بالنية، فلو نوى السفر فإنه يأخذ برخص السفر وهو في البلد. مثال ذلك: لو أنه نوى السفر بعد الساعة الحادية عشرة ولم يخرج إلا بعد الثانية فإنه سيؤذن عليه الظهر وهو في بيته، وحينئذٍ قالوا: يصلي ركعتين. وهكذا لو كان صائماً يجوز له أن يفطر في بيته قبل أن يخرج. وهذا القول مرجوح، والصحيح ما ذهب إليه الجماهير لدلالة الكتاب والسنة على ذلك. أما دلالة الكتاب فقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ} [النساء:101]، فقوله: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ)) [النساء:101] يدل على أنه شرع وضرب في الأرض، ولا يكون ذلك إلا بالخروج. وقوله سبحانه وتعالى في شأن الصوم: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [البقرة:184]، ولا يمكن أن نحكم على الإنسان بأنه على سفر إلا إذا كانت صورته تدل على أنه مسافر، وبناءً على ذلك فظاهر التنزيل على أنه لا يكون مسافراً إلا إذا ضرب في الأرض. وأما دليل السنة -وهو أقوى الأدلة- فحديث أنس الثابت في الصحيحين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعاً، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فإنه قد كان نوى حجة الوداع عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك لم يترخص برخص السفر إلا بعد أن خرج إلى ذي الحليفة. وهذا يدل على أن نية السفر لا تكفي في ترخُّص الإنسان بالرخص. وأما ما أُثر عن الصحابة فإنهم إذا قالوا: (إنها السنة) تردد ذلك عند جماهير العلماء رحمة الله عليهم بين أن يكون الصحابي فاهماً لها أنها السنة، وبين أن تكون من صريح فعله عليه الصلاة والسلام. فلما جاء فعله يخالف ما فعله هؤلاء الصحابة -مع أنهم عزَوا ذلك إلى السنة- فهِمنا أنه فهمهم رضي الله عنهم وأرضاهم. فإذا تبيَّن لنا أن من كان ناوياً للسفر لا يترخص إلا إذا خرج، فحينئذٍ لا يخلو الذي يريد أن يخرج للسفر إما أن يكون في المدينة، بمعنى أن يكون داخل المدن والقرى -أي: البناء والعمران- وإما أن يكون في البر، كأهل العمود والخيام في البادية، فخيمته هي منزله ومكانه. فإن كان في البلد والعمران فإنه لا يُحكم بكونه مسافراً، ولا يَتَرخَّص برخص السفر إلا إذا خرج من آخر العمران، وهي البيوت، فإذا انقطع عن البيوت فحينئذٍ يصدق عليه أنه سافر. وبناءً على ذلك لا تخلو المدن من حالتين: الحالة الأولى: أن يتصل بناؤها ويكون حد نهايتها معروفاً، كأن تكون بيوتاً متصلة آخرها محدود، فإذا بلغ هذا الآخر وبعده تنقطع الأرض فإنه مسافر. فهذه الحالة لا إشكال فيها، فيحكم بأنه أنه مسافر بمجاوزته لآخر بيت من العمران، فلو أذَّن عليه الظهر بعد مجاوزته آخر بيت من العمران فإنه يصليها ركعتين. ولو أذن عليه الظهر قبل أن يخرج من آخر بيت من العمران -كأن يقف عند إشارة، أو يقف عند المحطات يريد أن يتزود منها، أو يأخذ زاده من طعام أو غير ذلك- فإن قلنا: العبرة في الصلوات بالأذان فإنه يجب عليه أن يصلي أربعاً؛ لأنه لما أذن للصلاة وهو داخل العمران توجه عليه الخطاب أن يصلي الظهر أربع ركعات. وعلى هذا لا تسقط عنه لكونه لم يتلبس بالسفر بعد. الحالة الثانية: أن تتصل المباني ويكون وراءها خراب، كما يقع في بعض المدن، حيث تكون المباني المعمورة والتي فيها السكان متصلة، ثم بعد ذلك تأتي خرابات، أو بساتين مهجورة، أو نحو ذلك، فللعلماء وجهان: قال بعض العلماء: هذه البيوت الخربة في حكم العامر ولا يترخص حتى يجاوزها. واختاره جمع من العلماء، وهو مذهب الحنابلة. القول الثاني: يترخص بانقطاع العمران، ولو دخل في الخرابات ونحوها فإنه مسافر. وهذا مذهب الشافعية رحمة الله على الجميع. والصحيح أنه إذا انقطع العمران فقد أسفر وصار مسافراً؛ لأن هذا الخراب لا يُعتد به، وليس في حكم العامر. وبناءً على ذلك يكون في العمران التفصيل، فإن اتصل فلا إشكال، وإن كان هناك خرابات فالعبرة بمجاوزة العمران، ولا تأثير للخراب في إسقاط الركعتين. وأما إذا كان في البادية، كأن يكون عنده خيمة، فلا يخلو من حالتين أيضاً: الحالة الأولى: أن تكون خيمته متصلة بفريق، وهم القوم والجماعة الذين ينزلون مع بعضهم، كأبناء عمٍ وقبيلةٍ ونحو ذلك، فالعبرة بآخر الخيام حتى يجاوز آخر خيام محلته، بشرط أن تتصل خيمته بهم. الحالة الثانية: أن تكون خيمته منفردة، فإنه بخروجه من خيمته يكون مسافراً ويَترخص برخص السفر. وفائدة ذلك أنه إذا قلنا: إن العبرة بمجاوزة آخر الخيام، فإنه لو أذَّن الظهر وقد جاوز آخرها وجب عليه الظهر ركعتين، وأما لو أُذن قبل أن يجاوز آخرها فقد وجب عليه أن يصلي الظهر أربعاً. وهكذا الحال لو كانت الخيام متفرقة، فإننا نقول: بمجرد خروجه من خيمته يأخذ برخص السفر. وهكذا لو كانت خيمته ليس بجوارها أحد، فإنه بمجرد ركوبه على دابته -كما يقول العلماء- أو بمجرد أخذه في الطريق يُحكم بكونه مسافراً، ويأخذ برخص السفر.
أنواع السفر
أنواع السفر يقول العلماء: السفر تعتريه الأحكام الخمسة، فيكون واجباً، ومندوباً، ومباحاً، ومكروهاً، وحراماً. فيكون السفر واجباً إن اشتمل على واجب، كسفر حج الفريضة، وكذلك السفر لبر الوالد والوالدة، فلو أن الوالد أمر ولده أن يأتيه في مدينته والولد في مدينة أخرى، وليس عند الولد عذر يمنعه من السفر وجب عليه أن يسافر، ولزمه برُّ أبيه بالسفر، فهذا السفر يكون واجباً. وهكذا بالنسبة للسفر الذي يكون الإنسان فيه يؤدي أمراً واجباً عليه، فإنه يعتبر من الأسفار الواجبة. ويكون السفر مندوباً ومستحباً لو اشتمل على أمر مندوب ومستحب كحج النافلة والعمرة، فهذا مندوب ومستحب، فإنه إذا سافر يقال: هذا سفر مندوب. ويكون السفر مباحاً إذا انتفت فيه الدوافع، سواءٌ أكانت للنّدب أم للوجوب، وانتفت فيه الموانع، سواءٌ أكانت للتحريم أم للكراهة، ومن أمثلته: السفر للتجارة، فإنه يعتبر من المباحات، وهكذا السفر للنزهة، فإنه يعتبر من الأسفار المباحة. ويكون السفر مكروهاً إذا اشتمل على أمر مكروه لا يصل إلى درجة الحرمة، فلو أنه سافر على وجه لا يتضمن الحرام، كما لو كان مشتغلاً بطلب العلم، وهذا السفر يشغله عن طلب العلم فإنه يكون في حقه مكروهاً إذا اتصل هذا السفر بما يوجب شغله عن طلب العلم. ويكون حراماً إذا تضمن أمراً محرماً، كسفره -والعياذ بالله- للزنا، أو لشرب خمر، أو لقطع طريق، أو عقوق والدين، ونحو ذلك، فهذه خمسة أحوالٍ للسفر. فإذا كان سفره مباحاً جاز له أن يترخص، وإذا كان مندوباً جاز له أن يترخص؛ لأن المندوب فيه الإباحة وزيادة، وهكذا إذا كان واجباً؛ لأن الواجب فيه الإباحة وزيادة. ففي هذه الثلاثة الأحوال يجوز له أن يترخص برخص السفر. أما لو اشتمل سفره على معصية كأن يسافر لقطع طريق، أو عقوق والدين -والعياذ بالله- فإن هذا السفر المحرم قد اختلف العلماء فيه على قولين: القول الأول يقول: إن السفر المحرم لا يحل لصاحبه أن يترخص فيه، فيجب عليه فيه أن يُتِم الصلاة أربعاً، ولا يأخذ برخص السفر. وهذا مذهب الجمهور رحمة الله عليهم. القول الثاني: من سافر سفر معصية يجوز له أن يترخص. وهو مذهب الحنفية، واختيار بعض المحققين من العلماء رحمة الله على الجميع. أما من قال: إنه لا يترخص فإنه يحتج بقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة:173] قالوا: إن الاضطرار شرطه أن لا يكون بغياً ولا عدواناً، ولذلك لما فسر حبر الأمة وترجمان القرآن هذه الآية قال: غير قاطع للطريق وذكر المحرمات. فكأنه يرى أنه إذا كان باغياً أو عادياً لا ضرورة له فلا رخصة له. قالوا: وهذا حبر الأمة وترجمان القرآن وقد فسر كتاب الله عز وجل، وهو المدعو له أن يُفقَّه في الدين، وأن يُعَلَّم تأويل الكتاب، فقصر الرخص على انتفاء وجود البغي والعدوان، فهذا أولاً. ثانياً: أن السفر إذا أُطلق في الشرع ينبغي أن يتقيد بالمعروف شرعاً، والمأذون به شرعاً؛ لأنه لا يعقل أن الشرع يأذن له بالرخصة مع كونه يمنعه من السفر، فيعتبر السفر من وجهٍ ويحرمه من وجه. قالوا: فهذا شيء من التناقض، فلما كان هذا السفر غير مأذون به شرعاً لم تتصل به الرخص؛ لأنه مأمور بإلغاء هذا السفر، فكيف يباح له أن يترخص فيه؟ والعجيب أن هذا القول من القوة بمكان من جهة الأصل؛ فإن القاعدة تدل على أنه إذا شك في الرخصة فإنه يرجع إلى الأصل، والأصل أن الإنسان يجب عليه أن يصلي أربعاً بناءً على أنه مقيم. ولا نعني بالأصل ما سبق التشريع من كون الصلاة فرضت ركعتين ركعتين، فهذا أصل الوصف وليس له تأثير في الاستدلال، وإنما نعني أن الأصل فيه أنه مقيم. ولما شككنا هل هذا السفر سفر رخصة أو ليس برخصة رجعنا إلى الأصل من كونه مطالباً بفعل الصلاة أربعاً. وأما الذين قالوا: إنه يقصر فقالوا: إن الله عز وجل أطلق فقال: {إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} [النساء:101]، ولم يفرق بين كونه ضرباً بسفر مباح، أو ضرباً بسفر محرم. وهكذا قالوا: إن الأدلة التي وردت في القصر مطلقة، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه. وقد ناقش الجمهور هذا فقالوا: إن المطلق في الشرع مقيد بالمعهود، فنحن نعني بالسفر ما أُذن به شرعاً، فحينئذٍ يستقيم التقييد بما عرف شرعاً. والنفس تميل إلى أنه يُحتاط، فالسفر القائم على المعصية لا يُتَرخص فيه ما أمكن؛ إعمالاً للأصل الذي ذكرناه، وإعمالاً لقوله عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)؛ فإن أقل درجاته الشبهة، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه. وعلى هذا فإنه يتم الصلاة ويبقى على الأصل الذي أوجبه الله عز وجل عليه، كما قال جمهور العلماء رحمة الله عليهم. وهناك أمر ينبغي التنبه له، وهو أن العلماء رحمة الله عليهم فرقوا بين كون السفر سفر معصية، وكونه سفراً تُفعَل فيه المعصية. فالمعصية في السفر كأن يسافر لأمر مباح، ثم يفعل معصية أثناء سفره، فهذا لا يشمله هذا الحكم، فلو أن إنساناً سافر لقصد التجارة ثم -والعياذ بالله- زنى أثناء سفره، أو شرب الخمر، فإن هذا لا ينطبق عليه ما ذكرناه؛ لأنه ما خرج أصلاً لفعل الحرام، وإنما خرج للمباح وهو التجارة. ولو أنه سافر للمباح ولفعل الحرام، فإنهم قالوا: يأخذ حكم من سافر للحرام أصلاً.
الأسئلة
الأسئلة
الجمع بين عدم الإذن للأعمى بالتخلف عن الجماعة والإذن بالتخلف لعذر المطر ونحوه
الجمع بين عدم الإذن للأعمى بالتخلف عن الجماعة والإذن بالتخلف لعذر المطر ونحوه Q كيف نجمع بين مشروعية التخلف عن صلاة الجماعة لعذر خوف الضرر الشديد حال المطر والوحل والريح الشديدة، وعدم إذن النبي صلى الله عليه وسلم للأعمى الكبير في السن بالتخلف عن صلاة الجماعة بعد أن سمع النداء؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن العلماء رحمهم الله أخذوا من حديث ابن عمر الثابت في الصحيح أن المؤذن إذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح قال: الصلاة في الرحال. فأخذوا من إذن الشرع بالصلاة في الرحال وسقوط الجماعة مع وجود المطر دليلاً على أنه إذا وُجِدت المشقة بالريح الشديدة في الليلة المظلمة فإنه يترخص بترك الجماعة، وهذا معنىً صحيح. وأما حديث الأعمى الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أتسمع النداء؟) قال: نعم. قال: (فأجب)، وفي رواية أخرى: (ما أجد لك رخصة) فقد قال العلماء فيه: سماعه يدل على قربه، ولذلك أمره بشهود الجماعة لمكان القرب. ثم إنه إذا حضر ليست هناك ريح شديدة، فإن الريح الشديدة تعيق الإنسان وتدفعه عن المضي إلى المسجد وإلى شهود الجماعة، بخلاف العذر الذي هو مطلق، كقول الأعمى رضي الله عنه (تكون الظلمة والسيل والمطر)، فإنه لا يدل على سقوط الجماعة بعد وجوبها. ولبعض العلماء رحمة الله عليهم من المتأخرين جواب آخر لو صح لكان أقوى، حيث قالوا: الذي يظهر أن حديث الأعمى متقدم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط الصلاة بعذر المطر فقال: الصلاة في الرحال. لأن الأعمى قال: (إنه تكون الظلمة والسيل والمطر، وليس لي قائد يقدوني)، فكانت عزيمة في أول الأمر، ثم جاء التخفيف، فيكون من نسخ الأثقل بما هو أخف. وهذا القول لو صح فثبت أن التخفيف بالمطر ونحوه متأخر، وثبت ما يدل على التأخر فلا شك أنه يزيل الإشكال. والله تعالى أعلم.
موضع جواز جمع الصلاة للمسافر
موضع جواز جمع الصلاة للمسافر Q نويت السفر قبل صلاة الظهر، ولم أخرج من بيتي إلا بعد الظهر، فصليت الظهر أربعاً مع جماعة، فهل أصلي العصر جمع تقديم، مع العلم أن صلاة العصر تدركني وأنا في الطائرة، ولا تهبط إلا بعد خروج الوقت؟ A بعض العلماء يقول: إنه لا يترخص بالجمع إلا بعد الخروج من المدينة. وهذا -مثلما ذكرناه- على ظاهر نص الكتاب والسنة، فالمسافر لا يترخص إلا بعد الخروج من العمران. وعليه فإنه لا يحق له أن يجمع ما دام داخل مدينته حتى يخرج ويبرز إلى العمران، فحينئذٍ يجوز له أن يترخص بالجمع، والله تعالى أعلم.
التفصيل في كمية تناول الطعام عند حضور وقت الصلاة
التفصيل في كمية تناول الطعام عند حضور وقت الصلاة Q هل يكون الأكل عند حضرة الطعام بمقدار ما تنكسر نهمته، أو له أن يشبع؟ A من حضرته الصلاة وحضره الطعام فإنه إما أن يمكنه أن يكسر شهوته ونهمة نفسه، ثم يدرك الجماعة، ولا يفسد الطعام بحيث يعود ويتمه، فإنه حينئذٍ يفعل ذلك إعمالاً للأصل، وبكسره لشهوة نفسه يزول المعنى الذي من أجله سقطت الجماعة. وأما إذا كان تركه لبقية الأكل يُفسد الأكل ولا يمكنه أن يدركه بعد الصلاة، فحينئذ يقضي نهمته ولو فاتته الصلاة؛ لنص حديث عائشة رضي الله عنها. والله تعالى أعلم.
البدء بالصلاة الفائتة قبل الحاضرة
البدء بالصلاة الفائتة قبل الحاضرة Q إذا كنت مسافراً من مكة الساعة الحادية عشرة -مثلاً-، وأخرت صلاة الظهر مع العصر، ودخلت المسجد والناس يصلون العصر فماذا أفعل؟ A إذا دخل المصلي المسجد والناس يصلون العصر وهو لم يصل الظهر فإنه يدخل وراءهم بنية الظهر، ثم إذا سلموا أقام للعصر وصلاها. والله تعالى أعلم.
جواز ترك الجماعة لمن خرج خارج البنيان ولا يسمع الأذان
جواز ترك الجماعة لمن خرج خارج البنيان ولا يسمع الأذان Q نخرج غالباً خارج البنيان ونحن جماعة، وذلك للتنزه وغير ذلك، ولا نسمع الأذان، فهل نعذر في ترك الجماعة العامة في المساجد؟ A من خرج خارج العمران، أو خرج إلى مكان لا يسمع فيه النداء فإنه يجوز له أن يصلي بمكانه، وإن كانت معه جماعة فإنه يؤذِّن ويقيم ويصلي بهم جماعة، وأما إذا كان قريباً من العمران بحيث يسمع النداء فإنه يلزمه أن يمضي إلى أقرب المساجد إليه ويجيب داعي الله عز وجل له، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة في الرحال
حكم الصلاة في الرحال Q إذا سافر شخصان إلى مدينة ما، وأرادا الإقامة بها يومين فقط، فهل يصح لهما قصر الصلاة في المنزل وترك الجماعة؟ A إذا كان الإنسان مسافراً ومعه جماعة وكلهم مسافرون فإنه يجوز لهم أن يصلوا جماعة في رحالهم، لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بالناس الفجر بخيف مِنى فرأى رجلين فقال: (علي بهما، فأُتي بهما فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: قد صلينا في رحالنا. قال: فلا تفعلا. إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة). ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرهما على فعل الجماعة في الرحال مع أن جماعة النبي صلى الله عليه وسلم قد انعقدت في الخيف، فدل هذا -كما يقول العلماء- على جواز أن يصلي المسافر جماعة في رحله، ثم إذا حضر المسجد فإنه يصلي مع جماعة المسجد نافلة، ولو كانت الصلاة عصراً أو صبحاً أو مغرباً على أصح أقوال العلماء. والله تعالى أعلم.
وقت ذكر دعاء السفر
وقت ذكر دعاء السفر Q متى يشرع قول دعاء السفر، هل عند ابتداء ركوب الدابة، أم إذا لزم جهة السفر، أم إذا تجاوز البنيان؟ A بعض الأحاديث فيها التكبير عند ركوب الدابة، كما في السنن، فيكبِّر إذا وضع رجله في الغرز، أو إذا ركب السيارة كما هو موجود الآن، ويقول الدعاء: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) قالوا: لِحَمْد نعمة الله عز وجل على المركوب، ولا علاقة له بالسفر، وإنما شُرِع في السفر لمكان المناسبة. وأما بقية الأدعية التي نص فيها على السفر فإنها لا تكون إلا بعد مجاوزته للعمران، لأنه يسأل الله عز وجل في وجهه الذي هو ماض إليه، والله تعالى أعلم.
الأخذ برخص السفر لا يشترط فيه مدة معينة
الأخذ برخص السفر لا يشترط فيه مدة معينة Q من سافر وهو ينوي الرجوع في نفس اليوم فهل يجوز له القصر؟ A من سافر وهو ينوي الرجوع في نفس اليوم فإنه مسافر، وبناءً على ذلك يجوز له أن يترخص برخص السفر إعمالاً لحالته، ويصدق عليه ظاهر التنزيل وظاهر ما ورد من النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكونه يرجع في نفس اليوم أو غيره من الأيام الأخرى لا تأثير له؛ لأننا لا نحفظ دليلاً يدل على تقييد الرجوع بزمان معين، وإنما وردت الأدلة في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة للمسافر مطلقاً. وعلى هذا فلو خرج إلى تدريس أو تعليم بمكان يبعد مسافة القصر حل له أن يترخص بِرُخَص المسافر في الطريق ذاهباً وراجعاً. والله تعالى أعلم.
حكم المريض إذا مات وعليه بعض الصلوات
حكم المريض إذا مات وعليه بعض الصلوات Q كان عندنا مريض يصلي بعض الأوقات، وبعض الأوقات لا يصليها، وذلك لشدة المرض، وأحياناً يصلي فيغلبه النوم أثناء الصلاة، وقد مات وعليه فروض لم يصلها، فهل عليه شيء؟ A هذا المريض ظاهره أنه قد حيل بينه وبين الصلاة بالمرض، وهذا الذي يظهر، بدليل أنه إذا حضرته الصلاة صلى، وإذا عجز لم يصلِّ. أما بالنسبة لأهله فلا شيء عليهم، وبالنسبة له هو فقد مضى إلى الله عز وجل، وإلى الله حكمه، ولا يلزمهم في ذمتهم من شيء، فإن كان يترك الصلاة تساهلاً وتكاسلاً فحكمه إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان تركها لعذر من غيبة عقلٍ وإغماء ونحو ذلك فهذا حكمه حكم المعذور، والله تعالى أعلم.
حكم من أكل ثوما أو بصلا قبل صلاة الجمعة
حكم من أكل ثوماً أو بصلاً قبل صلاة الجمعة Q هل يعذر الإنسان بترك صلاة الجمعة إذا أكل ثوماً أو بصلاً؟ A من أكل الثوم والبصل في يوم الجمعة قاصداً التخلف عن الجمعة فإنه آثم، وقال بعض العلماء: إنه لا يحضر الجمعة ويكون عليه وزر من تعمد تركها. وذلك أنه تقصد أن يتخلف واحتال على الشرع، والحيلة على الشرع لاغية. فيكون فعله المحتال به كما لو قصده، وأما لو أنه أكل طعاماً وهو لا يدري أن فيه الثوم والبصل، أو أكل الثوم والبصل ناسياً أنه يوم جمعة، فلما أكل وتلبَّس به، شعر أنه في يوم جمعة، فإنه يعتبر معذوراً لنص النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيته، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم)، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة بين السواري
حكم الصلاة بين السواري Q قيد بعض العلماء كراهة الصلاة بين السواري بأن يكون بين السارتين ثلاثة أذرع، ومعنى هذا أن السواري الموجودة اليوم لا تأخذ هذا الحكم، وأن الصف بينهما صحيح، فهل هذا صحيح؟ A هذا التحديد الذي ذُكِر تحديد بدون دليل نعلمه، والأصل في التقديرات والتحديدات أنها تكون مستندة إلى نصوص الكتاب أو السنة، وأما هذا التحديد فلا أحفظ له دليلاً من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك فإنه لاغٍ ولا يُعتد به، ويبقى الحكم بالصلاة بين السواري على ما هو عليه، لكن قال العلماء في السواري المنفصلة المتباعدة بعداً قوياً: إنها لا تؤثِّر. وقالوا: إنه يجوز أن يصلى بينها كما لو صلى بين جدارين، فإنه لا حرج عليه، ويعتبر هذا مأذوناً به، وليس داخلاً في النهي، والله تعالى أعلم.
حكم قضاء السنن الرواتب
حكم قضاء السنن الرواتب Q هل يجوز قضاء السنن الرواتب إذا لم يصلها في أوقاتها أم لا؟ A قضاء السنن الرواتب ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد فعل ذلك في السفر، كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وأرضاه أنه: (لما نام عليه الصلاة والسلام عن صلاة الفجر واستيقظ بعد طلوع الشمس أمر بلالاً فأذن بالصلاة، ثم صلى رغيبة الفجر، ثم أمر فأقام فصلى الفجر). فدل على مشروعية قضاء الراتبة بعد خروج وقتها، وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد العصر ركعتين، فقالت: يا رسول الله: رأيتك تصلي ركعتين لم أرك تصليهما من قبل؟! قال: (أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان). فدل هذا الحديث على مشروعية قضاء السنن الرواتب إذا كان الإنسان عذر بتركها، كما لو نام عن صلاة الفجر لعذر ثم استيقظ بعد طلوع الشمس، وهكذا إذا دخل والإمام يصلي الظهر ولم يتمكن من صلاة السنة القبلية، فإنه بعد سلام الإمام يجوز له أن يصلي القبلية، ثم يصلي بعدها السنن الراتبة البعدية، والله تعالى أعلم.
حكم الجهر في الصلاة
حكم الجهر في الصلاة Q إذا نسي الإمام الجهر بالقراءة في الصلاة الجهرية هل يسجد للسهو؟ A للعلماء في الجهر في الصلاة وجهان: قال بعضهم: إنه من الواجبات، ويلزمه إذا نسيه أن يسجد له سجود السهو. وهذا قول يختاره بعض السلف رحمة الله عليهم، وهو في مذهب بعض العلماء، كـ مالك رحمة الله على الجميع. وقال بعض العلماء: الجهر ليس بواجب، ولذلك لو أسرّ في جهرية أو جهر في سرية ولو كان متعمداً صحت صلاته، والأحوط أنه يسجد إذا كان يريد الخروج من الخلاف، أما لو ترك السجود فإنه لا حرج عليه، والله تعالى أعلم.
حكم من أفطر في رمضان ولم يعلم بوجوب القضاء إلا بعد فترة طويلة
حكم من أفطر في رمضان ولم يعلم بوجوب القضاء إلا بعد فترة طويلة Q امرأة أفطرت شهر رمضان كاملاً بسبب الحمل والولادة، ولم تكن تعلم أنه يجب عليها القضاء، فلم تقض ذلك الشهر حينها، وبعد عشرين سنة تبين لها أنه يجب عليها القضاء، فماذا تفعل؟ A يلزمها قضاء هذا الشهر، وللعلماء رحمهم الله في الجاهل وجهان: قال بعضهم: الجهل عذر، ويُسقط التكليف، ولا كفارة لمكان العذر. وقال بعضهم: ليس بعذر بعد استقرار الشرع. وهذا واضح، خاصةً إذا كانت في المدن والعمران؛ لأنه يتيسر وجود العلماء وسؤالهم، ومع ذلك تسكت عن سؤالهم ثم تأتي وتقول: إنها جاهلة. فقالوا: مثل هذه لا يُعذر، إنما يُعذر من كان في البوادي بعيداً عن العلماء، أو كان في زمان التشريع. وهذا القول من القوة بمكان، فإنه لا يفتح للناس الترخص بالجهل؛ لأنهم إذا كانوا في حاضرة وأمكنهم سؤال العلماء فهم مقصرون مستهترون، ومن قصر في الشرع يُلزم بعاقبة تقصيره. ولذلك يُفصَّل في هذه المرأة، فإن كانت في العمران وأمكنها سؤال العلماء فإنها آثمة بالتقصير ومعرفة حكم الله عز وجل. وأما إذا كانت في مكان لا يتيسر معه أن تبعث من يسأل لها أو لا يتيسر فيه وجود العالم الذي تسأله فإنها معذورة، ولا كفارة عليها، على القول بأن الجهل عذر مطلقاً، فلا كفارة عليها ولا إثم. وعلى القول بالتفصيل -وأميل إليه- أنها تأثم إن كانت قصّرت ولا تأثم إن لم تقصر، ثم إذا قلنا: إنها قصرت. وحكمنا بإثمها فمذهب جمهور العلماء أن من قصّر فدخل عليه رمضان الثاني ولم يقض رمضان الأول فعليه عن كل يوم ربع صاع، وهو قول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك جمع من العلماء يُنسب إلى جمهور أهل العلم رحمة الله عليهم، ويُفتى به على سبيل الاحتياط، وإلا فقول الظاهرية بعدم وجوب التكفير من القوة بمكان. والله تعالى أعلم.
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)
معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة) Q ما المقصود بالأذانين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)، والصلاة بينهما هل هي النافلة والمكتوبة؟ A هذا حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله: (بين كل أذانين صلاة) من باب التغليب، والعرب تقول: القمران والعشاءان والظهران والعمران، كل ذلك من باب التغليب، فقوله عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين) أي: بين الأذان والإقامة فغُلِّب الأذان على الإقامة). ووجه ذلك أن الأذان في لغة العرب الإعلام، فلما كان الأذان الأول أذاناً -بمعنى أنه يُعلم بدخول وقت الصلاة- وكانت الإقامة إعلاماً بقيام الصلاة وُصِفت بكونها أذاناً من هذا الوجه. وعلى هذا فإنه يصلي بين الأذان والإقامة، وهذه النافلة ليست براتبة، وإنما هي نافلة مستحبة يفعلها الإنسان، وليست من السنة الراتبة، إلا إذا كانت للصلاة الذي أُذِّن لها راتبة قبلية كالظهر والفجر ونحو ذلك. أما إذا لم تكن لها راتبة قبلية كصلاة المغرب، فإنه إذا أذن المغرب يُشرع للإنسان ويسن له أن يصلي ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بين كل أذانين صلاة)، وهكذا لو أذن العشاء فله أن يصلي بين الأذان والإقامة ركعتين. والله تعالى أعلم.
حكم التقصير في حق الوالدين بعذر طلب العلم والدعوة
حكم التقصير في حق الوالدين بعذر طلب العلم والدعوة Q لي أبٌ عاجز، وأشتغل بطلب العلم وبعض المشاريع الدعوية، وأقصر في حق الوالد، فهل أنا معذور بهذا التقصير؟ A أخي في الله! اتق الله في أبيك، واتق الله في والديك، وابدأ بهما؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بتوحيده ثم ثنى ببر الوالدين، فاتق الله عز وجل في أبيك عند المشيب والكبر، فارحم ضعفه واجبر كسره، وكن إلى جواره، والزم قدمه؛ فإن الجنة ثم. قال سبحانه وتعالى: {إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا} [الإسراء:23]. وفي الحديث:: (رغم أنف رجل أدرك والديه فلم يدخلاه الجنة. قل: آمين. قلت: آمين)، فاحمد الله عز وجل إذ متّع ناظريك بوجود والديك، واغتنم هذه الفرصة، خاصة إذا كان الوالد ضعيفاً فقم على حالته، واقض حوائجه وفرج كربته، وكن إلى جواره، فإنه فرضٌ لازم عليك مقدم على النوافل، ومقدم على حلق الذكر، ومقدَّم على مجالس الصالحين إذا كانت على سبيل النفل ولم تكن واجبة. وما تقرب العبد إلى الله بشيء أحب إليه مما افترض عليه، فابدأ بوالديك، وفي الحديث أن صحابياً قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد. -يريد أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فهاجر لكي يكون تحت ظله، يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: أحي والداك؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما)، وفي رواية: قال: (يا رسول الله! أقبلت من اليمن أبايعك على الهجرة والجهاد وتركت أبواي يبكيان. قال: ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما)، وأبى أن يخرج معه. فبر الوالدين فرض لازم ينبغي على المسلم أن يبدأ به قبل النوافل والطاعات، فابدأ بنفسك وبمن تعول، وارحم ضعفه وارحم كبره، وكن مع الوالدين ولا تسأم ولا تمل، ولا تتعب ولا تضجر، فإنك تخوض في رحمات الله جل جلاله. فكل لحظة وأنت في جواره تُدخل السرور عليه، وتذهب الوحشة عنه بأنسه برؤية وجهك، فكم من قلوب للوالدِين تتعطش وتتألم، ولكن يزول ألمها ويروى عطشها إذا اطلعت ورأت أبناءها وبناتها. وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما احتضر ابنه إبراهيم دمعت عيناه عليه الصلاة والسلام، فقال له الصحابة: (ما هذا يا رسول الله؟ قال: رحمة أسكنها الله في قلوب عباده). فالوالدان فيهما رحمة، وفيهما حنان للولد وشوق وحنين، ولو أمرك أن تسافر أو تذهب للدعوة فينبغي أن تكون أحرص على الخير منه. فالوالد قد لا يحب أن يزعجك، ولا يحب أن يضيق عليك، فيراك تحب السفر فيقول لك: سافر. وتحب أن تكدح وتتاجر وتذهب هنا وهناك فيقول لك: اذهب. ولكن ينبغي أن تكون فطناً لبيباً حكيماً أريباً، فهذا الوالد في آخر عمره وضعفه ومشيبته وكبره بحاجة إليك. فالدنيا تُدرك، ولكن بر الوالدين ليس إلا ساعات ولحظات، اختار الله عز وجل والديك فسوف تعض على أصابع الندم، ولات ساعة مندم. فاتق الله عز وجل في والديك، واشكر نعمة الله سبحانه وتعالى إذ متع عينيك برؤية الوالدين. فينبغي ألا ينام الإنسان إلا وهو يفكر كيف يبر والديه، وأول الفروض بعد توحيد الله عز وجل بر الوالدين، فتكون إلى جواره، ولو أدى ذلك إلى انقطاعك عن بعض الدروس، فإن الوالد في أشد الحاجة أن تجلس معه، فإن كان مريضاً تداويه، وإن كان محتاجاً إلى معونة تعينه وتساعده، حتى ولو كان الإنسان يجد من والديه الأذية، فإن أفضل البر وأحسنه وأكمله وأجمله إذا كنت تُحسن إلى الوالدين ويسيئان إليك، وإذا كنت ترحمهما فتجد منهما الغظاظة، ولربما تجد منهما أنهما يكرمان غيرك ويهينانك، فإذا رأيت من الوالدين السباب والشتام والاحتقار فاعلم -إن شاء الله- أن ذلك من دلائل القبول، فما دمت لا تتسبب في غضبهما، وكأن الوالد لا يحفظ معروفك، ولا يشكر إحسانك، فلعل الله لحكمة يريد أن يرفع درجتك ببرك بوالديك. واعلم رحمك الله أنها من فواتح الخير، فكم من علماء وأفاضل وصلحاء بلغوا الخير بفضل الله جل جلاله ثم برضا الوالدين. وأعرف عالماً من العلماء الذين بلغوا شأواً عظيماً في العلم كتب ترجمته بيده فقال: لا أعرف أمراً وفقني الله عز وجل إليه بعد توحيده بلغت به بفضل الله عز وجل هذا العلم مثل بري بوالدي، فقد توفي وهو في النزع يدعو لي بالعلم والعمل. فإذا وفقك الله لبر الوالدين كسبت منهما الدعوات الصالحات، وخضت في رحمات الله سبحانه وتعالى، فتخرج من عند والديك والأكف ترفع إلى الله أن يسعدك، وأن يوفقك، وأن يكون معك، فأبشر بكل خير في دينك ودنياك وآخرتك. فلا يشتغل الإنسان بالنوافل ويترك الفرائض، وبعض طلاب العلم يجد السآمة، ويجد الضيق، ويجد الملل، ولا يدري من أين جاءه هذا الهم والغم والنصب والتعب، فقد يكون عق أباه؛ لأن الإنسان قد يعق والده بكلمة واحدة، فتغيب عليه شمس ذلك اليوم وهو من العاقين -والعياذ بالله-. فكيف يحتاج والدك إلى حاجة ويأتيك قبل أن تأتيه، وهو الذي طالما سهِر وتعب عليك؟ والله إن الإنسان ليكاد يذوب خجلاً -لو أن القلوب والضمائر والنفوس حية- حينما ينظر إلى والده يسأله حاجة. فالمفروض أنك لا تنتظر من الوالد أن يسألك، ولا تنتظر من الوالد أن يعرض حاجته عليك، بل عليك أن تلبي حاجته، وأن تفرج -بإذن الله- كربته، وتسعى في تحقيق مصالحه وإدخال السرور عليه، وبذل كل ما تستطيع من الخير. فقبل الجلسات، وقبل الأصدقاء والأصحاب والأحباب بر الوالدين، فالواحد منا يجلس مع أصحابه وأحبابه ساعات متأخرة من الليل لا يسأم، ولا يمل ولا يضجر، وقد يكون في فضول الحديث، ولكن بمجرد أن يجلس مع أبيه لحظة واحدة يتذمر، وتجده إذا دخل عليه رجل من أهل الدنيا يقوم من مكتبه يقضي حوائجه، ويفرج كربته، فإذا قال له الرجل: أشكرك على ما قدمت. يقول: هذا واجب. وإذا جاء والده في أبسط حاجة أو أقل معروف أعرض عنه، ولربما جاء وقضى الحاجة بتذمر، حتى إن الوالد يكره هذه الحاجة مما يرى من السآمة والملل من ابنه. فالله الله في هذه القلوب الضعيفة، فارحموا ضعف الوالدين. وينبغي على الخطباء وطلاب العلم دائماً أن يذكِّر بعضهم بعضاً ببر الوالدين، فهذه فواتح رحمة، وهذه من الأمور التي كان العلماء رحمهم الله يتفقدون فيها طلابهم، فلا تمر فترة إلا وهم يذكرون، وقد عهِدت بعض المشايخ رحمة الله عليهم أنه كان لا يجلس معه طلابه إلا وهو يتفقدهم في أمرين، ويقول: أمران لا أسأم منهما: الإخلاص وبر الوالدين. فتجده دائماً يقرع طلابه ويذكرهم بهذا. وإن كنت في حيِّك، أو في مسجدك، فاذكر فضل بر الوالدين، وأَشِدْ بهما؛ لأن الناس تناست، وكلما طال العهد عن النبوة كان الناس في فتنة ومحنة وغربة عن الدين، فقد أصبح اليوم قضاء حوائج الوالدين كائناً مع الضيق والسآمة والملل، حتى إن كثيراً من الآباء يضجرون، فتجد الأب تُقضى حاجته، لكن تُقضى بدون رغبة. وقد اتصل بي ذات مرة رجل من الأخيار، وكان من خيار طلاب العلم والدعاة، فقال لي: إني أريد أن أخرج إلى كذا وكذا -وهي قربة من أجل القربات- فقلت له: يا أخي! هل والداك موجودان؟ قال: الوالد موجود. قلت: هل أذن لك في الخروج؟ قال: أذن لي. قلت: لو كنت تريد مني الرأي فأنا أنصحك أن تبقى عند والدك. قال: لماذا؟ قلت: والدك كبير، ولو أذن لك فالمفروض أن تستحي من الله عز وجل أن تتركه على ضعف وخور في هذا العمر وتخرج تتنفل بالطاعات، فقال: أنا واثق أنه راض. قلت له: تأكد. وثلاث مرات وأنا أراجعه، ولكن يأبى الله عز وجل، وأرجو أن الرجل كان فيه الخير والصلاح، أحسبه ولا أزكيه على الله. فيشاء الله عز وجل أنه يُقدم على ما هو طالبه من الخير، فخرج، فلما خرج وابتعد عن المدينة التي هو فيها مسافة تذكر شيئاً في البيت أنه لم يأخذه معه، وكان من لوازم سفره. قال: فرجعت، فلما رجعت وجدت الوالد في حالة من البكاء والحزن والهم والغم ما الله به عليم، قال: فلما رأيت الوالد ذُهِلت حتى عن الشيء الذي أتيت من أجله، فقلت: ما هذا يا والد؟ قال: يا بني! ماذا أفعل؟ رأيتك تحب هذا الشيء ولا أحب أن أمنعك عما تريد، أما لو كان باختياري وهواي فلا أريدك أن تفارقني. قال: والله ما هو إلا أن قبلت قدمه، وجلست أبكي عنده. فالوالدان فيهما رحمة، ولا يستطيع الوالد إذا رآك تريد شيئاً أن يصدّك عنه، والوالدة أرحم من الوالد، فلا يغتر الشاب لقول الوالد: اذهب. فإذا قال: اذهب. فقل: لا أذهب، بل أجلس عند قدمك وأقضي حوائجك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الزم رجلها فإن الجنة ثم). فالوالدان يحتاجان إلى وفاء، وإلى رد جميل، وإلى الإحسان مهما كان، حتى ولو كان الوالد يقول لك: اذهب إلى طلب العلم. فلتذهب إلى طلب العلم ولكن بقدر، ولتجعل حاجته بين عينيك، ولا تنتظر منه -إذا كنت تريد الرحمة والرضوان والتوفيق من الله، وسعادة الدنيا والآخرة- يوماً من الأيام أن يطلب منك شيئاً، وإنما تكون أنت الذي تقضي حوائجه، وأنت الذي تبادره وتسبقه إلى حوائجه. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يكرمنا بالبر، وأن يجعلنا من أهله، ونسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا في هذا المجلس المبارك أن يسبغ شآبيب الرحمات على من كان منهم من الأموات من الآباء والأمهات. اللهم اغفر لهم وارحمهم، وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، وأوسع مدخلهم، واجزهم عنا خير ما جزيت والداً عن ولده، اللهم أسبغ عليهم شآبيب الرحمات، واجعلهم عندك في نعيم الجنات. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
فصل: صلاة المسافر [2]
شرح زاد المستقنع - فصل: صلاة المسافر [2] السفر غالباً تصحبه مشقة وعناء، ولذلك خفَّف الله عن المكلفين في السفر وشرع لهم قصر الصلاة فيه، لمسافة معلومة ومدة معلومة، وبشروط معينة، على أن يراعى وقت أداء الصلاة ووقت وجوبها، وكذلك حال الاقتداء بالمقيم، ومن التخفيف عن المسافر: مشروعية الجمع بين الصلاتين، مراعاة لحال المسافر وتيسيراً عليه، وقد يكون الجمع في غير حال السفر كالجمع في عرفة ومزدلفة.
تابع أحكام صلاة المسافر
تابع أحكام صلاة المسافر
حكم القصر في السفر المحرم
حكم القصر في السفر المحرم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [من سافر سفراً مباحاً أربعة برد سن له قصر الرباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه]. شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان المسائل والأحكام المتعلقة بصلاة المسافر، والله سبحانه وتعالى جعل الصلاة في السفر إذا كانت رباعية ركعتين، كما شهد بذلك حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيح: (فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت في السفر وزيدت في الحضر). وقد بينا أن السفر يعتبر من الأمور التي توجب التخفيف عن العباد والمكلفين في الصلاة. قوله: [من سافر سفراً مباحاً] يفيد أنه يشترط في السفر الذي تقصر فيه الصلاة أن يكون سفراً مباحاً وليس بسفر معصية، فإن كان السفر سفر معصية فإنه لا يحل له أن يقصر الصلاة، وذلك لقوله سبحانه وتعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ} [البقرة:173]، فقد فسر حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الاضطرار في حال البغي والعدوان فقال: (أن يسافر سفر بغي، أو سفر عدوان). فإذا كان مسافراً سفراً محرماً فإن الخطاب يتوجه عليه بالرجوع، فكأن السفر وجوده وعدمه على حد سواء، فلو قال قائل: إنه مسافر في الصورة! قلنا: إن الصورة يشترط فيها أن يعتد بها شرعاً، فلما كانت لاغية في حكم الشرع لم يترخص برخصه.
المسافة التي يقصر فيها المسافر
المسافة التي يقصر فيها المسافر قوله: [من سافر سفراً مباحاً أربعة برد]. البرد: جمع بريد، والبريد كلمة أصلها فارسي وهو: (برده ذم)، قالوا: كان أصل البريد في اللغة الرسول، وكانوا يستخدمون البغال في إيصال الرسائل، فعلى كل مرحلة يجعلون محطة تكون فيها بغال مهيأة، فإذا أخذ الرسول الرسالة من محطة انطلق إلى المحطة الأخرى، فيجد رسولاً آخر ينتظره في المحطة فيعطيه الرسالة، فينطلق إلى المحطة التي تليها، فيكون أبلغ في وصول الرسالة في أقرب وقت، أو ينطلق نفس المسافر، فإذا وصل إلى المحطة الأولى وجد دابة فركب عليها إلى المحطة التي تليها، وهكذا حتى يبلغ المكان الذي يريده لرسالته، فسمي بريداً. فالبريد نفس المسافة التي يقطعها المسافر في اليوم وهي المرحلة الكاملة، وهذه المسافة -التي هي أربعة برد- توقيت وتحديد ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله، فالمسافر لا يكون مسافراً إلا إذا قصد هذه المسافة فما فوقها، فلو كانت المنطقة أو المدينة التي يريد بلوغها دون أربعة برد فإنه لا يوصف بكونه مسافراً، فكما أن من خرج من مدينة إلى ضواحيها لا يعتبر مسافراً في حكم الشرع، فكذلك من انتقل إلى مسافة دون هذه المسافة. أما الدليل الذي دل على اعتبار هذه الأربعة البرد فحديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة -وفي رواية: مسيرة يوم- إلا ومعها ذو حرمة)، ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم على المرأة أن تسافر بدون محرم، ولم يذكر مسافة توصف بكونها مسافة سفر دون اليوم والليلة، فدل على أن مسافة اليوم والليلة ومسيرة اليوم والليلة هي السفر. وقالوا: إن الأربعة البرد من إنسان يسير يوماً كاملاً تكون على هذا الوجه؛ لأنه إذا مشى من أول النهار إلى أوسطه فإنه يقطع بريداً، ثم من أوسطه إلى آخره يقطع بريداً، فيتم له في النهار بريدان، ثم في الليلة بريدان، فأصبح المجموع أربعة برد، فهي مسيرة اليوم والليلة، فإن قالوا: مسيرة يوم وليلة فإنها مسيرة أربعة برد. والبريد من الفراسخ أربعة، والفرسخ ثلاثة أميال، وبناء على ذلك لتكون المسافة ستة عشر فرسخاً، أو ثمانية وأربعين ميلاً، وتقدر بالكيلو مترات، فبعض المتأخرين -قبل ما يقرب من أربعين سنة- اختبر سير الإبل، فذكر أن الإبل في اليوم تسير ما يقارب أربعين كيلو متراً، أي: من طلوع الشمس إلى غروبها، وقد تسير دون الأربعين شيئاً قليلاً، وقد تصل إلى الأربعين، فإذا كان السير معتاداً في الزمان المعتاد الذي ليس بشديد الحر ولا بشديد البرد، فإنه يصل السير إلى ما يقارب الأربعين كيلو متراً، فإذا حسبت في النهار أربعين كيلو متراً وفي الليل أربعين كيلو متراً فهي إلى الثمانين، فهو يقول: إنها تصل إلى ما يقارب ثمانية وسبعين كيلو متراً. ومن العلماء من يقول: اثنان وسبعون كيلو متراً. ومنهم من يقول: ستة وسبعون كيلو متراً. ومنهم من يقول: ثمانون كيلو متراً. فهي ما بين اثنين وسبعين كيلو متراً إلى ثمانين كيلو متراً، فإن احتاط فإنه يوصلها إلى الثمانين، ولكن الأشبه -فيما ذكره غير واحد- أنه إلى اثنين وسبعين يرخص له برخص السفر. وقلنا: إن الدليل من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لامرأة أن تسافر مسيرة يوم وليلة)، فدل هذا النص الشرعي على أن من سار مسيرة اليوم والليلة فهو مسافر. فإن قال قائل: كيف أسقطت ما دون اليوم والليلة عن كونه سفراً؟ وما هو الدليل على أن من خرج دون اليوم والليلة لا يكون مسافراً؟ قلنا: السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مواضع دون هذه المسافة -أي: دون مسيرة اليوم والليلة-، ومكث فيها ولم يقصر الصلاة، فقد خرج إلى الخندق وهو يبعد عن المدينة ثلاثة أميال تقل أو تكثر، خاصة إذا خرج من طريق بطحان، ومع ذلك لم يقصر رباعية، وخرج إلى أحد ولم يقصر رباعية، وكذلك ثبت عنه في الأحاديث أنه خرج إلى بني النضير وحاصرهم خمس عشرة ليلة في شهر ربيع ومع ذلك لم يقصر الصلاة، وبنو النضير على أميال من المدينة، وكذلك خرج إلى بني قريظة ولا تقل المسافة بينه وبينهم عن ستة أميال كما ذكر غير واحد، وهذه كلها ضواحٍ من المدينة بينها وبين المدينة دون اليوم والليلة، فكونه يخرج إلى هذه المسافات التي هي دون اليوم والليلة قاصداً إياهم -حيث قصدهم بالحصار والقتال- ومع ذلك لم يقصر الصلاة يدل على أن ما كان دون اليوم والليلة لا يحكم بكونه سفراً. ولذلك قالوا: نرجع إلى أقل ما سماه الشرع سفراً، فنحكم بكون الإنسان مسافراً إذا قطعه، وأما ما دونه -كما لو خرج إلى قرية دون مسافة اليوم والليلة -فإنه في حكم من خرج إلى ضواحي المدينة وما قاربها. وأكدوا هذا بأن حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان لا يجيز لأهل مكة أن يقصروا الصلاة بعرفة، فقد سألوه رضي الله عنه وأرضاه: أنقصر الصلاة في عرفة؟ قال: لا. ولكن إلى جدة وعسفان، أو الطائف. وهذا السند صحيح عنه رضي الله عنه، ولم يختلف على ابن عباس رضي الله عنهما في فتواه بهذه المسألة، وقد كانت عسفان مسيرة يوم وليلة، وكانت جدة في ذلك الزمان مسيرة يوم وليلة، وكانت الطائف تربو على مسافة اليوم والليلة بشيء. قالوا: فهذا يدل على أن الخروج المطلق لا يوصف بكونه سفراً، وإنما يكون سفراً إذا كانت المنطقة التي يريدها تبعد بمقدار اليوم والليلة فأكثر. ثانياً: أنه قد جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قصر الصلاة حينما خرج إلى وادي ريم، ووادي ريم يبعد عن المدينة ما يقارب ستين إلى سبعين كيلو متراً يقل قليلاً أو يكثر على حسب الطريق، وقد يزيد على السبعين قليلاً إذا قصدت آخر الوادي، وعلى هذا فهو يقارب مسيرة اليوم والليلة، وجاء عنه أيضاً في الرواية الأخرى -رضي الله عنه وأرضاه- أنه قصر في الأربعة البرد، وما ورد عنه من أنه كان يقصر في الثلاثة الأميال فهو ابتداء قصره، بمعنى أنه لو خرج مسيرة اليوم والليلة كان إذا سار ثلاثة أميال قصر، بل حتى لو خرج من العمران يقصر، فعلى هذا لا تعارض بين الروايات عن ابن عمر، فإن الروايات القوية واردة عنه رضي الله عنه بالتأقيت في الأربعة برد ومسيرة اليوم والليلة، وإذا نظرنا إلى الأسانيد عن ابن عمر وجدنا أصحها وأقواها ما جاء عنه في القصر في الأربعة البرد، وهي عن أوثق أصحابه وأقربهم منه كـ سالم ابنه، وكذلك نافع مولاه رحمة الله على الجميع، خاصة وأنه ورد عنه أنه أمر بالقصر في هذه المسافة، فيقوى مذهب من قال -أعني: الجمهور-: إنها أربعة برد، وما ورد عنه من القصر في الثلاثة الأميال فإنه محمول على أنه ابتدأ القصر، بمعنى أنه خرج من المدينة ثلاثة أميال فحضرته الصلاة فصلى وهو قاصد لمسيرة اليوم والليلة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حينما خرج من المدينة، فإنه بمجرد أن وصل إلى ذي الحليفة قصر الصلاة، مع أن ذا الحليفة ليست على مسيرة مرحلة كاملة. فهذا حاصل ما ذكر بالنسبة لأدلة السنة، وكذلك الآثار الصحيحة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولأننا لو لم نقل بالتحديد فإن ذلك سيؤدي إلى اختلاج الأحكام، فلو قلنا: إنه يرجع فيه إلى عرف الناس لاختلفت أعرافهم، فتجدنا نقول: عند هؤلاء يعتبر سفراً وعند غيرهم لا يعتبر سفراً. ولأن نوايا الناس تختلف، فقد أراه على سفر ولا يراه غيري على سفر مع أن المسافة قد تكون واحدة. وعلى هذا فإن نص النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (مسيرة يوم وليلة) يتضمن مسألتين: المسألة الأولى: أن يعتد بالزمان. المسألة الثانية: أن يعتد بالمكان. فعند اختلال إحداهما يرجع إلى الآخر، فإذا كانت المسافة الزمنية التي تقطع فيها المسيرة قاصرة عن اليوم والليلة رجعنا إلى مسافة المكان، وإن كانت مسافة المكان شاقة فيمشي الإنسان ويواصل بحيث يمضي يوماً وليلة وهو يمشي فإنه يرجع إلى التأقيت بالزمان. توضيح ذلك أن الإنسان لو قطع مسافة السفر في سيارة في نصف ساعة أو ساعة فإنه مسافر؛ لأنها مسيرة يوم وليلة، وبنص الحديث مسيرة اليوم والليلة سفر، فقوله عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم والآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة) يدل على أن المسافة معتد بها، وعلى هذا فلو سافر بالطائرة أو بالسيارة في برهة يسيرة أو زمان يسير فإننا نقول: هو مسافر التفاتاً إلى المكان الذي قطعه، أما لو كان المكان شاقاً كالأماكن الوعرة والجبال التي يصعب تسلقها والوصول إليها وشق عليه أن يقطع هذه المسافة فإننا نرجع إلى التأقيت بالزمان، ولذلك قالوا: إن الحديث تضمن التحديدين: تحديد الزمان إن تعذر المكان، وتحديد المكان إن تعذر الزمان، والاعتداد بهما إن تسايرا وتوافقا. فالحاصل أن البريد أرعبة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، كما قيل: إن البريد من الفراسخ أربع وفرسخ ثلاثة أميال ضعوا فمسافة القصر أربعة برد، أو ستة عشر فرسخاً، أو ثمانية وأربعون ميلاً، وما دونها فليس بسفر، فإذا قلنا: إن المسافة -مثلاً- ثمانية وأربعون ميلاً فلو أن إنساناً سافر سبعة وأربعين ميلاً فليس بمسافر، إلا أننا نقول: هذا لا حرج فيه، فإن الرجل إذا خرج إلى العمرة وحاذى الميقات ثم خطا خطوة واحدة ولبى ولم يحرم فإنه يجب عليه الدم، وإذا رجع إليه وأحرم منه سقط عنه الدم، فالشرع إذا حدد المكان فإنه لا يختلف فيه القليل ولا الكثير، ما دام أن هذا تحديد الشرع وهذا نصه، وهذه مكة فإنك قد تقف على آخر حدها فلو أن إنساناً دخل هذا الحد ونوى فيه -نسأل الله العافية- الظلم والإثم فإنه متوعد بالوعيد، ولو خرج شبراً واحد لم يحصل له ذلك الوعيد؛ لأن هذا تأقيت من الشرع، فلو سافر دون ثمانية وأربعين ميلاً ولو باليسير فإننا لا نقول -على ظاهر هذا النص-: إنه لا يحكم بكونه مسافراً. هذا حاصل ما ذكره العلماء رحمه الله عليهم في مسافة السفر.
حكم القصر في السفر ومن أين يبتدئ به
حكم القصر في السفر ومن أين يبتدئ به [سن له قصر الرباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه]. [سن له] أي: لا يجب عليه القصر. وهذا مذهب الجماهير؛ لأن عثمان رضي الله عنه وأرضاه أتم الصلاة بالناس في حجه، ومع ذلك صلى وراءه الصحابة، فدل على أن الإتمام لا يعتبر موجباً لبطلان الصلاة، ولا يحكم فيه بإثم صاحبه، وعلى ذلك فإنه من السنة، ولكن ينبغي على الإنسان أن لا يجاوز هذا الهدي، فإنه إذا قال: أريد أن أتم الصلاة وأنا مسافر طلباً للفضل فإنه تخشى عليه الفتنة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتم الصلاة لطلب الفضل، وإذا صلى زيادة على الركعتين فجعل الرباعية المقصورة أربعاً معتقداً أنه يكون له فضل الركعتين وأنه أفضل فإنه مبتدع في قول جماهير العلماء رحمة الله عليهم. إنما الكلام فيما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من إتمام عثمان، وقد أجيب عنه بأجوبة: فقيل: إن عثمان رضي الله عنه تزوج من أهل مكة، كما ورد في مسند أحمد أنه قال: (إني تأهلت بمكة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من تأهل ببلد فليتم فيه)، فيعتبر كأنه مكي من هذا الوجه. وقيل: إنه سمع أعرابياً يقول: ما زلت أصليها ركعتين منذ أن فارقتك عام أول. قالوا: إن هذا يدل على أن عثمان رضي الله عنه خاف أن الجهال يعتقدون أن الرباعية ركعتان، ولذلك قالوا: إنه أتم لخوف هذه المفسدة، فزاد في الصلاة من هذا الوجه. فهذه من أقوى الأوجه التي اعتذر بها لأمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنه وعنهم أجمعين. وقوله رحمه الله: [سن له قصر الرباعية] يدل على أن القصر يختص بالرباعية، وهي الظهر والعصر والعشاء، أما صلاة الفجر والمغرب فإنها لا تقصر بإجماع العلماء رحمة الله عليهم. قوله: [إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه]. الإنسان له حالتان: فإما أن يكون في مدينة وقرية ونحو ذلك، وإما أن يكون في خيام وبر. فإن كان في مدينة قلنا: إنه إذا خرج من آخر بنائها فإنه يعتبر مسافراً، فلو أن البنيان اتصل بالبساتين والحوائط فلا يخلو من حالتين: الأولى: أن تكون الحوائط عامرة، فحينئذٍ بعد أن يخرج منها يقصر. الثانية: أن تكون الحوائط مهجورة والبيوت مهجورة فإن العبرة بالعمران، فبمجرد خروجه من المواضع التي فيها العمران يقصر الصلاة ويستبيح رخص السفر من الفطر ونحوه. وإذا كان في الخيام فإما أن تكون له خيمة منفردة، فحينئذٍ يبتدئ الرخص بمجرد ركوبه على دابته ومفارقته لخيمته، كأن يولي قفاه لها. وإما أن يكون مع خيام جماعته وقرابته أو قوم معه، فحينئذٍ إذا جاوز آخر خيمة من هذه الخيام فإنه يترخص برخص السفر، ويأخذ حكم المسافر بمجاوزتها.
حالات القصر والإتمام للمسافر
حالات القصر والإتمام للمسافر
الإحرام بالصلاة حضرا ثم الشروع في السفر
الإحرام بالصلاة حضراً ثم الشروع في السفر [وإن أحرم حضراً ثم سافر، أو سفراً ثم أقام، أو ذكر صلاة حضر في سفر أو عكسها، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها، أو لم ينو القصر عند إحرامها، أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملاحاً، معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم]. قوله: [وإن أحرم حضراً ثم سافر] مثاله -كما ذكر العلماء- أن يكون في سفينة، وتكون هذه السفينة على شاطئ البحر، فحينئذٍ ما دامت السفينة واقفة فإنه لا يحكم بكونه مسافراً؛ لأنها لا تزال متصلة بالعمران، وأما إذا تحركت السفينة فإنه يستبيح الرخص بمجرد حركتها، فلو أنه أحرم وكبر تكبيرة الإحرام ولم تتحرك السفينة، ثم لما كبر وانتهى من التكبير وأراد أن يشرع في القراءة تحركت السفينة في السفر، فإنّا إن نظرنا إلى ابتدائه الصلاة وجدناه مقيماً، وإن نظرنا إلى حاله في الصلاة وجدناه مسافراً، فهل العبرة بالابتداء والشروع، أم العبرة بما ينتهي إليه أمره؟ قال بعض العلماء: العبرة بإحرامه، فإن أحرم حال السفر ثم دخل إلى الحضر فإنه يتمها سفراً، وإن أحرم وهو حاضر ثم مضت السفينة فإنه يتمها حضراً كأنه حاضر. فهذا وجه لبعض العلماء رحمة الله عليهم، وهم الظاهرية ومن يوافقهم من أهل الحديث. الوجه الثاني -وهو للشافعية والحنابلة ومن وافقهم-: إذا أحرم وهو حاضر وتحركت السفينة فإنه يتمها أربع ركعات حضراً، لقاعدة: (الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل)، وهذه قاعدة شرعية حاصلها أنك إذا كنت تريد أن تفعل شيئاً فيه رخصة من الشرع فإن كنت تشك في كونك من أهل الرخصة رجعت إلى الأصل، فلو شككت في كونك من أهل الرخصة فتخفف الصلاة وتقصرها، أو لست من أهل الرخصة فتكون في حكم المقيم وتتمها، فالقاعدة أن تبني على أنك مقيم حتى تتحقق من كونك من أهل الرخص؛ لأن الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل. وربما يعترض معترض ويقول أيضاً: قد أحرم بصلاته وهو حاضر، فمعنى ذلك أنه قد وجب عليه أن يصلي صلاة الحاضر. وهذا هو أقوى الوجهين، فيتمها أربع ركعات، والسبب في هذا واضح، بل إن بعض العلماء يقول: إذا أذن المؤذن وأنت في داخل المدينة فإنك تعتد بالأذان، وهذا القول النفس إليه أميل؛ لأنه عندما أذن أذان الظهر قبل أن تخرج من المدينة فإنه قد توجه عليك الخطاب الشرعي أن تصلي أربع ركعات، ولم تسقط عنك الركعتان اللتان هما تمام الأربع، فلا تسقطان باحتمال وشك، وعلى هذا قالوا: إنه عندما أذن المؤذن وجبت عليه أربعاً، فيتم الصلاة ولو سافر بعد ذلك، فبعض العلماء يقول: العبرة عندي بأذان الصلاة، فإن أذن المؤذن وهو داخل المدينة صلى مقيماً، وإن أذن المؤذن بعد خروجه من المدينة صلى مسافراً. والوجه الثاني يقول: العبرة عندي بالصلاة. ويعتدُّ بالصلاة على حسب أحوالها، ومنهم من يعتد بتكبيرة الإحرام كما أشار إليه المصنف. لكن أعدل هذه الأقوال أن الشك في الرخص يوجب الرجوع إلى الأصل، وهذه القاعدة هي التي ذكر فيها المصنف هذه المسائل التي منها: أن تكبر تكبيرة الإحرام وأنت في المدينة، ثم تتحرك بك الدابة أو السيارة، فتبقى بقية الصلاة وأنت متلبس بصفة السفر فإنك تتمها صلاة مقيم.
الإحرام بالصلاة سفرا ثم دخول الحضر قبل تمامها
الإحرام بالصلاة سفراً ثم دخول الحضر قبل تمامها قال: [أو سفراً ثم أقام]. مثاله: لو كان في السفينة فكبر تكبيرة الإحرام قبل أن يصل إلى الشاطئ والميناء، فلما كبر تكبيرة الإحرام، أو شرع في الفاتحة إذا بالسفينة قد رست، فإننا إن نظرنا إلى دخوله في الصلاة فإنه مسافر ويتم ركعة واحدة، وإن نظرنا إلى ما آل إليه أمره فإننا نقول: يتمها بثلاث ركعات، فقالوا: في هذه الحالة يجب عليه إتمامها صلاة حضر؛ لأننا شككنا في كونه يستبيح الرخصة، والأصل أنه واجب عليه أن يتم أربع ركعات، فيجب عليه أن يصلي أربع ركعات تامة، وهذا -كما ذكرت- وجهه أن من شك في الرخصة وجب عليه الرجوع إلى الأصل؛ لأن الأدلة الشرعية دلت على صحة هذه القاعدة، ومن هذه الأدلة: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، وهو إذا صلى في هذه الحالة ركعتين استراب؛ لأنه يشك هل الرخصة مطردة، أو ليست بمطردة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (البر طمأنينة والإثم ريبة)، فوصف الشيء الذي فيه براءة الذمة وكمال الطاعة في البر بأنه لا ريبة فيه، وبناء على ذلك قالوا: يخرج من الريب، خاصة في الصلاة التي هي عماد الدين، ولها حظها في الإسلام، فينبغي له أن يخرج منها بما يوجب براءة ذمته على الوجه المعتبر.
ذكر صلاة الحضر في السفر والعكس
ذكر صلاة الحضر في السفر والعكس قال: [أو ذكر صلاة حضر في سفر]. ذِكر صلاة الحضر في السفر، مثاله: أن يخرج من مكة بعد انتهاء وقت صلاة الظهر، ثم في الطريق تذكر أنه لم يصل الظهر، فيكون ذكر الحضرية؛ لأن وقت الظهر كان فيه مقيماً، فهو ذكر الحضرية -وهي الظهر- في السفر، فبعض العلماء يقول: إذا ذكر الحضرية في السفر فإنه يصليها كاملة؛ لأن الخطاب توجه عليه بإتمامها أربعاً، ولذلك يجب عليه أن يصليها صلاة حاضر، ولا عبرة بحاله أثناء الأداء، والعكس أيضاً لو ذكر سفرية في حضر، فلو أنه قدم المدينة وكان مسافراً ومضى عليه وقت العشاء ودخل الفجر فنسي أن يصلي العشاء، وصلى الفجر ثم وصل الصباح، ثم تذكر بعد أن وصل إلى بيته أنه لم يصل العشاء البارحة، فإنهم قالوا: إنه يصليها أربعاً؛ لأنه يشك في استباحة الرخصة، فيرجع إلى الأصل، على القاعدة التي قررناها وأشرنا إليها.
الائتمام بالمقيم
الائتمام بالمقيم قال: [أو ائتم بمقيم]. وفيه حديث ابن عباس: (من السنة إذا صلى المسافر وراء المقيم أن يتم)، والمسافر إذا صلى وراء المقيم له صور: الصورة الأولى: أن يدخل معه في الصلاة من أولها، فهذا يتم صلاته، وعليه يتنزل ما ورد عن ابن عباس، وهو قوله: (من السنة أن يتم المسافر وراء المقيم). الصورة الثانية: أن يدخل معه في الصلاة في أغلبها بحيث يتعذر عليه القصر، وصورة ذلك أن يدخل في الركعة الثانية من الظهر، فإنه في هذه الحالة يصعب عليه القصر، وكذلك أيضاً بالنسبة للركعة الثانية من العصر، أو الثانية من العشاء، فكل هذه يصعب عليه فيها أن يقصر، وإن كان هناك وجه ضعيف يقول: إذا دخل في الظهر يصلي وراءه، ثم يجلس بعد الركعة الثالثة للتشهد، وينتظر الإمام حتى يأتي بالرابعة ثم يتشهد مع الإمام ويسلم قياساً على صلاة الخوف، وهذا من أضعف الأقوال، وهو وجه شاذ عند أهل العلم رحمة الله عليهم. الصورة الثالثة: أن يدخل وراء المقيم موافقاً له في صفة صلاته، كأن يدخل وراء المقيم في الركعتين الأخريين من الظهر، أو الركعتين الأخريين من العصر، أو الركعتين الأخريين من العشاء، فللعلماء فيه وجهان: فمنهم من قال: يتم. وهذا مذهب الجمهور. ومنهم من قال: إنه يقصر ويسلم؛ لأن الله أوجب عليه ركعتين، وهو مذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، وأحد الوجهين عند الشافعية، وهذا الوجه من القوة بمكان، فله أن يسلم مع الإمام؛ لأن الله أوجب عليه ركعتين، فإذا دخل ونوى القصر وسلم مع الإمام فلا حرج عليه. الصورة الرابعة: أن يدخل وراء الإمام مدركاً ركعة واحدة، فهنا يضيف إليها ركعة، وقد قال به جمع من السلف رحمة الله عليهم، وبه يقول الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس إمام دار الهجرة، فقالوا: إذا أدرك ركعة فإنه يضيف إليها ركعة ثانية ويسلم. الصورة الأخيرة: أن لا يدرك شيئاً من الركعات، فيتمها صلاة سفرية، أي: يتمها ركعتين، وهذا إذا نوى وراء المقيم القصر، أما إذا لم ينو القصر فإنه بتمها صلاة حضرية وجهاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم.
الائتمام بمن يشك في إقامته أو سفره
الائتمام بمن يشك في إقامته أو سفره قال: [أو بمن يشك فيه]. هذا عند من يقول: إن المسافر وراء المقيم يتم، فإن المساجد في السفر لا تخلو من حالتين: الأولى: أن يكون لها غالب وظاهر حال. الثانية: غالب ولا ظاهر حال. فالجماعة أو المساجد التي لها غالب حال مثالها مساجد مكة، فإنه إذا دخل المسافر مكة فإن مساجد مكة ظاهر حال أهلها أنهم متمون، فحينئذٍ لا إشكال إذا دخل وراء إمامهم أنه ينوي الإتمام بدون أي شك، وليس هناك مجال للشك؛ لأن المسجد ظاهر حاله أنه مسجد إتمام، وكذلك الجماعة ظاهر حالها أنها متمة. وأما ما لا يعرف لها ظاهر حال، حيث تكون في موضع وتشك في كون المصلين من أهل الموضع فمثاله ما يحدث في القرى، فإنك تدخل فترى جماعة فتشك في هذه الجماعة في كونها جماعة سفر فتنوي القصر وراءهم وتسلم معهم، أو أنها جماعة مقيمة فتدخل وراءهم ناوياً الإتمام، فقالوا: في هذه الحالة ينوي الإتمام ويتم الصلاة. لكن هناك وجه عند بعض العلماء يخرج من الإشكال، وهو أنك إذا شككت تنوي وراءهم القصر، فإن كانوا مسافرين فلا إشكال، وإن كانوا غير مسافرين فإنه لا حرج في الإتمام بعد نية القصر، ولذلك يقولون: لا حرج فيه ويغتفر، وإنما يصعب أن ينتقل من الإتمام إلى القصر، أما أن ينتقل من القصر إلى الإتمام فإنه لا حرج فيه، والأمر واسع. فإذا قلنا: يجوز أن تدخل وراء الإمام في الركعتين الأخيرتين وتسلم معه، ففي هذه الحالة إذا دخلت في صلاة الظهر ولا تدري هل الإمام المقيم في الركعتين الأخريين، أم في الركعتين الأوليين، فإنك تنوي القصر، فإن ظهر أنه في الأخيرتين سلمت معه وصحت نيتك، وإن ظهر أنه في الأوليين فإنك حينئذٍ تتم معه، وتنتقل من الأدنى إلى الأعلى ولا حرج، وإنما يحظر عليك أن تنتقل من الأعلى إلى الأدنى، كأن تنتقل من نية الإتمام إلى نية القصر، قالوا: لأنك إذا نويت الإتمام وجبت عليك أربعاً، وإن نويت القصر وجبت عليك اثنتان، فلا مانع أن تزيد على ما شرعت فيه الزيادة.
الإحرام بصلاة يلزمه إتمامها ثم بطلانها
الإحرام بصلاة يلزمه إتمامها ثم بطلانها قال: [أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها ففسدت وأعادها]. إذا كنت على سفر فدخلت وراء إمام يتم فإنه يلزمك إتمام الصلاة على القول الذي اختاره المصنف رحمه الله، فإن دخلت وراءه وأصابك عذر يوجب انفصالك عنه أو خروجك من الصلاة وراءه فإنك تخرج، وحينئذٍ يرد Q هل يجب عليك أن تقضيها أربعاً، بناء على أنك حينما دخلت وشرعت تعين عليك بالخطاب الشرعي أربع ركعات؛ لأنك نويت الإتمام، فأصبحت ذمتك مشغولة في الصلاة بأربع ركعات، أم أن العبرة بحالك عند الأداء، فإنه وجب عليك أن تتم لما كنت مع هذا الإمام، ولما فارقته أصبح حكمك سارياً على الأصل؟ فمن العلماء من اختار الوجه الأول، وقال: إنه لما دخل وراء الإمام المقيم فقد ألزم ذمته بأربع ركعات، فإذا ألزم ذمته بأربع ركعات فإنه ليس عندنا دليل على إسقاطها، وهو وإن كان إنما يلزمه إتمامها مدة اتصاله بالإمام لكن الذمة انشغلت بالأربع الركعات. ولذلك قالوا: يلزمه أن يتم. ومن العلماء من اختار الوجه الثاني فقالوا: لزمه الإتمام حال متابعته لهذا الإمام، وقد بطلت فرجع إلى الأصل، وبناء على ذلك يكون الواجب عليه أن يصلي قصراً لا أن يتم. ولا شك أنه لو احتاط فهو أفضل.
ترك نية القصر حال الصلاة والشك فيها
ترك نية القصر حال الصلاة والشك فيها قال: [أو لم ينو القصر عند إحرامها]. إذا صلى مسافر وراء مسافر، ونوى القصر فلا إشكال، في أنه يقصر ويسلم معه وجهاً واحداً عند العلماء. وإن صلى وراءه ولم ينو القصر ونوى الإتمام كأن يكون نسي أنه في سفر فنوى أن يتم أو ظن أن إمامه يتم فنوى الإتمام وراءه لزمه أن يتمها أربعاً. قال: [أو شك في نيته]. إذا شك هل نوى القصر فيبقى على الركعتين، أم نوى الإتمام، فقد قالوا: يتم. وإن كان الأقوى في هذه الحالة أن يبقى على الركعتين لأنهما هما الواجبتان في ذمته، وظاهر حاله أنه ينوي القصر فيرجع إلى تغليب الحال مع اعتضاده بالأصل، فتسقط عنه الركعتان، فإن احتاط بالإتمام فهو أفضل.
نية الإقامة فوق أربعة أيام
نية الإقامة فوق أربعة أيام قال: [أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام]. هذه مسألة مبنية على وصف السفر إن قلنا: إن للسفر حداً معيناً، وإنَّ المسافر ينتهي إلى أمد يحكم فيه بكونه مقيماً، فالناس ثلاثة أقسام: القسم الأول: مسافر، وقد بينا حكمه. والثاني: المقيم، ولا إشكال في حكمه. والثالث: من هو في حكم المقيم، فهو مسافر في الأصل لكنه يأخذ حكم المقيم. وهذا التقسيم مذهب جماهير العلماء من السلف والخلف رحمة الله عليهم، فالسفر قد ينتقل الإنسان به إلى حكم المقيم، فيكون الإنسان مقيماً ومسافراً ومسافراً في حكم المقيم، والذي في حكم المقيم للعلماء فيه خلاف مشهور، وفيه أكثر من خمسة عشر قولاً بين العلماء رحمة الله عليهم في ضابطه، والسبب في ذلك اختلاف الأدلة، فالجمهور يقولون -من حيث الجملة- العبرة بأربعة أيام، ولا يحسب فيها يوم الدخول ولا يوم الخروج. وتوضيح ذلك أنهم قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم سافر وقصر الصلاة، والنصوص تدل على أن المقيم يجب عليه إتمام الصلاة، فأصبحت عندنا حالتان: حالة سفر، وحالة حضر. فمن كان حاضراً فإنه يتم، ومن كان مسافراً فإنه يقصر، فجئنا ننظر إلى تأقيت السفر فوجدنا النبي صلى الله عليه وسلم ينقل المسافر عن كونه مسافراً إلى كونه مقيماً بالزمان، وذلك في حديث المهاجرين حينما رخص لهم أن يبقوا بمكة ثلاثة أيام، فإنه لما رخص لهم أن يبقوا بمكة ثلاثة أيام دل على أنهم في اليوم الرابع ينتقلون إلى حكم المقيم، وتوضيح ذلك أنهم تركوا مكة لله، والعلماء يقولون: من هاجر من بلد لله -كأهل مكة حينما هاجروا من مكة إلى المدينة- لا يجوز له أن يرجع إليها ويقيم فيها؛ لأنه لما هاجر عنها تركها لله عز وجل، ولذلك نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقوا بمكة، وقال: (لكن البائس سعد بن خولة) يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة، ثم قال: (اللهم أمضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم خائبين). ووجه الدلالة أن المهاجرين لا يبقون في مكة، وإذا كانوا لا يبقون بمكة فترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الثلاثة الأيام دل على أنهم لو بقوا اليوم الرابع انتقلوا إلى حكم المقيم بمكة، وأكدوا هذا بأنه عليه الصلاة والسلام حينما قدم في حجته قدم لصبح رابعة، ثم انطلق في اليوم الثامن يوم التروية إلى منى، فدل هذا على أن أقصى ما جاء عنه عليه الصلاة والسلام هذه المدة. أما ما ورد عنه في تبوك فإنه كان عليه الصلاة والسلام لا يعلم مدة إقامته، ونحن نتكلم على علم مدة الإقامة، أي: إذا علم المسافر مدة إقامته، فلما رخص للمهاجرين هذا القدر تحددت المدة. أما إذا لم تعلم المدة كإنسان قدم مدينة لا يدري كم يمكث فيها لحاجة أو لغرض، فحينئذٍ يقصر الصلاة مدة جلوسه ولو جلس سنة كاملة، فإن أنساً رضي الله عنه مكث ستة أشهر -حينما حاصرهم الثلج في الفتوحات- يقصر الصلاة رضي الله عنه وأرضاه، وحملوا عليه حديث تبوك، فإن غزوة تبوك خرج النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلى بني الأصفر يريد قتالهم فأرسل العيون، ومعلوم أنه إذا أرسلت عيون الجيش فربما بعد لحظة يأتي العين ويقول: إنهم على ماء كذا، كما هو معلوم، وربما يأتي بعد يوم، وربما يأتي بعد يومين أو بعد ثلاثة، فالأمر محتمل، ولا يدرى كم القدر، فجماهير العلماء رحمة الله عليهم يقولون: إنه محمول على من جهل المدة وهذا واضح من ظاهر السنة؛ لأنه لما قدم إلى تبوك جهل مدة إقامته عليه الصلاة والسلام، وليس هناك نص واضح أنه نوى إقامة مدة معينة، ولذلك قالوا: أرسل العيون على حسب الحال، فإن وجد حالاً يقتضي القتال بإخبار العيون تقدم، وإن لم يجد رجع عليه الصلاة والسلام، فمكث هذه المدة جاهلاً بالأمد، فقسموا حالة المسافر إلى حالتين: الحالة الأولى: أن يعلم مدة إقامته. الحالة الثانية: أن لا يعلم مدة إقامته. فإن لم يعلم مدة إقامته فإنه يقصر أبداً، ولو جلس سنة كاملة. وإن علم مدة إقامته فحينئذٍ إما أن تكون دون أربعة أيام، وإما أن تكون أربعة أيام فأكثر، فإن كانت دون أربعة أيام قصر، وإن كانت فوق الأربعة الأيام فإنه يتم صلاته ويأخذ حكم المقيم.
المسافر الذي لا ينوي الإقامة ببلد
المسافر الذي لا ينوي الإقامة ببلد قال: [أو ملاحاً معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم]. الملاح: هو صاحب السفينة، أو قبطان السفينة، فالشخص الذي يعمل في نقل الناس بين المدن، ويدمن السفر والرحلة، والذي تمضي عليه أيام متنقلاً بين المدن سواءٌ في بر أم بحر أم جو إذا لم يكن له مكان يستقر فيه ومعه أهله فإنهم قالوا: إنه يتم في كل موضع. فهذا الملاح في كل مكان مقيم، وهذا مذهب طائفة من العلماء. ومذهب طائفة من أهل العلم رحمة الله عليهم أن الملاح ومن في حكمه يأخذ حكم السفر على ظاهر حاله، وهو أقوى من جهة النصوص.
حكم سالك أبعد الطريقين ليقصر الصلاة، ومن تذكر صلاة سفرية في سفر
حكم سالك أبعد الطريقين ليقصر الصلاة، ومن تذكر صلاة سفرية في سفر قال رحمه الله: [وإن كان له طريقان فسلك أبعدهما أو ذكر صلاة سفر في آخر قصر]. قوله: [وإن كان له طريقان] مثاله: إنسان في قرية تبعد عن مكة ولها طريقان: طريق تبعد به مسافة القصر ثمانين كيلو متراً، وطريق تبعد به ستين كيلو متراً، فإننا إذا جئنا ننظر إلى الطريق الذي فيه ثمانون كيلو متراً نقول: من سلك هذا الطريق فهو مسافر، ومن سلك الطريق الذي هو ستون كيلو متراً فليس بمسافر. وبناء على ذلك يقولون: إنه يأخذ حكم المسافر بالمسيرة، فإن سلك الطريق الذي هو طريق سفر فمسافر؛ لأن ظاهر السنة يدل عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن نهي المرأة أن تسافر بغير محرم: (أن تسافر مسيرة يوم وليلة)، وهذا سافر مسيرة اليوم والليلة، ولذلك تنطبق عليه السنة، ويترخص برخص المسافر. قوله: [أو ذكر صلاة سفر في آخر] أي: في سفر آخر، كأن تكون سافرت من المدينة إلى جدة أو إلى مكة، فلما رجعت تذكرت وأنت مسافر أنك البارحة لم تصل صلاة العشاء وهي سفرية، فإنه حينئذٍ تصليها صلاة سفر، سواءٌ أكان السفر اعتبارياً مع اتحاد الجهة، كأن تكون ذهبت إلى جدة ورجعت إلى المدينة، فالسفر واحد، فحينئذٍ لو نسيتها في ذهابك وتذكرتها في إيابك فهي في حكم السفر الواحد. أم كان السفران مختلفين، كأن تكون سافرت من جدة إلى المدينة وأنت من أهل المدينة، فلما سافرت من جدة إلى المدينة نسيت صلاة العشاء وقد وجبت عليك في السفر، فجلست في المدينة إلى الضحى، ثم تحركت من المدينة في الضحى إلى القصيم، وفي طريقك للقصيم -بعد أن خرجت من المدينة- تذكرت أنك لم تصل صلاة العشاء البارحة، فإنك تصليها صلاة سفر، أي: تصلي ركعتين؛ لأنه في هذه الحالة لا يختلف الحكم. قال رحمه الله تعالى: [وإن حبس ولم ينو الإقامة، أو أقام لقضاء حاجة بلا نية إقامة قصر أبداً]. هذا ما ذكرناه، فالشخص الذي لا يدري كم يمكث في مكان إقامته فإنه يصلي قصراً ولو طالت مدة إقامته؛ لظاهر حديث تبوك، فقد جلس النبي صلى الله عليه وسلم سبع عشرة ليلة يقصر الصلاة بتبوك، ولا حرج عليه في هذه الحالة أن يقصر ولو طالت مدة جلوسه.
الأسئلة
الأسئلة
حكم القصر لمن يسافر ويعود في نفس اليوم
حكم القصر لمن يسافر ويعود في نفس اليوم Q إذا كانت المدة دون أربعة أيام، فهل يدخل تحتها لو سافر ورجع في غضون ساعات وكان سفره أكثر من مسافة قصر، كما هو الحال في من يعمل خارج منطقته ويرجع إليها في نفس اليوم؟ A من كان عنده عمل، أو كانت عنده مزرعة تبعد عن موضعه مسافة القصر، فخرج إليها في سويعات، أو خرج إليها أثناء النهار وعاد في نفس اليوم فإنه يترخص في طريقه، وذلك على ظاهر السنة لما ذكرناه من النصوص، فلو حضرته صلاة الظهر وهو في طريقه بين المنطقتين فإنه يقصر، لكن لو أنه -مثلاً- كان في مكة ومزرعته بعسفان، فخرج من مكة إلى عسفان ففي الطريق يقصر، وإن حضرته الصلاة وهو في مزرعته فإنه يتم، فيعتبر مكياً إن كان في مكة، ويعتبر أيضاً من أهل عسفان إذا نزل في مزرعته ووصل إليها، فيترخص في الطريق، ولكن لا يترخص في موضعه الذي تأهل فيه، أو كانت له فيه تجارة، أو كان له ملك، كما أثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه حينما كان له مال بوادي الفرع، وكذلك زرعه بخيبر وزرعه بوادي ريم كما ذكرنا. والله تعالى أعلم.
حكم الانتقال من نية الفرض إلى النافلة والعكس
حكم الانتقال من نية الفرض إلى النافلة والعكس Q إذا كان يجوز أن ينتقل المسافر من نية القصر إلى نية الإتمام، فهل يجوز للمصلي أن ينتقل من صلاة الفرض إلى النفل والعكس؟ A أما انتقاله من صلاة الفرض إلى النفل فلا حرج فيه، كأن يكون دخل وراء شخص يريد أن يصلي الظهر، ثم تذكر أنه صلى الظهر، فإنه يقلبها إلى نافلة ويجزيه ويصح منه ذلك. أما انتقاله من الأدنى إلى الأعلى فلا، كأن يحرم متنفلاً وراء إمام وهو يظن أنه قد صلى الظهر، ثم تذكر أنه لم يصل الظهر، فإنه لا ينتقل من الأدنى -وهو النافلة- إلى الأعلى -وهو الفريضة- وحينئذٍ يبقى مع هذا الإمام بنية النافلة ويسلم، ثم بعد انتهائه يقيم ويصلي صلاة الظهر، فإن كان الوقت ضيقاً بحيث لو سلم مع الإمام خرج الوقت فإنه يلزمه أن يقطع صلاته وراء الإمام ولا يشتغل بالنفل، وعليه أداء الفرض إذا ضاق الوقت، وحينئذٍ يقطع صلاته، ثم يكبر وينوي وراءه نية الفرض. والله تعالى أعلم.
حكم تسليم المسبوق المسافر مع الإمام
حكم تسليم المسبوق المسافر مع الإمام Q يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فكيف نوفق بين هذا، وقول من قالوا: إن المسافر إن أدرك الركعتين الأخريين مع الإمام اكتفى بهما إن نوى القصر؟ A لا حرج في كونه يصلي ركعتين مع الإمام، فإنه إذا سلم مع الإمام فقد ائتم بالإمام، الإمام سلم وهو سلم، فيكون قد صلى وراء الإمام، فكبر وراءه، وقرأ الإمام فأنصت، وركع فركع، وسجد فسجد، ثم قرأ التحيات، وسلم الإمام فسلم معه، فوجبت عليه ركعتان فصلاهما وراء الإمام سواء بسواء، فأين المخالفة؟ ولذلك ليس في هذا النص معارضة بينة، بل هذا حجة على مشروعية أن يصلي وراء الإمام ركعتين.
حكم القصر بين البلدين المتباعدين عند اتصال البنيان
حكم القصر بين البلدين المتباعدين عند اتصال البنيان Q إذا كان السفر مسافة قصر، وكان البنيان متصلاً طوال الطريق حتى يصل المسافر إلى المدينة الأخرى التي يريدها، فهل يقصر الصلاة. أم لا؟ A إذا اتصل البنيان بين موضعين، أو كان البنيان كثيراً بحيث كانت المسافة دون مسافة القصر فحينئذٍ لا يكون ذلك سفراً، فلو أن الذي بين مكة وعسفان انتشر فيه البنيان من جهة عسفان، أو انتشر فيه البنيان من جهة مكة حتى تقاصرت المسافة، وأصبح ما بينهما قدر خمسين كيلو متراً فإنه لا يعتبر سفراً؛ لأنه لا يعتبر مسافراً ظاهراً إلا بعد مجاوزته لآخر العمران من عسفان، كما أنه ليس بمسافر إلا بعد مجاوزته لآخر العمران من مكة، والذي يقطعه بينهما ليس مسيرة اليوم والليلة، فليس بمسافر من هذا الوجه، ولذلك تعتبر جدة في هذه الحالة دون مسافة القصر، وإن كانت في القديم مسافة قصر، وذلك لسعة العمران وامتداده، حتى تقاصرت المسافة عن مسافة القصر، أما لو خرج أهل جدة للحج فإنهم قاصدون لعرفة، فإنهم مسافرون ويشرع لهم أن يقصروا الصلاة؛ لأن التقاصر الذي حصل في المسافة قد ازداد ببلوغ عرفات، فإنه تزيد المسافة حتى تصل إلى قدر السفر، وحينئذٍ يترخصون. والله تعالى أعلم.
حكم إجابة النداء للمسافر النازل
حكم إجابة النداء للمسافر النازل Q إذا كان سفري دون أربعة أيام، ولكنني أسمع النداء، فهل تلزمني صلاة الجماعة؟ المسافر إذا سمع النداء وهو نازل في المدينة التي هي غير مدينته اختلف العلماء رحمهم الله فيه: فقال جمع من أهل العلم: يجوز له أن يترك الجماعة، وأن يصلي إذا وجدت جماعة ثانية كرفقته في السفر، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الرجلين حينما تركا صلاة الفجر في خيف منى، فدل على أنه يجوز للإنسان أن يترك الجماعة إذا كان مسافراً. وهذا هو أصح القولين وأولاهما بالصواب، فلا حرج على المسافر أن يترك الجماعة ولو سمع النداء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين: (إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة)، ولم ينكر عليهما، بل أذن لهما أن يصليا في رحالهما. والله تعالى أعلم.
كيفية صلاة المسافر إذا وصل قبل خروج الوقت
كيفية صلاة المسافر إذا وصل قبل خروج الوقت Q رجل كان على سفر، فلم يصل صلاة العشاء وهو مسافر، ودخل بلدته قبل خروج الوقت، فهل يصلي صلاة مسافر، أم يتم؟ A إذا كان الإنسان مسافراً وترك الصلاة الرباعية ودخل بلده، أو وصل إلى بلده قبل انتهاء وقتها فإنه يلزمه الإتمام، وذلك أنه لما أخر الصلاة خوطب بالصلاة في آخر وقتها، ولزمه الإتمام في قول جماهير العلماء رحمهم الله. والله تعالى أعلم.
حكم صلاة المسافر خلف من يخالفه في النية
حكم صلاة المسافر خلف من يخالفه في النية Q إذا دخل المسافر على جماعة مقيمين فيما بين الأذان والإقامة لصلاة العصر وهو لم يصل الظهر، فهل يصلي الظهر، أم ينتظر الجماعة ويصلي معهم بنية الظهر؟ A يجوز للإنسان أن يصلي الظهر وراء من يصلي العصر، والعصر وراء من يصلي الظهر، فيصلي وراءهم في هذه الحالة لكي يدرك فضل الجماعة، ولو اختلفت نيته مع نيتهم؛ فإن حديث معاذ رضي الله عنه وأرضاه يدل على مشروعية صلاة الفرض وراء من يصلي الفرض مع اختلاف النية، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليه، بشرط اتحاد صورة الصلاتين، فالظهر وراء العصر والعصر وراء الظهر قد اتحدت فيهما صورة الصلاتين، فلا حرج عليه في هذه الحالة أن يوقع الصلاة وراء الصلاة، لكن في مسألة الجمع منع العلماء رحمهم الله أن يصلي وراء هؤلاء جماعة ثم أقيم للثانية دخل معهم بنية العصر بعد أن صلى الظهر مع الجماعة الأولى، ويرون أن الجمع صورته مخصوصة بما ورد، وهذه الصورة تخالف ما ورد، فلا يصح جمعه على هذا الوجه. والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة إلى غير القبلة
حكم الصلاة إلى غير القبلة Q إذا صلى الإنسان في مكان لا يعرف اتجاه القبلة فيه، وبدأ في الصلاة، ثم مر به شخص يعرف القبلة فأدارها إلى اتجاهها، فما حكم الركعات التي صلاها في غير اتجاه القبلة؟ A هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كان الإنسان في موضع يمكنه أن يرجع إلى أهله، أو يعتمد دلائل البلد الذي هو فيه على القبلة وقصر في ذلك فإنه يلزم بعاقبة تقصيره، فيلزمه أن يقطع صلاته وأن يستأنف الصلاة على الجهة الجديدة، بشرط أن تكون الجهة فرعيةً ينتقل بها من فرع إلى فرع، أما لو كان انحرافه قليلاً فإنه لا يؤثر إذا كانت الجهة هي الجهة. مثال ذلك: أن يصلي إلى الجنوب منحرفاً انحرافاً لا ينصرف به من الجنوب المحض إلى الجنوب الفرعي الذي هو الجنوب الغربي، فإذا لم ينصرف من الجنوب المحض إلى الجنوب الغربي فهذا الانحراف لا يؤثر. أما لو انحرف انحرافاً بيناً يخرجه من جهة إلى جهة فحينئذٍ إن قصر في السؤال والتحري فإن صلاته تعتبر باطلة، ويقطع الصلاة ويستأنف، وإن كان معذوراً حيث لم يجد من يدله، أو اجتهد بناء على عدم وجود من يدله فإنه حينئذٍ إذا حضر من هو أعلم، أو وجد من هو من أهل البلد أثناء الصلاة فإنه ينتقل إلى الأصل الذي هو العمل بقول هذا العالم، أو هذا الخبير، أو هذا الذي هو من أهل البلده ويتم بقية الصلاة ويعذر فيما مضى. والله تعالى أعلم.
حكم دخول الجد لأم على الزوجة
حكم دخول الجد لأم على الزوجة Q هل الجد لأم يكون محرماً لزوجة حفيده مثل الجد لأب؟ A الجد لأم يعتبر محرماً لزوجة حفيده، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قال: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، فإن ابن البنت ابن لأبيها، فابن البنت يعتبر ابناً للجد، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحسن: (إن ابني هذا سيد)، فجعله ابنه، وقد قال الله تعالى: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ} [النساء:23]، فلما سمى النبي صلى الله عليه وسلم ابن بنته الذي هو الحسن ابناً دل على أنه لا فرق بين الجد المتمحض بالذكور والجد المتمحض بالإناث والجد الذي جمع بين الذكور والإناث، فإنه في هذه الحالة تثبت له محرمية المصاهرة، فتصبح زوجة ابن بنته أو ابن ابنه محرماً له. والله تعالى أعلم.
حكم استخدام حبوب منع الحمل
حكم استخدام حبوب منع الحمل Q هل يجوز أن تأخذ زوجتي ما يمنع الحمل، وذلك لأجل الراحة من الحمل مدة معينة، وتُمنع بعد ذلك؟ A لقد ذهبت البركة في كل شيء، حتى النساء ذهبت منهن البركة، وقد كانت المرأة في القديم تضع أربعة عشر ولداً وخمسة عشر ولداً ويضع الله فيها البركة، ويكون من الخير ما الله به عليم، والمرأة الآن تجدها تحمل بمشقة وعناء، وتذهب تلتمس الرخص وتلتمس الأعذار، وتتكلف في ذلك حتى تحرم الأمة من الخير الذي يكون في النسل والذرية، فلولا الأبناء والأولاد لما خرجنا إلى هذه الدنيا، ولو كنا ولدنا في هذا العصر لكان كثير منا لم يوجد، بسبب تعاطي هذه الحبوب التي تمنع الحمل -نسأل الله السلامة والعافية-. فمن الأمور التي ينبغي تنبيه النساء عليها وتذكيرهن بالله عز وجل فيها أن الشرع يقصد تكثير النسل وتكثير سواد الأمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم يوم القيامة)، وكأنه يقول: شرع لكم النكاح من أجل الولد، وتجد المرأة تتبع الرخص من هنا وهناك وتحتج بأنها تتعب، والله عز وجل شرّف الأم وأمر ببرها، وجعل لبرها ثلاثة أضعاف ما للأب، وقد قال تعالى عنها: {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا} [الأحقاف:15]، فأخبر أن الحمل كره، وأخبر عن مريم ابنت عمران عليها السلام أنها لما جاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا} [مريم:23]، فهكذا الحمل، فكونها تتألم من الحمل أو تجد المشقة ليس بعذر لها أن تقطعه، ولا يرخص فيه، وإنما يكون العذر إذا خيف عليها الهلاك، وهي حالات مخصوصة ومعينة يقررها الأطباء، أما أن المرأة تأتي فتمنع الزوج من نسله وذريته حتى يضع الله البركة في هذا النسل وهذه الذرية، وتحرمه من هذا الخير فإنه أمر من الصعوبة بمكان. وأصبح الرجال يسترسلون مع النساء، وأصبح النساء يتتبعن الرخص، وما يدري المرأة أن هذه الآلام وهذه المتاعب درجات لها في الجنة لا تبلغها بكثرة صلاة ولا صيام. وليس من عيب على امرأة جاهلة أن تفعل هذا، ولكن العيب أن تجد المرأة طالبة علم، أو تجدها من الصالحات القانتات الفاضلات وتجدها تتعاطى حبوب منع الحمل، فأين الإيمان بالله عز وجل وحب النسل والذرية، والصبر على النسل والذرية؟! وقد كان النساء يرعين الغنم في البادية على فطرتهن، فلا طبيب ولا مغيث ولا مجير إلا الله سبحانه وتعالى، وتجدها وهي ترعى بهائمها تضع ولدها، وليس معها أحد، ولا يعلم بحالها إلا الله سبحانه وتعالى، فتضع الولد ثم تنتقل به إلى بيتها، وهذا حدث لأكثر من امرأة، وكان مشهوراً معروفاً، لكن لما ضعفت عقائد الناس، وأصبح الإنسان ضعيف الإيمان بالله عز وجل -نسأل الله السلامة- محقت البركة حتى من النساء، فأصبحت المرأة تشتكي من القليل والكثير، فإذا كانت تشتكي بسبب الدراسة والتدريس فليس هذا هو الأصل، فالأصل أنها أم، والأصل أنها مربية، والأصل أنها أم للأطفال والأولاد، وأنها هي التي تقوم على هذا الأمر الذي شرّفها الله وكرمها به. فلذلك لا ينبغي للنساء أن يبحثن عن هذه الرخص، ولا ينبغي للمرأة أن تقول: إنها تريد أن ترتاح من الحمل. وما يدريك لعل الله عز وجل أن يجعل هذا الولد الذي تفرين منه هذا العام من الذرية الصالحة. وقد ذكروا عن امرأة أنها كانت تلد بنات، حتى ولدت تسع بنات متتابعات، فسئمت من البنات -وهذا الكلام قبل أكثر من مائة سنة، وهي قصة مشهورة عن أحد أهل الفضل في المدينة رحمة الله عليه، وكان من حفاظ كتاب الله عز وجل-، وكانت بمكة، فأخذت دواء من العطار تتناوله في السَحَر -أي: في الصباح الباكر- قبل الأكل وقبل الشراب لأجل أن تسقط هذا الحمل العاشر؛ لأنها لا تريد البنات، وهي لا تحمل إلا بنات، فأرادت أن تسقط هذا الجنين، فلما أرادت أن تستعمل هذا الدواء سمعت صائحاً في الفجر يصيح ويقول: يا أرحم الراحمين. فاقشعر بدنها، وتعلقت بالله سبحانه وتعالى ليضع الله لها الخير في هذا الولد، ويريد الله سبحانه وتعالى أن يكون ذكراً، وأن يكون من حفاظ كتاب الله، والله لقد أدركته -وكان من أصدقاء الوالد- من أفضل الناس ديانة واستقامة وطاعة لله عز وجل، فلو أنها تعاطت هذا الدواء فكم كانت ستحرم من الخير؟ وكم كانت ستحرم من الدعوات الصالحات؟ ولذلك ينبغي على المرأة أن تكون قوية الإيمان بالله عز وجل، وأن تتوكل على الله، وأن يكون عندها حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، وفي الحديث الصحيح: (أنا عند حسن ظن عبدي بي)، ورؤي سلمان الفارسي بعد موته -كما روى أبو نعيم في الحلية- فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: ما وجدت أفضل بعد الإيمان من حسن الظن بالله عز وجل. والمرأة إذا أحسنت الظن بالله وقالت: أصبر وأتوكل على الله عز وجل. فتح الله لها أبواب رحمته، وفي الحديث الصحيح: (من يصبر يصبره الله)، فتحس أن هذا الحمل كأنه يمر في ساعة، وكأنه طيف من الخيال والأحلام، ثم إذا بها يبارك لها الله عز وجل في هذه الذرية وهذا النسل، فلعله أن يذكرها بدعوة صالحة، وما يدريها لعل هذا النسل الذي تريد أن تمتنع منه يكون من أبر أولادها بها بعد مشيبها وكبرها، وما يدريها لعل الله أن يسخر لها بعد موتها بالدعوات الصالحات. نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وآله وصحبه أجمعين.
فصل: صلاة المسافر [3]
شرح زاد المستقنع - فصل: صلاة المسافر [3] الجمع بين الصلاتين مما أجازته الشريعة في أحوال خاصة تخفيفاً وتيسيراً على المكلفين، سواء بالتقديم أو التأخير، ولها أعذار موجبة للترخص بها كالسفر والمطر، ولكن يراعى فيها شروطها المعتبرة، ومفسداتها المبطلة للجمع، ونحوها من الأحكام.
الجمع بين الصلاتين
الجمع بين الصلاتين
حكم الجمع بين الصلاتين
حكم الجمع بين الصلاتين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين في وقت إحداهما]. هذا الفصل يتعلق بمسألة الجمع بين الصلاتين، والجمع بين الصلاتين رخصة رخص الله بها لعباده، تقع في الحضر وتقع في السفر، فقد يجمع الإنسان بين الصلاتين في سفره، وقد يجمع بين الصلاتين في حال حضره. والجمع بين الصلاتين فيه خلاف مشهور بين العلماء: فمن أهل العلم من قال: يجوز الجمع مطلقاً. وهذا مذهب الشافعية والحنابلة من حيث الجملة. ومنهم من يقول: لا يجوز الجمع مطلقاً إلا في حالة الجمع في النسك، وذلك بتقديم الظهر مع العصر بعرفة، وتأخير المغرب مع العشاء بمزدلفة. وهذا مذهب الحنفية رحمة الله عليهم. والقول الثالث: أن الجمع يجوز للمسافر إذا جدّ به السير. وهو مذهب الإمام مالك رحمة الله عليه، ويختاره بعض المحققين كـ ابن القيم وغيره رحمة الله على الجميع، فيقولون: تجمع إذا جدّ بك السير، فلو كنت تريد أن تسافر من مكة إلى المدينة، وخرجت من مكة قبل أن يؤذن الظهر، وأذن الظهر وأنت في الطريق تريد أن تكسب الوقت فلم تنزل للصلاة، حيث تريد أن تدرك حاجة بالمدينة، فحينئذٍ يقولون: يجوز لك أن تؤخر الظهر والعصر إلى آخر وقت العصر؛ لأنه جدّ بك السير وأنت محتاج إلى الوقت فتجمع. وهكذا إذا كان جمع تقديم، فلو خرجت من مكة ونزلت بقرية بين مكة والمدينة، ثم أردت أن تمشي بعد دخول وقت الظهر وتريد أن تكسب الوقت لوصول المدينة، فحينئذٍ تجمع في هذه القرية بين الظهر والعصر جمع تقديم، فهذا هو الذي يعبر عنه العلماء بقولهم: إذا جد به السر. أي: إذا احتاج إلى الجمع لضرورة وحاجة، وهي كسب الوقت، فحينئذٍ يقولون: يجوز الجمع. أما إذا لم تكن هناك حاجة أن تجمع وليس هناك جدّ سير فإنك تبقى على الأصل، ولا يجوز لك الجمع. فهذا بالنسبة لمذهب من يقول بالتفصيل. هناك مذاهب أخرى ضعيفة تفصّل في الجمع بين الصلاتين تفصيلات لا دليل لها من النصوص. وهذه أشهر الأقوال في مسألة الجمع بين الصلاتين. وهناك قول يقول: يجوز جمع التأخير ولا يجوز جمع التقديم. فيرون أنه يرخص للإنسان أن يجمع جمع تأخير، ولا يرون له أن يجمع جمع التقديم. والذي يظهر -والعلم عند الله- مشروعية الجمع، سواءٌ أكان جمع تقديم أم جمع تأخير، والسنة في ذلك صحيحة وثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جمع -بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام- بين الظهر والعصر، وبين العشاءين: المغرب والعشاء، جمع جمع تقديم وجمع جمع تأخير. أما الحديث في مسلم فإنه أطلق الجمع، وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين). وأما بالنسبة لتفصيل الجمع فحديث معاذ ظاهر في ذلك، وقد حسنه غير واحد من الأئمة كـ الترمذي وغيره، فإنه قال: (كان إذا ارتحل -أي: عليه الصلاة والسلام- قبل أن تزول الشمس أخر الظهر فصلاها مع العصر، وإذا ارتحل قبل أن تغرب الشمس أخر المغرب إلى وقت العشاء فصلاهما معاً، وكان إذا ارتحل بعد أن تزول الشمس قدم العصر مع الظهر فصلاهما معاً، وإذا ارتحل بعد أن تغيب الشمس قدم العشاء إلى وقت المغرب فصلاهما معاً)، وهذا يدل على مشروعية جمع التقديم وعلى مشروعية جمع التأخير. وهذا القول الذي يقول بمشروعية الجمع مذهب الجمهور، وذكرنا أن هذا الحديث أصله في صحيح مسلم واضح، فيبقى الإشكال عندنا في القول الذي يقول: لا يجمع إلا إذا جدّ به السير، خاصة وأن الرواية عن معاذ: (كان إذا جدّ به السير)، وهي متكلم فيها، قالوا: ثم إن هذا يقويه النظر، فإن الأصل أن الصلاة تصلى في وقتها، والجمع خارج عن الأصل، فلا يجوز إلا عند وجود الحاجة، فيقولون: إذا جدّ به السير جمع. ويجاب عن هذا القول بحديث تبوك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين ولم يجدّ به سير؛ لأنه كان في خيمته وخبائه عليه الصلاة والسلام، وهذا يؤكد أن الجمع لا يشترط فيه جدّ السير، وبناء على ذلك يترجح قول من قال من الأئمة رحمة الله عليهم: إن الجمع بين الصلاتين مشروع، سواءٌ أكان يحتاجه لجدّ سير أم لغيره، وسواءٌ أقدم أم أخر، فلا حرج عليه في ذلك كله. وقوله: [يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشاءين]. الظهران: هما الظهر والعصر، كما يقال: العمران والقمران. فكل ذلك من باب التغليب، والعشاءان: هما المغرب والعشاء. وقوله: [يجوز] يدل على أنه ليس بواجب.
الجمع في عرفة ومزدلفة والحكمة منه
الجمع في عرفة ومزدلفة والحكمة منه اختلف في الجمع في عرفة ومزدلفة، فقال جمع من العلماء والسلف رحمة الله عليهم بوجوبه ولزومه، خاصة وأنه مرتبط بالنسك. وقد شرع الله الجمع تخفيفاً عن المسافر، وشرعه أيضاً للعبادة كما هو الحال في الحج، فإن الإنسان يوم عرفة أذن له أن يجمع بين الظهر والعصر حتى يكون الوقت للذكر والعبادة أطول ويتفرغ لذكر الله سبحانه وتعالى، فإنه إذا صلى الظهر والعصر جمع تقديم كان الوقت لدعائه وذكره لله عز وجل أطول، وكان حظه من الخير أكثر، وهذا يدل على أنه ينبغي على الإنسان إذا انتهى من صلاة الظهر والعصر يوم عرفة أن يقبل على الله عز وجل، وأن يكثر من الدعاء والذكر لله سبحانه وتعالى، على خلاف ما يفعله بعض الجهلة الذين لا يعرفون مقدار هذا المنسك العظيم وهو الوقوف بعرفة، فإنك تجد بعضهم ينام، ولربما يجلس بعضهم لفضول أحاديث الدنيا. فانظر رحمك الله إلى عبادة يقدمها الله عن وقتها، ويشرع لعباده أن يقدموها عن وقتها المعتبر، كل ذلك تعظيماً للذكر والدعاء في هذا اليوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (الحج عرفة)، وأشرف شيء وأفضل شيء في يوم عرفة هي السويعات التي قبل مغيب الشمس ما بين انتهاء الصلاتين إلى مغيب الشمس، هذا أفضل ما يكون في يوم عرفة، حتى إن بعض العلماء يقول: أرجى الناس لفضل الله عز وجل من أعطي القوة على الذكر من بعد الصلاة إلى مغيب الشمس، والمحروم من حرم، ولذلك يقولون: إن الله لما شرع لعباده تقديم العصر عن وقتها وجب على العباد أن يتنبهوا لشرف هذا الموقف. فهذا الجمع يقصد به المعونة على الذكر لشرف الموقف الذي يباهي الله عز وجل به ملائكته، مع أن الصلاة من أفضل الطاعات وأفضل الأعمال بعد الإيمان بالله، قال صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، وهذا كله يؤكد أن هذا الجمع قصد منه أن يتفرغ لذكر الله عز وجل، ولذلك يجمع أهل مكة، ولو كانوا مع الإمام فإنهم يجمعون، مع أنهم مقيمون وفي حكم المقيم، وبناء على ذلك قالوا: إنه ينبغي أن يكون هذا الجمع يقصد به الاستعانة في هذا الوقت على ذكر الله عز وجل والتفرغ للدعاء. وأما الجمع ليلة المزدلفة فإنه يجمع بمجرد وصوله تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم ليرتاح بعد عناء الموقف، ووراءه المنسك الذي يكون بعد الفجر، وهذا الموقف أيضاً له فضله وله شرفه، فهو مشعر وله مكانته، حتى قال بعض السلف: شهدت هذا المكان أكثر من ستين عاماً أسأل الله العظيم أن لا يجعله آخر العهد فردني إليه، وإني أستحيي أن أسأله هذه السنة، فمات من عامه، وكان من أئمة الحديث، فما رد الله دعاءه في هذا الموقف وهو موقف المشعر، فيقولون: إنه شرع أن يجمع بين المغرب والعشاء حتى يتقوى بنومه، فإذا استيقظ استطاع أن يقف للدعاء بنفس مرتاحة وصدر منشرح، فيقوى على الذكر والطاعة. ولذلك كان الجمعان لقصد النسك، فلهما ارتباط بالنسك، ويؤكد هذا أنه لما قدم عليه الصلاة والسلام منى ما جمع بين الصلاتين، ولو كان الجمع للسفر، أو لشيء آخر منفك عن الحج لجمع في منى عليه الصلاة والسلام، لكن كونه عليه الصلاة والسلام يخص هذين الموضعين بالجمع يدل على أن الجمع قصد به الاستعانة على الذكر والدعاء في هذين المشعرين العظيمين. فلما قال: [يجوز] دل على أنه ليس بواجب، أي: يباح لك. وهذه رخصة، فإن أخذت بها فلا حرج، وإن صليت كل صلاة في وقتها فإن ذلك هو الأصل ولا عتبى ولا حرج عليك، لكن لو أن الإنسان وجد المشقة والحرج في الصلاة لوقتها وإذا جمع وجد التيسير والراحة فإنهم قالوا: إنه ينبغي له أن يستعين برخص الله عز وجل، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (عليكم برخص الله التي رخص لكم). فمن السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين الصلاتين، خاصة إذا وجد ما يوجب الجمع. فلما قال لنا رحمه الله: [يجوز الجمع]، فهمنا من ذلك أن رخصة الجمع ليست بواجبة ولا بلازمة، وأن المكلف مأذون له بذلك الفعل، فلا هو ملزم به ولا هو واجب عليه، وكذلك ليست بمحرمة ولا مكروهة، فالإذن بها إذن إباحة، بمعنى أنه يجوز له أن يفعل الجمع وأن يتركه، ولكن قال العلماء: إذا كانت هناك حاجة فالأفضل أن يجمع؛ لما فيه من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، فكونه يجمع تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم أفضل، وكذلك إذا قصد إحياء السنة، كأن يكون بين قوم يجهلون أحكام الجمع، فيحيي هذه السنة بينهم حتى يتعلموا، أو يكون معه طلاب علم وهو ليس بحاجة للجمع في طريقه ولكنه يجمع حتى يعلموا أحكام الجمع، فذلك مستحب له ومندوب. [في وقت إحداهما في سفر قصر]. وقوله: [في وقت إحداهما] تضمن نوعين من أنواع الجمع: النوع الأول: ما يوصف بكونه جمع تقديم، وذلك بأن توقع الصلاة الثانية في وقت الصلاة الأولى، فتصلي العصر في وقت الظهر، وتصلي العشاء في وقت المغرب، فهذا هو جمع التقديم. النوع الثاني: جمع التأخير، بأن تكون الصلاة الأولى في وقت الصلاة الثانية، فتؤخر الظهر وتصليها مع العصر، أو تؤخر المغرب وتصليها مع العشاء. وليعلم أن الأصل في الصلوات أن تصلى كل صلاة في وقتها؛ لأن الله يقول: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] أي: محدداً. وقد ألزم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بالصلاة في مواقيتها، وقال للأعرابي لما صلى له في اليومين: (ما بين هذين وقت)، أي: ألزمه وقتاً للصلاة، فعندنا شيء يسمى: أصل، وشيء يسمى: رخصة، فالشيء الذي هو الأصل أن تصلى كل صلاة في وقتها، فالظهر يصلى في وقته، والعصر يصلى في وقته، والمغرب يصلى في وقته، والعشاء يصلى في وقته، ولكن لما جاء الإذن من الشرع بفعل الجمع كان رخصة من هذا الوجه.
أعذار الترخيص في الجمع بين الصلاتين
أعذار الترخيص في الجمع بين الصلاتين
السفر
السفر قال رحمه الله تعالى: [يجوز الجمع بين الظهرين وبين العشائين في وقت إحداهما في سفر قصر] أي: محل الرخصة أن يكون الإنسان مسافراً سفر قصر، ولذلك لا يجمع الصحيح في غير السفر على ما اختاره المصنف رحمه الله وهو قول الجماهير، فالجمع من حيث الأصل يكون في السفر، وأما جمع المرض وجمع الخوف فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ولذلك يجمع على الصورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث معاذ، وحديث أنس بن مالك، وحديث عبد الله بن عمر، وكلها في جمعه عليه الصلاة والسلام في السفر. وسفر القصر ينقسم إلى أقسام: فإما أن يكون سفراً واجباً، وإما أن يكون سفراً مندوباً، وإما أن يكون سفراً مباحاً، فأنت إذا سافرت لحج فريضة فهذا سفر واجب تجمع فيه الصلاة، ويجوز لك أن تجمع قولاً واحداً عند من يقول بالجمع، وإذا سافرت إلى سفر مندوب وسفر طاعة وقربة مندوب إليها كعمرة النافلة، فإن هذا سفر مندوب، وتجمع فيه وجهاً واحداً لأهل العلم، ولكن إذا سافرت سفراً مباحاً كالتجارة وزيارة بعض أحبابك وإخوانك دون أن تكون بقصد القربة، فحينئذٍ اختلف العلماء: فجمهور من يقول بجواز الجمع يقول: لا فرق عندي بين أن يكون السفر سفر طاعة أو سفراً مباحاً. وهناك من يقول من السلف: إن الجمع يختص بالسفر الذي هو سفر القربة والطاعة، أما لو سافر للتجارة، أو سافر لنزهة وسياحة، أو لصيد فإنه لا يجمع بين الصلاتين، كما يختاره الإمام أبو عبد الله مالك بن أنس رحمة الله على الجميع. والصحيح أن كل سفر تقصر فيه الصلاة سواءٌ أكان واجباً أم مندوباً أم مباحاً، حل للإنسان أن يجمع الصلاة فيه.
المرض
المرض [وبين العشاءين لمطر يبل الثياب أو لوحل]. (وبين العشاءين لمطر يبل الثياب) هذا السبب الثالث الذي يبيح الجمع: المطر، وللعلماء في المطر قولان مشهوران: القول الأول: أنه إذا وقع المطر جاز للإنسان أن يجمع بين الصلاتين، وهذا هو مذهب جمهور السلف رحمة الله عليهم، فعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر وكذلك أبان بن عثمان فعله بالمدينة، وفعله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وطائفة من أصحاب الحديث، وقال به أجلاء التابعين: كـ سعيد بن المسيب ومحمد بن القاسم بن أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد وكذلك أبو سلمة ابن عبد الرحمن ونحوهم من الأجلاء قالوا: إن الجمع في المطر رخصة، ولا حرج إذا نزل المطر أن يجمع بين الصلاتين على تفصيل عندهم، رحمة الله على الجميع. القول الثاني يقول: إنه لا يجمع في المطر، وهذا القول هو مذهب أهل الرأي، فالقول الأول للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث، والقول الثاني للحنفية: لا يجمع في المطر، وهو قول إبراهيم النخعي وكذلك ابن سيرين، رحمة الله على الجميع. أصح هذين القولين هو القول بمشروعية الجمع في المطر، وذلك لحديث ابن عباس في الصحيح أنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في غير مطر ولا سفر)، فلما قال: (مطر ولا سفر)، دل على أن المطر يوجب الترخيص بفعل الجمع كما أن السفر يوجب ذلك، وعلى هذا لو نزل المطر فمتى يجمع؟ الذين قالوا بمشروعية أن يجمع الإنسان في المطر لهم قولان: القول الأول يقول: يجوز لك أن تجمع الظهر مع العصر، وتجمع المغرب مع العشاء، وهذا مذهب الشافعية وطائفة من أصحاب الإمام مالك، رحمة الله على الجميع. والقول الثاني يقول: إنك لا تجمع في المطر إلا بين المغرب والعشاء كما درج عليه المصنف فقال رحمه الله: (ولمطر بين العشاءين) أي: تجمع بين المغرب والعشاء فقط، أما الظهر والعصر فلا تجمع بينهما للمطر؛ والسبب في هذا القول الذي يقول بالتخصيص وهو مذهب الحنابلة والمالكية رحمة الله عليهم أنهم يرون أن النصوص التي وردت بالجمع إنما وردت في المغرب والعشاء، والظاهرية استدلون بإطلاق ابن عباس: (من غير مطر ولا سفر)، قالوا: هذا فيه إطلاق، فيدل على مشروعية الجمع، سواء كان بين الظهر والعصر أو بين المغرب والعشاء. والقول بالتخصيص بالمغرب والعشاء من القوة بمكان، ووجه ذلك: أنه إذا كان المطر في الليل فإن الناس يصيبهم الضرر، والغالب أن المطر يصحب بالريح، فلا يأمن عند تبلل ثيابه أن يأتيه ضرر في جسده، ثم لا يأمن إذا أصاب الأرض الوحل والطين أن تزل قدمه، ويستضر الناس إذا كان المطر موجوداً في ثيابهم وكذلك إذا كان يصيبهم في مشيهم وذهابهم إلى المسجد، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة في الرحال)، حيث أذن إذا كان هناك المطر أن ينادي المنادي الصلاة في الرحال، فرخص في تركها، فكذلك يرخص إذا وجد المطر في الجمع بين الصلاتين أعني: المغرب والعشاء. ومذهب التخصيص يستدل بحديث أبي النجاد رحمه الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء)، وليس هناك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، فقالوا: فتبقى الظهر والعصر على الأصل ويرخص في المغرب والعشاء؛ لأن الحاجة والمشقة في الليل أكثر، وهذا القول أحوط القولين وأولاهما -إن شاء الله- بالصواب: أنه لا يجمع في المطر إلا بين المغرب والعشاء. ثم إذا جمّع بين المغرب والعشاء في المطر فالمحفوظ من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم أنهم كانوا يؤخرون المغرب قليلاً، كما جاء عن أبان بن عثمان حينما أمّ وصلى عبد الله بن عمر معه ولم ينكر عليه: كان ينتظر إلى اختلاط الشفق -حمرة الشفق- بوجه الليل، أي: ابتداء الظلمة، قالوا: هذا أرفق بالناس. فالجمع بين العشاءين يكون جمع تقديم، هذا في الأصل، وإلا فيجوز أن يجمع جمع تأخير، لكن قالوا: يجمع جمع تقديم؛ لأن الناس -خاصة في القديم- إذا مضوا إلى المسجد في صلاة المغرب، وجمع جمع تأخير فإن هذا سيضر بهم؛ لأنه سيتركهم ينتظرون إلى صلاة العشاء ويجحف بهم، فيفوت المعنى الذي من أجله شرع الجمع بين الصلاتين، ولذلك يقولون: إنه لا يؤخر ولكن يمضي ويصلي صلاة المغرب والعشاء في وقت المغرب، أي: يكون الجمع في وقت الأولى. واستثنى العلماء ما لو كان جمع التأخير أرفق، فإذا كان جمع التأخير أرفق مثل: لو أن إنساناً خرج في نزهة مع جماعة أو مع أصحابه أو رفقائه وأصابهم المطر على وجه المغرب ثم مضوا إلى بيوتهم، فإنهم لو نزلوا شق عليهم ذلك ولا يستطيعون أن يجمعوا، فاختاروا أن يؤخروا المغرب والعشاء إلى وقت العشاء فلا حرج؛ لأن جمع التأخير في حق هؤلاء أرفق، لكن جماعة المسجد جمع التقديم في حقهم أرفق، ولذلك يجمع جمع تقديم بين صلاة المغرب والعشاء؛ للأسباب التي ذكرناها من وجود الحرج والمشقة للمصلين.
المطر
المطر قال رحمه الله تعالى: [وبين العشاءين لمطر يبل الثياب أو لوحل]. هذا السبب الثالث الذي يبيح الجمع، وهو المطر، وللعلماء في المطر قولان مشهوران: القول الأول: أنه إذا وقع المطر جاز للإنسان أن يجمع بين الصلاتين. وهذا هو مذهب جمهور السلف رحمة الله عليهم، وفعل ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وكذلك أبان بن عثمان فعله بالمدينة، وفعله عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد، وهو مذهب الشافعية والحنابلة وطائفة من أصحاب الحديث، وقال به أجلاء التابعين كـ سعيد بن المسيب، ومحمد بن القاسم بن أبي بكر الصديق وخارجة بن زيد، وكذلك أبو سلمة ابن عبد الرحمن ونحوهم من الأجلاء، قالوا: إن الجمع في المطر رخصة، ولا حرج إذا نزل المطر أن يجمع بين الصلاتين، على تفصيل عندهم رحمة الله على الجميع. القول الثاني يقول: إنه لا يجمع في المطر. وهذا القول هو مذهب أهل الرأي، فالقول الأول للجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث، والقول الثاني للحنفية، وهو قول إبراهيم النخعي، وكذلك ابن سيرين رحمة الله على الجميع. وأصح هذين القولين هو القول بمشروعية الجمع في المطر، وذلك لحديث ابن عباس في الصحيح أنه قال: (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في غير مطر ولا سفر)، فلما قال: (مطر ولا سفر) دل على أن المطر يوجب الترخيص بفعل الجمع، كما أن السفر يوجب ذلك. والذين قالوا بمشروعية أن يجمع الإنسان في المطر لهم قولان في الصلوات التي يجمع بينها: القول الأول يقول: يجوز لك أن تجمع الظهر مع العصر، وتجمع المغرب مع العشاء، وهذا مذهب الشافعية وطائفة من أصحاب الإمام مالك رحمة الله على الجميع. والقول الثاني يقول: إنك لا تجمع في المطر إلا بين المغرب والعشاء، كما درج عليه المصنف فقال رحمه الله: [وبين العشاءين لمطر. ] أي: تجمع بين المغرب والعشاء فقط، أما الظهر والعصر فلا تجمع بينهما للمطر. والسبب في هذا القول الذي يقول بالتخصيص -وهو مذهب الحنابلة والمالكية رحمة الله عليهم- أنهم يرون أن النصوص التي وردت بالجمع إنما وردت في المغرب والعشاء، والظاهرية استدلوا بإطلاق ابن عباس: (من غير مطر ولا سفر)، قالوا: هذا فيه إطلاق، فيدل على مشروعية الجمع، سواءٌ أكان بين الظهر والعصر أم بين المغرب والعشاء. والقول بالتخصيص بالمغرب والعشاء من القوة بمكان، ووجه ذلك أنه إذا كان المطر في الليل فإن الناس يصيبهم الضرر، والغالب أن المطر يصحب بالريح، فلا يأمن عند تبلل ثيابه أن يأتيه ضرر في جسده، ثم لا يأمن إذا أصاب الأرض الوحل والطين أن تزل قدمه، ويستضر الناس إذا كان المطر في ثيابهم، وكذلك إذا كان يصيبهم في مشيهم وذهابهم إلى المسجد، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلاة في الرحال)، حيث أذن إذا كان هناك المطر أن ينادي المنادي: (الصلاة في الرحال)، فرخص في تركها، فكذلك يرخص إذا وجد المطر في الجمع بين الصلاتين، أعني المغرب والعشاء. ومذهب التخصيص يستدل بحديث أبي النجاد رحمه الله: (أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين المغرب والعشاء)، وليس هناك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر، فقالوا: تبقى الظهر والعصر على الأصل، ويرخص في المغرب والعشاء؛ لأن الحاجة والمشقة في الليل أكثر، وهذا القول أحوط القولين وأولاهما -إن شاء الله- بالصواب، فلا يجمع في المطر إلا بين المغرب والعشاء. ثم إذا جمّع بين المغرب والعشاء في المطر فالمحفوظ من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم أنهم كانوا يؤخرون المغرب قليلاً، كما جاء عن أبان بن عثمان -حينما أمّ وصلى عبد الله بن عمر معه ولم ينكر عليه- أنه كان ينتظر إلى اختلاط الشفق -حمرة الشفق- بوجه الليل، أي: ابتداء الظلمة. قالوا: هذا أرفق بالناس. فالجمع بين العشاءين يكون جمع تقديم في الأصل، وإلا فيجوز أن يجمع جمع تأخير، لكن قالوا: يجمع جمع تقديم؛ لأن الناس -خاصة في القديم- إذا مضوا إلى المسجد في صلاة المغرب وجمع جمع تأخير فإن هذا سيضر بهم؛ لأنه سيتركهم ينتظرون إلى صلاة العشاء ويجحف بهم، فيفوت المعنى الذي من أجله شرع الجمع بين الصلاتين، ولذلك يقولون: إنه لا يؤخر، ولكن يمضي ويصلي صلاة المغرب والعشاء في وقت المغرب، أي: يكون الجمع في وقت الأولى. واستثنى العلماء ما لو كان جمع التأخير أرفق، كما لو أن إنساناً خرج في نزهة مع جماعة أو مع أصحابه أو رفقائه، وأصابهم المطر وقت المغرب، ثم مضوا إلى بيوتهم، فإنهم لو نزلوا شق عليهم ذلك ولا يستطيعون أن يجمعوا، فإن اختاروا أن يؤخروا المغرب والعشاء إلى وقت العشاء فلا حرج؛ لأن جمع التأخير في حق هؤلاء أرفق، لكن جماعة المسجد جمع التقديم في حقهم أرفق، ولذلك يجمع جمع تقديم بين صلاة المغرب والعشاء للأسباب التي ذكرناها من وجود الحرج والمشقة على المصلين.
الوحل والريح الشديدة
الوحل والريح الشديدة قال رحمه الله تعالى: [أو لوحل وريح شديدة باردة]. قوله: [أو لوحل] أي: أن ينقطع المطر ثم تبقى الأرض فيها الزلق والوحل، قالوا: فيجوز أن يجمع، وهذا في الحقيقة فيه خلاف، وإن كان قوّى غير واحد من الأئمة أن الوحل لا يوجب الجمع، وهو من القوة بمكان، لعدم ورود النص بالترخيص في مثله، وإنما رخص في المطر، وشرط المطر الذي يبيح للناس أن يجمعوا بين المغرب والعشاء أن يكون مطراً يبل الثياب، أما لو كان مطراً يسيراً أو خفيفاً فإنه لا يوجب الترخيص في الجمع. وفي حكم المطر الثلج، ثم يفصل في الثلج مثلما يفصل في المطر، فإن كان الثلج يسيراً وخفيفاً لا يشق على الناس أن يصلوا كل صلاة في وقتها فلا جمع، وإن كان الثلج كثيراً ويؤذي الناس فإنهم يجمعون بين الصلاتين كالحال في المطر. وقوله: [وريح شديدة باردة]. هذا قول بالقياس، وهو قول ضعيف. والصحيح أن الريح الشديدة لا توجب الجمع بين الصلاتين، إعمالاً للأصول من النصوص الواردة في الكتاب والسنة بإلزام المكلف بإيقاع كل صلاة في وقتها، واستثني ما استثني من الجمع لورود النص، فلا يقوى القياس ولا الإلحاق. قال رحمه الله تعالى: [ولو صلى في بيته أو مسجد طريقه تحت ساباط]. إذا كان العلماء رحمة الله عليهم يقولون: إن الناس يرخص لهم أن يجمعوا بين المغرب والعشاء لمكان المطر، فهذه الرخص التي تقع في المطر وفي السفر وفي المرض نظر الشرع فيها إلى غالب أحوال الناس، فأعطى الرخصة بغض النظر عن أفراد لا تتوفر فيهم معاني الرخصة، وتوضيح ذلك أن الأصل في السفر أن فيه مشقة، وأن فيه عناءً وتعباً ونصباً، فلو فرض أن إنساناً سافر ولم يجد عناءً ولا مشقةً ولا نصباً فلا نقول: يبقى على الأصل ولا يفطر ويبقى على موجب الإمساك والصيام، بل نقول: إن الرخصة هنا عامة من الشرع ولا يلتفت فيها إلى الأفراد، كأن الشرع قال: الغالب في السفر أن يكون فيه الضرر، فلا عبرة بالنادر؛ لأن الحكم للغالب، كذلك هنا -إذا قلت: إن المطر يوجب الترخيص- لأن الناس إذا مضوا إلى المسجد تضرروا، فلو فرضنا أن المسجد طريقه مظلل، أو كان الإنسان قريباً من المسجد، أو بيوت الناس كلها تطل على المسجد، فليس هناك وحل، وليس هناك ضرر ببلة الثياب، فهل نقول: لا يجمعون؟ قال بعض العلماء: العبرة عندي بوجود موجب الرخصة، أي: الوصف العام وهو وجود المطر، بغض النظر عن كونه يتضرر أو لا يتضرر، وبغض النظر عن كون طريقه تحت الساباط الذي هو المظلات التي هي مثل ما يكون تحت البيوت، أو الذي يكون ملصقاً بالبيوت يقي الناس الشمس ويقيهم المطر، فيقول: العبرة عندي بوجود المطر، بغض النظر عن كونهم تضرروا أو لم يتضرروا، كالحال الآن، حيث يمكنه أن يركب سيارته ويمضي إلى المسجد فلا يبتل له ثوب ولا يتضرر، قالوا: لا نلتفت إلى هذا؛ لأن الحكم للغالب والنادر لا حكم له. وهذا أصل في الرخص، فيقولون: ننظر إلى الأصل، وكون بعض الأفراد يتخلف فيهم المعنى الذي هو موجب الرخصة لا نلتفت إليهم، ولذلك لو اعترض عليك معترض وقال: كيف تقولون بالفطر والإنسان قد يسافر في طائرة وقد يسافر في سيارة وهو مستريح؟ تقول له: أذن الله بالفطر في السفر؛ لأن الغالب فيه وجود المشقة، وكون النادر في بعض العصور وفي بعض الأزمنة لا يلتفت إليه؛ لأن الشريعة لا تلتفت إلى عصر دون عصر، ولكن إذا اختلفت العصور فإنك تنظر إلى الغالب، وبناء على ذلك فالغالب أنه إذا نزل المطر تضرر الناس، فكون بعض الناس يكون طريقهم إلى المسجد لا مضرة فيه ولا مشقة لا يلتفت إليه، ويبقى على الأصل من موجب الرخصة.
مسائل في الجمع بين الصلاتين
مسائل في الجمع بين الصلاتين
الأفضل من جمع التأخير أو التقديم
الأفضل من جمع التأخير أو التقديم قال رحمه الله تعالى: [والأفضل فعل الأرفق به من تأخير أو تقديم]. الأفضل للإنسان إذا أراد أن يجمع لسفر أو مرض أو مطر أن ينظر إلى الأرفق، فإن كان الأرفق به أن يقدم قدم، وإن كان الأرفق به أن يؤخر أخر؛ لأنها رخصة وسعة، وقد استحب بعض العلماء أن يجمع جمع التأخير، قالوا: لأن جمع التأخير لا خلاف فيه عند من يقول بمشروعية الجمع، ولكن جمع التقديم فيه خلاف، وجمع التأخير تقع فيه الصلاة الثانية وقد دخل وقتها؛ لأنها تقع بعد حكم الشرع بفعلها، ولكن جمع التقديم تكون فيه الصلاة الثانية في غير وقتها، ولذلك قالوا: الأفضل أن يراعي جمع التأخير. فهذا مذهب بعض العلماء، وهو تفضيل جمع التأخير على جمع التقديم. والصحيح أن الإنسان ينظر إلى الأرفق؛ لأن الله وسع على عباده بالجمع، فليس لنا أن نحد حداً معيناً، وإنما نقول: ما دام أن الله وسع عليك فإن كان الأرفق بك أن تجمع جمع تقديم فافعل، وإن كان الأرفق بك أن تجمع جمع تأخير فافعل، والدليل على ذلك السنة، فقد روي أنس رضي الله عنه -كما في الصحيح-، وكذلك مثله حديث معاذ في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس -يعني: قبل أن تزول- أخر الظهر إلى وقت العصر فصلاهما معاً، وإذا ارتحل قبل أن تغرب الشمس أخر المغرب إلى وقت العشاء فصلاهما معاً)، فقوله: (كان إذا ارتحل قبل أن تزول الشمس) يلاحظ فيه أنه إذا ركب قبل أن تزول الشمس وقبل أن يدخل وقت الأولى فالأرفق أن يؤخر، وقوله كذلك: (وكان إذا ارتحل بعد أن تزيغ الشمس قدم العصر إلى وقت الظهر فصلاهما معاً)، فدل على أن الأفضل للمكلف أن ينظر إلى الأرفق، فإن كان الأرفق به أن ينزل ويصلي في أول الوقت نزل وصلى، وإن كان الأرفق أن يؤخر أخر. فلو أنك خرجت من مكة تريد المدينة وأذّن للظهر وأنت تريد حاجة وقت العصر، فإنك إن نزلت وصليت ربما تأخرت عن حاجتك، فإذا شئت نزلت وجمعت جمع التقديم ولا حرج، لكن لكون التأخير أفضل لك حتى تدرك الوقت وتحصل جد السير فحينئذٍ تجمع جمع تأخير ولا حرج، والعكس بالعكس أيضاً، فلو أن إنساناً أذن عليه الأذان بعد أن خرج من مكة ويريد أن يقف لزاد ونحو ذلك، فقال: ما دمت أني واقف فالأفضل أن أصلي الصلاتين فصلاهما حتى يكسب الوقت فلا حرج، فلا يقيد الناس ولا يلزمون بتقديم ولا بتأخير.
النية في الجمع بين الصلاتين
النية في الجمع بين الصلاتين قال رحمه الله تعالى: [فإن جمع في وقت الأولى اشترط نية الجمع عند إحرامها]. قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات)، فإذا أردت أن تجمع فيشترط أن تنوي الجمع في وقت أولاهما، فتكون النية أن تجمع الثانية إلى الأولى، وعلى هذا فإذا نويت كان لك الجمع، وأما إذا لم تنو فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنما لكل امرئ ما نوى)، فمن نوى الجمع كان له، ومن لم ينو لم يكن له. وقالت طائفة من العلماء: النية ليست بشرط للجمع، ويجوز له أن يجمع ولو لم ينو.
مبطلات الجمع بين الصلاتين
مبطلات الجمع بين الصلاتين قال رحمه الله تعالى: [ولا يفرق بينهما إلا بمقدار إقامة ووضوء خفيف ويبطل براتبة بينهما]. قوله: [ولا يفرق بينهما] يعني: لا يفرق بين الظهر والعصر، ولا بين المغرب والعشاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الفاصل بين الصلاتين قليلاً، فلما صلى عليه الصلاة والسلام المغرب والعشاء ليلة النحر بمزدلفة تركهم بقدر ما يحط الإنسان رحله، ولذلك قالوا: بقدر ما يتوضأ الإنسان ويفرغ من وضوئه. وهذا هو الهدي، يقولون: لأن الجمع بين الصلاتين جعل الصلاتين قد صارتا بمثابة الصلاة الواحدة، فلا تدخل بينهما راتبة، ولا تدخل بينهما فاصلاً مؤثراً، كمن ينام نوماً يفصل بين الصلاتين به، أو كشغل يخرج به عن الصلاة، قالوا: فإذا وقع الفاصل فإنه لا جمع، وحينئذٍ يصلي الثانية في وقتها ولا يجمع جمع التقديم. قوله: [ويبطل براتبة بينهما]. ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن بين المغرب والعشاء، فقال: (ولم يسبح على إثر واحدة منهما) كما في الصحيحين، فدل على أنه لا يصلي الراتبة بينهما. قال رحمه الله تعالى: [وأن يكون العذر موجوداً عند افتتاحهما وسلام الأولى]. هذا في المطر، فلو أن الإنسان أراد أن يجمع في المطر بين المغرب والعشاء، فيشترط عند تكبيرة الإحرام أن يكون المطر موجوداً، فيكبر للمغرب والمطر موجود، ويسلم من المغرب والمطر موجود، وحينئذٍ يقيم ويصلي العشاء ويكبر ويكون المطر موجوداً، فلو أنه كبر للمغرب والمطر موجود، ثم بعد ذلك انقطع المطر، فسلم والمطر منقطع، فحينئذٍ لا يجمع؛ لأن موجب الرخصة غير موجود، وينتظر إلى دخول وقت الثانية، لكن لو أنه كبر ثم انقطع المطر بعد تكبيره حتى كان في الركعة الثالثة، فنزل المطر فسلم والمطر ينزل، فأقام وكبر للعشاء والمطر لا زال نازلاً، ثم بعد ذلك انقطع قبل سلامه من العشاء صح فعله وأجزأه. وقال بعض العلماء: لا يصح إلا إذا سلم من العشاء والمطر موجود. وهذا على مسألة: (هل العبرة بالابتداء، أو العبرة بالانتهاء) كمسألة من تيمم ثم رأى الماء أثناء الصلاة، فإن قلنا: العبرة بإحرامه مضت له الرخصة ولا يقطع، وإن قلنا: العبرة بسلامه -وهو أحوط ورجحناه في التيمم- فإنه حينئذٍ لا يعتد بجمعه.
اشتراط النية قبل الجمع بين الصلاتين وبقاء العذر إلى دخول وقت الثانية
اشتراط النية قبل الجمع بين الصلاتين وبقاء العذر إلى دخول وقت الثانية قال رحمه الله تعالى: [وإن جمع في وقت الثانية اشترط نية الجمع في وقت الأولى إن لم يضق عن فعلها واستمر العذر إلى دخول وقت الثانية]. إذا كان الإنسان يريد أن يؤخر الظهر إلى وقت العصر، أو المغرب إلى وقت العشاء فإنه ينوي عند تأخيره أن يجمع، أما إذا لم ينو فإنه حينئذٍ تخرج عليه الصلاة الأولى، فيكون كأنه ترك الصلاة الأولى، فتعتبر صلاة قضاء لا صلاة جمع، والدليل على ما ذكرناه قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الأعمال بالنيات)؛ لأن من ترك الصلاة الأولى حتى دخل وقت الصلاة الثانية لا يخلو من حالتين: الأولى: أن يكون معذوراً لنسيان أو نوم ونحو وذلك. الثانية: أن يكون غير معذور. فلما لم ينو الجمع دخل في حكم غير المعذور، وبقيت صلاته قضاءً لا جمعاً. وقوله: [واستمرار العذر إلى دخول وقت الثانية] بمعنى أنه يستمر المطر إلى دخول وقت الثانية، وهكذا السفر، فلو أن جماعة خرجوا لتدريس ونحو ذلك مسافة مائة كيلو، ثم رجعوا بعد انتهاء التدريس وأرادوا أن يجمعوا بين الظهر والعصر -لأنهم إذا دخلوا مكة سيكونون في عناء السفر ومشقة السفر، وقد يصعب عليهم أن يصلوا بعد التعب أو يكون عندهم من الخشوع ما يستحضرون به الصلاة- فنقول: فيه تفصيل: فإن كان دخولهم إلى مكة بعد دخول وقت الثانية فحينئذٍ يصح جمعهم؛ لأن العذر استمر إلى دخول وقت الثانية وهم مسافرون، فترخصوا برخصة لوجود موجبها، وأما لو دخلوا قبل أذان العصر فحينئذٍ لا يعتد بجمعهم، وعليهم أن يصلوا ثم بعد ذلك يرتاحون، فلو شق عليهم أن ينتظروا الجماعة نقول: امضوا إلى بيوتكم وصلوا؛ لأن الإنسان إذا شق عليه حضور الجماعة وانتظار ثلث الساعة أو نصفها الذي بين الأذان والإقامة بحيث يشق عليه فحينئذٍ يجوز له أن يقيم وأن يصلي العصر، ويكون ممن رخص له في الجماعة، كما تقدم معنا في أعذار ترك الجماعة.
الأسئلة
الأسئلة
الجمع الصوري بين الصلاتين
الجمع الصوري بين الصلاتين Q هل قال بعض العلماء رحمهم الله بأن حديث ابن عباس محمول على الجمع الصوري؟ وما هو الجمع الصوري وحكمه؟ A حديث ابن عباس حمل على الجمع الصوري عند الجمهور، وهناك من روى الحديث عن ابن عباس فقال: أراد أن يؤخر الظهر إلى قرب وقت العصر فيصلي الظهر فيدخل وقت العصر ويصليها. وهذا أصح الأقوال. والحقيقة أن حديث ابن عباس نفسه في صحيح مسلم يؤكد هذا، فـ ابن عباس كان أميراً على الكوفة، ثم خطب الناس في يوم في الظهر، فكانت خطبته طويلة؛ لأن الخطبة في مصالح المسلمين فيها توجيه ويصعب قطعها، فما زال يخطب، فقام له أعرابي وقال: الصلاة. فسكت عنه ابن عباس واستمر في خطبته، فقام له مرة ثانية وقال: الصلاة. فسكت عنه، فقام المرة الثالثة وقال: الصلاة، فقال له: (أتعلمنا بالصلاة لا أم لك؟! جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير مطر ولا سفر)، فقالوا: إن ابن عباس أخر الظهر إلى آخره، فلما أقام وصلى الظهر دخل وقت العصر فأقام للعصر وصلاها، مع أن الأصل يقتضي أن يصلي الظهر في أول وقتها، فهذا وجه الرفق، وهذا وجه دفع الحرج؛ لأن الناس بدل أن يخرجوا للظهر ويرجعوا إلى بيوتهم، ثم يرجعوا إلى العصر ويرجعوا مرة ثانية إلى بيوتهم سهل عليهم بأن يصلوا الصلاتين بخروج واحد ورجوع واحد، وهذا هو وجه قوله: (أراد أن لا يحرج أمته)؛ لأن الأصل يقتضي أن تصلى الصلاة لوقتها، وهذا في الحقيقة هو أقوى الأقوال وأولاها بالصواب، خاصة وأن من روى عن ابن عباس فسره بذلك وقال: أراه ذلك. وأيضاً عندنا قاعدة، وهذه القاعدة تدل عليها السنة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال للصحابة: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة) قالت طائفة: النبي صلى الله عليه وسلم قصد التعجيل، فنبقى على الأصل، فنصلي العصر في وقتها. وقالت طائفة: نبقى على ظاهر اللفظ. فلما علم بالطائفتين أخبر أن الذين صلوا في الوقت أصابوا السنة؛ لأنهم نظروا إلى أن الأصل في الصلاة أن تصلى في وقتها، ونظروا إلى أن الحديث: (لا تصلو العصر إلا في بني قريظة) محتمل بين أن يكون للاستعجال وأن يكون على ظاهره، فردوا الأمر إلى أصله فقال: (أصابت السنة)، فالرجوع إلى الأصل هو إصابة للسنة. فكان عندنا الأصل أن الله تعالى يقول: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]. ولو قلنا بالجمع بدون حاجة فمعنى ذلك أن الظهر والعصر صار وقتهما واحداً، فحينما تجمع لعذر وغير عذر تصير الظهر والعصر بمثابة الصلاة الواحدة، وبناء على ذلك سنلغي الأصل بناء على هذا الحديث، فتلغى نصوص الكتاب، وتلغى أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة، لكن حينما تبقي أحاديث المواقيت على دلالتها وآيات المواقيت على دلالتها وتقول: الجمع في حديث ابن عباس جمع صوري، ومعنى: (أن لا يحرج أمته) على ظاهره تكون جامعاً بين النصوص، والجمع بين النصوص أولى من العمل ببعضها وترك الآخر، والنفس تميل إلى هذا. يقول العلماء: لو أن شيخاً أو عالماً عنده أمر مهم، أو كان الناس عندهم موضوع مهم لا يستطيعون أن يقطعوه، وهم يتشاورون في أمره فلهم أن يؤخروا الصلاة، فيجلسون يتحدثون حتى يقضوا هذا الأمر وينتهوا منه ويفرغوا منه، ثم يقيمون للصلاة الأولى التي هي الظهر، ثم بعد ذلك يقيمون للعصر ويصلونها، وهكذا المغرب والعشاء، وكل ذلك تيسير من الله عز وجل ولطف بعباده.
العبرة بنية الجمع حال الائتمام
العبرة بنية الجمع حال الائتمام Q إذا دخل الرجل مع إمام يريد أن يجمع ولم يعلم إلا بعد انتهاء الصلاة الأولى، فهل يحق له الجمع ونية الإمام نية النفل، أم لا يحق له ذلك؟ A النية معتبرة بالمأموم، فكل مأموم على حده، فإن نوى صح جمعه عند من يقول باشتراط النية، وإن لم ينو لم يصح جمعه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
فصل: صلاة الخوف
شرح زاد المستقنع - فصل: صلاة الخوف من رحمة الله تعالى بعباده وتيسيره عليهم أنه لم يكلفهم بأداء الصلاة كما هي إذا كان في حال خوف وفزع، بل شرع لهم صلاة الخوف المتضمنة للتيسير والتخفيف، ولها عدة صفات كلها جائزة وصحيحة، وسواء كان الخوف خوف قتال، أو خوفاً من غيره.
أحكام صلاة الخوف
أحكام صلاة الخوف
سبب مشروعيتها
سبب مشروعيتها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: وصلاة الخوف صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصفات كلها جائزة]. صلاة الخوف: هي صلاة القتال، وهذه الصلاة شرعها الله في كتابه، وكذلك شرعت بهدي رسوله عليه الصلاة والسلام، وقال بها جماهير السلف والخلف رحمة الله عليهم، وفعلها النبي صلى الله عليه وسلم في مواضع، حتى ذكر الإمام ابن العربي رحمه الله أن لها ثماني عشرة صفة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الذي اشتهر في المرويات -كما أشار إليه الإمام أحمد - سبع صفات وردت عن النبي صلى لله عليه وسلم. والسبب في صلاة الخوف: أنه لما التقى النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين وكان المشركون يومها بعسفان -كما في حديث أبي عياش الزرقي -، وأصل الحديث في الصحيح عن جابر رضي الله عنه- وكان على المشركين يومها خالد بن الوليد، فصلى المسلمون صلاة الظهر، فلم ينتبه المشركون لغفلة المسلمين فقالوا: لقد أصبنا منهم غرة لو أنّا قتلناهم، فقال بعضهم لبعض: انتظروا فإن لهم صلاة هي أحب إليهم من أهليهم وأولادهم. وهذا يدل على ما كان لصلاة العصر من مكانة في قلوب الصحابة رضوان الله عليهم، فأوحى الله إلى نبيه، وشرعت صلاة الخوف.
صفات صلاة الخوف
صفات صلاة الخوف صلاة الخوف على صفات، لكن سنذكر منها المشروع: الصفة الأولى: أن يقسم الإمام الجيش إلى طائفتين، فيكون الجيش صفين: الصف الأول يلي الإمام، والثاني من بعده، ويصلون وهم حاملون للسلاح، فتقام الصلاة وكل واحد معه سلاحه الذي لا يزعجه في صلاته، كالسلاح الذي يدفع به العدو ولا يمنعه من الركوع والسجود، ولا يمنعه من أداء أركان الصلوات: وقد اختلف العلماء في حكم حملة سلاحه، فقال بعضهم: يجب عليهم أن يأخذوا السلاح لظاهر قوله سبحانه وتعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:102]، فأمر سبحانه وتعالى بأخذ الحذر بأخذ السلاح، وقال تعالى: {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء:102]، فكونه يأمر بأخذ السلاح يدل على الوجوب؛ لأن الأصل في الأمر أنه للوجوب، وهذا مذهب الظاهرية وطائفة، وهو أقوى القولين، أنهم يأخذون السلاح. فعند انقسام الجيش إلى صفين تقام الصلاة فيصلي الإمام الركعة الأولى، فإذا ركع الإمام ركع معه الصف الأول وبقي الصف الثاني واقفاً، ثم بعد أن ينتهي من الركوع يرفع معه الصف الأول ثم يسجد السجدتين الأوليين من الركعة الأولى والصف الثاني قائم، وهذا وجه في هذه الصفة. الوجه الثاني وهو الأقوى: أنه يركع الركعة الأولى ويرفع، فإذا رفع الصف الأول ركع الصف الثاني، وينتظر الإمام بعد الركوع بقدر ما يرفع الصف الثاني، ثم بعد ذلك يهوي للسجود الصف الأول ويبقى الصف الثاني في وجه العدو، فإذا سجد الصف الأول مع الإمام السجدتين قام الإمام بهم، فإذا استتم قائماً نزل الصف الثاني وسجد السجدتين، ثم بعد انتهائه من السجود يقوم فيتقدم الصف الثاني إلى مكان الصف الأول، ويرجع الصف الأول إلى مكان الصف الثاني، فإذا رجع ركع الصف الثاني معه في نفس الركعة الثانية، وبقي الصف الأول الذي كان أولاً وأصبح ثانياً واقفاً في وجه العدو، وهذا من باب العدل، فإذا صلى بهم يعدل بين الطائفتين، فلا يفضل إحداهما على الأخرى، فإذا ركع ورفع ركعت الطائفة التي تليها ثم رفعت، ثم ينزل للسجود وهم وقوف، فإذا سجد السجدتين وجلس للتشهد نزلت الطائفة الثانية وسجدت؛ لأنه في التشهد يكون الصف الأول منتبهاً للعدو، فتسجد الطائفة الثانية ويتشهد بالجميع ويسلم، فهذه الصفة الأولى، وهي التي وردت في حديث عسفان؛ لأنه في عسفان كان المشركون جهة القبلة، فهذه الصفة في حالة أن يكون العدو في جهة القبلة. وهذه الصفة الأولى جاءت في حديث أبي عياش الزرقي، وأصلها في الصحيح. الصفة الثانية: وردت في حديث ابن عمر في الصحيحين، وهي مما اتفق عليه البخاري ومسلم، والظاهر -كما يقول جمع من العلماء-: أنها إذا كان العدو في غير القبلة، فلو كان العدو في الظهر والقبلة في الأمام فإنه يقسمهم طائفتين، فيأمر طائفة أن تحرس في وجه العدو، ويأخذ طائفة ويصلي بهم ركعة، فإذا انتهى من الركعة وسجد السجدة الثانية وقام للركعة الثانية انصرفت هذه الطائفة ولم تسلم وكأنها في غير صلاة، فتنصرف وتقف في وجه العدو وهي في صلاة، ويطول الإمام في القراءة حتى تدركه الطائفة الثانية، فتأتي هذه الطائفة الثانية وتكبر تكبيرة الإحرام وتصف معه ويصلي بهم الركعة الأولى، فإذا انتهى الإمام من هذه الركعة وسجد السجدتين فإنها الثانية بالنسبة له، فيجلس للتشهد فتقوم هذه الطائفة الثانية وتنصرف إلى العدو مثل ما انصرفت الطائفة الأولى، ثم يتشهد الإمام لوحده ويسلم، فترجع الطائفة الأولى وتصلي الركعة الثانية قضاءً، وتكون صلاتهم فرادى، فكلٌ يصلي لوحده ركعة فيتم صلاته، ثم يتشهدون ويسلمون، ثم يرجعون إلى وجه العدو، فتأتي الطائفة الثانية وتصلي أيضاً ركعة كما صلت هذه وينصرفون إلى وجه العدو، فهذه هي الصفة الثانية التي اشتمل عليها حديث عبد الله بن عمر. الصفة الثالثة: أن يقسمهم الإمام قسمين، فيصلي بالطائفة الأولى ركعتين تامتين ويسلم ويسلمون معه، ثم يقيم مرة ثانية ويصلي بالطائفة الثانية ركعتين ويسلم بهم، وهذه واضحة لا إشكال فيها، وغاية ما فيها أن الإمام يصلي الصلاة الثانية نافلة ومن وراءه مفترضون. الصفة الرابعة: هي مثل الصفة الثالثة، إلا أن الإمام لا يسلم، فيصلي ويتشهد التشهد الأول ويترك الطائفة الأولى تتم التشهد وتسلم وتنصرف وهو في التشهد، ثم للعلماء وجهان في هذه الصفة: قال بعض العلماء: يثبت في التشهد حتى يحس بالطائفة الثانية، فإذا أحس بالطائفة الثانية يقوم ويكبر، ولا يكبر إلا بعد حضورها. فهذا وجه. الوجه الثاني: تبقى معه الطائفة الأولى، فإذا قال: (الله أكبر) قائماً للثالثة سلموا وقام هو وقرأ الفاتحة وأطال في ذكر الله عز وجل حتى تأتي الطائفة الثانية، فهذا بالنسبة إذا جمع وصارت له أربع ركعات. الصفة الخامسة: هي صفة حديث ابن عباس، وكانت في غزوة ذي قرد، وحديث ابن عباس مشكل عند العلماء، لكن أجاب عنه جمع من الأئمة، فحديث ابن عباس مثل حديث ابن عمر، وهو أنه يصلى بالطائفة الأولى ركعة فتنصرف إلى العدو وتجزيها عن الركعة الثانية، ويصلي بالطائفة الثانية ركعة وتجزيها عن صلاتها كلها، ولكن هذا الوجه ضعيف على الصحيح. الصفة الأخيرة: أن يصلي بسهم ركعة ثم يتمون بأنفسهم، ثم يصلي الركعة الثانية بالطائفة الثانية وتتم لنفسها فيتشهد بها ويسلم. فهذه ست صفات في صلاة الخوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الست الصفات قد تصل إلى اثنتي عشرة صفة، فنفس هذه الست تجعلها في صلاة السفر والحضر، ففي السفر يصلي ركعة، وفي الحضر يصلي ركعتين فتصير اثنتي عشرة، صفة، ثم إذا أدخلت صفات المغرب فيها قد تصل إلى ثماني عشرة صورة، فهذا بالنسبة لصلاة الخوف، وهذا أشهر ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صفة أدائها.
حكم صلاة الخوف
حكم صلاة الخوف صلاة الخوف شرعها الله عز وجل في كتابه المبين، فقال سبحانه وتعالى: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء:102]، وهذا يدل على سماحة الإسلام، وعلى حكمة التشريع، وعلى كمال علم الله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته وحلمه بعباده سبحانه وتعالى، فلو أن المسلم كان مطالباً أثناء القتال بفعل الصلاة كما هي لحصل في ذلك من الحرج ما الله به عليم. وهذه الصلاة مشروعة في قول جماهير السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما خالف أبو يوسف رحمه الله وقال: صلاة الخوف لا تشرع إلا في زمان النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ)) [النساء:102]، قال: فهذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قد تطرأ أمور من التشريع في الصلاة ففيه معنى ليس في غيره. والصحيح أنها تشرع في زمان النبي صلى الله عليه وسلم وبعد زمانه لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب:21]، وكما أن موجب الترخيص موجود في زمان النبي صلى الله عليه وسلم فهو كذلك موجود في غير زمانه عليه الصلاة والسلام، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الصلاة، وأجمع الجماهير على مشروعيتها، وأنه يشرع فعلها على الصفات التي ذكرنا.
تفصيل صفات صلاة الخوف حضرا وسفرا
تفصيل صفات صلاة الخوف حضراً وسفراً صلاة الخوف إما أن يكون العدو في وقتها في وجه القبلة، وإما أن يكون في غير القبلة، وإما أن تكون الصلاة سفرية، وإما أن تكون حضرية، وإما أن تكون الصلاة تقصر، وإما أن تكون الصلاة لا تقصر. فإذا كان العدو في وجه القبلة فإن القول بأنه يقسم الجيش إلى قسمين أو إلى طائفتين أولى وأحرى، فيقسم الإمام الجيش إلى طائفتين، فيصلي بالطائفة الأولى وينزل بهم ويركع ويسجد، ثم بعد ذلك يرتفع، فتنزل الطائفة الثانية وتصلي وتتم على الصفة الأولى التي ذكرناها، وإن شاء في حال وقوفه في وجه العدو -إن رأى أنه الأرفق بهم- صلى لوحده ركعة كاملة، ويثبت عند قيامه للركعة الثانية، فتقوم الطائفة الأولى وتتم لنفسها، ثم بعد ذلك تتشهد وتسلم، وتأتي الطائفة الثانية وتصلي الركعة التي بعدها. وإذا قلنا: إنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ثم يصلي بالطائفة الثانية ركعتين فلا إشكال إذا كانوا في جهة القبلة، وإذا صلى بهم وسلم من الركعتين الأوليين وصلى بعد ذلك الركعتين الأخريين نافلة فلا إشكال. فكونه يصلي بالطائفتين معاً، فتسجد معه الطائفة الأولى دون الطائفة الثانية، أو كونه يصلي بهم ركعتين ركعتين سواء أسلم أم لم يسلم، فكل هذه الصور لا إشكال فيها، وهذا إذا كان العدو في جهة القبلة، وهي أيسر الأحوال. وإذا كان العدو في جهة القبلة والصلاة حضرية، فإنهم قالوا: يفعل مثلما يفعل في السفرية، فإن شاء جعلها رباعية مجزأة، وإن شاء جزَّأها ركعتين ركعتين، لكن الأولى أن يجزأها على صفة صلاة السفر تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيصلي بهم الركعة الأولى، ثم يركع بالصف الأول ويسجد، ثم يرفع فيسجد الصف الثاني، ثم بعد انتهائه من الركعة الأولى يدخل الصف الثاني مكان الصف الأول ويرجع الصف الأول إلى مكان الصف الثاني، فيتم بهم الركعة الثانية، ويكون قد عدل بين الطائفتين فيتشهد، فينزل الصف الثاني ويسجد ويتشهد معه، ثم يقوم بهم إلى الركعة الثالثة فيتقدم الصف المتأخر مكان المتقدم كالحال في صلاة القصر، ويتم ذلك بنفس الترتيب، لكن بدل أن يفعلها ركعتين يفعلها أربع ركعات على نفس التقسيم ونفس الصورة. وإذا كانت الصلاة حضرية وقلنا إنه لا يسلم، فإنهم قالوا: يبقى على صفة الصلاة التي يسلم فيها من أربع ركعات، فيصلي بالطائفة الأولى أربع ركعات، ثم يصلي بالطائفة الثانية أربع ركعات، إعمالاً للأصل الموجود في صفة صلاة السفر. وهكذا الحال بالنسبة لما لو كان العدو في غير جهة القبلة، فأقوى الأقوال إذا كان العدو في غير جهة القبلة أنه يقسم الجيش إلى طائفتين، فيبدأ بالطائفة الأولى ويصلي ركعة كاملة، فإذا قام للركعة الثانية وهم وراءه نووا مفارقته كأنهم فرادى، ويتمون لأنفسهم وينصرفون جهة العدو، ويطوّل الإمام في قراءة الركعة الثانية، فتنصرف الطائفة الأولى بعد انتهاء الركعة التي كانت عليها بمثابة الإتمام إلى وجه العدو، ثم تأتي الطائفة الثانية فتدرك الإمام قد طول في الركعة الثانية وتدخل معه، فإذا انتهى الإمام وركع ورفع وسجد السجدتين يجلس للتشهد، فإذا جلس للتشهد فإن هذه الطائفة تقوم وتتم لنفسها، ويطول الإمام في التشهد، ثم تدركه في التشهد فيتشهد بهم ويسلم، فهذا بالنسبة لما إذا كان العدو في غير وجه القبلة.
كيفية الصلاة عند هجوم العدو
كيفية الصلاة عند هجوم العدو المصلون صلاة الخوف في أثناء الصلاة لا يخلون من حالتين: الحالة الأولى: أن تمضي الأمور على سلم وارتفاق، أي: لا يوجد ما يسوء أو يضر. الحالة الثانية: أن يهجم العدو، فإن هجم العدو عليهم وهم في الصلاة فلا يخلو من حالتين: إما أن يكون هجومه يمكن دفعه بالطائفة التي وقفت بإزائه، كأن يكون العدد كافياً لصد العدو، فيبقى الأولون في صلاتهم ولا يشتغلون بالعدو. وإما أن يخشى أو يغلب على الظن أنهم لا يقدرون على العدو فحينئذٍ ينصرفون من صلاتهم ويقاتلونه. وهم في صلاتهم، فيصلون رجالاً وركباناً وهم يضربون بالسلاح، لقوله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة:239]، فيكبر ويقرأ الفاتحة وهو يضرب العدو، سواء أكان إلى غير القبلة أم إلى القبلة، فهذه رخصة من الله عز وجل وسماحة، وهذا يدل على عظمة هذا الدين، وعلى عظمة أمر الصلاة، فإنهم في حالة الخوف والخشية على الأنفس ومع ذلك فإن الله عظّم هذه الشعيرة وأمر أن تؤدى، ولذلك عظّم السلف الصالح رحمهم الله الصلاة، وكانوا يستشهدون على تعظيم الله لها بأن الإنسان لا يعذر في تركها حتى في حال المسايفة والمقاتلة.
كيفية صلاة الخوف في العصر الحديث
كيفية صلاة الخوف في العصر الحديث إذا عرفنا صفة صلاة الخوف في القديم، فكيف تصلى صلاة الخوف في العصر الحديث؟ أما صلاة الخوف في العصر الحديث فإن العصر الحديث لا يمكن معه في بعض الأحوال أن يفارق الإنسان موضعه، بل إنه لو كان على بعض الأجهزة وغفل طرفة عين فربما يدخل العدو من هذه الثغرة، فالأمر جد خطير، وقد يكون في آلة لا يستطيع أن يفارقها، وقد يكون في خندق لو رفع رأسه يقتل. فكل إنسان في ثغره وفي موضعه إذا لم يمكنه أن يتحرك بقيام ولا بركوع ولا بسجود، ولم يمكنه أن يؤدي الصلاة على صفتها، فإنه يصلي على أيسر ما يكون، وعلى أقل ما يستطيع من طاقة، وحينئذٍ لو كان في خندقه يضرب العدو فإنه يكبر ويركع ويسجد ولو بالذكر، فإذا كان على سلاحه في وجه العدو كأن يكون مراقباً، بحيث لو غفل لحظة ربما هجم العدو، كما هو موجود في بعض الآلات التي ترصد العدو، فلو كان يراقب بهذه الآلة ولا يمكن أن يفارقها في وقت الصلاة، إذ ربما أنه لو غفل عنها لحظة تدمرت أمة كما هو موجود الآن، فيرخص لمثل هذا أن يصلي ولو كانت عينه على الجهاز، ولو كان يضرب، ولو كان يحرك أصابعه، فيذكر الله عز وجل، فيقول: الله أكبر، ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2]، ويقرأ ذكره وورده على ما هو عليه، ويصلي بالانتقال، كالحال في العاجز عن القيام والركوع والسجود، وذلك متى ما كان الوقت لا يسمح، ولا يمكن لغيره أن يكون في موضعه. وهكذا لو كان داخل الآلات كالدبابات ونحوها فإنه يصلي بداخلها، سواء أكان على قبلة أم على غير القبلة، خاصة في حال الهجوم، أو حال دفع الهجوم، فإنها -كما يسميها العلماء- حالة المسايفة، وفي حالة المسايفة قرر العلماء رحمهم الله في القديم أنه يصلي على حالته وهو يضرب بالسيف، فلا فرق بين أن يضرب بسيفه، أو برشاشه، أو بمدفعه، أو بقنابله، كل ذلك سائغ؛ لأن المراد المحافظة على النفس والنكاية بالعدو، فيصلي على حالته بشرط أن لا يمكنه إلا ذلك، وبشرط أن يكون وقت الصلاة لا يسع إلا لهذا، أما لو أمكنه أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها ثم يصلي على صفتها فيلزمه ذلك ويجب عليه.
حمل السلاح في صلاة الخوف
حمل السلاح في صلاة الخوف [ويستحب أن يحمل معه في الصلاة من السلاح ما يدفع به عن نفسه ولا يثقله كسيف ونحوه]. مذهب الجمهور أن حمل السلاح للطائفة الأولى والثانية مستحب. والصحيح والأقوى هو مذهب الظاهرية وطائفة من أهل الحديث ويقول به جمع من الفقهاء، وهو أن حمل السلاح واجب؛ لأن الغالب أن العدو يتربص، والله سبحانه وتعالى نبه على هذا، ولما ورد الأمر بأخذ السلاح وحمل السلاح فالأصل في هذا الأمر أن يبقى على ظاهره حتى يدل الدليل على صرفه عن هذا الظاهر، ولذلك لا بد من حمل السلاح، وحمل أقل ما يدفع به العدو من رشاش، أو نحو ذلك من الأسلحة التي يمكن أن يدفع بها العدو لو هجم عليهم، وهكذا لو كان الموضع الذي يصلي فيه يوضع فيه من الآلات والأجهزة ما يمكن به الدفع عند مباغتة العدو، فبعض الأجهزة الآن لا يمكن حملها على جسد الإنسان، كالرشاش الكبير أو نحو ذلك، فيمكن أن يصلي وهو بجواره، بحيث لو دهم العدو يدفعه، أما أن يتركه في موضعه ويتباعد عنه فإن هذا يخالف نص القرآن لقوله تعالى: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:102]، فليس من الحذر أن يترك الإنسان سلاحه ومع غلبة الظن بأن العدو يتربص، والله سبحانه وتعالى يقول: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:102]، فليس من الحذر ذلك، فكونه يأمر بحمل السلاح ثم يقول: {وَخُذُوا حِذْرَكُمْ} [النساء:102]، يدل دلالة واضحة على أن الأمر بحمل السلاح على الوجوب، وهذا من القوة بمكان.
حكم صلاة الخوف في القتال المحرم، وحكمها لطائفة من الجيش
حكم صلاة الخوف في القتال المحرم، وحكمها لطائفة من الجيش ذكر المصنف صلاة الخوف، لكن هذه الصلاة لا تشرع إلا بشرط أن يكون القتال مشروعاً، أما لو كان القتال محرماً فلا، فإن الرخص لا تستباح بالمحرمات، فلو كان القتال قتال بغي، كأن يخرج إنسان باغٍ على المسلمين، أو معتدٍ على المسلمين، أو مفارق جماعة المسلمين -والعياذ بالله-، فمثله لا تشرع في حقه صلاة الخوف. ثم إن صلاة الخوف لا يشترط فيها أن يصليها كل الجيش، فلو أن طائفة صلت صحت صلاتهم، ولو أن طائفة من المسلمين نزلوا في موضع وطلبهم عدو فإنهم في حكم الجيش، فإذا كانوا ستة أنفار فإنه يقسمهم إلى قسمين: ثلاثة في وجه العدو وثلاثة يصلون معه، ولو كانوا أربعة فإنه يقسمهم، فتكون اثنان في وجه العدو واثنان معه، وقيل: لا يكون المصلون أقل من أربعة، لقوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102]، ولكن قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء:102] خرج مخرج الغالب في قتال العدو، وهو أنه لا يكون عددهم أقل من الطائفة، وهي من الثلاثة إلى العشرة. ولذلك قالوا: أقل ما تنقسم عليه الصفوف ثلاثة. وعلى هذا فكأنهم يقولون: صلاة الخوف لا تشرع لأقل من ستة؛ لأنه لا يمكن قسمهم إلى صفين، ولكن إذا كانوا ثلاثة ثلاثة فيمكن أن يكونوا طائفة مع الإمام. والصحيح أنه يمكن أن تكون صلاة الخوف بناء على وجود الوصف الغالب، والقاعدة أن النص إذا خرج مخرج الغالب لم يعتبر مفهومه. فذكر الطائفة هنا خرج مخرج الغالب، فلو فرضنا أن سبعة خرجوا في مهمة في أرض العدو ثم حضرتهم الصلاة، فإنه يشرع لهم أن يصلوا صلاة الخوف. ولا يشترط في صلاة الخوف أن يصليها الجيش بعامته، بل لو كان بعض الجيش على ثغر من الثغور وعددهم عشرة أو اثنا عشر، فيمكن أن يصلوا صلاة الخوف بهذه الصفة، فلا يشترط فيها أن يصليها الجيش بكماله.
حكم صلاة الخوف في غير خوف القتال
حكم صلاة الخوف في غير خوف القتال في حكم الخوف في القتال الخوف بغير القتال الذي يكون في الغزوات وغزو الجيوش، فلو كان إنسان مطلوباً من إنسان آخر يريد أن يأخذه، أو أن قوماً بغاة أو قطاع طريق هجموا على طائفة من المسلمين، فإن هؤلاء المظلومين من هؤلاء الذين هجموا عليهم يشرع لهم أن يصلوا صلاة الخوف، فلا يشترط أن يكون في جهاد الدفع أو جهاد الطلب، بل حتى إذا خشي الإنسان على نفسه فإنه يصليها. وهنا مسألة، وهي صلاة المطلوب، ومثالها: طلبك عدوك وأنت على دابتك، فلو نزلت تصلي أدركك العدو وغلب على ظنك أنك تهلك، فهذه المسألة اختلف فيها العلماء. والمطلوب هو الذي طلب بالظلم، أما لو طلب بحق فلا، فالمطلوب: هو الذي يخشى على نفسه لو نزل وصلى الصلاة على صفتها في الأرض أن يدرك، فأصح الأقوال في المطلوب أنه يصلي على حالته، فلو كان على سيارة فإنه يصلي ويومئ على قدر ما يستطيع، ولو كان على فرس أو على بعير فإنه يصلي ويومئ على قدر حالته، وهكذا لو فر بقدميه فلو توقف فسيدركه العدو، فإنه يصلي وهو يعدو على حالته، وهكذا لو فر على سيارته، أو فر على دابته، وهذا كله من رحمة الله عز وجل ولطفه بعباده، فالحمد لله على سعة رحمته، والحمد لله الذي جعل هذا الدين دين تيسير لا دين تعسير، وجعل فيه من الخير والرحمة واليسر على عباده، فالحمد لله على هذا الفضل العظيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
باب صلاة الجمعة [1]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [1] يوم الجمعة هو خير أيام الأسبوع، ففيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه تاب الله عليه، وفيه تقوم الساعة، وقد شرع الله صلاة الجمعة وفرضها، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة، وانعقد إجماع العلماء رحمة الله عليهم على وجوبها، وأنها فرض عين على المكلفين بشروطها المعتبرة.
أحكام صلاة الجمعة
أحكام صلاة الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الجمعة]. الجمعة: مأخوذة من الاجتماع، وهو ضد الانفراد. وسميت الجمعة جمعة لأجل اجتماع الناس، وذلك أن الناس يجتمعون للخطبة والصلاة، فوصفت هذه الصلاة بهذا الوصف لاشتمالها على اجتماع الناس. وقيل: لأن الله عز وجل جمع في هذا اليوم خلق آدم، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فيه خلق آدم). وقيل: لاجتماع الخلق فيه بخلق آدم. وقيل: سميت (جمعة) اسماً إسلامياً، ولم يكن ذلك معروفاً في الجاهلية، وذلك أن هذا اليوم كانوا يسمونه يوم العروبة، ثم إن الإسلام سماه باسم يوم الجمعة وهذا هو الصحيح، فلم يكن اسماً جاهلياً وإنما سمي في عصر الإسلام. وهذا اليوم هو أفضل أيام الأسبوع، وهو خير أيام الأسبوع، وفيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه تاب الله عز وجل عليه، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وما من يوم جمعة يصبح العباد فيه إلا وكل دابة مصيخة -أي: مستمعة- تخاف أن تقوم الساعة، ولذلك عظم الله شأن هذا اليوم، وثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خير الأيام. وقد اختلف العلماء في خير الأيام: فقال بعض أهل العلم: خير الأيام هو يوم الجمعة. وقال بعض العلماء: خير الأيام هو يوم عرفة. وهذان قولان مشهوران للعلماء، فمنهم من يقول: يوم الجمعة أفضل من يوم عرفة. ومنهم من يقول: يوم عرفة أفضل من يوم الجمعة. وفائدة هذا الخلاف تظهر فميا لو أن إنساناً قال: لله عليَّ أن أعتق عبدي في أفضل أيامه فمن يقول: إن يوم الجمعة هو أفضل الأيام يقول: إنه يقوم بفعل الطاعة في هذا اليوم ويجزيه، ومن يقول: إن يوم عرفة هو أفضل يقول: لا يخرج من نذره ولا تبرأ ذمته إلا بالعتق يوم عرفة. وأصح الأقوال عند المحققين أن التفضيل نسبي، فيكون يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة أفضل أيام العام، وذلك أن الله اختار فكان الاختيار نسبياً، فإن نظر إلى أيام الأسبوع المتكررة فإن أفضل شيء هو يوم الجمعة، على ظاهر النص الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما بالنسبة إلى العام كله فخيرها وأفضلها يوم عرفة، وهذا التفضيل النسبي فيه جمع بين النصوص، وذلك أن تفضيل كلا اليومين قد خرج من مشكاة واحدة، ولا شك أن الوحي بريء من التعارض، ولذلك يجمع بهذا الجمع، فيقال بتفضيل الجمعة بالنسبة للأسبوع، وبتفضيل يوم عرفة بالنسبة للعام كله. وقد شرع الله الجمعة وفرضها، ودلّت الأدلة على هذه الفرضية، كما في دليل الكتاب العزيز والأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانعقد إجماع العلماء رحمة الله عليهم على وجوب الجمعة، وأنها فرض عين على المكلفين بشروطها المعتبرة. أما دليل الكتاب على وجوبها فقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، فإن قوله تعالى: (فاسعوا) أمر، والأمر دال على الوجوب، فأمر سبحانه وتعالى بالمضي إلى الجمعة، فدل على لزومها وأنها من فروض الأعيان. كذلك أيضاً ثبتت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم التي دلت على وجوبها، ومن أقوى ما ورد في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليطبعن الله على قلوبهم -وفي رواية: أو ليختمن الله على قلوبهم- ثم ليكونن من الغافلين)، ووجه الدلالة من هذا الحديث الصحيح أنه توعد من ترك الجمعة وتخلف عنها، وهذا يدل على حرمة تركها من غير عذر، وإذا كان تركها من غير عذر حراماً، فإن هذا يدل على وجوبها؛ لأن الوعيد إنما يأتي على ترك الواجب أو فعل المحرم. وانعقد الإجماع على وجوب الجمعة ولزومها، وهذا على تفصيل سنذكره، فهناك من تلزمه وهناك من لا تلزمه إذا وجد العذر لسقوط الوجوب عنه. والجمعة يوم فضله الله وشرفه، وقد شرعه الله عز وجل لهذه الأمة، وفضلها وشرفها بدلالتها على هذا اليوم، كما في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إننا السابقون، وإن أهل الكتاب تبع لنا)، فأضل الله اليهود والنصارى عن هذا اليوم المفضل المكرم المشرف المعظم، وهدى إليه أمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فأصبحت بهذه المنزلة العظيمة حيث شرّفها الله بهذا اليوم الذي فيه الفضائل العظيمة، حتى ذكر بعض العلماء أن هناك ما يقرب من مائة فضيلة تخص هذا اليوم، فاليهود ضلوا عنه فأصابوا يوم السبت ولم يصيبوا الجمعة، والنصارى ضلوا عنه فأصابوا يوم الأحد، كما قال عليه الصلاة والسلام: (اليهود غداً والنصارى بعد غد)، وهذا يدل على فضل هذا اليوم، وتفضيل الأمة باختياره لها واختيارها لهذا اليوم، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. فالناس في يوم الجمعة يجتمعون لكي يعرف المسلم إخوانه، وينظر أحوالهم، ويتفقد أمورهم، وقبل ذلك يجتمعون في كل يوم على خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فيجتمعون في أحيائهم، ثم إذا كان يوم الجمعة تداعى الناس من أطراف المدينة، فنظر المسلم إلى إخوانه الذين يعيشون معه في بلدته ومدينته، فإن كان غنياً عطف على الفقراء والضعفاء والمحتاجين وواساهم، وكذلك تنبه لإخوانه المرضى والمنكوبين فزارهم وعادهم، كما يجتمع الناس يوم الجمعة لكي يشعروا بألفة الإسلام ومودته ومحبته، ويشعر الناس أنهم أمة واحدة بهذا الدين الذي جمع بينهم على اختلاف أحسابهم وأنسابهم وأقطارهم وألوانهم، وكل ذلك من الله سبحانه وتعالى بحكم عظيمة ينبغي للمسلم أن يتنبه لها، فليس هذا الاجتماع يراد به أداء الصلوات مجردة عن هذا الشعور الإسلامي النبيل الذي يحس به المسلم أنه مع أخيه المسلم كالجسد الواحد يشد من أزره ويعضده ويناصره ويؤازره ويتعاون معه على الخير.
بيان من تجب عليهم صلاة الجمعة
بيان من تجب عليهم صلاة الجمعة قال رحمه الله تعالى: [تلزم كل ذكر حر مكلف مسلم]. أي: تجب الجمعة على كل ذكر. وقلنا: إن اللزوم والوجوب دليله دليل الكتاب والسنة والإجماع. وقوله: [ذكر] خرج به الأنثى، فالجمعة لا تلزم الأنثى، إذ قد أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن المرأة لا تجب عليها الجمعة، ولكن لو حضرت المرأة الجمعة فإنها تصح منها ولذلك تعتبر النساء من الطائفة الذين لا تلزمهم الجمعة، ولكن إذا حضرنها صحت منهن، ولذلك قالوا: إن النساء لا تلزمهن الجمعة ولا الجماعات، فلا تلزمهن الصلوات الخمس جماعة، وكذلك لا تلزمهن الجمعة. وقوله: [حر]. خرج به العبد، فالعبد لا تلزمه الجمعة في قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم، وخالف داود الظاهري فقال بوجوبها ولزومها على العبد، ووافقه الإمام أحمد في رواية، وقالا: إن العبد يجب عليه أن يشهد الجمعة؛ لأنها فرض عيني فاستوى هو والحر. وقد جاء في سقوط الجمعة عن العبد حديث عن طارق بن شهاب، وهذا الحديث تكلّم العلماء رحمهم الله على سنده؛ لأن طارقاً لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه بعض الرواة تكلم فيهم، وتسامح بعض أهل العلم رحمة الله عليهم فيه؛ لأنه وإن كان طارق لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه صحابي؛ لأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، فهو صحابي، ويكون حديثه أشبه ما يكون بمرسل الصحابي، وقد دل هذا الحديث على سقوط الجمعة عن العبد والمريض والمسافر والمرأة، فقالوا: إن العبد لا تجب عليه الجمعة؛ لأنه مشغول بخدمة سيده، والله أمره بأن يكون في خدمة سيده، فلذلك لا تجب عليه الجمعة. والقول بوجوبها على العموم من القوة بمكان، إلا إذا وجد ما يشهد للحديث بالصحة فلا إشكال. قوله: [مكلف]. التكليف شرطه البلوغ والعقل، فلا نقول للصبي صلِّ الجمعة على سبيل الإلزام، فلا تلزمه الجمعة ولا تنعقد به، والمجنون لا تلزمه ولا تنعقد به ولا تصح منه، وسنبين معنى الانعقاد. وأما بالنسبة للصبي فإنها لا تنعقد به ولا تلزمه، ولكن تصح منه إن فعلها، وهذا إذا كان مميزاً لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فدل على أن الصبي لو صلى صحت صلاته وكانت معتبرة، ولكن لا تجب عليه. فالتكليف شرطه البلوغ والعقل، فالمجانين لا يطالبون بشهود الجمعة، وكذلك الصبيان، ولكن يؤمر الصبيان في قول بعض العلماء بشهود يوم الجمعة أمر تعليم وإرشاد، وهو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نأمر الصبيان بالصلاة، ولم يفرِّق بين الجمعة وغيرها، فلذلك يأمر الوالد ولده إذا بلغ سبع سنين أن يشهد الجمعة ولا يلزمه بها، ثم إذا بلغ العاشرة فإنه يضربه إن تخلف عنها. والتكليف -كما قلنا- شرطه البلوغ والعقل، ولا يحصل التكليف باختلال أحد الشرطين، وقد نظمها من قال: وكل تكليف بشرط العقل مع البلوغ بدم أو حمل أو بمني أو بإنبات الشعر أو بثمانية عشر حولاً ظهر فقوله: مع البلوغ بدم أو حمل أي: علامة البلوغ دم المرأة إذا حاضت، والحمل يعتبر دليلاً على كونها بالغة. وقوله: أو بمن أراد به الاحتلام لظاهر حديث علي رضي الله عنه. وقوله: (أو بإنبات الشعر). أي: يعتبر البلوغ: بإنبات الشعر كذلك، وأصح الأقوال أن الإنبات يعتبر دليلاً على البلوغ، أي: ظهور شعر العارضين، وشعر العانة، وشعر الإبط على خلاف فيه. وقوله: أو بثمانية عشر حولاً ظهر الصحيح أن سن البلوغ خمسة عشر، وثمانية عشر هو مذهب المالكية والحنفية في الذكور، وسبعة عشر في الإناث، وأما عند الشافعية والحنابلة فخمسة عشر، وهو الصحيح لحديث ابن عمر. والحاصل أن الإنسان غير مكلف ومأمور بالجمعة أمر إلزام من جهة التكليف إلا إذا كان بالغاً عاقلاً، فلما قال: (مكلفٍ) أشار إلى هذين الشرطين. وقوله: [مسلم]. خرج به الكافر، والكافر مختلف فيه، فمن يقول: إنه غير مخاطب بفروع الإسلام يقول: لا تلزمه حتى يسلم. ومن يقول: إنه مخاطب بفروع الإسلام يرى أن الكافر ممن تلزمه الجمعة ولا تصح منه. قوله: [مستوطن ببناء اسمه واحد ولو تفرق]. أي: تلزمه الجمعة إذا كان مستوطناً ببناء، والسبب في ذلك أن الأصل في المكلف أن يصلي صلاة الظهر، فإذا انتقل عن هذا الأصل إلى صلاة الجمعة ركعتين فكأننا بالجمعة نسقط عنه التكليف بالركعتين الأخريين، فلا نسقطها إلا على الصفة التي وردت عليها الجمعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يثبت في دليل أن الجمعة يصليها غير المستوطن، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سافر وزال عنه وصف الإقامة والاستيطان لم يجمِّع صلوات الله وسلامه عليه، فدل هذا على أن الاستيطان شرط، وهناك أحاديث ضعيفة في اشتراط الاستيطان في الجامع، والصحيح أن هذا الاستيطان منتزع من صورة الأصل، ولذلك يقولون: لا تصح الجمعة لغير المستوطنين. وبناء عليه فأهل البادية الذين يرحلون للمرعى، والذين إذا نزل المطر في موضع ينتقلون إليه ولا يثبتون في مكان، بل ينتقلون على حسب المراعي لا تجب عليهم الجمعة، ولا نلزمهم بها؛ لأنهم غير مستوطنين في موضعهم، ولو استوطنوا صيفاً فإنهم يرتحلون شتاءً، ولو استوطنوا شتاءً فإنهم يرتحلون صيفاً، ولو استوطنوا ربيعاً فإنهم يرتحلون في الخريف، وهكذا، فليسوا بمستوطنين، والاستيطان -كما ذكر المصنف- إنما يعتبر إذا كان ببناء وكانت فيه الجوامع، كالمدن والقرى العامرة، فهذا لا إشكال فيه، أما لو كانوا غير مستوطنين كأهل العمود والخيام فإنه لا يحكم بوجوب الجمعة عليهم، ولذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم من كانوا في البادية أن يجمِّعوا، فدلّ على أن الجمعة إنما تكون لأهل الجوامع والأمصار والمدن والقرى ونحوها. قوله: [اسمه واحد ولو تفرق]. أي: يكون هذا البناء اسمه واحد ولو تفرقت بيوت أهله، فبعض المدن تكون فيها المحلات وقد تتباين وتتباعد، لكنها في حكم المدينة الواحدة واسمها واحد، ولو تفرق البنيان بأن تكون في منطقة خمسة بيوت، وفي أخرى خمسة بيوت، وخمسة بيوت في منطقة أخرى، ونحو ذلك لكنها في حكم المدينة الواحدة، فإنهم يعتبرون كالمستوطنين في الجامع، وتجب عليهم الجمعة. قوله: [ليس بينه وبين المسجد أكثر من فرسخ]. أي: من شروط إلزام المكلف بالجمعة ألا يكون بين المكلف وبين المسجد الذي فيه الجمعة أكثر من فرسخ، والسبب في ذلك أن الجمعة إنما تجب بسماع النداء، والنداء يسمع في حدود فرسخ إذا كان في زمن ليس بشديد الحر، ولا تتحرك فيه الرياح كالحال في الفجر. ويقوِّي هذا ما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد شهد الصحابة الجمعة مع النبي صلى الله عليه وسلم من قباء، وكذلك من ضواحي المدينة كالعوالي، وهي تبعد عن المدينة ثلاثة أميال أو أربعة، على حسب قرب المزارع ودنوها من المدينة، فهي في حدود الفرسخ، والفرسخ، ثلاثة أميال، كما قيل: إن البريد من الفراسخ أربع ولفرسخ فثلاثة أميال ضعوا فالفرسخ ثلاثة أميال، وهذا القدر إنما هو نسبي تقريبي، فمن كان في هذه المسافة فإنه يسمع النداء وتلزمه، وبناء على ذلك قالوا: إذا كان بعيداً عن المصر أو عن الجامع بهذا القدر يلزمه أن يصلي الجمعة، أما لو كان -مثلاً- على بعد سبعة كيلو مترات فما فوق فإن هذا لا تجب عليه الجمعة، ولكن يصلي ظهراً، فإن نزل وجمَّع فلا حرج فمثل هذا يقال فيه: لا تلزمه، وإن حضرها صحت وانعقدت به، فهو على غير المسألة المعتبرة. لكن بالنسبة للذين هم داخل المدن ولو كانوا على بعد عشرين كيلو متراً فإنه تلزمهم الجمعة، فلو كانت المدينة طولها -مثلاً- أربعون كيلو متراً وكان بعدهم عن وسط المدينة الذي يكون فيه المسجد قرابة عشرين كيلو متراً، فإنه تلزمهم الجمعة؛ لأنهم في حكم البلد الواحد، وبناء على ذلك يلزم القريب والبعيد داخل المدينة أن يصلي الجمعة، ولا يقال: إن من كان على بعد أحد عشر كيلو متراً من وسط المدينة لا تلزمه الجمعة. بل نقول: إن من كان على حدود المدينة يلزمه أن يجمِّع مع أهلها.
بيان من لا تجب عليهم صلاة الجمعة
بيان من لا تجب عليهم صلاة الجمعة قال رحمه الله تعالى: [ولا تجب على مسافر سفر قصر ولا على عبد وامرأة]. أي: لا يلزم الإنسان إذا كان في السفر أن يصلي الجمعة، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة في السفر، ولم يثبت عنه في أي سفر من أسفاره أنه جمع، ولذلك أجمع العلماء رحمهم الله على أن المسافر لا تلزمه الجمعة، ويؤكد ذلك فعله صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة، فإنه خطب الناس خطبة حجة الوداع، وقد كان بالإمكان أن يصليها جمعة، وقد كان أهل مكة معه عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لم يصل بهم جمعة. ومن البدع والغرائب التي يقع فيها من لا ينتبه لهذه الأحكام الشرعية أنه ربما يخرج بعضهم إلى رحلة مبتعدين عن المدينة مسافة قصر ثم يصلون جمعة، وقد يمكثون شهراً أو أسبوعين أو ثلاثة، فجمعتهم باطلة وتلزمهم إعادتها ظهراً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع الناس في السفر، وقد سافر صلوات الله وسلامه عليه ولم يثبت عنه حديث صحيح أنه صلى الجمعة في السفر، وأجمع العلماء رحمهم الله على أنه لا جمعة على المسافر إذا كان في حال السفر. أما لو دخل المسافر المدينة، كرجل من أهل المدينة قدم إلى مكة يوم الجمعة، فقد اختلف في هذا العلماء: فمنهم من قال: يلزمه أن يصلي معهم الجمعة. ومنهم من قال: لا يلزمه، على الخلاف الذي ذكرناه في الجماعة. وقد استدل العلماء بحديث طارق بن شهاب في ذكره للأربعة الذين لا تجب عليهم الجمعة حين ذكر منهم المسافر، فقالوا: إن المسافر لا تلزمه الجمعة. قوله: [ولا على عبد]. أي أن العبد لا تلزمه الجمعة، فالمصنف شرع في ذكر عكس الشروط المتقدمة للايجاب من قوله: [ولا تجب على مسافر. ]؛ فلما ذكر لنا أنها تلزم الحر ذكر هنا أنها لا تلزم العبد، فهو عكس ما ذكرناه من الشروط. قوله: [وامرأة]. أي: لا تجب الجمعة على النساء لما ذكرناه. قال رحمه الله تعالى: [ومن حضرها منهم أجزأته ولم تنعقد به]. أي: من حضرها من العبيد ومن النساء؛ لأنهم ليسوا من أهل الجمعة. قوله: [ولم تنعقد به]. مسألة الانعقاد ترجع إلى اشتراط عدد المصلين للجمعة، فمذهب الجماهير أنه يشترط لها عدد معين، ثم اختلفوا في هذا العدد: فقال بعضهم: أربعون. وقال بعضهم: اثنا عشر. وقال بعضهم: أربعة. وقال بعضهم: اثنان. فهذه مشهورات الأقوال في هذه المسألة، فلو قلنا: إن العدد يشترط فيه أن يكون أربعين، فإنه إذا حضر تسعة وثلاثون من الرجال البالغين العاقلين وحضرت امرأة، لا تنعقد الجمعة، وكذلك لو حضر عبد على هذا القول الذي ذكرناه، لكن الصحيح أن العبد يلزم بالجمعة وتنعقد به، فلو حضر تسعة وثلاثون وعبد فإنه انعقدت به الجمعة. قال رحمه الله تعالى: [ولم يصح أن يؤم فيها]. أي: أن امرأة حضرت فلا تصلي ولا تجمِّع بغيرها ولو بنساء، وكذلك العبد، فإنه لا يجمِّع بالأحرار في قول طائفة من أهل العلم رحمهم الله، واختاره المصنف. وذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم إلى أن العبد تصح إمامته في الجمعة. وقد قررنا أن العبد تصح جمعته ويلزم بها، وعلى ذلك فأنه لو صلى بهم صحت إمامته واعتد بتلك الجمعة وكانت مجزئة.
وجوب صلاة الجمعة على من حضرها إذا سقطت عنه
وجوب صلاة الجمعة على من حضرها إذا سقطت عنه قال رحمه الله تعالى: [ومن سقطت عنه لعذر وجبت عليه إذا حضرها وانعقدت به]. من مرض مرضاً يعذر به في عدم شهود الجمعة فتحامل على نفسه واحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى حتى جاء ودخل المسجد، فحينئذٍ تجب عليه وتنعقد به وتصح إمامته للناس، فلو أن الإمام مرض فقوى الله سبحانه وتعالى نفسه وعزيمته فقال: أحتسب الأجر عند الله تعالى، وصلى بالناس صحت جمعته وأجزأته وانعقدت به، وعلى هذا فالمريض ممن لا تلزمه الجمعة، وتصح منه وتنعقد به، لا تلزمه الجمعة ولكن تصح منه إن حضرها وتنعقد به. والعذر بالمرض يشمل المريض والممرض للمريض، فإن الممرض للمريض يعتبر معذوراً، فلو أذن المؤذن للجمعة وكان المكلف قائماً على مريضٍ عنده كوالده أو زوجته أو ابنته أو ابنه، وخشي عليه الضرر وتفاقم المرض، أو كان يحتاج إلى حمله للإسعاف ونحو ذلك، فله أن يجلس مع هذا المريض، ويعذر بترك الجمعة إذا خاف عليه. وإذا كان المريض يحتاج إليه لسقي دواء وفعل علاج ونحو ذلك من الأمور التي يحتاج إليها المريض، فإن الشرع يرخص لمثل هذا، ويدل على ذلك ما جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه لما سمع الصارخ على ابن عمه وهو خارج إلى الجمعة ترك الجمعة وعاد إليه، فقام عليه حتى غسل وكفن ثم صلى عليه رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا فإن الممرض في حكم المريض، ويقال في الممرض مثلما يقال في المريض، فلا تلزمه الجمعة، ولكن إن حضرها انعقدت به وصحت، وأجزأت إمامته لو صلى بالناس. ومن المعذورين أيضاً من كان بينه وبين الجمعة وحل شديد ومطر، ولو خرج إلى الجمعة في شدة المطر الذي يعذر به وشهد الجمعة صحت جمعته، فيقولون: لا تلزمه، وتصح منه، وتنعقد به.
متى يصلي الظهر تارك الجمعة بغير عذر وتاركها بعذر
متى يصلي الظهر تارك الجمعة بغير عذر وتاركها بعذر قال رحمه الله تعالى: [ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام لم تصح]. هذه المسألة -نسأل الله السلامة والعافية- في رجل في مدينة قادر على شهود الجمعة مسلم عاقل بالغ حر مستوطن سمع نداء الجمعة فتخلف -والعياذ بالله- متعمداً بدون عذر، فحينئذ يرد Q متى يصلي الظهر؟ A الأصل فيه أن يصلي الجمعة، وبناء على ذلك فالواجب في حقه أن يمضي إلى الجمعة لظاهر قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، فإذا لم يسع إلى ذكر الله فإنهم قالوا: هذا المكلف مكلف بالجمعة، فلا يصلي ظهراً حتى تفوته الجمعة؛ لأن الأصل أنه مخاطب بالجمعة وليس مخاطباً بالظهر، فيبقى حتى يفرغ الإمام من صلاة الجمعة، أو يقدر ذلك على غلبة الظن وحينئذٍ يصلي، فلو صلّى قبل أن يصلي الإمام لم تصح منه ظهراً؛ لأنه يصلي الظهر قبل أن يخاطب بها، وفِعْلُ الصلاةِ قبل الخطاب بها موجبٌ للحكم بعدم الاعتداد بها وعدم إجزائها، كما لو صلى قبل أذان الظهر. وتوضيح ذلك أنه إذا صلى الظهر أثناء صلاة الناس للجمعة فإنه كالمتنفل للظهر؛ لأنه أثناء الصلاة كان بإمكانه أن يلحق ويصلي معهم الجمعة، فلا زال الخطاب متجهاً عليه أن يصلي ركعتي الجمعة وأن يشهد الجمعة، فلا يسقط عنه الخطاب بالجمعة حتى ينتهي وقت الجمعة فيتوجه عليه الخطاب بالظهر، ومن هنا قالوا: من لزمته الجمعة ولم يعذر بتركها لا تصح منه صلاة الظهر إلا بعد انتهاء الإمام من صلاة الجمعة. لكن من كان معذرواً لا يدخل في حكم هذا، وهو الذي سيذكره المصنف رحمة الله عليه. قال رحمه الله تعالى: [وتصح ممن لا تجب عليه، والأفضل حتى يصلي الإمام]. قوله: [وتصح] أي: تصح صلاة الظهر. وقوله: [ممن لا تجب عليه] أي: من عذر بتركها كالمرأة، فلو أن امرأة في بيتها أرادت أن تصلي الظهر يوم الجمعة، جاز لها أن تصلي أثناء صلاة الإمام، ويجوز لها أن تصلي قبل صلاة الإمام؛ لأن الجمعة ليست بواجبة عليها، والخطاب متوجه عليها بفعل صلاة الظهر بمجرد زوال الشمس، وعلى هذا يقولون: إنه يجب عليها أن تصلي الظهر بزوال الشمس فحينئذٍ لا علاقة لها بصلاة الإمام، فيستوي أن تصلي الظهر قبل الإمام وأن تصليه أثناء صلاة الإمام وأن تصليه بعد صلاة الإمام، كالحال في الصلوات العادية، فلو أذّن المؤذن للظهر، وبعد أذان الظهر مباشرة قامت وكبرت وصلت الظهر، فبالإجماع صلاتها صحيحة؛ لأنها مخاطبة بالظهر بمجرد دخول الوقت، وقد أدت الصلاة بعد دخول وقتها. وهكذا لو أن المريض صلّى بعد زوال الشمس يوم الجمعة فلا حرج عليه، فكل إنسان معذور لا حرج عليه. لكن قالوا: الأفضل في المعذور أن ينتظر انتهاء الإمام لاحتمال أن يزول عنه العذر، ولذلك قال: [والأفضل حتى يصلي الإمام] لما فيه من الاحتياط.
حكم السفر يوم الجمعة بعد الزوال
حكم السفر يوم الجمعة بعد الزوال قال رحمه الله تعالى: [ولا يجوز لمن تلزمه السفر في يومها بعد الزوال]. أي: لا يجوز للمكلف الذي تلزمه الجمعة أن يسافر بعد زوال الشمس من يوم الجمعة، والسبب في هذا واضح، وهو أن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، فقالوا: هو مكلف بفعل صلاة الجمعة بعد زوال الشمس ودخول وقت الجمعة، فإذا أراد أن يسافر فإنه يسقط هذا الوجوب ويحتال على الشرع. وبناء على ذلك قالوا: لا يجوز للإنسان أن يسافر بعد زوال الشمس من يوم الجمعة؛ لأن ذلك يؤدي إلى فوات صلاة الظهر. لكن لو كان يريد أن يسافر ويمكنه أن يصلي الجمعة في موضع آخر غير المدينة -كأن يسافر إلى قرية بجوار مدينته بحيث يدرك فيها الجمعة- فإنهم قالوا: لا حرج عليه؛ لأنه لم يقع في المحذور الذي من أجله منع من السفر يوم الجمعة، ولا يكون مخالفاً لأمر الله عز وجل بالمضي إلى صلاة الجمعة. فاستثنوا من هذا أن يكون بإمكانه أن يصلي الجمعة في المحل الذي يسافر إليه، أو في الطريق، كما لو كان بينه وبين البلد الذي يقصده قرىً تقام فيها الجمعة، أو مواضع يصلى فيها الجمعة ويعتد بهذه الجمعة، فقالوا: يجوز له في هذه الحالة أن يسافر ولا حرج عليه؛ لأنه لم يقع المحذور في تركه للجمعة. فالذي ذهب إليه بعض العلماء أن المنع يبتدئ من بعد الفجر؛ لأن نهار الجمعة يعتدّ به من طلوع الفجر الصادق. والاعتداد بطلوع الفجر الصادق أو بعد طلوع الشمس في جريان الأحكام عليه مسألة خلافية بين العلماء: فبعض العلماء يرى أن طلوع الفجر نهار، كما هو معلوم من قوله سبحانه وتعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ} [هود:114]، فإن المراد بهذه الصلاة التي في طرفي النهار: صلاة الفجر وصلاة العصر؛ لأنهما في طرفي النهار، فالفجر في طرفه الأول، والعصر في طرفه الثاني، فلما قال: (طرفي النهار) قالوا: إن هذا يدل على أن النهار يبتدئ من تبين الفجر الصادق. وفائدة هذا الخلاف تظهر في مسألة تقسيم الليل لمعرفة الثلث الأخير منه، فإن قلت: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق ويحكم بابتداء النهار بطلوع الفجر الصادق، فحينئذٍ تقسم الساعات من مغيب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق على ثلاثة، ويكون الثلث الأخير هو الثلث الذي قبل تبين الفجر الصادق، أما لو قلت: إنه يستمر إلى طلوع الشمس فلا إشكال.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الخنثى المشكل في وجوب صلاة الجمعة
حكم الخنثى المشكل في وجوب صلاة الجمعة Q هل تجب الجمعة على الجنثى المشكل؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الخنثى حكمها حكم الأنثى، والسبب في ذلك أن القاعدة: (اليقين لا يزول بالشك) فالخنثى متردد بين الرجل والمرأة، فلما كان الوصف بالرجولة أعلى قالوا: اليقين أنه أنثى حتى نتأكد أنه رجل. ولذلك فجماهير العلماء يعطون الخنثى حكم الأنثى، وقالوا: إنه يأخذ حكم الأنثى فلا تجب عليه الجمعة، وإنما تجب على الخنثى الذي استبان أنه رجل، وأما إذا كان خنثى مشكلاً فإنه لا تجب عليه الجمعة. والله تعالى أعلم.
العامل والأجير لا يأخذان حكم العبيد في إسقاط الجمعة عنهما
العامل والأجير لا يأخذان حكم العبيد في إسقاط الجمعة عنهما Q هل المراد بالعبد الخصوص في سقوط الجمعة عنه، أم يدخل معه العامل والأجير؟ A لا يأخذ العامل والأجير حكم العبيد، ولكن العامل والأجير فيهما نظر، فلو كان عند الإنسان مال، وكان العامل أو الأجير هو الحارس لهذا المال والقائم عليه، فإنه يجوز له أن يتخلف عن الجمعة إذا غلب على ظنه أنه لو نزل وصلى الجمعة سرق المال أو تلف، وهكذا من كان في حراسة ونحوها، فإنه يشرع له أن يتخلف عن الجمعة إذا كان قائماً على مصالح المسلمين، أو قائماً على حراسة الأنفس، وهكذا الطبيب إذا كان قائماً على علاج المريض، ونحو ذلك، فهؤلاء يرخص لهم في ترك الجمعة، وهم في حكم المعذورين، وقد تقدم معنا في صلاة أهل الأعذار الإشارة إلى مثل هذه المسائل. فإذا كان العامل يقوم على عمل فيه أموال وفيه مصالح لا يستطيع أن يتركها ويتخلف عنها، أو يغلب على ظنه أنه لو شهد الجمعة سرقت أو تلفت أو تعرضت للأذية والضرر، فإنه يجوز له حينئذٍ أن يتخلف للقيام عليها، ويكون معذوراً. والله تعالى أعلم.
ما يتفق فيه الرجل مع المرأة من أحكام الجمعة وما يختلفان فيه
ما يتفق فيه الرجل مع المرأة من أحكام الجمعة وما يختلفان فيه Q هل يجب على المرأة إذا حضرت الجمعة ما يجب على الرجل من الغسل، والصمت عند حضورها، وعدم مس الحصى ونحوها مما يبطل الجمعة؟ A تشارك المرأة الرجل في عدم جواز الكلام أثناء الخطبة، وكذلك يحكم بكونها لاغية إن تكلمت أو مست الحصى، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (من مس الحصى فقد لغى)، والقاعدة في الأصول أن (مَنْ) من صيغ العموم، ولذلك يقولون: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (من مس الحصى فقد لغى) محمول على العموم، وعلى هذا فإن المرأة لو كانت في المسجد فعبثت أو تكلمت فإنها لاغية، ويحكم عليها بما يحكم على الرجل. وأما اغتسالها للجمعة فقد قال به بعض العلماء، لقوله عليه الصلاة والسلام: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، فقالوا: إن (كل) من ألفاظ العموم. ولذلك يقولون: إنه يجب عليها أن تغتسل حتى إن بعضهم يقول: تغتسل المرأة ولو لم تشهد الجمعة. وإن كان الصحيح أن الغسل واجب على من شهد الجمعة؛ لأن حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الترمذي يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالغسل من أجل الشهود، فقد قالت: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمّال أنفسهم -أي: يقومون على أمورهم بأنفسهم-، وكانوا يغشون المسجد من العالية، وكانت الأرض أرض زرع، فعلت المسجد منهم زهومة، فأمروا أن يغتسلوا. فدل على أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل ليوم الجمعة إنما هو من أجل النتن، وذلك أن الناس إذا اجتمعوا ربما تضرروا بالرائحة الكريهة، حتى إن بعض العلماء يقول: كل صلاة شرع لها الاجتماع ينبغي أن يتنظف لها الإنسان ويتطيب حتى لا يؤذي الناس، ولذلك أمر بالتطيب صلوات الله وسلامه عليه. وبعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقول: إن المرأة إذا شهدت الجمعة فإنها تغتسل -أي: تتنظف- ولكن لا تتطيب كالرجل؛ لأن الطيب ورد للرجال دون النساء، وفي قوله عليه الصلاة والسلام: (مس من طيب امرأته)، وفي رواية: (مس من طيب أهله) كما في الصحيح، فقالوا: إن هذا يدل على أنه للرجال دون النساء، خاصة أنه قد قال صلى الله عليه وسلم:: (أيما امرأة مرت بقوم فوجدوا ريحها أو طيبها فهي زانية) قالوا: هذا يؤكد أنها لا تتطيب. والله تعالى أعلم.
حكم جمع صلاة العصر مع الجمعة للمسافر
حكم جمع صلاة العصر مع الجمعة للمسافر Q مسافر صلى الجمعة مع المقيمين، ثم قدّم صلاة العصر وصلاها قصراً، فما حكم صلاته للعصر؟ A هذه المسألة فيها خلاف، فلو أن مدنياً نزل بمكة يوم الجمعة، فقضى حاجته، وأراد أن يصلي الجمعة ثم يمشي بعد الجمعة مباشرة إلى المدينة، فجمع مع صلاة الجمعة العصر، فإنه قد قال جمع من العلماء رحمة الله عليهم: لا يجمعُ العصر مع الجمعة، وذلك لأن الجمع خارج عن الأصل، وإنما يقتصر فيه على الوارد، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع مع الجمعة صلاة العصر. قالوا: والرخص تقصر على صورة الإذن والجواز، أي: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لا يفصل بين الصلاتين إلا بالفاصل اليسير الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، واشترطوا لها شروطاً مخصوصة؛ لأنها خارجة عن الأصل. وقال جمع من العلماء بجواز ذلك. ولكن الأحوط ألا يفعله.
الواجب على المسافر إذا لم يصل الجمعة ظهرا
الواجب على المسافر إذا لم يصل الجمعة ظهراً Q كنا نخرج للعمل خارج القرية على بعد خمسة عشر كيلو متراً في البر، ونجتمع ونصلي الجمعة، فهل صلاتنا -على القول الذي رجحتموه- باطلة وتلزمنا إعادتها، أم أنا معذورون بالجهل؟ A تلزمكم إعادة هذه الجمعات كلها، ولو تعددت إلى سنوات، والجهل لا تعذرون به؛ لأنكم أقدمتم على أحكام شرعية مع إمكان الرجوع إلى العلماء، فليس هذا مسوغاً لإسقاط فرض الله عليكم الذي هو صلاة الظهر، ولذلك يقولون: من قصر عوقب بعاقبة تقصيره. فإنه كان بالإمكان أن تسألوا العلماء وتستأذنوهم، وأن تعرفوا أنه يحل لكم أن تصلوا الجمعة أو لا، أما أن يقال بالعذر بالجهل مطلقاً فإنه محل نظر، فجمعتكم هذه على غير الوجه الشرعي، ولا يستطيع الإنسان أن يتحمل مسؤولية أمام الله عز وجل، فما دمتم أنكم قصرتم في سؤال العلماء والرجوع إليهم فإنكم تتحملون مسئولية تقصيركم، وتعيدون هذه الصلوات، فإن كنتم لا تستطيعون عدّها فإنكم تبنون على غالب الظن وتقدرون، وغالب الظن كالمحقق، وبناء على ذلك فإنكم تبنون على غالب ظنكم العدد الذي تحسون أنكم أبرأتم به الذمة، فتعيدون صلوات الظهر في هذا كله؛ لأنها جمعة لاغية وغير معتد بها شرعاً. والله تعالى أعلم.
دخول غسل الجمعة تحت غسل الجنابة
دخول غسل الجمعة تحت غسل الجنابة Q من أصابته جنابة يوم الجمعة هل يلزمه غسلان للجنابة والجمعة؟ A من كان قبل صلاة الجمعة قد أجنب، ثم أراد أن يصلي الجمعة، فأصح الأقوال أن غسل الجمعة يندرج تحت غسل الجنابة بشرط أن ينوي، فينوي بغسل الجنابة غسل الجمعة، ويقع غسل الجمعة تحت غسل الجنابة، وهذه من مسائل الاندراج، فإذا تحقق مقصود الشرع بالاندراج يندرج. وتوضيح ذلك أن مقصود الشرع من غسل الجمعة أن يكون الإنسان نظيفاً على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة، فإذا اغتسل لجنابته تحقق مقصود الشرع من زوال التفث، وزوال النتن عن البدن، فحينئذٍ إذا نوى بغسله غسل جنابته وغسل الجمعة أجزأه واعتد به. والله تعالى أعلم.
الواجب على المسافر إذا طلب منه إلقاء خطبة الجمعة
الواجب على المسافر إذا طلب منه إلقاء خطبة الجمعة Q بعض طلاب العلم يخرج في سفر، ويطلب منه أن يخطب خطبة الجمعة، فما حكم هذا الفعل؟ وهل فيه خلاف بين أهل العلم؟ A هذه المسألة على الأصل الذي ذكرناه، فإنه لم يجمِّع عليه الصلاة والسلام بالمقيمين، ألا تراه قد جاء إلى مكة -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام- ولم يصل بأهل مكة الجمعة، ولذلك لا يجمِّع المسافر بالمقيمين لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن المسافر لو حضر وصلى الجمعة فإنها تنعقد وتصح به الجمعة على مذهب طائفة من العلماء. أي أنه إذا صلى بهم فإن صلاته يعتد بها. وفي النفس شيء من هذا القول، والذي ينبغي لطلاب العلم دائماً أن يحتاطوا، لكن لو أن الإنسان ترجح عنده القول الذي يرى أن المسافر يجمِّع وجمَّع بالناس فإنه لا حرج عليه في ذلك، خاصة إذا كان طالب علم وجاء إلى قرية أو إلى بادية وأراد أن يفقههم في أمور دينهم، وأن يبين لهم أموراً يحتاجون إليها فقدموه للصلاة بهم، فهذا يرخص فيه بعض العلماء، لكن الذي تميل إليه النفس الاحتياط في صلوات الناس، وعدم تعريضها للمحتمل. والله تعالى أعلم.
الجمع بين أدلة صلاة النبي للجمعة قبل الزوال وصلاته بعد الزوال
الجمع بين أدلة صلاة النبي للجمعة قبل الزوال وصلاته بعد الزوال Q كيف نجمع بين حديث جابر: (كان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين تزول الشمس)، وحديث: (ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به)، وحديث: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة)؟ A حديث جابر رضي الله عنه وأرضاه هو عمدة، وهو أقوى ما احتج به من يقول بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقع صلاته وخطبته قبل زوال الشمس، ولكن أجيب عن هذا القول بأن حديث جابر رضي الله عنه معارض بحديثين: أولهما: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ثانيهما: حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه في صلاته عليه الصلاة والسلام حين تزول الشمس. والقاعدة أنه إذا تعارض حديثان يحمل المحتمل على الوجه الذي يجمع به بينه وبين غير المحتمل، فإن حديث أنس من أقوى الأدلة على أن النبي صلى الله عليه وسلم ما صلى إلا بعد زوال الشمس، فيكون قوله: (نريح نواضحنا) متأخراً عن قوله: (صلى عليه الصلاة والسلام ... ) أي: كنا نصلي حين تزول الشمس، ثم نريح نواضحنا. لأن إراحة النواضح ليست مقصودة بالذكر، وليس زمانها مقصوداً ولا مبحوثاً عنه، فذكرت تبعاً لا أصلاً، وإنما يستقيم الاستدلال لو كان المعنى المفهوم أنه يخطب ثم يصلي ثم تراح النواضح حين تزول الشمس، وهذا -كما قلنا- ليس مراداً، على أن جابراً رضي الله عنه قصده أنه عليه الصلاة والسلام ابتدأ صلاته وخطبته عند زوال الشمس. وأما حديث أنهم كانوا يتبعون الفيء فلم يكن للحيطان ظل فهو حديث صحيح، ومعناه أنه ليس لها ظل يستظل به، كما قال جماهير الشرّاح، وهذا صحيح؛ فإن خطبة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن تزيد على خمس دقائق، وهذا أمر حقيقي وواقعي، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن من مئنة فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته، وكان عليه الصلاة والسلام يصلي بالجمعة والمنافقين، فإذا جئت تنظر إلى الجمعة فهي صفحة كاملة، وإذا جئت تنظر إلى المنافقين فهي كذلك صفحة كاملة، فمعنى ذلك أن خطبته عليه الصلاة والسلام دون الصفحتين، مع أنه عليه الصلاة والسلام من الفصاحة بمكان، وكلامه من الوضوح في غاية البيان صلوات الله وسلامه عليه، فتقسم الخطبتين على صفحة ونصف، فالخطبة الواحدة لا تبلغ الصفحة الكاملة، فكانت خطبته عليه الصلاة والسلام من القصر بمكان، وصلاته -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام- بالجمعة والمنافقين مع ترتيله وحسن أدائه صلوات الله وسلامه عليه قد لا تعدو ربع ساعة. والزوال يحتاج إلى حساب دقيق؛ لأن الشمس إذا تحركت من الزوال تحتاج إلى وقت، وهذا التحرك يستغرق قرابة أربع دقائق في انسحاب الشمس عند زوالها، ثم تحسب تبين الزوال، فإذا كان انسحاب الشمس في زوالها في حدود هذا الوقت اليسير فمتى يكون الفيء والظل للحيطان؟!! فإذا ابتدأ صلى الله عليه وسلم بعد زوال الشمس أو عند زوالها وخطب في هذا القدر اليسير، ثم صلى بالناس عليه الصلاة والسلام -وكان لا يملهم- ثم انصرفوا، فإن الحيطان حينئذٍ لها ظل، ولكن ليس بذاك الظل؛ لأنه إذا كان لها ظل كبير فقد اقترب خروج وقت الظهر. فالمشكلة أن بعض الأحاديث تفهم بناءً على الواقع؛ لأن الإنسان إن نظر إلى أن الجمعة تأخذ نصف ساعة، وأنه يركب سيارته، ثم يدخل إلى المسجد، ثم ينظر إلى الوقت الذي يضيع، فإنه يظن أن الجمعة تستغرق هذا الوقت الكبير، مع أنه عليه الصلاة والسلام كان يخرج من حجرته إلى المنبر مباشرة، ولا يصلي ولا يتنفل قبل خطبته، ويلغى كلامه على الناس عند ابتداء الزوال، ويؤذن بلال بدون تمطيط ولا أخذ وقت، ثم يقوم عليه الصلاة والسلام ببيانه وفصاحته بالكلمات اليسيرة، ثم يصلي بالناس وتنتهي الجمعة، فهذا القدر إذا جئت تحسبه ربع ساعة أو ثلث ساعة صدق عليه أنه لو انصرف الناس بعده لا يجدون للحيطان ظلاً، وفي رواية: أنهم كانوا يتتبعون الفيء، ومعنى ذلك أن هناك حيطاناً، وأنه قد زالت الشمس. ثم إننا نقول: إن حديث جابر قد عارضه حديث أنس، فعارض المحتمل غيرُ المحتمل، إضافة إلى حديث سلمة. وأما حديث: (ما كنا نتغدى ولا نقيل إلا بعد الجمعة)، فهذا لا إشكال فيه؛ فإن غداء الناس ومقيلهم نسبي، والقيلولة المعروفة قيلولة الضحى؛ لأن الوقت من طلوع الشمس إلى زوالها وقتان: ضُحى وضَحى، فإذا طلعت الشمس فهو الضُحى إلى أن تصل إلى ثلاث ساعات، وبعده يبدأ الضَحى -بالفتح- والضَحى قبل الزوال ما بين الضُحى وزوال الشمس، ثم بعد ذلك إذا زالت الشمس فإنه قد انتهى انتصاف النهار ودخل الإنسان في العشي، وقد كان من عادتهم أنهم ينامون قبل الظهر، وهذه هي القيلولة، وهذه القيلولة تعين على قيام الليل؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا نامها يستعين بها على قيام الليل، وهذا شيء معروف ومجرب، ولذلك تجد كبار السن يسهل عليهم قيام الليل، وهم يحافظون على هذه النومة التي قبل الظهر، وتكون قبل الظهر بحدود الساعة، وهي قائلة الضَحى التي عناها الصحابي بقوله في البخاري: (فنقيل قائلة الضَحى)، فكانوا لأجل اشتغالهم بالجمعة اغتسالاً وتهيؤاً لا يتمكنون من هذا النوم، فكانوا يؤخرونه إلى ما بعد صلاة الجمعة، فقوله: (ما كنا نتغدى ونقيل إلا بعد الجمعة) لا علاقة له بالوقت، وليس فيه دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقع الجمعة أثناء وقت الضَحى، ولم يصرح الصحابي بهذا، وإنما قال: (ما كنا نتغدى ونقيل إلا بعد الجمعة)، وهذا ليس كصريح حديث أنس رضي الله عنه الذي يبين أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وابتدأ صلاة الجمعة حين زالت الشمس، وأياً ما كان فعندنا أصول، والفقه الرجوع إلى الأصول، ألا ترى الصحابة رضوان الله عليهم لما مضوا إلى بني قريظة قال عليه الصلاة والسلام: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)، فاختلف الصحابة رضوان الله عليهم في قوله: (لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة)، فقالت طائفة: إن النبي صلى الله عليه وسلم قصد التعجيل فتصلى العصر في وقتها، وطائفة قالت: لا نصلي إلا في بني قريظة. فلما قدموا على بني قريظة قدموا بعد غروب الشمس فصلوا العصر بعد الغروب، فلما حكوا للنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفهم، فعذر الطائفتين؛ لأن الجميع عنده نص، لكن قال صلى الله عليه وسلم للذين صلوا في الوقت: (أصبتم السنة) التفاتاً إلى الأصل. فإذا كانت الجمعة قائمة مقام الظهر بدليل الشرع وإجماع العلماء على أن من فاتته الجمعة يصلي الظهر، وهي بدل عن الظهر، فالأصل أنها تصلى بعد الزوال، وعندنا نصوص تؤكد أنها بعد الزوال، فإذا جاءت نصوص تدل على أنها تقع قبل الزوال، أو يفهم منها أنها تقع قبل الزوال، فإنه يرجع إلى ما يكون أبرأ وأقرب إلى الأصل، فنقول: إنه لا يجمِّع إلا بعد الزوال، ولكن الأفضل أن يوقع الجمعة عند ابتداء الزوال تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على نبينا محمد.
باب صلاة الجمعة [2]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [2] دخول الوقت هو أحد شروط صلاة الجمعة، وقد اختلف العلماء رحمهم الله في تحديده، فمنهم من يقول: إن وقت الجمعة يبدأ من حين ارتفاع الشمس قدر رمح، ومنهم من يقول: من حين الزوال، ومنهم من يقول بعده، ويشترط كذلك شهود عدد معين لتقام الصلاة كما هو قول بعض العلماء، ويشترط كذلك الاستيطان في البلد، وأن تقدم الخطبتان على الصلاة، وهناك أمور يستحب أن يفعلها الخطيب في خطبته.
شروط صلاة الجمعة
شروط صلاة الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [فصل: يشترط لصحتها شروط ليس منها إذن الإمام]. الجمعة وقعت موقع صلاة الظهر، ولذلك قالوا: إنه لا بد من وجود شروط معتبرة للحكم بالاعتداد بهذه الجمعة، والحكم بصحتها وإجزائها شرعاً. قوله: [يشترط] الشرط في اللغة: العلامة، وفي الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. قوله: [ليس منها إذن الإمام]. هذه مسألة خلافية، فبعض العلماء يقول: لا تقع الجمعة إلا بالإمام العام أو بإذنه، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إماماً عاماً وجمَّع بالناس وصحت الجمعة، فهم يرون أن الأصل أن تصلي الظهر، فلا تنتقل من الظهر إلى الجمعة إلا على الصفة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلما جمَّع وهو الإمام العام قالوا: لا يعتد بالجمعة مع الإمام العام، ولما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة أن يجمعوا بالمدينة كان هذا بمثابة أصل في الإذن العام، ويشترط الإذن العام الحنفية رحمة الله عليهم ومن وافقهم. وذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط الإذن العام. والذي لا شك فيه أنه لا تقام الجمعة حتى يرجعوا إلى من هو موكّل بالنظر في الجمعة؛ لئلا يفتح للناس سبيل التلاعب بالجمعة، فكل جماعة سيفتحون في مسجدهم جمعة، وقد وقع هذا بين الأحياء، فإنهم ربما يتنافسون، وربما يكون فتحهم للجمعة في حيّهم أشبه ما يكون بالاستغناء عن الحي الآخر، فلا يعتد بالجمعة إذا تعددت مساجدها من دون عذر، فلو أن أهل حي قالوا: نفتح مسجداً عندنا ونصلي فيه الجمعة. وفعلوا ذلك بدون إذن، وبدون وجود فتوى من عالم، أو الرجوع إلى الموكل بالنظر في مثل هذه المساجد فإنه حينئذ لا يعتد بهذه الجمعة ولا تجزئ؛ لأنها أشبه ما تكون بالتلاعب والاحتيال، وقد قرر جمع من العلماء أنه لو أقدم أهل حي على إحداث جمعة في حيهم على سبيل النفرة من الحي الآخر، أو على سبيل الأنفة من الذهاب إلى الجمعة في الحي الآخر دون وجود عذر فإن مسجدهم مسجد ضرار، ولا يعتد بجمعتهم، والجمعة للمسجد الأول القديم، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم جمعتان، بل كانت في مدينته صلوات الله وسلامه عليه جمعة واحدة، مع أنه كان الأنصار في قباء بينهم وبين المسجد ثلاثة أو أربعة أميال، وكانت طائفة منهم من العوالي، ولذلك أُمر الناس بالغسل يوم الجمعة، كما قالت عائشة: كانوا يغشون الجمعة من العالية -والأرض أرض زراعة وفيها الغبار- فعلت منهم زهومة -أي: بسبب العرق في الطريق-، ومع ذلك لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أهل العالية أن يجمِّعوا، فقالوا: إنه لم يعرف إقامة جمعتين في بلدة واحدة. وأول ما وقع ذلك في عهد بني العباس، وإلا فعهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم لم تجمع فيه جمعتان، وكان أهل قباء يصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عهد بني العباس، فإنه وقعت حادثة حاصلها أن الناس في بغداد كان بعضهم في شط وبعضهم في شطر آخر ليس فيه المسجد الجامع، وكان الناس في يوم الجمعة على الجسر يزدحمون، وربما سقط بعضهم ومات، فاشتكوا إلى الخليفة فاستأذن الخليفة القاضي أبا يوسف رحمه الله صاحب الإمام أبي حنيفة أن يجمع أهل الشط الثاني، وقد كانت بغداد عامرة، فقد قيل: إن فيها ما لا يقل عن ثلاثمائة أو أربعمائة مسجد في ذلك الزمان، ومع ذلك لم يرخص لهم إلا بعد وجود الضرورة، فلما وجدت الضرورة أمرهم أن يجمعوا وأن يعيدوها ظهراً احتياطاً، وكل ذلك خوفاً من هذا التعدد الذي لم يعرف له أصل أن لا يكون معتداً به. ولكن الصحيح أنه يجوز تعدد الجمعة عند الحاجة وبإذن الإمام، أي: بعد الرجوع إلى أهل العلم، أو أناس مختصين بهذا أذن لهم في مثل هذه الأمور. أما أن يقيم أهل كل حي وأهل كل منطقة الجمعة في حيهم ومنطقتهم فلا، ولذلك ينبغي الرجوع إلى المساجد المعتد بها، ومن هنا قال العلماء: وإن تعددت الجمعة فالجمعة للعتيق، أي للمسجد القديم، والسبب في هذا أن ما أحدث من بعده دخيل عليه، وقد قال الله في كتابه: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فجعل المسجد القديم أحق، فدل على أنه إذا أحدث مسجد ثان من دون حاجة لجمعة أن الجمعة الثانية لاغية. وذهب بعض العلماء إلى التفصيل، قالوا: لو أحدثوا بدون إذن إمام وجمعوا نظر إلى أسبق الجمعتين، فمن أوقع صلاته قبل الثاني فالجمعة له. وهذا ضعيف، ويقول به بعض أصحاب الشافعي رحمه الله. والصحيح -كما قال جمع من الأئمة- أن العبرة بالمسجد القديم، سواء أوقعت جمعته قبل أم وقعت من بعد، فهو الذي يعتد بجماعته على ظاهر التنزيل، وهو قوله تعالى: {لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]. أما لو كان الناس في بلد فيه أقلية مسلمة، ويريدون أن يصلوا الجمعة، فقد قال أهل العلم من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: لا حرج إذا كانوا في بلد ليس فيه إمام أن ينتدبوا منهم إماماً ليصلي بهم إذا بلغوا العدد وتوفرت فيهم شروط الجمعة في محل إقامتهم واستيطانهم.
الشرط الأول: الوقت
الشرط الأول: الوقت قال رحمه الله تعالى: [أحدها الوقت]. قال تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103]، ولما كانت صلاة الجمعة صلاة دخلت في هذا العموم، فلا تصح صلاة الجمعة قبل وقتها، وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلاها في ميقات معين. ووقت الجمعة فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، يبحث في أوله وآخره، فأول الجمعة للعلماء فيه قولان: قال بعض العلماء: أول وقت صلاة الجمعة هو أول وقت صلاة الظهر، وذلك بزوال الشمس. وهذا مذهب جمهور العلماء رحمة الله عليهم، ومنهم الإمام أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية عنه. والدليل على ذلك حديث أنس في الصحيح أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة حين تزول الشمس)، وهذا ثابت وصحيح، وكذلك حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس وخطب حين زالت الشمس). فهذه الأدلة تدل على أن الجمعة يبتدئ وقتها بزوال الشمس؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولأن الجمعة قائمة مقام الظهر ووقتها في وقت الظهر، فيكون ابتداء وقتها بزوال الشمس. وذهب الإمام أحمد -في رواية- وطائفة من أصحابه وبعض أهل الحديث إلى أن وقت الجمعة يبتدئ في وقت صلاة العيدين، وذلك بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، فمن ارتفاع الشمس قيد رمح تجوز صلاة الجمعة. واحتجوا بحديث ابن سيدان أنه شهد الصلاة مع أبي بكر وإن النهار لم ينتصف، وشهدها مع عمر والنهار قد انتصف، وشهدها مع عثمان وذلك بعد زوال النهار. قالوا: هذا يدل على أن أبا بكر رضي الله عنه أوقعها قبل الزوال، فدل على أن وقتها يبتدئ قبل الزوال، وليس هو وقت الظهر. وهذا الأثر عن ابن سيدان فيه إشكال، وذلك للكلام في سنده بالطعن بالجهالة، وقال الإمام البخاري: إنه لا يتابع عليه. كما أنه معارض من وجوه: أولاً: ما في مصنف ابن أبي شيبة عن سلمة رضي الله عنه وأرضاه: أنه شهد الجمعة مع أبي بكر فصلاها حين زالت الشمس. وهذا يعارض ما ورد عنه، مع أنه أقوى ثبوتاً. ثانياً: ما في الموطأ عن عمر رضي الله عنه في طنفسة عقيل بن أبي طالب التي كانت توضع عند الحجرات، وكانت تفيء عليها الشمس. وهذا يدل على أنه ما صلى عمر رضي الله عنه إلا بعد بداية الزوال. ثالثاً: أن نفس هذا الأثر فيه نظر، وذلك أنه من الصعوبة بمكان أن تعرف اللحظة التي عندها تزول الشمس، وهذا أمر معروف، ولا يمكن إدراكه إلا بحسابات دقيقة جداً، وذلك العصر عصر أبي بكر وعمر وعثمان، ولم تكن هناك الموازين والآلات الحاسبة الدقيقة، فالأمور نسبية تقريبية، فقوله: (فصلاها حين زالت الشمس) أي: ابتداء صلاته وخطبته كان عند الزوال، أي أنه كان يعجّل بحيث يجلس على المنبر ويسلم على الناس كأن الشمس لم تتحرك ويتيقن زوالها، ثم جاء عمر -ومعروف احتياط عمر رضي الله عنه- فكان عند الزوال يجعلها بتأخر قليل عن أبي بكر، وكان عثمان رضي الله عنه يجعلها بعد الزوال تحرياً أكثر، ولذلك أحدث النداء الثاني رضي الله عنه وأرضاه، وعلى هذا يكون الأثر محتملاً. ثم لو أنه سلم به فإنه ليس بقوي صحيح؛ لأنه معارض بأثر عن الصحابة أنفسهم أبي بكر وعمر، ثم هو معارض بما هو مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ويبقى الإشكال في حديث جابر: (أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وخطب حين زالت الشمس). وجوابه: أن الصلاة والخطبة ابتدأت عند زوال الشمس على الأصل الذي قررناه، ومراد جابر أن ابتداء الصلاة كان على وصف الإنسان بكونه مصلياً بابتداء الخروج، ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم من خرج إلى الصلاة بكونه مصلياً، فكأنه يقول: ابتداء الصلاة كان عند الزوال. لا أنه عليه الصلاة والسلام صلى وخطب حين زالت الشمس، فليست دلالة حديث جابر رضي الله عنه دلالة صريحة، والقاعدة في الأصول: إذا تعارض الصريح وغير الصريح قدّم الصريح على غير الصريح. فإن حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس) يدل على أن صلاته عليه الصلاة والسلام وقعت عند ابتداء ميل الشمس، بمعنى أنه خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وابتداء صلاة الجمعة عند الزوال، ثم إن الأصل يؤكد هذا، خاصة أن الجمعة في حكم صلاة الظهر، ولذلك من فاتته الجمعة صلاها ظهراً بالإجماع، وعلى هذا فإنه يقوى القول الذي يقول: إن الجمعة لا تصلى إلا بعد زوال الشمس. قوله: [وآخره آخر وقت صلاة الظهر]. أي: آخر الجمعة آخر وقت صلاة الظهر، وذلك حين يصير ظل كل شيء مثله، فمن انتهى من صلاته قبل أن يصير ظل كل شيء مثله فإن صلاة جمعته مجزئة. ولكن اختلف العلماء لو أنه خطب وطوّل في خطبته، وأحرم بالصلاة بعد أن صار ظل كل شيء مثله، أو خطب وابتدأ الصلاة قبل أن يصير ظل كل شيء مثله، وفي أثناء الصلاة صار ظل كل شيء مثله، فخرج عليه الوقت أثناء الصلاة، فمنهم من يقول: العبرة بخطبته. ومنهم من يقول: العبرة بتكبيرة الإحرام. ومنهم من يقول: العبرة بالركعة الأولى. وهو أقواها، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف من أدرك الركعة بكونه مدركاً للصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، فأقوى الأقوال أن العبرة لركوعه في الركعة الأولى، فإن كبّر لركوعه في الركعة الأولى قبل أن يصير ظل كل شيء مثله أجزأه، أما لو كبّر للركوع في الركعة الأولى بعد أن صار ظل كل شيء مثله يتمها أربع ركعات، فيتمها ظهراً ولا يتمها جمعة. قال رحمه الله تعالى: [فإن خرج وقتها قبل التحريمة صلوها ظهراً وإلا فجمعة]. هذا -على ما ذكرناه- أحد أقوال العلماء، وهو أن العبرة بالتحريمة، والصحيح أن العبرة بالركعة الأولى على ظاهر النص، ولذلك يعتد بإدراك وقته بهذه الركعة، كما لو أدرك الإمام في الركعة الأولى فإنه يعتبر مدركاً لصلاة الجمعة ويتم ركعة معها، وهذا يدل على أن العبرة بإدراك الركعة وليست العبرة بإدراك تكبيرة الإحرام.
الشرط الثاني: حضور عدد معين
الشرط الثاني: حضور عدد معين يقول المصنف عليه رحمة الله: [الثاني: حضور أربعين من أهل وجوبها]. يشترط لصحة صلاة الجمعة وجود عدد معين إذا وجد حكم باعتبارها، وإذا نقص هذا العدد فإنه عند من يقول باشتراطه لا يحكم بصحتها وانعقادها جمعة، وإنما يلزم هؤلاء الذين لم يكتمل عددهم بالنصاب المعتبر أن يصلوا ظهراً. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم: فقال بعض السلف: الجمعة تصح بواحد مع الإمام. وبه يقول أبو ثور والطبري رحمهما الله تعالى. وقال آخرون: تصح باثنين. وبه يقول بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمهم الله تعالى. وقال آخرون: تنعقد بثلاثة مع الإمام. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة، واختاره جمع من المحققين. وقال بعضهم: إن وجود الثلاثين يغني، وهو قول بعض أصحاب الإمام مالك، ويروى عنه أيضاً. وقال بعضهم: أربعون، فإن نقصوا عن الأربعين بواحد فإنه لا تصح جمعتهم ولا يعتد بها، وهو مذهب الشافعية والحنابلة. وهناك قول باعتبار اثني عشر رجلاً. وهناك أقوال أخرى، وأوصلها بعض العلماء إلى خمسة عشر قولاً في المسألة. وهذه الأقوال هي أشهر أقوال أهل العلم رحمهم الله، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم نص صحيح يصرح بأن هناك عدداً معيناً إذا نقص لا يحكم بالاعتداد بالجمعة، وهذا هو الذي دعا العلماء رحمهم الله إلى أن يختلفوا. فمن قال باشتراط الأربعين فإنما بنى ذلك على حديث أسعد بن زرارة رضي الله عنه، فإن كعب بن مالك -كما روى عنه ابنه عبد الرحمن، وثبت في الصحيح- كان إذا أذن المؤذن يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فذكر له عبد الرحمن ذلك، فقال: إنه أول من جمَّع بنا في هزم المبيت في نقيع الخضمات. ونقيع الخضمات يقع في حرة بني بياضة، وقد جاء مصرحاً به في سنن الدارقطني في حديث حسنه غير واحد من أهل العلم، وهذا الموضع تقريباً في جنوب غرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الموضع الذي أقيمت فيه أول جمعة في المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للصحابة وجمَّعوا فيها، فلما سئلوا: كم كنتم يومئذ؟ قالوا: أربعين رجلاً. فدل هذا على أن الأربعين هي العدد المعتبر عند من يقول باشتراط الأربعين، وعلى هذا نص المصنف على أن العدد المعتبر لصحة الجمعة هو الأربعون. والذين يقولون بأنها تصح بثلاثة احتجوا بحديث السنن، وفيه: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا استحوذ عليهم الشيطان)، وهذا المذهب هو أقوى هذه المذاهب، وذلك أن الجمعة صلاة، وتسمى صلاة بإجماع العلماء، وتوصف بهذا الوصف الشرعي، فدل هذا على أن الثلاثة تنعقد بهم الجمعة، كما يقول الإمام أبو حنيفة رحمه الله، واختاره جمع من المحققين من الأئمة، وعلى هذا فإنه لو اجتمع ثلاثة من غير الإمام صحّت جمعتهم وأجزأت. ولكن لو قلنا باشتراط الأربعين فاجتمع تسعة وثلاثون فإن الجمعة لا تنعقد، ويلزمهم أن يصلوها ظهراً.
الشرط الثالث: الاستيطان
الشرط الثالث: الاستيطان قال رحمه الله تعالى: [الثالث: أن يكونوا بقرية مستوطنين، وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء]. المراد بهذا إخراج أهل العمود وأهل الخيام، كأهل البادية الذين يرتحلون طلباً للمرعى، فإنهم لا يستقرون ولا يحكم بكونهم مستوطنين، ولكن لو أن الناس كانوا بجوار المدن وفي حكم ما قارب المدينة فإنه يحكم بلزوم الجمعة عليهم إذا كانوا يسمعون النداء، وإلا فالأصل أنها لا تجب على أهل العمود والخيام كأهل البادية. قوله: [وتصح فيما قارب البنيان من الصحراء]. أي: تصح الجمعة إذا وقعت في مكان قريب من البنيان، وهذا مبني على القاعدة المعروفة: ما قارب الشيء أخذ حكمه. ووجه ذلك أن ما قارب البنيان محكوم بكونه في حكم المدينة، وعلى هذا فلو كانوا قريبين من البينان بينهم وبينه ميل أو أقلّ صح أن يجمِّعوا في هذا الموضع. أما الدليل على هذه المسألة فحديث الدارقطني الذي سبقت الإشارة إليه، وهو أن نقيع الخضمات -وهو أحد الأبقعة والأنقعة التي كانت في المدينة كبقيع الغرقد- كان قريباً من المدينة ولم يكن متصلاً بالبنيان اتصالاً مباشراً، فدل على أنه إذا وقعت الجمعة في مكان قريب من البنيان، ورأى الإمام أن الرفق بالناس أن يصلوا في هذا الموضع، وأنه أرفق بمن كان داخل المدينة وأرفق بمن كان يأتي من البادية، فجعل الجمعة في مكان قريب من البنيان، فحينئذ نقول: الجمعة صحيحة. فاشتراطهم الاستيطان لا يفهم منه أن الجمعة لا تصح إلا داخل المدن، بل إنها لو وقعت قريبة من المدن فإنها تأخذ حكم ما لو وقعت داخل المدن، وهذا -كما قلنا- دلت عليه السنة في حديث أسعد بن زرارة رضي الله عنه، فإن نقيع الخضمان قريب من المدينة، وليس بداخلها. وتوضيح ذلك أن بنيان المدينة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يجاوز المسجد الحالي الموجود الآن، وقد يكون أقل منه بقليل، وكان إلى جنوب غرب مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يقع مصلى العيد، وهو المعروف الآن بالغمامة، وبعد الغمامة بمسافة أبعد عن المسجد يقع بقيع أو نقيع الخضمات في حرة بني بياضة، وهو إلى الجنوب أكثر، فهذا الموضع يبعد أكثر من ميل وقليل، وهو يبعد عن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فكونهم جمَّعوا في هذا الموضع البعيد عن البنيان بهذه المسافة التي هي ميل وزيادة يدل على أن ما قارب المدينة يأخذ حكمها، وأنه لا حرج في إقامة الجمع قريبة من البنيان.
حكم النقص من عددها المشترط قبل تمامها
حكم النقص من عددها المشترط قبل تمامها قال رحمه الله تعالى: [فإن نقصوا قبل إتمامها استأنفوا ظهراً]. لو قلنا: يشترط في صحة الجمعة أن يحضرها أربعون رجلاً. فحضر الأربعون ثم أحدث أحدهم وقام فإنه يكون عددهم تسعة وثلاثين رجلاً، أي: دون النصاب المعتبر، فحينئذٍ يستأنفونها ظهراً، فإن رجع وأرادوا أن يجمِّعوا فلا حرج عليهم في ذلك. فمراد المصنف أن اشتراط العدد مستصحب، فليس اشتراط الأربعين موقوفاً على الابتداء. وقال بعض العلماء: العبرة بالابتداء، فلو ابتدأ بهم وهم أربعون ثم نقصوا أثناء الخطبة عن الأربعين صحت الجمعة وأجزأت. واحتجوا لذلك بحديث التجارة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يخطب، وقدمت العير من الشام قاموا عن النبي عليه الصلاة والسلام وتفرقوا حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلاً، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع خطبته ولم يستأنف جمعته ظهراً، فدل على أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة بالناس وهم على العدد المعتبر، ثم طرأ نقص بعد ذلك عن النصاب المعتبر فذلك لا يؤثر في الجمعة، ولا يلزمهم أن يستأنفوها ظهراً. وهذا المذهب قوي من جهة الدليل. وقد بيّنا أن العبرة في العدد بثلاثة للأصل الذي ذكرناه من حديث السنة.
المعتبر في إدراك حكم الجمعة مع الإمام
المعتبر في إدراك حكم الجمعة مع الإمام قال رحمه الله تعالى: [ومن أدرك مع الإمام منها ركعة أتمها جمعة]. الأصل أن من أدرك ركعة مع الإمام فقد أدرك الصلاة، وهذا كما ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام (من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر)، وكذلك قوله: (من أدرك الركوع فقد أدرك السجدة، ومن أدركها فقد أدرك الصلاة)، فدل على أن من أدرك الإمام راكعاً ولو في الركعة الأخيرة فهو مدرك للصلاة. وبناء على ذلك فالعبرة في إدراك الجمعة أن يدرك الإمام قبل أن يرفع من الركعة الأخيرة، فلو أدركه قبل أن يرفع من الركعة الأخيرة ولو بيسير وركع معه فإنه يضيف ركعة واحدة، أي أن صلاته صلاة جمعة، ولكن لو وقف فرفع الإمام قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام فإنه يكبر مع الإمام، حتى إذا سلّم الإمام أتمها ظهراً، وهذا هو أصح الأقوال من مذاهب السلف رحمة الله عليهم، ودليل السنة الذي ذكرناه واضح في الدلالة على أن من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة. لكن هنا أمران: أحدهما: إدراك الحكم. الآخر: إدراك الفضل. ففي الجمعة والجماعة يدرك الفضل ولو كان قبل تسليم الإمام بلحظة، فمن كبّر قبل أن يسلم الإمام فقد أدرك الفضل، ولكنه إدراك نسبي يتفاوت الناس فيه على حسب الإدراك كمالاً ونقصاً، فإذا أدرك هذا القدر مع الإمام لا تصح جماعته ولا جمعته، ويعتبر مدركاً للفضل، ولذلك قال العلماء: إنه لو دخل الإنسان المسجد فوجدهم في آخر التشهد فالأفضل له أن يكبّر معهم؛ لأنه إذا كبّر معهم أدرك فضيلة الجماعة الأولى. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (فما أدركتم فصلوا)، فإن هذا النص فيه عموم، أي: أي شيء أدركتمونا عليه فصلوه معنا. ولم يفرّق بين القليل والكثير، ولذلك قالوا: من أدرك الجماعة ولو قبل التسليم بلحظة فالأفضل أن يصلي معهم، ولا ينتظر إلى سلامهم ليحدث جماعة ثانية؛ فإنه لو أحدث الجماعة الثانية فقد أدرك جماعة في الفضل دون الجماعة الأولى، وعلى هذا قالوا: الأفضل له أن يدرك الفضيلتين، فيقول لمن بجواره: إذا سلّم الإمام فائتم بي لأنه منفرد، فإذا كبّر ودخل مع الإمام أدرك فضيلة الجماعة الأولى، ثم يكبّر ويقوم إلى الركعة الأولى، وهو في حكم الجماعة المستأنفة مع الرجل الذي دخل معه. وقد قال بعض العلماءفي حديث: (صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وفي رواية: (بسبع وعشرين): إن الخمس والعشرين هي أقل الفضائل لمن أدرك آخر الجماعة، كأن يدرك الإمام قبل أن يسلم، ورواية: (سبع وعشرين) لمن أدركها من ابتدائها، ويبقى الفضل فيما بينهما على حسب ما أدرك من الصلاة، سواءٌ أكان في أولها أم آخرها، فهذا بالنسبة لإدراك الفضيلة. وأما إدراك الحكم فلا يحكم بكون الإنسان مدركاً للصلاة إلا بركعة فأكثر، وعلى هذا فلو أدرك الإمام في الجمعة وهو راكع في الركعة الأخيرة فإنه قد أدرك الجمعة ويضيف ركعة واحدة، فإذا رفع الإمام من الركعة الأخيرة وأدركه بعد الرفع من الركوع فإنه مدرك لفضل الجمعة وليس بمدرك لحكمها، فيلزمه أن يتمها ظهراً، وإلا فليصلها نافلة إذا لم ينو الظهر، ثم يقيم ويصلي بعد ذلك الظهر، فهذا بالنسبة لمن أدرك الإمام بعد الرفع. وتتفرع على هذا مسائل: منها: صلاة العيدين، فإن صلاة العيدين -إذا قيل: إنها تقضى- تقضى على الصفة إذا أدرك بعضها، ولا تقضى إذا لم يدرك شيئاً منها، فلو أدرك المأموم الإمام قبل أن يرفع من الركعة الثانية من صلاة العيد -عيد الأضحى أو الفطر- فإنه يضيف ركعة يجعلها الثانية، ويكبر فيها خمساً على صفة الركعة الثانية في صلاة العيدين، لكن لو أدرك الإمام في صلاة العيد بعد رفعه من الركوع من الركعة الثانية فإنه يتمها نافلة، وقال بعض السلف: إنه إذا فاته العيد فإنه يستأنفها أربعاً كالجمعة. وعلى هذا فرّق العلماء بين إدراك الفضل وبين إدراك الحكم، فإدراك الفضل يكون قبل السلام ولو بلحظة، وإدراك الحكم يشترط فيه أن يدرك الإمام قبل أن يرفع رأسه، وقبل أن يسمِّع من ركوعه. وهنا مسألة، وهي: لو أنك دخلت المسجد فرأيت الإمام يريد أن يرفع، فتحرك الإمام للرفع فكبرت قبل أن يقول سمع الله لمن حمده. فإذا انتهيت من لفظ التكبير قبل أن يبدأ بالسين من التسميع فأنت مدرك للركوع. أما لو أنك شرعت في التكبير وقبل أن تنتهي من التكبير، بأن قلت: (الله) وقبل أن تقول: (أكبر) قال: (سمع الله لمن حمده)، فحينئذٍ تكون غير مدرك للركوع، ويلزمك أن تتم ظهراً على الأصل الذي قررناه. قال رحمه الله تعالى: [وإن أدرك أقل من ذلك أتمها ظهراً إذا كان نوى الظهر]. أي: من أدرك الإمام بعد الرفع من الركوع في الركعة الثانية، أو في السجدة الأولى من الركعة الثانية، أو بينهما، أو بين السجدة الأولى والثانية، أو في الثانية، أو في التشهد، أو قبل السلام ولو بيسير أتمها ظهراً إن نوى الظهر، أما إذا لم ينو الظهر فإنه لا يتمها ظهراً وإنما يتمها نافلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فلا ينعقد ظهره الفرض إلا بنية، فإن نواه اعتد به، وإلا فلا.
الشرط الرابع: تقدم الخطبتين
الشرط الرابع: تقدم الخطبتين قال رحمه الله تعالى: [ويشترط تقدم خطبتين، ومن شروط صحتهما حمد الله تعالى، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقراءة آية، والوصية بتقوى الله عز وجل، وحضور العدد المشترط]. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الجمعة مجردة عن الخطبة، وإليه ذهب جماهير العلماء، وقال بعضهم: إنه كالإجماع. فلو صلى الناس الجمعة ركعتين جهريتين بدون خطبة لم تنعقد جمعة، فلا بد في صحة الجمعة أن تكون هناك خطبتان، فإذا وقعت الخطبتان فإنه حينئذ يصح لهم أن يجمِّعوا، بمعنى أن لهم أن يصلوا ركعتين تكونان تمام جمعتهم، أما لو صلوا الركعتين مجردتين عن الخطبتين فإنه لا يعتد بذلك، ولا يحكم بكونها جمعة معتبرة. والدليل على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما صلّى جمعة إلا وخطب فيها خطبتين، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين يجلس بينهما) أي: يفصل بينهما بالجلوس. فالخطبتان لازمتان لصلاة الجمعة. قوله: [ومن شروط صحتهما حمد الله، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم] أي: يشترط لصحة الخطبتين أن يستفتحهما بحمد الله. وهذا هو الأصل في ذكر الله عز وجل، وقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في مواعظه أنه كان يستفتحها بالحمد، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فيستفتح بحمد الله. وأما الصلاة على رسوله عليه الصلاة والسلام، فقد اشترطها بعض العلماء. والصحيح -كما هو مذهب المالكية والحنفية وطائفة من أصحاب الإمام أحمد والإمام الشافعي، وكاد يكون قول الجمهور- أنه لا تشترط الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لصحة الخطبتين، فلو أنه خطب الخطبتين مجردتين عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لا يحكم ببطلان خطبته، بل إن خطبته صحيحة؛ لأن الله يقول: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، وذكر الله يتحقق لو تجرد عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن مع هذا لا ينبغي على الإنسان أن يخطب دون أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: [والوصية بتقوى الله عز وجل] أي: الشرط الثالث: الوصية بتقوى الله عز وجل. بمعنى أن يقول: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل). وإن جمع بين نفسه والناس وقال: (أوصيكم ونفسي بتقوى الله) فإنه لا حرج، أو قال لهم: (اتقوا الله)، أو قال: (آمركم بتقوى الله)، أو: (آمركم بما أمر الله به، وأنهاكم عما نهاكم الله عنه)، فكل ذلك من الوصية بتقوى الله. فالوصية بتقوى الله تكون على ضربين: الضرب الأول: صريح اللفظ بالوصية، كأن يقول: (اتقوا الله)، أو: (أوصيكم ونفسي بتقوى الله)، أو: (أوصيكم بتقوى الله عز وجل). الضرب الثاني: أن تكون الوصية بتقوى الله بالمعنى، وذلك كأن يقول: (عباد الله: أوصيكم بفعل أوامر الله وترك نواهي الله، فإنها هي وصية الله عز وجل، وهي تقوى الله) أي: فعل الفرائض وترك المحارم، فكلاهما معتبر عند من يقول باشتراط الوصية بتقوى الله عز وجل. وأما قراءة آية فإنه ثبت في الصحيح من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ القرآن في خطبة الجمعة)، وكذلك حديث الصحابية التي كانت تقول: (ما حفظت سورة (ق) إلا من فم النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة ما يرددها على المنبر)، فقالوا: يقرأ آية، ويدعو للمؤمنين والمؤمنات بما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم. وهذه الشروط مستنبطة، وهناك مذهب لبعض السلف أنه لا يشترط هذه الشروط بتفصيلها، وأنه لو ذكّر الناس فأمرهم بأي أمر من أوامر الله، أو نهاهم عن أي نهي من نواهي الله، واشتملت خطبته على البشارة والنذارة أجزأه ذلك. وهذا هو الصحيح، فلا تشترط هذه الأمور بأعيانها حتى لا يقال للإنسان لو صلى بالناس ولم يقل لهم: أوصيكم بتقوى الله: إن خطبتك باطلة. فهذا محل نظر، والصحيح أنه إذا ذكر الناس ووعظهم بأقل ما يصدق عليه أنه ذكر وموعظة فإنه يجزيه؛ لأن الله يقول: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] فأطلق، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيد خطبته بشيء معين يُلزم الناس به، وعلى هذا فإنه يجزيه أن يوقع الخطبة بما فيه أمر بما أمر الله به، وبما فيه نهي عن ما نهى الله عز وجل عنه، وما يصدق عليه أنه ذكر. وقال بعض السلف: لو أنه ذكّر بأي ذكر، كقوله: (سبحان الله) فإنه يجزيه. وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه. ولكن الأقوى والأشبه أن يكون الكلام مؤثراً بالدعوة إلى الخير، أو النهي عن الشر، فإن وقع ما يدل على الأمر بالخير أو النهي عن الشر أجزأه. لكن لو أن الإنسان حافظ على تلك الشروط حتى تكون خطبته على أتم الوجوه، ليدفع عن الناس الوسوسة والشك بالاعتداد بخطبته فإن هذا أفضل، خاصة وأنه يؤلّف القلوب، ويدعوهم إلى حضور جمعته والتأثر بها، والعمل بما يدعوهم إليه من الخير. قوله: [وحضور العدد المشترط]. أي: في الخطبة. وهذا على ما سبق بيانه، وقال بعض العلماء: الشرط مستصحب. وقال بعضهم: لو أنه أثناء الخطبة نقص العدد لعذر فإن الجمعة معتدٌ بها، ولا يلزمهم أن يستأنفوها ظهراً.
ما لا يشترط في الخطبة
ما لا يشترط في الخطبة قال رحمه الله تعالى: [ولا تشترط لهما الطهارة، ولا أن يتولاها من يتولى الصلاة]. هذا مذهب طائفة من العلماء، ويقول به أصحاب الإمام أحمد والشافعي. وقال بعض العلماء رحمهم الله تعالى -كما هو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية-: تشترط لها الطهارة. وسامح بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة كمذهب الحنابلة. والصحيح أنه تشترط لها الطهارة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث لم يحفظ عنه أنه خطب الناس بدون طهارة، وعلى هذا فإنه لا ينبغي للخطيب أن يخطب الناس وهو على غير طهارة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فحيث حكمنا أن صلاة الجمعة لا يعتد بها إلا بالخطبة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يخطب إلا بطهارته، والصلاة متصلة بالخطبة، فإنه حينئذ لا بد من اشتراط الطهارة. ويقوّي هذا أن الخطبتين في مذهب بعض العلماء رحمهم الله منزّلة منزلة الركعتين الأوليين من الظهر، بدليل أنه لا يجوز فيهما الكلام، وبدليل أنه يلزم بالجلوس، حتى لو أنه حرك شيئاً من الحصى فقد لغى، كأنه في حكم المصلي. والذين يقولون بعدم اشتراط الطهارة، يقولون: لو أن الخطيب تكلّم بكلام محرم خرج عن كونه خطيباً. وهذا كله يؤكد أنها أشبه بالعبادة، وعلى ذلك فإنه تنبغي الطهارة تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهو قد صلى الجمعة -خطبة وصلاة- متطهراً، فمن قال: لا تشترط الطهارة يطالب بدليل يصرفنا عن هذا الأصل، ولا نحفظ دليلاً يدل على الانصراف والخروج عن هذا الأصل، ولذلك لا ينبغي للإمام أن يعرّض جمعة الناس للبطلان، بل عليه أن يحتاط وأن يصلي بهم وهو على أكمل ما تكون عليه الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر. قوله: [ولا أن يتولاهما من يتولى الصلاة]. أي: لا يشترط أن يتولى الخطبة الأولى والثانية من يتولى الصلاة. فلو كان هناك رجل قوي في الخطبة، وهذا الرجل إذا خطب أثّر في الناس، والثاني قارئ إذا قرأ انتفع الناس بقراءته، فإنهم قالوا: نترك الخطيب يخطب، والقارئ يقرأ ويصلي بالناس، فيجوز أن يخطب رجل ثم يصلي رجل آخر، بل ويجوز أن يخطب الخطبة الأولى رجل، ويخطب الخطبة الثانية رجل، ويصلي بالناس رجل ثالث. وفي النفس شيء من هذا؛ فإن صلاة الجمعة عبادة توقيفية وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فينبغي أن تكون بالصفة الواردة، لكن إن وجد عذر أن يتخلّف الخطيب ويتقدم غيره فحينئذٍ يكون كحكم الاستخلاف في الصلاة، وهذا أصح الأقوال عند العلماء، ويختاره جمع من العلماء، كأصحاب الإمام الشافعي، والإمام مالك، وغيرهم رحمة الله على الجميع، فلابد أن تكون صورة الجمعة على ما حفظ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أما أن يخطب شخص ويصلي بالناس آخر دون وجود حاجة فلا، وبناء على ذلك فإنه لا يوسّع في مثل هذا؛ لأنه يخرج الناس عن صورة السنة التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمعته، ويُبقى على الصفة التي أدى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة، ونقول: إن وجد العذر ووجدت الحاجة -كأن يكون هناك أمر طرأ على الإمام يوجب خروجه كمرض ونحو ذلك- فلا حرج عليه أن يستخلف غيره، وهكذا لو ضاق به حصر أو نحو ذلك فقدّم غيره ليكمل الخطبة، أو ليصلي بالناس، فهذا أصل مقرر لوجود العذر والضرورة، فالأصل في العبادات أن تكون توقيفية على الصورة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سنن الخطبة
سنن الخطبة قال رحمه الله تعالى: [ومن سننهما: أن يخطب على منبر أو موضع عالٍ، ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم، ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين، ويخطب قائماً، ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا، ويقصد تلقاء وجهه، ويقصر الخطبة، ويدعو للمسلمين]. قوله: [ومن سننهما] أي: من سنن خطبة الجمعة الأولى والثانية [أن يخطب على موضع عالٍ]. والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: (أنا أعلمكم بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لامرأة منا -أي: من الأنصار-: مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواداً أجلس عليهن إذا كلمت الناس. قال: فصنعها)، فشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قام عليه. فهذا الحديث فيه قصة المنبر، والمنبر: من النبر، وأصله: ارتفاع الصوت. قالوا: إن المنبر إنما شرع من أجل أن يبلغ صوته. والسبب في هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر عليه الناس، وكان المسلمون في المدينة قليلين حينما كانت محصورة على أهلها والمهاجرين الذين هاجروا معه، فلما فتحت مكة وقدم الناس والوفود على رسول الله صلى الله عليه وسلم كثر الناس في المدينة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمنبر لأجل أن يبلغ صوته في خطبته صلوات الله وسلامه عليه، فصنع هذا المنبر من ثلاث درجات، ثم خطب عليه صلى الله عليه وسلم، فصارت سنة أن يخطب الإمام على منبر، فإن تيسير وجود المنبر فبها ونعمت، وإن لم يتيسر فإنه يخطب على شيء عالٍ، كأن تكون هناك صخرة يقف عليها، أو يكون هناك درج عالٍ من الخشب، أو وعاء من الحديد عالٍ، فالمهم نشز على الأرض عال يقف عليه، ولو كانوا في البر فوقف على هضبة أو ربوة فخطب عليها فلا حرج، والسبب في هذا أنه إذا علا فإن ذلك أدعى لسماعهم صوته وانتفاعهم بموعظته وخطبته. قوله: [ويسلم على المأمومين إذا أقبل عليهم]. هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، وهو مذهب الشافعية والحنابلة، فمذهبهم أن السنة إذا رقى الخطيب المنبر والتفت بوجهه إلى الناس أن يسلم عليهم. وقال بعض السلف: يسلم عند دخوله للمسجد، فإن سلم عند دخوله للمسجد لم يحتج أن يعيد السلام على المنبر. ولكن المحفوظ من فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أبي بكر وعمر وعثمان السلام عليهم على المنبر، فالروايات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّم كان إذا رقى المنبر وأقبل على الناس سلّم صلوات الله وسلامه عليه. وقد روى أبو النجاد أن أبا بكر وعمر كانا يفعلون ذلك. وفي رواية منفردة عن عثمان، أنه فعل ذلك، كل ذلك يؤكد على أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده السلام بعد رقي المنبر إذا أقبل على الناس. قوله: [ثم يجلس إلى فراغ الأذان، ويجلس بين الخطبتين]. أي: إذا سلم جلس حتى يفرغ المؤذن من أذانه، ويردد معه، وبعد الفراغ من الأذان يقول الدعاء المشروع، ثم يبتدئ بخطبته، فهذا هو المسنون والمشروع لظاهر النصوص، كقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أبي سعيد: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول)، هذا يدل على أن السنة أن يسكت أثناء الأذان. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سلّم على الناس وأذّن المؤذن أخذ الصحابة يكلّم بعضهم بعضاً، فإذا ابتدأ عمر خطبته قطعوا الكلام وامتنعوا عن الحديث. قوله: [ويجلس بين الخطبتين]. هذا كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر وغيره أنه: (كان عليه الصلاة والسلام يفصل بين الخطبة الأولى والثانية بالجلوس)، وهذا الجلوس يسير، وضبطه بعض العلماء بقدر ما تحصل به الطمأنينة. وقال بعضهم: يقارب قراءة سورة الإخلاص، أي: بقدرها من الزمان اليسير. والصحيح أنه لا يتقيد بهذا، وإنما يكون بأقل ما تحصل به الطمأنينة، فلو جلس جلسة خفيفة تحصل بها الطمأنينة فإنه حينئذٍ يعتد بجلوسه، ولا يصل الخطبتين ببعضهما. وهنا مسألة، وهي أنه إذا كان يجوز للإنسان أن يخطب جالساً لوجود عذر كمرض ونحوه، فخطب جالساً الخطبة الأولى فإن كيفية فصله بين الخطبة الثانية والأولى- كما قالوا- أن يسكت هنيهة بقدر جلوسه بين الخطبتين، فإذا سكت بين الخطبة الأولى والثانية كان سكوته بمثابة الجلوس. قوله: [ويخطب قائماً]. ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه خطب قائماً)، ولذلك قبّح الصحابة رضوان الله عليهم وشنّعوا على من خطب جالساً، كما أثر عنهم رضي الله عنهم وأرضاهم، ولما دخل بعض الصحابة على بعض أهل البدع وهو يخطب جالساً قال: انظروا إلى هذا الخبيث. وذلك لأنه تمرد على سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من باب غيرتهم على سنته صلى الله عليه وسلم، خاصةً وأن الخطبة ينبغي أن تكون على صفة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في صفته وحاله، وهذا يؤكد ما ذكرناه، بدليل أن الصحابة كانوا يشنّعون على كل من خالفه، ولما رؤي مروان بن الحكم وهو يرفع يديه قال الصحابي: (تباً لها من يدين قصيرتين، ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد على الإشارة)، أي: ما كان يرفع يديه على المنبر في الدعاء إلا في الاستسقاء. فقوله: [ويخطب قائماً] لأنه أبلغ في الهيبة، وأبلغ في التأثير، وأكثر نفعاً للناس، وذلك برؤيتهم الخطيب، خاصة إذا رآه المستمع وهو ينفعل في كلامه ويتأثر بما يقول، فإن ذلك أدعى لحصول الموعظة في القلوب وتأثرها بها، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، وإذا خطب رفع صوته واشتد غضبه، وهذه هي السنة، فلابد أن يكون في الخطيب في هيئته وصورته ومنظره ما يدل على هيبته لذلك المقام، وهو مقام الوعظ والتذكير بالله سبحانه وتعالى، وهو أشرف المقامات وأحبها إلى سبحانه وتعالى، وهو مقام الدعوة إلى الله عز وجل، فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب -كما في حديث جابر - تحمر عيناه، وتنتفخ أوداجه -أي: عروق رقبته عليه الصلاة والسلام-، ويشتد غضبه، ويعلو صوته كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، قال العلماء: لأنه إذا خطب بهذه الصفة شعر الناس بهيبة الكلام الذي يقوله، أما لو خطب ببرود وخمول وبصوت ضعيف فإن الناس لا تتأثر ولا تتفاعل مع كلامه، ولا تحسب بأن هذا الكلام يخرج من إنسان يتأثر به، فإذا كان الخطيب يتأثر بالكلام الذي يقول، وكانت كلماته خارجة بوقع بليغ يدل على تأثره بالكلمات التي يلقيها على الناس، فإن الناس يستجيبون لذلك، ثم إن صورته من شدة الغضب وتغير وجهه تدعو الناس إلى دفع السآمة والملل والنوم، والإقبال عليه، حتى إنهم يشفقون عليه في حاله، ويحسون حينئذٍ أنه يتكلم عن أمر عظيم، وهذا أدعى إلى هيبة الشرع، بخلاف ما إذا تكلم الإنسان ببرود وبطمأنينة وهدوء، فإن الناس ربما ناموا وربما تكاسلوا وانشغلوا، ولكنه إذا تفاعل مع خطبته كان الأثر أبلغ، وهذا الشيء مجرب، ولذلك حمدت طريقة الإلقاء على طريقة الخطبة من الورقة، فإنه إذا خطب بالإلقاء تفاعلت الناس برؤيته وأحسوا أنه يتفاعل مع الكلام الذي يقول، بخلاف ما إذا كان يخطب من ورقة، وهذا الذي جعل بعض العلماء يستحب أن يكون الإلقاء مباشرة تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل ذلك المقصود منه أن يكون الأثر أبلغ في النفوس، حتى يعظم الناس شأن الخطبة وشأن المنبر، ويحس الناس بهيبة المنبر، أما لو علا المنبر ضعيف النفس ضعيف الإلقاء والتحضير فإنه لا يبلغ أثره في القلوب بموعظته، وترى الناس تستهين بالمنبر، وربما يصل إليه من ليس بأهل فلا يحصل المقصود من تأثير الناس في المواعظ والخطب، ويكون هذا مخالفاً لمقصود الشرع ومراده. قوله: [ويعتمد على سيف أو قوس أو عصا] فيه حديث اختلف العلماء في سنده، وحسنه الحافظ ابن حجر رحمه الله في اعتماده عليه الصلاة والسلام على العصا. ولذلك لا ينكر على أحد اعتمد على عصا، ودرج على ذلك العلماء رحمة الله عليهم، ولكن لو خطب بدون عصا فإنهم يقولون: لا حرج عليه ولا ينكر عليه. وبعض العلماء يرى أنه ما دام الحديث مختلفاً فيه فإنه يخطب بدون عصا. قوله: [ويقصد تلقاء وجهه]. أي: إذا خطب الخطيب لا يلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأنه إذا التفت يميناً ظلم أهل اليسار؛ لأن صوته يعزب عنهم، وإذا التفت يساراً ظلم أهل اليمين؛ لأن صوته يعزب عنهم، ولذلك قالوا: يقصد تلقاء وجهه. أي: يجعل وجهه إلى الأمام، فلا يلتفت يميناً ولا شمالاً. وفي هذه المسألة دليل خفي أشار إليه بعض المحققين، كالإمام الحافظ ابن الملقن رحمه الله، فقد أشار إليه في حديث أنس في الصحيحين، وهذا يدل على عمق فهمه رحمة الله عليه، وذلك أنه ذكر أن الأعرابي -كما في الرواية الصحيحة- لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم في الجمعة التي استسقى فيها، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستسقي للناس، دخل من باب عمر)، وكان يسمى: باب القضاء، وهي دار كانت لـ عمر بيعت وصارت دار قضاء، وهذا الباب كان في الجهة الغربية إلى الشمالية من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل منه هذا الأعرابي. قال أنس: (فمضى حتى صار تلقاء وجه النبي صلى الله عليه وسلم فاستقبله). ووجه الدلالة في انتزاع هذا الحكم -كما قالوا- أنه لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتفت في خطبته لما احتاج الأعرابي أن يتكلف المسير من الجهة الغريبة حتى ينتصف المسجد ويأتي تلقاء وجهه، فقالوا: دل هذا على أنه كان إذا خطب قصد تلقاء وجهه عليه الصلاة والسلام. واستثنى بعض العلماء الدروس وأثناء المجالس العامة، فقالوا: إنه إذا خشي على الناس أن ينام بعضهم، أو يحصل له ما يدعوه إلى السآمة والملل فلا حرج أن يلتفت، خاصة عند تقرير المسائل وضبطها، أما في الخطب فالسنة أن يقصد تلقاء وجهه، ولا يلتفت يميناً ولا شمالاً، وقالوا: هذا كله أدعى لهيبة الخطيب ولإقبا
الأسئلة
الأسئلة
حكم إلقاء خطبة الجمعة بغير العربية
حكم إلقاء خطبة الجمعة بغير العربية Q هل هناك حرج لو كانت الخطبة بلغة غير عربية لكي يفهمها المصلون؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فاختلف العلماء رحمهم الله في صحة خطبة الجمعة بغير العربية على قولين مشهورين، والصحيح أنه يبتدئ الخطبة والموعظة بالكلام العربي حتى يحصِّل القدر المعتبر لصحتها، ثم بعد ذلك يخطب بلغة القوم ولا حرج عليه حينئذٍ، أما لو تمحضت بالأعجمية، فإن في صحتها نظراً، ولذلك لا بد من ورودها على الوجه الذي ذكرنا، فيخطب بالعربية على القدر المجزي بما فيه بشارة ونذارة، ثم بعد ذلك شأنه بالقوم يعظهم ويذكرهم. والله تعالى أعلم.
حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة ومدى تأثيره على الصلاة
حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة ومدى تأثيره على الصلاة Q إذا كان لا يجوز الكلام أثناء الخطبة، فهل معنى ذلك أن من تكلم بطلت جمعته ولا أجر له؟ وهل يؤثر ذلك على صحة صلاته؟ A إن تكلم أثناء الجمعة فإن جمعته صحيحة ولكنه ينقص في الأجر، ويكون كلامه من اللغو الذي يوجب نقصان أجره في الجمعة، ويكون قوله عليه الصلاة والسلام: (فلا جمعة له) أي: لا جمعة كاملة. والله تعالى أعلم.
الجمع بين السعي المذكور في آية الجمعة والمشي بالسكينة المذكور في الحديث
الجمع بين السعي المذكور في آية الجمعة والمشي بالسكينة المذكور في الحديث Q كيف نجمع بين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتيتم الصلاة فعليكم بالسكينة)؟ A قوله سبحانه وتعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] أي: امضوا إلى ذكر الله، وليس المراد به السعي الذي هو الاشتداد في السير، وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة دليلاً على أنه يجوز السعي عند إقامة الصلاة، والصحيح أن ذلك خلاف السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، فدل نهيه عليه الصلاة والسلام عن السعي عند المضي إلى الصلاة على أنه لا ينبغي من المكلف هذا الضرب من السير، وهذا اللفظ في الحديث عام شامل لصلاة الجمعة وغيرها، وتكون الآية: (فاسعوا إلى ذكر الله) المراد بها مطلق السعي الذي هو المضي، كما تقول: سعيت إلى المسجد، بمعنى: مضيت إليه، ويؤكد ذلك قراءة ابن مسعود: (فامضوا إلى ذكر الله)، والقراءة تفسر قراءة، وعلى هذا يكون السعي هنا في الآية الكريمة ليس على ظاهره، ولا يعارض منصوص السنة. والله تعالى أعلم.
حكم الالتزام بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة
حكم الالتزام بخطبة الحاجة في خطبة الجمعة Q هل يسن بدء الخطبة يوم الجمعة بخطبة الحاجة؟ A أما خطبة الحاجة فقد جاءت عنه عليه الصلاة والسلام وهي مطلقة، وأما بالنسبة لخطبة الجمعة فالأمر فيها واسع، وهكذا مجالس الذكر والمحاضرات والندوات، وأما الالتزام والتقيد بخطبة الحاجة إلى حد أن الإنسان لا يكتب رسالة ولا كتاباً، ولا يخطب، ولا يحاضر، ولا يتكلم إلا ويستفتح بخطبة الحاجة، فهذا التقيد الزائد عن الحد لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالثابت في الأحاديث الصحيحة (حمد الله وأثنى عليه)، وهذا فيه حديث عائشة في الصحيحين، وحديث جابر في صحيح مسلم، وكلها بلفظ: (حمد الله وأثنى عليه)، فلم يتقيد بلفظ معين، ولو كان تعتد لقال: (خطب خطبة الحاجة) ولذلك السنة أن ينوع، وانظر إلى كتب الأئمة والسلف ودواوين العلم، فإنك لن تجد أحداً صدّر كتابه بخطبة الحاجة، فالالتزام بها والتقيد يشعر بأنها واجبة، حتى إن بعض طلاب العلم ربما أنكروا على الخطيب، أو على المحاضر، أو على المدرس، أو على الواعظ إذا استفتح موعظته أو خطبته بغير خطبة الحاجة، أو استفتح كتابه بغير خطبة الحاجة، وهذا محل نظر، وحديث خطبة الحاجة يدل على فضل هذه الخطبة، ولكن لا يتقيد بها حيث يشعر أو يظن الناس كأنها واجبة لاستفتاح الذكر. والله تعالى أعلم.
حكم تقديم الحافظ للصلاة بالناس يوم الجمعة على الخطيب غير الحافظ
حكم تقديم الحافظ للصلاة بالناس يوم الجمعة على الخطيب غير الحافظ Q إذا خطب الإمام الخطبة وكان في القوم من هو أقرأ منه، وهل يقدمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله)؟ A لا يقدمه؛ لأن صلاة الجمعة متصلة بخطبتها، وبناء على ذلك يسير على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن خطب بالناس صلى بهم، وعلى هذا فإننا نقول: يغتفر هذا اليسير، وخاصة إذا كان إماماً راتباً فإنه: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، وإن كان على عمومه، فلا حرج أن يتقدم ولو كان هناك من هو أقرأ منه، ما دام أنه أقدر على الموعظة والتأثير على الناس، قال العلماء: المهم في صلاة الجمعة يوم الجمعة الخطبة، ولذلك لا يلي الجمعة القارئ، بمعنى أنه لو كان قارئاً لا يحسن الخطبة ولا يحسن توجيه الناس فإنه يقدم من يحسن توجيه الناس على القارئ؛ لأن مقصود الجمعة يوم الجمعة التذكير والخطبة، ولذلك أُمر الناس بالسعي إليها ونهوا عن الكلام أثناء خطبة الخطيب، وكل ذلك تعظيم لشأن الخطبة، الأمر الذي يدل على أن الشرع قصدها، وعلى هذا فإنه إن كان خطيباً مؤثراً وكلامه نافعاً، أو كان فقيهاً عالماً ولكنه دون غيره في القراءة فإنه أولى، والسنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه من ولي الخطبة يلي الصلاة. والله تعالى أعلم.
حكم الاحتباء يوم الجمعة بالحبل أو باليدين
حكم الاحتباء يوم الجمعة بالحبل أو باليدين Q هل النهي عن الاحتباء أثناء الخطبة يختص بمن كانت معه حبوته -أي: الحبل الذي يحتبي به- أم أنه إذا جمع رجليه بيديه يقع في النهي؟ A النهي عن الاحتباء فيه حديث تكلم العلماء رحمهم على سنده، وقال من يقول به: إن النهي عن الاحتباء لعلتين: العلة الأولى: خوف النوم، وذلك أنه إذا احتبى لم يأمن أن يسترسل في نومه، ثم بعد ذلك ينتقض وضوءه فتبطل صلاته، وكذلك ينشغل عن ذكر الله وعن الموعظة التي ينبغي أن يستمع إليها ويتأثر بها. العلة الثانية: أنه إذا احتبى انكشفت عورته، وذلك لأن الناس كانوا يأتزرون، والاحتباء مع الائتزار لا يمنع من كشف العورة في كثير من الأحوال والصور، ولذلك قالوا: إنه يبقى النهي على عمومه، سواء، أكانت معه الحبوة أم لم تكن معه. أما الذين يفرقون بين وجودها وعدمها فقالوا: إن كانت معه حبوته -كأن يكون معه القماش الذي يدار، أو يلف غطاء رأسه عليه ويعقده، أو يأتي بحزام ثم يجمع بالحزام ركبتيه إلى صدره- فإنها تعينه على النوم، فلا يحتبي بها، أما لو لم تكن معه حبوته وإنما احتبى بيديه، فإنه إذا نام سقط واستيقظ، ففرقوا بين أن تكون معه حبوته وبين ألا تكون معه، وهذا راجع إلى العلة؛ لأنهم لما نظروا أن العلة هي النوم قالوا: إذا كانت معه حبوته يسترسل وينام ولا يشعر، ولكن إذا لم تكن معه حبوته فإنه يجمع بيديه، فإذا نام انفكت يديه فيستيقظ. ففرقوا بين أن تكون معه الحبوة أولاً تكون معه، ولكن ظاهر السنة العموم، ولذلك يكون تخصيص هذا العموم من جهة علته، والتخصيص من جهة العلة إن قويت قوي وإن ضعفت ضعف. والذي يظهر والله أعلم -عند من يقول باعتبار هذا الحديث- أن النهي على العموم أولى، وعلى ذلك يشمل من جمع بحبوة أو جمع بيديه فقط. والله تعالى أعلم.
الواجب على الخطيب إذا نسي الخطبة الثانية
الواجب على الخطيب إذا نسي الخطبة الثانية Q إذا نسي الخطيب الخطبة الثانية، ونزل من المنبر، وأقيمت الصلاة، فهل يجوز أن يرجع؟ وما الحكم لو صلّى ولم يؤد الخطبة الثانية؟ A سئل بعض العلماء عن هذه المسألة فقال: من أغرب ما رأيت أن تكون الأمة كلها نائمة، ولا أحد ينبه الخطيب، حتى أثناء إقامة الصلاة، فهي أشبه بقولهم: (إذا لم تغرب الشمس). ولذلك لا يرون أن هذه المسألة لها حقيقة ووجود. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فبعض العلماء يرى أن الخطبتين قائمتان مقام الركعتين الأوليين من الظهر، وبناء على ذلك لا يصح أن يخطب خطبة واحدة وينزل ويصلي، ويلزمه حينئذٍ أن يعيد الجمعة إذا صلى. وبعضهم يقول: يرجع ويخطب الخطبة الثانية، ثم يقيم للصلاة ويصلي، فحينئذٍ يصح بناؤه. وهذا أقوى في الاعتداد بصلاته، وسقوط الشبهة في الاعتداد بها. والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على النبي أثناء الخطبة والجهر بها
حكم الصلاة على النبي أثناء الخطبة والجهر بها Q هل يحوز للمأمومين أن يؤمنوا إذا دعا الإمام، أو يجهروا بالصلاة إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون ذلك في أنفسهم بقاءً على الصمت وعدم الكلام؟ A أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقد قال بعض العلماء: إذا صلى يصلي جهراً، ولا حرج عليه؛ لحديث: (رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فقل: آمين، فقلت: آمين)، فقالوا: يصلي عليه لأنه مأمور بالصلاة عليه عليه الصلاة والسلام عند ذكره، فقالوا: هذا واجب، فيجب عليه، ولا حرج أن يفعل هذا. وقال جمهور العلماء: يصلي في نفسه. وهو أقوى، وحينئذٍ يكون أمره عليه الصلاة والسلام دليلاً على سقوط الصلاة عنه، وهو قوله: (إذا قلت لصاحبك -والإمام يخطب- أنصت فقد لغوت)، فتأمل هذا الحديث، فإنه يخاطب صاحبه ويقول: أنصت. وهذا أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، وهو واجب، ومع ذلك قال: (فقد لغوت)، فدل على أنه لا يتكلم ولو كانت الصلاة واجبة، وهذا يدل على عظم شأن الخطبة، وأنه ينبغي الإنصات لها والتأثر بها، وكذلك أيضاً عقد العزم على العمل بما فيها من الخير. والله تعالى أعلم.
حكم رفع اليدين بين الخطبتين والدعاء
حكم رفع اليدين بين الخطبتين والدعاء Q هل يجوز رفع اليدين بين الخطبتين والدعاء؟ A رفع اليدين بالدعاء بين الخطبتين قول طائفة من العلماء، وأنه مما يتحرى لإجابة الدعوة، أي أنه مما يظن أن فيه الساعة التي هي ساعة الجمعة، ولذلك يدعو فيها، ولكن رفع اليدين بقصد القربة يعتبر من الحدث، أما لو أنه دعا دعوة مطلقة فلا حرج عليه في ذلك، أو لم يتخذ ذلك ديمة ولم يعتقد فيه فضلاً فلا حرج عليه؛ لمطلق الأحاديث في جواز رفع اليدين في الدعاء، والوقت الذي بين الخطبة الأولى والخطبة الثانية يشرع فيه الكلام، ويشرع فيه الفعل، وهذا دل عليه الحديث في صحيح البخاري أن الصحابة فعلوا ذلك بحضرة عمر رضي الله عنه وأرضاه. والله تعالى أعلم.
مواضيع يستحب الحديث عنها في خطبة الجمعة والتذكير بها
مواضيع يستحب الحديث عنها في خطبة الجمعة والتذكير بها Q ما المواضيع التي ينبغي أن يعتني الأئمة بها في خطبة الجمعة؟ وهل كان من هدي السلف تفقيه الناس ما يجهلونه من الأحكام في خطبة الجمعة، أم يقتصر على الوعظ والإرشاد؟ A أما ظاهر القرآن فخطبة الجمعة دعوة إلى ذكر الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، ومعنى هذه الآية الكريمة: أن الناس أحوج ما يكونون في خطبة الجمعة إلى من يذكرهم بالله عز وجل، ويذكرهم بوعده ووعيده، وتخويفه وتهديده، وجنته وناره، وبشارته ونذارته، وما عنده من الخير، وما عنده من الشر، وأن الخير لمن أطاعه والشر لمن عصاه، فتذكير الناس بذلك هو المقصود، وإذا وفق الخطيب لأن يمس شغاف قلوب الناس بتذكيرهم بوعد الله عز وجل، وما أعد للأخيار من جنته ودار كرامته، وكذلك تخويفهم وتهديدهم من وعيده، وما أعده للأشرار من ناره وعقوبته، فخرج الناس من الخطبة وقد بلغتهم الموعظة، وهم على الرجاء والخوف في قلوبهم، فإن ذلك أدعى لصلاح أمورهم كلها. فلو أن خطيباً تكلم بموعظة عن الآخرة، فإنه سيتأثر بها صغير الناس وكبيرهم، وعالمهم وجاهلهم، وسفيههم ورشيدهم، وسيصبح التأثر على جميع طبقات من حضر من أفاضل المجتمع، فإذا خرجوا لسلوكهم وتصرفاتهم، وخرجت هذه الموعظة معهم؛ لأنها لا تتقيد بزمان، ولا تتقيد بمكان، ولا تتقيد بحدث، ولا تتقيد بشيء معين، فلو خرج الواحد منهم من المسجد فرأى عورة من عورات المسلمين قال: أستغفر الله. فغض بصره، ولو سمع أمراً محرماً. قال: أستغفر الله. لأن الجنة والنار جعلت أمام عينيه، ولذلك ينبغي التركيز على تبشير الناس بما عند الله تعالى، وتخويفهم مما عند الله، فإن هذا يدعوهم إلى صلاح جميع أمورهم، وقد قالت أم المؤمنين: (كان أول ما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات فيها ذكر الجنة والنار). فالناس إذا خافت ورجت ما عند الله تركت زمام أمورها لمن خوفها بالله عز وجل وبشرها بما عنده؛ لأن الخوف والرجاء مظنة السلامة، كما قال الله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9]، وقال عن عباده الأخيار: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16]، فجمع لهم بين الخوف والطمع، وبناء على ذلك فإن المقصود من الخطبة أن يمس الإنسان شغاف قلوب الناس حتى يكونوا مطيعين لله سبحانه وتعالى، فيفعلون أوامره ويجتنبون نواهيه، ويخرج كل إنسان إن كان أخطأ في أمور دنيوية لكي يصحح هذه الأمور الدنيوية على وفق شرع الله، وإن كان في أمور دينية اتقى الله عز وجل فيها فلزم السنة وترك البدعة والتزم الجماعة، وسار على نهج الكتاب والسنة. فهذا بالنسبة لأفضل ما يكون من ذكر الله عز وجل، فإذا ذكّر بهذا التذكير، وكانت الخطبة قائمة على الإيمان بالله وقواعد الإيمان به المدعمة بالأدلة الصحيحة الصريحة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم انتفع الناس على اختلاف طبقاتهم. أما بالنسبة لما يلي ذلك من الأحكام والأمور التي لها مساس بالفقه والمعاملات فهذا بقدر حاجة الناس، فإذا رأى الناس يحتاجون إلى تفقيههم في العبادات فعل، كمواسم الحج، فإنه يذكرهم ببعض الأمور المهمة في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك يذكرهم بالمعاملات المحرمة، وكيف يتبايعون، وما الذي يحرم عليهم، خاصة إذا عمت البلوى في بعض المعاملات المحرمة، فإنه يخطب فيها خطبة يبين للناس حرمة هذا النوع من التعامل؛ لأن هذا من التذكير بالله عز وجل. وكذلك يذكرهم بأمور المسلمين وما يتربص به أعداؤهم من الكيد والأذية لهم، من تشتيت كلمتهم وتفريق صفوفهم، والنيل من ديانتهم وقربهم من الله عز وجل، فهذا أمر مهم ومطلوب. فلابد للخطيب أن يكون عنده تنويع في مثل هذه الأمور، أما المبالغة في الأشياء، بمعنى أن الإنسان يبالغ في جانب معين، فيأتي الناس إليه خطبته في أشياء معينة يدور فيها، ويحيا ويموت عليها، وكأن الإسلام حصر فيها، فهذا من الغلو، فكونه ينحصر في هذه الجوانب، أو يرى العناية بواقع المسلمين ومشاكلهم فيحقر من يذكر الناس بالجنة والنار، فهذا ليس من السنة في شيء، فهو أقرب إلى البدعة منه إلى السنة؛ لأنه غلا في دين الله عز وجل، وعدّ أن العناية بواقع المسلمين ومشاكلهم هو الإسلام كله، وهذا ليس بصحيح، بل إن الناس يحتاجون إلى عناية؛ لأن صلاح الناس يبتدئ من الناس أنفسهم، فإذا صلح الفرد صلح المجتمع، وهذا الذي أمامك إن أصلحه الله بموعظتك وتذكيرك فإنه أدعى إلى أن يخرج إلى بيته وإلى زوجه وإلى إخوانه وأخواته فيؤثر فيهم. فكون الإنسان يعتني بالإسلام عموماً، ولا ينحصر في جانب معين، هو أقرب إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب صلاة الجمعة [3]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [3] من الأحكام المتعلقة بصلاة الجمعة: أن صلاتها تكون ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، ويسن أن يقرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقون، ومنها: حكم إقامة أكثر من جمعة في البلد الواحد، ومقدار السنة التي تصلى قبل الجمعة وبعدها. وللجمعة سنن ينبغي مراعاتها والمحافظة عليها، ومنها: الاغتسال، والتطيب، وليس أحسن الثياب، والتبكير، والدنو من الإمام، وقراءة سورة الكهف، والإكثار من الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
أحكام صلاة الجمعة
أحكام صلاة الجمعة
عدد ركعاتها، والسنة فيما يقرأ فيها
عدد ركعاتها، والسنة فيما يقرأ فيها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [فصل: الجمعة ركعتان]. أجمع العلماء رحمة الله عليهم على أن الجمعة ركعتان، وهي هدي النبي صلى الله عليه وسلم الثابت عنه في الأحاديث الصحيحة، ركعتان يجهر فيهما بالقراءة. قال رحمه الله تعالى: [يسن أن يقرأ جهراً في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين]. قوله: (يسن) أي: ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعله أنه قرأ في الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقون، أما اختيار الجمعة فالمناسبة في ذلك أنه يوم الجمعة، ولذلك إذا قرأها ختمها بأمرهم بما يدل على أهمية شهود صلاة الجمعة؛ لأن الله ختمها بالأمر بحضور صلاة الجمعة وشهودها والنهي عن التخلف عنها، وأما سورة المنافقون؛ فلأنها تشتمل على صفاتهم المذمومة التي حذّر الله منها عباده المؤمنين، فيكون ذلك أدعى إلى دعوة الناس إلى الإخلاص وترك الرياء وصفات المنافقين التي لا يحبها الله عز وجل، فذكر صفات أهل النفاق فيه قرع للقلوب، وتذكير لها وتحذير لها من سلوك هذا السبيل الذي سمّى الله أهله، ونفّر العباد من اتباعه.
التفصيل في حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع من البلد
التفصيل في حكم إقامة الجمعة في أكثر من موضع من البلد قال رحمه الله تعالى: [وتحرم إقامتها في أكثر من موضع من البلد إلا لحاجة]. والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده لم يجمِّعوا أكثر من جمعة واحدة، وكان أهل قباء على أميال من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجدهم له الفضل والمكانة، ومع ذلك لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجمِّعوا، وهذا يدل على أنه لا تشرع أكثر من جمعة في المدينة الواحدة، فإن وجدت الحاجة كاتساع العمران كما هو موجود الآن، وأصبح الناس في مشقة أن يشهدوا الجمعة في مسجد واحد فيجوز التعدد بقدر الحاجة. وأول تعدد للجمعة وقع في بغداد في عهد بني العباس، وذلك في عصر هارون الرشيد رحمه الله، فإنه ازدحم الناس على جسر دجلة، وشهد أهل جانب بغداد الشرقي الجمعة فكانوا يزدحمون على الجسر، فربما سقطوا بدوابهم في النهر وغرقوا وماتوا، ولربما مات الضعفاء من النساء والأطفال ونحوهم، فاسترخص الناس في أن يقيموا الجمعة في الشط الثاني من بغداد، فأذن لهم ورخص لهم القاضي أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، وهي أول مسألة حصل فيها تعدد الجمعة كما يذكر العلماء رحمة الله عليهم، ولما أفتاهم أن يجمِّعوا أمرهم أن يعيدوها ظهراً احتياطاً. قال رحمه الله تعالى: [فإن فعلوا، فالصحيحة ما باشرها الإمام أو أذن فيها]. قوله: [فإن فعلوا] أي: عددوا من دون حاجة فهم آثمون، كأن تكون هناك جمعة في حي وهناك حي قريب منه، فيقول أهل الحي القريب: لو أننا أحدثنا جمعة في حينا، ولا حاجة أن نذهب إلى الحي الثاني. فإحداثهم للجمعة محرم إذا لم توجد حاجة وضرورة، فحينئذٍ إذا أحدثوها أثموا. فإن صلوا فهل العبرة بالجمعة القديمة، أم العبرة بالجمعة الحديثة، أم العبرة بالجمعتين وكلتاهما صحيحة؟ هذا فيه تفصيل بين العلماء: فبعض العلماء يقول: العبرة عندي بأول الجمعتين، فأول الجمعتين وقعت هي المجزئة، فلو أن المسجد الحديث بكّر وصلى الجمعة قبل فجمعته هي المعتدّ بها وهي المعتبرة، ولا ينظر إلى قديم ولا إلى جديد وهذا يقول به بعض أصحاب الشافعي رحمه الله. القول الثاني: العبرة بالمسجد القديم، وهو قول الجمهور، كما ينص عليه أصحاب الإمام مالك رحمه الله، وأصحاب الإمام أحمد، وكذلك جمع من أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع، وهذا هو ظاهر القرآن، قال تعالى: {لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ} [التوبة:108]، فدل على أن المسجد الذي هو أقدم جمعته هي المعتبرة، وعلى هذا فالجمعة في المسجد الثاني لاغية، سواءٌ أوقعت قبل جمعة المسجد القديم أم وقعت بعده، فالعبرة بالمسجد القديم، سواء أتقدم أم تأخر، ولا حاجة إلى تفصيل العلماء رحمة الله عليهم. وهناك وجه آخر -كما درج عليه المصنف- أن العبرة بالجمعة التي أذن فيها الإمام وهذا مشكل؛ لأنه ربما أذن الإمام لأصحاب الجمعة الثانية، والجمعة الأولى في الأصل كانت موجودة قبل إذن الإمام، فحينئذٍ لازم هذا أن يحكم ببطلان الجمعة بالمسجد العتيق وصحتها في المسجد الحديث، وظاهر القرآن يدل على خلاف هذا، فيستصحب نص القرآن على أن العبرة بالمسجد القديم؛ لأنه أحق، والمسجد الجديد داخل عليه، وأهله ظلموا المسجد القديم بدخولهم عليه، ولذلك يعتد بالجمعة التي تقع في المسجد القديم، ولو كانت متأخرة، أما لو كانت وجدت حاجة لإحداث الجمعة الثانية فلا إشكال، فكلتا الجمعتين صحيحة. قال رحمه الله تعالى: [فإن استويا في إذن أو عدمه فالثانية باطلة]. لو أذن الإمام بكلتا الجمعتين فقد قيل: العبرة بالأسبق وقوعاً، وهي التي وقعت ولو كانت في الجمعة القديمة، فإنها هي الصحيحة، ولو أن الجمعة التي وقعت في المسجد الحديث وقعت قبل فإنها هي الصحيحة، والصحيح ما ذكرناه أن العبرة بالمسجد القديم سواء أستويا في الإذن أم استويا في الوقت، أم شك في الوقت، فالعبرة بالمسجد القديم على ظاهر آية التوبة، وهي نص قوي في الاعتداد بالمسجد القديم وعدم الاعتداد بالمسجد الحديث الطارئ عليه. قال رحمه الله تعالى: [وإن وقعتا معاً أو جهلت الأولى بطلتا]. إذا كانت العبرة بالوقت فيرد Q لو وقعتا معاً فما الحكم؟ و A تبطل الجمعتان؛ لأنه لا بد من تصحيح إحدى الجمعتين وإلغاء الأخرى، والضابط في التصحيح مستوٍ فيهما، فلا وجه لتصحيح إحداهما دون الأخرى، قال: [بطلتا]، فيصلونها ظهراً. والصحيح أن العبرة بالجمعة القديمة -كما ذكرنا- حتى ولو استويتا في الوقت.
بيان مقدار السنة بعد الجمعة
بيان مقدار السنة بعد الجمعة شرع المصنف رحمه الله في بيان جملة من السنن التي أثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة، فمنها ما يتعلق بالصلاة كالسنن الراتبة، ومنها ما يتعلق بالمكلف من ناحية تهيؤه لصلاة الجمعة ومضيه إليها، فقال رحمه الله في بيان السنة الراتبة التي تكون بعد الجمعة: [إن أقلها ركعتان]، وهذا على ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (أنه صلى بعد الجمعة ركعتين)، وهاتان الركعتان كان عليه الصلاة والسلام يصليهما في بيته، ولذلك حفظ بعضها من أحاديث أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن. وكذلك ثبت عنه في حديث ابن عمر: (أنه عليه الصلاة والسلام صلى بعد الجمعة ست ركعات)، وللعلماء رحمهم الله في هذا أقوال: فهناك أحاديث أنه صلى ركعتين، وهناك أحاديث أنه صلى أربعاً، وأنه صلى ست ركعات، وأنه بيّن أن السنة يوم الجمعة ست ركعات. فبعض العلماء يقول: إذا صلى في المسجد يصلي أربعاً، وإذا تسنن في بيته يصلي ركعتين جمعاً بين النصوص، فما جاء عن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن من صلاته عليه الصلاة والسلام بالركعتين يكون في بيته، فنعمل الحديث على ظاهره، وما جاء عنه عليه الصلاة والسلام من صلاته في المسجد أربعاً بعد الجمعة يكون في المسجد فهذا وجه للجمع. ومنهم من خير فقال: يصلي تارة ركعتين، ويصلي تارة أربع ركعات، والاختلاف ليس اختلاف تضاد، إنما هو اختلاف تنوع، فإن شاء صلى ركعتين وإن شاء صلى أربعاً، كأنه يرى أن أقصى ما يصلى هو الأربع ركعات. ومن العلماء من قال: إن السنة هي ست ركعات، كما ثبت في حديث ابن عمر، فكان عليه الصلاة والسلام يصلي أربع ركعات في مسجده وركعتين في بيته، وهذا هو أقوى الأقوال، وهو أن السنة أقصى ما يكون فيها ست ركعات، وأقل ما يكون فيها الركعتان، ولذلك من أراد أن يصيب السنة على أكمل وجوهها وأتمها، فليصل ركعتين في بيته إذا رجع، ويصلي قبلها أربعاً في المسجد. ولكن إذا لم يتيسر له أن يصلي الأربع في المسجد فإنه يصلي الست في بيته، وإذا لم يكن له بيت، كأن يكون صلى ويريد أن يرجع إلى ضيافة، أو إلى دعوة ولا يتيسر له الرجوع إلى بيته يصلي في المسجد ستاً، وهذا هو المحفوظ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فإنه كان يصلي ست ركعات في مسجده، كما أثر عنه حينما قدم إلى مكة رضي الله عنه وأرضاه. والخلاصة من هذا أن للجمعة راتبة، وتختص راتبتها بالبعدية، وليس للجمعة راتبة قبلية، وذهب بعض السلف إلى أن للجمعة راتبة قبلية، وأنه يصلي قبل الجمعة ركعتين، وهذا مأثور عن بعض السلف من الأئمة رحمة الله عليهم، وقال به بعض أصحاب الإمام أحمد رحمة الله على الجميع. والأقوى الذي دلت عليه السنة أنه لا يصلى قبل الجمعة راتبة، ولكن الأفضل والسنة للإنسان إذا قدم إلى المسجد قبل صلاة الجمعة أن يكثر من النوافل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بيان بعض الأعمال والفضائل يوم الجمعة: (ثم دخل المسجد فصلى، ثم جلس فأنصت)، ولذلك استحب العلماء أن يكثر من الصلاة، خاصة وأنه قبل الجمعة بعد الزوال، وهناك قول يقول: إنها ساعة إجابة، ولذلك يستكثر من الصلاة ويصلي؛ لأن أفضل الأعمال هي الصلاة، فيستكثر من الصلاة، ولكن لا يتقيد بالسنة الراتبة، أي: ليس لها سنة راتبة. واختلف العلماء في الصلاة بين الأذان الأول والثاني: فمذهب طائفة من أصحاب الشافعي رحمهم الله أنه يصلي بين الأذان الأول والثاني؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، فقالوا: لا حرج أن يصلي بين الأذان الأول والثاني، وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه إذا أذن المؤذن الأول قام فصلى حتى يشرع الخطيب في خطبته، فيصلي بين الأذان الأول والثاني. وذهب الجمهور إلى أن حديث: (بين كل أذانين صلاة) يختص بالأذان والإقامة، وأنه لا يشمل الجمعة ولكن مع هذا لا ينكر على من يصلي بين الأذان الأول والثاني، وليس هناك نص صحيح في كتاب الله ولا سنة النبي صلى الله عليه وسلم يدل على تحريم الصلاة بين الأذان الأول والثاني، فلو أن إنساناً صلى لا ينكر عليه، خاصة وأن ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة) يحتمله، وقد قال به أئمة، والأصل في المسائل الخلافية أنه إذا تمسك أحدهم بظاهر السنة المحتملة فإنه لا ينكر على من فعلها، ولكن إذا اعتقد الفضل بأن قال: أقصد الصلاة بين الأذان الأول والثاني، فإذا اعتقد مزية الفضل في هذا الوقت يكون قد أحدث، أما لو أنه صلى صلاة مجردة، فإن الصلاة في هذا الوقت النصوص دالة على مشروعيتها وجوازها، ولا ينكر على من فعلها، وليس هناك وجه لتحريم الصلاة إلا بنص من الكتاب أو السنة. ولذلك يبين في هذه المسألة، فإذا صلى بين الأذان الأول والثاني، وأخذ بظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة)، والأذان الأول أذان شرعي، وقد أجمعت الأمة وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بعد عهد عثمان رضي الله عنه على هذا الأذان، وقال: إنني أتأول ظاهر هذا الحديث: (بين كل أذانين صلاة)، فهذا وجه تحتمله السنة، ولذلك لا ينكر على من فعله، إنما ينكر لو اعتقد مزية الفضل، فإذا اعتقد مزية الفضل فقد أحدث في دين الله ما ليس منه باعتقاد فضل لوقت لم يرد النص به عيناً، أما لو صلى مطلق الصلاة، أو صلى لتأول ظاهر الحديث: (بين كل أذانين صلاة)، فإنه لا ينكر عليه، خاصة أن من أهل العلم رحمة الله عليهم من يقول: إن قوله عليه الصلاة والسلام: (بين كل أذانين صلاة) السبب فيه أنه إذا أذن المؤذن فتحت أبواب السماء، فشرع أن يصلى بين الأذان والإقامة، ولذلك يستجاب الدعاء بين الأذان والإقامة، وذلك نظراً إلى كونه إذا أذن المؤذن فتحت أبواب السماء لاشتمال الأذان على أفضل ما يقال وأعظم الكلمات وأجلها عند الله، وهي شهادة التوحيد، فتفتح أبواب السماء، وهذا المعنى ينطبق على الأذان الأول؛ لأنه أذان شرعي أجمعت الأمة على اعتباره والاعتداد به. قال رحمه الله تعالى: [وأكثره ست]. أي: أكثر هذه السنة الراتبة البعدية ست ركعات، والصحيح -كما قلنا- أنه ليس هناك راتبة قبلية وإنما راتبة بعدية فقط، وهذا مما تختص به الجمعة، بخلاف صلاة الظهر في كل يوم فلها راتبة قبلية وبعدية، وقد تقدم الكلام على هذه الراتبة، وبيان ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في أعدادها عند كلامنا على صلاة السنن الراتبة. فقوله: [أكثرها ست] أي: أكثر ما يتنفل به كراتبة بعدية، ولكن لو أن إنساناً أراد أن يصلي بعد الجمعة نافلة مطلقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث عمرو بن عبسة: (فإذا زالت فأمسك عن الصلاة، فإذا انتصفت في كبد السماء فأمسك عن الصلاة، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم، فإذا زالت فصل فإن الصلاة حاضرة مشهودة)، ولذلك لم يفرق بين الجمعة وغيرها، فلا حرج أن يتنفل النفل المطلق، لكن النفل الذي يقصد منه راتبة الجمعة البعدية لا يكون إلا على أقصى درجة، وهي ست ركعات، وهذا هو أقصى ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة وأن حديث الست فيه جمع بين الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأربع والذي ورد عنه بالركعتين.
سنن الجمعة
سنن الجمعة
الاغتسال
الاغتسال قال رحمه الله: [ويسن أن يغتسل لها]. أي: يسن للإنسان أن يغتسل لصلاة الجمعة، والسبب في هذا أن بعض الصحابة كانوا يقدمون على الجمعة من العوالي ومن قباء، ومن نحوها من الأماكن التي هي من ضواحي المدينة، وكانت الأرض أرض زراعة، فإذا مشوا في الطريق يغشاهم الغبار والتراب، قالت أم المؤمنين: فَعَلَتِ المسجد منهم زهومة بمعنى أنه مع عرقهم وما يكون في الثياب من عرق فاحت هذه الرائحة في المسجد، وتضرر الناس، وكان مسجده عليه الصلاة والسلام صغيراً، فتضرر الناس بذلك، فأمرهم عليه الصلاة والسلام أن يغتسلوا للجمعة، وهذا يدل على أن السنة أن يغتسل، وهذا الاغتسال فيه حكم عظيمة: أولها: أنه يقوي نفس الإنسان على ذكر الله عز وجل، وذلك أن الاغتسال يقوي الإنسان وينشطه، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان إذا دخل إلى مكة اغتسل بذي طوى)، وذي طُوى مثلث الطاء، ويسمى الآن الزاهد، اغتسل فيه عليه الصلاة والسلام ونزل وطاف، وهذه سنة يضيعها كثير من المعتمرين إلا من رحم الله، فمن السنة أن يغتسل الإنسان قبل الطواف؛ لأنه إذا اغتسل قويت نفسه، خاصة وأنه قد جاء من السفر في عناء وتعب، فإذا طاف وهو قوي النفس نشيطاً مرتاح البال، مع وجود الاستجمام بإصابة الماء للبدن، قويت نفسه على ذكر الله واستجمت، وأصبح في جلد على الطواف والسعي، فالاغتسال يقوي النفس. ثانياً: أن الناس يحضرون ويدخلون يوم الجمعة، فإذا اجتمعوا في المسجد ولم يغتسلوا علت منهم الزهومة، وأضر بعضهم ببعض، وهذا جعل بعض العلماء رحمة الله عليهم ينبه على أن الإنسان إذا دعي إلى حلق الذكر ومجالس العلماء التي يكثر فيها الناس أنه يفضل أن يغتسل لها، لا بقصد العبادة، وإنما بقصد المعنى الذي قصده الشرع من الاجتماع، وفرق بين أن يغتسل بقصد القربة والعبادة، وبين أن يغتسل من أجل دفع ضرر النتن الذي قد يكون في ثيابه، أو يكون بسبب الازدحام مع غيره، فقالوا: إن الغسل يوم الجمعة يدفع عن الناس ضرر الرائحة الكريهة. ثالثاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في شأن الجمعة والذهاب إليها: (من غسّل واغتسل، وبكر وابتكر، ومشى ولم يركب) إلى آخر الحديث، وقد اختلف العلماء في قوله: (غسل واغتسل): فمنهم من يقول: (غسل واغتسل) معناهما واحد، والمراد به تأكيد الغسل. ومنهم من يقول: (غسل) أي: تسبب في غسل زوجته، بناء على أنه يصيب أهله قبل أن يذهب إلى الجمعة، فإنه إذا أصاب الأهل قبل ذهابه إلى الجمعة انطفأت الشهوة، فكان أغض لبصره، وأحصن لفرجه، وأبعد له عن الفتنة، فإذا أقبل على الذكر أقبل بنفس مطمئنة، ويكون منشرح الصدر، بعيداً عن الوساوس والخطرات، خاصة وأنه في يوم الجمعة لا يأمن من وجود الاختلاط الذي قد تصاحبه فتنة النظر. وقال بعض العلماء: (غسل واغتسل) أي: غسل رأسه واغتسل لسائر جسده. وقال بعضهم: قوله (غسل) أي: أنه توضأ، (واغتسل) أي: غسل جميع بدنه. وهذه كلها أوجه لها ما يبررها ويدل على اعتبارها، وقال بها جمع من أهل العلم رحمة الله عليهم. وقول المصنف: [يسن] السنة: ما يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها، فلو قلنا: دعاء الاستفتاح سنة فإن من كبّر وقرأ الفاتحة مباشرة لا يأثم، وهكذا الدعاء المأثور: (ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) بعد التسميع والتحميد، وكذلك: (حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه)، فإن هذه الأدعية سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها. فقوله: [يسن أن يغتسل] أي أنه إذا اغتسل فأفضل، وإذا لم يغتسل فلا إثم عليه، وهذا مذهب طائفة من العلماء. والصحيح: مذهب الظاهرية ومن وافقهم من أهل الحديث أن غسل الجمعة واجب، وذلك للأمور الآتية: أولاً قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، والأمر للوجوب حتى يدل الدليل على صرفه، ولا صارف صحيح. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم). ثالثاً: أننا وجدنا الصحابة قد فهموا اللزوم للغسل، وذلك أن عثمان رضي الله عنه دخل وعمر يخطب في الناس يوم الجمعة، فقال له عمر: (أي ساعة هذه؟) أي: ما بك وما شأنك قد تأخرت عن الجمعة؟ فقال: (يا أمير المؤمنين! ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت وقدمت فقال: والوضوء أيضاً) كأنه ينكر عليه، فدل على أن الغسل كان معروفاً أنه لازم لصلاة الجمعة، وعلى هذا فإنه يقوى القول بالوجوب. ثم إن دليل النظر يقوي هذا القول، وهو أنه إذا لم يغتسل أضر بالناس، وذلك بحصول النتن، وإن كان النتن منه يسيراً فاليسير مع اليسير من غيره كثير، والجبال من دقائق الحصى، ومعنى هذا أن دفع هذا الضرر مطلوب شرعاً، وبناء عليه فإنه يعتبر أشبه ما يكون بالوجوب واللزوم منه إلى السنة. أما الغسل للجمعة فإنه أفضل ما يكون عند إرادة الخروج، فهذا أفضل ما يكون، فمثلاً: لو كان يخرج الساعة التاسعة أو العاشرة، فإنه يؤخر غسل يوم الجمعة إلى هذه الساعة؛ لأنه إذا أخّر غسله إلى هذه الساعة حقق مقصود الشرع من حصول النظافة والنقاء، ومن ثم قال العلماء: الأفضل في غسل الجمعة أن يقع قريباً جداً من الخروج، ولكن إذا كان غسله عند الخروج فيه ضرر عليه كأن يكون في شدة برد، فإنه لا حرج أن يقدمه بوقت على قدر ما يدفع به الضرر عن نفسه. لكن لو أن إنساناً صلى الفجر واغتسل، أو طلعت عليه الشمس واغتسل، فهل يصدق عليه أنه حقق الواجب من غسل الجمعة؟ الذي يقوى ويظهر أن هذا الغسل ينبغي أن يكون قريباً من الخروج، وذلك للرواية في الصحيح: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، فيكون مطلق قوله: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) مقيداً بقوله: (إذا أتى أحدكم الجمعة)، خاصة وأنه يفهم من النص أو الأمر بهذا الغسل أن يكون نقياً لصلاة الجمعة، فلو أنه اغتسل قبل الجمعة بوقت ربما زال هذا المعنى، فيعتريه ما يعتري الإنسان من العرق ونحو ذلك، فيذهب المقصود من غسله ليوم الجمعة. قال رحمه الله تعالى: [وتقدم]: أي: تقدمت صفة الغسل، وهذه العبارة تُعقِّب فيها صاحب المتن بأن فيها نظراً، وليس المراد أنها فاسدة من كل وجه، فإذا كان الكلام مستقيماً والحجة مستقيمة وقال الخصم: (فيه نظر)، فإن قوله هذا يكون مكابرة وعناداً، وقد يكون الكلام فيه احتمال الخطأ، فقولهم: (فيه نظر) يعنى أنه يحتمل الخطأ، أو فيه خلل في ضابط من ضوابطه أو أصل من أصوله الذي اعتمدها. فقول المصنف: [وتقدم] لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قوله: [وتقدم] أي: تقدم أنه مسنون، وهذا احتمال، وحينئذٍ على هذا الوجه يكون الذي تقدم حكم غسل الجمعة. وإما أن يكون معناه: تقدمت صفة الغسل، أو تقدم بيان الغسل، أو بيان ما يتحقق به الغسل الذي يسن. فإن كان معنى قوله: [وتقدم] أي: تقدم أنه مسنون، فهذا هو الذي جعلهم يقولون: (فيه نظر)؛ لأنه في باب غسل الجنابة لم يذكر أن غسل الجمعة سنة، فيكون قول الشارح: (فيه نظر)، أي: إن تقدم حكم غسل الجمعة بأنه سنة ففيه نظر. والواقع أن المصنف رحمه الله قصد بقوله: [وتقدم] بأنه تقدم ضمناً ولم يتقدم صراحة، وتوضيح ذلك أنه لما تكلم في باب الغسل ذكر من موجباته خروج المني دفقاً، وتغييب الحشفة، وإسلام الكافر، والحيض إلى آخره، ولم يذكر يوم الجمعة، فلما لم يذكر الجمعة مع الموجبات فهمنا أن غسل الجمعة مسنون وليس بواجب، وهذه إشارة خفية، ومن هنا لم يتبين لمن تعقب المصنف رحمه الله وجه كونه قدم الحكم، والواقع أنه قدم الحكم، ولكن قدمه بدقة. وإن كان مراده بقوله: [وتقدم] أي: تقدم بيان ما يتحقق به الغسل المعتبر، فقد تقدم، فإنه في الغسل بيّن ما يتحقق به الغسل في باب غسل الجنابة، وبناء على ذلك فلا وجه لتعقب صاحب المتن، وكلامه صحيح ومعتبر على الوجهين: إن قلنا: أراد الحكم، فلا إشكال. وإن قلنا: أراد الصفة، فلا إشكال.
التنظف والتطيب
التنظف والتطيب قال رحمه الله تعالى: [ويتنظف ويتطيب]. هذا الأمر بالنظافة يفهم منه الأمر بالغسل، وذلك أنه لما أمر الشرع بالغسل فإن معنى ذلك أن يتنظف الإنسان، وهذا صحيح، فإننا نأخذ الأحكام إما من منطوق الشرع، أو مما نفهمه من الشرع، وهذا من الفقه، فإنه إذا جاء النص يأمرنا بغسل الجمعة فإننا نفهم أن المراد أن يكون الإنسان على نظافة ونقاء، إضافة إلى أن الأصل في شهود المساجد ودخولها أن يكون الإنسان على نقاء، يقول تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31]، فقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] مما يتضمن الزينة المطلقة، سواء أكانت زينة البدن التي يصحبها نقاؤه ونظافته، أم الزينة التي يراد بها ستر العورة، وقد استدل العلماء رحمهم الله بهذه الآية على اشتراط ستر العورة، وقد تقدم معنا. قوله: [يتنظف]. الغسل قد يكون فيه نظافة وقد لا يكون فيه نظافة، فالإنسان قد يبلّ جسده بأن يدخل في بركة ويغتسل ولكن لا يتنظف، بمعنى أنه لا يدلك جسده، ولا يبالغ في إزالة الشعث عنه، فالنظافة فوق الغسل، وبناء على ذلك فإن السنة والأفضل للإنسان أن يبالغ في نظافة جسده حتى يكون محققاً لمقصود الشرع من زوال الأذى الذي يتضرر به الناس، وهو وجود الرائحة الكريهة. وقوله: [ويتطيب]. الطيب هو الرائحة، ويشمل الطيب الذي يكون سائلاً، أو يكون له رائحة كالبخور والند والعود، ونحو ذلك، فهذا كله من الطيب، والطيب من السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال -كما في الصحيح-: (ومس من طيب أهله)، وهذا يدل على أن السنة أن يتطيب الإنسان، وقد جاء في حديث فضل المضي إلى الجمعة: (ومس طيباً) أي: يمس من طيبه طيب بيته أو طيب أهله، وقالوا: التعبير بطيب الأهل لأن الإنسان إذا أراد أن يتجمل على أبلغ ما يتجمل فإنه يتجمل لزوجه، ولذلك اختار هذا النوع من الطيب الذي يكون به أبلغ ما يكون في زينته، وأحسن ما يكون في رائحته، وكأنه لما قال: (طيب أهله) لأن الإنسان لا يحب أن يضر أهله عند نومه معهم ونحو ذلك، كذلك أيضاً في مخالطته لإخوانه، فإنه يتطيب بأحسن ما يجد من الطيب وأفضله.
لبس أحسن الثياب
لبس أحسن الثياب قال رحمه الله تعالى: [ويلبس أحسن ثيابه]. لأنه يوم عيد، والجمعة عيد الأسبوع، ولذلك يلبس أحسن ما يجد، وهي السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يدل على أن الإنسان إذا أراد شهود صلاة الجمعة، أو الصلاة عموماً فالأفضل له أن يلبس أحسن ما يجد. ومن الأخطاء الشائعة عند الناس اليوم -وينبغي أن ينبهوا لها- شهود بعض الناس المساجد بملابس نومهم، فهذا أمر لا ينبغي، وهو يخالف أمر الله عز وجل بأخذ الزينة عند دخول المساجد، وإذا رأيت إنساناً يدخل المساجد بهذه الثياب تنبهه، ولا مانع أن تبالغ في بيان أن هذا الأمر لا ينبغي للإنسان الذي يقف بين يدي الله عز وجل، فإنه لو مضى إلى مقابلة إنسان عظيم فإنه يتجمل ويلبس أحسن ما يجد، ولوجد في نفسه المنقصة أن يخرج بمثل هذه الثياب، والأصل عند العلماء وضوابط العلماء التي قرروها أنه لو خرج الإنسان بالثياب الداخلية أمام الناس والملأ عامة فضلاً عن المسجد فإنه تسقط عدالته، ويعد هذا من خوارم المروءة، فالذي يخرج بثياب نومه أمام الناس في الشارع، فضلاً عن أن يدخل بيت الله عز وجل والمساجد التي يشهدها الناس على اختلاف طبقاتهم فإنه قد حرم مروءته. ومن الحياء والخجل أن يخرج الإنسان بثياب نومه إلى بيوت الله عز وجل، فينبغي إجلال هذه البيوت، قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ} [النور:36]، ولذلك ينبغي للإنسان أن يشهدها وهو على أحسن وأفضل ما يكون، قال عليه الصلاة والسلام: (ما على أحدكم أن يتخذ ليوم جمعته ثوبين سوى ثوبي مهنته) أي: ما عليه من ضرر لو أنه جعل ثوباً لمهنته، وثوباً لجمعته، مع أن ثياب المهنة يقابل بها الناس، فكيف إذا كان بثياب بيته التي لا يقابل بها الناس؟ ولو أنه دعي لمقابلة إنسان يكرمه ويجله ويعظمه لما خرج بثياب نومه، ولأحس هذا الإنسان أنه يزدريه وينتقصه، فكيف بالله جل جلاله؟! ولذلك ينبغي للإنسان أن يظهر نعمة الله عز وجل عليه. كما أن خروج الناس بمثل هذه الثياب فيه أثر نفسي على الأبناء والأطفال، فإن الأبناء والأطفال إذا رأوا آباءهم، أو رأوا كبار السن يخرجون بمثل هذه الثياب إلى المساجد احتقروا أمر الصلاة، وتقالوا أمر المساجد، ولكنهم إذا رأوهم يأخذون زينة المساجد تأسوا بهم واقتدوا بهم، فكان شعوراً نفسياً يعين على إجلال بيوت الله عز وجل ومساجده، وإجلال شعائره التي من أعظمها الصلاة، قال صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فعلى الأئمة والخطباء أن ينبهوا الناس، وإذا رأيت إنساناً يصلي بجوارك وعليه هذه الثياب تنبهه، وإذا كان الإنسان له مكانة لا مانع أن تقرعه وتقول: إن هذا لا ينبغي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، فالحياء يدعو الإنسان ألا يخرج بمثل هذه الثياب؛ لأن هذه ثياب البيت.
التبكير في الذهاب إلى الصلاة مشيا
التبكير في الذهاب إلى الصلاة مشياً قال رحمه الله تعالى: [ويبكر إليها ماشياً]. هذه هي السنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (من بكر وابتكر، ومشى ولم يركب، ودنا وأنصت)، فقوله: (من بكر وابتكر) قالوا: بكّر على وزن (فعَّل)، وهذه الصيغة تدل على زيادة المبنى، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، قالوا: إن هذا يدل على تكلف البكور، والبكور في أول النهار، واختلف العلماء رحمة الله في التبكير للجمعة متى يكون؟ فمنهم من يرى أن التبكير للجمعة يكون من بعد الزوال، كما هو قول طائفة من فقهاء المدينة من السلف رحمة الله عليهم، وبه يقول إمام دار الهجرة الإمام مالك بن أنس رحمة الله على الجميع. والقول الثاني أن التبكير يكون من أول النهار، وهو مذهب الجمهور، فيمشي من بعد طلوع الشمس. بل قال بعضهم: لو صلى الفجر وجلس كان أبلغ في التبكير، أي: لو أنه بعد صلاة الصبح، وبعد رجوعه إلى بيته وإصابته لطعامه خرج إلى مسجده، فهذا أبلغ ما يكون من البكور. وإن كان الأقوى أنه بعد طلوع الشمس؛ لأن فيه الساعات الأول التي فيها الفضل، والتي سبق بيانها وأنه: (من خرج في الساعة الأولى كان كأنما قرب بدنة ... ) الحديث، فهذا الفضل لا يكون إلا للمبكر، وهو الذي يخرج في أول الساعات. فالفضل يكون في البكور، ولأن البكور فيه مسارعة للخير ومسابقة إليه، والله سبحانه وتعالى ندب عباده إلى المسارعة والمسابقة إلى الخير، فقال سبحانه: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة:148]، وقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} [آل عمران:133]، فالذي يسارع إلى الجمعة يسارع إلى مغفرة من ربه، والذي يسابق إلى الجمعة يسابق إلى مغفرة من ربه، وإلى جنة عرضها السماوات والأرض؛ لأن دافعه إلى ذلك رجاء رحمة الله، ورجاء عفوه ومغفرته ورضوانه، فالفضل في التبكير للجمعة، وأعظم الناس أجراً في الجمعة أبعدهم إليها ممشى، وأسبقهم إليها تبكيراً.
الدنو من الإمام
الدنو من الإمام قال رحمه الله تعالى: [ويدنو من الإمام]. لأنه في القديم كانت المساجد لا يوجد فيها الأجهزة التي يبلغ فيها الصوت، فكلما دنوت من الإمام كلما كان ذلك أدعى لسماعك، والمقصود من الجمعة أن تسمع الموعظة، ولذلك من أفضل ما يكون للعبد يوم الجمعة أن يكون تأثره بالخطيب بليغاً، حتى ولو كانت خطبته لا يجد فيها تلك الفصاحة وتلك البلاغة، لكن ينبغي أن يتفاعل مع ما يقوله الخطيب وما يأمر به من أوامر الله وما ينهى عنه من زواجر الله، فإنه إذا فعل ذلك، وتأثر بما يقوله الخطيب فإنه من أفضل الناس وأعظمهم أجراً، وكان العلماء رحمهم الله يستبشرون للعبد بذلك، ويعدونه من دلائل الإيمان. وما جعلت هذه المنابر، وما أمر الأئمة بإلقاء الخطب عليها إلا للعمل وللتأثر بما يقولون، فإذا رزق الله العبد أذناً صاغية وقلباً واعياً، فإن هذا من نعم الله عليه، وقد كانوا يقولون: من أعظم الناس أجراً يوم الجمعة أفضلهم تأثراً بقول الخطيب. وكان بعضهم يقول: إن من دلائل القبول أنه إذا وجد نفسه في الخطبة تتأثر وينكسر قلبه ويخشع، وربما يبكي، ويحس أن هذه الزواجر تقرعه وتذكره وتعظه، وأنها تنصحه، ويجد لها وقعاً بليغاً على قلبه، فليحمد الله، عز وجل على عظيم نعمة الله عليه، فهذا من نعم الله، ومما يخص الله به من شاء من عباده. وقد اختلف العلماء في مسألة وهي: لو أن الإنسان يوم الجمعة كان في بادية، أو في مكان ليست فيه أجهزة مكبر الصوت، فلو أنه جاء مبكراً فأدرك الصف الأول في طرفه بحيث لا يسمع الخطبة، ويمكنه أن يأتي في الصف الثاني فيسمع الخطبة، فهل الأفضل أن يكون في الصف الأول مع بعده عن سماع الإمام، أم يكون في الصف الثاني مع سماعه وتأثره؟ ومثل هذه المسألة أيضاً: صلاة الفجر، فقد اختلفوا فيها: هل الصف الثاني أفضل إذا كان الصف الأول أبعد عن الإمام بحيث لا يسمع قراءته، أم الفضيلة للصف الأول وإن لم يسمع قراءة الإمام؟ فبعض العلماء يقول: إن قربه من الإمام ولو كان في الصف الثاني أو الثالث أو الرابع أفضل من الصفوف الأول، ويرجح ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، فقالوا: إن هذا يدل على فضل هذه القراءة، خاصة وقد قيل: إن الفجر تشهده الملائكة وقيل: إنه يشهده الله عز وجل، أي أن النزول إلى السماء الدنيا يستمر إلى قراءة الفجر إعظاماً لهذه الصلاة. والصحيح: أن قوله: {كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78]، معناه: تشهده الملائكة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار يجتمعون في صلاة الصبح والعشي) التي هي صلاة العصر، فقوله: {كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] معناه: تشهده الملائكة. وفائدة الخلاف أن من يقول: الأفضل أن يكون في الصف الثاني والثالث مع السماع والتأثر، يقول: السماع والتأثر مقصود من الشرع، فكأن صلاة الجمعة قصد منها أن يسعى الإنسان ويتأثر، فيحقق بذلك مقصود الشرع والنفع بها متعدد، خاصة وأنها من جنس العلم، والصف الأول من جنس العبادة، والعلم مقدم على العبادة، ففضل العلم مقدم على العبادة. ومن يقول: الصف الأول أفضل، فذلك لعموم النصوص. وثانياً: أن الصف الأول فضيلته متصلة، أي: أنه يتصل بنفس فعل الصلاة، والسماع لا يعتبر في كل الصلاة وإنما في بعضها، فإذا صلى الصلاة كلها في الصف الأول فالفضيلة كاملة له، لكن السماع لا يكون إلا في حال الخطبة، ولا يكون إلا في حال القراءة، كما في صلاة العشاء يكون في الركعتين الأوليين، وفي صلاة المغرب في ثلثي الصلاة وهما الركعتان الأوليان. فقالوا: الأفضل أن يصلي في الصف الأول. والحقيقة أن الصف الأول أفضل من جهة النص ومن جهة المعنى، ومقصود الشرع من ناحية الفائدة، فإن القرب من الإمام أفضل، لكن والحمد لله مع وجود الوسائل الموجودة الآن لا شك أنه يرتفع الخلاف، ويكون الصف الأول أفضل مطلقاً؛ لأنه يسمع الإمام ويصيب فضيلة الصف الأول.
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة
قراءة سورة الكهف يوم الجمعة قال رحمه الله تعالى: [ويقرأ سورة الكهف في يومها]. أي: السورة التي ذكرت فيها قصة أهل الكهف، وتسمى سور القرآن بما يذكر فيها، وقد اختلف السلف في ذلك: فبعضهم يقول: لا يقال: سورة الكهف، ولا يقال سورة البقرة، وإنما يقال السورة التي تذكر فيها البقرة، أو السورة التي يذكر فيها الكهف. والصحيح أنه يجوز أن يقال: سورة الكهف، وسورة البقرة؛ لما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر شفاعة القرآن قال: (تقدمهم سورة البقرة وآل عمران)، وقال: (من قرأ الآيتين من آخر البقرة في ليلته كفتاه)، فهذ يدل على مشروعية تسمية السورة مباشرةً بقوله: سورة البقرة، وسورة آل عمران، ونحو ذلك. وذكره قراءة سورة الكهف لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الحديث -وحسنه غير واحد من الأئمة- قوله: (من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطي نوراً كما بين السماء والأرض)، وهذا يدل على فضل قراءة هذه السورة يوم الجمعة. وللعلماء وجهان في قراءتها: فمنهم من يقول: تقرأ في ليلة الجمعة، ولا حرج أن يقرأها في الليل أو النهار فهو بالخيار. ومنهم من يقول: لا تكون قراءتها في الليل، وإنما بين طلوع الشمس إلى غروبها. ويفضل بعض العلماء أن تكون قبل الصلاة، بمعنى أن تكون ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الجمعة، وهذا أقوى وذلك لأنه يكون في أول النهار، فلما يقرأ القرآن تكون عبادته معينة له على صلاة الجمعة وحضور القلب، فكلما شهد الإنسان الجمعة وهو أكثر خيراً وأكثر براً كلما كان أكثر تأثراً وأكثر انتفاعاً وأرجى للقبول من الله عز وجل، ولكن لا حرج لو قرأها بعد صلاة الجمعة، أو بعد العصر. وينبغي أن ينبه على أنه لا يعتقد الفضل لوقت معين بعينه لقراءة هذه السورة، فلو قال إنسان: لا تقرأ هذه السورة إلا في الساعة الأولى من الجمعة، فإن تحديده لهذه الساعة بدعة، وذلك لأنه أحدث؛ لأن الشرع أطلق وهو قيد، ولا يجوز تقييد المطلقات من الشرع إلا بدليل يدل على هذا التقييد. قال العلماء: سبب تخصيص سورة الكهف بالقراءة يوم الجمعة لما فيها من ذكر ابتداء الخلق، وكذلك لما فيها من ذكر مآل الناس من مشاهد يوم القيامة وعرصات يوم القيامة، ولما فيها من التزهيد في الدنيا وضرب الأمثال على حقارة الدنيا، خاصة قصة صاحب البستان، وما كان منه من كفر نعمة الله عز وجل عليه، وكيف أن الله انتقم منه لما كفر نعمة الله سبحانه وتعالى، وبيان حقيقة الدنيا بقوله تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ} [الكهف:46]، فكون الإنسان يقرأ مثل هذه الآيات، ويتأثر بها ويحس أنها تخاطبه لا شك أن هذا يدل على فضل هذه السورة، وكذلك ما اشتملت عليه من الدعوة إلى طلب العلم وفضل طلب العلم -كما في قصة الخضر وموسى- كل هذا يدل على فضل هذه السورة لما تشتمل عليه من معانٍ جليلة، ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقرأ في فجر الجمعة بسورتي السجدة والإنسان، قالوا: لما فيهما من ذكر الآخرة، والتذكير بمآل الناس يوم القيامة من نعيم وجحيم.
الإكثار من الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
الإكثار من الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال رحمه الله تعالى: [ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم]. قوله: [ويكثر الدعاء] أي: يوم الجمعة، والسبب في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم -أو قال: مؤمن- يسأل الله شيئاً إلا أعطاه) أياً كان هذا الشيء من خيري الدنيا والآخرة. ومعنى ذلك أنه يشرع الإكثار من الدعاء يوم الجمعة، ويسن الإكثار منه، ولذلك لما كان قيام ليلة القدر له فضله شرع في العشر الأواخر أن يحيا ليلها بالقيام، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شد المئزر وأحيا ليله، فلما نبه الشرع على أن: (في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها عبد يسأل الله شيئاً من خيري الدنيا والآخرة إلا أعطاه) دل على أنه يشرع ويسن الإكثار من الدعاء حتى يصيب الإنسان هذه الساعة، يقول العلماء: التنبيه على الساعة دعوة إلى الإكثار من الدعاء؛ لأنه لما نبه على أن هناك ساعة فكأنه يقول: ادعوا وأكثروا من الدعاء علكم أن توافقوا هذه الساعة. والعكس بالعكس، فإذا منع الشرع، أو كان هناك رجاء إجابة وخيف من دعوة ظالمة يمنع من الدعاء، كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا تدعوا على أولادكم لا توافقوا باباً في السماء مفتوحاً فيستجاب لكم)، فحذر ومنع؛ لأن هناك ساعة يستجاب فيها الدعاء، فمنع من الدعوة التي فيها ضرر. والساعة التي حث عليها النبي صلى الله عليه وسلم قليلة؛ لأن الرواية الصحيحة تقول: (أشار بيده يقللها) حتى قال بعض العلماء: إنها برهة من الوقت وجاء في بعض الأحاديث أنها ساعة كاملة تشمل جزء النهار، والنهار اثنتا عشرة ساعة كما في الصحيح، فهي ساعة بكاملها، وهي ستون دقيقة، وإن كان الأقوى في رواية الصحيح أنها ساعة يقللها عليه الصلاة والسلام. وقد اختلف العلماء في وقت هذه الساعة: فقال بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: إنها بعد ارتفاع الشمس بقدر ذراع أي: بعد الارتفاع بقليل، وهذا قول ضعيف؛ لأن هذا الوقت منهي فيه عن الصلاة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الصحيحة: (لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي)، فدل على كونها في وقت صلاة، وإن كان اعتبر بعض العلماء هذا بأنه إذا جلس بعد صلاة الفجر ينتظر الإشراق وينتظر الصلاة يكون في حكم المصلي ولكن هذا محل نظر؛ لأن قوله صلى الله عليه وسلم: (ما يزال في صلاة ما انتظر الصلاة) أي: الصلاة المفروضة، وهذا يجعله لا يوافق هذا الفضل إلا إذا كان جالساً في مصلاه بعد الفجر إلى أن يصلي الجمعة، وهذا من المشقة بمكان. وقال بعض العلماء: تكون بعد صلاة الفجر من يوم الجمعة إلى طلوع الشمس، وهذا أيضاً مروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول مشكل؛ لأن هذا الوقت أيضاً ليس بوقت صلاة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النافلة فيه، ولذلك يضعف أن يكون هذا الوقت وقت إجابة؛ لأن تلك الساعة يكون فيها العبد مصاحباً للصلاة، لقوله صلى الله عليه وسلم: (وهو قائم يصلي)، كما في رواية مسلم. وقال بعض العلماء: إنها من بعد الزوال مباشرة. أي: من حين أن يبدأ الزوال تكون هذه الساعة، وهذا القول فيه قوة، وخاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى قبل صلاة الظهر أربعاً قال: (إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، ولما التقى شيخ الإسلام -رحمه بالله- بالتتار كان يقول للقائد: انتظر -أي: لا تبادر المعركة- حتى تزول الشمس وتهب الرياح، ويكون الوقت أرجى لقبول الدعاء ساعتها، ويدعوا المسلمون على المنابر. فهذا الوقت من أرجى الأوقات، وهو من بعد زوال الشمس، أو من بداية زوال الشمس. وبعض أصحاب هذا القول: من بعد الزوال ولو لحظة أي: بعد أن تزول الشمس يقوم الإنسان ويصلي بعد زوالها مباشرة. القول الرابع: أنها من بعد الزوال إلى أن تنتهي الصلاة. القول الخامس: أنها من حين يشرع الإمام في الخطبة إلى أن تنتهي الصلاة. القول السادس: أنها من حين يشرع في الخطبة إلى أن تقام الصلاة. القول السابع: أنها عند إقامة الصلاة. القول الثامن: أنها أثناء إقامة صلاة الجمعة، أي: من حين تقام الصلاة ويكبر تكبيرة الإحرام إلى أن يسلم. القول التاسع: أنها من بعد العصر إلى غروب الشمس. القول العاشر: أنها قبل غروب الشمس بساعة. القول الحادي عشر: أنها في الثلاث الساعات التي قبل غروب الشمس. والأفضل والأولى وهدي السنة أن يسكت عن هذه الساعة؛ لأن الشرع سكت، وما ورد من الأحاديث فهو متعارض، مثل حديث أبي سعيد مع حديث أبي ذر، فالأحاديث فيها معارضة، مع أن الصحابة كانوا يفهمون هذا. لكن الأقوى من ناحية النص والدليل أنها تكون في وقت تشرع فيه الصلاة، وهو من طلوع الشمس قيد رمح، إلى أن تصلى صلاة العصر، ويستثنى أثناء الزوال، وبعض العلماء لا يستثني وقت الزوال؛ لأنه يرى أن ساعة الزوال في يوم الجمعة مرتفعة، أي: ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا انتصفت فأمسك عن الصلاة، فإنها ساعة تسجر فيها جهنم)، فمن بعد طلوع الشمس قيد رمح إلى صلاة العصر هذا هو الوقت المشتمل، وأما ما عدا هذا من الأقوال فإنه يعارض قوله صلى الله عليه وسلم: (وهو قائم يصلي). وأما القول بأنها بعد العصر فبناءً على أنه إذا جلس ينتظر صلاة المغرب أنه في صلاة، وأما ما أثر عن أبي سعيد الخدري وغيره من الصحابة فمشكل؛ لأنه قال: (وهو قائم)، ولم يقل: وهو يصلي. مع أنه جاء في بعض الروايات: (وهو يصلي)، لكن رواية: (وهو قائم يصلي) تؤكد على أنها صلاة ذات ركوع وسجود، وكونه يقال: إنه إذا انتظر الصلاة فهو في صلاة فهذا حكم الصلاة، وفرق بين الحكم والوصف، فلو قال عليه الصلاة والسلام: (وهو يصلي) لاستقام القول، لكن لما قال: (وهو قائم يصلي) فالقيام يدل على وجود الفعل للصلاة بذاتها. والذي تطمئن له النفس أنها ساعة من بعد ارتفاع الشمس قيد رمح إلى صلاة العصر، ما خلا ساعة الزوال، على أصح أقوال العلماء من أن ساعة الزوال في يوم الجمعة وفي غيرها على حد سواء يمسك فيها عن الصلاة، خلافاً للإمام الشافعي رحمه الله تعالى، فقد استدل بحديث رواه في مسنده وهو حديث ضعيف، وفيه استثناء يوم الجمعة، والصحيح: أن ساعة الزوال أو ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء لا يصلى فيها للإطلاق في النصوص، والأصل في المطلق أن يبقى على إطلاقه حتى يرد ما يقيده من الأدلة الصحيحة. كما أن الذي تطمئن إليه النفس أنه يمسك عن تحديد هذه الساعة؛ لأنه منهج الشرع، ولذلك جاء في ليلة القدر أن الأفضل أن يمسك عنها؛ لأنه أدعى إلى اجتهاد الناس وإقبالهم على العبادة، وبعض العلماء رحمة الله عليهم كان يستغرب من إهمال أول النهار، فيقول: إن الأقوال كلها انصبت على آخر النهار، وانصبت من بعد الزوال، مع أن ساعة الضحى تعتبر من ساعات الغفلة، ويوم الجمعة الناس فيه أكثر بيعاً وشراءً ولهواً في الدنيا، ولا يقبل على العبادة في مثل هذا الوقت إلا من كان حاضراً فقط، مع أنها ساعات فضل بالتبكير إلى الجمعة، ولذلك كان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يطمئن إلى الساعات في أول النهار، ولكن الأفضل والأولى أنه شيء سكت عنه الشرع، فإذا لم يرد الدليل الصحيح الصريح فإنه يبقى على الإطلاق الذي أطلق الشرع فيه هذه الساعة، خاصة وأنهم لما قالوا: بعد صلاة العصر فإن ما بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس وقت طويل، وقد جاء في الحديث: (أشار بيده يقللها)، وكذلك من بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، فقد يصل إلى أكثر من ساعة، ولذلك يضعف هذا القول، ويقوى القول الذي يقول: إنها في ساعة تباح فيها الصلاة، وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس. قوله: [ويكثر الدعاء]، هذا أمر يضيعه كثير إلا من رحم الله، فالناس عندما كانت قلوبهم مملوءة بالخير وبإعظام الله جل جلاله، وكان الدين قوياً كانوا في مثل هذه الأيام المباركة يكثرون من ذكر الله عز وجل، ومن سؤال الله من خيري الدنيا والآخرة، ولكن قلّ أن تجد اليوم من يعمر أوقاته في يوم الجمعة بذكر الله عز وجل، وهذا من الغفلة، وقد كان السلف يكثرون من تلاوة القرآن، وكذلك من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنك لو تأملت قوله صلى الله عليه وسلم: (أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة، فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: كيف تعرض عليك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أجساد الأنبياء) وسألت نفسك: كم تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة لوجدتها صلوات معدودة، بل إنك قد تجد من الناس من لا يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم إلا في صلاته، أو حين يأمر الخطيب بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من غفلة الناس. فهذا اليوم مأمور بالإكثار فيه من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، ويستحي العالم وطالب العلم والعامي أن يعرض اسمه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه إلا النزر القليل، ولذلك على الإنسان أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، ويأمر أبناءه وأهله بهذه السنة التي أضاعها الكثير، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (من صلى عليَّ صلاةً صلى الله عليه بها عشراً)، وهذا فضل عظيم، وفيه أجر كثير للإنسان، فعلى الإنسان أن يكثر من الصلاة والسلام على سيد الأنام عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام، وكانوا يقولون: من نعم الله التي أنعم بها على أهل الحديث ورواة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم يكثرون الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من أفضل القربات وأجلها وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى. واختلف العلماء في الأفضلية في يوم الجمعة: هل هي أن يكثر من تلاوة القرآن، أو من ا
الأسئلة
الأسئلة
التنفل يوم الجمعة في وقت النهي
التنفل يوم الجمعة في وقت النهي Q كيف يكثر المصلي من النوافل يوم الجمعة، مع كون بعض أوقاتها منهياً عن الصلاة فيه؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن معنى السؤال أن يوم الجمعة لو أن إنساناً أكثر فيه من النوافل فإنه ربما صلى أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وبناءً على ذلك يقولون: كيف يُكثر من النوافل مع أنه ربما يوافق وقت النهي؟! والجواب أن وقت النهي في يوم الجمعة للعلماء فيه قولان: فمذهب طائفة من العلماء -كالشافعية ومن وافقهم- أن يوم الجمعة يجوز للإنسان أن يصلي فيه النافلة ولو كان أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وفيه حديث رواه الشافعي في مسنده، ولكنه ضعيف. والذي يظهر أن يوم الجمعة وغيره على حدٍ سواء، وأنه لا يتنفل إذا انتصف النهار؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في هذه الساعة، وهي ساعة انتصاف الشمس في كبد السماء، وقال عليه الصلاة والسلام: (فإذا انتصفت فأمسك عن الصلاة فإنها ساعة تسجر فيها جهنم) نسأل الله السلامة والعافية. قالوا: هذا عام، والأصل في العام أن يبقى على عمومه، فإنه لم يقل: إلا يوم الجمعة. وهذا القول هو أقوى الأقوال، وهو أن يوم الجمعة وغيره على حد سواء، ولا يصلي الإنسان أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء. وتعرف هذا الوقت المنهي عن الصلاة فهي بأن تنظر إلى الوقت الذي يكون فيه إشراق الشمس، والوقت الذي يكون فيه غروب الشمس، وتحسب ما بينهما من الزمان، ثم تقسمه على اثنين، فذلك هو وقت انتصاف النهار. فإذا كان طلوع الشمس الساعة السادسة، وغروبها الساعة السادسة، فإن المجموع سيكون اثنتي عشرة ساعة، فحينئذٍ تقسمها على اثنين فتكون ست ساعات، فعند بلوغ الساعة الثانية عشرة والنصف حينئذ تمسك عن الصلاة، ويبقى هذا القدر الذي يقارب عشر دقائق إلى سبع دقائق لا تصلي فيه، فتحسب ما يبن الإشراق -أي: الإشراق المحض، وليست صلاة الإشراق الموجودة في التقاويم- ووقت غروب الشمس؛ لأن صلاة الإشراق قد يُحتاط فيها بارتفاع الشمس قيد رمح، فلا بد وأن يكون الوقت دقيقاً في الإشراق ودقيقاًً في الغروب، فتحسب ما بينهما وتقسمه على اثنين، فيكون الناتج هو وقت انتصاف الشمس في كبد السماء، ففي هذه اللحظة تقف عن الصلاة، وإنما تصلي قبلها أو بعدها، والسبب في ذلك نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الصلاة في مثل هذا الوقت، والنصوص عامة، ويوم الجمعة وغيره على حدٍ سواء، والله تعالى أعلم.
الجمع بين القول بوجوب الغسل وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت)
الجمع بين القول بوجوب الغسل وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت) Q إذا قلنا بوجوب غسل الجمعة فكيف نجيب عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، وهل يقتضي كونه واجباً إثم من لم يغتسل؟ A اختلف العلماء في ثبوت هذا الحديث، فمن أهل العلم من ضعَّفه، وإن كان تحسينه قوياً عند طائفة من المحدثين، لكن القول بثبوته وكونه حسناً لا يعارض ما ثبت في الصحيح، فيجاب من وجهين: الوجه الأول: ما اختاره العلماء بأنه يحتمل أن يكون قبل أمر العزيمة، وهذا من أقوى الأجوبة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان موسِّعاً على الناس، فقال: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) قالت أم المؤمنين عائشة: (فلما علت المسجد منهم زهومة)، وهذا يدل على أنه أمرٌ متأخر لازدحام الناس، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب على الجذع، فلما كان في آخر حياته خطب على المنبر -كما في الصحيحين من حديث أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه- لأجل كثرة الناس وامتلاء المسجد، وهذا يؤكد أنه كان في أواخر العصر المدني. وعلى هذا يكون الجمع بين الحديثين أنه كان رخصة في أول الأمر. الوجه الثاني: إذا قيل بالمعارضة فإن هذا الحديث لا يقوى على معارضة النص الذي معنا، وذلك أن النص الذي معنا مما اتفق عليه الشيخان، والقاعدة في الأصول أنه إذا تعارض الصحيح والحسن يُقدَّم الصحيح على الحسن، كما قال صاحب الطلعة في الحديث الحسن: وهو في الحجة كالصحيح ودونه إن صير للترجيح أي: الحديث الحسن نحتج به كما نحتج بالحديث الصحيح، ولكن إذا عارض الصحيح فإننا نسقطه في مقابل ما هو أصح منه وأثبت، وبناءً على ذلك فلا إشكال باعتماد القول الذي يقول برجحان وجوب غسل الجمعة، خاصة وأن هناك عدة أحاديث: منها: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل)، وحديث عائشة: (فأُمِر الناس أن يغتسلوا) وقوله صلى الله عليه وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، فهذه الأحاديث قوية جداً في التأكيد واللزوم، وعلى هذا فإنه يقدم القول الذي يقول بوجوبه، مع أن بعض العلماء يقول: إن متن حديث: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) لا يخلو من نظر من ناحية دقة تركيبه اللغوي، وبعده عن الجزالة ودقة البلاغة في التعبير، ولذلك يقولون: إنه لا يبلغ ما بلغه ما هو أصح منه من الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إن مما يقوي هذا الترجيح أننا وجدنا الصحابة يرجِّحون جانب الغسل، ووجه ذلك: أن عمر رضي الله عنه لما تأخر عثمان قال: أي ساعة هذه؟! قال: يا أمير المؤمنين: كنت في السوق، فما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم غدوت. قال: والوضوء أيضاً! والإنكار لا يكون إلا في ترك واجبٍ أو محرم، فقوله: [والوضوء أيضاً!] دل على أنه كان معروفاً أنه لا جمعة حتى يغتسل من أراد أن يجمِّع، وهذا قاله أمير المؤمنين -رضي الله عنه- على حضور ملأ من الصحابة، وكان ذلك الزمن غضاً طرياً قريباً من عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يقول قائل: إن هذا يدل على السنية لأنه جاء بأسلوب الإنكار. وبناء على ذلك يقوى القول الذي يقول بأنه إذا تعارض النصَّان وعمل الخلفاء الراشدون أو أحد منهم بأحد النصين كان مرجِّحاً له على غيره، فهذا يقوي ترجيح الأمر على حديث السعة والرخصة، والله تعالى أعلم.
الواجب على من شرع في الطواف يوم الجمعة ثم بدأت الخطبة
الواجب على من شرع في الطواف يوم الجمعة ثم بدأت الخطبة Q ما حكم من شرع في الطواف يوم الجمعة، وقبل أن يكمل شرع الإمام في الخطبة، هل يُتِم طوافه، أو ينتظر حتى ينتهي الإمام من الخطبة والصلاة؟ A هذه المسألة فيها تفصيل: فالأطوفة تختلف، فما كان من الأطوفة واجباً وفرضاً لازماً فالمختار أنه لا يقطعه، ويستمر فيه حتى ينتهي؛ لأنه يمكنه أن يستمع الخطبة، مع أنه في الغالب إذا كان الطواف عليه واجباً أن يكون من المسافرين الذين لا تلزمهم الجمعة. ولذلك يقولون في مثل هذا: يستمر حتى ينتهي من طوافه، ثم بعد ذلك إذا أقيمت الصلاة دخل مع الإمام وصلَّى. أما إذا كان الطواف سنة أو مستحباً، فحينئذٍ يقولون: إنه يقطعه، ويُنصِت للإمام ويستمع، ولا حرج عليه في ذلك واختار بعض العلماء أنه يُتِم الطواف، سواء أكان نفلاً أم فريضةً؛ لأن الله يقول: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد:33]، ولأنه يمكنه أن يجمع بين الإنصات بالسكوت عن أذكار الطواف، ويكون مشتغلاً بالسماع للخطيب أثناء طوافه، ولا حرج عليه في إتمام الطواف على هذه الصورة. والله تعالى أعلم.
كيفية صلاة السنة البعدية يوم الجمعة لمن صلاها ستا
كيفية صلاة السنة البعدية يوم الجمعة لمن صلاها ستاً Q من صلى السنة الراتبة بعد الجمعة أربعاً أو ستاً، فهل يصليها ركعتين ركعتين، أم يجعلها متصلة بسلام واحد؟ A من صلى هذه الست التي وردت في حديث ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه وغيره، فإنه يجوز له أن يصلي الأربع الأُوَل بتسليمة واحدة، ثم يصلي ركعتين، ويجوز له أن يصليها ركعتين ركعتين، فهذان وجهان يخير بينهما، والله تعالى أعلم.
أفضلية ترديد الأذان الأول لمن دخل المسجد وأراد أن يصلي التحية
أفضلية ترديد الأذان الأول لمن دخل المسجد وأراد أن يصلي التحية Q رجل دخل المسجد في وقت أذان الجمعة، فهل يصلي تحية المسجد، أم يستمع ويردد الأذان؟ A يردد الأذان لإمكانه بعد الأذان الأول أن يصلي تحية المسجد دون أن يفوته فضل المصاحبة والموافقة للمؤذن في ذكره، وأما إذا دخل أثناء الأذان الثاني فإننا إذا قلنا: إنه ينتظر فإنه يكون منشغلاً بالفضيلة التي يردد فيها وراء المؤذن، ويفوته ما هو أفضل من استماعه وإنصاته لخطبة الجمعة، وعلى هذا فإنه يصلي ولو كان ذلك أثناء الأذان لكي يدرك الإنصات للجمعة بكمالها، وهذا عند بعض العلماء آكد وألزم، والله تعالى أعلم.
صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
صيغة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم Q هل للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم صفة معينة، وذلك للإكثار منها يوم الجمعة؟ A الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ما تكون إذا كانت بالصيغة الإبراهيمية التي دل عليه الصلاة والسلام أمته وأصحابه عليها، فإذا صلى الصلاة الإبراهيمية فذلك أفضل وأكمل ما يكون؛ لأن القاعدة في الشرع: (الوارد أفضل من غير الوارد)، فالصلاة بهذه الصيغة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل وأكمل. وأما بالنسبة للصيغة في الصلاة، فالأفضل أن يجمع بين الصلاة والسلام؛ لأن الله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، فأمرنا أن نجمع بين الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على النبي أثناء الصلاة
حكم الصلاة على النبي أثناء الصلاة Q إذا قرأ الإمام قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56]، فهل يجوز للمأموم أن يتلفظ بالصلاة، أم يجعلها في نفسه، أم لا يقول شيئاً على الإطلاق؟ A من فقه الإمامة التي ينبِّه عليها بعض العلماء أن لا يوقع الإمام المصلين وراءه في الحرج، ومن هنا قالوا: إنه لا يقرأ بسورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق:1] لأنه إذا كبر للركوع ذهبوا إلى السجود وسجدوا. وكذلك أيضاً قالوا: إنه لا يتعاطى الأمور التي توجِب اختلاج صلاة الناس. ومثل هذه المسألة الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقولون: إنه سيعرض المأمومين إلى التكلم في الصلاة، ولذلك يقولون: إن الأفضل أن لا يتعاطى مثل هذه الأمور التي قد توقع الجاهل في الأمور المحظورة، فإن الإنسان إذا صلى وراء إمام وقرأ آية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه في نفسه، ولا يتلفظ بالصلاة، وقد قال عليه الصلاة والسلام (إن في الصلاة لشغلاً). وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (وإذا قرأ فأنصتوا). وأما بالنسبة للنافلة فقد قال بعض العلماء: يُشرع له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لما ثبت في السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان إذا مر بآية رحمة سأل الله من فضله، وإذا مر بآية عذاب استعاذ)، ففرَّقوا بين الفرض والنفل. قالوا: في الفريضة لم يثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يقف عند آية العذاب أو آية الرحمة ويتكلم، إنما كان يسرد قراءته، مع أنه ثبتت عنه الأحاديث الصحيحة الكثيرة في قراءته في الفرض من السور التي ذُكِرت في يوم الجمعة والصلوات، ومع ذلك لم يُحفظ عنه حديث واحد أنه توقف لآية عذاب، أو آية رحمة، وأما في قيام الليل فثبت عنه أنه توقَّف لآية الرحمة وسأل الله من فضله، وتوقف عند آية العذاب واستعاذ بالله عز وجل، فدلّ على الفرق بين الفرض والنفل، وقد يجوز الشيء في النفل ولا يجوز في الفرض، فلذلك يجوز للإنسان أن يصلي النافلة في السفر على الدابة، ولا يجوز له أن يصلي الفريضة، فالفرض أعلى مرتبة من النفل. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس المداومة على قراءة هذه الآية ليلة الجمعة، وهذا من البدع فينصح الإمام بعدم تكرار هذا والمداومة عليه، وإذا سمع الناس يتلفظون وراءه ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم بصوت عالٍ فإن عليه أن يكون أشد محافظةً على صلاة الناس كي لا تبطل، خاصة وأن بعض العلماء يرى عدم جواز التلفظ في مثل هذه الحالة كما ذكرنا، والله تعالى أعلم.
اختلاف العلماء في أخذ المصلى حكم المسجد
اختلاف العلماء في أخذ المصلى حكم المسجد Q هل يأخذ المصلَّى حكم المسجد في صلاة ركعتين قبل الجلوس؟ A بعض العلماء يقول: إن المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد وهذا قوي من ناحية أن المصلَّى لا يأخذ حكم المسجد من كل وجه، ولكن هناك أدلة تشير إلى أن المصلى قد يلتحق بالمسجد، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أما الحيض فيعتزلن المصلَّى)، وفي رواية (الصلاة)، فهذا يدل على أنه يأخذ حكم المسجد، ويقوي قول من قال: إن الحائض لا تدخل المصلى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب صلاة الجمعة [4]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الجمعة [4] دلت الأدلة الصحيحة من السنة على أن هناك مكروهات ومحذورات يجب على المسلم أن يجتنبها في يوم الجمعة حتى لا تخدش في صلاته ولا في أجره، ومن تلك المحذورات: تخطي رقاب الناس، وإقامة أحد الجالسين من مكانه، والكلام أثناء الخطبة أو اللهو والعبث، والبيع والشراء بعد الأذان الثاني، ونحوها.
محذورات خطبة الجمعة وما قبلها
محذورات خطبة الجمعة وما قبلها
تخطي رقاب الناس
تخطي رقاب الناس بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف عليه رحمة الله: [ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو إلى فُرْجةٍ]. أي: إذا دخل يوم الجمعة لا يتخطى رقاب الناس. وقوله: (إلا إذا كان إماماً)؛ لأن الإمام لا يستطيع أن يبلغ المنبر إلا عن طريق التخطي، وخاصة أن الإمام لا يدخل إلا وقت الصلاة؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يدخل إلى السلالم مباشرة، ولم يكن يصلي تحية المسجد، ولذلك مذهب المحققين من العلماء، أن السنة للإمام أن يدخل مباشرة إلى المنبر، وألا يصلي تحية المسجد، لكن لو كان هناك وقت وأراد أن يصلي تحية المسجد وأن يجلس فلا حرج، لكن لو دخل في وقت الصلاة فالسنة له أن يدخل إلى المنبر مباشرة، وأن يبتدئ بالسلام على الناس، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أصح أقوال العلماء رحمة الله عليهم، ويعتبر مستثنىً من العموم بالأمر بتحية المسجد. بعض العلماء يجيب في هذه المسألة بجواب لطيف، فيقول: إن جلوسه عليه الصلاة والسلام كان في آخر الزوال. أي: جلس في وقت منهي عنه، وهذا يقوي مذهب من يقول: إنه من دخل في وقت منهي عنه يجلس ولا يصلي. وتوضيح ذلك أن حديث ابن سيدان حمله العلماء على أنه عند الزوال، بمعنى أن جلوس النبي صلى الله عليه وسلم كان في وقت منهي عنه. ضبط الزوال ضبطاً دقيقاً يحتاج إلى شيء من الموازين الدقيقة جداً، ولذلك حدده الصحابة بالتقريب، فقال جابر: حين تزول الشمس، وكان حديث أنس كذلك: (حين يصلي ويخطب) أي: حين تزول الشمس، وهذا -كما يقول العلماء- يرخص فيه، لكن على هذا الوجه الأخير أنه (كان دخوله أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء). فمن دخل أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء، وكان يرى هذا القول لا يصلي ويجلس. ومن دخل قبل أو بعد فإنه يتسنن إعمالاً للأصل الذي يأمر بتحية المسجد. وقوله: (ولا يتخطى رقاب الناس) لأن فيه وعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعدّه بعض العلماء أنه من كبائر الذنوب؛ لما فيه من أذية المصلين والتشويش عليهم، ولذلك لا يجوز للمسلم أن يؤذي المصلين، ويستثنى الإمام، أو من له فرجة، بمعنى أنه لو خرج لقضاء حاجة -كإنسان أصابه الحصر فخرج للوضوء ثم رجع إلى مجلسه- فهو أحق به، كما في الصحيح: (إذا قام الرجل من مجلسه ثم عاد إليه فهو أحق به)، فهذا نص، فكونه يخرج لقضاء حاجته ثم يعود فهو أحق بمجلسه، فلما أذن له الشرع بهذا المجلس جاز له أن يتخطى؛ لأن الإذن بالشيء إذن بلازمه، فلما كان من لازمه أن يتخطى فلا حرج عليه أن يتخطى، ولا إثم عليه في ذلك. وقالوا: لو رأى فرجة في الصف الأول، أو في الصف الثاني فإنه يمضي إليها ويتخطى؛ لأن من وراء هذه الفرجة من الصفوف مقصر في سد هذه الفرجة، فيجوز له أن يتخطى وهذا محل إشكال. والذي يظهر أن من الأولى والأحرى أن يحتاط الإنسان وأن لا يتخطى، حتى ولو رأى فرجة؛ لأن المعنى الذي من أجله منع موجود في التخطي للفرجة، وتقصير غيره لا يوجب الاعتداء عليه بالتخطي. واختلف العلماء في كون النهي عن التخطي مخصوصاً بيوم الجمعة، أو يشمل. فقالوا: لو كان هناك حلقة ذكر وجاء إنسان يتخطى؟ يشرع منعه؛ لأن المعنى موجود، فلو جاء إنسان في حلقة كبيرة ورأى الناس مجتمعين، وجعل يتخطى رقابهم حتى يصل إلى المقدمة، فهذا فيه ظلم لهم؛ لأنه تأخر، والمتأخر يجلس حيث انتهى به المجلس -كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم- أما كونه يتخطى رقاب الناس ويؤذيهم ويشوش عليهم فإنه يذهب الخشوع، فربما سمعت الإمام وهو يقرأ القرآن، أو يذكر الموعظة فتأثرت بالموعظة والقرآن، ثم تفاجأ بمن يأتيك فجأة فيضع رجله على عاتقك، أو يضع رجله بجوار كتفك، فإن هذا يزعج، والنفس البشرية ضعيفة، فإن الناس إذا تخطيت رقابهم انشغلوا عن الخطيب وتأثروا بذلك، وقال العلماء: المعنى موجود حال الخطبة وغير الخطبة، ولكنه حال الخطبة أشد. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام للرجل لما جاء متأخراً وتخطى وهو يخطب: (اجلس فقد آنيت وآذيت)، ومعنى: (آنيت) جئت متأخراً، وليس هذا وقتك التي تبحث فيه عن الصفوف الأول، (وآذيت) أي: بتخطيك لرقاب الناس. فالصحيح أن يوم الجمعة وغيره على حد سواء، وأن التشويش على المصلين بتخطي رقابهم وأذيتهم لا يجوز. واستثنى العلماء لو أنه أراد أن يمر واستأذن وأذنوا له، أو رأى فرجة بينهم قليلة يستطيع أن يمر منها؛ فقالوا: لا حرج، فهذا ليس من التخطي؛ لأن التخطي المراد به المجاوزة حيث لا توجد الفرجة، أما لو وجددت الفرجة وانخرط فيها، أو سلك فيها فلا حرج.
حرمة إقامة من سبق إلى مكان والجلوس مكانه
حرمة إقامة من سبق إلى مكان والجلوس مكانه قال رحمه الله تعالى: [وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له]. قوله: (وحرم أن يقيم غيره فيجلس مكانه) أراد بـ (غيره) أي: من المصلين؛ لأن هذا نهى عنه عليه الصلاة والسلام لما فيه من الظلم، فمن سبق إلى شيء فهو أحق به، ومن آداب المجالس التي أدب الله بها عباده المؤمنين أن الإنسان إذا سبق إلى مجلسه وجلس فيه فهو أحق به، ولذلك لا يجوز لأحد أن يقيمه، ولا أن يضايقه حتى يقوم. والتشويش على من يصلي على وجه الأذية والإضرار حتى يفسح له، أو يأتي ويبرك عليه حتى يفسح وكل ذلك لا يجوز، سواء أأقامه أم ضايقه حتى يقوم، فكل ذلك من الأذية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار). واختلف العلماء في الأب والابن، فلو أراد الأب أن يقيم ابنه ويجلس مكانه، فهل من البر أن يتنازل الابن عن الصف الأول ويتركه لأبيه؟ قال بعض العلماء: الأفضل له أن يتأخر ويقدّم أباه، وذلك لأنه إذا تأخر وقدّم أباه أصاب البر الذي هو أفضل من الصف الأول، ووجه ذلك أن أفضل الأعمال وأحبها إلى الله بعد التوحيد بر الوالدين، فقد قال أحد الصحابة: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها -أي: أول الوقت- قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين) قالوا: فمن أفضل الأعمال وأحبها أن يتأخر الابن لأجل أن يجلس الأب. وقال بعض العلماء: لا إيثار في القرب ولو للقريب حتى ولو كان الأب، ويدل على ذلك أن صحابياً أراد الجهاد في غزوة فطلب من ابنه أن يبقى ليخرج هو للجهاد، فقال: كل شيء لك إلا هذا. إني أرجو الجنة. وخرج رضي الله عنه حتى قتل قبل أبيه رضي الله عنه وأرضاه، فكانوا لا يؤثرون في القرب، والقاعدة: (لا إيثار في القرب)، فقالوا: لا يقدم الأب من هذا الوجه؛ لأنه إذا قدمه فكأنه زاهد في الخير. والصحيح أن له أن يقدمه، وأنه إذا قدم أباه أصاب الفضيلتين: فضيلة الصف الأول بوجود البر، وفضيلة البر التي هي من الفضل بمكان، وقولهم: لا إيثار في القرب؛ لأن فيه زهداً. فإن تقديم الأب ليس على سبيل الزهد، وإنما لرجاء فضيلة ولرجاء طاعة، فلا حرج عليه في مثل هذا. كما اختلف في غير الوالد، مثل كبير السن، أو العالم، أو من له حق كالوالي الذي له فضل، ونحو ذلك، فقال بعض العلماء: لا حرج أن يقدمه، وهو في حكم الوالدين. وبعض العلماء يخص الوالدين لورود النص، ودلالة النصوص بتفضيلهما على غيرهما. قوله: [إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضعه يحفظه له]. هذه المسألة تعرف عن السلف الصالح رحمة الله عليهم من التابعين، فقد كان الواحد منهم كـ محمد بن سيرين وغيرهم ربما يبعث مولاه، فيجلس في مكان، والمولى لا تجب عليه الجمعة، فإذا حضر محمد قام المولى فجلس مكانه وصلى، وقد جاء هذا عن بعض السلف رحمة الله عليهم، وهذا كان أيام الموالي، لأنهم لا تجب عليهم الجمعة، وكذلك يحكى عن أبي هريرة رضي الله عنه مثل هذا. وإن كان الأقوى والأشبه أنه لا يفعل هذا، وأنه لا يجلس إلا في موضع يريد أن يصلي فيه، فإما أن يبكر ويكون له حق السبق، وإما أن يترك المكان لغيره، حتى ولو كان عالماً، كما يقع في بعض الأحيان في المحاضرات والندوات حينما يأتي الإنسان متأخراً -خاصة إذا كان على سفر، وكان قدومه في وقت الإقامة- فإنه يريد أن يدخل إلى الصفوف الأولى وربما يزعج المصلين، ولو كان هو المحاضر أو صاحب الندوة فعليه أن يترك الناس على أماكنهم ومصافهم، وإنما له حق التقدم في درسه وفي موعظته، فإذا جلس مكان كرسيه بعد درسه فلا حرج؛ لأنه بعد محاضرته في حكم الجالس في مكانه، فإذا جاء متأخراً وعاق أصحاب الصفوف الأولى، وربما خرج منهم من لا يستطيع الركوع ولا السجود، ولربما ازدحم الناس إلى درجة لا يستطيعون معها الصلاة أو الركوع، فالأفضل أنه يتأخر إلى ما بعد الصلاة، أو يصلي في ناحية المسجد إذا أمكنه، إلا إذا خشي تشويش الناس بالسلام عليه وإعاقته، فإذا دخل يدخل بعد الصلاة مباشرة، حتى يكون أسلم له، وصلاته بجوار الإمام إذا لم يجد مكاناً في الصف الأول أفضل من أن يزعج أهل الصف الأول، خاصة وفيهم المبكر، وفيهم من لا يستطيع السجود لو دخل معه، فكونه يحتاط ويتورع، خاصة أهل العلم فهذا أفضل وأولى؛ لأنهم القدوة. فلا يجوز لأحد أن يحتكر مكاناً في مصلاه ولو كان مؤذناً أو إماماً، فلا يجوز له أن يحتكر هذا المكان إلا في الحدود الشرعية، كخطيب يوم الجمعة، فله أن يحتكر مكانه على منبره، ونحو ذلك، أما أن يأتي متأخراً ويؤذي الناس ويضرهم فلا، والمؤذن كذلك، فإذا أذن المؤذن وكان الناس في مصافهم، ثم خرج من المسجد، وعند الإقامة يأتي ويزاحم أهل الصفوف الأولى، فهذا ليس من حقه؛ لأن هذا المكان استحقاق شرعي لمن سبق، ولا يجوز أذية أحد فيه، وهذه الأمور يغفل عنها كثير من الناس إلا من رحم الله. فالذي ينبغي أن يحتاط في مثل هذه الأمور ويتناصح الناس؛ لأن هذه المساجد أمرها عظيم، فلا يجوز لأحد أن يؤذي فيها مسلماً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه المصلون) فالذين يأتون إلى الصفوف الأولى -خاصة الذين هم من وراء الإمام- هم أسبق الناس. وقد يكون فيهم كبار السن، وقد يكون فيهم الضعفة والحطمة، فأمثال هؤلاء لا يجوز التضييق عليهم وإزعاجهم. ومن الأخطاء أيضاً: حجز الأماكن في مجالس العلماء، أو مجالس الذكر، كأن يأتي مبكراً فيرمي بكتابه، أو يضع شيئاً ثم ينصرف ويجلس في مكان غير المكان الذي هو فيه، فالذي يظهر عدم جواز هذا، وأن الذي ينبغي للناس أن يصلوا ثم ينطلقوا إلى حلق الذكر الأسبق فالأسبق، حتى يكون الناس في هذه الأمور على حد سواء، لا فضل لغنيهم على فقيرهم، ولا لرفيعهم على سوقتهم، إلا بتقوى الله عز وجل والمبادرة للخير، فمن سبق فهو أحق، ومن تأخر نال حظه على قدر ما وصل إليه من الخير، وبناء على ذلك ينبغي للإنسان أن يعمل الأصل، وهو أن السابق أحق، سواء في الصفوف، أم في مجالس العلماء، ولا يجوز لأحد أن يتخطى على أحد، ولا أن يضيق على أحد من المصلين، ما دام أن الأصل يقتضي أنه أحق بهذا المجلس وأولى به. ولا يجوز له أن يحجز المكان لغيره، وهذا من الأمور المحرمة، خاصة إذا كان ذلك عن عوض، كأن يقول لرجل: احجز لي مكاناً بجوارك. وربما يتواطأ الرجلان على أنهما إذا جلسا كان مجلسهما على توسع حتى يأتي الثالث فيجلس ويصلي بينهما. ومن الأمور المحرمة أنه قد تكون هناك فرجة بين الرجلين، فيمتنعان من إدخال أي شخص فيها، إلا من يعرفان، أو من يحبان، فهذا من الظلم، فقد قال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [البقرة:114]، فهذه البقعة خير لهذا الرجل أن يصلي فيها، وأن يذكر الله عز وجل، وأن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بذكره سبحانه في هذه البقع، فكونه يحجزها، أو يتوسع في مجلسه، أو يمنع أحداً من الجلوس بجواره فهذا كله من الظلم الذي لا يجوز للمسلم أن يفعله. وعلى الناس أن يستشعروا عظمة هذه المساجد، وأنه ينبغي ألا يضار أحد فيها، فإن أذية المسلم لا خير فيها، وكان بعض مشايخنا رحمة الله عليهم يقولون: من الأمور التي تمنع قبول الصلاة: كثرة مظالمهم، وأذية بعضهم لبعض، فلربما يدخلون في المساجد فيقع منهم من الأذية والظلم ما يجعل الإنسان محروماً من قبول الصلاة -نسأل الله السلامة والعافية- فلذلك ينبغي التورع في مثل هذه الأمور، فلا يجوز أذية الناس، كأن يأتي الإنسان متأخراً، فيحاول أن يدخل بين الناس وهم في ضيق، ويحاول أن يشعر الناس بأنه صاحب حق لكونه عالماً، أو شيخاً، أو مؤذناً، أو غير ذلك، فليس هناك حق إلا بالتقوى، وهي المبادرة والمسابقة، وإذا كان الإنسان يريد أن يؤذن أو يؤم الناس فيبكر وليبادر إلى المسجد، فإن هذا أبلغ في البعد عن ظلمهم وأذيتهم. قال رحمه الله تعالى: [وحرم رفع مصلى مفروش ما لم تحضر الصلاة]. أي: لا يجوز لأحد أن يرفع المصلى المفروش لأحد مالم تحضر الصلاة؛ لأنه يحتمل أن يكون صاحبه معذوراً، كأن يذهب لقضاء حاجة أو نحو ذلك، فلا يجوز أن يرفع مصلاه؛ لأن مصلاه فرش لحفظ حقه، وهذا الحق مستحق شرعاً فيترك، لكن لو كان هذا المصلى لإنسان غير مستحق، كمن يفعل هذا لإنسان يعطيه مالاً أو نحو ذلك، فإنه يشرع لك أن ترفعه وتصلي في مكانه، وهذا نص عليه الأئمة رحمة الله عليهم وأفتوا به، ولـ شيخ الإسلام رحمة الله عليه كلام نفيس في مجموع الفتاوى، وهو أنه لا يجوز مثل هذا إلا عند وجود الضرورة والحاجة.
حكم القيام من مكان لعارض والعودة إليه
حكم القيام من مكان لعارض والعودة إليه قال رحمه الله تعالى: [ومن قام من مكانه لعارض لحقه ثم عاد إليه قريباً فهو أحق به]. هذا لوجود النص الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم، فإن عاد إلى مكانه فهو أحق به، خاصة عند الضرورة، وكأن يخرج لقضاء حاجته، أو أصابه حصر، أو خرج منه ريح فخرج يتوضأ، لكن لو أنه انتقل من دون حاجة، كأن ينتقل ليجلس مع صاحبه فلا، فإما أن يجلس بالمكان ويعمره بذكر الله عز وجل، وإما أن يتركه لغيره من المسلمين، خاصة في الصفوف الأولى. ومن هنا كان على من يريد الاعتكاف في الصفوف الأولى في المساجد في رمضان إذا كان يريد أن ينام في ذلك المكان أنه يتركه إذا كان هناك من يُريد أن يصلي فيه، خاصة إذا كانت بقعة لها فضل الصلاة، كأن تكون قرب المقام، أو تكون في روضة المسجد النبوي أو نحو ذلك، فلا ينام فيها؛ لأنه إذا نام عطلها عن ذكر الله عز وجل. فالمساجد إنما بنيت من أجل ذكر الله، وإذا أراد أن ينام فله أن ينام في آخر المسجد، أما أن يأتي إلى الصفوف الأولى وينام فيها عند حاجة الناس فلا، بخلاف ما لو كان الناس ليسوا بحاجة إلى ذلك المكان، مثل أوقات الضحى، فليس هناك من يريد الصف الأول، وليس هناك من يطمع في الصف الأول، فإذا نام في مكانه يريد أن يحرص على هذا الخير وهذا الفضل فلا حرج عليه، أما أن يأتي في الأماكن التي يحتاجها الناس فينام فيها، ويتخذها مكاناً لراحته واستجمامه فيعطلها عن ذكر الله فلا، ولذلك لا يكون له حق إلا إذا عمرها بذكر الله عز وجل. ولكن لو أنه خرج لتشييع جنازة، فهل له أن يحجز المكان؟ الصحيح أنه لا يحجز، ومن أراد أن يشيع الجنازة فهو مخير بين فضيلتين: إما أن يبقى في هذا المكان عامراً له بالذكر والطاعة والصلاة والقربة، وإما أن يمضي لتشييع الجنازة، فإن اختار الخروج لتشييع الجنازة ترك المحل لعامة الناس، فهم فيه سواء، وإن اختار الجلوس فلا إشكال، فحينئذٍ يكون مستحقاً لمكانه بشغله له.
حكم تحية المسجد حال الخطبة
حكم تحية المسجد حال الخطبة قال رحمه الله: [ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يصلي ركعتين يوجز فيهما]. ذهب المصنف إلى هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك، وهذا أصح أقوال العلماء، وهو قول الشافعية والحنابلة، خلافاً للحنفية والمالكية، فإنهم يحتجون بأمره عليه الصلاة والسلام، حيث أمر المتخطي للرقاب بقوله: (اجلس)، وقالوا: إن هذا يدل على عدم لزوم ركعتي تحية المسجد أثناء الخطبة، ولأن الإنصات واجب والتحية عندهم سنة، ولا يشتغل بالسنة عن الواجب. والصحيح: أنه يصلي ركعتين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على ذلك فقال: (من دخل والإمام يخطب فليصل ركعتين)، وفي رواية: (وليتجوز فيهما)، أي: يقرأ قصار السور، أو قصار الآيات حتى يجلس للاستماع والإنصات.
حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة
حكم الكلام أثناء خطبة الجمعة قال المصنف رحمه الله: [ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن يكلمه]. هذا إشارة إلى عظيم شأن خطبة الجمعة وصلاتها، فقد عظمها الله تعالى حيث أمر سبحانه وتعالى بالسعي إليها، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9]، ووصفها بكونها ذكراً له سبحانه وتعالى، وهذا يتضمن التعظيم والإجلال لهذه الموعظة والخطبة. كما عظَّم شأنها حينما عُدَّ المتكلم أثناء خطبة الخطيب لاغياً، ومن لغا فلا جمعة كاملة له، ولذلك ينقص أجره بكلامه إذا لم يكن معذوراً في ذلك الكلام كما سيأتي إن شاء الله تعالى. والسبب في هذا واضح، وذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل للإنسان في جوفه قلبين، فإذا انشغل وتكلَّم بأي شيء خارج عن الخطبة، ولم يكن متصلاً بالخطيب فإن هذا مظنة لأن يشغل عن الكلام والموعظة، ومظنة لأن يشغل غيره، ولذلك مُنِع أن يكلم غيره، أو ينشغل بشيء كمس الحصى، ونحو ذلك مما يصرف قلبه عن التأثر والإقبال على الخطيب، وهذا كله يؤكد أن مقصود الشرع الانتباه لهذا الخطيب. وفي هذا دلالة على فضل العلم، فقد قال بعض العلماء رحمة الله عليهم: من فضائل العلم أن ترى الخطيب يوم الجمعة وقد رقى على أكتاف الناس، وما رفعه إلا فضل الله سبحانه وتعالى، ثم العلم الذي تعلم، ولذلك يؤمر الناس بالإنصات له والسماع له، وأعظمهم أجراً في الجمعة من تأثر بكلامه وأتبعه بالعمل. فلذلك يُنهى عن الكلام، فلا يتكلم مع أحد حتى ولو كان الكلام من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، فقولك لصاحبك والإمام يخطب: (أنصت) أمر بمعروف، والأمر بالمعروف واجب، ومع أنك إذا أمرته بالإنصات حصلت المصلحة للجماعة، فإذا كنت مع كونك آمراً بهذا الواجب تُعتبر لاغياً، فمن باب أولى إذا انصرفت إلى شيء آخر. ومن هنا أخذ العلماء دليلاً على أنه لا يُشمَّت العاطس، فلو عطس العاطس وقال: (الحمد لله) لا تشمِّته؛ لأنه إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كون مصلحته تنفع الناس في سماع الخطبة يُعد من اللغو، فمن باب أولى وأحرى ما انفك عن ذات الجمعة وذات الخطبة، وبناءً على ذلك قالوا: لا يشمت العاطس، ولا يرد السلام، كما لو كان في فريضة. وأكدوا ذلك فقالوا: لمسنا من الشرع أن الخطبتين كأنهما قائمتان مقام الركعتين الأوليين من الظهر، ولذلك أُمِر بالسعي للجمعة بعد النداء الثاني، وكذلك أمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالإنصات والإقبال على الخطيب، قالوا: هذا يؤكِّد أنه في حكم المصلي، ولذلك لا يرد السلام، ولا يشمِّت العاطس. فقوله رحمه الله: [ولا يجوز الكلام] أي: للمأموم إذا جلس أثناء خطبة الخطيب، ويبتدئ هذا الحظر من ابتداء الخطيب في الخطبة، أما لو سلَّم أثناء سلامه، أو أثناء الأذان الثاني، أو أثناء جلوسه بين الخطبتين فلا حرج. وقد ثبت في صحيح البخاري عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا يتكلمون وعمر جالس على المنبر، بعد سلامه أثناء أذان المؤذن، وكذلك كانوا يتكلمون بين الخطبتين. إلا أن الكلام بين الخطبتين ضيَّق فيه بعض العلماء، فقالوا: والأولى والأحرى أن يشتغل بما هو فيه من ذكر الله عز وجل، خاصة وأن بعض العلماء يرى أن بين الخطبتين مظنة أن تكون ساعة إجابة. فقوله: [لا يجوز الكلام] أي: لا يتكلم مع غيره، ولا يجيب غيره ولو كان بذكر الله. واختلف العلماء في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى الخطيب، أو أمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، واختلفوا كذلك إذا ذكر المأموم الله عز وجل أثناء الخطبة: فقال بعض العلماء: إنه يجوز للمأموم أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يؤمِّن ولا حرج عليه في ذلك. والسبب في هذا أنهم يرون أن المأموم إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حكم الذاكر، وكأنه متصل بالخطبة؛ لأن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وردت أثناء الخطبة. ولذلك يقولون: هذا في حكم المتصل بالخطبة كما لو كلمه الخطيب، وهكذا إذا أمرهم الخطيب، وأكدوا بتأكُّد الصلاة عليه أثناء ذكره، فقالوا: يُشرع له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره. والأقوى والأرجح ما ذهب إليه جمع من العلماء رحمة الله عليهم أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، والسبب في هذا واضح، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت) فإذا كان هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فمن باب أولى في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وما اعتذروا به محل نظر، لكن غاية ما يقال: إنه لو صلَّى أحد على النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج، ومن صلى عليه جهرة فلا حرج، ومن أنصت فلا حرج، لكن الأفضل أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، وهكذا التأمين، فإنه يؤمن في نفسه، فكلما دعا الخطيب أمن المأموم في نفسه على دعائه، وسأل الله أن يستجيب هذا الدعاء من قلبه، ويكون هذا في حكم التأمين، ويكون إنصاته لمكان الاشتغال بما هو أولى وأهم من الإنصات. والذين يقولون: يؤمِّن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: إن الحديث يدل على هذا، وذلك أنه قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب)، وإذا دعا وشرع في الدعاء فليس بخطيب، إنما هو داعٍ وسائل. ولكن رُدَّ هذا القول؛ إذ كيف يقال: إن من الأمور اللازمة للخطبة أن يدعو، ثم يقال: إن هذا ليس من الخطبة. فهذا تعارض، فإنهم يعتبرون الدعاء من الأمور التي ينبغي للخطيب أن يحافظ عليها تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم لورود حديث الاستسقاء، وذلك أن الصحابي سأله أن يستسقي فدعا، فدل على أنه كان من عادته أن يدعو آخر خطبته، قالوا: فإذا كان هذا فإنه من السنة والهدي. فالذي يترجح ويقوى أنه يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، وكذلك يؤمن على الدعاء في نفسه دون حدوث صوت أو كلام مسموع. قوله: (إلا له) أي إذا خاطب الخطيب، أو كلَّمه الخطيب فأجاب فلا حرج، كأن يسأله الخطيب عن أمرٍ فيرد عليه، أو يسأل الخطيب أن يستسقي وأن يسأل الله عز وجل الغيث والرحمة بالناس، ودليله ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أعرابي وهو يخطب فقال: ادع الله أن يغيثنا. قال بعض العلماء: هو عباس بن مرداس السُّلمي رضي الله عنه وأرضاه، والرواية مبهمة في الصحيحين. ووجه الدلالة أنه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وكذلك إذا خاطبه الخطيب، كأن يقول له: أصلَّيت؟ -أي: التحية- فيقول: نعم، صليت، إذا كان قد صلى، أو يقول: لم أصلِّ، إذا لم يكن صلى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابي: (قم فاركع ركعتين). فهذا يدل على مشروعية مخاطبة المأموم للإمام. أيضاً: حديث أنس في الصحيحين أنه لما أُمطِر الناس سبتاً -أي أسبوعاً- جاء الأعرابي من الجمعة القادمة وقال: (يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل، فاسأل الله أن يصرف الغيث، قال: فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر)، فما أشار إلى ناحية إلا تفرقت. فأخذ من هذين الحديثين حكمان: الحكم الأول: أنه لا حرج على المأموم أن يخاطب الإمام. الحكم الثاني: لا حرج على المأموم أن يرُدَّ إذا سأله الإمام. ومن هنا أخذ بعض العلماء مشروعية الفتح على الإمام إذا أخطأ في الخطبة، قالوا: لأنه في حكم المتكلم مع الإمام، فلو أن الخطيب قرأ الآية وأخطأ فيها شُرِع لك أن تنبهه على الخطأ وأن تفتح عليه، أو نسي تمام الآية، فتفتح عليه بما يُتمها.
جواز الكلام قبل الخطبة وبعدها
جواز الكلام قبل الخطبة وبعدها قال رحمه الله تعالى: [ويجوز قبل الخطبة وبعدها] قوله: [ويجوز قبل الخطبة] أي: يجوز له أن يتكلم قبل أن يخطب الخطيب، وذلك في حالة جلوس الخطيب بعد السلام وقبل ابتداء الخطبة. وقوله: [وبعدها] أي: بعد الخطبة، وذلك حين ينتهي من خطبته وقبل دخوله في الصلاة، فلا حرج إذا قام الناس أن تشير لرجل وتقول له: تقدم. أو تشير لرجل وتقول له: تأخر، لأجل تسوية الصفوف، فإن هذا الكلام لا حرج فيه. فإذا كان الأصل أنه لا يتكلم الإنسان في حال خطبة الخطيب، فهنا مسائل: المسألة الأولى: لو كان الإنسان أصم لا يسمع، فإن عموم النص يقتضي أنه لا يتكلم؛ لأن الأمر فيه معنى وفيه عبادة، فإن انتفى المعنى فالتعبد موجود فيه، ولذلك يُلزم الأصم بالسماع للخطبة والإنصات ولو لم يكن يسمع. المسألة الثانية: لو قلنا: إن الخطيب يجوز له أن يخطب بغير اللسان العربي، فخطب بغير اللسان العربي، وكان المستمع عربياً، فإنه يُنصِت ويسمع؛ لمقام التعبد، كما لو صلى أعجميٌ وسمع الإمام يقرأ القرآن فإنه يُنصِت، مع أنه لا يفقه شيئاً من كتاب الله عز وجل. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في هذا الحكم: هي يختص بمن سمع الخطيب دون من كان بعيداً لا يسمع، أم هو عام؟ ومثال ذلك: لو كان المسجد صغيراً كما هو الحال في الأيام القديمة، وامتلأ بالناس حتى صلى المأموم خارج المسجد، بحيث لا يسمع صوت الخطيب، أو صلى داخله ولم يسمع صوت الخطيب. فقال بعض العلماء: إذا كان لا يسمع الخطيب فيجوز له أن يتكلم، ولا حرج عليه في ذلك. وهذا اجتهاد مبنيٌ على المعنى، وذلك أنهم رأوا أن المقصود أن يستفيد من الخطبة وينتفع، وأنه إذا لم يسمع الإمام ولم يسمع الخطبة، فإن إنصاته لا معنى له. والصحيح أن فيه معنى التعبد، ولذلك يُلزم بالإنصات والسكوت، سواء أسمع الخطيب أم لم يسمع، على المختار من أقوال العلماء رحمة الله عليهم. المسألة الرابعة: لو كان بجوارك من يتكلم والإمام يخطب، وأردت أن تُسكِته، فإذا قلت له أنصت فقد لغوت، وإن سكتَّ شوش عليك بحيث لا تسمع. ففي هذه الحالة اختار جمع من السلف أن تشير إليه بإصبعك أن: اصمت. وذلك بأن ترفع السبابة وتضعها على الفم، إشارة إلى السكوت والإنصات، قالوا: فإذا أشار إليه بهذا فقد كفاه. وهذا يختاره بعض العلماء، وممن اختاره الإمام أحمد رحمة الله عليه، وبعض السلف ينصُّون على هذا، وأنه لا حرج أن يخاطب بالإشارة. وقال بعض العلماء: الإشارة منزَّلةٌ منزلة العبارة. والصحيح أن الإشارة لا تأخذ هذا الحكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، والقول لا يكون إلا باللفظ المسموع، وبناءً على ذلك فإنه لا يؤثر أن يشير إليه بالإنصات، ولأن الإشارة بالإنصات ليس فيها انصراف، خاصة وأنه يسمع للخطيب. وإذا نُظِر إلى المعنى ومقصود الشرع فإنه صحيح، فإنك لو تركته يتكلم ويشوش عليك فكأنك لم تنصت إلى الإمام أصلاً، فإنه بكلامه سيضيِّع عليك، ويجوز ارتكاب المفسدة الدنيا لمصلحة أعلى منها. ولذلك نقول: إن إقباله على هذا وإشارته له بالإنصات أخف من كونه يسكت عنه، حتى يُضيِّع عليه الذكر والإنصات. المسألة الخامسة: لو سأل سائل مالاً أثناء الخطبة فقد اختلف العلماء في جواز إعطائه وعدمه: فبعض العلماء يمنع من السؤال في المسجد، ولا يرى جواز أن يسأل السائل داخل المسجد، وهذا القول من القوة بمكان، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) فقد لا يجد ظهراً، وينشد ضالته في هذه الحالة مع وجود هذا الاضطرار والحاجة، ومع ذلك يقول صلى الله عليه وسلم: (فليقل: لا ردها الله عليك)، ويعزر بالتوبيخ والتقريع والدعاء عليه، فضياع الدابة بمثابة فقد المال، وطلبه للدابة كطلب المال، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن المساجد لم تبن لهذا)، والأصوليون يقولون: إن جملة: (فإن المساجد)، كأنها تعليل لنهيه عن نشد الضالة في المسجد، قالوا: فلما قال: (فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا)، فمعناه: أن المساجد لم تبن للسؤال، وبعبارة أجمع: المساجد لم تبن إلا لذكر الله ولم تبن للدنيا، وهذا سائل دنيا. ورخَّص بعض العلماء في سؤال السائل في المسجد، وفيه حديث علي المشهور أنه أعطى سائلاً يسأل في المسجد وهو راكع، فأنزل الله الآية: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة:55]، فأُثنِي عليه مع أنه أعطاه في المسجد. والذي تطمئن له النفس التضييق على هؤلاء، وينبغي أن يكون بأسلوب مؤدب إذا أمكن، لكن الإنسان لو تورع عن منعهم، فإنه قد يكون أفضل له من ناحية الورع، والسبب في منعه -خاصة في هذه الأزمنة التي يقوم فيها الرجل ويتكلم كلاماً كثيراً- أنه يشغل الناس عن الأذكار بعد الصلاة، وقد يزعجهم ويقلقهم بأمورٍ الله أعلم هل هو صادق فيها أو كاذب، مع أن الأمر توسع أكثر من اللازم، وقد يكون فيه شيء من الكذب والاحتيال على الناس، ولو أن هذا الأمر نُظِّم ورتب عن طريق أئمة المساجد، بحيث لا يسأل إلا من كانت له بطاقة معينة لكان هذا أولى، حتى لا يكون فتحاً لباب أذية الناس في صلاتهم، فإنه إذا قام أمام الناس وذكر فجائعه ونكباته، وما نزَل به ضَيَّق على الناس وشوش عليهم، وأذهب الخشوع عنهم، وأشغلهم عن ذكر الله، خاصة أن القلوب طرية ندية قريبة من ذكر الله ومن الصلاة والعبادة، ومن الإقبال على الله عز وجل، وقد يصيح صياحاً يزعج الناس ويقلقهم، وقد يشوش على المصلين، وعلى من يقضي صلاته، فلأجل هذه المفاسد كلها يقوى القول أن يُصرف، فيقال له: إن شئت أن تسأل فاذهب إلى الباب، ولا تتكلم، فهذا الذي تطمئن إليه النفس، وإن امتنع الإنسان عن منعهم لقوله تعالى: {وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ} [الضحى:10] فهذا تورع، لكن الحكم شيء والورع شيء آخر، فالذي تطمئن إليه النفس أنه لا يَسأل. وعلى القول بأنه يجوز له أن يسأل، فلو سأل أثناء الجمعة، وكان الإنسان يستمع للجمعة، وأراد أن يعطيه فإنه ورد في هذه المسألة أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا رأى السائل يسأل أثناء الجمعة في المسجد حصَبه. واستُشكِل هذا، خاصة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من مس الحصى فقد لغا)، واعتذر لهذا بأنه مسٌ لمقصودٍ شرعي، ولا يخلو هذا الاعتذار من نظر، لكن الذي يظهر صرفهم وعدم إعطائهم، والأقوى أنه لا يُعطى أثناء الخطبة؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
باب صلاة العيدين [1]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة العيدين [1] شرع الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم عيد الفطر وعيد الأضحى لكي يتوسعوا فيهما بالمباحات ويتقربوا إلى ربهم بالطاعات، ويشكروا الله تعالى على ما أنعم عليهم به من تسهيل صيام رمضان في عيد الفطر وسؤال قبوله، وعلى ما يسر لهم في أداء المناسك في عيد الأضحى. وقد شرع لهم الاجتماع للصلاة في هذين العيدين ليتعارفوا ويتواصلوا ويهنئ بعضهم بعضاً. وهناك شروط ومستحبات في صلاة العيد ينبغي الإلمام بها ومعرفتها.
صلاة العيدين وأحكامها
صلاة العيدين وأحكامها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة العيدين]. هذا الباب يقصد المصنف منه أن يبين لنا أحكام صلاة العيدين، أي: في هذا الباب سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بصلاة العيدين. والمناسبة في ذكره بعد باب صلاة الجمعة أن الجمعة عيد الأسبوع، والعيدان يُعتبر كل واحد منهما عيد للمسلمين يُشرع في كل عام مرة. والعيد مأخوذ من العود، سُمي بذلك لأنه يعود ويتكرر كل عام، وبهذا قال بعض العلماء. وقيل: لأنه يعود بالفرح والسرور على الناس. وقال بعض أئمة اللغة: الأصل أن العرب تصف الشيء الذي فيه اجتماع بكونه عيداً، ولذلك يقولون: إنه سمي عيداً لاجتماع الناس فيه. وعبر المصنف بقوله: [باب صلاة العيدين] لأن للمسلمين عيدين لا ثالث لهما، فلم يقل: باب صلاة الأعياد، وإنما شرع الله عيدين، وصلاتين لهذين العيدين، ولم يشرع عيداً ثالثاً إلا عيد الأسبوع المعروف الذي هو يوم الجمعة، فقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمَّى الجمعة عيداً. قال بعض العلماء في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى:14 - 15]، إن قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى) المراد به زكاة الفطر، وقوله تعالى: (وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ) أي: كبر ليلة عيد الفطر، وقوله تعالى: (فَصَلَّى) أي: صلاة عيد الفطر، وقال بعض العلماء في قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] أي: صلِّ صلاة عيد الأضحى وانحر الأضحية. فالآية الأولى في سورة (الأعلى) تدل على مشروعية عيد الفطر، والآية الثانية في سورة الكوثر تدل على مشروعية صلاة عيد الأضحى. [باب صلاة العيدين] أي: في هذا الموضع سأذكر لك جملة من الأحكام والمسائل المتعلقة بصلاة العيدين. ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان للأنصار يومان في الجاهلية يلعبون فيهما بمثابة العيد لهم، ثم إن الله أبدلهما بهذين اليومين يومي عيد الفطر والأضحى، عوضاً عما كان الأنصار عليه في الجاهلية. وقال بعض العلماء: إن أول صلاة للعيد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم كانت في السنة الثانية من الهجرة، وذلك أن افتراض الصيام كان فيها.
حكم صلاة العيدين
حكم صلاة العيدين قال رحمه الله تعالى: قوله: [وهي فرض كفاية] أي: صلاة العيدين فرض كفاية، والفرض إما عيني وإما كفائي، والعيني: هو الذي يجب على كل مكلف بعينه كالصلاة، فإنه يقوم بها المكلف بعينه ويُخاطب بها بعينه إن توفرت فيه الشروط التي تدل على لزوم الصلاة عليه، وأما فرض الكفاية فإنه يُعتبر وجوبه متعلقاً ببعض المكلفين، بحيث لو قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين. فقال المصنف: [وهي فرض كفاية] أي: صلاة العيدين، وهذه المسالة فيها ثلاثة أقوال للعلماء أصحها وأقواها -كما هو مذهب الحنفية وبعض المالكية، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله- أنها فرض عيني، أي: من الفروض اللازمة على المكلف عيناً. والدليل على لزومها آية الكوثر، فإن المراد بها عيد الأضحى بلا إشكال؛ لأن قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2] أمر، والأمر يدل على الوجوب واللزوم، ومن أقوى الأدلة على ذلك حديث: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرج العواتق وذوات الخدور والحُيَّض، وقال: أما الحيض فيعتزلن المصلى ويشهدن الخير ودعوة المسلمين -وفي رواية:- ودعوة الناس). قالوا: فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر العواتق وذوات الخدور والحيض أن يخرجن يؤكد لزومها وفرضيتها وهذا القول من القوة بمكان، أي أنها واجبة ولازمة، ولا يجوز للإنسان أن يتخلف عنها إلا بعذر. وقوله: [فرض كفاية] أي: إذا صلَّى بعض المكلفين سقط الإثم عن الباقين، بحيث لو صلَّت جماعة سقط الإثم عن أهل المدينة كلهم، ولو امتنع أهل المدينة ولم يصل أحد منهم صار الإثم على الجميع. وقوله: [إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام] أي: إذا ترك أهل بلد صلاة العيد قاتلهم الإمام، وذلك لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وشعائر الإسلام الظاهرة يقاتل عليها الإنسان، ولا يدل ذلك على كفره، أي: كوننا نقاتلهم لا يدل على كفرهم، ولذلك أمر الله عز وجل بقتال الفئة الباغية من المسلمين، ومع هذا لا يُحكم بكونها كافرة، فالأمر بمقاتلتهم لا يستلزم كونهم كافرين؛ لأنهم تركوا هذه الشعيرة الظاهرة من شعائر الإسلام، ويقاتلهم ولي الأمر ولا يكون قتالهم من الأفراد. ومن أمثلة ذلك: الأذان، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يغزوا قوماً انتظر حتى تحضر الصلاة، فإذا سمع أذاناً كف عن قتالهم، وإن لم يسمع ركب القوم وقاتلهم، فهذه من شعائر الإسلام الظاهرة، فلو أن أهل بلد قالوا: لا نصلي العيد شُرِع لولي الأمر أن يقاتلهم حتى يحيوا هذه الشعيرة التي تعتبر شعاراً ظاهراً للمسلمين.
وقت صلاة العيدين
وقت صلاة العيدين قال رحمه الله تعالى: [ووقتها كصلاة الضحى] أي: وقت صلاة العيدين كصلاة الضحى، وصلاة الضحى يبتدئ وقتها -كما تقدم معنا- من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الضحى، والضحى يمتد إلى ما قبل الزوال، فهنا التشبيه بصلاة الضحى ابتداءً، أي: يبتدئ وقت صلاة العيدين بابتداءٍ وقت صلاة الضحى. والحقيقة أن الأصل في الضحى أن وقتها إنما هو مبني على صلاة العيدين، فحينما قيل: يبتدئ وقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إنما هو مبني على صلاة العيدين، وهنا كأنه تشبيه عكسي، فألحق الأصل بالفرع، وإلا ففي الواقع أن صلاة العيدين هي الأصل في أن تبدأ بعد ارتفاع الشمس قيد رمح. وتوضيح ذلك أنه إذا صلى المكلف الفجر، فإنه يمسك عن صلاة النافلة حتى تطلع الشمس، كما في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـ عمرو بن عبسة رضي الله عنه: (فإذا صليت الصبح فأمسك عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت فإنها تطلع بين قرني شيطان، فإذا ارتفعت فالصلاة مكتوبة مشهودة)، فظاهره أنه بمجرد طلوعها تجوز الصلاة، فكونه عليه الصلاة والسلام تأخر وامتنع أن يُصلي العيد ويُوقِعه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح فهمنا منه أن هذا أقل ما يكون، وتوضيح ذلك أنها أثناء الطلوع بالإجماع لا تجوز الصلاة، وأثناء الغروب كذلك لا تجوز الصلاة؛ لأنه ورد في الحديث الثابت في الصحيح: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا. وذكر منها: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع)، فلما جاء النص (حين تطلع الشمس) أصبح ردءً للنص الذي يقول: (حتى تطلع الشمس)، فيصبح الحديث الأول ناهياً عن النافلة إلى حين الطلوع، والحديث الثاني في قوله: (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع) ناهياً عن النافلة أثناء الطلوع، وفسر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأنها تطلع بين قرني الشيطان، فيسجد الكفار لها، وفي الحقيقة هم ساجدون للشيطان -والعياذ بالله-، فنُهِي المسلم عن إيقاع الصلاة في هذا الوقت. فإذا ثبت هذا فإنه قد يقال: إذا كان الوقت المصاحب للطلوع الأصل فيه عدم جواز الصلاة، فيرد فمتى يجوز به أن يُصلِّي، أي: متى ينتهي الحظر؟ و A أنَّ السنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يوقع نافلة قبل أن ترتفع الشمس قيد رمح، ففهمنا من هذا أن قيد الرمح هو ابتداء الإذن بالصلاة بعد طلوع الشمس. وقيد الرمح. مقداره عند بعض العلماء ما يقارب سبع دقائق من ابتداء الإشراق، فهذا هو ابتداء وقت صلاة العيد إذا ارتفعت قيد رمح، ثم يستمر الوقت بعدها. وصلاة الضحى سميت بذلك من باب تسمية الشيء بزمانه، ومنه سميت الأضحية أضحية؛ لأنها تقع في ضُحَى يوم النحر. قال رحمه الله تعالى: [وآخره الزوال]. أي: وآخر وقت صلاة العيد الزوال، والزوال: زوال الشمس. وظاهر العبارة أنه يجوز أن يصلي إلى أن تزول الشمس، والواقع أنه أثناء انتصاف الشمس في كبد السماء ينتهي وقت صلاة العيدين، وإذا عُبِّر بالزوال فكأنه يُنبَّه على ما قبله؛ لأنه قد تقدم معنا أن وقت انتصاف الشمس في كبد السماء لا تجوز الصلاة فيه، فلو قال: (إلى انتصاف النهار) كان أبلغ وأدق؛ لأنه هو المراد، فإنه عند انتصاف النهار ينتهي وقت صلاة العيدين. قال رحمه الله تعالى: [فإن لم يُعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغدِ] بعد أن بين رحمه الله أن الوقت يبتدئ من وقت صلاة الضحى، أي: من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى الزوال، أو إلى منتصف النهار -كما قلنا- فإنه قد يقال: لو أنهم علِموا أن اليوم يوم عيد في وقت متأخره فما الحكم؟ أي: لو أن الناس أصبحوا صائمين، ولم يعلموا إلا بعد طلوع الشمس. والجواب: في هذا تفصيل: فإن علموا بعد طلوع الشمس وقبل انتصاف النهار بحيث يسعهم أن يصلوا أفطروا وتهيأوا وصلوا، وأما إذا لم يعلموا إلا قبيل الزوال، أو قبيل انتصاف الشمس في كبد السماء، بحيث لا يتيسر للناس أن يصلوا العيد، فإنهم حينئذ يُفطرون؛ لأنه لا يجوز صيام يوم العيد، ويغدو بهم الإمام من الغد؛ لما ثبت في الحديث الحسن: (أن الهلال غُمَّ على الصحابة فلم يروه، ثم أصبحوا صائمين، ثم جاء ركب في آخر النهار. فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قد رأوا الهلال الليلة الماضية، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يُفطروا، وأن يغدوا من الغد إلى المصلى)، وهذا يدل على وجوب صلاة العيد، وبناءً على ذلك يكون الحكم أنه إذا بلغهم الخبر بحيث لا يتمكنون من إيقاع صلاة العيد في وقتها، فإنه يأمرهم بالفطر يومها، ثم يغدو بهم إلى الصلاة في الغد.
مكان صلاة العيدين
مكان صلاة العيدين قال رحمه الله: [وتسن في صحراء] أي: وتسن صلاة العيد في صحراء، وهذا هو هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان له مصلىً، وهو في الموضع الذي يُسمى الآن بجامع الغمامة، وهو في غرب المسجد منحرفاً إلى الجنوب، فهذا هو مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي صلى فيه العيدين، وصلى فيه الاستسقاء، فكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يخرج للعيد ولا يصليه في داخل المدينة؛ لما في الخروج من إظهار الفرح بهذا اليوم، وإظهار فضل الله عز وجل على العباد بخروج رجالهم ونسائهم وأطفالهم وكبارهم وصغارهم وأغنيائهم وفقرائهم، فهو أبلغ في شعور الناس بالعيد، بخلاف ما لو دخلوا المسجد الذي ألفوه في الجمعة وألفوه في صلواتهم الخمس، لكنهم عندما يخرجون إلى العراء وإلى الفضاء، فهذا أبلغ في شعورهم بهذا اليوم، فيصحبهم الشعور النفسي الذي يكون معه الشعور بفضل الله عز وجل واجتماع المسلمين، وإظهار عزة الإسلام باجتماعهم في هذا الموضع، مع ما فيه من بالغ القربة بتكلف الخروج إلى المصلى. فكان هديه عليه الصلاة والسلام الخروج إلى المصلى، وكذلك الخلفاء الراشدون من بعده: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فكانوا يخرجون إلى المصلى رضي الله عنهم وأرضاهم، فهذه هي السنة، وهذا هو الأفضل. واستثنى بعض العلماء أهل مكة، فقالوا: أهل مكة الأفضل لهم أن يصلوا في الحرم لفضل المضاعفة فيه، وللشرف العظيم الذي اختص الله عز وجل به أهل مكة في هذا المسجد وهذا القول من القوة بمكان، حيث لم يحفظ أن أهل مكة على زمان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين كان لهم مصلى خارج مكة، أي: لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يصلون العيدين خارج مكة، لكن المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم. ولو قلنا: إن السنة أن يخرجوا إلى المصلى فهنا مسائل: المسألة الأولى: لو صلوا داخل المدينة أو داخل المسجد، فهل تبطل صلاتهم؟ A بالإجماع صلاتهم صحيحة، أي: إذا صلوا داخل المساجد مع عدم وجود العذر، فبالإجماع صلاتهم صحيحة، لكن فاتهم الأفضل. المسألة الثانية: يُشرع لهم أن يتركوا المصلى إذا وجد العذر، ولذلك ثبت عن أهل المدينة في عهد عثمان رضي الله عنه أنهم تركوا المصلى في يوم عيد كان فيه مطر، وصلوا بالمسجد؛ لأن المطر يجحف بالناس ويشق عليهم في الخروج، ولما فيه من التضرر، خاصة أن الإنسان يخرج بثياب عيده، فيكون فيه مشقة وحرج على الناس، مع ما في الطريق من الوحل، وقد جعل الله عز وجل وجود المطر رخصة في ترك الجماعة، ولذلك يقولون: إنهم يصلون داخل المساجد لما فيه من الرفق بهم. والشافعية رحمة الله عليهم -ويوافقهم بعض أهل العلم- عندهم تفصيل، فيقولون: لا يُوضع ضابط معين، والأفضل الصلاة في الخلاء. بمعنى: أن يكون هناك مصلى خارج المدينة، ولكن ينظر الإمام فإن وجد أن المصلى لو خرجوا إليه لحصل الضرر والمشقة الضيق على الناس صلى بهم في المسجد؛ لأنه أرفق بهم، ويكون هذا أشبه بالعذر. ومثل هذا لو كان خروجهم إلى البراز فيه فتن وفيه أذية وضرر، خاصة إذا كثر السفهاء وحصلت الفتن، فلو احتيط بالمساجد لصيانة النساء وحفظهن فلا حرج في مثل هذا. وعلى هذا يتخرج ما لو رأى الإمام فتناً دينية، أو وجد أن المصلحة أن يصلي في المسجد، فلا حرج عليه في عدم الخروج في هذه الحالة على هذا القول.
أحكام أخرى متعلقة بصلاة العيدين
أحكام أخرى متعلقة بصلاة العيدين
استحباب تقديم صلاة لأضحى وتأخير صلاة الفطر
استحباب تقديم صلاة لأضحى وتأخير صلاة الفطر قال رحمه الله: [وتقديم صلاة الأضحى] السنة تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عجل الأضحى، فكان يصلي الأضحى والشمس على قيد رمح، ويصلي الفطر والشمس على قيد رمحين، وهذا لحكمة أشار إليها بعض العلماء، وهي أنه في الأضحى يحتاج الناس إلى ذبح الأضاحي، والسنة في الأضحية والأفضل والأكمل أن يذبح الإنسان أضحيته في أول الضحى؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولذلك يقولون: يصيب الناس السنة بالتعجيل بحصول هذه الشعيرة التي شُرِعت في يوم عيد النحر، وأما في الفطر فالناس يحتاجون إلى وقت كاف قبل الصلاة لكي يتمكنوا من إخراج صدقة الفطر، فتؤخر الصلاة إلى قيد رمحين حتى يتسنى للإنسان أن يجد الفقراء، وأن يحسن إليهم، وأن يؤدي زكاة الفطر قبل أن ينتهي وقت زكاة الفطر. وبناء على ذلك قالوا: السنة في الأضحى أن يُعجَّل وفي الفطر أن يؤخر، ولكن لا يؤخر تأخير مضراً بالناس. ولذلك أنكر عبد الله بن بسر رضي الله عنه وأرضاه على الإمام لما تأخَّر على الناس يوم العيد، وقال: (إنا كنا في هذه الساعة قد فرغنا من الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي: ما شأنه يتأخر عن الناس، وقد كنا في مثل هذا الوقت ننتهي من هذه الصلاة، على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! إنكاراً عليه لمخالفته هدي النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: [وعكسه الفطر]. ذلك لأن الناس يحتاجون إلى وقت كافٍ لكي يخرجوا صدقة الفطر، فإنها تنتهي بالصلاة، فإذا تأخر إلى طلوع الشمس قيد رمحين فإنه أبلغ في حصول التوسعة عليهم.
استحباب الأكل قبل صلاة الفطر دون الأضحى
استحباب الأكل قبل صلاة الفطر دون الأضحى قال رحمه الله تعالى: [وأكله قبلها وعكسه في الأضحى إن ضحى] أي: السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يأكل قبل صلاة عيد الفطر، وأن يؤخر أكله في الأضحى، والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عجل فطره لكي يكون أبلغ في الخروج عن عبادة الصوم، فإنه قد ألف الناس الصوم، فكان عليه الصلاة والسلام يفطر على تمرات، فإن تيسر له أصاب التمرة والتمرتين والثلاث، فإنه فِطْر؛ لأن المراد به أن يفطر فيغدوا إلى المصلى، خاصة إذا كان إماماً، وكذلك المأمومون يُشرع لهم أن يفطروا على تمرٍ ونحوه، ويكون شهودهم الصلاة وهم مفطِرون، حتى يكون أبلغ في الامتثال والطاعة لله سبحانه وتعالى، فسبحان من أمرهم بالصيام قبل وهم اليوم مفطرون. ولكن السنة في الأضحى أن يؤخر فطره إلى أن يصيب أضحيته، كما هو هديه عليه الصلاة والسلام، فلا يأكل حتى ينحر أو يذبح أضحيته، ثم يأكل من هذه الأضحية.
كراهية صلاة العيدين في الجامع بلا عذر
كراهية صلاة العيدين في الجامع بلا عذر قال رحمه الله تعالى: [وتكره في الجامع بلا عذر] أي: يكره أن يصليها في الجامع وفي المدينة بلا عذر، ومفهوم ذلك أنه إذا وُجِد العذر فلا كراهة، كما فعل السلف الصالح ذلك حينما كان في يوم العيد مطر، فصلوا مسجد النبي صلى الله عليه وسلم.
استحباب تبكير المأموم لصلاة العيد وتأخر الإمام
استحباب تبكير المأموم لصلاة العيد وتأخر الإمام قال رحمه الله تعالى: [ويسن تبكير مأموم إليها ماشياً بعد الصبح، وتأخر إمام إلى وقت الصلاة على أحسن هيئة] قوله: [ويسن تبكير مأموم إليها ماشياً بعد الصبح]. أي: يسن أن يبكر المأموم إلى صلاة العيد ماشياً بعد الصبح؛ لأن ابن عمر فعل ذلك، وغدا إلى الصلاة وبكر، وهذا أفضل لما فيه من إدراك فضيلة الصف الأول، ولما فيه من إدراك فضيلة انتظار الصلاة، وذلك أنه سيجلس في المصلى ينتظر الصلاة، وهذه زيادة قُربة، ولما فيه من عمارة الوقت بطاعة الله سبحانه وتعالى، والإقبال عليه جل وعلا، فالأفضل له أن يبكر؛ لأنه مسابقة ومسارعة إلى الخير، وذلك مندوب إليه. فيغدوا إلى الصلاة مبكراً مكبراً لله عز وجل معظماً، ويُكثِر من التكبير وذكر الله سبحانه وتعالى، ويرفع صوته بذلك أحياء لهذه الشعيرة في هذا اليوم، ويُسن له أن يخرج على خشوع وسكينة ووقار، وألا يأخذه الكبر، خاصة أن يوم العيد يصحبه التجمل والتزين، فيتواضع لله عز وجل، ويحمد الله سبحانه وتعالى الذي كساه من عُري، فلا يبطر نعمة الله بالتباهي، ولا يغدو على سبيل الكبر والخيلاء، وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (بينما رجل يتبختر يمشي في برديه قد أعجبته نفسه، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة). وهذا الحديث يدل على أن التبختر والتباهي إذا لبس الإنسان أحسن ما يجد، أو تجمَّل أنه من الفتنة له، ولذلك عد العلماء الاختيال في المشية والتكبر فيها أنه من كبائر الذنوب، لورود هذا الوعيد -والعياذ بالله- الثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فلذلك ينبغي للإنسان أن يتنبه لهذا، وأن يكون بعيداً في خروجه إلى المصلى عن الكبر والاختيال والتعالي على الناس، وإنما يخرج خاشعاً متذللاً لله سبحانه وتعالى، حامداً ذاكراً شاكراً لنعمة الله عز وجل وإحسانه عليه. وكذلك المرأة تخرج إلى صلاة العيد بعيدة عن الفتنة، فلا تتطيب طيباً يُشم منها، لا تتزين زينة تفتن الناس، فإنه إن رجعت من الصلاة رجعت بوزر قد يكون أكثر من أجرها، وخير لمثل هذه التي تفتن وتُفتن أن تلزم بيتها، فقرارها في بيتها خير لها من الخروج. ولذلك ينبه العلماء على أنه ينبغي الاحتياط واتقاء الفتنة، فليس أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشهود الصلاة مطلقاً، ولكنه مقيد بالضوابط الشرعية، فينبغي المحافظة على ذلك في الملبس وفي الهيئة، وفي صفة الخروج، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: [وتأخُّر إمام إلى وقت الصلاة على أحسن هيئة]. أي: ويتأخر الإمام فلا يخرج إلى المصلى إلا متأخراً؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا في الجمعة، فالأفضل له أن يأتي وقت الخطبة أو قريباً منه، إلا إذا كان بعيداً عن المسجد ويخشى من العوارض أو ما يطرأ عليه فيبكِّر بقدر، فهذا يقيَّد بقدر الحاجة، وإلا فالأصل من هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يبكر قبل الجمعة، وكذلك أيضاً قبل الصلاة، وإنما كان عليه الصلاة والسلام يمضي وقت الجمعة أو الصلاة. والسبب في هذا أن تكبيرهم -على أحد القولين- ينقطع عند رؤية الإمام، وهذا فعله بعض الصحابة، فكانوا إذا رأوا الإمام قطعوا التكبير، ولذلك قالوا: الخروج سنة، وفيه شعيرة ويتصل به حكم. ولذلك ينبغي أن يتأخر خروجه إلى وقت الصلاة، ولا يُسن في حقه أن يبكر وأن يمضي مع الناس وأن يجلس معهم في الصحراء؛ لأن ذلك أبلغ في الهيبة والإجلال للإمامة وتعظيمها، فيخرج عند دنو وقت الصلاة، ولا يقرب من المصلَّى إلا وقد أزف الوقت، بحيث يقيم للناس صلاتهم وشعيرة العيد. ويخرج الإمام بأحسن ما يجد من الثياب؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترى حلة حمراء وجاء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: (يا رسول الله: ابتع هذه تجمَّل بها للعيد والوفود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة)، فلم يُنكر عليه قوله: (تجمَّل بها للعيد والوفود). فهذا يدل على أنه كان من هديه عليه الصلاة والسلام أن يتجمل للعيد، وإنما أنكر كونها حمراء، على تفصيل سيأتي إن شاء الله في حكم اللباس الأحمر. فالمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُنكِر عليه قصد التجمل لصلاة العيد، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاغتسال يوم الجمعة ولبس أحسن الثياب وقال: (إنه عيد)، فدل على أنه يسن التنظف وإبداء الهيئة الحسنة في الملبس، حتى يكون ذلك أبلغ في شهوده للعيد على أكمل وأحسن حال. وكان صلى الله عليه وسلم يتجمل للعيد ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، ولذلك ينص العلماء على هذه السنة، وهي أن الإمام يتجمل لصلاة العيد، فيلبس أحسن ما يجد، دون أن يبالغ في زينته، خاصة وأن الأئمة وأهل العلم قدوة لغيرهم. وكان بعض العلماء رحمة الله عليهم يقولون: يستحب للأئمة والخطباء والوعاظ ومن يلي توجيه الناس أن يكون ملبسه وسطاً بين الابتذال وبين الشهرة، أي: المبالغة، والسبب في ذلك أنه لو لبس لباس الأغنياء لم يستطع أن يقرب منه الفقراء، وإذا لبس لباس الفقراء امتهنه الأغنياء والعظماء، فلذلك يلبس الوسط؛ ولأنه إن كان متواضعاً ولبس الغالي والنفيس فإن الفقير إذا جاء بجواره تضرر وشعر بالنقص بقربه منه لضيق حاله وضيق يده، ولذلك كان العلماء والأخيار يوصون بأنه ينبغي ألا يُبالغ أهل الفضل وأهل العلم في زِيهم، حتى لا يكون في ذلك كسر لقلوب الفقراء مما يوجب نفرتهم وبعدهم عنهم. قال رحمه الله تعالى: [إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه]. أي: إلا المعتكف فيشهد العيد بثياب اعتكافه، وليس ثَمَّ نص يدل على هذا، وقد كان بعض العلماء يمنع من هذا ويقول: إنه إذا شهد العيد بثياب اعتكافه فربما كانت نتنة فآذى الناس، وربما أضرَّهم، ثم إنه يتميز عن الناس بذلك، والذي يظهر أنه يُشرع له أن يغتسل وأن يلبس أحسن ما يجد كغيره سواءً بسواء، وليس ثَمَّ دليل يخص المعتكف بهذا الحكم، والأصل أن السنة للجميع -رجالاً ونساءً- أن يتطيبوا ويتجملوا ويكونوا على أحسن هيئة، دون فرق بين معتكف وغيره.
شروط صحة صلاة العيدين
شروط صحة صلاة العيدين شرع المصنف رحمه الله بهذه الجملة في بيان الشروط التي ينبغي أن تتوفر لكي يُحكم باعتبار صلاة العيدين، فقال رحمه الله: [من شرطها الاستيطان]، وقد تقدم أن الاستيطان يعتبر من شروط صحة الجمعة، وبيّنا حقيقة الاستيطان هناك، وعلى هذا فلا تصح صلاة العيد من مسافر؛ لأنه غير مستوطن، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه عيد النحر وهو على سفر، وذلك في حجته للوداع صلوات الله وسلامه عليه ولم يعّيد، وكذلك أيضاً لما فتح مكة صلوات الله وسلامه عليه لم يعيد، فدل هذا على أنه من شروط صحة صلاة العيد أن يكون الإنسان مستوطناً. قال رحمه الله تعالى: [وعدد الجمعة]: وذلك أنهم ألحقوا العيدين بالجمعة، وقد تقدم الكلام على اشتراط العدد لصلاة الجمعة، وعلى هذا فإنه إذا تقرر أن الجمعة تصح بثلاثة فكذلك صلاة العيدين فإنها تصح بهذا العدد؛ لأنه لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على تعين الأربعين، أو تعين اثني عشر رجلاً، فحينئذٍ لو صلى ثلاثة وتوفرت فيهم باقي الشروط فإن عيدهم معتبر. قال رحمه الله تعالى: [ليس منها إذن الإمام]: أي: لا يشترط لصلاة العيدين إذن الإمام، وهذا قول الجماهير رحمة الله عليهم، والعيدان أخص من الجمعة، وإن كان العيد يلتحق بالجمعة في مسائل وأحكام لكنه لا يأخذ الشبه من كل وجه، وعلى هذا قالوا: إنه لا يلتحق بالجمعة من هذا الوجه، أي: لا يشترط في صحة العيد أن يأذن الإمام به، فلو أن جماعة اجتمعوا في ضاحية المدينة، وكانوا مستوطنين وصلوا العيد، فإنه يجزيهم ذلك ويصح منهم، وتعتبر صلاتهم صلاة صحيحة.
استحباب مخالفة الطريق
استحباب مخالفة الطريق قال رحمه الله تعالى: [ويسن أن يرجع من طريق آخر]: ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (كان يذهب من طريق ويرجع من آخر). واختلف العلماء في سبب ذلك، فقال بعضهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب من طريق ويخالف في الرجوع فيرجع من طريق آخر، لكي يمر على أكثر عدد من المساكين والضعفاء، فيحسن إليهم -صلوات الله وسلامه عليه-، ويكرمهم، ويدخل السرور عليهم، خاصة أن يوم العيد يندب فيه إدخال السرور على ضعفة المسلمين من المساكين والفقراء ونحوهم، فقال أصحاب هذا القول: إن ذهابه عليه الصلاة والسلام -كما في حديث جابر - من طريق ورجوعه من طريق آخر يعتبر من هذا الوجه سنة يقتدى فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتدى بهديه، وليست من السنن الخاصة به عليه الصلاة والسلام، وبناء على ذلك فإنه يسن للإنسان إذا مضى للعيد أن يمضي من طريق وأن يرجع من طريق آخر، حتى يمر على عدد كبير من الضعفة والفقراء، فيحسن إليهم ويواسيهم، فهذا استحبه جمع من العلماء رحمة الله عليهم. لكن على هذا التخريج لو كان الإنسان راكباً دابته، أو على السيارة كما هو موجود في عصرنا اليوم، أو ما في حكمها، فإنه قد يتعذر عليه صلة المساكين والإحسان إليهم، فيكون أمر السنة فيه من هذا الوجه أضعف. الوجه الثاني: قالوا: ذهب النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ورجع من طريق آخر حتى تكون شهادة الخير له من الأرض أكثر، وذلك أن الأرض تشهد بما عليها من الخير، وتحب أن يوطأ عليها إذا كانت تلك الخطوة أو ذلك المشي في طاعة الله، كما قال سبحانه وتعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ} [الدخان:29]، قالوا: إن العبد الصالح تبكيه الأرض من كثرة ما كان يعمل عليها من خير، وتبكيه السماء لما كان يصعد من عمله الصالح إلى الله جل وعلا، ويكون فقده على هذا الوجه موجب لبكاء السماء والأرض عليه، فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما مضى للعيد من طريق ورجع من طريق آخر، قصد من هذا أن تكثر الخطا على الأرض، فبدل أن تكون من طريق واحد وتكون الشهادة لطريق واحد، تكون الشهادة لأكثر من طريق، وإلى هذا المعنى أشار عليه الصلاة والسلام بقوله: (يا بني سلمة: ديارَكم تُكتبْ آثارُكم، ديارَكُمْ تُكْتبْ آثارُكُمْ، دياركْمْ تُكْتَبْ آثارُكُمْ) أي: الزموا دياركم البعيدة عن المسجد، فإن الله عز وجل يكتب لكم هذه الآثار إلى طاعتكم. وأفضل الطاعات الصلاة، فكأنهم يقولون: كون الإنسان يمضي لصلاة العيد من طريق ويرجع من طريق آخر يكون شهود الأرض له بأرض غير التي شهدت بذهابه، فهذا أفضل في الخير وأكثر، وعلى هذا الوجه تكون الفضيلة والسنة آكد لمن يمشي على قدميه لشهود الخير، ومن ركب على دابته فإنه دون ذلك. الوجه الثالث: قال بعض العلماء: إن النبي صلى الله عليه وسلم مضى إلى العيد من طريق ورجع من طريقٍ آخر من أجل أنه أرفق به عليه الصلاة والسلام، أي: أخف عليه، فكأنه ذهب من طريق لأنه أضيق، ورجع من طريق آخر لأنه أيسر في الرجوع، وبعض الطرق أخف في الذهاب ولكنه أثقل في الرجوع، وبعضها أخف في الرجوع ولكنه أثقل في الذهاب. والصحيح من هذه الأقوال الأول، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا أكثر من مرة، فلما دخل مكة دخلها عليه الصلاة والسلام من ثنية كداء من جهة القبور والمعلاة، وخرج من أسفلها، وإن كان بعض العلماء يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم دخل من ثنية القبور التي تسمى الآن الحجون. قالوا: والسبب في هذا أنه فعله من أجل إعزاز الإسلام، أي أنه عليه الصلاة والسلام خرج إلى الهجرة متخفياً في ظلام الليل وسواده، ودخل في وضح النهار من أعلى مكة حتى يكون أبلغ في عزة الإسلام وإظهاره. كذلك قال بعض العلماء: إنه ذهب للعيد من طريق ورجع من طريق آخر لإغاظة المنافقين، وذلك أن شعائر الإسلام تغيظهم، وكان المنافقون في المدينة يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة، وتنطوي قلوبهم على ما لا خير فيه للإسلام والمسلمين، فقصد إغارة صدورهم. والصحيح أنه لكثرة شهود الخير، ولكثرة الإحسان إلى الناس، ويدل على هذا أنه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى عرفات من طريق ضب، ورجع إلى المزدلفة من طريق المأزمين، وهذا سنة للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره، وقد تكرر هذا في حجه صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك أيضاً في ذهابه للعيدين. وبعض العلماء يقول: هذه سنة جبلية محضة، خاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يتأسى به، والصحيح أنها من السنن التي يقتدى فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو ذهبت إلى عرفات من طريق ضب، ورجعت من طريق المأزمين فإنك تكون مصيباً للسنة ومتأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويشرع الاقتداء والتأسي بمثل هذا. والسبب في هذا وأن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم منها ما يشرع التأسي به بالإجماع، ومنها ما يكون جبلياً خاصاً به، ومنها ما يحتمل أن يكون جبلياً ويحتمل أن يكون هدياً، فهذا الفعل وهو ذهابه إلى العيد من طريق ورجوعه من طريق آخر اختلف العلماء فيه: فبعضهم يقول: هذا سنة جبلية لا يتأسى ولا يقتدى به فيه؛ لأنه أرفق به، فغيره لا يشاركه في هذا، وهذا قول ضعيف. والصحيح مذهب الجمهور أنه سنة يتأسى ويقتدى فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم، فيشرع لك أن تذهب من طريق، وأن ترجع من طريق آخر لعمارة الطرق بذكر الله، ولكي تشهد لك الأرض بما يكون عليها من الخير. وقد أخذ العلماء من هذا سنة عامة، فقالوا: إذا ذهبت إلى أي عمل خير كصلة رحم، وبر والدين، وطلب علم، ونحو ذلك من الخير فلتذهب من طريق ولترجع من طريق آخر؛ لأنك لا تزال في خير حتى ترجع إلى بيتك، فمن خرج إلى طاعة الله عز وجل فهو في طاعة، ويكون في رحمة الله حتى يرجع إلى مكانه، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تكفل لمن خرج في سبيله -أي: للجهاد- لا يخرجه إلا إيمان بي وتصديق برسولي أن أدخله الجنة أو أرده إلى بيته بما نال من أجر أو غنيمة)، فهذا كله من ضمان الله عز وجل للعبد، فيشرع للإنسان إذا ذهب إلى طاعة أن يذهب من طريق وأن يرجع من طريق آخر.
باب صلاة العيدين [2]
شرح زاد المستقنع - باب صلاة العيدين [2] لصلاة العيدين صفة مخصوصة جاءت في السنة النبوية، وهي أنه يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهي ركعتان يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، يقرأ فيهما بالأعلى والغاشية، ثم يخطب بعدهما خطبتين كخطبتي الجمعة، وهناك مستحبات في الخطبة وفي يوم العيد ينبغي المحافظة عليها، ومنها: التكبير في يوم العيد وليلته، وله صفة مخصوصة ووقت معلوم.
صفة صلاة العيدين وخطبتهما
صفة صلاة العيدين وخطبتهما
تقديم الصلاة على الخطبة
تقديم الصلاة على الخطبة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [ويصليها ركعتين قبل الخطبة يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح، وقبل التعوذ والقراءة سنناً، وفي الثانية قبيل القراءة خمساً]. قوله: [ويصليها ركعتين قبل الخطبة]. السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يبتدئ بالصلاة قبل الخطبة، وهذا هو فعله عليه الصلاة والسلام وفعل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فهو فعله وفعل الخلفاء الراشدين المهديين من بعده رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين، وأول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم عفا الله عنا وعنه، فإنه كان إذا خطب مروان ففي آخر الخطبة كان يشتم علياً كما كان يفعله بنو أمية حتى عهد عمر بن عبد العزيز، فكانوا يشتمون علياً على المنابر في خطب الجمعة والعيدين، وقد قيل: إن معاوية كان منه ذلك لأنه بلغه أن علياً سبه، فكان من باب رد الأذى بالأذى، وعلى العموم فهذه السنة السيئة بقيت في أعيادهم وفي جمعهم، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقومون عن مروان إذا ذكر علياً رضي الله عنه ونال منه، فكأنه أخذ في نفسه، فصار يقدم الخطبة على الصلاة، فلما مضى إلى صلاته ذات يوم، وكان معه أبو سعيد رضي الله عنه، فلما أراد أن يصعد المنبر جذبه أبو سعيد، فقال له: غيرتم! -أي: غيرتم السنة- فقال: إن الناس ليسوا كما تعهد. أي: ليس الناس كما تعهد يصبرون على الخطبة، فكأنه اجتهد في تقديم الخطبة على الصلاة حتى يسمع الناس خطبته وما يكون فيها، ولا شك أن هذا من البدع المحدثات، نسأل الله أن يعفو عنا وعنهم. فمن قدم الخطبة على الصلاة فإن هذه الخطبة لا يعتد بها ولا تصح؛ لأنه خلاف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله واقع في غير موقعه، ووجوده وعدمه على حد سواء، وإنما تصح الخطبة إذا وقعت بعد صلاة العيدين تأسياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في هديه.
تكبيراتها وحكم الرفع فيها
تكبيراتها وحكم الرفع فيها فيقول المصنف رحمه الله: [يكبر في الأولى بعد الإحرام والاستفتاح وقبل التعوذ والقراءة ستاً، وفي الثانية قبل القراءة خمساً]: هذا هو الثابت من هديه صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل هذا، وقد كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة، سبعاً في الأولى وخمساً في الثانية، فقد كان هذا هديه صلوات الله وسلامه عليه في صلاة العيدين: عيد الأضحى وعيد الفطر. قال رحمه الله تعالى: [يرفع يديه مع كل تكبيرة]. رفع اليدين مع كل تكبيرة فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم في مواضع، منها: صلاة العيدين وصلاة الجنازة. فالمأثور عن عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه كان يرفع يديه، وكذلك ابن عمر، وكانوا يقولون: إنه لا يضم. فـ ابن عمر -خاصة مع شدة تحريه للسنة- لن يرفع يديه إلا وله أصل من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي صحيح ابن خزيمة ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في تكبيرات الجنائز، والصحيح أنه من رفع فلا حرج عليه ومن ترك فلا حرج عليه، وكلٌ على خير، فمن رفع فله أصل وله سنة، خاصة وأن الأثرم روى بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه في هذه التكبيرات، ولكني لم أطلع على سنده، بحيث فلم أجد من جزم بصحة هذه الرواية، فإن صحت فلا إشكال أنها السنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها الأفضل. قال رحمه الله تعالى: [ويقول: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً، وصلى الله على محمد النبي وآله وسلم تسليماً كثيراً]. هذا القول المأثور عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كـ ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، فقد روي عنه أنه كان يقوله بين التكبيرات، فاستحب بعض العلماء أن يقول هذا؛ لأنه أثر عنه رضي الله عنه، والذي اختاره بعض العلماء أنه يتوقف في الذكر، لكن لو كبر هذا التكبير فإنه يثاب؛ لأن له أصلاً من حديث أبي هريرة أن رجلاً في صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم قال: الله أكبر، ثم قال: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. فلما سلَّم عليه الصلاة والسلام قال: (من الذي قال كذا وكذا آنفاً؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: والذي نفسي بيده لقد رأيت بضعاً وثلاثين ملكاً يبتدرونها إلى السماء أيهم يصعد بها)، وهذا يدل على فضل هذه المعقبات العظيمة. وهذا من أعظم ما يكون من الثناء على الله عز وجل وإجلاله سبحانه وتعظيمه، فلذلك قالوا: يقوله بين التكبيرات أفضل من أن يسكت، ولكن لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء مرفوع، فمن سكت فهو على سنة، ومن قال هذا تأسياً بما أثر عن ابن مسعود -والظن به أن يكون له شبهة التأسي، أو يكون له أصل- فإنه لا حرج عليه، ولا ينكر عليه؛ لأن له سلفاً، خاصة أنه من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومذهب طائفة الاحتجاج بفعل الصحابي وقوله. قال رحمه الله تعالى: [وإن أحب قال غير ذلك]: هذا بناءٌ على أن قول الصحابي حجة، فإذا كان قول الصحابي حجة فكأنهم يرون مشروعية الذكر بين التكبيرات، وأن المحفوظ أن يذكر بينهما، وألا تخلو من وجود ذكر، فإذا كان الأصل الذكر والثناء على الله فلو قال غيرها من الأذكار التي فيها ثناء على الله فلا حرج. ولكن الأقوى والأولى والأقرب -إن شاء الله- إلى السنة أن يسكت.
السنة في القراءة فيها
السنة في القراءة فيها قال رحمه الله تعالى: [ثم يقرأ جهراً بعد الفاتحة بسبح في الأولى، وبالغاشية في الثانية]: كان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه يصلي صلاة العيدين جهريةً، وهذا مما توافق فيه صلاة النهار صلاة الليل، وإلا فالأصل في الصلاة السرية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها في النهار ما عدا الفجر، وكذلك صلاة العيدين فقد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قرأ بـ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى:1]، و {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} [الغاشية:1]، وكذلك أيضاً ثبت عنه أنه قرأ بـ: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1]، و {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، وللإمام ابن القيم رحمة الله عليه كلام نفيس في هذه المسألة، فقد بين أن اختيار هاتين السورتين للدلالة على عظمة الله سبحانه وتعالى، خاصة أن فيهما ذكر البعث والنشور ونهاية الدنيا وصيرورة الإنسان إلى الآخرة، وما يعين على رقة قلبه وخشوعه وخضوعه، وخاصة في يوم العيد حيث الناس قد لبسوا أحسن ما يجدون من الثياب، فلربما دخل في الإنسان الغرور ولهو الدنيا والركون إلى شيء مما يصرفه عن ذكر الله عز وجل، فعندما يقرأ الإمام هاتين السورتين فكأنه يوحي إلى القلوب أن تكون على قرب وخوف من الله سبحانه وتعالى، فمع أنه يوم عيد يشرع تذكيرهم بالله عز وجل، ولذلك اختار هذه السورة لما فيها من بالغ العظة والذكرى، خاصة وأن سورة {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1] تشتمل على نهاية الإنسان وحال السعداء والأشقياء، وما ينتهي إليه حال الناس من الخروج من قبورهم إلى لقاء الله جل جلاله، فتذكير الناس في مثل هذا اليوم الذي يغلب فيه الفرح والسرور أدعى إلى الموازنة والبعد عن الغلو في الفرح، والإسلام دين الوسط، فإنه في الأعياد لا يفتح الباب على مصراعيه حتى يسترسل الناس في غيهم وفي فجورهم، ويقعون في أمور حرمها الله، وكذلك لا يضيق على الناس، فبأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام لما كان يوم العيد، ودخل الحبشة يلعبون بالسلاح في المسجد سألته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن تنظر إليهم، فقام على قدميه الشريفتين صلوات الله وسلامه عليه، وهي تنظر إليهم من وراء ظهره، وهو صلوات الله وسلامه عليه سيد الأمة وأفضل الخلق، فمع فضله وعلو مكانته يقف لها من أجل أن تنظر إليهم وهم يلعبون؛ لأنه يوم عيد، ويوم فرحة ويوم سرور، ولم يعتب عليها، ذلك لأن الحال يقتضي التوسعة، تقول أم المؤمنين عائشة: وهو يقول لي: (هل فرغت؟ فأقول: لا بعد، فيقول: هل فرغت؟ وأقول: لا بعد). صلوات الله وسلامه عليه، ولما دخل أبو بكر رضي الله عنه وجاريتان تضربان بالدف لـ عائشة رضي الله عنها تغنيان لها، فأراد أن يضربهما، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه يوم عيد) أي: لا تؤذهما فإنه يوم عيد. ولما دخل عمر على الحبشة وهم يلعبون بالسلاح، فأراد أن يحصبهم، قال: (يا عمر! إنه يوم عيدنا)، فهذا يدل على التوسعة، لكن إذا زاد الأمر فإنه يخشى أن الناس يفرطون في اللهو المباح، وفي الأمور التي توجب الوقوع في سخط الله وغضبه وكفران نعمه وبطر عيشه، فقرأ عليه الصلاة والسلام بـ {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} [ق:1]، وكذلك {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]، فإن هاتين السورتين -خاصة {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} [القمر:1]- فيهما تذكير بحال الأمم الماضية، وكيف كانت في عزة ومنعة ثم آلت إلى ما آلت إليه من سوء الخاتمة -والعياذ بالله- بعصيان الله جل وعلا، فهذا شيء عجيب من الموازنة والانضباط لكي يكون المسلم بين الإفراط والتفريط، فهو الوسط الذي يحمد صاحبه، وتكون به عواقب الخير في دينه ودنياه وآخرته.
صفة الخطبة ومحلها وما يقول فيها
صفة الخطبة ومحلها وما يقول فيها قال رحمه الله تعالى: [فإذا سلم خطب خطبتين كخطبتي الجمعة]. هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه وغيره فخطبه عليه الصلاة والسلام يوم الفطر والأضحى كانت تشتمل على تعليم الناس، كما سيأتي. فالخطبة في هذا اليوم يقصد منها بيان الأحكام الشرعية، وكذلك أيضاً تذكير الناس ووعظهم والأخذ بمجامع قلوبهم إلى الله عز وجل، ففي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خطب أتى النساء ووعظهن، وقال: (يا معشر النساء: تصدقن ولو من حليكن، فإني أريتكن أكثر حطب جهنم. قلن: يا رسول الله! ولِمَ؟ قال: بكفركن. قلن: نكفر بالله؟ قال: لا. إنما تكفرن العشير) إلى آخر الحديث. فهذا يدل على أنه ينبغي وعظ الناس في خطبة العيد، سواءٌ أكان عيد الأضحى أم عيد الفطر. قال رحمه الله تعالى: [يستفتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع]. هذا فيه حديث ضعيف في السنن عنه عليه الصلاة والسلام متكلم على سنده، إلا أن جمعاً من العلماء تسامحوا فيه، وإن كان بعضهم يقول: السنة والأولى أن يستفتح بالحمد، فإن خشي نفرة القلوب وحصول بعض المفاسد من استفتاحه بالحمد، فإنه لا بأس له أن يستفتح بالتكبير تأليفاً للقلوب كما يختاره بعض المحققين، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسائل السنن حين يخشى معها حصول الفتنة وما لا يحمد عقباه. قال رحمه الله تعالى: [يحثهم في الفطر على الصدقة، ويبين لهم ما يخرجون]. قوله: [يحثهم في الفطر على الصدقة] هذا قياس على خطبة الأضحى إذا قصد بهذه الصدقة صدقة الفطر كما هو ظاهر من قوله: [ويبين لهم ما يخرجون]. ووجه القياس أن حديث البراء بن عازب في خطبته عليه الصلاة والسلام يوم النحر أنه خطب وبيّن لهم كيف الأضحية، وأي السن يجزي، وبين وقتها عليه الصلاة والسلام، فقالوا: كما أنه في يوم النحر بين للناس أحكام الأضحية، كذلك يوم الفطر يبين للناس أحكام صدقة الفطر. ولكن هذا محل نظر؛ لأن صدقة الفطر تنتهي بالصلاة، والنحر يُبتدأ بانتهاء الصلاة كما سيأتي إن شاء الله بيانه، وبناء على ذلك اختلف الحالان، فكان القياس قياساً مع الفارق، ولذلك يقوى أن تكون موعظة، وهذا هو الأشبه؛ لأن الثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في يوم العيد مضى إلى النساء ووعظهن، فدل على أن خطبة العيد الأفضل فيها أن تكون موعظة، ولا يبالغ في الموعظة حتى يخرج الناس عن فرحهم، ولكن تكون موعظة فيها نوع من القصد والاعتدال، حتى يبعد الناس من الغرور، ولا ينفرهم من الفرحة ويخرجهم مما هم فيه من يوم عز في ذلك اليوم الذي هو عز للإسلام والمسلمين. قال رحمه الله تعالى: [ويرغبهم في الأضحى في الأضحية، ويبين لهم حكمها]: أما في الأضحى فالثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)، وفي رواية: (من ذبح قبل الصلاة فلا تجزيه وليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)، فدل هذا الحديث أن من السنة أن يبين للناس أحكام الذبح والنحر في يوم النحر؛ لأن الناس فيهم العوام، وفيهم الجاهل، وفيهم من قد يكون لأول مرة يضحي عن نفسه وعن أهله، خاصة إذا كان قد توفي أبوه، أو تلبس بهذا الأمر لسفر أبيه إلى حجه ونحو ذلك، فبيانه للأحكام الشرعية يعين الناس على تحقيق مقصود الشرع من ذبح الهدي المعتبر في هذا اليوم، وبناء على ذلك يسن أن يبين للناس هذه الأحكام. وهذا مأخوذ من حديث البراء في الصحيحين من خطبته عليه الصلاة والسلام يوم النحر الذي ذكرناه وتقدمت الإشارة إليه، فقال العلماء: يسن في خطبة عيد النحر أن تشتمل على بيان أحكام الأضحية. والأفضل أن يجمع بين بيان الأمور التي يحتاج الناس إليها، خاصة إذا كانت هناك أمور عامة، أو تعم بها البلوى، أو يحتاج الناس إليها، فلا حرج أن ينبه عليها، وينبه أيضاً على أحكام الأضحية، كما هو هديه عليه الصلاة والسلام.
حكم تكبيرات صلاة العيدين وحكم الخطبتين
حكم تكبيرات صلاة العيدين وحكم الخطبتين قال رحمه الله تعالى: [والتكبيرات الزوائد والوقف بينهما والخطبتان سنة]. أي: أنها ليست بواجبة ولازمة، وعلى هذا فلو نسي التكبير في صلاته فلا يلزمه سجود السهو، فلو أن الإمام قال: الله أكبر، ودخل ثم قال: (الحمد لله رب العالمين) فسها عن التكبير، فإنه لا يلزمه أن يسجد سجود السهو؛ لأن هذه التكبيرات الزوائد من السنة، وكذلك إذا قام من سجوده، فالتكبيرة الأولى تكبيرة انتقال، والخمس بعدها تعتبر من التكبيرات المسنونة، فإن فعلها أصاب، وإن تركها فإنه لا يلزم بتركها بسجود السهو؛ لأنها ليست بواجبة. قوله: [والخطبتان سنة]. أي: كذلك الخطبتان سنة عنه صلى الله عليه وسلم لا تشترطان لصحة الصلاة، فلو أنه صلى ولم يخطب فإنه لا يحكم ببطلان الصلاة، ولكن العلماء رحمة الله عليهم ينصون على أنه أساء بمخالفة هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أن المصنف رحمه الله ومن وافقه قالوا: إنه يتسامح في الخطبة، ولا تعتبر واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خير الصحابة حينما قام يخطب -كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة - فقال: (من شاء أن يقعد فليقعد، ومن شاء أن ينصرف فلينصرف)، فخيرهم بين أن يقعدوا وبين أن ينصرفوا، فدل على أن الخطبة ليست بلازمة، ولكن هذا محل نظر عند العلماء رحمة الله عليهم؛ لأنه قد يكون الشيء لازماً في حق الإمام، ولكنه ليس بلازم في حق المأمومين.
حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها
حكم التنفل قبل صلاة العيد وبعدها قال رحمه الله تعالى: [ويكره التنفل قبل الصلاة وبعدها في موضعها]: يكره للإنسان إذا مضى إلى المصلى في يوم العيد أن يتنفل قبل صلاة العيد، حتى ولو طلعت الشمس، ففي عيد الفطر يؤخر إلى ارتفاع الشمس قدر رمحين، فيخرج وقت الكراهة بارتفاع الشمس بقدر رمح، فلو أنه أراد أن يتنفل فيما بين قيد الرمح وقيد الرمحين فإنه يكره له ذلك، بل نص بعض السلف على أنه بدعة محدثة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، ولم يكن من هدي الصحابة رضوان الله عليهم، وهديه عليه الصلاة والسلام أنه لم يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها، فبعد العيد ينصرف الإنسان مباشرة، حتى قالوا: إن صلاة العيد تغني عن ركعتي الضحى في يوم العيد، وهذا اختيار بعض العلماء؛ لأن ركعتي الضحى تعتبر تحتها، أو كأنها مندرجة تحتها، ولكن إذا رجع إلى بيته وأراد أن يصلي الضحى فلا حرج، أما في المصلى فلا، فالتأسي برسول الله والاقتداء به أفضل وأكمل، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد من هذا اليوم التوسعة على الناس، فهو يوم عيد ويوم فرحة، يشرع للناس فيه أن يتفرغوا للفرحة بنعمة الله عز وجل عليهم، حتى أنه في الخطبة خيرهم بين أن يجلسوا وبين أن ينصرفوا، ولما وافق يوم العيد يوم الجمعة خيرهم بين أن يأتوا الجمعة وبين أن يصلوها ظهراً، وهذا يدل على التوسعة، وأن مقصود الشرع فرح الناس بهذا اليوم الذي هو يوم عز للإسلام والمسلمين.
من فاتته صلاة العيدين أو بعضها
من فاتته صلاة العيدين أو بعضها قال رحمه الله تعالى: [ويسن لمن فاتته أو بعضها قضاؤها على صفتها]: قوله: [ويسن لمن فاتته] أي: الصلاة كلها أو بعضها، كأن تأتي والإمام في الركعة الثانية، فإنه يسن بعد سلام الإمام أن تقوم وتقضي، وللعلماء قولان: فقال بعض العلماء: إذا قمت إلى الركعة الثانية فإنك تحتسبها الركعة الأولى لأنك قاضٍ، فتكبر السبع التكبيرات، أي: تكون أشبه بالقضاء، وهذا مذهب من يقول: ما فات يقضى، أي: الذي فات المسبوق يقضى. والقول الثاني: أن يقوم ويتم، فيكبر كتكبيرات الركعة الثانية ست تكبيرات مع تكبيرة الانتقال، أو خمساً بتكبيرة الانتقال، وجهان للصحابة رضوان الله عليهم في هذا. فعلى هذا الوجه إذا قمت إلى الركعة الثانية تقضي فإنك تحتسبها الركعة الثانية، وهذا هو الأصح؛ لأن الخلاف بين العلماء في المسبوق هل يقضي أو يبني، فإن قلنا: إنك تقضي فكأنك تعيد الركعة الأولى بصورتها، وكانت صورتها مع الإمام سبع تكبيرات، فتعيد السبع، وإن قلنا: تبني، فهو الأقوى من جهة السند والمتن؛ لأن روايات أبي هريرة من طريق الزهري وأصحاب الزهري أقوى، وهي رواية: في رواية: (فأتموا)، ونص الحديث: (فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، وفي رواية: (فاقضوا)، فعلى رواية: (فاقضوا) تكبر سبعاً، وعلى رواية: (فأتموا) تكبير خمساً أو ستاً على الوجهين الذين ذكرناهما. والصحيح أن رواية: (فأتموا) أقوى من وجوه: أولاً: من جهة السند، فإن رواتها أوثق وأقوى. ثانياً: من جهة المتن، فإن الإتمام يستعمل القضاء بمعناه، فإن رواية: (وما فاتكم فاقضوا) محمولة على معنى: (فأتموا)؛ لأن العرب تسمي تمام الشيء قضاءً، كقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة:10] أي: أتممتموها، وقوله تعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة:200]، أي أتممتموها، فأصبح متن رواية: (فاقضوا) لا يقوى على معارضة رواية: (فأتموا)؛ لأنه متردد بين معنى التمام وبين معنى القضاء. والقاعدة: إذا تعارض النصان المحتمل والصريح فإنه يقدم الصريح على المحتمل. وعلى هذا فإن الأقوى أن يتم، وعليه فإنك لا تكبر سبعاً، وإنما تكبر ستاً أو خمساً على الوجهين الذين ذكرناهما عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
التكبير المطلق والمقيد في العيدين وأحكامه
التكبير المطلق والمقيد في العيدين وأحكامه قال رحمه الله تعالى: [ويسن التكبير المطلق في ليلتي العيدين]: أي: يسن أن يكبر تكبيراً مطلقاً في ليلتي العيدين، أما ليلة عيد الفطر فالتكبير فيها آكد؛ لأن الله عز وجل قال: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة:185]، فأمر سبحانه وتعالى بالتكبير بعد تمام العدة، أي: بعد تمام شهر رمضان، ولذلك إذا غابت شمس آخر يوم من رمضان فإنك تكبر، حتى قال بعض العلماء بوجوبه، لقوله تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ} [البقرة:185]، لكن لو كانت الليلة ليلة شك، كليلة الثلاثين التي يحتمل أن تكون من رمضان ويحتمل أن تكون ليلة عيد الفطر فإنه يُبتدأ التكبير عند العلم بأنها ليلة عيد الفطر حتى يكون ذلك أبلغ في تحقيق هذا الأمر، أو امتثال هذا الأمر الذي أمر الله عز وجل به عند تمام العدة، وكذلك الحال بالنسبة لعيد النحر، فإن العشر من حيث هي يشرع فيها التكبير، قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:203]، قال بعض السلف: إن المراد بها عشر ذي الحجة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بماله ونفسه فلم يرجع من ذلك بشيء)، فهذا يدل على فضل ذكر الله في هذه الأيام المعدودات، وكان ابن عمر رضي الله عنهما وأرضاهما في هذه العشر يدخل إلى السوق وليس له حاجة في السوق أن يبيع ويشتري، ولكن يدخل ويكبر ويرفع صوته، حتى يتذكر الناس التكبير فيكبر الناس بتكبيره. وهذا يدل على تأكد التكبير في هذه العشر، وذكر الله عز وجل فيها، وهذا هو التكبير المطلق، والمطلق: أصله من الإطلاق، يقال أطلقت الدابة: إذا حللت وثاقها، وضده المقيد، والتكبير المطلق: هو الذي لا يتقيد بالصلوات، والتكبير المقيد: هو الذي يتقيد بالصلوات، وسيأتي. قال رحمه الله تعالى: [وفي فطر آكد، وفي كل عشر ذي الحجة]: قوله: [وفي فطر آكد] أي: تكبيرك ليلة عيد الفطر آكد من تكبيرك ليلة عيد النحر؛ لأن في ليلة عيد الفطر أمراً هو قوله تعالى: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة:185]. وقوله: [وفي كل عشر ذي الحجة] لقوله تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} [البقرة:203]، فيشرع أن يستكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى بالتكبير، وهذا هو فعل السلف، كما ذكرنا عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وكذلك أثر عن علي رضي الله عنه وأرضاه. قال رحمه الله تعالى: [والمقيد عقب كل فريضة في جماعة]. سمي مقيداً لتقيده بالفرائض، وللعلماء فيه وجهان: الوجه الأول: يتقيد بالفريضة بشرط أن تكون في جماعة، فإذا صلى في جماعة كبر، أما لو صلى وحده فلا يكبر، وهذا يقول به بعض الصحابة رضوان الله عليهم، ويحكى عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه. الوجه الثاني: يشرع أن يكبر أدبار الصلوات، سواءٌ كان في جماعة أم لم يكن في جماعة، وعلى هذا الوجه فلو صلى لوحده فإنه بعد الانتهاء من الصلاة يكبر الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: [من صلاة الفجر يوم عرفة، وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق]: قوله: [من صلاة الفجر يوم عرفة] هذا يعتبر تكبيراً مقيداً، وهذا عند جمع من العلماء، وقال بعضهم: من ظهر يوم عرفة، كما يقول به فقهاء المدينة السبعة، إذ يقولون: إنه يُبتدأ التكبير المقيد من ظهر يوم عرفة. وقد قوى جمع من العلماء ابتداءه من فجر يوم عرفة، وقد ثبت في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه أنهم غدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات منهم المكبر ومنهم الملبي ومنهم المهلل، فلم يعب أحدهم على الآخر، وقد قوى بعض المحققين أنه يُبتدأ بالتكبير المقيد من فجر يوم عرفة، ويكون بعد الصلوات بعد أن ينتهي الإمام ويسلم، ويلتفت إلى الناس ويكبر، وعلى هذا جرى العمل في عهد السلف الصالح، ولم ينكره أحد، بل جرى على ذلك العمل، وأقره العلماء رحمة الله عليهم، وهي سنة باقية؛ أي: أنه يكبر أدبار الصلوات. قوله: [وللمحرم من صلاة الظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق]: أي: بعد أن يصلي صلاة الظهر يوم النحر يبتدئ الإمام فيكبر ويكبر الناس بتكبيره، ولكن السنة أن يكبر كل إنسان على حده، وأما إذا اشتركت الأصوات فعلى حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الاشتراك قصداً ويطلب ذلك الاشتراك، وأشد ما يكون أن يبتدئ الرجل فيقول اللفظ فيقولون وراءه، فهذا من أشد الأنواع، وأقرب إلى الحدث، وشدد فيه العلماء رحمة الله عليهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك، لا في تلبية ولا في تكبير، فلو أن جماعة قام رجل فيهم وصار هو الذي يكبر وهم يكبرون وراءه فإنه إلى الحدث أقرب منه إلى السنة. أما لو أنك كبرت وصار الناس معك يكبرون فاتفقت الأصوات، ولم يكن ذلك بسبيل القطع، ولم يكن ذلك متابعة لواحد منهم، فلا حرج، فإنه يجوز الشيء بدون قصد ولكنه لا يجوز عند القصد، ويستدل بعض من يجيز أن يكبر الرجل ويُكبر وراءه، ويُلبي ويلبى معه بما أثر عن ابن عمر رضي الله عنهما، من أنه كان يدخل السوق فيكبر فيكبر الناس بتكبيره، أي: كان يكبر فيكبرون وراءه، وهذا ضعيف فإن الباء في قوله: (بتكبيره) سببية، أي: يكبرون بسبب تكبيره، كأن تكبيره ذكرهم التكبير، وليس المراد به المصاحبة، أي: مع تكبيره، وإنما المراد أنهم يكبرون إذا سمعوا تكبيره، فهو أشبه ما يكون أنه قصد إعلامهم وتنبيههم، وهذا هو الأشبه بالأثر؛ لأن ابن عمر أصلاً لم يكن يدخل السوق لحاجة، وإنما دخله لأن الناس في غفلة الدنيا، فأراد أن يذكرهم بهذه السنة. قال رحمه الله تعالى: [وإن نسيه قضاه، ما لم يحدث أو يخرج من المسجد]. أي: إن نسيه فصلى وذكر الأذكار ونسي التكبير قضاه، فبمجرد أن يتذكر يقضي ما دام في مصلاه، فإن خرج من مصلاه فإنه حينئذ يفوت القضاء ولا وجه لأن يقضيه؛ لأنه مقيد بالصلاة، فما دام في مصلاه كأنه لم يبرح المصلى، فهو في حكم من انفتل من صلاته، وهذه المسألة تعتبر اجتهادية، كأنهم يرون أنه لما انفتل من صلاته ولم يكبر مباشرة لوجود العذر، فإذا زال العذر رجع إلى الأصل من التكبير ومطالبته بهذه الشعيرة. قال رحمه الله تعالى: [ولا يسن عقب صلاة عيد]. أي: ولا يسن التكبير عقب صلاة عيد، وقال بعضهم: لا حرج أن يكبر ما لم يستفتح الإمام الخطبة ولكن الأقوى والأشبه عند الجماهير أن التكبير يكون إلى وقت دخول الإمام في الصلاة. ففي يوم النحر يكبر الإنسان عند غدوه إلى المصلى، ويكثر من التكبير ويرفع صوته، وإذا جلس في المصلى أظهر التكبير ورفع صوته، وهذه السنة قد تغافل الناس عنها وإلى الله المشتكى، وقد كان الناس في القديم إذا كان يوم العيد ارتجت مساجدهم بالتكبير وذكر الله عز وجل والتسبيح على أحسن وأجمل وأكمل ما أنت راءٍ، حتى إنك تشعر بعزة الإسلام، وهذا إلى عهد قريب قد لا يقل عن خمس عشرة سنة إلى عشرين سنة، ولكن الناس اليوم قلّ أن يكبروا إلا إذا أخذت (المسمع) أو (المذياع) فذكرتهم، وإلا إذا تركوا فهم في غفلة إلا من رحم الله، وهذا يدل على ضعف هذه السنة وذهابها عن الكثير، وينبغي على الأئمة والخطباء أن ينبهوا الناس على أنه ينبغي في يوم العيد إظهار هذه السنة، ورفع الأصوات بها حمداً وثناءً وذكراً وإجلالاً وإعظاماً وإكباراً لله سبحانه وتعالى، فهو يوم شكر لنعم الله عز وجل. فإذا أظهر الناس هذه الشعائر وحمدوا الله عز وجل على نعمه أغدق الله عليهم من فضله؛ لأن من أجلَّ الله أجلَّه الله، وإذا كان الإنسان في غفلة عن ذكر الله عز وجل لم يبال الله عز وجل به؛ لأن الله يذكر من ذكره، ولذلك قلّ أن تجد إنساناً يحافظ على السنة، ويحرص على أدائها إلا أحيا الله ذكره في الناس، وأحيا محبته وتوقيره وإجلاله، وانظر إلى أهل العلم فإنهم لما أثنوا على الله سبحانه وتعالى، وكانت منهم المواعظ والخطب والتذكير ألقى الله في قلوب العباد حبهم، ونشر بين الناس ذكرهم، وكانوا في حمد وثناء بين الناس لما كان لهم من ذكر الله عز وجل، والفضل والمنُّ لله عز وجل على كل حال. فكذلك الحال في الناس عامة، فينبغي أن يحيا فيهم الإكثار من ذكر الله ورفع الأصوات بذلك، حتى يكون في ذلك إظهارٌ لعزة الإسلام، خاصة إذا كان هناك أعداء للإسلام، أو كانت البلاد فيها كفار ومسلمون، فإذا كان يوم العيد وخرج المسلمون يكبرون ويثنون على الله، حتى ترتج الشوارع وهم يثنون ويكبرون، فإن هذا يدخل الهيبة في قلوب الأعداء، ويشعرهم بعزة هذا الإسلام وتلاحم المسلمين وتراحمهم وتعاطفهم وتكاتفهم، وهذا خير كثير، فينبغي إحياء مثل هذه السنن، وندب الناس إلى رفع الأصوات بها، سواءٌ في المصلى أم في الطريق، فكل ذلك كان من هدي السلف الصالح رحمة الله عليهم أجمعين. قال رحمه الله تعالى: [وصفته شفعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد]: قوله: [صفته شفعاً] لأن لفظ التكبير تكرر أربع مرات، والأربع شفع، وإن كان وتراً يكون قوله: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر ولله الحمد)؛ لأن التكبير يكون فيه وتر، والشفع اختيار طائفة من العلماء رحمة الله عليهم، ويحكى فيه بعض الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر فيه واسع، فإن أوتر فلا حرج، وكان بعض العلماء يستحبه؛ لأن الوتر محبوب، وإن شفع فلا حرج، وكل على خير وبركه.
الأسئلة
الأسئلة
فرضية صلاة العيدين
فرضية صلاة العيدين Q بماذا يجيب القائلون بأن صلاة العيدين فرض عين عن حديث الأعرابي الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (هل عليّ شيء غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع)؟ A حديث أبي طلحة في الصحيحين في قصة الأعرابي: (هل عليّ غيرها؟ قال: لا. إلا أن تطوع) المراد به الفرض المصاحب لليوم، بمعنى أنه هل عليّ غيرها من الصلوات تكون في كل يوم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (لا. إلا أن تطوع)، وصلاة العيد ليست متكررة كل يوم، وإنما هي في العام مرة، ولذلك يقولون بوجوب ركعتي الطواف مع أنها من غير الصلوات الخمس، ولذلك لا تعارض بين قولنا بوجوب هذه الصلاة، وكذلك بوجوب غيرها من الصلوات التي ورد النص والأمر بها مع هذا الحديث الذي يُقصد به ما كان في اليوم بعينه، والله تعالى أعلم.
وقت دعاء الاستفتاح في صلاة العيد
وقت دعاء الاستفتاح في صلاة العيد Q هل يقرأ دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، أم بعد السبع التكبيرات؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فللعلماء قولان في هذه المسألة: فبعضهم يرى أن دعاء الاستفتاح يكون بين تكبيرة الإحرام وبين بقية التكبيرات. وبعضهم يرى -وهو الأقوى والأقرب إلى السنة- أنه يكون استفتاحه بعد انتهاء جميع التكبيرات وقبل الابتداء بالقراءة، وأما بعد التكبيرة الأولى فإما أن يذكر الذكر الذي ذكرناه، وإما أن يسكت، وهذا هو الأولى والأصح، والله تعالى أعلم.
وقت التكبير المقيد
وقت التكبير المقيد Q هل يكون التكبير المقيد قبل أذكار الصلاة أم بعدها؟ A التكبير المقيد يكون بعد الصلاة مباشرة، ولذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير بعد الصلاة مباشرة، وفي الحديث التكبير ثلاثاً بعد انفتاله من الصلاة، ولذلك يكبر بعد سلامه مباشرة، وإذا أخره إلى بعد قوله: (استغفر الله) فإن هذا يفعله بعض العلماء، ولكن قالوا: إن هذا مقيد وتقيده بالصلاة، والأفضل أن يوقعه بعد الصلاة مباشرة وقبل استغفاره، وبعد ذلك يشرع في الأذكار التي من عادتها أن يقولها بعد السلام، والله تعالى أعلم.
حكم من قدم القراءة على التكبيرات
حكم من قدم القراءة على التكبيرات Q ما حكم من قدم القراءة على التكبيرات في العيدين، وهل هذا من السنة في شيء؟ A من قدم القراءة على التكبيرات فإن التكبيرات تسقط بشروعه في القراءة، وقد أساء بمخالفته لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي له أن يفعل ذلك قصداً، أما لو سها وكبر تكبيرة الإحرام ثم استفتح وقرأ الفاتحة فإنه تسقط عنه التكبيرات ولا يعتبر آثماً، ولا تكون مخالفته للسنة على سبيل القصد بهذا الوجه، والله تعالى أعلم.
حكم شهود الكفار صلاة العيد وغيرها مع المسلمين
حكم شهود الكفار صلاة العيد وغيرها مع المسلمين Q إذا أراد أهل الكتاب حضور صلاة العيد -أو غيرهم من الكفار-، فهل يسمح لهم؟ A إذا كانت الصلاة في مصلى وأرادوا أن ينظروا إلى حال المسلمين في صلاتهم فلا حرج، فإن المنافقين شهدوا الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم على الكفر، ولذلك فلا حرج في شهودهم، وأما إذا كانت الصلاة في مسجد فإنهم لا يدخلون المساجد؛ لأنهم ممنوعون منها. وأما بالنسبة للاستسقاء فللعلماء فيه قولان؛ لأن العيد أمره أخف، وأما الاستسقاء فهو أشد، قالوا: في الاستسقاء إذا شهدوا مع المسلمين عزلوا؛ لأنهم إذا سقوا امتنوا على المسلمين، وظنوا أن لهم يد فضل في هذا، فيكون الشعار الأغلب للمسلمين، وتكون الصلاة للمسلمين منفردة، ويؤمرون أن يعتزلوا المسلمين. لكن لا حرج أن يصلوا صلاتهم، أو يذكروا أذكارهم، أو يظهروا الفاقة لله سبحانه وتعالى؛ لأن المقصود تضرع الجميع، فلا حرج في هذا ولا يعترض عليهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في قريش في صلح الحديبية: (والذي نفسي بيده، لا يسومونني خطة يعظمون بها حرمات الله إلا أجبتهم إليها). أي: إذا كانوا في تعظيم لله عز وجل يجيبهم إليه، فهم إذا خرجوا إلى الاستسقاء فإن إظهار الفاقة والحاجة والفقر لله سبحانه وتعالى يشرع من البر والفاجر، ومن المؤمن والكافر، فلا حرج، لكنهم يتميزون عن المسلمين، أي: يؤمرون بأن يتنحوا عن المسلمين ولا يكونوا معهم في صلاتهم وشعيرتهم، والله تعالى أعلم.
تعارض قضاء صلاة العيد مع فرضيتها
تعارض قضاء صلاة العيد مع فرضيتها Q كيف نجمع بين القول بأن صلاة العيد فرض عين، وبين قولهم: لا تقضى إذا فاتت؟ A قد يكون الشيء لازماً على الصورة التي وردت في الشرع، وهي صورة الجماعة ويسقط في غير الجماعة، وكأن صلاة العيد إنما شرعت على هذا الوجه، وهي بالجماعة، فإذا فاتت جماعتها فإنه في هذه الحال لا يطالب بالقضاء عند من يقول بعدم قضائها، وكان بعض السلف يقول: من فاتته صلاة العيدين يشرع له أن يصلي مع غيره كالصلاة المعروفة، وكان بعض الصحابة كـ ابن مسعود رضي الله عنه يأمر بعض مواليه أن يجمع بعض أهله ويصلي بهم إذا فاتته صلاة العيد، ويصلي بهم كصلاة الإمام، لكنه لا يخطب. وقال بعضهم: على هذا الوجه فلو حضرت والإمام في التشهد تقوم وتأتي بركعتين، أو حضرت بعد سلام الإمام تقوم وتأتي بركعتين على صفة ركعتي الإمام، وهذا الوجه لا يشترط الجماعة. الوجه الثاني: من فاتته صلاة العيد فإنه يصلي أربع ركعات، وهو محكي عن بعض السلف رحمة الله عليهم. وبعضهم يرى أنه يصلي ركعتين نافلة مطلقة. وكل هذه الأقوال لها وجه، ومن فعل بأي واحد منها فله سلف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينكر عليه، والله تعالى أعلم.
حكم الكلام أثناء خطبة العيد
حكم الكلام أثناء خطبة العيد Q هل الكلام أثناء خطبة العيد، محرم كالكلام في خطبة الجمعة؟ A إذا كان الإنسان في المصلى يتكلم فإنه يشوش على المستمعين، ولذلك يكون المنع من الكلام لأذية الغير، وأما إذا كان لا أذية فيه ولا ضرر فإنه لا حرج؛ لأنه مخير بين أن يجلس وبين أن يمضي، وبناء على ذلك فلو تكلم فلا حرج، ومن هنا قال بعض العلماء: لا حرج أن يجهر بالتأمين عند دعاء الإمام في خطبة العيدين، ولكنه لا يجهر به في خطبة الجمعة، كما سبق بيانه في أحكام صلاة الجمعة وخطبتها، والله تعالى أعلم.
حكم الاكتفاء في العيد بخطبة واحدة
حكم الاكتفاء في العيد بخطبة واحدة Q هل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب للعيد خطبة واحدة، فإن بعض الخطباء يفعل هذا، ويقول: إنها سنة؟ A حكي عن بعض السلف رحمة الله عليهم أنه يقول بهذا القول، لكن الصحيح أنها كصلاة الجمعة يخطب لها خطبتان، ويفصل بينهما بالجلوس، كالحال في الجمعة سواء بسواء، وهذا هو الهدي الذي ينبغي للإنسان أن يلتزمه لما فيه من تأليف القلوب، وإذا كانت السنة الظاهرة المشهورة أنه يخطب كخطبة الجمعة، والناس عرفوا ذلك وألفوه، فإن تأليف قلوب العامة أولى من أن يأتي بالأمر الغريب عليهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم -ويروى موقوفاً على علي علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله) أي: لا تتسببوا في اعتداء الناس على السنة إذا كانت السنة غريبة عليهم، أنها لو وقعت عليهم من السنن التي يرغب فيها سنن الأنواع، وليس المراد بها السنن التي تقصد وتطلب في سنن الأنواع، إذا قلنا: إنه يشرع للإنسان أن يخطب خطبة واحدة، على الروايات في خطبته عليه الصلاة والسلام، يصبح هذا الحال من التنويع، ويحمل الحديث المشهور من الخطبة كخطبة الجمعة على الأصل، بمعنى أننا نقول: إن الإنسان يحافظ عليه؛ لأن الناس ألفوه وعرفوه، فلو جاء يخطب خطبة واحدة فإن الناس تنفر، ولربما عدت أن صلاته خاطئة، فيتهجمون على السنة بسببه، فهو وإن أحيا سنة من وجه فإنه يضيع عليهم أجوراً كثيرة ويوقعهم في غيبته، ويجعلهم في نفرة منه، ولربما نسبوه إلى الشذوذ، فإن جاءهم بحق بعد ذلك لم يقبلوه. لكن لو أنه خطب أو بيّن السنة المعمولة المعروفة بالفعل، ثم بين بالقول بعض السنن الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يعلم الناس بوجود شيء من الشذوذ، وكذلك أيضاً الإيغال في ترك السنن، وذم أصحابها، والله تعالى أعلم.
حكم من ترك التكبيرات في صلاة العيد عمدا
حكم من ترك التكبيرات في صلاة العيد عمداً Q ما الحكم إذا ترك الإمام تكبيرات العيد في الصلاة عمداً، وذلك ليعلم الناس أن التكبيرات سنة؟ A لا يفعل هذا. بل عليه أن يصلي كما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يجتهد من عنده، مع أن بعض العلماء يقول: إن قوله صلى الله عليه وسلم: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يقتضي اللزوم. فعليه أن يكبر بهذه التكبيرات، وإذا أراد أن يعلم الناس أنها سنة وليست بواجبة فليعلمهم بالكلام؛ لأن القاعدة أنه إذا كان هناك طريقان إلى تحقيق المصلحة أحدهما فيه مفسدة -وهو هنا ترك السنة- والثاني لا مفسدة فيه وجب فعل الذي لا مفسدة فيه، فإذا أمكن تعليم الناس بالقول فلماذا يذهب إلى الفعل، ويهجر سنة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهل توقف إعلام الناس أنها سنة على ترك هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! فيمكنه أن يعلمهم أنها سنة بالقول، فقبل العيد في عصر آخر يوم من أيام رمضان يحدثهم عن أحكام العيدين، ويبين لهم، أما أن يأتي ويفعل ذلك على خلاف ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا، ولا أرخص له في هذا، والله تعالى أعلم.
سجود التلاوة على الدابة في السفر
سجود التلاوة على الدابة في السفر Q هل يجوز الانحناء في سجود التلاوة على الراحلة في السفر كما يجوز ذلك في صلاة التطوع عند الركوع والسجود؟ A من كان على الدابة في سفر وأراد أن يسجد سجود التلاوة أو سجود الشكر فإنه ينحني على أقصى ما يستطيع من الانحناء ويجعله لسجوده. وأما إذا صلى فإنه يجعل ركوعه أرفع من سجوده، أي: يجعل انحناءه للركوع أرفع من سجوده؛ لثبوت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فإنه يشرع للإنسان إذا سجد للتلاوة أو سجد للشكر وهو على دابته أن ينحني، ويكون انحناؤه دليلاً على سجوده، والله تعالى أعلم.
حكم من أحرم بالعمرة من غير ميقاته
حكم من أحرم بالعمرة من غير ميقاته Q نويت العمرة من جدة، لكني لم ألبس الإحرام منها، وكنت مشغولاً ببعض الاحتياجات، وجئت إلى مكة وقضيت كل حاجاتي ومكثت في مكة يومين، وأحرمت من التنعيم، علماً بأني جاهل، فما الحكم؟ A هذه المسألة فيها تفصيل، فإن كنت في جدة ونويت العمرة ولبيت وأنت في ثيابك فإنه حينئذ ننظر، فإن كان بقاء الثياب عليك لعذر عدم وجود ما تلبسه من إزار ورداء فإنه حينئذ تسقط عنك الفدية، حتى تجد الإزار والرداء فتتجرد من مخيطك. أما إذا بقيت بملابسك وخرجت من جدة وأنت تلبي بالعمرة، ومضيت إلى مكة وقضيت حاجياتك في ثيابك العادية مع إمكانك أن تزيلها وتلبس الإحرام فعليك الفدية فقط، وهي فدية اللبس، وذلك أن النية قد وقعت في جدة، وإحرامك من جدة إحرام صحيح، وشروعك في التلبية والذكر وغير ذلك مما يستصحب دليل على أن الشروع في هذه العبادة معتبر، فعلى هذا يكون المحظور الذي ارتكبته هو بقاؤك في الثياب، وأما الإحرام فأنت محرم، فلا يشترط في صحة انعقاد العمرة والحج أن تكون متجرداً من المخيط، بل لو أنك قلت: (لبيك) وأنت في ثيابك فقد انعقدت عمرتك، وعلى هذا يكون إخلالك في لبسك الثياب فحسب، ويلزمك حينئذ أن تفتدي فدية لبس المخيط، وكذلك يلزمك غيرها إن كنت قد ارتكبت من المحظورات، غير لبس المخيط، ويكون قدومك إلى التنعيم بالنية لاغياً؛ لأنك أدخلت نية على نية، ولا عبرة بالثانية؛ لأن العبرة بالأولى، ولا يصح إيقاع الثانية حتى تتم الأولى، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة:196]. فعلى هذا -في هذه الصورة- يشترط أن تكون قد لبيت بالعمرة أو نويتها. أما إذ لم تنو أصلاً، وكان في قلبك أن تعتمر، ولعل هذا هو مقصود قولك: (نويت العمرة من جدة)، بمعنى: أحببت أن أعتمر، وكان في نيتي أن أعتمر. فإن مضيت ولم تلبِ، ولم تنشئ عمرةً حتى جئت مكة وقضيت حوائجك وأحرمت من التنعيم، فإنه حينئذ يلزمك دم، وذلك لتأخر إحرامك ونيتك عن جدة، فميقاتك جدة لقوله عليه الصلاة والسلام: (فمن كان دون ذلك فإحرامه من حيث أنشأ)، فأنت دون المواقيت، فكان يلزمك أن تلبي من جدة، فلما أخرت إحرامك إلى التنعيم لزمك الدم الذي هو دم الجبران، ويكون بمكة لكي تجبر هذا الفوات، ولو كنت جاهلاً فجهلك ليس بعذر، فالعلماء موجودون، وتقحمك للأحكام دون سؤال أهل العلم يلزمك بعاقبة تقصيرك، وليس الجهل عذراً في مثل هذا، والله تعالى أعلم.
صلاة راكب القطار والطائرة ونحوهما مع إسقاط بعض أركانها
صلاة راكب القطار والطائرة ونحوهما مع إسقاط بعض أركانها Q الرجل يسافر بالقطار أو بالطائرة يوماً وليلة، ولا يمكن له أن يصلي إلا بعد أن ينزل، ولا يستطيع أن يصلي إلا جالساً، فما هو الحكم في الصلوات المكتوبة؟ A من سافر في القطار واستمر سفره على هذه الصورة فإنه يصلي على الحالة التي يستطيع، لقوله سبحانه وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16]، فالذي في استطاعته ووسعه هو الذي يكلف به، وعلى هذا فلو أنه غلب على ظنه أنه لو وقف أو ركع سيسقط ويتضرر فإنه حينئذ يجوز له أن يصلي وهو قاعد، ويستقبل جهة القبلة إن أمكنه، فإن تعذر عليه ذلك صلى إلى أقرب الجهات إليها، أو إلى أي موضع توجه إليه بوجهه، وهذا قرره العلماء رحمهم الله في مسألة الصلاة على السفينة، فإنهم قالوا: إذا خشي السقوط فإنه يصلي وهو قاعد. والله تعالى أعلم.
حكم استخدام ماء زمزم لتنظيف الجهاز التناسلي تداويا
حكم استخدام ماء زمزم لتنظيف الجهاز التناسلي تداوياً Q امرأة مصابة بمرض في جهازها التناسلي، فهل يجوز لها استخدام ماء زمزم في تنظيفه وتطهيره لما علمت من بركة ماء زمزم؟ A إذا شربته فإنه يكفيها، أما أن تغسل به ذلك الموضع فلا، فماء زمزم كما قال صلى الله عليه وسلم: (طعام طعم، وشفاء سقم)، ولذلك قالوا: هو في حكم الطعام، فإذا كان في حكم الطعام فلا يقصد به إزالة الأذى في الموضع، أما لو اغتسلت به عموماً ووقعت إصابة الموضع تبعاً فلا حرج، فالشيء يجوز تبعاً ولا يجوز قصداً، ولذلك يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها تبعاً للنخيل، ولا يجوز أن تقصدها بعينها، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر، ففيه إثبات الجواز تبعاً وتحريمه قصداً، فهذا يدل على أنه يجوز للإنسان أن يفعل الشيء تبعاً ولا يفعله قصداً. فإذا أرادت أن تستشفي فإنها تشرب زمزم، وماء زمزم لما شُرِبَ له، فإن شربته بنية التداوي فإن الله يشفيها، وعلى هذا يكون تداويها بشربه، أما أن تغسل الأذى وتغسل تلك المواضع فهذا أمر فيه شدة، وقد كرهه طائفة من السلف رحمة الله عليهم، وظاهر قوله لـ أبي ذر في الحديث الثابت: (طعام طعم، وشفاء سقم) يدل على ذلك، فالأطعمة لا تجوز إزالة القذر والنجس بها، وقد شدد العلماء في ذلك، وقالوا: من قصد إهانة الطعام كفر -والعياذ بالله-، فلو أخذ الطعام وقصد به الامتهان لنعمة الله عز وجل والكفر بها -نسأل الله العافية- فإنه يكفر، لكن لا يعني هذا تكفير من غسل الفرج بماء زمزم، خاصة إذا قصد التداوي، ولكن نقول: إن هذا القول -خاصة على اعتبارنا زمزم في حكم الطعام لظاهر السنة في قوله: (طعام طعم) - يدل على أنه لا يجوز للإنسان أن يضعه على هذه المواضع لقصد غسلها أو إزالة الأذى، أما لو أراد التداوي فإنه يسعه أن يشرب، فإنه لو شرب جرى في مسالكها، وكان من الخير ما يرجى بإذن الله، والله تعالى أعلم.
المسبوق ومتابعة الإمام
المسبوق ومتابعة الإمام Q إذا فاتتني ركعة من صلاة الجماعة، وكان الإمام في التشهد الأخير، فقرأت التشهد والصلوات الإبراهيمية، فهل يجوز لي أن أقول الدعوات التي تكون بعد التشهد وقبل السلام، علماً بأنه بقي لي ركعة؟ A يختار جمع من العلماء رحمهم الله أن المسبوق إذا كان وراء الإمام أنه يفعل كفعله، وبناء على ذلك يتفرع على هذا الأصل أنك لو فاتتك -مثلاً- ركعة من صلاة المغرب، ثم قام الإمام بعد التشهد الأول وقمت معه إلى الركعة الثانية بالنسبة له فإنك ترفع يديك حذوا أذنيك أو منكبيك؛ لأن العبرة به لا بك، لأجل شعار الجماعة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، فقصد المتابعة في الصورة والحال، وهذا يختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، فإذا انفصلت عنه فإنك في هذه الحال تكون في حكم المنفرد، فكأنهم يرون أنه في حكم المنفرد عند الانفصال، وعلى هذا فإنك إذا جلست للتشهد الأخير بالنسبة للإمام وليس بالنسبة لك فإنه يشرع أن تصاحبه، وهذا أقوى، بدليل أنك تقرأ التشهد والتشهد ليس بلازم عليك في الأصل، فدل هذا على أنك قرأت التشهد لموافقة الإمام، فمن هنا تتم التشهد إلى تمامه وكماله، والله تعالى أعلم.
محرمية الجد من جهة الأم لزوجة حفيده
محرمية الجد من جهة الأم لزوجة حفيده Q هل يجوز لجدي من جهة أمي أن ينظر إلى زوجتي؟ A الجد من جهة الأم يعتبر محرماً لزوجتك، وذلك أن جدك لأمك تعتبر أنت من أبنائه، لقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن: (إن ابني هذا سيد)، وهو جده من جهة أمه صلوات الله وسلامه عليه، والله تعالى يقول في المحرمات: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، فتحرم الزوجة على الجد، ويستوي في ذلك الجد من جهة الأب أو من جهة الأم، والذي تمحض بالذكور أو تمحض بالإناث، أو جمع بين الذكور والإناث، فأبو أم الأب وأبو أبو الأب، وأبو أم الأم، كل هؤلاء يعتبرون في الحكم سواءً، وكذلك أبو الأب وأبو الأم، فكل هؤلاء يعتبرون من المحارم، ولا حرج أن يرى الزوجة، وتسافر معه؛ لأنها حليلة ابنه، وحليلة الابن محرمة على الجد مطلقاً، والله تعالى أعلم.
استقبال القبلة في صلاة التطوع على الراحلة في السفر
استقبال القبلة في صلاة التطوع على الراحلة في السفر Q هل يجب على المسافر في صلاة التطوع أن يستقبل القبلة ثم ينصرف؟ A الصحيح أنه يستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام لرواية أبي داود في سننه -وقد حسنها غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم- من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يكبر تكبيرة الإحرام استقبل القبلة وكبر، ثم صرف دابته)، وعلى هذا لو كنت في السيارة اليوم، فإنك تستقبل القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم تصرف السيارة إلى أي وجهة تريد، كما كانوا في القديم يستقبلون القبلة عند تكبيرة الإحرام، ثم يصرف المصلى دابته إلى الجهة التي يذهب إليها. لكن لو كنت راكباً، وأردت أن تكبر تكبيرة الإحرام، وكانت السيارة إلى غير القبلة، بحيث كانت القبلة عن يمينك، فانفتلت عن يمينك وكبرت ثم رجعت إلى وضعك فقد اختار بعض العلماء رحمة الله عليهم أنك إذا انحرفت من مجلسك وكبرت ثم انحرفت اختياراً بطلت صلاتك. والسبب في هذا أنك إذا أردت أن تكبر تكبيرة الإحرام على وجهتك فإنه حينئذ يغتفر انحرافك عن القبلة؛ لأن الانحراف كان من الدابة، أما لو انفتلت بنفسك فكأن الانحراف بفعل نفسك، كما لو انحرفت عن القبلة بقصدٍ، فيفرق بين من يكبر تكبيرة الإحرام ثابتاً إلى آخر الصلاة وانحرفت به السيارة في طرقاتها، وبين من كبر ثم انحرف إلى جهته، فإنه كبر وانحرف باختياره، فبطلت صلاته كما لو انحرف عن قبلته. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
باب صلاة الكسوف
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الكسوف شرع الله سبحانه وتعالى صلاة الكسوف التجاء إليه سبحانه عند حدوث الكسوف للشمس أو للقمر، وقد حث على الدعاء والصدقة فيها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذه الصلاة فيها من الأحكام ما ينبغي على المسلم معرفتها إذا أداها، ولتكون على هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أهم المسائل والأحكام المتعلقة بها: حكم صلاة الكسوف وصفتها، والأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف، وغيرها من الأحكام.
أحكام صلاة الكسوف
أحكام صلاة الكسوف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الكسوف]. المراد بالكسوف كسوف الشمس والقمر. وللعلماء رحمهم الله في إطلاق الكسوف عليهما خلاف معروف، فمن أهل العلم من يقول: إن الكسوف والخسوف يطلقان على الشمس والقمر، وقد جاء بذلك الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته) قال العلماء رحمهم الله: فعبر بالكسوف عنهما، وكذلك بالخسوف وهذا هو أحد الأوجه عند أهل العلم رحمة الله عليهم. ومن أهل العلم من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وعلى هذا مصطلح أكثر الفقهاء رحمة الله عليهم، فيعبرون بالكسوف للشمس وبالخسوف للقمر، كما قال تعالى: {فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ} [القيامة:7] {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، فعبر بالخسوف للقمر، ففهم من هذا أن الكسوف للشمس، وقد جاء في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كسفت الشمس فصلى)، فعبر بالكسوف للشمس، قالوا: وعبّر القرآن بالخسوف في القمر، فدل على أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وصحح غير واحد من أئمة اللغة هذا المذهب، وقال الجوهري، وكذلك ثعلب: إن الأفصح أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر. وقال بعض أهل العلم: الكسوف للقمر والخسوف للشمس وقد ضعف هذا المذهب القاضي عياض رحمه الله؛ لأنه خلاف التنزيل، فإن الله عز وجل قال: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، فعبّر بالخسوف في القمر، فدل على أنه يطلق الخسوف على القمر، وعدم إطلاقه على القمر على هذا القول يخالف نص الآية، وهذا من أضعف المذاهب. وهناك مذهب آخر يرى أن الكسوف المراد به ذهاب بعض الضوء، فتقول: كسفت الشمس وكسف القمر: إذا ذهب بعض الضوء، وتقول: خسفت الشمس إذا ذهب الضوء كله، وكذلك خسف القمر إذا ذهب الضوء كله. وفي هذا القول جمع بين الأقوال التي سبق ذكرها، ويختاره بعض الأئمة رحمهم الله من الفقهاء واللغويين. وقد ترجم الإمام البخاري رحمة الله عليه في الصحيح بباب: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟) فقدّم الكسوف وعبّر به للشمس، وأخّر الخسوف، فقال بعض العلماء: إن الإمام البخاري متردد في هذه المسألة، حيث أورد هذه الترجمة بصيغة الاستفهام التي لا جزم فيها، فكأنه متردد بين هذه الأقوال. ومن أهل العلم من يقول: إن الإمام البخاري قصد أن الكسوف للشمس والخسوف للقمر؛ لأنه بوب بقوله: (هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟)، ثم قال: وقال الله تعالى: {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة:8]، ففهم من هذا أنه يميل إلى مذهب من يقول: إن الكسوف للشمس والخسوف للقمر. والمصنف حين قال: (باب صلاة الكسوف)، فإنه إن كان يرى أن الكسوف خاص بالشمس فإنه قدمه لأن الأدلة وردت في كسوف الشمس، فيكون خسوف القمر تبعاً من هذا الوجه، وإن كان يرى القول الذي يطلق الكسوف عليهما، فحينئذٍ لا إشكال في تعبيره بالكسوف.
صلاة الكسوف من صلوات الرهبة
صلاة الكسوف من صلوات الرهبة وهذا النوع من الصلوات -أعني صلاة الكسوف- يعتبر من صلوات الرهبة، وذلك أن الله عز وجل يرسل بالآيات تخويفاً لعباده، وزجراً لهم، وتنبيهاً لهم من غفلتهم وما هم فيه من الإعراض عنه سبحانه وتعالى، فيرسل الآيات تخويفاً لعباده، وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في خطبته حيث قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا ينخسفان ولا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته)، فنص على أنها آيات يخوف الله عز وجل بها عباده، وذلك بما يعتريهما من الكسوف والخسوف. فهذه الصلاة المخصوصة التي أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حال كسوف الشمس إنما هي صلاة رهبة، والمراد بذلك أن الناس تفزع إلى الله عز وجل وتفر إليه بذكره، وتقف بين يديه بأشرف المقامات وأحبها إلى الله سبحانه وتعالى وهي الصلاة التي قال عليه الصلاة والسلام فيها: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة). وهناك نوع ثانٍ من الصلوات يسمى بصلاة الرغبة، وهي صلاة الاستسقاء، فكما أن صلاة الكسوف للرهبة كذلك صلاة الاستسقاء للرغبة، ولذلك ابتدأ المصنف بصلاة الكسوف ثم أتبعها بصلاة الاستسقاء.
مناسبة تأخر باب صلاة الكسوف إلى نهاية كتاب الصلاة
مناسبة تأخر باب صلاة الكسوف إلى نهاية كتاب الصلاة وأما مناسبة باب صلاة الكسوف لما تقدم من صلاة العيدين فهي أن المصنف رحمه الله ابتدأ بالصلاة مع الجماعة وبيان صلاة الجماعة وأحكامها، ثم ثنى بما تشرع له الجماعة كل يوم، ثم شرع في بيان ما تشرع له الجماعة كل أسبوع وهي الجمعة، ثم أتبع ذلك بباب صلاة العيدين وهي الصلاة التي تشرع جماعة مرتين في العام، ولما كان الكسوف قد يقع وقد لا يقع أتبع الغالب بالنادر فقال: (باب صلاة الكسوف)، ولما كانت صلاة الاستسقاء تبعاً لصلاة الكسوف من جهة المقابلة في كونها صلاة رغبة وسؤال وحاجة لله عز وجل ختم بها باب الصلوات ثم أتبع ذلك بباب صلاة الجنائز.
الدلائل والبراهين الجلية لكسوف الشمس والقمر
الدلائل والبراهين الجلية لكسوف الشمس والقمر في الكسوف آيات لله عز وجل أعظمها وأجلها أنه يدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى، وذلك أن اختلال الأشياء المنتظمة يدل على وجود مؤثر وهو الله عز وجل الذي جعلها تنتظم بقدرته وتختل بقدرته، وفي هذا رد على الطبيعيين الذين يقولون: إن الحياة طبيعية، وليس هناك إله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- فحينما تختل الأمور يدل اختلالها على وجود مؤثر وهو الله سبحانه وتعالى، ولذلك خلق الله الأشياء بالأضداد حتى لا ينسب الأمر إلى الطبيعة، فجعل الألوان مختلفة والأشكال مختلفة، وجعل الصفات متباينة، كما قال تعالى: {وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْن} [الذاريات:49]، فجعل الأشياء أزواجاً حتى تدل على وحدانيته سبحانه وتعالى؛ لأنه لو حدثت الأشياء بنفسها لحدثت على وتيرة واحدة، فلما جعلها الله متباينة الأشكال مختلفة الصور والصفات كان هذا من دلائل وحدانيته، ومن هنا نُهي المكلف عن تغيير الخلقة، فنهيت المرأة عن وصل شعرها؛ لأنك إذا رأيت المرأة بشعرها ثم رأيت امرأة بدون شعر علمت أن هناك إلهاً يخلق هذا وهذا، فنهي عن تغيير الخلقة والتعرض لها حتى يبقى عند الناس شعور بوجود من يخلق هذه الأشياء ويدبرها سبحانه وتعالى. وأدلة القرآن تنصب على هذا، فتجد أن الله عز وجل يذكر ألوان الجبال، واختلاف الأشياء وتضادها، كالليل والنهار، والشمس والقمر، فكل شيء جعل له ضد، وهذه الضدية تشعرك بوحدانية الله عز وجل. فإن جاء إنسان يقول: الحياة طبيعية وليس هناك إله، فإنك تفحمه وتلقمه الحجر بوجود التباين، فلو كانت الأشياء حدثت بنفسها لحدثت بوتيرة واحدة، إما على الكمال المطلق وإما على النقص المطلق، أما كون هذا يكون على النقص وهذا يكون على الكمال، وهذا يكون كماله في الحس ونقصه في المعنى، وهذا كماله في المعنى ونقصه في الحس، فكل ذلك يدل على وحدانية الله سبحانه وتعالى ووجود الخالق لوجود هذا التباين. والكسوف من آيات الله التي فيها ردٌ على عبدة الشمس والكواكب، وذلك أنهم لما عظموا الشمس واعتقدوا أنها الإله غيبها الله سبحانه وتعالى عنهم في كل يوم؛ حتى يعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يسيرها، وهو الذي يأمرها فتأتمر، كما في الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يقال لها: ارجعي من حيث أتيت، فتصبح طالعة من مغربها، أتدري متى ذلك يا أبا ذر؟! حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً). فالمقصود: أن الله يغيبها حتى يكون في ذلك رد على من يعبد الشمس، فلو كانت الشمس هي الإله لبقيت، ولكنها تزول وتذهب، فإذا كانت باقية كما في بعض المناطق التي قد لا تغيب عنها الشمس إلا لحظات يسيرة فإنها تغيب بالكسوف ويذهب ضوءها بالكلية، ويظهر حينئذٍ أنها أفقر ما تكون لله عز وجل، فالقمر يكون بينها وبين الأرض فيكون الكسوف إما كلياً أو جزئياً، فيظهر حينئذٍ أنه لا إله إلا الله سبحانه وتعالى. كما أن في الكسوف تنبيهاً للغافلين وإيقاظاً للنائمين الذين هم في بعد عن صراط الله المبين؛ لأن الإنسان إذا أصابته النعمة كفر بها إلا أن يرحمه الله برحمته، فكونه يعيش في حياة يألفها ويفاجأ في يوم من الأيام بالشمس قد ذهب ضوءها، وأصبحت لا ضوء لها فإنه قد ينتبه ويعود إلى الله عز وجل، حتى إنه في بعض الأحيان يذهب ضوءها إلى درجة يرى الناس فيها النجوم في وضح النهار، وكأنهم في ليلة من ليالي السرار، وهذا من عظمة الله سبحانه وتعالى. فمن أبلغ ما يكون عظة في الكسوف أن يذهب ضوءها بالكلية فيكون كسوفاً كلياً، حتى إن الناس يرون النجوم، ويكون في ذلك عظة عظيمة للناس، خاصة المذنبين منهم، وفيه تثبيت لأهل الطاعة؛ لأنه يزيد من خوفهم من الله جل جلاله، ولذلك كان أكمل الموحدين وإمام المطيعين صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين إذا رأى الريح أقبل وأدبر، وتغيّر وجهه صلوات الله وسلامه عليه من شدة خوفه من الله سبحانه وتعالى. فالكسوف يزيد من خوف الخائفين، ويزيد من يقين الموقنين، ففيه نوع من السلوى لأهل الإيمان والثبات لهم على طاعة الله جل جلاله، وكذلك فيه التنبيه والعظة لمن كان بعيداً عن الله غافلاً عن طاعته جل ذكره، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى بقوله: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده)، فهذا التخويف المقصود به دعوتهم إلى القرب من الله عز وجل، ولذلك شرع الله عز وجل هذه الصلاة التي فيها دليل على خوف العبد من الله سبحانه وتعالى، واستشعاره لعظمته وقدرته على أخذ العباد كما أخذ ضوء هذه الشمس وأذهب ضياء القمر، فإنه قادر سبحانه وتعالى على أن يذهب من دون ذلك وهم البشر. نسأل الله العظيم أن يرحمنا برحمته.
حكم صلاة الكسوف
حكم صلاة الكسوف قال المصنف رحمه الله: [تسن جماعة وفرادى إذا كسف أحد النيرين]. قوله: (تسن) أي: صلاة الكسوف، وقد دل على هذه السنة الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الحافظ المنذري: روى حديث الكسوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة عشر شخصاً من أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فممن روى حديث الكسوف عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عباس، وأم المؤمنين عائشة وأسماء وأبو موسى الأشعري وأبو هريرة وأبي بن كعب وسمرة بن جندب وقبيصة الهلالي رضي الله عنهم، وأحاديثهم في الصحيحين وكذلك في السنن، وكلها وصفت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكسوف. وقد وقع الكسوف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم واختلف فيه: فبعض العلماء يقول: كسفت الشمس أكثر من مرة. وقالوا: الأحاديث التي وردت اتفقت على مرة، وهي في يوم موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم. وورد عند الزبير بن بكار بسند تكلم بعض العلماء فيه أنه كان موته في السنة العاشرة من الهجرة، ووقع ذلك في اليوم العاشر من ربيع الثاني وقام بعض الفلكيين المتأخرين بحسابه وضبطه بالعاشر من شوال من السنة العاشرة، وهذا أمر يحتاج إلى نظر؛ لأنه من الصعوبة بمكان التوصل إلى مثل هذه الأمور، إلا أن حساب الكسوف أمر ممكن، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه، والإمام ابن القيم وبسطا في ذلك بسطاً يحبب الرجوع إليه في (مجموع الفتاوى) و (مفتاح دار السعادة) بينا فيه أنه يقع الحساب، ويمكن للإنسان أن يعرف متى يقع الكسوف وعدد مراته إذا كان ضابطاً لحسابه، وليس هذا من علم النجوم، ولا يعد هذا من العلم المذموم؛ لأنه تابع لمنازل القمر، ويكون الاهتداء إلى وقت الكسوف راجع إلى الخبرة والمعرفة، فهو من الاهتداء بالعلامات والأمارات، وليس من باب التنجيم الذي ذم شرعاً، وإن كان اطلاع الناس على الكسوف والخسوف لا ينبغي؛ لأنه يحدث عندهم إلفاً لهذا الأمر، ويورث ضعفاً في خشية الله تعالى والخوف منه، بخلاف ما إذا فوجئوا، والعجب أنه قد يفعل هذا بعض الناس بقصد أن يذهب الخوف عن الناس، والله عز وجل أراد أن يخوف عباده وهذا يريد أن يطمئنهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول عن كسوفهما: (يخوف الله بهما عباده)، ولذلك لا يجوز لأحد أن يخفف عن الناس، أو يقصد التخفيف عن الناس، أما إذا كان من باب الصنعة، أو من باب العلم والدراية بمواقيت الكسوف والإخبار عنها فهذا لا حرج فيه، والأفضل والأكمل أن لا يخبر الناس، حتى يكون أبلغ في زجرهم وعظتهم. وقد اتُفق على وقوع الكسوف في يوم موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي ذكرناه، وهناك رواية في السنن: (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف بمكة)، وتُكلِّم عليها وهي ضعيفة، والمحفوظ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الكسوف بالناس في مكة. وقوله: [تسن]. من العلماء من قال: سنة واجبة، كما يقول بعض أئمة الحنفية، وبعض أهل الحديث، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا)، وظاهر الأمر الوجوب، ولأن الخروج من الخوف يكون بما يقابله مما هو أشبه في اللزوم، لا بما هو مندوب إليه. وذهب جماهير أهل العلم ومنهم الأئمة الأربعة: إلى أنها سنة، وإذا قام بها البعض فإنه لا إثم على الباقين. وقوله رحمه الله: [تسن فرادى وجماعة]، أي: من السنة صلاة الكسوف، ولا بأس أن يصليها الإنسان لوحده ويصليها مع الجماعة. ويستوي في ذلك أن يصليها في الحضر أو يصليها في السفر، فلو كنت مسافراً ورأيت خسوف القمر أو كسوف الشمس شرع لك أن تصلي، وعلى القول بأنها نافلة تصليها ولو على الدابة، بناءً على أن صلاة النافلة يجوز فعلها على الدابة، كما في الصحيحين من حديث ابن عمر: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على دابته إلا المكتوبة)، فيصلي الإنسان ولو كان في السفر، ولو صلى مع الجماعة فهو أفضل وأكمل لندائه عليه الصلاة والسلام: (الصلاة جامعة)، وكذلك يصلي بأهله، فلو أنه جمع أهله وصلى بهم شرع له ذلك، فلا حرج أن يصليها منفرداً ولا حرج أن يصليها في جماعة، سواء أوقعت جماعته مع الناس أم وقعت مع خاصته كأهله، أو كانوا رفقة في السفر فنزلوا وصلى بهم أحدهم فلا حرج في ذلك، ولكن إذا صلى لوحده لا يخطب عند من يقول بالخطبة، وسيأتي إن شاء الله بيان حكم الخطبة، وأن الصحيح أنها ليست بواجبة، وسنبين دليل عدم وجوبها إن شاء الله تعالى. وقوله: [إذا كسف أحد النيرين] أي: يستوي في ذلك الشمس والقمر. وهذا يدل على أن المصنف يميل إلى أن الكسوف يطلق على الشمس والقمر، وأنه لا حرج، ولذلك قال: (إذا كسف أحد النيرين) أي: إذا ذهب بعض أو كل ضوئه فإنه يسن أن تصلي، والسنة أن يكون ذلك عند بداية الكسوف، ولا ينتظر إلى تمامه وكماله، فإن الآية تكون من بداية الكسوف، فإذا رأى بداية الكسوف أو شعر ببداية الكسوف فإنه ينادي بقوله: الصلاة جامعة. وإذا اجتمع الناس صلى بهم، ولا ينتظر تمام الكسوف أو اشتداده.
صفة صلاة الكسوف
صفة صلاة الكسوف قال المصنف رحمه الله: [ركعتين]. مذهب جماهير أهل العلم رحمة الله عليهم أن صلاة الكسوف ركعتان، ولكن الخلاف بينهم فيما يكون داخل الركعتين من الركوع: فمذهب الجمهور أنه يركع ركوعين في كل ركعة. وذهب طائفة من أصحاب الإمام الشافعي، واختاره الإمام ابن حزم: إلى جواز أن يصلي في كل ركعة ثلاثة ركوعات. وهناك قول ثالث: بأنه يصلي أربعة ركوعات. وهناك قول رابع: بأنه يصلي خمسة ركوعات في الركعة الواحدة. وهناك قول خامس: بأنه يصلي ركعتين، ولكن إذا طال وقت الكسوف زاد في عدد الركوعات، فيجعل الأصل أن يركع في كل ركعة ركوعين، وإذا رأى أن الكسوف مستمر وأنه لا زال يزيد ركوعاً ثالثاً. فهذه هي أوجه أهل العلم رحمة الله عليهم. وأصحها وأقواها سنداً ورواية الثابت في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان، فهذا هو الصحيح، والذي عليه جمهور العلماء والأئمة رحمة الله على الجميع. والسنة أن ينادى لها بقول: (الصلاة جامعة)، وينادى لها عند ابتداء الكسوف، ولا يكون لها أذان، ولا يكون لها إقامة بإجماع العلماء، أي: لا يؤذن لها أذان المكتوبة ولا يقام لها إقامة المكتوبة، وإنما ينادى لها بهذا النداء، فيجتمع الناس عند وجود هذا النداء، فإذا اجتمعوا قام الإمام وكبر، كما ذكر المصنف رحمه الله.
صفة القراءة في الركوع الأول من الركعة الأولى
صفة القراءة في الركوع الأول من الركعة الأولى قال المصنف رحمه الله: [يقرأ في الأولى جهراً بعد الفاتحة سورة طويلة]. أي: يبتدئ ويكبر، ثم يقرأ دعاء الاستفتاح، ثم يستعيذ، ثم يقرأ الفاتحة، ويطيل في القراءة بعد الفاتحة، والثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه حزرت قراءته نحواً من سورة البقرة في الركعة الأولى، وهذا عند العلماء على وجهين: فمن أهل العلم من يقول: يقرأ بقدر سورة البقرة في الركعة الأولى. ويرى ذلك من السنن المطردة، وأن من صلى ينبغي أن يراعي هذا القدر، وهذا يقوله بعض أصحاب الشافعي رحمة الله عليهم، وبعض أهل الحديث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قصد الإطالة، حتى ولو كان الكسوف جزئياً، لأنك لو أطلت هذه الإطالة ربما انجلت الشمس قبل أن تتم، أو قبل أن تصلي بقية الصلاة، فعلى هذا الوجه تراعي التطويل على هذه الصورة، سواء أكان الكسوف مما يخشى أن يطول أم كان دون ذلك، وهذا القول أشبه بالمتابعة للسنة. القول الثاني: أن هذا تقديري، فيقرأ نحواً من مائة آية من البقرة في الركعة الأولى. ومنهم من يقول: الأمر راجع إلى الإمام، فإن كان الكسوف مما يكون فيه القدر طويلاً، ويغلب على الظن الإطالة أطال إلى البقرة، وإن كان دون ذلك قصر، وهذا يرجع إلى فقه الإمام وعلمه، وكذلك فطنته في الإطالة والتقصير على حسب من وراءه من المصلين. والقراءة في خسوف القمر جهرية وجهاً واحداً عند العلماء رحمة الله عليهم، والخلاف في كسوف الشمس هل يجهر فيه بالقراءة، أو يسر؟ فظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالقراءة، ونصت على ذلك رضي الله عنها وأرضاها. وهذه المسألة من مشكلات المسائل عند العلماء رحمة الله عليهم، فأحاديث أثبتت أنه جهر، وأحاديث نفت الجهر وأثبتت أنها كانت سراً، فـ ابن عباس يقول: (نحواً من سورة البقرة)، وهذا يدل على أنه ما سمع قراءته، وأم المؤمنين عائشة تقول: جهر، ونصت على الجهرية، وكذلك اختلف العلماء: فمن العلماء من يقول: هي سرية، إعمالاً للأصل في أن تكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية، إلا ما استثني. وقال بعض العلماء: بل هي جهرية. وهذا القول من ناحية النصوص أقوى، ومن ناحية أصولية أقوى، فإن المثبت مقدم على النافي، مع أن ابن عباس رضي الله عنهما يحتمل أن يكون بعيداً في آخر الصفوف؛ لأن أم المؤمنين عائشة كانت أقرب الناس، وهي التي حكت قيامه لصلاة الكسوف، ولذلك يكون قربها بمكان، وعلمها بالقراءة أولى، ويظهر لها شأنه عليه الصلاة والسلام أكثر من غيرها، ولذلك يقوى قول من قال بأنه يجهر. ولكن إن أسر إعمالاً للأحاديث كحديث ابن عباس وحديث سمرة بن جندب رضي الله عن الجميع فإنه لا حرج عليه، لكن الأقوى من ناحية النصوص أنه يجهر. وهناك جمع ثان للعلماء يقول: إن الكسوف تعدد في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة جهر وتارة أسر، فيكون من خلاف التنوع لا من خلاف التضاد. والذي عليه المحققون أن الكسوف وقع مرة واحدة في عهد النبي صلى عليه وسلم، وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام رحمة الله عليه، فالكسوف لم يتعدد. وهناك وجه ثانٍ للجمع يقول: إنه يحتمل أن عائشة رضي الله عنها قصدت بالجهر الإسماع، مثل ما فعل في صلاة الظهر، فإنه ربما كان يسمع بالآيات، فيظن أنه جهر، والواقع أنه لم يجهر عليه الصلاة والسلام. ولكن الذي يظهر والله أعلم أن الحديث نص صريح واضح في إثبات جهريته صلوات الله وسلامه عليه بالصلاة.
صفة الركوع الأول من الركعة الأولى
صفة الركوع الأول من الركعة الأولى قال المصنف رحمه الله: [ثم يركع طويلاً]. أي: بعد انتهاء قراءته يركع طويلاً، وهذا أصح الوجهين عند العلماء رحمة الله عليهم، ويقول بعض العلماء: إنه يقارب القراءة، للسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ركوعه قريباً من قيامه، فيطيل في ركوعه حتى يقارب القيام، أو يكون دون ذلك. قوله: [ثم يرفع]. أي: ثم يرفع من الركوع، وهذا الركوع هو الذي تدرك به الركعة الأولى، فمن أدرك هذا الركوع فإن صلاته تامة، ولو جاء بعد رفع الإمام من هذا الركوع وأدرك الركوع الثاني فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة بركوعين، فهذا الركوع الأول هو الذي تدرك به الركعة الأولى؛ لأنها ركعتان، وبناء على ذلك فإن العبرة بالركعة الأولى وركوع الركعة الأولى، فإن أدرك الإمام قبل أن يرفع من ركوعه الأول من الركعة الأولى فإنه يعتبر مدركاً للصلاة كاملة، أما لو رفع الإمام وأدركه في الرفع، أو أدركه في الركوع الثاني من الركعة الأولى، فإنه يلزمه قضاء ركعة كاملة، وتكون بركوعين على نفس الصفة التي فاتته.
صفة القراءة والركوع في الركوع الثاني من الركعة الأولى
صفة القراءة والركوع في الركوع الثاني من الركعة الأولى قال المصنف رحمه الله: [ثم يرفع ويسمع ويحمد، ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون الأولى]. أي: ثم يرفع بعد الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. ثم بعد ذلك يقرأ ثانية، واختلف العلماء: فقال بعضهم: يستفتح بالتعوذ، ثم بعد ذلك يشرع في القراءة. وقال بعضهم: يشرع في القراءة مباشرة لأنه اتصال، والفصل في الركوع لا يضر، وهذا مفرع على مسألة الفصل بالركوع والسجود هل هو فصل فتشرع الاستعاذة، أو ليس بفصل فلا تشرع الاستعاذة؟ والصحيح أنه تشرع الاستعاذة، فيستعيذ لظاهر قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل:98]، فيشرع له أن يستعيذ عند ابتداء قراءته بعد رفعه من الركوع الأول من الركعة الأولى. قوله: (ثم يقرأ الفاتحة وسورة طويلة دون السورة الأولى)، هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، فقد كان يخفف ما يلي عما قبله، ولذلك تجد النفوس أقوى في الأولى، وتقوى على الركوع الأول وعلى القيام الأول أكثر من قدرتها على ما بعده، وهذا من كمال هديه عليه الصلاة والسلام، وكذلك حسن فقهه وإمامته بالناس صلوات الله وسلامه عليه، فإن النفوس تضعف وتدركها سآمة العبادة، ولذلك جعل صدرها وأولها أشق وأطول، حتى يكون ما بعدها أخف، فترتاح النفوس، وتقوى على هذه الإطالة ولا تملها. فبناء على هذا يشرع للإمام أن يحزر السور، وأن يحزر الآيات التي يريد قراءتها، فليست العبرة بعدد الآيات وقصر الفصل، ولكن العبرة بسلاسة القراءة؛ فإنه ربما تكون الآيات طويلة ولكنها سهلة سلسلة في قراءته، بحيث يمكنه أن يقرأها في أقصر وقت أكثر من غيرها؛ لأن هذا يرجع إلى الحروف وإلى الكلمات ومخارجها وصعوبة قراءتها، فلذلك يختار من المقاطع ويرتبها حتى يكون ذلك أدعى لإصابته للسنة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون قيامه الثاني دون قيامه الأول. قال المصنف رحمه الله: [ثم يركع فيطيل وهو دون الأول]. هذا هو الركوع الثاني من الركعة الأولى، ولكنه دون الركوع الأول، والصحيح أن هذين الركوعين يشرع فيهما الإطالة، خلافاً لمن قال من أصحاب الإمام الشافعي رحمة الله على الجميع: إنه لا يشرع أن يطيل. والسنة تدل على الإطالة فيه، ففي الحديث: (فأطال)، وفي رواية: (ركع فلم يكد يرفع) من طول ركوعه عليه الصلاة والسلام، وهذا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. فعلى العموم فإن السنة أن يطيل في ركوعه الثاني، ولكن يكون دون الركوع الأول. قال رحمه الله تعالى: [ثم يرفع]. يرفع من ركوعه الثاني في الركعة الأولى، ثم إذا رفع لا يطوّل، فإذا رفع من الركوع الثاني من الركعة الأولى يكون قيامه كالمعتاد، فيقول مثلاً: (ربنا ولك الحمد)، وإن شاء أن يصيب السنة قال: (ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ... ) إلى آخر هذا الدعاء، أو يقول: (حمداً كثيراً طيباً، مباركاً فيه)، ثم يسجد.
صفة السجود في الركعة الأولى
صفة السجود في الركعة الأولى قال المصنف رحمه الله: [ثم يسجد سجدتين طويلتين]. هاتان السجدتان تابعتان للركعة الأولى، وهاتان السجدتان يشرع فيهما الإطالة كالركوع، وذهب بعض العلماء رحمة الله عليهم إلى أنه يخفف السجدتين. والصحيح أنه يطوّل السجدتين، وتكون على الصفة التي تقدمت، فيطيل السجود الأول ويخفف السجود الثاني للهدي الذي ذكرناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في تقصيره فيما يكون مرتباً على الولاء؛ حتى يكون ذلك أدعى لدفع السآمة عن الناس والملل من طول العبادة. وأما مشروعية التطويل بين السجدتين ففيه وجهان للعلماء: فمن أهل العلم من قال: لا يطول، بل يقتصر على المعتاد، فيقول الأذكار: (اللهم اهدني وارحمني وعافني وارفعني وانفعني واجبرني ... ) إلى آخر الدعاء المعروف. ومنهم من يقول: بل يطوّل ويكثر من ذكر الله عز وجل، وقد جاء حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وأرضاهما: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أطال بين السجدتين)، ولكن هذه الرواية في السنن فيها عطاء بن السائب، وفيه كلام، ولذلك يقول بعض العلماء: إنه لا يطيل فيهما. وإن كان الذي صححه غير واحد من الأئمة أنه يشرع له أن يطوّل ويثني على الله عز وجل بما هو أهله.
صفة الركعة الثانية مع التشهد والتسليم من صلاة الكسوف
صفة الركعة الثانية مع التشهد والتسليم من صلاة الكسوف قال المصنف رحمه الله: [ثم يصلي الثانية كالأولى لكن دونها في كل ما يفعل ثم يتشهد ويسلم]. قوله: (ثم يصلي الثانية كالأولى) أي: كصفة الأولى، وقوله: (ولكن دونها في كلٍّ) في الطول، فيكون قيامه الأول من الركعة الثانية دون قيامه الأول من الركعة الأولى، ويكون قيامه الثاني من الركعة الثانية دون قيامه الثاني من الركعة الأولى، فهذا هو الهدي الوارد عنه عليه الصلاة والسلام في صفة صلاته في الكسوف، وهو ثابت في حديث أم المؤمنين عائشة، وحديث عبد الله بن عباس وغيرهما رضي الله عن الجميع. قوله: [ثم يتشهد ويسلم]. في صفة التشهد عند زوال الكسوف خلاف بين العلماء: فقال بعض العلماء: إن كانت الشمس قد تجلت وانكشفت فإنه يخفف التشهد؛ لأنه زال السبب والموجب فيخففه. وقال بعض العلماء: يتشهد على ما هو معتاد له ولا يتجوّز.
تأثر طول الصلاة وقصرها بانجلاء الكسوف
تأثر طول الصلاة وقصرها بانجلاء الكسوف قال المصنف رحمه الله: [فإن تجلى الكسوف فيها أتمها خفيفة]. إذا تجلت أثناء الركعة الثانية، أو بعد قيامه من الركوع الأول من الركعة الثانية فللعلماء في تتمة صلاته حينئذٍ وجهان: فمنهم من يقول: إن العبرة بالابتداء، ويتم الصلاة على الصفة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخفف. ومنهم من يقول: بل يخفف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، فلما قال: (حتى ينكشف ما بكم) دلّ على أن الصلاة ينبغي أن تتأقت بالانكشاف، وعلى هذا فالوجه الثاني هو الأقوى، فيخفف إذا تجلت الشمس وتبين أن الكسوف أو الخسوف قد زال، فإنه حينئذٍ يخفف ما بقي من الركعات والسجدات ويصلي كصلاته المعتادة، وهذا هو اختيار جمع من العلماء -كما ذكرنا- لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم).
اشتراك الشمس والقمر في صفة الصلاة
اشتراك الشمس والقمر في صفة الصلاة ذكرنا صفة صلاة الكسوف، وهذه الصفة هي مذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية وأهل الحديث رحمة الله على الجميع، فصلاة الكسوف تصلى على هذه الصفة الواردة في الأحاديث الصحيحة، وهي أحاديث من سمينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم. وذهب الإمام أبو حنيفة وبعض المالكية إلى أنه يصلي ركعتين كالصلاة المعتادة، ولا تكون لها جماعة، بمعنى أنه يصلي ركعتين دون أن يجمّع، وهذا في صلاة خسوف القمر، فكل إنسان يصلي على حدة، ولا يلزم أن يجتمع الناس، فهذا هو مذهبهم. والصحيح مذهب من ذكرنا، فيشرع أن يصليها مع الجماعة، وتصلى بهذه الصفة الواردة، ويشمل ذلك صلاة الكسوف وصلاة الخسوف لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. أما صلاة الخسوف فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان ولا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بين الكسوف والخسوف، فجعل كسوف الشمس وكسوف القمر كلاهما يشتركان في قوله: (فصلوا)، فدل على أن حكمهما واحد، وأنه كما يصلى الكسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة يشرع له أن يصلي الخسوف بالصفة التي ذكرناها جماعة، ولذلك يعتبر مذهب الحنفية وبعض المالكية رحمة الله عليهم مرجوحاً من هذا الوجه.
الأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف
الأحوال التي لا تشرع فيها صلاة الكسوف قال رحمه الله تعالى: [وإن غابت الشمس كاسفة، أو طلعت والقمر خاسف، أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل]. في مثل هذه الحالات قال الإمام النووي وغيره من الأئمة رحمة الله عليهم: لا يصلي؛ لأنها إذا غابت يكون قد ذهب سلطانها. والسنة تقوي هذا القول؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (صلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، وإذا غابت فقد ذهب سلطانها، وكذلك أيضاً إذا طلعت الشمس والقمر قد خسف فلا تصلى صلاة الخسوف، والعبرة بالشمس لا بالقمر. قال رحمه الله تعالى: [أو كانت آية غير الزلزلة لم يصل]. قوله: (أو كانت) أي: وقعت وحصلت، وقوله: (آية غير الزلزلة) الآيات مثل الصواعق والرياح الشديدة والزلازل، فإنها تنتاب الناس فجأة، فتارة تهب عليهم الرياح وهم لا يشعرون، أو تأتيهم الصواعق في أثناء نزول المطر فيباغتون بها، فإذا وقعت بشكل يزعج منه ويخاف منه يفر إلى الصلاة، وللعلماء رحمة الله عليهم في الصلاة عند الآيات غير الكسوف وجهان: فمن أهل العلم من يقول: يشرع أن يصلي صلاة الكسوف في كل آية فيها خوف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يخوف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا)، فجعل الصلاة مرتبة على الخوف، قالوا: فكل شيء فيه خوف يشرع أن يصلى له صلاة الكسوف، كما لو كثرت الصواعق، أو أصبحت الرعود قوية جداً بحيث تزعج وتحدث الرهبة والخوف عند الناس، أو كانت في منتصف الليل والناس على ضجعة فجاءتهم على شكل مفزع، فحينئذٍ يشرع أن يصلوا صلاة الكسوف. ويختار هذا القول بعض الأئمة، ويميل إليه الإمام ابن حزم الظاهري رحمة الله على الجميع. ومن أهل العلم من قال: لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف إلا فيما ورد فيه النص من كسوف الشمس وخسوف القمر، أما كسوف الشمس فلفعله عليه الصلاة والسلام، وأما خسوف القمر فلقوله: (فإذا رأيتم هذا فصلوا وادعوا)، فشرّك بينهما. والصحيح أن هذه الصلاة لا تشرع إلا في الكسوف والخسوف، والزلزلة لا يصلى فيها؛ لأن الأثر عن علي رضي الله عنه ضعيف، فالقول بجواز الصلاة للزلزلة ضعيف، إلا أنه يجوز أن يصلي الناس صلاة عامة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه في الصحيح من حديث أم المؤمنين عائشة أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، فلو أن الرعود أو الصواعق أصابت الناس أو حدثت الزلزلة فكل إنسان يصلي ويفزع إلى الله عز وجل بالصلاة.
الأمور المشروعة مع الصلاة عند الكسوف والخسوف
الأمور المشروعة مع الصلاة عند الكسوف والخسوف وكما تشرع الصلاة عند الكسوف والخسوف فهناك أمور أخرى تشرع أيضاً، فيشرع للإنسان إذا وقع الكسوف أن يكثر من الصدقات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فصلوا وادعوا) -وفي رواية: (وتصدقوا-)، ولأن الصدقة تطفئ غضب الرب، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب كما يطفئ الماء النار)، فإذا كانت الصدقة تطفئ غضب الرب، وحدوث هذه الآيات بهذه الصفة من غضب الله على عباده بسبب الذنوب وما يكون من المعاصي، فيشرع أن يتصدق الناس لكي يكون ذلك سبباً في رحمة الله بهم، قال تعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، فقوله تعالى: (فلولا) أي: فهلا. فهي بمثابة الحث، أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا. فالمشروع أن يتضرع الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى ويتقرب إليه بالصدقة، ولذلك نص بعض أهل العلم رحمة الله عليهم على أنه لا حرج إذا نزلت بالإنسان مصيبة أو ملمة أو كربة أن يتصدق، فإن هذا مشروع لقوله عليه الصلاة والسلام: (فصلوا وادعوا وتصدقوا)، وقوله في الصحيح: (إن الصدقة تطفئ غضب الرب)، ولما كانت المصائب من غضب الله على العبد، أو من وجود الذنوب من العبد فإنه يشرع أن يطفئ غضب الله عز وجل عليه وسخطه ومقته بالصدقة، وهذا من أفضل ما يرجى، وقد يتصدق على أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبره، فيكون سبباً في رحمة الله عز وجل به. فيشرع أن يتصدق عند حصول مثل هذه الكوارث والمصائب، ولا يعتبر هذا من النفاق، فبعض العوام يظن أنه إذا نزل البلاء لا يتقرب بكثرة الصلاة، حتى إن بعضهم ربما يتعجب، أو يأخذه العجب إذا رأى بعض الأخيار يكثر من الخير، أو رأى بعض الأشرار إذا نزلت به المصيبة يتنفل أو يتقرب أو يغير من حالته، ويقول: هذا نفاق. فوهذا خطأ، بل يشرع للإنسان إذا رأى هذه الآيات أن يظهر الذلة لله سبحانه وتعالى، وأن يخشى من عذاب الله عز وجل ومقته، فإنه من قسوة القلوب -نسأل الله السلامة والعافية- أن يبقى الإنسان على غيّه وفجوره مع رؤيته للعذاب، وهذا من الختم على القلوب، ونعوذ بالله أن يختم على قلوبنا، فلذلك يشرع للإنسان أن يبادر بالتوبة. ولما أراد الله عز وجل أن يعذّب قرية يونس، ورأوا آثار وعلامات العذاب، وقد أنظرهم عليه الصلاة والسلام، فلما رأوا دلائل العذاب فزعوا إلى الله عز وجل، وخرج الرجال والنساء والأطفال، وخرجت معهم بهائمهم، وتضرعوا إلى الله وبكوا حتى رفع الله عنهم العذاب، وكانت القرية التي استثناها الله عز وجل بقوله تعالى: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} [يونس:98]، فإنهم لما أظهروا لله عز وجل الذلة والخوف والفاقة، وخرجوا رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، وهم يبكون ويتضرعون رحمهم الله عز وجل ونظر إليهم فلطف بهم، فالإنسان إذا أظهر لله عز وجل الذلة والفاقة واسترحم الله فإن الله يرحمه. فالمشروع في مثل هذه الآيات، كالكواعق والرعود التي تزعج وتقلق ويكون فيها شيء من الإعلام وتنبيه الناس أن يتوضأ الإنسان ويصلي، لما ثبت في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وهذا أمر من الأمور، وكذلك في الزلازل فإنه يشرع أن يتوضأ الإنسان ويصلي، وأن يسترحم الله عز وجل، فإذا اقتضت إرادة الله أن يهلك العامة أتاه العذاب وهو تائب إلى الله عز وجل قبل أن تنزل به نقمته، ولذلك يشرع للإنسان أن يستكثر من خصال الخير، وظاهر السنة التنويع. وبعض العلماء يقول: يجمع بين هذه، فيصلي ويتصدق ويدعو. وقال بعض العلماء: إن هذا يختلف باختلاف الناس، فمنهم من يكون فقيراً ليس عنده مال ففضله في الدعاء؛ لأن دعاء الفقير أرجى في الإجابة لقوله عليه الصلاة والسلام: (رب أشعث أغبر ذي طمرين ... ) الحديث؛ لأن الفقير لا تكون منه مظالم في الغالب، وهو أقل كبراً، فرحمة الله عز وجل أقرب إليه، بخلاف الأغنياء، قالوا: فالأغنياء ينبغي عليهم أن يستكثروا من الصدقات؛ لأن أكثر غضب الله عليهم كان بسبب ظلمهم في أموالهم، فيشرع للأغنياء أن يتصدقوا، وللفقراء أن يستكثروا من الدعاء، وللناس عامة أن يصلوا، فهذا اختيار بعض العلماء. والصحيح أن الأمر للتنويع للجميع، فمن شاء أن يتصدق ولو كان فقيراً فإنه خير وبر، ومن شاء أن يدعو ولو كان فقيراً أو غنياً فإنه خير وبر.
حكم الزيادة على الركوعين في كل ركعة من صلاة الكسوف
حكم الزيادة على الركوعين في كل ركعة من صلاة الكسوف قال المصنف رحمه الله: [وإن أتى في كل ركعة بثلاث ركوعات أو أربع أو خمس جاز]. هذا اختيار بعض العلماء، فمنهم من يقول: الاختلاف اختلاف تنوّع، فإن شئت صليت ركعتين بثلاثة ركوعات، وإن شئت بأربعة، وإن شئت بخمسة، فلا حرج عليك في هذا. فيرونه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد. واختار المصنف رحمه الله هذا القول؛ لأن الروايات وردت بذلك، والصحيح أن الروايات الصحيحة أن يركع ركوعين في كل ركعة، فيكون المجموع أربعة ركوعات في ركعتين، وأما رواية الثلاث -وهي في صحيح مسلم- ففيها كلام للعلماء رحمة الله عليهم، وكذلك رواية الخمس والست لم تخلوا من كلام عند أهل العلم رحمهم الله.
الأسئلة
الأسئلة
المشروع بعد انتهاء الصلاة وعدم انجلاء الكسوف
المشروع بعد انتهاء الصلاة وعدم انجلاء الكسوف Q إذا انتهت الصلاة ولم ينجل الكسوف، فهل يبقى في مصلاه ويذكر الله، أم يصلي مرة أخرى؟ A باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فالمشروع هو صلاة واحدة؛ لأن هذا هو هديه عليه الصلاة والسلام، وأما إذا لم ينجل فإنه يستكثر من الاستغفار، ولا حرج أن يصلي الصلوات العامة التي هي النفل المطلق تقرباً إلى الله عز وجل. والله تعالى أعلم.
موضع الدعاء المشروع عند حدوث الكسوف
موضع الدعاء المشروع عند حدوث الكسوف Q هل الدعاء الذي حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) يكون في أثناء الصلاة، أم خارج الصلاة؟ وأين يكون مكانه في الصلاة إذا كان في أثنائها؟ A يشرع الدعاء داخل الصلاة وخارج الصلاة، أما داخل الصلاة فإنه أولى وأحرى؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجداً)، وقال في السجود: (فليكثر من الدعاء فقمن أن يستجاب له) أي: حري أن يستجاب للعبد وهو ساجد. وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام ف يحديث الشفاعة: (فانطلق فآتي تحت العرش فأخر ساجداً بين يدي الله عز وجل، ويفتح الله علي بمحامد يلهمنيها -أي: ساعتئذ- قال: ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع)، فالسجود من أعظم المقامات وأشرفها، فيقتصر على الدعاء والاستغفار والاسترحام وسؤال الله عز وجل العفو في مثل هذا المقام فهو أفضل مواضع الدعاء، وكذلك أيضاً في تشهده إذا لم تنجل فإنه يستكثر من الدعاء وسؤال الله عز وجل الرحمة واللطف. والله عز وجل أعلم.
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي
حكم صلاة الكسوف في أوقات النهي Q هل تصلى صلاة الكسوف في أوقات النهي؟ A هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، فعلى القول بأنه يشرع فعل ذوات الأسباب بعد صلاة الصبح والعصر فإنه يشرع حينئذٍ أن تصلى، وأما على القول بالمنع من ذلك فإنه لا يشرع فعلها، والله تعالى أعلم.
الكسوف آية يخوف الله بها عباده، وهي مسألة حسابية فلكية
الكسوف آية يخوف الله بها عباده، وهي مسألة حسابية فلكية Q كيف نوفق بين كون الكسوف من آيات التخويف، وبين ما تقرر عند أهل الفلك والحساب من كونه يقع عند وجود القمر بين الشمس والأرض؟ A لا مانع من هذا إذا كان هذا الأمر يوافق الزمان الذي فيه فساد، فيكون الزمان الذي وقع فيه الكسوف قد ووقع فيه فساد الناس وبعدهم عن الله عز وجل، فعلمهم بميقاته لا يمنع أن يكون موافقاً لما عليه الناس من البعد عن الله عز وجل وعصيانه والتمرد على أوامره، ولذلك لا يعتبر علمهم رافعاً لكونه آية من آيات الله عز وجل، كما لو أن إنساناً قال له الأطباء: إن استمررت على حالتك سيصيبك مرض معين يترتب على تساهلك في علاج هذا البلاء الذي نزل بك، وهذا المرض سينتهي بك إلى الموت. وكان هذا الرجل مسرفاً بعيداً عن الله عز وجل في عصيان وتمرد، فلا يمتنع لو مات بهذا المرض أن نقول: مات بهذا المرض عقوبة من الله عز وجل، إذا كان هذا المرض مما يكون من جنس العقوبات، ووافق أن الأطباء يعلمونه بأسبابه وأماراته، فكونهم يعلمون بأسباب الشيء وأماراته لا يمنع أن يكون آية من آيات الله عز وجل، فالله سبحانه ألهمهم وعلمهم وما كانوا ليعلموا. والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الكسوف لمن سمع به في أرض ولم يكن ببلده
حكم صلاة الكسوف لمن سمع به في أرض ولم يكن ببلده Q لو علم الكسوف في ناحية من الكرة الأرضية، فهل تسن الصلاة لكل من على الأرض، أم هي لمن يرى الكسوف؟ A صلاة الكسوف لا يشرع إلا لمن رآه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا رأيتم ذلك)، ولذلك لا يشرع أن تصلى صلاة الكسوف في المواضع التي لا يرى فيها الكسوف، والسبب في هذا أن القمر إذا كان بين الأرض وبين الشمس يحدث كسوفاً للشمس في مواضع دون مواضع؛ لأن القمر لا يصل جرمه إلى جرم الشمس، ولذلك لا تنكسف في جميع الأرض لوجود الفرق بين حجم القمر وحجم الشمس، وقد قرر هذا شيخ الإسلام، والإمام ابن القيم رحمهما الله وقرره أيضاً علماء الفلك والباحثين فيه. فعلى هذا يكون الكسوف في بعض المواضع دون بعضها، فإذا كان الموضع الذي فيه المكلف فيه كسوف صلى، وأما إذا كان في موضع ليس فيه كسوف فلا يشرع له أن يصلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيتم ذلك)، فجعل الحكم معلقاً على الرؤية، فالمواضع التي لا يرى فيها الكسوف لا تشرع فيها صلاة الكسوف. والله تعالى أعلم.
حكم المناداة بالصلاة عند حدوث الكوارث من زلازل وصواعق
حكم المناداة بالصلاة عند حدوث الكوارث من زلازل وصواعق Q الصلاة في وقت الزلازل والصواعق هل تشرع جماعة؟ وإذا كان كذلك فهل ينادى لها؟ A ذكرنا أن هذه الآيات لا يشرع لها أن تصلى جماعة كما يصلى لصلاة الخسوف والكسوف لعدم ثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، ومن أقوى الأدلة على أن الآيات لا يشرع فيها صلاة كصلاة الكسوف والخسوف أن النبي صلى الله عليه وسلم وقعت في زمانه الرياح، ووقع في زمانه ما وقع من هذه الآيات، ومع ذلك لم يصل عليه الصلاة والسلام، فدل على اختصاص الأمر بالكسوف والخسوف، والسياق في قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الشمس والقمر ... ) إلخ، يقتضي التخصيص بخسوف القمر وكسوف الشمس دون غيرهما من الآيات الأخرى، فيشرع أن يسأل الله عز وجل ويدعو ويتصدق ويستغفر. والله تعالى أعلم.
حكم القراءة من المصحف للإمام في صلاة الكسوف
حكم القراءة من المصحف للإمام في صلاة الكسوف Q هل للإمام الذي لا يحفظ القرآن أن يقرأ من المصحف نظراً؟ A الإمام الذي لا يحفظ القرآن يشرع له أن يصلي بالناس وهو ممسك بالمصحف في صلاة الكسوف والخسوف؛ لأنها تحتاج إلى طول قراءة، وهذه الصلاة لا تعتبر من الفرائض كالصلوات المكتوبة، وإذا لم تكن من الفرائض فإنه يجوز أن يحمل القرآن ويقرأ، فقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر مولاها ذكوان أن يأخذ المصحف ويقرأ بها في القيام. فدل على مشروعية حمل المصاحف في صلاة النافلة، خاصة إذا كان الإنسان لا يحفظ القرآن، وعلى هذا فلا حرج في صلاة الكسوف والخسوف أن يصلي وهو ممسك بالقرآن، لكن إن وجد من هو حافظ للقرآن قدّمه، وهو أولى منه لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله). والله تعالى أعلم.
حكم رفع الصوت بالقراءة في الصلاة السرية
حكم رفع الصوت بالقراءة في الصلاة السرية Q جاء في الحديث: (كان يسمعنا الآية أحياناً) وذلك في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السرية، فهل هذا خاص بالإمام، أم يجوز للمأمومين أيضاً؟ A هذه السنة من فعلها يتأوّل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا حرج، وإن كان الأقوى أنه خاص به عليه الصلاة والسلام لنكتة نبه عليها بعض العلماء، فيقولون: إنه في صلاة الظهر أطال، والطول قد يشعر المأمومين أن الإمام ربما سها، فإذا كان يسمع الآيات في أثناء وقوفه فإن هذا ينفي عنه مظنة السهو، ولذلك تكون سنة تشريعية لمن وراءه، أو لمن هو غيره من الأئمة إلى يوم الدين. قال بعض العلماء: تختص بالإمام، وأما غيره فلا؛ لأن غيره إذا جهر آذى من بجواره، ولذلك لا يشرع له أن يجهر حتى لا يؤذي من بجواره ويشوش عليه في القراءة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا. وقالوا: كونه يصيب السنة بالجهر -مع أنها سنة محتملة- ويؤذي غيره برفع الصوت، فإن الأولى أن يتركه. والله تعالى أعلم.
حكم إزالة شعر الشارب عند المرأة
حكم إزالة شعر الشارب عند المرأة Q هل يجوز حلق أو إزالة الشعر الموجود في وجه المرأة، علماً بأنه يوجد في مكان الشارب واللحية؟ A يجوز للمرأة أن تزيل شعر شاربها، وكذلك ما نبت على اللحي، وذلك لمكان التشبه بالرجال وعظيم الضرر في ذلك، ونص الأئمة رحمهم الله على مشروعية ذلك وجوازه، وأنه مستثنى من النمص المنهي عنه، فالنمص يختص بالوجه ولكنه لا يشمل لحية المرأة وشاربها. والله تعالى أعلم.
موضع الاعتكاف لمن نذرت أن تعتكف أسبوعا
موضع الاعتكاف لمن نذرت أن تعتكف أسبوعاً Q امرأة نذرت الاعتكاف لمدة أسبوع، ولا تدري هل تعتكف في المسجد أم في البيت لكون مصلاها في بيتها؟ A إذا نذرت المرأة الاعتكاف وحددت المكان الذي تعتكف فيه، فإنها تعتكف في المكان الذي حددته؛ لأنه نذر واجب مخصوص بالمكان لا تبرأ الذمة إلا بفعله وإيقاعه في المكان المخصص، ويستثنى من ذلك أن تنتقل من الأدنى إلى الأعلى، كأن تنوي الاعتكاف في المسجد الأقصى فيجوز لها أن تعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ويجزيها، وكذلك لو نوت الاعتكاف في أحد المسجدين ما عدا المسجد الحرام، أو في غير المسجد الحرام من المساجد الأخرى فإنه يجزيها أن تعتكف في المسجد الحرام؛ لأنها تحصّل فضيلة ذلك المسجد وغيره من المساجد، وظاهر السنة دال على ذلك، فإنه لما أخبر أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى أمره أن يعتكف في مسجده صلوات الله وسلامه عليه. ولا يجزيها أن تعتكف في بيتها إذا نوت مسجدا ًغير بيتها، بل يلزمها أن تخرج إلى ذلك المسجد وتعتكف فيه. والله تعالى أعلم.
حكم إزالة شعر الحاجبين إذا طال وكان مؤذيا
حكم إزالة شعر الحاجبين إذا طال وكان مؤذياً Q هل يجوز لكبير السن أن يزيل ما تدلى من حاجبيه إذا كان يؤذي عينيه؟ A الشعر الذي يتساقط على العين فيؤذي صاحبه، إن كان يتدلى على العين فيجرح حدقتها، فإنه يشرع له وجهاً واحداً أن يقص الأطراف المتدلية ويزيلها، وكذلك الحال لو تدلى حتى حجب الرؤية، فقد قال بعض العلماء: يرخص له إذا سقط حاجباه حتى منعاه الرؤية أن يقص ما تدلى منهما، كالشيخ الهرم الذي يحتاج إلى انكشاف بصره ليرى، فإنه حينئذٍ يجوز له أن يزيل بقدر حاجته، فهذا مما استثناه الأئمة رحمة الله عليهم في مسألة إزالة شعر الحاجب والتخفيف منه. والله تعالى أعلم.
كيفية إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام
كيفية إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام Q إذا أدركت الركعة الأولى مع الإمام فهل أكون قد أدركت فضل تكبيرة الإحرام؟ A حديث الفضل في تكبيرة الإحرام الذي جاء فيه: (من صلى أربعين يوماً لا تفوته تكبيرة الإحرام مع إمامه كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، حسنه غير واحد من العلماء رحمة الله عليهم، ويشترط لنيل هذا الفضل أن يدرك تكبيرة الإحرام مع إمامه، فإذا كان في حي أدرك ذلك في مسجد الحي، وإذا كان مع إمامه الذي صلى معه جماعة -كأن يكون في سفر- فالعبرة بجماعة من سافر معهم. وأما الضابط في إدراك تكبيرة الإحرام، فالصحيح أن الضابط هو أن يدركها قبل أن يبدأ بقراءة الفاتحة، فإذا كبّر الإمام وأدركت التكبيرة قبل أن يبدأ الإمام بقراءة الفاتحة فأنت مدرك لفضل هذه التكبيرة. فإذا كانت الصلاة سرية كصلاة الظهر والعصر، فإنهم قالوا: يقدر الزمان، فإن قدر زمناً يقرأ فيه الإمام بدعاء الاستفتاح فإنه حينئذٍ إذا وقع تكبيره في ذلك الزمان أدرك وإلا فلا. والله تعالى أعلم.
محرمية الرجل لحليلة ولده مؤبدة
محرمية الرجل لحليلة ولده مؤبدة Q إذا طلق الزوج زوجته فهل يجوز لوالده أن يقابلها، أي: هل المحرمية التي ذكرت في الآية مؤبدة أم مؤقتة؟ A والد الزوج محرم لزوجة ابنه، وحرمتها عليه حرمة مؤبدة، فمتى ما عقد الابن على امرأة فإنها تعتبر حراماً على أبيه إلى الأبد، سواء أدخل بها أم لم يدخل بها، كأن يكون توفي ولم يدخل بها، أو طلقها ولم يدخل بها، فلا تزال المحرمية باقية إلى الأبد؛ لأن الله عز وجل يقول: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} [النساء:23]، والمرأة تحل للابن بالعقد لا بالدخول، فإن الدخول صفة حلّ أو تحقيق للحل، أما بالنسبة للحلّ فإنه يكون بمجرد العقد، ولذلك قال العلماء: كل امرأة عقد عليها الابن فإنها محرمة على أبيه إلى الأبد؛ لأنها محرمية مؤبدة، وهذا بإجماع العلماء. والله تعالى أعلم.
حكم تسليم المؤتم قبل التسليمة الثانية للإمام
حكم تسليم المؤتم قبل التسليمة الثانية للإمام Q هل ينتظر المأموم الإمام حتى ينتهي من التسليمة الثانية ثم يبدأ هو بالتسليمة الأولى، أم يبدأ بالتسلمية الأولى بعد انتهاء الإمام من التسليمة الأولى؟ A في هذا وجهان للعلماء رحمهم الله: فمنهم من يقول: إذا سلم الإمام تسليمتين فإن التسليمتين واجبتان. ومنهم من يقول: الواجبة الأولى والثانية سنة. وعلى هذا القول الثاني -وهو أقوى القولين- يجوز للإنسان أن يقوم لإكمال الصلاة بمجرد تسليم الإمام التسليمة الأولى، ويجوز للإنسان أيضاً أن يبتدئ بالتسليمة الأولى قبل ابتداء الإمام بالتسليمة الثانية. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب صلاة الاستسقاء
شرح زاد المستقنع - باب صلاة الاستسقاء صلاة الاستسقاء مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء، ويتعلق بصلاة الاستسقاء الكثير من الآداب والأحكام، ومنها: الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج للاستسقاء، ووقت الاستسقاء، وصفة صلاة الاستسقاء، والسنن التي ينبغي أن يحرص الناس عليها عند نزول الغيث، وغير ذلك.
أحكام صلاة الاستسقاء
أحكام صلاة الاستسقاء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [باب صلاة الاستسقاء]. الاستسقاء: مأخوذ من السقي، والألف والسين والتاء للطلب، كقولهم: استغفر إذا سأل الله أن يغفر له، واسترحم إذا سأل الرحمة من الله عز وجل، والاستسقاء: هو طلب السقيا من الله عز وجل. ومناسبة هذا الباب لما تقدم أنه بعد فراغه من صلاة الرهبة، وهي الصلاة التي تشرع عند رؤية كسوف القمر والشمس أو خسوفهما ناسب أن يتكلم رحمه الله على صلاة الرغبة، وهي التي يسأل فيها العباد ربهم أن يسقيهم الغيث والحياة، فناسب أن يتكلم رحمه الله على هذه الصلاة بعد ذكره لأحكام الكسوف. وهذه الصلاة مشروعة لعموم الأدلة التي أمرت بالتضرع عند نزول البلاء وندبت إليه، كقوله سبحانه وتعالى: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43] أي: فهلا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا، فتشرع هذه الصلاة عند حصول الضيق بالناس بسبب ما كان منهم من الذنوب والمعاصي، فيتأخر عنهم القطر من السماء، ويعظم حالهم، وتشتد عليهم المئونة بسبب غور الآبار، وذهاب المياه من العيون، وانقطاع السيول والأنهار، والناس يحتاجون إلى هذه الأمور -أعني الآبار والأنهار- للشرب ولسقي الدواب، ولكي يقيموا عليها مصالحهم من زرع وحرث وماشية ونحو ذلك، فإذا انقطع القطر من السماء تضرر الناس وعظم بلاؤهم بذلك، فشرعت هذه الصلاة؛ لأن الحالة حالة شدة، والله يقول: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43] فهي حالة شدة وبأس، فيشرع أن يتضرعوا ويسألوا الله رحمته ومن واسع فضله، وقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر ابن حبان وغيره من العلماء رحمهم الله تعالى: أن استسقاءه عليه الصلاة والسلام وقع سنة ست من الهجرة، وذلك في شهر رمضان، فاستسقى عليه الصلاة والسلام بالمسلمين حينما شكى إليه المسلمون تأخّر الغيث، وكذلك تضررهم بالجدب، فشرعت هذه الصلاة بفعله عليه الصلاة والسلام، ولها أحكام ومسائل. ومن ثم اعتنى الفقهاء رحمهم الله بذكرها في كتاب الصلاة؛ لأنه يشرع أن يصلى لها، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن صلاة الاستسقاء تكون ركعتين، إلا خلافاً ممن لا يعتد بخلافه من أهل البدع والأهواء، حيث قالوا: إنها أربع ركعات. وأما مذهب السلف والخلف فهو أنها ركعتان لثبوت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بفعلهما دون زيادة عليهما.
الأحوال التي تشرع فيها صلاة الاستسقاء
الأحوال التي تشرع فيها صلاة الاستسقاء قال المصنف رحمه الله: [إذا أجدبت الأرض وقحط المطر صلوها جماعة وفرادى]. الناس يتضررون بتأخر السقيا، وهذا الضرر قد يكون في النفس وقد يكون في غيرها. أما الضرر في النفس فأشد ما يحدث في البوادي ونحوها، حيث تغور المياه في الآبار، وتنقطع السيول والأنهار، وتجف العيون ويذهب ماؤها، فتعظم عليهم الكلفة في حفر الآبار، وقد يقومون بحفرها دون أن يجدوا الماء، فحينئذٍ يتضررون بمشقة السقيا والكلفة التي يجدونها بعدم تيسر الوصول إلى الماء، فهذا النوع من الأسباب مما تشرع له صلاة الاستسقاء، فلو كان أهل محلة أو موضع تضرروا بسبب غور آبارهم وذهاب المياه من العيون وانقطاع السيول عنهم شرع لهم أن يصلوا صلاة الاستسقاء. وأما الضرر في غير النفس فهو الذي يقع على البساتين والزروع والمراعي، فإن الدواب -كما هو معلوم- تحتاج إلى الرعي، والمراعي تعين على صلاح الدواب والبهائم، فإذا أجدبت الأرض وبعد العهد بالمطر انقطع الكلأ إما للجفاف بسبب القحط وشدة السنين، وإما أن يكون بسبب قلة المرعى لندرة المطر، فحينئذٍ تتضرر الدواب، وإذا تضررت الدواب تضرر الناس بتضرر دوابهم، وكذلك تتضرر الزروع والبساتين، فلربما جفت وماتت، حتى إن بعض الزروع لو أصابت الماء من عروقها قد تصيبها أمراض في أوراقها، ولا يزيل هذه الأمراض إلا الله جل جلاله حينما ينزل الغيث الذي يغسل أوراق هذه الأشجار، فلو سقيت الماء من جذورها فإنها تحتاج إلى هذا الغيث الذي سماه الله عز وجل ووصفه بكونه رحمة، فمن رحمته سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الخير للزروع، فإذا انقطع القطر من السماء تضرروا، فتضررت الزروع وماتت -على الأقل- تضرروا بقلة ما يكون من هذه الزروع لقلة الماء، فسواءٌ تضرروا بانقطاع الماء الذي يشربون، أم تضرروا بقلة المرعى، أم تضرروا بهما معاً، فكل ذلك مما تشرع له صلاة الاستسقاء. وبناءً على ذلك، فلو كانت أحوال الناس دون الحالة التي فيها الكفاية، بمعنى أنه نزل عليهم الغيث ولكن نزوله لم يكن بصورة تحيي الأرض حياة ينتفع بها الناس انتفاعاً يحصل به الاكتفاء على وجه التمام والكمال، فقد قال بعض العلماء: يشرع لهم أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء. فعلى هذا القول لا يتوقف حكمنا بمشروعية صلاة الاستسقاء على حالة شدة الجدب الشديدة، ولا على حالة شدة القحط، فلو كان هناك نوع جدب فيه نوع ضرر يشرع أيضاً أن يصلوا صلاة الاستسقاء، فلو كان الماء موجوداً ولكنه بقلة، أو كان المرعى موجوداً ولكنه بقلة فإنه يشرع حينئذٍ أن يستسقوا. فالحالة الأولى التي يشرع لها الاستسقاء: إذا أجدبت الأرض وقحط المطر كما نص المصنف. والحالة الثانية: أن يكون الماء موجوداً ولكنه لا يكفي لسد الحاجة. والحالة الثالثة: أن يستسقوا فلا يسقون، فيشرع لهم أن يكرروا الاستسقاء مرة ثانية، ويسألوا الله العظيم أن يرحمهم، ولو تكرر ذلك عشرات المرات فلا حرج؛ لأنه داخل في عموم الندب إلى التضرع وسؤال الله الرحمة.
كيفيات الاستسقاء
كيفيات الاستسقاء قوله: [صلوها جماعة وفرادى]. مذهب العلماء رحمة الله عليهم -ويكاد يكون مذهب الجماهير- أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، وقال بعض العلماء: إنها مستحبة. والنصوص دالة على تأكد هذه السنة، ويقوم الإمام بالاستسقاء عند رؤية أحوال الناس أو شكواهم. والاستسقاء على ثلاثة أنوع: النوع الأول: أن يكون بالصلاة مع الجماعة، وهذا هو الذي يعتني العلماء رحمهم الله ببيان أحكامه ومسائله في الغالب، وهو الذي ينصبّ عليه الحديث في باب صلاة الاستسقاء. النوع الثاني من الاستسقاء: الاستسقاء من الأفراد، وذلك أن يستسقي الإنسان وحده، كأن يكون صاحب مزرعة، أو صاحب دواب ويتضرر بعدم وجود الكلأ، فيصلي ويسأل الله عز وجل، ولكن على غير صفة صلاة الاستسقاء، وإنما يصلي صلاة مطلقة يسأل الله عز وجل فيها من فضله، ويتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا استسقاء من الأفراد. النوع الثالث من الاستسقاء: الاستسقاء في صلاة الجمعة، وهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه: (أن رجلاً من الأعراب دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يغيثنا وفي رواية: أنه اشتكى الجهد واللأواء التي هم فيها، وفي بعض الروايات أنه وصف شدة الجدب إلى درجة أن الدابة لا يتحرك لها ذيل من شدة ما هي فيه من الإعياء والنصب، فلما اشتكى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم كفيه حتى رئي بياض إبطيه، وقال: (اللهم أغثنا. اللهم أغثنا. اللهم أغثنا) قال أنس: فوالله ما في السماء من سحابة ولا قزعة، حتى خرجت من وراء سلع كالترس -يعني السحابة- فأمطرتنا سبتاً. وقد جاء في هذا الحديث أنهم لم يروا الشمس بسبب المطر، وما جاء قوم من ناحية إلا وذكروا الحياة والمطر وأنهم سقوا، قال: فلما كانت الجمعة الثانية دخل الرجل فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله! هلكت الأموال وانقطعت السبل! فقال عليه الصلاة والسلام: (اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، وفي رواية: أنه ما أشار إلى جهة إلا تفرق السحاب عنها، وهذا من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه. فالمقصود: أن الاستسقاء ثلاثة أنواع: النوع الأول: الاستسقاء جماعة، وذلك بالصلاة كما سيصفه المصنف رحمه الله. النوع الثاني: الاستسقاء فرادى، بأن يدعو الإنسان، فالإنسان لو كان جالساً في مزرعته، أو بين دوابه وبهائمه، ونظر إلى شدة ما هو فيه، وتذكر ذنوبه وإساءته في جنب ربه فرفع كفه إلى الله يسأله أن يغيثه ويرحمه فهذا مشروع ولا حرج فيه، ولو صلى وسأل الله عز وجل في صلاته واسترحم ربه فإنه لا حرج عليه في ذلك؛ لأنه داخل في عموم التضرع، لكنه لا يصلي صلاة الاستسقاء بصفتها إذا كان منفرداً، وإنما يصلي صلاة مطلقة لعموم حديث عائشة: (كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة)، وقد ندب الله عز وجل المبتلى للصلاة عند حصول البلاء، فقال سبحانه: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة:45]، فلذلك لا حرج أن يدعو. النوع الثالث: الاستسقاء يوم الجمعة، ويكون الاستسقاء يوم الجمعة من الخطيب إذا اشتكى إليه الناس، أو رأى هو ما بهم وأحسّ بحاجتهم، فإنه يستغيث ويسأل الله العظيم من فضله. وقول المصنف: (إذا أجدبت الأرض) كأنه يشير به إلى الوقت الذي يكون فيه الاستسقاء، وبناءً على ذلك فإن الزمان الذي يقع فيه الاستسقاء هو وقت حصول المشقة والحاجة من الناس، حتى ولو كان ذلك في الصيف، فإن رحمة الله واسعة، والذي ينزل الغيث في مواسمه قادر على أن ينزله في غير مواسمه، فقد قال تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:120]، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس:82 - 83].
مسائل متعلقة بصلاة الاستسقاء
مسائل متعلقة بصلاة الاستسقاء
وقتها
وقتها السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقتها أنه: (خرج حينما بدا حاجب الشمس)، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ولذلك قال العلماء رحمهم الله: يستحب أن تكون صلاة الاستسقاء في وقت صلاة العيدين، وذلك بعد ارتفاع الشمس قيد رمح. فقولها رضي الله عنها: (بدا حاجب الشمس)، تعبير يشير إلى ظهور ضوء الشمس، والحاجب هو الضوء، وإنما عبروا به لأن الضوء من الشمس يحجب الشمس، فأنت إذا رأيت الشمس مشرقة متوهجة بضوئها لا تستطيع أن ترى نفس الشمس؛ لأنه يحجبها عنك من شدة توهجه، ولذلك يقولون: حاجب الشمس. أي: الذي يحجب الشمس من ضوئها. فخرج عليه الصلاة والسلام، وكان قد وعد الناس بالخروج، وهذا من السنة كما سيأتي، فيخرج ويكون وقوعها في وقت الضحى، ويصلي بعد انتهاء وقت النهي، ووقت النهي يبدأ من بعد صلاة الصبح وينتهي بارتفاع الشمس قيد رمح، أما أثناء طلوع الشمس أو بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس فإنها لا تصلى قولاً واحداً عند العلماء، حتى حكي الإجماع على عدم مشروعية إيقاع صلاة الاستسقاء في أوقات الكراهة، فليس بمشروع أن يوقعها في هذا الوقت مع أن لها وجهاً وهو كونها من الصلوات ذوات الأسباب، لكنه لما كان الأمر فيه نوع تأسٍ واقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع. وأما آخر وقتها فبعض العلماء يقول: صلاة الاستسقاء جماعة تصح في الليل والنهار، ولا حرج أن يصلوا في الليل أو في النهار، أو في أي وقت إلا أوقات الكراهة. فهذا مذهب طائفة من العلماء رحمهم الله. وهذا المذهب لا يخلو من نظر؛ إذ لو كانت تصلى في أي وقت لالتمس عليه الصلاة والسلام وقت السحر، إلا أن بعض العلماء أجاب عن هذا الاعتراض وقال: إن وقت السحر يشق على الناس، خاصة وأن أكثرهم نائمون. لكن أجيب بأن هذه المشقة مقدور عليها؛ لأنها صلاة في يوم معين، فلا مانع أن يكلفوا بها، وقد كان عليه الصلاة والسلام يندب الناس إلى إحياء العشر الأواخر، وهو يندب بذلك عامة الأمة. ومهما يكن فهذا القول لا يخلو من نظر؛ لأنه لو كان فعلها في الليل مشروعاً لفعلها عليه الصلاة والسلام، ولو قلنا: إن فعلها في السحر فيه مشقة، فإنه لا مانع أن يفعلها بين العشاءين، وهذا أرفق وأخف بكثير على الناس، لكن كونه عليه الصلاة والسلام يتقصد أول النهار لا شك أنه هو الأولى والأحرى، ولذلك قال بعض العلماء: إنه ينتهي وقتها بالزوال كالعيد، وهذا هو الأشبه، ولذلك نجد الصحابة يلحقون صلاة الاستسقاء بصلاة العيد.
كيفيتها وحال الخارج لها
كيفيتها وحال الخارج لها قال رحمه الله تعالى: [وصفتها في موضعها وأحكامها كعيد]. ينبغي لمن خرج لصلاة الاستسقاء أن يخرج من بيته خاشعاً متخشعاً متبذلاً متذللاً متواضعاً متضرعاً؛ لما ثبت في حديث ابن عباس رضي الله عنهما وأرضاهما قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم خاشعاً متخشعاً متذللاً متواضعاً متضرعاً)، فهذه هي السنة في الخروج. ومعنى خروجه خاشعاً: أن لا يدمن الالتفات يمنة أو يسرة، وإنما يكون عليه الخشوع والوقار، والتبذل: مأخوذ من البذلة، وهي الثياب التي ليس لها شأن، بمعنى أنه لم يعتن بجميل الثياب، بخلاف العيد، فإن السنة أن يلبس له أحسن ما يجد وأن يتجمل؛ لأنه يوم عز للإسلام، ولكن يوم الاستسقاء يوم ضراعة واستكانة وفاقة وحاجة واسترحام واستغفار وسؤال الله الحلم والعفو، فلذلك شرع له أن يظهر بحالة تناسب المقام. قالوا: تكون ثيابه غير مبالغ فيها. لكن لا يمنع هذا أن يكون نظيفاً، فلا يخرج وهو نتن الرائحة، خاصة إذا كان مأموماً؛ لأنه يؤذي الناس، واجتماع الناس بعضهم مع بعض قد تؤذيهم بسببه الروائح الكريهة، ولذلك يشرع له أن يخرج بثياب ليست بذات الشأن، وأيضاً لا يبالغ في الطيب والتزين، وكذلك لا يبالغ في رفاهية الثياب. ثم إذا انتهى إلى المصلى فإن للعلماء قولين: قال بعض العلماء: يبتدئ بالخطبة والدعاء قبل الصلاة. وهذا فيه حديث مسلم عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه وأرضاه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثم دعا ثم صلى). وقال بعضهم: يبتدئ بالصلاة قبل الخطبة، فإذا صلى بالناس صلاة الاستسقاء رقى المنبر ثم خطب ودعا. وهذا القول الثاني هو الأقوى؛ لأنه يؤيده حديث عائشة وحديث أنس بن مالك رضي الله عن الجميع. وحديث عبد الله بن زيد أُجيب عنه -كما اختاره بعض المحققين، ويميل إليه الحافظ ابن حجر - بأن الأحاديث التي ذكرت الدعاء قبل الصلاة لا تعارض الأحاديث التي ذكرت الخطبة بعد الصلاة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في دعاء وضراعة حتى انتهى إلى المصلى، فمن رأى ضراعته ودعاءه قال: إنه خطب. وذلك حين قال لهم: (إنكم شكوتم إليَّ جدب دياركم، وانقطاع المطر وتأخر أوانه عنكم، وشدة المئونة بكم)، قالوا: هذا فهم منه الصحابي أنه خطبة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقصد به أن يبين لهم عظيم رحمة الله لقوله بعد ذلك: (وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم)، فمن نظر إلى أن هذا الدعاء السابق من النبي صلى الله عليه وسلم أنه بمثابة الخطبة وبمثابة الدعاء قال: خطب ثم صلى. وأما الروايات الصريحة القوية فهي أنه صلى ثم خطب، وهذا يختاره بعض العلماء. والخلاصة: أن للعلماء في هذه الأحاديث المختلفة أوجه: فمنهم من يقول: السنة أن يبتدئ بالخطبة ثم يصلي. ومنهم من يقول: يصلي ثم يخطب، على الصورة المعهودة المعروفة عندنا. ومنهم من يقول: يخيّر، فإن شاء قدم الخطبة ثم صلى، وإن شاء خطب ثم صلى، فكل جائز ولا حرج عليه في ذلك، والأمر على السعة والخيار. فإذا ابتدأ الصلاة صلى كصلاة العيدين، يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على أصح أقوال العلماء، وذلك لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، حيث حكى صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء كصلاته في العيدين، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في العيدين من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أنه كبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً). وقال بعض العلماء بعدم مشروعية التكبير والأقوى أنه يشرع.
الأمور التي يحث الإمام الناس عليها قبل خروجهم للاستسقاء
الأمور التي يحث الإمام الناس عليها قبل خروجهم للاستسقاء قال رحمه الله: [وإذا أراد الإمام الخروج لها وعد الناس وأمرهم بالتوبة من المعاصي والخروج من المظالم وترك التشاحن، وبالصيام والصدقة]. أي: إذا أراد الإمام الخروج لصلاة الاستسقاء وعد الناس، فيقول لهم: في يوم كذا سنخرج للاستسقاء. فإذا حدد لهم يوماً يخرجون فيه للاستسقاء فإن الناس تتهيأ لهذا اليوم بالتوبة والاستغفار وإصلاح أحوالهم، ويكون ذلك بما ذكره المصنف رحمه الله، وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة حديث يشير إلى هذا، فلا يغير الله أحوال الناس مما هم فيه من البلاء حتى يقلعوا عما هم فيه من المعصية، كما قال بعض السلف: (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة)، فإذا تاب الناس تاب الله عليهم، وإذا استغفروه غفر لهم، وإذا استرحموه رحمهم، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]. فإذا قحط المطر وتأخر فإن هذا إشارة إلى ما هم فيه من البعد عن الله وكثرة الذنوب والمعاصي، وكأنه نذير لهم أن يتوبوا إلى الله، وأن يراجعوه قبل أن يعمهم بعذاب، فإذا راجعوا أنفسهم شرع لهم أن يتوبوا فيما بينهم وبين الله، فالحقوق الواجبة كالصلوات ونحوها يحافظون عليها، والحدود المحرمة كالفواحش ونحوها يقلعون عنها، وحقوق العباد ينتبهون لها، كحقوق الأقارب من بر الوالدين وصلة الأرحام والإحسان إلى الجيران، وتفقد أصحاب الحقوق كالعمال والمستخدمين ونحوهم، فليغير الإنسان من حاله حتى يغير الله ما به، ويصلح الله حاله؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرعد:11]، فإذا غيّر العبد من حاله غيّر الله ما به، ولذلك لما رأى قوم يونس أمارات العذاب وأمارات السخط والغضب من الله عز وجل حين تغيرت السماء وتلبدت خرجوا إلى الله رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، حتى أخرجوا دوابهم وبهائمهم، وما زالوا في البكاء والتضرع والاستغفار حتى رفع الله عنهم العذاب، وهي القرية الوحيدة التي رأت أمارات العذاب وسلّمها الله من عذابه، كما قال تعالى عنها: {فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} [يونس:98]، فهذا من رحمة الله عز وجل ولطفه بالعباد. قوله: (وأمرهم بالتوبة). التوبة ترفع وتدفع عن الإنسان البلاء، ولذلك إذا تاب العبد تاب الله عليه، وبالتوبة يزول البلاء؛ لأن سببه الذنب، وكان صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته: (ونعوذ بالله من شرور أنفسنا)، فشرور النفس هي التي تجلب البلاء، فإذا تاب من شرور النفس تاب الله عليه، ورفع البلاء عنه، فقد قال تعالى حكاية عن صالح عليه السلام: {لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [النمل:46]، فالتوبة سبب من أسباب الرحمة، ولذلك إذا أكثر الإنسان من الاستغفار رحمه الله عز وجل، فمن أسباب رحمة الله بعبده أن يكثر العبد من الاستغفار، فإذا أكثر من الاستغفار رحمه الله عز وجل. وقوله: (والخروج من المظالم) معناه أنه إذا كان هناك مسلم يعلم أنه أكل مال أحد، أو شتمه، أو سبّه، أو عابه، أو آذاه فليذهب إليه وليقل له: يا فلان! إني ظلمتك في كذا، فإن شئت أن تأخذ حقك أعطيتك حقك، وإن شئت أن تعفو فجزاك الله خيراً، ونحو هذا من الكلام الذي يكون به تطييب خاطر المظلوم، فإذا أخذ الناس حقوقهم وردت المظالم إلى أهلها رفع الله البلاء عن الناس، ورفع الله البلاء عمن ابتلاه بسبب ظلمه للناس وأذيته لهم. قوله: (وترك التشاحن). أي: ويوصي الإمام الناس بترك التشاحن؛ إذ الخلاف والفتن التي تقع بين الناس وتفرق جماعة المسلمين وتؤذيهم من السباب والشتائم ونحو ذلك من الأمراض التي تقع بين الناس بسبب ما يكون من فتن الدنيا، كما قال عليه الصلاة والسلام: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم ما يفتح الله من زهرة الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم فتهلككم كما أهلكتهم)، فهذا يدل على أن الناس إذا انشغلوا بالدنيا ألهتهم عن الآخرة، فتقع بينهم الشحناء والبغضاء، فعلى الإمام والخطيب أن يوصي الناس أن يتركوا الشحناء، وأن يصلحوا ذات بينهم؛ لأن الله أمر بذلك فقال: {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال:1]، فالمسلمون كالجسد الواحد، وينبغي أن يعطف بعضهم على بعض، فإذا كان الناس في قحط وشدة، أو أصاب الناس القحط والشدة فلينظروا إلى ما هم فيه، فإذا نظروا إلى اثنين بينهما خصومة سعوا في الصلح بينهما وجمع الشمل وإزالة ما بينهما من الشحناء والبغضاء، وهذا واجب في سائر أيام السنة، وفي سائر أحوال المسلمين، فضلاً عن مثل هذه الحالة التي فيها شدة وبلاء. فعلى المسلمين دائماً أن تكون مجالسهم معمورة بالصلح بين الناس. وقد كان الناس في خير ورحمة حينما كان بعضهم يوصي بعضاً بالصلح، حتى قلّ أن تجد المشاكل الزوجية والأمور التي تقع بين الناس تصل إلى القضاة، بسبب وجود أهل الحل والعقد والفضل والنبل الذين كانوا يسعون للصلح بين الناس، فكان الناس في رحمة مع أنهم كانوا يعيشون في فقر وشدة وحاجة، ولكن كانوا في رحمة من الله بسبب حفاظهم على المودة وإصلاح ذات البين، ولما فقد الناس هذا كثر الشر بينهم. يقول بعض العلماء: إن وجود الشحناء بين الناس يرفع الخير عن الأمة. والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه لما كان معتكفاً أُري ليلة القدر، فتلاحى رجلان في الدين - أبي وابن أبي حدرد الأسلمي رضي الله عن الجميع- فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الدين: ضع هكذا. ثم قال للمدين: قم فاقضه. ثم قال للصحابة صبيحتها: أريت ليلتكم هذه فتلاحى رجلان، فرفعت وعسى أن يكون خيراً)، أي: أثناء الخصومة رفعت ليلة القدر، حتى كان بعض العلماء يقول: إن هذا مثال على ما جعل الله في الخصومة من البلاء على الأمة، حتى إن ليلة القدر مع ما فيها من عظيم الأجر والخير للناس رفع علمها عن الناس بسبب الخصومة والشحناء. وقد جعل الله الشحناء سبب الفشل والخيبة، فقال سبحانه وتعالى: {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال:46]. فينبغي للإمام أن ينصح الناس باجتماع القلوب وتآلفها وتراحمها وتعاطفها، وهو الخير الذي ذكره الله تعالى في قوله: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء:114]، وعظيماً من الله ليست بالهينة، فإزالة الشحناء مطلوبة عند الاستسقاء، ومتأكدة في كل وقت، فينبغي للمسلمين أن يتواصوا، وأن يوصي بعضهم بعضاً لإزالة ما بينهم من الشحناء والخلاف. قوله: (وبالصيام). الصيام من أفضل القربات وأحبها إلى الله عز وجل، وذلك لما فيه من الإمساك عن شهوتي البطن والفرج قربة إلى الله سبحانه وتعالى، ولما فيه من الإخلاص لله عز وجل، فهو العبادة الخفية التي استأثر الله بثوابها وأجرها. فعلى الإمام أن يحثهم على أن يصوموا ويستكثروا من الصيام والصدقات والصلوات وذكر الله عز وجل، حتى يكون حالهم أدعى للإجابة من الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: [ويعدهم يوماً يخرجون فيه]. أي: يحدد لهم يوماً فيقول: في يوم كذا سيكون استسقاؤنا. ويخرج الناس في صبيحة ذلك اليوم للاستسقاء وسؤال الله عز وجل الغيث.
الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج لصلاة الاستسقاء
الآداب التي ينبغي مراعاتها عند الخروج لصلاة الاستسقاء [ويتنظف ولا يتطيب ويخرج متواضعاً متخشعاً متذللاً متضرعاً]. قوله: (ويتنظف) أي أن له أن يغتسل، وأن لا يكون على ثيابه القذر والنتن، خاصة مع اجتماع الناس، فكما أنه يتنظف الإمام فليتنظف المأموم؛ لأن الناس يتضررون من الروائح الكريهة، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم من أكل الثوم والبصل أن يقرب المصلى. قوله: (ولا يتطيب) لأن الطيب فيه بالغ زينة، وليس الاستسقاء بعيد، كالحال في الجمعة والعيدين؛ إذ يشرع له التطيب فيهما، ولم يتطيب عليه الصلاة والسلام، ولذلك يخرج على حالته، وظاهر قوله في الحديث: (متبذلاً) يدل على أنه لم يكن متطيباً عليه الصلاة والسلام. قوله: (ويخرج متواضعاً) التواضع: المراد به توطئة الكنف، والتواضع مندوب إليه، وأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن الله أوحى إليَّّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد)، فالتواضع مطلوب، وكلما كان الإنسان في نعمة من الله عز وجل فإنه ينبغي أن يتواضع لها، وكلما طابت نفس الإنسان كلما كمل تواضعه، ومن كانت سريرته على خير أظهر الله تلك السريرة الطيبة المباركة من خلال شمائله وآدابه التي تدل على سماحته وتواضعه، ولو لم يكن في التواضع إلا قوله عليه الصلاة والسلام: (ألا أنبئكم بأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، لكفاه فضلاً، فهذه سمات لا توجد إلا عند المتواضعين، وكلما زاد خير الإنسان كلما تواضع، كما قيل: إن كريم الأصل كالغصن كلما ازداد من خير تواضع وانحنى فالإنسان إذا طاب أصله وطابت سريرته ظهر ذلك الطيب على شمائله وآدابه فيتواضع. فقوله: (ويخرج متواضعاً) ممعناه: أنه لا يتكبر، ولا يصعر خده إذا خرج للصلاة، ولكن يخرج على صفة تدل على ذلته لله سبحانه وتعالى وانكساره؛ لأنه يوم فاقة وفقر وحاجة إلى الله عز وجل، وقد جاء هذا اللفظ في حديث ابن عباس: (خرج متواضعاً). أي: خرج عليه الصلاة والسلام وعليه شعار المتواضعين، ويتأكد هذا في حق الأخيار والعلماء والصالحين كطلاب العلم ونحوهم، فهم أحق الناس بهذه الخلة الكريمة التي يحبها الله ويرفع أهلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (ما تواضع أحد لله إلا رفعه). وقوله: (متخشعاً) أي: متعاطياً أسباب الخشوع من السكينة ونحوها، وأصل الشيء الخاشع: الذي فيه سكون وهدوء. فالمعنى أن الإمام لا يكون فيه صخب ولا لغط ولا لغو، ولكن فيه سكينة ووقار يدل على حالة من الذلة لله سبحانه وتعالى والانكسار. وقوله: (متذللاً) من الذلة، وذلك كما قلنا؛ لأن الحال والمقام يقتضي هذا، فالمقام مقام سؤال، والسائل إذا سأل ربه ينبغي أن يظهر لله عز وجل الذلة والانكسار، كأن يطأطئ رأسه وتظهر عليه آثار الخوف والوجل من الله سبحانه وتعالى حتى يرحمه ولا يخيبه فيرد عليه سؤاله ولا يجيب استسقاءه، فكل إنسان أراد الخروج فعليه أن يخرج وكله أمل أن الله يرحمه، وما يدريك فلعل الله أن يجعل دعوتك هي المجابة، ويرحم بك هذه الأمة، ويكون لك أجر هذا الدعاء وأجر هذا الخير الذي تصاب به الأمة، وما ذلك على الله بعزيز، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (رب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره)، فالله لا ينظر إلى الصور ولا إلى الأشكال، ولكن ينظر إلى القلوب، فإذا خرج الإنسان بذلة واستكانة وفاقة إلى الله عز وجل فإنه حري أن يجاب. (متضرعاً) من الضراعة: وهي بالغ السؤال.
أصناف الناس الذين يخرجون مع الإمام للاستسقاء
أصناف الناس الذين يخرجون مع الإمام للاستسقاء [ومعه أهل الدين والصلاح والشيوخ والصبيان والمميزون]. أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه استسقى بعم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو العباس بن عبد المطلب. فيكون مع الإمام أهل الدين والصلاح، كالعلماء والأخيار الذين عرفوا بالاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة والعبادة على منهج السلف بعيداً عن البدع والأهواء، وأهل الخير وأهل التمسك بالدين، فمثل هؤلاء ترجى إجابة دعوتهم بإذن الله عز وجل لما فيهم من الخير والاستقامة والالتزام بدين الله عز وجل، وكلما كان الإنسان أكثر صلاحاً واستقامة كلما كانت دعوته أرجى للإجابة؛ لأن الله سبحانه وتعالى يذكر من ذكره، ووعد الذي يكون على استقامة بالطاعة والخير وذكر لله عز وجل أن يذكره، فمن ذكر الله في الرخاء ذكره في الشدة، فلذلك يخرج بأمثال هؤلاء من العلماء وطلاب العلم والأخيار الصالحين ونحوهم من أهل الفضل والنبل، وهذا أدعى لإظهار الحاجة لله سبحانه وتعالى، على خلاف ما إذا خرج بأهل الدنيا من الأغنياء والأثرياء فإن الحال يكون على عكس هذا تماماً. قوله: [والشيوخ]. أي: يخرج معه الشيوخ؛ لأن كبار السن قلوبهم منكسرة، ولذلك لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الإمامة قال: (فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سناً)، وكبر السن مظنة أن يكون الإنسان أقرب إلى الآخرة؛ لأن كبار السن فيهم خشوع، فقد جبروا الزمان، وعزفت نفوسهم عن الدنيا، وأقبلوا على الآخرة، فالخشوع منهم أكثر، ولذلك يكون الدعاء منهم أرجى إجابة من غيرهم، فالمهم أن يتعاطى أسباب إجابة الدعاء. وبعض العلماء يستدل لهذا بحديث ابن ماجة: (لولا شيبان ركّع، وصبيان رضّع، وبهائم رتّع لصببت العذاب عليكم صباً)، إلا أن هذا الحديث تكلم العلماء رحمهم الله على إسناده. قوله: [والصبيان المميزون]. أي: ويخرج معه الصبيان المميزون، وذلك لقلة ذنوبهم؛ لأنهم غير مكلفين، فدعاؤهم وسؤالهم الله عز وجل أرجى إجابة، مع أن خروج الصبيان فيه نوع استرحام لله عز وجل، فإن خروج الإنسان بأطفاله من الصغار فيه نوع من الذلة لله عز وجل.
خروج أهل الذمة مع المسلمين للاستسقاء
خروج أهل الذمة مع المسلمين للاستسقاء قال رحمه الله: [وإن خرج أهل الذمة منفردين عن المسلمين لا بيوم لم يمنعوا]. أهل الذمة هم اليهود والنصارى الذين فتحت بلادهم وأحبوا أن يبقوا على دينهم ويدفعوا الجزية. أما من جاء من الكفار إلى بلاد المسلمين، ودخل بأمان من واحد منهم فإن أمانه يكون ماضياً على جميع المسلمين، لحديث علي في الصحيح: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وهم حرب على من سواهم)، فالكافر إذا دخل بلاد المسلمين يسمى مستأمناً، وإن كان من اليهود والنصارى الذين يدفعون الجزية فهو من أهل الذمة. فإن أراد أهل الذمة الخروج للاستسقاء فقد اتفق العلماء على عدم السماح لهم أن يخرجوا منفردين في يوم معين؛ لأنهم إذا خرجوا منفردين في يوم معين ربما امتحن الله العباد فنزل الغيث في اليوم الذي استسقوا فيه فتحصل الفتنة للناس، وربما ظنوا أنهم سقوا باستسقائهم، ولذلك لا يشرع أن يمكنوا من الاستسقاء منفردين. واختلف العلماء إذا طلبوا الخروج مع المسلمين المستسقين: فقال بعض العلماء -كما اختاره المصنف رحمه الله-: يجوز أن يخرجوا مع المسلمين، ولكن يعتزلون المسلمين، ولا يصلون معهم، حتى لا تكون لهم يد منة، فإذا ظهر الفضل كانت نسبته للمسلمين، وهم أحق بذلك وأولى به؛ لأنهم على دين الله الصحيح، وأولئك على غير دين الإسلام، ولذلك لا يشرع أن يكونوا مع المسلمين في نفس المصلى، وإنما يعتزلون ويكونون بناحية غير ناحية المسلمين.
كيفية الخطبة والدعاء في الاستسقاء
كيفية الخطبة والدعاء في الاستسقاء قال رحمه الله تعالى: [فيصلي بهم، ثم يخطب واحدة يفتتحها بالتكبير كخطبة العيد، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به]. ما ذكره المصنف في شأن الخطبة هو كما ذكر بعض العلماء إلحاقاً لها بصلاة العيد على ظاهر حديث ابن عباس حينما وصف صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستسقاء أنها كصلاة العيد. وقوله: (يفتتحها بالتكبير). الأولى والأقوى أن يستفتح بحمد الله عز وجل، لكن لو كبّر وهو يتأول فهو قول له سلف من العلماء قالوا به، وإن كان الأولى والأقرب للسنة أن يبدأ بحمد الله عز وجل والثناء على الله سبحانه وتعالى، على ظاهر حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي تقدمت الإشارة إليه، وهو عند أبي داود وغيره. قوله [ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به]. آيات الاستغفار كقوله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح:10 - 12]، فلما ورد هذا النص في كتاب الله عز وجل دل دلالة واضحة على أن الاستغفار من أعظم الأسباب التي يرحم الله بها عباده فيسقيهم الغيث. ولا يقف الأمر عند هذا، بل إنه سبب في وضع البركة في الأموال والأولاد، فمن أكثر الاستغفار فإنه يخرج من ذنوبه، وإذا خرج الإنسان من ذنوبه خرج من أسباب البلاء، وكان ذلك من أعظم الأمور التي يجعل الله بها خير دينه ودنياه وآخرته. قال رحمه الله تعالى: [ويرفع يديه فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره]. رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ثبتت به النصوص الصحيحة، ومن أقواها حديث أنس في الصحيحي وأنه وصف رفعه حتى ذكر أنه كان يبالغ حتى يرى بياض إبطيه. وكذلك رفع يديه في استسقائه عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة، وقد ذكرنا في صلاة الجمعة أنه يشرع للإمام إذا دعا للاستسقاء أن يرفع يديه، وقد جاء رفع اليدين عند الدعاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا يقل عن ثلاثين حديثاً، وذكر الإمام النووي أنه جمع نحو ذلك من الصحيحين أو أحدهما كلها في رفعه عليه الصلاة والسلام ليديه في الدعاء، وهذا في مواضع مختلفة. فرفع اليدين في الدعاء لا حرج فيه إلا في العبادات التوقيفية كالحج والعمرة ونحو ذلك، فيتقيد فيها بالوارد، ولا يرفع إلا حيث ورد الرفع. فلو أن إنساناً في لحظة ما أراد أن يدعو فرفع يديه ففي هذا عدد من الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة والحسنة التي تدل على رفعه، حتى أفردها الإمام النووي بالتصنيف، وأفردها كذلك الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بعد كتاب الدعوات، وأفردها أيضاً السيوطي في كتابه: (فض الوعاء بمشروعية رفع اليدين في الدعاء)، وذكر الأحاديث في الصحيحين وغيرهما، وهي ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في العبادات التوقيفية لا يشرع رفع اليدين إلا في المواطن التي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فيها، فهذا هو السنة والثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك: فإذا أراد أن يستسقي يشرع له أن يرفع يديه في الاستسقاء، ويرفع يديه مبالغاً في الرفع حتى يرى بياض إبطيه، وإذا كان عليه الثوب يكون في حكم من انكشف إبطه، بمعنى أنه يبالغ في رفع اليدين حتى يظهر شدة الفاقة لله سبحانه وتعالى. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قلب كفيه صلوات الله وسلامه عليه في الدعاء، وللعلماء في هذا القلب وجهان: فمنهم من يقول: هو سنة توقيفة لا تشرع إلا في هذا الموضع. وبناءً على ذلك لا يشرع أن يقلب الإنسان كفيه إلا في هذا الموضع من دعاء الاستسقاء، وتكون مناسبته -كما ذكر بعض العلماء- أن النبي صلى الله عليه وسلم عدّ هذا من الفأل، والفأل تقرّه الشريعة، كما في الصحيحين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ويكره الطيرة)، والفأل: أن يسمع الإنسان، أو يرى شيئاً يبشره بالخير، كأن يريد السفر فيسمع إنساناً يقول: يا سالم. فإنه فأل بالسلامة؛ لأن الفأل يحمل الإنسان على حسن الظن بالله عز وجل، ويزيد من اعتقاده بالله جل جلاله، بخلاف التشاؤم؛ فإن التشاؤم يصرفه إلى الاعتقاد في الأشياء، والاعتقاد في الأزمنة، والاعتقاد في الأشخاص، فإذا رأى مشلولاً أو أعمى تشاءم فصار يعتقد في الأشخاص أنهم شؤم عليه، فيفطعن هذا في عقيدته وتوحيده -نسأل الله السلامة والعافية- لكن الفأل الحسن يحسّن ظنه بالله عز وجل، فقلب كفيه عليه الصلاة والسلام من باب الفأل الحسن، فإنه سأل ربه وكأنه يقول: أرجو أن الله يبدل الحال، أو يغيّر ما بالناس من الشدة إلى الرخاء، ومن الضيق إلى السعة، ومن القحط إلى الغيث، ومن الجدب إلى المراعي الخصبة التي ينتفع بها الناس والدواب وخلق الله عز وجل، وهذا -كما قلنا- من باب الفأل. ومن العلماء من يقول: إنه يشرع عند كل دعاء في شدة، وفيه حديث حسنه بعض العلماء، إلا أن فيه ابن لهيعة. والأقوى أن هذا يختص بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما في غيره فيكون السؤال ببطن الكف، كما هو الأصل في دعاء الله عز وجل وسؤاله الثابتة به الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: (فيدعو بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه: (اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً ... ) إلى آخره). ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال: (اللهم أغثنا. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (اللهم أغثنا غيثاً مغيثاً. هنيئاً مريئاً مريعاً عاماً طبقاً سحاً غدقاً عاجلاً غير آجل ولا رائف تنبت به الزرع، وتدر به الضرع، وتحيي به بلدك الميت، سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا غرق ولا هدم)، وكذلك ورد عنه: (اللهم إن بالعباد والبلاد من البلاء واللأواء والجهد ما لا يشكى إلا إليك، ولا يعول في رفعه إلا عليك، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا)، وكذلك: (اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين)، وغير ذلك من الأدعية التي وردت في الكتاب فيها استرحام، واستغفار وسؤال الله عز وجل الرحمة بعباده، فكل ذلك لا حرج على الإنسان أن يدعو به.
ما يفعله الناس إن سقوا قبل الاستسقاء
ما يفعله الناس إن سقوا قبل الاستسقاء قال رحمه الله تعالى: [وإن سقوا قبل خروجهم شكروا الله وسألوه المزيد من فضله]. أي: إذا نزل عليهم غيث قبل استسقائهم شكر والله تعالى، والسبب في هذا أنه إن وعدهم يوماً معيناً، فلربما يغيرون ما بهم ويتوبون من المظالم، فيرحمهم الله قبل أن يسقوا، فإذا نزلت عليهم الرحمة وسقوا قبل أن يخرجوا فحينئذٍ يحمدون الله عز وجل ويشكرونه حتى يبارك لهم فيما أسدى إليهم وأولاهم من نعمه وفضله، ولذلك قال العلماء: لا يشرع أن تصلى صلاة الاستسقاء إذا نزل الغيث. بمعنى أنهم لو تهيأوا للخروج للاستسقاء، فنزل الغيث، وأغيث العباد، وجرت السيول، وانتفع الناس، فحينئذٍ لا وجه للاستسقاء، فلا يستقيم للخطيب أن يقول: (اللهم إن بالعباد والبلاد من الجهد والبلاء ... )؛ لأنه يشكي بدون سبب للشكوى، ولذلك قالوا: لا يشرع أن يستسقوا إذا سقوا الغيث، لكن لو سقوا سقيا ضعيفة، أو نزل الغيث ولم يكن الغيث الذي ينتظرون فإنه يشرع لهم أن يخرجوا، وأن يستسقوا مع نزول الغيث عليهم. قال رحمه الله تعالى: [وينادى لها الصلاة جامعة]. الثابت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لم يؤذن لها ولم يقم، ولكن بعض العلماء يقول بأنه ينادي لها بـ (الصلاة جامعة) ولكن الأقوى والأشبه أن لا ينادى لها بهذا النداء، لقوله: (بدون أذان ولا إقامة). قال رحمه الله تعالى: [وليس من شرطها إذن الإمام]. أي: يصلونها فرادى وجماعات، بدون ليست كالجمعة، أما الجمعة فلا بد فيها من إذن الإمام.
ما يسن فعله عند نزول المطر
ما يسن فعله عند نزول المطر قال رحمه الله تعالى: [ويسن أن يقف في أول المطر وإخراج رحله وثيابه ليصيبهما المطر]. بعد أن ذكر لنا -رحمه الله- آداب الاستسقاء التي قبل السقيا وصفة صلاة الاستسقاء شرع رحمه الله في بعض الآداب والسنن وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الغيث، وهذا من المناسب؛ لأنه لما تكلم عن السقيا وسؤال الله الغيث ناسب أن يذكر بعض الهدي والآداب الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء نزول الغيث. فمن هذه الآداب أن يخرج إلى المطر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل الغيث حسر عن رأسه صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول: (إنه قريب العهد بربه)، أخرجه الترمذي وغيره. وكان من دعائه: (اللهم صيباً نافعا)، فكان عليه الصلاة والسلام يسأل الله أن يكون الغيث والمطر صيباً نافعاً، ولذلك شرع أن يحسر عن رأسه حتى يصيبه الغيث. ولذلك قالوا: هذا من السنة، ويكون الدعاء الوارد: (صيباً نافعاً)، بمعنى أنه يكون فيه الخير؛ إذ ربما مطر الناس ولا يكون في هذا المطر خير، فيبقون على قحطهم وما هم فيه من الجدب -نسأل الله السلامة والعافية- فلا يكون صيباً نافعاً، كما ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام: (أن تمطروا ثم تمطروا ثم لا تنبت الأرض) أي: يمطر الناس المطر بعد المطر ولا يضع الله البركة في هذا المطر، فلا تنبت الأرض، فكأنهم لم يمطروا، فهذا من أشد ما يكون -نسأل الله السلامة والعافية-. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام أنه ندب للدعاء عند نزول المطر، فإنه من مظان الإجابة.
ما يقال عند الخوف من كثرة المطر
ما يقال عند الخوف من كثرة المطر قال رحمه اله تعالى: [وإن زادت المياه وخيف منها سن أن يقول: (اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)، (رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ... ) الآية]. الدعاء الذي ذكره هو الوارد عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا هو الدعاء الذي يمكن أن يقال عند تخوّف المطر، كأن يكون مطراً شديداً يخشى منه الغرق، ويخشى أن يكون منه ما يضر الناس، فيسأل الله أن يجعله حواليهم ولا عليهم، بمعنى أنه لا يسأل الله صرف المطر كله؛ لأنه إذا صرفه كله صرف الخير عن عباد الله، فلذلك يقول: (حوالينا ولا علينا)؛ لأن ما حوالي المدن والقرى في الغالب أماكن السيول والأودية التي يتقونها عند النزول. فمراده ما فسره بعد ذلك في قوله: (على الضراب والآكام وبطون الأودية ومنابت الشجر)؛ وذلك أنها إذا نزلت على الجبال فإنها تنفع أكثر؛ لأن نزولها على الجبال يكون منه جريان السيل، بخلاف نزولها على الأرض المنبسطة، فنزول الغيث على الضراب والآكام وبطون الأودية والأماكن المرتفعة ينفع كثيراً، ويصل إلى أمد، ربما يجاوز المكان الذي نزله إلى مكان آخر؛ لأن السيل إذا قويت موارده كانت نهايته أبلغ ما تكون على حسب قوة مورده، فلذلك يسأل الله أن يكون على الأماكن العالية حتى يكون أبلغ في وصول الماء إلى الناس الآخرين، حتى ينتفع به المسلمون، ويكون نفعه عاماً لا خاصاً بالمكان الذي نزل فيه.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الخطبة في صلاة الكسوف
حكم الخطبة في صلاة الكسوف Q ما حكم الخطبة في صلاة الكسوف؟ A بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فإن الخطبة في صلاة الكسوف ليست بواجبة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم)، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بالخطبة، خاصة وأن خطبته عليه الصلاة والسلام كانت لمناسبة، وهي قول الناس: إن إبراهيم قد توفي، وإن الشمس قد كسفت لوفاته. فهي ليست بواجبة، لكن لو خطب فإنه لا حرج في ذلك، وهو مذهب طائفة من العلماء، ويرون أنها جائزة، بمعنى أنها مسنونة ولا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الجنة والنار في خطبته عليه الصلاة والسلام، ورغب ورهب في خطبة الكسوف، قالوا: فهذا يدل على مشروعية الخطبة لها. والله تعالى أعلم.
حكم من ندبهم الوالي للاستسقاء وهم مكتفون بالعشب والماء
حكم من ندبهم الوالي للاستسقاء وهم مكتفون بالعشب والماء Q إذا ندب الوالي للاستسقاء وهناك بلدة مكتفية بالماء والعشب، فهل يشرع لهم الاستسقاء بندب الوالي لهم؟ A نعم. وتكون السقيا لغيرهم، كأن يكون البلد واحداً فيستسقون، فيكون السقيا لهم زيادة خير، ولغيرهم زوال بلاء وضر، وقد نص بعض العلماء على أنه لا حرج في هذا، والله تعالى أعلم.
كيفية قضاء من فاتته ركعة من صلاة الاستسقاء
كيفية قضاء من فاتته ركعة من صلاة الاستسقاء Q كيف يقضي صلاة الاستسقاء من فاتته ركعة منها، هل يقضيها سبع تكبيرات أم خمس؟ A هذه المسألة مفرعة على مسألة أخرى في القضاء وهي: إذا فاتتك بعض الركعات فهل صلاتك ما بقي مع الإمام هي الأولى، أو هي الأخيرة؟ فهناك مذهبان هما أصل هذه المسألة تفرّع عنهما مذهب الجمع، وهو المذهب الثالث الذي يلفق بين المذهبين. فمن العلماء من يقول: الذي أدركته مع الإمام هو صلاتك الأولى. وبناءً على ذلك فإذا سلم الإمام فإنك تضيف ما فاتك من الركعات وتعتبره آخر صلاتك، وهذا المذهب يحتج بحديث أبي هريرة في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا)، فهذا يدل على أنك تبني على صلاة الإمام، ولا تقضي ما فاتك. ومن العلماء من يقول: صلاتك مع الإمام هي الأخيرة. وبناءً على ذلك فإذا قمت فإنك تقضي ولا تبني، وتعيد الركعات التي فاتتك. وهناك مذهب ثالث يلفق بين المذهبين فيقول: يبني في الأفعال ويقضي في الأقوال، جمعاً بين رواية: (فاقضوا)، ورواية: (فأتموا). وأصح هذه الأقوال وأقواها أنه يتم ويبني، ولا يقضي، ولا يجمع بين البناء والقضاء، وذلك لما يلي: أولاً: لأن الرواية الصحيحة عن أبي هريرة أقوى ما رويت به رواية الإئتمام، أي: (وما فاتكم فأتموا)، فأصحاب الزهري رحمه الله الذين رووا: (فأتموا) أقوى من الذين رووا: (فاقضوا)، فالسفيانان يقدمان على غيرهما عند التعارض. ثانياً: أن روية: (فأتموا) لا تعارضها رواية: (فاقضوا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، ومنه قوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ} [الجمعة:10] أي: تمت. وقوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة:200] أي: أتممتموها. والقاعدة في الأصول أنه إذا تعارض نص مع نص، وكان أحدهما يتضمن المعنى الذي لا يعارض من كل وجه بحيث يمكن صرفه إلى معنى يتفق مع الوجه الثاني فإنه ينبغي صرف النص المخالف إلى المعنى الذي يوافق به النص الآخر. فنقول: رواية: (فاقضوا) المراد بها رواية: (فأتموا)؛ لأن القضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فترجح قول من يقول: إنه يتم ولا يقضي سنداً ومتناً، سنداً لأنها رواية أقوى، ومتناً لأن معنى الإتمام أقوى في الدلالة من معنى القضاء، فالقضاء يستعمل بمعنى الإتمام، فدخل تحت الإتمام ولم يقو على معارضته. ويتفرع على هذه المسألة ما لو كنت قد أدركت ركعة في صلاة الاستسقاء فعلى القول بالقضاء تقوم فتكبر سبع تكبيرات في الركعة الثانية التي ستقضيها، وعلى القول بالبناء تكبر خمس تكبيرات؟ والصحيح أنك تكبر خمس تكبيرات على ظاهر السنة التي ذكرناها. والله تعالى أعلم.
مشروعية شهود النساء للاستسقاء
مشروعية شهود النساء للاستسقاء Q هل يشرع للنساء أن يحضرن صلاة الاستسقاء كالعيد؟ A لا حرج في شهود النساء للاستسقاء إذا أمنت من خروجهن الفتنة، وذلك لأن المقام مقام استرحام واستعطاف، وكان بعض العلماء يرى خصوص الخروج لكبيرات السن دون الشابات، فلا يشرع للشابات والنساء اللاتي تحصل بهن فتنة أن يخرجن؛ لأنه يوم تضرع ومسكنة، وخروجهن فتنة لهن، أو فتنة لغيرهن، أو فتنة لهن ولغيرهن، وأما بالنسبة لكبيرات السن من النساء والضعفة فلا حرج في خروجهن. وبعض العلماء يمنع مطلقاً، يقول: لا يشرع خروج النساء مطلقاً.
من فاتته صلاة الاستسقاء مع الجماعة
من فاتته صلاة الاستسقاء مع الجماعة Q إذا لم أدرك صلاة الاستسقاء مع الجماعة فهل أصلي بمفردي، أم أستمع للخطبة؟ A من جاء وقد فرغ الإمام من صلاة الاستسقاء، وكان الاستسقاء في مسجد فإنه يصلي ركعتين تحية المسجد، ثم ينصت ويدعو بدعاء المسلمين، ويسأل الله عز وجل الرحمة أثناء الدعاء وأثناء خطبة الإمام. والله تعالى أعلم.
حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء
حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء Q ما حكم الزيادة والنقصان في عدد تكبيرات صلاة الاستسقاء؟ A المشروع أن يكبر في الأولى سبعاً وفي الثانية خمساً، على الأصل الذي ذكرناه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في صلاة العيد، وعلى هذا فلا يشرع له أن يزيد، وبناءً على ذلك تكون السنة على هذه الصفة الواردة، ولو زاد تكبيرة فبعض العلماء يرى من ناحية الأصل أنها بدعة، ويرى كأنه قد تكلم بكلام أجنبي، فيتفرع الحكم على هذه المسألة عن حكم الكلام في الصلاة إذا كان بذكر الله كالتكبير والتحميد وتلاوة القرآن، وإذا كان بغيره، وإن كان الأقوى أنها لا تبطل، فإذا زاد تكبيرة لا تبطل، لكنه يأثم؛ لأنها بدعة وحدث، فيعتبر آثماً إذا كان عالماً. لكن لو شك هل الذي كبره أربع تكبيرات أو خمس تكبيرات فإنه يبني على الأقل حتى يستيقن، على الأصل الذي دل عليه حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه، وكذلك أحاديث الشك في عدد ركعات الصلاة كحديث أبي سعيد، وأبي موسى رضي الله عن الجميع، وهي كلها ثابتة وصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم. أما كونه يزيد في عدد التكبيرات من عند نفسه فلا؛ لأننا قلنا: إن هذا من البدعة والحدث، ويأثم صاحبه. والله تعالى أعلم.
قلب الرداء في الاستسقاء يشمل غطاء الرأس
قلب الرداء في الاستسقاء يشمل غطاء الرأس Q هل قلب الرداء في الاستسقاء يشمل ما يغطى به الرأس؟ A الرداء هو ما يلبس لأعالي البدن، وما يكون لأسفل البدن يسمى إزاراً في لغة العرب، مثل ما يلبس المحرم، ولقد قلب رداءه عليه الصلاة والسلام، فجعل ما على الأيمن على الأيسر، وما على الأيسر على الأيمن، وهذا هو السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فطرد بعض العلماء رحمهم الله ذلك في الملبوس الآن، وقال: لما كان المعنى هو التفاؤل بتغيّر الحال واسترحام الله عز وجل وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى شرع إذا كان له عباءة كالبشت ونحوه أن يقلبه، ولا حرج أن يجعل أيمنه على يساره وأيسره على يمينه. قالوا: وكذلك أيضاً إذا لم يكن عليه عباءة قلب غطاءه الذي على رأسه كالغترة والشال ونحوهما، ولا حرج عليه أن يقلبه فيجعل أيمنه أيسره وأيسره أيمنه؛ لأن المعنى موجود، وصورة الثوب غير مؤثرة؛ لأن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم حسن الظن بالله عز وجل والفأل المحمود شرعاً. والله تعالى أعلم.
حكم تخصيص يوم الإثنين بصلاة الاستسقاء
حكم تخصيص يوم الإثنين بصلاة الاستسقاء Q هل ورد دليل على تخصيص الصلاة بيوم الإثنين؟ A اختار بعض العلماء يوم الاثنين لأنه يوم صيام، وهو أرفق وأيسر على الناس، فكرهوا يوم السبت لأنه يوم اليهود، وكرهوا يوم الأحد لأنه يوم النصارى، ويرون أن ابتداء الإثنين أرفق بالناس، ويوافق عرض الأعمال على الله، ثم إن الناس يصومونه فهم أقرب إلى الله عز وجل، ومثل الإثنين يكون الخميس؛ لأن للخميس ما للإثنين، وقد يكون أرفق من جهة كونه أخف عليهم. ومع ذلك فليس هناك دليل لتخصيص الإثنين، لكن لو خصص الإثنين فلا حرج، لزومه واعتقاد وجوبه فليس هناك دليل على ذلك، وفرق بين أن نقول: يخصص يوم للخروج، وقولنا: يجب خروج هذا اليوم، فتخصيص أي يوم للخروج ثبتت به السنة، وأما اعتقاد وجوبه فلا. والله تعالى أعلم.
حكم رفع اليدين عند دعاء الخطيب في الجمعة
حكم رفع اليدين عند دعاء الخطيب في الجمعة Q هل يشرع رفع اليدين في خطبة الجمعة إذا دعا الخطيب؟ A رفع اليدين في خطبة الجمعة لا يشرع إلا عند الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رفع حين استسقى، كما في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه، فدل على أنه كان من هديه إذا دعا أنه لا يرفع إلا في استسقائه، ومن هنا أخذ العلماء رحمهم الله أنه لا يشرع الرفع، ولما رفع مروان بن الحكم على منبر النبي صلى الله عليه وسلم قال عمارة بن رؤيبة: تباً لهاتين اليدين. وهذا إنكار عليه، فلم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يزيد على أن يشير بإصبعه: اللهم اغفر لنا. اللهم ارحمنا. اللهم تب علينا. ونحو هذا، فما كان يرفع يديه صلوات الله وسلامه عليه في دعائه في خطبة الجمعة. والله تعالى أعلم.
من عليه أكثر من كفارة يمين
من عليه أكثر من كفارة يمين Q امرأة عليها كفارات أيمان، فهل تكفر كفارة واحدة أم متعددة؟ A هذا فيه تفصيل، فإذا حلفت اليمين على شيء واحد وكررت اليمين فقالت: والله لا أخرج. ثم بعد ساعة قيل لها: اخرجي، قالت: والله لا أخرج. ثم في اليوم الثاني قيل لها: اخرجي. قالت: والله لا أخرج. فحينئذٍ لو حلفت ألف يمين على هذا الشيء المعين فكفارته كفارة واحدة، وأما إذا كانت حلفت أيماناً متعددة على أشياء متعددة فإن الكفارة فيها متعددة بتعددها، وذلك لاختلاف أسبابها، فكل يمين تستقل بحكمها، ويجب التكفير عن كل واحدة منها منفردة عن أختها. والله تعالى أعلم.
حكم إدراج نية الوضوء في الغسل المستحب أو الواجب
حكم إدراج نية الوضوء في الغسل المستحب أو الواجب Q ما حكم إدراج نية الوضوء في الغسل، سواء أكان للتبرد أم للجنابة أم للجمعة؟ A لا حرج أن يدرج الإنسان الوضوء تحت الغسل، فتنوي قبل غسلك أن تصلي بعد الغسل، فهذا لا حرج فيه، لحديث أم المؤمنين عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتوضأ بعد غسله)، فكان بعد الغسل يصلي مباشرة، فأجمع العلماء على أن من نوى بغسله أن يصلي أنه يجزئه، سواء أكان الغسل للجنابة أم كان غسلاً مستحباً. والله تعالى أعلم.
وقت قيام المرأة إلى الصلاة المكتوبة
وقت قيام المرأة إلى الصلاة المكتوبة Q هل تصلي المرأة الصلوات الخمس بعد انتهاء الإمام من الصلاة، أم بعد دخول الوقت مباشرة؟ A إذا دخل الوقت يجوز للمرأة أن تصلي، فإذا سمعت النداء، أو غلب على ظنها أن وقت الصلاة قد دخل فإنها تصلي. لا تلزم بصلاة الإمام، ولا يجب عليها أن تتقيد بصلاة الإمام، وإنما يتقيد بصلاة الإمام الرجل في يوم الجمعة إذا كان قد ترك الجمعة تهاوناً فإنه لا يصليها ظهراً إلا بعد صلاة الإمام للجمعة؛ لأنها لا تجب عليه ظهراً إلا بعد فراغ الإمام من الجمعة. والله تعالى أعلم.
حكم الدخول مع الجماعة إذا أدرك المصلي التشهد الأخير
حكم الدخول مع الجماعة إذا أدرك المصلي التشهد الأخير Q إذا وصلت المسجد والجماعة في التشهد الأخير فهل أجلس معهم للتشهد، ثم أتم، أم أنتظر حتى يتجمع بعض المتأخرين ونقيم جماعة جديدة؟ A من دخل المسجد وجب عليه أن يدخل مع الجماعة لظاهر السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (فإذا أقيمت فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا) فقال: (فما أدركتم) ولم يفرق بين قليل ولا كثير، ولذلك يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم شدد في ترك الجماعة حتى قال للرجلين: (ما منعكما أن تصليا في القوم؟ ألستما بمسلمين؟ -مع أنهما كانا قد صليا في رحالهما- فقالا: يا رسول الله! قد صلينا في رحالنا. قال: إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما المسجد فصليا فإنها لكما نافلة). فكون الإنسان يدخل والجماعة قائمة والإمام في صلاته ويبقى واقفاً ينتظر تسليم الإمام فهذا لا أصل له من جهة الدليل، أي: ليس هناك دليل يستثني هذا العموم الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ينص العلماء رحمهم الله لحديث أبي هريرة في الصحيح على أنه ينبغي عليه أن يدخل مع الجماعة، ومنهم من يقول: يجب عليه أن يدخل مع الإمام ولا يتخلف، وقد جاء الأمر في بعض الأحاديث في السنن مفسراً ذلك، فقال: (على أي حالة أدركتمونا فصلوا) بمعنى أنه يجب على الإنسان أن يدخل على الحالة التي يجد عليها الإمام. ومن الأخطاء التي يقع فيها بعض الناس والعامة أنهم يرون الإمام ساجداً فيبقون حتى يرفع الإمام من سجوده، وهذا فوات للخير وفوات للبركة، ولذلك ينبغي على الإنسان إذا وجد الإمام ساجداً أن يسجد، فإن الله يرفعه بها درجة ويعظم له بها الأجر، وقد يستجيب الله له الدعاء، فقد يوافق باباً مفتوحاً في السماء فيستجاب له، وفي الحديث الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم حث على الدعاء عند السجود وقال: (فقمن أن يستجاب لكم)، فترك السجود والفضل والدرجات والانتظار حتى يقوم الإمام فوات للخير. فيفوته وقت الصلاة؛ لأن هذا القدر الذي فيه السجدة يعتبر من أول الوقت، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إن العبد ليصلي الصلاة وما يصليها في وقتها، ولما فاته من وقتها خير له من الدنيا وما فيها)، فلحظات يسيرة ربما تكون خيراً للإنسان من الدنيا وما فيها، فهذا القدر اليسير تدركه والإمام راكع، وتدركه والإمام ساجد، وتدركه والإمام جالس بين السجدتين، وهو يتشهد، فعلى أي حالة أدركت الإمام فصلِّ رحمك الله، وادخل مع الجماعة، فهذا هو نص السنة. فإذا صلى مع الجماعة الأولى أدرك فضل أول الوقت وأدرك فضيلة الجماعة الأولى، وإن كان لم يدرك حكم الجماعة، وفرق بين قولنا: أدرك حكم الجماعة، وبين قولنا: أدرك فضل الجماعة، فقد نص العلماء على أن من أدرك الإمام قبل أن يسلم فإنه يكون مدركاً لفضل الجماعة الأولى، ولذلك قالوا في روايات فضل صلاة الجماعة على الفرد، كرواية:: (سبع وعشرين درجة)، ورواية: (خمس وعشرين درجة): إن رواية (سبع وعشرين) لمن أدركها كاملة، ورواية: (وخمس وعشرين) لمن أدركها في آخرها، ورواية: (ست وعشرين) لمن أدرك ما بينهما. فمن السنة أن الإنسان يدخل مع الإمام، وهذا هو الذي حرص الإسلام عليه لاجتماع الشمل، وكأن الإسلام يريد أن يجتمع الناس، وأن لا يتفرقوا، وأن لا يكون ذلك سبباً في زوال المعنى الذي من أجله قصدت صلاة الجماعة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
مقدمة كتاب الجنائز [1]
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الجنائز [1] عيادة المريض من السنن التي حث الشارع عليها ورتب عليها الثواب العظيم، سواء أكان المريض مسلماً أم كافراً، ومقصد الشارع من العيادة أنها من المواساة لذلك المريض وتصبيره، والمريض الذي أوشك على الموت وعرف ذلك بالعلامات الدالة عليه ينبغي أن يذكر بالتوبة والوصية، كما يستحب أن يُحسن ظنه بالله، وأن يلقن الشهادة، ويستخدم معه الوسائل التي تيسر عليه النطق بها، مثل تعاهد بل حلقه بالماء أو بشراب؛ فإن ذلك مما يعين على سهولة نطقه وحديثه، وكذلك ذكر الآيات والأحاديث التي تبين سعة رحمة الله.
بيان أن عيادة المريض من السنة
بيان أن عيادة المريض من السنة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول المؤلف عليه رحمه الله: [كتاب الجنائز]. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فيقول المصنف رحمه الله: [كتاب الجنائز]. الجنائز: جمع جَنازة أو جِنازة -لغتان- وقال بعض العلماء: جَنازةٌ (بالفتح) للميت نفسه، وجِنازة (بالكسر) للسرير الذي يُحمل عليه الميت. وقيل: إنها مأخوذة من جَنز الشيء إذا استتر، و (الجنائز) المراد بها: بيان الأحكام المتعلقة بالميت. ومناسبة هذا الكتاب لما تقدم: أن للعبد حالتين: الحالة الأولى تتعلق بدنياه، والحالة الثانية تتعلق بآخرته، فبعد بيان العبادات التي تتعلق بدنياه شرع -رحمه الله- ببيان جملة من المسائل والأحكام الشرعية المتعلقة بالمكلف عند موته أو بعد موته، وذلك من عيادته، وتلقينه، وتغسيله، وتكفينه، والصلاة عليه، ودفنه. وهذا الباب يعتني به العلماء من المحدثين والفقهاء رحمهم الله، وقد اشتمل على جملة من المسائل والأحكام الشرعية، وختم به المصنف رحمه الله كتاب الصلاة، وكأنه لما عبر بالكتاب جعله وسطاً بين الصلاة والزكاة، والسبب في ذلك: تردد حالة الإنسان في العبادات بين كونها عبادة تتعلق بالدنيا، وعبادة تتعلق بالآخرة، فناسب التقسيم من هذا الوجه، كأنه حينما قال لنا: [كتاب الجنائز] كأنه يقول لك: في هذا الموضع سأذكرُ لك جملةً من الأحكام والمسائل المتعلقة بالميت، وما ينبغي على أهله وذويه إذا نزل به الموت، وكذلك ما ينبغي على المسلمين من الصلاة عليه ودفنه والدعاء له. يقول رحمه الله: [تُسن عيادة المريض]. هذه السنية دلت عليها النصوص المتضافرة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً، وعيادة المريض من أجل القربات وأحب الطاعات إلى الله جل وعلا، والتي جمع بها بين قلوب المؤمنين والمؤمنات؛ لما تشتمل عليه من رحمةِ بعضهم ببعض؛ ولما فيها من معونة المسلم لأخيه المسلم في حالة هو أشد ما يكون إلى رؤية إخوانه، والتعزي بما نزل في جسده، وما أُصيبَ به في نفسه. وقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العيادة، وأمر بها أصحابه رضوان الله عليهم، وأمته من بعدهم، فكان عليه الصلاة والسلام يعود المريض، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه عاد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه وسلاه، وأخبره بمعجزة من معجزاته صلوات الله وسلامه عليه وهي أنه يعمر، وينتفع به أقوامٌ -وهم المسلمون- ويستضر به أقوامٌ -وهم الكافرون- وكان كما قال. وكذلك عاد عليه الصلاة والسلام جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وصبّ وضوءه عليه فشفي. وكذلك ثبت عنه في الحديث الصحيح أنه عاد يهودياً. فالسنة بفعله عليه الصلاة والسلام تدل على مشروعية هذه العبادة الجليلة، وكذلك أمر بها عليه الصلاة والسلام، وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث البراء أنه أمر بعيادة المريض وإبرار المقسم، وجعلها من السبع التي أمر بها أصحابه وأمته من بعده صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم الدين.
فضل عيادة المريض
فضل عيادة المريض ندب عليه الصلاة والسلام إلى عيادة المريض، وأخبر عما فيها من عظيم الأجر وجزيل الثواب عند الله سبحانه وتعالى، ففي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود، قيل: وما خرفة الجنة؟ قال: جناها)، وللعلماء في هذا الحديث وجهان: الوجه الأول: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة) أي: شبه حال الإنسان وهو خارجٌ لعيادة أخيه المسلم بحال الرجل الذي جلس أمام ثمار البستان يجني منها ما لذّ وطاب، فالذي يعود المريض يجني ثمرة عيادته من عظيم الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى، فكما أن صاحب البستان جالسٌ أمام خير من الدنيا، فمن عاد المريض جالسٌ أمام خيرٍ من الآخرة، وهذا يدل على عظيم الفضل، كأنه يجني الثواب بدون حساب؛ من كثرة ما في ذلك من الأجر والمثوبة عند الله سبحانه وتعالى. والوجه الثاني: أن قوله: (من عاد مريضاً فهو في خرفة الجنة حتى يعود) أي: أن الطريق الذي سلكه في عيادة أخيه المسلم حال مرضه أشبه بالطريق إلى الجنة، بمعنى: أنه سينتهي به إلى الجنة. وهذا كله يؤكد فضل عيادة المريض، ويدل على استحبابها وتأكد هذا الاستحباب. ويعظم حق المريض بحسب قربه؛ فإن كان من الوالدين أو من القرابات والأرحام فالأمر في حقه آكد وأشد، ولذلك كان من وصل مريضاً وله قرابةٌ به فإنه يؤجر من وجهين: الوجه الأول: من جهة عيادته للمريض، وله أجر عيادة المريض المطلق. والوجه الثاني: أنه يؤجر من جهة كونه وصل الرحم وبلها ببلالها، واتقى الله عز وجل فيها. فأفضل ما تكون عيادة المرضى، إذا كانت للأقرباء ومن لهم رحمٌ بالإنسان وصلة، فإن حقهم آكد وأعظم، والتقصير في حقهم لاشك أنه أكثرُ إثماً وأعظم جرماً.
مقصد الشارع من عيادة المريض المسلم والمريض الكافر
مقصد الشارع من عيادة المريض المسلم والمريض الكافر قوله: [تسنُ عيادة المريض] هذه العيادة تشمل المسلم، والكافر: أما بالنسبة للمسلم فلا إشكال في ذلك، وفي عيادتك للمسلم خيرٌ كثير؛ فبها تقوى نفسه ويرتاح، خاصةً إذا كان بينك وبينه ودٌ وحب؛ فإن المريض ربما نشط برؤية أحبابه وأصحابه أكثر من نشطه بالدواء والعلاج، فرؤيته لمن يحب أنسٌ له، وبهجةٌ لنفسه وراحةٌ لها، وطمأنينة لقلبه. وأما بالنسبة لغير المسلم فإنه إذا كان كافراً فإنك تعوده بقصد دعوته إلى الإسلام، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه عاد يهودياً ثم لقنه شهادة التوحيد، فنظر إلى والديه فقالا: أطع أبا القاسم، فأطاع النبي صلى الله عليه وسلم وتشهد، فحمد النبي صلى الله عليه وسلم ربه أنه أنقذه من النار بسببه. وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه: (عاد عمه أبا طالب عند حضور الموت، فقال: يا عم! قل: لا إله إلا الله؛ كلمةً أحاج لك بها بين يدي الله)، فهذا يدل على تأكد جواز ومشروعية عيادة المريض الكافر؛ وذلك بسبب تأليفه للإسلام. أما المسلم فإن له حق العيادة، سواء كان براً أو فاجراً، صالحاً أو طالحاً؛ وذلك لأنه حقٌ للمسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك) فكونه يقصر فيما بينه وبين الله لا يمنع من أداء حقه في الإسلام من عيادته، ولربما عاد الصالحون الفجار فذكروهم بما عند الله؛ فكان سبباً في حسن الخاتمة لهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله عز وجل. وهذا مما يقصده الشرع، فإنه تكثيرٌ لسواد الأمة في الخير، وكذلك طاعةٌ للمطيع لربه، فإن المطيع إذا عاد أمثال هؤلاء وذكرهم بالله عز وجل، فإن هذا يعود بالخير عليه؛ لأنه يؤجر، وهو من الدعوة إلى الله عز وجل. ولكن إذا كان الإنسان يغلب على ظنه أنه إذا زار الفاجر أو العاصي أنه سيتأثر وأنه سيتغير، فإنه قد يجب عليه أن يعوده؛ لأن دعوة الناس إلى الخير وهدايتهم متأكدة، فإذا غلب على الظن أنه يرجى نفعها فالأمر آكد.
آداب عيادة المريض
آداب عيادة المريض قوله: (تسن عيادة المريض) هذه السنية مطلقة، لا تتحدد بزمان ولا بمكان، والأمر يختلف باختلاف العوائد، ولا يحدد لها زمانٌ لا بالليل ولا بالنهار، فتعود المريض بالليل وتعوده بالنهار، على حسب ما يجري في العادة ويقتضيه العرف، وعلى حسب استعداد المريض لتقبل هذه الزيارة وارتياحه لها وحصول المقصود. وإذا عاد المسلم أخاه المسلم، فإنه ينبغي عليه أن يحفظ الحقوق في هذه العيادة، فالسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم والهدي عنه كان أكمل الهدي وأكمل السنة، فقد كان عليه الصلاة والسلام إذا عاد مريضاً يتوخى أفضل الأمور وأحبها إلى الله عز وجل، وهذا هو المقصود من العيادة. ولذلك قرر العلماء كما نبه عليه جمعٌ منهم: الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه النفيس -الزاد- عند كلامه عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادة المريض، أن ذلك الهدي أكمل الهدي وأحسنه وأجمله وأفضله، فكان يندب أصحابه إلى إفساح الأجل للمريض، فإذا عاد الإنسان المريض أفسح له في الأجل. ومما يدل على مشروعية ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما عاد سعد بن أبي وقاص أفسح له في الأجل، وقال له -لما أخبره سعد أنه مريض وأنه يخشى الموت-: (لعلك أن تعمر فينتفع بك أقوامٌ ويستضر بك آخرون) وكان ما كان، فقد نفع الله به الإسلام بخروجه رضي الله عنه للجهاد في سبيل الله، وكسر الله به شوكة الكافرين، فهذا إفساحٌ في الأجل منه عليه الصلاة والسلام، وهو يشهد لحديث ابن ماجة: (من عاد مريضاً فليفسح له في الأجل). وإفساح الأجل فيه حسن ظنٍ بالله، وفيه فألٌ حسن، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن؛ لأن الإنسان إذا أحسن ظنه بالله عز وجل قويت عقيدته وكمل يقينه، وكذلك -أيضاً- حينما تفسح له في الأجل فذلك أدعى إلى أن تطول حياته، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (خيركم من طال عمره وحسن عمله).
أمور ينبغي التذكير بها عند عيادة المريض
أمور ينبغي التذكير بها عند عيادة المريض وهناك حقوقٌ لله عز وجل وحقوقٌ للعباد ينبغي الإنسان أن يتوخاها عند قيامه بعيادة المريض، ولا يشق على المريض بطول الجلوس وكثرة الحديث وكثرة السؤال، وإنما ينظر إلى الأرفق والأحسن والأفضل بالنسبة لحال ذلك المريض. قال المصنف: [وتذكيره التوبة والوصية]. فهذا من حقوق الله عز وجل التي ينبغي للمسلم أن يحفظها إذا عاد أخاه المسلم.
التذكير بالتوبة
التذكير بالتوبة قوله: [وتذكيره التوبة] أي: ينبغي للمسلم إذا عاد أخاه المسلم أن يذكره بالتوبة إلى الله عز وجل، وذلك أن المرض من مقدمة الموت، وقد يكون طريقاً إلى الموت، خاصةً إذا ظهرت أمارات المرض الذي لا يرجى له شفاء، فيذكره بالتوبة إلى الله عز وجل. والسبب في ذلك: أن المرضى ربما انشغلوا بالعلاج وأخبار المرض، وما يفعلونه في مواجهة ما يعانونه من مشقة المرض، فينشغلون عما هو أهم وما هو مقصود من نزول المرض، فإن نزول المرض بالعبد إنما هو تخفيف للسيئات ورفعةٌ للدرجات واستكثار للحسنات، فينبغي للمسلم إذا زار أخاه المسلم أن يذكره التوبة والإنابة إلى الله عز وجل، والتحلل من مظالم الناس عامها وخاصها، ويذكره بحقوق الناس. وإذا كنت تعلم أنه ظلم إنساناً ذكرته مظلمته، وقلت له: يا فلان، تب إلى الله من أذية فلان، يا فلان، إن لفلانٍ عليك حقاً فتحلل منه، إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من كانت له عند أخيه مظلمة فليتحلله منها قبل ألا يكون دينار ولا درهم)، فهذا من أساليب الدعوة إلى التوبة من حقوق العباد. وأما بالنسبة لحقوق الله جل وعلا فيذكره التوبة من الذنوب كبيرها وصغيرها، وجليلها وحقيرها، ويحسن ظنه بالله عز وجل أنه الغفور الرحيم، وأنه الجواد الكريم، وأنه اللطيف الحليم، ويقوي بهذا الأمر -حسن الظن بالله عز وجل- عزمه على التوبة، فإن الإنسان إذا ذكرته بالتوبة وعطفت -مع تذكيرك بالتوبة- بذكر سعة مغفرة الله وعفوه وحلمه؛ قويت نفسه على التوبة، وقويت نفسه على الرجوع إلى الله؛ لأن المذنب ربما يأتيه الشيطان فيعظم له الذنب، وكلما فكر الإنسان في التوبة جاءه الشيطان من باب إعظام الذنب، فقال له: أنت فعلت وقلت، ولا يمكن لهذا الفعل أو القول أن يغفر، فهو فعل عظيم وقول عظيم، فلا يزال يتعاظم ذنبه على الله حتى يحجب عن التوبة والعياذ بالله! وهذا من القنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، فلا ينبغي للمسلم ذلك، فعلاج هذه الوساوس التي تكون في صدر الإنسان من الذنوب: أن يحسن ظنه بالله عز وجل، ولذلك وردت الآيات والأحاديث التي ترغب في التوبة، مذيلة بصفات الله التي تدل على سعة رحمته، وسعة حلمه وعفوه وكرمه وجوده، وأنه سبحانه وتعالى لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين، فإذا كان الإنسان أثناء بيانه للتوبة، أو دعوته للتوبة يعطف بذكر سعة رحمة الله؛ قويت النفوس على طلب هذه الرحمة، واشتاقت الأرواح إلى رحمة الله جل جلاله، وكان عندها مع هذا الشوق قوة اليقين بالله سبحانه وتعالى. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يندب أمته إلى حسن الظن بالله عز وجل، خاصةً في هذا الموطن العظيم التي تزل فيه القدم بعد ثبوتها نسأل الله السلامة والعافية. والإنسان إذا تاب إلى الله عز وجل توبةً صادقة تاب الله عليه ولو أتى ربه بقراب الأرض خطايا، فإن الله سبحانه وتعالى إذا تاب العبد توبة نصوحاً تاب عليه، قال تعالى: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه:82]، {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر:49]، {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر:53]، وتتلى مثل هذه الآيات التي تقوي اليقين بالله سبحانه وتعالى عند المريض. فمن حق الله عز وجل الذي ينبغي عليك إذا عُدت المريض أن تذكره بهذا الحق، والناس قد تساهلوا في هذه الأمور، فكثير منهم عندما يزور أخاه ويجلس عنده، ينهمك في الأحاديث عن فضول الدنيا، وقل أن يذكره بالتوبة والإنابة إلى الله، بل قد تجد من قرابة المريض من يتذمر ويتسخط إذا حدثت المريض بهذه الأمور، وكأنك إذا قلت للإنسان: تُبْ إلى الله، أو إن هذا المرض ينبغي على الإنسان أن يستحضر معه التوبة، وأن ينكسر فيه لله عز وجل؛ إذا قلت له ذلك كأنما جنيت عليه جناية -نسأل الله السلامة والعافية- فهو يظن أنك تسيء الظن به، وأن هذا البلاء نزل به بسبب ذنوبه ومعاصيه، والواقع كذلك؛ فإن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون، وما علينا إلا أن نقوم بالسنة. والأفضل للزائر أن يذكر المريض فيما بينه وبين الله بالتوبة، ولا يخاطبه أمام الناس إذا خشي إساءة الظن، فإذا دنوت إلى المريض ومسحت برأسه -إذا كان يحتمل ذلك ويحب ذلك- ثم همست في أذنه بالكلمات الطيبة مما يذكر بالتوبة إلى الله والإنابة إليه، مثل يا فلان! إنا نكثر الذنوب، فتب إلى الله، وهذه الحالة حالة طيبة تقرب الإنسان من الله، والعبد إذا نزل به الضر فإن الله يحب منه أن يقرع بابه: {فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا} [الأنعام:43]، فيكلمه بهذه الكلمات الطيبة، وبهذا النصح الذي يكون بينه وبينه؛ حتى لا يسيء الناس الظن بالزائر ولا يكون مدعاة لسخط قرابة المريض. والتوبة من الذنوب مشروعة في كل حال وزمان ومكان، والله جل وعلا أمر عباده أن يتوبوا إليه، ولم يقيد ذلك بحال، لكن العلماء رحمهم الله ذكروا ذلك في مثل هذه المواطن؛ لأن الأمر أدعى، فقد يكون هذا البلاء أو المرض نزل بسبب دعوة مظلوم، أو لربما نزل بسبب أذيته لقريب، ولربما نزل بسبب ضره بالناس، فإذا ذكرته ربما تاب إلى الله عز وجل وغير من حاله، فأصبح المرض نعمةً عليه. يقول بعض أهل العلم: إن الإنسان قد يلتبس عليه التفريق بين المرض إذا كان بلاءً، أو رفعة درجة. والواقع أن المرض يكون بسبب الذنب، وقد يكون بلاءً يقصد منه رفع الدرجة، فيشكل على الإنسان أن يعرف هل هذا البلاء لرفعة درجة، أم بسبب بذنب. قالوا: فينبغي على الإنسان إذا نزل به المرض أو نزل به البلاء أن يعتبر أنه بسبب الذنب؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء:79]، فالأصل أن الله لا يظلم الناس شيئاً وأن الناس أنفسهم يظلمون، وأن ما نزل من الأسقام والآلام إنما هو بسبب قليل من الذنوب، وإلا لو أخذ الله الإنسان بذنبه لكان الأمر وأشد، كما قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ} [فاطر:45]، فالإنسان إذا تفكر في هذا، دعاه ذلك إلى أن يصلح حاله مع الله عز وجل، فإذا تاب وأناب، وأحس أن هذا البلاء نزل بسبب الذنب، فأخذ يستغفر ويسترحم، ويعاهد الله على التوبة والإنابة إليه سبحانه وتعالى؛ فإنه رفعة درجة. ولذلك يقولون: قد ينزل البلاء بسبب الذنب؛ فيكون طريقاً إلى الرحمة والفوز بمغفرة الله عز وجل، وصلاح العبد في دنياه وآخرته.
التذكير بالوصية
التذكير بالوصية قوله: [وتذكيره التوبة والوصية]: أي: تذكر المريض أن يوصي إذا كانت عليه حقوق، والوصية تكون واجبة، وتكون مندوبة مستحبة. أما الوصية الواجبة: فإذا كان على الإنسان حقوق، كأن يكون عليه دين، أو يكون لإنسان عليه حق، فعليه أن يكتب هذه الحقوق كاملة لأصحابها، ويأمر بردها لأصحابها، ولا يجوز للإنسان أن يتساهل في هذا. وكل إنسان ابتلي بالدين قليلاً كان أو كثيراً فالواجب عليه أحد أمرين: إما أن يكتب هذا الدين ويشهد عليه ويعطي الكتاب لصاحب الدين؛ لأمر الله عز وجل بذلك في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة:282]، فأمر بكتابة الدين. وإما أن يكتب الوصية المشتملة على حقوق الله وحقوق العباد، فإذا كتب الدين في وصيته فقد برئت ذمته إن شاء الله تعالى. وإذا كانت عليك حقوق لله، مثل الحج إلى بيته الحرام، إذا كان الإنسان قد قدر على الحج ولكنه قصّر فلم يحج، فعليه أن يكتب أنه لم يحج، وإذا كانت هناك كفارات واجبة عليه كتب أن عليه كفارات من أيمان أو نحو ذلك، ويكتب عددها، وما هو واجبٌ لله عز وجل في هذا، وهكذا بالنسبة لبقية الحقوق المالية لله عز وجل. أما الوصية المندوبة، فهي أن توصي لقريب ضعيف، كأن يكون لك ابن عم، أو ابن خال، أو قريبٌ فقير ليس عنده مال، وأنت ستترك لورثتك مالاً، فتأخذ من وصيتك في حدود الثلث فتوصي لأقاربك؛ إذا لم يكونوا من أهل الإرث، أما إذا كانوا وارثين فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، فقال: (لا وصيةَ لوارث). وقد أعطى الله الحقوق لأصحابها في الميراث، فإذا كان القريب وارثاً فلا توص له، وإنما توصي للقريب الذي لا يرث، كابن عمٍ محجوب، أو ابن أخت أو ابن خالة أو ابن عمة، وتعلم أنه محتاج فتوصي له، فهذه وصيةٌ مندوبة مستحبة. وقد تصدق الله عز وجل على العباد بثلث أموالهم، وذلك هو الحد الذي يوصي الإنسان به، لما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (الثلث والثلثُ كثير)، حينما كان سعد يريد أن يوصي بكل ماله. فالثلث هو الذي يوصي به الإنسان، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (لو أن الناس غضوا من الثلث). يعني: إذا أردت أن توصي فلا تصل إلى الثلث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والثلث كثير)، وسيأتي إن شاء الله بيان أحكام الوصايا في كتابها وبابها. والحاصل أن من حقوق المريض أن تأمره بالتوبة وتأمره بالوصية، وتقول له: يا فلان! إذا كانت عليك حقوق أو ديون فاكتبها، فهذا المرض الذي نزل بك يوجب عليك أن تحتاط لنفسك، وتستبرئ لذمتك، فتكتب ما عليك من الحقوق للعباد ولله. وإن كان على الإنسان صيام أيام كتبها، أو نحو ذلك من الحقوق والواجبات التي تقضى عنه بعد موته.
استحباب ولاية أمر المريض لأحب الناس إليه وأصبرهم عليه
استحباب ولاية أمر المريض لأحب الناس إليه وأصبرهم عليه يقول المصنف رحمه الله: [وإذا نُزل به سن تعاهد بلّ حلقه بماءٍ أو شراب]. قوله: (وإذا نزل به) أي: نزل به الموت، وللموت أمارات وتكون قبل سكرات الموت، ثم تفضي بالإنسان إلى السكرات، ثم تنتهي به إلى الممات، فمن أمارات الموت وعلاماته: أن يكون المرض ميئوساً منه، أو يكون مرضه من الأمراض التي لا يرجى شفاؤها، ولله عز وجل سنن كونية جعلها تدل على ما ينشأ أو يقع، فإذا كان هناك أطباء قرروا أن المرض الذي أصيب به المريض قد ثبت بالتجربة والعادة والاستقراء أنه لا يبقى صاحبه، فهذه من علامات الموت. ومن العلامات التي تدل أن الإنسان سينتهي به مرضه -في الغالب- إلى الموت أن يشتد به المرض، أو يحصل له من الحوادث أو الوقائع ما يدل على أنه لا يرجى برؤه ولا يرجى بقاؤه، فهذه كلها من الأمارات التي تسبق الموت وتدل عليه. فإذا كان الإنسان قد رأى علامات الموت، أو اطلع الأطباء على أن المرض الذي معه لا يرجى برؤه؛ فينبغي على الإنسان أن يتهيأ، وعلى أقرباء المريض إذا رأوا أن المرض لا يرجى برؤه، فعليهم أن يتركوا أمر المريض إلى أحب الناس إليه وأرفقهم به؛ وذلك لأن هذه الساعات الأخيرة من الدنيا يكثر فيها شكاية المريض، ويكثر فيها توجعه، ويكثرُ تفجعه وتألمه. فإذا كان الذي يتولى أمره معروف باللطف والإحسان في المعاملة، فإنه يتسع صدره في تحمل هذه الأمور، ويكون أدعى إلى الرفق بالميت. ولذلك نبه العلماء رحمة الله عليهم والسلف الصالح -منهم الإمام الشافعي - على أنه يستحب أن يترك أمر ولاية المريض في آخر حياته إلى أرفق الناس به، وقد يكون أرفق الناس به ابنه، وقد تكون إحدى بناته، وقد تكون إحدى زوجاته، وقد يكون أحد أقاربه من أبناء الأعمام أو أبناء الأخوال، فالشخص الذي يُعرف ارتياح المريض له، وكذلك حبه له وأنسه به، هو الذي يترك له القيام على شأنه. ويُتأكد ذلك حينما تكون هناك الأسباب والعواقب الحميدة لهذه الولاية؛ منها: الرفق بالمريض وعدم التضجر والسآمة، بخلاف ما إذا وليه من هو دون ذلك، فإنه ربما يضجر ويسأم، فالمريض في شدة المرض إذا رأى السآمة والملل من الذي يليه وقع بين نارين، لا يدري أيصبر على مرضه فيكتوي بنار المرض، أم يبوح بسره أنه يحتاج إلى أمر فيكتوي بنار المذلة والمهانة والتضجر والسآمة، خاصةً إذا كان عزيزاً كريم النفس، فإنه ربما لو رأى الموت لا يسأل الناس؛ من شدة كرامة نفسه عليه وأنفته. فينبغي أن يترك أمر ولاية المريض إلى أرفق الناس به، وألطفهم في معاملته وأحلمهم به، ويجب على المسلم أن يتقي الله في المريض، فإن المريض ممن يرحم ويستحق الرحمة؛ ولذلك لما سُئل أحد الحكماء العقلاء من العرب في الجاهلية: من أحب ولدك إليك، وأكثر عطفك عليه؟ قال: (الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ) فالمريض يحتاج إلى العطف والرحمة والشفقة. وينبغي للإنسان مهما رأى من الأذية والضجر أن يتسع صدره، خاصةً إذا كان المريض أحد الوالدين، أو ممن له حق أو فضل كالعالم؛ لأن المريض أثناء المرض تضيق عليه الأرض بما رحبت، بل وتضيق عليه نفسه التي بين جنبيه، ومن شدة وطأة المرض قد لا يستطيع أن يترفق في أسلوبه ولا في كلامه ولا في معاملته، وقد يغلب عليه الجفاء، وقد يكون فظاً في كلامه وحديثه، فينبغي للإنسان أن يتسع صدره.
أمور تعين من يلي المريض على سعة الصدر
أمور تعين من يلي المريض على سعة الصدر ومما يوسع الصدر: العلم بسعة ثواب الله جل وعلا، خاصةً إذا كان من الوالدين ومن القرابة؛ فإن الله يعظم أجرك ويجزل ثوابك، فترحمه. فاستشعار عظم الثواب عند الله عز وجل، فإنه مهما تضجر المريض منك وآذاك وثقل عليك؛ إذا تذكرت ما لك عند الله من المثوبة، هان عليك كل ما يكون منه، ولذلك كلما تذكر المسلم عظم الثواب هانت عليه مشقة الطاعات وعناؤها وكدرها. ومن ذلك أن تنزل نفسك منزلته، فإنك حينما ترى ما هو فيه من الألم والمشقة والعناء؛ فإنه يتسع صدرك لتحمل ما يكون منه، وتقول: لو كنت مكانه لفعلت أشد، ولقلت ما هو أسوأ من هذا. ومن الأمور التي تعين على سعة الصدر: أن تذكر حقه عليك إن كان والداً ونحوه، فإن تذكُّر الحقوق يدعو إلى الصبر؛ فتتذكر اليد والنعمة والإحسان حتى تصبر على ما يكون من أذية وامتهان، ومن شأن الكرماء والعقلاء أنهم لا ينسون الفضل. قال الإمام الشافعي رحمه الله: الحر من حفظ وداد لحظة وتعليم لفظة. فلا يزال الإنسان مملوكاً لمن أحسن إليه، وكأنه رقيق يملكه؛ بسبب ما كان منه من إحسان. فإذا تذكرت ما للوالد من فضائل، وأنه كلما مرضت داواك وقام عليك، وتحمل مشقتك وعناءك، والأم في ذلك أشد وأكثر، فإنه يهون عليك ما تراه من الأذية والضجر. والعلماء رحمهم الله نبهوا على أنه ينبغي أن يلي أمر المريض من هو أرفق وألطف به. ثم إذا وليه ينبغي له أن ينتبه لحقوق الله وحقوق العباد التي سبق ذكرها، ويهيئه لما فيه الخير.
أمور ينبغي الإلمام بها لمن ولي أمر المريض
أمور ينبغي الإلمام بها لمن ولي أمر المريض من الأمور التي ينبغي على من ولي أمر المريض أن يكون على إلمام بها إذا رأى أمارات الموت: أن يذكر سعة رحمة الله عز وجل، فعند قرب الأجل ينبغي دائماً الاستكثار من ذكر الآيات والأحاديث وقصص السلف الصالح التي تقوي يقين الإنسان بالله جل وعلا، وتحسن ظنه بالله سبحانه وتعالى، فيتلو آيات الرحمة وآيات المغفرة، وآيات الجنة وما أعد الله فيها لعباده من رفعة الدرجات والنعيم المقيم والرضوان العظيم، فهذه تُحسن الظن بالله سبحانه وتعالى. ورد عن بعض السلف أنه لما حضرته الوفاة، أمر ابنه أن يقرأ عليه الأحاديث التي فيها ذكرُ التوبة، فكان السلف الصالح رحمهم الله يحبون ذكرها عند الموت؛ لأنها تحسن الظن، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال قبل أن يموت بثلاث ليال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل). والسبب في هذا: أن الميت إذا نزل به الموت، وكان قد تهيأ له بحسن الظن بالله، أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه؛ والمرء يختم له بما كان عليه من خيرٍ أو شر، فنسأل الله العظيم أن يختم لنا ولكم بخاتمة الحسنى. ورئي سلمان الفارسي رحمه الله بعد موته -كما روى أبو نعيم في الحلية- فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: ما وجدت مثل حسن الظن بالله. فحسن الظن بالله عز وجل من الفأل الحسن، وهو يقوي يقين الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ولما شُكي للنبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان ربما يتفجع ويكره الموت قال: (إنما ذلك العبد الصالح، إذا حضرته الملائكة فبشرته بما عند الله من المثوبة؛ أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والعبد الفاجر إذا نزل به الموت فبشرته الملائكة بما عند الله من العقوبة؛ كره لقاء الله فكره الله لقاءه) نسأل الله السلامة والعافية. وقد ذكر العلماء رحمهم الله -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى في الجزء الثامن عشر- أن السلف الصالح تسامحوا في بعض الرؤى والقصص والمنامات، بشرط ألا تعارض الأصول الشرعية، وألا تشتمل على محاذير؛ فبعض الرؤى التي تتضمن ما دلت عليه النصوص في الكتاب والسنة من حسن الظن بالله، لا حرج أن يحكيها الإنسان ويخبر عنها ما لم تعارض كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن ما عند الله فوق ما فيها من البشارة؛ فإنه مهما كان في نفسك من حسن الظن بالله، فاعلم أن الله فوقه دون أن يخطر لك على بال. أثر عن الإمام مالك رحمه الله أنه مرض مرضَ الموت، فأغمي عليه ثلاثة أيام، ولما أفاق في اليوم الرابع -وكان آخر أيامه من الدنيا- قالوا له: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أرى الموت -أي ما أظن إلا أني ميت- ولكنكم ستعاينون من رحمة الله ما لم يخطر لكم على بال. وهذه بشارةٌ عظيمة من هذا الإمام العظيم رحمة الله عليه، ولذلك إذا رأى المؤمن دلائل البشائر، ورأى أمارات السرور من الملائكة التي تتلقاه؛ لو خيّر ساعتها بين الرجوع إلى الدنيا وما عند الله لاختار ما عند الله على أهله وماله وولده والناس كافة. فلا شك أن حسن الظن بالله مطلوب، فمن يلي المريض يقوي مثل هذه الأمور في نفسه، ويقص عليه من قصص السلف الصالح وأخبارهم، وكيف كانت خواتمهم؛ فإن ذلك مما يقوي يقينه بالله سبحانه وتعالى؛ ويعينه على ما هو فيه من شدة الموت وسكراته.
استحباب تعاهد بل حلق المريض بماء أو بشراب وبيان العلة في ذلك
استحباب تعاهد بل حلق المريض بماء أو بشراب وبيان العلة في ذلك قول المصنف رحمه الله: [سن تعاهد بل حلقه بماء أو شراب]: المراد به أن يقوى المريض على قول لا إله إلا الله، وهذا من الرفق بالمريض؛ وذلك أنه إذا خُتِمَ له بهذه الكلمة العظيمة دخل الجنة، ففي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة). قال بعض العلماء: أي قالها بقوة إيمانٍ ويقين كامل؛ فإنه سيدخل الجنة. بمعنى: أنه لا يسبقه على ذلك عذاب من الله سبحانه وتعالى، وهذا إذا كمل توحيده، وكَمُل إخلاصه، فإنه يقولها عند الموت بقوة يقين؛ لأنه قد ترك الدنيا وراء ظهره، وأقبل على الآخرة؛ ولذلك تجده في هذه الحالة أصدق ما يكون، ولذلك قال أبو بكر رضي الله عنه لما بلغ هذا المبلغ عند ذكر وصيته قال: في ساعةٍ يؤمن فيها الكافر، ويوقن فيها الفاجر، وذلك بسبب ما يرى الإنسان من إمارات الحق لدار الحق والصدق وهي الآخرة، فإذا قال الإنسان هذه الكلمة خُتِمَ له بخاتمة السعداء، وهذه من علامات حسن الخاتمة.
علامات حسن الخاتمة
علامات حسن الخاتمة للخاتمة الحسنة علامات في الأقوال والأفعال، وظواهر الموتى، فمن علامات حسن الخاتمة القولية: قول "لا إله إلا الله"، والموت على ذكر الله جل جلاله، ومن هنا قال العلماء: (من أكثر من شيء في الدنيا فإنه يُختمُ له به)، أي: في الغالب، فإن كان كثير الطاعة لله جل جلاله، كثير الصلاة، كثير الصيام، كثير القربة؛ فإنه يأتيه الموت وهو ساجد بين يدي الله أو راكعٌ أو صائم، أو يأتيه وهو ذاكرٌ تال للقرآن، أو يأتيه وهو على تسبيح أو على استغفار أو تهليلٍ أو تحميد، أو غير ذلك من الطاعات والقربات. ومن أكثر من الصلة والبر والإحسان إلى الضعفة والمساكين؛ ربما جاءه الموت وهو خارجٌ في صلةِ رحم، أو بر والدين، أو طاعةٍ لله سبحانه وتعالى على حسب ما استكثر. وأما من استكثر من الحرام والفحش، فإن الله عز وجل يختم له بما كان له من غالب حاله، حتى لربما ذُكّر بلا إله إلا الله فامتنع عن قولها، ولربما تكلم بالحرام، ولربما تكلم بالغناء والفُحش والدعارة وهو في آخر لحظاته من الدنيا فيختم له بخاتمة السوء، نسأل الله السلامة والعافية! وفي حوادث الناس وأخبارهم ما تشيب له رءوس الولدان مما كان من حسن الخاتمة وسوئها، فالإنسان إذا أكثر من الخير فإن الله يختم له بخير، ومن هنا قال بعض العلماء في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران:102]؛ قالوا: الإنسان لا يملك أن يموت على الإسلام، بمعنى أنه لا يستطيع أن يقطع أن يموت مسلماً، ولكن المراد من الآية وكونوا على الإسلام، حتى إذا جاءكم موت جاءكم وأنتم على طاعة الله جل جلاله وعلى محبته ومرضاته؛ فيُختم للإنسان بالخاتمة الحسنة. ومن علامة حُسن الخاتمة التي تكون في الأفعال: أن يموت وهو في صلاة، أو يموت وهو في حج، أو يموت وهو في عمرة، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الرجل الذي وقصته ناقته: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً). فقوله: (إنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: يبعث على هذه الحالة التي مات عليها من طاعة الله تبارك وتعالى، ولذلك ينبغي للمسلم -كما قلنا- أن يكون على خصال البر حتى يختم الله عز وجل له بالخاتمة الحسنة، ومن هنا شدد العلماء في تعاطي المحرمات التي قد تفضي إلى الموت -كشرب الخمر والعياذ بالله- فإن الإنسان إذا تعاطى مثل هذه المحرمات قد يُختمُ له بها، فقد يموت شارباً للخمر فيهوي في النار لزوال عقله، فيحرق بنار الدنيا قبل نار الآخرة، وقد يكون شارباً للخمر فيتردى من فوق بيته أو من شاهق، أو يطعن نفسه أو ينتحر والعياذ بالله، فهذه من علامة سوء الخاتمة في الأفعال، فكما أن حسن الخاتمة يكون في الأفعال كذلك -أيضاً- سوء الخاتمة يكون بهذه الأفعال. ومن علامات حسن الخاتمة: رشح الجبين، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن موت المؤمن يكون بعرق الجبين)، فإنه يرشح جبينه، وتكون على المؤمن الصالح البر التقي علامات الطمأنينة وعلامات الاستبشار، حتى أن بعضهم يموت وهو مبتسم؛ مما يرى عند الله عز وجل من البشائر الحسنة، فتجد ثغره باسماً يتهلل. بل إن بعض الأموات من الأخيار والصالحين لا ترى في وجوههم وحشة الموت، ولقد رأيت أحد الفضلاء وقد كان كثير الصدقات، كثير الإحسان، بعيداً عن أذية الناس، كثير الخير للضعفاء والمساكين، رأيته بعد موته فوالله ما رأيت أشرق منه وجهاً تلك الساعة، ولقد كنت أتمنى ألا يحجب وجهه عن رؤيته من لذة ما تراه، فو الله الذي لا إله إلا هو لكأنك تنظر إلى شمسٍ تتهلل من النور والضياء، وكأنه حيّ، لا ترى عليه وحشة الميت؛ وهذا كله بفضل الله عز وجل؛ ثم بما كان من الإنسان من الأعمال الصالحة. أثر عن عبد الله بن المبارك رحمه الله أنه لما حضرته الوفاة، لقنوه قول "لا إله إلا الله" ثم نظر إلى السماء فتبسم ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون. وهذا يدل على أنه رأى خيراً من الله سبحانه وتعالى، وهي بشارةٌ حسنة، وكم في قصص الأخيار والصالحين من حسن الختام، والبشائر التي تدل على لطف الله عز وجل بأوليائه وأحبابه! ولا شك أن الإنسان إذا عمل العمل الصالح، فإنه ينتظر من الله أن يرحمه ولا يعذبه، وينتظر من الله عز وجل أن يعزه ولا يذله، وأن يكرمه ولا يهينه، وألا يخزيه لا في الدنيا ولا في الآخرة، فمن عاجل ما أعد الله للأخيار الصالحين: أن الله لا يخزيهم في الدنيا ولا يخزيهم في الآخرة؛ ولذلك تكون خاتمتهم على أحسن ما تكون عليه الخواتم، وترى من ثناء الناس ودعائهم وتفطر القلوب على فراقهم، ما يشهد بالقبول من الله جل وعلا، فإن الله إذا وضع القبول للعبد في السماء وضعه له في الأرض. قوله: [تعاهد بل حلقه بماء أو شراب] أي: حتى يسهل عليه النطق بهذه الكلمة، وحتى يكون آخر ما يقول "لا إله إلا الله"، وإذا قال: "لا إله إلا الله" (مرة) سكت عنه حتى لا يضجر، فإن تكلم بعدها بكلام من الدنيا أعيدت عليه بعد فراغه من كلام الدنيا وقضاء حاجته. وفي تلقين الأموات أحوال: فبعضهم قد تخاف منه السآمة والضجر، وبضعهم لا تخشى منه شيئاً، بل إن بعضهم يفرح حين يجد من يلقنه التهليل ويستبشر، وتجد عليه الأنس والسرور، فهذا لا إشكال فيه. أما إذا كنت تخشى منه الضجر أو تخشى منه السآمة فعليك أن تلقنه بطريق غير مباشر، كأن تذكر شيئاً من عظمة الله عز وجل، ثم تقول: لا إله إلا الله، أو تقولها بلسان خاشع وقلب خاشع إذا رأيت منه الغفلة؛ فإن هذا يدعوه إلى التأسي بك والاقتداء بك، فإن ذكر الله يحث على ذكره سبحانه وتعالى، ويشوق إلى ذكر هذه الكلمة الطيبة. يتعاهد بل حلقه بالماء أو بالشراب إذا كان هناك عصير ونحو ذلك مما يعين على سهولة نطقه وحديثه. وكذلك بل الحلق بالماء فيه فائدة ثانية، وهي أنه ربما يحتاج المريض إلى شيء، فإذا احتاج إلى هذا الشيء لا يستطيع أن يتكلم وحلقه جاف، وفي جفاف الحلق عسر عليه وأذية ومرض، فمن اللطف والرحمة به أن يبله، وهذا يدخل في عمومات الشريعة التي تدل على الرحمة والإحسان. يقول المصنف رحمه الله: [وندي شفتيه بقطنةٍ]. قوله: [ويندي شفتيه بقطنة] كل ذلك من أجل أن يسهل عليه الكلام والحديث، وهو أيضاً أرفق؛ لأنه إذا اخشوشن حلقه ربما تضرر، وحصلت له المشقة إذا طلب شيئاً أو سأله، وربما تعذر عليه أن يتكلم بما يحتاج. قال المصنف: [وتلقينه "لا إله إلا الله" (مرةً) ولا يزد على ثلاث، إلا أن يتكلم بعده فيعيد تلقينه برفقٍ]. هذه من علامات حسن الخاتمة، وقد تقدم الحديث عليها، ومنها أن يختم للإنسان بقول "لا إله إلا لله"، ومن قال: "لا إله إلا الله" في آخر حاله من الدنيا؛ فإن الله عز وجل يحجبه عن النار على أحد الأقوال. وقال بعض العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) أي: أنه إذا كان عاصياً أو عنده كبائر ذنوب وأراد الله أن يعذبه، فإن الله لا يخلده في النار، وأن أمره سينتهي به إلى الجنة. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، أن يجعل أسعد اللحظات وأعزها لحظة الوقوف بين يديه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
تكرار عيادة المريض
تكرار عيادة المريض Q هل من السنة تكرار عيادة المريض، خاصةً إذا طال مرضه أثابكم الله؟ A لا يخلو تكرار عيادة المريض من أحوال: الحالة الأولى: أن يكون المريض محتاجاً إلى هذا التكرار فلا إشكال في مشروعيته، وقد يتأكد، وقد يجب وذلك إذا كان المريض شديد القرابة كالوالدين والأبناء والبنات والإخوان والأخوات، فهؤلاء جرت العادة أن الإنسان يعودهم، بل قد تجري العادة في بعض الأحيان ألا يفارقهم إلا عند الحاجة والضرورة؛ فلذلك يتأكد على الإنسان أن يكرر عيادتهم ويتفقد أحوالهم. الحالة الثانية: أن تكون تكرار عيادة المريض موجبة للسآمة والملل والضجر، فهذا ينبغي للإنسان أن يتقيه، وفيه مضرة وأذية للمريض، وأذية لأهل المريض، بل ينبغي على الإنسان أن يخفف عنهم، حتى في حال الزيارة لا يطيل القعود، ولا يطيل المكث، إلا إذا كان المريض يرتاح لذلك، وغلب على ظنك أنه يأنس بك، وأما إذا كان إنساناً ثقيلاً فإنه ينبغي عدم الإطالة، وإذا رأيت من المريض السآمة والملل، فإنه يشرع لك أن تقيم هذا العائد بأسلوب ليس فيه طرداً له، خاصةً إذا رأيت تعب المريض وضجره، فإن بعض الناس يمل ويثقل ويؤذي، وربما يدخل في العيادة بعض المشاكل أو بعض الفتن التي تقع بين القرابات أو تسبب خصومة، فمثل هذا يرى بعض العلماء أنه يشرع حجبه إذا كان في تكراره ما يوجب ذلك، أو يحصل به هذا المكروه؛ فإن درء المفاسد مطلوب، وما يتوقف عليه درء المفاسد يعتبر لازماً؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدرء المفاسد واجب، وما لا يتم تحقيق هذا الواجب إلا به فهو واجب. أما الحالة الثالثة: فهي أن يطول العهد بينك وبين المريض، أو تريد أن تطمئن عليه فلا ترتاح نفسك، كحبك وصديقك، فتريد أن تتفقد حاله؛ لأنك لا ترتاح حتى تراه وتطمئن عليه، فهذا تؤجر عليه، وهو -إن شاء الله- يعتبر من الإحسان الذي نُدب إليه، والله تعالى أعلم.
قياس أجر زيارة المريض بصاحب الهم والمصيبة
قياس أجر زيارة المريض بصاحب الهم والمصيبة Q هل تقاس زيارة المهموم وذي المصيبة على زيارة المريض من حيث ثواب الزيارة والعيادة أثابكم الله؟ A أما الثواب فهو أمرٌ غيبي لا يعلمه إلا الله علاّم الغيوب، ليس هناك نص معين يدل على مقدار ما للإنسان إذا واسى مصاباً أو عزى من له ميت، فهذا مما يسكت عنه ويوكل الأمر إلى الله جل جلاله، فقد يكون ثوابه أكثر من عيادة المريض، وقد يكون مساوياً له، وقد يكون أقل، فعلم ذلك إلى الله جل وعلا، وهذه الأمور يسميها العلماء بالأمور التوقيفية، ويسمونها بالسمعيات؛ لأنه يتوقف فيها، ولا يتكلم المفتي فيها إلا بحدود النصوص، وليس في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تحديد مقدار الأجر في ذلك، هل هو أكثر من العيادة أو مثلها أو دونها، ولذلك يتوقف في هذا الأمر، والظن بالله حسن والله تعالى أعلم.
نبش القبر إذا قبر الميت دون غسل
نبش القبر إذا قبر الميت دون غسل Q هل ينبش قبر الميت ويغسل إذا قبر قبل غسله؟ A نعم، هذه من الأحوال التي تبيح نبش القبور، إذا أُمن التغير ودفن قبل أن يغسل أو قبل أن يكفن، فإنه في هذه الحالة يطلب نبش القبر وتغسيله وتكفينه والقيام بحقه، والسبب في ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقيام بحق الميت من تغسيلٍ وتكفين، فقال -كما في الصحيحين من حديث ابن عباس - في الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر -هذا أمر، والأمر للوجوب- وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمّروا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فأمر صلوات الله وسلامه عليه بهذه الأوامر، ونهى عن هذه النواهي، وهذا يدل على اللزوم والوجوب. وكذلك قال في ابنته: (اغسلنها بماءٍ وسدر) (اغسلنها): أمر، فذلك في الرجال وهذا في النساء، فهذا يدل على وجوب القيام بتغسيل الميت وتكفينه ورعاية حقه، فإذا قبر الميت قبل أن يغسل، أو قبل أن يكفن فإنه يشرع نبش القبر وتغسيله وتكفينه. وهكذا إذا غسله ولم يتم تغسيله على الوجه الذي يحصل به القيام بالواجب، كأن يكون ترك عضواً من أعضائه، فحينئذ ينبش ثم يغسل مرة ثانية ويكفن وهكذا إذا قُبر عارياً بدون كفن، فإنه يشرع أن ينبش ثم يكفن ويقام بحقه على الوجه المعتبر والله تعالى أعلم.
حكم كشف وجه الميت في القبر
حكم كشف وجه الميت في القبر Q هل يصح كشف وجه الميت في القبر أثابكم الله؟ A هذا ذكره العلماء في الكشف عن وجه الميت، قالوا: لأن التكفين إنما هو للجسد، ويكشف بمكان الحساب، ولا أحفظ في ذلك نصاً صحيحاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجرى به عمل الناس، ولكن لا يحكم ببطلانه إلا بدليل، خاصةً وأن بعض العلماء -رحمة الله عليهم- أشاروا إليه، وقالوا: إنه تحل عن الميت الأربطة، ويكون حل الأربطة في القبر لمكان الإقعاد، وفي الصحيح (يأتيان ملكان فيقعدانه) قالوا: فتحل الأربطة ويكشف عن الوجه؛ وذلك لمكان السؤال والحساب والله تعالى أعلم.
حكم صلاة الجنازة على المحدود في حد من حدود الله عز وجل
حكم صلاة الجنازة على المحدود في حد من حدود الله عز وجل Q ما حكم صلاة الميت على المقتول حداً، أو كان مقتولاً بحد الحرابة أثابكم الله؟ A الميت المسلم إذا قتل بحد، كأن يكون زانياً محصناً، ثم رجم حتى مات، أو قتل عمداً وعدواناً، ثم اقتص منه فقتل، أو قتل حرابةً؛ فإنه يشرع تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، ويُصلى عليه ويدعى له ويستغفر له ويترحم عليه؛ لأنه من المسلمين، وهو أحق بالاستغفار والترحم؛ لمكان حاجته إلى توبة الله عز وجل عليه، وإن كان قيام الحدود بالمذنبين كفارةٌ لهم في الدنيا، وكفارةٌ لهم في الآخرة، ولكن كونه على جرم أو كونه على فسق؛ أدعى أن يستغفر له الإنسان وأن يترحم عليه، وهكذا إذا كان مبتلى بالمسكرات والمخدرات يشرع أن يصلى عليه، وأن يعزى أهله، وليس هناك دليل يخرجه من الإسلام حتى يحكم بمعاملته معاملة الكافر. فبعض من الناس -أصلحهم الله- يغلو، فتجده لا يعزي أهل الميت إذا مات في شرب خمر، أو مات في معصية من كبائر الذنوب، وهذا خطأ! فإن المسلم العاصي إذا لم تبلغ معصيته به إلى الكفر يشرع معاملته معاملة المسلم المطيع. ولكن الذي ذكره العلماء رحمة الله عليهم: أنه لا يصلي الإمام العام ومن له تقدم كأهل الفضل، على أهل المعصية؛ زجراً للناس أن يفعلوا فعلهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل على ماعز. والصحيح: أنه يشرع أن يصلى عليه، وخاصةً إذا اعترف بذنبه وأقر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له عمر: (أتصلي عليها وقد فعلت ما فعلت -المرأة التي زنت-؟! قال: والذي نفسي بيده! لقد تابت توبةً لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وأثنى عليها عليه الصلاة والسلام، لأنها تابت وأقرت. قالوا: كما أنها تابت وأقرت، كذلك من أقيم عليه الحد، فإنه في حكم ذلك، وهذا هو الصحيح، فإذا أقر بذنبه وأقيم عليه الحد شرع أن يصلي عليه حتى الإمام الراتب؛ لأنه تاب وخرج من ذنبه، فبقي على الأصل العام، بل إنه إذا صلى عليه الإمام الراتب، دعا أن يسلكوا مسلكه ليتوبوا إلى الله وينيبوا من ذنوبهم. أما لو أقيم عليه الحد بدون إقرار منه، فبعض العلماء يقول: إنه لا يصلي عليه الإمام الراتب، زجراً للناس، فإن كان هذا المعنى -وهو الزجر- يتحقق، قد يشرع له على هذا القول، أما إذا كان لا يتحقق فإنه لا مانع أن الإمام يصلي عليه؛ لأنه يفوت على نفسه فضيلة القراءة في الصلاة عليه والاستغفار له والترحم عليه. ولذلك يشرع أن يصلى على أموات المسلمين عموماً، وأن يقام بحقوقهم، وأن يدعى لهم، ويستغفر لهم، وكونهم أذنبوا فيما بينهم وبين الله لا يمنع أن نقوم بحقهم من الدعاء والاستغفار لهم؛ ولذلك قالوا عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه قال: إنه كان يغبط الحجاج على أمرين -وكان الحجاج كثير المعصية لله عز وجل بما كان منه عمل- فكان عمر بن عبد العزيز يغبطه على أمرين: الأمر الأول: أنه كان يعتني بكتاب الله عز وجل، وكانت عنايته بالكتاب عجيبة. وأما الأمر الثاني الذي غبطه عليه: أنه قال قبل أن يموت: اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي. أي: إن مغفرتك وحلمك وعفوك أوسع من هؤلاء، وإني أسألك -مع أنهم يقولون إنك لا تغفر لي- أن تغفر لي، فإن يقيني بك أنك ستغفر لي. فغبطه على هذه الكلمة، حتى إن الحسن البصري رجا له الخير حينما سمع عنه أنه قال هذه الكلمة. فالعصاة والمذنبون ربما يكون بينهم وبين الله عز وجل توبة، وقد يكون بينهم وبين الله عز وجل عمل، فيغفر الله لهم ما كان منهم. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المخطئين والمذنبين من الأئمة: (فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم -أي: عملكم الصالح- وعليهم -أي: خطؤهم عليهم-) فهذا مذنب وذنبه عليه، ولكن كونك أنت مسلم تحس بما بينك وبينه من حقوق، فلا يمنع أن تترحم عليه، وتستغفر له وتدعو له بالخير، ولعل الله عز وجل أن يرحمه بشفاعتك، فيكون هذا من الخير لك في دينك ودنياك وآخرتك؛ فإن الله عز وجل يرحم من عباده الرحماء، فيستغفر لهم ويترحم لهم، ويُذكرون بما كان منهم من صالح الأعمال، ويكف عن سيئاتهم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
مقدمة كتاب الجنائز [2]
شرح زاد المستقنع - مقدمة كتاب الجنائز [2] هناك أمور ومستحبات ينبغي فعلها عند من حضره الموت، منها ما يفعل عند معالجته للسكرات، ومنها ما يفعل بعد قبض روحه، كغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، ويسن الإسراع في تجهيزه، وإنفاذ وصيته، وقضاء دينه.
من أحكام المحتضر
من أحكام المحتضر بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول المؤلف عليه رحمة الله: [ويقرأ عنده: يس]. لا زال المصنف رحمه الله يبين جملةً من المسائل والأحكام المتعلقة بالمحتضر؛ وذلك أن الفقهاء -رحمهم الله- من عادتهم أن يبينوا بعض السنن والآداب والأحكام المتعلقة بالمرضى والمحتضرين في باب الجنائز، وقد سبق بيان جملة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في الشخص المحتضِر، وما ينبغي عليه من التهيؤ في قدومه على الله عز وجل، والمحافظة على حقوق الله سبحانه وتعالى وحقوق عباده من الوصايا ونحو ذلك من الأمور التي سبق التنبيه عليها.
قراءة يس عند المحتضر
قراءة يس عند المحتضر وهنا قال رحمه الله: (وتقرأ عنده (يس)). وقد ورد بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحسنه غير واحد من أهل العلم، وذكر بعض أهل العلم -رحمهم الله- أن السبب في ذلك: أنها تسهل خروج الروح من جهة كون الإنسان يسمع فيها ذكر الجنة، وما أعد الله عز وجل لعباده المحسنين من حسن الثواب والعاقبة، فيحب لقاء الله عز وجل، وكلما كان الإنسان في مثل هذا المقام يحسن الظن بالله عز وجل واليقين فيه سبحانه وتعالى، كان ذلك أرجى لرحمة الله له، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله). فلهذا قالوا: لقد ورد الخبر بقراءة هذه السورة لاشتمالها على ذكر الجنة، وما فيها من إحسان الله عز وجل لعباده المؤمنين. وأما بالنسبة لما قاسه بعض العلماء على هذه السورة، فقال بعض أهل العلم: يقرأ (الفاتحة) لفضلها، ويقرأ سورة (تبارك) لأنها المنجية. والصحيح: أن تخصيص (الفاتحة) وتخصيص سورة (تبارك) لا أصل له في هذا الموضع؛ ولذلك لا يقاس على (يس) غيرها من السور، بل ينبغي أن يعبد العبد ربه بما شرعه له، فإن ثبت الخبر بـ (يس) اقتصر عليها. وسورة الفاتحة لا شك أنها من أفضل القرآن وأعظمه وأجله، ولكن لا يخص هذا الوقت وهذا الزمان بفعلٍ ولا بقراءةٍ إلا بدليل شرعي، وعلى هذا يقتصر على قراءة (يس). وأما قول بعض العلماء: إنه يقرأ سورة (تبارك)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفها بكونها منجية، فالخبر ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم في قراءتها عند النوم: (أعرف في القرآن سورةً ثلاثون آية، ما زالت بصاحبها حتى أنجته من عذاب القبر) ثم ذكرها وهي {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} [الملك:1] فهذا يدل على تخصيصها في هذا الموضع، فيقرؤها في هذا الموضع، وأما ما عدا ذلك فإنه يقتصر على الوارد، وهذا هو الأصل والسنة وينبغي المحافظة عليه.
توجيه المحتضر إلى القبلة
توجيه المحتضر إلى القبلة قال رحمه الله: [ويوجهه إلى القبلة]. هذه الأمور -قراءة سورة (يس) والتوجيه- تتعلق بالشخص الذي عند المحتضر، ومن عادة العلماء أن يبينوا الأمور التي يقوم بها الإنسان في حق نفسه، وكذلك الأمور التي ينبغي على الغير أن يقوم بها في حق ذلك المحتضر، فذكروا بالنسبة للشخص الذي عند المحتضر فعليه أمران: أحدهما: قولي، وهو قراءة السورة. والثاني: فعلي، وهو توجيه المحتضر إلى القبلة. وللسلف رحمهم الله في توجه المحتضر قولان: قال جمهور العلماء بمشروعيته، وأنه يستحب أن يوجه عند الاحتضار. وقال بعضهم: بأنه لا يوجه، وهو المأثور عن سعيد بن المسيب رحمه الله، وأنكره على ابن أخيه. والصحيح: أنه يشرع؛ وكونهم فعلوه بـ سعيد بن المسيب رحمه الله دل على أنه كان معروفاً في زمانه، وقد قال عليه الصلاة والسلام في القبلة: (قبلتكم أحياءً وأمواتاً) وأفضل ما يوجه إليه هو القبلة، ومن هنا: لا حرج في تقبيل الميت وتوجيهه إلى القبلة، وهذا التوجيه يكون على صورتين: الصورة الأولى: أن يرفع صدره قليلاً، وتكون رجلاه إلى جهة القبلة، فيكون مستقبلاً للقبلة بصدره وبوجهه. والصورة الثانية: أن يكون مستقبلاً للقبلة كحال من ألحد في القبر، بأن يضجع على شقه الأيمن على جهة القبلة. والأرفق به الصورة الأولى: وهي أن يرفع صدره قليلاً، ثم يكون وجهه إلى جهة القبلة، على خلاف ما يفعله بعض العوام من وضع رأسه جهة القبلة، فإن هذا على عكس القبلة، وإنما التقبيل أن توضع قدماه أو رجلاه جهة القبلة، ويرفع صدره قليلاً، والدليل على ذلك: أن الإنسان إذا صلى وهو مضطجع، يصلي على هذه الحالة، ولذلك يكون التقبيل بهذا الوجه.
من أحكام الميت بعد قبض روحه
من أحكام الميت بعد قبض روحه قال المصنف رحمه الله: [فإذا مات سن تغميضه].
تغميض عيني الميت
تغميض عيني الميت ذكرنا أنه إذا كان الإنسان في حالة الاحتضار والنزع يلقن "لا إله إلا الله"؛ لما فيها من الفضل، ولأن الإنسان إذا كان آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله" دخل الجنة، ومن هنا قالوا: يلقن هذه الكلمة، فإذا فعل مَنْ عند المحتضر ما ذكرناه من الأقوال والأفعال ومات الإنسان، فالسنة أن يبدأ أول ما يبدأ بإغماض عينيه، فتغميض عيني الميت من الآداب والسنن التي تفعل بالميت إذا مات. بعد أن بين لنا رحمه الله الأمور التي تُفعل قبل الاحتضار في حال المرض، والأمور التي تفعل أثناء الاحتضار شرع رحمه الله في بيان الأمور التي تُفعل بعد خروج الروح، فإذا قضى الإنسان، وخرجت روحه، فهناك حقوق وواجبات وآداب وسنن ينبغي على من حضر الميت أن يفعلها، وهي من حق الميت على الحي: أولها: تغميض عينيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم غمض عيني أبي سلمة، وكذلك جاء في حديث شداد بن أوس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإغماض العينين، وقال: إن الروح إذا قبضت تبعها البصر) فلذلك يشخص بصر الميت عادةً إلى السماء، فالسنة: أن يبدأ أول ما يبدأ بتغميض عينيه، فيطبق الجفنين على بعضهما.
لزوم الصبر على المصيبة
لزوم الصبر على المصيبة وبعد تغميضه للعينين يشرع أن يقول الوارد من الاسترجاع، وذكر الله عز وجل، وأن يبتعد عن التسخط والجزع، وأن يرضى بما أنزل الله به من بلاء، فإن الله تعالى يمتحن عباده بمثل هذا، فمن رضي في مثل هذه المواقف أرضاه الله عز وجل، وهي المواقف التي يسميها العلماء بمواقف الزلزلة؛ لأنه يزلزل فيها المؤمن، ويمتحن ويختبر ويبتلى. فإذا أراد الله أن يلطف به ثبت قلبه، فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون) أي: ما نحن إلا ملكٌ لله سبحانه وتعالى، ومآلنا ومصيرنا إليه جل وعلا، (إنا لله) أي: ملكٌ له، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا يرد له قضاء سبحانه وتعالى، فإذا قال هذه الكلمة (إنا لله وإنا إليه راجعون) صلى الله عليه ورحمه وغفر له، ولربما أن الله عز وجل أعَظَم منه هذه الكلمة فبوأه بها درجة أو منزلة في الجنة؛ وذلك لعظم هذا الموقف؛ ولما فيه من ابتلاء الله سبحانه وتعالى لعباده، خاصةً إذا كان الميت عزيزاً عليه كوالديه أو ولده. وفي الحديث الصحيح أن الله تعالى إذا ابتلى عبده فحمده واسترجع، فإن الله سبحانه وتعالى يعظم له الثواب، ويخلف له خيراً مما فقد، كما في الصحيح من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من عبدٍ تصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلفني خيراً منها! إلا آجره الله في مصيبته، وأخلفه خيراً منها). فأول ما ينبغي عليه: الصبر، والصبر أمرٌ يرجع إلى القلب، فهو عملٌ قلبي، وأعمال القلوب قد تفوق أعمال الجوارح الأخرى، وهي من أحبها إلى الله سبحانه وتعالى وأقربها إليه؛ لأنها تتصل بالعقيدة، فإذا رضي وصبر فهذه أول منزلة، وأول نعمة، ورحمة يرحم الله بها المبتلين بمثل هذه المصائب. فيظهر أثر الصبر على لسانه، فيذكر الله عز وجل؛ لأن المؤمن إذا نزلت به المصيبة لا يتوجه إلاّ إلى الله، وهذا من كمال إيمانه، ولكن الكافر وضعيف الإيمان يتسخط ويجزع ولا يدري أين يذهب، فمن رحمة الله عز وجل بالمؤمن أن الله يثبته في مثل هذه المواقف، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ويقول الوارد في ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام.
الرضا بما قدر الله عز وجل
الرضا بما قدر الله عز وجل ثم بعد ذلك يصحب هذا الصبر الرضا، فإنه قد يعطى الإنسان الصبر ولا يعطى الرضا؛ أي أن الإنسان قد يصبر على كره ويبقى في نفسه متسخطاً جزعاً. وينبغي أن يصحب صبره بالرضا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الترمذي وغيره: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضاء. ومن سخط فعليه السخط) فالناس إما راضٍ وإما متسخط. فالأمر الثاني الذي يصحب الصبر عمل قلبي وهو رضاه بما أنزل الله به من مصيبة، فلا يجزع ولا يتسخط. قال العلماء: ومن الرضا عند المصيبة إحسان الظن بالله عز وجل، فالإنسان إذا فقد أباه سلط عليه الشيطان ابتلاءً واختباراً، فيقول له: قد فقد من يعولك! وقد فقد من يقوم عليك! وقد فقد كذا وكذا فإذا أراد الله أن يجعل له الرضا على أتم وجهٍ أحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فقال: ما هذا الأب إلا رحمة من الله عز وجل، وكما أن الله رحمني بأبي فسيرحمني بغيره، ولن يكلني إلى أحدٍ سواه، فيصبح فقري إلى الله وغنائي به، وكفى بتلك نعمة. فإذاً لا بد من هذين الأمرين: أن يصبر ويرضى، ويظهر الأثر بذكر ما ينبغي من الاسترجاع، وذكر الله عز وجل، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا الأمر الثالث فقال: (إن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) وذلك لما قبض أبو سلمة رضي الله عنه وصاح من في الدار، نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأمرهم أن يقولوا خيراً، وبين أن الملائكة تشهد المؤمن، وأنها تؤمن على ما يقال. فإذا رزق الله العبد الصبر والرضا عند المصائب التي لا تختص بالموت من مصائب الدنيا وفجائعها، فقال: اللهم ثبتني! اللهم ارحمني! اللهم وفقني! فدعا الله أمنت الملائكة على دعائه، وكان ذلك أدعى للإجابة، فإذا قال قال خيراً، ولذلك ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قبض أبو سلمة قال الدعاء المأثور: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين! وافسح له في قبره، ونور له فيه) وهذا هو الذي يفيد؛ وهو الكلمات الطيبة، والدعاء المأثور، وذكر الله سبحانه وتعالى الذي يعود بالخير على المتبلى، ويعود بالخير حتى على الميت وأهله. فجمع النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدعوة الخير من جميع وجوهه، فهو يقول: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة) فهذا خيرٌ للميت، (وارفع درجته في المهديين) فجعل ما يقدم عليه أبو سلمة في الآخرة رفعة درجة، وهذا من أفضل ما يكون وما يرجوه الإنسان من ربه، وبقيت حاجة أبي سلمة التي يحزن عليها من فراق أهله، فقال: (واخلفه في عقبه في الغابرين) بمعنى أن يتولى الله ذرية الإنسان وما خلف وراءه، ثم قال: (واغفر لنا وله يا رب العالمين): لأن الإنسان إذا دعا لأخيه وأشرك نفسه معه في دعائه؛ فإنه يؤمن الملك على دعائه، فقوله: (واغفر لنا وله يا رب العالمين) أي: ليس أبو سلمة وحده الذي يحتاج إلى الدعاء، بل نحن أيضاً نحتاج إلى المغفرة والرحمة، فكما يدعو الإنسان لغيره يدعو لنفسه، فيعطي الحق لنفسه ولغيره. ثم قال عليه الصلاة والسلام: (وافسح له في قبره، ونور له فيه) فهذا هو الدعاء المأثور عند نزع الروح، فإذا نزعت روح الإنسان، أو بُلِّغت خبر إنسان كريم أو إنسان من عباد الله المؤمنين توفي أو قضي أو حضرت موته قلت هذا الدعاء، وإذا كنت لا تعرف اسمه تقول: (اللهم اغفر له، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين) فتنال عدة أمور كما ذكر العلماء: أولاً: تصيب فضل الدعاء. ثانياً: تصيب أجر الإحسان إلى أخيك بهذه الدعوة. وثالثاً: أن الله سبحانه وتعالى يأجرك على الاتباع والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قالوا: هذه الدعوة من أفضل الأدعية التي تقال عند قضاء الروح وبعد نزعها؛ لما فيها من التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم. كذلك يشرع له إذا كان في الدار أناس ضعاف أو متأثرون أن يذكرهم ويعظهم ويثبتهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت آل أبي سلمة، فإذا كان من طلاب العلم، أو كان من الصالحين الأخيار ذكرهم بما عند الله من المثوبة، وأن البكاء والجزع والسخط لا يرد غائباً؛ ولذلك إذا قال هذه الكلمات أحسن إلى أهل الميت، وكان فيها خيرٌ له ولهم من جهة التواصي بالحق والأمر بطاعة الله عز وجل.
شد اللحيين
شد اللحيين قال رحمه الله: [وشد لحييه]. إذا قبضت الروح قد يبقى فم الإنسان مفتوحاً، وحينئذٍ لا يؤمن من دخول الهوام، خاصةً إذا احتاج إلى وقت لكي ينقل ويغسل، فينبه العلماء على أمور هي من باب المحافظة على حرمة المؤمن، فشد اللحيين وإن لم يرد به نصٌ معين لكنه داخلٌ في الأصول العامة، والعلماء ذكروه ونبهوا عليه؛ لأن الميت إذا بقي فمه مفتوحاً فإنه يبقى حتى في قبره، وحينئذٍ تدخله الهوام ويؤذى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (كسر عظم الميت ككسره حياً) أي: في الإثم، فجعل حرمته ميتاً كحرمته حياً؛ ولهذا قالوا: يرفق به. وشد اللحيين يكون بإطباق الفم، ثم بعد ذلك يجعل عصابة تجمع اللحيين؛ لأنه بعد مضي فترة يصعب رد الفم إلى طبيعته، وقفله، ولذا يبادر بذلك بعد الوفاة مباشرة؛ لأن المفاصل لينة، وتستجيب أعضاء الميت لما يفعل به من قفل الفم.
تليين مفاصله
تليين مفاصله قال رحمه الله: [وتليين مفاصله]. لأنه يحتاج لذلك عند تغسيل الميت وتكفينه، وحينئذٍ إذا مات فإنه تُلين مفاصله، حتى يسهل عند التغسيل أن يدير الماء على جميع أعضائه، والمفاصل إذا لينت بعد الوفاة مباشرة لانت عند الغسل، ولكن إذا بقيت على حالتها يابسة لم تلن عند الغسل؛ ولذلك قالوا: يلين مفاصل الميت، فيبدأ -مثلاً- باليدين يجمعها من ساعده إلى عضده، ثم يردها حتى تلين، ثم بعد ذلك يضمها إلى صدره، وبعد أن ينتهي من مفاصله العليا يأخذ رجله فيلين مفاصل الرجلين، فيضم الساق إلى الفخذ، ثم الفخذ إلى الجنب، ثم يكرر ذلك مرتين أو ثلاثاً على حسب ما تقتضيه الحاجة، فإذا لانت مفاصله سهل غسله، وسهل تفقد المغابن والمواضع الخفية أثناء الغسل، وهذا يحقق -كما ذكرنا- مقصود الشرع من القيام بغسله على وجهه. ولأنه لو ترك دون تليين فقد يكون منقبضاً أو منحنياً، فحينئذٍ يصعب تكفينه ووضعه على وضعه الطبيعي ممدوداً، لذلك لا بد من التليين حتى يبقى مستوي الأعضاء، ويمكن بعد ذلك حل ثيابه وتكفينه، والصلاة عليه، وإنزاله في قبره ووضعه بالصفة الشرعية التي ينبغي وضعه عليها في اللحد.
خلع ثيابه وستره
خلع ثيابه وستره قال المصنف: [وخلع ثيابه وستره بثوب]. وبعد أن يغمض عينيه، ويشد لحييه، ويلين مفاصله يقوم بستره بثوب، ثم ينزع عنه الثياب؛ لأن الثياب إذا بقيت سَخُنَ الجسم، وحينئذٍ ينتن ويتفسخ، ولذلك تخفف الثياب التي عليه، فإذا أمكن نزع الثياب عنه نزعت ولا شيء في ذلك. ثم يسجى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما توفي سُجي ببرد حبرة، وهذه سنة، وفي هذا إكرامٌ للميت، فإن بقاءه مكشوفاً أمام الناس منظر غير حسن، وربما يكون أكمل وأستر وأولى له أن يغطى ويسجى، فإذا احتيج لكشف وجهه لتقبيل ونحو ذلك فلا حرج، فهذا أكمل في هيبته ورعاية حرمته. وقد فُعل برسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وأخذ العلماء من هذا دليلاً على سنية التسجية، وأنه لا يبقى مكشوفاً أمام الناس، ويوضع في مكان أرفق بجسمه وأبعد أن ينتن هذا الجسد ويتضرر بذلك النتن.
وضع حديدة على بطنه
وضع حديدة على بطنه قال رحمه الله: [ووضع حديدةٍ على بطنه]. لأن عادة الموتى أنه إذا تُرِك أحدهم ربما انتفخ، وهذا الانتفاخ يعيق في الغسل، وكذلك ربما يكون أسرع في نتنه، وتضرر من يحمله ويصلي عليه بوجود رائحة كريهة خاصة إذا انتفخ فماذا يفعل؟ يوضع شيء على بطنه، والمحفوظ عن أنس رضي الله عنه في الأثر أنه كان يأمر بوضع الحديدة، ومن هنا نجد بعض الفقهاء ينصون على أنه توضع الحديدة كمرآة ونحوها على بطنه، ولكن ذلك ليس بمقيد بالحديث، فلو وضع أي شيء يكون ثقيلاً نوعاً ما على بطنه فلا بأس.
وضعه على سرير الغسل متوجها منحدرا نحو رجليه
وضعه على سرير الغسل متوجهاً منحدراً نحو رجليه قال رحمه الله: [ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه]. فيوضع على سرير؛ وذلك أنه إذا وُضع على الأرض أسرعت إليه الهوام، وخاصةً في الزمن القديم، فإن الضرر أكثر، وإن كان في عصرنا -والحمد لله- قد يكون آمناً، ولكن لا يزال الجسم إذا وضع على حالةٍ معينة يتضرر، ولذلك قال تعالى عن أهل الكهف: {وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف:18] هذا التقليب لأنهم لو بقوا على حالةٍ واحدة لتآكل الجنب، ولكن الله سبحانه وتعالى قلبهم حتى لا يحدث التآكل في الجنب، وإن كان سبحانه وتعالى قادراً على أن يجعلهم على حالةٍ واحدة لا تآكل معها، ولكن هذا من باب الإشارة إلى الأسباب؛ ولذلك قالوا: يوضع على سرير، فلا يلي الأرض؛ لأنه ربما يحمي الجسد، ثم إذا سخن الجسد وليس ثم روح فيه تسارعت الأعضاء والأطراف والجلد إلى التلف؛ لأن الجسد يبقى بروحه، فإذا نزعت منه الروح ضعف عن مقاومة الأذية، والهوام ونحوها من الجراثيم التي تصيب الإنسان. وكل هذا ليس بواجب وإنما هو من باب الكمالات، ولا يشترط التعيين في مثل هذه الأمور، إنما المراد الرفق، فلو كان على الأرض حديدٌ -مثلاً- يوضع عليه ويؤمن منها الضرر فلا حرج، ولو كانت الأرض طبيعية، فإذا وضع عليها أسرع إليه الهوام رفعناه عنها على بساط أو على مركبة أو نحو ذلك ولا حرج، فلا يشترط السرير بعينه، وإن كان صلى الله عليه وسلم سجي عليه، لكن كل ذلك من باب الأسباب، فليس بأمر إلزامي ولا واجب، خاصةً إذا كان غسله قريباً فالأمر فيه واسع والحمد لله. ثم يرفعه فيجعل صدره مرتفعاً قليلاً إذا وضع على السرير ليسهل خروج ما في بطنه، ولذلك يجعله على هذه الحالة حتى يكون أدعى لخروج الفضلات الباقية، فيسهل غسله بعد ذلك ونقاؤه، فلا يتعب من يقوم بتغسيل الميت.
الإسراع بتجهيزه
الإسراع بتجهيزه قال رحمه الله: [وإسراع تجهيزه إن مات غير فجأةٍ]. بعد هذه الأمور -إذا هيأ الإنسان الميت، وقام بحقهِ بعد قبض روحه بالأمور التي ذكرناها- ينبغي عليه أن يسرع بتجهيزه، وذلك بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه؛ وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة)، فأمر عليه الصلاة والسلام بالإسراع، ونص أهل العلم رحمةُ الله عليهم على وجوب ذلك، بمعنى: أن الأصل أن الإنسان يجب عليه أن يبادر بالميت، والسبب في هذا أن بقاء الميت مظنة أن يتغير وأن يتضرر جسمه، وأن يتضرر جسده؛ ولذلك قالوا: ينبغي أن يبادر ويحسم إليه في التغسيل والتكفين والقيام بحقه. ومن هنا: لا يجوز حبسه وتأخيره إلا لضرورة وحاجة، فإن وُجِدت الضرورة والحاجة -كما في الحالات الاستثنائية- كأن يكون به أمر يحتاج إلى كشفه كما في الجرائم ونحوها، أو يحتاج إلى أن يؤخر حتى تعرف ملابسات الجريمة والاعتداء عليه، فلا حرج أن يؤخر، ويكون تأخيره بقدر الحاجة والضرورة. كذلك أيضاً لو خشي أنه لو دُفن يتضرر من أقربائه، فيؤخر من أجل دفع المفسدة ولا حرج، أما أن يؤخر من أجل أن يحضر الأقرباء بدون وجود ضرورة ولا حاجة فلا؛ لأن حق الميت مقدمٌ على حقهم، وحينئذٍ ينبغي أن يُبادر بدفنه، ولأن حضورهم لا يزيد في الأمر ولا ينقص منه شيئاً، فقد نفذ القضاء ومضى قدر الله عز وجل، ولا يستطيعون أن يردوا من قدر الله عز وجل ما كان. وعلى هذا: لا مصلحة في تأخير الميت، وفيه حديث -وقد تكلم في سنده- (لا يحل لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله) وهذا يعتبره العلماء ويقولون: متنه صحيح، والأصل أن أهل الميت ممنوعون من تأخير جنازة الإنسان بدون حق وضرورة، والتوسع في مثل هذه الأمور لا يخلو الإنسان فيه من تبعة ومسئولية أمام الله عز وجل. فتأخير الموتى بدون حاجة يبقي لأهلهم الإثم والمسئولية أمام الله عز وجل؛ لما فيه من الإضرار بالميت، وعلى هذا لا يؤخر، بل ينبغي أن يسرَع في تجهيزه؛ فتبحث عن من يقوم بتغسيله، فتسرع بإحضار المغسل، وتحضر ما يحتاج إليه لكفنه، وكذلك أيضاً: تسرع بالقيام ببعض الأمور التي تتصل به من حقوقه قبل دفنه؛ من إخبار خاصة قرابته وإعلامهم حتى يشهدوه ويدعوا له بالمغفرة، وحينئذٍ إذا قام الإنسان بهذا على الوجه المطلوب فقد أحسن إلى الميت وأحسن إلى قرابته، وذلك مطلوبٌ ومرغوب. وأما قوله: [غير فجأة]: فالذي يموت فجأة لا يؤمن أن يكون حياً، كما في حالة السكتات، فيموت في الظاهر ولكنه في الحقيقة لا يزال به حياة، فالاستعجال بتغسيله وتكفينه ودفنه ربما أفضى إلى قتله وهو حيّ، وعلى هذا إذا مات فجأة -بمعنى: أصابته سكتة، والعياذ بالله، أو جاءه شيء طارئ من فجعة ونحوها ظُن معها موته- فلا يبادر بتغسيله وتكفينه، بل ينتظر، والمَرَدُّ في هذا إلى أهل الخبرة كالأطباء ونحوهم، خاصةً في هذه الأزمنة التي تيسر فيها معرفة الموت بالعلامات الدقيقة. فلا يبادر أهل الميت بدفن الميت إذا كان موته فجأة، وقد وقع حتى في زمن السلف رحمة الله عليهم قصص عجيبة في المبادرة بدفن من مات فجأة، حتى إن بعض من يقوم بنبش القبور وحفرها ربما يجد الميت جالساً في بعض الأحيان، وذلك إذا أصابته سكتة، ثم دفن، ثم بعد أن يفيق يجلس في مكانه ولا يجد أحداً فيموت جالساً في نفس القبر، وهذا أمر جد خطير! خاصة إذا حصل فيه التساهل والتسيب فإنه لا يؤمن معه من التبعة والمسئولية.
حكم الحياة على التنفس بالأجهزة بعد موت الدماغ
حكم الحياة على التنفس بالأجهزة بعد موت الدماغ وهنا مسألة، وهي: مسألة موت الدماغ، فإنها حيرت الأطباء: هل إذا مات دماغ الإنسان يعتبرُ ميتاً أو ليس بميت؟ وهي التي يسمونها (الموت السريري) وقد عمت بها البلوى خاصةً في هذا الزمان، وصورة المسألة أن جذع الدماغ يموت، ويقرر الأطباء أن جذع الدماغ قد مات، فلا يتحرك الإنسان ولا يستجيب لأي حركة، حتى ولو غرز بالإبرة أو أوذي فإنه لا يتضرر ولا يحدث أي استجابة في جسمه، غاية ما في الأمر: أن قلبه ينبض، وأن نفسه ظاهر، يتنفس تنفس الحي بواسطة الأجهزة، حتى لو أن هذه الأجهزة سحبت عنه يموت من ساعته. ف Q هل هذه النوعية من المرضى تعتبر ميتة، وينبني عليها ما ينبني على الحكم بموت الإنسان، من شرعية سحب الأجهزة والحكم بكونه ميتاً حتى يورث، ونحو ذلك من التبعات الفقهية المترتبة على الحكم بموت الإنسان، أم أنه ليس بميت؟ في الحقيقة هذه المسألة أولاً: تحتاج إلى بحث من جهة إثبات موت الدماغ، فالأطباء أنفسهم لم يتفقوا على صيغة معينة وشروط معينة تُبين أو تحدّد بالدقة الموت الحقيقي للدماغ، وهناك قرابة ثلاث مدارس للأطباء في حقيقة إثبات موت الدماغ، والمشكلة ليست هنا، المشكلة أن معرفة موت الدماغ، والتأكد أنه قد مات لا يمكن التوصل إليه في أقوى المدارس الطبية إلا بواسطة أجهزة دقيقة لا تتيسر في غالب الأمكنة. ولذلك: فالاستعجال بالحكم، بكون هذا موتاً يحتاج إلى نظر، والأصل الشرعي يقتضي أن من به حركة يحكم بحياته؛ لأن الحركة دالة على الروح، والجسم كانت فيه الروح التي هي الحقيقة، وأثرها التي هي الحركة. وعلى هذا فإننا نقول: (الأصل بقاء ما كان على مكان)، ولم أجد دليلاً شرعياً صحيحاً يدل على أن موت الدماغ يدل على موت الإنسان، بل وقعت حوادث تخالف هذا، حتى إن من الأمور التي حدثت بسبب هذه المسألة أنهم اختلفوا في امرأة، هل هي ميتة أو ليست ميتة في منطقة من مناطق الخارج، فحكم الأطباء بموتها، وأصر آخرون على أن موت الدماغ لا يجيز لهم سحب الأجهزة، واختلفت الكنائس في الخارج في الحكم بموت هذه الفتاة، حتى بقيت عشر سنوات تحت الأجهزة ثم أفاقت بعد عشر سنوات! وهذا أمر يؤكد أن الاستعجال في مثل هذه القضايا يحتاج إلى نظر؛ ولذلك فالأصل أنه حي، والأصل أنه لا يجوز الإقدام على سحب الجهاز عنه إلا بمبرر شرعي، فيبقى على هذه الحالة، فالذي تطمئن إليه النفس أنه حي. وهناك مسألةٌ فقهية قديمة يمكن أن نخرج عليها هذه المسألة، وهذه المسألة تُعرف عند العلماء بالقاعدة التي نبه عليها الإمام النقري في القواعد، وكذلك غيره كـ الزركشي في المنثور، وهي القاعدة التي تقول: (الحياة المستعارة، هل هي كالعدم أو لا؟). تكلم العلماء على هذه المسألة، في مسألة ما إذا ما هجم الذئب على شاةٍ أو غنمة فبقر بطنها، فإنه إذا بقر بطنها الغالب أنها ميتة، فلو أنك أدركتها قبل أن تموت وهي تتحرك -ترفس بقدميها- وأسباب موتها قد وجدت، فذكّيتها في هذه الحالة، فإن قلنا: الحياة المستعارة -يعني: التي هي في الأخير- حقيقية فذكاتك مؤثرة والشاة يجوز أكلها، وإن قلنا: إنها حياةٌ كالعدم؛ حينئذٍ ذكاتك في هذا الوضع لا تأثير لها. فإذاً: كأنهم يفصلون على مسألة الحركة، فالذين يقولون: إنها حية، والذكاة مؤثرة يقولون: لا زالت الروح حية، فوقعت التذكية على حيّ، وكل تذكيةٍ لحيّ موجبة لحله إذا كان مما يحل أكله. وبناءً على ذلك عندنا أصل من العلماء يعتبر الحياة المستعارة، وإن كان بعض أهل العلم خرج هذه المسألة على مسألة إنفاذ المقاصد، كأنهم يقولون: إن الذئب إذا قتل الشاة بالبقْر، فقد أُنفذت مقاتلها، بمعنى: أنها استنفذت بالهلاك بهذه الوسيلة، فيخرجها عن المسألة التي معنا، لكنها تصلح للاستشهاد. والذي يعنينا: أن الميت الذي مات دماغه لا يزال محكوماً بحياته، خاصةً وأننا لو فتحنا هذا الباب تحت الأجهزة، وعلى هذا لا يتيسر معرفة موت الدماغ إلا بصعوبة وفي أماكن خاصة، وربما يفتح هذا الباب الإقدام -حتى عند بعض المتساهلين من الأطباء -على سحب الأجهزة- ممن لا يصل إلى درجة القطع بموت دماغه، وهذا أمر ينبغي أن يحتاط فيه لأرواح الناس كما هو الأصل الشرعي. لكن هناك مسألة: لو فرضنا أن رجلاً كبير السن في آخر عمره وضع الجهاز عليه، أو رجلٌ شاب في شبابه لكنه أصيب بحادث أو نحو ذلك، والغالب أنه يهلك، وقد مات دماغه في كلام الأطباء، وجاءت حالة ثانية لإنسان ترجى حياته أكثر، وليس عندنا إلا جهازٌ واحد، فهل يشرع سحب الجهاز عن هذا الذي قد غلب على الظن هلاكه لكي نبقي هذه الروح أو لا يشرع؟ A نعم، يشرع أن يسحب منه في هذه الحالة، فهذه هي الحالة التي تعتبر مستثناة في سحب الأجهزة: أنه إذا وُجدت حالات أحوج يجوز حينئذٍ سحبها، وهذا مقرر على الأصل الشرعي في ازدحام الحقوق: أنه إذا ازدحم حقٌ يمكن تداركه مع حق لا يمكن تداركه أو مع مصلحة لا يمكن تداركها، قُدّمت المصلحة والحق الذي يمكن تداركه. هذا بالنسبة لمسألة من مات فجأة، وموت الفجأة بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رحمة من الله بالمؤمن، ونقمة عاجلة من الله بالكافر، وموت الفجأة استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه؛ لأن موت الفجأة يحول بين الإنسان وبين خير كثير، يحول بينه وبين الوصية في أمور ربما تكون من فضائل الأعمال، يحول بينه وبين تنبيه أهله وذويه على أمور قد يكونون محتاجين إليها، خاصةً أن الأب إذا أوصى في آخر حياته كان لوصيته في قلوب أبنائه وبناته وقعاً كبيراً، فلذلك كان موت الفجأة يحول بين الإنسان وبين خيرٍ كثير، ومن هنا استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم منه. لكنه أخبر في الحديث الآخر أن موت الفجأة رحمة بالمؤمن؛ لأن الإنسان إذا مات ربما تألم وتأوه في مرضه وإن كان تأوهه وتألمه يرفعه درجة، حتى ورد في الحديث أن الله يشدد على العبد: (إذا أحب الله عبداً من عباده غفر له ذنوبه، فإذا بقيت له ذنوب خفف عنه بالبلاء قبل الموت) فشدد عليه في سكرات الموت، وشدد عليه في مرض الموت، حتى يوافي الله عز وجل بلا ذنبٍ ولا خطيئة. فموت الفجأة رحمة من جهة كونه يحول بين الإنسان وبين الألم والضرر الذي في ظاهره عناءٌ وعذاب به، وأياً كان: إذا مات الإنسان يجب مراعاة هذه الأمور؛ لكن لو قرر الأطباء أنه ميتٌ فعلاً فحينئذٍ يحكم عليه بالموت.
إنفاذ الوصية
إنفاذ الوصية قال المصنف رحمه الله: [وإنفاذ وصيته]. أنفذ الشيء: إذا أتمه وقام به، وإنفاذ الأمر: المضي به، فقد يوصي الإنسان بحقوق عليه لله عز وجل وحقوق لعباده، فيعمل بهذه الوصية، وهناك وصايا معجلة لا تحتمل التأخير، كأن يقول مثلاً: إذا أنا مت فيتولى تغسيلي فلان من أهل العلم أو من أهل الصلاح والخير، فيأمر بأن يغسله، وهذا شيء درج عليه السلف رحمة الله عليهم، وقد أوصى أبو بكر أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس رضي الله عنها، وكذلك أوصى أنس بن مالك رضي الله عنه أن يغسله محمد بن سيرين الإمام الجليل من أئمة التابعين، فتكون هذه وصية فتنفذ. وتقرأ وصيته قبل أن يغسل؛ لأنه ربما تكون هناك أمور ينبه عليها في تجهيزه، كأن يوصي أولاده بالصبر واحتساب الأجر، فَتُقرأ وصيته وينفذ ما يمكن تنفيذه عاجلاً خاصةً الحقوق التي ينبغي المبادرة إلى قضائها كالديون ونحوها، ولو أمكن أن تقضى ديونه قبل الصلاة عليه فهذا أولى، بل واجب إذا أمكن ذلك؛ لأنه لا يجوز تأخير ديونه، وهذا أمر يتساهل فيه كثير من الناس إلا من رحم الله، فيؤخرون ديون الأموات، وقد كان صلى الله عليه وسلم لا يصلي على الميت إذا كان عليه دين ولم يترك وفاءً؛ لعظم أمر الدين. ولذلك لو توفي وعنده سيولة نقد وعليه دين، وتعلم أنه مكتوب لفلان ألف وللآخر ألف فينبغي أن تقوم بأخذ الألفين قبل أن تغسله أو تكفنه إذا أمكن، وتعطيها لأصحابها، إنفاذاً لوصيته، وهذا من أبلغ البر وأفضله؛ حتى يوافي الله عز وجل سالماً من حقوق عباده. كذلك أيضاً وصاياه بالأقربين، من الإحسان المبادرة بها ولو بعد وفاته مباشرة، وإنفاذ وصيته بالحقوق التي لله عليه كالحج عنه والعمرة عنه، والصدقة عنه، إذا أوصى بها، فهذا كله ينفذ.
الإسراع في قضاء دينه
الإسراع في قضاء دينه قال رحمه الله: [ويجب الإسراع في قضاء دينه]. ومن هنا يأثم الورثة بتأخير سداد الديون، فإذا مات الوالد أو القريب وقد ترك مالاً أو ترك بيتاً وعليه دين فيجب على الورثة أن يبيعوا البيت لسداد دينه، وهم يستأجرون أو يقومون بما يكون حفظاً لهم من الاستئجار أو الانتقال إلى مكانٍ آخر، أما أن يبقى الدين معلقاً بذمته وقد ترك المال والوفاء فهذا من ظلم الأموات، وإذا كان بالوالدين فالأمر أشد؛ وقد ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن نفس المؤمن معلقةٌ بدينه) قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا كان عليه دين فإنه يمنع عن النعيم حتى يؤدى دينه، ولذلك قال: (نفس المؤمن مرهونةٌ بدينه) وفي رواية (معلقةٌ بدينه) بمعنى: أنها معلقة عن النعيم حتى يُقضى دينه. ويؤكد هذا حديث أبي قتادة رضي الله عنه في الصحيح، فإنه لما جيء برجلٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: (هل ترك ديناً؟ قالوا: دينارين. فقال: هل ترك وفاءً. قالوا: لا. قال: صلوا على صاحبكم. فقال أبو قتادة: هما عليّ يا رسول الله! فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة: فلم يزل يلقني ويقول: هل أديت عنه؟ فأقول: لا بعد. حتى لقيني يوماً، فقال: هل أديت عنه؟ قلت: نعم. قال: الآن بردت جلدته) فهذا يدل على عظم أمر الدين، فينبغي المبادرة بقضاء الديون وسدادها، خاصةً ديون الوالدين فالأمر في حقهم آكد. والله تعالى أعلم.
الأسئلة
الأسئلة
حكم قراءة يس بعد الدفن
حكم قراءة يس بعد الدفن Q هل يقتصر قراءة سورة (يس) أثناء الاحتضار، أم يجوز قراءتها على قبره بعد دفنه، أثابكم الله؟ A السنة قراءتها عند الاحتضار، وأما بعد موته أو بعد دفنه فإن ذلك مما لا أصل له، وهو بدعة كما نص العلماء رحمهم الله على ذلك، فقراءة (يس) على القبر، أو قراءتها عند إنزاله في القبر، أو قراءتها أثناء تشييع الميت؛ كل ذلك مما لم يرد به النص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو حدث وبدعة والله تعالى أعلم.
فضل تغسيل الميت
فضل تغسيل الميت Q هل ورد فضلٌ معين في تغسيل الميت أثابكم الله؟ A هناك أحاديث لكنها ضعيفة (ما من مسلم يقوم بغسل أخيه المسلم فيحسن غسله وتكفينه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه) ولكن هذا الحديث ضعيف، إلا أن القيام بهذا العمل يعتبر قربة وطاعة لله عز وجل؛ لأنه امتثال للأمر، وامتثال الأوامر يجعلها في مقام القيام بالواجبات، والواجبات لها فضل، كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يقول: (ما تقرب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إلي مما افترضته عليه) وهذا مما افترض الله، والقيام به قربة وطاعة وحُسبة، مع ما فيه من إحسان المسلم إلى أخيه المسلم خاصةً إذا كان من القرابة والله تعالى أعلم.
هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه
هل يعذب الميت ببكاء أهله عليه Q كيف نوفق بين حديث: (إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه) وبين قول الله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أثابكم الله؟ A هناك وجوه: أولها: أن يكون الميت قد وصّى بذلك، وهذا كان من عادة أهل الجاهلية، وأشعارهم في ذلك مشهورة، وكانوا يوصون بالنياحة والبكاء والجزع، والإشادة بالفضائل وما كان عليه في حياته، فهذه الحالة لا إشكال عند العلماء رحمة الله عليهم أنه إذا وصى أنه يعذّب؛ لأنه تسبب، فيكون قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أي: لو كان غير متسبب، فلما تسبب فإنه يتحمل مسئولية ما تسبب فيه. الوجه الثاني: أن يكون عالماً أنهم سيفعلون ذلك فيرضى ولا ينهاهم، فالرضا بالشيء كفعله؛ ولذلك وصف الله بني إسرائيل بأنهم فعلوا المحرمات، مع أن الذي فعلها بعضهم، ولكن رضا الآخرين كأنه فعلٌ منهم؛ ولذلك قالوا: الرضا منزلٌ منزلة الفعل، ومن هنا قالوا: من علم أو غلب على ظنه أن أهله يفعلون ذلك، أو يتسخطون ويجزعون، أو ينوحون عليه، فسكت فإنه يعذب بهذا ويؤذى. والوجه الثالث: صرفوا قوله: (يعذب) عن ظاهره، فقالوا: هو العذاب المعنوي وليس المراد به العذاب الحقيقي، فيعذب بمعنى: أن الله يسمعه بكاء أهله؛ فيتألم لهذا البكاء؛ لأن الإنسان يشفق على قريبه خاصةً أهله، والميت دائماً عنده الجزع والحزن كما قال تعالى عن أهل الإيمان: {أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا} [فصلت:30] لأن الإنسان يحزن على فراق أهله، فإذا كان الأهل يبكون أسمعه الله بكاءهم؛ ولذلك جاء في الخبر: أنه لما ذُكرت مآثر أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أغمي عليه بعد موته، فصارت المرأة تثني عليه، قال: فما زال الملك يغمزه ويقول له: هل أنت كذلك؟ هل أنت كذلك؟ فلما استيقظ قال لهم: إنه كان من أمركم كذا وكذا، فما زلت أغمز على كل ذكرٍ ذكرتموه. قال العلماء: هذا عذابٌ معنوي، بمعنى أن الإنسان يُسمع بكاء أهله، لا أنه يعذب حقيقة، فتكون الآية: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء:15] أي: في تحمله للعذاب، وهذا ليس بمتحمل لعذاب منفصل، إنما هو إسماعٌ من الله له لبكاء أهله فيتألم، كالشيء العارض الذي يكون في أمور الدنيا. فهذه ثلاثة أوجه هي من أقوى ما ذكره العلماء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في تعذيب الميت ببكاء أهله.
الحزن لا ينافي الرضا بقضاء الله
الحزن لا ينافي الرضا بقضاء الله Q هل ما يجده الإنسان من الحزن وألم الفراق يكون من السخط وعدم الرضا أثابكم الله؟ A إن القلوب تحزن، ولا شك أن فراق الأحبة له وقع عظيم في القلوب، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه دمعت عيناه وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليخشع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فدل هذا على أن ما يكون من الحزن، وما يكون من الشجى في النفس أنه أمرٌ جبلي لا يمكن للإنسان أن يدفعه، ولكن إذا كمل الإيمان، وقوي اليقين في الرحمن، وتذكر العبد ما عند الله من الإحسان؛ هان عليه المصاب، ورجا عند الله حُسن الثواب؛ فبدد الله أحزانه؛ وأذهب أشجانه؛ ورفع في الجنة مكانه. ولذلك ينبغي للإنسان أن يستذكر في مثل هذه المواقف عظمة الله سبحانه وتعالى الذي فيه خلفٌ عن كل فائت، وفيه عوضٌ عن كل ذاهب، فإن الله سبحانه وتعالى إذا نظر إلى قلب الإنسان وقد توجه إليه وأقبل عليه عوضه خيراً مما فقد، فمهما كان الحبيب والصاحب والقريب فإنه لا يزن شيئاً أمام عظمة الله سبحانه وتعالى، وهو الذي القلوب بين إصبعين من أصابعه، فإن نظر الله إليك وأنت في حالة الحزن والشجى والأسى ولوعة الفراق تتجه إليه، وتعزي النفس بما عنده سبحانه وتعالى من حسن الجزاء والثواب، وما تنتظره من حسن القدوم إليه والمآب؛ أفرغ عليك الصبر، وثبتك وربط على قلبك، وكان ذلك من عاجل ما يكون من إحسانه ولطفه بعبده والله تعالى أعلم.
حكم الوقوف للجنازة
حكم الوقوف للجنازة Q هل يشرع الوقوف لجنازة الميت إذا أُتي بها للصلاة عليها؟ وكذلك لو شهدت جنازة الكافر فهل يوقف لها أثابكم الله؟ A هذه المسألة فيها خلافٌ بين أهل العلم رحمهم الله، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه سلم أنه وقف لمرور الجنازة، وقال: (إن للموت لفجعة) أي: أثرٌ وهيبة، والصحيح أن هذا القيام منسوخ، ولذلك مُر على النبي عليه الصلاة والسلام بجنازةٍ ولم يقم، وهذا صنيع بعض المحدثين رحمهم الله؛ فإنه ذكر الأحاديث التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام بالجنازة عند مرورها، ثم أتبعها بالأحاديث في نسخ ذلك، فدل هذا على أنه كان هذا أولّ الأمر والله تعالى أعلم.
حكم نقل الميت من بلد إلى بلد
حكم نقل الميت من بلد إلى بلد Q ما حكم نقل الميت من مدينةٍ إلى أخرى لدفنه، خصوصاً إذا أوصى بذلك؟ A لا يشرع انتقال الميت من مكان إلى مكان، فإذا قبضت روح الإنسان في مكان، شرع أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في ذلك المكان الذي مات فيه. أما إذا كان المكان بلاد كفر لا يقام فيها بحق المسلم، وأراد أن ينتقل وأوصى أن ينقل من هذا المكان، فإنه ينتقل إلى أقرب بلاد المسلمين، تحصيلاً للأصل في المسارعة بالجنازة، وحينئذٍ يكون هذا هو الأصل المعمول به. أما إذا كانت بلاد المسلمين عنه بعيدة، وكان ذلك يؤخر ذلك جنازته، فإنه لا يرخص إلا بقدر الحاجة، ويجتزأ بأقرب المواضع إليه من بلاد المسلمين، ولا يشرع النقل إلا في هذه الحالة، وهي: أن يتعذر وجود من يقوم بحقه من تغسيلٍ وتكفينٍ والصلاة عليه، فحينئذٍِ لا حرج أن ينقل، ولا مانع في هذه الحالة من تعاطي أسباب نقله، وما عدا ذلك تكلفٌ وخروج عن الأصل والسنن والله تعالى أعلم.
حكم الوضوء لمن حمل الجنازة والغسل لمن غسل ميتا
حكم الوضوء لمن حمل الجنازة والغسل لمن غسل ميتاً Q هل من السنة لمن حمل الجنازة أن يعيد وضوءه، ولمن شارك في غسل الميت أن يغتسل، أثابكم الله؟ A في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ). وهذا الحديث اختلف العلماء رحمهم الله في صحته، والأقوى ضعفه، وإن كان قد حسن بعض العلماء إسناده، لكن هناك أحاديث أصح منه وأقوى تدل دلالة واضحةً على أن حمل الميت لا ينقض الوضوء. وعلى هذا فلو قلنا بحسن الحديث -كما يميل إليه بعض المحدثين- فإننا نحمل الأمر على الكمال لا على الوجوب واللزوم والله تعالى أعلم.
ترك الغسل والتكفين لشهيد المعركة دون غيره
ترك الغسل والتكفين لشهيد المعركة دون غيره Q هل الشهادة الواردة فيمن مات بالبطن أو الطاعون، تنزل منزلة الشهيد فلا يغسل، أم الأمر خاص بشهيد المعركة فقط أثابكم الله؟ A شهادة المبطون والطاعون والنفساء وغيرهم ممن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: (ما تعدون الشهيد فيكم؟ قالوا: يا رسول الله! الشهيد شهيد المعركة. قال: إذاً إن شهداء أمتي لقليل، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام المبطون والغريق وصاحب الهدم والحرقى والنفساء والطاعون) وهذا إنما هو في فضل الشهادة المطلق، أما بالنسبة لأحكام الشهيد فإنها تختص بشهيد المعركة، فشهيد المعركة هو الذي لا يغسل، ولا يصلى عليه؛ لمكان الفضل، ولا يفتن في قبره، وله الفضائل التي وردت في السنن الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبينها الله عز وجل في كتابه، وأثنى على أهل منازلها، وكل ذلك إنما هو خاصٌ بشهيد المعركة دون غيره. أما المبطون فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويقبر، وكذلك بالنسبة للحرقى والهدمى، وإنما يختص الحريق إذا كان جلده لا يحتمل الغسل بأن ييمم، وأما بالنسبة لفضل الشهيد من كل وجه فهؤلاء لا يبلغون فضل الشهادة من كل وجه، وإنما لهم الفضل النسبي، وفرقٌ بين الفضل النسبي والفضل الكلي والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على الغائب
حكم الصلاة على الغائب Q هل تجوز الصلاة على الميت الغائب أثابكم الله؟ A أما الصلاة على كل ميت غائب فهذا مما لا أصل له، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أصحابه في مواضع متفرقة، وقد مات كثيرٌ منهم رضي الله عنهم وأرضاهم في حياته عليه الصلاة والسلام، وما صلى عليهم صلاة الغائب، إنما صلى صلاة الغائب على النجاشي؛ ولذلك قال العلماء: تشرع الصلاة على الغائب إذا أمر بها ولي أمر المسلمين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها أصحابه، وتكون لرجلٍ مات في موضعٍ لا يصلى عليه، كمن يموت في بلاد كفر؛ فـ أصحمة النجاشي مات في بلاد الحبشة وكانت بلاد نصارى. كذلك -أيضاً- لمن له شأنٌ عظيم في المسلمين، كالإمام العادل، والعالم الفاضل، والعبد الصالح الذي له بلاء في الدين، يشرع أن يصلى عليه صلاة الغائب، وهذا خاصٌ بمن ذكرنا. وأما تعميم الأمر والصلاة على كل أحد فذلك ليس من السنن، وعلى هذا يختص الحكم بما ذكرناه؛ إعمالاً للأصول والنصوص الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنزالها منازلها والله تعالى أعلم.
بدعية رفع الصوت مع الجنازة بالتهليل والتكبير
بدعية رفع الصوت مع الجنازة بالتهليل والتكبير Q هناك من يشيع الجنائز، ويكثر من التهليل والتكبير أثناء التشييع، فما هو الحكم الشرعي في ذلك أثابكم الله؟ A نص العلماء على أنه لا يرفع الصوت بالذكر في الجنازة، وأن رفع الصوت بالتهليل والتكبير، وأَمْر الناس بذلك من البدعة والحدث، وإنما يشرع أن يمشي معها، ويلتزم الأصل الوارد من هديه عليه الصلاة والسلام دون تكلف، أما أمر الناس بتهليلٍ أو تكبيرٍ، أو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، أو ذكر ألفاظ التفجع والتوجع ونحو ذلك كله من الحدث، وقد ذكر العلماء ذلك في كتبهم، ونبه الفقهاء والأئمة على أن ذلك مما لا أصل له، بل السنة أن يمشي معها، ويكون ذلك بالدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا قبر الميت قال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل) هذا هو المحفوظ من هديه صلوات الله وسلامه عليه، وأما رفع الصوت فمما لا أصل له والله تعالى أعلم.
وجوب التفريق بين المتراضعين إذا تزوجا
وجوب التفريق بين المتراضعين إذا تزوجا Q لي ابنة عمٍ رضعت معي رضعات كثيرة أكثر من شهر، والحليب لوالدي، وقد تزوجها أخي من أبي وله منها أولاد، فما الحكم في ذلك أثابكم الله؟ A هذه أختٌ لأخيك من أبيك، وعلى هذا: يفرق بينه وبينها، والأولاد يعتبرون شرعيين، وحينئذٍ ينسبون إلى أخيك، ولكن ما بعد اليوم وما بعد علمه بأنها أخته من الرضاعة، لو وطئها فحكم ذلك حكم الزنا الذي حرمه الله ورسوله. ولذلك: ما مضى يعذر فيه بالجهل، ويستأنف الحكم، وتعتبر أختاً له من الرضاعة، وحينئذٍ الأولاد ينسبون إلى أمه وينسبون إلى أبيهم، فهم أولاد شرعيون لمكان الجهل وعدم العلم بالحكم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
باب الغسل والتكفين [1]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [1] غسل الميت ودفنه وتكفينه فروض كفائية، وفي غسل الميت أحكام ينبغي معرفتها، كالترتيب بين الأقارب في استحقاق تولي الغسل، وكذا ما يجوز وما يمنع من غسل الرجال للنساء والعكس، وهناك شروط ينبغي توافرها في المغسل، كالعلم والثقة والأمانة.
الحقوق الواجبة على الأحياء تجاه الميت
الحقوق الواجبة على الأحياء تجاه الميت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول رحمه الله: [فصلٌ: غسل الميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فرض كفاية]. تغسيل الميت من فروض الكفاية، أما كونه فرضاً فلورود الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: (اغسلنها بماءٍ وسدر) وهذا أمر في ابنته لما توفيت رضي الله عنها وأرضاها. وقال في الرجل الذي وقصته ناقته كما في حديث ابن عباس في الصحيحين: (اغسلوه بماءٍ وسدر) وهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب والفرضية. وهذا الوجوب فرضٌ كفائي بمعنى: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين، وإذا لم يقم به البعض، فإنه يتعلق وجوبه بالجميع، بحيث يأثمون إذا قصروا جميعهم ولم يقم أحدٌ بتغسيله. ويتولى التغسيل من يكون على علمٍ به، فلا يجوز أن يتولى تغسيل الميت من لا يُحسن تغسيله؛ لأن من لا يحسن التغسيل ولا يقوم بحقوق التغسيل كما ينبغي، فوجود تغسيله وعدمه على حدٍ سواء، ولربما ضيع أموراً واجبة وأخل بالغسل، ولذلك لا يلي التغسيل إلا من يعلمه. ومن هنا يجب على طالب العلم ومن يبتلى بمثل هذه الأمور أن يكون على علم وإلمام بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في تغسيل الميت، وأمره بالأمور التي ينبغي مراعاتها في هذا التغسيل. الميت الأصل أنه يُغسّل؛ لكن يسقط تغسيل الميت في مواضع: أولها: إذا كان شهيداً كما سيأتي، فالشهيد لا يغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادفنوهم بدمائهم) فأمر بدفن الشهداء بدمائهم، وذلك لأن دماءهم شهادةٌ لهم بين يدي الله عز وجل، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من كلمٍ -يعني جرح- يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون دم والريح ريح مسك) فهو شهيدٌ له بين يدي الله. ثم إن هذا الدم فضلة طاعة وقربة لا تشرع إزالتها، ومن هنا قالوا: إنه لا يغسل، ولا يعتبر داخلاً في هذا الأصل، لكن يختص هذا الحكم بشهيد المعركة، أي: الذي قتل في نفس ساحة المعركة، أما لو أنه خرج وفيه الحياة، وبقي بعد ضربه ثم توفي بأثر الجراح، فإنه يغسل ويكفن ويعامل معاملة الأصل؛ لأن سعداً رضي الله عنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغسيله، فغسل وكُفّن وصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد أصيب في سبيل الله ثم مات بعد ذلك فشهيد المعركة لا يغسل. ممن يستثنى في التغسيل: أن يكون الميت قد احترق، بحيث لو غسل نفط جلده، أو يكون به مرض كالجدري ونحو ذلك -أعاذنا الله وإياكم من الأدواء- فلو غسل لتضرر، أو يكون معه مرض لو قام مغسله عليه، لم يأمن بتضرره بتغسيله، بحيث إنه لا يمكنه أن يغسله؛ لأنه لو غسل انتقلت العدوى، أو به أشياء تنتقل بمباشرة التغسيل فهذه أحوال تستثنى من التغسيل. أيضاً: سيذكر المصنف رحمه الله حالة الرجل بين النساء، فالرجل إذا توفي بين النساء وليست هناك زوجة له منهن ولا أمة؛ فإنه حينئذٍ ييمم ولا يغسل، كذلك العكس: لو أن المرأة توفيت بين الرجال، وليس لها زوجٌ منهم، ولم تكن أمة معها سيدها فحينئذٍ تيمم ولا تغسل. هذه الأحوال هي التي تستثنى من هذا الفرض والأمر الواجب. وتغسيل الميت المراد به: تعميم جسده بالماء، وهذا الحكم يشمل جميع أعضاء الجسد بالتفصيل الذي سيذكره المصنف رحمه الله. قوله: [وتكفينه]. سيبين رحمه الله تفصيل التكفين، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين) فقوله: (كفنوه) أمر، والأمر يدل على الوجوب، وكذلك أمره عليه الصلاة والسلام بتكفين ابنته، فأمر صلى الله عليه وسلم بتغسيلها فقامت النساء بتكفينها، ومن هنا يقول العلماء: إن حديث ابن عباس يدل على أن تكفين الميت واجب وفرض. وهذا التكفين فرضٌ كفائي، لكن التكفين ليس كالغسل، فالغسل يكون بالماء وهو غالباً يتيسر؛ لكن -مثلاً- لو كان هذا التكفين يحتاج فيه إلى وجود النفقة التي يكون بها مئونة التكفين، وحينئذ تتصل بميراث الميت، وهي من الحقوق التي تخرج قبل قسمة التركة من تغسيلٍ وتكفين ونحوه، فهذه المئونة التي يحتاج لها لشراء الكفن تخرج من مال الميت، وتعتبر سابقة للميراث، وهذا حق من حقوق الميت في تركته. أما لو كان الميت ليس عنده مال، فحينئذٍ ينظر إلى تجب عليه نفقته فيقوم بتكفينه، وإذا عجز فحينئذٍ يكون كفنه من بيت مال المسلمين، ولذلك يتعلق حقه بنفسه، ثم بمن يلي القيام عليه من حقوق النفقة، ثم بعامة المسلمين كما لو لم يكن له قريب وليس له مال. هنا مسألة أيضاً: إذا تعذر الغسل وتعذر التكفين فإنه ينتقل من الغسل إلى التيمم، وتعتبر هذه الحالة تابعة للحالات التي ذكرناها مستثناة من الوجوب، وكذلك إذا لم يوجد الكفن إلا اليسير فإنه تغطى عورتاه إذا لم يجد ما يستر به إلا العورة، وإذا كان هناك فضل على العورة ستر بقية البدن على حسب الموجود من الفضل. قوله: [والصلاة عليه]. الصلاة عليه أيضاً من الفروض؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصلوا على أصحمة النجاشي رضي الله عنه وأرضاه لما توفي، وقال عليه الصلاة والسلام: (توفي اليوم عبدٌ صالح، ثم أمر الصحابة أن يخرجوا وصلى بهم)، فمن حق المسلم على إخوانه المسلمين أن يصلى عليه ويُدعى له بالمغفرة والرحمة، وعلى ذلك هديه صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك لما توفيت المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد فدفنوها ليلاً ولم يخبروه، وكأنهم تقالوا شأنها انطلق عليه الصلاة والسلام حتى وقف على قبرها -وهذا من خصوصياته- فصلى عليها وقال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) ووجه التخصيص قوله: (بصلاتي) كما في صحيح مسلم. فهذا يؤكد أهمية الصلاة؛ ولذلك يقول العلماء: إن من فضائل الصلاة على الميت: أنها تذهب ظلمة القبر ووحشته، وذلك لقوله: (ينورها بصلاتي عليهم)، فكأنه يشير إلى العلة من الصلاة على الميت، ولذلك شُرعَ أن يدعى للميت بالرحمة والمغفرة، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (ما من ميتٍ يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله فيشفعون فيه إلا شفعهم الله)، وهذا إذا كان الدعاء بإخلاص وصدق، ولذلك أمر عليه الصلاة والسلام بالإخلاص، وسيأتي إن شاء الله تفصيل هذه الصلاة وكيفيتها، لكن المراد التنبيه على هذه الأمور: (تغسيل الميت وتكفينه والصلاة عليه) فإنها فرض كفاية. وعلى هذا: لو أن الميت لم يغسل ولم يكفن ولم يُصل عليه وقبر، فإنه يشرع نبشه ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه، لكن مشروعية النبش تتقيد بأن يؤمن تغيره، بمعنى: أن يغلب على ظننا أنه لا زال جلده قابلاً للغسل، أما لو مضت المدة التي يغلب على الظن إسراع الدود إليه وذهابه فحينئذٍ لا ينبش، وهذا طبعاً على قول جمهور العلماء رحمة الله عليهم: أنه إذا قُصّر في حق الميت ودفن دون تغسيله، أو دون تكفينه، أو دون الصلاة عليه، قالوا: يشرع أن ينبش ويغسل ويكفن ويصلى عليه، وقد أمر عليه الصلاة والسلام بالقيام بهذا الحق، وأمر من كفن أخاه أن يحسن إليه. [ودفنه فرض كفاية]. وهذا أيضاً مما يتبع ما سبق من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، فالأصل في الآدمي أن يقبر ويدفن: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31]. فلذلك يقول العلماء: إن الأصل يدل على أن الآدمي يقبر ولا يبقى عرضة للسباع ولا للهوام ولا للطيور تنبشه وتأكل من لحمه كسائر البهائم، فهذا من التفضيل والتكريم الذي فضل الله به بني آدم، ولذلك قال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] فمضت السنة على أنه يشرع قبر الميت الآدمي. حتى ولو كان كافراً فإنه يوارى فلا يبقى في العراء؛ لأن بقاءه في العراء أذيةٌ للآدميين، وأبلغ في النتن، وأذهب لحرمته، فإن هناك حرمة عامة للآدمي؛ لأن الله لم يفرق بين آدمي كافر ومسلم في المواراة، ولذلك يقول العلماء: إن هذا التفضيل من جهة الآدميين، فيوارى الكافر؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لما أخبره علي أن أبا طالب قد مات، قال: (اذهب فواره)، ووارى عليه الصلاة والسلام قتلى بدر من المشركين في القليب، فدل على أن السنة قبر الميت، ولا يترك للسباع والهوام ونحوها كالطيور الجارحة تنهشه وتؤذيه.
الذي يتولى غسل الميت
الذي يتولى غسل الميت قال رحمه الله: [وأولى الناس بغسله وصيه]. بعد أن بين لنا رحمه الله أن الغسل لازم، شرع في التفصيل، فذكر من يلي تغسيل الميت. أولاً: ينبغي أن يكون الذي يلي تغسيل الميت عالماً بصفة التغسيل، فلا يجوز أن يتولاه الجاهل، فإذا كان الشخص عنده علم وإلمام بالطريقة التي يغسل بها الميت، فحينئذٍ يشرع له أن يتولى تغسيله، وأما إذا كان جاهلاً فلا يشرع له أن يقوم بهذا الأمر؛ لأن جهله ربما أوقعه في البدع، وربما أوقعه في الأمور التي يخل فيها بحق الميت في تغسيله وتكفينه؛ ولذلك قالوا: إنما يتعلق القيام بهذا الحق -أعني التغسيل- بمن يعلم لا من لا يعلم. ثم هل يشترط أن يكون مكلفاً؟ المجنون لا يلي تغسيل الميت، واختلفوا في الصبي، فإذا كان مميزاً عالماً بطريقة الغسل ويمكن أن يقوم بحق الميت، قالوا: لا حرج أن يلي التغسيل. وضيق بعض العلماء من جهة النية فقالوا: إن الصبي لا يلي الغسل لمكان نية الغسل، وسيأتي إن شاء الله التنبيه على النية، وإن كان الأقوى أن الصبي إذا عقل -وكان يحسن القيام بالتغسيل- أنه يلي التغسيل ولا حرج في قيامه، وهو مقدم لا شك خاصةً إذا لم يوجد الكبير، فإنه يلي تغسيله.
شروط المغسل
شروط المغسل والأصل في المغسل أن يراعى فيه أمور: أولها: العلم. ثانيها: الثقة. ثالثها: الأمانة. فهذه ثلاثة أمور لا بد من وجودها في المغسل. أولاً: علمه بطريقة التغسيل ولو كان من عوام الناس، فيقدم ويكون أحق. ثانياً: الثقة؛ لأن الإنسان قد يكون عالماً بطريقة التغسيل، ولكنه فاسق والعياذ بالله، والفاسق كما أنه جريء على حدود الله قد يجرؤ على ترك حق الميت، وقد يجرؤ على كشف عورته أو على أمورٍ لا تُحمد؛ ولذلك قالوا: لا يلي تغسيل الأموات إلا من عُرِف بالثقة، فيكون ثقة مأموناً، والسبب في ذلك أن ما يتصل بتغسيل الميت من الأمور التي لا تنبغي يجب أن يكون سراً، فلربما يطلع على أمور خفية، من البشائر الطيبة، والبشائر السيئة، فقد يكون الميت عبداً صالحاً، فيرى بشائر صالحة، من تهلهل وجهه وإشراقه، وهذا معروف ومألوف. وأذكر أنني دخلت على أحد أهل الفضل -رحمة الله عليهم- فلم تمل العين النظر إلى وجهه وهو يغسل! وتراه بصفة هي أشرق وأجمل من حاله وهو حي، ولا ترى فيه وحشة الأموات، وهذه من عاجل بشرى المؤمن: أنك ترى وجهه مشرقاً، خاصةً في حالة النزع والتغسيل. ربما تظهر أمور، وهذا أمرٌ متضافر ومشهور عند العلماء رحمة الله عليهم، ومضت به السنن من الله سبحانه وتعالى، وهو أن الأخيار يظهر في هذه المواطن لطف الله عز وجل بهم. وكان الإمام أحمد رحمة الله عليه يقول لأهل البدع: (بيننا وبينكم الجنائز)، أي: أن الأمور تنكشف في موت الإنسان، فيجعل الله له بعض البشائر عند موته، من ذكر الله عز وجل والختم بالخير، ويجعل له بعض البشائر في تغسيله وتكفينه حتى في قبره ودفنه؛ ولذلك ينبغي أن يكون الذي يلي التغسيل ثقة، فإذا حدّث الناس بالخير صدقوه، ويكون ذلك أدعى لانتشار الخير والإحسان إلى الميت بالترحم عليه وحسن الظن به. كذلك أيضاً: لا يحدث بكذب، ولا يكذب على الميت ولا يسيء إليه. مأموناً: أي مأمون النظر إلى عورة الميت، ومأمون التصرف. فهذه أمور لا بد من توفرها في الغاسل: أن يكون عالماً بالغسل، وأن يكون ثقةً، وأن يكون مأموناً، فيؤمن منه النظر إلى العورة، ويؤمن منه المس للعورة، ويؤمن منه الإخلال بحقوق الميت. كل ذلك مما ينبغي توفره فيمن يلي تغسيل الميت.
أولى الناس بتغسيل الميت
أولى الناس بتغسيل الميت يقول المصنف رحمه الله: [وأولى الناس بتغسيله وصيه]. يبين رحمه الله بهذه العبارة أن أحق الناس بتغسيل الميت وصي الميت، وهذه الوصية مشروعة؛ وذلك لأنه ربما كان ذلك الشخص الموصى إليه معروفاً بالعلم والاستقامة والسنة، والحرص على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم والدعاء بالخير؛ فيكون أفضل من غيره وأولى وأحرى، وخاصةً في الأماكن التي يكثر فيها الجهل أو توجد فيها البدع والأهواء، ويكون هناك من عرف بالاستقامة والحرص على سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فتكون الوصية لمثله آكد وأولى وأحرى. وقد جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه وصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس رضي الله عنها وأرضاها، وهذا يدل على مشروعية الوصية، وكذلك جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه وصى أن يغسله محمد بن سيرين، وكان مرهوناً في دين، فأخرج من سجنه لتغسيل أنس رضي الله عنه؛ لأنه وصى له بذلك. فالوصي مقدمٌ على غيره؛ لأن الميت اختاره من دون الناس، خاصةً إذا وُجد المبرر -كما قلنا- من علمٍ واستقامة وحرصٍ على الخير. وقوله: [ثم أبوه]. يلي الوصي الأب، فالأب أحق بتغسيل ابنه؛ وذلك لمكان عظيم الشفقة والقيام بحقه على أتم الوجوه. وهذا إنما يكون إذا تنازع القرابة فقال الأخ: أنا أريد تغسيله، وقال الابن: أنا أريد تغسيله، واختصم الأقرباء، فحينئذٍ يحتاج الفقهاء إلى وضع ترتيب للأقارب بحيث يُبين من الذي يقدم من الأقارب، فقال رحمه الله: [ثم أبوه] أي: الأب هو أول من يقدم من قرابة الميت، والأمر واضح؛ فإن أحق الناس هم الوالدان، ولكن الأم يتعذر غسلها لابنها، فبقي الحق للأب على الأصل في تغسيل الرجل للرجل. وقوله: [ثم جده]. الضمير عائد إلى الميت، أي: جدّ الميت: وهو أبو الأب، فالمراد جهة الأبوة، إذا قلت: يقدم الأب ستنظر إلى هذه الجهة، وتبدأ بالأب المباشر، ثم أبوه وإن علا، فيقدم الأب على الجد، والجد الأقرب على الجد الأبعد، فأبو الأب مقدم على جد الأب؛ وهذا لأن الجهة يقدم بها، فإذا تساووا في الجهة نُظِر إلى القرب: فبالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا لو اختصم أبٌ وجد في تغسيل الابن فإنه يقدم الأب المباشر على الجد، وهكذا لو اختصم الجد وجد الجد، قدم الجد الأقرب على الجد الأبعد. وقوله: [ثم الأقرب فالأقرب من عصباته]: الآباء ثم الأبناء ثم الإخوان، فإذا لم يوجد له أب ولا ابن -الذي هو الفرع- ينتقل إلى جهة الإخوة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (عم الرجل صنو أبيه) والعم أخٌ للأب، فجعل الأخ مع أخيه كالشيء الذي خرج من أصلٍ واحد، فبعد الأب يقدم الابن، ثم إذا لم يكن للميت ابن يقدم الإخوة الأشقاء، ثم الإخوة لأب، ثم أبناء الإخوة الأشقاء، ثم أبناء الإخوة لأب، ثم الأعمام الأشقاء، ثم الأعمام لأب، ثم أبناء الأعمام الأشقاء، ثم أبناء الأعمام لأب، ثم بعد ذلك أقرب العصبات: فيقدم ابن ابنِ العم على ابن ابن ابنِ العم، على حسب الترتيب الذي سبق الإشارة إليه. وقوله: [ثم ذوو أرحامه]: أي: فيقدمون على حسب منازلهم، كابن بنت الابن مع ابن بنتِ بنت الابن؛ فإنه يقدم الأقرب على الأبعد، وذوو الأرحام في الفرائض هم الذين ليس لهم فرضٌ ولا تعصيب، كابن الخالة، فإنه ليس له فرض ولا تعصيب، ولهم ميراث خاص سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في باب الفرائض. وقوله: [وأنثى وصيتها]. بعد أن بين الرجال فقال: نقدم الآباء ثم آباءهم وإن علوا، ثم الأبناء وأبناءهم وإن نزلوا، ثم الإخوة، ثم أبناء الإخوة، ثم الأعمام، ثم أبناء الأعمام على الترتيب الذي ذكرناه؛ شرع في الإناث، فقال: الحكم في المرأة كالحكم في الرجل سواء بسواء، فقال: [وصيتها] فلو أوصت امرأة أن التي تلي تغسيلها هي فلانة، ولو كانت أجنبية فإنها تقدم على قريباتها. وقوله: [ثم القربى فالقربى من نسائها]: أي: على نفس الترتيب، فتقدم الأم أولاً، فإذا وجدت الأم فهي أحق من يلي تغسيل ابنتها، ثم أمها وهي الجدة -أم الأم- وتقدم القربى على البعدى، فأم الأم مقدمة على أمّ أم الأم، وبعد جهة الأمومة ينتقل إلى البنوة، فالبنت إذا لم توجد أمها، أو كانت الأم لا تستطيع أن تلي التغسيل فننتقل إلى البنات، فبنتها أحق بتغسيلها، ثم بنت بنتها وإن نزلت، ثم بعد ذلك أختها الشقيقة، ثم أختها لأم، وقال بعض العلماء: أختها لأب. وإن كان من جهة الأم قالوا: نقدم الأم، على خلاف الذكور، فإنا نقدم من جهة العصبة والرجل والذكر. ثم بعد ذلك بنات الأخوات الشقيقات، ثم بنات الأخوات لأم، ثم ينتقل بعد ذلك إلى العمات؛ ثم بنات العمات على حسب الترتيب الذي عكسه في الرجال.
مسائل في غسل الميت
مسائل في غسل الميت
جواز تغسيل كل من الزوجين لصاحبه
جواز تغسيل كل من الزوجين لصاحبه قال المصنف: [ولكل واحدٍ من الزوجين غُسل صاحبه] أي: من حقه أن يلي تغسيل صاحبه، حتى قال بعض العلماء: الزوج يقدم على جميع الأقرباء، والزوجة تقدم على جميع الأقرباء. أما كون المرأة تلي تغسيل الرجل فهذا يكاد يكون كالقول الواحد عند العلماء رحمة الله عليهم. وأما هل الرجل يُغسّل المرأة؟ فللعلماء قولان: الجمهور يرون أن للرجل أن يلي تغسيل امرأته، ولا حرج عليه في ذلك، وعصمة الزوجية باقٍ حكمها، ولا تنفسخ بالموت. الحنفية رحمة الله عليهم لا يرون أن للرجل أن يغسل زوجته، ويرون أنه بمجرد أن تموت يحل له نكاح أختها، وكذلك أيضاً يحل له نكاحُ بديلٍ عنها إذا كانت هي الرابعة، قالوا: فحينئذٍ لا يلي تغسيلها؛ كأن العصمة شبه زائلة بالموت. والصحيح: ما ذهب إليه الجمهور؛ فإن حديث ابن ماجة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لـ عائشة: (لو أنك متّ فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ثم دفنتك) وهذا حديث حسنه غير واحدٍ من أهل العلم رحمة الله عليهم، وهو يدل على أن للرجلِ أن يلي تغسيل امرأته. كذلك أيضاً فعل السلف الذي صار كالإجماع بين الصحابة؛ وذلك أن علياً رضي الله عنه تولى تغسيل زوجته فاطمة رضي الله عنها، ولم ينكر أحدٌ من الصحابة رضوان الله عليهم ذلك، فصار كالإجماع السكوتي، ومن هنا قالوا: إن تغسيل الرجل لزوجته يعتبر مشروعاً، وهذا هو الصحيح. وقوله: [وكذا سيدٌ مع سريته]: أي: وكذا السيد مع سراريه، فالنساء اللواتي يتسرى بهن -وهن الإماء- من حقه أن يلي تغسيلهن؛ فإنه لا يزول ذلك بالموت، كما أن من حقه أن يلي تغسيل زوجته، وكذلك للأمة غسل سيدها.
جواز تغسيل الرجل والمرأة لمن دون سبع سنين
جواز تغسيل الرجل والمرأة لمن دون سبع سنين وقوله: [ولرجل وامرأةٍ غسل من له دون سبع سنين فقط]. بعد أن بين لنا رحمه الله مراتب القرابة بالنسبة لتغسيل الميت، وحكم الزوجين، وحكم الإماء، شرع رحمه الله في مسألةٍ ثانية تتصل بولاية تغسيل الميت. فالصبي الذي دون سبع سنين، إن وليته أمه أو وليه أبوه فلا حرج، وكذا لا حرج أن يلي تغسيله الرجال أو يلي تغسيله الإناث ولو أجانب، هذا بالنسبة للمولود دون سبع سنين. وابتدأ بالأقل والأخف الذي لا خلاف فيه وأمره يسير -وهو الصغير- لكي يتدرج منه إلى من هو أكبر؛ وذلك لأن تغسيل الأموات يختلف بعد السبع السنين بالنسبة للرجال والنساء، فالأصل: أن الذي يلي تغسيل الرجال هم الرجال، والذي يلي تغسيل النساء هم النساء، ما عدا مسألة الزوجين والسراري والإماء؛ وعلى هذا شرع رحمه الله في بيان مسائل تتعلق بهذا المبحث، فقال: إن من كان دون السبع السنين -وهو الصبي، وكذلك الصبية- فإن أمرهما خفيف، ولا حرج حينئذٍ أن يلي تغسيله الرجال أو يلي تغسيله الإناث.
حكم تغسيل رجل مات بين نسوة والعكس
حكم تغسيل رجل مات بين نسوة والعكس وقوله: [وإن مات رجلٌ بين نسوة أو عكسه يممت]. أي: وإن مات رجلٌ بين نسوةٍ وليس فيهن زوجة ولا أمه، أو ماتت امرأة بين رجال وليس فيهم زوج ولا سيد، فحينئذٍ تيمم المرأة وييمم الرجل، قالوا: ولا يلي الرجال تغسيل النساء إلا ما ذكرنا من الرجل مع زوجته وأمته، وأما ما عدا ذلك فإنه لا يغسل الرجل المرأة ولا تغسل المرأة الرجل، وإنما يلي الجنس الجنس، وذلك لعدم أمن الفتنة غالباً، لأن الرجل مفتون بالمرأة، والمرأة مفتونة بالرجل، وحينئذٍ يصار إلى الاحتياط، فلا يلي الرجال النساء ولا تلي النساء الرجال، وإنما ييمم الرجل إذا مات بين النساء، وتيمم المرأة إذا ماتت بين الرجال. والتيمم: أن يضرب الحي بكفيه الأرض ثم يمسح بهما وجه الميت وكفيه، فإن وجد محرم فهو الذي يلي ذلك؛ لأنه سيحتاج إلى المس، وأما إذا لم يكن من أقاربها فقال بعض العلماء: إنه يرخص في هذا اللمس لوجود الحاجة والضرورة، ومسح الكفين والوجه أخف من غسله لها ومرور يده على بقية أجزاء جسمها، ولو ولي الرجل المرأة لخلا بها، والأصل يقتضي حظر خلوة الرجل بالمرأة وخلوة المرأة بالرجل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ألا لا يخلون رجلٌ بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وهذا يدل على أنه لا يلي الرجل تغسيل المرأة، والمرأة لا تلي تغسيل الرجل.
حكم تغسيل الخنثى
حكم تغسيل الخنثى قال المؤلف: [كخنثى مشكل]. الخنثى: هو الذي يكون له ما يدل على أنوثته ويدل على رجولته، وهو ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: خنثى مميز، أي: تميز حاله بأن ظهرت فيه أمارة الفحولة والرجولة، فهو رجل وملحقٌ بالرجال، أو ظهرت به أمارات الأنوثة والنساء فهو امرأة، وحينئذٍ لا إشكال. القسم الثاني: خنثى مشكل، ليس فيه أمارات تدل على فحولته ولا أمارات تغلب أنوثته، ولذلك لم يقتصروا على وصفه بكونه خنثى، وإنما أضافوا إليه وصف الإشكال، فأشكل أمره، أي: التبس، والشيء المشكل هو الذي أصبحت أشكاله كالشيء الواحد، فشكله امرأة وشكله رجل، -أي أن فيه شبهاً من الرجال وشبهاً من النساء، فهذا لا نستطيع أن نقول: يليه النساء؛ لخوفنا أن يكون ذكراً، ولا نستطيع أن نقول: يليه الرجال؛ لخوفنا أن يكون أنثى، فهذا الخنثى ييمم.
حرمة تغسيل المسلم للكافر أو دفنه
حرمة تغسيل المسلم للكافر أو دفنه وقوله: [ويحرم أن يغسل مسلم كافراً أو يدفنه، بل يوارى لعدم]. بعد أن بين لنا رحمه الله أن الطفل الصغير يليه الرجال والنساء على حدٍ سواء، ثم الرجل بين النساء والمرأة بين الرجال ييممان، ثم الخنثى ييمم؛ لأنه نظير ملحقٌ بما تقدم، والعلة بينه وبين من فقدت منه ما ذكرنا من الرجال والنساء واحدة، شرع رحمه الله بذكر الحكم بالنسبة للكافر. فلا يجوز للمسلم أن يغسل الكافر، فالكافر لا يغسل ولا يكفن وإنما يوارى جسده، وهذا فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام لما جاءه علي بن أبي طالب وذكر له أن عمه أبا طالب قد توفي، قال: (اذهب فواره) وهذا الحديث متكلم في سنده، لكن أقوى منه ما فعله عليه الصلاة والسلام بقتلى بدر حيث أمر بهم في القليب، ولم يأمر بتغسيلهم ولا بتكفينهم، وحينئذٍ انعقد الإجماع على أن الكافر لا يغسل ولا يقام عليه كما يقام على المسلم.
باب الغسل والتكفين [2]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [2] غسل الميت واجب على المكلفين، وصفته قد جاءت مفصلةً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهناك أحكامٌ ومستحبات متعلقة بغسل الميت، لابد من العلم بها حتى يكون المغسل ملتزماً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
أحكام غسل الميت
أحكام غسل الميت بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: وقوله: [وإذا أخذ في غسله ستر عورته وجرده]: بعد أن بين لنا -رحمه الله- من الذي يلي التغسيل، ومن له حق التغسيل، وفصّل في الجنسين، وفي المسائل المترتبة على فقد الجنس المماثل، شرع رحمه الله في صفة الغسل. وتغسيل الميت من المهمات التي ينبغي على الناس أن يكونوا على إلمام بها، فإن الرجل ربما فجع بقريبه ميتاً، وربما فُجع في سفرٍ بصاحبٍ له أو رفيقٍ له، فيحتاج أن يعرف أحكام غسل الميت، ولذلك كان بعض العلماء والمشايخ رحمةُ الله عليهم عندما يجلسون في المجالس مع العوام، بدلاً من أن يضيع الوقت دون فائدة يعلمون العوام صفة تغسيل الميت بالتطبيق الفعلي، ويطبقونها في المجالس؛ إحياءً لهذا الأمر اليسير، ولكن بعض الناس ربما يدخل عليه بعض التكلفات التي تجعل الناس يظنون أنه شاق، وأنه لا يليه إلا خاصةُ الناس، مع أن الأمر يسير والدين يسر، وهو رحمةٌ من الله عز وجل بعباده، وليس فيه حرج ولا مشقة. فالأمور التي يتكلفها البعض في تغسيل الميت وإحداث صفةٍ معينة فيها كلفة ومشقة، فكلها أقرب إلى الاجتهادات والآراء التي لا تستند إلى حجة من الكتاب والسنة، وهي أمور لا أصل لها، وإنما يقتصر على سماحة الإسلام ويسره في ولاية أمر الميت وتغسيله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يسر أمر الغُسل سواء كان الميت رجلاً أو امرأة، وقد أثر عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال في المحرِم: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تحنطوه، ولا تخمروا وجهه، ولا تغطوا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً)، وهذا أمر في غاية الاختصار واليسر والسماحة. وكذلك أيضاً لما أمر بتغسيل ابنته زينب وتكفينها رضي الله عنها كما جاء في حديث أم عطية رضي الله عنها الذي هو أولى وأقوى من حديث ليلى الثقفية رضي الله عنها، وفيه يسر أيضاً، وإذا تأملته وجدت أن التغسيل وصفة التكفين كلها يسر، وليس بذاك الأمر الصعب الذي يظنه بعض الناس وأنه لا يتيسر إلا لخاصة طلاب العلم، بل الأمر على خلاف ذلك، فقد تجد من العوام من يُحسن ذلك لسهولته ويسره.
ستر عورة الميت قبل التغسيل
ستر عورة الميت قبل التغسيل قال رحمه الله: [وإذا شرع في تغسيله ستر عورته وجرده]. بعد أن بينا من الذي يلي التغسيل ومن هو أحق بالتغسيل -وهذا من ترتيب الأفكار- وبينا من الذي يُغَسّله من الرجال والنساء، ومن الذي تغسله المرأة من الرجال والنساء، حينئذٍ يرد Q كيف نغسل؟ فقال رحمه الله: [وإذا شرع]-أي: أراد أن يغسل-[ستر عورته] أي: ستر عورة الميت وستر عورة الميتة، لأن الأصل أن عورات الأموات والأحياء حرمتها واحدة، ولا يجوز كشف السوءات والعورات لا من حيّ ولا من ميت، إلا ما وردت الرخصة والضرورة به من علاج ونحو ذلك، وأما بالنسبة لتغسيل الميت، فالأصل: أن من يريد أن يغسل الميت فعليه أن يستر عورته. وبناءً على ذلك يكون ستر العورة على حالتين: الحالة الأولى: إما أن تدخل على ميتٍ عليه ثيابه، فحينئذٍ تخفف الثياب وتبقي عليه ما يستر عورته كالسراويل ونحوها؛ والسبب في ذلك أن درجة حرارة الجسم ترتفع، وإذا كانت الثياب على الميت فإنها تفسخ جلده، وخاصةً إذا كانت ثقيلة كما هو الحال في أيام البرد ونحوها. أما دليل تخفيف الثياب والاقتصار على ما يستر العورة، فهو ما ثبت في الحديث الصحيح أن الصحابة قالوا: (أنجرد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نجرد موتانا؟!) قالوا: إن هذا التجريد المراد به أن نزيل عنه جميع ما يلي بدنه، وتبقى العورة على الأصل من كونها محظوراً كشفها والنظر إليها. بناءً على ذلك: يُبقى عليه سراويل أو إزار يستر عورته، فمواضع العورة تبقى مستورة، ويبقى صدره ورأسه ورجلاه وساقاه مكشوفة؛ ثم إذا كان عليه ثياب بعد أن يجرده هذا التجريد يهيئه للغسل. الحالة الثانية: أن يكون الميت عارياً، وهذا يقع في بعض الأحوال، كما يحدث في بعض الأحيان إذا مات في المستشفى وعليه غطاء مسجى به، فحينئذٍ إذا أردت تغسيله بدأت بعورته، فلا تكشف الثوب عنه حتى تحتاط لعورته، فتلبسه ما يستر العورة، أو تضع على عورته ما يسترها، ثم تشرع في تغسيله.
ستر الميت عن العيون عند غسله
ستر الميت عن العيون عند غسله وقوله: [وستره عن العيون]. هناك أمران في الستر: الأمر الأول: الستر في الجسد نفسه، بأن تبقي على جسده ما يستر عورته على التفصيل الذي ذكرناه. والأمر الثاني: أن تهيئ موضعاً أبلغ في ستره وعدم تغسيله أمام الأعين؛ فإن ذلك أحفظ لحرمته وأرعى لها وأصون، وصورة ذلك: أن يختار الإنسان الغرف ونحوها، فلا يغسله في فناء واسع، وخاصةً إذا كان هناك أشخاص ينظرون إليه، أو فناء مكشوف تطل عليه البيوت الأخرى أو نحو ذلك، فهذا فيه حط من قدر الميت ومنقصة لمكانته، وحينئذٍ لا يفعل به ذلك. ثم في الغرف نفسها: فأضيقها مقدّمٌ على أوسعها ما لم يكن في السعة ما يعين على تغسيله، أو تكون هناك حاجة لإخراجه إلى مكان أوسع لكي يكون الماء قريباً منك، أو كان في الموضع الذي فيه الماء ولا تستطيع أن تنقله إلى موضعٍ آخر، فحينئذٍ لا حرج أن تغسله في ذلك الموضع ولو كان واسعاً. فتختار له الغرف الضيقة والمستورة من أعلاها، وهناك حديث تكلم العلماء في سنده، وهو: النهي عن تغسيل الميت في غرفةٍ ليس لها سطح، ولكنه ضعيف، والصحيح: أنه لا حرج أن يُغسل وهو إلى السماء، بمعنى أن يكون في غرفة أو فناء أو نحو ذلك، ولكنه خلاف الأولى.
كراهة حضور غسل الميت إلا لمن احتيج إليه
كراهة حضور غسل الميت إلا لمن احتيج إليه قال رحمه الله: [ويكره لغير معين في غسله حضوره]. وهنا ننبه على أمر! فمع أن المنكشف من الميت غير عورته، وهو صدره وساقاه ونحو ذلك، فلا ينبغي أن يحضره إلا من يلي تغسيله، وهذا يدل على الحفظ الأكمل للإنسان، حتى وإن قلنا بجواز أن يرى الرجل ساق الرجل وأن يرى صدره، ومع ذلك نقول: إن حفظ هذه الأمور أولى وأحرى. نفرع عليه المسألة المشهورة، وهي: أن بعض النساء -أصلحهن الله- يترخصن بقول بعض العلماء: إن عورة المرأة مع المرأة كعورة الرجل مع الرجل، فيقولون: لا حرج أن تبدو المرأة كاشفة الساقين أو الفخذين -نسأل الله السلامة والعافية- وكاشفة الصدر؛ لأن عورتها المغلظة السوأتان والفخذان كالرجل مع الرجل. ونقول: لو كشف الرجل عن عورته في مجامع الناس لسقطت عدالته وردت شهادته، وكذلك المرأة إذا جلست بين النساء مكشوفة الفخذين أو مكشوفة الساقين أو مكشوفة الصدر؛ فهي ساقطة العدالة ذاهبة المروءة -نسأل السلامة والعافية- ومثلها لا تقبل شهادتها، وهذا بإجماع العلماء: أعني أن من يرتكب ما يخل بالمروءة لا تقبل شهادته؛ لأنه ناقص العقل، والشهادة إنما تقبل ممن عنده عقل يعقله ويردعه. لذلك يقول العلماء: لحفظ كرامة الميت ينبغي ألا يحضر تغسيله -مع كونه محفوظ السوأتين- إلا من احتيج إليه، كأن يكونوا أعواناً يقومون بمعونته، أو يكون عالماً من أهل العلم يرشد أو يبين، فحينئذٍ لا حرج أن يحضر، وأما من عدا ذلك فلا. ورخص بعض العلماء في بعض القرابة للشفقة، كأن يكون ابنه فيحب أن يكون حاضراً لتغسيله، وقد يكون ذلك من بعض الأقرباء؛ حتى يكون أدعى لرضاه بقدر الله عز وجل، لأنه ربما رأى أمارات تبشره بالخير، ويكون ذلك أدعى لصبر الأقرباء، وهذا معروف: ربما غسل فظهرت أمارات طيبة في تغسيله، فتكون أدعى لصبر أقربائه واحتسابهم للأجر فيه.
رفع رأس الميت وعصر بطنه برفق عند غسله
رفع رأس الميت وعصر بطنه برفق عند غسله قال المصنف رحمه الله: [ثم يرفع رأسه إلى قرب جلوسه]: أي: بعد أن يهيئ الغاسل المكان الذي يريد أن يغسل الميت فيه، يختار بعض العلماء أن يكون الميت على سرير؛ لأنه إذا كان على الأرض يكون غسله من الصعوبة بمكان، ولذلك اختاروا أن يكون على سرير أو على شيء عالٍ؛ حتى يتيسر نزول الفضلات والأقذار؛ ويكون ذلك أدعى لسلامة الجسد منها، فيضعه على سريرٍ ونحو ذلك ويجعل صدرهُ مرتفعاً قليلاً، فيرفع صدره ورأسه حتى يتيسر خروج الخارج أثناء تغسيله. وقوله: [ويعصر بطنه برفق]: أي: بعد أن يرفعه من جهة صدره ورأسه يقوم بعصر بطنه عصراً رفيقاً، فإن هذا الرفع والعصر يسهل خروج الفضلة الباقية في ذلك الموضع؛ فتخرج الفضلة، وذلك أدعى لنقائه. ثم لا يعصر بمبالغة، ولا يضغط ضغطاً شديداً؛ وذلك لأن حرمة المؤمن ميتاً كحرمته حياً، كما ثبت في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عند ابن ماجة وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كسر عظم المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم) قال العلماء: فيه دليل على أنه يأخذ الحرمة ميتاً كما كانت له حياً، وعلى هذا قالوا: لا يبالغ في عصره، ولا يبالغ في الإضرار به وأذيته. وقوله: [ويكثر صب الماء حينئذٍ]: هذه أمور كلها من باب الاستعانة على النظافة، ليس فيها نص أنه يجب أو يلزم الإنسان عبادةً أن يكثر الماء، إنما المراد أنه يكثر الماء حينئذٍ؛ لأن التجربة أنه إذا عصر البطن خرج الخارج، وحينئذٍ ينتن رائحة يتضرر منها من يلي تغسيله ومن عنده، فإذا أكثر الماء كان أدعى لخروج هذه النجاسة، وكذلك أدعى لسلامة البدن منها، وسلامة البدن مقصودة، وكذلك أيضاً الرفق بمن حضر بزوال الرائحة والنتن مطلوبٌ.
تنجية الميت بخرقة
تنجية الميت بخرقة [ثم يلف عليه خرقة فينجيه]. إذاً: أول ما يبدأ بقضية إخراج الفضلات، وإخراج الفضلات يستلزم منك أمرين: الأمر الأول: أن تقوم برفع الجذع الأعلى من جسده حتى يتيسر نزول الفضلة والعصر الرفيق على بطنه، يتكرر ذلك على حسب الحاجة. وبعد أن تعصر وتتأكد من خروج الخارج ويكون مع خروج الفضلات صبّ الماء حتى لا يؤذي برائحته، وأيضاً حتى لا يتضرر البدن ببقاء النجاسة، فكثرة صب الماء أثناء خروج الخارج أدعى لذهاب النجاسة والقذر، وهذا مطلوب شرعاً. فهذان أمران: العصر ووضع الميت في حالة تعينه على خروج الخارج، ثانياً: كثرة صب الماء لنقائه وتنظيفه. بعد هذا تكون مرحلة النقاء المقصودة، وذلك أن يأخذ خرقة فيلفها على يديه، ثم يصب الماء على السوءة ويبدأ بغسلها وإنقائها كالحي سواء بسواء، أي: كما أنه ينجي نفسه ينجي الميت كذلك. لكن قال بعض العلماء: لو تيسر وجود أي حائل، حتى ولو كان بالأكياس الموجودة الآن فلا حرج، فإنما العبرة بأن يُنقَى الموضع، سواء كان الحائل خرقة أو غيرها.
حرمة مس عورة من بلغ سبع سنين
حرمة مس عورة من بلغ سبع سنين وقوله: [ولا يحل مس عورة من له سبع سنين]: هذا دقة الفقهاء رحمة الله عليهم! فإنه لما ذكر غسل الميت، كان من المناسب لذلك أن يذكر فيها مس عورة الأجنبي مع وجود الحاجة للغسل، فقال رحمه الله: (ولا يحل مس عورة من له سبع سنين). والمس يكون بالمباشرة، أي: الإفضاء إلى الشيء بالشيء بدون وجود حائل؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (من مس ذكره) وإذا وجد الحائل فلا يقال: مس؛ وربما يقال: لمس، وإن كان بعض العلماء يقول: اللمس يقتضي عدم وجود الحائل، لقوله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ} [الأنعام:7] فأياً ما كان: فالمس أن تباشر البشرة البشرة، لكن إذا وجد الحائل فلا يقال إنه مس، وإنما يقال: وضع يده، أو أدخل يده أو نحو ذلك. وحينئذٍ يضع على يديه اللفافة وينجيه إذا كان ابن سبع سنين فما فوق، وإذا كان دون السبع السنين فلا حرج على أمه وأبيه أن يغسلاه، إلا أن بعض العلماء فرق فيما يكون فيه شبه الرجال كبعض الأبناء الذين يبرز مبكراً في سنه حتى يشابه الرجال، وقد تفتن به المرأة ولو كانت قريبة، فهذا يحتاط فيه، وكذلك بالنسبة للصغيرة المشتهاة أو التي تكون أشبه بالكبيرة وفيها فتنة، فهذه مسائل مستثناة، نص العلماء على استثنائها بأعيانها.
استحباب مس سائر الجسد بخرقة
استحباب مس سائر الجسد بخرقة قال رحمه الله: [ويستحب ألا يمس سائره إلا بخرقةٍ]: أي: سائر جسد الميت. لقد بين لنا رحمة الله عليه أن أول ما يبدأ به الإنسان إنما هو إنقاء الموضع بعد خروج الخارج، وقال: إن هذا الإنقاء إذا كان الميت ابن سبع سنين فما فوق ينبغي أن يكون بحائل، فلما تكلم على الحائل من أجل العورة ناسب أن يذكر أن هذا الحائل الأفضل أن يكون هناك مثله لبقية الجسد؛ لكن ليس للعلة التي في العورة وإنما لعلة أخرى، وذلك أن وجود الخرقة يصبح بمثابة المعين على دلك الجسد ونقائه، بخلاف ما إذا باشرت اليد الجسد، فإنها لا تقوى على إزالة الوسخ والقذر كما لو كان بليفةٍ أو نحو ذلك من الأشياء. فقال: (يستحب)، أي: يستحب في سائر البدن أن يكون هناك شيء من القماش أو نحوه على اليد، حتى إذا مرت اليد على الجسد كان ذلك أدعى لمكان الخشونة أن يزيل الأقذار أو ما علق بجسد الميت مما هو غريب عنه.
صفة وضوء الميت
صفة وضوء الميت قال المؤلف: [ثُمَّ يُوَضِّئْهُ نَدْباً]. (ثم) هنا جاءت للترتيب، والمصنف رحمه الله ذكر لنا أنك تبدأ بإنقاء العورة من الفضلات وغيرها، ثم بعد ذلك قال: وتكون هناك خرقة لغسل سائر البدن، فأدخل مسألة الخرقة لسائر البدن بعد الطهارة، فكأنها فاصل فقال: (ثم) ولم يقل: (و) كأنه يشير إلى أن مسألة الخرقة لسائر البدن مسألة مقحمة ذُكِرت لنظيرها، وإلا فالأصل بعد انتهائك من تغسيل عورته وإنقاء الموضع من النجاسة أن تنتقل إلى توضئة الميت، فننبه على الترتيب: فيبدأ الإنسان أولاً بإنقاء الموضع من النجاسة، ثم يبدأ بتوضئة الميت، فبعد أن ينجيه كما ينجي الحي نفسه من النجاسة، ويرى حينئذٍ أنه قد انقطع الخارج النجس، وأن النجاسة قد زالت عن الموضع؛ ينتقل إلى الوضوء، وهذه هي السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اغتسل بدأ صلوات الله وسلامه عليه بإزالة الأذى، قالت أم المؤمنين: (فغسل الأذى، ودلك بيديه الأرض بعد أن غسل الموضع)، وهذا يدل على أن السنة في غسل الميت كالحي: أن يبدأ بإزالة النجاسة ثم الوضوء. وتوضئة الميت هي أول ما يكون في غسله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أمر النساء أن يغسلن بنته: (ابدأن بميامينها -يعني: جهة اليمين- وبأعضاء الوضوء منها)، فدل على أن السنة البدء بالوضوء، وكان عليه الصلاة والسلام: (إذا اغتسل ابتدأ بالوضوء)، فغسل كلتا يديه، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، وبعد ذلك أخر غسل رجليه إلى آخر غسله؛ لكن هنا في الميت قالوا: لا يؤخر؛ لأن العلة التي في الحي ليست موجودةً في الميت، فيبتدأ بتوضئة الميت. وقوله: [ولا يُدخل الماء في فيه ولا في أنفه]: بعد أن بين لنا أن نوضئ الميت، قال: (ولا يدخل الماء في فمه ولا في أنفه) وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بتغسيله، وإنما يقتصر على غسل الشفتين، ولذلك قالوا: يبل يديه ثم يمر بهما على شفتيه؛ لأنهما من الخارج، وذلك يغني عن إدخال الماء إلى الداخل، وهكذا بالنسبة لمنخريه، قالوا: إنه يبل يديه ويدخلهما في المنخرين كأن الماء قد دخل، وإن كانت الصورة أشبه بالمسح؛ لكنهم قالوا: إن صب الماء على اليد ثم إدخالها أقرب إلى الغسل، فصار المسح أخف من الصورة التي ذكرناها، فكأن الصورة أقرب إلى الغسل. وعلى هذا: فبدلاً أن يمضمض الميت ويدخل الماء في أنفه يقوم بوضع الماء على شفتيه، بوضع إصبعيه مبلولتين على شفتيه، وإدخالهما في منخريه أيضاً، وهذا ما ذكره المصنف رحمه الله بقوله: [ويدخل إصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه، فيمسح أسنانه، وفي منخريه فينظفهما، ولا يدخلهما الماء]: أي: لا يدخل الماء في فمه ولا أنفه. إذاً بهذا نكون قد بينا أن السنة توضئة الميت.
حكم البسملة والنية عند غسل الميت
حكم البسملة والنية عند غسل الميت قال رحمه الله: [ثم ينوي غسله ويسمي]. قوله: (ثم ينوي غسله): هذا فيه خلاف بين العلماء: فالحنفية لا يرون نية الغسل، والجمهور يرون نية الغسل وهو الصحيح، وأصل المسألة مفرعة على غسل الحي أيضاً؛ والصحيح وهو مذهب الجمهور: أنها تشترط، ولا يصح الغسل من الجنابة لحي إلا بنية، وقد قدمنا هذه المسألة وذكرنا الأدلة وخلاف العلماء والراجح فيها، فالصحيح أنك تنوي. وبناءً على ذلك: ما فائدة أن نقول: إنه لا بد من النية؟ فائدة ذلك: أنه لو أُخِذَ الميت ووضع في موضع عُممَ الماءَ على بدنه، كأن يوضع في بركةٍ صغيرة -بطريقة أو بأخرى- ويكون عالي الصدر، ويمر الماء على سائر جسده بقصد التنظيف، أو صبّ الماء عليه بقصد تنظيفه لا بقصد القيام بحق الغسل، فحينئذٍ نقول: هذا الغسل ليس تعبدياً؛ لأنه لم ينو، فحينئذٍ يلزم أن يعاد الغسل مرةً ثانية، هذا هو وجهه. وأما الدليل على اشتراط النية فقد قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] وقال تعالى: {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ} [الزمر:2] فأمر سبحانه وتعالى بإخلاص الدين له، والغسل من الجنابة دينٌ وعبادة، ولا يمكن للإنسان أن يقصد القربة بهذا العمل -أعني: الغسل- إلا بالنية؛ لأن الغسل يقع على صورة العبادة ويقع على صورة العادة، فيقع على صورة العبادة كما في غسل الجنابة وغسل النفساء، ويقع على صورة العادة كالغسل للاستحمام، فلما كان الفعل في حد ذاته صالحاً للعادة وصالحاً للعبادة؛ فإنه لا يمكن تميز العادة عن العبادة إلا بالنية، فأصبحت واجبة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) والغسل عمل. وقوله: (ويسمي) أي: يقول: (باسم الله) عند تغسيله. وقوله: [ويغسل برغوة السّدْر رأسه ولحيته فقط]: وذلك بأن يأخذ إناءً مخصوصاً ويضع السدر فيه ويضربه فيه حتى تصير له رغوة كرغوة الصابون، فيأخذ هذه الرغوة النقية من السدر ويغسل بها رأسه وشعر وجهه، والأصل في هذا قوله عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماءٍ وسدر).
الشروع بتغسيل الشق الأيمن ثم الأيسر
الشروع بتغسيل الشق الأيمن ثم الأيسر وقوله: [ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر]: يغسل شقه الأيمن؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (ابدأن بميامينها) ثم شقه الأيسر، إن كان مضطجعاً ووجهه إلى السماء فتبدأ بالشق الأيمن للميت لا للغاسل. وهذه المسألة لها نظائر، منها: لو أحرمت بعمرة وأردت أن تتحلل بعد انتهائك منها، أو بحج وأردت أن تتحلل منه، فهل السنة إذا جاء الحلاق ووقف قبالة وجهك أن يبدأ بيمينه الذي هو يسار لك، أو بيساره الذي هو يمينٌ لك؟ الصحيح: أن العبرة بك أنت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ناول الحلاق شقه الأيمن، فلما قال: ناول الحلاق شقه الأيمن؛ دل على أن العبرة بالميت الذي يُغسَّل، فيبدأ بيمين الميت لا بيمين الغاسل؛ لأنه ربما وقف الغاسل فكان يمينه يسار الميت، وكان يساره يمين الميت، فحينئذٍ العبرة بالميت نفسه؛ لأن الغسل متصل به، والعبادة كذلك متصلةٌ به، فحينئذٍ يُبدأ بيمين الميت، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ابدأن بميامينها) فأسند اليمين إليها، والإضافة تقتضي التخصيص. وعلى هذا: تكون اليمين للميت لا للغاسل، فإن كان مضطجعاً إلى السماء تأتي إلى الناحية اليمنى وتصب الماء عليها، وتغسل أعلاه ثم أسفله، بأن تقلبه حتى يعطيك قفاه، فتغسل الجهة التي تلي الظهر من اليمين؛ تبدأ بهذا ثلاثاً. وبعض العلماء يرى: أنه عليك أن تبدأ بالغسلة الأولى بالشق الأيمن، ثم تقلبه على شقه الأيسر وتغسل الأيسر، ثم تعود ثانية إلى الأيمن، ثم تعود ثالثة بنفس الطريقة؛ كأنه يرى أن الغسلة تتم بالجمع بين اليمين واليسار، ولكنهم قالوا: الأرفق والأولى أن يبدأ باليمين فينتهي منه كليةً، فيغسله ثلاثاً، ثم بالشمال ويغسله ثلاثاً فينتهي منه بعد انتهائه من اليمين.
عدد الغسلات في غسل الميت
عدد الغسلات في غسل الميت وقوله: [ثم كله ثلاثاً]. أي: كل جسده؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح بدأ بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر، وقالت أم المؤمنين: (ثم أفاض الماء على رأسه -وفي رواية- على جسده). ، فهذا يدل على أن الإفاضة تكون بعد البدء بالشق الأيمن؛ تشريفاٌ لليمين، ثم انتهائه من الأيسر. وقوله: (يفيض الماء على جميع جسده)؛ لا بأس باستعمال الوسائل التي يستعان بها في صب الماء كخرطوم المياه ونحو ذلك، فإن شئت أن تصب الماء عليه وتدلك بيديك فابدأ بشقه الأيمن، ثم اقلبه على الأيسر وادلكه بيدك، ثم عمم سائر الجسد، ويكون غسلك لسائر الجسد ثلاث مرات، والثلاث المرات أن تبدأ بأعلاه وتنتهي بأسفله؛ ثم تبدأ بأعلاه وتنتهي بأسفله؛ حتى يكون أدعى لضبطك؛ لأنك لو فرقت بدون إمعان ربما تكررت الثلاث متفرقة على البدن، فتكون غسلت بعض البدن ثلاثاً وبعضه مرتين وبعضه مرة. فالأولى: أن تبدأ بترتيب جسده، فتبدأ بأعلاه فتعتني بكتفيه وجهة رأسه، ثم إلى صدره ثم إلى ظهره، ثم بعد ذلك على ما أقبل من أسافل رجليه ثم ما أدبر. وبعض العلماء يقول: إنما يبدأ بالأعلى وهو منقلب على وجهه إلى السماء، فتبدأ بأعلاه ثم إلى أسفله، ثم تقلبه وتبدأ بأعلاه وهو مقلوب إلى أسفله. والأمر واسع، والعبرة أن الماء يعم الجسد سواء بهذه الطريقة أو بتلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلوه) ولم يحد في ذلك حداً معيناً. وقوله: [يمر في كل مرة يده على بطنه]: أي: يمر في كل مرة يده على بطنه برفق؛ حتى إذا كان هناك خارج يخرج ويبقى نظيفاً نقياً كما هو المقصود من غسله وتنظيفه. وقوله: [فإن لم ينق بثلاث زيد حتى ينقى ولو جاز سبعاً]. أي: فإذا كان بعد الثلاث قد نقي فلا إشكال، وإن لم تنقه الثلاث زيد وتراً، فيكون بخمس ويكون بسبع على حسب الحاجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن) فهذا يدل على أن الأمر مرتبط بالنظافة؛ ولذلك يختلف الوضع في الصيف والشتاء، فقد يكون في الصيف أسهل وفي الشتاء أصعب، وقد يكون بعض الأجساد به من النتن والقذر ما يحتاج إلى غسله سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة مرة؛ فالعبرة في هذا الأمر بتنظيفه وإنقائه.
وضع الكافور في الغسلة الأخيرة
وضع الكافور في الغسلة الأخيرة وقوله: [ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً]: أي: لقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور) والكافور ميزته أنه يطرد الهوام، فإذا وضع في قبره فإن الهوام لا تبادر بالهجوم على جسد الميت، وذلك أدعى لبقاء الجسد أكثر مدة، وقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلن في الآخرة كافوراً) يدل على أنه من السنة.
حكم استعمال الأشنان في الغسل
حكم استعمال الأشنان في الغسل وقوله: [والماء الحار والأشنان، والخلال يستعمل إذا احتيج إليه]: الماء الحار على ضربين: حرارة نسبية معقولة يستعان بها على خفة الماء على الجسد وسهولته، وكذلك تأثيره على القذر الموجود على ظاهر جسد الإنسان. وحرارة شديدة يتفسخ معها الجسد أو يتضرر منها الجلد. والعلماء رحمهم الله لا يعنون بالحرارة النوع الثاني الذي يضر بالبدن ويؤذيه، إنما المراد الماء الحار الذي يقصد به الرفق بالبدن، وسهولة إخراج القذر منه، والسبب في ذلك أن الجلد إذا غُسِل بماءٍ حار سهل إخراج ما علق به من الأوساخ والأقذار. فذكر رحمه الله أن الأصل أنه يغسل بماءٍ عادي غير حار ولا بارد ينفع الجسد بإنقائه وتطهيره وإزالة القذر الذي عليه، ولكن إذا وجدت الحاجة لوجود أوساخ أو أقذار عالقة بالبدن؛ فحينئذٍ يصب الماء الحار، ولكن بشرط ألا تكون حرارته شديدة بحيث تؤذي البدن وتضر به. و (الأشنان): كالصابون ونحوه، فيمكن أن يغسله بالصابون إذا احتيج إليه كما إذا كان شديد القذر، فبعض الموتى يكون على حالة يحتاج معها إلى وجود الطيب أكثر، كأن يغسل بالصابون وما في حكم الصابون من رغوة الأطياب الموجودة في عصرنا الحاضر، فحينئذٍ يوضع في الماء ويغسل برغوة الصابون ونحوه، وهو الذي يسميه العلماء بالأشنان. (والخلال): وهو تخليل أسنانه ومواضع الأذى بالأعواد، لكنها في الأصل تكون في الأسنان، ولو احتيج لتخليل الأسنان كأن يكون بينها أقذار أو أوساخ، كما يقع في بعض الحوادث، أو يكون هناك فضلة دم في الفم، فلا يستطيع أن يزيلها إلا بشيء من الأعواد الصغيرة التي تستعمل لتخليل المنافذ الموجودة بين الأسنان، فهذه تستعمل إذا احتيج إليها، وإلا فالأصل أنها لا تستعمل.
حكم قص شعر الميت وتسريحه وقص أظافره
حكم قص شعر الميت وتسريحه وقص أظافره وقوله: [ويقص شاربه ويقلم أظفاره]: أي: إذا أراد أن يغسل الميت يقص شاربه؛ لأن السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم قص الشارب، وهي من الفطرة كما في الصحيح في حديث: (خمسٌ من الفطرة، ومنها: قص الشارب) والشارب للعلماء فيه كلام من ناحية إحفائه وقصه، فبعض العلماء يرى أن العبرة في القص أن يبدو إطار الشفة؛ لأنه إنما ندب وعُدّ من الفطرة أن يقص الشارب؛ لأنه إذا نزل الشارب على الفم أنتن وتعلقت به فضلات الطعام، والأطباء يمدحون ويفضلون تخفيف الشارب؛ لأنه قد يضيق نفس الإنسان بكثرة وجود الفضلات المنتنة على شاربه وقد يتضرر، وسيأتي الكلام -إن شاء الله- على هذه الخصال. فلو كان شاربه طويلاً متدلياً على فمه، فتقص أطراف الشارب، وهذا من السنة، وذهب بعض العلماء إلى أن الميت لا يُقَصّ منه شيء؛ لأن أجزاءه تحفظ كما هي، وهذا القول هو الأقوى وهو الصحيح، أي: أنه لا يمس شيء منه إلا إن وجدت الضرورة والحاجة لإزالته بحيث يحكم بجوازه، كأسنان الذهب إذا أمكن إزالتها بدون ضرر، إما إذا وجد ضرر فتبقى. فلا يزال من جسده إلا ما دل الدليل على حرمة بقائه، وأما ما عداه فيبقى على الأصل، وإنما يكلف بقص شاربه لو كان حياً، أما وقد مات فقد انتهى التكليف، فلسنا مطالبين إلا بما قاله عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماءٍ وسدر وكفنوه في ثوبين) فنحن مطالبون بالغسل والتكفين، وأما بالنسبة لقص الأظفار والشعر فلا. وقال بعضهم: إذا قصت أظفاره وضعت في الكفن، وإذا قص شيءٌ من شعره وضع في الكفن، كأنهم يرون أن الأصل أن يحافظ على كامل الجسد بما فيه، فهم يسلمون بهذا الأصل. ولذلك نقول: إن قص الشارب والأخذ من الأظفار الأولى تركه؛ فإن فعله أحد لم ينكر عليه، وله أجر إن شاء الله؛ لأن هذا أمر اجتهد فيه بعض العلماء، ورأوا ذلك من الإحسان إلى الميت، وإن كان الذي تميل إليه النفس وتطمئن إليه -بدلالة النصوص- عدم مس شيء من هذا. وقوله: [ولا يسرح شعره]. أي: ولا يسرح شعره خوف التساقط؛ ولذلك كرهه بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فإذا غلب على ظنك تساقط شعره فلا تسرحه؛ لأنه سبب في زوال جزء من البدن. وقوله: [ثم ينشف بثوب]: بعد أن بين رحمه الله صفة الغسل وطريقة الغسل، ذكر أنه إذا تم الغسل، فإنه ينشف بثوب، فيؤخذ شيء من المناديل الكبيرة وتوضع عليه، وتمر على أعلى بدنه ثم على أسفله، حتى يتم تنشيف جميع البدن، ولا يوضع مباشرة بعد التغسيل في الكفن؛ لأنه لو وضع مبلولاً على الكفن قد ينتن؛ ولذلك ينشف حتى يكون أدعى لمس الطيب له وحصول المقصود من بقاء الكفن عليه دون وجود ضرر البلل. وقوله: [ويظفر شعرها ثلاثة قرون، ويسدل وراءها]. (ويظفر شعرها) أي: المرأة، (ثلاثة قرون) كما ورد في تغسيل زينب رضي الله عنها من حديث أم عطية رضي الله عنها. (ويرمى وراءها) أي: وراء المرأة ولذلك قالوا: إن هذا يؤكد أن المعروف في النساء إنما هو ظفر الشعر ورده إلى الخلف، وأما القصات الموجودة ونحوها مما يكون في تفصيل الشعر فهذا مما أخذه بعض الناس من العادات الواردة عليهم، ولكن يقول العلماء: إنه يظفر ويسدل وراءها، وهذا أفضل ما يكون في المرأة في تسريحها لشعرها.
حكم خروج شيء بعد الغسلة السابعة
حكم خروج شيء بعد الغسلة السابعة وقوله: [وإن خرج منه شيء بعد سبع حُشي بقطنٍ، فإن لم يتماسك فبطين حر]. بعد أن بين صفة الغسل، فبعد الفراغ من الغسل بتجفيفه وتهيئته للتكفين، ترد مسألة يعتني العلماء بها وهي: لو خرج شيء بعد تغسيله سبعاً فالحكم فيها: أن يحشى الموضع -وهو الدبر- بقطن، لكي يتماسك ويمنع الخارج، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم للمرأة المستحاضة لما غلبها الدم: (أنعت لك الكرسف -والكرسف: هو القطن، أي: ضعيه في الموضع حتى يمنع خروج الدم- قالت: يا رسول الله! هو أشد من ذلك. قال: تلجمي). فإن لم يتماسك قالوا: فبطينٌ حر، كل ذلك من باب الأسباب التي تعين على حفظ طهارته. وقوله: [ثم يغسل المحل ويوضأ]: أي: ثم يغسل محله ولا يعاد الغسل. فإذا غسلته سبعاً وانتهيت منه، ثم بعد ذلك خرج الخارج فلا تعد الغسل، بل إذا انتهى الغسل بالسبع وخرج منه الخارج فإنك تحشي الموضع بالقطن، فإن لم يتماسك فبطين حر، ثم تغسل النجاسة الموجودة في الموضع نفسه، ولا تطالب بالزائد على ذلك. وقوله: [وإن خرج منه بعد تكفينه لم يعد الغسل]. أي: لا تلزمه إعادة الغسل، حتى قال بعض العلماء: إذا خرج بعد التكفين فإنه لا يلتفت إليه ولا يشتغل به ولا حتى يغسل؛ لأنه قد فعل ما وجب من تغسيله وتكفينه، وذلك يشبه ما لو وضع في قبره فإنه آيل إلى الفناء والتلف؛ فلو خرج الخارج لم يؤثر.
الأسئلة
الأسئلة
تحديد وقت نية الغسل
تحديد وقت نية الغسل Q هل تكون النية بعد غسل أعضاء الوضوء أم تكون قبل غسل أعضاء الوضوء، علماً بأن المصنف رحمه الله ذكرها بعد غسل أعضاء الوضوء؟ A النية تكون عند بداية توضيء الميت، وأما بالنسبة لإزالة نجاسته وقذره فلا تشترط له نية؛ لأن إزالة النجاسة من الوسائل، وإنما تشترط النية في المقاصد لا في الوسائل، فلو أن إنساناً- مثلاً- دخل إلى دورة المياه وقضى حاجته، ثم بعد ذلك غسل الموضع الذي خرج منه الخارج ولم ينو هذا الغسل للصلاة أجزأه؛ لأن مقصود الشرع تنظيف هذا الموضع بغض النظر عن كونك ناوياً للصلاة أم لا، فعلى هذا تكون النية عند ابتداء توضيء الميت إذا كان يريد أن يوضئه، وإذا كان يريد أن يغسله مباشرة فإنه يكون عند ابتداء غسله والله تعالى أعلم.
حكم خروج فضلات بعد إتمام الغسل
حكم خروج فضلات بعد إتمام الغسل Q لو أنه بعد غسل الميت وعند القرب من الانتهاء ولكن دون سبع غسلات خرجت منه فضلات، هل يعيد الغسل من الأول أم يبني في عدد الغسلات؟ A هذا فيه خلاف بين العلماء رحمة الله عليهم، منهم من يحد الثلاث، ومنهم من يحد الخمس، ومنهم من يحد السبع كحدٍ أعلى؛ فالذي يحد السبع يقول: إذا كان قبل السبع يعود ويغسل حتى يصل إلى السبع؛ فإن وصل إلى السبع فهي أقصى ما يصل إليه، وحينئذٍ لا يلزمه أن يعيد بعد هذا غسله، وإنما يغسل الموضع ويقتصر عليه.
حكم غسل العبد لسيدته
حكم غسل العبد لسيدته Q هل يغسل العبد سيدته؟ A العبد لا يغسل سيدته، وإنما يغسلها زوجها، وتغسل الأمة سيدها، والحكم مختصٌ بالسيد مع أمته لا بالسيدة مع عبدها والله تعالى أعلم.
حكم من أوصي إليه بالغسل وهو جاهل به
حكم من أوصي إليه بالغسل وهو جاهل به Q إذا أوصى الميت بأن يغسله شخص، وهذا الشخص معروفٌ بالجهل، هل يعمل بالوصية أم لا؟ A هذا فيه تفصيل: إن أمكن تعليم هذا الشخص، أو أن يكون بجواره من يعلمه الغسل، فهذا أبلغ في إنفاذ وصية الميت، وأما إذا لم يمكن، وأصر أن يغسله وحده فلا عبرة بتغسيله إذا كان لم يؤمن معه الإخلال بالواجبات والأمور المطلوبة، وحينئذٍ تكون الوصية في غير محلها، ويعتد بغسله على الوجه المعتبر والله تعالى أعلم.
مسألة في تغسيل ذوي الأمراض المعدية
مسألة في تغسيل ذوي الأمراض المعدية Q أشكلت علي مسألة، وهي ترك غسل من به جدري أو مرضٌ يخاف انتقال العدوى من الميت إلى المغسل وفي الحديث حديث (لا عدوى ولا طيرة) أثابكم الله. A مسألة العدوى وانتقال العدوى هذه فيها نصوص تكلم العلماء رحمهم الله عليها، وظن أنها متعارضة، وإن كان ظاهرها يوهم التعارض، فالحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة) وصحت عنه الأحاديث بإثبات العدوى، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال -كما في الصحيح-: (إذا سمعتم بالطاعون في أرض فلا تقدموا عليها، وإن وقع بأرضٍ فلا تخرجوا منها) وقال أيضاً: (فر من المجذوم فرارك من الأسد). فللعلماء في هذه الأحاديث التي ظاهرها التعارض أوجه: منهم من يقول: العدوى منفية، ويستثنى من ذلك المجذوم والطاعون؛ لأن التعارض ليس من كل وجه، فيقولون: تنتقل العدوى في الأمراض التي فيها عدوى، ويكون المجذوم والطاعون أصلين وما مثلهما ملتحقٌ بهما، فالمجذوم في الجلد والطاعون في داخل البدن، فكأنه ذكر أصل الأمراض المعدية الظاهرة، والأمراض المعدية الباطنة. وهذا هو أقوى الأقوال جمعاً بين النصين، ويكون قوله: (لا عدوى)، أي: أنها لا تضر بنفسها كما كانت العرب تظن وتعتقد في الجاهلية أن العدوى بذاتها مضرة، ويُغْفِلون مسبب الأسباب ورب الأرباب سبحانه وتعالى، فإن الله عز وجل هو الذي سبب كونها معدية، وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاعتقاد بقوله: (فمن أعدى الأول؟) فكأنه يقول لهم: لو كانت العدوى بذاتها لكانت أشبه بالأمور الطبيعية، فلا إله والحياة طبيعة؛ لكنه قال: (من أعدى الأول؟) أثبت أن الأول به عدوى، وأن العدوى قد وضعها الله عز وجل، ولم ينكر عليهم دخول الإبل المريضة على الإبل الصحيحة وعدواها، وقد قال: (لا يورد ممرضٌ على مصح). فإذاً: كأن الحديث ليس على ظاهره: (لا عدوى)، فليس المعنى أنها لا عدوى بالكلية، والنفي من النبي صلى الله عليه وسلم لا يكون على ظاهره في أحاديث كثيرة، كقوله عليه الصلاة والسلام: (لا إيمان لمن لا أمانة له) أي: لا إيمان كاملاً، وليس المراد: النفي الكامل من كل وجه الذي يقتضي نفي صحة الإيمان والحكم بالكفر. فإذاً: النفي يكون مسلطاً على العموم، ويراد به أمرٌ معين يقصده عليه الصلاة والسلام لاعتقاد ونحوه، فيكون قوله: (لا عدوى) راجع إلى العقيدة، أي: لا تظنوا أن العدوى بذاتها تؤثر، وهذا الصحيح؛ فإن الناس في العدوى على ثلاثة مذاهب: المذهب الأول يقول: لا عدوى بالكلية، وينفيها كليةً، ويخالف الحس والواقع الذي يشهد بوجودها. ومنهم من يقول: العدوى ثابتة وهي بنفسها تضر، كما كان عليه أهل الجاهلية. وجاء الشرع وسطاً بين الأمرين، فقال: العدوى موجودة؛ ولكن لا تضر بنفسها، فتوسط بين الإفراط والتفريط، فإن الحس شاهدٌ لانتقال العدوى؛ ولذلك قال: (لا يورد ممرض على مصح) وعلى هذا يكون الأمر في قوله: (لا عدوى) راجع إلى العقيدة، أي: اعتقاد أن العدوى تؤثر بنفسها. ولذلك ترى الرجل من قوة إيمانه ربما ورد على المريض -وهو قوي اليقين بالله سبحانه وتعالى- رغم أن مرضه معدٍ ولا ينتقل إليه، والعكس: أنه قد ينتقل من إنسان متحفظ خائف يتعاطى الأسباب، ومع ذلك ينقل الله إليه المرض، وقد أشار الله إلى هذا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} [البقرة:243] قال الله لهم: (موتوا) لأنهم ظنوا أن الخروج من أرض الوباء نجاة، وأنهم يسلمون من الهلاك بالسبب نفسه، وهذه العقيدة يهدمها دليل الكتاب والسنة، وهي الغلو في الأسباب، والإسلام وسط يقرر الأسباب لكن يعطيها حقها دون إفراط ودون تفريط. فأنت تقول: العدوى مضرة وموجودة وثابتة، والحس شاهد، والله سبحانه وتعالى قد جعل الأسباب والمسببات، وسبحان من قدر وحكم وعدل، وهو أعلم وأحكم سبحانه، لكن لا نغلو في هذا الشيء. ومن هنا ترى أن بعض الذين يغلون في العدوى -كبعض الأطباء- يبالغ فيها حتى يعتقد أنه لو دخل إنسان صحيح على إنسان مريض فإنه سيصاب بالعدوى لزاماً، ويُغفل قضية العقيدة، وهو أنه مهما كان الأمر ومهما كان السبب فإن لله عز وجل قدرة تفوق هذا الأمر كله؛ ولذلك قال الله تعالى: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء:69]. فالنار لو ألقي فيها الحي احترق وصار فحماً ورماداً، فقلبها الله لإبراهيم برداً وجعل بردها سلاماً، ولم يجعل بردها هلاكاً؛ ولذلك قال بعض العلماء: لو قال الله: (برداً) لأهلكته من البرد، ولكن الله سبحانه قال: (بَرْدًا وَسَلامًا). فالمقصود أن نكون وسطاً، ولا نقول لا عدوى بالكلية، ولا نبالغ في العدوى، فتجد الإنسان إذا دخل على صاحب مرض معد، ربما دخل والخوف يرجف في قلبه، وتجد عنده غلو في مثل هذه الأمور كما هو شأن بعض الأطباء أصلحهم الله، حتى يصير طبه وبالاً عليه، ولا تكون عنده العقيدة القوية في الله سبحانه وتعالى؛ ولذلك ينبه العلماء على أنه لا ينبغي المبالغة في الأسباب. انظر الآن إلى أهل البادية: ربما جاء الرجل منهم على الأرض، وتجد الأرض مليئة بالتراب، والماء مليء بالتراب، وفيه من النتن ما فيه، ومع ذلك يشربه متوكلاً على الله معتمداً عليه ولا يضره، وتجد الرجل في الحضر، والماء نقي وفيه من وسائل المحافظة ما الله به عليم، ومع ذلك تجده خائفاً من كثرة ما يقولون في العدوى، حتى بالغوا في الأشياء وأصبح الإنسان لا يأمن في شيء يأكله أو يشربه، وهذا هو المحظور. المحظور أن يبالغ في الأسباب وتعد أنها هي المعوّل عليها، وأنها هي المؤثرة وهذا لا ينبغي، بل ينبغي ربط قلوب الناس بالله سبحانه وتعالى. فالمريض مرضاً جدرياً أو معدياً إذا قلنا للحي: اغسله. يقول العلماء: تعارضت مصلحتان: مصلحة حيٍ ومصلحة ميت، فمصلحة الميت بتغسيله، ومصلحة الحي بسلامته من ضرره، فإن قلنا له: اغسله. تعرض للضرر في الغالب، والغالب كالمحقق، والله تعبدنا بغلبة الظن، فقال: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} [الممتحنة:10] فغالب الظن علم. ونحن بغالب ظننا بالاستقراء والتجربة أنه لو دخل ابتلي؛ فحينئذٍ نبني على هذا الغالب ونقول: فلو غسله، فقد حصلنا مصلحة الميت وفوتنا مصلحة الحي، فقالوا: ننظر في مصلحة الحي، فلو قلنا له: ييممه؛ فإنه يسلم من ضرر تغسيله؛ لأنه ربما علق به ما يؤدي به إلى الضرر، فينتقل إلى التيمم؛ لأن تغسيل الميت له بدل، وفوات روح الحي أو تعرضه للمرض المعدي لا بدل له، والقاعدة: أنه إذا تعارضت مصلحتان، مصلحة لها بدل ممكن أن تحقق به، ومصلحة لا بدل لها، دفعت المصلحة التي لا بدل لها بالمصلحة التي لها بدل. فنقول: ييممه؛ لأن التيمم بدل عن الغسل، وكما أن الذي لا يمكن غسله كالمحروق نظرنا فيه إلى مصلحة الميت، وكذلك أيضاً من باب أولى وأحرى أن ينتقل المرض إلى الحي كالأمراض الجلدية المعدية، وكذلك أيضاً الأمراض الوبائية التي تكون في أجهزة الإنسان، كل ذلك مما يشرع فيه أن ينتقل إلى التيمم، لكن إذا وجدت وسائل الحفظ فيجب تغسيله مع تعاطي هذه الأسباب، والله تعالى أعلم.
علة تخصيص غسل الرأس واللحية برغوة السدر
علة تخصيص غسل الرأس واللحية برغوة السدر Q لماذا خص المصنف غسل الرأس واللحية برغوة السدر دون سائر الجسد؟ A أشار بعض العلماء رحمة الله عليهم وبعض المعاصرين أيضاً إلى أن تفل السدر لو أنه غسل به وجه هذا لعلق في شعره؛ ولذلك يقتصر على رغوة السدر حتى لا تتخلل في الشعر فيصعب إخراجها ويتضرر الإنسان، والمعروف أن رغوة السدر تكون سالمة من تفل السدر؛ لأن السدر سيدق، ثم بعد ذلك يوضع في الماء، وهذا السدر لو أنه خلطه وحرك الماء وغسل الوجه به لعلقت فضلات السدر في الشعر وفي مغابن الوجه، ولذلك قالوا: لا يغسله إلا بالرغوة، فيأخذ السدر ويضربه بيده حتى تكون له رغوة، فيجمعها ثم بعد ذلك يغسل بها الوجه، والمقصود يتحقق بهذه الرغوة. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
باب الغسل والتكفين [3]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [3] من مات وهو محرم فإنه يعامل كما لو كان حياً محرماً، فلا يُطيب، ولا يلبس مخيطاً، ولا يغطى رأسه. إلى غير ذلك من محظورات الإحرام، ومن قتل شهيداً في أرض المعركة فإنه يدفن بثيابه التي قتل فيها، ولا يغسل ولا يصلى عليه؛ لعلو منزلته، ورفعة شأنه، ومن تعذر غسله كالمحروق والمجذوم فإنه ييمم، وأما من مات غير مقتولٍ ولا مدفوع من الكفار -حتى وإن كان في أرض المعركة- فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه.
أحكام غسل من مات محرما وتجهيزه
أحكام غسل من مات محرماً وتجهيزه بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول المصنف عليه رحمة الله: [ومحرم ميت كحي، يُغسل بماء وسدر]: تقدم بيان الأحكام المتعلقة بغسل الميت، وبعد أن بين المصنف رحمه الله صفة الغسل وهي الصفة التي يمكننا أن نصفها بأنها عامة، شرع رحمه الله في بيان الصفة التي تتعلق بالنوع المخصوص، وهو المحرم، والمراد بالمحرم: من تلبس بالإحرام، فدخل في أحد النسكين، الحج أو العمرة. ثم إن المصنف رحمه الله لما بدأ بالصفة العامة، وأتبعها بالصفات الخاصة دلنا ذلك على المنهج الفقهي، وهو أن الإنسان إذا أراد أن يبين أمرين: أحدهما عام، والثاني خاص، أن يبين القاعدة العامة أولاً، ثم بعد ذلك يبين ما استُثني من هذا العموم، أو هذه القاعدة. فبعد أن بين لنا صفة الغسل عموماً قال رحمه الله: (والمحرم كحي) أي: أن المحرم حكمه حكم الحي إذا مات، وذلك من جهة كونه يُمنع من الطيب ويُمنع من إلباسه المخيط، كما سيأتي -إن شاء الله- تفصيله. قوله: [ومحرم ميت كحي]: المحرم وصف إنما يصدق على الإنسان إذا تلبس بأحد النسكين وهما الحج أو العمرة، ولذلك يقال: أحرم بالشيء إذا دخل في حرماته، كما يقال: أنجد إذا دخل نجداً، وأتهم إذا دخل تِهامة. فالعلماء -رحمهم الله- يقولون: أحرم إذا نوى أحد النسكين أو هما معاً. بناءً على ذلك: لو أن الإنسان نوى العمرة أو نوى الحج فخرج دون أن يصل إلى الميقات، أو قبل أن يصل إلى الميقات ثم توفي، أو كان في الميقات واغتسل من أجل أن ينوي، ثم توفي، فإننا نعامله معاملة الحي الذي ليس بمحرم، ونغسله بالصفة التي تقدمت، ولا يحضر علينا أن نمسه بالطيب وغيره من محظورات الإحرام. فيشترط أن يكون المحرم قد تلبس بالنسك، فلو خرج لأجل العمرة كأن يخرج من مكة إلى الحل سواءً التنعيم أو غيره، ثم في الطريق توفي، فإننا نعامله معاملة الحلال، والعكس بالعكس، فلو أنه نوى ثم بعد النية مباشرة توفي، كما إذا لبى بأحد النسكين أوهما معاً فقال: لبيك حجاً، أو: لبيك عمرةً، أو: لبيك عمرةً وحجاً، ثم توفي فإنه بعد دخوله في نسك الإحرام نحكم بكونه يعامل معاملة المحرم سواءً بسواء، كذلك أيضاً لو مضى فأتم عمرته، وقبل أن يتحلل ولو بلحظة واحدة توفي، كأن يكون طاف وسعى بين الصفا والمروة، ثم توفي قبل أن يحلق أو يقصر فإنه لا زال في حكم المحرم، ونعامله معاملة المحرم، كما سيأتي تفصيله إن شاء الله. ولو أنه في الحج رمى جمرة العقبة ثم توفي ولم يتحلل، أو توفي عشية عرفة كما وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو ليلة العيد، فإننا لا نحكم بمعاملته معاملة الحلال، بل نبقيه على حكم المحرم، ونحكم بالمحظورات في حقه كما نحكم بها في حق الحي. يقول رحمه الله: [ومحرم ميت]: يعني إذا مات المحرم. [كحي]: أي: حكمه حكم المحرم الحي، فلا نمسه بالطيب، ولا يخمر وجهه، ولا يغطى رأسه، وكذلك بقية المحظورات، والأنثى والرجل في المحظورات كل على تفصيل. والأصل في هذا الحكم: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان واقفاً بعرفة، ووقف معه أصحابه رضي الله عنهم فسقط رجل من على دابته فوقصته فقتلته، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بخبره، فقال عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا وجهه، ولا تغطوا رأسه) وفي رواية السنن: (ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) فلما قال عليه الصلاة والسلام: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) اعتبرها الأصوليون رحمة الله عليهم بمثابة التعليل، أي: أمرتكم أن تنزلوه بهذه المنزلة، وأن تحظروا عليه هذه الأمور؛ لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً، فكأنه يقول لهم: حكمه حكم المحرم سواءً بسواء. فلذلك قال المصنف رحمه الله يجمل هذه الأحكام: [ومحرم ميت كحي] أي: في تغسيله وما يُحظر عليه كالحي. وقوله: [يغسل بماء وسدر]: لأنها السنة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: (اغسلوه بماء وسدر)، وللسدر خاصية في طرد الهوام وكذلك في جلد الإنسان وظاهر بدنه. قوله: [ولا يُقَرَّب طيباً]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تمسوه بطيب) فهذا يدل على أنه لا يطيب، ولأن المحرم يحظر عليه الطيب، وهذا نص حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس) فنهى عليه الصلاة والسلام عن الطيب في البدن والطيب في الثياب. وقوله: [ولا يُلْبَسُ ذكرٌ مخيطاً]: ولا يلْبس الذكر المخيطَ، فالذكر محظور عليه المخيط، والمخيط: ما أحاط بالعضو، وليس المراد به أنه يُخاط، كما سيأتي تفصيله في الحج، فبعض الناس يظن أن المخيط: ما فيه خيط، وهذا خطأ، فما من ثوب إلا وفيه خيوط، وإنما المراد بالمخيط: ما أحاط بالعضو، ودليلنا على هذا الأمر الذي نص عليه جماهير العلماء أن المخيط أو الثوب الذي يحيط بالعضو محظور: أن النبي صلى الله عليه وسلم حظر إحاطة العضو في أعلى البدن، وإحاطته في أوسطه، وإحاطته في أسفله، وإحاطته كله، فقال عليه الصلاة والسلام: (لا تلبسوا القمص -والقميص كان لأعلى البدن- ولا العمائم -وهي تحيط بالرأس- ولا السراويلات)، فمنع من إحاطة أسفل البدن بقوله: (السراويلات) وأعلى البدن بقوله: (القمص)، وأعلى أعلاه بقوله: (العمائم)؛ لأن العمامة ليست مخيطة، وإنما تحيط بالرأس وتغطيه، ومن ثم قال العلماء: إنه إذا أحاط بالعضو فإنه يأخذ حكم المخيط، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولا البرانس)، وهذا من دقته عليه الصلاة والسلام في اختيار المناسب للحكم، وهو من أمثل ما يكون في الشمولية في منهج التشريع. ووجه ذلك: أن الثياب منها ما يتعلق بأعلى البدن، ومنها ما يتعلق بأسفله، ومنها ما يجمع الجميع؛ فالبرنس فيه غطاء للرأس، وفيه غطاء لجميع البدن، ففصل كل جهة. وعلى هذا فإن من الأخطاء الشائعة الذائعة الآن والتي أصبحت تنتشر: تفصيل ثياب الإحرام بوجود ما يجعلها في حكم الفوط، وهذا النوع الذي انتشر الآن يُجعل له أزارير، فيأتزر بإحرامه ثم يظن أن هذا خارج عن المخيط، فوضعوا له زراً من الحديد، وهذا من وهمهم، فيظنون أن المخيط ما كان فيه خيط، والواقع أن المراد بالمخيط: ما أحاط بالعضو. ومن لبس المخيط فإن عليه الفدية، ومن لبس هذه الأزر التي يكون فيها الحديد فإنها تأخذ حكم ما فصل للبدن؛ لأنها تعتبر كالمحيطة بالبدن، لأنها فصلت على البدن تفصيلاً لا على سبيل الإزار المعهود المعروف. وقوله: [ولا يُغطى رأسه]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس العمائم، والعمامة تغطي الرأس، وسميت عمامة لأنها تعم الرأس بالغطاء. [ولا وجه أنثى]: هذا على الأصل في الإحرام في حديث عبد الله بن عمر في صحيح البخاري: (ولا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين) على أن المرأة في الإحرام إحرامها في وجهها وكفيها، فإذا رأت الرجال الأجانب سدلت، كما في حديث أسماء رضي الله عنها وكذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وحديث أسماء أقوى من حديث أم المؤمنين عائشة: (أنهن كن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا مر بهن الركب سدلت إحداهن خمارها)، فدل على أن السدل يستثنى من هذا، وعلى هذا فإنه لا يُغطى. وقوله: [ولا يغسل شهيد]: شرع رحمه الله في بيان الأحكام الخاصة بالشهيد، والمناسبة بين الشهيد والمحرم، أن كلاًّ منهما فضله الله عزَّ وجلَّ، وشرفه وكرمه وخصه بهذه الخصائص. فالمحرم لا يعامل معاملة الحلال، تشريفاً له وتكريماً وعاجل بشرى، ولذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا بقوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: يبعث على هذا الخير، وعلى هذه الطاعة التي قبض الله روحه وهو متلبس بها. كذلك فإن الشهيد به آثار طاعة، وآثار قربة هي من أحب القربات وأجلها عند الله تبارك وتعالى، وهي الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ. والشهيد سمي شهيداً: قيل: لأن الملائكة تشهده، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جابراً رضي الله عنه لما قتل أبوه يوم أحد جعل يكشف الثوب عن وجه أبيه ويبكي، فما زال يبكي، فقال له: (ابكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظله حتى رفعته إلى السماء)، فقالوا: إنه لفضله سمي شهيداً. وقيل: لشهادة الخير له. وقالوا: إنه سمي شهيداً لأن الملائكة تشهده، بمعنى تحضره، ويقال: شهد الشيء إذا حضره، قال تعالى: {وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [القصص:44] أي: من الحاضرين، فشهود الشيء: الحضور.
حكم تغسيل الشهيد
حكم تغسيل الشهيد وقوله: [ولا يغسل شهيد]: الشهيد هو شهيد المعركة، ولذلك خصه المصنف رحمه الله بشهيد المعركة، أي: الذي قتل في المعركة، لأن هناك من هو في حكم الشهيد، كالمبطون والغريق والحريق والهدمى والنفساء والطاعون، وغيرهم ممن سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كمن قتل دون ماله أو عرضه أو أهله. فالشهادة من حيث هي -كما يقول العلماء رحمهم الله- مراتب، أشرفها وأكرمها وأقدسها: الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ بالقتل؛ لأن صاحبها قد باع أعز ما يملكه وهي نفسه التي بين جنبيه، ولذلك بشر أهل هذه الصفقة فقال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ} [التوبة:111]. فالمقصود أن الشهيد هنا شهيد المعركة، وهو الذي يقتل في المعركة، ويشمل ذلك: أن يكون قد بقيت منه أجزاء أو بقي كاملاً، فيكون قد طُعن، أو بُقرت بطنه، أو ضرب في مقتل فمات، أو ذهبت أشلاء أو أعضاء منه وبقي جزء من بدنه، فالحكم كله سواء، سواء بقي البدن كاملاً أو بقي أكثر البدن، أو جزء من البدن، وكل ذلك يعامل هذه المعاملة، فلو أنه انفجر وبقيت منه أشلاء وأعضاء، فإنها تجمع كما هي، ثم تدفن بحالها، وهذا على الأصل في الميت أنه إذا تلف بحرق أو نحو ذلك، فإنه يؤخذ ما بقي من بدنه ثم بعد ذلك يعامل معاملة بقية الجسد، على تفصيل عند العلماء رحمة الله عليهم من حيث الغسل وعدم الغسل بالنسبة لغير الشهيد، وشهيد المعركة هو الذي يموت في ساحة المعركة. وعلى هذا فشهيد غير المعركة فيه تفصيل، فهناك الشهيد الذي يقتل دون ماله، ودون عرضه، ودون نفسه، والمقتول ظلماً كأن يعتدى عليه، فهؤلاء لهم أحكام تخصهم، وهم في حكم الشهداء. والشهادة أصلاً لا تكون إلا في القتال بين المسلمين والكافرين؛ لكن لو أن طائفتين من المسلمين وقع بينهما قتال تأويل وشبهة، كما وقع لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في معركتي صفين والجمل، فإنه يعامل معاملة الشهيد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحسن: (إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين). أما بالنسبة لفئة الجماعة، وهي التي تكون مع إمامهم، فإن من قتل مع إمامهم فهو شهيد بدون خلاف بين العلماء، ويعامل معاملة الشهيد.
حكم تغسيل من قتل في فئة باغية
حكم تغسيل من قتل في فئة باغية ولكن اختُلِف في الفئة الباغية، لو أن قوماً خرجوا وقُتِلوا هل يعاملون معاملة الشهداء، بمعنى: أنهم لا يغسلون ولا يكفنون؟ اختلف العلماء في هذه المسألة، والذي مال إليه جمع من المحققين: أنهم يأخذون حكم الشهداء، والدليل على ذلك: إجماع الصحابة ومن حضر من التابعين في قضية صفين والجمل، فإنهم لم يغسلوا أحداً ممن قتل فيها، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عمار: (تقتله الفئة الباغية)، كما في الحديث الصحيح، فوصف فئة معاوية بأنها باغية، ومذهب أهل السنة والجماعة أن الحق مع علي رضي الله عنه وأرضاه، وأن معاوية معذور في اجتهاده وله أجر واحد، ولـ علي رضي الله عنه الأجران، وعلى هذا فإن الصحيح أن من قُتِل في الفئة الباغية فإنه يعامل معاملة الشهيد، فلا يغسل ولا يكفن، وهذا اختاره جمع من المحققين، ومنهم الإمام ابن قدامة رحمه الله في المغني. وقوله: [ولا يغسل شهيد معركة ومقتول ظلماً إلا أن يكون جنباً]: قال العلماء: السبب في ذلك أن شهيد المعركة دمه وجراحه تشهد له بين يدي الله عزَّ وجلَّ. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما مِنْ كلم يكلم في سبيل الله إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً، اللون لون دم، والريح ريح مسك). أي: ما من إنسان يُطعن ولا يُجرح ولا يُخدش، قليلاً كان ذلك الكلم أو كثيراً. (إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً): أي: كأنه قتل من ساعته. وفي الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في السنن أنه قال في شهداء أحد: (زملوهم بدمائهم فإني شهيد لهم) أي: أشهد لهم بين يدي الله عزَّ وجلَّ أنهم قتلوا في ثيابهم، ولم يأمر عليه الصلاة والسلام بغسل شهداء أحد، فدلت هذه النصوص على أن السنة في الشهيد أنه لا يغسل، ولذلك يترك على حاله إلا إذا كانت به نجاسة، فلو أنه أثناء المعركة أصابته نجاسة أو بعد أن قتل جاءت النجاسة على طرف من أعضائه أو يده أو نحو ذلك، فإنها تغسل، فلو أنه قاتل كافراً ثم خرج عليه دم الكافر، ثم قتله الكافر، وأصبح أثر دم الكافر على يده، فإنا نغسل يده غسل تطهير من النجاسة، وليس المراد به غسل الميت المعهود.
حكم تغسيل من قتل ظلما
حكم تغسيل من قتل ظلماً وقوله: [ومقتول ظلماً]: أي: وهكذا المقتول ظلماً، هذا أحد القولين عن العلماء، كأن يُعتدى على إنسان في عرضه فدافع فقتله الباغي، فإذا قتل دون العرض فهو شهيد، وهو مقتول ظلماً، وهكذا لو أنه اعتدي عليه فلم يشعر إلا بإنسان قد هجم عليه يريد أخذ ماله أو يريد قتله، وفي الحديث: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: هو في النار، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت في الجنة). وقال صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد) فالمقتول ظلماً هو الذي يقتل بدون حق، فإذا قُتِل بدون حق فللعلماء فيه قولان: قال طائفة من العلماء: المقتول ظلماً في غير ساحة المعركة يعامل معاملة الميت طبيعياً، فيغسل ويكفن ويصلى عليه. والقول الثاني: أنه لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، وإنما يدفن بجراحه كالشهيد. والصحيح: القول الأول؛ لأن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قتل، فغسلته أمه أسماء رضي الله عنه وعنها، فدل هذا على أن المقتول ظلماً باقٍ على الأصل، ولأن القاعدة في الأصول: (إعمال الأصل حتى يدل الدليل على الاستثناء)، فالأصل عندنا في كل ميت أنه يغسل حتى يدل الدليل على الاستثناء، فاستثنى الدليل الشهيد ولم يرد دليل باستثناء من قتل ظلماً. وإنما قاس بعض العلماء من قتل ظلماً على الشهيد، بجامع كون كل منهما فاتته نفسه بدون حق؛ ولكن هذا القياس محل نظر، وذلك لأن القياس في العبادات ضيق، فقد يكون في الشهيد معنىً ليس بموجود في المقتول ظلماً، ولذلك قالوا: إنه يختص الحكم بالشهيد في المعركة دون غيره. وهذا هو الصحيح، وعلى هذا يكون تشريك المصنف -رحمه الله- بين المقتول ظلماً مع الشهيد على المرجوح، والراجح أن المقتول ظلماً يغسل ويكفن ويصلى عليه.
حكم تغسيل الشهيد أو المقتول ظلما إذا كان جنبا
حكم تغسيل الشهيد أو المقتول ظلماً إذا كان جنباً وقوله: [إلا أن يكون جنباً]: أي: إذا كان الشهيد والمقتول ظلماً عليه جنابة، فحينئذٍ يغسل، وللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: أن الشهيد إذا كان جنباً أنه يغسل، بناءً على أن الجنابة قد وجبت عليه. والقول الثاني: أنه لا يغسل، وهذا مذهب الجمهور. وهكذا المرأة إذا قتلت في المعركة وكانت شهيدة، فإنها لا تغسل، وكذا لا تغسل غسل الجنابة إذا قتلت وهي جنب، أو قتلت وقد طهرت من حيضها لكنها لم تتمكن من الغسل، فالصحيح في هؤلاء كلهم أنه لا يغسلون، وذلك إعمالاً للأصل. وأما من قال بأنهم يغسلون فقد استدل بحديث حنظلة غسيل الملائكة، وذلك أنه رضي الله عنه: (لما سمع الهيعة -وهي: الصيحة- خرج إلى القتال فقُتِل، وكان قد جامع أهله، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم الملائكة تغسله، فأمرهم أن يسألوا أهله، فقالوا: إنه كان على جنابة، فسمع الهيعة فترك أهله -أي: لم يغتسل من الجنابة- ثم انطلق حتى قتل في سبيل الله شهيداً). قالوا: لما غسلت الملائكة حنظلة دل على أن من قتل في سبيل الله شهيداً أنه يغسل إذا كان جنباً، والصحيح: أنه لا يغسل؛ لأن حديث حنظلة حجة لنا لا علينا، فإنه يدل على أنه لا يغسل، حيث إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة غسلته، ولم يأمر الصحابة أن يغسلوه، فدل على أن الأصل باقٍ في أن الشهيد لا يغسل، وأنه يُلَفَّفُ في ثيابه على الأصل الذي قررناه في كل شهيد.
حكم دفن الشهيد بثيابه التي قتل فيها
حكم دفن الشهيد بثيابه التي قتل فيها وقوله: [ويدفن في ثيابه بعد نزع السلاح والجلود عنه]: أي: سواء كانت الثياب يسيرة أو غالية، فالحكم واحد أنه يدفن في الثياب التي قتل فيها، وإذا لم يكن له ثوب قال العلماء: إذا جرد عن ثيابه أو احترقت ثيابه، أو نزعت عنه، فأصبح عارياً، قالوا: يشرع حينئذٍ أن يوضع شيء على عورته ثم يُنزل إلى قبره ويلحد، دون أن يكفن الكفن المعروف، وهذا على الأصل الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (زملوهم في ثيابهم)، فأمر في الشهداء أن يزمَّلوا في ثيابهم، وأن يكونوا بنفس الثياب التي لقوا بها العدو، لا يزاد عليها ولا ينقص منها. لكن يؤخذ من الثياب السلاح ونحوه، كمحامل الأسلحة ونحوها، ويؤخذ بثيابه ثم يلف فيها، قال صلى الله عليه وسلم في مصعب رضي الله عنه، وقد كانت له شملة إذا غطوا بها وجهه بدت قدماه وإذا غطوا قدميه بدا وجهه:: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر)، وهذا فيه دليل على أنه إذا كانت ثيابه تسع أعلى البدن دون أسفله فإنه حينئذٍ يقدم ويشرف أعلى البدن ثم يترك الأسفل مكشوفاً، فإذا كان هناك إذخر فإنه يُستر بالإذخر؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: (واجعلوا على رجليه إذخراً أو شيئاً من الإذخر)، فدل على استثناء الإذخر وحده دون غيره.
حكم من قتل شهيدا ثم سلبت ثيابه
حكم من قتل شهيداً ثم سلبت ثيابه وقوله: [وإن سلبها كفن بغيرها]: قال بعض العلماء: تستر عورته. وقال بعضهم: بل يكفن الكفن الذي يكون ستراً لسائر بدنه، وهذا قول من يُعمِل الأصل، ويقول: إن الأصل أنه يحسن الإنسان في كفن أخيه المسلم، فلما كان الشهيد قد فاتت ثيابه واحترقت، أو زالت أو سلبها العدو أو أخذها، قالوا: حينئذٍ يُزَمَّل في ثياب ولو كانت جديدة، ثم بعد ذلك يدفن.
حكم الصلاة على الشهيد
حكم الصلاة على الشهيد وقوله: [ولا يُصَلِّى عليه]: هذا هو الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم في شهداء أحد، فإنه لم يصل عليهم، وهذا يدل على فضل الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فإن الصلاة على الميت فيها من الفضل والخير للأحياء والأموات ما الله به عليم، ولذلك: (ما من مسلم يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله، فيشفعون له إلا شفعهم الله فيه)، وهذا يدل على فضل الصلاة على الميت والدعاء له، فجعلها الله فضلاً للأحياء والأموات، أما الأحياء فجعل فيها القراريط من الأجر، وما يكون لهم من أجر الدعاء للميت. وأما الأموات فلأنه خير يكون لهم قبل أن يلقوا الله عزَّ وجلَّ بدعاء إخوانهم وسؤال الرحمة، وقد يتجاوز الله عن سيئات الميت بسبب خالص دعاء الأحياء، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخلاص الدعاء للأموات، وأن على الإنسان إذا دعا لأخيه الميت فعليه أن يخلص في الدعاء ويجتهد، فلما كانت الشهادة يُرجى لصاحبها من الخير والفضل ما يرجى، صار كأنه ارتفع عن هذا كله، لعظيم ما له عند الله من المنزلة، والدرجة، مع أن الصلاة فيها دعاء واستغفار له، فكأنه قد جاوز ذلك إلى رحمات وجنات وفضائل من الله سبحانه وتعالى تغنيه عن الدعاء. ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسلام عن فتنة الشهيد في قبره: هل يُسأل الشهيد في قبره ويفتن بالفتان؟ قال عليه الصلاة والسلام: (كفى ببارقة السيوف فتنة)، أي: كفى ببارقة السيوف على رقبته فتنة، وذلك لأنه قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر بائعاً نفسه لله عزَّ وجلَّ، فكأنه قد أقبل على الله سبحانه وتعالى بخير عظيم. ولذلك ورد في الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (تكفل الله. وفي رواية: تضمن الله) والضمانة والحمالة والكفالة من الله سبحانه وتعالى تدل على ما له عند الله سبحانه وتعالى من الفضل العظيم والثواب الجزيل. وفي الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر في الجنة، تشرب من أنهارها، تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش) وهذا يدل على فضل الشهادة في سبيل الله عزَّ وجلَّ، فلا يصلى عليه، لأنه في رحمة منذ أن تقبض روحه ويقتل في سبيل الله عزَّ وجلَّ. والشهيد لا يجد من قبض الروح وفتنة السكرات كقرصة النحلة، وتؤخذ روحه -كما يقول بعض العلماء- كأنه أشبه بطرفة العين، تؤخذ منه كأحسن ما يكون من سلت الروح دون أذى ودون ضرر، ثم ما إن تقبض روحه حتى يكون له الفضل الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر). وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه ذكر شهداء أحد وأنهم لقوا الله عزَّ وجلَّ فرضي عنهم ورضوا عنه). وفي الحديث الصحيح أن جابراً رضي الله عنه قال: (يا رسول الله! أخبرني عن أبي، إن كان في الجنة صبرت، فقال له: يا جابر! إنها جنان، وإن أباك قد أصاب الفردوس الأعلى منها) وهذا يدل على فضل ما يكون للشهيد، وكلما أخلص وصدق مع الله، وكلما كان بلاؤه في الجهاد أعظم؛ كانت شهادتُه أرجى. وقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (إن الله لا يكلم أحداً إلا من وراء حجاب إلا ما كان من أبيك فقد كلمه كفاحاً، وقال: تمن عبدي، فقال: أتمنى أن أعود فأقتل في سبيلك ثانيةً) مما رأى من فضائل الشهادة. فتبين أنه لا يصلى على الشهيد لعظيم ما له عند الله من الفضل والمثوبة. نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يبلغنا هذا الفضل الكريم.
حكم من سقط من دابته في المعركة
حكم من سقط من دابته في المعركة فقوله: [وإن سقط من دابته، أو وجد ميتاً ولا أثر به، أو حُمِل فأكل، أو طال بقاؤه عرفاً؛ غُسِّل وصُلِّي عليه]: هذه الصور تستثنى من الأصل في الشهيد، فعندنا أصل عام، وهو تغسيل كل ميت وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وعندنا ما استُثني الشهيد من الأصل العام في تغسيله وتكفينه والصلاة عليه، بقي دفنه، ثم هذا الشهيد يفصل فيه، فلا يقال: إن كل من قتل أنه يحكم بكونه يعامل هذه المعاملة، بل الأمر فيه تفصيل، فالشهيد الذي لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه هو الذي تقبض روحه في أرض المعركة، وشرط ذلك أن يكون مقتولاً، بمعنى: أن نفسه تفوت بسبب القتل. فلو سقط من على دابته فإن السقوطَ قتل، ولكن لم يقتل شهيداً في هذه الحالة، وإن كان له فضل ومنزلة، وما من عبد يسأل الله الشهادة أو يأخذ بأسبابها -ولا تكون له- إلا بلغه الله منازل الشهداء. هذا من جهة الفضل؛ لكن من جهة الحكم شيء آخر، فإنه لو زلت به دابته فسقط، أو كان في المعركة ثم حصل أمر فاتت به نفسه دون قتل، فإنه وإن فاتت نفسه في أرض المعركة؛ لكن بغير شهادة، فحينئذ يعامل معاملة غير الشهداء؛ كما إذا سقط من دابته، أو قتل أو لم يوجد به أثر، كأن وجد بكامل أعضائه دون أن يوجد فيه ضرب أو طعن مما يدل على أنه قتل، فحينئذ يحتمل أن يكون مات قدراً، كأن يكون مات من فجعة أو صدمة، فيبقى على الأصل. فإننا متحققون أن الأصل فيه أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن؛ لكن لما شككنا هل مات بالشهادة أو مات بغيرها ولم توجد دلالة ظاهرة، قدم الأصل على الظاهر، وهذا من تقديم الأصل على الظاهر؛ لأنه ليست به علامة ولا أمارة ولا دليل يدل على أنه مات بسبب القتل، وبناءً على ذلك يحتمل أن يكون مات من فجعة أو صدمة، أو وافق قدراً فتوفي في أرض المعركة، أو رأى عزيزاً عليه قتل، أو رأى حالة قتل ففُجع بها ومات، وهذا محتمل، ولذلك قالوا: دلالة الظاهر من كونه في أرض المعركة، لا تكفي في الخروج والعدول عن الأصل، بل نبقى على هذا. لكن لو أنني رأيته بعيني أو رآه من يوثق بخبره أنه دفعه عدو من على دابته، فسقط بدفع العدو ومات، فإنه في حكم الشهيد، وحينئذٍ قالوا: لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه. وقال بعض العلماء: بل يغسل ويكفن ويصلى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زملوهم بدمائهم). فامتنع التغسيل عند أصحاب القول الثاني لمكان الدم، فإذا كان موته بدون جرح، كأن يكون دفع أو رُضَّ فمات بالرض، قالوا: إنه لا يعامل معاملة الشهيد، وهذا بناءً على أن منع التغسيل لأثر الدم، وليس المراد به للشهادة بذاتها. والقول الأول له وجهه من جهة الأصل من كونه شهيداً. هذا بالنسبة للصور التي ذكرها. بقيت معنا صورة. إذاً: عندك حالتان: الحالة الأولى: أن يوجد ميتاً في أرض المعركة ليس به دليل ولا عليه أمارة تدل على أنه قتل، فحينئذٍ تبقى على الأصل من كونه يحتمل أنه مات قدراً أو مات بفجعة أو بدفعة أو نحو ذلك، فحينئذٍ تغسله وتكفنه وتصلي عليه، وتعامله معاملة الأصل.
حكم من أكل أو شرب بعد طعنه الذي مات به
حكم من أكل أو شرب بعد طعنه الذي مات به الحالة الثانية: أن تجد به أثر القتل كأن يطعن أو -مثلاً- يكون به جراح ثم يحمل من أرض المعركة، لكنه يأكل أو يشرب، فحينئذٍ يعامل معاملة الأصل، فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن. أما بالنسبة لحالة كونه يأكل ويشرب، فإنهم يقولون: إذا أكل أو شرب بعد الطعن وبعد الأثر الذي كان به من الضرب، فإننا في هذه الحالة قد تحققنا حياته بعد طعنه، فيخرج عن حكم الشهيد، وموته بعد ذلك وإن كان بأثر القتل؛ لكنه تبع لا أصل، والموت وإن كان بأثر الضربة في سبيل الله عزَّ وجلَّ فإنه شهيد في الأصل؛ لكنه لا يعامل معاملة الشهيد. والدليل أن سعداً رضي الله عنه وأرضاه ضرب في أكحله، فسأل الله عزَّ وجلَّ أن يؤخر موته حتى يقر عينه من بني قريظة؛ لأنهم خانوا الله ورسوله، وهذا من شدة غَيرته رضي الله عنه وأرضاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى دين الله، وهو من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فسأل الله عزَّ وجلَّ ألَّا يموت حتى يقر عينه بما يشفي غيظه ويروي غليله فيهم، فكان الحاكم فيهم رضي الله عنه وأرضاه. فلما ضُرب في أكحله أخر الله أثر الجرح، وهذه آية من آيات الله عزَّ وجلَّ، فسلم رضي الله عنه حتى حُمل إلى بني قريظة في قصة التحكيم، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يحكم فقال: (أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وأن تسبى ذراريهم، فقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سماوات). ثم انتقض عليه جرحه، فمات رضي الله عنه وأرضاه فغسله النبي صلى الله عليه وسلم وكفنه وصلى عليه، وعامله معاملة الأصل، مع أن الجرح الذي مات بسببه هو في الأصل من المعركة. فلذلك قال العلماء: لما حيَّ حياةً مستقرة بعد الجرح نُزِّل منزلة الأصل، فصار الحكم خاصاً بمن قبض في أرض المعركة، دون من جُلِب عن أرض المعركة، ودون من أكل أو شرب بعد طعنه وضربه الذي فاتت به نفسه.
حكم من طعن فطال بقاؤه عرفا ثم مات
حكم من طعن فطال بقاؤه عرفاً ثم مات وقوله: [أو طال بقاؤه عرفاً؛ غُسِّل وصُلِّي عليه]: من طال بقاؤه عرفاً فماله مما يُحتكم فيه إلى العرف، فإن قال أهل الخبرة والأطباء: إن حياته مستقرة، فحينئذٍ لا يعامل معاملة الشهيد، فيُغَسَّل ويُكَفَّن ويُصَلَّى عليه ويُدْفَن، أما لو قَصُرت مدته وبقي بعد الطعنات ينزف في أرض المعركة، ثم فاتت نفسه، فإنه شهيد، وعلى هذا: فالشهيد يستوي فيه أن يُضرب فيُقتل من ساعته، أو يُضرب ثم تسيل دماؤه فينزف وينزف لمدة ساعة أو ساعتين فإن هذا ليس بطول؛ لأن النزف القاتل يشمل مثل هذا، فحينئذٍ يعامل معاملة الشهيد، فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه.
حكم تغسيل السقط والصلاة عليه
حكم تغسيل السقط والصلاة عليه قال رحمه الله: [والسقط إذا بلغ أربعة أشهر غسل وصُلي عليه]: السقط: هو الذي تسقطه المرأة الحامل جنيناً، سواء كان ذكراً أو أنثى، هذا السقط إذا بلغ أربعة أشهر، (مائةً وعشرين يوماً)، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: (يُجْمَع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فيؤمر بكتابة أربع كلمات، عمرِه وأجلِه وعملِه، وشقي أو سعيد)، فهذا يدل كما يقول العلماء رحمة الله عليهم على أنه يُنفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، وهذا ما تقرر على ظاهر الحديث، ويقولون: إذا بلغ هذا القدر فإنه يعامل معاملة الطفل الحي، فيُغسل ويكفن ويصلى عليه ويسمى -أي: يسميه أبوه- سواءً كان ذكراً أو كان أنثى.
التيمم لمن تعذر غسله
التيمم لمن تعذر غسله وقوله: [ومن تعذر غُسلُه يُمِّم]. بعد أن بين لنا حكم غسل المحرم، وحكم تغسيل الشهيد، وما يستثنى من الشهداء، شرع رحمه الله في بيان المسائل التي تلتحق بهذا. والمناسبة بين هذه المسائل وبين الشهيد والسقط ومَن تقدم، أن الجميع خارجون عن الأصل، فلهم حكم خاص يستثنى من الأصل. والذي لا يمكن تغسيله يشمل أصنافاً من الناس، منهم المحروق، فإن المحروق إذا غسل ينتفط جلده ويصعب في هذه الحالة أن يحصل النقاء الذي هو مقصود الشرع، بل إن صب الماء عليه فإنه يزيده ضرراً، وحرمة الميت المسلم ميتاً كحرمته حياً، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (كَسْر عظمِ المؤمن ميتاً ككسره حياً في الإثم)، فجعل للميت المسلم حرمة، فلو أننا غسلناه أنتن جسده وأنتن جلده ونَفَط، وحصل من الضرر الشيء الكثير. كذلك لو كان به مرض في جلده بحيث إذا صُب عليه الماء نَفَط، وكما في المجدور فإنه لو غُسل فإنه يتضرر جلده. وكذلك أيضاً إذا كان توقع لحوق ضرر بمن يغسله، كما هو الحال في الأمراض المعدية إذا لم يمكن تغسيل أصحابها بطريقة يسلم بها المغسل من العدوى؛ ففي هذه الأحوال كلها استثنى العلماء رحمهم الله هؤلاء من الأصل وقالوا: إنهم لا يُغسلون، وإنما يُيَمَّمون. وهكذا لو فقد الماء فلم يوجد، كأن يموت شخص بالصحراء، فحينئذٍ ييمم؛ لأن الشرع جعل طهارة التراب قائمة مقام طهارة الماء، فهذا أصل، فإذا وجبت طهارة الماء ولم يمكن القيام بها عُدِل إلى البدل الشرعي وهو التراب، فيُيَمَّم الميت، والتيمم أن تضرب بيديك على الأرض، ثم تمسح بهما وجه الميت وكفيه، فإذا فعلت ذلك فإنه حينئذٍ يحصل المقصود، كما تقدم معنا في صفة التيمم الشرعية.
ما يجب على من يغسل ميتا
ما يجب على من يغسل ميتاً وقوله: [وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً]: شرع رحمه الله في الآداب التي ينبغي على من قام بتغسيل الموتى أن يراعيها، فعلى الغاسل ستر ما رآه إذا لم يكن حسناً، فإن تغسيل الأموات تحصل فيه أمور غريبة، فربما غسل الإنسان ميتاً، فرأى من آثار وبشائر الخير ما يكون عاجل بشرى له في الدنيا قبل الآخرة. وقد يرى أموراً فظيعة تقع في وجهه وحاله أثناء تغسيله، فنسأل الله السلامة والعافية وأن يتولى أمورنا بالستر الجميل. ولذلك قالوا: على الغاسل أن يحسن إلى الميت، فإن وجد عورة سترها، كأن يرى وجهه بحالة لا تسر، أو يراه تغيَّر وجهُه، وإن رأى خيراً نشره، فإن بعض الأخيار إذا غسلته رأيت في وجهه من النور والبهاء ما لا ترى معه وحشة الأموات، وقد رأينا ذلك وهو أمر مجرب، وكثيراً ما يقع للعلماء والأخيار والصالحين أن ترى بشائر الخير عليهم في تغسيلهم. فما رأى من الخير نشره؛ لأن هذا يعين على الطاعة، كأن يكون عالماً أو صاحب سنة أو إنساناً له فضل على المسلمين، أو إنساناً فيه استقامة، أو عُرف بخَصلة من خصال الخير كالصدقات أو صلة الرحم أو القول بالمعروف والأمر بالطاعات، فمثل هذا إذا نُشر ما وقع أثناء تغسيله من البشائر يعين الناس على حب الخير، ويعينهم على إحسان الظن بأخيهم، وهو أدعى للترحم عليه وذكره بالجميل، والاقتداء به، وكل ذلك مقصود شرعاً. ومن هنا إذا رأى المغسل بشائر طيبة ذكرها لما فيها من الخير ولما فيها من الدعوة إلى الخير، وهذا يحقق مقصود الشرع. وإذا رأى غير ذلك ستره؛ إلا أن يكون صاحبُ هذا الأمر صاحبَ بدعة وسوء وشر، كأن يكون إنساناً معروفاً بأذية المسلمين والتربص بهم، فمثل هذا إذا نُشر ما وقع له من الشر انزجر الناس وخافوا وارتدعوا من فعله، أو كان صاحبَ بدعة وهوى، أو كثير الإعراض عن أوامر الشرع، أو فاسقاً متهتكاً مستخفاً بحدود الله؛ فحينما يُذكر ما يكون له من الأمور السيئة، فإنه يكون قد زجَرَ الناس وخوَّفَهم وردَعَهم، وكان عاجل بشرى الشر له، ولِمَا ينتظره عند الله عزَّ وجلَّ من العقاب وأعظم، إلا إذا رحمه الله برحمته، فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الخير والشر ببشارة، (. فمُرَّ عليهم بجنازةٍ فأُثني على صاحبها خيراً فقال: وجبت. ثم مُرَّ بجنازةٍ فأُثني على صاحبها شراً، فقال: وجبت. فقال عمر: يا رسول الله! مُرَّ بجنازة فأُثني على صاحبها خيراً فقلت: وجبت. ثم مُرَّ بالثانية فأُثني عليها شراً فقلت: وجبت، فما وجبت؟ قال: أما الأول فأثنيتم عليه خيراً؛ فقد وجبت له الجنة، وأما الثاني: فأثنيتم عليه شراً؛ فقد وجبت له النار، أنتم شهداءُ الله في الأرض). فانظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (وَجبت وجبت) فنَشَرَ الخير ونَشَرَ الشر، فنَشَرَ الخير لما ظهر عليه من آثار الخير من ثناء الناس عليه، وذكرِ ما يكون للآخر من عاجل العقوبة عند الله عزَّ وجلَّ على ما ذكر عليه بالسوء والشر، فقال: (أنتم شهداء الله في الأرض). فما وقع من الأمارات والعلامات على الميت إن خيراً ذُكر، وإن كان شراً سُتر؛ ولذلك قال العلماء رحمة الله عليهم: ينبغي أن يكون الغاسل ينبغي أن يكون أميناً؛ لكي يحفظَ الأسرار ولا يبثَّها، ولا يذكرَ ما يكون له من الأمور الغريبة في تغسيل الميت.
الأسئلة
الأسئلة
حكم الصلاة على الميت في المقبرة
حكم الصلاة على الميت في المقبرة Q ما حكم الصلاة على الميت قبل الدفن أو بعده في المقبرة؟ A الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الصلاة في القبور، والعلماء رحمهم الله يقولون: إن الأصل أن لا يصلى في القبر. ومذهب جمهور العلماء رحمة الله عليهم أن الصلاة في القبر من خصوصياته عليه الصلاة والسلام؛ لما ثبت في صحيح مسلم: (لما توفيت المرأة السوداء ولم يخبروه بشأنها ودفنوها ليلاً، فأمر عليه الصلاة والسلام أن يُدَلَّ على قبرها، فدُلَّ على قبرها فوقف عليه وصلى، ثم قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمةً على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) فقوله: بصلاتي، يدل على التخصيص؛ ولذلك قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم اختُصَّ بهذه الخاصية، وهذا مذهب طائفة من أهل العلم رحمهم الله. وذهب جمعٌ من العلماء إلى أنه يجوز للإنسان أن يصلي على الميت إذا كان على نعشه في المقبرة، ويصلي على قبره أيضاً إلى أربعة أشهر، ومنهم من يقول: إلى شهرين، ومنهم من يقول: ما لم يتغير أو يغلب على الظن تغيُّرُه. فهذه ثلاثة أقوال في المسألة، وإن كان الأقوى والذي تطمئن إليه النفس أنه لا يصلى عليه، وأن من شهده وصلى عليه فإنه يجزئ؛ لأنه لو فتح هذا الباب فما من جنازة تشيع إلا وفيها أقوام قد تكون فاتتهم الصلاة عليه، فيسترسل الناس في هذا، وكلما جاء إنسان يعيد الصلاة عليه حتى يتأخر في دفنه؛ ولذلك إذا صلي عليه في قبره فإنه يحبس ويؤخر عن دفنه، والمشروع في السنة: أنه بعد الانتهاء من الصلاة الصلاة العامة عليه فإنه يبادر بدفنه، كما في الحديث: (أسرعوا بالجنازة). ولذلك: فالذي تطمئن إليه النفس أن يبادر بالدفن، ولا يؤخر من أجل الصلاة عليه، وإنما يصلى عليه الصلاة العامة، فمن أدركها فالحمد لله، ومن فاتته فإنه لا يفوته أن يدعو له ويستغفر ويترحم عليه، ومن صلى فلا حرج إذا كان يتأول القول الذي يرى الصلاة عليه؛ لكن الأصل: أن المقابر تحفظ عن الصلاة، ويمنع من الصلاة فيها إعمالاً للأصل؛ لما ذكرناه من الأدلة التي دلت على حظر الصلاة في القبور، وتخصيصها بصلاةٍ دون صلاة محل نظر، خاصةً وأن اللفظ عام، والله تعالى أعلم.
مسألة الصلاة على شهداء أحد
مسألة الصلاة على شهداء أحد Q ذكرتم -حفظكم الله- أن الشهيد لا يصلى عليه، وقد أشكل عليَّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على شهداء أحد؟ A النبي عليه الصلاة والسلام صلى على شهداء أحد كالمودع، ما صلى عليهم بعد المعركة، ولم يثبت نصٌ صحيح أنه صلى عليهم بعد المعركة، إنما ثبت في الصحيح: أنه عليه الصلاة والسلام صلى عليهم بعد سنين، وكان -كما ذكر العلماء- كالمودع لهم عليه الصلاة والسلام، ومعنى الخصوصية فيه قوي؛ وللنبي عليه الصلاة والسلام من الخصوصيات ما ليس لغيره، ومن هنا يقوى القول الذي يقول: بأن هذا النص مما خرج عن الأصل، خاصة وأنه عليه الصلاة والسلام لم يفعل هذا مع غيرهم، ولذلك لم يفعله مع شهداء بدر ولم يفعله مع غيرهم، ويختص هذا الحكم بشهداء أحد. يقوي طائفة من العلماء أنه صلى كالمودع لهم، وإن كان ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه زارهم، وكانت زيارته مودعاً لهم كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام، ويرون أن هذه الصلاة من جنس التوديع كزيارته لهم عليه الصلاة والسلام؛ لكن كونه يدل على مشروعية الصلاة على الشهداء هذا محل نظر، فالنصوص واضحة في عدم مشروعية الصلاة على الشهداء. وجاء في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم وغيره في قصة الصحابي جليبيب الذي كان معه في الغزوة رضي الله عنه، أنه قُتل فقده النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (إني أفقد جليبيباً فابحثوا عنه، فطلبوه فوجدوه مقتولاً، فدفنه عليه الصلاة والسلام ولم يصل عليه، وقال: إني شهيد له يوم القيامة)، فهذا يدل على عدم مشروعية الصلاة على الشهداء، وهو يؤكد ما قرره جماهير العلماء من أنه لا يشرع أن يصلى على الشهداء؛ وإنما شذ الحسن وسعيد بن المسيب فقالا: يشرع أن يغسل الشهيد ويصلى عليه، وهذا القول من مفردات المسائل، ويحتمل أنهما لم يطلعا على النصوص التي دلت على عدم تغسيل الشهيد وعدم الصلاة عليه، والله تعالى أعلم.
غسل وتكفين من وقصته دابته وإن كان مجاهدا
غسل وتكفين من وقصته دابته وإن كان مجاهداً Q الذي يكون في المعركة ثم سقط عن دابته أو وُجِد ميتاً ولا أثر للجراح به، لماذا لم يأخذ حكم الشهداء، والقاعدة: أن ما قارب الشيء أخذ حكمه، حيث إنهم خرجوا للجهاد وقاتلوا ولكنهم قتلوا بالسقوط ونحوه، فلماذا لم يأخذوا حكم الشهداء؟ A هم آخذون منزلة الشهداء، ومنازلُ الشهداء تختلف؛ لكن مسألة أنه لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يكفن، هذه تختص بما ورد، وذلك نظراً لأن الجراح فيها دماء والبلاء بها أعظم، والشهادة فيها أكثر أذيةً وضرراً وبلاءً في الغالب؛ فإنه يختص الحكم بمن كانت فيه الجراح وقتل بجراحه، وأما من قتل بالصعق وبغير جرح فهذا لا يشمله الحكم، وقد نص على هذا جماهير العلماء كما ذكرناه في المسألة التي تقدمت؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زملوهم بثيابهم) ونهى عن تغسيلهم، وهذا يدل على أن المراد الدم، وفي نفس الحديث الذي أمر بتزميل الثياب قال عليه الصلاة والسلام: (فإنه ما من جرحٍ يجرح في سبيل الله ... ). فقوله: (فإنه) جملةٌ تعليلية، أي: أمرتكم بتزميلهم في ثيابهم؛ لأن جراحهم تشهد لهم؛ وهذه من العلل المنصوصة؛ لأنه أشار إليها بالنص، وإن كان العلماء رحمة الله عليهم استنبطوها بالمعنى، فإنه لما قال: (زملوهم) ثم قال: (فإنه) يدل على التعليل؛ لأن قوله: (فإنه) بمثابة تعليل لما قبلها، والجمل التعليلية تعتبر حجة في التعليل، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثاً قبل أن يدخلها في الإناء؛ فإن أحدكم لا يدري أين باتت يديه) أي: أمرتكم بهذا لأن أحدكم لا يدري أين باتت يده. وقال في الذي وقصته دابته: (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) أي: أمرتكم بهذا، فانظر إلى قوله: (لا تمسوه بطيب) وقوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) تجده دليلاً على أن هذه الجمل بمثابة التعليل؛ فكأنه يقول: لا تغسلوا الشهداء إذا جُرِحوا؛ لأن جراحهم تشهد لهم، والله تعالى أعلم.
حكم ستر العورة عن الزوج أو الزوجة عند التغسيل
حكم ستر العورة عن الزوج أو الزوجة عند التغسيل Q هل يجب ستر العورة إذا غسل الرجل امرأته أو غسلت المرأة زوجها؟ A إن نَظَرَ كلٍّ من الزوجين لعورة الآخر في الحياة إنما قُصِد به أن يحفظ الإنسان نفسه من الفتنة، وأن يكون سبباً لعصمته بإذن الله عزَّ وجلَّ من الوقوع في الحرام، وهذا المعنى ليس موجوداً في تغسيل الميت؛ ولذلك يقتصر على تغسيلها بالقيام بحقها دون نظرٍ إلى هذه الأمور؛ خاصةً وأنه لا يأمن من الوقوع فيما يحظر عليه. والله تعالى أعلم.
حكم إلقاء الميت في البحر
حكم إلقاء الميت في البحر Q ما حكم إلقاء الميت في البحر، والسفينة تبعد مسافةٍ طويلة عن جميع الموانئ؟ A يقول بعض العلماء في هذه المسألة: إنه يغسل ويكفن ويصلى عليه، ثم يرمى في البحر. وهذا نوع من القبر له؛ لأن البحار تطوي من بها وتستره، والمقصود من دفن الميت: ستره؛ ولذلك جاء في كتاب الله: {قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة:31] فإذا رُميَ في البحر ستره البحر، وأُمن من النظر إلى عروته، وعلى هذا قال العلماء: إذا تأخر وصول السفن ونحوها كالبواخر الموجودة الآن إلى البر فإن البحر يكون مقبرةً له. وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام أنه ذكر شهداء البحر: (أنه نام عند أم حرام بنت ملحان رضي الله عنها وأرضاها، فاستيقظ وهو مسرور يضحك صلوات الله وسلامه عليه، فعجبت من أمره وذكرت له ذلك فقال لها: لقد رأيت أقواماً من أمتي ملوكاً على الأسرة -أو كالملوك على الأسرة- يغزون ثبج البحر -أي: أنهم شهداء البحر- فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم. فقال صلى الله عليه وسلم: أنتِ منهم)، فتوفيت رضي الله عنها حينما غزت، ونزلت بطرف لبنان إبان غزو الصحابة رضي الله عنهم للشام، فلما نزلت وقصتها دابتها فماتت رضي الله عنها، فتحققت فيها معجزة النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا يدل على أن البحر قد يكون قبراً لصاحبه؛ لأن المقصود من البر أن تتوارى العورة، والقبر يحقق هذا المقصود. أما إذا غلب على الظن الوصول قبل أن يتغير فبعض العلماء يقول: إنه يبقى على الأصل؛ لأن الأصل أن يوارى في التراب، ويكون حينئذٍ مما يستثنى من التعجيل في دفن الميت، والله تعالى أعلم.
حكم كشف رأس ووجه الميت
حكم كشف رأس ووجه الميت Q في قول المصنف رحمه الله: [ولا يغطى رأسُه ولا وجهُ أنثى] هل يُفهم من ذلك أن يظل رأسُ ووجهُ الميت مكشوفاً ينظر إليه أثناء حمل الجنازة والصلاة عليها وقبرها؟ أثابكم الله. A هذا هو الأصل، نص عليه العلماء رحمة الله عليهم، ولذلك قالوا: ولا حرج أن يظلل بشمسيةٍ ونحوها، ويبقى وجهه مكشوفاً ولا يغطى الوجه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا تخمروا وجهه ولا تغطوا رأسه) فهذا نص يدل على أنه لا يغطى ويصلى عليه وهو مكشوف الوجه، وقالوا: لا حرج أن يظلل عن الشمس بشمسية ونحو ذلك كالحال في الحياة، هذا استثناه بعض الفقهاء؛ لكن الأصل أنه لا يستر وجهه، والله تعالى أعلم.
حكم الغلو في الخوف من القبر وعذابه
حكم الغلو في الخوف من القبر وعذابه Q هل الخوف على الميت من عذاب القبر وما آل إليه من نعيمٍ أو عذاب يُعَد من عدم الصبر والرضا؟ أثابكم الله. A إذا مات الميت وهو على إحسان وطاعةٍ وبرٍ لله عزَّ وجلَّ؛ فإنه يرجى له الخير والرحمة، والله تعالى يقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة:223] فهو يقول لك: ستلقاني وأبشر؛ فالظن به حسن سبحانه وتعالى، ولو رأيت المؤمن وهو في سكرات الموت يرى ما عند الله من البشائر ومن الخير، فلو خُيِّر ساعتها بين أهله وماله وولده والناس كافة، وبين إقباله على ربه لاختار ما عند الله عزَّ وجلَّ؛ لما يرى من رحمته، والناس تفزع من هذا، ولكن هذا كله ضعف إيمان بالله سبحانه وتعالى، وإلا لو علم الإنسان مقدار رحمة الله وحلمه ولطفه بعباده سبحانه وتعالى، لكان أشد شوقاً إلى ربه من شوقه إلى أهله وولده. ولذلك لما قدم سليمان بن عبد الملك رحمه الله على المدينة قال: يا أبا حازم! كيف القدوم على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، فلو غاب الإنسان عن أهله وجاء من غربة وقدم عليهم فهو قدوم البشر والسرور والفرح والحبور، وما عند الله أجل وأسمى؛ فإن الله وصف الجنة ونعيمها وسرورها ولذة أهلها وبهجتهم، وما هم فيه من الرحمة والغفران من ربٍ راضٍ عنهم غير غضبان، ومع هذا كله يقول: (أعددت لعبادي ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر). مع هذا كله ومع ما وصف الله في كتابه سبحانه وتعالى من الصفات العظيمة والمنازل الجليلة الكريمة يقول: (ولا خطر على قلب بشر)، فمعنى ذلك أن عنده من الرحمات والفضائل ما الله به عليم؛ ولذلك كان شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن بعض المنامات التي تقوي أصول الشرع كان السلف الصالح يذكرونها لحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ، وقد ذكر هذا في الجزء الثامن عشر من مجموع الفتاوى، قال: كانوا يتسامحون في بعض المنامات التي لا تعارض أصول الشرع. وقد ذكر الإمام أبو نعيم في الحلية عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه مات ورئي بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: ما وجدت بعد الإيمان أفضل من حسن الظن بالله عزَّ وجلَّ. فإن الإنسان إذا أحسن ظنه بالله فإن الله لا يخيبه، فإن العبد يقدم على الله وهو ضعيف فقير أسير، تخلى عن أهله وماله وولده وحوله وقوته، والله عزَّ وجلَّ أرحم بالعبد من نفسه بنفسه. فكيف يكون الظن إذا كان الإنسان يقدم وهو يحس أنه فقير إلى رحمة الله، وأنه فقير إلى عفوه ولطفه، أفيخيبه سبحانه؟! حاشاه، فهو سبحانه يرحم من لم يسأله، فكيف بمن سأله ورجاه! ولذلك ينبغي على أهل الميت أن يحسنوا الظن بالله عزَّ وجلَّ، وأن يعلموا أن ما قدم عليه ميتُهم من رحمة الله وعفوه ما دام مؤمناً مطيعاً لله سبحانه وتعالى أسمى وأسنى، ويصبح انصبابُ جهدِهم إلى ما هو أهم وهو الدعاء له بالمغفرة، فإنه ولو مات وهو على أفجر ما يكون ما لم يكن كافراً؛ فقد يدركه الله قبل موته -ولو بساعات ما لم يغرغر- بحسن الظن بالله؛ قال الحجاج لما حضرته الوفاة: (اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي)، قال عمر بن عبد العزيز: والله ما غبطته إلا على أمرين: أحدهما: عنايته بكتاب الله. أي: حبه للقرآن وعنايته به، فقد كان الحجاج محباً للقرآن معتنياً به. وأما الثانية: فقوله عند موته: (اللهم اغفر لي؛ فإنهم يزعمون أنك لا تغفر لي). فالإنسان إذا أحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ قد يدركه الله عزَّ وجلَّ بحسن ظنه، فيغفر الله له ذنوبه، ولا يستطيع أحدٌ أن يدخل بين العبد وربه، فقد ترى الإنسان وهو على فسق وفجور ويرحمه الله قبل موته وقبل سكرات موته. وأصدق شاهد على ذلك حديث أبي هريرة الذي فيه قصة الرجل الذي قتل مائة نفس وآخرها الرجل العابد، فهذا أمر من أشنع ما يكون من الإجرام والعتدي لحدود الله والأذية لعباده، ومع ذلك ما خاب ظنه بالله عزَّ وجلَّ، فغبر قدميه في آخر عمره مقبلاً على الله، فقبض روحه مع الصالحين. فما خاب ظنه بالله حينما قال له العالم: وما يمنعك من التوبة؟! يعني: من يحول بينك وبين الله؟! ومن يحول بينك وبين رحمة الله؟! فخرج إلى ربه تائباً منيباً، فكان تغبيره لهذه الأقدام عزيزاً عند الله سبحانه وتعالى، عظمت عند الله هذه الأقدام حينما تاب بنفسه وبفعله، فاجتمعت له توبة الظاهر والباطن، فتوبته ظاهرة حينما خرج إلى قرية الصالحين؛ لأنه ما خرج لقرية الصالحين إلا وهو يريد الصلاح، وما خرج لقرية المفلحين إلا وهو يريد الفلاح. فلما فعل هذا عظم عند الله عزَّ وجلَّ، فكيف إذا كانت من الإنسان الحسنات والخيرات؟! والله تعالى يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب:45 - 47] و (كبيراً) من الله ليست بالهينة! {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً} [الأحزاب:47]. ويقول عن أهل الجنة: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الزمر:35]. فالإنسان إذا أحسن الظن بالله عزَّ وجلَّ، وأخذ بأسباب الإنابة إلى الله تعالى؛ فإن الله لا يخيبه. فينبغي على أهل الميت -ولو كان الميت على معصية- أن يستغفروا له، وأن يترحموا عليه؛ فإن الله ينفع الأموات، ولو مات وهو على المخدرات وعلى المعاصي والمنكرات، فإنه أحوج ما يكون إلى دعائك. بل إن من كان على المعصية قد يكون أشد حاجة لأن تدعو الله أن يغفر له ويرحمه، فهذا شيء من رحمة الله عزَّ وجلَّ ومما أبقاه الله من حسنات الإيمان للمؤمن بعد موته كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الله رحم المؤمن بإيمانه حتى بعد موته، ولذلك كانت الصلاة عليه والدعاء له بسبب إيمانه، فلولا أنه مؤمن لما صلي عليه ولما دعي له، فما دام أنه مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولم يأت بما يخرجه من ملة الإسلام، فهو إن شاء الله من أهل الجنة؛ لكن ما كان منه من زلات وهنات فإن عذبه الله فبعدله، وإن عفا عنه فبمحض فضله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23]. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحسن ظننا فيه، وأن يجعل لنا من رحمته وعفوه ومغفرته ولطفه ما لم يخطر لنا على بال. نسأل الله العظيم أن يتلقانا برحمته أحياءً وأمواتاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
باب الغسل والتكفين [4]
شرح زاد المستقنع - باب الغسل والتكفين [4] لقد كرم الله سبحانه وتعالى عباده المسلمين أحياءً وأمواتاً، ومن تكريمه جل وعلا لمن مات من المسلمين: أن يغسل ثم يكفن ثم يصلى عليه، وتكفين الميت أمر سهل، لكنه يحتاج إلى تعلم؛ وقد ذكر الفقهاء صفة الكفن، وكيفية تكفين الرجل والمرأة، وعلى من تكون قيمة الكفن، وغير ذلك من الأحكام التي ينبغي أن يعتني بها كل مسلم.
تقديم الكفن على قضاء الدين
تقديم الكفن على قضاء الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: فيقول المؤلف عليه رحمة الله: [فصلٌ: يجب تكفينه في ماله]. فهذا الفصل يعتبر هو المقام الثالث الذي انتقل المصنف به إلى بعض الأحكام المتعلقة بالميت، وقد تكلم في الموضع الأول عن حكم عيادة المريض، وما ينبغي أن يصنع بالمحتضر إذا حضرته الوفاة، ثم ما ينبغي به أن يهيأ به لتغسيله، هذه هي الجزئية الأولى التي تحدثنا عنها في الموضع الأول. ثم أتبع ذلك بفصل خصه بصفة تغسيل الميت، ثم أتبعه بهذا الفصل والذي يتعلق بصفة تكفين الميت، وهذا كله من ترتيب الأفكار، فالأصل أن الإنسان إذا احتضر أن يبدأ بأحكام الاحتضار، ثم ما يتبع ذلك من أحكام غسل الميت، ثم تكفينه؛ لأن التكفين يقع بعد التغسيل، فبين رحمه الله أنه يجب تكفين الميت. وهذه العبارة دلت على أن تكفين الميت يعتبر فرضاً على ورثته؛ وكذلك على عموم المسلمين الذين يحضرون الميت. أما بالنسبة لوجوبه: فالأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام في الرجل الذي وقصته دابته يوم عرفة (اغسلوه بماءٍ وسدر، وكفنوه في ثوبين) فقوله عليه الصلاة والسلام: (كفنوه في ثوبين) أمر يدل دلالة واضحة على أن الكفن واجب، وأنه لا يجوز قبر الأموات بدون كفن. ومن هنا أخذ العلماء أنه لو وضع الميت في قبره بدون كفن فإنه يشرع نبش قبره وتغسيله ثم تكفينه، والقيام بحقه من الصلاة عليه، ثم دفنه، فهذا يؤكد على أن تكفين الميت لا بد منه. هذا الكفن يحتاج إلى مال، وهذا المال الذي يستحق دفعه في كفنه يكون من ماله، وهذا هو الأصل؛ وبذلك إذا مات الميت فإن مئونة التجهيز تؤخذ من ماله قبل قسمة تركته، فهذه من الحقوق المقدمة، ويعتبرها العلماء من الحقوق العاجلة التي ينبغي أن يبادر بها في أموال الموتى، وأهل الفرائض رحمة الله عليهم من الفقهاء حينما يتكلمون عن أحكام الفرائض، يقولون: من بعد القيام بحقه من تجهيزٍ. فمئونة التجهيز يدخل فيها المال المحتاج إليه للكفن، فلو أنه احتيج إلى لفافتين لتكفينه، وهاتان اللفافتان تكلفان مبلغاً، فإنه يؤخذ هذا المبلغ من ماله ولو ترك ورثة من أيتام وغيرهم، فهذا حق للميت في ماله. ثم لو أن هذا الميت كان عليه دين، وأصبح هناك ضيق بين أن نقضي دينه وبين أن نكفنه، قالوا: يقدم تكفينه على دينه، وحينئذٍ يكفن ثم ينظر الباقي فيقسم على أصحاب الديون على قدر حصصهم من أصل الدين كما سيأتي إن شاء الله في الوصايا. فالمقصود: أن تكفين الميت واجب، وأن هذا الوجوب يتعلق بمال الميت إن وجد، فإذا كان الميت ليس عنده مال يشترى منه الكفن وما يحتاج إليه في مئونة تجهيزه، فحينئذٍ ينتقل إلى الذي يجب عليه نفقة الميت، فإذا كان هناك والد أو ولد أو أخ عاصب أو نحو ذلك من القرابة الذين يقومون بحقوق النفقات، فإنه حينئذٍ يتعين على الموجود منهم أن يدفع مئونة التجهيز، فإذا لم يوجد عند قرابته انتقل الوجوب إلى بيت مال المسلمين. ويجب على من حضر أن يقوم بهذا الحق، فيكفنوه كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، ويحسنوا إليه في كفنه، كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الحديث. وقوله: [مقدماً على دينٍ وغيره]. أي: تقدم مئونة التكفين على الديون التي للناس، وغيرها من الحقوق الأخرى، فلو مات ميت ولم يحج، واحتيج لحجه إلى ألفين وترك ألفين، فحينئذٍ إن أردنا أن نكفنه ربما نقص المال عما يقام به الحج عنه، فحينئذٍ يقولون: يقدم التجهيز، ويؤخذ من هذا المبلغ ولو كان سبباً لعدم السداد والوفاء بحق الحج عنه.
من يلزمه تكفين الميت إذا لم يكن عنده مال
من يلزمه تكفين الميت إذا لم يكن عنده مال وقوله: [فإن لم يكن له مالٌ فعلى من تلزمه نفقته إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته]. أي: فإن لم يكن لهذا الميت مال فعلى من تلزمه نفقته، أي: أنه يجب تكفينه على الشخص الذي تلزمه نفقة ذلك الميت؛ لأن الأصل أن العبرة بالغرم؛ ولذلك الذي يلي النفقات من الورثة ويكون عاصباً يقوم بدفع المال المحتاج إليه لتكفين قريبه، فيكفن الوالد ولده، والولد والده، والأخ أخاه، ونحو ذلك من القرابات الذين يجب عليهم القيام بالنفقات. واختلف في الزوجة، فقال بعضهم: الموت يقطع حق النفقة على الزوج، فلا يجب على زوجها أن يشتري الكفن لها إذا توفيت، ومنهم من قال: إن الموت لا يقطع حق النفقة، وتسامح بعض العلماء وقال: إن العشرة بالمعروف تقتضيه، ولكن إذا نُظِر إلى الأصل، فالأصل يقتضي أن النفقة قائمة مقام الاستمتاع، لقوله سبحانه وتعالى: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [النساء:24] فهذا هو الأصل، وبناءً على ذلك يقولون: بالموت ينقطع الحق بالموت كما لو نشزت فإنها لا تستحق النفقة، وهذا يؤكد أن النفقة مرتبة على الاستمتاع كما سيأتينا إن شاء الله في باب الحقوق الزوجية، وحينئذٍ إذا قلنا: إن الزوجية تنفصل؛ فإنه ينتقل إلى بيت مال المسلمين، وإذا قلنا: إنها لا تنفصل؛ فينتقل إلى الزوج. فقوله: (إلا الزوج): استثناه لأن الذين تجب عليهم النفقة، منهم من تجب نفقته من باب القرابة: كالأب مع ابنه، والابن مع أبيه، والأخ مع أخيه، ومنهم من تجب نفقته لسبب كالزوجية؛ فإن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته لمكان الزوجية، والدليل ما ذكرناه من الكتاب، وكذلك من السنة في أمره عليه الصلاة والسلام بإطعامها إذا طعمت، وكسوتها إذا اكتسيت، كما في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام. إذا ثبت هذا -وهو أن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته- فحينئذٍ إن قلنا: إن الموت يقطع الزوجية فلا تجب عليه النفقة، وإن قلنا: إن الموت لا يقطع حق النفقة بالزوجية فيجب عليه أن يكفنها، واختار المصنف سقوط النفقة عنه، فقال: (إلا الزوج)؛ لأنه عندما قال: (فعلى من تلزمه نفقته) أدخل الزوج بهذه العبارة؛ لأن الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته، فلما أدخل الزوج احتاج أن يخرجه بالاستثناء بقوله: (إلا الزوج)، أي: فلا يجب عليه أن ينفق على زوجته إذا ماتت بتكفينها. وهذا هو الأقوى بظاهر النص، ولكن العشرة بالمعروف -كما ذكرنا- وعوائد النفس المحمودة تستبشع وتستبعد ألا يقوم الزوج بحق زوجته في تكفينها، إلا إذا كان عليه ضرر وكلفة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
صفة تكفين الميت
صفة تكفين الميت [ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض]. بعد أن بين لنا رحمه الله حكم الكفن، وأنه يجب عليك أن تكفن أخاك المسلم إذا مات، شرع في بيان ما يحصل به الكفن، وهذا يختلف باختلاف الجنسين، فالرجال لهم حكم والنساء لهن حكم. فالرجال لهم حكم يختص بهم لثبوت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قدر ما يكفن به المسلم، والنساء لهن حكم فيما يكفَّن به، فابتدأ بالرجال، فقال رحمه الله: (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض)، وهذه الجملة مبنية على ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث أم المؤمنين في الصحيحين: (كُفّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة). والثلاثة الأثواب لها صور: إما أن تمد لفائف ويوضع الميت عليها، ويكون القميص والعمامة فضلٌ عن الثلاث في الأصل، فحينئذٍ تكون مجموع ما يكفن به خمسة في الحقيقة وثلاثة في الصورة، وذلك لأن القميص والإزار كانا عليه عليه الصلاة والسلام؛ ولم يجرد عليه الصلاة والسلام منهما، وبالنسبة للأكفان الثلاثة تبسط بالصورة التي سنذكرها، فيكون المجموع: القميص ثوب، والإزار ثوب، والثلاث لفائف ثلاثة أثواب؛ فأصبح المجموع خمسةً، هذا بالنسبة للأكمل والأفضل في تكفين الرجل. قال بعض العلماء: إنه يكفن في ثلاثة أثواب، ويكون منها القميص والإزار، فيكون القميص لأعلى البدن، والإزار لأسفل البدن، فحينئذٍ يكون كل منهما يعتد به ثوباً، فيصبح المجموع ثوبين، والثوب الثالث هو اللفافة التي تلف عليه، فتكفين الميت في ثلاثة أثواب له هاتان الصورتان: إما أن يكفن بقميصٍ وإزارٍ ولفافة، فالمجموع ثلاثة، أو يكفن بثلاثة أثواب فضلاً عن القميص والعمامة. وهذا التكفين على سبيل الاستحباب، وإلا فالأصل أنه لو تعذر تكفين الميت بحيث لم نجد إلا ثوباً واحداً يستر عورته فإنه يجزئ، ويكون محصلاً للواجب وموجباً لبراءة الذمة، فلو أنه كفن في ثوبٍ واحد يستر بدنه ويستر عورته أو يستر أغلب بدنه ومنه العورة؛ فإنه يجزئه. فلو أن قوماً مات عليهم رجل في صحراء، وليس عندهم ما يكفنونه به، ولكن هذا الرجل عليه قميصه وإزاره وثوبه الذي فوقه، فغسل ثم لبس ثوبه وصار كفناً له، قالوا: يعتد بذلك ويجزئ؛ لأن المقصود هو ستره. والدليل على أن العدد لا يشترط، وأن المقصود هو ستر الميت: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه قُتِلَ يوم أحد وليست له إلا شملةٌ واحدة، إن غطوا بها قدمه بدا وجهه، وإن غطوا بها وجهه بدت قدماه، فقال صلى الله عليه وسلم: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على قدميه شيئاً من الإذخر) فكونه عليه الصلاة والسلام يكتفي بثوب واحد يدل على أن مقصود الشرع هو ستر الميت وستر عورته، فإذا ضاق الحال ولم يتيسر إلا ثوب واحد كفاه. ولذلك كان عتبة بن غزوان رضي الله عنه إذا أراد أن يضرب المثل بفقر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا عليه من الشدة في عهده صلى الله عليه وسلم، ذكر قصة مصعب بن عمير رضي الله عنه وأرضاه، وقال: (فمنا من مات ولم يهدب ثمرته، منهم مصعب من عمير، كانت له شملة إذا غطوا بها وجهه بدت قدماه، وإذا غطوا قدميه بدا وجهه، فقال صلى الله عليه وسلم: غطوا بها وجهه ... ) الحديث. فهذا يدل عل أن الثوب الواحد يكفي، ولذلك قال المصنف: (يستحب) فدل على أن الثلاثة ليست بواجبة، وإنما هي السنة والأفضل.
تجمير اللفائف وجعل الحنوط فيما بينها
تجمير اللفائف وجعل الحنوط فيما بينها وقوله: [تجمر ثم تبسط بعضها فوق بعض، ويجعل الحنوط فيما بينها]. تجمر هذه الثلاثة الأثواب بالند والعود أو بأي طيب، وذلك مبني على أمره عليه الصلاة والسلام بإحسان كفن المسلم، وقد أمر من ولي تكفين أخاه المسلم أن يحسن في كفنه. فيبدأ بتطييب هذه الثلاثة الأثواب، ثم يبسط الأولى ويكون أجملها وأفضلها مما يلي الناس؛ لأن حال الإنسان أنه يجعل الزينة في الظاهر، فيجعل أجمل الثلاث اللفائف مما يلي الناس، وهي الأولى تبسط على الأرض، ثم بعد أن يجمرها يجعل حنوطاً فوقها، ثم يأتي بالثانية ويبسطها فوق الأولى، ويجعل الحنوط فيها. والحنوط: هو أخلاطٌ من الأطياب التي توضع في الكفن لدفع الهوام وطردها عن جسد الميت، ولإبقاء الجسد مدة أطول، فيوضع الحنوط على الثوب الأول، ثم يوضع على الثوب الثاني، ثم تبسط اللفافة الثالثة ولا يوضع عليها شيء؛ ولذلك كره الصحابة رضي الله عنهم وضع الحنوط على اللفافة الثالثة، فاللفافة الثالثة لا يوضع عليها حنوط، وإنما تبقى على ما هي عليه، ثم بعد ذلك ينقل الميت إليها بعد الغسل.
استخدام القطن للميت في عدة مواضع
استخدام القطن للميت في عدة مواضع وقوله: [ثم يوضع عليها مستلقياً]. أي: ثم يوضع الميت على هذه الثلاث اللفائف مستلقياً، وجهه إلى السماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُدرج فيها إدراجاً، فهذه هي السنة: أن يوضع في وسطها، ويكون نصفها عن يمينيه ونصف اللفافة عن يساره، والثلاث كلها مبسوطة إلى الأرض. وقوله: [ويجعل منه في قطنٍ بين إليتيه]. أي: ويجعل من الحنوط في قطن، ويكون القطن هذا لسد المنافذ إذا خرج شيء من النجاسة أو القذر فإنه يعالجه، ويكون أيضاً أنفع لدفع النتن إذا حُمِل أو أُريد وضعه في قبره، فيجعل الحنوط في قطنة وتكون بين الإليتين. [ويشد فوقها خرقة مشقوقة الطرف كالتبان تجمع إليتيه ومثانته]. هذه الصفة يذكرها العلماء من باب الكمال، وليست تشريعية توقيفية يلزم فعلها، وذكر العلماء رحمة الله عليهم لها مندرج تحت أصل عام وهو إحسان الكفن، وليس بأمر متعين بحيث إن الإنسان لو تركه يأثم، إنما ذكره العلماء رحمة الله عليهم على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض. وتجعل كالتبان، التبان: السروال القصير الذي يصنع للملاحين ونحوهم، والمعنى: أنه تشق على صورة السراويل القصيرة تشد ما بين الفخذين وتمنع خروج الخارج، وذلك لتمنع النتن والرائحة أن تؤذي من يقترب من الميت فيتضرر بذلك إذا حمله أو أراد أن ينزله في قبره، فهذا كله -كما ذكرنا- على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض، وهذه الأمور لا يقصد منها سوى الإحسان إلى الميت، فمن تيسر له فِعْلُها فعَلَها، ومن صعب عليه ذلك أو لم يجد الحنوط فله أن يستبدل بطيب آخر يطيب به الميت، ولا يشترط أن يوضع بين الفخذين بالصورة التي ذُكِرت، وإنما هو على سبيل الفضل لا على سبيل الفرض كما ذكرنا. وقوله: [ويجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده، وإن طيب كله فحسن]. أي: ويجعل الباقي من الحنوط والطيب على منافذ جسده، مثل الأنف، والمنفذ: هي الفتحة الذي ينفذ منها إلى البدن، ويشمل ذلك: الأنف والفم وجهة العيون ونحوها، فيجعل الحنوط عليها حتى يكون أدعى لدفع الهوام عن الدخول إلى البدن؛ لأن الهوام لا تقوى على رائحة الطيب؛ فيكون ذلك أدعى لبقاء البدن أو الجسد أكثر مدة وأطول، وهذا من الإحسان إلى الميت. فيجعل في منافذ بدنه، ومواضع سجوده، وإن طيب كله فلا حرج، وقد أثر عن بعض السلف الصالح أنه لما حضرت أنس الوفاة أوصى أن يغسله الإمام الجليل محمد بن سيرين، وكان محمد رحمه الله عليه دين ومسجوناً في دين، فأُخرج من سجنه للقيام بتغسيل أنس، فطيب أنساً كله. وهذا قد فعله بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه. لكن لو كان الطيب قليلاً أو لم يتيسر من الحنوط إلا اليسير، فإنه يوضع في أشرف المواضع، وهي مواضع السجود؛ تكريماً لها، وكذلك أيضاً المغابن، وهي مواضع النتن من الإنسان كالإبطين؛ وكذلك أيضاً المغابن التي تكون في أسفل باطن الركبتين، فهذه يوضع فيها الحنوط لأن الفساد يسرع إليها أكثر من غيرها.
كيفية لف اللفائف على الميت
كيفية لف اللفائف على الميت وقوله: [ثم يُرَد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن]. بعد أن يوضع الميت على الثلاث اللفائف في وسطها كما ذكرنا، يرد طرف اللفافة على شقه الأيمن تشريفاً وتكريماً لليمين، لأنه إذا لبس الإنسان يشرع له أن يقدم اليمين، فيفعل به كما كان يفعل حياً، وقد قال عليه الصلاة والسلام في تغسيل بنته: (ابدأن بميامينها وبأعضاء الوضوء منها) فشرف اليمين وشرف أعضاء الوضوء؛ ولذلك لما ذكروا عن مواضع السجود أنها تطيب فذلك لشرفها شرعاً. فحينئذٍ يبدأ بشقه الأيمن ويقلب طرف اللفافة العليا، فإذا غطى شقه الأيمن قلب من شقه الأيسر بعد ذلك على لفافة الأيمن ويردها عليه؛ ثم اللفافة الثانية يبتدئ بجهتها اليمنى بالنسبة للميت ويقلبها على شقه الأيمن، ثم يأخذ يسراها ويقلبها على يساره، ثم الثالثة كذلك، فهذا من إدراج الميت في الكفن وهو سنة، ولما فيه من التيمن الذي فضله الشرع وثبتت به النصوص الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال المصنف رحمه الله: [ويرد طرفها الآخر من فوقه، ثم بالثانية والثالثة كذلك، ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه]: وقوله: (ويجعل أكثر الفاضل عند رأسه) وذلك لكونه أبلغ في ستره وتشريفاً له؛ أما الدليل على أننا نجعل الفاضل جهة الرأس: فعندنا جهتان: إما أن نجعل الفاضل من جهة القدم أو جهة الرأس، فلما قال عليه الصلاة والسلام في الشملة: (غطوا بها وجهه، واجعلوا على قدميه شيئاً من الإذخر) دل على تشريف أعلى البدن وتفضيله على أسفله، ومن هنا قالوا: إنه يجعل الفاضل من جهة الرأس ولا يجعل من جهة القدم، ويتفرع على ذلك فوائد، منها أنه لو وجدت لفافة، ولكن هذه اللفافة تسع أكثر البدن، ولا تسع البدن كله، فإنها تلف عليه ويجعل النقص من جهة الأقدام لا من جهة أعلى البدن؛ تأسياً بالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث مصعب رضي الله عنه وأرضاه. وقوله: [ثم يعقدها وتحل في القبر]. (ثم يعقدها): أي يربطها، والضمير عائد إلى اللفافة، فيعقد من رأسه ويعقد من وسطه؛ وكذلك من جهة قدميه على حسب ما يقتضيه الحال، والسبب في هذا هو خوف انتشار الثياب وانكشاف عورة الميت، خاصةً إذا دُلي في قبره، فإنه في هذه الحالة يحتاج إلى أن تكون اللفافة مربوطة، فلربما انسل من اللفائف إذا لم يكن مربوطاً فانكشفت العورة وحصل ما لا يحمد خاصة مع النساء؛ فلذلك جاءت الآثار عن الصحابة رضوان الله عليهم بهذه الأربطة، وأنها تحل في القبر. وقوله: [وإن كُفِّن في قميص ومئزر ولفافة جاز]. (وإن كُفن في قميص): القميص يكون لأعلى البدن، كـ (الفنيلة) فهذه أشبه بالقميص، وفي حكمها الصدرية، وهكذا الجبة ونحو ذلك، كل ذلك يعتبر من ستر أعالي البدن ويعتد به ثوباً. ثم يجعل لأسفل البدن ثوباً أو إزاراً؛ لأن العرب تسمي ما يغطي الأعلى دون أن يكون مستحكماً رداءً، والذي للأسفل يسمونه إزاراً، وأوضح ما يكون هو يلبسه الإنسان في حجه وعمرته من ثوبي النسك، الأسفل منهما يسمى إزاراً والأعلى منهما يسمى رداءً. فلو أن إنساناً وجد له قميصاً وإزاراً ولفافة، فلا حرج، ويكون القميص ثوباً والإزار ثوباً، وتكون اللفافة ثوباً ثالثاً.
تكفين المرأة في خمسة أثواب
تكفين المرأة في خمسة أثواب وقوله: [وتكفن المرأة في خمسة أثواب]: تكفن المرأة في خمسة أثواب؛ لأن عورتها أشد فحشاً من الرجل، وفي ذلك حديثان: أما الحديث الأول: فحديث ليلى بنت قائف الثقفية، وهو متكلمٌ في سنده، وضعفه غير واحد من الأئمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهن بتغسيل ابنته وتكفينها، وكانت هي التي تولت غسلها، فذكرت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما ناولها حقوه، وهو ما يكون لأسفل البدن كالإزار كما ذكرنا، ثم بعد ذلك أعطى صلوات الله وسلامه عليه الدرع، وهو لأعلى البدن، ثم ناولها الخمار وهو للرأس، ثم الملحفة، وهو ما تلتحف به المرأة، وهو يشمل الأعلى والأسفل؛ ثم أُدرجت في الثوب الآخر، فهذه خمسة أثواب، جاءت مفصلة في حديث ليلى المتكلم في سنده، ولكنها جاءت مجملة في حديث أم عطية الذي هو أصح سنداً من حديث ليلى؛ فإن حديث أم عطية أنها كفنت في خمسة أثواب، لكن حديث ليلى بنت قائف الثقفية رضي الله عنها فصل هذه الأثواب، وهو يدل على أن السنة إذا ألبست المرأة الخمسة الأثواب أن يبتدئ بستر الأسفل أولاً؛ لما فيه من غلظ العورة وعظم الحق فيه؛ ثم بعد ذلك أعلى البدن، ثم الخمار للرأس، ثم الملحفة التي تعم أعلى وأسفل البدن، ثم بعد ذلك أدرجت في الثوب الآخر، وهو خامس الأثواب، وهي اللفافة التي تلف فيها الميتة. وقوله: [إزار وخمار وقميص ولفافتين]: الإزار لأسفل البدن، والقميص لأعلى البدن، والخمار للرأس، وبالنسبة للفافتين لعموم البدن، وعلى هذا لو أن امرأة تيسر لها ثلاثة أثواب فإنه لا حرج أن تكفن فيها؛ فتبسط الثلاثة الأثواب وتوضع الميتة فيها على الصفة التي ذكرناها في الرجل، وترد عليها وتكون كفناً لها.
الواجب في الكفن ثوب واحد يستر الميت
الواجب في الكفن ثوب واحد يستر الميت وقوله: [والواجب ثوب يستر جميعه]. والواجب في تكفين الميت ثوبٌ يستر جميعه، وهذا من دقة المصنف، فبعد أن ذكر لك صفة الكمال شرع يبين لك ما هو اللازم؛ لأنه بعد أن بين ما هو الأفضل والأكمل ذكر أن الواجب ثوب واحد وأن ما عدا الواجب فضلٌ لا فرض، إن فعلته أحسنت وأجرت وإن تركته فلا حرج.
الأسئلة
الأسئلة
حكم غسل من مات وهو جنب
حكم غسل من مات وهو جنب Q لو مات الإنسان وهو جنب هل يغسل غسل الجنابة أم يكتفي بالغسل المعهود؟ A إذا مات الميت وهو جنب فإنه لا يغسل غسل الجنابة؛ لأن التكليف قد انقطع، وحينئذٍ يغسل وينوى في غسله غسل الميت ولا ينوى غسل الجنابة، وهذا هو الأصل على ظاهر الحديث الذي ذكرناه في حنظلة الغسيل، فإن حنظلة -رضي الله عنه وأرضاه- لما رآه النبي صلى الله عليه وسلم يغسل أمرهم أن يسألوا، فسألوا امرأته فقالت: إنه سمع الهيعة والصيحة فخرج رضي الله عنه فقتل شهيداً قبل أن يغتسل من الجنابة، فهذا الحديث يقلب على من يقول: إنه يغسل، ويدل على أنه لا يغسل؛ لأنه غسل في الآخرة ولم يغسل غسل الدنيا، ولو كان غسل الجنابة واجباً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغسيله، فالظاهر أنه لا يغسل والله تعالى أعلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
باب الصلاة على الميت [1]
شرح زاد المستقنع - باب الصلاة على الميت [1] صلاة الجنازة فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين، ولها فضلٌ عظيم، ولها كيفيةٌ خاصة، وأحكامٌ لابد من تعلمها. ويفرق بين الصلاة على الصبي والكبير من حيث الدعاء فقط، ويتفرع عن هذه المسألة: حكم أطفال المشركين، وهي مفصلة في هذه المادة.
صفة صلاة الجنازة
صفة صلاة الجنازة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: يقول رحمه الله: [فصل: السنة أن يقوم الإمام عند صدره، وعند وسطها]. لقد بين رحمة الله عليه صفة التكفين، وهي يسيرة، وليست كما يظن بعض الناس أن تكفين الميت يحتاج إلى شيء من الدقة ويحتاج إلى شيء من الكلفة، وهذا ولله الحمد من رحمة الله بهذه الأمة، وقد أشار الله إلى هذه الرحمة العامة فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] فتكلف بعض الناس في بعض صفات التكفين وإلزامهم الناس بصفة معينة خطأ، لأنها ليست واجبة في أصل الشرع بحيث يعد أن من لم يفعلها كأنه أساء إلى الميت، فهذا مما لا أصل له. وشرع رحمه الله في بيان صفة الصلاة على الميت؛ لأنه بعد أن يفرغ من تكفين الميت يتجه الأمر بالصلاة عليه، وهذا هو الحق الثالث للميت، فأولاً: يغسل، وثانياً: يكفن، وثالثاً: يصلى عليه. أما الصلاة عليه فإنها واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلوا على صاحبكم) فهذا أمر، والأمر يدل على الوجوب، ولذلك قالوا: من مات ودُفِنَ ولم يصل عليه ولم يكفن، شُرِع أن ينبش قبره ويخرج ثم يغسل ويكفن ويصلى عليه؛ قياماً بحقه. والصلاة على الميت لها صفةٌ مخصوصة واردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان من هديه أنه إذا جيء بالميت فإن كان رجلاً قام عند رأسه، وإن كانت امرأةً قام عند وسطها. وللعلماء تعليلان: بعضهم يقول: هذه السنة سببها أن فتنة الرجل أكثر ما تكون في قلبه بالوساوس والخطرات، فيقوم حيال صدره كما ورد في الحديث، والمرأة أكثر فتنتها تكون في الفرج والشهوة فيقوم عند وسطها، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) فهم يقولون: إنها لفتنة المرأة في الشهوة. وقال بعض العلماء: إن السبب في ذلك أنه إذا قام في وسط المرأة كان أبلغ في سترها، وكأنه يسترها عن المأمومين؛ ويكون ذلك أدعى لتفرغ الناس للدعاء وبعدهم عن الفتنة؛ لأن الذي وراءه يباشر هذا الموضع لو أنه قام عند صدرها أو حيال رأسها. لكن الأولى: أن يتوقف في هذا؛ لأنه لا ينبغي تعليل الأحكام دون أن يكون هناك دليل يدل على تلك العلة صراحةً أو ضمناً، أما أن يتكلف استنباط العلل بالصورة التي ذكرناها فهذا محل نظر؛ ولذلك فالأفضل أن يقال: هذا شيء تعبدنا الله به وهو أعلم بعلته، ولا يسأل عن مثل هذه الأمور؛ لأن السؤال عنها من التكلف، وقد كان بعض مشايخنا رحمة الله عليه يسألون عن مسائل من هذا النوع فكان يطرد السائل في بعض الأحيان، وربما ينتهره ويعنفه إذا كان من طلابه؛ لأنها من التكلف، وهذه المسائل التي يكون فيها تكلف وتنطع قد نهي عنها. فالإنسان إذا جاءه الأمر في كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم لا يسعه إلا السمع والطاعة والامتثال، قال تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65]. فإذاً: لا بد من التسليم، يقوم بهذه الصفة التي ذُكِرت لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها، وثبت فعله عليه الصلاة والسلام لها في حديث أنس رضي الله عنه وأرضاه لما قام حيال صدر الرجل ووسط المرأة فسئل عن ذلك فقال: إنها السنة؛ فدل ذلك على أنها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة
قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة وقوله: [ويكبر أربعاً يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة]: (ويكبر أربعاً): هذا ثابت في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه كبر على النجاشي أربع تكبيرات) وكان بعض العلماء يقول: هي التي داوم عليها عليه الصلاة والسلام، وما جاء من غيرها فإنما يكون في بعض الأحوال، والأفضل المداومة على الأربع؛ لأنه هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي داوم عليه. والخمس وردت عنه عليه الصلاة والسلام، وكان بعض العلماء يمتنع منها؛ لأنه حافظ عليها بعض أهل البدع، فكانوا العلماء يرون أن هذا الأفضل فيه المحافظة على الأربع؛ لأن الخمس ثبتت في صور الأفراد، والزيادة إنما ثبتت في قضية شهداء أحد مع أن الصلاة عليهم نفسها خارجةٌ عن الأصل، ومن هنا قال العلماء: إن الأفضل أن يداوم على الأربع، وهي هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الغالب. وصلاة الميت ليس فيها ركوع ولا سجود، وهذا بالإجماع كما حكاه الإمام ابن حزم الظاهري رحمة الله عليه بل يقف فيها المصلي ويقوم على الصفة التي سنذكرها إن شاء الله تعالى دون أن يكون هناك ركوعٌ أو سجود، لكن اختلف في سجود السهو لها في الواجبات التي سنذكرها بعد. قال: (يقرأ في الأولى بعد التعوذ الفاتحة) هذا فيه فوائد: الفائدة الأولى: أن دعاء الاستفتاح ليس بمشروع في الصلاة على الميت، فصلاة الميت يكاد يكون بالإجماع أنه لا يشرع لها دعاء الاستفتاح؛ لكن بعض المتأخرين كان يقول: يستفتح في صلاة الميت لأن أم المؤمنين عائشة تقول: كان إذا استفتح الصلاة يقول. والصحيح أنه لا يشرع دعاء الاستفتاح في الصلاة على الميت، وإنما يقرأ مباشرةً، ويكون هذا من باب الفرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وبين صلاة الجنائز. قوله: (بعد التعوذ) لعموم قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98] فالأفضل أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو لفظ سورة النحل، وأما غيره من الألفاظ الأُخر فهو سنة ولا حرج فيه، مثل: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه) لكن الأفضل أن يقول الذي أُمر به في الكتاب لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل:98]. قال بعض الفضلاء: ولفظه المختار ما في النحل وقد أتى الغير عن اهل النقل (ولفظه المختار ما في النحل) أي: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ثم بعد ذلك يقرأ الفاتحة، وللعلماء في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة قولان: منهم من يقول: يشرع أن تقرأ سورة الفاتحة، وهو مذهب الإمام الشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وطائفة من أهل الحديث، والدليل على ذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. الحديث) فإنك إذا تأملت هذا اللفظ وجدته من صيغ العموم، فقوله: (لا صلاة) نكرة في سياق النفي، والقاعدة: أن النكرة في سياق النفي تفيد العموم. (أيما صلاةٍ) أيضاً يدل على العموم؛ لأن (أي) عند الأصوليين من صيغ العموم، فلما قال: أيما صلاةٍ لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فقد عمم ولم يفرق بين صلاة الجنازة ولا غيرها، فدل على أن صلاة الجنازة يجب أن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب. وتأكدت هذه العمومات بحديث ابن عباس رضي الله عنه أنه صلى على الجنازة وجهر بالفاتحة؛ لكي يعلم الناس أنها سنة، فدل هذا على أن السنة أن يقرأ الفاتحة على الميت. وخالف في ذلك الحنفية والمالكية رحمة الله عليهم، وقالوا: إنه يقتصر على الدعاء، لآثار وردت عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الصلاة على الميت، ذكر فيها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، قالوا: فهذا يدل على أنه لا تقرأ الفاتحة. والجواب عن ذلك: أن المرفوع مقدمٌ على الموقوف، ويحمل كلام الصحابة على أن المقصد الأسمى والأعلى في الصلاة على الميت: أن يدعى له، فذكروه وتركوا غيره للعلم به بداهة، هذا مما يعتبر به. وأيضاً: يحتمل أنه لم يبلغهم النص بقراءة الفاتحة، وقد يخفى على بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من السنن ما لم يطلع عليه؛ ولذلك يُعمل بما ورد عنه عليه الصلاة والسلام ويقدم على غيره.
الصلاة الإبراهيمية في صلاة الجنازة
الصلاة الإبراهيمية في صلاة الجنازة قال رحمه الله: [ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في الثانية كالتشهد]. أي: يكبر بعد ذلك التكبيرة الثانية، ويصلي فيها على النبي صلى الله عليه وسلم كصلاة التشهد، وهي الصلاة الإبراهيمية المعروفة، وقد ثبت في ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وكذلك آثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أن صلاة الميت يصلى فيها على النبي صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: من فائدة ذلك أن صلاة الميت مشتملة على الدعاء والشفاعة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء مظنة الإجابة، والأحاديث في ذلك معروفة، أي: أن من أسباب قبول الدعاء الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك شرعت الصلاة قبل الدعاء لما فيها من الخير العظيم؛ ولأنها سببٌ في رحمة الله للعبد، فهو يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم مرة فتأتيه من الله عشر صلوات، ومن صلى عليه مرة صلى الله عليه بها عشراً، فَيُرحم بهذه الرحمة العظيمة ويكون أرجى لقبول دعائه.
الدعاء المأثور في صلاة الجنازة وشرحه
الدعاء المأثور في صلاة الجنازة وشرحه قال رحمه الله: [ويدعو في الثالثة فيقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا وأنت على كل شيءٍ قدير، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام والسنة، ومن توفيته فتوفه عليهما، اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وزوجاً خيراً من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار، وافسح له في قبره ونور له فيه]. هذه الجمل التي ذكرها رحمه الله تشتمل على مسألتين: المسألة الأولى: أن السنة في التكبيرة الثالثة أن يدعو، وهذا سببه أن الصلاة إنما شرعت من أجل الدعاء للميت والاستغفار له والترحم عليه، وهذه رحمةٌ من الله سبحانه وتعالى بعباده، حيث جعل للأموات حظاً عند الأحياء أن يذكروهم بصالح الدعوات. ولا شك أنه ليس هناك مسلم إلا وهو محتاج إلى من يدعو له، ولو كان عبداً صالحاً؛ فإن الصالح يزداد من رحمة الله عز وجل، وأما غيره فأمره أشد وحاجته أعظم أن يترحم عليه ويستغفر له، فمن رحمة الله عز وجل أن شرع هذه الصلاة، ولقد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما من مسلم يقوم عليه أربعون يشهدون أن لا إله إلا الله، ويشفعون له إلا شفعهم الله فيه، وما من مسلمٍ يقوم عليه مائة يسألون الله له إلا وجبت) كما في صحيح مسلم، قيل: وجبت دعوتهم أو وجبت شفاعتهم، وهذا فضلٌ عظيم، فكيف إذا قام عليها الألوف؟! ومن هنا: يستحب كثرة المصلين على الميت؛ لكثرة الدعاء وسؤال الله عز وجل رجاء الإجابة، خاصةً إذا وُجدَ فيهم من هو حافظٌ لحدود الله، فهو أرجى أن يقبل الله عز وجل دعاءه. والسنة أن يكون عددهم كثير، فإذا نقص عددهم يُسن ألا يقلوا عن ثلاثة صفوف، فيجزؤهم الإمام ثلاثة صفوف، وفي ذلك حديث مالك رضي الله عنه وأرضاه عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل ثلاثة صفوف: (أنهم إذا شفعوا للميت شُفِّعوا) وكان مالك رضي الله عنه إذا استقل العدد جزأهم ثلاثة صفوف، حتى ولو كانوا ستة جعل كل اثنين صفاً، كل ذلك لفضل كثرة الصفوف على الميت. فهذا الدعاء كلما كان من عددٍ أكبر؛ كلما كان أفضل وأرجى. وعلى هذا قالوا: إنه يختار المساجد التي هي أكثر عدداً؛ لكثرة الشفعاء وكثرة المصلين والداعين له. وأما الأدعية التي ذكرها: فإنه نوع رحمه الله في الأدعية وأدخل بعضها في بعض، والمحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام في حديث مسلم: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وأعذه من عذاب القبر وعذاب النار -على رواية الشك- عذاب القبر أو عذاب النار) قال الصحابي: حتى تمنيت أن أكون ذلك الرجل. فإن كانت امرأة يقول: أبدلها أهلاً خيراً من أهلها، ولا يقول: زوجاً خيراً من زوجها؛ لأن المرأة لزوجها في الآخرة إذا ماتت عنه وهي في عصمته، أما لو تزوجت أكثر من زوج وتوفيت فقد سألت أم سلمة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة التي يكون لها أكثر من زوج لمن تكون يوم القيامة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هي لأحسنهم خُلقاً) ولذلك يقولون: لا يقال في المرأة: (وأبدلها زوجاً خيراً من زوجها)؛ لأنها قد تكون لزوجٍ واحد، وإنما يكون الزواج للرجال، فيقال: (أبدله أهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه) إشارة إلى الحور العين، وما جعل الله من الكرامة فيها، وهو حكم الله الذي لا يعقب. وأما قوله: (اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، وكبيرنا وصغيرنا، وذكرنا وأنثانا، إنك تعلم متقلبنا ومثوانا -إلى قوله:- إنك على كل شيءٍ قدير) زيادة (إنك على كل شيء قدير) ليست واردة، الوارد إلى قوله: (إنك تعلم متقلبنا ومثوانا) وهذا فيه مناسبة الحال، وهو أيضاً دعاءٌ محفوظ. وأما المقطع الأخير الذي ذكره رحمة الله عليه: (اللهم افسح له في قبره ونور له فيه) فهو قطعة من دعائه صلوات الله وسلامه عليه لـ أبي سلمة؛ فإنه لما دخل على أبي سلمة رضي الله عنه وقد جاد بنفسه فسمع صوت الصائح فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصياح، وقال: (لا تدعوا على أنفسكم فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) أي: هذه الساعة تؤمن الملائكة على ما يقال- ثم قال عليه الصلاة والسلام: (اللهم اغفر لـ أبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه) وذلك إشارة إلى حال السعداء إذا نزلوا القبور، وذلك أن المؤمن يفسح له في قبره مد البصر؛ لأن إفساح القبر يزيد في فُسحة الصدر، وفسحه القبر. والقبر يضيق على الكافر والمنافق حتى تختلف أضلاعه، ومن هنا كان من رحمة الله بالمؤمن أن يفسح له في القبر. وفي قوله عليه الصلاة والسلام في الدعاء للميت: (افسح له في قبره) دليل على أن القبور تنفسح وتضيق، وأن هذا من عالم الغيب الذي لا يمكن للعقول أن تدرك كيفيته؛ فإنك لو نظرت إلى القبور رأيتها متجاورة، وقد يكون الكافر بجوار المسلم والمنافق بجوار الموقن، وكذلك الصالح بجوار الطالح، ولكن الله سبحانه وتعالى أعلم بما بينها من الدرجات والدركات، فكم من قبورٍ تراها في كهوفٍ مظلمة قد ملئت أنواراً ورحمةً على أهلها، وقد تكون في الفيافي والقفار الموحشة ولكن الله يؤنس أهلها بالفسحة والسرور، نسأل الله العظيم بأسمائه الحسنى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذه القبور. وأما القسم الثاني فهم الذين تضيق عليهم قبورهم، فكم من قبور وهي في الضياء، والناس حولها يسرحون ويمرحون، ولكن أهلها في عذابٍ ونكد، حتى يأذن الله عز وجل ببعث الأرض ومن فيها. وأما المقطع الصحيح الذي أشرنا إليه: (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه)، دعا له المغفرة؛ لأن الإنسان لا يأتيه الشر في آخرته ولا في دنياه إلا بذنبه؛ فإن غفر الله الذنب لم يؤاخذ العبد، وذهب عنه شؤم معصيته، وقد سميت السيئة سيئة لأنها تسيء إلى صاحبها في الدنيا؛ فإن سلمه الله من شرها في الدنيا فإنها تسيء إليه في القبر، فإن سلم من الدنيا والقبر فإن الله قد يجعل نكالها مجموعاً عليه في الآخرة؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر له) فجعلها مغفرةً قبل دخوله لقبره، وقبل معاينته لصالح عمله وطالحه، وكونه يسأل المغفرة قبل أن يدخل في قبره من الشفاعة له بألا يرى ما يسوؤه وهو قادمٌ على عمله؛ خاصةً ما يكون منه من المعاصي في أقواله وأفعاله. قوله: (اللهم اغفر له) فإن غُفِر للعبد أصابته الرحمة، ولذلك قال: (وارحمه) فإن الإنسان قد يغفر له ولكنه يحتاج إلى الرحمة، ثم قال: (وعافه) لأن القبور فيها فتن وأهوال وشدائد، فيحتاج الإنسان أن يعافى منها، والعافية: السلامة؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (يا عم رسول الله! سل الله العافية، يا عم رسول الله! سل الله العافية) وفي الحديث الصحيح: أنه كان إذا أمسى وأصبح يقول: (اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وآخرتي) فهذا يدل على فضل سؤال العافية. (وعافه واعف عنه) هذا بالنسبة للحقوق التي لله سبحانه وتعالى. (وأكرم نزله) وهذا يدل أن في القبر نزلاً، وقيل: المراد (أكرم نزله) أي: في الآخرة، وهذا إشارة إلى حال السعداء. (ووسع مدخله): أي في القبر. وقوله صلى الله عليه وسلم: (اللهم افسح له في قبره، ووسع مدخله، واغسله بماءٍ وثلجٍ وبرد) فيه فوائد منها: أن الماء هو الأصل في التطهير، وبناءً على ذلك قالوا: الاستنجاء بالماء أفضل من الاستجمار بالحجارة؛ لأنه هو الأصل في التطهير، وفيه دليل على أن المائع هو الأصل في الإنقاء (واغسله بماء وثلجٍ وبرد). أما حقيقة الغسل فللعلماء وجهان: منهم من يقول: اغسله حقيقةً، فالميت يغسله الله جل وعلا على صفةٍ لا نعلمها، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يغسل. ومنهم من يقول: (اغسله بالماء والثلج والبرد) كنايةٌ عن المغفرة، فيجعل الأمر على المجاز لا على الحقيقة. والصحيح: أن (اغسله) على حقيقته، وأن حقيقة الغسل ترد إلى الله سبحانه وتعالى علام الغيوب. وأخذ بعض العلماء من قوله: (والثلج) أن الثلج يمكن أن يتوضأ به؛ وذلك أنه وصف الثلج بأنه يُغسل به؛ فدل على أنه لو أخذ الثلج ومر به على أعضاء الوضوء، وأصاب بلل الثلج الأعضاء ووجد بلله عليها فإنه قد توضأ. وبناءً على ذلك: لو وجد الثلج ولم يجد الماء فإنه لا يعدل إلى التيمم، وفي حكم الثلج البرد، لقوله: (واغسله بالماء والثلج والبرد). والذين يقولون: إن الثلج والبرد لا يغتسل بهما ولا يتوضأ بهما، يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسله بالماء) وأما الثلج والبرد فزيادة نعيم له، كما أن الكافر يعذب بزيادة الجحيم فالمؤمن ينعم بزيادة النعيم، فجعلون الثلج والبرد تبعاً للماء ولم يجعلوه أصلاً. والأصل في الرواية أنها تقصد الجمع؛ ولذلك يقوى قول من قال: إنه لو مر بالثلج على يده فقد حصلت الطهارة. وقوله صلى الله عليه وسلم: (ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس) في رواية: (ونقه من الخطايا). بعض العلماء يقول: هناك فرق بين الذنب والخطيئة، ومنهم من يقول: لا فرق بين الذنب والخطيئة، وهناك كلام فيه تكلف في هذه المسألة؛ فأحياناً تُجعل الخطايا دون الذنوب، وأحياناً الذنوب أعظم من الخطايا، وهذا في مذهب طائفة من العلماء رحمة الله عليهم. والتنقية من الذنوب والخطايا فيه إشارة إلى أن من يفعل الذنب فإن الذنب يتعلق ببدنه، وهذا له أصل، وهو الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أن العبد المؤمن إذا توضأ خرجت كل خطيئةٍ نظر إليها بعينيه من
مصير أطفال المسلمين والمشركين
مصير أطفال المسلمين والمشركين وقوله: [وإن كان صغيراً قال: اللهم اجعله ذخراً لوالديه وفرطاً وشفيعاً مجاباً، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، وألحقه بصالح سلف المؤمنين، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم]. هذا الدعاء مقتبس، وليس باللفظ الوارد. أولاً: هناك أطفال المشركين وهناك أطفال المسلمين؛ أما أطفال المسلمين فحكى طائفة من العلماء أن الإجماع على أنهم يبقون على حكم المسلمين وأنهم في الجنة، والحديث الصحيح يقوي هذا، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح: ذكر فضل المرأة التي يموت لها ثلاثة، ثم قامت له امرأة وقالت: يا رسول الله! واثنين؟ قال: واثنين. وأن الله سبحانه وتعالى يجعلهما حجاباً لها من النار. وسأل الرجالُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كما سأله النساء: هل لهم فضل مثل ما للنساء في موت أبنائهم، وسألوه عن صغار أبنائهم، فقال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أولئك دعاميص الجنة، لا يزال أحدهم يأخذ بأبيه حتى يدخله الجنة) أي: يقول: يا رب! أبي أبي، فيأخذ بيده ويشفع له حتى يدخله الجنة، فهذا يدل على أنه يشفع، وأنه فرط لأبيه، والفرط: هو السابق، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أنا فرطكم على الحوض) فالفرط: هو السابق؛ ففرطه على الجنة بمعنى: أنه يسبق أباه إلى الجنة. وأما أطفال الكفار ففيهم خلاف مشهور: فمن العلماء من قال: إنهم في النار، وهذا من أضعف الأقوال، قالوا لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه، فمآله إلى دين أبيه). أطفال الكفار لهم حالتان: الحالة الأولى: أن يكونوا دون البلوغ وهم أحياء، فهؤلاء حكمهم حكم آبائهم، فأنت لو دخلت بلاد كفار وعندهم أطفال، فالأصل في هذا الطفل أنه يعامل معاملة أبيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يهودانه أو يمجسانه) والعلماء يقولون: هذا من باب التقدير، وقد أشار إلى هذه القاعدة العز بن عبد السلام رحمه الله في كتابه النفيس "قواعد الأحكام" قال: التقدير يكون بتقدير المعدوم مكان الموجود، وينزل منزلة الموجود، والموجود مكان المعدوم، وهذا له نظائر. فتقدير المعدوم مكان الموجود من أمثلته أطفال الكفار، فإنهم في الحقيقة لم يكفروا؛ فقُدّر المعدوم فيهم وهو الكفر ونزّل منزلة الموجود، فهذا من تقدير المعدومات؛ لأن أطفال الكفار لا بد فيهم من حكم؛ ولذلك حكم سعد رضي الله عنه في أولاد يهود بني قريظة أن تسبى ذراريهم، فجعل السبي على الذراري؛ وذلك بإلحاق الأطفال بآبائهم، وهذا من حكم الشريعة؛ لأنه لابد للشريعة أن يكون لها حكم للصغير والكبير. فلو أن صبياً أبواه كافران فجئت به لكي يصلي معك: هل تصح صلاته أم لا؟ إن قلت: إنه على الأصل والفطرة، فقد صح أن يصلي معك وانعقدت صلاته، ولكن إذا كان على الكفر ولم يعلم الإسلام ولم يشهد؛ فإننا نقول: إنه على الأصل وآخذ حكم والديه. وهكذا في الجزية وأحكامها، فكلها مسائل تتفرع على الحكم بأنهم تبعٌ لآبائهم؛ للنص الذي يقول: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) ولما حكم سعد رضي الله عنه في ذراري اليهود أن يسبوا، وعاملهم معاملة آبائهم الذين كانوا على الكفر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الجبار من فوق سبع سماوات) فقُدّر المعدوم -وهو الكفر- بمنزلة الموجود. ومن تقدير المعدوم بمنزلة الموجود: إذا نام المؤمن فإنه ليس في حالة إيمان؛ لأنه ليس معه عقل ولا معه إدراك، فتقول: يقدر المعدوم موجوداً ونحكم بكونه مؤمناً، وهكذا لو كان مؤمناً ثم جنّ فإننا نقول: إنه مؤمن؛ استصحاباً للأصل، فقدر المعدوم بمنزلة الموجود، وهكذا في أطفال الكفار قدّر المعدوم موجوداً، وهكذا أطفال المسلمين يقدر المعدوم -وهو الإسلام- موجوداً بالتبعية. فعلى القول بأنهم كفار لا إشكال أنه لا يصلى عليهم، ولا يأخذون الأحكام الشرعية، وحكمهم حكم آبائهم إذا ماتوا. القول الثاني: أنهم على الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل مولود يولد على الفطرة) وهذا القول من القوة بمكان، فالأصل فيهم الإسلام من حيث الحكم في الآخرة؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يعذب بدون أن يكون هناك عمل من العامل يقتضي تعذيبه كما دلت النصوص من الكتاب والسنة: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء:15] أي: حتى تقام الحجة، فالأصل في هذا الولد أنه على الإسلام لقوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولودٍ يولد على الفطرة) فجعل قوله: (فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) بعد عقله وإدراكه، ومن هنا يقولون: إن الأصل فيه الإسلام. وهناك قولٌ ثالث: أنهم خدم المؤمنين في الجنة. وهناك: من توقف فيهم فقال: لا يحكم لهم بإسلامٍ ولا كفر، ولكل هذه الأقوال وجه، فكما ترون كلٌ منهم يتمسك بأصلٍ يدلّ على قوله. فإذا قلنا: إن أطفال الكفار مسلمون؛ فحينئذٍ لو أُسقط أو توفي وهو صغير فإنه يصلى ويعامل معاملة المسلم، وهكذا لو أن نصرانيةً توفيت وفي بطنها جنين، فإنه يجعل وجهها لغير القبلة وظهرها إلى القبلة؛ لأن الجنين يكون وجهه إلى ظهره أمه، فتحول أمه عن القبلة ليتوجه إليها هو، فينزل بمنزلة الأصل ويعامل بهذه المعاملة. قال بعض العلماء: إن أطفال الكفار الله أعلم بما يكون منهم من الخير والشر، واحتجوا لذلك بما ثبت بظاهر القرآن، وذلك بقوله سبحانه وتعالى: {وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا} [الكهف:80] فأخبر سبحانه وتعالى أن مآله سيكون إلى الأذية والضرر والكفر والبغي، ومن هنا قالوا: إنه لا يمتنع أن يكون حاله إلى خيرٍ أو شر، وعلى ذلك قرروا أن يتوقف في الحكم عليه لاحتمال أن يكون شقياً أو سعيداً. والصحيح: أن الطفل لا بد من الحكم عليه إما بخيرٍ أو شر، أو الحكم عليه بإيمانٍ أو كفر؛ لأن النص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حديث عبد الله بن مسعود: (أنه يؤمر الملك بكتابة أربع كلمات)، وهذا دليل على أنه لا يخرج مولود من بطن أمه بعد نفخ الروح فيه إلا وقد كتبه سعيداً أو شقياً، وبناءً على ذلك: كونه يموت قبل البلوغ لا يمنع من الحكم عليه بالسعادة أو الشقاء؛ لأن الله أعلم بما يكون إليه أمره من سعادةٍ أو شقاء. وجعل بعض العلماء الصغار في حكم الممتحنين، وإن كان الأصل في ذلك أنه لأهل الفترة ومن في حكمهم كالمجانين والذين لم تبلغهم الدعوة، فإن الله يمتحنهم، والامتحان كما ثبت في الحديث الصحيح أنه عليه الصلاة والسلام قال: (إنهم يحتجون على الله عز وجل، فيأمر الله عز وجل بعنق من نار، ويقول لهم: ادخلوه. فمن دخل الموضع -وهو العنق من النار- قلبه الله عليه جنة ونعيماً، ومن امتنع وتلكأ يقول الله تعالى له: ها قد عصيتم، كيف لو جاءتكم رسلي؟! فترسل عليهم النار فيعذبون بها) فالله أعلم بما يكون من مآلهم.
الوقوف قليلا بعد التكبيرة الرابعة ثم التسليم
الوقوف قليلاً بعد التكبيرة الرابعة ثم التسليم وقوله: [ويقف بعد الرابعة قليلاً]. أي: بعد التكبيرة الرابعة يقف قليلاً، وهي السنة، وقال بعض العلماء: كان بعض الصحابة يفهم من هذا أن وقوفه عليه الصلاة والسلام قليلاً بعد الرابعة لأجل أن يسمع التكبير منه عليه الصلاة والسلام، ولكي إذا انتهوا من التكبير سلّم صلوات الله وسلامه عليه، وهي التكبيرة الأخيرة، ومن هنا قالوا بعدم الدعاء بعدها. وقوله: [ويسلم واحدة عن يمينه]. وهي السنة: أن يسلم ويخرج الإنسان من الصلاة بالتسليمة الأولى، وقد ذكرنا أحكام التسليم في الصلاة مبسوطاً. وقوله: [ويرفع يديه مع كل تكبيرةٍ]. في هذه المسألة قولان للعلماء: منهم من يقول: يرفع يديه في جميع التكبيرات، وهو مذهب الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع. ومنهم من يقول: إنه لا يرفع إلا في تكبيرة الإحرام، وهو مذهب المالكية والحنفية رحمة الله على الجميع. والأقوى: أنه لا يرفع؛ لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح أنه رفع يديه بالتكبير على الجنازة؛ ولكن لو رفع الإنسان تأسياً بـ ابن عمر، أو قوي عنده أن ابن عمر وهو المعروف بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم وعدم مخالفته فرفع يديه؛ لأنه يعتقد أن ابن عمر لا يفعلها في الغالب إلا وله أصل، فلا حرج عليه في ذلك، فلا ينكر على من رفع ولا ينكر على من لم يرفع، وكلٌ على سنةٍ وخير.
الأسئلة
الأسئلة
حكم صلاة النساء على الجنازة
حكم صلاة النساء على الجنازة Q إذا أراد نساء من أهل الميت أن يصلين على ميتهن قبل خروجه إلى المصلى، فهل يجوز ذلك؟ A لا حرج في صلاتهن على الميت إذا كُنّ في الدار، ولكنه لم يجر عليه فعل السلف، والأولى تركه، أما من حيث الأصل من جواز صلاة النساء والرجال على الجنازة فلا حرج فيه والله تعالى أعلم.
مكان وقوف الإمام للصلاة على الطفل
مكان وقوف الإمام للصلاة على الطفل Q أين يقف الإمام بالنسبة للطفل؟ A بالنسبة للطفل قالوا: له حكم الرجل إذا كان ذكراً، وحكم الأنثى إن كانت طفلة، ولكن المعروف أن الأطفال فيهم من ضيق الحجم ما ليس في الكبار؛ ولذلك أمرهم أوسع من أمر الكبار.
باب الصلاة على الميت [2]
شرح زاد المستقنع - باب الصلاة على الميت [2] الصلاة على الجنائز فرض كفاية، ولها أركان، وتتعلق بها مستحبات وأحكام، وللعلماء رحمهم الله خلاف في الصلاة على الغائب، والصلاة على القبر، وكذا في الصلاة على أصحاب الكبائر. وفي هذه المادة ذكر الشيخ ما يتعلق بذلك مدعماً بالأدلة، مرجحاً للصحيح من الأقوال.
واجبات صلاة الجنازة
واجبات صلاة الجنازة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد: قوله رحمه الله: [وواجباتها: قيامٌ وتكبيرات أربع]. (قيامٌ مع القدرة وتكبيرات أربع): أما القيام فلأصل الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء صلاته: (صلِّ قائماً) فالأصل: أن يصلي الإنسان قائماً. وقال بعض العلماء: صلاة الجنازة من النوافل؛ ولذلك لو صلى الإنسان فإنه يصلي نافلة، فيجوز له أن يصلي وهو قاعد، وهذا القول لم يخل من نظر؛ لأننا قلنا إن ظاهر قوله: (صلوا على صاحبكم) يقتضي الوجوب، لأنه أمر، والأمر يدل على الوجوب ما لم يصرفه الصارف، ولا صارف. وقوله: [وتكبيرات أربع]: وهي واجبة، فإذا ترك التكبيرات الأربع لم تصح صلاته إذا تركها عمداً، وإذا نسي ومن عادته أن يكبر أربعاً فكبر ثلاثاً ونسي الرابعة وسلم، فللعلماء وجهان: منهم من يقول: يبادر بسجود السهو، ومنهم من يقول: صلاة الجنازة لا سهو فيها، أي: لا يسجد فيها لسجود السهو. وقوله: [والفاتحة]: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب). وقوله: [والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم]: أي: إعمالاً للأصل في الصلاة، وقد تكلمنا على مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة والتشهد، وبينا هناك أرجح الأقوال من العلماء.
الدعاء للميت من واجبات صلاة الجنازة
الدعاء للميت من واجبات صلاة الجنازة وقوله: [ودعوة للميت]. هذا مذهب من يقول بالتنويع في الدعاء، لأن المقصود من الصلاة عليه الدعاء؛ ولذلك إذا وجبت الصلاة وجب الدعاء؛ لأنه المقصود من الصلاة وهو المعتبر، وعلى هذا قالوا: يجب أن يدعو للميت. والذين يقولون بعدم وجوب الفاتحة يقولون: إنه يدعو أقل الدعاء، يعني يدعو بأقل ما يسمى دعاءً، فلو قال: اللهم اغفر له، وكبر وسلم؛ صح، ولو قال: اللهم ارحمه، وكبر وسلم؛ صح، ولكن ينبغي أن يجتهد في الدعاء؛ لأن السنة أن يدعو ويجتهد، وأن يكون الدعاء مصحوباً بالإخلاص؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى على الميت أن يخلص في الدعاء. ومن الأسباب التي تعين على الإخلاص في الدعاء للميت: تنزيل الإنسان نفسه منزلة الميت، وكذلك رؤية حال الميت وما هو عليه من الإقبال على الآخرة وافتقاره؛ فإن هذا يعين الإنسان على الشفقة عليه والرحمة به. ومما يعين: تذكرك أن الله سبحانه وتعالى يجزي المحسن بإحسان، فكما أخلصت الدعاء لأخيك في هذه الحالة فإن الله سيقيض لك من يخلص لك الدعاء إذا ما مت غداً. إذا علمت أنك إن أخلصت لأخيك المسلم في الدعاء فإن الله سيسخر لك من يخلص لك في الدعاء، فإن ذلك أدعى أن تدعو له، وهذه من الأمور التي تعين على الإخلاص في الدعاء وكثرة الدعاء لموتى المسلمين والترحم عليهم، وذلك أن الإنسان إذا تذكر أنه سيئول إلى مآلهم، وأن الله سيجزيه ويشكر له إحسانه، ويقيض له من يدعو له ويستغفر له ويترحم عليه كما ترحم على أموات المسلمين؛ فإن هذا يدعو إلى كثرة الترحم عليهم والدعاء لهم سواء في الصلاة عليهم أو في غيرها. ولذلك ينبغي على الإنسان ألا ينسى هذا الفضل، وهو أنه يقيض له من يفعل به مثل ما فعل بإخوانه؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً: {إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:30] فهو يجزيك في الدنيا والآخرة، فإنك إن أحسنت لإخوانك المسلمين بدعائك لهم حياً سيحسن الله لك بإحسان إخوانك إليك -أيضاً- في حال موتك. والعكس بالعكس: فإذا أصبحت صلاة الموتى شيئاً يغفل الإنسان عن معناه وعن مقصوده، ويدعو وهو غافل ساه لاهٍ؛ فإنه أحرى إذا صُلي عليه أن يصرف الله القلوب فلا تخلص له في الدعاء، فمثلما كان يقف على إخوانه المسلمين خاوي القلب ساهياً لاهياً يفكر في أمور الدنيا بعيداً عن الترحم عليهم والشفقة عليهم، والنظر إلى حالهم وهم في هذه الحالة أفقر ما يكونون إلى دعوة صالحة منه؛ فإن الله يقيض له أن يفعل به مثلما فعل بإخوانه، فإن الله سبحانه وتعالى يجزي الإنسان على قدر ما يكون منه من العمل. وينبغي للإنسان إذا مر على القبور أن يخلص في الدعاء لأهلها، وإذا ذكر أموات المسلمين خاصةً العلماء، فلا يقل: قال العلماء فقط، وإنما يقول: قال أهل العلم رحمهم الله. وإذا ذكر ميتاً من أهل العلم قال: قال العالم فلان رحمه الله. تصور إذا قلت: قال الحنفية رحمهم الله أو المالكية رحمهم الله أو الشافعية رحمهم الله، أو قلت: قال أهل الحديث رحمهم الله، أو أهل العلم رحمهم الله؛ يكون في ميزان حسناتك ملايين الحسنات؛ لأنك تترحم على أمم لا يعلم عددها إلا الله سبحانه وتعالى. فكيف إذا أمسيت وأصبحت وأنت تقول: رب اغفر لي وللمؤمنين والمؤمنات، كيف إذا أمسيت وأصبحت وأنت تذكر أموات المسلمين وأحياءهم بالرحمة، كم لك من الأجور! وكم من الرحمات ستغشاك إما عاجلاً أو آجلاً! ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الراحمون يرحمهم الله) فهذا من رحمة المسلم بأخيه المسلم، وأما الغفلة عن حقوق الأموات والدعاء لهم والترحم عليهم فسيبتلى صاحبها بمثلها، نسأل الله العظيم أن يعصمنا من الزلل. وقوله: [والسلام]. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) فالتسليم منها واجب للخروج منها، أي: الخروج من حرمتها، فيسلم تسليمةً واحدة يخرج منها.
حكم من فاته شيء من التكبيرات
حكم من فاته شيء من التكبيرات وقوله: [ومن فاته شيءٌ من التكبير قضاه على صفته]. هذه المسألة تأتي على صورتين: إما أن تكون الجنازة موجودة، وإما أن تحمل مباشرة وترفع؛ فإن كانت الجنازة باقية قضيت ما فاتك من الدعاء والأذكار، وللعلماء وجهان: بعضهم يقول: إذا دخلت في صلاة الجنازة تبدأ بصلاتك مرتبة. وبناءً على هذا القول: لو دخلت والإمام يدعو فإنك تقرأ الفاتحة، وكذلك لو دخلت وهو في التكبيرة الثانية أو وهو يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فإنك تقرأ الفاتحة، فحينئذٍ يرون أنه يعتد بصلاته مبتدئاً، بحيث إذا صار في آخر الصلاة صار إلى الدعاء. ومنهم من يقول: يدخل مع الإمام حيث كان، وهو أقوى، وهذه المسألة لها نظائر، منها: لو دخلت في صلاة ما فأدركت الركعة الأخيرة أو الركعتين الأخيرتين من الظهر فصليت وراء الإمام، فهل تقرأ الفاتحة وسورة بعدها؟ لأن السنة في صلاة الظهر أن تقرأ بعد الفاتحة سورة أما في صلاة العصر فلم يرد نص، وإن كان بعض الفقهاء قال: تقرأ سورة بعد الفاتحة، لكن الأفضل التأسي بقراءة الفاتحة وحدها. وهل العبرة بك أم بالإمام؟ فإن قلنا: العبرة بك، فإنك تقرأ الفاتحة وسورة بعدها؛ لأنها أول صلاتك، فإذا جلست للتشهد فإنك تتشهد التشهد الأول والإمام يتشهد التشهد الأخير، ولا تزيد في تشهدك على الصفة الواردة في التشهد الأول. والقول الثاني وهو الأقوى والأصح: أنك تعتد بحالتك كحالة الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما جعل الإمام ليؤتم به)، ويتفرع على هذا العمل في الأفعال كما في الأقوال، فلو أنك دخلت وراء الإمام -مثلاً- في صلاة المغرب، وهو في التشهد الأول، فقام إلى الركعة الثالثة، فعند ذلك سيرفع يديه -لأنه سيقوم إلى الثالثة- فهل ترفع يديك أم لا؟ قالوا: لا ترفع يديك إذا كنت تعتد بحالك، وترفع يديك إذا كنت تابعاً للإمام، وهو الأقوى والأصح، أنك إذا كنت وراء الإمام فعليك أن تعتد بحاله، لقوله: (إنما جُعِل الإمام ليؤتم به) قولاً وفعلاً، فعلى هذا القول تقرأ التشهد كاملاً، وتدعو وتستغفر كأنك في آخر الصلاة، حتى إذا ما سلم قمت لتتم ما فاتك من الصلاة، فأنت وراءه في ركنه متابعةً، وأنت منفردٌ مستقل إذا سلم الإمام وانفصلت عنه. أما بالنسبة لمن فاتته تكبيرة الجنائز: فإذا فاتتك التكبيرة على الجنازة فتنظر: إذا كانت الجنازة تترك قليلاً قضيت ما فاتك فتدعو وتترحم على الميت، وأما إذا رفعت مباشرة فعليك أن توالي بين التكبير ولا تدعو، فلو فاتتك تكبيرتان وقال الإمام: السلام عليكم، فقل حينئذٍ: (الله أكبر، الله أكبر، السلام عليكم). فهذا يعتبر من التأسي بالنسبة لحال الصفة في الصلاة، فإن الصلاة لا تصلى إلا على الجنازة الحاضرة ولا يصلى عليها قبل حضورها، فكما أنك لا تصلي على الجنازة قبل أن توضع، فلا تصلي عليها بعد أن ترفع. ومن هنا فالجماهير على أنك لا تقول الأذكار إذا رفعت مباشرة، وفرق بعض العلماء بين أن ترفع وتبقى تجاهك، وبين أن ترفع وتتوارى عنك، وهذا التفريق ذكره القرافي رحمه الله في "الفروق"، وفي "الذخيرة" وغيره من العلماء رحمة الله عليهم، لكن لا أحفظ له دليلاً؛ لكن كأنه يرى أنك إذا كنت ترى الجنازة أمامك ولو كانت خارجة كأنها أمامك، ولكن القول لا يخلو من نظر، ولكن الأقوى أنها إذا رفعت أنه لا يصلى عليها، كما أنها قبل أن توضع لا يصلى عليها والله تعالى أعلم.
حكم الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت
حكم الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت يقول المصنف رحمة الله: [ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر]. بعد أن بين المصنف رحمه الله صفة الصلاة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، شرع رحمه الله في بيان حكم من فاتته الصلاة على الميت في المسجد، فقال رحمه الله: (ومن فاتته الصلاة عليه صلى على القبر إلى شهر). وهذه المسألة اختلف العلماء رحمهم الله فيها، هل يشرع له ذلك أو لا يشرع؟ ولها نظائر، منها: لو كان الإنسان مسافراً، ثم قدم بعد وفاة قريب له أو إنسان يعرفه، وأحب أن يصلي عليه بعد دفنه، فهل يشرع ذلك أو لا يشرع؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: يشرع لمن فاتته الصلاة على الميت أن يصلي على قبره. وهذا القول يقول به فقهاء الشافعية والحنابلة رحمة الله على الجميع، وهو مروي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فروي عن علي وعبد الله بن عمر وأبي موسى الأشعري رضي الله عن الجميع. القول الثاني: لا تشرع الصلاة على القبر، وإنما تختص الصلاة بالصفة المعهودة التي تكون قبل دفن الميت، ولا يشرع لأحدٍ أن يصليها على أحدٍ بعد قبره إلا في حالة ما إذا لم يصل عليه، وهذا هو مذهب الحنفية والمالكية رحمة الله على الجميع. فتحصل معنا أن العلماء -رحمهم الله- ينقسمون إلى طائفتين: طائفةٌ تجيز الصلاة، وطائفة تمنع، ومن الذين يمنعون من يستثني حالة ما إذا لم يصل على الميت، فيجيز الصلاة على الميت إذا لم يصل عليه. وبناءً على ذلك يكون محل الخلاف إذا صُليّ عليه قبل دفنه، أما إذا لم يصل عليه قبل دفنه فكلهم يقولون بجواز الصلاة عليه بعد قبره. أما بالنسبة للأدلة فقد استدل الذين قالوا بجواز الصلاة على الميت بعد دفنه، بحديث المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد -تنظفه وتكنسه- فإنها توفيت في الليل، ولم يُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بها، ثم إنه افتقدها صلوات الله وسلامه عليه، فسأل عنها رضي الله عنها، وكانت تسمى أم محجن، ثم إنه لما أخبر عليه الصلاة والسلام أنها توفيت، وأنهم صلوا عليها بالليل، قال: هلا آذنتموني؟! ثم انطلق إلى قبرها وقال: دلوني على قبرها، فدلّ صلوات الله وسلامه عليه على قبرها، فقام على قبرها وصلى. في هذا الحديث دليل على مشروعية الصلاة على الميت بعد دفنه، فأصحاب هذا القول يقولون: لو كانت الصلاة على الميت بعد دفنه ممنوعة لما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، واستدلوا كذلك بحديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على أم سعد، وذلك أنه قدم المدينة بعد وفاتها فقام على قبرها وصلى عليها رضي الله عنها وأرضاها، قالوا: فبهذه النصوص يتبين أنه يشرع أن يصلى على الميت بعد دفنه. وهناك حديث ثالث أشار إليه البخاري رحمه الله، وهو حديث عبد الله بن عباس، وقد قيل إنه في الأصل حديث طلحة بن البراء رضي الله عنه وأرضاه، وقد كان بقباء، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد زاره وهو مريض، فقال لأهله: (ما أظن طلحة إلا قد نزل به الموت، فإذا مات فآذنوني) يعني: أعلموني- فلما ذهب عليه الصلاة والسلام قال طلحة رضي الله عنه لأهله: إذا أنا متّ فلا تؤذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني أخاف عليه اليهود أن يمسوه بسوءٍ، ففعل أهله ما أمرهم به، فلم يخبروا النبي صلى الله عليه وسلم، فأُخبِر صلوات الله وسلامه عليه بعد دفنه، فذهب إلى قبره فقام عليه ودعا، حتى جاء في دعائه: (اللهم الق طلحة، تضحك إليه ويضحك إليك). فحمل بعض العلماء حديث ابن عباس في الصحيح: (أن النبي صلى الله عليه وسلم: صلى على قبرٍ بعدما دفن) وفي روايةٍ: (على قبرٍ منبوت) -وهي الرواية المرسلة التي أشار إليها البخاري في صحيحه- على قصة طلحة، وقالوا: إن هذا يدل على مشروعية الصلاة على الميت بعد قبره، وبمجموع هذه الأحاديث يقول هؤلاء العلماء رحمةُ الله عليهم: إنه لا حرج إذا جئت بعد الصلاة على الميت أن تقوم على قبره وتصلي عليه. وذهب الحنفية والمالكية إلى عدم مشروعية الصلاة على القبر، وأن من خصوصياته عليه الصلاة والسلام: أن يصلي على الميت على قبره بعد دفنه إذا صُليّ عليه، واحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلى على المرأة التي كانت تقم المسجد قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) قالوا: فهذا نص من لفظه عليه الصلاة والسلام يفسر ما كان من فعله، ويدل دلالة واضحة على معنى الخصوصية؛ قالوا: ولذلك ما وقع منه صلى الله عليه وسلم هذا إلا في أحوالٍ مخصوصة، فصلى على أم سعد، تطييباً لخاطر سعد وذلك لمكان سعد وعظيم بلائه في الإسلام، كما صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي سلول تطييباً لخاطر ابنه عبد الله، وكما فعل في المرأة التي كانت تقم المسجد، ومع هذا قال: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم). فكأن النبي صلى الله عليه وسلم له خصوصية الصلاة، فكانت إعادة الصلاة منه عليه الصلاة والسلام لمعنىً يختص به، لا يشاركه فيه غيره من الصحابة، وقالوا: إن ما سبق في الحديث يؤكد هذه الخصوصية. ولكلا القولين وجهه، وإن كان التعليل الذي ذكره أصحاب القول الثاني من القوة بمكان، خاصةً وأنه لم يقع إلا في الأفراد، وهذا من كلامه عليه الصلاة والسلام الذي يدل دلالة واضحة على التخصيص؛ فإن قوله: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) نصٌ صحيح وصريح، والعلة إذا جاءت منصوصة من كلامه لا بد من اعتبارها. ومن الأدلة التي تقوي القول الذي يقول بمنع الصلاة عليه: عموم النهي عن الصلاة في المقبرة، فإن الأصل عدم الصلاة في المقبرة، وذلك يشمل مطلق الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما فرق بين صلاةٍ وأخرى، ولذلك قالوا: لو فتح هذا الباب لاسترسل الناس، وأصبح كلما فاتت الصلاة على إنسان جاء ووقف على القبر وصلى، مع أن الشرع قد أعطى البديل عن ذلك، بالترحم عليه والدعاء له والاستغفار له. قالوا: فلما وجد البديل الذي لا شبهة فيه؛ فإنه يبقى على الأصل الذي يقتضي حظر الصلاة في داخل المقابر، خاصةً وأن السنة ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في المقبرة وفي الحمام. وإذا قلنا: إنه يشرع أن يصلى على الميت بعد قبره، فما هو الأمد الذي يشرع للإنسان أن يصلي في حدوده، فإذا جاوزه لم يجز له أن يصلي على الميت؟ للعلماء أقوالٌ في هذه المسألة: القول الأول: أنه إلى ثلاثة أيام، وهو وجهٌ يختاره بعض أصحاب الإمام الشافعي رحمه الله كما درج عليه الخراسانيون من أصحابه، وعليه الفتوى عندهم. والقول الثاني: أنه إلى شهر؛ وذلك على ظاهر حديث أم سعد رضي الله عنها، أنه صلى عليها بعد شهر. والقول الثالث: ما لم يتغير، فيشرع أن يصلى على الميت ما دام يغلب على الظن أنه لم يتغير وأنه باق، وهذا مبني على النظر؛ لأن الصلاة شرعت على الميت، فإذا كان موجوداً صُلّيَ عليه، وإن كان متحللاً. قد فني فإنه لا يصلى عليه كمن أكله السبع. والوجه الرابع: أنه إلى الأبد، وهذا من أضعف الأقوال عند العلماء رحمة الله عليهم.
حكم الصلاة على الغائب
حكم الصلاة على الغائب قال المصنف رحمه الله: [وعلى غائب بالنية إلى شهر]. (وعلى غائبٍ) أي: يشرع أن يصلى على الميت الغائب، والميت الغائب: هو الذي يتوفى في بلدٍ غير بلده، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يشرع لك أن تصلي عليه صلاة الغائب أو لا يشرع؟ وهذه المسألة من المسائل القديمة، والخلاف فيها مشهور، فمن أهل العلم رحمة الله عليهم من قال: لا تشرع الصلاة على الميت الغائب، وهو مذهب جمهور العلماء رحمهم الله. والقول الثاني: تشرع الصلاة على الميت الغائب، وبه يقول بعض أصحاب الإمام الشافعي وهو مذهب الحنابلة. ومن أهل العلم من توسط بين القولين، فقال: إذا كان الميت الغائب قد مات في بلدٍ لم يصل عليه فيها، كأن يموت في بلد كفار، أو كان ممن له بلاءٌ في الإسلام كالعالم العظيم الأثر، والوالي الذي عُرفَ بصلاحه وبلائه للمسلمين، فإنه يُشرع أن يُصلى عليه صلاة الغائب، وأما من عدا ذلك من أفراد الناس وآحادهم فلا يشرع أن يصلى عليهم صلاة الغائب. أما الذين قالوا بالجواز فاحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نعى النجاشي - أصحمة - رضي الله عنه وأرضاه يوم توفي، وقال: توفي اليوم عبدٌ صالح، ثم خرج صلوات الله وسلامه عليه بأصحابه وصفهم، ثم كبر وصلى عليه). قالوا: فهذه صلاةٌ على ميت غائب، لأن النجاشي توفي بالحبشة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فدل هذا على مشروعية الصلاة على الميت الغائب. والذين قالوا بالمنع قالوا: إن قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً على العموم، وهذا أصل اعتبره العلماء رحمة الله عليهم؛ لكن عندهم خلاف في تطبيق القاعدة. وقضايا الأعيان: هي الصور التي ورد الشرع بآحادها، وفُهم من الشرع قصده لهذه الآحاد، فلذلك يقولون: قضايا الأعيان لا تصلح دليلاً للعموم. وضابط هذه القاعدة: أن يكون الأصل على خلاف ما ورد به النص، فالأصل عندنا: أن الميت لا يصلى عليه إلا بحضوره، ولذلك لو غسل وكفن ولم يشهد في المسجد لم يشرع لك أن تصلي عليه، فهكذا إذا كان غائباً، قالوا: لا يصلى على ميت قبل حضوره وشهود الإنسان للصلاة عليه، وبناءً على ذلك قالوا: ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قضية أصحمة يعتبر خاصاً به. فمنهم من يقول: إنه خاص؛ لأن النجاشي كان ببلدٍ ليس فيه مسلمون، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلّى عليه، وكانت صلاته بمثابة العوض عن المسلمين الذين يصلون على الميت حال حضوره. ومنهم من يقول: إنه تخصيص لفضل هذا الرجل، وعظيم بلائه في الإسلام، ولا شك أنه رضي الله عنه وأرضاه وقف مع المسلمين موقفاً عظيماً حتى ضحى بولايته في سبيل نجاة المسلمين، وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين كانوا بالحبشة، ولذلك شُرّف بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وثنائه عليه، حتى قال: (توفي اليوم عبدٌ صالح) وهذه تزكية من النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، ويعتبر من الصحابة على مذهب من يقول: إنه لا تشترط الرؤية؛ فإنه آمن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيعتبر صحابياً من هذا الوجه، ومنهم من يقول: إنه كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يوصف بكونه صاحباً مع كونه مؤمناً به، فيلغزون به ويعنون به النجاشي رضي الله عنه وأرضاه. أما القول الثالث فقال أصحابه: الأصل أن لا يصلى على الغائب، فلما جاءت واقعة النجاشي نظرنا فيها، فوجدنا أن النجاشي فيه معان: إما أنه عظيم البلاء في الإسلام؛ فيلحق به كل من كان مثله، فتكون مشروعية الصلاة على أمثال هؤلاء ليقتدى بهم في الخير، فإذا كان عالماً فإن ذلك يدعو غيره من العلماء أن يبلوا كبلائه، وهو من باب الوفاء له لما قدم من جميل الإحسان للمسلمين، وهكذا إذا كان والياً وكان له بلاءٌ على المسلمين؛ فإنه يشحذ همة غيره من الولاة أن يسيروا بسيرته وأن يقتفوا بأثره، وهكذا إذا كان مجاهداً. فقالوا: إن أصحمة النجاشي كان ممن له فضل على المسلمين؛ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه صلاة الغائب لكي يرفع من منزلته؛ ويجل شأنه لما كان منه من نصرة الإسلام والمسلمين، فحفظ له هذا الفضل والجميل، فصلى عليه صلوات الله وسلامه عليه صلاة الغائب. ومن أهل العلم من قال: تشرع الصلاة على الميت الغائب إذا أمر بها ولي الأمر، وإذا لم يأمر بها فإنه لا يفعلها الأفراد، وهذا على ظاهر السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يصلوا عليه، فدل على أنهم إذا أُمِروا فإنه يشرع أن يصلى على الميت الغائب، ولا يشرع لآحاد الناس وكل من هب ودب أن يقوم ويصلي على الميت الغائب، هذا عند أصحاب هذا القول. وفي الحقيقة أن هذا التفصيل من القوة بمكان، فيقال: من كان عظيم البلاء في الإسلام صُلِّي عليه، أو إذا أمر ولي الأمر فيصلى عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة فصلوا. أما أن يقال: بجواز الصلاة على كل ميتٍ غائب، وكل من مات له قريب في بلد يصلي عليه، فهذا محل نظر، ألم تر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توفي أصحابٌ له في المدينة، وهو في غزواته وأسفاره، ومع ذلك ما صلى على واحد منهم صلاة الغائب، وبذلك يقوى القول: أن في النجاشي خصوصية من جهة المُصلي ومن جهة الأمر بالصلاة عليه، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصلاة عليه، أو له فضل أو له مزية؛ فإنه حينئذٍ يشرع أن يصلى عليه صلاة الغائب، وأما أن يصلى على كل غائب فهذا مرجوحٌ من جهة النظر في الأدلة. قال المصنف رحمه الله: [بالنية إلى شهرٍ]. قوله: (بالنية إلى شهر)، أي: لأن الميت الغائب ليس بحاضر، وشرط ذلك أن يكون في بلدٍ غير بلد المصلي، أما لو كان معك في نفس المدينة فإنه يشرع أن يذهب الإنسان إلى مسجده، ويُصلى عليه في مسجده الذي يصلى عليه، أما لو صلى أهل حيّ على ميتٍ في بلدهم ينوون به صلاة الغائب فإن ذلك غير مشروع.
حكم الصلاة على الغال
حكم الصلاة على الغال قال المصنف رحمه الله: [ولا يصلي الإمام على الغال]. (الإمام) يطلق بمعنيين: إما أن يقصد به الإمامة الكبرى، وهي: أن ولي أمر المسلمين لا يصلي على الغال. والغال: هو الذي غلّ من الغنيمة. والغلول: هو الأخذ من الغنيمة قبل قسمتها، ويكون أشبه بالسرقة، فيسرق من الغنيمة ويأخذ منها قبل قسمتها، وهذا هو الذي توعده الله، فقال: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران:161] فأخبر أنه يفضح على رءوس الأشهاد يوم القيامة. وأجمع العلماء على أن الغلول من الغنيمة من كبائر الذنوب التي توجب فسق صاحبها وسقوط عدالته ورد شهادته، وتوجب تعزير صاحبه، فلا يصلي الإمام العام عليه. والمعنى الثاني للإمام: الإمام الخاص، وهي التي يسميها العلماء الإمامة الصغرى، وهي إمامة الصلاة، ولا شك أن الإمام الراتب وإمام الحي ينزل منزلة الإمام العام، فإذا توفي في الحي من عُرف بفسقه وفجوره، وفيه هذا المعنى الذي هو الغلول أو ما هو مثله من المعاصي الكبيرة، فإنه لا يشرع أن يصلى عليه أهل الفضل كالعلماء ونحوهم ممن لهم فضل؛ زجراً للناس أن يكونوا على حالتهم. أما الدليل على عدم الصلاة على الغال فما ثبت في الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (أنه أتي برجل ليصلى عليه، فامتنع عليه الصلاة والسلام وقال: صلوا على صاحبكم! فتغيرت وجوه القوم، فقال: إنه غلّ، ففتش رحله فوجدت فيه خرزات من خرز اليهود) وهذا يوم خيبر، وكانت الخرز لا تساوي درهمين، فحُرِم بسببها صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ودعاؤه واستغفاره له. وقال بعض العلماء: كل من اقترف الكبائر، وكان في حكم الفساق فإنه لا يصلي عليه الإمام، وعليه بعض فقهاء الحنابلة رحمهم الله إلحاقاً له بمن غل في الغنيمة، قالوا: لأن المعنى واحد، وإن كان الأقوى أنه يصلى عليه إعمالاً للأصل، ويستثنى من ورد النص باستثنائه وهو من غل من الغنيمة ومن قتل نفسه.
حكم الصلاة على قاتل نفسه
حكم الصلاة على قاتل نفسه قال المصنف رحمه الله: [ولا على قاتل نفسه]. أي: ولا يصلى على من قتل نفسه، وهو المنتحر، وقد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في الصحيح: (أنه أتي برجل قتل نفسه بمشاقص فامتنع من الصلاة عليه، فصلى عليه الصحابة) وفي هذا دليل على أنه يترك ليصلي عليه الناس، أما الإمام -الذي هو إمام المسجد أو الإمام العام- فإنه لا يصلي عليه؛ زجراً للناس عن فعله. والقاتل لنفسه ثبت النص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يعذب بما قتل به نفسه، فقال عليه الصلاة والسلام -كما في صحيح البخاري-: (من تحسى سماً فمات منه؛ فهو في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها، ومن طعن نفسه بحديدة فمات فهو يجأها في نار جنهم خالداً مخلداً فيها، ومن صعد إلى شاهق فتردى منه فمات، فهو في نار جنهم يتردى خالداً مخلداً فيها) نسأل الله السلامة والعافية. والخلود هنا للمستحل الذي استحل هذا الفعل، ولا شك أن الإقدام على الانتحار إنما يكون لضعف الإيمان، ولذلك ينبغي للمسلم أن يسعى في زيادة إيمانه، وأن يعود نفسه كلما ضاقت عليه الدنيا أن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن كثرة الضيق وكثرة الهموم والغموم توجب على المؤمن التسلح بالتعلق بالله عز وجل أضعاف ما نزل به من البلاء، وكلما كان التجاء العبد إلى الله أصدق، ويقينه بالله سبحانه وتعالى أكمل؛ كلما كان الفرج أقرب إليه من حبل الوريد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:118] فلما بلغ الأمر مبلغه، ووصلوا إلى قوله: {وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة:118]، جاء الفرج عند قوة اليقين أنه لا ملجأ ولا منجى ولا مفر ولا مهرب من الله إلا إلى الله؛ فإن بلغ العبد هذا المبلغ فقد نعمت عينه في البلاء، وهذا هو مقام اليقين في حال الكرب. فإن الإنسان تنتابه الهموم في نفسه وأهله وماله وولده، فإذا اطرح بين يدي الله عز وجل داعياً ضارعاً شاكياً مبتهلاً متضرعاً متخشعاً فإن الله يحب منه ذلك، ولعل الله أن يجعل هذا الابتهال والتضرع سبباً في زيادة قربه منه؛ لأنه كلما ابتهل وتضرع لله سبحانه وتعالى وصدق في يقينه كلما زاد قربه من الله، وكم من إنسان نزلت به المصيبة فكانت سبباً في قربه من الله جل وعلا، وهذا الذي يسميه العلماء: تحول النقمة إلى نعمة، أي: أنها نقمة في الظاهر لكنها آلت إلى نعمة في الباطن. فينبغي على المؤمن ألا يقدم على هذه النهاية التي هي أسوء النهايات، وهي من علامات سوء الخاتمة، والله عز وجل جعل النفس أمانةً في عنق كل الإنسان، فقال الله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء:29]. يقول بعض العلماء: إن الله قال: {وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} ثم قال بعدها: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} كأنه يقول: أبشروا، مهما أصابكم من الهم والغم فإني رحيمٌ بكم، ولا يحتاج الإنسان لتفريج همه وإزالة غمه أن يقدم على تعذيب نفسه، بل عليه أن يقبل على الله سبحانه وتعالى، وأن يلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى الذي لا ملجأ للعبد ولا منجى منه إلا إليه سبحانه وتعالى، وقد ثبت في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام من دعائه عند النوم أن يقول: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك). فإذا فوّض العبد أمره إلى الله ذاق حلاوة الإيمان ولذة العبودية، وصعدت كلماته ودعواته وابتهالاته ومناداته إلى الله سبحانه وتعالى، كلمات تفتح لها أبواب السماوات؛ لأنها تخرج من قلبٍ صادق متعلق بالله جل جلاله؛ فيرحمه الله عز وجل، ولكن إذا أراد الله أن يشقي عبداً أسلمه إلى الشيطان، وأسلمه إلى سوء الظن بالرحمن، فأصبحت تضيق عليه نفسه التي بين جنبيه، فأول ما ينزل به من الكرب في نفسه وماله وولده، تضيق دائرته عليه ويتسخط على القضاء والقدر، ولربما يتسخط على ربه، ويذكر الكلمات التي لا تليق بالله سبحانه وتعالى، وأن الله ظلمه، وأن الله نكد عيشه وأن الله، وأن الله، فلا يزال ربك يضيق عليه حتى يضيق من نفسه التي بين جنبيه، فيتسلط عليه الشيطان، فيقدم على قتلها وينتحر والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية. فهذا لا يكون إلا مع ضعف الإيمان، فمن قتل نفسه وأقدم على الانتحار فإنه لا يصلى عليه؛ لكن بشرط: أن يكون إقدامه على قتل النفس والانتحار بغير عذر، أما لو انتحر بعذر كإنسان مجنون رمى نفسه من شاهق، فإنه يصلى عليه ويترحم عليه، ويدعى له، وهو على خير؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمرأة السوداء التي كانت تصرع: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يشفيك. قالت: أصبر ولي الجنة). فمثل هذا إذا ابتلي ببلاء في نفسه من سحرٍِ أو مسٍ أو جنون فانتحر؛ فإن الله عز وجل يؤجره على ما كان منه، ويغسل ويكفن ويصلى عليه ويترحم عليه، لما له من الأصل، ويكون فعله هذا معذوراً به على حاله الذي بلي به. وهكذا يقول العلماء: لو شرب المسكر غير عالم به، ثم قتل نفسه؛ فإنه لا يكون في حكم المنتحر، كإنسان أعطي شراباً يظنه عصيراً أو ماءً فشربه، فإذا به مسكر، فسكر وقتل نفسه؛ فإن مثل هذا يصلى عليه؛ لأن سكره كان بعذر، وهكذا لو خدر في جراحةٍ ونحوها، وحصل منه شيء عند زوال إدراكه وعدم وعيه حتى مات وتَلِفت نفسه؛ فإنه في هذه الحالة يعتبر معذوراً، كما لو أقدم على سل شيء من نفسه لنفسه ونحوه فمات بسبب عدم وجود النفس؛ فإنه في هذه الحالة يعذر ويصلى عليه، ويصلي عليه الإمام، ويدعى له ويستغفر له. أما بالنسبة لغير هؤلاء من عموم العصاة فللعلماء فيهم قولان: من أهل العلم من يقول: كل من ارتكب الكبائر -خاصةً من يجاهر بها- فإنه يمنع من الصلاة عليه، أي: لا يصلي عليه الإمام، أما أفراد الناس فيصلون عليه، والسبب في ذلك: أنهم مطالبون بالصلاة على الميت، إضافةً أنهم يؤجرون عليها، فلا وجه أن تحرم نفسك القيراط في الصلاة عليه. فيصلى عليه. لكن بالنسبة للإمام فلا يصلى على هؤلاء للاستثناء الذي ذكرناه، والقول: بأنه يختص بما ورد من قاتل النفس والغال من القوة بمكان، ويبقى ما عداهم على الأصل الموجب لصلاة الإمام وغيره عليهم.
حكم الصلاة على الميت
حكم الصلاة على الميت قال المصنف رحمه الله: [ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد]. (ولا بأس): أي لا حرج ولا جناح أن يصلى على الميت في المسجد، والضمير في قوله: (عليه) ليس عائداً على القاتل نفسه ولا على المنتحر، إنما هو عائد على الميت، وهي مسألة خلافية: هل يجوز أن تدخل الجنازة إلى المسجد أو لا يجوز؟ بعض العلماء يمنع من إدخال الجنائز إلى المسجد، وكان هذا القول يقول به بعض الصحابة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك لما أرادت عائشة رضي الله عنها أن تصلي على سعد -رضي الله عن الجميع- أمرت أن يدخل إلى المسجد فأنكر الناس ذلك، فقالت: (سبحان الله! سرعان ما نسي الناس، ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء إلا في المسجد). فأخذ العلماء من هذا دليلاً على أنه يجوز إدخال الجنائز إلى المساجد للصلاة عليها، وخالف في ذلك أصحاب مالك رحمة الله عليهم، ووافقهم بعض الحنفية فقالوا: لا تدخل الجنائز إلى المساجد، وإنما يكون للجنائز مصلى، وقد كان للجنائز مصلىً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا على سبيل الأفضل، وأما دخولها إلى المسجد فلا حرج فيه، وهذا الذي عناه المصنف بقوله: ولا بأس بالصلاة عليه في المسجد، أي: لا جناح ولا حرج؛ خلافاً لمن قال من أهل العلم رحمة الله عليهم: إنه لا تدخل الجنائز إلى المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل مصلى يصلى فيه على الجنائز؛ لكن الصحيح أنه لا حرج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على سهل في المسجد، وهذا حديث صحيح ثابت عنه عليه الصلاة والسلام.
تشييع الميت ودفنه
شرح زاد المستقنع - تشييع الميت ودفنه للجنائز أ؛ كام متعلقة بتشييعها وحملها، ومن ذلك: صفة المشي بها، وكيفية حملها، وما يسن في المشي بها، وما يكره أو يحرم، ونحو ذلك، وهناك أحكام متعلقة بالدفن، منها: كيفية إدخال الميت إلى القبر، وأيهما أفضل الشق أم اللحد، وغيرها من الأحكام.
صفة حمل الجنازة
صفة حمل الجنازة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: يقول رحمه الله: [فصلٌ: يُسَنُّ الترْبِيع فِي حَمْلِهِ]. في الواقع أن الحمل قد يسبق الصلاة؛ لأن الإقبال بالميت إلى المسجد يحتاج إلى حمل، وتأخير المصنف للحمل له وجه، فبعض العلماء يقدم أحكام الحمل على الصلاة، وبعضهم يؤخر أحكام الحمل عن الصلاة. فيكون وجه من قدم أحكام الصلاة على الحمل: أن الصلاة واجبة؛ فألحقت بالواجبات المتقدمة من تغسيله وتكفينه والصلاة عليه؛ فألحقت بالنظير من جهة مرتبة اللزوم. ثم الحمل بعد ذلك؛ لأنه يكون بعد الصلاة. وحمل الميت فيه فضيلة؛ وذلك أنه عملٌ يقصد به القربة، ويعتبر من الحسنات، أي: أن الإنسان يثاب إذا قصد به وجه الله عز وجل، والعلماء رحمة الله عليهم يتكلمون عليه ويبينون أحكامه؛ لورود السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحكام الميت، وكذلك الآثار عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هنا اعتنى المصنف رحمه الله ببيان هذه الأحكام والمسائل، فقال رحمه الله: (يسن التربيع في حمله).
التربيع في حمل الجنازة
التربيع في حمل الجنازة فقوله: (يسن التربيع): من المعلوم أن سرير الميت يكون على أربعة أعمدة يحمل الميت بها: عمودان في مقدمة الجنازة، وعمودان في مؤخرة سرير الجنازة؛ والأفضل والأكمل للإنسان أن يكون حمله من هذه الجهات الأربع، وفيه أثر عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ولكن فيه انقطاع، ولذلك يعتبر مرسلاً، لأن أبا عبيدة بن عبد الله لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. والتربيع: أن يبدأ بمقدمة الجنازة ويأخذ باليمين؛ لفضل اليمين وشرفها؛ وقد كان صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المؤخرة في نفس جهة اليمين، ثم بعد ذلك يرجع إلى المقدمة فيحمل بالأيسر، ثم يتأخر المؤخرة للأيسر، فيكون قد ربع. هذا هو الذي يقصده العلماء من التربيع. أي: أن يكون حمل الإنسان للجنازة من جهات السرير الأربع، ولا يقتصر على جهةٍ دون جهة؛ للحديث الذي ذكرنا، ولو صح لا شك أنه يعتبر دليلاً على الفضيلة، لكن الأمر واسع إن شاء الله تعالى، ولا حرج أن يحمل الإنسان من أي جهة، ولا شك أن أن يبدأ بجهة اليمين تأسياً بتفضيل اليمين. فإن شق عليه لمكان الزحام وضرر الناس، بحيث يصعب عليك أن تنتقل إلى جهة اليسار، أو صعب عليك أن تتقدم حتى تنال المقدمة فالأمر واسع. وقال بعض العلماء: الأفضل أن يحمل بعمودي السرير، أي: أن يكون وسطاً في مقدمة السرير، ويرون هذا في المقدمة لا في المؤخرة، وتوضيح ذلك: أنه في المقدمة يمكن أن يرى من أمامه، فيحمل بطرفي عضادتي السرير، وفي ذلك حديث وراد عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمله لـ سعد بن معاذ رضي الله عنه وأرضاه، فقالوا: إن هذا يدل على أن الأفضل أن يأخذ بهما. والذي يظهر أن الأمر واسع، خاصةً قي حال الزحام، ولأنه ربما أضر بغيره، وربما أجحف به، وربما لا يصل إلى الجهات على الطريقة التي ذكرناها إلا بأذية. أما بالنسبة للتثنية وحمل طرفي السرير من آخر السرير فهذا من الصعوبة بمكان؛ لأنه إذا حمل من مؤخرة السرير لا يأمن أن يطأ أحداً أمامه أو يؤذيه، وربما تكون هناك حفرة أو يكون هناك شيء لا ينتبه له؛ لأنه لا يرى الذي أمامه، فضيقوا في المؤخرة، بخلاف المقدمة فإنهم وسعوا فيها وقالوا: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أثر في المقدمة. يفرق بين التربيع وبين التثنية: أن التثنية تكون من مقدمة السرير دون المؤخرة، وأما التربيع فإنه لابد فيه أن يكون من الأربع الجهات. وفي التثنية لا يشترط أن يضع طرفي السرير على كتفيه، بمعنى: أن يجعل الطرف الأيمن على عاتقه الأيمن، والطرف الأيسر على عاتقه الأيسر، إنما يعتبر أن يحمل، فإذا حصل الحمل فهو المقصود؛ لأنه في بعض الأحيان لا يتيسر لك إذا كان طرفا السرير متباعدين، فإن تيسر ذلك كما إذا كان للسرير حمالات ونحوها، فيمكن أن يضعهما على كتفيه؛ لكن هذا أمرٌ من الصعوبة بمكان، فيما لو كان السرير من الخشب كما هو موجود في حالنا ليوم، فحينئذٍ يخرج بطرفي السرير بيديه كأنه حامل، وينبغي عليه أن لا يؤذي الناس.
التداول في حمل الجنازة
التداول في حمل الجنازة وهناك مسألة وهي: لو أنك حملت على طرفي السرير، وجاء رجلٌ لكي يحل محلك، فهل تبتعد تمكيناً له من الفضل أو تصر وتبقى؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: كان بعض مشايخنا يقول: تبقى؛ لأنه لا إيثار في القربات، فتبقى ممسكاً به لفضيلة الحمل، ولا تتركه لغيرك حتى تعيا، أو لا تستطيع أن تقوى؛ فحينئذٍ تترك لغيرك؛ فيرون أن الأفضل أن يتمسك الإنسان به حتى يصيب أكثر الأجر ولا يؤثر غيره بالفضل. ومن هنا قالوا: لا يجوز أن يقوم الإنسان من الصف الأول إلى الصف الثاني ولو لكبير سن؛ واختلفوا في الوالد، وإن كان الأقوى والأصح أنه يجوز أن تتأخر لوالدك؛ لأنك إذا تأخرت نلت مرتبة البر، وهي أفضل، وهذا له وجه، يعني يستثنى في الإيثار في القرب والطاعات أن يكون فيه بر للوالد. فهنا: لو كان إنسان له حق عليك كالعم والخال ونحوه ممن له حق القرابة، فيمكن أن تؤثر لمكان صلة الرحم، وأما غيرهم من عامة الناس فلا، فيصبح الأمر أشد إذا كان المحمول والداً أو قريباً، فيكون من البر أن تصر على البقاء ما لم تضعف، فيكون فيه الوجهان: كونه من بالغ البر، وكونه أيضاً يحصل عظيم الأجر؛ فيبقى قدر استطاعته في ذلك المكان ولو زاحمه غيره فيه؛ تحصيلاً لهذا الأجر والثواب. قوله: [ويباح بين العمودين]. فيه ما ذكرناه من حديث سعد.
صفة المشي بالجنازة
صفة المشي بالجنازة قال المصنف رحمه الله: [ويسن الإسراع بها].
الإسراع بالجنازة
الإسراع بالجنازة يعني: بالجنازة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أسرعوا بالجنازة) وهو حديث تكلم العلماء في سنده، وفيه مسائل: الأولى: أن قوله: (أسرعوا بالجنازة) فيه دليل على أن السنة أن يكون المشي بها رملاً وإسراعاً، وهذا هو الأفضل، وقد جاء حديث آخر صحيح يدل على أن الصحابة كانوا يرملون بالجنائز، وهذا أفضل من المشي. وفيه دليل على خطأ بعض العامة الذين ينكرون على الناس إذا أسرعوا بالجنازة. وفيه أنه يرمل بها تحصيلاً لفضيلة ما ذكرناه من التأسي وإصابة السنة. والمسالة الثانية: أن السنة ألا تبقى الجنازة وأن يبادر بها، ولذلك لا تؤخر إلا لأمر ضروري، أو وجود ما يدل على استثناء شرعي يجيز لنا أن نؤخر الجنازة، وإلا فالأصل أن يبادر بها، ولا يجوز للأهل أن يؤخروا الجنازة إلا لوجود عذرٍ شرعي؛ لأنه أُمِر بالإسراع بها. فقوله: (أسرعوا بالجنازة) يشمل الإسراع في تغسيله، بمعنى أن نهيئ تغسيله في أقرب وقت، وليس المراد أن نعجل أثناء التغسيل؛ لأنه ربما إذا عجل أثناء التغسيل أضاع حقوقاً واجبة، وإنما المراد أن يسرع بالتغسيل. ويشمل الإسراع في تكفينه، فلا يتركه بعد تغسيله ممدداً في الفناء، بل يعاجل بتكفينه، ثم يسرع في حمله ثم الصلاة عليه، ثم يسرع في دفنه، فهذا معنى الإسراع بالجنازة. والمراد بالإسراع في الحديث إسراع المشي؛ لأنه هو السنة، ولأن الجنازة إذا كانت صالحة تقول: قدموني، قدموني. وهذا ثابتٌ في الصحيح، فكأننا إذا أسرعنا بالجنازة حققنا مقصود الشرع، وأرفقنا بالميت إن كان صالحاً. وإذا كان حديث: (أسرعوا بالجنازة) ضعيفاً، فإننا نقول: إن حديث الصحيحين (قدموني، قدموني) يدل على مشروعية الإسراع بالجنازة؛ لأنه يحقق مقصود الشرع من التعجيل بها، ولم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى إلا لشرف تقديم المسلم من الأحياء على قبره والعجلة في ذلك.
موقع المشاة والركبان من الجنازة
موقع المشاة والركبان من الجنازة قال المصنف رحمه الله: [وكون المشاة أمامها والركبان خلفها]. قوله: (وكون المشاة أمامها) السنة أن يُمشى أمام الجنازة، وأن يكون الركبان وراءها، وفي ذلك الحديث المشهور عن ابن مسعود رضي الله عنه. ويقولون: إن الركبان يكونون في الخلف حتى لا يؤذى الناس؛ لأنهم إذا كانوا في الأمام أضروا بالناس وأجحفوا بهم، وفي حكم الركبان المركبات الموجودة الآن كالسيارات ونحوها؛ لأنها إذا كانت في الأمام ربما عطلت الجنازة عن المضي؛ فتكون في الخلف ليمكن المشي بالجنازة؛ وهو الأفضل. فإذا كانت الجنازة محمولة في المركبات كالسيارات ونحوها فحينئذٍ لا إشكال فإن الحكم أن يكونوا وراءها، لأنه لا يتيسر للمشاة أن يرافقوها، وإنما يكونون وراءها، ثم يبادر بها على الصفة المعهودة الآن. قال: [ويكره جلوس تابعيها حتى توضع]. فقد ثبت في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس حتى توضع، وهناك روايتان: رواية: حتى توضع على الأرض، ورواية: حتى توضع في القبر، فإذا خرجت في تشييع جنازة ودخلت المقبرة ثم وضع السرير، فعلى الرواية الأولى بل والثانية لا يجوز لك أن تجلس حتى يوضع السرير، وعلى الرواية الثانية: حتى ينزل الميت إلى القبر. والأقوى: أنه لا يجوز حتى توضع على الأرض؛ لأن رواية (على الأرض) أقوى من رواية (في القبر) ولأنه ثبت في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وهو حديث مشهور: (إن العبد المؤمن إذا احتضر حضرته ملائكةٌ بيض الوجوه معهم كفن من الجنة ... ) إلى آخر الحديث. في هذا الحديث يقول البراء: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة أنصاري، فجلس عليه الصلاة والسلام وجلسنا حوله حتى يلحد له) أي: حتى يحفر القبر ويلحد، فدل على جلوس النبي صلى الله عليه وسلم قبل وضع الرجل في قبره، وهذا يدل على أنه يشرع أن يجلس من شيع الجنازة قبل أن يوضع الميت في القبر، فإذا وضعت على الأرض جاز لك أن تجلس.
حكم تسجية قبر المرأة والرجل
حكم تسجية قبر المرأة والرجل قال: [ويسجى قبر امرأة فقط]. أي: لأنه أمكن للستر، وأثر ذلك عن بعض أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وأنكر بعض الصحابة تغطية القبر للرجال. والتسجية: أن يؤخذ بغطاء الجنازة أو يؤخذ لحاف ثم يوضع فوق القبر، أي: يغطى أثناء عمل الملحد للميت وقيامه على شأنه. فالتسجية: أن يغطى القبر. والتسجية تكون على حالتين: الحالة الأولى: أن تكون للنساء، فالمرأة إذا دُليت في قبرها شرع أن تغطى؛ لأنه أدعى لسترها وحفظ عورتها، لأنها وإن كانت ملفوفة في كفنها لكن جرمها وجسمها واضح أمام الناس من جهة تقاطيع الجسم، خاصةً في الأكفان؛ ولذلك تدلى حتى ولو وضعت في سرير حتى يكون أبلغ في سترها، وأبعد عن الفتنة بها، فتدلى في القبر ويسجى القبر، أي: يغطى ويترك بقدر الهوي ونحوه، فيوضع الساتر ويمسك الناس بأطرافه، ولا حاجة أن ينظروا إليها أثناء وضعها في لحدها. الحالة الثانية: أن يسجى القبر لشدة الحر والظهيرة ونحوها في الرجال، أي: إذا وُجِد الموجب في الرجال، فإذا كان في شدة ظهيرة أو كان المطر نازلاً وأريد تسجية الميت، فإنها ليست لستر العورة وإنما هي لدفع الضرر، وحينئذٍ لا حرج أن تكون التسجية لمعنى؛ وبعض طلاب العلم لا يفرق فينكر ذلك إطلاقاً، والواقع: أن فيه تفصيلاً: فإن كانت التسجية بمعنى الرفق بمن هو داخل القبر، من دفع حر الشمس عنه، فحينئذٍ لا حرج أن يغطى، بمعنى أنه يستر حتى يقيه حر الشمس وضررها، وأما إذا كان بمعنى التسجية فإنه بدعة، وقد أنكره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: مع عهدنا ذلك إلا في النساء، فدل على أنه يشرع في النساء دون الرجال.
أفضلية اللحد على الشق
أفضلية اللحد على الشق قال المصنف رحمه الله: [واللحد أفضل من الشق]. اللحد كان في المدينة، والشق كان بمكة، وللقبر صورتان: إما أن يلحد، وهو أن يوضع الميت ويحفر له في جانب القبر. وإما أن يشق وتحفر له الحفرة في وسط القبر، فيوضع فيها على جنبه. واللحد أفضل؛ لأن الله اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم؛ فإنه لما توفي عليه الصلاة والسلام اختلف الصحابة هل يلحد له أو يشق، وكان أبو عبيدة يشق، وكان أبو طلحة يلحد، فأرسلوا إليهما فسبق الذي يلحد، فعلموا أنه اختيار الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فكان اللحد أفضل لذلك، لأنه أمكن في الستر. الشق يكون في الجدار ونحوها كالأماكن الصلبة التي يصعب فيها حفر اللحود؛ لأنه أرفق وكذلك إذا كان في كهف فيشق، فلو أن الأرض كانت جبلية وتوفي الميت، وليس هناك مكان يمكننا أن نحفره، فحينئذٍ لا حرج إذا وجد كهف أو شق في جبل -صدع- وأمكن أن يوضع ثم يرص عليه، فإنه يفعل به ذلك، ويعتبر بمثابة القبر.
مشروعية وحكمة الدفن
مشروعية وحكمة الدفن والدفن واجب ولازم، وقد شرعه الله عز وجل بكتابه وبهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، والأصل في مشروعيته من الكتاب قوله تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} [المائدة:31]. وهذه قضية قابيل وهابيل؛ فإن قابيل لما قتل أخاه هابيل، وهو أول قتلٍ من بني آدم وقع في الأرض، أرسل الله الغراب يبحث في الأرض، أي: يحفر ليدفن حاجته، كأنه يشير له إلى ما ينبغي أن يفعله لأخيه من ستر عورته، فقال: {يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي} [المائدة:31] فهذا دليلٌ على شرعية الدفن، وهي أول قضية دفن كما يقول المفسرون رحمة الله عليهم. وقال تعالى: {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:21] فدل على مشروعية القبر. وثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من هديه بالقول والفعل. ويشرع قبر الموتى سواء كانوا كفاراً أو كانوا مسلمين، فلو أن كافراً مات فإنه يشرع أن يقبر، ولا يجوز أن تترك جثته هكذا؛ لأن الله كرم بني آدم فقال سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء:70] وهذا يسميه العلماء التكريم العام الذي يشمل المسلم والكافر، فمن إكرام الله للآدمي أنه إذا مات فإنه يقبر وتحفظ عورته، بخلاف البهائم والوحوش والسباع وغيرها، فإنها تنبذ بالعراء، ومن هنا قالوا: إنه يقبر ولو كان كافراً، لكنه لا يقبر على صفة المسلم، بمعنى: أنه لا يلحد ولا يشق، وإنما يوارى، فتحفر له الحفرة ثم تواريه دون أن تراعي في ذلك شقاً ولا لحداً؛ لأنه لا كرامة له. وإنما يشرع أن يقبر الميت مسلماً كان أو كافراً، لحديث قتلى بدر، فإنه أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقليب فرموا فيه، فووريت أجسادهم، وعلى هذا لا حرج أن يوارى الكافر إذا مات، وأما المسلم فإنه يوارى بالصفة المخصوصة التي ذكرناها. وفي القبر حكمٌ عظيمة منها: أن الله سبحانه وتعالى دفع ضرر الأموات عن الأحياء؛ فإن الأحياء يستضرون برائحة الموتى، ويستضرون برؤية قراباتهم وذويهم أمواتاً أمامهم، ويحصل لهم من الهول والفاجعة ما الله به عليم، فإن بقاء الأموات فيه فزع، ورؤية الأموات تحدث في النفوس الفزع والخوف والرعب، ولربما يتنكد عيش الإنسان خاصةً إذا فقد العزيز والكريم عليه فرآه أمامه عشيةً وصباحاً، ولذلك رحم الله الناس بهذا، وجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً، فجعل الأرض ستراً لهم، وفيها أيضاً رحمة بالأموات؛ لأن عوراتهم تحفظ وسوآتهم تصان، عندما ينزلون في القبور. والأصل أن الإنسان بالنسبة للقبر له أحوال: بالنسبة للأنبياء فإن قبورهم في أماكن موتهم، كما ثبتت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قبر عليه الصلاة والسلام في حجرة عائشة لما قبض فيها، أما من عداهم فإنهم يقبرون في مقابر المسلمين العامة التي أوقفت. والقبر في مقابر المسلمين أفضل من أن يكون الإنسان في موضعٍ خاص؛ لأنه إذا كان في موضع خاص لا يؤمن أن ينبش، وإذا كان في موضع خاص وكان ملكاً له كأرضه أو مزرعته ونحو ذلك، فلا حرج أن يحفر له قبر ويدفن فيه، أما إذا كانت أرضاً لغيره فلا يجوز أن يحفر له فيها قبر إلا بإذن مالك الأرض؛ لأنها في أصل الشرع ملكٌ لأهلها، فلا يجوز لأحدٍ أن يقبر فيها أحداً بدون إذن أهلها، ولذلك لو قبر الإنسان في أرضٍ يملكها الغير وشرع للغير أن يطالب أهله بإخراجه فإنه يحرم عليه ذلك لمكان الغصب كما يقول العلماء، وفي حكم هذا أن يقبر في مسجد، فإن المسجد لا يملكه أحد؛ لأنه لله عز وجل، ولا يجوز أن يقبر أحد فيه حتى ولو كان صاحب المسجد؛ لأنه لما أوقفه للصلاة فيه فقد خرج عن ملكه، ولذلك من أوقف مسجداً فليس من حقه أن يملك هذا المسجد أو يبيع شيئاً منه؛ لأنه خرج عن ملكيته. ومن هنا لا يجوز أن يدفن فيه، مع أن الأصل الشرعي يقتضي حرمة أن تتخذ القبور مساجد، أو يكون القبر في مسجد، وهذا مجمعٌ عليه بين العلماء وهو من كبائر الذنوب كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها في قصة الكنائس التي كانت في الحبشة، ولعن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يفعله النصارى بعظمائهم من البناء على قبورهم.
كيفية إدخال الميت القبر
كيفية إدخال الميت القبر قال المصنف رحمه الله: [ويقول مُدخِلهُ: باسم الله وعلى ملة رسول الله]. السنة المحفوظة أن يسل الميت، بمعنى: أنه ينزل إلى القبر من رأسه. فالمكان الذي فيه الميت إن كان لحداً أو شقاً فإنه يُسَل، فيدخل من عند رجل القبر إلى أن يصل إلى موضع الرأس، فينزل شيئاً فشيئاً، على هذا يكون أول ما ينزل أعلاه -لشرف الأعلى- ثم بعد ذلك أسفله. ولا يدلى: بمعنى أن تُنزل رجلاه قبل رأسه؛ فيجعل السرير أو النعش عن يسا