فتح البيان في مقاصد القرآن

صديق حسن خان

تعريف بالكتاب ومؤلفه

بسم الله الرحمن الرحيم تعريف بالكتاب ومؤلفه الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد: الكتاب: " فتح البيان في مقاصد القرآن " درة نادرة بين كتب التفسير، لأن علّامتنا، أبا الطيب صديق خان نتيجة لمدارسته كتب التفسير المختلفة، وعى حقيقة مهمة وهي أن بعض كتب التفسير لا تخلو مما دسه الأعداء وأهل الأهواء على الإسلام، بقصد هدم هذا الدين المتين عن طريق الدسّ والوضع حينما أعيتهم الحيل من النيل منه عن طريق الحرب والقوة أو عن طريق الدليل والحجة. فجرد حسامه وبرى يراعته للدفاع عن كتاب الله تعالى فقرأ جُلّ ما كتب الأقدمون وتبين له أن النحوى ليس له هم في تفسيره إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة ... والفقيه يكاد يسرد في تفسيره الفقه جميعاً وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي ربما لا تعلّق لها بالآية أصلاً. والإخباري: ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والإخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة. والمبتدع: ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد. والملحد: لا تسأل عن كفره والحاده في آيات الله وافترائه على الله. ومن المفسرين مَنْ اقتصر في تفسيره على مجرد الرواية ومنهم من اكتفى بمجرد الدراية وقليل من جمع بين الرواية والدراية فاختار الشيخ صديق خان أن يكتب تفسيراً خالياً من الإسرائيليات والخرافات التي يقوم الدليل على بطلانها. وكذلك الجدل المذهبي والمناقشات الكلامية، فجمع بين الرواية والدراية مع تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد إيقاظاً للنائمين وتحريضاً للمتثبطين. فاختار صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي لأنه الحجة المتبعة التي لا يسوغ مخالفتها.

ثم تفاسير عظماء الصحابة المختصين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم تفاسير التابعين ومن بعدهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين. ثم أهل اللغة العربية الذين يفسرون كتاب الله جل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازاً إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية تراعي النقل عن السلف أو رعاية الأصول المعتبرة أو قواعد اللغة العربية. وكان رضي الله عنه في تفسيره يتحرى الدقة والصحة فيما ينقل، إن ذكر حديثاً عزاه إلى رواية من غير بيان حال الإسناد لأنه أخذه من الأصول المعتبرة. وقد سلك في أمور العقائد وفق منهج السلف وخاصة في آيات الصفات وبالجملة فإن تفسيره تنزاح عنه شبه المبطلين وتحريف الغالين وتأويل الجاهلين، خلى من كثرة الحشو والدخيل والخرافات التي لا يقوم عليها دليل. فكان درة بين كتب التفسير. ولا داعي للإطناب في المدح فالكتاب بين يديك راجع أي مَوْضِع فيه تجد صدق ما قلناه وأكثر مما كتبناه.

المؤلف

المؤلف هو السيد الإمام والعلامة الهمام صدر العلماء الأعلام، المُسندين في الهند، وعمدة الكرام المحدثين المعتمدين، محيي السنة وقامع البدعة الحبر في التفسير والحديث والأصول الذي انتشرت بوجوده علوم السنة والآثار وصنف في ذلك الأسفار الكبار. المحدث المفسر الأصولي (¬1). أبو الطيب صديق خان بن حسن بن علي بن لطف الله الحسيني البخاري القِنّوجي (¬2) الهندي. الذي شهد بكماله الداني والقاصي. ¬

(¬1) مصادر ترجمته. أبجد العلوم 3/ 271 لصديق خان حلية البشر 2/ 738 الشيخ عبد الرزاق البيطار الروض المعطار في خبر الأقطار ص 474 محمد عبد الرحيم الحميري جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ص 48 السيد نعمان خير الدين الألوسي هدية العارفين 2/ 388 إسماعيل باشا البغدادي ايضاح المكنون 1/ 10 إسماعيل باشا البغدادي مقدمة كتاب الروضة الندية طبعت في بولاق 1296 الأعلام 6/ 167 خير الدين الزركلي معجم المؤلفين 10/ 90 عمر رضا كحالة فهرس الفهارس 2/ 1055 عبد الحي الكتاني المسلمون في الهند ص 40 أبو الحسن الندوي (¬2) قال الحميري: قِنّوج أفخر بلاد الهند اسماً وشأناً وأعظمها صيتاً وأقدمها بنياناً. ص: 474. ورد في الحاشية، أن مدينة قنوج في أيام ابن بطوطة مدينة كبيرة حسنة العمارة حصينة رخيصة كثيرة السكَر وعليها سور عظيم.

مولده

مولده ولد ضحى يوم الأحد لعله التاسع عشر من جمادى الأولى 1248 سنة ثمان وأربعين ومائتين وألف هجرية على صاحبها أفضل سلام وأزكى تحية ببلدة " بريلي " بالهند، موطن جده القريب من جهة الأم، ثم جاءت به أمه الكريمة من " بريلي " إلى " قِنوج " بالهند موطن آبائه الكرام. ولما ناهز السادسة من عمره انتقل والده إلى رحمة ربه وبقي في حجر أمه يتيماً، تهتم به وتربيه على العفاف والطهارة وحب العلم والعلماء فهو سليل بيت علم وتقوى. والده هو الماجد الفاضل حسن بن علي، تتلمذ على الشيخ عبد الباسط القِنوجي ثم رحل إلى لكنهو فاكتسب عن الشيخ العالم محمد نور وغيره من علماء عصره. ثم انتقل إلى دهلي وتتلمذ على الشيخ عبد العزيز والشيخ رفيع الدين ابني الشيخ الأجل " شاه ولي الله المحدث الدهلوي ". وأخذ الإجازة لكتب التفسير والحديث وغيرهما، وصحب العالم المجدد أحمد البريلوي مجدد المائة الثالثة عشرة. واستمر معه حتى صار خليفته في دعوة الحق إلى دين الله، واقتداء الدليل ورد الشرك والبدع إلى أن توفاه الله تعالى 1253هـ. من مؤلفاته: كتاب في الحدود والقصاص، وكتاب تقوية اليقين في الرد على عقائد المشركين، ورسالة في رد التعزية والضريح. وغير ذلك من المؤلفات النافعة التي تنهج طريقة السلف الصالح. أخوه الأكبر هو العلامة الشيخ أحمد بن حسن بن علي القِنوجي ولد 1246هـ وجمع العلوم والفنون المتفرقة من بلاد شتى، على أكابر العلماء في دهلي وغيرها من البلدات. تتلمذ على المولوي عبد الجليل الكولي، وأجاز له الشيخ عبد الغني المجددي الدهلوي وخاتمة المجتهدين الشيخ صالح بن محمد العمري الشهير الفلاني. سافر قاصداً بيت الله الحرام، إلا أنه مات في الطريق 1277هـ. له كتاب الشهاب الثاقب وغيره. وقد استفاد الشيخ صديق خان من أخيه وأبيه اتباع طريق السلف والبعد عن التقليد، فهما كانا مدرسته الأولى.

صفاته

صفاته كان شيخنا المفسر ربعة من القوم، قليل الشيب شعره إلى شحمة أذنيه. كريماً جواداً شجاعاً جمع إلى الإيمان والتقوى الفراغ من ملاذ النفس وهوى الشيطان. فصيح اللسان سريع الكتابة سريع الحفظ والمطالعة، إذا ذكرت مسألة من مسائل الخلاف استدل ورجح، وهذا يدل على سعة ثقافته ورجحان عقله. ادعى الإجتهاد لاجتماع شروطه فيه، كان إذا استدل ما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً للسنة المطهرة وعزوها منه. لا تمنعه صولة صائل في تحرير الحق والعمل به. شيوخه رحل الشيخ صديق في سبيل طلب العلم وأخذه عن أكابر أطراف وطنه، فقد شمر عن ساق الجد لتحصيل العلوم، وشد الرحل إلى " دهلي " حيث أخذ عن مفتيها الشيخ محمد صدر الدين خان، من تلاميذه الشيخ عبد العزيز وأخيه رفيع الدين ابني العالم المحدث أحمد ابن عبد الرحيم شاه ولي الله الدهلوي. وقد استفاد العلوم من التفاسير والأحاديث من مشيخة اليمن والهند. فأخذ عن الشيخ حسين بن محسن اليمني، تلميذ الشيخ محمد بن ناصر تلميذ العلامة المجتهد محمد ابن علي الشوكاني. وأقام سلسلة الأسانيد فكتب الحديث الشريف واستحصل سند القرآن الكريم عن الشيخ محمد يعقوب الدهلوي، أخي الشيخ إسحاق حفيد الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي. وأخذ الإجازة عن الشيخ المعمّر عبد الحق الهندي تلميذ الإمام الشوكاني. وممن استجاز منه العالم المحدث الشيخ يحيى بن محمد الحازمي قاضي عدن. وأخذ عن شيوخ غيرهم كثير. وكلهم أجازوا له مشافهة وكتابة إجازة مأثورة عامة تامة. فكل واحد أجاز له بما هو مذكور في ثبتهم الجامع لجميع أصناف العلوم وأنواع الفنون. وقد جمع الشيخ صديق شيوخه في كتاب سمّاه " سلسلة العسجد في ذكر مشايخ السند ". ذكر فيه من أخذ عنه ومن أجاز له والأسانيد التي تلقاها عنهم. ومن دهلي إلى قِنّوج إلى الحرمين، حيث بقي عاكفاً ثمانية أشهر ثم عاد إلى بهوبال، حيث استوطن واستقر يشتغل بالدرس والتأليف. حتى صار رأساً في المعقول والمنقول

أقوال العلماء فيه

وإماماً في علمي الفروع والأصول، وجدّ واجتهد في اتقان القرآن والسنة وتدوين علومهما ينصر السنة ويروج مصنفاتها ويؤلف مؤلفاته الشريفة، الممتعة النافعة باللسان العربي ولغة الفرس والهند، ويبذل المال الكثير في إذاعتها بالطبع والتقسيم. أقوال العلماء فيه قال الإمام الألوسي: إن الحنابلة بأجمعهم معظمون للشيخ صديق خان ولعقيدته قابلون، ولكلامه سامعون. وقال الإمام الكتّاني: إن الشيخ صديق من كبار علماء الهند الذين لهم اليد الطولى في إحياء كثير من كتب الحديث وعلومه، وغيره من العلوم. وقد عدّ صاحب " عون الودود على سنن أبي داود " صديق خان أحمد المجددين على رأس المائة الرابعة عشرة. أما الشيخ عبد الرزاق البيطار الدمشقي فقال: إن الإمام صديق خان سيد علماء الهند، كان ملياً بالعلوم مجتهداً في إشاعتها مجدداً لإذاعتها أحيا السنن الميتة بالأدلة البيض من السنة والفرقان. وزاد العلامة محمد منير الدمشقي المصري فقال: كم له من أيادٍ بيض في خدمة العلم والعلماء وإن جحد فضله الحاسدون وضعفاء العقول. وختم العلامة الهندي أبو الحسن الندوي فقال: وقد قام صديق خان شخصياً بما لا تقوم به مجامع علمية، في أكثر الأحيان لكثرة المؤلفات وضخامة الإنتاج. وبالجملة أن الشيخ صديق خان كان موسوعة علمية، لم يدون أحد في عصره من علماء الهند أحكام الكتاب العزيز وعلوم السنة المطهرة في العبادة والمعاملة وغيرهما خالصة من آراء الرجال نقيةً من أقوال العلماء على هذه الكيفية المشاهدة في هذا السِفر المبارك " فتح البيان في مقاصد القرآن " مثله. وفاته توفي رحمه الله تعالى أواخر جمادى الثانية عام 1307هـ ودفن ببهوبال بالهند. وقد خلف ولدين أكبرهما أبو الخير محمد الحسن، صاحب الشرح المطبوع على بلوغ المرام. مؤلفاته له في الكتابة سرعة عجيبة، وفي التأليف ملكة غريبة، يكتب الكراريس العديدة في يوم واحد.

تبلغ مؤلفاته اثني وعشرين ومائتين 222 كتاباً منها حوالي ستة وخمسون 56 كتاباً في العربية. منها: فتح البيان في مقاصد القرآن. شرح تجريد الصحيح للشرجي واسمه عون الباري بحلّ أدلة البخاري. وشرح اختصار مسلم للمنذري. وأبجد العلوم. وهدية السائل إلى أدلة المسائل. ويقظة أولي الاعتبار مما ورد في ذكر النار وأصحاب النار ومسك الختام شرح بلوغ المرام. الروضة الندية شرح الدرر البهية. منهج الوصول إلى إصطلاح أحاديث الرسول. اتحاف النبلاء المتقين بإحياء مآثر الفقهاء المحدّثين. الإدراك في تخريج أحاديث الإشراك. الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة. أربعون حديثاً في فضائل الحج والعمرة. إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ. بلوغ السول من أقضية الهول. تميمة الصبي في ترجمة الأربعين من أحاديث النبي. الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة. الخطة بذكر الصحاح الستة. الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون. رياض الجنة في تراجم أهل السنة. غنية القاري في ترجمة ثلاثيات البخاري. فتح المغيث بفقه الحديث. قطف الثمر من عقائد أهل الأثر. الاحتواء على مسألة الاستواء. بدور الأهلة من ربط المسائل بالأدلة. الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح. حصول المأمول من علم الأصول.

ذخر المحتي من آداب المفتي. الصافية في شرح الشافية في علم الصرف. ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على القاضي. العلم الخفاق من علم الاشتقاق. غصن البان المورق بمحسنات البيان. نيل المرام من تفسير آيات الأحكام. هدية السائل إلى أدلة المسائل. حسن الأسوة. الفرع النامي من الأصل السامي. وغيرها من الكتب التي تشهد له أنه من كبار من لهم اليد الطولى في إحياء كثير من علوم الكتاب والسنة وسائر الفنون.

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وبين له من معالم العلم وشعائر الشرائع ومشاعر الملل كل ما جل ودق، ونزل عليه كتاباً معجزاً أفحم مصاقع الخطباء من العرب العرباء وخطاباً مفحماً أعجز بواقع البلغاء من عصابة الأدباء، بأظهر بينات وأبهر حجج، قرآناً عربياً غير ذي عوج، أمر فيه وزجر، وبشر وأنذر، وذكر المواعظ ليتذكر، وقص عن أيام الأمم الخالية ليعتبر، وضرب فيه ضروب الأمثال ليتدبر، ودل على آيات التوحيد ليتفكر، أنزله بحسب المصالح والحكم منجماً، وجعله بالتحميد مفتتحاً وبالإستعاذة مختتماً، وأوحاه متشابهاً ومحكماً، مزاياه ظاهرة باهرة في كل وجهٍ وكل زمان، دائرة من بين سائر الكتب على كل لسان في كل مكان، كادت الرواسي لهيبته تمور، ويذوب من خشيته الحديد ويميع منه صم الصخور، فمن تمسك بعروته الوثقى وحبله المتين، وسلك جادته الواضحة وصراطه المبين، فقد فاز بمناه، ومن نبذه وراء ظهره وعصاه، واتخذ إلهه هواه، فقد هوى في تخوم الشقاء وتردى في مهاوي الردى والاشتباه، فأي عبارة تبلغ أيسر ما يستحقه كلام الحكيم من التعظيم، وأي إشارة تصلح لبيان أقل ما ينبغي له من التوصيف والتكريم. كلا والله إن بلاغة البلغاء وسحرة البيان وإن طالت ذيولها، وفصاحة الفصحاء ومهرة قحطان وإن سالت سيولها تتقاصر عن الوفاء بأدق أوصافه وإن جالت بميادينها خيولها، وتتصاغر عن التشبث بأقصر أطرافه وإن أفلقت في إطرائها فحولها، فتعود ألسنتهم عنه قاصرة، وصفقتهم في أسواقه خاسرة، كيف وتلك الآيات والدلائل، وتيك البينات والمخايل، وهذه العبارات العبقرية، وما في تضاعيفها من أسرار البرية، مما لا تحيط به ألباب البشر، ولا

تدرك كنهه طباع العالم الأكبر والأصغر، بحيث لو اجتمعت الإنس والجن على معارضته ومباراته، لعجزوا عن الاتيان بمثل أقصر آية من آياته فالاعتراف بالعجز عن القيام بما يستحقه كلام الملك العلام، من الإطراء والاكرام، أوفق بما يقتضيه الحال من الإجلال والإعظام. والصلاة والسلام على من أرسله الله إلى الخلق هادياً وبشيراً، ونزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيراً، فهداهم به إلى الحق وهم في ضلال مبين، وسلك بهم مسلك الهداية حتى أتاهم اليقين، أكمل به بنيان النبوة والجلالة، وختم به ديوان الوحي والرسالة، وأتم به مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، على ألطف أسلوب وأحسن أحوال، أعلى به من الدين معالمه، ومن الحق مراسمه، وبيّن من البرهان سبيله، ومن الإيمان دليله، وأقام للحق حجته، وأنار للشرع محجته، حتى انشرحت الأفئدة بأنوار البينات، وانزاح عن الضمائر صدأ الشبهات فهو حجة نيرة واضحة المكنون، وآية بينة لقوم يعقلون، بل برهان جلي لا ريب فيه، ومنهج سوي لا يضل من ينتحيه، مظهر لتفاصيل الشرائع والأديان بالاستحقاق، مفسر لمشكلات آيات الأنفس والآفاق، كاشف عن خفايا حظائر القدس، مطلع على خبايا سرائر الأنس، بحر علم لا ينزف، وعيلم فضل لا ينشف، به يتوصل إلى سعادة الدنيا والآخرة، وبه تكتسب الملكات الفاخرة، كلامه شفاء للسقام، ومرهم للأوهام، وحديثه قاطع للخصام، عند تفاوت الأفهام وتباين الأقدام، عليه يدور فلك الأوامر والنواهي، وإليه يستند في معرفة حقائق الأشياء كما هي، أفلح من اتبعه ووالاه، وخاب من أعرض عنه وعاداه. وصلى الله وسلم على آله البررة، وصحبه الخيرة، مصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، خلفاء الدين، وحلفاء اليقين، الذين بلغوا من محاسن الفضائل غاية الغايات، ووصلوا من مكارم الفواضل نهاية النهايات، قارعوا على الإسلام فكشفوا عنه القوارع والكروب، وسارعوا إلى الإيمان فصرفوا عنه العوادي والخطوب، فابتسم ثغر الدين، وانتظم أمر المسلمين، واتضح الوعد من الله وحق عليه نصر المؤمنين، لا يتسنى العروج إلى معارجهم الرفيعة، ولا

يتأتى الرقي إلى مدارجهم المنيعة، لعلو شأنهم ونهاية الاعضال، وصعوبة مرامهم وعزة المنال، فهم شموس الهدى على فلك السعادة، وبدور الدجى لهم الحسنى وزيادة. وعلى من تبعهم بالإحسان، صلاة وسلاماً دائمين ما تناوب النيران وتعاقب الملوان. (وبعد) فيقول الفقير إلى مولاه الغني به عمن سواه، عبده وابن أمته وعبده (أبو الطيب صديق بن حسن بن علي القنوجي) أصلح الله حاله ومآله قبل أن يخرج الأمر من يده: إن أعظم العلوم مقداراً، وأرفعها شرفاً ومناراً، وأعلاها على الإطلاق، وأولاها تفضيلاً بالاستحقاق، وأساس قواعد الشرائع والعلوم، ومقياس ضوابط المنطوق والمفهوم، ورأس الملل الإسلامية وأسها، وأصل النحل الايمانية وأستقصها، وأعز ما يرغب فيه ويعرج عليه، وأهم ما تناخ مطايا الطلب لديه، هو علم التفسير لكلام العزيز القدير، لكونه أوثق العلوم بنياناً، وأصدقها قيلاً وأحسنها تبياناً، وأكرمها نتاجاً، وأنورها سراجاً، وأصحها حجة ودليلاً، وأوضحها محجة وسبيلاً، وقد حاموا جميعاً حول طلابه، وراموا طريقاً إلى جنابه، والتمسوا مصباحاً على قبابه، ومفتاحاً إلى فتح بابه. وهو علم باحث عن نظم نصوص القرآن، وآيات سور الفرقان بحسب الطاقة البشرية وبوفق ما تقتضيه القواعد العربية، قال الفناري: الأولى أن يقال: علم التفسير معرفة أحوال كلام الله سبحانه وتعالى من حيث القرآنية، ومن حيث دلالته على ما يعلم أو يظن أنه مراد الله تعالى بقدر الطاقة الإنسانية انتهى، وهذا يتناول أقسام البيان بأسرها، ولا يرد عليه ما يرد على سائر الحدود، ومباديه العلوم اللغوية وأصول التوحيد وأصول الفقه وغير ذلك من العلوم الجمة. والغرض منه معرفة معاني النظم ومعرفة الأحكام الشرعية العملية، وفائدته حصول القدرة على استنباط الأحكام الشرعية على وجه الصحة وموضوعه كلام الله سبحانه الذي هو منبع كل حكمة ومعدل كل فصلة وغايته التوصل إلى فهم معاني القرآن واستنباط حكمه ليفوز به إلى السعادة الدنيوية

والأخروية، وشرف العلم وجلالته باعتبار شرف موضوعه وغايته، فهو أشرف العلوم وأعظمها، ذكره أبو الخير وابن صدر الدين. والقرآن الكلام العربي المنزل على محمد - صلى الله عليه وسلم - المتحدى بأقصر سورة منه المنقول تواتراً، ودليله الكتاب والسنة ولفظ العرب العرباء، واستمداده من علمي أصول الدين والفقه وهو قسمان " تفسير " وهو ما لا يدرك إلا بالنقل كأسباب النزول " وتأويل " وهو ما يمكن إدراكه بالقواعد العربية فهو مما يتعلق بالدراية. والسر في جواز التأويل بشروطه دون التفسير، أن التفسير كشهادة على الله وقطع بأنه عنى بهذا اللفظ هذا المعنى ولا يجوز إلا بتوقيف، ولذا جزم الحاكم بأن تفسير الصحابي مطلقاً في حكم المرفوع، والتأويل ترجيح لأحد المحتملات بلا قطع، فاغتفر، أفاد ذلك جماعة من أهل العلم ذكرهم سليمان الجمل في حاشية الجلالين. وقد تصدى لتفسير عويصاته أساطين الأمة، وتولى لتيسير معضلاته سلاطين الأئمة من الصحابة والتابعين، وأئمة اللغة والنحويين، ثلة من الأولين وأمة من الآخرين، فغاصوا في بحار لججه، وخاضوا في أنهار ثبجه، فنظموا في سلك التقرير فرائده، وأبرزوا في معرض التحرير فوائده، وألفوا كتباً جليلة المقدار، وصنفوا زبراً جميلة الآثار، وفصلوا مجمله، وبينوا معضله مع تحقيق للمقاصد وفق ما يرتاد، وتنقيح للمعاقد فوق ما يعتاد. فالمفسرون من الصحابة الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب، والرواية عن علي أكثر، وعن الثلاثة في ندرة جداً، والسبب فيه تقدم وفاتهم، وروي عن ابن مسعود أكثر مما روي عن علي ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. وأما ابن عباس المتوفى سنة ثمان وستين بالطائف فهو ترجمان القرآن وحبر الأمة ورئيس المفسرين دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " اللهم فقهه في الدين

وعلمه التأويل (¬1) " وقد روى عنه في التفسير ما لا يحمى كثرة لكن أحسن الطرق عنه طريقة علي بن أبي طلحة الهاشمي المتوفى سنة ثلاث وأربعين ومائة واعتمد على هذه البخاري في صحيحه، وأوهى الطرق عنه طريق الكلبي أبي النصر محمد بن السائب، فإن انضم إليه رواية محمد بن مروان السدي الصغير فهي سلسلة الكذب، وكذلك طريق مقاتل بن سليمان الأزدي، وطريق الضحاك عنه منقطعة فإنه لم يلقه، ومن جيد الطرق عنه طريق قيس بن مسلم الكوفي عن عطاء بن السائب وطريق ابن اسحق صاحب السير. وأما أبيّ بن كعب المتوفى سنة عشرين على خلاف فيه، فعنه نسخة كبيرة عن طريق أبي العالية، وهذا إسناد صحيح، ومن الصحابة من ورد عنه اليسير من التفسير غير هؤلاء منهم أنس بن مالك المتوفى بالبصرة سنة إحدى وتسعين وأبو هريرة المتوفى بالمدينة سنة سبع وخمسين، وعبد الله بن عمر بن الخطاب المتوفى بمكة المكرمة سنة ثلاث وسبعين، وجابر بن عبد الله المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين، وأبو موسى الأشعري المتوفى سنة أربع وأربعين، وابن عمرو بن العاص المتوفى سنة ثلاث وستين، وهو أحد العبادلة الذين استقر عليهم أمر العلم في آخر عهد الصحابة، وزيد بن ثابت الأنصاري كاتب النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتوفى سنة خمس وأربعين. وأما المفسرون من التابعين فمنهم أصحاب ابن عباس وهم علماء مكة المكرمة، ومنهم مجاهد بن جبر المتوفى سنة ثلاث ومائة واعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري، وسعيد بن جبير المتوفى سنة أربع وتسعين، وعكرمة مولى ابن عباس المتوفى بمكة سنة خمس ومائة، وطاوس بن كيسان اليماني المتوفى سنة ست ومائة، وعطاء بن أبي رباح المكي المتوفى سنة أربع عشرة ومائة. ومنهم أصحاب ابن مسعود وهم علماء الكوفة كعلقمة بن قيس المتوفى سنة اثنتين ومائة، والأسود بن يزيد المتوفى سنة خمس ومائة، ومنهم أصحاب زيد بن أسلم كعبد الرحمن بن زيد ومالك بن أنس، ومنهم الحسن البصري ¬

(¬1) المستدرك على الصحيحين برواية: اللهم علمه تأويل القرآن وفقهه في الدين واجعله من أهل الإيمان 3/ 536

المتوفى سنة إحدى وعشرين ومائة: وعطاء بن أبي سلمة ميسرة الخراساني، ومحمد بن كعب القرظي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: وأبو العالية رفيع بن مهران الرياحي المتوفى سنة تسعين: والضحاك بن مزاحم: وعطية بن سعيد العوفي المتوفى سنة إحدى عشرة ومائة: وقتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة سبع عشرة ومائة: والربيع بن أنس والسدي. ثم بعد هذه الطبقة الذين صنفوا كتب التفاسير التي تجمع أقوال الصحابة والتابعين كسفيان بن عيينة، ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج، ويزيد بن هارون، وعبد الرزاق وآدم بن أبي إياس، وإسحق بن راهويه، وروح بن عبادة، وعبد الله بن حميد، وأبي بكر بن أبي شيبة وآخرين. ثم بعد هؤلاء طبقة أخرى منهم عبد الرزاق وعلي بن أبي طلحة وابن جرير وابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ بن حيان وابن المنذر في آخرين. ثم انتصبت طبقة بعدهم إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحق الزجاج وأبي علي الفارسي ومكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي، وأما أبو بكر النقاش وأبو جعفر النحاس فكثيراً ما استدرك الناس عليهما. ثم ألف في التفسير طائفة من المتأخرين فاختصروا الأسانيد، ونقلوا الأقوال بتراء، فدخل من هنا الدخيل، والتبس الصحيح بالعليل، ثم صار كل من سنح له قول يورده، ومن خطر بباله شيء يعتمده، ثم ينقل ذلك خلف عن سلف ظاناً أن له أصلاً، غير ملتفت إلى تحرير ما ورد عن السلف الصالح ومن هم القدوة في هذا الباب. قال السيوطي رأيت في تفسير قوله سبحانه (غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين) نحو عشرة أقوال مع أن الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجميع الصحابة والتابعين ليس غير اليهود والنصارى، حتى قال ابن أبي حاتم لا أعلم في ذلك خلافاً من المفسرين.

ثم صنف بعد ذلك قوم برعوا في شيء من العلوم، ومنهم من ملأ كتابه بما غلب على طبعه من الفن واقتصر فيه على ما تمهر هو فيه، كأن القرآن أنزل لأجل هذا العلم لا غير، مع أن فيه تبيان كل شيء، فالنحوي تراه ليس له إلا الإعراب وتكثير الأوجه المحتملة فيه وإن كانت بعيدة وينقل قواعد النحو ومسائله وفروعه وخلافياته كالزجاج والواحدي في البسيط وأبي حيان في البحر والنهر، والإخباري ليس له شغل إلا القصص واستيفاؤها والاخبار عمن سلف سواء كانت صحيحة أو باطلة، ومنهم الثعلبي، والفقيه يكاد يسرد فيه الفقه جميعاً وربما استطرد إلى إقامة أدلة الفروع الفقهية التي لا تعلق لها بالآية أصلاً، والجواب عن الأدلة للمخالفين كالقرطبي وصاحب المظهري وصاحب العلوم العقلية خصوصاً فخر الدين الرازي قد ملأ تفسيره بأقوال الحكماء والفلاسفة وخرج من شيء إلى شيء حتى يقضي الناظر العجب، قال أبو حيان في البحر: جمع الإمام الرازي في تفسيره أشياء كثيرة طويلة لا حاجة بها في علم التفسير، ولذلك قال بعض العلماء: فيه كل شيء إلا التفسير. والمبتدع ليس له إلا تحريف الآيات وتسويتها على مذهبه الفاسد بحيث أنه لو لاح له شارد من بعيد اقتنصه أو وجد موضعاً له فيه أدنى مجال سارع إليه، كما نقل عن البلقيني أنه قال استخرجت من الكشاف اعتزالاً بالمناقيش، منها أنه قال في قوله سبحانه وتعالى (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) أي فوز أعظم من دخول الجنة، وأشار به إلى عدم الرؤية. والملحد لا تسأل عن كفره وإلحاده في آيات الله وافترائه على الله ما لم يقله، كقول بعضهم في تفسير قوله تعالى (وإن هي إلا فتنتك) ما على العباد أضر من ربهم، وينسب هذا القول إلى صاحب قوت القلوب. ومن ذلك القبيل الذين يتكلمون في القرآن بلا سند ولا نقل عن السلف، ولا رعاية للأصول الشرعية، والقواعد العربية، كتفسير محمود بن حمزة الكرماني ضمنه أقوالاً هي عجائب عند العوام، وغرائب عما عهد عن السلف الكرام، وهي أقوال منكرة لا يحل الاعتقاد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير.

ومن ذلك قول من قال في (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) إنه الحب والعشق، ومن ذلك قولهم في (ومن شر غاسق إذا وقب) إنه الذكر إذا قام، وقولهم في (من ذا الذي يشفع عنده) معناه من ذل أي من الذل وذي إشارة إلى النفس، ويشف من الشفاء جواب " من " و (ع) أمر من الوعي. وسئل البلقيني عمن فسر بهذا فأفتى بأنه ملحد. (قلت) وقد نبغت في هذا الزمان طائفة تفسر القرآن برأيها، وتحذف منه الآيات المتواليات تسمى بالنيفرية، وهم الذين أنكروا وجود الملائكة والجن والشياطين إلى غير ذلك، وقد عمت فتنتهم بلاد الهند الاسلامية، فرَّق الله جمعهم، وبدد شملهم وأنزل بهم بأسه الذي لا يرده عن القوم المجرمين. وأما كلام الصوفية في القرآن فليس بتفسير، قال ابن الصَّلاح في فتاواه: وجدت عن الإمام الواحدي أنه قال: صنف السلمي حقائق التفسير إن كان قد اعتقد أن ذلك تفسير فقد كفر. قال النسفي في عقائده: النصوص تحمل على ظواهرها والعدول عنها إلى معان يدعيها أهل الباطن إلحاد، وقال التفتازاني في شرحه: سميت الملاحدة باطنية لادعائهم أن النصوص ليست على ظواهرها بل لها معان باطنة. قال صاحب مفتاح السعادة: الإيمان بالقرآن هو التصديق بأنه كلام الله سبحانه قد أنزل على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - بواسطة جبرائيل عليه السلام، وأنه دال على صفة أزلية له سبحانه، وأن ما دل هو عليه بطريق القواعد العربية مما هو مراد الله سبحانه حق لا ريب فيه، ثم تلك الدلالة على مراده سبحانه بواسطة القوانين الأدبية الموافقة للقواعد الشرعية والأحاديث النبوية مراد الله تعالى، وقد ثبت في الحديث أن لكل آية ظهراً وبطناً (¬1) وذلك المراد الآخر لما لم يطلع عليه كل أحد بل من أعطى فهماً وعلماً من لدنه تعالى يكون الضابط في صحته أن لا يرفع ظاهر المعاني المنفهمة عن الألفاظ بالقوانين العربية وأن لا يخالف القواعد الشرعية، ولا يباين إعجاز القرآن، ولا يناقض النصوص الواقعة ¬

(¬1) أين هذا الحديث: من رواه؟ من أخرجه؟ لم نجده في أي كتاب لدينا.

فيها، فإن وجدت فيه هذه الشرائط فلا طعن فيه وإلا فهو بمعزل عن القبول. قال الزمخشري: من حق التفسير أن يتعاهد بقاء النظم على حسنه، والبلاغة على كمالها وما وقع به التحدي سليماً من القادح. وكما بينوا في التفسير شرائط، بينوا في المفسر أيضاً شرائط لا يحل التعاطي لمن عرى عنها أو هو فيها راجل وهي أن يعرف اللغة والنحو والتصريف والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع والقراآت وأصول الدين وأصول الفقه، وأسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ والفقه، والأحاديث المبينة لتفسير المجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله سبحانه لمن عمل بما علم انتهى. ثم إن تفسير القرآن ثلاثة أقسامٍ: الأول ما لم يطلع الله عليه أحدا من خلقه، وهو ما استأثر به من علوم أسرار كتابه من معرفة كنه ذاته ومعرفة حقائق أسمائه وصفاته، وهذا لا يجوز لأحد الكلام فيه. والثاني ما أطلع الله سبحانه نبيه عليه من أسرار الكتاب واختصه به فلا يجوز الكلام فيه إلا له - صلى الله عليه وسلم - أو لمن أذن له، قيل: وأوائل السور من هذا القسم، وقيل من الأول وهو الراجح. والثالث علوم علمها الله نبيه وأمره بتعليمها، وهذا ينقسم إلى قسمين منه ما لا يجوز الكلام فيه إلا بطريق السمع كأسباب النزول والناسخ والمنسوخ واللغات والقراآت وقصص الأمم وإخبار ما هو كائن، ومنه ما يؤخذ بطريق النظر والاستنباط من الألفاظ، وهو قسمان قسم اختلفوا في جوازه وهو تأويل الآيات المتشابهات، وقسم اتفقوا عليه وهو استنباط الأحكام الأصلية والفرعية والإعرابية، وكذلك فنون البلاغة وضروب المواعظ والحكم والاشارات لا يمتنع استنباطها منه لمن له أهلية ذلك، وما عدا هذه الأمور هو التفسير بالرأي الذي نهى عنه، وفيه خمسة أنواع: الأول التفسير من غير حصول العلوم التي يجوز معها التفسير، والثاني

تفسير المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، والثالث التفسير المقرر للمذهب الفاسد بأن يجعل المذهب أصلاً، والتفسير تابعاً له فيرد إليه بأي طريق أمكن وإن كان ضعيفاً، الرابع التفسير بأن مراد الله سبحانه كذا على القطع من غير دليل، الخامس التفسير بالاستحسان والهوى والتقليد. (أقول) إن التفسير الذي ينبغي الاعتداد به والرجوع إليه هو تفسير كتاب الله جل جلاله باللغة العربية حقيقة ومجازاً إن لم تثبت في ذلك حقيقة شرعية فإن ثبتت فهي مقدمة على غيرها، وكذلك إذا ثبت تفسير ذلك من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فهو أقدم من كل شيء بل حجة متبعة لا يسوغ مخالفتها لشيء آخر، ثم تفاسير علماء الصحابة المختصين برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه يبعد كل البعد أن يفسر أحدهم كتاب الله تعالى ولم يسمع في ذلك شيئاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعلى فرض عدم السماع فهو أحد العرب الذين عرفوا من اللغة دِقَّها وجلَّها، وأما تفاسير غيرهم من التابعين ومن بعدهم فإن كان من طريق الرواية نظرنا في صحتها سواء كان المروي عنه الشارع أو أهل اللغة، وإن كان بمحض الرأي فليس ذلك بشيء ولا يحل التمسك به ولا جعله حجة، بل الحجة ما قدمناه، ولا نظن بعالم من علماء الإسلام أن يفسر القرآن برأيه فإن ذلك مع كونه من الإقدام على ما لا يحل بما لا يحل قد ورد النهي عنه في حديث " من فسر القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن فسر القرآن برأيه فأخطأ فقد كفر " (¬1) أو كما قال. إلا أنا لم نتعبد بمجرد هذا الإحسان للظن على أن نقبل تفسير كل عالم كيفما كان بل إذا لم نجده مستنداً إلى الشارع ولا إلى أهل اللغة لم يحل لنا العمل به مع التمسك بحمل صاحبه على السلامة، ونظير ذلك اختلاف العلماء في المسائل العلمية، فهو إن كان إحسان الظن مسوغاً للعمل بما ورد عن كل واحد منهم لوجب علينا قبول الأقوال المتناقضة في تفسير آية واحدة أو في مسألة علمية واللازم باطل فالملزوم مثله. وإذا عرفت هذه الفوائد فاعلم أن كتب التفاسير كثيرة ذكر منها ملا ¬

(¬1) الترمذي كتاب التفسير الباب الأول بلفظ: من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ.

كاتب الجلبي في كشف الظنون ما يزيد على ثلثمائة تفسير مرتباً على حروف الهجاء وزدنا عليه في كتابنا الأكسير في أصول التفسير، فمنها تفسير ابن أبي حاتم عبد الرحمن بن محمد الرازي الحافظ المتوفى سنة خمس وتسعين ومائتين. وانتقاه الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي المتوفى سنة إحدى عشرة وتسعمائة في مجلد، ومنها تفسير ابن جرير أبي جعفر محمد الطبري المتوفى سنة عشرة وثلثمائة قال السيوطي في الاتقان: وكتابه أجل التفاسير وأعظمها فإنه يتعرض لتوجيه الأقوال وترجيح بعضها على بعض والإعراب والاستنباط فهو يفوق بذلك على تفاسير الأقدمين اهـ. وقد قال النووي: أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل تفسير الطبري، وعن أبي حامد الإسفرايني أنه قال: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصل له تفسير ابن جرير لم يكن ذلك كثيراً. ومنها تفسير ابن كثير الإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر القرشي المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله تعالى، وهو كبير في عشر مجلدات فسر بالأحاديث والآثار مسندة عن أصحابها مع الكلام على ما يحتاج إليه جرحاً وتعديلاً. ومنها تفسير ابن المنذر وهو الإمام أبو بكر محمد بن ابراهيم النيسابوري المتوفى سنة ثمان عشرة وثلثمائة، ومنها تفسير البخاري وهو ما ذكره في صحيحه وجعله كتاباً منه، وله التفسير الكبير غير هذا ذكره الفربري، ومنها تفسير النحاس وهو أبو جعفر أحمد بن محمد النحوي المصري المتوفى سنة ثمان وثلاثين وثلثمائة قصد فيه الإعراب لكن ذكر القراآت التي يحتاج أن يبين إعرابها والعلل التي فيها وما يحتاج فيه من المعاني، ومنها تفسير الواحدي البسيط والوسيط والوجيز وتسمى هذه الثلاثة الحاوي لجميع المعاني. ومنها تفسير المهدوي وهو أبو العباس أحمد بن عمار التميمي المتوفى بعد الثلاثين وأربعمائة. ثم من المفسرين من اقتصر في تفسيره على مجرد الرواية وقنع برفع هذه الراية كجلال الدين السيوطي في الدر المنثور وغيره في غيره من المسطور،

ومنهم من اكتفى بمجرد الدراية وجرد نظره إلى مقتضى اللغة العربية بصحيح العناية وهم الأكثرون، ومنهم من جمع بين الأمرين، وسلك المسلكين، وقليل ما هم وقليل من عبادي الشكور. ومن أحسن التفاسير جمعاً بين الرواية والدراية فيما علمت تفسير الإمام الحافظ القاضي محمد بن علي بن محمد الشوكاني اليمني المتوفى سنة خمسين ومائتين وألف الهجرية، وهو تفسير كبير بالقول في مجلدات أربع. وطالما يدور في خلدي أن أحرر في التفسير كتاباً يحتوي على أمرين، ويجمع طريقين على الوجه المعتبر في الورد والصدر، غير مشوب بشيء من التفسير بالرأي الذي هو من أعظم الخطر، وكنت أنتهز له الفرصة في البلاد والقرى، وأقدم رجلاً وأؤخر أخرى لصعوبة المرام، وعزة المقام، فأين الحضيض من الذرى والثريا من الثرى، فحال بيني وبين ما كنت أخال، تراكم المهمات وتزاحم الأشغال وابتليت بتدبير مصالح العباد في مدينة بهوبال، وانصرمت عرى الآمال عن الفوز بفراغ البال، وأنا أصرف جهدي والمراد ينصرف، والمقصود يتقاعس عن الحصول وينحرف، والأيام تحول وتحجز، والليالي تعد ولا تنجز، حتى سألني جماعة من أهل العلم ممن يتحرى إتباع السنة والكتاب، ويجتنب الإبتداع في كل باب، وألحوا علي وأظهروا الفقر إلي ولم يسعني إلا إسعاف ما أمِلوه، وإنجاح ما سألوه، فأجبتهم معتمداً على فضل الله وتيسيره ممتثلاً بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم فيما يرويه أبو سعيد الخدري ويرفعه: " إن رجالاً يأتونكم من أقطار الأرض يتفقهون في الدين فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيراً " (¬1) ومقتدياً بالسلف الماضين في تدوين علوم الدين إبقاء على الخلق وإيفاء للحق. وليس على ما جمعوه وصنفوه مزيد، ولكن لا بد في كل زمان من تجديد ما طال به العهد وقصر للطالبين فيه الجد والجهد، إيقاظاً للنائمين، وتحريضاً للمتثبطين، فحررت بعون الله تعالى وحسن توفيقه فيما سألوه واستمنحوه كتاباً في أيسر زمان وأحسن تقدير، متوسطاً بين الطويل الممل والقصير المخل، ¬

(¬1) الترمذي كتاب العلم باب 4.

وجمعته جمعاً حسناً بعبارة سهلة وألفاظ يسيرة مع تعرض للترجيح بين التفاسير المعارضة في مواضع كثيرة، وبيان للمعنى العربي والإعرابي واللغوي مع حرص على إيراد صفوة الصفوة مما ثبت من التفسير النبوي ومن عظماء الصحابة وعلماء التابعين، ومن دونهم من سلف الأمة وأئمتها المعتبرين كابن عباس حبر هذه الأمة ومن بعده من الأئمة مثل مجاهد وعكرمة وعطاء والحسن وقتادة وأبي العالية والقرظي والكلبي والضحاك ومقاتل والسدي وغيرهم من علماء اللغة والنحو كالفراء والزجاج وسيبويه والمبرد والخليل والنحاس. ولكن الثابت الصحيح من التفسير المرفوع إلى النبي وإن كان المصير إليه متعيناً. وتقديمه متحتماً، هو تفسير آيات قليلة بالنسبة إلى جميع القرآن. والثابت من التفسير عن الصحابة ومن تبعهم بالاحسان: إن كان من اللفظ الذي قد نقله الشرع إلى معنى مغاير للمعنى اللغوي فهو مقدم على غيره، وإن كان من الألفاظ التي لم ينقلها الشرع فهو كواحد من أهل اللغة الموثوق بعربيتهم، فإذا خالف ذلك المشهور المستفيض لم تقم الحجة علينا بتفسيره الذي قاله على مقتضى لغة العرب العرباء فبالأولى تفاسير من بعدهم من تابعيهم وسائر الأئمة. وأيضاً كثيراً ما يقتصر الصحابي ومن بعده من السلف على وجه واحد مما يقتضيه النظم القرآني باعتبار المعنى اللغوي، ومعلوم أن ذلك لا يستلزم إهمال سائر المعاني التي تفيدها اللغة العربية ولا إهمال ما يستفاد من العلوم التي يتبين بها دقائق العربية وأسرارها كعلم المعاني والبيان، فإن التفسير بذلك هو تفسير اللغة لا تفسير بمحض الرأي المنهي عنه؛ وقد قال سفيان ليس في تفسير القرآن اختلاف. إنما هو كلام جامع يراد منه هذا وهذا؛ وقال أبو الدرداء: لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوهاً. وأخرج ابن سعد أن علياً قال لابن عباس: " اذهب إليهم (يعني الخوارج) ولا تخاصمهم بالقرآن فإنه ذو وجوه، ولكن خاصمهم بالسنة ". وأيضاً لا يتيسر في كل تركيب من التراكيب القرآنية تفسير ثابت عن السلف بل قد يخلو عن ذلك كثير من القرآن. ولا اعتبار بما لا يصح كالتفسير

المنقول بإسناد ضعيف، ولا بتفسير من ليس بثقة منهم وإن صح إسناده إليه، وبهذا تعرف أنه لا بد من الجمع بين الأمرين والتحلي بالوصفين، وعدم الاقتصار على مسلك أحد الفريقين، وهذا هو المقصد الذي أردته والمسلك الذي قصدته. وأذكر الحديث معزواً إلى راويه من غير بيان حال الإسناد، لأني آخذه من الأصول التي نقلت عنها كذلك كما يقع في تفسير ابن جرير والقرطبي وابن كثير والسيوطي، ويبعد كل البعد أن يعلموا في الحديث ضعفاً ولا يبينوه، ولا ينبغي أن يقال فيما أطلقوه أنهم قد علموا ثبوته، فإن من الجائز أن ينقلوه من دون كشف عن حال الإسناد، بل هذا هو الذي يغلب به الظن لأنهم لو كشفوا عنه فثبتت عندهم صحته لم يتركوا بيان ذلك كما يقع منهم كثيراً التصريح بالصحة والحسن، فمن وجد الأصول التي يروون عنها ويعزون ما في تفاسيرهم إليها فلينظر في أسانيدها موفقاً إن شاء الله تعالى. واعلم أن تفسير السيوطي المسمى بالدر المنثور، قد اشتمل على غالب ما في تفسيرات السلف من التفاسير المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتفاسير الصحابة ومن بعدهم، وما فاته إلا القليل النادر، وقد اشتمل هذا التفسير مني على جميع ما تدعو إليه الحاجة مما يتعلق بالتفسير مع اختصار لما تكرر لفظاً واتحد معنى بقولي ومثله أو ونحوه، وضممت إلى ذلك فوائد لم يشتمل عليها زبر أهل الرواية، ووجدتها في غيرها من تفاسير علماء الدراية، وعوائد لاحت لي من تصحيح أو تحسين أو تضعيف أو تعقب أو جمع أو ترجيح، مع تحرير للمقاصد بحسب ما يراد ولا يذاد، وتقرير للمعاقد بحيث لا يضاد ولا يصاد، ولم آل جهداً في حسن تحريره وتهذيبه وسعياً في لطافة مزجه بالمفسر وترتيبه بألفاظ تنفتح لها الآذان وتنشرح بها الصدور، ومعان تتهلل بها وجوه الأوراق وتتبسم ثغور السطور، رغبة إلى الدخول من أبوابه والكون من أحزابه، ونشاطاً إلى القعود في محرابه، وبذلاً للقوة في إيراد مباحث قلت عناية المتأخرين بها من المفسرين، وقد بالغ في الاعتناء بها المحققون من المتقدمين، لا سيما السمعيات التي هي المطلب الأعلى، والمقصد الأقصى في

أصول الدين، والعروة الوثقى والعمدة القصوى لأهل الحق واليقين، مع تنقيح للكلام، وتوضيح للمرام، يهتزله علماء البلاد في كل ناد، ولا يغض منه إلا كل هائم في واد، من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلله فما له من هاد. ووطنت النفس على سلوك طريقة، هي بالقبول عند الفحول حقيقة، مقتصراً فيه على أرجح الأقوال، وإعراب ما يحتاج إليه عند السؤال، وترك التطويل بذكر أقوال غير مرضية، وقصص لا تصح وأعاريب محلها كتب العربية. وحيث ذكرت فيه شيئاً من القراآت فهو من السبع المشهورات إلا ما شاء الله، وقد أذكر بعض أقوال وأعاريب لقوة مداركها أو لورودها وإذا قرع سمعك ما لم تسمع به من المحصلين، فلا تُسرع وقف وقفة المتأملين لعلك تطلع بوميض برق إلهي، وتألق نور رباني من شاطىء الوادي الأيمن في البقعة المباركة على برهان له جلي أو بيان من سلف صالح واضح وضي. وقد تلقيت هذا التفسير بحمد الله من تفاسير متعددة عن أئمة ظهرت وبهرت مفاخرهم، وانتشرت واشتهرت مآثرهم، جمعني الله وإياهم وجميع المسلمين ومن أخلفهم في مستقر رحمته من فراديس جنته. فهذا التفسير وإن كبر حجمه فقد كثر علمه، وتوفر من التحقيق قسمه وأصاب غرض الحق سهمه، مفيد لمن أقبل على تحصيله، مفيض على من تمسك بذيل إجماله وتفصيله، وقد اشتمل على جميع ما في كتب التفاسير من بدائع الفوائد، مع زوائد فرائد وقواعد شوارد، من صحيح الدراية، وصريح الرواية. فإن أحببت أن تعتبر صحة هذا فهذه كتب التفسير على ظهر البسيطة أنظر تفاسير المعتمدين على الرواية ثم ارجع إلى تفاسير المعتمدين على الدراية، ثم انظر في هذا التفسير بعد النظرين، فعند ذلك يسفر الصبح لذي عينين، ويتبين لك أن هذا الكتاب هو لب اللباب وعجب العجاب، وذخيرة الطلاب ونهاية مآرب أرباب الألباب، وأسوة المتبعين، وقدوة الناسكين، وهدى للمتقين.

وقد جاء بحمد لله كنزاً مدفوناً من جواهر الفوائد، وبحراً مشحوناً بنفائس الفرائد، في لطائف طالما كانت مخزونة، وعن الإضافة مصونة، بتقارير ترتاح لها نفوس المحصلين الكاملين وتنزاح منها شُبه المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وتضحَى أنوارها في قلوب السعداء وتطلع نيرانها على أفئدة الأعداء لا يعقل بيناتها إلا العالمون، ولا يجحد بآياتها إلا القوم الظالمون وسميته: (فتح البيان في مقاصد القرآن) وهو اسم له تاريخي، مستمداً من الله سبحانه بلوغ الغاية، والوصول بعد هذه البداية إلى النهاية، راجياً منه جل جلاله أن يديم به الانتفاع، ويجعله من الذخائر التي ليس لها انقطاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اعلم أن الأحاديث في فضائل القرآن كثيرة جداً ولا يتم لصاحب القرآن ما يطلبه من الأجر الموعود به في الأحاديث الصحيحة حتى يفهم معانيه، فإن ذلك هو الثمرة من قراءته. قال القرطبي (¬1) ينبغي له أن يتعلم أحكام القرآن فيفهم عن الله مراده وما فرض عليه فينتفع بما يقرأ ويعمل بما يتلو، فما أقبح بحامل القرآن أن يتلو فرائضه وأحكامه عن ظهر قلب وهو لا يفهم معنى ما يتلوه، فكيف يعمل بما لا يفهم معناه، وما أقبح به أن يسأل عن فقه ما يتلوه ولا يدريه، فما مثل من هذه حالته إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً. وينبغي له أن يعرف المكي من المدني، ليفرق بين ما خاطب الله به عباده في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخره وما فرض في أول الإسلام، وما زاد عليهم من الفرائض في آخره، فالمدني هو الناسخ للمكي في أكثر القرآن انتهى. وقد جمعت في بيان ناسخ القرآن والحديث ومنسوخهما مؤلفاً سميته إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ، وهو بالفارسية. وأجاب الشوكاني رحمه الله تعالى عمن سأله عن العوام والنساء الذين ¬

(¬1) راجع تفسير القرطبي 32 وما بعدها.

يقرؤون القرآن من غير معرفة حلاله وحرامه ومعانيه هل لهم الأجر الوارد من غير نقص أم لا، فقال: " الأجر على تلاوة القرآن ثابت لكنه إذا كان بتدبر معانيه فأجره مضاعف، وأما أصل الثواب بمجرد التلاوة فلا شك في حصوله، والله سبحانه لا يضيع عمل عامل منهم انتهى، فيمكن حمل ما ذكر هنا أولاً على مضاعفة الأجر الموعود به لا مجرد الإثابة على نفس التلاوة ". وأما ما جاء عن الصحابة والتابعين في فضل التفسير فعن علي أنه ذكر جابر بن عبد الله ووصفه بالعلم وقال: إنه كان يعرف تفسير قوله تعالى (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد) وقال مجاهد: أحب الخلق إلى الله أعلمهم بما أنزل الله، وقال الشعبي: رحل مسروق في تفسير آية إلى البصرة فقيل له إن الذي يفسرها رجل في الشام فتجهز ورحل إلى الشام حتى علم تفسيرها، وقال عكرمة: في قوله سبحانه (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله) طلبت اسم هذا الرجل أربع عشرة سنة حتى وجدته. قال ابن عبد البر: هو ضميرة بن حبيب، وقال ابن عباس: مكثت سنتين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يمنعني إلا مهابته فسألته فقال: هي حفصة وعائشة. وقال إياس بن معاوية: مثل الذين يقرؤن القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من عند مليكهم ليلاً، وليس عندهم مصباح فتداخلتهم روعة ولا يدرون ما في الكتاب، ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرؤا ما في الكتاب. وللسلف رحمهم الله من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر، وعن عثمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خيركم من تعلم القرآن وعلمه " (¬1) رواه البخاري، وعن عائشة قالت: قال رسول- الله - صلى الله عليه وسلم - " الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران " (¬2) متفق عليه. ¬

(¬1) البخاري/5027 باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (¬2) مسلم/244 - ابن ماجة/52 - مسند أحمد 6/ 98

وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين (¬1) " رواه مسلم، وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه (¬2) " رواه مسلم، وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يقال لصاحب القرآن اقرأ وآرقَ ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها (¬3) " رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي. وأخرج الدارمي والترمذي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن الذي ليس في جوفه من القرآن كالبيت الخرب " (¬4) قال الترمذي هذا حديث صحيح، وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يقول الرب تبارك وتعالى من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه " (¬5) رواه الترمذي والدارمي والبيهقي في شعب الإيمان، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول ال م حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف " (¬6) رواه الترمذي وصححه والدارمي وعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق " (¬7) رواه الدارمي، وعن علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت لهم النار " رواه أحمد والترمذي واستغربه ابن ماجة ¬

(¬1) مسلم/269 - صحيح الجامع الصغير 1892 (¬2) مسلم/804 - (¬3) أبو داود/1464 - الترمذي/2914 (¬4) الترمذي/2913 (¬5) الترمذي 2926 بخلافات يسيرة في الرواية (¬6) الترمذي 2910 (¬7) الدارمي كتاب فضائل القرآن الباب الأول.

والدارمي وفيه حفص بن سليمان يضعف في الحديث (¬1). وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها (¬2) " متفق عليه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الإعتصام بالكتاب والسنة. وأما أحاديث فضائل القرآن سورة سورة فلا خلاف بين من يعرف الحديث إنها موضوعة مكذوبة، وقد أقر به واضعها أخزاه الله بأنه الواضع لها وليس بعد الاقرار شيء، ولا اغترار بمثل ذكر الزمخشري لها في آخر كل سورة فإنه وإن كان إمام اللغة والآلات على اختلاف أنواعها، فلا يفرق في الحديث بين أصح الصحيح وأكذب الكذب، ولا يقدح ذلك في علمه الذي بلغ فيه غاية التحقيق. ولكل علم رجال، وقد وزع الله سبحانه الفضائل بين عباده، والزمخشري نقل هذه الأحاديث عن تفسير الثعلبي، وهو مثله في عدم المعرفة بعلم السنة. وقد أخطأ من قال إنه يجوز التساهل في الأحاديث الواردة في فضائل الأعمال، وذلك لأن الأحكام الشرعية متساوية الاقدام، لا فرق بين واجبها ومحرمها ومسنونها ومكروهها ومندوبها فلا يحل إثبات شيء منها إلا بما تقوم به الحجة: وإلا فهو من التقول على الله بما لم يقل ومن التجرىء على الشريعة المطهرة بإدخال ما لم يكن منها فيها، وقد صح تواتراً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " من كذب علىَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (¬3) " فهذا الكذاب الذي كذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محتسباً للناس بحصول الثواب لم يربح إلا كونه من أهل النار. وأما الذي يقرأ القرآن ولا يعرف معناه كالعوام فالأجر على تلاوة القرآن ¬

(¬1) مشكاة المصابيح 2140. (¬2) البخاري/5033 - مسلم/791 (¬3) البخاري 1/ 28 وانظر إلى ما كتبه السيوطي حول هذا الحديث حيث جمع له أكثر من سبعين رواية في كتابه القيم تحذير الخواص من أكاذيب القصاص وقد صدر بتحقيق د. محمد الصباغ.

ثابت، لكنه إذا كان يتدبر معانيه ويمكنه فهمها فأجره مضاعف، وأما أصل الثواب بمجرد التلاوة فلا شك فيه والله سبحانه لا يضيع عمل عامل، وتلاوة القرآن كتابه سبحانه من أشرف الأعمال لفاهم ولغير فاهم، وإذا أضاع أحد ما اشتمل عليه القرآن من الأحكام أثم من جهة الاضاعة لا من جهة التلاوة والله أعلم. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نزل القرآن على خمسة: حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا الحلال وحرموا الحرام واعملوا بالمحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال (¬1) "، أخرجه البغوي، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار (¬2))، رواه الترمذي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المراء في القرآن كفر (¬3) " وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قوماً يتدارءون في القرآن فقال: " إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً فلا تكذبوا بعضه ببعض، فما علمتم منه فقولوا وما جهلتم فكلوه إلى عالمه (¬4) " رواه أحمد وابن ماجة. قال البغوي في تفسيره قد جاء الوعيد في حق من قال في القرآن برأيه، وذلك فيمن قال من قبل نفسه شيئاً من غير علم، فأما التأويل وهو صرف الآية إلى معنى يحتمل موافق لما قبلها وما بعدها غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط فقد رخص فيه لأهل العلم، أما التفسير وهو الكلام في أسباب نزول الآية وشأنها وقصتها فلا يجوز إلا بالسماع بعد ثبوته من طريق النقل. ¬

(¬1) مشكاة المصابيح/182 (¬2) مشكاة المصابيح/234 والترمذي وسنده ضعيف (¬3) صحيح الجامع الصغير/6563 ومشكاة المصابيح/236 (¬4) أحمد 1/ 185 المشكاة/237

وأصل التفسير من التفسرة وهو الدليل الذي ينظر فيه الطبيب فيكشف عن علة المريض، كذلك المفسر يكشف عن شأن الآية وقصتها، واشتقاق التأويل من الأول وهو الرجوع يقال أولته فآل أي صرفته فانصرف انتهى، والفرق بينهما أن التفسير موقوف على النقل المسموع، والتأويل موقوف على الفهم الصحيح. وفي الحديث " أنزل القرآن على سبعة أحرف " (¬1) واختلفوا في المراد بها على أقوال ذكرتها في الأكسير. والسور باعتبار الناسخ والمنسوخ على أقسام، ذكر سليمان الجمل بعض ذلك في حاشيته على الجلالين، وقد أوضحت المرام في إفادة الشيوخ بما لا مزيد عليه، وتفصيل حروف القرآن ذكرها النسفي في كتابه (مجمع العلوم ومطلع النجوم) وليست هذه من التفسير في شيء وأما علوم القرآن فقد استوعبها السيوطي في الاتقان، على وجه البسط والإيقان، ولا دخل لكلها في فن التفسير، وعقد النظام النيسابوري في تفسيره مقدمات أكثرها بمعزل عن علم التفسير، ولهذا لم نتكلم عليها في تفسيرنا هذا إلا في الشيء اليسير. وها أنا أشرع الآن بحمد الله في تحرير ما هو بصائر أولي النهى والتمييز، في تفسير الكتاب العزيز، وبحسن توفيقه أقول وهو الموفق لكل خير والمعطي كل مسؤول. المؤلف ¬

(¬1) صحيح الجامع/1507 وانظر مقدمة تفسير القرطبي حول هذا الموضوع ص 38 وما بعدها.

سورة الفاتحة

سورة الفاتحة أي فاتحة الكتاب معناها أول ما من شأنه أن يفتتح به الكتاب، ثم أطلقت على أول كل شيء كالكلام، والتاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية أو هي مصدر بمعنى الفتح أطلقت عليه تسمية للمفعول باسم المصدر، وإشعاراً بأصالته كأنه نفس الفتح والإضافة بمعنى اللام كما في جزء الشيء لا بمعنى (من) كما في خاتم فضة، لما عرفت أن المضاف جزء من المضاف إليه لا جزئي له، وسميت بذلك لأن القرآن افتتح بها إذ هي أول ما يكتبه الكاتب من المصحف، وأول ما يتلوه التالي من الكتاب العزيز، وإن لم تكن أول ما نزل من القرآن، وقد اشتهرت بهذا الإسم في أيام النبوة، قيل أنها مكية وهو قول أكثر العلماء، وقيل مدنية وهو قول مجاهد، وقيل أنها نزلت مرتين مرة بمكة حين فرضت الصلوات الخمس، ومرة بالمدينة حين حولت القبلة جمعاً بين الروايات، والأول أصح قاله البغوي، ورجحه البيضاوي. وأسماء السور توقيفية وكذا ترتيب السور والآيات أي تتوقف على نقلها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل غير ذلك، وإنما هذا على الارجح، والسورة طائفة من القرآن لها أول وآخر وترجمة باسم خاص بها بتوقيف، والسورة قد يكون لها إسم واحد، وقد يكون لها إسمان أو أكثر. وأسماء السور في المصاحف لم يثبتها الصحابة في مصاحفهم، وإنما هو شيء ابتدعه الحجاج كما ابتدع إثبات الأعشار والأسباع، وسميت هذه أم القرآن لكونها أصلاً ومنشأً له إما لمبدئيتها له وإما لاشتمالها على ما فيه من الثناء على الله عز وجل، والتعبد بأمره ونهيه وبيان وعده ووعيده، أو على جملة

معانيه من الحكم النظرية والأحكام العملية التي هي سلوك الصراط المستقيم، والاطلاع على معارج السعداء ومنازل الأشقياء، والمراد بالقرآن هو المراد بالكتاب، وسميت أيضاً أم الكتاب لأنه يبدأ بقراءتها في الصلاة، قاله البخاري في الصحيح. وقال أبو السعود مناط التسمية ما ذكر في أم القرآن لا ما أورده البخاري، فإنه مما لا تعلق له بالتسمية كما أشير إليه، قال ابن كثير وصحح تسميتها بالسبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة فتقرأ في كل ركعة أو لتكرر نزولها وأخرج أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " هي أم القرآن وهي السبع المثاني، وهي القرآن العظيم " (¬1) وأخرج ابن جرير عنه عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: " قال هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني " (¬2)؛ وأخرج نحوه ابن مردويه والدارقطني من حديثه: " وقال كلهم ثقات. ومن أسمائها كما حكاه في الكشاف سورة الكنز والوافية، وسورة الحمد، وسورة الصلاة، وتسمى الكافية لأنها تكفي عن سواها في الصلاة ولا يكفي سواها عنها، وسورة الشفاء والشافية لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: " هي الشفاء من كل داء " وأخرج الثعلبي عن الشعبي أن رجلاً اشتكى إليه وجع الخاصرة فقال عليك بأساس القرآن (¬3). وأخرج البيهقي في الشعب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن الله أعطاني فيما مَنَّ به عليَّ فاتحة الكتاب وقال: هي كنز من كنوز عرشي (¬4) "، وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده عن علي نحوه مرفوعاً، وذكر القرطبي للفاتحة اثني عشر اسماً، وقد ذكر السيوطي في الإتقان خمسة وعشرين اسماً للفاتحة. ¬

(¬1) الإمام أحمد 2/ 152 وانظر الفتح الرباني جزء 18/ 66. (¬2) رواه أحمد الترمذي وصححه والبخاري تفسير 1/ 1 وتمام الحديث ص 30. (¬3) راجع زاد المسير 1/ 10. (¬4) ضعيف الجامع/1561.

وهي سبع آيات بلا خلاف كما حكاه ابن كثير في تفسيره، قال القرطبي: أجمعت الأمة على أنها سبع آيات إلا ما روي عن حسين الجعفي أنها ست وهو شاذ، وعن عمرو بن عبيد أنه جعل (إياك نعبد) آية فهي عنده ثمان وهو شاذ انتهى، وإنما اختلفوا في البسملة كما سيأتي: وقد أخرج عبد بن حميد ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن الأنباري في المصاحف عن محمد بن سيرين أن أبيّ بن كعب وعثمان بن عفان كانا يكتبان فاتحة الكتاب والمعوذتين، ولم يكتب ابن مسعود شيئاً منهن، وقد خالف في ذلك إجماع الصحابة وسائر أهل البيت ومن بعدهم، وأخرج ابن حميد عن إبراهيم قال كان عبد الله بن مسعود لا يكتب فاتحة الكتاب في المصحف، وقال لو كتبتها لكتبت في أول كل شيء. وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث: منها ما أخرجه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له " لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد، قال فأخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قال نعم: الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته " (¬1). وأخرج أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبيّ بن كعب أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال له أتحب أن أعلمك سورة لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها (¬2)؟ ثم أخبره أنها الفاتحة. وأخرج أحمد في المسند من حديث عبد الله بن جابر: " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: ألا أخبرك بآخر سورة في القرآن؟ قلت بلى يا رسول الله، قال: اقرأ الحمد لله رب العالمين حتى تختمها (¬3)، " وفي سنده ابن عقيل، وقد احتج به ¬

(¬1) النسائي/26 - أبو داود الوتر/15 - أحمد 4/ 211 - البخاري تفسير 1/ 1. (¬2) الترمذي- ثواب القرآن 1 - أحمد 2/ 413 و 5/ 114. (¬3) أحمد وصحيح الجامع الصغير 2589.

كبار الأئمة وبقية رجاله ثقات، وابن جابر هذا هو العبدي كما قال ابن الجوزي وقيل الأنصاري البياضي كما قال ابن عساكر. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما أخبره بأن رجلاً رقى سليماً بفاتحة الكتاب: " وما كان يدريه أنها رقية " الحديث (¬1). وأخرج مسلم والنسائي عن ابن عباس قال " بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده جبرائيل إذ سمع نقيضاً فوقه فرفع جبرائيل بصره إلى السماء فقال: هذا باب قد فتح من السماء ما فتح لنبيٍّ قط قال فنزل منه ملك فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته (¬2) ". وأخرج مسلم والنسائي والترمذي وصححه عن أبي هريرة " من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ثلاثاً غير تمام " (¬3) وأخرج البزار في مسنده بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت (¬4) ". وأخرج سعيد بن منصور في سننه والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي سعيد الخدري قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " فاتحة الكتاب شفاء من كل سقم (¬5) "، وأخرج أبو الشيخ نحوه من حديثه وحديث أبي هريرة مرفوعاً، وأخرج الدارمي والبيهقي في شعب الإيمان بسند رجاله ثقات عن عبد الملك ابن عمير قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فاتحة الكتاب " شفاء من كل داء (¬6) ". ¬

(¬1) انظر الحديث بتمامه مسلم 4/ 2201 والبخاري 1132. (¬2) انظر الحديث بتمامه مسلم 1/ 806. (¬3) انظر الحديث بتمامه مسلم 1/ 395. (¬4) ضعيف الجامع 822. (¬5) ضعيف الجامع 3954 و3955. (¬6) ضعيف الجامع 3954 و3955.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن جرير والحاكم وصححه عن خارجة بن الصلت التميمي عن عمه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أقبل راجعاً من عنده، فمر على قوم وعندهم رجل مجنون موثق بالحديد، فقال أهله أعندك ما تداوي به هذا فإن صاحبكم قد جاء بخير، قال فقرأت عليه فاتحة الكتاب ثلاثة أيام في كل يوم مرتين غدوة وعشية أجمع بناني ثم أتفل فبرأ فأعطاني مائة شاة، فأتيت النبي صلى الله عليهه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال " كُل فمن أكل برقية باطلة فقد أكلت برقية حق (¬1) ". وعن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب ثلثا القرآن (¬2)، وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قرأ أم القرآن وقل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن "، وأخرج عبد بن حميد في مسنده بسند ضعيف عن ابن عباس يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تعدل بثلث القرآن (¬3) " وأخرج الحاكم وصححه وأبو ذر الهروي في فضائله والبيهقي في الشعب عن أنس قال كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسير له فنزل فمشى رجل من أصحابه إلى جنبه، فالتفت إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " ألا أخبرك بأفضل القرآن فتلا عليه الحمد لله رب العالين (¬4) ". وأخرج أبو نعيم والديلمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فاتحة الكتاب تجزىء ما لا يجزىء شيء من القرآن، ولو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات (¬5) ". وأخرج أبو عبيد في فضائله عن الحسن مرسلاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) صحيح الجامع 4370. (¬2) انظر ضعيف الجامع 5953. (¬3) من قرأ قل هو الله أحد فكأنما قرأ ثلث القرآن الزوائد 7/ 146. (¬4) الحاكم 1/ 560. (¬5) ضعيف الجامع/3952.

من قرأ فاتحة الكتاب فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، إلى غير ذلك من الأحاديث. ثم الاستعاذة قبل القراءة سنة عند الجمهور لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) واختلفوا في لفظها المختار، ولا يأتي بكثير فائدة، ومعنى أعوذ بالله ألتجىء إليه وأمتنع به مما أخشاه، من عاذ يعوذ والشيطان أصله من شطن أي تباعد من الرحمة أو من شاط إذا هلك واحترق، والأول أولى. والشيطان اسم لكل عات من الجن والإنس، والرجيم من يرجم بالوسوسة أو مرجوم بالشهب عند استراق السمع أو بالعذاب أو مطرود عن الرحمة. والاستعاذة تطهر القلب عن كل شيء شاغل عن الله. ومن لطائفها أن قوله (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) إقرار من العبد بعجزه وضعفه وبقدرة الباري على دفع جميع المضرات.

سورة الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

1

اختلف أهل العلم في البَسْمَلَة: هل هي آية مستقلة في أول كل سورة كتبت في أولها، أو هي بعض آية من أول كل سورة أو هي كذلك في الفاتحة فقط دون غيرها أو أنها ليست بآية في الجميع وإنما كتبت للفصل؟ والأقوال وأدلتها مبسوطة في موضع الكلام على ذلك وقد اتفقوا على أنها بعض آية في سورة النمل، وقد جزم قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما بأنها آية من الفاتحة ومن كل سورة، وخالفهم قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤها فلم يجعلوها آية لا من الفاتحة ولا من غيرها من السور، وقالوا إنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك للابتداء بها. وبالأول قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في أحد قوليه، وإسحق وعلي بن أبي طالب والزهري ومحمد ابن كعب والثوري، وهو القول الجديد للشافعي، ولذلك يجهر بها عنده. وبالثاني قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه، قال أبو السعود وهو الصحيح من مذهب الحنفية. وقد أثبتها السلف في المصحف مع الأمر بتجريد القرآن عما ايس منه، ولذا لم يكتبوا آمين. وقد أخرج أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عباس أن

رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان لا يعرف فصل السورة، وفي رواية انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرط الشيخين. وأخرج ابن خزيمة في صحيحه عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية، وفي إسناده عمر بن هارون البلخي وفيه ضعف. وروى نحوه الدارقطني مرفوعاً عن أبي هريرة، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني (¬1)، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها، رواه الدارقطني وقال رجال إسناده كلهم ثقات، ورواه البخاري في تاريخه، وروي موقوفاً أيضاً. وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنزلت عليّ آنفاً سورة فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر (¬2) " الحديث. قال البيهقي أحسن ما احتج به أصحابنا في أن البسملة من القرآن وأنها من فواتح السور سوى سورة براءة ما روينا في جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف، وأنهم كتبوا فيها البسملة على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا فيها مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن، وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس أنه كان يعد البسملة آية من الفاتحة ويقول انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن، رواه الشافعي. وكما وقع الخلاف في إثباتها وقع الخلاف في الجهر بها في الصلاة وقد أخرج النسائي في سننه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة أنه صلى فجهر في قراءته بالبسملة وقال بعد أن فرغ إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصححه الدارقطني والخطيب والبيهقي ¬

(¬1) صحيح الجامع 729 - الدارقطني 1/ 312. (¬2) صحيح الجامع 1510 - مسلم 1/ 53 - أبو داود 23 - النسائي 21.

وغيرهم، وروى أبو داود والترمذي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، قال الترمذي وليس إسناده بذاك، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عباس بلفظ كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم (¬1)، ثم قال صحيح. وأخرج البخاري في صحيحه عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال كانت قراءته مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم، وأخرج أحمد في المسند وأبو داود في السنن وابن خزيمة في صحيحه والحاكم في مستدركه، عن أم سلمة أنها قالت كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقطع قراءته بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين (¬2)، وقال الدارقطني إسناده صحيح. وبهذا قال من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ومن التابعين فمن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاوس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وغيرهم، وإليه ذهب الشافعي. واحتج من قال إنه لا يجهر بالبسملة في الصلاة بما في صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي الصحيحين عن أنس قال صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، ولمسلم: لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول القراءة ولا في آخرها (¬3)، وأخرج أهل السنن نحوه عن عبد الله بن مغفل، وإلى هذا ذهب الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة ¬

(¬1) الحاكم 1/ 208. (¬2) ضعيف الجامع/4876. (¬3) مسلم/399 - البخاري/453.

كابن مسعود وعمار بن ياسر وابن مغفل وغيرهم، ومن التابعين الحسن والشعبي وابراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري، وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. وأحاديث الترك وإن كانت أصح. ولكن الإثبات أرجح مع كونه خارجاً من مخرج صحيح فالأخذ به أوفى ولا سيما مع إمكان تأويل الترك، وهذا يقتضي الإثبات الذاتي أعني كونها قرآناً، والوصفي أعني الجهر بها عند الجهر بقراءة ما يفتتح بها من السور في الصلاة. والحاصل أن البسملة آية من الفاتحة ومن غيرها من السور، وحكمها من الجهر والإسرار حكم الفاتحة فيجهر بها مع الفاتحة في الصلاة الجهرية، ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات. ولتنقيح البحث والكلام على أطرافه استدلالاً ورداً وتعقباً ودفعاً، ورواية ودراية موضع غير هذا، وقد استوفاه الشوكاني في شرحه للمنتقى، وله جواب عن سؤال نظماً ونثراً. ومتعلق الباء محذوف وهو اقرأ أو اتلو، وتقديم المعمول للاعتناء به والقصد إلا التخصيص، ويظهر رجحان تقدير الفعل متأخراً في مثل هذا المقام ولا يعارضه قوله تعالى (اقرأ باسم ربك) لأن المقام مقام القراءة فكان الأمر بها أهم، وأما الخلاف بين أئمة النحو في كون المقدر اسماً أو فعلاً فلا يتعلق بذلك كثير فائدة، والباء للاستعانة أو للمصاحبة تبركاً، ورجح الثاني الزمخشري، والإسم هو اللفظ الدال على المسمَّى، ومن زعم أن الإسم هو المسمى كما قاله أبو عبيدة وسيبويه والباقلاني وابن الفورك " وحكاه الرازي عن الحشوية والكرامية والأشعرية، فقد غلط غلطاً بيناً، وجاء بما لا يعقل مع عدم ورود ما يوجب المخالفة للعقل لا من الكتاب ولا من السنة ولا من لغة العرب، بل العلم الضروري حاصل بأن الإسم الذي هو أصوات منقطعة وحروف مؤلفة غير المسمى الذي هو مدلوله، والبحث مبسوط في علم الكلام.

وثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة (¬1)، وقال الله عز وجل (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) وقال تعالى: (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّاً مَّا تدعوا فله الأسماء الحسنى). (الله) علم عربي مرتجل جامد عند الأكثر، خاص لذات الواجب الوجود تفرد به الباري سبحانه لِم يطلق على غيره، ولا يشركه فيه أحد، وعند الزمخشري اسم جنس صار علماً بالغلبة، والأول هو الصحيح، ولم يقل بالله للفرق بين اليمين والتيمن، أو لتحقيق ما هو المقصود بالاستعانة ههنا فإنها تكون تارة بذاته تعالى وتارة باسمه عز وعلا، فوجب تعيين المراد بذكر الإسم وعند المحققين أنه اسم الله الأعظم، وقد ذكره الله تعالى في ألفين وثلثمائة وستين موضعاً من القرآن. (الرحمن) من الصفات الغالبة لم يستعمل في غير الله عز وجل، وقال أبو علي الفارسي الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به الله تعالى (الرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين قال تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً) وعن ابن عباس قال هما إسمان أحدهما أرق من الآخر، وقيل معناهما ذو الرحمة جمع بينهما للتأكيد وقيل غير ذلك، والأول أولى، وفي الرحمن من المبالغة ما ليس في الرحيم. والرحمة إرادة الخير والإحسان لأهله، وقيل ترك عقوبة من يستحق العقاب: وإسداء الخير والإحسان إلى من لا يستحق، فهو على الأول صفة ذات وعلى الثاني صفة فعل، وأسماء الله تؤخذ باعتبار الغايات التي هي أفعال دون المبادىء التي هي انفعالات، وإفراد الوصفين الشريفين بالذكر لتحريك سلسلة الرحمة، وهل الرحمن مصروف أو لا، فيه قولان، مال التفتازاني إلى جواز الأمرين، وقد ورد في فضلها أحاديث ينبغي البحث عن أسانيدها والكلام ¬

(¬1) صحيح الجامع/2163. وفي رواية مسلم إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً. مسلم/2677 البخاري 2098.

عليها، وقد شرعت التسمية في مواطن كثيرة قد بينها الشارع منها عند الوضوء، وعند الذبيحة، وعند الأكل وعند الجماع وغير ذلك.

2

(الحمد لله) هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري على قصد التبجيل، وبهذا فارق المدح، وقال الزمخشري إنهما أخوان، والحمد أخص من الشكر مورداً، وأعم منه متعلقاً، وبه صرح في الفائق، لكن الأوفق ما عليه الأكثر أنهما غير مترادفين بل متشابهان معنى أو اشتقاقاً كبيراً، وتعريفه لاستغراق إفراد الحمد، وأنها مختصة بالرب سبحانه على معنى أن حمد غيره لا اعتداد به، لأن المنعم هو الله عز وجل، أو على أن حمده هو الفرد الكامل، فيكون الحصر ادعائياً، ورجح الزمخشري أن التعريف هنا هو تعريف الجنس لا الإستغراق، وإليه نحا أبو السعود، والصواب ما ذكرناه وعليه الجمهور. وقد جاء في الحديث " اللهم لك الحمد كله " (¬1) قال ابن جرير الحمد ثناء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه فكأنه قال قولوا الحمد لله، ثم رجح اتحاد الحمد والشكر مستدلاً على ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلاً من الحمد والشكر مكان الآخر، قال ابن كثير وفيه نظر لأنه اشتهر عند كثير من العلماء المتأخرين أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان واللسان والأركان، انتهى. ولا يخفى أن المرجع في مثل هذا إلى معنى الحمد في لغة العرب لا إلى ما قاله جماعة من العلماء المتأخرين فإن ذلك لا يرد على ابن جرير ولا تقوم به الحجة هذا إذا لم يثبت للحمد حقيقة شرعية فإن ثبتت وجب تقديمها. روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال: الحمد لله كلمة الشكر، ¬

(¬1) ورد أحاديث كثيرة فيها هذا اللفظ ومنها ما أخرجه مسلم 769 - 476.

وإذا قال العبد الحمد لله قال الله: شكرني عبدي (¬1)، وروى ابن جرير عن الحكم بن عمير وكانت له صحبة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " إذا قلت الحمد لله رب العالمين فقد شكرت الله فزادك ". وأخرج عبد الرزاق في المصنف والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والخطابى في الغريب والبيهقي في الأدب والديلمي في مسند الفردوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبد لا يحمده " (¬2) وأخرج الطبراني في الأوسط بسند ضعيف عن النواس بن سمعان قال: " سرقت ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي فرجعت، فلما رآها قال الحمد لله فانتظروا هل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوم أو صلاة فظنوا أنه نسي، فقالوا يا رسول الله كنت قد قلت لئن ردها الله عليّ لأشكرن ربي؛ قال ألم أقل الحمد لله ". وقد ورد في فضل الحمد أحاديث: منها ما أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه البخاري في الأدب المفرد عن الأسود بن سريع قال: قلت يا رسول الله ألا أنشدك محامد حمدت بها ربي تبارك وتعالى؟ فقال أما إن ربك يحب الحمد (¬3). وأخرج الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الحمد لله) (¬4). ¬

(¬1) وفي الحديث الطويل لمسلم 395/قال الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي .... قال الله حمدني عبدي. (¬2) الدارقطني 10/ 311. (¬3) ضعيف الجامع/2789. (¬4) صحيح الجامع 1/ 1115 - الأحاديث الصحيحة/1497. ابن حبان/2326.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن جابر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ما من عبد ينعم عليه بنعمة إلا كان الحمد أفضل منها " وأخرج مسلم والنسائي وأحمد عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - " الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان " (¬1) وأخرج البيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما شيء أحب إلى الله من الحمد "، وفي الباب أحاديث. وأخرج أهل السنن وابن حبان والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " (¬2) وأخرج مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها " (¬3). وإيثار الرفع على النصب الذي هو الأصل للإيذان بأن ثبوت الحمد له تعالى لذاته لا لإثبات مثبت؛ وأن ذلك أمر دائم مستمر لا حادث متجدد كما تفيده قراءة النصب. (رب العالمين) قال في الصحاح الرب اسم من أسماء الله تعالى ولا يقال في غيره إلا بالإضافة وقد قالوه في الجاهلية للملك وقال الزمخشري " الرب " المالك كما يقال رب الدار ورب الشيء أي مالكه قال القرطبي والرب السيد ومنه قوله تعالى: (اذكرني عند ربك) وفي الحديث " أن تلد الأمة ربتها " (¬4) والرب المصلح والمدبر والمربي والجابر والقائم قال والرب المعبود. والعالمين جمع عالم لا واحد له من لفظه، وهو اسم لما يعلم به غلب فيما يعلم ¬

(¬1) صحيح الجامع/3852. (¬2) ضعيف الجامع/4221. (¬3) صحيح الجامع/1812 - الأحاديث الصحيحة/1651. مسلم 8/ 87 الترمذي 1/ 334 أحمد 3/ 100. (¬4) مسلم 8/من الحديث الجامع عن عمر بن الخطاب بينا نحن جلوس عند رسول الله ... وانظر الأربعين نووية الحديث الأول.

به الصانع من المصنوعات، قال أبو السعود وهو الأحق الأظهر أو اسم لكل موجود سوى الله تعالى، قال قتادة فيدخل فيه جميع الخلق، وهو ظاهر كلام الجوهري، وقيل أهل كل زمان عالم، قاله الحسين بن مفضل، وقال ابن عباس العالمون هم الجن والإنس، وقيل اسم جمع عالم بالفتح وليس جمعاً له لأن العالم عام في العقلاء وغيرهم، والعالمين مختص بالعقلاء، والخاص لا يكون جمعاً لما هو أعم منه، قاله ابن مالك وتبعه ابن هشام في توضيحه، وذهب كثير إلى أنه جمع عالم على حقيقة الجمع، وقال الفراء وأبو عبيد: العالم عبارة عما يعقل وهم أربعة أمم الانس والجن والملائكة والشياطين، ولا يقال للبهائم عالم لأن هذا الجمع إنما هو جمع ما يعقل، حكاها القرطبي وذكر أدلتها، وقال إن القول الأول أصح هذه الأقوال لأنه شامل لكل مخلوق موجود، دليله قوله تعالى: (قال فرعون وما رب العالمين، قال رب السموات والأرض وما بينهما) وقيل عنى به الناس فإن كل واحد منهم عالم، وفيه بعد. قال الزجاج: العالم كل ما خلقه الله تعالى في الدنيا والآخرة وعلى هذا يكون جمعه بالياء والنون تغليباً للعقلاء على غيرهم وعن ابن عباس في الآية قال إنه الخلق كله، السموات كلهن ومن فيهن والأرضين كلهن ومن فيهن ومن بينهن مما يعلم ولا يعلم، وفيه دليل على أن رب العالمين جرى مجرى الدليل على وجود الآله القديم وبيان لشمول ربوبيته تعالى لجميع الأجناس، فآثار تربيته عز وجل الفائضة على كل فرد من أفراد الموجودات في كل آن من آنات الوجود غير متناهية فسبحانه ما أعظم شأنه لا تلاحظه العيون بأنظارها، ولا تطالعه العقول بأفكارها شأنه لا يضاهى، وإحسانه لا يتناهى، ونحن في معرفته حائرون، وفي إقامة مراسم شكره قاصرون. وأتى بجمع القلة تنبيهاً على أنهم وإن كثروا قليلون في جنب عظمته وكبريائه تعالى، واختلف في مبلغ عدد العالم على أقوال لم يصح شيء منها، والحق ما قاله سبحانه وتعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو).

3

(الرحمن الرحيم) هو اسمان مشتقان من الرحمة على طريق المبالغة والرحمن

أشد مبالغة من الرحيم، وفي كلام ابن جرير ما يفهم حكاية الاتفاق على هذا ولذلك قالوا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا وقد تقرر أن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى وقال ابن الأنباري والزجاج أن الرحمن عبراني، والرحيم عربي، وخالفهما غيرهما (قال القرطبي) وصف نفسه بهما لأنه لما كان باتصافه برب العالمين ترهيب قرنه بالرحمن الرحيم لا تضمن من الترغيب ليجمع في صفاته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته وأمنع، وقيل فائدة تكريره هنا بعد الذكر في البسملة أن العناية بالرحمة أكثر من غيرها من الأمور، وإن الحاجة إليها أكثر، فنبه سبحانه بتكرير ذكر الرحمة على كثرتها وأنه هو المتفضل بها على خلقه، وفيه إثبات الصفات الذاتية كما في التي قبلها إثبات الصانع وحدوث العالم.

4

(مالك) قد اختلف العلماء أيما أبلغ " ملك " أو " مالك " والقراءتان مرويتان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر، ذكرهما الترمذي، فذهب إلى الأول أبو عبيد والمبرد، ورجحه الزمخشري، وإلى الثاني أبو حاتم والقاضي أبو بكر بن العربي، والحق أن لكل واحد من الوصفين نوع أخصية لا يوجد في الآخر فالمالك يقدر على ما لا يقدر عليه الملك من التصرفات بما هو مالك له بالبيع والهبة والعتق ونحوها، والملك يقدر على ما لا يقدر عليه المالك من التصرفات العائدة إلى تدبير الملك وحياطته ورعاية مصالح الرعاية، فأحدهما أقوى من الآخر في بعض الأمور، والفرق بين الوصفين بالنسبة إلى الرب سبحانه أن الملك صفة لذاته والمالك صفة لفعله وقيل بينهما عموم مطلق، فكل ملك مالك، ولا عكس، لعموم ولاية الملك التزاماً لا مطابقة، قاله التفتازاني، وقيل هما بمعنى. وقد أخرج الترمذي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ " ملك " بغير ألف. وأخرج نحوه ابن الأنباري عن أنس، وأخرج أحمد والترمذي عن أنس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر

وعمر وعثمان كانوا يقرؤون " مالك " بالألف وأخرج نحوه سعيد بن منصور عن ابن عمر مرفوعاً، وأخرجِ نحوه أيضاً وكيع في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داود عن الزهري يرفعه مرسلاً، وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في تفسيره وعبد بن حميد وأبو داوود عن ابن المسيب مرفوعاً مرسلاً، (¬1) وقد روي هذا من طرق كثيرة فهو أرجح من الأول ومالك بمعنى المستقبل، قاله القرطبي، وإضافته إلى ما بعده حقيقية أو لفظية، والتعويل على القرائن والمقامات، قاله الكرخي، وهذا أمس بالعربية وأقعد في طريقها، قاله أبو القاسم الزجاجي. قال الخطيب والتقييد بقوله (يوم الدين) لا ينافي الاستمرار لأنه من غير اعتبار حدوث في أحد الازمنة انتهى. واليوم في العرف عبارة عما بين طلوع الشمس وغروبها من الزمان، وفي الشرع عما بين طلوع الفجر الثاني وغروب الشمس والمراد هنا مطلق الوقت، والدين الجزاء خيراً كان أو شراً. ويوم الدين يوم الجزاء من الرب لعباده يقال كما تدين تدان أي كما تفعل تجازى؛ ويدل قوله تعالى: (وما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله) والإضافة هذه على طريق الإتساع لأدنى ملابسة؛ أي مالك الأمر كله في يوم الجزاء للعباد لأن الأمر فيه لله وحده؛ ولذا خص بالذكر، وعن ابن مسعود وناس من الصحابة أنهم فسروا يوم الدين بيوم الحساب، وقال قتادة يوم يدين الله العباد بأعمالهم وقيل في معنى الدين غير ذلك، والأولى ما ذكرناه، وهذه الأوصاف التي أجريت على الله من كونه رباً للعالمين موجداً لهم ومنعماً بالنعم كلها ومالكاً للأمر كله يوم الجزاء بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله (والحمد لله) هو دليل على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه للحمد والثناء عليه بل لا يستحقه على الحقيقة سواه، فإن ترتب الحكم على الوصف مشعر بعليته له، وفي هذه الآية إثبات المعاد. ¬

(¬1) تفسير ابن كثير 1/ 26.

5

(إياك نعبد وإياك نستعين) أي نخصك بالعبادة ونوحدك ونطيعك خاضعين لك ومنك نطلب المعونة على عبادتك وعلى جميع أمورنا، وفي هذه الآية إبطال الجبر والقدر معاً كما أشار إليه الثعلبي في تفسيره، و " إيَّا " عند سيبويه اسم مضمر والكاف حرف خطاب ولا محل له من الإعراب وهو الأصح وقد ارتضاه القاضي، وعند الخليل اسم مضمر أضيف " إيَّا " إليه لأنه يشبه المظهر لتقدمه على الفعل والفاعل، وقال الكوفيون إياك بكمالها اسم، وجملة الأقوال فيه سبعة عد منها الخفاجي خمسة فقط، وتقديم المفعول على الفعل لقصد الاختصاص والحصر والقصر، وقيل للاهتمام، والصواب أنه لهما، ولا تزاحم بين المقتضيات. والعبادة أقصى غايات الخضوع والتذلل، والعبودية أدنى منها، وسمي العبد عبداً لذلته وانقياده ولا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى، قال ابن كثير: وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف، والاستعانة طلب المعونة، وهي ضرورية وغير ضرورية. والعدول عن الغيبة إلى الخطاب لقصد الإلتفاف وتلوين النظم من باب إلى باب، وفيه الترقي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشهود ومن المعقول إلى المحسوس، اللهم اجعلنا من الواصلين إلى العين دون السامعين للأثر، وقد يكون من الخطاب إلى الغيبة ومن الغيبة إلى التكلم كقوله تعالى: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) أي بكم وقوله (والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه) أي فساقه، وقد يكون من التكلم إلى الغيبة، فهذه أربعة أقسام ذكرها البيضاوي، والتحقيق أنها ستة وهي ظاهرة لأن الملتفت منه والملتفت إليه اثنان وكل منهما إما غيبة أو خطاب أو تكلم، والعرب يستكثرون منه لفوائد تستدعيه ويرون الكلام إذا انتقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان أدخل في القبول عند السامع وأحسن تطرية لنشاطه، وأملأُ لاستلذاذ إصغائه وأكثر إيقاظاً له كما تقرر في علم المعاني، وقد تختص مواقعه بفوائد ولطائف قلما تتضح إلا للحذاق المهرة وقليل ما هم.

ومما اختص به هذا الموضع أنه لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء وأجرى عليه تلك الصفات، تعلق العلم بمعلوم على الذات، سمى الصفات، حري بالثناء وغاية التذلل والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم للتميز بتلك الأوصاف، فقيل إياك يا من هذه صفاته نعبد ونستعين لا غيرك، والمجيء بالنون في الفعلين لقصد الإخبار من الداعي عن نفسه وعن جنسه من العباد أو عن سائر الموحدين، وفيه إشعار على التزام الجماعة، وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي ولكون الأولى وسيلة إلى الثانية، وتقديم الوسائل سبب لتحصيل المطالب، وإطلاق العبادة والاستعانة لقصد التعميم لتتناول كل معبود به ومستعان فيه، وإستحسنه الزمخشري وقال لتلاؤم الكلام، وأخذ بعضه بحجزة بعض، وتكرير الضمير للتنصيص على تخصيصه تعالى بكل واحدة منهما ولإبراز الالتذاذ بالمناجاة والخطاب. وأخرج مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يقول الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي (¬1)، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي، وربما قال فوض إليّ عبدي، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم الخ قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل ". وعن أبي طلحة قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزاة نلقى العدو فسمعته يقول يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين قال: فلقد رأيت الرجال تصرع فتضربها الملائكة من بين يديها ومن خلفها. أخرجه البغوي والماوردي معاً في معرفة الصحابة والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل. ¬

(¬1) مسلم/395.

6

(اهدنا الصراط المستقيم) إفراد لمعظم أفراد المعونة المسؤولة بالذكر،

وتعيين لما هو الأهم أو بيان لها أي أرشدنا وقيل ثبتنا على المنهاج الواضح، أو اهدنا في الاستقبال كما هديتنا في الحال، وهذا الدعاء من المؤمنين مع كونهم على الهداية بمعنى سؤال التثبيت وطلب مزيد الهداية والثبات عليه، لأن الألطاف والهدايات من الله تعالى لا تتناهى، قال الله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى) الآية وقال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) والهداية هي الإرشاد والتوفيق والتبيين أو الإلهام أو الدلالة بلطف على ما يوصل إلى البغية. ثم هي قد يتعدى فعلها بنفسه كما هنا وكقوله (وهديناه النجدين) وقد يتعدى بإلى كقوله (اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم) وقوله (فاهدوهم إلى صراط الجحيم- وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم) وقد يتعدى باللام كقوله (هدانا لهذا) وقوله (ويهدي للتي هي أقوم) وقال الزمخشري أصله أن يتعدى باللام أو بإلى، انتهى. وفرق كثير من المتأخرين بين المتعدي بنفسه وغير المتعدي، فقالوا معنى الأول الإيصال ومعنى الثاني الدلالة، والصراط بالصاد الخالصة لغة قريش، وهي الجادة، والسين قراءة ابن كثير في كل القرآن، ويذكر ويؤنث كالطريق والسبيل، فالتذكير لغة تميم، والتأنيث لغة الحجاز، وجمعه صُرُط، وقد تشم الصاد صوت الزاي تحرياً للقرب من المبدل منه، وقد قرىء بهن جميعاً وفصحاهن الصاد، وهي الثابتة في الإمام أي في مصحف عثمان رضي الله عنه كتابة وخطاً المسمى إماماً عند القراء والمفسرين وغيرهم، فإن الإمام لغة ما يؤتم ويقتدى به فيتبع وإن لم يكن من العقلاء، ولهذا أطلق على اللوح والكتاب كما قال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة) فسمى الكتاب إماماً على وجه. وقد كان سنة ثلاثين لما سار حذيفة رضي الله عنه لبعض الغزوات وعاد قال لعثمان رضي الله تعالى عنه إني رأيت أمراً عجيباً رأيت الناس يقول بعضهم لبعض قراءتي خير من قراءتك، فإن تركوا ليختلفوا في القرآن فيكون لذلك أمر، فجمع عثمان الصحابة رضي الله عنهم واستشارهم فأشاروا عليه

بجمعهم على مصحف واحد فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها لترسل الصحف لتنسخ، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه جمعها لما كثر قتل الصحابة رضي الله تعالى عنهم باليمامة وهو الجمع الأول، فأرسلتها إليه فأمر عثمان رضي الله تعالى عنه زيد بن ثابت وابن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحرث فنسخوها في مصاحف اختلف في عددها كما في شرح الرائية للسخاوي رحمه الله تعالى، وأرسل إلى كل مصر مصحفاً، وحرق ما سواها (¬1)، فسمى كل من تلك المصاحف إماماً لا المصحف الذي كان عند عثمان رضي الله تعالى عنه وحده كما قيل، ذكره الخفاجي. والمستقيم المستوي والمراد به طريق الحق وملة الإسلام، قال ابن كثير أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو كذلك في لغة جميع العرب وهي الملة الحنيفية السمحة المتوسطة بين الإفراط والتفريط. وعن جابر بن عبد الله أنه قال هو دين الإسلام وهو أوسع مما بين السماء والأرض، وعن النواس بن سمعان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تفرقوا، وداع يدعو من فوق الصراط فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب قال ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه، فالصراط الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي من فوق واعظ الله تعالى في قلب كل مسلم (1)، قال ابن كثير، هو إسناد حسن صحيح. وعن ابن مسعود هو كتاب الله وقيل السنة والجماعة، وعن أبي العالية هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحباه من بعده، وعن الفضيل بن عياض أنه طريق الحج، وقيل معناه اهدنا صراط المستحقين للجنة، وعن ابن عباس أن معناه ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير/3782.

ألهمنا دينك الحق، وهو الأولى لاعتبار العموم.

7

(صراط الذين أنعمت عليهم) بدل كل من كل، وفائدته التوكيد والتنصيص على أن صراط المسلمين هو المشهود عليه بالاستقامة والاستواء على آكد وجه وأبلغِهِ بحيث لا يذهب الوهم عند ذكره إلا إليه، والإنعام إيصال النعمة والإحسان إلى الغير إذا كان من العقلاء، ونعم الله تعالى مع استحالة إحصائها ينحصر أصولها في دنيوي وأخروي، وأطلقه ليشمل كل إنعام، فإن نعمة الإسلام عنوان النعم كلها، فمن فاز بها فقد حازها بحذافيرها. ثم المراد بالوصول هم الأربعة المذكورة في سورة النساء حيث قال (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً) وقال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى الذين لم يغيروا ولم يبدلوا وقيل هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته وقيل هم الأنبياء خاصة وقيل مطلق المؤمنين، والأول أولى، وفيه الإشارة إلى الإقتداء بالسلف الصالح وهو غير التقليد.

(غير المغضوب عليهم) بدل كل من كل أي غير صراط الذين غضبت عليهم وهم اليهود لقوله تعالى فيهم (ومن لعنه الله وغضب عليه) قال القرطبي الغضب في اللغة الشدة وفي صفة الله إرادة العقوبة فهو صفة ذاته أو نفس العقوبة، ومنها حديث أن الصدقة لتطفىء غضب الرب فهو صفة فعله، وغضب الله لا يلحق عصاة الؤمنين، وإنما يلحق الكافرين، والعدول عن إسناد الغضب إليه تعالى كالإنعام جرى على منهاج الآداب التنزيلية في نسبة النعم والخيرات إليه عز وجل دون أضدادها، وفي (عليهم) عشر لغات وكلها صواب، قاله ابن الأنباري. (ولا الضآلين) لا زائدة قاله الطبري والزمخشري وقيل هي تأكيد، حكاه مكي والمهدوي وقيل بمعنى غير قاله الكوفيون والمحلي أي وغير الضالين عن الهدى، وهم النصارى لقوله عز وجل (وقد ضلوا من قبل) الآية.

وأصل الضلال الغيبوبة والهلاك ومنه ضل اللبن في الماء أي غاب وقال القرطبي هو في لسان العرب الذهاب عن سنن القصد وطريق الحق، أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن حبان وصححه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن المغضوب عليهم هم اليهود (¬1)، وإن الضالين النصارى " ورواه أبو الشيخ عن عبد الله شقيق مرفوعاً، وابن مردويه عن أبي ذر مثله، وبه قال ربيع ابن أنس ومجاهد وابن جبير، وإنما سموا بها الاختصاص كل منهما بما غلب عليه، وقيل أراد المغضوب عليهم بالبدعة، والضالين عن السنة قاله القرطبي، وقيل اللفظ يعم الكفار والعصاة والمبتدعة لقول الله تعالى: في القاتل عمداً (وغضب الله عليه) وقال: (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال) وقال: (الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا) وقيل غير ذلك. وأنت خبير بأن جعل الموصول عبارة عما ذكر من طائفة غير معينة مخل ببدلية ما أضيف إليه مما قبله، فالمصير إلى التفسير النبوي متعين وهو الذي أطبق عليه أئمة التفسير من السلف، قال ابن أبي حاتم لا أعلم خلافاً بين المفسرين في هذا التفسير، ويشهد له آيات من القرآن كما تقدم. قال القرطبي: سورة الفاتحة مشتملة على أربعة أنواع من العلوم هي مناط الدين أحدها علم الأصول وإليه الإشارة بقوله (الحمد لله إلى الرحيم) ومعرفة النبوات وهي قوله (أنعمت عليهم) ومعرفة المعاد هي قوله (مالك يوم الدين) وثانيها علم الفروع وأعظمه العبادات وهي (إياك نعبد) والعبادة مالية وبدنية وثالثها علم الأخلاق وهو قوله (إياك نستعين إلى المستقيم) ورابعها علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة السعداء منهم والأشقياء وهو المراد بقوله (أنعمت عليهم) إلى آخر السورة انتهى ملخصاً. وللإمامين الغزالي والرازي في تقرير اشتمالها على علوم القرآن بسط كثير حتى استخرج الرازي منها عشرة آلاف مسألة، وأول السورة مشتمل على ¬

(¬1) يراجع تفسير القرطبي فقد أورد معاني كثيرة حول هذه الآية. 1/ 150.

الحمدَلَة وآخرها على الذم للمعرضين عن الإيمان، وذلك يدل على أن مطلع الخيرات وعنوان السعادات هو الإقبال على الله، ورأس الآفات وأُس المخالفات هو الإعراض عنه والبعد عن طاعته، وعاقبة ذلك الغضب والضلال. واعلم أن السنة الصحيحة الصريحة الثابتة تواتراً قد دلت على مشروعية التأمين بعد قراءة الفاتحة، فمن ذلك ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي عن وائل بن حجر قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فقال آمين مد بها صوته. ولأبي داود رفع بها صوته، وقد حسنه الترمذي، وأخرجه أيضاً النسائي وابن أبي شيبة وابن ماجة والحاكم وصححه، وفي لفظ من حديثه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال " رب اغفر لي آمين " أخرجه الطبراني (¬1). وأخرج مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي موسى قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا قرأ يعني الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يحبكم الله " وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وأحمد وابن أبي شيبة وغيرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " إذا أمَّن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " (¬2) زاد الجرجاني في أماليه " وما تأخر " قيل هم الحفظة، وقيل غيرهم من الملائكة، ويعني الذنوب الصغائر دون الكبائر. وفي الباب أحاديث بين صحيح منها وضعيف. وآمين اسم فعل بمعنى اللهم اسمع واستجب لنا وتقبل، عند أكثر أهل العلم قاله القرطبي وفي الصحاح معناه كذلك فليكن، وبه قال ابن عباس، وعنه قال: قلت يا رسول الله ما معنى آمين (¬3) قال: " رب افعل " أخرجه جويبر في تفسيره، وعن هلال بن يساف ومجاهد قالا آمين اسم من أسماء الله، وقال الترمذي معناه لا تخيب رجانا، وقيل هو خاتم الله على عباده يدفع به عنهم ¬

(¬1) جزء من حديث صحيح الجامع/3480. " رب اغفر لي ". (¬2) مسلم/410 - البخاري/474. (¬3) صحيح الجامع الصغير/388.

الآثام، رواه الطبراني عن علي بسند ضعيف وعنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كالختم على الكتاب، رواه أبو داود، والأول أولى. قيل وليس من القرآن إجماعاً بدليل أنه لم يثبت في المصاحف، وفيه لغتان المد وهو اسم عجمي لأنه بزنة قابيل وهابيل، والقصر على وزن يمين، قال مجنون ليلى: يارب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبداً قال آمينا أي بالمد وقال جبير لما سأل فطحلاً: تباعد عني فطحل إذ سألته ... آمين فزاد الله ما بيننا بعدا فذكره مقصوراً قال الجوهري وتشديد الميم خطأ، ولكنه روى عن الحسن وجعفر الصادق التشديد وبه قال الحسن بن الفضل من أم إذا قصد أي نحن قاصدون خيرك يا الله. وهو مبني على الفتح مثل أين وكيف لاجتماع الساكنين ويقال منه أمن فلان تأميناً وهذه الكلمة لم تكن قبلنا إلا لموسى وهارون، كذا ذكر الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك مرفوعاً، وقيل بل هي خاصة بهذه الأمة لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - " ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين (¬1) " أخرجه ابن ماجة، وفي الباب أحاديث. وقد اختلف أهل العلم في الجهر بها وفي أن الإمام يقولها أم لا. وذلك مبين في مواطنه، وكذلك اختلفوا في وجوب قراءة الفاتحة فذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد إلى وجوبها وإنها متعينة في الصلاة لا تجزيء إلا بها لقوله - صلى الله عليه وسلم - " لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (¬2) " أخرجه الشيخان عن عبادة بن الصامت، وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تتعين على المصلي بل الواجب عليه قراءة آية من القرآن طويلة أو ثلاث آيات قصار لقوله تعالى (فاقرؤا ما ¬

(¬1) صحيح الجامع 5489. (¬2) صحيح الجامع/7388.

تيسر منه) والأول أرجح ويدل عليه حديث أبي هريرة قال. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تجزيء صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب " (¬1) أخرجه الدارقطني، وقال إسناده صحيح، والكلام في هذا يطول، وقد بينه الشوكاني في نيل الأوطار، وأوضحناه في مسك الختام، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آخر الأعراف شيء مما يتعلق بهذا المقام. هذا وقد اتفق أهل العلم على أن أعظم المقصود من تنزيل الكتاب العزيز هو إخلاص التوحيد لله عز وجل، وقطع علائق الشرك كائنة ما كانت وذلك لا يحتاج إلى أن تنقل فيه أقوال الرجال، أو يستدل عليه بالأدلة، فإنه الأمر الذي بعث الله لأجله رسله، وأنزل فيه كتبه، وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، ومن شك في هذا فعليه بالتفكر بالقرآن الكريم فإنه سيجده من أعظم مقاصده وأكبر موارده، فإن عجز عن ذلك فلينظر في سورة من سوره. فإن قلت: أريد منك مثالاً أقتدي به وأمشي على طريقته وأهتدي إلى التفكر الذي أرشدتني إليه بتقديم النظر فيه فنقول: ها نحن نقرب لك المسافة ونسهل عليك ما استصعبته هذه فاتحة الكتاب العزيز التي يكررها كل مصلٍ في كل صلاة ويفتتح بها التالي لكتاب الله والمتعلم له فإن فيها الإرشاد إلى إخلاص التوحيد في ثلاثين موضعاً. الأول: قوله تعالى (بسم الله الرحمن الرحيم) فإن علماء المعاني والبيان ذكروا أنه يقدر المتعلق متأخراً ليفيد اختصاص البداية باسم الله تعالى لا باسم غيره، وفي هذا المعنى ما لا يخفى من إخلاص التوحيد. الثاني: والثالث: الإسم الشريف أعني لفظ الله عز وجل، فإن مفهومه كما حققه علماء هذا الشأن الواجب الوجود المختص بجميع المحامد، فكان في هذا المفهوم إشارة إلى إخلاص التوحيد أحدهما تفرده بواجب الوجود، وثانيهما ¬

(¬1) الدارقطني1/ 321 (صحيح المعنى).

اختصاصه بجميع المحامد، فاستفيد من الاسم الشريف الذي أضيف إليه لفظ اسم هذان الأمران. الرابع: تحلية الرحمن باللام فإنها من أدوات الاختصاص سواء كانت موصولة كما هو شأن آلة التعريف إذا دخلت على المشتقات أو لمجرد التعريف كما يكون إذا دخلت على غيرها من الأسماء والصفات، وقد أوضح هذا المعنى أهل البيان بما لا مزيد عليه. الخامس: اللام الداخلة على قوله الرحيم والكلام فيها كالكلام في الرحمن. السادس: اللام الداخلة على قوله (الحمد لله) فإنها تفيد أن كل حمد له لا يشاركه فيه غيره، وفي هذا أعظم دلالة على إخلاص توحيده. السابع: لام الاختصاص الداخلة على الإسم الشريف، وقد تقرر أن الحمد هو الثناء باللسان على الجميل الإختياري لقصد التعظيم فلا ثناء إلا عليه، ولا جميل إلا منه، ولا تعظيم إلا له، وفي هذا من أدلة إخلاص التوحيد ما لا يقادر قدره. الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر قوله (رب العالمين) فإن لفظ الرب باعتبار معناه اللغوي مشعر أتم إشعار باخلاص توحيده هذا باعتبار معناه الإفرادي دون الإضافي، ثم في معناه الإضافي دلالة أخرى: فإن كونه رب العالمين يدل على ذلك أبلغ دلالة: ثم في لفظ العالمين معنى ثالث لما تقرر لغة وشرعاً أن العالم هو اسم لما عدا الله عز وجل؛ فيدخل في هذا كل شيء غير الله سبحانه فلا رب غيره؛ وكل ما عداه فهو مربوب؛ وصيغ الحصر إذا تتبعتها من كتب المعاني والبيان والتفسير والأصول بلغت ثلاث عشرة صيغة فصاعداً، ومن شك في هذا فليتبع كشاف الزمخشري فإنه سيجد فيه ما ليس له ذكر في كتب المعاني والبيان كالقلب فإنه جعله من مقتضيات الحصر، ولعله ذكر ذلك عند تفسيره للطاغوت وغير ذلك مما لا يقتضي المقام بسطه، ومع الإحاطة بصيغ الحصر المذكورة تكثر الأدلة الدالة على إخلاص التوحيد وإبطال

الشرك بجميع أقسامه، ولو أراد رجل أن يجمع ما ورد في هذا المعنى من الكتاب والسنة لكان مجلداً ضخماً. ثم في تعريفه باللام معنى رابع كمثل ما قدمنا فإنها تفيد زيادة الإختصاص وتقرر ذلك المفهوم في هذا الموضع، ثم في صيغة الجمع معنى خامس بزيادة تأكيد وتقرير، فإن العالم إن كان اسماً لما عدا الله لم يكن جمعه إلا لمثل هذا المعنى، وعلى فرض انهدامه باللام فهو لا يقتضي ذهاب هذا المعنى المستفاد من أصل الجمع. الثالث عشر والرابع عشر قوله (الرحمن الرحيم) وتقرير الكلام فيهما كما سلف. الخامس عشر والسادس عشر: قوله (مالك يوم الدين) فإن لفظ مالك معناه الإفرادي من غير نظر إلى معناه الإضافي يفيد استحقاقه بإخلاص توحيده، ثم في معناه الإضافي إلى يوم الدين معنى ثان، فإن من كان له الملك في مثل هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء لكل العباد وفيه لمجتمع العالم أولهم وآخرهم، سابقهم ولاحقهم، جنهم وإنسهم، وملائكتهم، فيه إشارة إلى استحقاقه إخلاص توحيده. السابع عشر: ما يستفاد من نفس لفظ الدين من غير نظر إلى كونه مضافاً إليه. الثامن عشر: ما يستفاد من تعريفه، فإن في ذلك زيادة إحاطة وشمول فإن ذلك الملك إذا كان في يوم هو يوم الدين الذي يشتمل على كل دين كان من له هذا الملك حقيقاً بأن يخلص العباد توحيده ويفردونه بالعبادة كما تفرد بملك يوم له هذا الشأن. فإن قلت إن هذين المعنيين في لفظ (الدين) باعتبار أصله وباعتبار تعريفه قد أخذا في المعنى الإضافي حسبما ذكرته سابقاً. قلت لا تزاحم بين المقتضيات ولا يستنكر النظر إلى الشيء باعتبار معناه الإفرادي تارة وباعتبار معناه الإضافي أخرى، وليس ذلك بممنوع ولا محجور عند من يعرف العلم الذي تستفاد منه دقائق العربية وأسرارها وهم أهل علم المعاني والبيان.

التاسع عشر: والموفى والحادي والعشرون قوله (إياك نعبد) فإن تقديم الضمير معمولاً للفعل الذي بعده يفيد اختصاص العبادة به، ومن اختص بالعبادة فهو الحقيق بإخلاص توحيده، ثم مادة هذا الفعل أعني لفظ نعبد تفيد معنى آخر، ثم المجيء بنون الجماعة الموجبة لكون هذا الكلام صادراً عن كل من تقوم به العبادة من العابدين كذلك، فكانت الدلالات في هذه الجملة ثلاثاً (الأولى) في (إياك) مع النظر إلى الفعل الواقع بعده (الثانية) ما تفيده مادة نعبد مع ملاحظة كونها واقعة لمن ذلك الضمير عبارة عنه وإشارة إليه (الثالثة) ما تفيده النون مع ملاحظة الأمرين المذكورين ولا تزاحم بين المقتضيات. الثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون: قوله (وإياك نستعين) فإن تقديم الضمير معمولاً لهذا الفعل له معنى، ثم مادة هذا الفعل لها معنى آخر فإن من كان لا يستعان بغيره لا ينبغي أن يكون له شريك، بل يجب إفراده بالعبادة وإخلاص توحيده إذ وجود من لا يستعان به كعدمه. وتقرير الكلام في الثلاث الدلالات كتقريره في إياك نعبد فلا نعيده. الخامس والعشرون والسادس والعشرون والسابع والعشرون: قوله: (اهدنا الصراط المستقيم) فإن طلب الهداية منه وحده باعتبار كون هذا الفعل واقعاً بعد الفعلين اللذين تقدم معمولهما فكان له حكمهما وإن كان قد تغير أسلوب الكلام في الجملة، حيث لم يقل نستهدي أو نطلب الهداية حتى يصح أن يكون ذلك الضمير المتقدم المنصوب معمولاً له تقديراً، لكن مع بقاء المخاطبة وعدم الخروج عما يقتضيه لم يقطع النظر عن ذلك الضمير الواقع على تلك الصورة لتوسطه بين هذا الفعل؛ أعني اهدنا وبين من أسند اليه، ثم في ضمير الجماعة معنى يشير إلى استحقاقه سبحانه إخلاص التوحيد على الوجه الذي قدمناه في الفعلين السابقين. ثم في كون هذه الهداية هي هداية الصراط المستقيم التي هي الهداية بالحقيقة، ولا اعتبار بهداية إلى صراط لا استقامة فيه معنى ثالث يشير إلى ذلك المدلول.

الثامن والعشرون: قوله (صراط الذين أنعمت عليهم) فإن من يهدى إلى هذا الصراط الذي هو صراط من أنعم الله عليهم يستحق أن لا يشتغل بغيره ولا ينظر إلى سواه، لأن الإيصال إلى طرائق النعم هو المقصود من المشي والمراد بحركات السائرين، وذلك كناية عن الوصول إلى النعم نفسها إذ لا اعتبار بالوصول إلى طرائقها من دون وصول إليها، فكان وقوع الهداية على الصراط المستقيم نعمة بمجردها، لأن الاستقامة إذا تصورت عند تصور الاعوجاج كان فيها راحة بهذا الاعتبار، فكيف إذا كان ذلك كناية عن طريق الحق، فكيف إذا كان حقاً موصلاً إلى الفوز بنعم الله سبحانه. التاسع والعشرون: قوله (غير المغضوب عليهم) ووجه ذلك أن الوصول إلى النعم قد يكون منغصاً مكدراً بشيء من غضب المنعم سبحانه، فإذا صفا ذلك عن هذا الكدر وانضم إلى الظفر بالنعم الظفر بما هو أحسن منها موقعاً عند العارفين، وأعظم قدراً في صدور المتقين، وهو رضا رب العالمين، كان في ذلك من البهجة والسرور ما لا يمكن التعبير عنه، ولا الوقوف على حقيقته ولا تصور معناه. وإذا كان المولى لهذه النعمة والمتفضل بها هو الله تعالى ولا يقدر على ذلك غيره ولا يتمكن منه سواه، فهو المستحق لإخلاص توحيده وإفراده بالعبادة. الموفى ثلاثين: قوله (ولا الضآلين) ووجهه أن الوصول إلى النعم مع الرضا قد يكون مشوباً بشيء من الغواية، مكدراً بنوع من أنواع المخالفة وعدم الهداية، وهذا باعتبار أصل الوصول إلى نعمة من النعم مع رضا المنعم بها فإنه لا يستلزم سلب كون المنعم عليه على ضلالة لا باعتبار هذه النعمة الخاصة من هذا المنعم عز وجل. ولما كان الأمر في الأصل هكذا كان في وصول النعم إلى المنعم عليه من المنعم بها مع كونه راضياً عليه غير غاضب عنه، إذا كان ذلك الوصول مصحوباً بكون صاحبه على ضلالة في نفسه قصور عن وصولها إلى من كان

جامعاً بين كونه واصلاً إلى المنعم فائزاً برضا المنعم عليه خالصاً من كدر كونه في نفسه على ضلالة، وتقرير الدلالة من هذا الوجه على إخلاص التوحيد كتقريرها في الوجه الذي قبله. فهذه ثلاثون دليلاً مستفادة من سورة الفاتحة باعتبار ما يستفاد من تراكيبها العربية مع ملاحظة ما يفيده ما اشتملت عليه من تلك الدقائق والأسرار التي هي راجعة إلى العلوم الآلية، وداخلة فيما تقتضيه تلك الألفاظ بحسب المادة والهيئة والصورة مع قطع النظر عن التفسير بمعنى خاص قاله بعض السلف، أو وقف عنده من بعدهم من الخلف. فإن قلت (¬1) هذه الأدلة التي استخرجتها من هذه السورة المباركة وبلغت بها إلى هذا العدد وجعلتها ثلاثين دليلاً على مدلول واحد، لم نجد لك فيها سلفاً ولا سبقك بها غيرك. قلت: هذي شكاة ظاهر عنك عارها، واعتراض غير واقع موقعه، ولا مصادف محزه، فإن القرآن عربي، وهذا الاستخراج لما ذكرناه من الأدلة هو على مقتضى اللغة العربية، وبحسب ما تقتضيه علومها التي دونها الثقات، ورواها العدول الإثبات، وليس هذا من التفسير بالرأي الذي ورد النهي عنه، والزجر لفاعله، بل من الفهم الذي يعطاه الرجل في كتاب الله كما أشار إليه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في كلامه المشهور، وما كان من هذا القبيل فلا يحتاج فيه إلى سلف، وكفى بلغة العرب وعلومها المدونة بين ظهراني الناس وعلى ظهر البسيطة سلفاً. وبالجملة فهذه ثلاثون موضعاً في فاتحة الكتاب يفيد كل واحد منها إخلاص التوحيد مع أن فاتحة الكتاب ليست الا سبع آيات، فما ظنك بما في سائر الكتاب العزيز، فذكرنا لهذه المواضع في فاتحة الكتاب كالبرهان على ما ذكرناه من أن في الكتاب العزيز من ذلك ما يطول تعداده وتتعسر الإحاطة به. ¬

(¬1) المقصود القارىء.

سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم سورة البقرة قال القرطبي مدنية نزلت في مدد شتى، وقيل هي أول سورة نزلت بالمدينة الا قوله تعالى: (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) فإنها آخر آية نزلت من السماء. ونزلت يوم النحر في يوم حجة الوداع بمنى، قاله ابن عباس: وآيات الربا أيضاً من أواخر ما نزل من القرآن؛ وقد ورد في فضلها أحاديث وآثار كثيرة في الصحاح والسنن وغيرها؛ ومن فضائلها ما هو خاص بآية الكرسي وما هو خاص بخواتيم هذه السورة: وما هو في فضلها وفضل آل عمران: وما هو في فضل السبع الطوال، وليطلب ذلك من مواطنه. وهي مائتان وست وقيل وسبع وثمانون آية. قال ابن العربي فيها ألف أمر. وألف نهي، وألف حكم، وألف خبر، أخذها بركة؛ وتركها حسرة لا تستطيعها البطلة، وهم السحرة.

1

بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) (الم) قال القرطبي اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السور؛ فقال الشعبي وسفيان الثوري وجماعة من المحدثين هي سر الله في القرآن؛ ولله في كل كتاب من كتبه سر؛ فهي من التشابه الذي انفرد الله بعلمه؛ ولا نحب أن نتكلم فيها، ولكن نؤمن بها ونمرها كما جاءت، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب؛ قال وذكر أبو الليث السمرقندي عن عمر وعثمان وابن مسعود أنهم قالوا: الحروف المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر؛ وفائدة ذكرها طلب الإيمان بها ولا يلزم البحث عنها فهي مما استأثر الله بعلمه. وقال أبو حاتم لم نجد الحروف في القرآن إلا في أوائل السور، ولا ندري ما أراد الله عز وجل؛ وقال جمع من العلماء كثير: بل نحب أن نتكلم فيها؛ ونلتمس الفوائد التي تحتها، والمعاني التي تتخرج عليها، واختلفوا في ذلك على أقوال عديدة، فروي عن ابن عباس وعلي أيضاً أن الحروف المقطعة من القرآن اسم الله الأعظم إلا أنا لا نعرف تأليفه منها، وقال قطرب والمبرد والفراء وغيرهم واختاره جمع عظيم من المحققين هي إشارة إلى حروف الهجاء أعلم الله بها العرب حين تحداهم بالقرآن أنه مؤتلف من الحروف التي بني كلامهم عليها ليكون عجزهم عنه أبلغ في الحجة عليهم، إذ لم يخرج عن كلامهم، قال قطرب كانوا ينفرون عند استماع القرآن فلما نزل (ألم، المص) استنكروا هذا اللفظ فلما أنصتوا له - صلى الله عليه وسلم - أقبل عليهم بالقرآن المؤتلف ليثبته في

أسماعهم وآذانهم، ويقيم الحجة عليهم (¬1). وقال جماعة هي حروف دالة على أسماء أخذت منها وحذفت بعينها كقول ابن عباس وغيره الألف من الله واللام من جبريل، والميم من محمد، وذهب إلى هذا الزجاج فقال اذهب إلى أن كل حرف منها يؤدي عن معنى، وقد تكلمت العرب بحروف مقطعة كقوله " فقلت لها قفي فقالت قاف " أي وقفت وفي الحديث " من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة " قال شقيق هو أن يقول في أقتل أق. كما قال النبي في كفى بالسيف شا أي شافياً (¬2). وقال بعضهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، والمعنى أن الله الواحد أنزل ثلاثين جزأ من القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم - بعدما بلغ أربعين سنة التي بعثه عندها إلى الخلق، وقال زيد بن أسلم هي أسماء للسور، وقال الكلبي هي أقسام أقسم الله بها لشرفها وفضلها وهي من أسمائه، وقيل إن النطق بالحروف أنفسها كانت العرب مستوية فيها بخلاف النطق باساميها وهو خاص بمن خط وقرأ والنبي - صلى الله عليه وسلم - أمي فأتى بها كذلك زيادة في الإعجاز، وقيل غير ذلك مما لا يأتي عليه الحصر، وقد ذكر شطراً منها الرازي في تفسيره. ومن أدق ما أبرزه المتكلمون في معاني هذه الحروف ما ذكره الزمخشري في الكشاف حيث قال إنك إذا تأملت ما أورده الله سلطانه في الفواتح من هذه الاسماء وجدتها نصف أسامي حروف المعجم أربعة عشر سواء، وهي الألف واللام والميم والصاد والراء والكاف والهاء والياء والعين والطاء والسين والحاء والقاف والنون في تسع وعشرين سورة على عدد حروف المعجم، ثم إذا نظرت في هذه الأربعة عشر وجدتها مشتملة على أنصاف أجناس الحروف بيان ذلك أن فيها من المهموسة نصفها الصاد والكاف والهاء والسين والحاء، ومن ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 4179 (¬2) ضعيف الجامع الصغير 5454.

المجهورة نصفها الألف واللام والميم والراء والعين والطاء والقاف والياء والنون، ومن الشديدة نصفها الألف والكاف والطاء والقاف، ومن الرخوة نصفها اللام والميم والراء والصاد والهاء والعين والسين والحاء والياء والنون، ومن المطبقة نصفها الصاد والطاء، ومن المنفتحة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والعين والسين والحاء والقاف والياء والنون، ومن المستعلية نصفها القاف والصاد والطاء، ومن المنخفضة نصفها الألف واللام والميم والراء والكاف والهاء والياء والعين والسين والحاء والنون، ومن حروف القلقلة نصفها القاف والطاء. ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دق في كل شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته، فكأن الله عز اسمه عدد على العرب الألفاظ التي منها تراكيب كلامهم إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم. ومما يدل على أنه تعمد بالذكر من حروف المعجم أكثرها وقوعاً في تراكيب الكلم أن الألف واللام لما تكاثر وقوعهما فيها جاءتا في معظم هذه الفواتح مكررتين وهي فواتح سورة البقرة وآل عمران والروم والعنكبوت ولقمان والسجدة والأعراف والرعد ويونس وإبراهيم وهود ويوسف والحجر، انتهى وتبعه في ذلك جماعة من أهل التفسير منهم الخازن والنسفي والبيضاوي والخطيب وأبو السعود وغيرهم. (أقول) هذا التدقيق لا يأتي بفائدة يعتد بها، وبيانه أنه إذا كان المراد منه إلزام الحجة والتبكيت كما قال فهذا متيسر بأن يقال لهم هذا القرآن هو من الحروف التي يتكلمون بها ليس من حروف مغايرة لها، فيكون هذا تبكيتاً وإلزاماً يفهمه كل سامع منهم من دون إلغاز وتعمية وتفريق لهذه الحروف في فواتح تسع وعشرين سورة، فإن هذا مع ما فيه من التطويل الذي لا يستوفيه سامعه إلا بسماع جميع هذه الفواتح هو أيضاً مما لا يفهمه أحد من السامعين

ولا يتعقل شيئاً منه فضلاً أن يكون تبكيتاً له وإلزاماً للحجة إياه فإن ذلك هو أمر وراء الفهم مترتب عليه، ولم يفهم السامع هذا، ولا ذكر أهل العلم عن فرد من أفراد الجاهلية الذين وقع التحدي لهم بالقرآن أنه بلغ فهمه إلى بعض هذا فضلاً عن كله. ثم كون هذه الحروف مشتملة على النصف من جميع الحروف التي تركبت لغة العرب منها، وذلك النصف مشتملاً على أنصاف تلك الأنواع من الحروف المتصفة بتلك الأوصاف هو أمر لا تتعلق به فائدة لجاهلي ولا إسلامي، ولا مقر، ولا منكر، ولا مسلم ولا معارض، ولا يصلح أن يكون مقصداً من مقاصد الرب سبحانه الذي أنزل كتابه للإرشاد إلى شرائعه والهداية به. وهب أن هذه صناعة عجيبة، ونكتة غريبة، فليس ذلك مما يتصف بفصاحة ولا بلاغة حتى يكون مفيداً أنه كلام بليغ أو فصيح، وذلك لأن هذه الحروف الواقعة في الفواتح ليست من جنس كلام العرب حتى تتصف بهذين الوصفين، وغاية ما هناك أنها من جنس حروف كلامهم، ولا مدخل فيما ذكر. وأيضاً لو فرض أنها كلمات متركبة بتقدير شيء قبلها أو بعدها لم يصح وصفها بذلك لأنها تعمية غير مفهومة للسامع إلا بأن يأتي من يريد بيانها بمثل ما يأتي به من أراد بيان الألغاز والتعمية، وليس ذلك من الفصاحة والبلاغة في ورد ولا صدر، بل من عكسهما وضد رسمهما. وإذا عرفت هذا فاعلم أن من تكلم في بيان معاني هذه الحروف جازماً بأن ذلك هو ما أراده الله عز وجل فقد غلط أقبح الغلط، وركب في فهمه ودعواه أعظم الشطط، فإنه إن كان تفسيره لها بما فسرها به راجعاً إلى لغة العرب وعلومها فهو كذب بحت، فإن العرب لم يتكلموا بشيء من ذلك، وإذا سمعه السامع منهم كان معدوداً عنده من الرطانة، ولا ينافي ذلك أنهم قد يقتصرون على حرف أو حروف من الكلمة التي يريدون النطق بها، فإنهم لم

يفعلوا ذلك إلا بعد أن تقدمه ما يدل عليه ويفيد معناه بحيث لا يلتبس على سامعه كمثل ما تقدم ذكره، ومن هذا القبيل ما يقع منهم من الترخيم، وأين هذه الفواتح الواقعة في أوائل السور من هذا. وإذا تقرر لك أنه لا يمكن استفادة ما ادعوه من لغة العرب وعلومها لم يبق حينئذ إلا أحد أمرين (الأول) التفسير بمحض الرأي الذي ورد النهي عنه والوعيد عليه، وأهل العلم أحق الناس بتجنبه والصد عنه والتنكب عن طريقه، وهم أتقى لله سبحانه من أن يجعلوا كتاب الله سبحانه ملعبة لهم يتلاعبون به ويضعون حماقات أنظارهم، وخزعبلات أفكارهم عليه (الثاني) التفسير بتوقيف عن صاحب الشرع، وهذا هو المهيع الواضح والسبيل القويم بل الجادة التي ما سواها مردوم، والطريقة العامرة التي ما عداها مهدوم، فمن وجد شيئاً من هذا فغير ملوم أن يقول بملء فيه ويتكلم بما وصل إليه علمه، ومن لم يبلغه شيء من ذلك فليقل لا أدري أو الله أعلم بمراده، فقد ثبت النهي عن طلب فهم المتشابه ومحاولة الوقوف على علمه، مع كونه ألفاظاً عربية، وتراكيب مفهومة، وقد جعل الله تتبع ذلك صنيع الذين في قلوبهم زيغ، فكيف بما نحن بصدده، فإنه ينبغي أن يقال فيه أنه متشابه المتشابه، على فرض أن للفهم إليه سبيلاً، ولكلام العرب فيه مدخلاً، فكيف وهو خارج عن ذلك على كل تقدير. وانظر كيف فهم اليهود عند سماع (الم) فإنهم لما لم يجدوها على نمط لغة العرب فهموا أن الحروف المذكورة رمز إلى ما يصطلحون عليه من العدد الذي يجعلونه لها كما أخرج ابن اسحق والبخاري في تاريخه وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله قال: مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتلو فاتحة سورة البقرة

2

(الم ذلك الكتاب لا ريب فيه) فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال: تعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو فيما أنزل عليه (الم ذلك الكتاب) فقال أنت سمعته فقال نعم، فمشى حيي في أولئك النفر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا يا محمد ألم

يذكر أنك تتلو فيما أنزل عليك (آلم ذلك الكتاب) قال بلى قالوا أجاءك بهذا جبريل من عند الله؟ قال نعم، قالوا لقد بعث الله من قبلك الأنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك، فقال حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة؟ ثم أقبل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا محمد هل مع هذا غيره قال نعم قال وما ذاك قال (المصَ) قال هذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون، فهذه إحدى وستون ومائة سنة، هل مع هذا يا محمد غيره، قال نعم وما ذاك قال (الر) قال هذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان، هذه إحدى وثلاثون سنة ومائتان، فهل مع هذا غيره قال نعم (آلمر) قال فهذه أثقل وأطول: الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون سنة ومائتان، ثم قال لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً. ثم قاموا فقال أبو ياسر لأخيه حيي ومن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وستون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع وثلاثون سنة، فقالوا لقد تشابه علينا أمره، فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) (¬1). فانظر ما بلغت إليه أفهامهم من هذا الأمر المختص بهم من عدد الحروف مع كونه ليس من لغة العرب في شيء، وتأمل أي موضع أحق بالبيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الموضع، فإن هؤلاء الملاعين قد جعلوا ما فهموه ¬

(¬1) لم أجده في صحاح الكتب بين يدي.

عند سماع (الم ذلك الكتاب) من ذلك العدد موجباً للتثبيط عن الإجابة له والدخول في شريعته، فلو كان لذلك معنى يعقل ومدلول يفهم لدفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ظنوه بادىء بدء حتى لا يتأثر عنه ما جاؤوا به من التشكيك على من معهم. فإن قلت هل ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الفواتح شيء يصلح للتمسك به. قلت لا أعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكلم في شيء من معانيها بل غاية ما ثبت عنه هو مجرد عدد حروفها، فأخرج البخاري في تاريخه والترمذي وصححه والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " (¬1) وله طرق عن ابن مسعود. وأخرج ابن أبي شيبة والبزار بسند ضعيف عن عوف بن مالك الأشجعي ونحوه مرفوعاً. فإن قلت هل روي عن الصحابة شيء من ذلك بإسناد متصل بقائله أم ليس إلا ما تقدم من حكاية القرطبي عن ابن عباس وعلي. قلت قد روي عن ابن مسعود أنه قال (الم) حرف اشتقت من حروف اسم الله وعنه قال هي اسم الله الأعظم، وعن ابن عباس في قوله (الم وحمَ ونّ) قال اسم مقطع وعنه في فواتح السور قال هو قسم أقسمه الله، وهو من أسماء الله. وعن الربيع بن أنس قال " ألف " مفتاح اسمه الله " ولام " مفتاح اسمه لطيف " وميم " مفتاح اسمه مجيد وقد روي نحو هذه التفاسير عن جماعة من ¬

(¬1) الدارمي 2/ 429 - الترمذي 4/ 53 - مشكاة المصابيح/2137 وفي رواية للديلمي 1/ 13 والخطيب في التاريخ 1/ 285 برواية: اقرؤا القرآن فإنكم تؤجرون إليه أما أني لا أقول الم ....

التابعين، فيهم عكرمة والشعبي والسدي وقتادة ومجاهد والحسن. فإن قلت هل يجوز الاقتداء بأحد من الصحابة قال في تفسير شيء من هذه الفواتح قولاً صح إسناده إليه. قلت لا لما قدمنا إلا أن يعلم أنه قال ذلك عن علم أخذه عن رسول - صلى الله عليه وسلم -. فإن قلت هذا مما لا مجال للاجتهاد فيها ولا مدخل للغة العرب فلم لا يكون له حكم الرفع. قلت تنزيل هذا منزلة المرفوع وإن قال به طائفة من أهل الأصول وغيرهم فليس مما تنشرح له صدور المنصفين، ولا سيما إذا كان في مثل هذا المقام، وهو التفسير لكلام الله سبحانه، فإنه دخول من أعظم الخطر مما لا برهان عليه صحيح إلا مجرد قولهم أنه يبعد من الصحابي كل البعد أن يقول بمحض رأيه فيما لا مجال للاجتهاد فيه، وليس مجرد الاستبعاد مسوغاً للوقوع في خطر الوعيد الشديد. على أنه يمكن أن يذهب بعض الصحابة إلى تفسير بعض المتشابه كما تجده كثيراً في تفاسيرهم المنقولة عنهم، وتجعل هذه الفواتح من جملة المتشابه. ثم ههنا مانع آخر؛ وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكماً لا وجه له، وإن عملنا بالجميع كان عملاً بما هو مختلف متناقض، ولا يجوز، ثم ههنا مانع غير هذا المانع وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاتفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذ عنه، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها. ولا يقال قد اختلفوا في غيره من الأحكام فيلزم عدا الأخذ به، لأنا نقول اختلافهم في ذلك من قبيل الأخذ بالأخص أو الأعم أو التقدم أو

المتأخر، وفي كثير مما اختلفوا فيه إن علموا بالنص تركوا ذلك بخلاف ما هنا، والله أعلم. والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأئمة أن لا يتكلم بشيء من ذلك، مع الإعتراف بأن في إنزالها حكمة لله عز وجل لا تبلغها عقولنا، ولا تهتدي إليها أفهامنا، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوز، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى: (منه آيات محكمات هنَّ أم الكتاب وأخر متشابهات) كلام طويل الذيول وتحقيق تقبله صحيحات الأفهام وسليمات العقول. (ذلك الكتاب) أي القرآن، وقيل فيه اضمار أي هذا الكتاب الذي وعدتك به أو وعدت به على لسان موسى وعيسى أن أنزله عليك، قال ابن عباس في الآية يعني هذا الكتاب، وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة، والإشارة إلى الكتاب المذكور بعده، والعرب قد تستعمل الإشارة إلا البعيد الغائب، مكان الإشارة إلى القريب الحاضر، ومنه قوله تعالى (ذلك عالم الغيب والشهادة) وقوله (تلك حجتنا آتيناها إبراهيم) وقوله (تلك آيات الكتاب) وقوله (ذلكم حكم الله) قال أبو السعود وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه، وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف، انتهى. وقيل إن الإشارة إلى غائب، واختلف في ذلك الغائب، فقيل هو الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق، وقيل الكتاب الذي كتبه الله على نفسه في الأزل كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله " لما قضى الله الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي (¬1) " وفي رواية " سبقت " وقيل الإشارة إلى ما قد ¬

(¬1) مسلم/2751 وفي رواية لما خلق الله الخلق ... البخاري/1509.

نزل بمكة، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل، وقيل إلى قوله قبله (الم) ورجحه الزمخشري. وقد وقع الإختلاف في ذلك إلى تمام عشرة أقوال حسبما حكاه القرطبي وأرجحها ما صدرناه، والكتاب مصدر بمعنى المكتوب وأصله الضم والجمع، ومنه يقال للجند كتيبة لاجتماعها، والكتاب يجمع الحروف بعضها إلى بعض، وهو اسم من أسماء القرآن. (لا ريب فيه) أي لا شك فيه أنه من عند الله وأنه الحق والصدق، وقيل هو خبر بمعنى النهي أي لا ترتابوا فيه والريب والشك مع التهمة مصدر، وهو قلق النفس واضطرابها، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " (¬1) فإن الشك ريبة وإن الصدق طمأنينة، ومنه ريب الزمان وهو ما يقلق النفوس ويشخص بالقلوب من نوائبه، وقيل الريب هو الشك مطلقاً، وقال ابن أبي حاتم لا أعلم في هذا خلافاً، وقد يستعمل الريب في التهمة والحاجة، حكى ذلك القرطبي، ومعنى هذا النفي العام أن الكتاب ليس بمظنة للريب لوضوح دلالته وضوحاً يقوم مقام البرهان المقتضى لكونه لا ينبغي الإرتياب فيه بوجه من الوجوه. (هدى) أي رشاد وبيان، وأنه يذكر وهو الكثير وبعضهم يؤنث أي هو هدى أو هذه هدى أو هو هاد لهم إلى الحق، والهدى مصدر، وهذا وزن نادر في المصادر لم يرد منه فيما قيل إلا الهدى والتقى والسرى والبكا بالقصر في لغة، وزاد الشاطبي: لغى بالضم في لغة أيضاً قال الزمخشري: وهو الدلالة الموصلة إلى البغية بدليل وقوع الضلال في مقابلته، انتهى. قال القرطبي: الهدى هديان، هدى دلالة وهو الذي يقدر عليه الرسل واتباعهم، قال الله تعالى (ولكل قوم هاد) وقال (وإنك لتهدي إلى صراط ¬

(¬1) النسائي 2/ 334 - الترمذي 2/ 84 - الدارمي 2/ 254 - الحاكم 2/ 13 - مسند أحمد 1/ 200 - ابو نعيم 6/ 352.

مستقيم) فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه، وتفرد سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق فقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم - (إنك لا تهدي من أحببت) فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب، ومنه قوله تعالى (أولئك على هدى من ربهم) وقوله (ولكن الله يهدي من يشاء). (للمتقين) أي من ثبتت لهم التقوى، وتخصيص الهدى بالمتقين لما أنهم المقتبسون من أنواره المنتفعون بآثاره وإن كانت بهدايته شاملة لكل ناظر من مؤمن وكافر، ولذا أطلقت في قوله (هدى للناس) قاله أبو السعود قال ابن فارس وأصلها في اللغة قلة الكلام، وقال في الكشاف المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية الصيانة، وهو في الشريعة الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقوبة من فعل أو ترك انتهى قال ابن مسعود وهم المؤمنون. وعن معاذ بن جبل أنه قيل له من المتقون فقال قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا لله العبادة، وعن أبي هريرة أن رجلاً قال له ما التقوى؟ قال هل وجدت طريقاً ذا شوك، قال نعم، قال فكيف صنعت قال إذا رأيت الشوك عدلت عنه أو جاوزته أو قصرت عنه، قال ذلك التقوى، وعن أبي الدرداء قال تمام التقوى أن يتقي الله العبد حتى يتقيه من مثقال ذرة حتى يترك بعض ما يرى أنه حلال خيفة أن يكون حراماً يكون حجاباً بينه وبين الله وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عطية السعدي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً لما به بأس " فالمصير إلى ما أفاده هذا الحديث واجب، ويكون هذا معنى شرعياً للمتقي أخص من المعنى الذي قدمنا عن صاحب الكشاف زاعماً أنه المعنى الشرعي.

وقد أطال القوم في ذكر تعاريف التقوى ورسوم المتقي لا حاجة لنا إلى التطويل بذكر تلك الأقوال، فالمرفوع يغني عن المرقوع، والصباح يغني عن المصباح.

3

(الذين يؤمنون بالغيب) هو وصف للمتقين كاشف، وأصل الإيمان في اللغة التصديق، قال تعالى (وما أنت بمؤمن لنا) أي بمصدق وتعديته بالباء لتضمنه معنى الإعتراف، وقد يطلق بمعنى الوثوق وكلا الوجهين حسن هنا، والغيب في كلام العرب كل ما غاب عنك. قال القرطبي واختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا فقالت فرقة الغيب هو الله سبحانه، وضعفه ابن العربي، وقال آخرون القضاء والقدر. وقال آخرون القرآن وما فيه من الغيوب وقيل القلب أي يصدقون بقلوبهم، وقيل الغيب الخفاء، وقال آخرون الغيب كل ما أخبر به الرسول مما لا تهدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة والنار. قال ابن عطية وهذه الأقوال لا تتعارض بل يقع الغيب على جميعها. قال وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبرائيل حين قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - " فأخبرني عن الإيمان قال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ونؤمن بالقدر خيره وشره قال صدقت " انتهى، وهذا الحديث هو ثابت في الصحيح بلفظ " والقدر خيره وشره " (¬1). وقد أخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن منده وأبو نعيم كلاهما في معرفة الصحابة عن نزيلة بنت أسلم قالت صليت الظهر أو العصر في مسجد بني حارثة واستقبلنا مسجد إيلياء فصلينا سجدتين ثم جاءنا من يخبرنا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استقبل البيت فتحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فصلينا السجدتين الباقيتين ونحن مستقبلون البيت الحرام، فبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) جزء من الحديث الطويل عن عمر بن الخطاب انظر تمامة مسلم/8.

فقال " أولئك قوم آمنوا بالغيب " وأخرج البزار وأبو يعلى والحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال كنت جالساً مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " أنبئوني بأفضل أهل الإيمان إيماناً " فقالوا يا رسول الله الملائكة قال هم كذلك ويحق لهم، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا يا رسول الله " الأنبياء الذين أكرمهم الله برسالته ونبوته " قال هم كذلك ويحق لهم وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها قالوا يا رسول الله الشهداء الذين استشهدوا مع الأنبياء. قال هم كذلك وما يمنعهم وقد أكرمهم الله بالشهادة. قالوا فمن يا رسول الله؟ قال " أقوام في أصلاب الرجال يأتون من بعدي يؤمنون بى ولم يروني ويصدقوني ولم يروني يجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيماناً " (¬1) وفي إسناده محمد بن أبي حميد، وفيه ضعف. وأخرج حسن بن عرفة في جزئه المشهور والبيهقي في الدلائل عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكر نحو الحديث الأول وفي إسناده المغيرة بن قيس البصري وهو منكر الحديث وأخرج نحوه الطبراني عن ابن عباس مرفوعاً والإسماعيلي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً والبزار عن أنس مرفوعاً. وأخرج ابن أبي شيبة في مسنده عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا ليتني قد لقيت إخواني " قالوا يا رسول الله ألسنا إخوانك، قال " بلى ولكن قوم يجيئون من بعدكم يؤمنون بي إيمانكم ويصدقوني تصديقكم وينصروني نصركم، فيا ليتني قد لقيت إخواني " (¬2) وعن أبي جمعة الأنصاري قال: ¬

(¬1) الدارمي رقاق 31، أحمد بن حنبل 4/ 106. المستدرك 4/ 85. (¬2) أحمد بن حنبل 3/ 71 - 5/ 248 - 257 - 264.

قلت يا رسول الله هل من قوم أعظم منا أجراً: آمنا بك واتبعناك قال: ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم، يأتيكم بالوحي من السماء، بل قوم يأتون من بعدكم، يأتيهم كتاب الله بين لوحين فيؤمنون بي ويعملون بما فيه، أولئك أعظم منكم أجراً (¬1) " أخرجه أحمد والدارمي والبارودي وابن قانع معاً في معجم الصحابة، والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني سبع مرات " أخرجه الطيالسي وأحمد والبخاري في تاريخه والطبراني والحاكم. وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد أن رجلاً قال يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك. قال: " طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني " وأخرج الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر نحوه، وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني من حديث أنس نحو حديث الباهلي المتقدم. وعن ابن مسعود أنه قال والذي لا إله غيره ما آمن أحد أفضل من إيمان بغيب ثم قرأ (آلم) الآية، وللتابعين أقوال، والراجح ما تقدم من أن الإيمان الشرعي يصدق على جميع ما ذكر هنا. وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح كلاماً مفيداً في حديث عمر بن الخطاب المتقدم باعتبار ما ورد في الصحابة، وحاصله أن فضيلة الصحابة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومجرد زيادة الأجر لا يستلزم أفضلية غير الصحابة على الصحابة لأن الأجر إنما يقع مفاضلة بالنسبة إلى ما يماثله من العمل، ومشاهدة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعدلها عمل، هذا حاصل ما أشار إليه وهو محتاج إليه لأنه كثيراً ما يستشكل الجمع بين الأحاديث والله أعلم. قال ابن جرير في هذه الاَية: والأولى أن يكونوا موصوفين بالإيمان ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 3/ 71 - 5/ 248 - 257 - 264.

بالغيب قولاً واعتقاداً وعملاً، وتدخل الخشية لله في معنى الإيمان الذي هو تصديق القول بالعمل، والإيمان كلمة جامعة للإقرار بالله وكتبه ورسله وتصديق الإقرار بالفعل، وقال ابن كثير إن الإيمان الشرعي المطلوب لا يكون إلا اعتقاداً وقولاً وعملاً، هكذا ذهب إليه أكثر الأئمة بل قد حكاه الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغير واحد إجماعاً أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وقد ورد فيه آثار كثيرة انتهى. وقد أنكر أكثر المتكلمين زيادة الإيمان ونقصانه، وقال أهل السنة إن نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة الأعمال ونقصانها، وبهذا أمكن الجمع بين ظواهر النصوص من الكتاب والسنة التي جاءت بزيادة الإيمان ونقصانه، وبين أصله من اللغة. والدليل على أن الأعمال من الإيمان قوله - صلى الله عليه وسلم - " الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (¬1) " أخرجه الشيخان عن أبي هريرة. ولشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام كلام في معنى الغيب وعالمه في كتاب العقل والنقل حاصله أن من زعم أن عالم الغيب الذي أخبر به الله والرسل هو العالم العقلي الذي يثبته هؤلاء الفلاسفة فهو من أضل الناس، فإن ابن سينا ومن سلك سبيله في هذا كالشهرستاني والرازي وغيرهما يقولون إن الإلهيين يثبتون العالم العقلي ويردون على الطبيعيين منهم الذين لا يثبتون إلا العالم الحسي ويدعون أن العالم العقلي الذي يثبتونه هو ما أخبرت به الرسل من الغيب الذي أمروا بالإيمان به مثل وجود الرب والملائكة والجنة، وليس الأمر كذلك، فإن ما يثبتونه من العقليات إذا حقق الأمر لم يكن لها وجود إلا في العقل، وسميت مجردات ومفارقات لأن العقل يجرد الأمور الكلية ¬

(¬1) مسلم/35 - البخاري/9.

عن المغيبات، وأما تسميتها مفارقات فكان أصله أن النفس الناطقة تفارق البدن وتصير حينئذ عقلاً وكانوا يسمون ما جامع المادة بالتدبير لها كالنفس قبل الموت نفساً وما فارقها بالكلية فلم يتعلق بها لا تعلق تدبير ولا غيره عقلاً، ولا ريب أن النفس الناطقة قائمة بنفسها باقية بعد الموت منعمة أو معذبة كما دل على ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها ثم تعاد إلى الأبدان. والمقصود هنا أن ما يثبتونه من العقليات إذا حققت لم يكن إلا ما ثبت في عقل الإنسان، ولهذا كان منتهى تحقيقهم الوجود المطلق، وهو الوجود المترك بين الموجودات. وهذا إنما يكون مطلقاً في الأذهان لا في الأعيان، والمتفلسفة يجعلون الكلي المشترك موضوع العلم الإلهي، وأما الوجود الواجب فتارة يقولون هو الوجود المقيد بالقيود السلبية كما يقوله ابن سينا، وتارة يجعلونه المجرد عن كل قيد سلبي وثبوتي كما يقوله بعض الملاحدة من باطنية الرافضة والإتحادية، وتارة يجعلونه نفس وجود الموجودات فلا يجعلون للممكنات وجوداً غير الوجود الواجب، وغايتهم أنهم يجعلون في أنفسهم شيئاً ويظنون أن ذلك موجود في الخارج، ولهذا يمدهم الشياطين، فإن الشياطين تتصرف في الخيال وتلقي في خيالات الناس أموراً لا حقيقة لها، ومحققو هؤلاء يقولون أرض الحقيقة هي أرض الخيال. وأما ما أخبرت به الرسل موجودة من الغيب، فهو أمور ثابتة أكمل وأعظم مما نشاهده نحن في هذه الدار وتلك أمور محسوسة تشاهد وتحس، ولكن بعد الموت وفي الدار الآخرة، ويمكن أن يشاهدها في هذه الدار من يختصه الله بذلك ليست عقلية قائمة بالعقل، ولهذا كان الفرق بينها وبين الحسيات التي نشاهدها أن تلك غيب وهذه شهادة قال تعالى (الذين يؤمنون بالغيب) وكون الشيء غائباً وشاهداً أمر إضافي بالنسبة إلينا، فإذا غاب عنا كان غيباً، وإذا شاهدناه كان شهادة، ليس هو فرقاً يعود إلى أن ذاته تعقل ولا

تشاهد ولا تحس، بل كل ما يعقل ولا يمكن أن يشاهد بحال فإنما يكون في الذهن، والملائكة يمكن أن يشاهدوا ويروا الرب تعالى، وممكن رؤيته بالأبصار والمؤمنون يرونه يوم القيامة وفي الجنة كما تواترت النصوص في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، واتفق على ذلك سلف الأمة وأئمتها، وإمكان رؤيته يعلم بالدلائل العقلية القاطعة، لكن ليس هو الدليل الذي سلكه طائفة من أهل الكلام كأبي الحسن وأمثاله حيث ادعوا أن كل موجود يمكن رؤيته، بل قالوا وممكن أن يتعلق به الحواس الخمس السمع والبصر والشم والذوق واللمس، فإن هذا مما يعلم فساده بالضرورة عند جماهير العلماء، وهذا من أغاليط بعض المتكلمين، هذا. قوله (ويقيمون الصلاة) أي يداومون عليها، والإقامة في الأصل الدوام والثبات، وليس من القيام على الرجل، وإنما هو من قولك قام الحق أي ظهر وثبت، وإقامة الصلاة أداؤها بأركانها وسننها وهيآتها في أوقاتها وحفظها من أن يقع فيها خلل في فرائضها وحدودها وزيغ في أفعالها وإتمام أركانها، والصلاة أصلها في اللغة الدعاء من صلى يصلي إذا دعا، ذكر هذا الجوهري وغيره، وقال قوم هي مأخوذة من الصلا، وهو عرق في وسط الظهر ويفترق عند العجب، ذكر هذا القرطبي، وهذا هو المعنى اللغوي. وأما المعنى الشرعي فهو هذه الصلاة التي هي ذات الأركان والأذكار، قال ابن عباس المراد به الصلوات الخمس وقال قتادة إن إقامة الصلاة المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها. (ومما رزقناهم ينفقون) أي يخرجون ويتصدقون في طاعة الله وفي سبيله والرزق عند الجمهور ما صلح للإنتفاع به حلالاً كان أو حراماً خلافاً للمعتزلة فقالوا إن الحرام ليس برزق، وللبحث في هذه المسألة موضع غير هذا، والإنفاق إخراج المال من اليد وأنفق الشيء وأنفده أخوان، ولو استقريت الألفاظ وجدت كل ما فاؤه نون وعينه فاء دالاً على معنى الذهاب والخروج. وفي المجيء بمن التبعيضية ههنا نكتة سرية هي الإرشاد إلى ترك

الإسراف والتبذير، وتقديم المفعول للاهتمام به والمحافظة على رؤوس الآي، قال أبو بكر الباقلاني: ذهب الأشاعرة كلهم إلى نفي السجع عن القرآن، وذهب كثير ممن خالفهم إلى إثباته انتهى، قال البقاعي الثاني فاسد، وأطال في بيان ذلك بلا طائل، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر، وكأن من نفاه نفى التزامه أو أكثريته، ومن أثبته أراد وروده فيه في الجملة، فاحفظه ولا تلتفت لما سواه، والذي عليه العلماء أنه تطلق الفواصل عليه دون السجع قاله الخفاجي. قال: ابن عباس يعني زكاة أموالهم، وعن قتادة يعني الإنفاق في فرائض الله التي افترض عليهم في طاعته وسبيله كالزكاة والنذر وفي الجهاد وعلى النفس وقال ابن مسعود هي نفقة الرجل على أهله، واختار ابن جرير أن الآية عامة في الزكاة والنفقات وهو الحق من غير فرق بين النفقة على الأقارب وغيرهم وصدقة الفرض والنفل، وعدم التصريح بنوع من الأنواع التي يصدق عليها مسمى الإنفاق يشعر أتم إشعار بالتعميم (¬1). ¬

(¬1) وقد ذكر ابن الجوزي في تفسيره زاد المسير في علم التفسير لهذه الآية أراء عدة منها: " أنها النفقة التي كانت واجبة قبل وجوب الزكاة، ذكره بعض المفسرين، وقالوا: إنه كان فرض على الرجل أن يمسك مما في يده مقدار كفايته يومه وليلته، ويفرق باقيه على الفقراء. فعلى قول هؤلاء الآية منسوخة بآية الزكاة، وغير هذا القول أثبت. واعلم أن الحكمة في الجمع بين الإيمان بالغيب وهو عقد القلب وبين الصلاة وهي فعل البدن، وبين الصدقة وهو تكليف يتعلق بالمال، إنه ليس في التكليف قسم رابع، إذا ما عدا هذه الأقسام فهو ممتزج بين اثنين منهما كالحج والصوم ونحوهما إ - هـ. (زاد المسير 1/ 26).

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)

4

(والذين يؤمنون) أي يصدقون (بما أنزل اليك) المراد به ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأسره والشريعة عن آخرها، والتعبير بالماضي مع كون بعضه مترقباً لتغليب المحقق على المقدر أو لتنزيل ما في شرف الوقوع منزلة الواقع، قال القاضي الانزال نقل الشيء من أعلى إلى أسفل، وهو إنما يلحق المعاني بتوسط لحوقه الذوات الحاملة لها، قال الإمام المراد من إنزال القرآن أن جبريل عليه السلام في السماء سمع كلام الله فنزل به على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما يقال نزلت رسالة الأمير من القصر، والرسالة لا تنزل ولكن كان المستمع في علو فنزل وأدى في سفل، وقول الأمير لا يفارق ذاته اهـ. قال الخفاجي وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه أي يجزم بالنزول من غير معرفة بكيفيته وهو الحق إذ مثل هذا من التدقيقات الفلسفية لا ينبغي ذكره في التفسير اهـ حاصله. قلت ويرد على مذهب بعض السلف ما ورد في الأحاديث الصحيحة من بيان كيفيهّ الوحي وبدئه وبه ترجم البخاري، وهو أول باب عنون به كتابه الصحيح. وقد نطق به القرآن، ولا شك أن كلامه سبحانه المنزل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مسموع بالآذان مقروء بالألسنة محفوظ في الصدور، مكتوب في المصاحف، له حرف وصوت كما دلت عليه السنة المطهرة في غير موضع من دواوين الاسلام وزبر الإيمان، وليس هذا موضع بسطه، وسيأتي الكلام عليه تحت تفسير قوله تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير).

(وما أنزل من قبلك) وهو الكتب السالفة المنزلة على الأنبياء من قبل كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها، والإيمان بالكل جملة فرض عين، وبالقرآن تفصيلاً فرض كفاية، قيل هو مؤمنو أهل الكتاب، وفيهم نزلت، وقد رجح هذا ابن جرير، ونقله السدي عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة، واستشهد له ابن جرير بقوله تعالى (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل اليهم) وبقوله تعالى (والذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) والآية الأولى نزلت في مؤمني العرب، وقيل إن الآيتين جميعاً في المؤمنين على العموم، وعلى هذا فالجملة عطف على الجملة الأولى صفة للمتقين بعد صفة أو مرفوعة على الاستئناف، أو عطف على المتقين، والتقدير هدى لهم وللذين يؤمنون، الحق أن هذه الآية في المؤمنين كالتي قبلها وليس مجرد ذكر الإيمان بما أنزل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل إلى من قبله بمقتضى لجعل ذلك وصفاً لمؤمني أهل الكتاب، ولم يأت ما يوجب المخالفة لهذا، ولا في نظم القرآن ما يقتضي ذلك، وقد ثبت الثناء على من جمع بين الأمرين من المؤمنين في غير آية فمن ذلك قوله (يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل) وقوله تعالى (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل اليكم) وقوله تعالى (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) وقال (والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم). (وبالآخرة) أي بالدار الآخرة، تأنيث الآخر الذي هو نقيض الأول كما أن الدنيا تأنيث الأدنى غلبتا على الدارين فجرتا مجرى الاسماء وهي صفة الدار بدليل قوله تعالى (تلك الدار الآخرة) وسميت آخرة لتأخرها عن الدنيا وكونها بعدها (وهم يوقنون) الإيقان إيقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه، قال في الكشاف فالمراد أنهم يوقنون بالبعث والنشور وسائر أمور الآخرة من دون شك، وفي تقديم الظرف مع بناء الفعل على الضمير إشعار بالحصر، وأن ما

عدا هذا الأمر الذي هو أساس الإيمان ورأسه ليس بمستأهل عندهم للإيقان به والقطع بوقوعه، وفيه تعريض ممن عداهم من أهل الكتاب، فإن اعتقادهم في أمور الآخرة بمعزل من الصحة فضلاً عن الوصول إلى مرتبة اليقين.

5

(أولئك) أي الذين هذه صفتهم وما فيه من البعد للإشعار بعلو درجتهم ورفعة مرتبتهم في الفضل وهو مبتدأ وخبره (على هدى من ربهم) أي على رشاد ونور، وقيل على استقامة منحوها من عنده وأوتوها من قبله، وهو اللطف والتوفيق الذي اعتضدوا به على أعمال الخير والترقي إلى الأفضل فالأفضل والإبهام المفهوم من التنكير في (هدى) لكمال تفخيمه أي على هدى أي هدى، لا يبلغ كنهه ولا يقادر قدره، وهذا كلام مستأنف بياني، ويمكن أن يكون خبراً عن الذين يؤمنون بالغيب فيكون متصلاً بما قبله. قال في الكشاف: قوله (وعلى هدى) مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه وتمسكهم به، شبهت حالهم بحال من اعتلى الشيء وركبه، ونحوه هو على الحق وعلى الباطل، وقد صرحوا بذلك في قوله جعل الغواية مركباً، وامتطى الجهل، واقتعد غارب الهوى اهـ. وقال أبو السعود وإيراد كلمة الاستعلاء على استعارتها لتمسكهم بالهدى ْاستعارة تبعية متفرعة على تشبيهه باعتلاء الراكب واستوائه على مركوبه أو على جعلها قرينة للاستعارة بالكناية بين الهدى والمركوب للإيذان بقوة تمكنهم منه، وكمال رسوخهم فيه انتهى. وقال الخفاجي الاستعارة في الحرف تبعية متعلقة وهو المعنى الكلي الشامل له كما حققوه والتمثيل ضرب المثل والإتيان بمثال ومطلق التشبيه والمركب منه، وهذا ظاهر لا نزاع فيه، وإنما النزاع في الاستعارة التبعية هل تكون تمثيلية أم لا، فذهب الفاضل المحقق إلى جوازه متمسكاً بما صرح

العلامة في مواضع من كشافه كما صرح به هنا وقد سبقه إليه الطيبي، وقال إنه مسلك الشيخين الزمخشري والسكاكي ولم يرتضه المدقق في الكشف، فأول ما في عباراتهم وتبعه فيه السيد وشنع على الفاضل حتى كأنه أبو عذرته وهي المعركة العظمى التي عقدت لها المجالس، وصنفت فيها الرسائل ما هو أشهر من " قفا نبك ". والحاصل أن استعارة " على " استعارة تبعية تستلزم كون الاستعلاء مشبهاً به وتركب الطرفين يستلزم أن لا يكون مشبهاً به فلا يجتمعان. ومن الفضلاء من رده، وانتصر للسعد سعد جده فقال هو ممنوع. والحاصل أنه يجري في الحرف التمثيل بمعنى انتزاع الحالة من الأمور المتعددة ولا يجري فيه التشبيه في المفصل المركب قصداً. والذي يخطر بالبال، بعد طي شقة القيل والقال، أن الخلاف بينهم في حرف واحد إذ لا خلاف في أن التمثيل التفصيلي المعروف يستدعي تركب الطرفين حقيقة، وأن التمثيل الآخر الذي هو محل النزاع هل يشترط فيه التركيب بعد الاتفاق على أنه لا يلزم التصريح بأجزائه لفظاً ولا تقديراً فذهب الشريف إلى أنه يشترط فيه أن تكون أجزاؤه مرادة منوية فلا يكون ما اقتصر عليه من الحرف ونحوه مما هو عمدة المعنى المجازي مستعملاً في معنى مجازي، بل حقيقة وإلا كان مجازاً مفرداً لا تمثيلاً، أو لا يشترط فيه ذلك بك يكفي تركب المأخذ المنتزع منه ذلك، ويكون الحرف المذكور مع ما يدل عليه بالالتزام من طرفي التشبيه وما يتممه متجوزاً فيه وإلا لم يصح دخول (على) على الهدى كما مشى عليه السعد، ومن مشى على جادته. فالنزاع كاللفظي انتهى حاصله. قلت: وقد أطال المحققون الكلام على هذا بما لا يتسع له المقام، واختلف من بعدهم في ترجيح الراجح من القولين، وقد جمع العلامة الشوكاني في ذلك رسالة مستقلة سماها الطود المنيف، في ترجيح ما قاله السعد على ما قاله الشريف، فليرجع إليها من أراد أن يتضح له المقام، ويجمع بين أطراف

الكلام على التمام، وحاصلها أن الحق في جانب السعد وأن الصواب بيده، وقد تقدمه إلى مثل هذا العلوي في حاشيته على الكشاف، وليس للسعد فيه زيادة على ما يفيده كلام الزمخشري إلا مجرد الإيضاح، ولم يأت بشيء من طرفه يستحق المؤاخذة عليه انتهى. أقول فالحق اجتماع الاستعارة التبعية والتمثيلية، وذلك هو محل النزاع وقد اعترف الشريف بأن المقام صالح لهما لكن ادعى امتناع اجتماعهما، ويدلك على أن الاستعارة التبعية تمثيلية الاستقراء، وبه يشعر قول إمام الفن السكاكي صاحب المفتاح، وهذا صريح فيما صرح به السعد والله أعلم. (وأولئك) في تكرير إسم الإشارة دلالة على أن كُلاَّ من الهداية الماضية والفلاح الآتي بحيث لو انفرد أحدهما لكفى مميزاً على حياله. (هم المفلحون) أي المنجحون الناجون الفائزون نجوا من النار، وفازوا بالجنة، والفلح الظافر بالمطلوب، والفلاح أصله في اللغة الشق والقطع قاله أبو عبيد، قال القرطبي: وقد يستعمل في الفوز والبقاء وهو أصله أيضاً في اللغة فمعناه الفائزون بالجنة، والباقون فيها، وقال في الكشاف: المفلح الفائز بالبغية كأنه الذي أنفتحت له وجوه الظفر ولم تستغلق عليه، انتهى. وقد استعمل الفلاح في السحور، ومنه الحديث الذي رواه أبو داود " حتى كاد يفوتنا الفلاح قلت ما الفلاح؟ قال السحور: وكأن معنى الحديث أن السحور به بقاء الصوم فلهذا سمي فلاحاً، وضمير الفصل ويسمى عماداً له فوائد ذكرها الخفاجي منها الدلالة على اختصاص المسند إليه بالمسند دون غيره، وقد ورد في فضل هذه الآيات الشريفة أحاديث. ثم ذكر سبحانه فريق الشر بعد الفراغ من ذكر فريق الخير قاطعاً لهذا الكلام عن الكلام الأول معنوناً له بما يفيدان شأن جنس الكفرة عدم إجداء الإنذار لهم، وأنه لا يترتب عليه ما هو المطلوب منهم من الإيمان وأن وجود ذلك كعدمه فقال:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)

6

(إن الذين) التعريف للعهد أو للجنس، والثاني أولى (كفروا) أي جحدوا وأنكروا، وأصل الكفر في اللغة الستر والتغطية ومنه سمي الكافر كافراً لأنه يغطي بكفره ما يجب أن يكون عليه من الإيمان (سواء عليهم) أي متساو لديهم، وسواء اسم مصدر بمعنى الاستواء وارتفاعه على أنه خبر لأن (أأنذرتهم) أي خوفتهم وحذرتهم، والإنذار الإبلاغ والإعلام مع التخويف فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذراً، قرئ بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ألفاً، قال البيضاوي وهذا الإبدال لحن، ورد عليه على القارى بأن ما قاله تقليداً للكشاف خطأ لأن القراءة به متواترة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنكارها كفر، وتمام هذا البحث في الجمل (أم لم تنذرهم لا يؤمنون) أي لا يصدقون. قال القرطبي واختلف العلماء في تأويل هذه الآية فقيل هي عامة ومعناها الخصوص فيمن حقت عليه كلمة العذاب وسبق في علم الله أنه يموت على كفره أراد الله تعالى أن يعلم الناس أن فيهم من هذا حاله دون أن يعين أحداً، وقال ابن عباس والكلبي نزلت في رؤساء اليهود حيي بن أخطب وكعب ابن الأشرف ونظرائهما وقال الربيع بن أنس نزلت فيمن قتل يوم بدر من قادة الأحزاب، والأول أصح فإن من عين أحداً فإنما مثل عن كشف الغيب بموته على الكفر انتهى.

7

(ختم الله على قلوبهم) أي طبع الله عليها واستوثق فلا تعي خيراً ولا

تفهمه والختم والكتم أخوان، وأصل الختم مصدر معناه التغطية على الشيء، والاستيثاق منه حتى لا يدخله شيء ولا يخرج منه ما حصل فيه، ومنه ختم الكتاب والباب، وما يشبه ذلك حتى لا يوصل إلى ما فيه ولا يوضع فيه غيره، فشبه هذا المعنى بضرب الخاتم على الشيء تشبيه معقول بمحسوس، والجامع انتفاء القبول لمانع منع منه، وكذا يقال في الختم على الإسماع، وإسناد الختم إلى الله قد احتج به أهل السنة على المعتزلة، وحاولوا دفع هذه الحجة بمثل ما ذكره صاحب الكشاف والكلام على مثل هذا متقرر في مواطنه. (وعلى سمعهم) أي مواضعه، وإنما وحد السمع مع جمع القلوب كما تقدم والابصار كما سيأتي لإنه مصدر يقع على القليل والكثير، أو لوحدة المسموع وهو الصوت، وإنما خص هذه الأعضاء بالذكر لأنها طرق العلم، فالقلب محله وطريقه إما السماع وإما الرؤية (وعلى أبصارهم غشاوة) الغشاوة الغطاء وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعمامة، ومنه غاشية السرج وهي غطاء التعامي عن آيات الله ودلائل توحيده قيل المراد بالختم والغشاوة ههنا هما المعنويان لا الحسيان، ويكون الطبع والختم على القلوب والاسماع، والغشاوة على الأبصار كما قاله جماعة قال تعالى (فان يشأ الله يختم على قلبك) وقال (ختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة) (ولهم عذاب عظيم) يعني في الآخرة وقيل الأسر والقتل في الدنيا والعذاب الدائم في العقبى والعذاب هو كل ما يؤلم الانسان هو مأخوذ من الحبس والمنع، يقال في اللغة أعذبه عن كذا حبسه ومنعه ومنه عذوبة الماء لأنها حبست في الإناء حتى صفت، وقيل هو الايجاع الشديد، والعظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير كما أن الحقير دون الصغير، ويستعملان في الجثث والاحداث جميعاً.

8

(ومن الناس) جمع إنسان أو اسم جمع لإنسان قاله سيبويه والجمهور، وأصله الناس وذهب الكسائي إلى أنه اسم تام، وقال سلمة كل من ناس

وأناس مادة مستقلة، والفرق بين الجمع واسم الجمع أن اسم الجمع ما دل على ما فوق الاثنين ولم يكن على أوزان الجموع سواء كان له مفرد أو لا ويشترط فيه أيضاً أن لا يفرق بينه وبين واحده بالتاء كتمر وتمرة ولا بالياء كزنج وزنجي، فإنه اسم جنس جمعي، ويعرف باطراد تصغيره من غير رد إلى المفرد، وقد يراد باسم الجمع الجمع الوارد على خلاف القياس، وهذا في عرف النحاة، وأما أهل اللغة فاسم الجمع عندهم يسمى جمعاً حقيقة ذكره الخفاجي سمي به لأنه عهد إليه فنسي أو لأنه يستأنس بمثله، ولام التعريف فيه للجنس أو للعهد. (من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر) ذكر سبحانه في أول هذه السورة المؤمنين الخلص، ثم ذكر بعدهم الكفرة الخلص، ثم ذكر ثالثاً المنافقين في الآيات الثلاث عشرة وهم الذين لم يكونوا من إحدى الطائفتين بل صاروا فرقة ثالثة لأنهم وافقوا في الظاهر الطائفة الأولى، وفي الباطن الطائفة الثانية، ولذا نزل فيهم (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) قيل نزلت في عبد الله بن أبيّ ومعتب بن قشير وجد بن قيس وأصحابهم، والمراد باليوم الآخر، الوقت الذي لا ينقطع بل هو دائم أبداً وهو يوم القيامة (وما هم بمؤمنين) نفى عنهم الإيمان بالكلية في جميع الأزمنة كما تفيده الجملة الاسمية ففيه من التوكيد والمبالغة ما ليس في غيره.

9

(يخادعون الله) أي يخالفونه، (والذين آمنوا) والخداع في أصل اللغة الفساد حكاه ثعلب عن ابن الأعرابي وقيل أصله الإخفاء حكاه ابن فارس وغيره والمراد أنهم صنعوا صنع الخادعين وإن كان العالم الذي لا يحفى عليه شيء لا يخدع، وصيغة فاعل تفيد الاشتراك في أصل الفعل والمراد بالمخادعة من الله أنه لما أجرى عليهم أحكام الإسلام مع أنهم ليسوا منه في شيء فكأنه خادعهم بذلك كما خادعوه بإظهار الإسلام وإبطان الكفر مشاكلة لما وقع منهم بما وقع منه، والمراد بمخادعة المؤمنين لهم هو أنهم أجروا عليهم ما أمرهم الله

به من أحكام الإسلام ظاهراً، وإن كانوا يعلمون فساد بواطنهم كما أن المنافقين خادعوهم بإظهار الإسلام وإبطان الكفر، وقد يكون الخداع حسناً إذا كان الغرض منه استدراج الغير من الضلال إلى الرشد ومن ذلك استدراجات التنزيل على لسان الرسل في دعوة الأمم، قاله الطيبي، والآية من قبيل الإستعارة التمثيلية حيث شبه حالهم في معاملتهم لله بحال المخادع مع صاحبه من حيث القبح أو من باب المجاز العقلي في النسبة الإيقاعية، وأصل التركيب يخادعون رسول الله أو من باب التورية حيث ذكر معاملتهم لله بلفظ الخداع. والمراد بقوله (وما يخدعون إلا أنفسهم) الإشعار بأنهم لما خادعوا من لا يخدع كانوا مخادعين لأنفسهم، لأن الخداع إنما يكون مع من لا يعرف البواطن، وأما من عرف البواطن فمن دخل معه في الخداع، فإنما يخدع نفسه وما يشعر بذلك، والمراد أنهم يمنونها الأماني الباطلة، وهي كذلك تمنيهم، والنفس ذات الشيء وحقيقته، ثم قيل للقلب والروح والدم والماء نفس، والمراد بالأنفس هنا ذواتهم أو قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم (وما يشعرون) أي لا يعلمون أن وبال خداعهم راجع عليهم. قال أهل اللغة: شعرت بالشيء فظنت، قال في الكشاف الشعور علم الشيء علم حس من الشعار ومشاعر الإنسان حواسه، وقيل الشعور إدراك الشيء من وجه يدق ويخفى من الشعر لدقته، والأول أولى، قال ابن عباس إنهم المنافقون من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم، عن ابن سيرين قال لم يكن عندهم شيء أخوف من هذه الآية.

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10)

10

(في قلوبهم مرض) المرض كل ما يخرج به الإنسان عن حد الصحة من علة أو نفاق أو تقصير في أمر، قاله ابن فارس وقيل هو الألم فيكون على هذا مستعاراً للفساد الذي في عقائدهم إما شكاً ونفاقاً، أو جحداً وتكذيباً (فزادهم الله مرضاً) أي كفراً ونفاقاً، والمراد بزيادة المرض الإخبار بأنهم كذلك بما يتجدد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النعم، ويتكرر له من منن الله الدنيوية والدينية، ويحتمل أن يكون دعاء عليهم بزيادة الشك وترادف الحسرة وفرط النفاق، وفسر ابن عباس المرض بالشك والنفاق، وقال ابن زيد: هذا مرض في الدين وليس مرضاً في الأجسام، وقال عكرمة وطاوس المرض الرياء، والقراء مجمعون على فتح الراء من مرض إلا أبا عمرو فإنه قرأ بالسكون (ولهم عذاب) أي نكال. (أليم) أي مؤلم يخلص وجعه إلى قلوبهم، قال ابن عباس كل شيء في القرآن أليم فهو الموجع انتهى، ووصف به العذاب للمبالغة (بما كانوا يكذبون) أي يبدلون ويحرفون، قاله ابن مسعود، وقيل المعنى بتكذيبهم الله ورسوله في السر، وقيل بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين، والكذب هو الخبر عن الشيء على خلاف ما هو به وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (12)

11

(وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض) يعني المنافقين والقائل لهم هو الله أو الرسول أو المؤمنون، والعنى لا تفسدوا بالنفاق وموالاة الكفر وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد- صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن: فإنكم إذا فعلتم ذلك فسد ما في الأرض بهلاك الأبدان وخراب الديار، وبطلان الذرائع وخراب العالم كما هو مشاهد عند ثوران الفتن وهيج الحروب والتنازع، والفساد خروج الشيء عن الحالة اللائقة به والاعتدال، والصلاح ضده، وكلاهما يعمان كل ضار ونافع. (قالوا إنما نحن مصلحون) يعني يقولونه كذباً " وإنما " من أدوات القصر كما هو مبين في علم المعاني، والصلاح ضد الفساد، وهذا الجواب منهم رد للناصح على أبلغ وجه لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض.

12

(ألا إنهم هم المفسدون) في الأرض بالكفر وهو أشد الفساد، رد لما أدعوه أبلغ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد، و (ألا) حرف تنبيه ينبه بها المخاطب وهي النبهة على تحقيق ما بعدها. قال ابن مسعود الفساد هنا الكفر والعمل بالمعصية (ولكن لا يشعرون) وذلك لأنهم يظنون أن ما هم عليه من النفاق وإبطان الكفر صلاح وهو عين الفساد، وقيل لا يشعرون ما أعد الله لهم من العذاب، والأول أولى.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14)

13

(وإذا قيل لهم) أي للمنافقين .. نصحوهم من وجهين (أحدهما) النهي عن الفساد وهو عبارة عن التخلي عن الرذائل (وثانيهما) الأمر بالإيمان وهو عبارة عن التحلي بالفضائل، فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين (كما آمن الناس) يعني أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار، وقيل الناس عبد الله بن سلام وأصحابه و " ما " مصدرية أو كافة واللام للعهد أو للجنس، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان (قالوا) أي أجابوا بأحمق جواب وأبعده عن الحق والصواب (أنؤمن كما آمن السفهاء)، أي الجهال، الهمزة للإنكار واللام مشار بها إلى الناس أو للجنس بأسره وهم مندرجون فيه، نسبوا إلى المؤمنين السفه استهزاء واستخفافاً فتسببوا بذلك إلى تسجيل الله عليهم بالسفه بأبلغ عبارة وآكد قول وحصر كما قال تعالى: (ألا إنهم هم السفهاء) أي الجهال، وأصل السفه والسفاهة رقة الحلوم وفساد البصائر وسخافة العقول، وخفة النهي، وإنما سمى الله المنافقين سفهاء لأنهم كانوا عند أنفسهم عقلاء فقلب ذلك عليهم وسماهم سفهاء، ورد أبلغ رد في تجهيلهم. (ولكن لا يعلمون) أنهم كذلك إما حقيقة أو مجازاً تنزيلاً لإصرارهم على السفه منزلة عدم العلم، وإنما ذكر العلم هنا، والشعور فيما قبل، لأنه أكثر طباقاً بذكر السفه، والتمييز بين الحق والباطل يفتقر إلى نظرة وفكرة، والنفاق يدرك بأدنى تفطن وتأمل من قولهم وفعلهم. عن ابن عباس أنها نزلت في شأن اليهود.

14

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا) أي المهاجرين والأنصار، ومعنى لقيته ولاقيته استقبلته قريباً. (قالوا آمنا) كإيمانكم. (وإذا خلوا إلى شياطينهم) أي رجعوا إليهم قيل هو من الخلوة وقيل (إلى) بمعنى الباء وقيل بمعنى مع وخلوت بفلان وإليه إذا انفردت معه، أو من خلاك ذم أي مضى عنك، ومنه القرون الخالية أو من خلوت به إذا سخرت منه، وعدي بإلى لتضمين معنى الإنهاء. والمراد بالشياطين رؤساؤهم وكهنتهم، وقيل المراد بالشياطين المماثلون منهم للشياطين في التمرد والعناد، المظهرون لكفرهم أو كبار المنافقين، والقائلون صغارهم. (قالوا إنا معكم) في الدين والاعتقاد أي إنا مصاحبوكم في دينكم وموافقوكم عليه. (إنما نحن مستهزؤن) أي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بما نظهر لهم من الإسلام لنأمن من شرهم ونقف على سرهم، ونأخذ من غنائمهم، تأكيد لما قبله أو بدل منه أو استئناف. قال ابن عباس نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ وأصحابه، والهزء السخرية واللعب والاستخفاف يقال هزأت واستهزأت بمعنى، وأصله الخفة وهو القتل السريع، وهزأ يهزأ مات فجأة وتهزأ به ناقته أي تسرع به وتخف، والمراد درؤهم للإسلام ودفعهم للحق.

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)

15

(الله يستهزىء بهم) أي ينزل بهم الهوان والحقارة وينتقم منهم ويستخف بهم انتصافاً منهم لعباده المؤمنين، وجزاء لاستهزائهم بهم، فسمى الجزاء باسمه، لأنه في مقابلته، وورد ذلك في القرآن كثيراً ومنه (جزاء سيئة سيئة مثلها، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص لا يكون اعتداء لأنه حق، ومنه (ومكروا ومكر الله) (إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً) (وتعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) وهو في السنة كثير كقوله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله لا يمل حتى تملوا "، وإنما قال (الله يستهزىء بهم) لأنه يفيد التجدد وقتاً بعد وقت وهو أشد عليهم وأنكى لقلوبهم، وأوجع لهم من الإستهزاء الدائم الثابت المستفاد من الجملة الاسمية لأنه يألفه ويوطن نفسه عليه، قال ابن عباس يفتح لهم باب الجنة فإذا انتهوا إليه سد عنهم وردوا إلى النار. (ويمدهم) أي يتركهم ويمهلهم ويطيل لهم المدة كما قال (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) والمد الزيادة قال يونس بن حبيب يقال أمد في الشر وأمد في الخير، ومنه (وأمددناهم بأموال وبنين، وأمددناهم بفاكهة) وقال الأخفش مددت له إذا تركته وأمددته إذا أعطيته (في طغيانهم) أي في ضلالهم وأصل الطغيان مجاوزة الحد ومنه (إنا لما طغى الماء) والغلو في الكفر (يعمهون) أي يترددون في الضلالة متحيرين، والعمه والعامه الحائر المتردد، والعمه في القلب كالعمى في العين، قال في الكشاف: العمه مثل العمى إلا أن العمى في البصر

والرأي، والعمه في الرأي خاصة انتهى، فبينهما عموم وخصوص مطلقاً.

16

(أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى) يعني المنافقين استبدلوا الكفر بالإيمان، وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة توسعاً على سبييل الاستعارة، فالشراء ههنا مستعار للاستبدال كقوله تعالى (فاستحبوا العمى على الهدى) فأما أن يكون معنى الشراء المعاوضة كما هو أصله حقيقة فلا لأن المنافقين لم يكونوا مؤمنين وما كانوا على الهدى فيبيعوا إيمانهم؛ والعرب قد تستعمل ذلك في كل من استبدل شيئاً بشيء، وأصل الضلالة الحيرة والجور عن القصد وفقد الإهتداء، ويطلق على النسيان ومنه قوله تعالى (فعلتها إذاً وأنا من الضالين) وعلى الهلاك كقوله تعالى (إذا ضللنا في الأرض) والهدى التوجه إلى القصد، وقد استعير الأول للعدول عن الصواب في الدين، والثاني للإستقامة عليه، قال ابن عباس في الآية اشتروا الكفر بالإيمان وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا؛ وقال قتادة قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة. (فما ربحت تجارتهم) أي ما ربحوا في تجارتهم، وأصل الربح الفضل عن رأس المال والتجارة صناعة التاجر، وأسند الربح إليها على عادة العرب في قولهم: ربح بيعك وخسرت صفقتك، وهو من الإسناد المجازي وهو إسناد الفعل إلى ملابس للفاعل كما هو مقرر في علم المعاني، والمراد ربحوا وخسروا (وما كانوا مهتدين) أي مصيبين في تجارتهم لأن رأس المال هو الإيمان، فلما أضاعوه واعتقدوا الضلالة فقد ضلوا عن الهدى، وقيل في شرائعهم الضلالة وقيل في سابق علم الله.

17

(مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) المثل قول يشبه قولاً آخر بينهما مشابهة ليبين أحدهما الآخر ويصوره، ولهذا ضرب الله الأمثال في كتابه. وهو أحد أقسام القرآن السبعة، ولما ذكر حقيقة وصف المنافقين عقبه بضرب المثل زيادة في الكشف والبيان، لأنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثره وصف الشيء في

نفسه، ولأن المثل تشبيه الشيء الخفي بالجلي فيتأكد الوقوف على ماهيته: وذلك هو النهاية في الإيضاح، وشرطه أن يكون قولاً فيه غرابة من بعض الوجوه واستوقد بمعنى أوقد مثل استجاب بمعنى أجاب، فالسين والياء زائدتان، ووقود النار سطوعها وارتفاع لهبها. (فلما أضاءت ما حوله) يعني النار، والإضاءة فرضاً الإنارة وفعلها يكون لازماً ومتعدياً (ذهب الله بنورهم) الذهاب زوال الشيء (وتركهم) أي أبقاهم، وترك في الأصل بمعنى طرح وخلى (في ظلمات) جمع ظلمة والظلمة عدم النور (لا يبصرون) هذا المثل للمنافقين لبيان ما يظهرونه من الإيمان مع ما يبطنونه من النفاق لا يثبت لهم به أحكام الإسلام كمثل المستوقد الذي أضاءت ناره ثم طفئت، فإنه يعود إلى الظلمة ولا تنفعه تلك الإضاءة اليسيرة فكان بقاء المستوقد في ظلمات لا يبصر كبقاء المنافق في حيرته وتردده. قال ابن عباس في الآية نزلت في المنافقين يقول مثلهم في نفاقهم كمثل رجل أوقد ناراً في ليلة مظلمة في مفازة فاستدفأ ورأى ما حوله فاتقى مما يخاف، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقى في ظلمة حائراً متخوفاً، فكذلك حال المنافقين، أظهروا كلمة الإيمان وأمنوا بها على أنفسهم وأموالهم وأولادهم، وناكحوا المسلمين وقاسموهم في الغنائم فذلك نورهم، فلما ماتوا عادوا إلى الظلمة والخوف، وقيل ذهاب نورهم ظهور عقيدتهم للمؤمنين على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل في القبر أو على الصراط، والأول أولى. وإنما وصفت هذه النار بالإضاءة مع كونها نار باطل لأن الباطل كذلك يسطع لهب ناره لحظة ثم تخفت ومنه قولهم: للباطل صولة ثم يضمحل. وقد تقرر عند علماء البلاغة أن لضرب الأمثال شأناً عظيماً في إبراز خفيات المعاني ورفع أستار محجبات الدقائق، ولهذا استكثر الله تعالى ذلك في كتابه

العزيز، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر من ذلك في مخاطباته ومواعظه. قال ابن جرير: وصح ضرب مثل الجماعة بالواحد كما قال (رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) وقال تعالى: (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً).

18

(صم): أي عن استماع الحق لأنهم لا يقبلونه، وإذا لم يقبلوه فكأنهم لم يسمعوه والصمم الانسداد (بكم) أي خرس عن النطق بالخير فهم لا يقولونه، والأبكم الذي لا ينطق ولا يفهم، فإذا فهم فهو الأخرس، وقيل الأبكم والأخرس واحد (عمي) أي لا بصائر لهم يميزون بها بين الحق والباطل، ومن لا بصيرة له كمن لا بصر له فهو أعمى، والعمى ذهاب البصر، كانت حواسهم سليمة ولكن لما سدوا عن سماع الحق آذانهم وأبوا أن تنطق به ألسنتهم، وأن ينظروا إليه بعيونهم، جعلوا كمن تعطلت حواسه، وذهب إدراكه كما قال الشاعر: (¬1) صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء كلهم أذن (فهم لا يرجعون) أي عن ضلالتهم ونفاقهم. ¬

(¬1) ومن ذلك قوله مسكين الداري ما ضرَّ جاراً لي أجاوره ... ألا يكون لبابه ستر أعمى إِذا ما جارتي خرجت ... حتى يواري جارتي الخدر وتصمُّ عما بينهم أذني ... حتى يكون كأنه وقر

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)

19

(أو كصيب من السماء) أو: حرف الشك لقصد التخيير بين المثلين أي مثلوهم بهذا أو هذا، وهي وإن كانت في الأصل للشك فقد توسع فيها حتى صارت لمجرد التساوي من غير شك، وقال الفراء وغيره أنها بمعنى الواو، والصيب المطر واشتقاقه من صاب يصوب إذا نزل، وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيب، والسماء في الأصل كل ما علاك فأظلك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، والسماء أيضاً المطر سمي بها لنزوله منها، وإطلاق السماء على المطر واقع كثيراً في كلام العرب، وقيل من السماء بعينها، وإنما ذكر الله تعالى من السماء وإن كان المطر لا ينزل إلا منها ليرد على زعم أن المطر ينعقد من أبخرة الأرض فأبطل مذهب الحكماء بقوله (من السماء) ليعلم أن المطر منها لا كما هو زعمهم الباطل. (فيه ظلمات) أي في الصيب، وبه قال جمهور المفسرين، وقال السيوطي في السحاب وهو خلاف ظاهر نظم الآية، وقيل (في) بمعنى مع، وإنما جمع الظلمات إشارة إلى أنه انضم إلى ظلمة الليل، ظلمة الغيم والمطر (ورعد) اسم لصوت الملك الذي يزجر السحاب، وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: سألت اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرعد ما هو؟، قال " ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث يشاء الله " قالوا فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال زجره بالسحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر،

قالت صدقت، الحديث بطوله وفي إسناده مقال، وعلى هذا التفسير أكثر العلماء، وقيل هو اضطراب أجرام السحاب عند نزول المطر منها وإلى هذا ذهب جمع من المفسرين تبعاً للفلاسفة وجهلة المتكلمين، وقيل غير ذلك، قال ابن عباس: الرعد اسم ملك يسوق السحاب، والبرق لمعان سوطه من نور يزجر به السحاب، وقيل الرعد اسم ملك يزجر السحاب (¬1) إذا تبددت جمعها وضمها فإذا اشتد غضبه يخرج من فيه النار فهي البرق (وبرق) النار التي تخرج منه، أي مخراق بيد الملك الذي يسوق السحاب، وإليه ذهب كثير من الصحابة وجمهور علماء الشريعة للحديث السابق، وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة أن البرق ما ينقدح من اصطكاك أجرام السحاب المتراكمة من الأبخرة المتصعدة المشتملة على جزء ناري يلهب عند الاصطكاك. (يجعلون) أي أصحاب الصيب (أصابعهم في آذانهم من الصواعق) إطلاق الأصابع على بعضها مجاز مشهور، والعلاقة الجزئية والكلية لأن الذي يجعل في الأذن إنما هو رأس الاصبع لا كلها، والصواعق، ويقال الصواعق هي قطعة نار تنفصل من مخراق الملك الذي يزمجر السحاب عند غضبه وشدة ضربه لها، ويدل على ذلك حديث ابن عباس المذكور قريباً، وبه قال كثير من علماء الشريعة، ومنهم من قال أنها نار تخرج من فم الملك، وقال الخليل هي الوقعة الشديدة من صوت الرعد يكون معها أحياناً قطعة نار تحرق ما أتت عليه، وقال أبو زيد الصاعقة نار تسقط من السماء في رعد شديد، وقال بعض المفسرين تبعاً للفلاسفة ومن قال بقولهم إنها نار لطيفة تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامها، وسيأتي في سورة الرعد إن شاء الله تعالى في تفسير الرعد والبرق والصواعق ما له مزيد فائدة وإيضاح، وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سمع صوت الرعد والصواعق قال: " اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك "، أخرجه الترمذي وقال حديث غريب (حذر الموت) ¬

(¬1) فقد روى أحمد في مسنده (2483) والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح غريب وفي حديث طويل أجابه به - صلى الله عليه وسلم - اليهود.

أي مخافة الهلاك، والموت ضد الحياة (والله محيط بالكافرين) أي عالم بحالهم وقيل يجمعهم ويعذبهم والإحاطة الأخذ من جميع الجهات حتى لا يفوت المحاط به بوجه من الوجوه.

20

(يكاد البرق) أي يقرب يقال كاد يفعل ولم يفعل (يخطف أبصارهم) أي يختلسها والخطف استلاب الشيء والأخذ بسرعة (كلما أضاء لهم) يعني البرق (مشوا فيه) أي في إضاءته ونوره (وإذا أظلم عليهم قاموا) أي وقفوا متحيرين (ولو شاء الله لذهب بسمعهم) أي بصوت الرعد (وأبصارهم) بوميض البرق (إن الله على كل شيء قدير) أي هو الفاعل لما يشاء لا منازع له فيه، والآية على عمومها بلا استثناء، وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران لا كما زعم المعتزلة من أن الاستطاعة قبل الفعل. وهذا مثل آخر ضربه الله للمنافقين، والمنافقون أصناف منهم من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، ومنهم من قال فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه واحدة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان وورد بلفظ أربع وزاد وإذا خاصم فجر، وورد بلفظ إذا عاهد غدر، وقد ذكر ابن جرير ومن تبعه من المفسرين أن هذين المثلين لصنف واحد من المنافقين.

21

(يا أيها الناس) لم يقع النداء في القرآن بغير " يا " من الأدوات والنداء في الأصل طلب الإقبال والمراد به هنا التنبيه وأي مبني على الضم في محل نصب والناس نعت لأي على اللفظ وحركته إعرابية وحركة أي بنائية، واستشكل رفع التابع مع عدم عامل الرفع، والنداء على سبع مراتب: نداء مدح كقوله: (يا أيها النبي) و (يا أيها الرسول)، ونداء ذم كقوله: (يا أيها الذين هادوا) (يا أيها الذين كفروا) ونداء تنبيه كقوله: (يا أيها الإنسان) (يا أيها الناس) ونداء إضافة كقوله: (يا عبادي) ونداء نسبة كقوله: (يا بني آدم) (يا بني إسرائيل)، ونداء تسمية كقوله: (يا داود) (يا إبراهيم)، ونداء تضيف كقوله:

(يا أهل الكتاب)، قاله الكرخى. قال ابن عباس (يا أيها الناس) خطاب لأهل مكة ويا أيها الذين آمنوا خطاب لأهل المدينة وهو هنا خطاب عام لسائر المكلفين، والحق أن ما قاله ابن عباس أكثري لا كُلّي، فإن البقرة والنساء والحجرات مدنيات وفاقاً، وقد قال في كل منها يا أيها الناس (¬1). (أعبدوا ربكم الذي خلقكم) قال ابن عباس وحدوا، وكل ما ورد في القرآن من العبادة قيل معناه التوحيد. وأصل العبادة غاية التذلل، وقد تقدم تفسيرها والمعنى ابتدع خلقكم من غير مثال سبق، وإنما خص نعمة الخلق وامتن بها عليهم لأن جميع النعم مترتبة عليها وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضاً فالكفار يقرون بأن الله هو الخالق (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) فامتن عليهم بما يعترفون به فلا ينكرونه، وفي أصل معنى الخلق وجهان أحدهما التقدير يقال خلقت الأديم للسقاء إذا قدرته قبل القطع (الثاني) الإنشاء والاختراع والإبداع. (والذين من قبلكم) بالذات أو الزمان أي وخلقهم (لعلكم تتقون) ولعل أصلها الترجي والطمع والتوقع والإشفاق، وذلك مستحيل على الله تعالى ولكنه لما كان في المخاطبة منه للبشر كان بمنزلة قوله لهم افعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع، وبهذا قال جماعة من أهل العربية منهم سيبويه، وقيل بمعنى لام كي أي لتتقوا وبهذا قال جماعة منهم قطرب والطبري، وقيل إنها بمعنى التعرض للشيء كأنه قال متعرضين للتقوى وإليه مال أبو البقاء وغيره. ¬

(¬1) وقد اختلف العلماء فيمن عنى بهذا الخطاب وعلى أربعة أقوال. أنه عام لجميع الناس وهو قول ابن عباس. أنه خطاب لليهود دون غيرهم قاله الحسن ومجاهد. أنه خطاب للكفار من مشرعي العرب وغيرهم قاله السدي. أنه خطاب للمنافقين واليهود قاله مقاتل انظر (زاد المسير 1/ 47).

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)

22

(الذي جعل لكم الأرض فراشاً) أي خلق لكم الأرض بساطاً ووطاء مذللة ولم يجعلها حزنة لا يمكن القرار عليها، والحزن ما غلظ من الأرض، " وجعل " هنا بمعنى صير وجاء بمعنى صار وطفق وأوجد، والتصيير يكون بالفعل تارة وبالقول والعقد أخرى، والفراش وطاء يستقرون عليها، واستدل به أكثر المفسرين على أن شكل الأرض بسيط ليس بكروي. (والسماء بناء) أي سقفاً مرفوعاً قيل إذا تأمل المتفكر في العالم وجده كالبيت المعمور فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض مفروشة كالبساط والنجوم كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت، وفيه ضروب النبات المهيأة لمنافعه، وأصناف الحيوان مصروفة في مصالحه، فيجب على الإنسان المسخر له هذه الأشياء شكر الله تعالى عليها، والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد، وقيل جمع سماة، والبناء مصدر سمى به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأصل البناء وضع لبنة على أخرى فجعل السماء كالقبة المضروبة عليهم، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً). (وأنزل من السماء) يعني السحاب (ماء) يعني المطر (فأخرج به) أي بذلك الماء (من الثمرات) جمع ثمرة (رزقاً لكم) والمعنى أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات وأنواعاً من النبات، ليكون ذلك متاعاً لكم وعلفاً لدوابكم إلى حين، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس

الأسباب والمواد، ولكن له في الإنشاء مدرجاً من حال إلى حال صنائع وحكماً يجدد فيها لأولي الأبصار عبراً وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس ذلك في إيجادها دفعة (فلا تجعلوا لله أنداداً) جمع ند وهو المثل والنظير، وفي جعله جمع نديد نظر (وأنتم تعلمون) بعقولكم أن هذه الأشياء والأمثال لا يصح جعلها أنداداً لله وأنه واحد خالق لجميع الأشياء وإنه لا مثل له ولا ند ولا ضد، وفي الآية دليل على وجوب استعمال الحجج وترك التقليد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله وشئت قال " جعلتني لله نداً (¬1). ما شاء الله وحده " وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان " وأخرج البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال " أن تجعل لله نداً وهو خلقك ". ¬

(¬1) وقد روى مسلم عن عبد الله قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم عند الله؛ قال: " أن تجعل لله نداً وهو خلقك " قال قلت له: إن ذلك لعظيم، قال قلت: ثم أي؟ قال: ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك (أي يأكل) قال قلت: ثم أي قال ثم أن تزاني حليلة جارك. وفي رواية: قال: أن تدعو لله نداً وقد خلقك. قال ابن حجر في الفتح: ... ولا ينسب شيء في الخلق لغير الله تعالى فيكون شريكاً ونداً ومساوياً له في نسبه الفعل اليه، وقد نبه الله تعالى عباده على ذلك بالآيات المذكورة وغيرها المصرحة بنفي الانداد والآلهة المدعوة معه، فتضمنت الرد على ما يزعم أنه يخلق أفعاله، ومنها ما حذر به المؤمنين أو أثنى عليهم، ومنها ما وبخ به الكافرين وحديث الباب (المذكور) ظاهر في ذلك.

23

(وإن كنتم في ريب) أي شك لأن الله عليم بأنهم شاكون (مما نزلنا على عبدنا) أن القرآن أنزله على محمد- صلى الله عليه وسلم - وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم

للتفخيم، لأن قبله اعبدوا ربكم فكان حق المقام أن يقول مما نزل على عبده والعبد مأخوذ من التعبد وهو التذلل، وعبدنا إضافة تشريف لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والتنزيل التدريج والتنجيم (فأتوا بسورة) أي من سورة، والسورة الطائفة من القرآن المسماة باسم خاص سميت بذلك لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلدة عليها، وأقل ما تتألف منه السورة ثلاث آيات استدل به من قال أنه يتعلق الإعجاز بأقل من سورة ورد به على من قال من المعتزلة بأنه يتعلق بجميع القرآن (من مثله) الضمير عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم، وقيل على التوراة والإنجيل لأن المعنى إنها تصدق ما فيه، وقيل يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى من بشر مثل محمد- صلى الله عليه وسلم - أمي لا يكتب ولا يقرأ، والأول أوجه وأولى، ويدل عليه أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في التحدي، وإنما وقع الكلام في المنزل لا في المنزل عليه (وادعوا شهداءكم) جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو المعاون، والمراد هنا الآلهة أي استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها (من دون الله) وقيل المعنى وادعوا ناساً يشهدون لكم، ومعنى ْدون: أدنى مكان من الشيء واتسع فيه حتى استعمل في تخطي شيء إلى شيء آخر ومنه ما في هذه الآية، وله معان أخر منها التقصير عن الغاية والحقارة، والعرب تقول هذا دون ذلك أي أقرب منه (إن كنتم صادقين) فيما قلتم إنكم تقدرون على المعارضة. وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم، أو أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - يقوله من تلقاء نفسه، والأول أولى، والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع أو الإعتقاد أو لهما على الخلاف المعروف في علم المعاني.

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25)

24

(فإن لم تفعلوا) فيما مضى (ولن تفعلوا) ذلك فيما يأتي وتبين لكم عجزكم عن المعارضة وذلك أن النفوس الأبيَّة إذا قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به، فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وبان عجزهم، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، والقرآن من جنس كلامهم وكانوا حراصاً على إطفاء نوره وإبطال أمره، ثم مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبي الذراري وأخذ الأموال والقتل، وإذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإذا كان الأمر كذلك وجب ترك العناد. وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوة وفيما بعدها وإلى الأن، وقد كرر الله سبحانه تحدي الكفار لهذا في مواضع من القرآن منها هذا، ومنها قوله تعالى في سورة القصص (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) وقال في سورة سبحان (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) وقال في سورة هود (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) وقال في سورة يونس (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين). وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو كونه

في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر أو كان العجز عن المعارضة الصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول فإن القرآن يأتي تارة بالقصة باللفظ الطويل، ثم يعيدها باللفظ الوجيز ولا يخل بالمقصود، وأنه فارقت أساليبه أساليب الكلام وأوزانه أوزان الأشعار والخطب والرسائل ولهذا تحدت العرب به فعجزوا عنه وتحيروا فيه واعترفوا بفضله، وهم معدن البلاغة وفرسان الفصاحة حتى قال الوليد بن المغيرة في وصف القرآن: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لمغدق وإن أعلاه لمثمر، والكلام في هذا مبسوط في مواطنه. (فاتقوا النار) بالإيمان بالله وكتبه ورسله والقيام بفرائضه واجتناب مناهيه وقيل المعنى فاحترزوا من إنكار كونه منزلاً من عند الله فإنه مستوجب للعقاب بالنار (التي وقودها الناس والحجارة) أي حطبها والوقود بالفتح الحطب وبالضم التوقد، وقيل كل من الفتح والضم يجري في الآلة والمصدر والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا فجعلت وقوداً للنار معهم، ويدل على هذا قوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) وقيل المراد بها حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً قاله ابن عباس، وقيل جميع الحجارة، وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها وفي هذا من التهويل ما لا يقادر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس والحجارة فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. (أعدت للكافرين) أي لمن كان مثل ما أنتم عليه من الكفر، قاله ابن عباس والمعنى جعلت عدة لعذابهم وهيئت لذلك، واخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية وقودها الناس والحجارة قال أوقد عليها ألف عام حتى احمرت وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها، وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً مثله،

وأخرج أحمد ومالك والبخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم قالوا يا رسول الله إن كانت لكافية قال فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها. وعن أبي هريرة قال أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون، إنها لأشد سواداً من القار، والآية دلت على أنها مخلوقة الآن إذ الإخبار عن إعدادها بلفظ الماضي دليل على وجودها وإلا لزم الكذب في خبر الله تعالى، فما زعمته المعتزلة من أنها تخلق يوم الجزاء مردود، وتأويلهم بأنه يعبر عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع ومثله كثير في القرآن مدفوع بأنه خلاف الظاهر، ولا يصار إليه إلا بقرينة، والأحاديث الصحيحة المتقدمة تدفعه.

25

(وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات) لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد كما هي عادته سبحانه وتعالى في كتابه العزيز لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه، والتبشير الإخبار بما يظهر أثره على البشرة وهي الجلدة الظاهرة من البشر والسرور، والمأمور بالتبشير قيل هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل هو كل أحد كما في قوله - صلى الله عليه وسلم - " بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة " والصالحات الأعمال المستقيمة، والمراد هنا الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم، وفيه رد على من يقول أن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان والعمل الصالح قيل هو ما كان فيه أربعة أشياء العلم والنية والصبر والإخلاص، يعني عن الرياء قاله عثمان. (أن لهم جنات) جمع جنة وهي البساتين وإنما سميت جنات لأنها تجن من فيها أي تستره بشجرها أو تسترها بالأشجار والأوراق، وقيل الجنة ما فيه نخل والفردوس ما فيه كرم وهي اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة (تجري) أي على ظهر الأرض من غير حفيرة بل هي متماسكة

بقدرة الله (من تحتها) أي تحت الجنات لاشتمالها على الأشجار أي من تحت أشجارها، قال مسروق إنها تجري من غير أخدود (الأنهار) جمع نهر وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل والفرات، والمراد الماء الذي يجري فيها لأن الأنهار لا تجري، واسند الجري إليها مجازاً فالجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى (واسأل القرية التي كنا فيها) أي أهلها، والنهر يجوز فيه فتح الهاء وسكونها وكذا كل ما عينه حرف حلقي، وجمع الأول أنهر، وجمع الآخر أنهار، وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك ". (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً) أي أطعموا من الجنة طعاماً والمراد بثمرة النوع لا الفرد قاله سعد التفتازاني، وأطال الكلام فيه (قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) في الدنيا (وأتوا به متشابها) وصف آخر للجنات أو جملة مستأنفة والمراد أنه شبيهه ونظيره لا أنه هو، لأن ذات الحاضر لا يكون عين ذات الغائب لاختلافهما، وذلك أن اللون يشبه اللون وإن كان الحجم والطعم والرائحة والمأدبة متخالفة والضمير في " به " عائد إلى الرزق وقيل المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهاً فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعماً غير طعم الأول، عن ابن عباس ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء، وعن الحسن في قوله (متشابهاً) قال خيار كله يشبه بعضه بعضاً لا رذال فيه ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس، طعامهم جشاء، ورشحهم كرشح المسك، وفي لفظ ورشحهم المسك " أخرجه مسلم، والمعنى أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة، والرشح العرق.

(ولهم فيها أزواج مطهرة) أي في الجنات من الحور العين المطهرة من البول والغائط والحيض والولد وسائر الأقذار، وقيل هي عجائز الدنيا الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق والمعنى أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض والنفاس والغائط والبزاق والنخامة، وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا، والأزواج جمع زوج وهو ما يكون معه آخر فيقال زوج للرجل والمرأة، وزوجة بالتاء قليل وأنها لغة تميم قاله الفراء، والزوج أيضاً الصنف والتثنية زوجان، والطهارة النظافة (وهم فيها خالدون) أي ماكثون أبداً، والخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد يستعمل مجازاً فيما يطول دام أم لم يدم، والمراد هنا الأول لما يشهد له الآيات والأحاديث، والمعنى لا يخرجون منها ولا يموتون. وعن ابن عباس في قوله (وهم فيها خالدون) قال يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له، وعن سعيد بن جبير خالدون يعني لا يموتون، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت، يا أهل الجنة لا موت، كل خالد فيما هو فيه (¬1) " وأخرج الطبراني وابن ¬

(¬1) وقد وردت الأحاديث الكثيرة في صفة أهل الجنة نقتطف منها من صحيح مسلم الأحاديث المتالية: - عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله عز وجل: " أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". - عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: " إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة ". - عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله يقول لأهل الجنة؛ يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا! وسعديك. والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً ". - عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أول زمرة تدخل الجنة من أمتي، على صورة القمر ليلة البدر. ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة. ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوطون -[112]- ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون أمشاطهم الذهب، ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك أخلاقهم على خلق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعاً ". انظر صحيح مسلم/1822 وما بعده.

مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا ولكن جعل لهم الأبد. وقد أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان والبيهقي وابن مردويه عن أسامة بن زيد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد، في دار سليمة وفاكهة خضراء " الحديث. والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جداً ثابتة في الصحيحين وغيرهما، وكذلك في صفات نساء أهل الجنة ما لا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، وقد ألف الحافظ محمد بن أبي بكر القيم الجوزي كتاباً في أحوال الجنة سماه (حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح) لم يؤلف في الإسلام قبله مثله، وهو أجمع ما جمع في هذا الباب، وقد لخصته بحذف الزوائد والأسانيد وسميته (مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام) فليرجع إليه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفات أهل الجنة في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون.

إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26)

26

(إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة) أنزل الله هذه الآية رداً على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال كقوله (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً) قوله (أو كصيب من السماء) فقالوا إن الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، وقد قال الرازي أن الله تعالى لما بين الدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك؛ وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والعنكبوت والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء؛ فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً؛ وأجاب الله عنها بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكمة بالغة انتهى. ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له ولا دليل عليه؛ وقد تقدمه إلى شيء من هذا صاحب الكشاف؛ والظاهر ما ذكرناه أولاً لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها؛ ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المحقرة أن يكون ذلك لكونه قادحاً في الفصاحة والإعجاز، والحياة تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، كذا في الكشاف وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب، وقال القرطبي الاستحياء الانقباض عن الشيء والإمتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله انتهى. وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياة فقيل ساغ ذلك لكونه واقعاً في الكلام المحكى عن الكفار، وقيل هو من باب المشاكلة كما

تقدم، وقيل هو جار على سبيل التمثيل، وضرب المثل اعتماده وصنعه، والبعوض صغار البق، الواحدة بعوضة سميت بذلك لصغرها، قاله الجوهري وغيره، وهو من عجيب خلق الله في غاية الصغر شديد اللسع وله ستة أرجل وأربعة أجنحة وله ذنب وخرطوم مجوف، وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية. (فما فوقها) يعني الذباب والعنكبوت وما هو أعظم منهما في الجثة، قال الكسائي والفراء، الفاء هنا بمعنى إلى، وقيل معناه فما دونها وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير، وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلاً للدنيا بجناح البعوضة وهو أصغر منها، وقد ضربت العرب المثل بالمحقرات فقيل هو أحقر من ذرة، وأجمع من نملة، وأطيش من فراشة، وألح من ذبابة. (فأما الذين آمنوا) بمحمد- صلى الله عليه وسلم - والقرآن (فيعلمون أنه) يعني ضرب المثل (الحق) أي الثابت الواقع موقعه، وهو المقابل للباطل، والحق واحد الحقوق، والمراد هنا الأول، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه (من ربهم) لا يجوز إنكاره لأن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقل وعند العرب (وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً) أي بهذا المثل، والإرادة نقيض الكراهة، وقيل هي نزوع أي اشتياق النفس وميلها إلى فعل بحيث يحملها عليه، أو هي قوة هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وإرادته سبحانه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر بالإيقاع أو معنى يوجب هذا الترجيح، والإرادة صفة له ذاتية قديمة زائدة على العلم. (يضل به كثيراً) أي من الكفار، وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ضلالاً (ويهدي به كثيراً) يعني المؤمنين يصدقونه ويعلمون أنه حق، وهو كالتفسير للجملتين السابقتين المصدرتين بإما فهو خبر من الله سبحانه، وقيل هو حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى، وليس هذا بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في

القرآن شيئاً من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة. وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا وفي نسبته إلى الله سبحانه وقد نقح الرازي في تفسيره في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوده وطوله وأوضح فروعه وأصوله فليرجع إليه فإنه مفيد جداً، وأما صاحب الكشاف فقد اعتمد هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه لكونه سبباً فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي، وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله يضل يخذل. (وما يضل به إلا الفاسقين) يعني الكافرين وقيل المنافقين وقيل اليهود، ولا خلاف في أن هذا من كلام الله سبحانه، قال القرطبي، فيه دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والضلال من الله، والفسق الخروج عن الشيء، ذكر معنى هذا الفراء، وقد زعم ابن الإعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم " فاسق " وهذا مردود عليه فقد حكى ذلك عن العرب وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس والجوهري وابن الأنباري وغيرهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال " خمس فواسق " الحديث، وقال في الكشاف الفسق الخروج عن القصد، ثم قال والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة 1هـ. وقال القرطبي الفسق في عرف الإستعمال الشرعي الخروج عن طاعة الله عز وجل فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان 1هـ. وهذا هو أنسب للمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض. قال الرازي في تفسيره واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن أو كافر، فعند أصحابنا هو مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) قوله (إن المنافقين هم الفاسقون) وقوله (حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان) وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام إهـ.

الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)

27

(الذين ينقضون عهد الله) النقض إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد، والنقاضة ما نقض من حبل الشعر، وقيل أصل النقض الفسخ وفك المركب، والمعنى متقارب، والمعنى يتركون ويخالفون، وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال والعهد قيل هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره وهو قوله (ألست بربكم قالوا بلى) وقيل هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل بل هو نصب الأدلة على وحدانيته بالسموات والأرض وسائر مخلوقاته، ونقضه ترك النظر فيه، وقيل هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس. (من بعد ميثاقه) الضمير للعهد أو لله تعالى، قاله السمين، وعلى الأول مصدر مضاف إلى المفعول، وعلى الثاني مضاف للفاعل، " ومن " لابتداء الغاية فإن ابتداء النقض بعد الميثاق، والميثاق العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدة في العقد والربط جميعاً، والجمع المواثيق والمياثيق، واستعمال النقض في إبطال العهد على سبيل الإستعارة. (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) القطع معروف والمصدر في الرحم القطيعة، واختلفوا ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله فقيل الأرحام وموالاة

المؤمنين، وقيل وصل القول بالعمل لزوم الجماعات المفروضة، وقيل أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب البعض الآخر، وقيل المراد به حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة على ألسن رسله بالمحافظة عليها، وقيل سائر ما فيه رفض خير أو تعاطي شر، فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين عبده فهي عامة، وبه قال الجمهور وهو الحق، والأمر هو القول الطالب للفعل، وقيل مع العلو، وقيل مع الاستعلاء، وبه الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر فإنه مما يؤمر به. (ويفسدون في الأرض) يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه، فالمراد بالفساد في الأرض الأفعال والأقوال المخالفة لما أمر الله به كعبادة غيره، والإضرار بعباده، وتغيير ما أمر بحفظه، وبالجملة فكل ما خالف الصلاح شرعاً أو عقلاً فهو فساد، وهؤلاء لما استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل كان عملهم فساداً لما نقضوا أنفسهم من الفلاح والربح، وعن قتادة قال ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به الله، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض العهد والوعيد الشديد عليه. (أولئك هم الخاسرون) أي المغبونون بإهمال العقل عن النظر، واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، وأصل الخسار والخسران النقصان، والخاسر هو الذي نقص نفسه من الفلاح والفوز، قال مقاتل: الخاسرون هم أهل النار، وقال ابن عباس كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام مثل خاسر ومسرف وظالم ومجرم وفاسق فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به الذم.

28

(كيف) هو للسؤال عن الأحوال، والمراد هنا الأحوال التي يقع عليها

الكفر على الطريق البرهاني من العسر واليسر والسفر والإقامة والكبر والصغر والعز والذل وغير ذلك، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم والتعجيب من حالهم، وفيه تبكيت وتعنيف لهم (تكفرون بالله) بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على وحدانيته، والخطاب على طريقة الإلتفات ثم ذكر الدلائل فقال (وكنتم أمواتاً) يعني نطفاً في أصلاب آبائكم وعلقاً ومضغاً (فأحياكم) يعني في الأرحام بنفخ الروح وفي الدنيا (ثم يميتكم) أي عند انقضاء آجالكم (ثم يحييكم) بالنشور يوم نفخ الصور، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، والحاصل أن المراد بالموت الأول العدم السابق، وبالحياة الأولى الخلق، وبالموت الثاني الموت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء وثم على بابيهما من التعقيب والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال، وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة فمن بعدهم. قال ابن عطية وهذا القول هو المراد بالآية وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين ثم أحياء في الدنيا ثم أمواتاً فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى، قال غيره والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا، وقيل أن المراد كنتم أمواتاً في ظهر آدم عليه السلام ثم أخرجكم من ظهره كالذر ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم، وقيل كنتم أمواتاً أي نطفاً في أصلاب الرجال ثم يحييكم حياة الدنيا، ثم يميتكم بعد هذه الحياة ثم يحييكم في القبور ثم يميتكم فيها ثم يحمييكم الحياة التي ليس بعدها موت، قال القرطبي فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات وثلاث، إحياءات، وكونهم موتى في ظهر آدم وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات، وقد قيل إن الله أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم وأماتهم فيكون على هذا خمس موتات وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ورد في الحديث " ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم فأماتهم الله إماتة حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم إلى أن قال:

فينبتون نبات الحبة في حميل السيل " وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد. (ثم إليه ترجعون) أي تردون في الآخرة إلى الله سبحانه فيجازيكم بأعمالكم، قال في الكشاف عطف الأول بالفاء وما بعده بثم، لأن الاحياء الأول قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور، انتهى. ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله إن الإحياء الأول قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت فالموت الآخر وقع على ما هو متصف بالحياة وإن أراد أنه وقع الإحياء الأول عند أول اتصافه بالموت بخلاف الثاني فغير مسلم فإنه وقع عند آخر أوقات موته كما وقع الثاني عند آخر أوقات حياته، فتأمل هذا، وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال لم تكونوا شيئاً فخلقكم ثم يميتكم ثم يحييكم يوم القيامة.

29

(هو الذي خلق لكم ما في الأرض) قال ابن كيسان أي خلق من أجلكم ما فيها من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار لتنتفعوا به في مصالح الدين والدنيا، أما الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات الله الدالة على وحدانيته، وأما الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها، وقيل اللام للاختصاص، وقيل للملك والإباحة، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله (جميعاً) أقوى دلالة على هذا. وقد استدل بهذه الآية على تحريم أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض، دون نفس الارض، وقال الرازي في تفسيره إن لقائل أن يقول أن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الارض فيكون جامعاً للوصفين، ولا شك

أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى البعض لها، ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه إهـ. وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال: فإن قلت هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة. قلت إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية جاز ذلك فإن الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية أهـ. وأما التراب فقد ورد في السنة تحريمه وهو أيضاً ضار ليس مما ينتفع به أكلاً، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد منفعة خاصة كمنفعة الأكل بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، وأما السم القاتل ففيه نفع لأجل دفع الحيوانات المؤذية وقتلها فلا يراد أنه لا نفع فيه. (ثم استوى إلى السماء) أي قصد وأقبل على خلقها. وقيل عمد، وقال ابن عباس ارتفع وقال الأزهري صعد أمره، وكذا ذكره صاحب المحكم، وذلك أن الله خلق الأرض أولاً ثم عمد إلى خلق السماء، وأصل " ثم " يقتضي تراخياً زمانياً ولا زمان هنا فقيل هي إشارة إلى التراخي بين رتبتي خلق الأرض والسماء. قاله القرطبي، والاستواء في اللغة الاعتدال والانتصاب والاستقامة، وضده الاعوجاج قاله في الكشاف والرازي، ويطلق على الإرتفاع والعلو على الشيء، قال تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك) وقال (لتستووا على ظهوره) وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية. وقد قيل إن هذه الآية من المشكلات، وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها وترك التعرض لتفسيرها، وخالفهم آخرون، وقد استدل بقوله (ثم استوى) على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وكذلك الآية التي في (حم) السجدة وقال تعالى في النازعات (أأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها) فوصف خلقها ثم قال (والأرض بعد ذلك دحاها) فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى (والحمد لله الذي خلق السموات

والأرض) وقد قيل أن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لا بد من المصير إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو والآية المذكورة هنا دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بماء الإشكال وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع، قاله الشوكاني. قلت: ذكر رحمه الله في السورتين المذكورتين أن " ثم " للتراخي الرتبي لا للتراخي الزماني، أو أن " بعد " بمعنى مع كما في قوله (عتل بعد ذلك زنيم) أو أنها بمعنى قبل كقوله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) أي من قبل الذكر فيزول ما ذكره رحمه الله تعالى من بقاء الإشكال. وقال الفراء الإستواء في كلام العرب على وجهين (أحدهما) أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته أو يستوي من اعوجاج، وقال البيهقي الاستواء بمعنى الإقبال صحيح لأن الإقبال هو القصد، والقصد هو الإرادة وذلك جائز في صفات الله، وقال سفيان بن عيينة أي قصد إليها وقيل علا دون تكييف ولا تحديد واختاره الطبري، وقال أبو العالية استوى ارتفع وقال قتادة إن السماء خلقت أولاً، حكاه عنه الطبري، والبحث في ذلك يطول، وقد استوفاه الرازي في تفسيره، وأجاب عنه بوجوه ثم قال: الجواب الصحيح أن قوله " ثم " ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم والله أعلم. (فسواهن) أي عدل خلقهن فلا اعوجاج فيه ولا فطور، وقيل معناه سوى سطوحهن بالإملاس وقيل جعلهن سواء (سبع سموات) مستويات لا صدع فيها ولا فطور، وفي هذا التصريح بأن السموات سبع، وأما الأرض فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى (ومن الأرض مثلهن) فقيل في العدد وقيل في غلظهن وما بينهن. وقال الماوردي أن الأرض سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض، والصحيح أنها سبع كالسموات: وعلى أنها سبع أرضين متفاصلة

بعضها فوق بعض تختص دعوة الإسلام بأهل الأرض العليا، ولا تلزم من في غيرها من الأرضين وإن كان فيها من يعقل من خلق مميز، وفي مشاهدتهم السماء واستمدادهم للضوء منها قولان (أحدهما) أنهم يشاهدون السماء من كل جانب من أرضهم ويستمدون الضياء منها، وهذا قول من جعل الأرض مبسوطة (والثاني) أنهم لا يشاهدون السماء فإن الله تعالى خلق لهم ضياء يستمدون منه، وهذا قول من جعل الأرض كروية، وفي الآية قول ثالث حكاه الطيبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين منبسطة ليس بعضها فوق بعض، تفرق بينها البحار وتظل جميعها السماء انتهى، وسيأتي تحقيق ما هو الحق في آخر سورة الطلاق إن شاء الله تعالى. وقد ثبت في الصحيح قوله - صلى الله عليه وسلم - " من أخذ من الأرض شبراً ظلماً طوقه الله من سبع أرضين "، وهو ثابت من حديث عائشة وسعيد بن زيد. وقد أطنب الرازي في تفسيره في بيان السموات هل هي سبع أو ثمان، وذكر مذاهب الحكماء في ذلك وأجابهم بوجوه ثم قال: أعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء، وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الإقتصار فيه على الدلائل السمعية. فإن قال قائل: فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد انتهى، وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الحكماء من الزيادة على السبع. ونحن نقول أنه لم يأتنا عن الله ولا عن رسوله إلا السبع فنقتصر على ذلك ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من طريق الشرع، ولم يأت شيء من ذلك، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في هذه الآية قالوا إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء ثم أيبس الماء

فجعله أرضاً واحدة ثم فتقها سبع أرضين في يومين الأحد والإثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله (ن والقلم) والحوت قائم على ظهر صفاة والصفاة ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت فذلك قوله تعالى (وجعل لها رواسي أن تميد بكم) وخلق الجبال فيها وأقوات أهلها وسخرها وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء والأربعاء، وذلك قوله (أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض) إلى قوله (وبارك فيها) يقول أنبت شجرها فيها (وقدر فيها أقواتها) يقول أقوات أهلها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول من سأل، فهكذا الأمر (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس فجعلها سماء واحدة ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض (وأوحى في كل سماء أمرها) قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ثم زين السماء الدنيا بالكواكب فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش أخرجه البيهقي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن جرير. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة في الصحيح قال أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فقال " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيه الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر (¬1) ". ¬

(¬1) هناك رجال مغرمون بالتجديد، فلم يجدوا غير حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتخذونه مطية لهم: يردونه تارة، ويؤولونه تارة، فلما رأوا في هذا الحديث أن الخلق بدأ يوم السبت وانتهى يوم الجمعة، فتصير سبعة أيام، وقد روي في الصحيح، طاروا فرحاً، وقالوا كيف يصح وهو معارض بالآيات القائلة أن الخلق في ستة -[124]- أيام، وعموا عن نص الآيات والحديث، فالآيات تنص على أن خلق السموات والأرض في ستة أيام وأما الحديث فيتفق معها تماماً، لأنه يقول إن الذي خلق في السابع إنما هو آدم وآدم غير السموات والأرض، وإنما هو أصل النوع الذي يعمر الأرض، وتسخر له السموات وما فيها.

وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طرق عند أهل السنن وغيرهم عن جماعة من الصحابة أحاديث في وصف السموات وإن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وأنها سبع سموات، وأن الأرض سبع أرضين، ولم يأت في التنزيل ولا في السنة المطهرة تصريح بأن فيهن من يعقل من العوالم والاوادم وأنبيائهم، والآثار من الصحابة ومن بعدهم إن جاءت بسند صحيح لا تصلح للاحتجاج على ذلك، فكيف بما لم يصح سنده أو صح ولكن لم يتابع عليه أو توبع عليه ولكن لم يساعده نص من الله ورسوله، وكذلك ثبت في وصف السماء آثار من جماعة من الصحابة وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور بعض ذلك في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية على الخصوص بل هو متعلق بما هو أعم منها (¬1). (وهو بكل شيء عليم) أي يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات وأنما أثبت سبحانه لنفسه العلم بكل شيء لأنه يجب أن يكون عالماً بجميع ما ثبت أنه خالقه. ¬

(¬1) جاء في فتح الباري 6/ 293. روى أحمد والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " أن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام وأن سمك كل سماء كذلك وأن بين كل أرض وأرض خمسمائة عام " وأخرجه اسحق بن راهويه والبزار من حديث أبي ذر نحوه ولأبي داود والترمذي من حديث العباس بن عبد المطلب مرفوعاً " بين كل سماء وسماء إحدى أو اثنتان وسبعون سنة " وجمع بين الحديثين بأن اختلاف المسافة بينهما باعتبار بطء السير وسرعته. وروى ابن جرير من طريق شعبة عن عمر بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في هذه الآية (ومن الأرض مثلهن) قال: " في كل أرض مثل إبراهيم، ونحو ما على الأرض من الخلق، هكذا أخرجه مختصراً وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم والبيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبي الضحى مطولاً، وأوله أي سبع أرضين، في كل أرض آدم كآدمكم، ونوح كنوحكم، وإبراهيم كإبراهيمكم، وعيسى كعيسى. ونبي كنبيكم " قال البيهقي إسناده صحيح، إلا أنه شاذ بمرة، وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: لو حدثتكم بتفسير هذه الآية لكفرتم وكفركم تكذيبكم بها.

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31)

30

(وإذ قال ربك) أي واذكر يا محمد إذ قال، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله، وقيل إذ زائدة والأول أوجه (للملائكة) جمع ملك بوزن فعل قاله ابن كيسان، وقيل جمع ملاك بوزن مفعل، قاله أبو عبيده، وأراد بالملائكة الذين كانوا في الأرض، وذلك أن الله تعالى خلق الأرض وأسكن فيها الجن واسكن في السماء الملائكة، فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال، وأقاموا مكانهم (¬1)، وقيل: القول لمطلق الملائكة وكان ذلك تعليماً للمشاورة وتعظيماً لآدم، وبياناً لكون الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره على شره، واللام في للملائكة للتبليغ وهو أحد المعاني التي جاءت لها اللام. (إني جاعل في الأرض خليفة) أي خالق بدلاً منكم ورافعكم إلي، وجاعل هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين، وذكر المطرزي أنه بمعنى الخالق، وذلك يقتضي أنه متعد إلى مفعول واحد، وصيغة اسم الفاعل بمعنى المستقبل، والأرض هنا هي هذه الغبراء، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان، وقيل إنها مكة كما ورد في مرسل ضعيف، وقال ابن كثير أنه مدرج، والخليفة هنا معناه الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف أي يخلفه غيره، قيل هو آدم كما دل عليه السياق، وقيل كل من له خلافة في الارض، ويقوي الأول قوله (خليفة) دون الخلائف واستغنى بذكر آدم عن ذكر من ¬

(¬1) لم نعثر على دليل على هذا القول.

بعده، والصحيح أنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه، قيل خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب لا للمشورة ولكن لاستخراج ما عندهم، قيل وفيه إرشاد عباده إلى المشاورة وأن الحكمة تقتضي اتخاذ ما يغلب خيره وإن كان فيه نوع شر، وأنه لا رأي مع وجود النص، وهو أصل في المسائل التعبدية. قال بعض المفسرين أن في الكلام حذفاً والتقدير إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا فكرهوا ذلك و (قالوا) أي أستكشافاً عما خفي عليهم من الحكمة الباهرة، وليس باعتراض على الله ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله (بل عباد مكرمون) وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله أو تلق من اللوح المحفوظ أو مقياس لأحد الثقلين على الآخر (أتجعل فيها من يفسد فيها) بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية، والفساد ضد الصلاح (ويسفك الدماء) بغير حق بمقتضى القوة الغضبية كما فعل الجن، وسفك الدم صبه، قاله ابن فارس والجوهري والمهدوي ولا يستعمل السفك إلا في الدم. (ونحن نسبح) أي نقول سبحان الله وبحمده وهي صلاة الخلق وعليها يرزقون، عن أبي ذر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أي الكلام أفضل قال " ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده (¬1) أخرجه مسلم، وقال ابن عباس كل ما جاء في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك، وأصل التسبيح في كلام العرب التنزيه والتبعيد من السوء على وجه التعظيم، فيكون المعنى ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة (بحمدك) أي حامدين لك أو متلبسين بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك (ونقدس لك) وأصل التقديس التطهير أي ونطهرك عن النقائص وعن كل ما لا يليق بك من سوء ومما نسبه إليك الملحدون، وافتراه الجاحدون، ¬

(¬1) مسلم/2731.

وذكر في الكشاف أن معنى التسبيح والتقديس واحد وهو تبعيد الله من السوء، وفي القاموس وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ذكرناه، والتأسيس خير من التأكيد خصوصاً في كلام الله سبحانه، وقيل معناه نطهر أنفسنا لطاعتك وعبادتك والأول أولى. وعن ابن مسعود وناس من الصحابة نقدس لك أي نصلي لك، وقال مجاهد نعظمك ونكبرك واللام زائدة، والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف. ولما كان سؤالهم واقعاً على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم أجاب الله سبحانه عليهم فقال (إني أعلم ما لا تعلمون) وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل، لأن من علم ما لا يعلم الخاطب له كان حقيقاً بأن يسلم له ما يصدر عنه، وعلى من لا يعرف أن يعترف لمن يعلم بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم وتقتضيه المصلحة الراجحة والحكمة البالغة، ولم يذكر متعلق قوله (تعلمون) ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصور. عن ابن عباس قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه قال وقد كان فيها أي في الأرض قبل أن يخلق بألفي عام: الجن بنو الجان فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنوداً من الملائكة فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال (إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) كما فعل أولئك الجان فقال (إني أعلم ما لا تعلمون) أخرجه الحاكم وصححه عنه. وفي الباب آثار من الصحابة كثيرة، وعن قتادة كان في علم الله أنه سيكون من الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، وقيل أعلم أنهم

يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم، وقيل أعلم من وجود المصلحة والحكمة ما لا تعلمون أنتم. وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة أحاديث من طريق جماعة من الصحابة، في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا نطول بذكرها، قيل خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم، وظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض لكونهم مظنة للإفساد في الأرض، وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن تتقدم لهم معرفة ببني آدم بل قبل وجود آدم، فضلاً عن ذريته لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه، لأنهم لا يعلمون الغيب، قال بهذا جماعة من المفسرين.

31

(وعلم آدم الأسماء كلها) سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض وهو وجهها وقيل لأنه كان آدم اللون، والأدمة هي السمرة، ولما خلق الله آدم وتم خلقه علمه أسماء الأشياء كلها قال في الكشاف وما آدم إلا اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر وعازر وعابر وشالخ وفالع وأشباه ذلك اهـ واشتقاقه من الأدمة وغيرها تعسف قاله البيضاوي، وقال السمين بعد كلام طويل أن ادعاء الاشتقاق فيه بعيد لأن الأسماء الأعجمية لا يدخلها اشتقاق ولا تصريف اهـ. والأسماء هي العبارات والمراد أسماء المسميات قال بذلك أكثر العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم والتأكيد بقوله (كلها) يفيد أنه علمه جميع الأسماء ولم يخرج، عن هذا شيء منها كائناً ما كان، وقال ابن جرير إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ثم رجح هذا وهو غير راجح، وقيل صنعة كل شيء قال ابن عباس علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وقيل خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك وعلم آدم الأسماء كلها فقال يا آدم هذا بعير، وهذا فرس، وهذه شاة حتى أتى على آخرها، وقيل علمه اللغات كلها أي جميع اللغات لكن بنوه تفرقوا في اللغات فحفظ بعضهم العربية ونسي

غيرها، والمراد علم الأسماء لفظاً ومعنى، مفرداً ومركباً، حقيقة ومجازاً، والمراد بالإسم ما يدل على معنى ذاتاً كان أو عرضاً، فهو أعم من الاسم والفعل والحرف، وقال في المظهري وعندي أن الله علم آدم الأسماء الإلهية كلها ثم رجح هذا بكلام طويل وهو غير راجح مع ما فيه من البعد والتكلف، ولم يقل به أحد من المفسرين، ويأباه ظاهر النظم وسياقه، واستدل بالآية من قال إن اللغات توقيفية وضعها الله وعلمها بالوحي. (ثم عرضهم على الملائكة) يعني تلك الأشخاص، وإنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لتغليب العقلاء عليهم، واختلف أهل العلم هل عرض على الملائكة المسميات أو الأسماء، والظاهر الأول لأن عرض نفس الأسماء غير واضح، وعرض الشيء إظهاره، قال ابن عطية والذي يظهر أن الله علم آدم الأسماء وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصاً ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم فقال لهم آدم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، قال الماوردي فكان الأصح توجه العرض إلى المسمى، ثم في زمن عرضهم قولان (أحدهما) أنه عرضهم بعد أن خلقهم (الثاني) أنه صورهم بقلوب الملائكة ثم عرضهم. (فقال أنبؤني) أي أخبروني أمر تعجيز، والنبأ خبر ذو فائدة عظيمة وإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها (بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) أني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منهم وأعلم، أمره سبحانه للملائكة بهذا لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك

32

(قالوا) يعني الملائكة (سبحانك) تنزيهاً لك وذلك لما ظهر عجزهم، وفيه إشعار بأن سؤالهم كان استفساراً، ولم يكن اعتراضاً (وسبحان) مصدر لا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بإضمار فعله كمعاذ الله (لا علم لنا إلا ما علمتنا) أي إنك أجل من أن نحيط بشيء من علمك إلا ما علمتنا (إنك أنت العليم) أي بخلقك، وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات (والحكيم) أي في أمرك. وله معنيان (أحدهما) أنه القاضي العدل (الثاني) المحكم للأمر كي لا يتطرق إليه الفساد.

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

33

(قال) يعني الله تعالى (يا آدم) استدل به على أن آدم نبي متكلم (أنبئهم بأسمائهم) وذلك لما ظهر عجز الملائكة فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لأجلها بأن قال لهم هذا الجرم يسمى القصعة وحكمته وضع الطعام فيه وهكذا (فلما أنبأهم بأسمائهم) فيه دليل على مزية العلم، وأنه شرط في الخلافة وفضل آدم على الملائكة، قال الإمام لما أراد الله إظهار فضل آدم على الملائكة لم يظهره إلا بالعلم فلو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم كان إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، ولذلك أمر الله تعالى الملائكة بالسجود له لأجل فضيلة العلم. قلت ويؤخذ من هذا استحباب القيام للعالم، وقال الطيبي أفادت هذه الآية علم اللغة فوق التخلي بالعبادة فكيف علم الشريعة. (قال) يعني الله تعالى (ألم أقل لكم) يا ملائكتي (أني أعلم غيب السموات والأرض) يعني ما كان وما سيكون، وذلك أنه سبحانه علم أحوال آدم قبل أن يخلقه، وفي اختصاصه بعلم غيب السموات والأرض رد لما يتكلفه كثير من العباد من الاطلاع على شيء من علم الغيب كالمنجمين والكهان، وأهل الرمل والسحر والشعوذة (وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) أي ما تظهرون وما تسرون كما يفيده معنى ذلك عند العرب، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

34

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) قيل هذا خطاب مع ملائكة الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة وهو الظاهر من قوله (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) والسجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع، وغايته وضع الوجه على الأرض، والإسجاد إدامة النظر، وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام عظيمة حيث أسجد الله له ملائكته وقيل أن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجأ لهذا فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح، وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم وكذلك الآية الاخرى أعني قوله (فإذا سويته ونفخت فيه من روحيِ فقعوا له ساجدين) وقال تعالى (ورفع أبويه على العرش وخروا له سجداً) فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ومعنى السجود هنا وضع الجبهة على الأرض وإليه ذهب الجمهور، قال قوم هو مجرد التذلل والانقياد والاول أولى، وقد وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الاسماء أم بعده؟ وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره، وظاهر السياق أنه وقع التعليم وتعقبه الأمر بالسجود وتعقبه إسكانه الجنة ثم إخراجه منها وإسكانه الأرض. وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة، وهذه القصة ذكرت في القرآن في سبع سور، في هذه السورة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه وص، ولعل السر في تكريرها تسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان في محنة عظيمة في قومه وأهل زمانه، فكأنه قال أو لا ترى أن أول الأنبياء وهو آدم كان في محنة عظيمة للخلق، ذكره الخطيب والظاهر أنه لإظهار شرف آدم وفضله على سائر الخلق حتى الملائكة، وليس في هذه القصة ما يدل على

محنة آدم. (فسجدوا) وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر، قيل أول من سجد لآدم جبرائيل ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون، والله أعلم (إلا ابليس) استثناء متصل، لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور، قال شهر بن حوشب وبعض الأصوليين كان من الجن الذين كانوا في الأرض فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً، واستدلوا على هذا بقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) وبقوله تعالى (إلا إبليس كان من الجن) والجن غير الملائكة (¬1) وأجاب الأولون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة الملائكة لما سبق في علم الله من شقائه عدلاً منه (لا يسئل عما يفعل) وليس في خلقه من نار ولا تركب الشهوة فيه حين غضب الله عليه ما يدفع أنه من الملائكة، وأيضاً على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلاً تغليباً للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم، وسمي به لأنه أبلس من رحمة الله أي يئس وكان اسمه عزازيل بالسريانية، وبالعربية الحرث، فلما عصى غير اسمه فسمي ابليس وغيرت صورته. قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه منهم، وقيل أنه من الجن وأنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو داخل فيهم ثم استثناه منهم وعليه أكثر المفسرين كالبغوي والواحدي والقاضي، وقالوا المعنى كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعاً أو لأن الملائكة قد يسمون جناً لاختفائهم. (أبى) امتنع من فعل ما أمر به من السجود فلم يسجد، فيه رد على ¬

(¬1) إبليس كان من الجن، ولم يكن من الملائكة ولا طاوس الملائكة كما يزعمون، والأمر بالسجود كان موجهاً إلى الملائكة والجن، وإنما جاء القرآن بذكر الملائكة فقط اكتفاء بذكر الأشرف، وذلك كما تقول: سار خلف نعش الزعيم: الوزراء والأمراء والكبراء، مع أن هذا لا ينفي أنه سار خلفه طبقات العمال والفلاحين والتلاميذ.

الجبرية إذ لا يوصف بالإباء إلا من هو قادر على المطلوب (واستكبر) أي تعظم عن السجود لآدم والاستكبار والاستعظام للنفس، وقد ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - " أن الكبر بطر الحق وغمط الناس " وفي رواية غمص الناس، وإنما قدم الإباء عليه وإن كان متأخراً عنه في الترتيب لأنه من الأفعال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه من أفعال القلوب، واقتصر في سورة ص على ذكر الاستكبار، وفي سورة الحجر على ذكر الإباء (وكان من الكافرين) أي من جنسهم في علم الله تعالى، وإنما وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته، وقيل إن (كان) هنا بمعنى صار قال ابن فورك أنه خطأ ترده الأصول. وأفادت الآية استقباح التكبر والخوض في سر الله تعالى، وإن الأمر للوجوب، وإن الذي علم الله من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة إذ العبرة بالخواتيم وإن كان بحكم الحال مؤمناً، وهذه مسئلة الموافاة المنسوبة إلى أبي الحسن الأشعري ومعناها أن العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه أي يأتي متصفاً به في آخر حياته وأول منازل آخرته، وحيث أطلقت مسئلة الموافاة فالمراد بها ذلك، وهي مما اختلف فيها الشافعية والحنفية والماتريدية، وللسبكي فيها تأليف مستقل، ومن فروعها أنه يصح أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله، ويبتنى عليها مسئلة الإحباط في الأعمال بالردة. قال الخفاجي مسئلة الموافاة من أمهات المسائل وفصلها النسفي في شرح التمهيد فقال ما حاصله أن الشافعي يقول إن الشقي شقي في بطن أمه وكذا السعيد فلا تبديل في ذلك ويظهر ذلك عند الموت ولقاء الله وهو معنى الموافاة والماتريدية يقولون يمحو الله ما يشاء ويثبت فيصير السعيد شقياً والشقي سعيداً إلا أنهم يقولون من مات مسلماً مخلد في الجنة ومن مات كافراً مخلد في العذاب باتفاق الفريقين فلا ثمرة للخلاف أصلاً، إلا أن يقال إن من كان مسلماً وورث أباه السلم إذا مات كافراً يرد ما أخذه إلى بقية الورثة المسلمين، وكذا الكافر وتبطل جميع أعماله، والمنقول في المذهب خلافه فحينئذ لا ثمرة له إلا أنه يصلح منه أن يقول أنا مؤمن إن شاء الله بقصد التعليق في المستقبل حتى

وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) لا يكون شكا في الإيمان حالاً، ولا حاجة لتأويله، والماتريدية يمنعون ذلك مطلقاً انتهى.

35

(وقلنا) هو من خطاب الأكابر والعظماء أخبر سبحانه عن نفسه بصيغة الجمع لأنه ملك الملوك (يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة) أي اتخذ الجنة مأوى ومنزلاً ومسكناً وهو محل السكون، وأما ما قاله بعض المفسرين أن قوله (أسكن) تنبيه على الخروج لأن السكنى لا يكون ملكاً، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلاً منزلاً له فإنه لا يملكه بذلك وإن له أن يخرجه منه، فهو معنى عرفي، والواجب الأخذ بالمعنى العربي إذا لم يثبت في اللفظ حقيقة شرعية. والزوج هي حواء بالمد وهي في اللغة الفصيحة بغير هاء وقد جاء بها قليلاً كما في صحيح مسلم قال يا فلان " هذه زوجتي فلانة " الحديث، وكان خلق حواء من ضلعه الأيسر فلذا كان كل إنسان ناقصاً ضلعاً من الجانب الأيسر، فجهة اليمين أضلاعها ثمانية عشر، وجهة اليسار أضلاعها سبعة عشر، وقصة خلقها مبسوطة في كتب السنة لا نطول بذكرها هنا فيه دلالة عن أن الجنة مخلوقة الآن. واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض، وقيل هي دار الجزاء والثواب، لأنها المعهودة، وقيل هي جنة بأرض فلسطين أو بين فارس وكرمان، خلقها الله امتحاناً لآدم، وحمل الإهباط على النقل منها إلى أرض الهند كما في قوله تعالى (اهبطوا مصراً) لما أن خلق آدم كان في الأرض بلا خلاف، ولم يذكر في هذه القصة رفعه إلا السماء ولو وقع ذلك لكان أولى

بالذكر والتذكير، لما أنه من أعظم النعم، ولأنها لو كانت دار الخلد لما دخلها إبليس وقيل أنها كانت في السماء السابعة بدليل (اهبطوا) ثم أن الأهباط الأول كان منها إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، وقيل الكل ممكن والأدلة النقلية متعارضة فوجب التوقف وترك القطع، قاله أبو السعود. قلت وقد استوعب الحافظ ابن القيم في كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأقراح دلائل الفريقين من غير تصريح برجحان أحد القولين والله تعالى أعلم. (وكلا منها) أي اجمعا بين الإستقرار والأكل من رزق الجنة (رغداً) رغد العيش اتسع ولأن أي رزقاً واسعاً ليناً، وأرغد القوم أخصبوا الرغيدة الزبد (حيث شئتما) أي في أي مكان من الجنة شئتما، وسع الأمر عليهما إزاحة للعلة والعذر في التناول من الشجرة المنهى عنها من بين أشجارها التي لا تنحصر (ولا تقربا هذه الشجرة) يعني للأكل، والقرب الدنو. قال الأصمعي: والنهي عن القرب فيه سد للذريعة وقطع للوسيلة ولهذا جاء به عوضاً عن الأكل، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل لأنه قد يأكل من ثمرة الشجرة من هو بعيد عنها إذا حمل إليه، فالأولى أن يقال المنع من الأكل مستفاد من القام، والشجر ما كان له ساق من نبات الأرض وواحده شجرة. واختلف أهل العلم في تعيين هذه الشجرة فقيل هي الكرم وقيل هي السنبلة قاله ابن عباس، وله عنه طريق صحيحة، وقيل التين، وقيل الحنطة، وقيل اللوز، وقيل النخلة، وقيل هي شجرة القلم، وقيل الكافور، وقيل الأترج، وقيل هي شبه البر وتسمى الدعة، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة فمن بعدهم، وقيل عن جنس من الشجرة، وقيل ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه لأنه ليس المقصود تعرف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً لا يجب بيانه.

(فتكونا من الظالمين) يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن جوز ارتكاب الذنوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية، والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه، ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء حمل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا يفعله، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء واختلاف مذاهبهم في ذلك مدون في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازى في تفسيره في هذا الوضع فليرجع إليه فإنه مفيد.

36

(فأزلهما الشيطان) أي استزل آدم وحواء (عنها) أي الجنة ودعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة أي إستزلهما وأوقعهما فيها، وقيل من الإزالة وهي التنحية أي نحاهما وقيل من الزوال. وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما فقيل أنه كان ذلك بمشافهة منه لهما وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى (وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) والمقاسمة ظاهرها المشافهة، وقيل لم يصدر منه إلا مجرد الوسوسة، والمفاعلة ليست على بابها بل للمبالغة وقيل غير ذلك. (فأخرجهما مما كانا فيه) أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية، وقيل الضمير للجنة، وعلى هذا فالفعل مضمن معنى أبعدهما، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان لأنه هو الذي تولى اغواء آدم حتى أكل من الشجرة (وقلنا اهبطوا) أي انزلوا إلى الأرض، خطاب لآدم وحواء وخوطبا بما يخاطب به الجمع لأن الاثنين أقل الجمع عند البعض من أئمة العربية، وقيل أنه خطاب لهما ولإبليس وللحية. فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالايلة من أعمال البصرة والحية بأصبهان، وقيل خطاب

لهما ولذريتهما لأنهما لما كانا أصل هذا النوع الإنساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله (بعضكم لبعض عدو) فإن هذه الجملة الواقعة حالاً مبيناً للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس. وإليه الإشارة بقوله تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) والعدو خلاف الصديق وهو من عدا إذا ظلم، والعدوان الظلم الصراح وقيل إنه مأخوذ من المجاوزة يقال عداه إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، فإن من ظلم فقد تجاوز. قال ابن فارس العدو اسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة، والعداوة التي بين ذرية آدم والحية هي ما روى عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالمناهن منذ حاربناهن " أخرجه أبو داود، وله عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثارهن فليمس مني " وفي رواية إلا الجان الأبيض " الذي كأنه قضيب فضة " وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن بالمدينة جناً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان " وفي رواية " أن بهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً فحرجوا عليه ثلاثاً فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ". (ولكم في الأرض مستقر) المراد بالمستقر موضع الإستقرار، ومنه (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقراً) وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه (إلى ربك يومئذ المستقر) فالآية محتملة للمعنيين ومثلها قوله (وجعل لكم الأرض قراراً) (ومتاع) المتاع ما يستمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوها أي بلغة ومستمتع (إلى حين) أي إلى وقت انقضاء آجالكم. واختلف المفسرون في قوله (حين) فقيل إلى الموت وقيل إلى قيام الساعة، وأصل معنى الحين في اللغة الوقت البعيد، ومنه (هل أتى على

الإنسان حين من الدهر) والحين الساعة ومنه (أو تقول حين ترى العذاب) والحين القطعة من الدهر ومنه (فذرهم في غمرتهم حتى حين) أي حتى تفنى آجالهم ويطلق على السنة وقيل على ستة أشهر، ومنه (تؤتى أكلها كل حين) ويطلق على المساء والصباح ومنه (حين تمسون وحين تصبحون) قال ابن العربي الحين المجهول لا يتعلق به حكم والحين المعلوم سنة.

37

(فتلقى آدم من ربه كلمات) ومعنى التلقي أخذه لها وقبوله لا فيها وعلمه بها وقيل فهمه لها وفطانته لما تضمنته (¬1)، وأصل معنى التلقي الاستقبال أي أستقبل الكلمات الموحاة إليه، وقيل إن معنى تلقي تلقن، ولا وجه له في العربية، واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات فعن ابن عباس قال هي قوله (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) وعنه قال علم شأن الحج وهي الكلمات، وعن عبد الله بن زيد قال لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً، وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، وروي نحوه عن أنس وسعيد بن جبير (فتاب عليه) أي فتجاوز عنه وغفر له، وأصل التوبة من تاب يتوب إذا رجع (إنه هو التواب) أي الرجاع على عبادة بقبول التوبة (الرحيم) بخلقه. ¬

(¬1) ألم تخلقني بيدك؛ قال: بلى: قال: ألم تنفخ فيّ من روحك قال: بلى قال: ألم تسبق رحمتك إليّ قبل غضبك؟ قال: بلى، قال: ألم تسجد لي ملائكتك وتسكني جنتك؟ قال: بلى، قال: أي رب [أرأيت] إن تبت وأصلحت، أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وفي رواية أنه قال: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، فأنت خير الراحمين [اللهم] لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي. إنك أنت التواب الرحيم .. رواه ابن أبي نجيع عن مجاهد.

قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)

38

(قلنا اهبطوا منها جميعاً) إما في زمان واحد أو في أزمنة متفرقة، لأن المراد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين جاءوا جميعاً، وجاءوا معاً يعني هؤلاء الأربعة أو آدم وحواء وذريتهما، وكرر قوله اهبطوا للتوكيد والتغليظ، وقيل إنه لما تعلق به حكم غير الحكم الأول كرره، ولا تزاحم بين المقتضيات، فقد يكون التكرير للأمرين معاً أخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، وعنه ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى أهبط من الجنة، وعن الحسن قال لبث آدم في الجنة ساعة من نهار. تلك الساعة مائة وثلاثون سنة من أيام الدنيا. وأخرج البخاري والحاكم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم (¬1)، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها "، وقد ثبت أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما في محاجة آدم وموسى عليهما السلام، وحج موسى بقوله أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن أخلق. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال أول ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند وعنه إلى أرض بين مكة والطائف، وعن علي أطيب ريح الأرض الهند ¬

(¬1) المستدرك 4/ 175.

هبط بها آدم فعلق شجرها من ريح الجنة، وقد روي عن جماعة من الصحابة أن آدم أهبط إلا أرض الهند، منهم جابر وابن عمر وعلي، وقد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم حكايات في صفة هبوط آدم من الجنة وما أهبط معه وما صنع عند وصوله إلى الأرض، ولا حاجة لنا ببسط جميع ذلك، وقد ذكر طرفاً منها الحافظ ابن القيم في الحادي. (فإما يأتينكم مني هدى) أي رشد وبيان وشريعة، وقيل كتاب ورسول، وقيل التوفيق للهداية (فمن تبع هداي فلا خوف عليهم) فيما يستقبلهم، وقيل عند الفزع الأكبر (ولا هم يحزنون) أي على ما خلفوا وفاتهم من الدنيا، وقال ابن جبير لا خوف عليهم في الآخرة ولا يحزنون للموت، والخوف هو الذعر، ولا يكون إلا في المستقبل، والحزن ضد السرور، قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم.

39

(والذين كفروا) أي جحدوا عطف على (فمن تبع) قسيم له (وكذبوا بآياتنا) أي بالقرآن (أولئك أصحاب النار) أي يوم القيامة وصحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران والملازمة (هم فيها خالدون) أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها، وبقي قسم ثالث وهو من آمن ولم يعمل الطاعات فليس داخلاً في الآيتين، وقد تقدم تفسير الخلود.

40

(يا بني اسرائيل) اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحق ابن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه عبد الله، لأن إسر في لغتهم هو العبد، وإيل هو الله، وكذلك جبريل هو عبد الله وميكائيل عبد الله، قال القفال إن إسر بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله، وقيل معناه صفوة الله، والأول أولى، والمعنى يا أولاد يعقوب. والخطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد- صلى الله عليه وسلم -، قيل أن له اسمين. وقيل أن اسرائيل لقب له وهو اسم أعجمي غير منصرف، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن وهي

قراءة الجمهور، استدل به على دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد. (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) أي اشكروا، وإنما عبر عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة فقد شكرها، ومن جحدها فقد كفرها: والذكر بالكسر هو ضد الإنصات، وبالضم ضد النسيان، وجعله بعض أهل العلم مشتركاً بين ذكر القلب واللسان، وقال الكسائي ما كان بالقلب فهو مضموم الذال، وما كان باللسان فهو مكسور الذال. قال ابن الأنباري: والمعنى في الآية اذكر واشكر نعمتي فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة وهي اسم جنس، وحدها أنها المنفعة الفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، وقيل المنفعة الحسنة والأول أولى، والكلام على قيود هذا الحد وضروب النعمة مستوفى في تفسير الرازي فليراجعه. والنعم المخصوصة ببني إسرائيل كثيرة من جملتها أنه جعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتاب والمن والسلوى، وأخرج لهم الماء من الحجر ونجاهم من آل فرعون وفلق لهم البحر وأغرق فرعون وظللهم بالغمام وغير ذلك من نعم كثيرة، وقيل إن هذه النعمة هي إدراك المخاطبين بها زمن محمد صلى الله عليه وسلم والأول أولى قال ابن الفارس فيه دليل على أن لله على الكفار نعمة خلافاً لمن قال لا نعمة لله عليهم، وإنما النعمة للمؤمنين. (وأوفوا بعهدي) أي امتثلوا أمري، يقال أوفى ووفى مشدداً، ووفى مخففاً ثلاث لغات بمعنى واحد وقيل يقال وفيت ووفيت بالعهد وأوفيت بالكيل لا غير، واختلف أهل العلم في العهد المذكور في هذه الآية ما هو فقيل هو المذكور في قوله تعالى (خذوا ما آتيناكم بقوة) وقيل هو ما في قوله (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) وقيل هو قوله (ولقد أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس) وقيل أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد - صلى الله عليه وسلم - وإنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل) إلى قوله (لأكفرن عنكم سيآتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) وقال في سورة الأعراف

(ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل). وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والاغلال التي كانت في أعناقهم، وقال (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما أتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق) الآية وقال (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) وقال ابن عباس إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة إني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة، وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني اسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل، وتصديق هذا في القرآن في قوله تعالى (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون) إلى قوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا). وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته) وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فله أجران، ورجل أدب أَمَتَهُ فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران ". ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد - صلى الله عليه وسلم -. فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة إن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت، قالت أهرب من سيدتي سارة فقال لها ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن

الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسميه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك، وهو يكون عين الناس، وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته. واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور، وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى، ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم، ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الإستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة. فلو لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم هم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان، والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله. والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: أن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه. وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم أنه سيكون من إخوانكم إمام، عقل منه أنه لا يكون من بني هاشم، ثم أن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص، ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب، وأنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به، وأما إسماعيل فإنه كان أخاً لإسحاق والد يعقوب، ثم أن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل، فالنبي عليه السلام ما كان منهم، لكنه كان من

إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق عليهم السلام. فإن قيل قوله " من بينكم " يمنع من أن يكون المراد محمداً - صلى الله عليه وسلم -، لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل. قلنا بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كانوا كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد - صلى الله عليه وسلم - بالحجاز فقد قام من بينهم وأيضاً فإنه إذا كان من اخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم. والثالث: قال في الفصل العشرين من هذا السفر: أن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوات القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة. وجه الاستدلال أن جبل فاران وهو بالحجاز لأن في التوراة أن إسماعيل تعلم الرمي في برية فاران ومعلوم أنه إنما سكن بمكة. إذا ثبت هذا فنقول إن قوله " فمنحهم العز " لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين، فوجب حمله على محمد - صلى الله عليه وسلم -، قالت اليهود المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً ومن جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع. قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق ناراً في موضع فإنه لا يقال جاء الله في ذلك الموضع إلا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء، فما كان ينبغي إلا أن يقال جاء الله من طور سيناء، فأما أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع.

وأيضاً ففي كتاب حبقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران لو انكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي الدهروية وتزعزعت ستور أهل مدين، ركبت الخيول وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك اغراقاً ونزعاً وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل، ونفرت المهاري نفيراً ورعباً ورفعت أيديها وجلاً وفرقاً وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً، وتدوس الأمم زجراً لأنك ظهرت بخلاص أمتك، وانقاذ تراب ابائك، هكذا نقل عن ابن رزين الطبري. أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه الله تعالى في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم " وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد الحمود وترتوي السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وانقاذ مسيحك ". فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة ظهر الرب من جبال فاران، ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات، وما ذاك إلا رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى، ولهذا قال في آخر الكلام: وانقاذ مسيحك. قلنا لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور، وبأنه جاز المشاعر القديمة، وأما قوله: وانقاذ مسيحك فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى. والرابع: ما جاء في كتاب شعيا في الفصل الثاني والعشرين منه " قومي

فازهري مصباحك، يريد مكة فقد دنا وقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك، فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الامم الضباب، والرب يشرق عليك إشراقاً، ويظهر كرامته عليك، تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك، وارفعي بصرك إلى ما حولك، وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بعيد لأنك أم القرى، فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الارائك والسرر. حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر، ويحج إليك عساكر الأمم، ويساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران، ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً ". فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر، وقوله أحدث لبيت محمدتي حمداً، معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ثم صار في الإسلام: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته. فإن قيل المراد بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد. قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم قد دنا وقتك مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه. وأيضاً فإن كتاب شعيا مملوء من ذكر البادية وصفتها وذلك يبطل قولهم. الخامس: روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال قد أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركت عليه فكبرته وعظمته جداً جداً، وسيلد اثني عشر عظيماً وأجعله لأمة عظيمة. والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو

عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى " وهو قوله (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)، فإنه مشتق من الحمد، والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا، فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود، وقيل أن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون (¬1). والسادس: قال المسيح للحواريين أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه، إنما يقول كما يقال له، وتصديق ذلك (إن أتبع إلا ما يوحى الي) وقوله (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) أما الفارقليط ففي تفسيره وجهان (أحدهما) أنه الشافع المشفع، وهذا أيضاً صفته عليه الصلاة والسلام (الثاني) قال بعض النصارى الفارقليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل، وكان في الأصل فاروق، كما يقال راووق للذي يروق به، وأما ليط فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب، وهذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل. والسابع: قال دانيال لبخت نصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه رأيت أيها الملك منظراً هائلاً رأسه من الذهب الإبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعض رجليه من حديد وبعضها من خزف، ورأيت حجراً يقطع من غير قاطع، وصك ¬

(¬1) عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عرض علي الأنبياء، فإذا موسى عليه السلام ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة (قبيلة من اليمن)، ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهاً عروة بن مسعود، ورأيت إبراهيم عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهاً صاحبكم (يعني نفسه) ورأيت جبريل عليه السلام فإذا أقرب من رأيت به شبهاً- دحية.

رجل ذلك الصنم ودقها دقاً شديداً فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتاً، وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر، وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلاً عالياً امتلأت به الأرض، فهذا رؤياك أيها الملك. وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد، وأما الرجل التي كان بعضها من حديد وبعضها من خزف، فإن بعض المملكة يكون عزيزاً وبعضها يكون ذليلاً، وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول. وأنها تزيل جميع الممالك، وسلطانها يبطل جميع السلاطين، وتقوم هي إلى الدهر، فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف، والله أعلم بما يكون في آخر الزمان. فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ذكره الرازي، وقال الزجاج المراد بالعهد ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل هو أداء الفرائض، وقيل أراد جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكليف دون بعض، ولا مانع من حمله على جميع ذلك. (أوف بعهدكم) أي بما ضمنت لكم من الجزاء، وقيل بالقبول والثواب عليه بدخول الجنة (وإياي فارهبون)، أي فخافون في نقضكم العهد، والرهب والرهبة الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد، وتقديم معمول الفعل يفيد الاختصاص، قال صاحب الكشاف وهو آكد في إفادة التخصيص من (إياك نعبد) والفاء جواب أمر مقدر أي تنبهوا فارهبون، أو زائدة وسقطت الياء من قوله فارهبون لأنه رأس آية.

وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

41

(وآمنوا بما أنزلت) يعني القرآن (مصدقاً لما معكم) أي لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي - صلى الله عليه وسلم - (ولا تكونوا أول كافر به) المراد أهل الكتاب لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء وما يلزم من التصديق، أي لا تكونوا يا معشر اليهود أول كافر بهذا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع كونكم قد وجدتموه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، مبشراً به في الكتب المنزلة عليكم. وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الوضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتب السابقة، وقيل الضمير في " به " عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله " بما أنزلت " وقيل عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله لما معكم، والخطاب لجماعة، والكافر لفظه واحد وهو في معنى الجمع أي أول الكفار أو أول فريق كافر، ومفهوم الصفة غير مراد هنا فلا يرد أن المعنى بل آخر كافر، وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر، بل يجب أن تكونوا أول فريق مؤمن به لأنكم أهل نظر في معجزاته والعلم بشأنه وصفاته. (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) أي لا تستبدلوا ببيان صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي في التوراة عوضاً يسيراً من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشيء اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل، وهذه الآية وإن كانت خطاباً لبني اسرائيل ونهياً لهم، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو

امتنع من تعليم ما علمه الله وكتم البيان الذي أخذ الله عليه ميثاقه به فقد اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً (وإياي فاتقون) بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن حطام الدنيا. ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانية فصلت بالرهبة التي هي من مقدمات التقوى، أو لأن الخطاب بها لما عم العالم والمقلد أمر فيها بالرهبة المتناولة للفريقين، وأما الخطاب بالثانية فحيث خص بالعلماء أمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى وباقي الكلام فيه كالكلام في قوله (وإياي فارهبون) وقد تقدم قريباً.

42

(ولا تلبسوا الحق بالباطل) أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم، وقيل لا تخلطوا الحق من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - بالباطل من تغيير صفته، واللبس الخلط، وقيل هو مأخوذ من التغطية أي لا تغطوا الحق بالباطل، والأول أولى، والباء للإلصاق على الأول وقيل للاستعانة واستبعده أبو حيان، وقال فيه صرف عن الظاهر من غير ضرورة، قال السمين ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحسن، والباطل في كلام العرب الزائل، والباطل الشيطان والمراد به هنا خلاف الحق والمراد النهي عن كتم حجج الله التي أوجب عليهم تبليغها وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين ومعنى خاص كما تقدم فلم يصب إن أراد أن ذلك هو المراد دون غيره لا إن أراد أنه مما يصدق عليه. (وتكتموا الحق) لما فيه من الضرر والفساد، وفيه أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه، وفيه تنبه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذا الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة عاماً في المعنى، فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق (وأنتم تعلمون) فيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب وأوجب للعقوبة، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس والكتمان مع الجهل لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء

حتى يعلم بحكمه خصوصاً في أمور الدين، فإن التكلم فيها والتصديق للإصدار والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأساً في العلم فرداً في الفهم، وما للجهال والدخول فيما ليس من شأنهم، والقعود في غير مقاعدهم. وأعلم أن كثيراً من المفسرين جاؤوا بعلم متكلف وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فن لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلم بمحض الرأي المنهى عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف. فجاؤا بتكلفات وتعسفات يتبرأ منها الأنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء فضلاً عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف وجعلوه المقصد الأهم من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره ومن تقدمه ومن تأخره. وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرقاً على حسب الحوادث المقتضية لنزوله منذ نزل الوحي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قبضه الله عز وجل إليه، وكل عاقل فضلاً عن عالم لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية لنزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها بل قد تكون متناقضة كتحريم أمر كان حلالاً وتحليل أمر كان حراماً، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحيناً في عبادة، وحيناً في معاملة، ووقتاً في ترغيب، ووقتاً في ترهيب، وآونة في بشارة وآونة في نذارة، وطوراً في أمر دنيا، وطوراً في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية. وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الإختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الإئتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتبار نفسه مختلف كاختلافها فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب والنون، والماء والنار،

والملاح والحادي، وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا أمر لابد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغاً معجزاً إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة؛ وتبين الأمر الموجب للإرتباط؛ فإن وجد الإختلاف بين الآيات رجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفاً محضاً وتعسفاً بيناً، انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة. هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتباً على هذا الترتيب الكائن في المصحف، فكيف وكل من له أدق علم بالكتاب وأيسر حظ من معرفته، يعلم علماً يقيناً أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم، رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول المطلعين على حوادث النبوة فإنه يثلج صدره ويزول عنه الريب بالنظر في سورة من السور المتوسطة فضلاً عن المطولة فإنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة، لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أول ما نزل (اقرأ باسم ربك الذي خلق) وبعده (يا أيها المدثر، يا أيها المزمل) وينظر أين موضع هذه الآيات والسور في ترتيب المصحف. وإذا كان الأمر هكذا فأي معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخراً، وتأخر ما أنزله الله متقدماً، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه ممن تصدى لذلك من الصحابة. وما أقل نفع مثل هذا وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول وما يقال له من تضييع الأوقات وانفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس. وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله

رجل من البلغاء من خطبه ورسائله وإنشاآته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحاً وأخرى هجاء وحيناً تشبيباً وحيناً رثاء وغير ذلك من الأنواع المتخالفة فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلف تكلفاً آخر فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد والخطبة التي خطبها في الحج والخطبة التي خطبها في النكاح، ونحو ذلك وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك لعد هذا المتصدي لمثل هذا مصاباً في عقله، متلاعباً بأوقاته، عابثاً بعمره الذي هو رأس ماله. وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان وقحطان، وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربي، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى فيه مجاريهم في الخطاب، وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون مختلفة وطرائق متباينة فضلاً عن المقامين فضلاً عن المقامات، فضلاً عن جميع ما قاله ما دام حياً، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي يعثر في ساحاتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر ادم عليه السلام، فإذا قال متكلف كيف ناسب هذا ما قبله قلنا لا كيف: فدع عنك نهباً صيح في حجراته ... وهات حديثاً ما حديث الرواحل

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)

43

(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) المراد هنا الصلاة المعهودة وهي صلاة المسلمين، يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها، على أن التعريف للعهد، ويجوز أن يكون للجنس ومثلها الزكاة، والإيتاء الإعطاء، والزكاة مأخوذة من الزكاء وهو النماء، وسمي إخراج جزء من المال زكاة أي زيادة مع أنه نقص منه لأنها تكثر بركته أو يكثر أجر صاحبه، وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكى فلان أي طهر. والظاهر أن الصلاة والزكاة والحج والصوم ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية، هي المرادة بما هو مذكوره في الكتاب والسنة منها، وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه، وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا فقيل المفروضة لاقترانها بالصلاة، وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن المراد ما هو أعم من ذلك. (واركعوا مع الراكعين) أي صلوا مع المصلين يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، والركوع في اللغة الانحناء وكل منحن راكع، ويستعار الركوع أيضاً للانحطاط في المنزلة، وإنما خص الركوع بالذكر هنا لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، وقيل لكونه كان ثقيلاً على أهل الجاهلية، وقيل أنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة، والركوع الشرعي هو أن ينحني الرجل ويمد ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه ويقبض بها على ركبتيه ثم يطمئن راكعاً ذاكراً بالذكر المشروع. وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف.

وفي الآية حث على إقامة الصلاة في الجماعة وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم على خلاف بينهم في كون ذلك عيناً أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها وليس بواجب وهو الحق للأحاديث الصحيحة الثابتة عن جماعة من الصحابة من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة أو سبع وعشرين درجة، وثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده ثم ينام، والبحث طويل الذيول كثير النقول، استوفاه الشوكاني رحمه الله تعالى في شرحه للمنتقى.

44

(اتأمرون الناس بالبر) الهمزة للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل سبب ترك فعل البر المستفاد من قوله (وتنسون أنفسكم) تتركونها فلا تأمرونها به مع تزكية النفس والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس وتلبيساً عليهم، نزلت في علماء اليهود، والبر: الطاعة والعمل الصالح وسعة الخير والمعروف والصدق. فالبر: اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات، والنسيان هو هنا بمعنى الترك، وفي الأصل خلاف الذكر والحفظ أي زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة والحافظة، وإنما عبر عن الترك بالنسيان لأن نسيان الشيء يلزمه تركه فهو من استعمال الملزوم في اللازم أو السبب في المسبب، وسر هذا التجوز الإشارة إلى أن ترك ما ذكر لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إلا نسياناً، والنفس: الروح، ومنه قوله تعالى (الله يتوفى الأنفس حين موتها) يريد الأرواح والنفس الجسد، والمعنى وتعدلون عما لها فيه نفع. (وأنتم تتلون الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع وأشد توبيخ وأبلغ تبكيت، أي كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدة الوعيد عليه كما ترونه في الكتاب

الذي تتلونه وتدرسونه، والآيات التي تقرؤنها من التوراة، والتلاوة: القراءة وهي المراد هنا وأصلها الاتباع. (أفلا تعقلون) استفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم، وهو أشد من الأول وأشد، ولشد ما قرع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير ولا يفعله من العلماء الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أولاً أمرهم للناس بالبر مع نسيان أنفسهم من ذلك الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهاماً للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه وموصلون إلى خلقه ما استودعهم وأئتمنهم عليه، وهم اترك الناس لذلك وأبعدهم من نفعه وأزهدهم فيه. ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى جعلها مبينة لحالهم وكاشفة لعوارهم وهاتكة لأستارهم، وهي أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، والخصلة الفظيعة، على علم منهم ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عاجهم وملازمة لتلاوته وهم في ذلك كما قال المعري: وإنما حمل التوراة قارئها ... كسب الفوائد لا حب التلاوات ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ، فقال أنكم لو لم تكونوا من أهل العلم وحملة الحجة وأهل الدّراسة لكتب الله لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلاً بينكم وبين ذلك ذائداً لكم عنه، زاجراً لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ والعقل في أصل اللغة المنع ومنع عقال البعير لأنه يمنعه عن الحركة ومنه العقل في الدية لأنه يمنع الولي عن قتل الجاني، والعقل نقيض الجهل. ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو أصل معنى العقل عند أهل اللغة أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية، ويصح أن يكون معنى الآية أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من

العلم، والعقل قوة تهيء قبول العلم، ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة العقل. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت فقلت لجبريل من هؤلاء قال هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون. وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار فيقولون يا فلان مالك؟ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه. وفي الباب أحاديث معناها أن يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم بم دخلتم النار، وإنما دخلنا الجنة بتعليمكم، قالوا إنا كنا نأمركم ولا نفعل، وأخرج الطبراني والخطيب في الاقتضاء والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - " مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه (¬1) ". ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير/5707 برواية " وينسى نفسه ".

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)

45

(واستعينوا بالصبر والصلاة) قيل إن المخاطبين بهذا هم المؤمنون وقيل اليهود لما عاقهم عن الإيمان الشره وحب الرياسة فأمروا بالصبر، وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر، وأفرد الصلاة بالذى تعظيماً لشأنها، والمعنى استعينوا على حوائجكم إلى الله وقيل على ما يشغلكم من أنواع البلايا، وقيل على طلب الآخرة بالصبر. والصبر في اللغة الحبس والمراد هنا استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات وقصرها على الطاعات، على دفع ما يرد عليكم من المكروهات، وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة وأداء الفرائض، واستدل هذا القائل بقوله تعالى (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها) وليس في هذا الصبر الخاص بهذه الآية ما ينفي ما يفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من الشمول، كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما يصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة ونافلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن عباس أنه نعى له أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما السجود ثم قام إلى راحلته وهو يقول (واستعينوا بالصبر والصلاة) وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه والجزاء للصابرين، ولم نذكرها ههنا لأنها ليست بخاصة بهذه الآية، بل هي واردة في مطلق الصبر، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ههنا

منها شطراً صالحاً، وفي الكتاب العزيز من الثناء على ذلك والترغيب فيه الكثير الطيب. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كانوا يعني الأنبياء يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة، وعن ابن عباس أنه كان في مسير له فنعى إليه ابن له فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع فقال فعلنا كما أمرنا الله تعالى (واستعينوا بالصبر والصلاة) وقد روي نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. واختلف المفسرون في مرجع للضمير في قوله (وإنها لكبيرة) فقيل إنه راجع إلى الصلاة وإن كان التقدم هو الصبر والصلاة فقد يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما، كما قال تعالى (والله ورسوله أحق أن يرضوه) إذا كان أحدهما داخلاً تحت الآخر بوجه من الوجوه، وقيل إنه عائد إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها لأن الصبر هو عليها كما قيل سابقاً، وقيل أن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان الصبر مراداً منها لكن لما كانت آكد وأعم تكليفاً وأكثر ثواباً كانت الكناية بالضمير عنها، ومنه قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) كذا قيل، وقيل إن الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة ومثل ذلك قوله (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) رجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت أعم نفعاً وأكثر وجوداً والتجارة هي الحاملة على الإنفضاض. والفرق بين هذا الوجه والوجه الأول الصبر هناك جعل داخلاً تحت الصلاة وهنا لم يكن داخلاً وإن كان مراداً، وقيل إن الراد الصبر والصلاة ولكن ارجع الضمير إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، ومنه قوله تعالى (وجعلنا ابن مريم وأمه آية) أي ابن مريم آية وأمه آية، وقيل رجع الضمير

إليهما بعد تأويلهما بالعبادة، وقيل رجع إلى المصدر المفهوم من قوله (واستعينوا) وهو الاستعانة وقيل رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل، والأول هو الظاهر الجاري على قاعدة كون الضمير للأقرب، والكبيرة التي يكبر أمرها ويتعاظم شأنها على حاملها لما يجده عند تحملها والقيام بها من المشقة ومنه (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه). (إلا) استثناء مفرغ وشرطه أن يسبق بنفي فيؤول الكلام هنا بالنفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا. (على الخاشعين) يعني المؤمنين، وقيل الخائقين، وقيل المطيعين المتواضعين لله، والخاشع هو المتواضع، قال في الكشاف الخشوع هو الإخبات والتطامن، فاللين والإنقياد انتهى. وقال الزجاج الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات أي سكنت، وخشع ببصره إذا غضه، وقال سفيان الثوري سألت الأعمش عن الخشوع فقال يا ثوري أنت تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطىء الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في. وأما الخضوع كل فرض افترض عليك انتهى. وما أحسن ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته أنه هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع، واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم باعتبار استعمال جوارحهم في الصلاة وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح الصلاة وأتعابهم لأنفسهم اتعاباً عظيماً في الأسباب الموجبة للحضور والخضوع لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر وتوفر الجزاء والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يركبونه من

المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة وراحة عندهم محضة.

46

(الذين يظنون) أي يستيقنون وقيل يعلمون، والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى (إني ظننت أني ملاق حسابيهْ) وقوله (وظنوا أنهم مواقعوها) وقيل أن الظن في الآية على بابه ويضمر في الكلام بذنوبهم فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين، ذكره الماوردي والأول أولى، وأصل الظن الشك مع الميل إلى أحد الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع منها هذه الآية. ومعنى (أنهم ملاقوا ربهم) ملاقوا جزاءه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأساً أي يوقنون أنهم يرونه، وفي هذا مع ما بعده من قوله (وأنهم إليه راجعون). إقرار بالبعث وما وعد الله به في اليوم الآخر، وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة.

47

(يا بني إسرائيل أذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) إنما كرر ذلك سبحانه توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً لهم من ترك اتباع محمد - صلى الله عليه وسلم -، ثم قرنه بالوعيد وهو قوله

48

(واتقوا يوماً) قيل المراد بالنعمة أيادي الله عندهم وأيامه، قاله سفيان بن عيينة، وعن مجاهد التي أنعم بها على بني إسرائيل فيما سمى وفيما سوى ذلك، فجّر لهم الحجر وأنزل عليهم المن والسلوى وأنجاهم من عبودية آل فرعون، وكان عمر بن الخطاب إذا تلا هذه الآية قال مضى القوم وإنما يعني أنتم. (وأني فضلتكم على العالمين) يعني على عالمي زمانكم، فلا يتناول من مضى ولا من يوجد بعدهم، وهذا التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء، قيل فيه ورود العام المراد به الخصوص، لأن المراد بالعالمين عالمو زمانهم، وقيل على جميع العالمين بما جعل فيهم الأنبياء، وقال في

الكشاف على الجم الغفير من الناس كقوله (باركنا فيها للعالمين) يقال رأيت عالماً من الناس يراد الكثرة انتهى، قال الرازي في تفسيره وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، وكلما كان دليلاً على الله كان علماً وكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات، انتهى. أقول هذا الاعتراض ساقط أما أولاً فدعوى اشتقاقه من العلم لا برهان عليه، وأما ثانياً فلو سلمنا صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجوداً بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق اسم العلم عليه، وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق، وغايته أن جمع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات، وأما إنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان، فليس في اللفظ ما يفيد هذا ولا في اشتقاقه ما يدل عليه، وأما من جعل العالم أهل العصر فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصور، لا على أهل كل عصر، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين فيهم نبينا - صلى الله عليه وسلم - ولا على ما بعده من العصور. ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير قوله تعالى (وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) وعند قوله تعالى (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) وعند قوله تعالى (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين). فإن قيل أن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم. قلت لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزماً لكونهم أفضل من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس) فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات.

(واتقوا يوماً) أي واخشوا عذاب يوم، أمر معناه الوعيد والمراد باليوم يوم القيامة أي عذابه. (لا تجزي) لا تكفي ولا تقضي. (نفس عن نفس شيئاً) يعني حقاً لزمها، وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس يوم القيامة ولا ترد عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، وقيل أن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجباً عليه، والنفس الأولى هي المؤمنة والثانية هي الكافرة ومعنى التنكير التحقير أي شيئاً يسيراً حقيراً (ولا يقبل منها شفاعة) أي في ذلك اليوم، وذلك أن اليهود قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد الله عليهم ذلك، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهو الإثنان تقول استشفعته أي سألته أن يشفع لي أي يضم جاهه إلا جاهك عند المشفوع إليه ليصل النفع إلى الشفوع له، وضمير (منها) يرجع إلى النفس المذكورة ثانياً أي إن جاءت بشفاعة شفيع، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أولاً أي إذا شفعت لم يقبل منها. ْ (ولا يؤخذ منها عدل) أي فدية وهو مماثلة الشيء بالشيء، والعدل بفتح العين الفداء وبكسرها المثل، وقيل بالفتح المساوي للشيء قيمة وقدراً وبالكسر المساوي له في جنسه وجرمه، وأما العدل واحد الأعدال فهو بالكسر لا غير قاله السمين، والضمير يرجع إلى النفوس المدلول عليها بالنكرة في سياق النفي، والنفس تذكر وتؤنث والمعنى كما قال السدي لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً. (ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون من العذاب، والنصر العون والأنصار الأعوان ومنه (من أنصاري إلى الله) والنصر أيضاً الانتقام يقال انتصر زيد لنفسه من خصمه أي انتقم منه لها والنصر أيضاً الإتيان يقال نصرت أرض بني فلان أي أتيتها.

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)

49

(وإذ نجيناكم من آل فرعون) أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجدادكم، فاعتده نعمة ومنة عليهم، لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم، وهذا شروع في تفصيل نعم الله عليهم، وفصلت بعشرة أمور تنتهي بقوله: (وإذ استسقى موسى) والنجاة النجوة من الأرض وهي ما ارتفع منها، ثم سمى كل فائز وخارج من ضيق إلى سعة ناجياً وإن لم يلق على نجوة " وآل فرعون " قومه والآل يضاف إلى ذوي الخطر ولا يضاف إلى البلدان فلا يقال من آل المدينة، وجوزه الأخفش، واختلفوا هل يضاف إلى المضمر أم لا فمنعه قوم وسوغه آخرون وهو الحق. وفرعون قيل هو اسم ذلك الملك بعينه، وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك العمالقة أولاد عمليق بن لاوز بن أرم بن سام بن نوح كما يسمى من ملك الفرس كسرى، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الحبشة النجاشي، وقيل فرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق، واسم فرعون موسى المذكور هنا قابوس في قول أهل الكتاب، وقال وهب اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، وعَمّر أكثر من أربعمائة سنة، وعاش موسى مائة وعشرين سنة، قال السعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية، وقال الجوهري إن كل عات يقال له فرعون، وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة أي دهاء ومكر، وقال في الكشاف تفرعن فلان إذا عتى وتجبر. (يسومونكم) أي يكلفونكم ويولونكم قاله أبو عبيدة، وقيل يذوقونكم ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، وفي

الكشاف أصله في سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبيعونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه، انتهى. (سوء العذاب) أي أشده وأسوأه وأفظعه، وإن كان كله سيئاً، والسوء كل ما يغم الإنسان من أمر دنيوي أو أخروي. (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم) الذبح في الأصل الشق وهو فري أوداج المذبوح، قيل ذبحوا منهم أثني عشر ألفا، وقيل سبعين ألفا، وهل نساء جمع نسوة أو جمع امرأة من حيث المعنى قولان، والمراد يتركون نساءكم أحياء ليستخدموهن ويمتهنوهن، وأنما أمر بذبح الأبناء واستحياء النساء لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن البنات باسم النساء لأنه جنس يصدق عليهن، وقالت طائفة أنه أمر بذبح الرجال واستدلوا بقوله نساءكم والأول أصح بشهادة السبب، ولا يخفى ما في قتل الأبناء واستحياء البنات للخدمة ونحوها من انزال الذل بهم وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار. والإشارة بقوله (وفي ذلكم) إلى جملة الأمر من الإنجاء والذبح، قاله ابن عطية. (بلاء من ربكم عظيم) أي اختيار وامتحان، والبلاء يطلق تارة على الخير وتارة على الشر، فإن أريد به هنا الشر، كانت الإشارة إلى ما حل بهم من النقمة بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم الله عليهم بالإنجاء وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين، وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة فرجح الجمهور الأول ورجح الآخرون الآخر، قال ابن كيسان أبلاه وبلاه في الخير والشر، وقيل الأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته، وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس، استدل به بعض من يقول بالتناسخ وقال إن القوم كانوا هم بأعيانهم، فلما تطاولت عليهم مدة التلاشي والبلى نسوا فذكروا، قال الكرماني وهذا محال وجهل بكلام

العرب، فإن العرب تخاطب بمثل هذا وتعني الجد الأعلى والأب الأبعد.

50

(وإذ فرقنا بكم البحر) أي فلقنا، وأصل الفلق الفرق والفصل، ومنه فرق الشعر، ومنه (وقرآنا فرقناه) أي فصلناه، والباء في (بكم) بمعنى اللام أو السببية والمراد أن فرق البحر كان بسبب دخولهم فيه لما صاروا بين المائين صار الفرق بهم، وأصل البحر في اللغة الإتساع أطلق على البحر الذي هو مقابل البر لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر والخليج ويطلق على الماء المالح، وقال السيوطي في مفحمات الأقران البحر هو القلزم وكنيته أبو خالد كما روي عن قيس بن عباد، قال ابن عساكر كأنه كني بذلك لطول بقائه، وروى أبو يعلى بسند ضعيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء " انتهى. (فأنجيناكم) أي أخرجناكم منه. (وأغرقنا آل فرعون) فيه، ووافق ذلك يوم عاشوراء فصام موسى ذلك اليوم شكراً لله عز وجل، والمراد بآل فرعون هنا هو وقومه وأتباعه، والغرق الرسوب في الماء وتجوز به عن المداخلة في الشيء، تقول غرق فلان في اللهو فهو غرق، قاله السمين. (وأنتم تنظرون) يعني إلى إهلاكهم، وقيل إلى مصارعهم أي حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم أو المعنى ينظر بعضكم إلى بعض آخر من السالكين في البحر، وقيل نظروا إلى أنفسهم ينجون وإلى آل فرعون يغرقون، قيل أن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم. وهذه الواقعة كما أنها لموسى معجزة عظيمة تخر لها أطم الجبال، ونعمة عظيمة لأوائل بني إسرائيل موجبة عليهم شكرها باللسان والبال، كذلك اقتصاصها على ما هي عليه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معجزة جليلة تطمئن بها القلوب

الأبية، وتنقاد لها النفوس الغبية، موجبة لأعقابهم أن يتلقوها بالاذعان ويقبلوها بصميم الجنان، فلا تأثرت أوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها، ولا تذكرت أواخرهم بتذكيرها وروايتها، فيالها من عصابة ما أعصاها، وطائفة ما أطغاها وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس. قال: " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال ما هذا اليوم؟ قالوا هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نحن أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصومه (¬1) ". ¬

(¬1) صحيح مسلم/1130؛ -[168]- وفي يوم عاشوراء أحاديث كثيرة نورد منها: عن حميد بن عبد الرحمن، أنه سمع معاوية بن أبي سفيان، خطيباً بالمدينة خطبهم يوم عاشوراء فقال أين علماؤكم يا أهل المدينة؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا يوم عاشوراء. ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم فمن أحب منكم أن يصوم فليصم ومن أحب أن يُفطر فليفطر.

51

(وإذ واعدنا) قراءة الجمهور واعدنا قال النحاس وهي اجود وأحسن وليس هو من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من باب الموافاة يعني من المواعدة وهو من الله الأمر، ومن موسى القبول، وذلك أن الله وعده بمجيء الميقات. و (موسى) اسم أعجمي عبري معرب غير منصرف، فموشى بالعبرية الماء والشجر، سمي موسى لأنه أخذ من بين الماء والشجر ثم قلبت الشين سيناً فسمي موسى. (أربعين ليلة) قال الزجاج تمام أربعين ليلة وهي عند أكثر المفسرين ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة وبه قال أبو العالية، وإنما خص الليالي بالذكر دون الأيام لأنها غرر الشهور، ولأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة وقيل لأن الأشهر العربية وضعت على سير القمر وقيل لأن الظلمة أقدم من الضوء والمعاني متقاربة. (ثم اتخذتم العجل) أي جعلتم العجل إلهاً، قال الحسن البصري كان اسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه " بهموت " وقيل بهبوت (من بعده) أي

بعد مضي موسى إلى الطور، وقد ذكر بعض المفسرين أنهم عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة وقالوا قد اختلف موعده فاتخذوا العجل وهذا غير بعيد منهم فقد كانوا يسلكون طرائق من التعنت خارجة عن قوانين العقل مخالفة لما يخاطبون به بل ويشاهدونه بأبصارهم، فلا يقال كيف يعدون الأيام والليالي على تلك الصفة، وقد صرح لهم في الوعد بأنها أربعون ليلة والمعنى من بعد عبادتكم العجل، وسمى العجل عجلاً لاستعجالهم عبادته، كذا قيل وليس بشيء لأن العرب تطلق هذا الاسم على ولد البقر، وقد كان جعله لهم السامري على صورة العجل. (وأنتم ظالمون) أي وأنتم ضارون لأنفسكم بالمعصية حيث وضعتم العبادة في غير موضعها وقيل إنما سماهم ظالمين لأنهم أشركوا بالله وخالفوا موعد نبيهم قيل والذين عبدوه منهم ثمانية آلاف وقيل كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألفاً وهذا أولى.

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52) وَإِذْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (53) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

52

(ثم عفونا عنكم) أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم، والعفو يجوز أن يكون بعد العقوبة والغفران لا يكون معها، وهذا هو الفرق بينهما وهو من الاضداد يقال عفت الريح الأثر أي أذهبه وعفا الشيء أي كثر، ومنه (حتى عفوا) وقال أبو السعود العفو محو الجريمة من عفاه درسه وقد يجيء لازماً قال: عرفت المنزل الخالي ... عفاه بعد أحوال عفاه كل هتان ... كثير الوبل هطال (من بعد ذلك) أي من بعد عبادتكم العجل. (لعلكم تشكرون) ما أنعم الله به عليكم من العفو عن ذنبكم العظيم الذي وقعتم فيه وتستمرون بعد ذلك على الطاعة، وأصل الشكر في اللغة الظهور، قال الجوهري الشكر الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف، يقال شكرته وشكرت له، وباللام أفصح والشكران خلاف الكفران.

53

(وإذْ آتينا موسى الكتاب والفرقان) الكتاب التوراة بالإجماع من المفسرين واختلفوا في الفرقان فقالت الفراء وقطرب المعنى آتينا موسى التوراة ومحمد الفرقان، وقد قيل أن هذا غلط أوقعهما فيه أن الفرقان مختص بالقرآن وليس كذلك فقد قال تعالى (ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان) قال الزجاج أن الفرقان هو الكتاب أعيد ذكره تأكيداً وقيل أن الواو صلة وهي قد تزاد في

النعوت، وقيل أن المعنى ذلك المنزل جامع بين كونه كتاباً وفارقاً بين الحق والباطل وهو كقوله (آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن وتفصيلاً لكل شيء) وقيل الفرقان الفرق بينهم وبين قوم فرعون أنجى الله هؤلاء وأغرق هؤلاء، وقال ابن زيد الفرقان الفراق البحر والشرع الفارق بين الحلال والحرام، وقيل الفرقان الفرج من الكرب أو النصر وقيل أنه الحجة والبيان بالآيات التي أعطاه الله من العصا واليد وغيرهما وهذا أولى وأرجح، ويكون العطف على بابه كأنه قال آتينا موسى التوراة والآيات التي أرسلناه بها معجزة له (لعلكم تهتدون) يعني بالتوراة أي لكي تهتدوا للتدبر والتفكر فيه والعمل والاعتقاد بما يحويه.

54

(وإذ قال موسى لقومه) يعني الذين عبدوا العجل، والقوم يطلق تارة على الرجال دون النساء، ومنه قوله تعالى (لا يسخر قوم من قوم) ثم قال (ولا نساء من نساء) ومنه (ولوطاً إذ قال لقومه) أراد الرجال وقد يطلق على الجميع كقوله تعالى (إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه) والمراد هنا بالقوم عبدة العجل، وهذا شروع في بيان كيفية العفو، والقوم ليس له واحد من لفظه ومفرده رجل (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل) يعني إلهاً تعبدونه فكأنهم قالوا ما نصنع فقال (فتوبوا إلى بارئكم) أي ارجعوا إلى خالقكم واعزموا وصمموا بالتوبة. والبارىء الخالق وقيل البارىء هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال، وفي ذكر البارىء هنا إشارة إلى عظيم جرمهم أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره إما على سبيل التفصي كبرءِ المريض من مرضه، والمديون من دينه، أو الإنشاء كبرأ الله آدم من الطين. (فاقتلوا أنفسكم) أي اجعلوا القتل متعقباً للتوبة تماماً لها، قال القرطبي وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده

قيل قاموا صفين وقتل بعضهم بعضاً وقيل وقف الذين عبدوا العجل ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلام فقتلوهم فتاب الله على الباقين منهم، عن ابن عباس قال أمر موسى قومه عن أمر من ربه أن يقتلوا أنفسهم، واحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا وقام الذين لم يعكفوا فأخذوا الخناجر بأيديهم وأصابتهم ظلمة شديدة جعل يقتل بعضهما بعضاً فانجلت الظلمة عنهم عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقى كانت له توبة، وعن علي قال قالوا لموسى ما توبتنا قال يقتل بعضكم بعضاً فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله تعالى إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي (¬1). (ذلكم) يعني هذا القتل وتحمل هذه الشدة. (خير لكم) لأن الموت لابد منه (عند بارئكم) من حيث أنه طهرة من الشرك ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية. (فتاب عليكم) أي فعلتم ما أمرتم به فتجاوز عنكم، وهذه الفاء فاء التفسير وفاء التفصيل، وهذا من كلام الله تعالى خاطبهم به على طريق الإلتفات من التكلم الذي يقتضيه السياق إلى الغيبة وقيل أنه من جملة كلام موسى لقومه، والأول أولى (إنه هو التواب) أي الرجاع بالمغفرة القابل للتوبة البالغ في قبولها منهم (الرحيم) بخلقه. ¬

(¬1) قال ابن الجوزي في زاد السير 1/ 82: واختلفوا فيمن خوطب بهذا على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه خطاب للكل، قاله السدي عن أشياخه. والثاني: أنه خطاب لمن لم يعبد ليقتل من عبد، قاله مقاتل. والثالث: أنه خطاب للعابدين فحسب، أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً، قاله أبو سليمان الدمشقي. وفي الإشارة بقوله: " ذا " في: " ذلكم " قولان. أحدهما: أنه يعود إلى القتل. والثاني: أنه يعود إلى التوبة.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)

55

(وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك) أي لا نصدقك. بأن ما نسمعه كلام الله (حتى نرى الله جهرة) أي عياناً، ظاهر السياق أن القائلين بهذه المقالة هم قوم موسى، قيل هم السبعون الذين اختارهم ممن لم يعبدوا العجل وذلك أنهم لما سمعوا كلام الله، قالوا له بعد ذلك هذه المقالة معتذرين عن عبادة أصحابهم العجل، فخرج بهم موسى، وقيل عشرة آلاف من قومه والمؤمن به، والجهرة استعيرت للمعاينة وأصلها الظهور (فأخذتكم الصاعقة) لفرط العناد والتعنت وطلب المستحيل، قيل هي الموت وفيه ضعف، وقيل سبب الموت، واختلفوا في ذلك السبب فقيل أن ناراً نزلت من السماء فأحرقتهم وقيل جاءت صيحة من السماء وقيل أرسل جموعاً من الملائكة فسمعوا بحسهم فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة، والأول أولى، والمراد بأخذ الصاعقة إصابتها إياهم وسيأتي في الأعراف أنهم ماتوا بالرجفة أي الزلزلة، وممكن الجمع بأنه حصل لهم الجميع، وقيل المراد بالصاعقة الموت، واستدل عليه بقوله الآتي

56

(ثم بعثناكم من بعد موتكم) ولا موجب للمصير إلى هذا التفسير لأن المصعوق قد يموت كما في هذه الآية وقد يغشى عليه ثم يفيق كما في قوله تعالى (وخر موسى صعقاً فلما أفاق) ومما يوجب بعد ذلك قوله. (وأنتم تنظرون) فإنها لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كثير معنى، بل قد يقال أنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم إلا أن يكون المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت، قيل أنهم نظروا أوائل الصاعقة النازلة بهم الواقعة عليهم لا آخرها الذي ماتوا عنده، والمعنى ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت وكيف يحيا، وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن به الله من رؤيته في الدنيا.

(ثم بعثناكم من بعد موتكم) المراد بذلك الإحياء لهم لوقوعه بعد الموت فبعثوا بعد الموت ليستوفوا آجالهم، قاله أنس، ولو أنهم قد ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله وقد تكون عن إغماء ونوم، ولهذا قيد البعث بالموت. وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة، وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا والآخرة، ووقوعها في الآخرة، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة وهي قطعيَّة الدلالة لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها دعوى مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب، وسيأتيك بيان ما تمسكوا به من الأدلة القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع، بعيد من موضع الحجة، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة، وقد استوعب الحافظ ابن القيم الكلام عليها في كتابه حادي الأرواح بما يشفي العليل ويروي الغليل فليرجع إليه (لعلكم تشكرون) إنعامنا ذلك أي بالبعث بعد الموت، قاله أبو السعود أو ما كفرتموه قاله البيضاوي (¬1). ¬

(¬1) ورد في صحيح مسلم إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى. - (1/ 181) عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ". وفي رواية " ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " يونس/26. - وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (مسلم/180).

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)

57

(وظللنا عليكم الغمام) أي جعلناه كالظلة، والغمام جمع غمامة قاله الأخفش، قال الفراء ويجوز غمائم قال ابن عباس غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه، وقال قتادة كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم من الشمس وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر، والتيه واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج. (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) يعني في التيه، قال قتادة أطعمهم ذلك حين برزوا إلى البرية، فكان المن يسقط عليهم في محلتهم طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سقوط الثلج أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة، ولا لطلبة شيء، وهذا كله في البرية. وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقالوا لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا) وسيأتي بسطه في سورة المائدة، وكان عدد الذين تاهوا ستمائة ألف وماتوا كلهم في التيه إلا من لم يبلغ العشرين، ومات فيه موسى وهارون، وكان موت موسى بعد هارون

بسنة، والمن قيل هو الترنجبين وعلى هذا أكثر المفسرين وهو طل ينزل من السماء على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلاً ويجف جفاف الصمغ، ذكر معناه في القاموس، وقيل المن العسل وقيل شراب حلو، وقيل خبز الرقاق، قاله وهب، وقيل هو مصدر يعم جميع ما مَنَّ الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، ومنه ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث سعيد بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الكمأة من المن الذي أنزل على موسى، وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي. ومن حديث جابر وأبى سعيد وابن عباس عند النسائي، وقد قالوا يا موسى قد قتلنا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فأرسل الله عليهم السلوى، قيل هو السماني كحباري طائر يذبحونه فيأكلونه يبعثهما عليهم الجنوب، قال ابن عطية السلوى طائر بإجماع المفسرين، قال القرطبي ما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير أنه العسل، وبه قال الجوهري: وقال ابن يحيى السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض، قال الأخفش السلوى لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته، وقال الخليل واحده سلواة، وقال الكسائي السلوى واحدة وجمعه سلاوى، وقيل هو السماني بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوماً وليلة فإذا كان يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت شيء. (كلوا) أي وقلنا لهم كلوا (من طيبات) أي حلالات أو مستلذات (ما رزقناكم) ولا تدخروا لغد، استدل به على أن الضيف لا يملك ما قدم له وأنه لا يتصرف إلا بإذن (وما ظلمونا) أي وما بخسوا حقنا (ولكن كانوا

أنفسهم يظلمون) بأخذهم أكثر مما حد لهم فاستحقوا بذلك عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في الدنيا، ولا حساب في العقبى، فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، وتقديم الأنفس يفيد الاختصاص، وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر.

58

(وإذْ قلنا ادخلوا هذه القرية) سميت قرية لاجتماع الناس فيها وقد يطلق عليهم مجازاً وقوله تعالى (واسأل القرية) يحتمل الوجهين مشتقة من قريت أي جمعت لجمعها لأهلها تقول قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف، قال جمهور المفسرين القرية هي بيت المقدس وبه قال مجاهد، وقال ابن عباس هي أريحاء قرية الجبارين، قال ابن الأثير قرية بالغور قريبة من بيت المقدس، وجزم القاضي وغيره بالأول، وقيل كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون لأنه هو الذي فتح اريحاء بعد موسى، لأن موسى مات في التيه، وعلى الأول القائل موسى عليه السلام، وقيل قرية من قرى الشام. (فكلوا منها حيث شئتم رغداً) أمر إباحة، ورغداً كثيراً واسعاً أي أكلاً رغداً (وادخلوا الباب) الذي أمرتم بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بباب حطة، وقيل هو باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو اسرائيل، ومن قال أن القرية اريحاء قال ادخلوا من أي باب كان من أبوابها وكان لها سبعة أبواب. (سجداً) أي منحنين كالراكعين أو خضعاً متواضعين، والسجود قيل هو هنا الانحناء وقيل التواضع والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود الحقيقي الذي هو وضع الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به لأنه لا يمكن الدخول حال السجود.

قال في الكشاف: إنهم أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً واعترضه أبو حيان في النهر الماد فقال لم يؤمروا بالسجود بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية والأوامر نسب اسنادية انتهى، ويجاب عنه بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال أخرج مسرعاً فهو أمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفاً للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسباً تقييدية فإن اتصافها بكونها قيوداً مأموراً بها هو شيء زائد على مجرد التقييد. (وقولوا حطة) قيل الحطة في الاصل اسم للهيئة من الحط كالجلسة والقعدة وقيل هي التوبة معناه الاستغفار، وقال ابن فارس في المجمل: حطة كلمة أمروا بها لو قالوها لحطت أوزارهم أي لا يدري معناها، قال الرازي في تفسيره أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها. وإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به انتهى، وكون التوبة لا تتم إلا بذلك، لا دليل عليه بل مجرد عقد القلب عليها يكفي سواء اطلع الناس على ذنبه أم لا، وربما كان التكتم بالتوبة على وجه لا يطلع عليها إلا الله عز وجل أحب إلى الله وأقرب إلى مغفرته وأما رفع ما عند الناس من اعتقادهم بقاءه على المعصية فذلك باب آخر. (نغفر لكم خطاياكم) أي نسترها عليكم من الغفر وهو الستر، لأن المغفرة تستر الذنوب، وخطايا جمع خطية (وسنزيد المحسنين) أي نزيدهم ثواباً أو إحساناً إلى إحسانهم المتقدم وهو اسم فاعل من أحسن. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الإحسان فقال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)

59

(فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) قيل أنهم قالوا حنطة وقيل قالوا بلسانهم حنطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء، استخفافاً منهم بأمر الله وقيل غير ذلك، والصواب أنهم قالوا حبة في شعيرة قالوا ذلك استهزاء أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية عن ابن عباس عن ابن جرير وابن المنذر: حنطة في شعيرة، والأول أرجح لكونه في الصحيحين، وبدلوا الفعل أيضاً حيث دخلوا يزحفون على أستاههم، قال الكيا الهراسي: فيه دليل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها وأنه يتعين اتباعها. وقال الرازي يحتج به فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال وأنه غير جائز تغييرها، وربما احتج به علينا المخالف في تجويز تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح وفي تجويز القراءة بالفارسية وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة وما جرى مجرى ذلك. (فأنزلنا على الذين ظلموا) هو من وضع الظاهر موضع المضمر لنكتة تقدر في كل محل بما يناسبه تعظيماً كقوله (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله) وتحقيراً كقوله (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان) أو إزالة لبس أو غير ذلك وهي مبسوطة في الإتقان للجلال السيوطي، وكما تقرر في علم البيان وهي هنا تعظيم الأمر عليهم ومبالغة في تقبيح فعلهم وشأنهم (رجزاً من

السماء) يعني عذاباً، والرجز العذاب، قيل أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً. وأخرج مسلم غيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة ابن ثابت قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها، ومن المعلوم أن الطاعون ضرب الجن للإنس فهو أرضي لا سماوي وإنما قيل فيه من السماء لأن القضاء به يقع فيها، قال الجلال السيوطي فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل انتهى، وهذا الوباء غير الذي حل بهم في التيه. (بما كانوا يفسقون) أي يعصون ويخرجون عن أمر الله تعالى، وفي الأعراف (يظلمون) تنبيهاً على أنهم جامعون بين هذين الوصفين.

60

(وإذ استسقى موسى لقومه) أي طلب السقيا لقومه، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل، والاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ومعناه في اللغة طلب السقيا، وفي الشرع ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفته من الصلاة والدعاء، وهذا تذكير لنعمة أخرى كفروها (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) وكانت العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً واسمها عليق وقيل نبغة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى، كذا قيل والله أعلم، والحجر يحتمل أن يكون معيناً فيكون اللام للعهد وهو الذي فر بثوبه فلما سألوه السقيا ضربه، ويحتمل أن لا يكون معيناً فتكون للجنس وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة. (فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً) يعني على عدد أسباط بني إسرائيل والمعنى فضربه فانفجرت والإنفجار الإنشقاق وانفجر الماء انفتح، قال المفسرون

انفجرت وانبجست بمعنى واحد وقيل انبجست عرقت، وانفجرت سالت، قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجراً مربعاً يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضرب موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت. (قد علم كل أناس مشربهم) المشرب موضع الشرب وقيل هو المشروب نفسه، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم، قيل كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب وكل عين تسيل في قناة إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف، وسعة العسكر اثنا عشر ميلا. (كلوا) أي قلنا لهم كلوا المن والسلوى (واشربوا) أي الماء المتفجر من الحجر (من رزق الله) فهذا كله من رزقه كان يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة ولا تعثوا في الأرض مفسدين عثى يعثي عثياً وعثا يعثو عثواً وعاث يعيث عيثاً لغات بمعنى أفسد، قال في الكشاف العثى أشد الفساد فقيل لهم لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه انتهى، وفي هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه السلام حيث انفجر من الحجر الصغير ما روى منه الجمع والكثير، ومعجزة نبينا- صلى الله عليه وسلم - أعظم منه لأنه انفجر الماء من بين أصبعيه فروى منه الجم الغفير لأن انفجار الماء من بين الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر (¬1). ¬

(¬1) ويؤيد هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه/4279. عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا منه قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم. وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء (والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثَمَّهْ) دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه قال قلت: كم كانوا يا أبا حمزة قال: قالوا زهاء الثلاثماية.

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

61

(وإذ قلتم) أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ قال أسلافكم، وهذا تذكير لجناية أخرى صدرت منهم وإسناد الفعل إلى فروعهم وتوجيه التوبيخ إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الأتحاد. (يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) هذا تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ونزوع ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش، ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقاً إلى ما كانوا فيه وبطراً لما صاروا إليه من المعيشة الرافهة بل هو باب من تعنتهم وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم وهجيرهم في غالب ما قص علينا من أخبارهم. وقال الحسن البصري أنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى مكرهم مكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا لن نصبر على طعام واحد أي نوع منه والمراد بالطعام الواحد هو المن والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاماً واحداً وقيل لتكررهما في كل يوم وعدم وجود غيرهما معهما ولا تبدلة بهما، والبقل كل نبات ليس له ساق والشجر ماله ساق. وقال في الكشاف البقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطائب

البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها انتهى وجمعه بقول، والقثاء معروف الواحد قثاءة وفيها لغتان كسر القاف وضمها والمشهور الكسر والفوم قيل هو الثوم وقد قرأه ابن مسعود بالثاء وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل الفوم الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين كما قال القرطبي، وقد رجح هذا ابن النحاس، قال الجوهري: وممن قال بهذا الزجاج والأخفش وقال بالأول الكسائي والنضر بن شميل، وقيل الفوم السنبلة وقيل الحمص وقيل الفوم كان حباً يخبز، والعدس والبصل معروفان، قيل إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة والأول أولى. (قال) يعني موسى عليه السلام لهم وقيل القائل هو الله والأول أولى (أتستبدلون الذي هو أدنى) أي أخس وأردأ، وهو الذي طلبوه والاستبدال وضع الشيء موضع الآخر، قال الزجاج أدق مأخوذ من الدنو أي القرب وقيل من الدناءة وقيل أصله أدون من الدون أي الرديء، والهمزة للإنكار مع التوبيخ، والمراد أتضعون هذه الاشياء التي هي دون موضع المن والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه، والحل الذي لا تطرقه الشبهة وعدم الكلفة بالسعي له والتعب في تحصيله (بالذي هو خير) أي أشرف وأفضل وهو ما هم فيه. (اهبطوا مصراً) أي انزلوا مصراً وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقاً قاله الشهاب، وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر، وقيل أن الأمر للتعجيز والإهانة لأنهم كانوا في التيه لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق، فهو مثل قوله تعالى (كونوا

حجارة أو حديداً) قال الخليل وسيبويه أراد مصراً من الأمصار ولم يرد المدينة المعروفة وهو خلاف الظاهر، بل يجوز صرفه مع حصول العلمية والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن الأوسط وبه قال الأخفش والكسائي، والمصر في الأصل الحد الفاصل بين الشيئين وقيل المصر البلدة العظيمة. (فإن لكم ما سألتم) يعني من نبات الأرض (وضربت عليهم) أي على فروعهم وأخلافهم (الذلة) أي الهوان وقيل الجزية وزي اليهودية وفيه بعد والأول أولى والمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان بسبب قتلهم عيسى في زعمهم، والذلة بالكسر الصغار والحقارة والذلة بالضم ضد العجز. (والمسكنة) أي الفقر والفاقة وسمى الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، ومعنى ضرب الذلة والمسكنة إلزامهم بذلك والقضاء به عليهم قضاء مستمراً لا يفارقهم ولا ينفصل عنهم مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب على من فيها، أو لازم لهم لزوم الدرهم المضرب لسكته. وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به وهو معلوم في جميع الأزمنة فإن اليهود أقمأهم الله أذل الفرق وأشدهم مسكنة وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع ولا خفقت على رؤسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ فهو متظاهر بالفقر مرتد بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجارىء على الله بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه، فلا ترى أحداً من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود كأنهم فقراء وإن كانوا أغنياء مياسير.

(وباءوا) رجعوا يقال باء بكذا أي رجع والمراد أنهم رجعوا (بغضب من الله) أو صاروا أحقاء بغضبه، وقال أبو عبيدة والزجاج احتملوه وقيل أقروا به وقيل استحقوه وقيل لازموه، وهو الأوجه يقال بوأته منزلاً فتبوأ أي ألزمته فلزمه (ذلك) أي ما تقدم من ضرب الذلة وما بعده. (بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق) أي بسبب كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل به ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال أنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، وممكن أن يقال أنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل لأن الأنبياء لم يعارضوهم في مال ولا جاه بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا وزكريا ويحيى فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، عن ابن مسعود قال كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار. (ذلك) تكرير الإشارة لقصد التأكيد وتعظيم الأمر عليهم وتهويله، ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده، وقيل يجوز أن يكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل فيكون ما بعدها سبباً للسبب قاله الزمخشري وهو بعيد جداً (بما عصوا) أمري (وكانوا يعتدون) الاعتداء تجاوز الحد في كل شيء أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

62

(إن الذين آمنوا) قيل أن المراد بهم المنافقون بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر، والأولى أن يقال أن المراد الذين صدقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً استحق ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دقه وجله. بالإيمان ههنا هو ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلماً مؤمناً ولم يبق يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً. (والذين هادوا) معناه صاروا يهوداً قيل هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة فقلبتها العرب دالا مهملة، وقيل معنى هادوا تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقيل أن معناه السكون والموادعة وقال في الكشاف معناه دخل في اليهودية. (والنصارى) قال سيبويه مفرده نصران ونصرانة كندمان وندمانة، ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب، فيقال رجل نصراني وامرأة نصرانية، وقال الخليل واحد النصارى نصري، وقال الجوهري ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة فعلى هذا فالياء للنسب، وقال في الكشاف أن الياء للمبالغة كالتي في أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح.

(والصابئين) جمع صابيء وقيل صاب، والصابيء في اللغة من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ، سموا هذه الفرقة صابئة لأنها خرجت من دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة وقيل عبدوا الكواكب، وقال البيضاوي إنهم قوم بين اليهود والمجوس انتهى، ثم جعل هذا اللقب علماً لطائفة من الكفار، وقيل هم يدعون أنهم على دين صابيء بن شيث بن آدم والأول أولى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه في الرد على المنطقيين إن حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم عليه السلام أو انتقل إليها من العراق على اختلاف القولين، وكان بها هيكل العلة هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس، وكذلك الزهرة وعطارد والقمر، وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتاباً وبعضهم لم يسلم. ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ عنهم ما أخذ من المتفلسفة، وكان ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج قد شرح كلام أرسطو في الإلهيات، وقد رأيته وبينت بعض ما فيه من الفساد، فإن فيه ضلالاً كثيراً، وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، ولهذا يوجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبلة إلى القطب الشمالي، وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء، فإن الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون، وصابئة مشركون، فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل، والصابئون الذين كانوا قبل

هؤلاء كالمتبعين لملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل، وهذا بخلاف المجوس والمشركين فإنه ليس فيهم مؤمن، فلهذا قال تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شي شهيد) فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة لم يذكر في الست من كان مؤمناً، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط، ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين، والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين. وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئاً ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم، ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه، وكذلك المشركون من الهند، وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هو أرسطو، انتهى المقصود منه. (من آمن بالله واليوم الآخر) في زمن نبينا (وعمل صالحاً) بشريعته (فلهم أجرهم) أي ثواب أعمالهم، والأجر في الاصل مصدر يقال أجره الله يأجره أجراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين. (عند ربهم) " عند " ظرف مكان لازم للإضافة لفظاً ومعنى أي لهم أجرهم ثابتاً عند ربهم. وقد تقدم تفسير قوله تعالى: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي في الآخرة حين يخاف الكفار من العذاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر، وتفويت الثواب.

63

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63) (وإذ أخذنا ميثاقكم) أي عهدكم يا معشر اليهود والمراد أنه أخذ سبحانه عليهم الميثاق أن يعملوا بما شرعه لهم في التوراة أو بما هو أعم من ذلك أو أخص (ورفعنا فوقكم الطور) يعني الجبل العظيم، والطور اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وأنزل عليه التوراة فيه، قال ابن عباس وكان بنو إسرائيل أسفل منه، وقيل هو اسم لكل جبل بالسريانية، وفي القاموس يطلق على أي جبل كان وصرح به السمين ويطلق أيضاً على جبال مخصوصة بأعيانها، وهذا الجبل رفع فوقهم كان من جبال فلسطين، وعن ابن عباس الطور ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور. وقد ذكر كثير من المفسرين أن موسى لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح قال لهم خذوها والتزموها فقالوا لا إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم خذوها والتزموها فقالوا لا فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم فجعل عليهم مثل الظلمة وأوتوا ببحر من خلفهم ونار من قبل وجوههم وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق أن لا تضيعوها وإلا سقط عليكم الجبل فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، قيل وسجدوا على أنصاف وجوههم اليسرى وجعلوا يلاحظون الجبل بأعينهم اليمنى وهم سجود، فصار ذلك سنة في سجود اليهود، قيل فكأنه حصل لهم بعد هذا القسر والإلجاء قبول وإذعان اختياري، وكان يكفي في الأمم السابقة مثل هذا الإيمان. قال ابن جرير عن بعض العلماء لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، قال ابن عطية والذي لا يصح سواه أن الله سبحانه اخترع وقت

سجودهم الإيمان لأنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة انتهى، وهذا تكلف ساقط حمله عليه المحافظة على ما قد ارتسم من قواعد مذهبية قد سكن قلبه إليها كغيره، وكل عاقل يعلم أنه لا سبب من أسباب الإكراه أقوى من هذا أو أشد منه، ونحن نقول أكرههم الله على الإيمان فآمنوا مكروهين ورفع عنهم العذاب بهذا الإيمان، وهو نظير ما ثبت في شرعنا من رفع السيف عمن تكلم بكلمة الإسلام والسيف مصلت قد هزه حامله على رأسه. وقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمن قتل من تكلم بكلمة الإسلام معتذراً عن قتله بأنه قالها تقية ولم يكن عن قصد صحيح " أأنت فتشت عن قلبه (¬1) " وقال " لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس " قال القفال إنه ليس إجباراً على الإسلام لأن الجبر ما سلب الاختيار بل كان إكراهاً وهو جائز ولا يسلب الاختيار كالمحاربة مع الكفار؛ فأما قوله (لا إكراه في الدين) وقوله (أفأنت تكره الناس) فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ؛ ذكره الشهاب. (خذوا ما آتيناكم) أي قلنا لهم خذوا ما أعطيناكم (بقوة) القوة الجد والاجتهاد (واذكروا ما فيه) أي ادرسوا ولا تنسوه؛ والمراد بذكر ما فيه أن يكون محفوظاً عندهم ليعملوا به (لعلكم تتقون) أي لكي تنجو من الهلاك في الدنيا والعذاب في العقبى أو رجاء منكم أن تكونوا متقين. ¬

(¬1) فقد روى مسلم في صحيحه/96 عن أسامة بن زيد بن حارثة يحدث قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة من جهينة، فَصَبَّحْنا القوم فهزمناهم ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً منهم فلما غشيناه قال لا إله إلا الله فكف عنه الأنصاري وطعنته برمحي حتى قتلته. قال: فلما قدمنا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله قال؛ قلت: يا رسول الله أنه كان متعوذاً (أي معتصماً) قال: فقتلته بعدما قال لا إله إلا الله. فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم.

ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (64) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (65) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (66)

64

(ثم توليتم) أصل التولي الإدبار عن الشيء والإعراض بالجسم ثم استعمل في الأعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً (من بعد ذلك) أي الميثاق أو رفع الطور أو إيتاء التوراة؛ والمراد هنا إعراضهم عن الميثاق المأخوذ عليهم من بعد البرهان لهم والترهيب بأشد ما يكون وأعظم ما تجوزه العقول. وتقدره الأفهام، وهو رفع الجبل فوق رؤوسهم كأنه ظلة عليهم. (فلولا) حرف امتناع لوجود تختص بالجمل الإسمية (فضل الله عليكم) بأن تدارككم بلطفه؛ والفضل الزيادة والخير والأفضال والإحسان قاله ابن فارس في المجمل (ورحمته) حتى أظهروا التوبة (لكنتم من الخاسرين) أي المغبونين بذهاب الدنيا والهالكين بالعذاب في العقبى: والخسران النقصان.

65

(ولقد علمتم) أي عرفتم فيتعدى لواحد فقط والفرق بينهما أن العلم يستدعي معرفة الذات وما هي عليه من الاحوال، والمعرفة تستدعي معرفة الذات أو الفرق أن المعرفة يسبقها جهل بخلاف العلم ولذلك لا يجوز إطلاقها عليه سبحانه. (الذين اعتدوا منكم) أي جاوزوا الحد (في السبت) يقال سبت اليهود لأنهم يعظمونه ويقطعون فيه أعمالهم، وأصل السبت في اللغة القطع لأن الأشياء تمت فيه وانقطع العمل، وقيل هو مأخوذ من السبوت وهو الراحة والدعة، وقال في الكشاف السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت انتهى، وفيه نظر، فإن هذا اللفظ موجود واشتقاقه مذكور في لسان العرب قبل

فعل اليهود ذلك. وقد ذكر جماعة من المفسرين أن اليهود افترقت فرقتين، ففرقة اعتدت في السبت أي جاوزت ما أمر الله به من العمل فيه فصادوا السمك الذي نهاهم الله عن صيده فيه، والفرقة الأخرى انقسمت إلى فرقتين: ففرقة جاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة لم توافق المعتدين ولا صادوا معهم لكنهم جالسوهم ولم يجاهروهم بالنهي، ولا اعتزلوا عنهم، فمسخهم الله جميعاً ولم ينج إلا الفرقة الأولى فقط. وهذه من جملة المحن التي امتحن الله بها هؤلاء الذين بالغوا في العجرفة وعاندوا أنبياءهم وما زالوا في كل موطن يظهرون من حماقاتهم وسخف عقولهم وتعنتهم نوعاً من أنواع التعسف، وشعبة من شعب التكلف، فإن الحيتان كانت في يوم السبت كما وصف الله سبحانه بقوله: (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم) فاحتالوا لصيدها وحفروا الحفائر وشقوا الجداول، فكانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصيدونها يوم الأحد، فلم ينتفعوا بهذه الحيلة الباطلة وكانت هذه القصة في زمن داود بأرض أيلة. (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) أمر تحويل وتسخير وتكوين وهو عبارة عن تعلق القدرة بنقلهم عن الحقيقة البشرية إلى حقيقة القردة أي كونوا مبعدين عن الرحمة مطرودين عن الشرف، وقيل فيه تقديم وتأخير معناه كونوا خاسئين قردة ولهذا لم يقل خاسئات، والخاسيء المبعد، ومنه قوله تعالى (ينقلب إليك البصر خاسئاً) أي مبعداً وقوله (اخسئوا فيها) أي تباعدوا تباعد سخط ويكون الخاسيء بمعنى الصاغر، والمراد هنا كونوا بين المصير إلى أشكال القردة مع كونهم مطرودين صاغرين، فقردة خبر الكون، وخاسئين خبر آخر، وقيل أنه صفة لقردة، والاول أظهر.

وعن ابن عباس قال مسخهم الله قردة بمعصيتهم ولم يعش مسيخ قط فوق ثلاثة أيام ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل، قال الحسن انقطع ذلك النسل، وقال مجاهد مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، إنما هو مثل ضربه الله لهم كقوله (مثل الحمار يحمل أسفاراً) وقال ابن عباس صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير (¬1). واختلف في مرجع الضمير في قوله ¬

(¬1) روى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: نودي الذين اعتدوا في السبت ثلاثة أصوات. نودوا: يا أهل القرية، فانتبهت طائفة أكثر من الأولى، ثم نودوا: يا أهل القرية، فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقال الله لهم: (كونوا قردة خاسئين) فجعل الذين نهوهم يدخلون عليهم فيقولون: يا فلان ألم ننهكم؟ فيقولون برؤوسهم: بلى. قال قتادة: فصار القوم قردة تعاوي، لها أذناب بعدما كانوا رجالاً ونساء. وفي رواية عن قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم. وقال غيره: كانوا نحواً من سبعين ألفاً وعلى هذا القول العلماء، غير ما روي عن مجاهد أنه قال: مسخت قلوبهم ولم تمسخ أبدانهم، وهو قول بعيد، قال ابن عباس: لم يحيوا على الأرض إلا ثلاثة أيام، ولم يحيا مسخ في الأرض فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب ولم ينسل. وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام، وماتوا في اليوم الثامن، وهذا كان في زمان داود عليه السلام.

66

(فجعلناها) فقيل المسخة والعقوبة وقيل الأمة، وقيل القرية، وقيل القردة، وقيل الحيتان، والأول أظهر (نكالا) أي عقوبة وعبرة، والنكال الزجر والعقاب، والنكل القيد لأنه يمنع صاحبه (لما بين يديها وما خلفها) أي عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم إلى يوم القيامة، وقيل من الذنوب التي عملوا قبل وبعد، قاله ابن عباس (وموعظة للمتقين) من قومهم أو لكل متق سمعها. الموعظة مأخوذ من الاتعاظ والإزجار والوعظ التخويف، وقال الخليل الوعظ التذكير بالخير.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

67

(وإذ قال موسى لقومه) توبيخ آخر لأخلاف بني إسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من أسلافهم، أي اذكروا وقت قول موسى لأصولكم وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله، وسألوه أن يدعو الله أن يبينه لهم فدعاه، والقتيل اسمه عاميل. (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) قيل إن قصة ذبح البقرة المذكورة هنا مقدم في التلاوة ومؤخر في المعنى على قوله تعالى (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها) ويجوز أن يكون قوله (إذ قتلتم) مقدماً في النزول ويكون الأمر بالذبح مؤخراً، قال الكرخي وإنما أخر أول القصة تقديماً لذكر مساويهم وتعديداً لها ليكون أبلغ في توبيخهم على القتل، ويجوز أن يكون ترتيب نزولها على حسب تلاوتها، فكأن الله أمرهم بذبح البقرة حتى ذبحوها ثم وقع ما وقع من أمر القتل فأمروا أن يضربوا ببعضها، هذا على فرض أن الواو تقتضي الترتيب، وقد تقرر في علم العربية أنها لمجرد الجمع من دون ترتيب ولا معية. والبقرة اسم للأنثى ويقال للذكر ثور، وقيل إنها تطلق عليهما وأصله من البقر وهو الشق لأنها تشق الأرض بالحرث، قال الأزهري البقر اسم جنس وجمعه باقر (قالوا اتتخذنا هزواً) أي نحن نسألك أمر القتيل وأنت تأمرنا بذبح بقرة، وإنما قالوا ذلك لبعد ما بين الأمرين في الظاهر ولم يعلموا ما وجه الحكمة فيه، والهزو هنا اللعب والسخرية، وإنما يفعل ذلك أهل الجهل لأنه نوع من العبث الذي لا يفعله العقلاء، ولهذا أجابهم موسى بالاستعاذة بالله

سبحانه من الجهل. (قال) يعني موسى (أعوذ بالله) أي أمتنع به (أن أكون من الجاهلين) أي بالجواب لا على وفق السؤال أو من المستهزئين بالمؤمنين، وهذا أبلغ من قولك أن أكون جاهلاً.

68

(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) أي ما سنها، وهذا السؤال عن صفة البقرة لا عن حقيقتها فإنها معروفة، وهذا نوع من أنواع تعنتهم المألوفة، فقد كانوا يسلكون هذه المسالك في غالب ما أمرهم الله به، ولو تركوا التعنت والأسئلة المتكلفة لأجزاهم ذبح بقرة من عرض البقر، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. (قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر) أي لا هي كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لم تلد ومعناه في اللغة الواسع، قال في الكشاف وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها انتهى، ويقال للشيء القديم فارض، والبكر الصغيرة الفتية التي لم تحمل ولم تلد، ويطلق في إناث البهائم وبني آدم على ما لم يفتحله الفحل، ويطلق أيضاً على الأول من الأولاد. (عوان بين ذلك) أي نصف بين سنين، والعوان المتوسطة بين سني الفارض والبكر وهي التي قد ولدت بطناً أو بطنين، ويقال هي التي ولدت مرة بعد مرة والجمع عون بالضم، والإشارة إلى الفارض والبكر وهما وإن كانتا مؤنثتين فقد أشير إليهما بما هو للمذكر على تأويل المذكور كأنه قال ذلك المذكور، وجاز دخول " بين " المقتضية لشيئين لأن المذكور متعدد. (فافعلوا ما تؤمرون) به أي من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال وهذا تجديد للأمر وتأكيد له وزجر لهم عن التعنت فلم ينفعهم ذلك ولا نجع فيهم، بل رجعوا إلى طينتهم، وعادوا إلى عكرهم واستمروا على عادتهم المألوفة.

69

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) و (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول أنها بقرة صفراء فاقع لونها) اللون واحد الألوان، وجمهور المفسرين على أنها كانت جميعها صفراء، قال بعضهم حتى قرنها وظلفها، وقال الحسن وسعيد بن جبير أنها كانت صفراء القرن والظلف فقط وهو خلاف الظاهر، والمراد بالصفرة هنا الصفرة المعروفة، وروي عن الحسن أن صفراء معناه سوداء، وهذا من بدع التفاسير ومنكراتها، وليت شعري كيف يصدق على اللون الأسود الذي هو أقبح الألوان أنه يسر الناظرين، وكيف يصح وصفه بالفقوع الذي يعرف كل من يعرف لغة العرب أنه لا يجري على الأسود بوجه من الوجوه، فإنهم يقولون في وصف الأسود حالك وحلكوك ودجوجي وغربيب، قال الكسائي يقال فقع لونها إذا خلصت صفرته، وقال في الكشاف الفقوع أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه، ومعنى (تسر الناظرين) تدخل عليهم السرور إذا نظروا إليها إعجاباً بها واستحساناً للونها، قال وهب كانت كأن شعاع الشمس يخرج من جلدها يعجبهم حسنها وصفاء لونها (¬1). ¬

(¬1) وروى السدي عن أشياخه أن رجلاً من بني إسرائيل كانت له بنت وابن أخ فقير، فخطب إليه ابنته، فأبى، فغضب وقال: والله لأقتلن عمي، ولآخذن ماله ولأنكحن ابنته، ولأكُلَنَّ ديته، فأتاه فقال: قد قدم تجار في بعض أسباط بني إسرائيل، فانطلق معي فخذ لي من تجارتهم لعلي أصيب فيها ربحاً، فخرج معه، فلما بلغا ذلك السبط، قتله الفتى، ثم رجع، فلما أصبح، جاء كأنه يطلب عمه لا يدري أين هو، فإذا بذلك السبط قد اجتمعوا عليه، فأمسكهم وقال: قتلتم عمي وجعل يبكي وينادي: واعماه. قال أبو العالية: والذي سأل موسى أن يسأل الله البيان: القاتل. وقال غيره: بل القوم اجتمعوا فسألوا موسى، فلما أمرهم بذبح بقرة، قالوا: أتتخذنا هزواً.

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)

70

(قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي) أي سائمة أو عاملة وعلى هذا فليس هذا السؤال تكريراً للسؤال الأول كما ادعاه بعضهم، قاله الخطيب (إن البقر تشابه علينا) أي التبس واشتبه أمرها علينا أي أن جنس البقر متشابه عليهم لكثرة ما يتصف منها بالعوان الصفراء الفاقعة (وإنا إن شاء الله لمهتدون) وعدوا من أنفسهم بالإهتداء إلى ما دلهم عليه والامتثال لما أمروا به، قيل لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الدهر.

71

(قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول) أي ليست مذللة والذلول التي يذللها العمل (تثير الأرض) أي تقلبها للزراعة (ولا تسقي الحرث) أي ليست بسانية يعني من النواضح التي يسنى عليها ويسقى الزرع، وحرف النفي الآخر توكيد للأول أي هذه بقرة غير مذللة بالحرث ولا بالنضح، ولهذا قال الحسن كانت البقرة وحشية، وقال قوم إن قوله تثير فعل مستأنف والمعنى إيجاب الحرث لها والنضح بها والأول أرجح لأنها لو كانت مثيرة ساقية لكانت مذللة ريضة وقد نفى الله ذلك عنها. (مُسلَّمة) أي بريئة من العيوب، والمسلمة هي التي لا عيب فيها وقيل مسلمة من العمل وهو ضعيف لأن الله سبحانه قد نفى ذلك عنها، والتأسيس خير من التأكيد، والإفادة أولى من الإعادة (لاشية فيها) أي لا لون فيها غير لونها، والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين، وثور موشى: في وجهه وقوائمه سواد ويقال ثور أشيه وفرس أبلق وكبش أخرج

وتيس أبرق وغراب أبقع، كل ذلك بمعنى أبلق والمراد أن هذه البقرة خالصة الصفرة ليس في جسمها لمعة من لون آخر، فلما سمعوا هذه الأوصاف التي لا يبقى بعدها ريب ولا يخالج سامعها شك، ولا تحتمل الشركة بوجه من الوجوه أقصروا من غوايتهم وانتبهوا من رقدتهم، وغرقوا بمقدار ما أوقعهم فيه تعنتهم من التضييق عليهم. (قالوا الآن جئت بالحق) أي أوضحت لنا الوصف وبينت لنا الحقيقة التي يجب الوقوف عندها، فحصلوا تلك البقرة الموصوفة بتلك الصفات، قيل " أل " في الآن للتعريف الحضوري وقيل زائدة لازمة (فذبحوها) وامتثلوا الأمر الذي كان يسيراً فعسروه وكان واسعاً فضيقوه. (وما كادوا يفعلون) ما أمروا به لما وقع منهم من التثبط والتعنت وعدم المبادرة فكان ذلك مظنة للاستبعاد محلاً للمجيء بعبارة مشعرة بالتثبط والتعنت الكائن منهم، وقيل أنهم كادوا يفعلون لعدم وجدان البقرة المتصفة بهذه الأوصاف، وقيل لارتفاع ثمنها، وقيل لخوف انكشاف أمر المقتول والأول أرجح. وقد استدل جماعة من المفسرين والأصوليين بهذه الآية على جواز النسخ قبل إمكان الفعل، وليس ذلك عندي بصحيح لوجهين: (الأول) أن هذه الأوصاف، المزيدة بسبب تكرار السؤال هي من باب التقييد للمأمور به لا من باب النسخ، وبين البابين بون يعيد كما هو مقرر في علم الأصول. (الثاني) أما لو سلمنا أن هذا من باب النسخ لا من باب التقييد لم يكن فيه دليل على ما قالوه فإنه قد كان يمكنهم بعد الأمر الأول أن يعمدوا إلا بقرة من عرض البقر فيذبحوها ثم كذلك بعد الوصف بكونها جامعة بين الوصف بالعوان والصفرة، ولا دليل يدل على أن هذه المحاوره بينهم وبين موسى عليه السلام واقعة في لحظة واحدة، بل الظاهر أن هذه الأسئلة المتعنتة كانوا يتواطؤون عليها ويديرون

الرأي بينهم في أمرها ثم يوردونها، وأقل الاحوال الاحتمال القادح في الاستدلال. وعن عبيدة السلماني قال كان رجل من بني إسرائيل عقيماً لا يولد له وكان له مال كثير وكان ابن اخيه وارثه فقتله ثم احتمله ليلاً فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم إلى بعض، فقال ذو الرأي منهم علام يقتل بعضكم بعضاً، وهذا رسول الله فيكم، فأتوا موسى فذكروا ذلك له فقال (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) الآية قال فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها فوجدوها عند رجل ليس له بقرة غيرها فقال والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهباً، فأخذوها بملء جلدها ذهباً فذبحوها فضربوه ببعضها فقام، فقالوا من قتلك، فقال هذا لإبن أخيه، ثم مال ميتاً فلم يعط من ماله شيئاً ولم يورث قاتل بعده. وعن ابن عباس أن القتيل وجد بين قريتين وأن البقرة كانت لرجل كان يبر أباه فاشتروها بوزنها ذهباً، وقد روي في هذا قصص مختلفة لا يتعلق بها كثير فائدة. وفي القصة أحكام منها الاستدلال بقوله (إن الله يأمركم) على أن الآمر لا يدخل في عموم الأمر فإن موسى لم يدخل في الأمر بدليل قوله (فذبحوها) ومنها الاستدلال على أن السنة في البقرة الذبح، ومنها الاستدلال على جواز ورود الأمر مجملاً وتأخير بيانه، ومنها دلالة قوله لا فارض ولا بكر وقوله مسلمة على جواز الأجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام لأن ذلك لا يعلم إلا بالإجتهاد، ومنها أن المستهزيء يستحق سمة الجهل، ومنها دلالة قوله (إن شاء الله) على الاستثناء في الأمور، ومنها دليل أهل السنة في أن الأمر لا يستلزم المشيئة، ومنها الدلالة على حصر الحيوان بالوصف وجواز السلم فيه، ومنها دلالة قوله (فافعلوا ما تؤمرون) على أن الأمر على الفور ويدل على ذلك أنه استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمرهم به وقال فذبحوها وما كادوا يفعلون.

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (72) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

72

(وإذ قتلتم نفساً) أي واذكروا يا بني إسرائيل وقت قتل هذه النفس وما وقع فيه من القصة والخطاب لليهود المعاصرين للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وإسناد القتل والتدارىء إليهم، لأن ما يصدر عن الأسلاف ينسب للأخلاف توبيخاً وتقريعاً. قال الرازي في تفسيره اعلم أن وقوع القتل لابد أن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح، فأما الإخبار عن وقوع القتل وعن أنه لابد أن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأولى في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يقدم ذكر السبب على الحكم، وأخرى على العكس من ذلك، فكأنهم لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم الله بذبح البقرة فلما ذبحوها قال (وإذ قتلتم نفساً) من قبل، ونسب القتل إليهم لكون القاتل منهم انتهى، والقتيل اسمه عاميل ذكره الكرماني وقيل نكار حكاه الماوردي وقاتله ابن أخيه وقيل أخوه. (فادارأتم فيها) اختلفتم وتنازعتم لأن المتنازعين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه (والله مخرج ما كنتم تكتمون) أي ما كتمتم بينكم من أمر القتل فالله مظهره لعباده ومبينه لهم، وعن المسيب بن رافع قال ما عمل رجل حسنة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله وما عمل رجل سيئة في سبعة أبيات إلا أظهرها الله، وتصديق ذلك في كتاب الله. (والله مخرج ما كنتم تكتمون) وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة صماء لا

باب لها ولا كوة خرج عمله إلى الناس كائناً ما كان. وأخرج البيهقي من حديث عثمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كانت له سريرة صالحة أو سيئة أظهر الله عليه منها رداء يعرف به، والموقوف أصح، ولجماعة من الصحابة والتابعين كلمات تفيد هذا المعنى.

73

(فقلنا اضربوه ببعضها) يعني القتيل، واختلف في تعيين البعض الذي أمروا بأن يضربوا به القتيل فقيل بلسانها وقيل بعجب الذنب وقيل بفخذها اليمين، وقال ابن عباس بالعظم الذي يلي الغضروف، وهو أصل الاذن، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها فأي بعض ضربوا به فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا فهو من فضول العلم إذا لم يرد به برهان، وليس في الكتاب العزيز والسنة المطهرة ما يدل على ذلك البعض ما هو، وذلك يقتضي التخيير. (كذلك يحيى الله الموتى) أي كمثل هذا الإحياء يوم القيامة، فلا فرق بينهما في الجواز والإمكان، والغرض من هذا الرد عليهم في إنكار البعث، وهذا يقتضي أن يكون الخطاب مع العرب لا مع اليهود لأنهم يقرون بالبعث والجزاء، وعلى هذا الجملة اعتراض في خلال الكلام المسوق في شأن اليهود (ويريكم آياته) أي علاماته ودلائله الدالة على كمال قدرته، وهذا يحتمل أن يكون خطاباً لمن حضر القصة ويحتمل أن يكون خطاباً للموجودين عند نزول القرآن، والرؤية هنا بصرية (لعلكم تعقلون) أي تمنعون أنفسكم من المعاصي. وقد أخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن وهب بن منبه قصة طويلة في ذكر البقرة وصاحبها لا حاجة إلى التطويل بذكرها وقد استوفاها السيوطي في الدر المنثور.

74

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) (ثم) موضوعة للتراخي في الزمان ولا تراخي هنا فهي محمولة على الإستبعاد مجازاً (قست قلوبكم) أي يبست وجفت وقيل غلظت واسودت وصلبت، وقساوة القلب انتزاع الرحمة منه والقسوة الصلابة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله مع وجود ما يقتضي خلاف هذه القسوة من إحياء القتيل وتكلمه وتعيينه لقاتله، وفيه استعارة تبعية تمثيلية تشبيهاً لحال القلوب في عدم الاعتبار والإتعاظ بالقسوة. والإشارة بقوله (من بعد ذلك) إلى ما تقدم من الأيات الموجبة للين القلب ورقته التي جاء بها موسى أو إحياء القتيل بعد ضربه ببعض البقرة، وهذا مؤكد للاستبعاد المذكور أشد تأكيد (فهي) أي القلوب في الغلظة والشدة (كالحجارة) أي كالشيء الصلب الذي لا تخلخل فيه. قيل (أو) في قوله (أو أشد قسوة) بمعنى الواو كما في قوله تعالى (آثماً أو كفوراً) وقيل هي بمعنى بل واختاره أبو حيان، وعلى أن " أو " على أصلها أو بمعنى الواو فالعطف على قوله كالحجارة أي هذه القلوب هي كالحجارة أو هي أشد قسوة منها فشبهوها بأي الأمرين شئتم فإنكم مصيبون في هذا التشبيه، وقد أجاب الرازي في تفسيره عن وقوع أو ههنا مع كونها للترديد الذي لا يليق بعلام الغيوب بثمانية أوجه. (وإن من الحجارة) قال في الكشاف إنه بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة وتقرير لقوله أو أشد قسوة انتهى، وفيه أن مجيء البيان بالواو غير معروف ولا مألوف والأولى جعل ما بعد الواو تذييلاً أو حالاً (لما

يتفجر منه الأنهار) قيل أراد به جميع الحجارة وقيل أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى ليسقي الأسباط، والتفجر التفتح بالسعة والكثرة (وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء) يعني العيون الصغار التي هي دون الأنهار، التفجر التفتح والشق واحد الشقوق وهو يكون بالطول أو بالعرض بخلاف الانفجار فهو الإنفتاح من موضع واحد مع اتساع الخرق، والمراد أن الماء يخرج من الحجارة من مواضع الانفجار والانشقاق. (¬1) (وإن منها لما يهبط من خشية الله) أي أن من الحجارة لما ينحط من المكان الذي هو فيه إلى أسفل منه من الخشية التي تداخله وتحل به، وقيل أن الهبوط مجاز عن الخشوع منها والتواضع الكائن فيها انقياداً لله عز وجل، فهو مثل قوله تعالى (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله) واختاره ابن عطية، وقد حكى ابن جرير عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة كما استعيرت الإرادة للجدار، وذكر الجاحظ أن الضمير في قوله (وإن منها) راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة وهو فاسد فإن الغرض من سياق هذا الكلام هو التصريح بأن قلوب هؤلاء بلغت في القسوة وفرط اليبس الموجبين لعدم قبول الحق والتأثر للمواعظ إلى مكان لا تبلغ إليه الحجارة التي هي أشد الأجسام صلابة وأعظمها صلادة، فإنها ترجع إلى نوع من اللين وهو تفجرها بالماء وتشققها عنه، وقبولها لما توجبه الخشية لله من الخشوع والانقياد بخلاف تلك القلوب. وفي قوله (وما الله بغافل عما تعملون) من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله عز وجل إذا كان عالماً بما يعملونه مطلعاً عليه، غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. ¬

(¬1) قال مجاهد: كل حجر ينفجر منه الماء، ينشق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل فهو من خشية الله. زاد السير 1/ 112.

75

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) (أفتطمعون) الهمزة للاستفهام وتدخل على ثلاثة من حروف العطف الفاء كما هنا والواو كقوله الآتي (أو لا يعلمون) وثم كقوله (أثم إذا ما وقع) واختلف في مثل هذه التراكيب فذهب الجمهور إلى أن الهمزة مقدمة من تأخير لأن لها الصدر، والتقدير فأتطمعون وألا يعلمون وثم أإذا. وذهب الزمخشري إلى أنها داخلة على محذوف دل عليه سياق الكلام والتقدير هنا أتسمعون إخبارهم وتعلمون أحوالهم فتطمعون (أن يؤمنوا لكم) مع أنهم لم يؤمنوا بموسى، هذا الاستفهام فيه معنى الإنكار كأنه أيسها من إيمان هذه الفرقة من اليهود، والخطاب لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أوله - صلى الله عليه وسلم - والجمع للتعظيم (وقد كان فريق منهم) قيل المراد بالفريق هم الذين كانوا مع موسى عليه السلام يوم الميقات والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه. (يسمعون كلام الله) أي التوراة وقيل إنهم سمعوا خطاب الله لموسى عليه السلام حين كلمه، وعلى هذا فيكون الفريق هم السبعون الذين اختارهم موسى (ثم يحرفونه) أي يغيرونه ويبدلونه والتحريف الإمالة والتحويل، وثم للتراخي إما في الزمان أو في الرتبة، والمراد من التحريف أنهم عمدوا إلى ما سمعوه من التوراة فجعلوا حلاله حراماً أو نحو ذلك مما فيه موافقة لأهوائهم كتحريفهم صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإسقاط الحدود عن أشرافهم، أو سمعوا كلام الله لموسى عليه السلام فزادوا فيه ونقصوا، وهذا إخبار عن إصرارهم على الكفر وإنكار على من طمع في إيمانهم وحالهم هذه الحال، أي ولهم سلف حرفوا كلام الله وغيروا شرائعه وهم مقتدون بهم متبعون سبيلهم (من بعدما عقلوه) أي علموا صحة كلام الله ومراده فيه (وهم يعلمون) أي ذلك الذي فعلوه هو تحريف مخالف لما أمرهم الله به من تبليغ شرائعه كما هي، فهم وقعوا

في المعصية عالمين بها وذلك أشد لعقوبتهم وأبين لضلالتهم. واعلم أن التوراة والإنجيل اللذين عند اليهود والنصارى الآن اختلف فيهما هل هما مبدلان ومحرفان لفظاً أو تأويلاً، فأما التوراة فأفرط فيها قوم وقالوا كلها أو جلها مبدل، وذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين إلى أن ذلك إنما وقع في التأويل فقط كما صرح به البخاري، واختاره الفخر الرازي وغيره لقوله تعالى (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) وهو أمر للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالاحتجاج بها، والمبدل لا يحتج به ولما اختلفوا في الرجم لم يمكنهم تغيير آيته منها، وتوسطت طائفة وهو الحق فقالوا بدل بعض منهما وحرف لفظه، وأول بعض منهما بغير المراد منه، وأنه لم يعط منها موسى لبني اسرائيل غير سورة واحدة وجعل ما عداها عند أولاد هارون، فلم تزل عندهم حتى قتلوا عن آخرهم في وقعة بختنصر، وبعد ذلك جمع عزير بعضاً منها ممن حفظها فهو الذي عندهم اليوم، وليس أصلها، وفيه زيادة ونقص وخلاف وترجمة وتأويل. (¬1) وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد. ¬

(¬1) وقد ذكر ابن الجوزي عند تفسيره لهذه الآية: وفي المخاطبين بهذه الآية ثلاثة أقوال: أنه النبي صلى الله عليه وسلم خاصة قاله ابن عباس ومقاتل. أَنهم المؤمنون تقديره أفتطمعون أن تصدقوا نبيكم. إنهم الإنسان. فإنهم لما أسلموا أحبوا إسلام اليهود للرضاعة التي كانت بينهم.

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)

76

(وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا) نزلت في اليهود، قال ابن عباس أن منافقي اليهود كانوا إذا لقوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا لهم آمنا بالذي آمنتم به وأن صاحبكم صادق وقوله حق، وأنا نجد نعته وصفته في كتابنا (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) يعني كعب بن الأشرف وكعب بن أسد ووهب ابن يهودا رؤساء اليهود لاموا منافقي اليهود على ذلك، وعن عكرمة أنها نزلت في ابن صوريا. (قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) وذلك أن ناساً من اليهود أسلموا ثم نافقوا فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذب به آباؤهم، وقيل أن المراد ما فتح الله عليهم في التوراة في صفة محمد- صلى الله عليه وسلم -، والفتح عند العرب القضاء والحكم والفتاح القاضي بلغة اليمن، والفتح النصر، ومن ذلك قوله تعالى (يستفتحون على الذين كفروا) وقوله (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) ومن الأول (ثم يفتح بيننا بالحق وهو خير الفاتحين) أي الحاكمين ويكون الفتح بمعنى الفرق بين الشيئين وقيل معناه الإنزال، وقيل الإعلام أو التبيين أو المنّ أي ما منّ به عليكم من نصركم على عدوكم. (ليحاجوكم به) أي ليخاصمكم أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم - ويحتجوا عليكم بقولكم فيقولون لكم قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ألا تتبعونه (عند ربكم) في الدنيا والآخرة وقيل عند بمعنى في، وقيل عند ذكر ربكم والأول أولى، والمحاجة إبراز الحجة أي لا تخبروهم بما حكم عليكم الله به من العذاب

فيكون ذلك حجة لهم عليكم فيقولون نحن أكرم على الله منكم وأحق بالخير منه، والحجة الكلام المستقيم، وحاججت فلاناً فحججته أي غلبته بالحجة (أفلا تعقلون) ما فيه الضرر عليكم من هذا التحديث الواقع منكم لهم، وهذا من تمام مقولهم. ثم وبخهم الله سبحانه فقال

77

(أو لا يعلمون) أي اليهود (أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) ما يخفون وما يبدون ويظهرون من جميع أنواع الأسرار، وأنواع الإعلان، ومن ذلك إسرارهم الكفر وإعلانهم الإيمان وتحريف الكلم عن مواضعه، قال ابن عباس هذه الآيات في المنافقين من اليهود، وقال أبو العالية ما يسرون من كفرهم بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وتكذيبهم، وما يعلنون حين قالوا للمؤمنين آمنا، وقد قال بمثل هذا جماعة من السلف.

78

(ومنهم أميون) أي ومن اليهود، والأمي منسوب إلى الأمة الأميّة التي هي على أصل ولادتها من أمهاتها لم تتعلم الكتابة ولا تحسن القراءة للمكتوب، ومنه حديث إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، وقال أبو عبيدة إنما قيل لهم أميون لنزول الكتاب عليهم كأنهم نسبوا إلى أم الكتاب فكأنه قال ومنهم أهل كتاب، وقيل هم نصارى العرب وقيل هم قوم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم لذنوب ارتكبوها، وقيل هم المجوس حكاه المهدوي وقيل غير ذلك والراجح الأول، وقيل أميون أي عوام ومن هذا شأنه لا يطمع في إيمانه. (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) أي أنهم لا علم لهم به إلا ما هم عليه من الأماني التي يتمنونها ويعللون بها أنفسهم، والأماني جمع أمنية وهي ما يتمناه الإنسان لنفسه، فهؤلاء لا علم لهم بالكتاب الذي هو التوراة لما هم عليه من كونهم لا يكتبون ولا يقرؤون المكتوب، والاستثناء منقطع أي لكن الأماني ثابتة لهم من كونهم مغفوراً لهم بما يدعونه لأنفسهم من الأعمال الصالحة أو بما لهم من السلف الصالح في اعتقادهم، وقيل الأماني الأكاذيب المختلفة، قاله ابن عباس أي ولكن يعتقدون أكاذيب اخذوها تقليداً من المحرفين أو مواعيد فارغة

سمعوها منهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هوداً، وقيل الأماني التلاوة، ومنه قوله تعالى (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) أي إذا تلى ألقى الشيطان في تلاوته أي لا علم لهم إلا مجرد التلاوة من دون تفهم وتدبر، وقراءة عارية عن معرفة المعنى، وقيل الأماني التقدير، قال الجوهري يقال مني له أي قدر، قال في الكشاف والاشتقاق من منى إذا قدر لأن المتمني يقدر في نفسه ويحرز ما يتمناه، وكذلك المختلق والقاريء يقدران كلمة كذا بعد كذا انتهى، وقيل هو من التمني وهو قولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة) وغير ذلك مما تمنوه، والمعنى لكن يتمنون أشياء لا تحصل لهم (¬1). (وإن هم إلا يظنون) أي ليسوا على يقين، والظن هو التردد الراجح بين طرفي الاعتقاد غير الجازم كذا في القاموس، أي ما هم إلا يترددون بغير جزم ولا يقين: وقيل الظن هنا بمعنى الكذب وقيل هو مجرد الحدس. لما ذكر الله سبحانه أهل العلم بأنهم غير عاملين بل يحرفون كلام الله من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، ذكر أهل الجهل منهم بأنهم يتكلون على الأماني ويعتمدون على الظن الذي لا يقفون من تقليدهم على غيره ولا يظفرون بسواه. ¬

(¬1) ويؤيد هذا ما رواه مقاتل: كان المسلم يلقى حليفه أو أخاه من الرضاعة من اليهود. فيسأله: أتجدون محمداً في كتابكم. فيقولون: نعم إنه لح. فسمع كعب بن الأشرف وغيره. فقال لليهود في السر: أتحدثون أصحاب محمد بما فتح الله عليكم من أمر محمد ليخاصموكم به عند ربكم باعترافكم أنه نبي، أفلا تعقلون أنه حجة عليكم.

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80)

79

(فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) الويل الهلاك قال الفراء الأصل في الويل وي أي حزن كما تقول وي لفلان أي حزن له فوصلته العرب باللام، وقال الخليل ولم يسمع على بنائه إلا ويح وويس وويه وويك وويب، وكله متقارب في المعنى، وقد فرق بينها قوم وهي مصادر لم تنطق العرب بأفعالها وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأن فيه معنى الدعاء، وقال ابن عباس الويل شدة العذاب، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الويل واد في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفاً قبل أن يبلغ قعره أخرجه الترمذي، وقال حديث غريب، والخريف السنة، والكتابة معروفة والمعنى أنهم يكتبون الكتاب المحرف ولا يبينون ولا ينكرونه على فاعله أو ما يكتبونه من التأويلات الزائفة، وقوله (بأيديهم) تأكيد لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله (ولا طائر يطير بجناحيه) وقوله (يقولون بأفواههم) قال ابن السراج هو كناية عن أنه من تلقائهم دون أن ينزل عليهم، وفيه أنه قد دل على أنه من تلقائهم قوله (ويكتبون الكتاب) فإسناد الكتابة إليهم يفيد ذلك. (ثم يقولون هذا) أي جميعاً على الأول وبخصوصه على الثاني وثم للتراخي الرتبي فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحاً أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل (من عند الله ليشتروا به) أي بما كتبوا (ثمناً قليلاً) أي المآكل والرشاء، والاشتراء الاستبدال ووصفه بالقلة لكونه فانياً لا ثواب فيه أو لكونه حراماً لا تحل به البركة فهؤلاء الكتبة لم يكتفوا

بالتحريف، ولا بالكتابة لذلك المحرف حتى نادوا في المحافل بأنه من عند الله لينالوا بهذه المعاصي المتكررة هذا العرض المزر، والعوض الحقير، واستدل به النخعي على كراهة كتابة المصحف بالأجرة. (فويل لهم مما كتبت أيديهم) تأكيد لقوله (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم) ومع ذلك فيه نوع مغايرة لأن هذا وقع تعليلاً فهو مقصود وذلك وقع صلة فهو غير مقصود، والكلام في هذا كالذي فيما قبله من جهة أن التكرير للتأكيد (وويل لهم مما يكسبون) قيل من الرشاء ونحوها وقيل من المعاصي، وكرر الويل تغليظاً عليهم وتعظيماً لفعلهم وهتكاً لأستارهم. وقال السعد التفتازاني إنما كرر ليفيد أن الهلاك مرتب على كل واحد من الفعلين على حدة لا على مجموع الأمرين، والكسب مسبب فجاء النظم على هذا الترتيب. وقد ذكر صاحب الدر المنثور آثاراً عن جماعة من السلف أنهم كرهوا بيع المصاحف مستدلين بهذه الآية، ولا دلالة فيها على ذلك، ثم ذكر آثاراً عن جماعة منهم أنهم جوزوا ذلك ولم يكرهوه.

80

(وقالوا) أي اليهود (لن تمسنا) أي تصيبنا (النار إلا أياماً معدودة) استثناء مفرغ أي قدراً مقدراً يحصرها العد، ويلزمها في العادة القلة ثم يرفع عنا العذاب، وقد اختلف في سبب نزول هذه الآية، قال ابن عباس إن اليهود كانوا يقولون مدة الدنيا سبعة آلاف سنة، وإنما نعذب بكل ألف سنة من أيام الدنيا يوماً واحداً في النار، وإنما هي سبعة أيام معدودة ثم ينقطع العذاب، فأنزل الله في ذلك هذه الآية. وعن عكرمة قال اجتمعت يهود يوماً فخاصموا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا لن تمسنا النار إلا أربعين يوماً ثم يخلفنا فيها ناس، وأشاروا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد يديه على رأسه كذبتم بل أنتم خالدون مخلدون فيها لا نخلفكم

فيها إن شاء الله أبداً ففيهم نزلت هذه الآية، وأخرج أحمد والبخاري والدارمي والنسائي من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل اليهود في خيبر من أهل النار؟ قالوا نكون فيها يسيراً ثم تخلفونا فيها فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " اخسئوا والله لا نخلفكم فيها أبدا " (¬1). والمراد بقوله (قل أتخذتم عند الله عهداً) الإنكار عليهم لما صدر منهم من هذه الدعوى الباطلة أنها لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة أي لم يتقدم لكم مع الله عهد بهذا ولا أسلفتم من الأعمال الصالحة ما يصدق هذه الدعوى حتى يتعين الوفاء بذلك وعدم إخلاف العهد أي إن اتخذتم عهداً (فلن يخلف الله عهده) هذا جواب الاستفهام المتقدم في قوله (أتخذتم) وقال ابن عطية هذا اعتراض بين أثناء الكلام قال الرازي العهد في هذا الوضع يجري مجرى الوعد، وإنما سمى خبره سبحانه عهداً لأن خبره أوكد من العهود المؤكدة (أم تقولون) أم متصلة وحينئذ الاستفهام للتقرير المؤدي إلى التبكيت أو منقطعة والاستفهام لإنكار الاتخاذ ونفيه (على الله ما لا تعلمون). ¬

(¬1) يقول ابن الجوزي لماذا قدروها بأربعين فيه ثلاثة أقوال: أنهم قالوا بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم ثم ينقضي العذاب وتهلك النار .. قاله ابن عباس. أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة ثم يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إلا أربعين يوماً تحلة القسم وهذا قول الحسن وأبي العالية. أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل قاله مقاتل.

81

بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) (بلى) إثبات لما بعد حرف النفي مختص به خبراً واستفهاماً أي بك تمسكم النار أبداً لا على الوجه الذي ذكرتم من كونه أياماً معدودة (من كسب سيئة) المراد بها الجنس هنا ومثله قوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها ومن يعمل سوءاً يجز به) ثم أوضح سبحانه أن مجرد كسب السيئة لا يوجب الخلود في النار بل لا بد أن يكون سببه محيطاً به فقال (وأحاطت به خطيئته) أي أحدقت به من جميع جوانبه فلا تبقى له حسنة وسدت عليه مسالك النجاة، قيل هي الشرك قاله ابن عباس ومجاهد، وقيل هي الكبيرة، وتفسيرها بالشرك أولى لما ثبت في السنة تواتراً من خروج عُصاة الموحدين من النار، ويؤيد ذلك كونها نازلة في اليهود، وإن كان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعليه إجماع المفسرين، وبهذا يبطل تشبث المعتزلة والخوارج، قال الحسن كل ما وعد الله عليه النار فهو الخطيئة استدل به على أن المعلق على شرطين لا ينجز بأحدهما (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) والخلود في النار هو للكفار والمشركين فيتعين تفسير السيئة والخطيئة في هذه الآية بالكفر والشرك. (¬1) ¬

(¬1) روى مسلم في صحيحه/193. عن أنس بن مالك: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة. ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة. وفي رواية: إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار رجل يخرج منها زحفاً فيقال له انطلق فادخل الجنة قال فيذهب فيدخل الجنة ...

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)

82

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فإن قلت لو دل الإيمان على العمل لكان ذكر العمل الصالح بعد الإيمان تكراراً، قلت آمنوا يفيد الماضي وعملوا يفيد المستقبل، فكأنه قال آمنوا ثم داموا عليه آخراً، ويدخل فيه جميع الأعمال الصالحة (أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون) لا يخرجون منها ولا يموتون، وأتى بالفاء في الشق الأول دون الثاني إيذاناً بتسبب الخلود في النار على الشرك وعدم تسبب الخلود في الجنة عن الإيمان، بل هو بمحض فضل الله تعالى.

83

(وإذْ أخذنا) الخطاب مع بني إسرائيل وهم اليهود المعاصرون للنبي - صلى الله عليه وسلم - بما وقع من أسلافهم توبيخاً لهم بسوء صنيع أسلافهم أي اذكروا إذ أخذنا ميثاقهم، وقيل الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين، والأول أولى لأن المقام مقام تذكيرهم، وهذا شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود بما ينادي بعدم إيمان أخلافهم ليؤديهم التأمل في أحوالهم إلى قطع الطمع في إيمانهم (ميثاق بني إسرائيل) الذين كانوا في زمن موسى، وقد تقدم تفسير الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل، وقال مكي إن الميثاق الذي أخذه الله عليهم هنا هو ما أخذه عليهم في حياتهم على ألسن أنبيائهم وهو قوله (لا تعبدون إلا الله) خبر بمعنى النهي وهو أبلغ من صريح النهي لما فيه من الاعتناء بشأن المنهى عنه، وتأكد طلب امتثاله حتى كأنه امتثل وأخبر عنه، وعبادة الله إثبات توحيده

وتصديق رسله، والعمل بما أنزل الله في كتبه. (وبالوالدين إحساناً) أي معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما وامتثال أمرهما وسائر ما أوجبه الله على الولد لوالديه من الحقوق، ومنه البر بهما والرحمة لهما والنزول عند أمرهما فيما لا يخالف أمر الله ويوصل إليهما ما يحتاجان إليه، ولا يؤذيهما وإن كانا كافرين، وأن يدعوهما إلى الإيمان بالرفق واللين، وكذا إن كانا فاسقين يأمرهما بالمعروف من غير عنف، ولا يقول لهما أف. (وذي القربى) أي القرابة عطف على الوالدين لأن حقها تابع لحقهما، والإحسان إليهم إنما هو بواسطة الوالدين، والقربى مصدر كالرجعى والعقبى وهم القرابة، والإحسان بهم صلتهم والقيام بما يحتاجون إليه بحسب الطاقة وبقدر ما تبلغ إليه القدرة. (واليتامى) جمع يتيم، واليتيم في بني آدم من فقد أبوه، وفي سائر الحيوانات من فقدت أمه وأصله الانفراد يقال صبي يتيم أي منفرد من أبيه فإذا بلغ الحلم زال عنه اليتم، وتجب رعاية حقوق اليتيم لثلاثة أمور لصغره ويتمه ولخلوه عمن يقوم بمصلحته إذ لا يقدر هو أن ينتفع بنفسه ولا يقوم بحوائجه. (والمساكين) جمع مسكين وهو من أسكنته الحاجة وذللته وهو أشد فقراً من الفقير عند أكثر أهل اللغة وكثير من أهل الفقه، وروي عن الشافعي أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، وقد ذكر أهل العلم لهذا البحث أدلة مستوفاة في مواطنها. (وقولوا للناس حسناً) أي قولاً حسناً سماه حسناً مبالغة، وقريء حسناً بضمتين وهي لغة أهل الحجاز، وحسنى بغير تنوين على أنه مصدر كبشرى، والمراد به ما فيه تخلق وإرشاد، حكاه الأخفش، قال النحاس وهذا لا يجوز في العربية لا يقال من هذا شيء إلا بالألف واللام نحو الفضلى والكبرى والحسنى، وهذا قول سيبويه، وقرأ زيد بن ثابت وابن مسعود حسناً قال

الأخفش هما بمعنى واحد مثل البخل والبخل، والرشد والرشد، فهو صفة مشبهة لا مصدر، كما فهم من عبارة القاموس فسقط ما للكرخي هنا، والظاهر أن هذا القول الذي أمرهم الله به لا يختص بنوع معين بل كل ما صدق عليه إنه حسن شرعاً كان من جملة ما يصدق عليه هذا الأمر، وقد قيل إن ذلك هو كلمة التوحيد، وقيل الصدق، وقيل الأمر بالمعروف، وقيل هو اللين في القول والعشرة وحسن الخلق والنهي عن المنكر وقيل غير ذلك، قيل إن الخطاب للحاضرين من اليهود في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلهذا عدل عن الغيبة إلى الخطاب قاله ابن عباس، وقيل إن المخاطبين به هم الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام، وإنما عدل من الغيبة إلى الخطاب على طريق الالتفات. وتقدم تفسير قوله (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) وهو خطاب لبني إسرائيل فالمراد الصلاة التي كانوا يصلونها والزكاة التي كانوا يخرجونها قال ابن عطية وزكاتهم هي التي كانوا يضعونها فتنزل النار على ما يقبل ولا تنزل على ما لا يقبل. والخطاب في قوله (وثم توليتم) قيل للحاضرين منهم في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم مثل سلفهم في ذلك، وفيها التفات من الغيبة إلى الخطاب أي أعرضتم عن العهد، ومن فوائد الالتفات تطرية الكلام وصيانة السمع عن الضجر والملال لما جبلت عليه النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد كما هو مقرر في محله، والإعراض والتولي بمعنى واحد وقيل التولي بالجسم والإعراض بالقلب (إلا قليلاً منكم) منصوب على الإستثناء وهو من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ ومن أسلم منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه (وأنتم معرضون) كإعراض آبائكم، أمرهم الله تعالى بهذه التكاليف الثمانية لتكون لها المنزلة عنده بما التزموا به ثم أخبر عنهم أنهم ما وفوا بذلك.

84

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) (وإذْ أخذنا ميثاقكم) قيل هو خطاب لمن كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اليهود، والمراد أسلافهم المعاصرون لموسى على سنن التذكيرات السابقة، وهذا شروع في بيان ما فعلوه بالعهد المتعلق بحقوق العباد بعد بيان ما فعلوا بالعهد التعلق بحقوق الله وما يجري مجراها، وقيل لآبائهم وفيه تقريع لهم وتوبيخ (لا تسفكون) أي لا تريقون والسفك الصب وقد تقدم (دماءكم) أي لا يفعل ذلك بعضكم ببعض أو لا تسفكوا دماء غيركم فيسفك دماءكم فكأنكم سفكتم دماء أنفسكم فهو من باب المجاز بأدق ملابسة، أو لأنه يوجبه قصاصاً فهو من باب إطلاق المسبب على السبب (ولا تخرجون أنفسكم من دياركم) أي لا يخرج بعضكم بعضاً من داره، وقيل لا تفعلوا شيئاً فتخرجوا بسببه من دياركم، والدار المنزل الذي فيه أبنية المقام بخلاف منزل الارتحال، وقال الخليل كل موضع حله قوم فهو دار لهم وإن لم يكن فيه أبنية، وقيل سميت دار لدورها على سكانها كما يسمى الحائط حائطاً لأحاطته على ما يحويه (ثم أقررتم) من الإقرار أي حصل منكم الاعتراف بهذا الميثاق المأخوذ عليكم أنه حق (وأنتم تشهدون) يا معشر اليهود، الشهادة هنا بالقلوب، وقيل هي بمعنى الحضور أي أنكم الآن تشهدون على أسلافكم بذلك، وعلى هذا إسناداً لإقرار إليهم مجاز وكان الله سبحانه قد أخذ في التوراة على بني إسرائيل أن لا يقتل بعضهم بعضاً ولا ينفيه ولا يسترقه. (¬1) ¬

(¬1) روى السدي عن أشياخه مختصراً .... كانت قريظة يقاتلون في حرب سمير. وإذا أسر الرجل جمعوا له حتى يفدوه، فتعيرهم العرب بذلك كيف تقاتلون وتفدون فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتلهم. فيقولون لهم: فلم تقاتلونهم فيقولون: نستحي أن يستذل حلفاؤنا، فعيرهم الله بالآية التالية.

ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)

85

(ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان) أي أنتم هؤلاء الحاضرون المشاهدون تخالفون ما أخذه الله عليكم في التوراة، وأصل المظاهرة المعاونة مشتقة من الظهر، لأن بعضهم يقوي بعضاً فيكون له كالظهر، ومنه قوله تعالى (وكان الكافر على ربه ظهيراً) وقوله (والملائكة بعد ذلك ظهير) والمعنى تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم، والإثم في الأصل الذنب وجمعه آثام ويطلق على الفعل الذي يستحق به صاحبه الذم واللوم، وقيل هو ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب، والآية تحتمل ما ذكرنا وتحتمل أن يتجوز به عما يوجب الإثم إقامة للسبب مقام المسبب، والعدوان التجاوز في الظلم وهو مصدر كالكفران والغفران، والمشهور ضم فائه وفيه لغة بالكسر. (وإن يأتوكم) أي الفريق الذي تخرجونه من دياره وقت الحرب حال كونه (أسارى) جميع أسير وهو من يؤخذ قهراً، فعيل بمعنى مفعول، أو جمع أسرى وهو جمع أسير كجرحى وجريح، وبه قرأ حمزة، قال أبو حاتم ولا يجوز أسارى، وقال الزجاج يقال أسارى كما يقال سكارى، قال ابن فارس يقال في جمع أسير أسرى وأسارى انتهى، فالعجب من أبي حاتم حيث ينكر ما ثبت في التنزيل وقرأ به الجمهور، والأسير مشتق من السير وهو القد الذي يشد به المحمل فسمي أسيراً، لأنه يشد وثاقه ثم سمى كل أخيذ أسيراً وإن لم يشد

(تفادوهم) أي بالمال وهو استنقاذهم بالشراء وقيل تبادلوهم وهو مفاداة الأسير، والفداء هو ما يؤخذ من الأسير ليفك به أسره، يقال فداه وفاداه أعطى فداءه وأنقذه (وهو) ضمير الشأن ويسمى ضمير القصة ولا يرجع إلا على ما بعده وفائدته الدلالة على تعظيم المخبر عنه وتفخيمه (محرم عليكم إخراجهم) قال المفسرون كان الله سبحانه قد أخذ على بني إسرائيل في التوراة أربعة عهود: ترك القتل وترك الإخراج وترك المظاهرة وفداء أسراهم فأعرضوا عن كل ما أمروا به إلا الفداء فوبخهم الله على ذلك بقوله: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض) أي إن وجدتموهم في يد غيركم فديتموهم وأنتم تقتلونهم بأيديكم فكان إيمانهم الفداء وكفرهم قتل بعضهم بعضاً فذمهم على مناقضة أفعالهم لأنهم أتوا ببعض ما يوجب عليهم وتركوا البعض، وهذا هو مناط التوبيخ حسبما ما يفيده ترتيب النظم الكريم لأن من قضية الإيمان ببعضه الإيمان بالباقي لكون الكل من عند الله داخلاً في الميثاق (فما جزاء من يفعل ذلك منكم) يا معشر اليهود (إلا خزى في الحياة الدنيا). الخزي الهوان والعذاب، وقد وقع هذا الجزاء الذي وعد الله به الملاعين اليهود موفراً فصاروا في خزي عظيم بما ألصق بهم من الذل والمهانة بالأسر والقتل وضرب الجزية والجلاء، فكان خزي بني قريظة القتل والسبي، وخزي بني النضير الإجلاء والنفي من منازلهم إلى أريحا وأذرعات من أرض الشام. (ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) يعني النار لأنهم جاؤا بذنب شديد ومعصية فظيعة، وهذا إخبار من الله سبحانه بأن اليهود لا يزالون في عذاب موفر لازم لهم بالجزية والصغار والذلة والمهانة (وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد وتهديد عظيم.

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)

86

(أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة) بأن آثروها عليها لأن الجمع بين لذات الدنيا والآخرة غير ممكن، فمن اشتغل بتحصيل لذات الدنيا فاتته لذات الآخرة، قال قتادة استحبوا قليل الدنيا على كثير الآخرة (فلا يخفف عنهم العذاب) أبداً ما داموا (ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون من عذاب الله، لا يوجد لهم ناصر يدفع عنهم ولا يثبت لهم نصر في أنفسهم على عدوهم.

87

(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي أعطيناه التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة، شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم وتصديره بالجملة القسمية، لإظهار كمال الاعتناء به (وقفينا من بعده بالرسل) أي أتبعنا، والتقفية الاتباع والإرداف وهو أن يقفو إثره الآخر مأخوذ من القفا وهو مؤخر العتق، والمراد أن الله سبحانه أرسل على إثره رسلاً جعلهم تابعين له وكانت الرسل من بعد موسى إلى زمن عيسى متواترة يظهر بعضهم في إثر بعض والشريعة واحدة، وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده كالشموئيل بن بابل والياس ومنشائل واليسع ويونس وزكريا ويحيي وشعياء وحزقيل وداود وسليمان وأرمياء وهو الخضر وعيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل بعثهم الله وانتخبهم من أمة موسى وأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أمتهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته، وكانوا يحكمون بشريعة موسى إلى أن بعث الله عيسى، فجاءهم بشريعة جديدة وغير بعض أحكام التوراة فذلك قوله: (وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي الدلالات الواضحات، وهي الأدلة

التي ذكرها الله في آل عمران والمائدة، وهي الآيات التي وضع على يديه من أحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والإخبار بكثير من الغيوب، وما ورد عليه من التوراة والإنجيل الذي أحدث الله إليه، وقيل هي الإنجيل، واسم عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بالسريانية بمعنى الخادم ثم سمي به فلذلك لم ينصرف، وفي لسان العرب هي المرأة التي تكره مخالطة الرجال، قال أبو السعود وهو بالعبرية من النساء كالزير من الرجال، ووزنه مفعل إذا لم يثبت فعيل، ذكر السيوطي في التحبير أن مدة ما بين موسى وعيسى ألف وتسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة. (وأيدناه بروح القدس) التأييد التقوية، وروح القدس من إضافة الصفة إلى الوصوف أي الروح المقدسة والقدس الطهارة والمقدس المطهر قيل هو جبريل، قاله ابن مسعود أيد الله به عيسى، وسمي جبريل روحاً وأضيف إلى القدس لأنه كان بتكوين الله له من غير ولادة، وقيل القدس هو الله عز وجل وروحه جبريل وقيل المراد بروح القدس الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى واسم الله الأعظم، وقيل المراد به الإنجيل، وقيل المراد به الروح المنفوخ فيه أيده الله به لا فيه من القوة وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " اللهم أيد حسان بروح القدس " وكان جبريل يسير مع عيسى حيث سافر فلم يفارقه حتى صعد به إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم) أي بما لا يوافقها ويلائمها، وأصل الهوى الميل إلى الشيء، قال الجوهري وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار، وبخهم الله سبحانه بهذا الكلام المعنون بهمزة التوبيخ (استكبرتم) عن إجابته احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة، والسين زيادة للمبالغة (ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) الفاء للتفصيل ومن الفرق المكذبين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، ومن الفرق المقتولين يحيى وزكريا عليهما الصلاة والسلام وسائر من قتلوه.

وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ (88) وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)

88

(وقالوا قلوبنا غلف) جمع أغلف المراد به هنا الذي عليه غشاوة تمنع من وصول الكلام إليه فلا يعي ولا يفقه، قال في الكشاف هو مستعار من الأغلف الذي لم يختن كقوله (قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) وقيل إن الغلف جمع غلاف مثل حمار وحمر أي قلوبنا أوعية للعلم فما بالها لا تفهم عنك وقد وعينا علماً كثيراً فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، فرد الله عليهم ما قالوه فقال (بل لعنهم الله بكفرهم) أي طردهم وأبعده من كل خير، وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد (فقليلاً ما يؤمنون) وصف إيمانهم بالقلة لأنهم الذين قص الله علينا من عنادهم وعجرفتهم وشدة لجاجهم وبعدهم من إجابة الرسل ما قصه، ومن جملة ذلك أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. وقال معمر: المعنى لا يؤمنون إلا بقليل مما في أيديهم ويكفرون بأكثره، قال الواقدي معناه لا يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، قال الكسائي تقول العرب مررنا بأرض قلما تنبت الكراث والبصل أي لا تنبت شيئاً، وأخرج أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القلوب أربعة: قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح، فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق فمثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " وقال قتادة لا يؤمن منهم إلا قليل لأن من آمن من المشركين كان

أكثر منهم، وقيل فزماناً قليلاً يؤمنون فهو على حد قوله (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).

89

(ولما جاءهم) أي اليهود (كتاب من عند الله) هو القرآن (مصدق لما معهم) من التوراة والإنجيل أنه يخبرهم بما فيهما ويصدقه ولا يخالفه (وكانوا من قبل) مبعث النبي صلى الله عليه وسلم (يستفتحون) أي يستنصرون به، والاستفتاح الاستنصار أي كانوا من قبل يطلبون من الله النصر على أعدائهم بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي يجدون صفته عندهم في التوراة، وقيل الاستفتاح هنا بمعنى الفتح أي يخبرونهم بأنه سيبعث ويعرفونهم بذلك (على الذين كفروا) يعني مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا إذا أحزنهم أمر ودهمهم عدو يقولون اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد صفته في التوراة فكانوا ينصرون وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم مع قتل عاد وإرم (¬1). (فلما جاءهم ما عرفوا) يعني محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وعرفوا أنه نبي من غير بني إسرائيل (كفروا به) أي جحدوه وأنكروه بغياً وحسداً (فلعنة الله على الكافرين) أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أن اللعنة لحقتهم لكفرهم واستعلت عليهم وشملتهم، واللام للعهد أو للجنس ودخلوا فيه دخولاً أولياً. ¬

(¬1) أورد القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: كانت يهود خيبر تقاتل غطفان فلما التقوا هزمت يهود. فعادت يهود بهذه الدعاء وقالوا: إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه في آخر الزمان إلا تنصرنا عليهم. قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فهزموا غطفان فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كفروا فأنزل الله هذه الآيات.

بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91)

90

(بئسما اشتروا به أنفسهم) أي بئس الشيء وقال الفراء بئسما بجملته شيء واحد ركب كحبذا بئسما باعوا به حظ أنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق (أن يكفروا بما أنزل الله) يعني القرآن (بغياً) أي حسداً، قال الأصمعي البغي مأخوذ من قولهم قد بغى الجرح إذا فسد، وقيل أصله الطلب ولذلك سميت الزانية بغياً وهو علة لقوله يكفروا قالة القاضي، وقال الزمخشري هو علة لقوله اشتروا وقوله الآتي أن ينزل علة لقوله بغياً أي لأن ينزل، والمعنى أنهم باعوا أنفسهم بهذا الثمن البخس حسداً ومنافسة (أن ينزل الله من فضله) وليس بواجب عليه (على من يشاء من عباده فباؤا) أي فرجعوا وصاروا أحقاء (بغضب على غضب) قيل الغضب الأول لعبادتهم العجل والثاني لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل لكفرهم بعيسى عليه السلام والإنجيل ثم لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل لكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ثم البغي عليه، وقال ابن عباس الأول بتضييعهم التوراة وتبديلها والثاني بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل غير ذلك، والتنكير للتعظيم (وللكافرين عذاب مهين) ذو إهانة مأخوذ من الهوان، وقيل وهو ما اقتضى الخلود في النار.

91

(وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله) وهو القرآن وقيل كل كتاب أي صدقوا بالقرآن أو صدقوا بما أنزل الله من الكتب (قالوا نؤمن بما أنزل علينا) أي

التوراة (ويكفرون) الواو للحال (بما وراءه) أي بما سواه من الكتب، قاله الفراء وبما بعده يعني الإنجيل والقرآن قاله أبو عبيده، قال الجوهري وراء بمعنى خلف وقد يكون بمعنى قدام وأمام فهي من الاضداد ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي قدامهم، وفي الموازنة للآمدي وراء ليست من الأضداد إنما هو من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء، خلفاً كان أو قداماً إذا لم تره ولم تشاهده، فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك ومنه قوله تعالى (وكان وراءهم ملك) أي أنه كان أمامهم وصح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه انتهى. قال الخفاجي وهذا لا ينافي قوله البيضاوي ولذلك عد من الأضداد لأن معناه أنه لما أطلق على خلف وقدام وهما ضدان عد ضداً تسمحاً على عادة أهل اللغة، وإن كان موضوعاً لمعنى شامل لهما لأنه مصدر بمعنى الستر فيهما لكنه قد يستعمل بمعنى الساتر وقد يستعمل بمعنى المستور، ولذا قال في القاموس هو من الأضداد أولاً، وقيل أنه مضاف إلى الفاعل مطلقاً لأن الرجل يواري ما خلفه على من هو قدامه وما قدامه على من هو خلفه انتهى. (وهو الحق) يعني القرآن (مصدقاً لما معهم) يعني التوراة (قل) يا محمد (فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتل الأنبياء، وهذا تكذيب لهم لأن الإيمان بالتوراة مناف لقتل أشرف خلقه، وهذا الخطاب وإن كان مع الحاضرين من اليهود فالمراد به أسلافهم، ولكنهم لما كانوا يرضون بأفعال سلفهم كانوا مثلهم، وفي الآية دليل على أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها (¬1). ¬

(¬1) وتقتلون هنا بمعنى قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره وأنشدوا في ذلك: شهد الخطيئة حين يلقي ربه ... أن الوليد أحق بالعذر

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)

92

(ولقد جاءكم موسى) هذا داخل تحت الأمر السابق أي وقل لهم لقد جاءكم موسى والغرض منه بيان كذبهم، هكذا أفاده البيضاوي وكثير من المفسرين وفيه نظر أشار له أبو السعود (بالبينات) أي بالدلالات الواضحة والمعجزات الظاهرة، والبينات يجوز أن يراد بها التوراة أو التسع الآيات المشار إليها بقوله تعالى (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات) ويجوز أن يراد بها الجميع (ثم اتخذتم العجل من بعده) أي من بعد النظر في تلك البينات أو من بعد موسى لما ذهب إلى الميقات ليأتي بالتوراة (وأنتم ظالمون) أي حال كونكم ظالمين بهذه العبادة الصادرة منكم عناداً بعد قيام الحجة عليكم، وإنما كرره تبكيتاً لهم وتأكيداً للحجة عليهم.

93

(وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا) قد تقدم تفسير أخذ الميثاق ورفع الطور، والأمر بالسماع معناه الطاعة والقبول وليس المراد مجرد الأدراك بحاسة السمع ومنه قولهم " سمع الله لمن حمده " أي قبل وأجاب (قالوا سمعنا) أي سمعنا قولك بحاسة السمع (وعصينا) يعني أمرك بقلوبنا أي لا نقبل ما تأمرنا به، ويجوز أن يكونوا أرادوا بقولهم سمعنا ما هو معهود من تلاعبهم واستعمالهم المغالطة في مخاطبة أنبيائهم، وذلك بأن يحملوا قوله تعالى (اسمعوا) على معناه الحقيقي أي السماع بالحاسة ثم أجابوا بقولهم سمعنا أي أدركنا ذلك بأسماعنا عملاً بموجب ما تأمرنا به، ولكنهم لما

كانوا يعلمون أن هذا غير مراد لله عز وجل بل مراده بالأمر بالسماع الأمر بالطاعة والقبول لم يقتصروا على هذه المغالطة بل ضموا إلى ذلك ما هو الجواب عندهم فقالوا وعصينا. (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي تداخل حبه في قلوبهم ورسخ فيها صورته لفرط شغفهم به وحرصهم على عبادته كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، وفيه تشبيه بليغ أي جعلت قلوبهم لتمكن حب العجل منها كأنها تشربه، وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام يتجاوزها ولا يتغلغل فيها، قال أبو السعود (في قلوبهم) بيان لمكان الإشراب كما في قوله تعالى (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) والجملة حال من ضمير قالوا بتقدير " قد " انتهى. قيل أن موسى أمر أن يبرد العجل ويذرى في النهر وأمرهم أن يشربوا منه فمن بقي في قلبه شيء من حب العجل ظهر سحالة الذهب على شاربه وما أبعده، والإشراب مخالطة المائع للجامد ثم اتسع فيه حتى قيل في الألوان نحو اشرب بياضه حمرة. (بكفرهم) الباء للسببية أي بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك، قيل كانوا مجسمة أو حلولية ولم يروا جسماً أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم السامري (قل بئسما يأمركم به إيمانكم) الذي زعمتم أنكم تؤمنون بما أنزل عليكم وتكفرون بما وراءه، فإن هذا الصنع وهو في قولكم سمعنا وعصينا في جواب ما أمرتم به في كتابكم وأخذ عليكم الميثاق به مناد عليكم بأبلغ نداء بخلاف ما زعمتم، وكذلك ما وقع منكم من عبادة العجل ونزول حبه من قلوبكم منزلة الشراب هو من أعظم ما يدل على أنكم كاذبون في قولكم نؤمن بما أنزل علينا لا صادقون، فإن زعمتم إن كتابكم الذي آمنتم به أمركم بهذا فبئس ما يأمركم به إيمانكم بكتابكم، وفي هذا من التهكم ما لا يخفى (إن كنتم مؤمنين) بزعمكم، والمعنى لستم بمؤمنين لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل والمراد آباؤهم أي فكذلك لستم بمؤمنين بالتوراة وقد كذبتم محمداً والإيمان بها لا يأمر بتكذيبه.

94

قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله) أي نعيمها لأن الدار الآخرة في الحقيقة هي انقضاء الدنيا وهي للفريقين، وهذا رد عليهم لما ادعوا أنهم يدخلون الجنة ولا يشاركهم في دخولها غيرهم، وإلزام لهم بما تبين به أنهم كاذبون تلك الدعوى، وأنها صادرة منهم لا عن برهان (خالصة) مصدر كالعافية والعاقبة وهو بمعنى الخلوص، والمراد أنه لا يشاركهم فيها غيرهم إذا كانت اللام في قوله (من دون الناس) للجنس أو لا يشاركهم فيها المسلمون إن كانت اللام للعهد، وهذا أرجح لقولهم في الآية الأخرى (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) وهو مؤكد له لأن " دون " تستعمل للاختصاص يقال هذا لي دونك أو من دونك أي لا حق لك فيه، وقد تأتي في غير هذا للانتقاص في المنزلة أو المكان أو المقدار (فتمنوا الموت) أي فاطلبوه واسألوه، وإنما أمرهم بتمني الموت لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة إذ لا سبيل إلى دخولها إلا بعد الموت، ولما كان ذلك منهم مجرد دعوى أحجموا (إن كنتم صادقين) في قولكم ودعواكم ولهذا قال سبحانه. (¬1) ¬

(¬1) وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم [مقامهم] في النار وقيل أيضاً: أن الله صرفهم عن إظهار التمني، وقصرهم عن الإمساك ليجعل ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم.

وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)

95

(ولن يتمنوه أبداً) هو ظرف زمان يصدق بالماضي والمستقبل تقول ما فعلت أبداً ذكره السمين، وقال هنا " لن " وفي الجمعة " لا " لأن لن أبلغ في النفي من لا ودعواهم هنا بالغة قاطعة فناسب ذكر لن فيها، ودعواهم في الجمعة قاصرة مردودة وهي زعمهم أنهم أولياء الله فناسب ذكر " لا " فيها (بما قدمت أيديهم) أي بما قدمته من الذنوب التي يكون فاعلها غير آمن من العذاب بل غير طامع في دخول الجنة فضلاً عن كونها خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون خالصة له مختصة به، وإنما أضاف العمل إلى اليد لأن أكثر جنايات الإنسان تكون من يده. وقيل أن الله سبحانه صرفهم عن التمني ليجعل ذلك آية لنبيه، والمراد بالتمني هنا هو التلفظ بما يدل عليه لا مجرد خطوة بالقلب وميل النفس إليه، فإن ذلك لا يراد في مقام المحاجة ومواطن الخصومة ومواقف التحدي، وفي تركهم للتمني أو صرفهم عنه معجزة لرسول الله فإنهم قد كانوا يسلكون من التعجرف والتجري على الله وعلى أنبيائه بالدعاوى الباطلة في غير موطن ما قد حكاه عنهم التنزيل، فلم يتركوا عادتهم هنا إلا لما قد تقرر عندهم من أنهم إذا فعلوا ذلك التمني نزل بهم الموت إما لأمر قد علموه أو للصرفة من الله عز وجل، وقد يقال قد ثبت النهي عن النبي في شريعته، ويجاب بأن المراد هنا إلزامهم الحجة وإقامة البرهان على بطلان دعواهم. عن ابن عباس قال: قال لهم رسول الله إن كنتم في مقالتكم صادقين فقولوا اللهم أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم إلا غص بريقه

فمات مكانه، وعنه لو أن اليهود تمنوا لماتوا ولرأوا مقاعدهم من النار (والله عليم بالظالمين) فيه تخويف وتهديد لهم، وإنما خصهم بالظلم لأنه أعم من الفكر لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلهذا كان أعم وكانوا أولى به.

96

(ولتجدنهم) اللام للقسم والنون للتأكيد أي والله لتجدنهم يا محمد، وهذا أبلغ من قوله (ولن يتمنوه أبداً) (أحرص الناس على حياة) زيادة على عدم تمني الموت، والحرص أشد الطلب، وتنكير " حياة " للتحقير أي أنهم أحرص الناس على حقير حياة وأقل لبث في الدنيا فكيف بحياة كثيرة ولبث متطاول، وقال في الكشاف أنه أراد بالتنكير حياة مخصوصة وهي الحياة المتطاولة، وتبعه في ذلك الرازي والخازن في تفسيريهما (ومن الذين أشركوا)، ووجه ذكرهم بعد ذكر الناس مع كونهم داخلين فيهم للدلالة مزيد حرص المشركين من العرب ومن شابههم من غيرهم، فمن كان أحرص منهم وهم اليهود كان بالغاً في الحرص إلى غاية لا يقادر قدرها. وإنما بلغوا في الحرص إلى هذا الحد الفاضل على حرص المشركين لأنهم يعلمون بما يحل بهم من العذاب في الآخرة بخلاف المشركين من العرب ونحوهم فإنهم لا يقرون بذلك، فكان حرصهم على الحياة دون حرص اليهود، والأول وإن كان فيه خروج من الكلام في اليهود إلى غيرهم من مشركي العرب لكنه أرجح لعدم استلزامه للتكلف ولا ضير في استطراد ذكر حرص المشركين بعد ذكر حرص اليهود، وقال الرازي إن الثاني أرجح ليكون ذلك أبلغ في إبطال دعواهم وفي إظهار كذبهم في قولهم أن الدار الآخرة لنا لا لغيرنا انتهى، ويجاب عنه بأن هذا الذي جعله مرجحاً قد أفاده قوله تعالى (ولتجدنهم أحرص الناس) ولا يستلزم استئناف الكلام في المشركين أن لا يكونوا من جملة الناس. (يود أحدهم) بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف وهم المجوس أي يتمنى أحدهم (لو يعمر ألف سنة) أي تعمير ألف سنة، وإنما خص الألف

بالذكر لأن العرب كانت تذكر ذلك عند إرادة المبالغة، ولأنها نهاية العقود ولأنها تحية المجوس فيما بينهم يقولون " زي هزارسال " أي عش ألف سنة أو ألف نيروز أو ألف مهرجان، فهذه تحيتهم، وهذا كناية عن الكثرة فليس المراد خصوص هذا العدد، والمعنى أن اليهود أحرص من المجوس الذين يقولون ذلك. (وما هو بمزحزحه) أي بمباعده قيل هو راجع إلى أحدهم كما جرى عليه الجلال، وعلى هذا يكون قوله (أن يعمر) فاعلاً لمزحزحه وقيل هو لما دل عليه يعمر من مصدره أي وما التعمير بمزحزحه ويكون قوله (أن يعمر) بدلاً منه، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت هو عماد، وقيل هو ضمير الشأن وإليه نحا الفارسي تبعاً للكوفيين، وقيل " ما " تميمة وهو مبتدأ خبره بمزحزحه على زيادة الباء وقيل ما هي الحجازية والضمير اسمها وما بعده خبرها والأول أرجح، وكذلك الثاني والثالث ضعيف جداً لأن العماد لا يكون إلا بين شيئين، ولهذا يسمونه ضمير الفصل والرابع فيه أن ضمير الشأن يفسر بجملة سالمة عن حرف جر كما حكاه ابن عطية عن النحاة، والزحزحة التنحية يقال زحزحته فتزحزح أي نحيته فتنحى وتباعد (من العذاب) " من " بمعنى عن أي النار (أن يعمر) أي لو عمر طول عمره لا ينقذه من العذاب (والله بصير بما تعملون) لا يخفى عليه خافية من أحوالهم.

قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)

97

(قل من كان عدواً لجبريل) أي بسبب نزوله بالقرآن المشتمل على سبهم وتكذيبهم، هذه الآية قد أجمع المفسرون على أنها نزلت في اليهود، قال ابن جرير الطبري وأجمع أهل التأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً على اليهود إذ زعموا أن جبريل عدو لهم وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا ما كان سبب قولهم ذلك فقال بعضهم إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمر نبوته، ثم ذكر روايات في ذلك، وجبريل اسم ملك وهو أعجمي فلذلك لم ينصرف والقول باشتقاقه من جبروت الله بعيد، لأن الاشتقاق لا يكون في الأسماء الأعجمية، وكذا قول من قال أنه مركب تركيب الإضافة أو تركيب مزج نحو حضر موت، وفيه ثلاث عشرة لغة أفصحها وأشهرها بزنة قنديل. والضمير في قوله (فإنه) يحتمل وجهين الأول أن يكون لله ويكون الضمير في قوله (نَزَّلَهُ) لجبريل أي فإن الله سبحانه نزل جبريل (على قلبك) وفيه ضعف كما أي يفيده قوله (مصدقاً لما بين يديه) الثاني أنه لجبريل والضمير في قوله (نَزَّلَهُ) للقرآن فإن جبريل نزل القرآن على قلبك وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وخزانة الحفظ وبيت الرب، وقد قيل أنه في الدماغ (بإذن الله) أي بعلمه وإرادته وتيسيره وتسهيله. وقال ابن الخطيب تفسير الإذن هنا بالأمر أي بأمر الله أولى من تفسيره بالعلم لأنه حقيقة في الأمر، مجاز في العلم، ويجب الحمل على الحقيقة ما أمكن وإذا كان نزوله بإذن الله فلا وجه للعداوة، وإنما يكون لها وجه لو كان النزول برأيه. (مصدقاً لما بين يديه) هو التوراة كما سلف أو جميع الكتب المنزلة، وفي

هذا دليل على شرف جبريل وارتفاع منزلته وأنه لا وجه لمعاداة اليهود له حيث كان منه ما ذكر من تنزيل الكتاب على قلبك أو تنزيل الله له على قلبك، وهذا وجه الربط بين الشرط والجواب، أي من كان معادياً لجبريل منهم فلا وجه لمعاداته له فإنه لم يصدر منه إلا ما يوجب المحبة دون العداوة، أو من كان معادياً له فإن سبب معاداته أنه وقع منه ما يكرهونه من التنزيل، وليس ذلك بذنب له وإن كرهوه فإن هذه الكراهة منهم له بهذا السبب ظلم وعدوان، لأن هذا الكتاب الذي نزل به هو مصدق لكتابهم وموافق له (وهدى وبشرى للمؤمنين) أي في القرآن هداية للمؤمنين إلى الأعمال الصالحة التي يترتب عليها الثواب وبشرى لهم بثوابها إذا أتوا بها، وعذاب وشدة على الكافرين. ثم انه اتبع سبحانه هذا الكلام بجملة مشتملة على شرط وجزاء تتضمن الذم لمن عادى جبريل بذلك السبب والوعيد الشديد له فقال

98

(من كان عدو الله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل) العداوة من العبد هي صدور المعاصي منه لله تعالى والبغض لأوليائه، والعداوة من الله للعبد هي تعذيبه بذنبه وعدم التجاوز عنه والمغفرة له، قال الكرماني قدم الملائكة على الرسل كما قدم الله على الجميع لأن عداوة الرسل بسبب نزول الكتب، ونزولها بتنزيل الملائكة وتنزيلهم لها بأمر الله، فذكر الله ومن بعده على هذا الترتيب، وإنما خص جبريل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لقصد التشريف لهما والدلالة على فضلهما، وأنهما وإن كانا من الملائكة فقد صارا باعتبار ما لهما من المزية بمنزلة جنس آخر أشرف من جنس الملائكة تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي كما ذكره صاحب الكشاف، وقرره علماء البيان. وفي جبريل ثلاث عشرة لغة ذكرها ابن جرير الطبري وغيره، وفي ميكائيل ست لغات، وهما اسمان أعجميان قيل معناهما عبد الله لأن جبروميك بالسريانية هو العبد، والإيل هو الله، والعرب إذا نطقت بالعجمى تساهلت فيه، وقال ابن جني خلطت فيه، والأولى ما ذكرناه (فإن الله عدو للكافرين) فأما عداوتهم لله فإنها لا تضره ولا تؤثر، وعداوته لهم تؤديهم إلى العذاب الأليم الدائم الذي لا ضرر أعظم منه.

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)

99

(ولقد أنزلنا إليك) يا محمد (آيات بينات) أي واضحات دالة على معانيها وعلى كونها من عند الله مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام، أو علامات دالة على نبوتك (وما يكفر بها) أي ما يجحد بهذه الآيات إلا الفاسقون - أي الخارجون عن طاعتنا وما أمروا به، والظاهر أن المراد جنس الفاسقين ويحتمل أن يراد اليهود لأن الكلام معهم، والأول أولى لأنهم داخلون فيه دخولاً أولوياً.

100

(أو كلما عاهدوا عهداً) استفهام إنكار (نبذه فريق) أصل النبذ الطرح والإلقاء ومنه سمي اللقيط منبوذاً، ومنه سمي النبيذ وهو التمر والزبيب إذا طرحا في الماء، وهو حقيقة في الإجرام، وإسناده إلى العهد مجاز (منهم) يعني اليهود (بل أكثرهم لا يؤمنون) يعني كفر فريق منهم بنقض العهد وفريق منهم بالجحد للحق، والمعنى على إنكار اللياقة والمناسبة أي لا ينبغي منهم نبذ العهد كلما عقدوه.

101

(ولما جاءهم رسول من عند الله) يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، هذا أشنع عليهم مما قبله (مصدق لما معهم) أي بصحة التوراة وأن التوراة بشرت بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم كان مجرد مبعثه مصدقاً للتوراة فاتفقت التوراة والقرآن (نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب) أي اليهود (كتاب الله) أي التوراة قال السدي لما جاءهم صلى الله عليه وآله وسلم

عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة لموافقة القرآن لها وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن، أو لأنهم لما كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة الإيمان به وتصديقه واتباعه، وبين لهم صفته، كان ذلك منهم نبذاً للتوراة ونقضاً لها ورفضاً لما فيها، ويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن أي لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، والأول أولى، لأن النبذ لا يكون إلا بعد التمسك والقبول، ولم يتمسكوا بالقرآن (¬1). (وراء ظهورهم) هذا مثل يضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب اجعل هذا خلف ظهرك ودبر أذنك وتحت قدمك أي اتركه وأعرض عنه. (كأنهم لا يعلمون) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي، ولكنهم لما لم يعلموا بالعلم بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم كانوا بمنزلة من لا يعلم، وهم علماء اليهود تجاهلوا، وحملهم على ذلك عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكانوا قليلاً. ¬

(¬1) قال ابن عباس: رضي الله عنه: هذا جواب لابن صوريا حيث قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ما جئتنا بشيء تعرفه، وما أنزل عليك من آية بينة فنتبعك بها فأنزل الله هذه الآية ولقد أنزلنا إليك ....

102

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) (واتبعوا) عطف على نبذ (ما تتلو الشياطين على ملك سليمان) يعني اليهود والتلاوة القراءة، قال الزجاج على عهد سليمان، وقيل المعنى في زمن ملكه وقيل في قصصه وصفاته وأخباره، قال الفراء تصلح " على وفى " في هذا الموضع والأول أظهر وقيل يضمن تتلو معنى تتقول أي تتقول على ملك سليمان وهذا أولى، فإن التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف، وقد كانوا يظنون أن هذا هو علم سليمان وأنه يستجيزه ويقول به فرد الله ذلك عليهم وقال (وما كفر سليمان) يعني بالسحر ولم يعمل به، وسليمان علم أعجمي فلذلك لم ينصرف، وقال أبو البقاء فيه العجمة والتعريف والألف والنون وهذا إنما يثبت إذا دخله الاشتقاق والتصريف، وقد تقدم أنهما لا يدخلان في الأسماء الأعجمية، وفيه تنزيه سليمان عن السحر، ولم يتقدم أن أحداً نسب سليمان إلى الكفر ولكن لما نسبته اليهود إلى السحر صاروا بمنزلة من نسبه إلى الكفر، لأن السحر يوجب ذلك وقالوا إن سليمان ملك الناس بالسحر، ولهذا أثبت الله سبحانه كفر الشياطين فقال (ولكن الشياطين كفروا) أي بتعليمهم قرأ ابن عامر والكوفيون سوى عاصم ولكن بالتخفيف ورفع الشياطين والباقون بالتشديد والنصب. عن ابن عباس قال إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء فإذا سمع أحدهم بكلمة حق كذب معها ألف كذبة فأشربتها قلوب الناس واتخذوها

دواوين فأطلع الله على ذلك سليمان بن داود فأخذها فدفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع، قالوا نعم فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم وأنزل الله عذر سليمان فيما قالوا من السحر، فقال (واتبعوا) الآية، أخرجه الحاكم وصححه. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم عنه قال كان آصف كاتب سليمان وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحراً وكفراً وقالوا هذا الذي كان سليمان يعمل به، فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم فلم يزل جهالهم يسبون حتى أنزل الله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم (واتبعوا) الآية. (يعلمون الناس السحر) وهو ما يفعله الساحر من الحيل والتخييلات التي يحصل بسببها للمسحور ما يحصل من الخواطر الفاسدة الشبيهة بما يقع لمن يرى السراب فيظنه ماء، وما يظنه راكب السفينة أو الدابة من أن الجبال تسير، وهو مشتق من سحرت الصبي إذا خدعته، وقيل أصعله الخفاء فإن الساحر يفعله خفية، وقيل أصله الصرف لأن السحر مصروف عن جهته، وقيل أصله الاستمالة لأن من سحرك استمالك، وقال الجوهري السحر الأخذة وكل ما لطف مأخذه ودق فهو سحر، والساحر العالم. وقال الغزالي السحر نوع يستفاد من العلم بخواص الجواهر وبأمور حسابية في مطالع النجوم، فيتخذ من تلك الخواص هيكل على صورة الشخص المسحور، ويترصد له وقت مخصوص من المطالع وتقرن به كلمات يتلفظ بها من الكفر والفحش المخالف للشرع، ويتوصل بسببها إلى الإستغاثة بالشياطين،، وتحصل من مجموع ذلك بحكم إجراء الله العادة أحوال غريبة في الشخص المسحور انتهى، وقد ذكر أبو السعود أنواعاً من السحر فليرجع إليه. وقد اختلف هل له حقيقة أم لا فذهبت المعتزلة وأبو حنيفة إلى أنه خدع لا

أصل له ولا حقيقة، وذهب من عداهم إلى أن له حقيقة مؤثرة، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سحر، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي حتى كان يخيل إليه أنه يأتي الشيء ولم يكن قد أتاه ثم شفاه الله سبحانه، والكلام في ذلك يطول، وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السحر من الكبائر وثناه بالشرك كما في الصحيحين. (و) أي ويعلمون الناس (ما أنزل على الملكين) فهو معطوف على السحر، والمراد بهما واحد والعطف لتغاير الاعتبار أو هو نوع أقوى منه، أو على ما تتلو وما بينهما اعتراض أي (واتبعوا ما أنزل) الخ قال السدي هذا سحر آخر خاصموه به فإن كلام الملائكة فيما بينهم إذا علمته الأنس فصنع وعمل به كان سحراً (ببابل) أي في بابل وهو اسم أرض أو بلد في سواد العراق أو أرض الكوفة، قاله ابن مسعود وقيل جبل دماويد، وقيل نهاوند، وقيل نصيبين، وقيل المغرب ومنع الصرف للعجمة والعلمية أو للتأنيث والعلمية، سميت بذلك لتبلبل ألسنة الخلائق بها، والبلبلة التفرقة، وقيل أن " ما " في قوله (وما أنزل على الملكين) نافية، والواو عاطفة على قوله (وما كفر سليمان) وفي الكلام تقديم وتأخير والتقدير: وما كفر سليمان وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل. (هاروت وماروت) فهاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد والنصب في قوله (ولكن الشياطين كفروا) ذكر ابن جرير، وأما على قراءة التخفيف والرفع فهو منصوب على الذم وهو بدل بعض، ومن فسرهما بقبيلتين من الجن يكون عنده بدل كل. وقال ابن جرير فإن قال لنا القائل وكيف وجه تقديم ذلك، قيل تقديمه أن يقال واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان وما أنزل الله على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت، فيكون معنياً بالملكين جبريل وميكائيل، لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تزعم أن الله أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل إلى سليمان بن

داود، فأكذبهم الله بذلك وأخبر نبيه صلى الله عليه وسلم أن جبريل وميكائيل لم ينزلا بسحر، وبرأ سليمان مما نحلوه من السحر وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأنها تعلم الناس ذلك ببابل، وإن الذي يعلمونهم ذلك رجلان أحدهما هاروت والآخر ماروت، فيكون هاروت وماروت على هذا التأويل ترجمة عن الناس ورداً عليهم انتهى، يعني أنه بدل من الناس أي يعلمان الناس خصوصاً هاروت وماروت. وقال القرطبي في تفسيره بعد أن حكى معنى هذا الكلام ورجح أن هاروت وماروت بدل من الشياطين ما لفظه: هذا أولى ما حملت عليه الآية وأصح ما قيل فيها، ولا يلتفت إلى سواه، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة أفهامهم وأكثر ما يتعاطاه من الأنس النساء وخاصة في حال طمثهن، قال الله (ومن شر النفاثات في العقد). ثم قال: إن قيل كيف يكون اثنان بدلاً من جمع والبدل إنما يكون على حد المبدل منه! ثم أجاب عن ذلك بأن الاثنين قد يطلق عليهما الجمع أو أنهما خصا بالذكر دون غيرهما لتمردهما، ويؤيد هذا أنه قرأ ابن عباس والضحاك والحسن " الملكين " بكسر اللام، ولعل وجه الجزم بهذا التأويل مع بعده وظهور تكلفه تنزيه الله سبحانه أن ينزل السحر إلى أرضه فتنة لعباده على ألسن ملائكته، وعندي أنه لا موجب لهذا التعسف المخالف لما هو الظاهر، فإن لله سبحانه أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بنهر طالوت، ولهذا يقول الملكان (إنما نحن فتنة) ويؤيده ما قال أبو السعود أن مقام وصف الشياطين بالكفر وإضلال الناس مما لا يلائمه وصف رؤسائهم بما ذكر من النهي عن الكفر مع ما فيه من الإخلال بنظام الكلام، فإن الابدال في حكم تنحية المبدل منه. وقال هاروت وماروت عطف بيان للملكين علمان لهما، وقرىء بالرفع على هما هاروت وماروت انتهى المراد منه. قال ابن جرير: وذهب كثير من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء وأنهما أنزلا إلى الأرض فكان من أمرهما ما كان، وكان عبد الرحمن بن أبزي

يقرؤها (وما أنزل على الملكين داود وسليمان) وقال الضحاك هما علجان من أهل بابل، وهاروت وماروت اسمان أعجميان لا ينصرفان وهما سريانيان، ويجمعان على هواريت ومواريت وهوارية وموارية، وليس من زعم اشتقاقهما من الهرت والمرت وهو الكسر بمصيب لعدم انصرافهما، ولو كانا مشتقين كما ذكر لانصرفا. أخرج البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشرفت الملائكة على الدنيا فرأت بني آدام يعصون فقالت يارب ما أجهل هؤلاء وما أقل معرفة هؤلاء بعظمتك فقال الله لو كنتم في مسلاخهم لعصيتموني، قالوا كيف يكون هذا ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال اختاروا منكم ملكين فاختاروا هاروت وماروت، ثم أهبطا إلى الأرض وركبت فيهما شهوات بني آدم، ومثلت لهما امرأة فما عصما حتى واقعها المعصية، فقال الله اختارا عذاب الدنيا أو عذاب الآخرة فنظر أحدهما لصاحبه قال ما تقول، قال أقول إن عذاب الدنيا منقطع، وإن عذاب الآخرة لا ينقطع، فاختار عذاب الدنيا فهما اللذان ذكر الله في كتابه (وما أنزل على الملكين) الآية، وقد رويت هذه القصة عن ابن عمر بألفاظ وفي بعضها أنه يروي ذلك ابن عمر عن كعب الأحبار كما أخرجه جماعة من أهل الأثر. وأخرج الحاكم (¬1) وصححه عن علي بن أبي طالب أن هذه الزهرة تسميها العرب الزهرة والعجم " أناهيد " قال ابن كثير وهذا الإسناد رجاله ثقات وهو غريب جداً. وعن ابن عباس الزهرة امرأة وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عنه أن المرأة التي فتن بها الملكان مسخت فهذه هي الكوكبة الحمراء يعني الزهرة، وقيل وكانت من لخم أو من أهل فارس ملكة في بلدها، وكانت من أجمل النساء فمسخها الله كوكبا، وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عنه، فذكر قصة طويلة وفيها التصريح بأن الملكين شربا الخمر وزنيا ¬

(¬1) المستدرك 2/ 265.

بالمرأة وقتلاها، وعن ابن مسعود قال أنها أنزلت إليهما الزهرة في صورة امرأة وأنهما وقعا في الخطيئة. وقد روي في هذا الباب قصص طويلة، وروايات مختلفة استوفاها السيوطي في الدر المنثور، وذكر ابن كثير في تفسيره بعضها ثم قال وقد روي في قصة هاروت وماروت عن جماعة من التابعين كمجاهد والسدي والحسن البصري وقتادة وأبي العالية وغيرهم، وقصها خلق من المفسرين من المتقدمين والمتأخرين وحاصلها راجع في تفصيلها إلى أخبار بني اسرائيل إذ ليس فيها حديث مرفوع متصل الإسناد إلى الصادق المصدوق المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى، وظاهر سياق القرآن على ما أراده الله تعالى، والله تعالى أعلم انتهى. وقال أبو السعود هما معذبان ببابل قيل معلقان بشعورهما، وقيل منكوسان يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة، وهذا مما لا تعويل عليه، لما أن مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لأدلة العقل والنقل انتهى، ومثله في الخازن ونحوه في المظهري. وهذا القول يقتضي أن هذه القصة غير صحيحة وأنها لم تثبت بنقل معتبر، وتبع أبو السعود في ذلك البيضاوي التابع في ذلك للفخر الرازي والسعد التفتازاني وغيرهما ممن أطال في ردها. لكن قال الشيخ زكريا الأنصاري: الحق ما أفاده شيخنا حافظ عصره الشهاب ابن حجر أن لها طرقاً تفيد العلم بصحتها فقد رواها مرفوعة الإمام أحمد وابن حبان والبيهقي وغيرهم، وموقوفة على علي وابن مسعود وابن عباس، وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الخفاجي قال المحدثون وجميع رجاله غير موثوق بهم، لكن قال خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر أن له طرقاً كثيرة جمعتها في جزء مفرد يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخارجها. وقال بعضهم بلغت طرقه نيفاً وعشرين انتهى. (قلت والبيضاوي لما استبعد هذا المنقول ولم يطلع عليه قال إنه محكي عن اليهود، ولعله من رموز الأولين، ذكره الخطيب.)

وكذا أهل الكلام طعنوا في هذه القصة وعدوها من المحالات لمسخ الإنسان كوكباً كما بينوه في كتبهم. وحاول البيضاوي التوفيق بأنها تمثيلات كقصة ابسال وسلامان وحرير مقطان وغير ذلك مما وضعه المتقدمون والمتأخرون إشارة إلى أن القوى لو ركبت في تلك لعصت. وأسماء الله ومناجاته تلحق السفلى بالعلوى ونحوه. هذا؛ وقد أطنب الشيخ ابن حجر المكي في جواب الرازي واستبعاده لهذه القصة في كتابه الزواجر بما لا مزيد عليه. وقال القرطبي بعد سياق بعض تلك، قلنا هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره لا يصح منه شيء؛ فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه؛ وسفراؤه إلى رسله (ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ثم ذكر ما معناه أن العقل يجوز وقوع ذلك منهم لكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح انتهى. وأقول هذا مجرد استبعاد وقد ورد الكتاب العزيز في هذا الموضع تراه ولا وجه لإخراجه عن ظاهره بهذه التكلفات؛ وما ذكره من أن الأصول تدفع ذلك؛ فعلى فرض وجود هذه الأصول فهي مخصصة بما وقع في هذه القصة، ولا وجه لمنع التخصيص، وقد كان إبليس بتلك المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين (¬1) (وما يعلمان من أحد) أي هاروت وماروت أو الرجلان والأول أولى؛ قال الزجاج تعليم إنذار من السحر لا تعليم دعاء إليه؛ قال وهو الذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر؛ ومعناه أنهما يعلمان على النهي فيقولان لهم لا تفعلوا كذا، وقد قيل أن قوله (ويعلمان) من الإعلام لا من التعليم وقد جاء في كلام العرب تعلم بمعنى أعلم كما حكاه ابن الأنباري وابن الأعرابي وهو كثير في أشعارهم (حتى يقولا) أي إلا أن ينصحاه أولا أو أن يقولا. ¬

(¬1) قوله: كان إبليس بتلك المنزلة العظيمة وصار أشر البرية وأكفر العالمين دعوى لا دليل عليها.

(إنما نحن فتنة) هو على ظاهره أي ابتلاء واختبار من الله لعباده ومحنة، وقيل إنه استهزاء منهما لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحقق ضلاله والأول أولى، والمعنى إنما نحن ابتلاء فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر، ومن توقى عن العمل به واتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقي على الإيمان، فلا تكفر باعتقاد حقيته وجواز العمل به قاله أبو السعود. قال الخفاجي وفيه إشارة إلى أن الاجتناب واجب احتياطاً وكما لا يحرم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبهة وإن كان أغلب أحواله التحريم، كذلك تعلم السحر إن فرض فشوه في صقع وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق، وهو لا ينافي إطلاق القول بالتحريم فاعرفه، انتهى. قلت أخرج البزار (بإسناد صحيح والحاكم وصححه عن ابن مسعود " من أتى كاهناً أو ساحراً وصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج البزار عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له، ومن عقد عقدة ومن أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد " وأخرج عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من تعلم شيئاً من السحر قليلاً أو كثيراً كان آخر عهده من الله ". وفي قولهما (فلا تكفر) أبلغ إنذار وأعظم تحذير أي أن هذا ذنب يكون من فعله كافراً فلا تكفر، وفيه دليل على أن تعلم السحر كفر، وظاهره عدم الفرق بين المعتقد وغير المعتقد، وبين من تعلمه ليكون ساحراً، ومن تعلمه ليقدر على دفعه، وبه قال أحمد. (فيتعلمون منهما) يعني من الملكين (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) أي سحراً سبباً في التفريق بينهما كالتمويه والتخييل والنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده البغضاء والنشوز والخلاف بين الزوجين ابتلاء من الله تعالى، وفي إسناد التفريق إلى السحرة وجعل السحر سبباً لذلك دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد، وقد ذهب

طائفة من العلماء إلى أن الساحر لا يقدر على أكثر مما أخبر الله به من التفرقة، لأن الله ذكر ذلك في معرض الذم للسحر وبين ما هو الغاية في تعليمه، فلو كان يقدر على أكثر من ذلك لذكره، وقالت طائفة أخرى أن ذلك خرج مخرج الأغلب وأن الساحر يقدر على غير ذلك المنصوص عليه، وقيل ليس للسحر تأثيراً في نفسه أصلاً لقوله تعالى. (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) والحق أنه لا تنافي بين القولين المذكورين، فإن المستفاد من جميع ذلك أن للسحر تأثير في نفسه وحقيقة ثابتة، ولم يخالف في ذلك إلا المعتزلة وأبو حنيفة كما تقدم وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال. (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) يعني السحر لأنهم يقصدون به العمل أو لأن العلم يجر إلى العمل غالباً، وفيه تصريح بأن السحر لا يعود على صاحبه بفائدة ولا يجلب إليه منفعة بل هو ضرر محض، وخسران صرف، وشر بحت، قال أبو السعود فيه أن الاجتناب عما لا تؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التي لا يؤمن أن تجر إلى الغواية، وإن قال من قال: عرفت الشر لا للشر ... ولكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر ... من الناس يقع فيه (ولقد علموا) يعني اليهود (لمن اشتراه) أي اختار السحر، والمراد بالشراء هنا الاستبدال أي من استبدل ما يتلو الشياطين (ما له في الآخرة من خلاق) أي من نصيب كما عند أهل اللغة، كذا قال الزجاج (ولبئس ما شروا به أنفسهم) أي باعوها وقد أثبت لهم العلم في قوله ولقد علموا، ونفاه عنهم في قوله (لو كانوا يعلمون) واختلفوا في توجيه ذلك فقال قطرب والأخفش أن المراد بقوله (ولقد علموا) الشياطين والمراد بقوله (لو كانوا يعلمون) الأنس وقال الزجاج أن الأول للملكين وإن كان بصيغة الجمع فهو مثل قولهم الزيدان قاموا، والثاني المراد به علماء اليهود، وإنما قال لو كانوا يعلمون لأنهم تركوا العمل بعلمهم.

وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)

103

(ولو أنهم آمنوا) أي اليهود بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وما جاء به من القرآن (واتقوا) ما وقعوا فيه من السحر والكفر (لمثوبة من عند الله) أي لكان ثواب الله إياهم (خير) لهم يعني هذا الثواب، والمثوبة وزنها مفعولة قاله الواحدي أو مفعلة كمشورة ومتربة وكان من حقها الإعلال فيقال مثابة كمقالة إلا أنهم صححوها، قاله السمين (لو كانوا يعلمون) ذلك هو إما للدلالة على أنه لا علم لهم أو لتنزيل علمهم مع عدم العمل منزلة العدم.

104

(يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) أي راقبنا واحفظنا ويجوز أن يكون من أعرنا سمعك أي فرغه لكلامنا، ووجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سبا قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت، وقيل غير ذلك فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم راعنا طلبا منه أن يراعيهم من المراعاة اغتنموا الفرصة وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السب الذي هو معنى هذا اللفظ في لغتهم، وفي ذلك دليل على أنه ينبغي تجنب الألفاظ المحتملة للسب والنقص وإن لم يقصد المتكلم بها هذا المعنى المفيد للشتم سداً للذريعة ودفعاً للوسيلة، وقطعاً لمادة المفسدة والتطرق إليه. ثم أمرهم الله بأن يخاطبوا النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يحتمل النقص ولا يصلح للتعريض فقال (وقولوا انظرنا) أي أقبل علينا وانظر إلينا وهو من

باب الحذف والإيصال، وقيل معناه انتظرنا وتأن بنا، وقرأ الأعمش أنظرنا بمعنى أخرنا وأمهلنا حتى نفهم عنك، وأمرهم بعد هذا النهي والأمر بأمر آخر وهو قوله. (واسمعوا) أي اسمعوا ما أمرتم به ونهيتم عنه، معناه أطيعوا الله في ترك خطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك اللفظ وخاطبوه بما أمرتم به، ولا تخاطبوه بما يسر اليهود، بل تخيروا لخطابه صلى الله عليه وآله وسلم من الألفاظ أحسنها ومن المعاني أدقها، ويحتمل أن يكون معناه اسمعوا ما يخاطبكم به الرسول من الشرع حتى يحصل لكم المطلوب بدون طلب للمراعاة. قال ابن جرير والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه صلى الله عليه وسلم راعنا لأنها كلمة كرهها الله أن يقولوها لنبيه صلى الله عليه وسلم نظير الذي ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تقولوا للعنب الكرم ولكن قولوا الحبلة ولا تقولوا عبدي ولكن قولوا فتاي " وما أشبه ذلك، ثم توعد اليهود بقوله (وللكافرين عذاب أليم) ويحتمل أن يكون وعيداً شاملاً لجنس الكفرة.

105

(ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم) فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودون إنزال الخير عليهم من الله سبحانه، وقد قيل بأن الخير الوحي وقيل غير ذلك والظاهر أنهم لا يودون أن ينزل على المسلمين أي خير كان فهو لا يختص بنوع معين كما يفيده وقوع هذه النكرة في سياق النفي، وتأكيد العموم بدخول " من " المزيدة عليها وإن كان بعض أنواع الخير أعظم من بعض فذلك لا يوجب التخصيص. (والله يختص برحمته) أي يميز (من يشاء) تمييزه والرحمة قيل هي القرآن والإسلام، وقيل النبوة وقيل جنس الرحمة من غير تعيين كما يفيد ذلك الإضافة إلى ضميره تعالى (والله ذو الفضل العظيم) فكيف لا يودون أن يختص برحمته من يشاء من عباده وكل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم فإنه منه ابتداء وتفضلاً عليهم من غير استحقاق أحد منهم لذلك، بل له الفضل والمنة على خلقه.

106

مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) (ما ننسخ من آية) كلام مستأنف قاله أبو السعود، وقال البهنسي لم يعطف لشدة ارتباطه بما قبله، والنسخ في كلام العرب على وجهين. أحدهما النقل كنقل كتاب من آخر، وعلى هذا يكون القرآن كله منسوخاً أعني من اللوح المحفوظ، ولا مدخل لهذا المعنى في هذه الآية ومنه إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون أي نأمر بنسخه. الثاني الإبطال والإزالة وهو المقصود هنا، وهذا القسم الثاني ينقسم إلى قسمين عند أهل اللغة أحدهما إبطال الشيء وزواله وإقامة آخر مقامه ومنه نسخت الشمس الظل إذا أذهبته وحلت محله، وهو معنى قوله (ما ننسخ من آية) وفي صحيح مسلم " لم تكن نبوة قط إلا تناسخت " أي تحولت من حال إلى حال (والثاني) إزالة الشيء دون أن يقوم مقامه آخر كقولهم نسخت الريح الأثر، ومن هذا المعنى فينسخ الله ما يلقي الشيطان أي يزيله، وروي عن أبي عبيد أن هذا قد كان يقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت تنزل عليه السورة فترفع فلا تتلى ولا تكتب ومنه ما روي عن أبي وعائشة أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة في الطول. قال ابن فارس النسخ الكتاب والنسخ أن يزيل أمراً أكان من قبل يعمل به ثم ينسخه بحادث غيره كالآية تنزل بأمر ثم تنسخ بأخرى وكل شيء خلف شيئاً فقد انتسخه، يقال نسخ الشيب الشباب، وتناسخ الورثة أن تموت ورثة بعد ورثة، وأصل الميراث قائم وكذا تناسخ الأزمنة والقرون. وقال ابن جرير معنى ما ننسخ ما ننقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يحول الحلال حراماً والحرام حلالاً والمباح محظوراً والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الإخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ، وأصل النسخ من نسخ الكتاب

وهو نقله من نسخة إلى أخرى فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره إنما هو تحويله إلى غيره، وسواء نسخ حكمها أو خطها إذ هي في كلتي حالتيها منسوخة انتهى. وقد جعل علماء الأصول مباحث النسخ من جملة مقاصد ذلك الفن فلا نطول بذكره بل نحيل من أراد الاستيفاء عليه على كتابنا [حصول المأمول من علم الأصول] فليرجع إليه، وقد اتفق أهل الإسلام على ثبوته سلفاً وخلفاً (¬1) وهو جائز عقلاً وواقع سمعاً، ولم يخالف في ذلك أحد إلا من لا يعتد بخلافه ولا بؤبه بقوله، وقد اشتهر عن اليهود أقمأهم الله إنكاره وهم محجوجون بما في التوراة فإن الله قال لنوح عليه السلام عند خروجه من السفينة إني قد جعلت كل دابة مأكلاً لك ولذريتك وأطلعت ذلك لكم كنبات العشب ما خلا الدم فلا تأكلوه، ثم قد حرم على موسى وعلى بني اسرائيل كثيراً من الحيوان. وثبت في التوراة أن آدم كان يزوج الأخ من الأخت وقد حرم الله ذلك على موسى عليه السلام وعلى غيره، وثبت فيها أن إبراهيم عليه السلام أمر بذبح ابنه ثم قال الله له لا تذبحه وأن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد منهم العجل ثم أمرهم برفع السيف عنهم، وحرم عليهم العمل يوم السبت ولم يحرمه على من كان قبلهم ونحو هذا كثير في التوراة الموجودة بأيديهم، والقرآن الكريم نسخ جميع الشرائع والكتب القديمة كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها أو بالحكم المستفاد منها أو بهما جميعاً، وإنساؤها إذهابها من القلوب. (أو ننسأها) بفتح النون والسين والهمز ومعنى هذه القراءة نؤخرها عن النسخ من قولهم نسأت هذا الأمر إذا أخرته، قال ابن فارس ويقولون نسأ الله في أجلك وأنسأ الله أجلك، وقد انتسأ القوم إذا تأخروا وتباعدوا ونسأتهم أنا أي أخرتهم، وقيل معناه نؤخر نسخ لفظها أي نتركه في أم الكتاب فلا يكون، وقيل ¬

(¬1) وللشيخ زكريا علي يوسف كتاب سماه (الإيمان وآثاره) ذكر فيه فصلاً طويلاً رد فيه على المجددين الذين أنكروا النسخ في القرآن بغير دليل أو برهان.

نذهبها عنكم لا تقرأ ولا تذكر، وقرىء ننسها بضم النون من النسيان الذي بمعنى الترك أي نتركها فلا نبدلها ولا ننسخها. ومنه قوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي تركوا عبادته فتركهم في العذاب، وحكى الأزهري أن معناه نأمر بتركها يقال أنسيته الشيء أي أمرته بتركه ونسيته تركته، وقال الزجاج أن القراءة بضم النون لا يتوجه فيها معنى الترك لا يقال أنسى بمعنى ترك، قال وما روي عن ابن عباس أو ننسها أي نتركها لا نبدلها فلا يصح. والذي عليه أكثر أهل اللغة والنظر أن معنى أو ننسها نبح لكم تركها من نسى إذا ترك ثم تعديه، وقد ثبت في البخاري وغيره عن أنس " أن الله أنزل في الذين قتلوا في بئر معونة أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا " ثم نسخ، وهكذا ثبت في مسلم وغيره عن أبي موسى قال " كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة براءة فانسيتها غير أني حفظت منها لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوفه إلا التراب " وكنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات أولها سبح لله ما في السموات فأنسيناها غير أني حفظت منها (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون) فتكتب شهادة في أعناقكم فتسئلوا عنها يوم القيامة، وقد روي مثل هذا من طريق جماعة من الصحابة ومنه آية الرجم كما رواه عبد الرزاق وأحمد وابن حبان عن عمر. (نأت بخير منها أو مثلها) أي نأت بما هو أنفع للناس منها في العاجل والآجل أو في أحدهما أو بما هو مماثل لها من غير زيادة، ومرجع ذلك إلى إعمال النظر في المنسوخ والناسخ فقد يكون الناسخ أخف فيكون أنفع لهم في العاجل، وقد يكون أثقل وثوابه أكثر فيكون أنفع في الآجل، وقد يستويان فتحصل المماثلة، وقال الشافعي الكتاب لا ينسخ بالسنة المتواترة وتابعه على ذلك طائفة، واستدل بهذه الآية وليس بصحيح، والحق جواز نسخ الكتاب بالسنة، والكلام في هذا معروف في أصول الفقه.

107

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107) (ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير) هذه الآية تفيد أن النسخ من مقدوراته وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد هو وأمته وفيه دليل على جواز النسخ والاستفهام للتقرير وهكذا قوله (ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض) أي له التصرف فيهما بالإيجاد والاختراع ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم، وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال والأزمنة والأشخاص، وهذا وإن كان خطاباً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنه فيه تكذيب لليهود المنكرين للنسخ. (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) بينهما عموم وخصوص من وجه فإن الولي قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون أجنبياً عن المنصور، وفيه إشارة إلى تعلق الخطابين السابقين بالأمة أيضاً، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول والامتثال والتعظيم والإجلال. وقد ذهب جمهور أهل الأصول إلى جواز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وخالف في ذلك الشافعي وتابعه على ذلك طائفة، واختلف المانعون فمنهم من منعه عقلاً كالحرث المحاسبي وعبد الله بن سعيد القلانسي، وهو رواية عن أحمد ابن حنبل، ومنهم من منعه سمعاً كالشيخ أبي حامد الإسفرايني، احتج الجمهور بأن التكليف بمتواتر السنة كالتكليف بالآية القرآنية وبأن ذلك قد وقع في هذه الشريعة المطهرة، واحتج الآخرون بقوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وتقرير الدلالة من وجهين.

إحدهما أن ما ينسخ به القرآن يجب أن يكون خيراً أو مثلاً، والسنة ليست كذلك. ثانيهما أنه قال (نأت) والضمير لله سبحانه، فيجب أن لا ينسخ إلا بما يأتي به الله وهو القرآن. وأجاب الأولون عن ذلك بأن المراد بقوله نأت بخير منها أو مثلها أي بحكم خير منها أو مثلها في حق المكلف باعتبار الثواب وهذا صحيح، ولا يخالفه الضمير في قوله (نأت) فإن القرآن والسنة جميعاً من عند الله سبحانه، ْقال الله تعالى (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) والكلام في المسألة طويل وهو مدون في الأصول بما لا يتسع المقام لبسطه، فالحق الجواز. وأما نسخ الكتاب بما صح من آحاد السنة فقد منعه الجمهور لأن الآحاد لا تفيد القطع والكتاب مقطوع به، وذهب جماعة من متأخري الحنفية إلى جواز نسخ القرآن بالخبر المشهور، وقال في جمع الجوامع أن نسخ القرآن بالآحاد جائز غير واقع، وقال أبو بكر الباقلاني والغزالي وأبو عبد الله البصري أنه جائز في عصره صلى الله عليه وآله وسلم لا بعده، وذهب جمع من الظاهرية إلى جوازه ووقوعه. وأقول أن النزاع إن كان في قطعية المتن فلا شك أن القرآن كذلك وما صح من آحاد السنة ليس بقطع، وإن النزاع في الدلالة فإن كان القرآن المنسوخ عموماً أو محتملاً فدلالته ظنية كدلالة ما صح من الآحاد، والذي يصلح أن يكون محلاً للنزاع هنا هو الثاني لا الأول، على أنه قد وقع نسخ القطعي بالظني فإن استقبال بيت المقدس ثبت ثبوتاً قطيعاً متواتراً، ثم أن أهل قباء استداروا إلى الكعبة وهم في الصلاة بخبر واحد، ولم ينكر عليهم ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكذلك ثبت نسخ الوصية للوالدين والأقربين

بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " لا وصية لوارث " وكذلك نسخ قوله تعالى (لا يحل لك النساء من بعد) بقول عائشة رضي الله تعالى عنها ما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحل الله له أن يتزوج من النساء ما يشاء، ونسخ قوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحى إليّ محرماً) الآية بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب، والكلام في هذا يطول ومحله مطولات كتب الأصول، فإن استيفاء الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى رسالة مستقلة والله أعلم. وعدة الآيات المنسوخات قد بلغها بعضهم إلى خمسمائة آية لكن قال الشيخ أحمد ولي الله الدهلوي وعلى ما حررنا لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات انتهى، وعندي أن في هذه الخمس نظراً أيضاً كما بينته في دليل الطالب. وأما الأحاديث المنسوخة فعدتها عند ابن الجوزي أحد وعشرون حديثاً، وعند الحافظ ابن القيم أقل من عشرة أحاديث كما أفاد في أعلام الموقعين، وقال النسخ الواقع في الأحاديث الذي أجمعت عليه الأمة لا يبلغ عشرة أحاديث البتة ولا شطرها انتهى (¬1). وقال الزرقاني في شرح الموطأ: مذهب المحدثين والأصوليين والفقهاء أنه متى أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع انتهى، وفي الدراسات لمحمد معين: قد تكلمت على بطلان النسخ الاجتهادي في أجزاء مفردة سميتها غاية الفسخ لمسئلة النسخ، وهو الأكثر في دعاوى المتأخرين لا سيما الفقهاء الحنفيين، والنسخ المعول عليه عند المتقدمين هو المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأما غيره فتعدية وتجاوز من التعبد إلى التشريع انتهى وتفصيل ذلك ذكرناه في إفادة الشيوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ. ¬

(¬1) وقد كثرت المصنفات حول الناسخ والمنسوخ منها. - فيضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن. - أخبار أهل الرسوخ لابن الجوزي. - الناسخ والمنسوخ من كتاب الله وغيرها فليرجع إليها،

108

أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) (أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل) أم بمعنى بل وفي هذا توبيخ وتقريع أي سؤالاً مثل ما سئل موسى حيث سألوه أن يريهم الله جهرة إلى غير ذلك، وسألوا محمداً - صلى الله عليه وسلم - أن يأتي بالله والملائكة قبيلاً، ورُويت في سبب نزول هذه الآية روايات لا نطول بذكرها (¬1). (ومن يتبدل الكفر بالإيمان) أي يستبدل ويأخذه بدله بترك النظر في الآيات البينات واقتراح غيرها والباء للعوض كما استظهره السفاقسي لا للسبب، كما قال به أبو البقاء، قيل خطاب للمؤمنين أعلمهم أن اليهود أهل غش وحسد. (فقد ضل سواء السبيل) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الطريق المستوي أي المعتدل أي الحق، ومعنى ضل أخطأ، وسواء هو الوسط من كل شيء قاله أبو عبيدة ومنه قوله تعالى: (وفي سواء الجحيم) وقال الفراء: السواء القصد أي ذهب عن قصد الطريق وسمته أي طريق طاعة الله. ¬

(¬1) أن رجلاً قال: يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل، فقال النبي، - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم لا نبغيها، ما أعطاكم الله، خير مما أعطى بني اسرائيل، كانوا إذا أصاب أحدهم الخطيئة؛ وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، فقد أعطاكم الله خيراً مما أعطى بني اسرائيل. فقال: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه [ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً]) النساء: 110. وقال: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن " فنزلت هذه الآية. قاله أبو العالية.

109

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109) (ود كثير من أهل الكتاب) أي تمنى كثير من اليهود، فيه إخبار المسلمين بحرص اليهود على فتنتهم وردهم عن الإسلام والتشكيك عليهم في دينهم (لو) مصدرية. (لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم) يحتمل أن يتعلق بقوله ود أي ودوا ذلك من عند أنفسهم ويحتمل أن يتعلق بقوله حسداً أي حسداً ناشئاً من عند أنفسهم وهو علة لقوله ود، والحسد تمني زوال نعمة الإنسان. (من بعد ما تبين لهم الحق) يعني في التوراة أن قول محمد صلى الله عليه وآله وسلم ودينه حق لا يشكون فيه فكفروا به بغياً وحسداً. (فاعفوا واصفحوا) والعفو ترك المؤاخذة بالذنب والصفح إزالة أثره من النفس، صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه وقد ضربت عنه صفحاً إذا أعرضت عنه، وقيل هما متقاربان، والعطف على هذا للتأكيد وحسنه تغاير اللفظين، وفيه الترغيب في ذلك والإرشاد إليه، وقد نسخ ذلك بالأمر بالقتال قاله أبو عبيدة (حتى يأتي الله بأمره) أي افعلوا ذلك إلى أن يأتي إليكم الأمر من الله سبحانه في شأنهم بما يختاره ويشاؤه وما قد قضى به في سابق علمه وهو قتل من قتل منهم وإجلاء من أجلى وضرب الجزية على من ضربت عليه، والسلام على من أسلم (إن الله على كل شيء قدير) فيه وعيد وتهديد لهم عظيم.

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111)

110

(وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير) حث من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم وينصرهم على المخالفين لهم (تجدوه عند الله) يعني ثوابه وأجره حتى التمرة واللقمة مثل أحد (إن الله بما تعملون بصير) لا يخفى عليه شيء من قليل الأعمال وكثيرها وفيه ترغيب في الطاعات وأعمال البر، وزجر عن المعاصي.

111

(وقالوا) أي أهل الكتاب من اليهود والنصارى (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى) قال الفراء: يجوز أن يكون هوداً بمعنى يهودياً وأن يكون جمع هائد، والنصارى جمع نصران أو نصرى والمراد يهود المدينة ونصارى نجران وقدمت اليهود على النصارى لفظاً لتقدمهم زماناً، قيل في هذا الكلام حذف وأصله وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً هكذا قال كثير من المفسرين وسبقهم إلى ذلك بعض السلف، وظاهر النظم القرآني أن طائفتي اليهود والنصارى وقع منهم هذا القول وأنهم يختصون بذلك دون غيرهم، ووجه القول بأن في الكلام حذفاً ما هو معلوم من أن كل طائفة من هاتين الطائفتين تضلل الأخرى، وتنفي عنها أنها على شيء من الدين فضلاً عن دخول الجنة كما في هذا الموضع فإنه قد حكى الله عن اليهود أنها قالت (ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء). (تلك أمانيهم) أي شهواتهم الباطلة التي تمنوها على الله بغير حق،

والأماني جمع أمنية قد تقدم تفسيرها، والإشارة بقوله تلك إلى ما تقدم لهم من الأماني التي آخرها أنه لا يدخل الجنة غيرهم وقيل أن الإشارة إلى هذه الأمنية الآخرة، والتقدير مثال تلك الأمنية أمانيهم على حذف المضاف ليطابق أمانيهم (¬1). (قل هاتوا) يقال للمفرد المذكر هات وللمؤنث هاتي، وهو اسم فعل بمعنى احضر، وقيل اسم صوت بمعنى ها التي بمعنى احضر وقيل فعل أمر، وهذا هو الصحيح (برهانكم) أي حجتكم على دعواكم أن الجنة لا يدخلها إلا من كان يهودياً أو نصرانياً دون غيرهم، والبرهان الدليل الذي يحصل عنده اليقين، قال ابن جرير: طلب الدليل هنا يقتضي إثبات النظر، ويرد على من ينفيه، والبرهان مشتق من البره وهو القطع ومنه برهة من الزمان أي القطعة منه، وقيل نونه أصلية لثبوتها في برهن يبرهن برهنة، والبرهنة البيان ووزنه فعلل لا فعلن (إن كنتم صادقين) أي في تلك الأماني المجردة والدعاوى الباطلة، قال الرازي دلت الآية على أن المدعي سواء ادعى نفياً وإثباتاً فلابد له من الدليل والبرهان، وذلك من أصدق الدلائل على بطلان القول بالتقليد، انتهى. ¬

(¬1) قال ابن عباس: اختصم يهود المدينة ونصارى نجران عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء، ولا يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وكفروا بالإنجيل وعيسى. وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، وكفروا بالتوراة وموسى؛ فقال الله تعالى. (تلك أمانيهم).

112

بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113) ثم رد عليهم فقال (بلى) وهو إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة أي ليس كما تقولون بل يدخلها (من أسلم وجهه لله) أي استسلم، وقيل أخلص وخص الوجه بالذكر لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع السجود، ومجمع الحواس والمشاعر الظاهرة وفيه يظهر العز والذل، وقيل أن العرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء وإن المعنى هنا الوجه وغيره، وقيل المراد بالوجه هنا المقصد أي من أخلص مقصده، ومجموع الشرط والجزاء رد على أهل الكتاب وإبطال لتلك الدعوى (وهو محسن) موحد أي متبع في عمله لله (فله أجره عند ربه) أي ثواب عمله وهو الجنة (ولا خوف عليهم) أي في الآخرة وأما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفاً وحزناً من غيرهم لأجل خوفهم من العاقبة (ولا هم يحزنون) على ما فاتهم من الدنيا أو للموت.

113

(وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قاله رافع بن حرملة (وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) بيان لتضليل كل فريق صاحبه بخصوصه أثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم، قيل نزلت في يهود المدينة ونصارى نجران تناظروا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وارتفعت أصواتهم وقالوا هذا القول وفيه أن كل طائفة تنفي الخير عن الأخرى، ويتضمن ذلك إثباته لنفسها تحجراً لرحمة الله سبحانه، قال في الكشاف: أن الشيء هو الذي يصح ويعتد به قال: وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليهما اسم الشيء وإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه فقد بولغ في ترك الإعتداد به إلى ما ليس بعده،

وهكذا قولهم أقل من لا شيء. (وهم يتلون الكتاب) أي التوراة والإنجيل، وليس فيهما هذا الاختلاف فكان حق كل منهم أن يعترف بحقية دين صاحبه حسبما ينطق به كتابه، فإن كتب الله تعالى متصادقة وقيل المراد جنس الكتاب وفي هذا أعظم توبيخ وأشد تقريع لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة والتكلم بما ليس عليه برهان، هو وإن كان قبيحاً على الإطلاق لكنه من أهل العلم والدراسة لكتب الله أشد قبحاً وأفظع جرماً وأعظم ذنباً. (كذلك) أي مثل ذلك الذي سمعت به بعينه لا قولاً مغايراً له. (قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) المراد بهم كفار العرب الذين لا كتاب لهم قالوا مثل مقالة اليهود اقتداء بهم لأنهم جهلة لا يقدرون على غير التقليد لمن يعتقدون أنه من أهل العلم، وقيل المراد بهم طائفة من اليهود والنصارى وهم الذين لا علم عندهم، وقال عطاء هم أمم كانت قبل اليهود والنصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب قالوا في أنبيائهم أنهم ليسوا على شيء. (فالله يحكم بينهم يوم القيامة) أي بين المحق والمبطل. (فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين، أخبر سبحانه بأن هو المتولي لفصل هذه الخصومة التي وقع فيها الخلاف عند الرجوع إليه فيعذب من يستحق التعذيب وينجي من يستحق النجاة.

114

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114) قال الرازي: واعلم أن هذه الواقعة بعينها قد وقعت في أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن كل طائفة تكفر الأخرى مع اتفاقهم على تلاوة القرآن انتهى. (ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه) هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم غير متناه وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم أي لا أحد أظلم ممن يمنع مساجد الله أي من يأتي إليها للصلاة والتلاوة والذكر وتعليمه (وسعى في خرابها) قال أبو البقاء: الخراب اسم مصدر بمعنى التخريب، وقال غيره: هو مصدر خرب المكان يخرب خراباً وهو هنا السعي في هدمها ورفع بنيانها، ويجوز أن يراد بالخراب تعطيلها عن الطاعات التي وضعت لها فيكون أعم من قوله (أن يذكر فيها اسمه) فيشمل جميع ما يمنع من الأمور التي بنيت لها المساجد لتعلم العلم وتعليمه والقعود للاعتكاف وانتظار الصلاة، ويجوز أن يراد ما هو أعم من الأمرين من باب عموم المجاز كما في قوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله). (أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين) هذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي ما كان ينبغي للمانعين دخولها في جميع الأحوال إلا حال خوفهم وخشوعهم، وذلك أن بيت المقدس موضع حج النصارى وزيارتهم، قال ابن عباس: لم يدخلها بعد عمارتها رومي أو نصراني إلا خائفاً إن علم به قتل، وقيل أخيفوا بالجزية والقتل، فالجزية على الذمي، والقتل على الحربي، وقيل خوفهم هو فتح مدائنهم الثلاث قسطنطينية ورومية وعمورية والأول أولى. وفيه إرشاد للعباد من الله عز وجل أنه ينبغي لهم أن يمنعوا مساجد الله

من أهل الكفر من غير فرق بين مسجد ومسجد، وبين كافر وكافر كما يفيده عموم اللفظ، ولا ينافيه حصول السبب الخاص وأن يجعلوهم بحالة إذا أرادوا الدخول كانوا على وجل وخوف من أن يفطن لهم أحد من المسلمين فينزلون بهم ما يوجب الإهانة والإذلال، وليس فيه الإذن لنا بتمكينهم من ذلك حال خوفهم، بل هو كناية عن المنع لهم منا من دخول مساجدنا، وقيل معناه ما كان الحق أن يدخلوها إلا خائفين من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلاً أن يمنعوهم منها، أو ما كان لهم في علم الله وقضائه، فيكون وعداً للمؤمنين بالنصر واستخلاص المساجد منهم وقد أنجز وعده. (لهم في الدنيا خزي) يعني الصغار والذل والقتل والسبي وقيل هو ضرب الجزية عليهم وإذلالهم وقيل غير ذلك وقد تقدم تفسيره (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) يعني النار. قال ابن عباس: أن قريشاً منعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام يعني في ابتداء الإسلام فأنزل الله (ومن أظلم) الآية نزلت في خراب بيت المقدس على يد فلطيوس الرومي ولم يزل خراباً حتى بناه المسلمون في عهد عمر رضي الله تعالى عنه، وقال السدي: هم الروم كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس، وليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، وقد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها، وأما بخزيهم في الدنيا فإنه إذا قام المهدي وفتحت القسطنطينية قتلهم فذلك الخزي، وعن قتادة أنهم الروم، وعن كعب أنهم النصارى لما ظهروا على بيت المقدس حرقوه، وفيه أنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: هم المشركون حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البيت يوم الحديبية، قال أبو صالح:

ليس للمشركين أن يدخلوا المسجد إلا خائفين، عن قتادة قال: يعطون الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، وقال (مساجد الله) وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام لأن الحكم عام، وإن كان السبب خاصاً. ورجح الطبري القول الأول، وقال: إن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس بدليل أن مشركي العرب لم يسعوا في خراب المسجد الحرام وإن كانوا قد منعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الأوقات من الصلاة فيه. وأيضاً الآية التي قبل هذه والتي بعدها في ذم أهل الكتاب، ولم يجر لمشركي مكة ذكر، ولا للمسجد الحرام، فتعين أن يكون المراد بهذه بيت المقدس، ورجح غيره القول الثاني بدليل أن النصارى يعظمون بيت المقدس أكثر من اليهود، فكيف يسعون في خرابه وهو موضع حجهم. وقال الرازي: وعندي فيه وجه خامس وهو أقرب إلى رعاية النظم وهو أنه لما حولت القبلة إلى الكعبة شق ذلك على اليهود فكانوا يمنعون الناس عن الصلاة إلى الكعبة، ولعلهم سعوا أيضاً في تخريب الكعبة وفي تخريب مسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التأويل أولى مما قبله انتهى، وفي أحكام القرآن أنه كل مسجد، قال: وهو الصحيح لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع فتخصيصه ببعض المساجد أو ببعض الأزمنة محال. قلت وهذا هو الصواب فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل فيه السبب الخاص دخولاً أولياً.

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116)

115

(ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) المشرق موضع الشروق والمغرب موضع الغروب، وهما اسما مكان وقيل إسما مصدر أي الإشراق والإغراب، أي هما ملك لله وما بينهما من الجهات والمخلوقات فيشمل الأرض كلها أي جهة تستقبلونها فهناك وجه الله أي المكان الذي يرتضي لكم استقباله، وذلك يكون عند التباس جهة القبلة التي أمرنا بالتوجه إليها بقوله سبحانه (فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) قال في الكشاف: والمعنى أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام أو في بيت المقدس فقد جعلت لكم الأرض مسجداً فصلوا في أي بقعة شئتم من بقاعها وافعلوا التولية فيها فإن التولية ممكنة في كل مكان لا يختص أماكنها في مسجد دون مسجد، ولا في مكان دون مكان، انتهى. وهذا التخصيص لا وجه له فإن اللفظ أوسع منه وإن كان المقصود به بيان السبب فلا بأس " وأين " هنا اسم شرط وهي ظرف مكان وتكون اسم استفهام أيضاً فهي مشترك بينهما و " ثم " اسم إشارة للمكان البعيد خاصة مثل هنا، وقال أبو البقاء: نائب عن هناك، وليس بشيء (إن الله واسع عليم) فيه إرشاد إلى سعة رحمته وأنه يوسع على عباده في دينهم ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم، وقيل واسع بمعنى أنه يسع علمه كل شيء كما قال وسع كل شيء علماً، وقال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاؤه كل شيء. عن ابن عباس قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا والله أعلم شأن القبلة قال الله تعالى (ولله المشرق والمغرب) الآية فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى نحو بيت المقدس وترك البيت العتيق، ثم

صرفه الله إلا البيت العتيق ونسخها فقال (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلّي على راحلته تطوعاً أينما توجهت به ثم قرأ ابن عمر هذه الآية (أينما تولوا فثم وجه الله) وقال في هذا أنزلت هذه الآية (¬1)، وأخرج نحوه عنه ابن جرير والدارقطني والحاكم وصححه. وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر وغيره عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي على راحلته قبل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى (1)، وأخرج عبد بن حميد والترمذي وضعفه وابن ماجة وابن جرير وغيرهم عن عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة سوداء (¬2) مظلمة فنزلنا منزلاً فجعل الرجل يأخذ الأحجار فيعمل مسجداً فيصلي فيه فلما أن أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة فقلنا يا رسول الله لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة فأنزل الله (ولله المشرق والمغرب) الآية فقال " مضت صلاتكم (¬3) " عن ابن عباس قال: قبلة الله أينما توجهت شرقاً أو غرباً، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بين المشرق والمغرب (¬4) قبلة أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن ماجة. ¬

(¬1) الترمذي كتاب التفسير سورة 2 باب 4. (¬2) صحيح الجامع الصغير 4841. (¬3) ابن كتير 1/ 158. (¬4) صحيح الجامع الصغير 5460.

116

(وقالوا اتخذ الله ولداً) القائل هم اليهود والنصارى، فاليهود قالوا عزير ابن الله والنصارى قالوا المسيح ابن الله، وقيل هم كفار العرب قالوا الملائكة بنات الله أخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

قال: " قال الله تعالى كذبني ابن آدم وشتمني، فأما تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً (¬1) " وأخرج نحوه أيضاً من حديث أبي هريرة، وفي الباب أحاديث. والمراد بقوله (سبحانه) تنزيه الله تعالى عما نسبوا إليه من اتخاذ الولد، وفيه رد على القائلين بأنه اتخذ ولداً لأن اتخاذ الولد لبقاء النوع، والله منزه عن الفناء والزوال (بل له ما في السموات والأرض) أي بل هو مالك لما فيهما فكيف ينسب إليه الولد، وهؤلاء القائلون داخلون تحت ملكه والولد من جنسهم لا من جنسه، ولا يكون الولد إلا من جنس الوالد (كل له قانتون) أي مطيعون ومقرون له بالعبودية، والقانت المطيع الخاضع أي كل من في السموات والأرض كائناً ما كان من أولي العلم وغيرهم مطيعون له خاضعون لعظمته، خاشعون لجلاله، لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته، والقنوت في أصل اللغة القيام، قال الزجاج: فالخلق قانتون أي قائمون بالعبودية إما إقراراً وإما أن يكونوا على خلاف ذلك فأثر الصنعة بين عليهم، وقيل أصله الطاعة ومنه (والقانتين والقانتات) وقيل السكوت ومنه (قوموا لله قانتين) ولهذا قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت (وقوموا لله) الآية فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، وقيل القنوت الصلاة والأولى أن القنوت لفظ مشترك بين معان كثيرة قيل هي ثلاثة عشر معنى وهي مبينة وقد نظمها بعض أهل العلم، واختلف في حكم الآية فقيل هو خاص وقيل عام لأن لفظة كل تقتضي الشمول والإحاطة. (¬2) ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 2203. (¬2) وقد ورد الحديث: " أفضل الصلاة طول القنوت ".

117

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) (بديع السموات والأرض) أبدع الشيء أنشأه لا عن مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له مبدع، والأصل بديع سمواته أي بدعت لمجيئها على شكل فائق حسن غريب (وإذا قضى أمراً) أي أحكمه وأتقنه، قال الأزهري: قضى في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، قيل هو مشترك بين معان يقال قضى بمعنى خلق ومنه (فقضاهن سبع سموات) وبمعنى أعلم، ومنه (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب) وبمعنى أمر ومنه (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) وبمعنى ألزم منه (قضى عليه القاضي) وبمعنى أوفاه ومنه (فلما قضى موسى الأجل) وبمعنى أراد ومنه (فإذا قضى أمراً) والتقدير إذا قضى أمراً يكون ويحصل، فلفظ يكون المقدر هو العامل في " إذا ". والأمر واحد الأمور، وقد ورد في القرآن على أربعة عشر معنى. (الأول): الدين، ومنه (حتى جاء الحق وظهر أمر الله). (الثاني): بمعنى القول ومنه (فإذا جاء أمرنا). (الثالث): العذاب ومنه (لما قضى الأمر). (الرابع): عيسى ومنه (فإذا قضى أمراً) أي أوجد عيسى عليه السلام. (الخامس): القتل ومنه (فإذا جاء أمر الله). (السادس): فتح مكة (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره). (السابع): قتل بني قريظة وجلاء النضير ومنه (فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره). (الثامن): القيامة ومنه (أتى أمر الله). (التاسع): القضاء ومنه (يدبر الأمر).

(العاشر): الوحي ومنه (يتنزل الأمر بينهن). (والحادي عشر): أمر الخلائق ومنه (ألا إلى الله تصير الأمور). (والثاني عشر): النصر ومنه (هل لنا من الأمر من شيء). (والثالث عشر): الذنب ومنه (فذاقت وبال أمرها). (والرابع عشر): الشأن ومنه (وما أمر فرعون برشيد) هكذا أورد هذه المعاني بأطول من هذا بعض المفسرين، وليس تحت ذلك كثير فائدة، فإطلاقه على الأمور المختلفة لصدق اسم الأمر عليها. (فإنما يقول له كن فيكون) الظاهر في هذا المعنى الحقيقي، وأنه يقول سبحانه هذا اللفظ وليس في ذلك مانع ولا جاء ما يوجب تأويله، ومنه قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) وقال تعالى (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) وقال (وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر) وقد قيل أن ذلك مجاز وأنه لا قول، وإنما هو قضاء يقضيه فعبر عنه بالقول، وقال البيضاوي ليس المراد حقيقة أمر وامتثال، بل تمثيل حصول ما تعلقت به إرادته بلا مهلة بطاعة المأمور المطيع بلا توقف انتهى، وهذا من أنفاسه الفلسفية وكم له من أشباه ذلك وأمثاله. (¬1) ¬

(¬1) وقد استدل العلماء على قدم القرآن بقوله (كن). فقالوا: لو كانت (كن) مخلوقة لافتقرت إلى ايجادها بمثلها وتسلل ذلك. والمتسلسل محال ... فإن قيل: هذا خطاب لمعدوم فالجواب: إنه خطاب تكوين يظهر أثر القدرة ويستحيل أن يكون المخاطب موجوداً - زاد المسير 1/ 137، 138.

118

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) (وقال الذين لا يعلمون) قيل هم اليهود وقيل النصارى، ورجحه ابن جرير لأنهم المذكورون في الآية، وقيل مشركو العرب وعليه أكثر المفسرين (لولا) حرف تحضيض أي هلا. (يكلمنا الله) مشافهة من غير واسطة بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فنعلم أنه نبي أو بواسطة الوحي إلينا لا إليك، وهذا منهم استكبار وتعنت (أو تأتينا) لذلك (آية) أي علامة على نبوته، وهذا منهم جحود (كذلك) أي مثل ذلك القول الشنيع الصادر عن العناد والفساد. (قال الذين من قبلهم) قيل هم اليهود والنصارى في قول من جعل الذين لا يعلمون كفار العرب، أو الأمم السالفة في قول من جعل الذين لا يعلمون اليهود والنصارى، أو اليهود في قول من جعل الذين لا يعلمون النصارى (مثل قولهم) وذلك أن اليهود سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، وأن يسمعهم كلام الله وسألوه من الآيات ما ليس لهم مسئلته (تشابهت قلوبهم) أي في التعنت والعمى والعناد والاقتراح، وقال الفراء: في اتفاقهم على الكفر، وإلا لا تشابهت أقاويلهم الباطلة (قد بينا الآيات) أي نزلناها بينة بأن جعلناها كذلك في أنفسها كما في قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل، لا أنا بيناها بعد أن لم تكن بينة (لقوم يوقنون) أي يعترفون بالحق وينصفون في القول، ويذعنون لأوامر الله سبحانه لكونهم مصدقين له سبحانه مؤمنين بآياته متبعين لما شرعه لهم.

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)

119

(إنا أرسلناك بالحق) أي بالصدق وقال ابن عباس: بالقرآن وقيل بالإسلام وقيل معناه لم نرسلك عبثاً بل أرسلناك بالحق (بشيراً) أي مبشراً لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب العظيم (ونذيراً) أي منذراً ومخوفاً لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم (ولا تسئل عن أصحاب الجحيم) قرأ الجمهور بالرفع مبنياً للمجهول أي حال كونك غير مسئول، وقريء بالرفع مبنياً للمعلوم، قال الأخفش: ويكون في موضع الحال عطفاً على بشيراً ونذيراً أي حال كونك غير سائل عنهم لأن علم الله بكفرهم بعد إنذارهم يغني عن سؤاله عنهم، وقرأ نافع ولا تسأل بالجزم، والمعنى ولا يصدر منك السؤال عن هؤلاء وعمن مات منهم على كفره ومعصيته تعظيماً لحاله وتغليظاً لشأنه، أي إن هذا أمر فظيع وخطب شنيع، يتعاظم المتكلم أن يجري على لسانه، ويتعاظم السمع أن يسمعه وفي القاموس الجحيم النار الشديدة التأجج وكل نار بعضها فوق بعض، والجحيم ما عظم من النار، قاله أبو مالك، والمعنى لا تسأل عن حالهم التي تكون لهم في القيامة فإنها شنيعة ولا يمكنك في هذه الدار الإطلاع عليها وهذا فيه تخويف لهم وتسلية له صلى الله عليه وآله وسلم. وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن محمد ابن كعب القرظي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليت شعري ما فعل أبواي " فنزلت هذه الآية فما ذكرهما حتى توفاه الله، قال السيوطي هذا مرسل ضعيف الإسناد ثم رواه من طريق ابن جرير عن داود بن أبي عاصم مرفوعاً وقال هو معضل الإسناد لا تقوم به ولا بالذي قبله حجة.

120

(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) أي ليس

غرضهم ومبلغ الرضا منهم ما يقترحونه عليك من الآيات، ويوردونه من التعنتات، فإنك لو جئتهم بكل ما يقترحون وأجبتهم عن كل تعنت لم يرضوا عنك حتى تدخل في دينهم وتتبع ملتهم، والملة اسم لا شرعه الله لعباده في كتبه على ألسن أنبيائه وهكذا الشريعة، وقال ابن عباس: هذا في أمر القبلة أيسوا منه أن يوافقهم عليها، والرضا ضد الغضب وهو من ذوات الواو لقولهم الراضون (قل إن هدى الله) أي الإسلام (هو الهدى) الحقيقي لا ما أنتم عليه من الشريعة المنسوخة والكتب المحرفة. ثم أتبع ذلك بوعيد شديد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال (ولئن) هذه تسمى اللام الموطئة للقسم وعلامتها أن تقع قبل أدوات الشرط، وأكثر مجيئها مع إن، وقد تأتي مع غيرها نحو (لما آتيتكم من كتاب، لمن تبعك منهم) (اتبعت أهواءهم) أي أهواء اليهود والنصارى (بعد الذي جاءك من العلم) أي البيان بأن دين الله هو الإسلام، وأن القبلة هي قبلة إبراهيم وهي الكعبة، ويحتمل أن يكون تعريضاً لأمته وتحذيراً لهم أن يواقعوا شيئاً من ذلك، أو يدخلوا في أهواء أهل الملل ويطلبوا رضا أهل البدع، أخرج الثعلبي عن ابن عباس قال: أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبلتهم، فلما صرف الله القبلة إلى الكعبة شق ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم، فأنزل الله هذه الآية. وجواب القسم قوله (مالك من الله من ولي) يلي أمرك ويقوم بك (ولا نصير) ينصرك ويمنعك من عقابه، وفي هذه الآية من الوعيد الشديد الذي ترجف له القلوب وتنصدع منه الأفئدة ما يوجب على أهل العلم الحاملين لحجج الله سبحانه، والقائمين ببيان شرائعه، ترك الدهان لأهل البدع المتمذهبين بمذاهب السوء التاركين للعمل بالكتاب والسنة، المؤثرين لمحض الرأي عليهما فإن غالب هؤلاء وإن أظهر قبولاً وأبان من أخلاقه ليناً لا يرضيه إلا اتباع بدعته والدخول في مداخله، والوقوع في حبائله، فإن فعل العالم ذلك بعد أن علمه الله من العلم ما يستفيد به أن هدى الله هو ما في كتابه وسنة

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) رسوله، لا ما هم عليه من تلك البدع التي هي ضلالة محضة وجهالة بينة، ورأي منهار، وتقليد على شفا جرف هار، فهو إذ ذاك ماله من الله من ولي ولا نصير، ومن كان كذلك فهو لا محالة مخذول وهالك بلا شك وشبهة.

121

(الذين آتيناهم الكتاب) هم اليهود والنصارى قاله قتادة وقيل هم المسلمون، والكتاب هو القرآن وقيل من أسلم من أهل الكتاب، وقال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب، وكانوا أربعين رجلاً ثمانية من رهبان الشام منهم بحيرى الراهب والباقي من الحبشة وقيل هم المؤمنون عامة (يتلونه حق تلاوته) أي يقرؤونه كما أنزل لا يغيرونه ولا يحرفونه ولا يبدلون ما فيه من نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل المراد بالتلاوة أنهم يعملون بما فيه فيحللون حلاله ويحرمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه أي يتبعونه حق اتباعه، ومنه قوله تعالى (والقمر إذا تلاها) أي اتبعها قاله ابن عباس، وقال عمر بن الخطاب: يعني إذ مر بذكر الجنة يسأل الجنة وإذا مر بذكر النار تعوذ من النار، وقال زيد بن أسلم: يتكلمون به كما أنزل ولا يكتمونه، عن قتادة قال: هم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعن الحسن قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وقيل يتدبرونه حق تدبره ويتفكرون في معانيه وحقائقه وأسراره. (أولئك يؤمنون به) أي يصدقون به، فإن كانت الآية في أهل الكتاب فالمعنى أن المؤمن بالتوراة الذي يتلوها حق تلاوتها هو المؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - لأن في

التوراة نعته وصفته، وإن كانت في المؤمنين عامة فالعنى ظاهر (ومن يكفر به) أي يجحد ما فيه من فرائض الله ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (فأولئك هم الخاسرون) أي خسروا أنفسهم حيث استبدلوا الكفر بالإيمان.

122

(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) قد مر مثل هذا في صدر السورة وقد تقدم تفسيره وهذا من العام الذي يراد به الخاص كقوله تعالى (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) ومعنى الآية ولا تنفعها شفاعة إذا وجب عليها العذاب ولم تستحق سواه، وقيل: أنه رد على اليهود في قولهم أن آباءنا يشفعون لنا، ووجه التكرار الحث على اتباع الرسول النبي الأمي، ذكر معناه ابن كثير في تفسيره وقيل للتوكيد وتذكير النعم، وفيه عظة لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وقال البقاعي في تفسيره: أنه لما طال المدى في استقصاء تذكيرهم بالنعم ثم في بيان عوارهم وهتك أستارهم، وختم ذلك بالترهيب لتضييع أديانهم بأعمالهم وأحوالهم وأقوالهم، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم والتحذير من حلول النقم، يوم يجمع الأمم، ويدوم فيه الندم، لمن زلت به القدم، ليعلم أن ذلك فذلكة القصة والقصود بالذات الحث على انتهاز الفرصة انتهى. وأقول: ليس هذا بشيء، فإنه لو كان سبب التكرار ما ذكره من طول المدى، وأنه أعاد ما صدر به قصتهم لذلك لكان الأولى بالتكرار، والأحق بإعادة الذكر هو قوله سبحانه (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدكم أوف بعدهكم وإياي فارهبون) فإن هذه الآية مع كونها أول الكلام معهم والخطاب لهم في هذه السورة، هي أيضاً أولى بأن تعاد وتكرر لما فيها من الأمر بذكر النعم والوفاء بالعهد، والرهبة لله سبحانه، وبهذا

تعرف صحة ما قدمناه لك عند أن شرع الله سبحانه في خطاب بني إسرائيل من هذه السورة فراجعه. ثم حكى البقاعي بعد كلامه السابق عن الحراني أنه قال: كرره تعالى إظهاراً لمقصد التئام آخر الخطاب بأوله ليتخذ هذا الإفصاح والتعليم أصلاً لما يمكن بأن يرد من نحوه في سائر القرآن، حتى كان الخطاب إذا انتهى إلى غاية خاتمة يجب أن يلحظ القلب بداية تلك الغاية فيتلوها ليكون في تلاوته جامعاً لطرفي الثناء، وفي تفهمه جامعاً لمعاني طرفي المعنى انتهى. وأقول لو كان هذا سبب التكرار لكان الأولى به ما عرفناك، وأما قوله وليتخذ ذلك أصلاً لما يرد من التكرار في سائر القرآن، فمعلوم أن حصول هذا الأمر في الأذهان وتقرره في الأفهام لا يختص بتكرار آية معينة يكون افتتاح هذا المقصد بها، فلم تتم حينئذ النكتة في تكرير هاتين الآيتين بخصوصهما، ولله الحكمة البالغة التي لا تبلغها الأفهام ولا تدركها العقول، فليس في تكلف هذه المناسبات المتعسفة إلا ما عرفناك به هنالك فتذكر.

124

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لبني إسرائيل والابتلاء الاختبار والامتحان أي ابتلاه بما أمره به وهو استعارة تبعية واقعة على طريق التمثيل، أي فعل معه فعلاً مثل فعل المختبر، والغرض من هذا التذكير توبيخ أهل الملل المخالفين، وذلك لأن إبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديماً وحديثاً، فحكى الله عن إبراهيم أموراً توجب على المشركين واليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأن ما أوجبه الله على إبراهيم جاء به محمد، وفي ذلك حجة عليهم. وإبراهيم اسم أعجمي معناه في السريانية أب رحيم كذا قال الماوردي، قال ابن عطية: ومعناه في العربية ذلك، قال السهيلي: وكثيراً ما يقع الاتفاق بين السرياني والعربي، وفيه لغات، وكان مولد إبراهيم بالسوس من أرض الأهواز، وقيل ببابل، وقيل بكوثي، وهي قرية من سواد الكوفة، وقيل بحران ولكن أباه نقله إلى أرض بابل وهي أرض نمروذ الجبار. وقد أورد صاحب الكشاف هنا سؤالاً في رجوع الضمير إلى إبراهيم مع كون رتبته التأخير، وأجاب عنه بأنه قد تقدم لفظاً فرجع إليه، والأمر في هذا أوضح من أن يشتغل بذكره أو ترد في مثله الأسئلة أو يسود وجه القرطاس بإيضاحه. وقد اختلف العلماء في تعيين الكلمات فقيل هي شرئع الإسلام وقيل ذبح ابنه وقيل أداء الرسالة وقيل هي خصال الفطرة، وقيل قوله (إني جاعلك للناس إماماً) وقيل الطهارة، قال الزجاج: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن

هذا كله مما ابتلي به إبراهيم انتهى، وظاهر النظم القرآني أن الكلمات هي قوله (إني جاعلك) وما بعده ويكون ذلك بياناً للكلمات، وجاء عن بعض السلف ما يوافق ذلك وعن آخرين ما يخالفه، والحق أنه إذا لم يصح شيء عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا جاءنا من طريق تقوم بها الحجة في تعيين تلك الكلمات لم يبق لنا إلا أن نقول أنها ما ذكره الله سبحانه في كتابه قال (إني جاعلك للناس إماماً) ويكون ذلك بياناً للكلمات، أو السكوت وإحالة العلم في ذلك على الله سبحانه. وأما ما روي عن ابن عباس ونحوه من الصحابة ومن بعدهم في تعيينها فهو أولاً أقوال الصحابة ولا تقوم بها الحجة فضلاً عن أقوال من بعدهم، وعلى تقدير أنه لا مجال للاجتهاد في ذلك وإن له حكم الرفع فقد اختلفوا في التعيين اختلافاً يمنع معه العمل ببعض ما روي عنهم دون البعض الآخر، بل اختلفت الروايات عن الواحد منهم كما روي عن ابن عباس فكيف يجوز العمل بذلك، وبهذا تعرف ضعف قول من قال: أنه يصار إلى العموم، ويقال تلك الكلمات هي جميع ما ذكر ههنا، فإن هذا يستلزم تفسير كلام الله بالضعيف والمتناقض وما لا تقوم به الحجة، وعلى هذا فيكون قوله (إني جاعلك) مستأنفاً كأنه قيل ماذا قال له. وقال ابن جرير: ما حاصله أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ذلك وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له، ثم قال: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى بالصواب، يعني أن الكلمات هي قوله (إني جاعلك للناس إماماً) وقوله (وعهدنا إلى إبراهيم) وما بعده، ورجح ابن كثير (¬1) أنها تشمل جميع ما ذكر وفيه بعد. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 166.

(فأتمهن) أي قام بهن أتم قيام، وامتثل أكمل امتثال، واختلف هل كان هذا الابتلاء قبل النبوة أو بعدها فقيل بالأول بدليل السياق فإنه يدل على أن قيامه عليه السلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً، والسبب يتقدم على المسبب، وقيل بالثاني لأن التكليف لا يعلم إلا من جهة الوحي الإلهي، وذلك بعد النبوة، وقيل إن فسر الابتلاء بالكوكب والقمر والشمس كان ذلك قبل النبوة، وإن فسر بما وجب عليه من شرائع الدين كان ذلك بعد النبوة. (قال إني جاعلك للناس) أي لأجلهم (إماماً) يقتدي بدينك وهديك وسنتك، والإمام هو الذي يؤتم به، ومنه قيل للطريق إمام وللبناء إمام لأنه يؤتم بذلك أي يهتدي به السالك، والإمام لما كان هو القدوة للناس لكونهم يأتمون به ويهتدون بهديه أطلق عليه هذا اللفظ إذ لم يبعث بعده نبي إلا كان من ذريته مأموراً باتباعه في الجملة، وإبراهيم يعترف بفضله جميع الطوائف قديماً وحديثاً، فأما اليهود والنصارى فإنهم مقرون بفضله ويتشرفون بالنسبة إليه، وأنهم من أولاده، وأما العرب في الجاهلية فإنهم أيضاً يعترفون بفضله ويتشرفون على غيرهم به لأنهم من أولاده، ومن ساكني حرمه، وخدام بيته، ولما جاء الإسلام زاده الله شرفاً وفضلاً، فحكى الله عن إبراهيم أموراً توجب على المشركين والنصارى واليهود قبول قول محمد صلى الله عليه وآله وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه، لأن ما أوجبه الله على إبراهيم هو من خصائص دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك حجة على اليهود والنصارى ومشركي العرب في وجوب الانقياد لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان به وتصديقه. (قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) يحتمل أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم أي واجعل من بعض ذريتي أئمة، ويحتمل أن يكون هذا من إبراهيم لقصد الإستفهام وإن لم يكن بصيغته أي ومن ذريتي ماذا يكون يا رب، فأخبره أن فيهم عصاة وظلمة، وأنهم لا يصلحون لذلك ولا يقومون به، ولا ينالهم عهد الله سبحانه، وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحاله

إمامة الكل، وإن كانوا على الحق، عن قتادة قال هذا عند الله يوم القيامة لا ينال عهده ظالماً، فأما في الدنيا فقد نالوا عهده فوارثوا به المسلمين وغادوهم وناكحوهم، فلما كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه، وعن مجاهد قال لا أجعل إماماً ظالماً يقتدى به، وعن ابن عباس قال يخبره أنه إن كان في ذريته ظالماً لا ينال عهده ولا ينبغي له أن يوليه شيئاً من أمره، والنيل الإدراك وهو العطاء، والذرية مأخوذة من الذر، لأن الله أخرج الخلق من ظهر آدم عليه السلام حين أشهدهم على أنفسهم كالذر، وقيل مأخوذ من ذرأ الله الخلق يذرؤهم إذا خلقهم، وفي الكتاب العزيز (فأصبح هشيماً تذروه الرياح) وقال الخليل: إنما سموا ذرية لأن الله تعالى ذرأها على الأرض كما ذرأ الزراع البذر، قال ابن عباس: يؤخذ من هذا إباحة السعي في منافع الذرية والقرابة وسؤال من بيده ذلك. واختلف في المراد بالعهد فقيل الإمامة وقيل النبوة وقيل عهد الله أمره وقيل الأمان من عذاب الآخرة ورجحه الزجاج، والأول أظهر كما يفيده السياق. وقد استدل بهذه الآية جماعة من أهل العلم على أن الإمام لا بد أن يكون من أهل العدل والعمل بالشرع كما ورد لأنه إذا زاغ عن ذلك كان ظالماً وممكن أن ينظر إلى ما يصدق عليه اسم العهد وما يفيده الإضافة من العموم فيشمل جميع ذلك اعتباراً بعموم اللفظ من غير نظر إلى السبب ولا إلى السياق، فيستدل به على اشتراط السلامة من وصف الظلم في كل من تعلق بالأمور الدينية. وقد اختار ابن جرير أن هذه الآية وإن كانت ظاهرة في الخبر أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالماً ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل أنه سيوجد من ذريته من هو ظالم لنفسه، انتهى، ولا يخفاك أنه لا جدوى لكلامه هذا فالأولى أن يقال أن هذا الخبر في معنى الأمر لعباده أن لا يولوا أمور الشرع ظالماً، وإنما قلنا أنه في معنى الأمر لأن إخباره تعالى لا يجوز أن يتخلف، وقد علمنا أنه قد نال عهده من الإمامة وغيرها كثير من الظالمين.

125

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس) أي لأجلهم أو لأجل مناسكهم، والبيت هو الكعبة غلب عليه كما غلب النجم على الثريا، ويدخل فيه جميع الحرم لوصفه بكونه آمناً كما سيأتي، ومثابة مصدر من ثاب يثوب مثاباً ومثابة أي مرجعاً يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، وقيل المثابة من الثواب أي يثابون هنالك قال مجاهد الراد أنهم لا يقضون منه أوطارهم، قال الأخفش ودخلت الهاء لكثرة من يثوب إليه كعلامة ونسابة، وقال غيره هي للتأنيث وليست للمبالغة وهو مصدر أو اسم مكان، قولان. (وأمناً) هو اسم مكان أي موضع أمن وهو أظهر من جعله اسم الفاعل على سبيل المجاز كقوله (حرماً آمنا) فإن الآمن هو الساكن والملتجىء والأول لا مجاز فيه، وقد استدل بذلك جماعة من أهل العلم على أنه لا يقام الحد على من لجأ إليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى (ومن دخله كان آمناً) وقيل إن ذلك منسوخ، وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة: " إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها ولا يختلى خلاه فقال العباس: يا رسول الله إلا الأذخر فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: إلا الأذخر " أخرجه البخاري ومسلم (¬1) وكان الناس يأمنون فيه من أذى المشركين فإنهم كانوا لا يتعرضون لأهل مكة ويقولون هم أهل الله، وقال ابن عباس في الآية معاذاً وملجأً. ¬

(¬1) رواه مسلم/1353 وقد ورد في فضائل مكة أحاديث كثيرة صحيحة.

(واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) قرىء على أنه فعل ماض أي واتخذوه مصلى، وقرىء على صيغة الأمر، ويجوز أن يكون تقديره وقلنا اتخذوا والمقام في اللغة موضع القيام قال النحاس هو من قام يقوم يكون مصدراً واسماً للموضع، ومقام من أقام، ومن للتبعيض وهذا هو الظاهر، وقيل بمعنى في وقيل زائدة على قول الأخفش وليسا بشيء، اختلف في تعيين المقام على أقوال أصحها أنه الحجر الذي يعرفه الناس ويصلون عنده ركعتي الطواف، وقيل المقام الحرم كله روي ذلك عن عطاء ومجاهد وقيل عرفة والمزدلفة، وقال الشعبي: الحرم كله مقام، والمعنى اتخذوا مصلى كائناً عند مقام إبراهيم، والعندية تصدق بجهاته الأربع والتخصيص يكون المصلى خلفه إنما استفيد من فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والصحابة بعده. أخرج البخاري وغيره من حديث أنس عن عمر بن الخطاب قال: " وافقت ربي في ثلاث ووافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت هذه الآية وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن أن يحتجبن فنزلت آية الحجاب واجتمع على رسول الله صلى الله - صلى الله عليه وسلم - وآله وسلم نساؤه في الغيرة فقلت لهن عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجاً خيراً منكن فنزلت كذلك " وأخرجه مسلم وغيره مختصراً من حديث ابن عمر عنه (¬1). وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رمل ثلاثة أشواط ومشى أربعاً حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين ثم قرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) وفي مقام إبراهيم عليه السلام أحاديث كثيرة مستوفاة في الأمهات وغيرها، والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو الحجر الذي كان يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع ¬

(¬1) وانظر الحديث بطوله في صحيح مسلم/1479.

الجدار أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو الذي كان ملصقاً بجدار الكعبة وأول من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق والبيهقي بإسناد صحيح، وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق مختلفة. وأخرج ابن أبي حاتم من حديث جابر في وصف حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لما طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له عمر هذا مقام إبراهيم، قال نعم، وأخرج نحوه ابن مردويه قيل: كان أثر أصابع رجلي إبراهيم فيه فاندرست بكثرة المسح بالأيدي، وإنما أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه وتقبيله. وقد روى البخاري في بدء قصة المقام أثراً طويلاً عن ابن عباس وقد ورد في حديث الترمذي أن الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما (¬1). واختلفوا في قوله (مصلى) فمن فسر المقام بمشاهد الحج ومشاعره قال مصلى مدعى من الصلاة التي هي الدعاء، ومن فسر المقام بالحجر قال معناه واتخذوا من مقامه قبلة أمروا بالصلاة عنده، وهذا هو الصحيح لأن لفظ الصلاة إذا أطلق لا يعقل منه إلا الصلاة المعهودة ذات الركوع والسجود ولأن مصلى الرجل هو الوضع الذي يصلي فيه. (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) معنى عهدنا هنا أمرنا أو أوحينا، وقيل ألزمنا وأوجبنا، ومن أغرب ما نقل في تسمية إسماعيل أن إبراهيم كان يدعو الله أن يرزقه ولداً ويقول في دعائه اسمع يا إيل، وإيل بلسان السريانية هو الله، فلما رزق الولد سماه به وقيل هو اسم أعجمي، وفيه لغتان اللام والنون ويجمع على سماعله وسماعيل وأساميع، والمراد بالتطهير قيل من الأوثان قاله ابن عباس، وقيل من الآفات ¬

(¬1) الترمذي كتاب الحج الباب 49 - أحمد بن حنبل 2/ 212، 214.

والريب وقول الزور والرجس، قاله مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة، وقيل من الكفار، وقيل من النجاسات وطواف الجنب والحائض وكل خبيث، والظاهر أنه لا يختض بنوع من هذه الأنواع وأن كل ما يصدق عليه مسمى التطهير فهو يتناوله إما تناولاً شمولياً أو بدلياً. والإضافة في قوله " بيتي " للتشريف والتكريم، والمراد بالبيت الكعبة، والطائف الذي يطوف به أي الدائر حوله، وقيل الغريب الطاريء على مكة والعاكف المقيم، وأصل العكوف في اللغة اللزوم واللبث والإقبال على الشيء، وقيل هو المجاور دون المقيم من أهلها، والمراد بقوله (الركع السجود) المصلون، وخص هذين الركنين بالذكر لأنهما أشرف أركان الصلاة، عن ابن عباس قال: إذا كان قائماً فهو من الطائفين، وإذا كان جالساً فهو من العاكفين، وإذا كان مصلياً فهو من الركع السجود، وعن عمر بن الخطاب أنه سئل عن الذين ينامون في المسجد فقال: هم العاكفون. وفي الآية مشروعية طهارة المكان للطواف والصلاة، قال الرازي والكيا الهراسي وفيها دلالة على أن الطواف للغرباء أفضل، والصلاة للمقيم أمثل (قلت): ولم يظهر لي وجه ذلك، قالا وفيها دلالة على جواز الصلاة في نفس الكعبة حيث قال (بيتي) خلافاً لمالك (قلت): وفيه أن الطواف لا يكون في نفس الكعبة، قال الرازي: وفيها دلالة على أن الطواف قبل الصلاة (قلت) وقد سبقه بذلك ابن عباس، وفيها دلالة على جواز المجاورة بمكة لأن قوله (والعاكفين) يحتمله، والسجود جمع ساجد نحو قاعد وقعود، وهو مناسب لما قبله، وقيل أنه مصدر نحو الدخول والقعود، والمعنى ذوي السجود، ذكره أبو البقاء والأول أولى، ولتقارب الأخيرين ذاتاً وزماناً ترك العاطف بينهما وجمع صفتين جمع سلامة وأخريين جمع تكسير لأجل المقابلة وهو نوع من الفصاحة.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

126

(وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا) أي مكة وقيل الحرم (بلداً آمنا) والمراد الدعاء لأهله من ذريته وغيرهم كقوله عيشة راضية أي راض صاحبها أو الإسناد إلى المكان مجاز كما في ليل نائم أي نائم فيه، قاله السعد التفتازاني، وعلى هذا المراد أمن الملتجىء إليه فأسند إليه مبالغة، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها (¬1) " كما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وغيرهم من حديث جابر وقد روي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق جماعة من الصحابة، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض وهي حرام إلى يوم القيامة (¬2) " أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث أبي هريرة تعليقاً، وابن ماجة من حديث صفية بنت شيبة، وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا. ولا تعارض بين هذه الأحاديث فإن إبراهيم عليه السلام لما بلغ الناس أن الله حرمها وأنها لم تزل حرماً آمناً نسب إليه أنه حرمها أي أظهر للناس حكم الله فيها، وإلى هذا الجمع ذهب ابن عطية وابن كثير، وقال ابن جرير: أنها كانت حراماً ولم يتعبد الله الخلق بذلك حتى سأله إبراهيم فحرمها وتعبدهم بذلك انتهى وكلا الجمعين حسن. ¬

(¬1) مسلم 1362. (¬2) صحيح الجامع الصغير 1747.

(وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر) إنما سأل إبراهيم ذلك لأن مكة لم يكن بها زرع ولا ثمرة فاستجاب الله له وجعل مكة حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء، عن محمد بن مسلم الطائفي قال: بلغني أنه لما دعا إبراهيم للحرم نقل الله الطائف من فلسطين (ومن) للتبعيض أي بعض الثمرات، ولم يقل من الحبوب لما في تحصيله من الذل الحاصل بالحرث وغيره، فاقتصاره على الثمرات لتشريفهم، وقيل " من " للبيان وليس بشيء إذ لم يتقدم مبهم يبين بها، والمراد بالأمن المذكور في قوله (مثابة للناس وآمنا) هو الأمن من الأعداء والخسف والمسخ والمراد هنا من الأمن هو الأمن من القحط، ولهذا قال (وارزق أهله من الثمرات) ذكره الكرخي. والمعنى وارزق من آمن من أهله دون من كفر، وسبب هذا التخصيص أن إبراهيم لما سأل ربه أن يجعل النبوة والإمامة في ذريته: فأجابه الله بقوله: (لا ينال عهدي الظالمين) وصار ذلك تأديباً له في المسئلة فلا جرم خص هنا بدعائه المؤمنين دون الكافرين، ثم أعلمه أن الرزق في الدنيا يستوي فيه المؤمن والكافر بقوله: (قال ومن كفر فأمتعه) أي سأرزق الكافر أيضاً (قليلاً) أي في الدنيا مدة حياته، وعن محمد بن كعب القرظي قال: دعا إبراهيم للمؤمنين وترك الكفار، ولم يدع لهم بشيء فقال تعالى (ومن كفر فأمتعه) الآية. وعن ابن عباس قال: كان إبراهيم احتجزها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر فأنا أرزقهم أيضاً كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقاً لا أرزقهم، ثم قرأ ابن عباس (كلاً نمد هؤلاء وهؤلاء) الآية، فالظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه رداً على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً بياناً لحال من كفر ويكون في حكم الإخبار عن حال الكافرين بهذه الجملة الشرطية، أي من كفر فإني أمتعه في هذه الدنيا بما يحتاجه من الرزق إلى منتهى أجله وذلك قليل لأنه ينقطع.

(ثم أضطره) أي ألزه لز المضطر لكفره بعد هذا التمتع (إلى عذاب النار)، أخبر سبحانه أنه لا ينال الكفرة من الخير إلا تمتعهم في هذه الدنيا، وليس لهم بعد ذلك إلا ما هو شر محض، وأما على قراءة من قرأ فأمتعه وأضطره بصيغة الأمر فهي مبنية على أن ذلك من جملة كلام إبراهيم، وأنه لما فرغ من الدعاء للمؤمنين دعا للكافرين بالإمتاع قليلاً، ثم دعا عليهم بأن يضطرهم الله إلى عذاب النار، وحاصل معنى أضطره ألزمه حتى أصيره مضطراً لذلك لا يجد عنه مخلصاً ولا منه متحولاً (وبئس المصير) أي المرجع هي، والواو فيه ليست للعطف والإلزم عطف الإنشاء على الإخبار بل للإستئناف كما قال في المغنى في قوله (واتقوا الله ويعلمكم الله).

127

(وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل) حكاية حال ماضية استحضاراً لصورته العجيبة، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، قاله أبو عبيدة والفراء وهي صفة غالبة من القعود بمعنى الثبات، ولعله مجاز من المقابل للقيام ومنه قعدك الله، وقال الكسائي: هي الجدر والمراد برفعها رفع ما هو مبنى فوقها لا رفعها في نفسها فإنها لم ترفع، لكنها لما كانت متصلة بالبناء المرتفع فوقها صارت كأنها مرتفعة بارتفاعه أو المراد بها سافات البناء، فإن كل ساف قاعدة لما يبنى عليه وبرفعها بناؤها أو المراد رفع مكانته ودعاء الناس إلى حجه، وفي إبهام القواعد وتبيينها ثانياً بقوله من البيت تفخيم لشأنها. (ربنا) أي قائلين ربنا، وقرأ أبيّ وابن مسعود يقولان ربنا (تقبل منا) أي طاعتنا إياك وعبادتنا لك (إنك أنت السميع) لدعائنا (العليم) بنياتنا. وقد أكثر المفسرون في تفسير هذه الآية من نقل أقوال السلف في كيفية بناء البيت، ومن أي أحجار الأرض بني، وفي أي زمان عرف، ومن حجه، وما ورد فيه من الأدلة الدالة على فضله أو فضل بعضه كالحجر الأسود، وفي الدر المنثور من ذلك ما لم يكن في غيره فليرجع إليه، وفي تفسير ابن كثير بعض من ذلك.

ولما لم يكن ما ذكروه متعلقاً بالتفسير لم نذكره وفي القسطلاني على البخاري بنيت الكعبة عشر مرات: الأول: بناء الملائكة. الثاني: بناء آدم. الثالث: بناء ابنه شيث بالطين والحجارة وغرق بالطوفان. الرابع: بناء إبراهيم (¬1) الخامس: بناء العمالقة. السادس: بناء جرهم والذي بناه منهم هو الحرث بن مضاض الأصغر. السابع: بناء قصي خامس جد النبي صلى الله عليه وآله وسلم. الثامن: بناء قريش. التاسع: بناء عبد الله بن الزبير في أوائل سنة أربع وستين. العاشر: بناء الحجاج انتهى حاصله، قال سليمان الجمل وهذا بحسب ما اطلع عليه وإلا فقد بناه بعد ذلك بعض الملوك سنة ألف وتسع وثلاثين كما نقله بعض المؤرخين، قال الرازي فيه: أن بناء المسجد قربة وفيه استحباب الدعاء بقبول الأعمال. ¬

(¬1) روى أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: كانت الملائكة تحج إلى البيت قبل آدم. وقال ابن عباس: لما أهبط آدم؛ قال الله تعالى: يا آدم! اذهب فابن لي بيتاً فطف به، واذكرني حوله كما رأيت ملائكتي تصنع حول عرشي. فأقبل يسعى حتى انتهى إلى البيت الحرام، وبناه من خمسة أجبل: من لبنان، وطور سيناء، وطور زيتا، والجودي، وحراء، فكان آدم أول من أسس البيت، وطاف به، ولم يزل كذلك حتى بعث الله الطوفان، فدرس موضع البيت، فبعث الله إبراهيم وإسماعيل. وقال علي ابن أبي طالب، رضي الله عنه: لما أمر الله تعالى إبراهيم ببناء البيت؛ ضاق به ذرعاً، ولم يدر كيف يصنع، فأنزل الله عليه كهيئة السحابة، فيها رأس يتكمل، فقال: يا إبراهيم! علّم على ظلي، فلما علّم ارتفعت. وفي رواية أنه كان يبني عليها كل يوم صقال: وحفر إبراهيم من تحت السكينة، فأبدى عن قواعد، ما تحرك القاعدة منها دون ثلاثين رجلاً. فلما بلغ موضع الحجر، قال لإسماعيل: التمس لي حجراً، فذهب يطلب حجراً، فجاء جبريل بالحجر الأسود، فوضعه، فلما جاء إسماعيل، قال: من جاءك بهذا الحجر؟ قال: جاء به من يتكل على بنائي وبنائك.

128

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) (ربنا واجعلنا مسلمين لك) أي ثابتين عليه أو زدنا منه، قيل المراد بالإسلام هنا مجموع الإيمان والأعمال (ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) من للتبعيض أو للتبيين، قال ابن جرير: إنه أراد بالذرية العرب خاصة، وكذا قال السهيلي، قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأن دعوته ظهرت في العرب وغيرهم من الذين آمنوا به، والأمة الجماعة في هذا الموضع وقد تطلق على الواحد ومنه قوله تعالى (إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله) وتطلق على الدين ومنه (إنا وجدنا آباءنا على أمة) وتطلق على الزمان ومنه (وادَّكر بعد أمةٍ) قيل أراد بالأمة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - بدليل قوله (وابعث فيهم رسولاً منهم). (وأرنا مناسكنا) هي من الرؤية البصرية، والمناسك جمع نسك وأصله في اللغة الغسل يقال نسك ثوبه إذا غسله، وهو في الشرع اسم للعبادة، وقيل واحدها منسك والمراد هنا مناسك الحج، وقيل مواضع الذبح، وقيل جمع التعبدات، قال علي: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلت أي رب فأرنا مناسكنا أبرزها لنا وعلمناها، فبعث الله جبريل فحج به (¬1)، وفي الباب آثار كثيرة عن السلف من الصحابة ومن بعدهم يتضمن أن جبريل أرى إبراهيم الناسك، وفي أكثرها أن الشيطان تعرض له. ¬

(¬1) وقال أبو مجلز: لما فرغ إبراهيم من البيت أتاه جبريل، فأراه الطواف، ثم أتى به جمرة العقبة، فعرض له الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبعاً، وقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به جمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فقال: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان. ثم أتى به الجمرة القصوى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات، وأعطى إبراهيم سبع حصيات. فقال له: ارم وكبر، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى غاب الشيطان، ثم أتى به منى، فقال: ها هنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعاً، فقال: ها هنا يجمع الناس، ثم أتى به عرفة، فقال: أعرفت؟ قال: نعم. قال: فمن ثم سميت عرفات.

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) (وتب علينا) أي تجاوز عنا والمراد بالتوبة التثبيت، لأنهما معصومان لا ذنب لهما وقيل المراد وتب على الظلمة منا (إنك أنت التواب) أي المتجاوز عن عباده (الرحيم) بهم.

129

(ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) ضمير فيهم راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقاً وقرأ أبىّ في آخرهم، ويحتمل أن يكون الضمير راجعاً إلى الذرية وهم العرب من ولد إسماعيل، وقد أجاب الله لإبراهيم عليه السلام هذه الدعوة فبعث في ذريته رسولاً منهم وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أخبر عن نفسه أنه دعوة إبراهيم كما أخرجه أحمد من حديث العرباض بن سارية (¬1) وغيره (¬2) ومراده هذه الدعوة، وقد أجمع على ذلك المفسرون، لأن إبراهيم إنما دعا لذريته وهو بمكة ولم يبعث من ذريته بمكة غير محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فدل على أن المراد به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والرسول هو المرسل، قال ابن الإنباري: يشبه أن يكون أصله ناقة مرسال ومرسلة إذا كانت سهلة السير ماضية أمام النوق، ويقال جاء القوم أرسالاً أي بعضهم في إثر بعض. (يتلو عليهم آياتك) وهو القرآن (ويعلمهم الكتاب) أي معاني ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 4/ 127 - 128 5/ 262. (¬2) قوله تعالى: (ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم) في الهاء والميم من (فيهم) قولان. أحدهما: أنها تعود على الذرية، قاله مقاتل والفراء: على أهل مكة في قوله: (وارزق أهله) والمراد بالرسول: محمد - صلى الله عليه وسلم -. وقد روى أبو أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قيل: يا رسول الله! ما كان بدء أمرك؟ قال: " دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام " رواه أبو داود الطيالي وأحمد في " المسند " عن أبي أمامة، وفي مسنده الفرج بن فضالة، وهو ضعيف، وجاء الحديث بمعناه في " مسند أحمد " عن العرباض بن سارية، وقد صححه الشيخ أحمد شاكر.

الكتاب من دلائل التوحيد والنبوة والأحكام الشرعية، والكتاب هو القرآن (والحكمه) أي ويعلمهم الحكمة وهي الإصابة في القول والعمل، ووضع كل شيء موضعه، والمراد بالحكمة هنا المعرفة بالدين والفقه في التأويل والفهم للشريعه، وقال قتادة: هي السنة وقيل هي الفصل بين الحق والباطل، وقال ابن قتيبه: هي العلم والعمل، ولا يكون الرجل حكيماً حتى يجمعهما، وقال ابن دريد: كل كلمة وعظتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمه، وقيل أن المراد بالآيات ظاهر الألفاظ، والكتاب معانيها، والحكمة الحكم وهو مراد الله بالخطاب وقيل غير ذلك (ويزكيهم) التزكية التطهير من الشرك وسائر المعاصى (إنك أنت العزيز الحكيم) أي الذي لا يعجزه شيء قاله ابن كيسان، وقال الكسائي: العزيز الغالب والحكيم العالم.

130

(ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) الاستفهام للإنكار، قال الزجاج وابن جني: سفه بمعنى جهل أي جهل أمر نفسه فلم يفكر فيها ْأنها مخلوقه لله فيجب عليه عبادته، وقال أبو عبيدة: المعنى أهلك نفسه، وقال الأخفش: أي فعل بها من السفه ما صار به سفيهاً، وقال الزمخشري: امتهنها واستخف بها، عن أبي العالية قال: رغبت اليهود والنصارى عن ملته واتخذوا اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله، وتركوا ملة إبراهيم الإسلام، وبذلك بعث الله نبيه محمداً الرسول الذي هو دعوة إبراهيم فقد رغب عن ملة إبراهيم، فيه إشارة إلى لزوم اتباع ملته فيما لم يثبت نسخه. (ولقد اصطفيناه في الدنيا) تعليل للحصر قبله، واللام جواب قسم محذوف، والغرض منه الحجة والبيان لقوله (ومن يرغب) والاصطفاء الاختيار أي اخترناه في الدنيا بالرسالة والخلة كما شاهدوه ونقله جيل بعد جيل (وأنه في الآخرة لمن الصالحين) أمر مغيب فاحتاج الإخبار به إلى فضل تأكيد قيل مع الأنبياء في الجنة أو الذين لهم الدرجات العلى، فكيف يرغب عن ملته راغب.

إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)

131

(إذ قال له ربه أسلم) يحتمل أن يكون متعلقاً بقوله (اصطفيناه) أي اخترناه وقت أمرنا له بالإسلام، ويحتمل أن يتعلق بمحذوف هو اذكر، قال في الكشاف كأنه قيل اذكر ذلك الوقت ليعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله، وزاد أبو السعود وأنه ما نال ما نال إلا بالمبادرة للإذعان والإنقياد لما أمره به وإخلاص سره، قالى ابن عباس: قال الله له ذلك حين خرج من السرب، وذلك عند استدلاله بالكوكب واطلاعه على أمارات الحدوث فيها وافتقارها إلى محدث مدبر، ومعنى (أسلم) انقد لله وأخلص دينك وعبادتك له أو استقم أو فوض أمورك إلى الله أو اذعن واطلع أو اثبت على ما أنت عليه من الإسلام (قال أسلمت لرب العالمين) أي فوضت أمري إليه، قال ابن عباس: وقد حقق ذلك حيث لم يستعن بأحد من الملائكة حين ألقي في النار.

132

(ووصى بها إبراهيم بنيه) الضمير في " بها " راجع إلى الملة الحنيفية أو إلى الكلمة أي أسلمت لرب العالمين، قال القرطبي: وهو أصوب لأنه أقرب مذكور أي قولوا أسلمنا انتهى، والأول أرجح لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع ملته لا مجرد التكلم بكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم، قيل كانوا ثمانية منهم إسمعيل وهو أول أولاده وقيل أربعة عشر (ويعقوب) معطوف على إبراهيم أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه، وكانوا اثني عشر، وقرىء بنصب يعقوب فيكون داخلاً فيما أوصاه إبراهيم، قال القشيري: وهو بعيد، لأن يعقوب لم يدرك جده إبراهيم وإنما ولد بعد موته. (يا بني) قيل أنه من مقول إبراهيم وقيل من مقول يعقوب

(إن الله اصطفى لكم الدين) المراد بالدين ملته التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه وهي الملة التي جاء بها محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفي قوله: (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) إيجاز بليغ، والمراد إلزموا الإسلام ولا تفارقوه حتى تموتوا، وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تموتوا على حالة غير حالة الإسلام، وليس فيه نهي عن الموت الذي هو قهري، ولهذا قال السيوطي نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت، انتهى، والمعني أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وإن حق هذا الموت أن لا يحصل فيهم، عن فضيل بن عياض قال: (مسلمون) أي محسنون بربكم الظن، ويدل عليه ما روي عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: " لا يموتن أحد إلا وهو يحسن الظن بربه " أخرجاه في الصحيحين (¬1). ¬

(¬1) قال البغوي: في تفسيره -188: والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما نُهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام معناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله: أنه قال: إلا وأنتم مسلمون، أي: محسنون بربكم الظن، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام، يقول: " لا يموتن أحدكم إلاّ وهو يحسن الظن بالله عز وجلّ ".

133

أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت) أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقرب من الموت، (وأم) هذه قيل هي المنقطعة وقيل هي المتصلة وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ، والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم وإلى بنيه أنهم على اليهودية والنصرانية، فرد الله ذلك عليهم وقال لهم: أشهدتم يعقوب وعلمتم ما أوصى به بنيه فتدعون ذلك عن علم أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون، والشهداء جمع شاهد ولم ينصرف لأن فيه ألف التأنيث التي لتأنيث الجماعة، والمراد بحضور الموت حضور مقدماته، وسمى يعقوب لأنه هو وأخوه العيص كانا توأمين في بطن واحد فتقدم العيص وقت الولادة في الخروج مسابقة ليعقوب، فتأخر يعقوب عنه ونزل على إثره وعقبه في الخروج. (إذ قال لبنيه) يعني لأولاده الإثني عشر (ما تعبدون) أي أيُّ شيء تعبدون، وإنما جاء بما دون من لأن المعبودات من دون الله غالبها جمادات كالأوثان والنار والشمس والكواكب (من بعدي) أي من بعد موتي (قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسمعيل وإسحق) وإسمعيل وان كان عماً ليعقوب فإن العرب تسمي العم أباً والخالة أماً، وعم الرجل صنو أبيه، وقرىء أبيك فقيل أراد إبراهيم وحده ويكون إسمعيل وإسحق عطفاً على أبيك وإن كان هو أباه حقيقة وإبراهيم جده، ولكن لإبراهيم مزيد خصوصية، وقيل أبيك جمع كما روي عن سيبويه أن أبين جمع سلامة ومثله أبون، وقدم إسمعيل على إسحق لأنه أسبق منه في الولادة بأربع عشرة سنة وأنه جد نبينا صلى الله عليه وآله وسلم (إلهاً واحداً ونحن له مسلمون) أي مخلصون التوحيد والعبودية.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135)

134

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم) تلك إشارة إلى إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه، وما بعده بيان لحال تلك الأمة وحال المخاطبين بأن لكل من الفريقين كسبه لا ينفعه كسب غيره ولا يناله منه بشيء، ولا يضره ذنب غيره، وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويروح نفسه بالأماني الباطلة، ومنه ما ورد في الحديث [من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبة (¬1)] والمراد أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيئآتهم، وفيه إبطال مذهب من يجيز تعذيب أولاد المشركين تبعاً لآبائهم، قال ابن فارس: وفيه إثبات الكسب للعبد (ولا تسئلون عما كانوا يعملون) أي عن أعمالهم كما لا يسئلون عن أعمالكم، ومثله (ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى). ¬

(¬1) أبو داود كتاب العلم الباب 1 - أحمد بن حنبل 2/ 252 - 407.

135

(وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا) وهذا فن آخر من فنون كفرهم وإضلالهم لغيرهم إثر بيان ضلالتهم في نفسهم، قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا، وفي نصارى نجران السيد والعاقب وأصحابهما خاصموا المؤمنين في الدين فكل فريق منهم يزعم أنه أحق بدين الله (قل بل ملة إبراهيم حنيفاً) أي قل يا محمد في الرد عليهم هذه المقالة بل الهدى ملة إبراهيم، والحنيف المائل عن الأديان الباطلة إلى دين الحق، وهو في أصل اللغة الذي تميل قدماه كل واحدة إلى أختها أي تتبع ملة إبراهيم حال كونه حنيفاً، وقال قوم: الحنف الإستقامة

فسمي دين إبراهيم حنيفاً لإستقامته، ويسمى معوج الرجلين أحنف تفاؤلاً بالإستقامة كما قيل للديغ سليم، وللمهلكة مفازة، وقال مجاهد: حنيفاً متبعاً، وقال ابن عباس: حاجاً، وعن خصيف قال: الحنيف المخلص، وقال أبو قلابة: الحنيف الذي يؤمن بالرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم. وأخرج أحمد (¬1) عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، " بعثت بالحنيفية السمحة " وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر عن ابن عباس قال: قيل يا رسول الله أي الأديان أحب إلى الله قال " الحنيفية السمحة " ونصب ملة على الإغراء، قاله أبو عبيدة أي ألزموها (وما كان) أي إبراهيم (من المشركين) وفي نفي كونه من المشركين تعريض باليهود لقولهم عزير ابن الله وبالنصارى لقولهم المسيح ابن الله أي أن إبراهيم ما كان على هذه الحالة التي أنتم عليها من الشرك بالله، فكيف تدعون عليه إنه كان على اليهودية أو النصرانية وتدعون أنكم على ملته. ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 5/ 266 6/ 116،، 222. البخاري كتاب الإيمان الباب 29 - أحمد بن حنبل 1/ 226. عن أبي أمامة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية من سراياه قال فمر رجل بغار فيه شيء من ماء قال فحدث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا ثم قال لو أني أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال يا نبي الله إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة.

136

قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا) أي القرآن (وما أنزل إلى إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط) أي الصحف، وهذا خطاب للمسلمين وأمر لهم بأن يقولوا لهم هذه المقالة وقيل إنه خطاب للكفار بأن يقولوا ذلك حتى يكونوا على الحق، والأول أولى، وأعاد الموصول لئلا يتوهم من إسقاطه اتحاد المنزل مع أنه ليس كذلك، وذكر إسمعيل وما بعده لكونهم مزوجين لها متعبدين بتفاصيلها، داخلين تحت أحكامها، ومقررين لما أنزل على إبراهيم فكأنه منزل عليهم أيضاً وإلا فليسوا منزلاً عليهم في الحقيقة. والأسباط أولاد يعقوب وهم اثنا عشر ولداً ولكل واحد من الأولاد جماعة، والسبط في بني إسرائيل بمنزلة القبيلة في العرب، وسموا الأسباط من السبط وهو التتابع فهم جماعة متتابعون، وقيل أصله من السبط بالتحريك وهو الشجر أي هم في الكثرة بمنزلة الشجر، وقيل الأسباط حفدة يعقوب أي أولاد أولاده لا أولاده لأن الكثرة إنما كانت فيهم دون أولاد يعقوب في نفسه فهم أفراد لا أسباط. (وما أوتي موسى) من التوراة، وعبر بالإيتاء دون الإنزال فراراً من التكرار الصوري الموجب للثقل في العبارة (وعيسى) من الإنجيل، ولم يقل وما أوتي عيسى إشارة إلى اتحاد المنزل عليه مع المنزل على موسى، فإن الإنجيل مقرر للتوراة ولم يخالفها إلا في قدر يسير فيه تسهيل كما قال: (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) (وما أوتي النبيون) المذكورون وغيرهم (من ربهم) يعني والكتب التي أوتي جميع الأنبياء، وذلك كله حق وهدى ونور، وإن الجميع من عند الله، وإن جميع ما ذكر الله من أنبيائه كانوا على هدى وحق (لا نفرق) في الإيمان (بين أحد منهم) بل نؤمن بكل الأنبياء قال الفراء

معناه لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى. قال في الكشاف (أحد) في معنى الجماعة ولذلك صح دخول (بين) عليه، وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي كما سبق إلى كثير من الأذهان، وقال القرافي: إن " أحداً " الذي لا يستعمل إلا في النفي معناه إنسان بإجماع أهل اللغة، وأحداً الذي يستعمل في الإثبات معناه الفرد من العدد إذا كان مسمى أحد اللفظين غير مسمى الآخر في اللغة، وضابط الاشتقاق أن تجد بين اللفظين مناسبة في اللفظ والمعنى، ولا يكفي أحدهما تغايراً في الاشتقاق، فإن وجدت المقصود به إنسان فألفه ليست منقلبة عن واو، وإن وجدت المقصود به نصف الاثنين من العدد فهو الصالح للإثبات والنفي وألفه منقلبة عن واو، انتهى، وقد حقق المقام الخفاجي في العناية فليرجع إليه. (ونحن له مسلمون) أي ونحن لله تعالى خاضعون بالطاعة مذعنون له بالعبودية، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما الآية التي في البقرة (قولوا آمنا بالله) كلها وفي الأخرة (آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون) وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة " كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله " الآية (¬1). ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 7223.

137

فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا) هذا خطاب للمسلمين أيضاً أي فان آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله، ولم يفرقوا بين أحد منهم فقد اهتدوا، وعلى هذا فمثل زائدة كقوله (ليس كمثله شيء) وقيل أن المماثلة وقعت بين الإيمانين أي فإن آمنوا بمثل إيمانكم، وقال في الكشاف إنه من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له وهو دين الإسلام أي فإن حصلوا ديناً آخر مثل دينكم مساوياً له في الصحة والسداد فقد اهتدوا، وقيل إن الباء زائدة مؤكدة وقيل إنها للإستعانة. (وإن تولوا فإنما هم في شقاق) أصله من الشق وهو الجانب، كأن كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر، وقيل إنه مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين، قال أبو العالية: في شقاق أي فراق، وقيل في خلاف ومنازعة، وقيل في عداوة ومحاربة، وقيل في ضلال. (فسيكفيكهم الله) أي من شر اليهود والنصارى، والكفاية وعد وضمان من الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - أنه سيكفيه من عانده وخالفه من المتولين، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة والنضير وبني قينقاع (¬1)، وفيه معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو إخبار بغيب (وهو السميع) لأقوالهم (العليم) بأحوالهم يسمع جميع ما ينطقون به ويعلم جميع ما يضمرون من الحسد والغل، وهو مجازيهم ومعاقبهم. ¬

(¬1) وقد وردت قصص يهود قريظة والنضير وبني قينقاع في كتب السيرة مطولاً انظر مثلاً سيرة ابن هشام 4/ 239 و 4/ 192 و 4/ 48.

138

صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) (صبغة الله) الخطاب للمسلمين أي قولوا للنصارى المقالة، والمعنى صبغنا الله بالإيمان، قال الأخفش وغيره: أي دين الله وهي فعلة من صبغ كالجلسة من جلس وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس، انتهى وقال ابن عباس: دين الله، وقال مجاهد: فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأخرج ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " إن بني إسرائيل قالوا يا موسى هل يصبغ ربك فقال اتقوا الله فناداه ربه يا موسى سألوك هل يصبغ ربك فقل نعم أنا أصبغ الألوان الأحمر والأبيض والأسود والألوان كلها في صبغتي " وأنزل الله على نبيه (صبغة الله) الآية، وعنه صبغة الله البياض. وقد ذكر المفسرون أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء، وهو الذي يسمونه المعمودية، ويجعلون ذلك تطهيراً لهم، فإذا فعلوا ذلك قالوا الآن صار نصرانياً، حقاً، فرد الله عليهم بقوله (صبغة الله) أي الإسلام ولا صبغة أحسن من صبغة الإسلام ولا أطهر وهو دين الله الذي بعث به نوحاً ومن كان بعده من الأنبياء، وسماه صبغة استعارة، قال البغوي: إطلاق مادة لفظ الصبغ على التطهير مجاز تشبيهي، وتقرير المشاكلة هنا مبسوط في التلخيص وشرحه للسعد، وقيل الصبغة الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلاً من معمودية النصارى (¬1)، ذكره الماوردي، وقيل الصبغة الختان لأنه يصبغ المختتن بالدم، وقيل الصبغة سنة الله. (ومن أحسن من الله صبغة) أي ديناً وقيل تطهيراً لأنه يطهر من أوساخ الكفر (ونحن له عابدون) أي مطيعون. ¬

(¬1) روى أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن ثمامة الحنفي أسر فمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث به إلى حائط أبي طلحة فأمره أن يغتسل فاغتسل وصلى ركعتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسن إسلام صاحبكم.

139

قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139) (قل أتحاجوننا في الله) أي قل يا محمد لليهود والنصارى الذين قالوا إن دينهم خير من دينكم: أتجادلوننا وتخاصموننا في دين الله الذي أمرنا أن نتدين به والقرب منه والحظوة عنده، وذلك كقولهم نحن أبناء الله وأحباؤه، والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة (وهو ربنا وربكم) أي نشرك نحن وأنتم في ربوبيته لنا وعبوديتنا له فكيف تدعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك، وله أن يصطفي من عباده من يشاء (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) فلستم بأولى بالله منا وهو مثل قوله تعالى (فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) (ونحن له مخلصون) أي نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل، والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله من غيره، فكيف تدعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم وأحق، والجمل الثلاث أحوال، وفي الآية توبيخ لهم وقطع لما جاؤا به من المجادلة والمناظرة، قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف.

140

أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140) (أم تقولون) أم هنا معادلة للهمزة في قوله (أتحاجوننا) أي أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم، وعلى قراءة يقولون بالياء تكون أم منقطعة أي بل يقولون وفيه تقريع وتوبيخ (إن إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى) يعني أتزعمون أن إبراهيم وبنيه كانوا على دينكم وملتكم، وإنما حدثت اليهودية والنصرانية بعدهم فثبت كذبكم عليهم (قل أأنتم أعلم أم الله) أي الله أعلم بذلك، وقد أخبرنا بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى، وأنتم تدعون أنهم كانوا كذلك فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه، والتفضيل على سبيل الإستهزاء أو على تقدير أن يظن بهم علم في الجملة وإلا فلا مشاركة. (ومن أظلم ممن كتم) أي أخفى (شهادة عنده من الله) استفهام إنكار أي لا أحد أظلم يحتمل أن يراد بذلك الذم لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هوداً ولا نصارى، بل كانوا على الملة الإسلامية فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة، بل بادعائهم لما هو مخالف لها وهو أشد في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه، ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب، وقيل المراد هنا ما كتموه من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم -. (وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد شديد وتهديد ليس عليه مزيد، وإعلام بأن الله سبحانه لا يترك أمرهم سدى ولا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح والذنب الفظيع، والغافل الذي لا يفطن للأمور إهمالاً منه، مأخوذ من الأرض الغفل وهي التي لا علم بها ولا أثر عمارة، وقال الكسائي أرض غفل لم تمطر.

تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141) سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142) وكرر قوله سبحانه

141

(تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) لتضمنها معنى التهديد والتخويف الذي هو المقصود في هذا القام، وتلك إشارة إلى إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط، وقيل لأنه إذا اختلف مواطن الحجاج والمجادلة حسن تكريره للتذكير به وتأكيده، وقيل إنما كرره تنبيهاً لليهود ولن يتكل على فضل الآباء وشرفهم أي لا تتكلوا على فضل الآباء فكل يؤخذ بعمله، وكل إنسان يسئل يوم القيامة عن كسبه لا عن كسب غيره، وفيه وعظ وزجر وهذا كالأول.

142

(سيقول السفهاء من الناس) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمشركين والمنافقين سيقولون هذه المقالة قيل إن سيقول بمعنى قال وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته والاستمرار عليه، وقيل إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وإن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهويناً لصدمته وتخفيفاً لروعته، وكسراً لسورته، والسفهاء جمع سفيه وهو الكذاب البهات المتعمد خلاف ما يعلم، كذا قال بعض أهل اللغة، وقال في الكشاف هم خفاف الأحلام، ومثله في القاموس، وقد تقدم في تفسير قوله (إلا من سفه نفسه) ما ينبغي الرجوع إليه. قيل نزلت هذه الآية في اليهود وذلك أنهم طعنوا في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة لأنهم لا يرون النسخ، وقيل نزلت في مشركي مكة وذلك أنهم قالوا قد تردد على محمد - صلى الله عليه وسلم - أمره واشتاق مولده، وقد توجه نحو

بلدكم، فلعله يرجع إلى دينكم، وقيل نزلت في المنافقين وإنما قالوا ذلك استهزاء بالإسلام، وقيل يحتمل أن لفظ السفهاء للعموم فيدخل فيه جميع الكفار والمنافقين واليهود، ويحتمل وقوع هذا الكلام من كلهم إذ لا فائدة في التخصيص، ولأن الأعداء يبالغون في الطعن والقدح فإذا وجدوا مقالاً قالوا، ومجالاً جالوا، والإتيان بالسين الدالة على الاستقبال من الإخبار بالغيب وعليه أكثر المفسرين وحكمته أنهم كما قالوا ذلك في الماضي منهم أيضاً من يقوله في المستقبل كما قال البيضاوي تبعاً للكشاف. (ما ولاّهم) أي ما صرفهم (عن قبلتهم) وهي بيت المقدس (التي كانوا عليها) أي ثابتين مستمرين على التوجه إليها ومراعاتها واعتقاد حقيتها، والقبلة هي الجهة التي يستقبلها الإنسان، وإنما سميت قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، ولما قال السفهاء ذلك رد الله عليهم بقوله (قل لله المشرق والمغرب) فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء لا يختص به مكان دون مكان لخاصة ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه، وإنما العبرة بارتسام أمره أي امتثاله لا بخصوص المكان، وتخصيص هاتين الجهتين بالذكر لمزيد ظهورهما حيث كان أحدهما مطالع الأنوار والإصباح، والآخر مغربها، ولكثرة توجه الناس إليهما لتحقيق الأوقات لتحصيل المقاصد والمهمات ذكره الكرخي (يهدي من يشاء) من عباده إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأهل مِلَّتِهِ (إلى صراط مستقيم) يعني إلى جهة الكعبة وهي قبلة إبراهيم عليه السلام. وقد أخرج البخاري ومسلم (¬1) وغيرهما عن البراء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان أول ما نزل المدينة نزل على أخواله من الأنصار، وأنه صلى إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت وأن أول صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان صلى معه فمر على ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 4/ 282 - البخاري كتاب الإيمان الباب 20.

أهل المسجد وهم راكعون فقال أشهد بالله لقد صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل الكعبة فداروا قبل البيت كما هم، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصّلي قِبَلَ بيت القدس وأهل الكتاب فلما ولّى وجهه قِبَلَ البيت أنكروا ذلك وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا فلم ندر ما نقول فيهم فأنزل الله (وما كان الله ليضيع إيمانكم) الآية " وله طرق أخر وألفاظ متقاربة. وعن ابن عباس قال أن أول ما نسخ في القرآن القبلة وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بمكة نحو بيت المقدس والكعبة بين يديه وبعدما تحول إلى المدينة ستة عشر شهراً ثم صرفه الله إلى الكعبة (¬1)، وفي الباب أحاديث كثيرة بمضمون ما تقدم، وكذلك وردت أحاديث في الوقت الذي نزل فيه استقبال القبلة وفي كيفية استدارة المصلين لما بلغهم ذلك، وقد كانوا في الصلاة فلا نطول بذكرها، فيه الرد على من أنكر النسخ ودلالة على جواز نسخ السنة بالقرآن لأن استقبال بيت المقدس كان ثابتاً بالسنة الفعلية لا بالقرآن. ¬

(¬1) وروي أن أوّل من صلّى إلى الكعبة حين صُرفت القِبلة عن بيت المقدس أبو سعيد بن المُعَلَّى؛ وذلك أنه كان مجتازاً على المسجد فسمع رسول الله صلى اللُه عليه وسلم يخطب الناس بتحويل القبلة على المنبر وهو يقرأ هذه الآية: " قَدْ نَرَى تَقَلُبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ " حتى فرغ من الآية؛ فقلت لصاحبي: تعالَ نركع ركعتين قبل أن ينزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكون أوّلَ مَن صلى فتوارَيْنَا نَعَماً فصلّيناهما؛ ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلّى بالناس الظهر يومئذ. قال أبو عمر: ليس لأبي سعيد بن المُعَلَّى غير هذا الحديث، وحديث: " كنت أصلّي " في فضل الفاتحة؛ خرّجه البخاري.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (143)

143

(وكذلك) أي كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك (جعلناكم أمة وسطاً) أي عدولاً خياراً، والوسط الخيار والعدل، والآية محتملة للأمرين، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسير الوسط هنا بالعدل، رواه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد مرفوعاً فوجب الرجوع إلى ذلك، ولما كان الوسط مجانباً للغلو والتقصير كان محموداً أي هذه الأمة لم تغل غلو النصارى في عيسى، ولا قصروا تقصير اليهود في أنبيائهم، ويقال فلان أوسط قومه وواسطتهم ووسطهم أي خيارهم، والآية دلت على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم أي اختلت قاله الكرخي، وفيه دلالة على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم. (لتكونوا) اللام لام كي فتفيد العلية أو هي لام الصيرورة (شهداء على الناس) يعني يوم القيامة أي تشهدون للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، وقالت طائفة معنى الآية يشهد بعضكم على بعض بعد الموت، وقيل المراد لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا فيما لا يصح إلا بشهادة العدول (ويكون الرسول عليكم شهيداً) أى على أمته بأنهم قد فعلوا ما أمر بتبليغه إليهم، ومثله قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) وقيل عليكم بمعنى لكم أي يشهد لكم بالإيمان، وقيل معناه يشهد عليكم بالتبلغ لكم، قال في الكشاف: لما كان الشهيد كالرقيب والمهيمن على المشهود له جيء بكلمة الاستعلاء ومنه قوله تعالى (والله على كل

شيء شهيد) (وكنت أنت الرقيب عليهم) (وأنت على كل شيء شهيد)، انتهى. وإنما أخر لفظ (على) في شهادة الأمم على الناس وقدمها في شهادة الرسول عليهم لأن الغرض كما قال صاحب الكشاف في الأول إثبات شهادتهم على الأمم، وفي الآخر اختصاصهم بكون الرسول شهيداً عليهم، وقيل أن شهيداً أشبه بالفواصل والمقاطع من عليكم فكان قوله (شهيداً) تمام الجملة ومقطعها دون عليكم، وهذا الوجه يرد على الزمخشري مذهبه من أن تقديم المفعول يشعر بالاختصاص. وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم (¬1) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يدعى نوح يوم القيامة فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيدعى قومه فيقال لهم هل بلغكم فيقولون ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد، فيقال لنوح من يشهد لك فيقول محمد وأمته، فذلك قوله يعني هذه الآية فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم " وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " أنا وأمتي يوم القيامة على كوم مشرفين على الخلائق ما من الناس أحد إلا ود أنه منا وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد أنه بلغ رسالة ربه " وأخرج البخاري ومسلم (¬2) وغيرهما عن أنس قال مروا بجنازة فأثنى عليها خيراً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وجبت " ثلاثاً، ومروا بجنازة فأثنى عليها شراً فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وجبت " ثلاثاً فسأله عمر فقال من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض " ثلاثاً. زاد الحكيم الترمذي ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية. وفي الباب أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل الصحاح ¬

(¬1) أحمد 3/ 32. (¬2) مسلم/949. البخاري/723.

والسنن وغيرهم. (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) المراد بهذه القبلة هي بيت المقدس، ويؤيد هذا قوله (كنت عليها) إذ كان نزول هذه الآية بعد صرف القبلة إلى الكعبة، وقيل المراد الكعبة أي القبلة التي أنت عليها الآن بعد أن كانت إلى بيت المقدس ويكون كنت بمعنى الحال، وقيل المراد بذلك القبلة التي كان عليها قبل استقبال بيت المقدس، فإنه كان يستقبل في مكة الكعبة ثم لما هاجر توجه إلى بيت المقدس تالفاً لليهود ثم صرف إلى الكعبة، وفيه أعاريب خمسة أحسنها ما ذكرناه. (إلا لنعلم) استثناء مفرغ من أعم العلل (من يتبع الرسول) في التوجه إلى ما أمر به من القبلة أو الدين، والالتفات إلى الغيبة مع إيراده صلى الله عليه وآله وسلم بعنوان الرسالة للإشعار بعلة الاتباع (ممن ينقلب على عقبيه) أي يرجع إلى الكفر، وقد ارتد لذلك جماعة، والمعنى ما جعلناها إلا لنبتليهم يعني من يسلم لأمره ممن يرجع إلى ما كان عليه من الكفر فيرتد، قال ابن عباس: لنميز أهل اليقين من أهل الشك قيل المراد العلم هنا الرؤية، وقيل ليعلم النبي وقيل المراد لنعلم ذلك موجوداً حاصلاً، وهكذا ما ورد معللاً بعلم الله سبحانه لا بد أن يؤول بمثل هذا كقوله (وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء). (وإن كانت لكبيرة) أي ما كانت إلا كبيرة كما قاله الفراء، والضمير في كانت راجع إلى ما يدل عليه قوله (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها) من التحويلة والتولية أو الجعلة أو الردة ذكر معنى ذلك الأخفش، ولا مانع من أن يرجع الضمير إلى القبلة المذكورة أي وإن كانت القبلة المتصفة بأنك كنت عليها لكبيرة أي تحويلها على أهل الشرك والريب، قاله ابن عباس.

(إلا على الذين هدى الله) أي هداهم للإيمان فانشرحت صدورهم لتصديقك وقبلت ما جئت به عقولهم، وهذا الاستثناء مفرغ لأن ما قبله في قوة النفي أي أنها لا تخف ولا تسهل إلا على أهل الهدى، وقيل استثناء من مستثنى منه محذوف أي وإن كانت لكبيرة على الناس إلا على الذين، وقيل يحتمل كلا الوجهين والأول أولى، وعن ابن جريج قال: بلغني أن ناساً ممن أسلم رجعوا فقالوا مرة ههنا ومرة ههنا. (وما كان الله ليضيع إيمانكم) وهذه اللام تسمى لام الجحود عند البصريين وخبر كان محذوف أي ما كان الله مريداً لإضاعة إيمانكم، والكوفيون لا يقدرون شيئاً وأن اللام عندهم للتأكيد وهكذا القول فيما أشبه هذا التركيب مما ورد في القرآن وغيره نحو (وما كان الله ليطلعكم، وما كان الله ليذر) قال القرطبي: اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس ثم قال: فسمى الصلاة إيماناً لاجتماعها على نية وقول وعمل، وقيل المراد ثبات المؤمنين على الإيمان عند تحويل القبلة وعدم ارتيابهم كما ارتاب غيرهم، والأول يتعين القول به والمصير إليه لما أخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن حبان والطبراني والحكم وصححه ابن عباس قال: لما وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى القبلة قالوا يا رسول الله فكيف بالذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل. (وما كان الله) الآية وفي الباب أحاديث كثيرة وآثار عن السلف. (إن الله بالناس) تعليل لما قبله (لرؤوف رحيم) الرؤوف كثير الرأفة وهي أشد من الرحمة وأكثر منها والمعنى متقارب وقدم الأبلغ للفاصلة.

144

قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144) (قد نرى تقلب وجهك) تصرفه (في) جهة (السماء) قال القرطبي في تفسيره: قال العلماء هذه الآية متقدمة في النزول على قوله: (سيقول السفهاء) ومعنى (قد) تكثير الرؤية كما قاله صاحب الكشاف، وقيل للتحقيق، والمعنى تحول وجهك إلى السماء قاله قطرب، وقال الزجاج: تقلب عينيك في النظر إلى السماء والمعنى متقارب، والمعنى مطلعاً إلى الوحي ومتشوقاً للأمر باستقبال الكعبة، وكان يود ذلك لأنها قبلة إبراهيم، ولأنها أدعى إلى إسلام العرب. (فلنولينك) هو إما من الولاية أي فلنعطينك ذلك أو من التولي أي فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وهذه بشارة من الله له صلى الله عليه وآله وسلم بما يحب، والفاء هنا للتسبب وقيل المعنى نحولنك (قبلة ترضاها) قاله ابن عمر: أي قبلة إبراهيم نحو الميزاب، وهذا أولى لقوله (فول وجهك شطر المسجد الحرام) المراد بالشطر هنا الناحية والجهة ويرد بمعنى البعض مطلقاً، ويكون بمعنى النصف في الشيء، وبمعنى الجهة والنحو، ويقال شطر أي بعد ومنه الشطر وهو الشاب البعيد من الجيران الغائب عن منزله والشطير البعيد، ومنه منزل شطير وشطر إليه أي أقبل، قال الراغب: والشاطر أيضاً من يتباعد من الحق. ولا خلاف أن المراد بشطر المسجد هنا الكعبة، وقد حكى القرطبي الإجماع على أن استقبال عين الكعبة فرض على المعاين وعلى أن غير المعاين يستقبل الناحية، ويستدل على ذلك بما يمكنه الاستدلال به، وعن البراء شطر المسجد قبله، وعن ابن عباس قال: نحوه وقال أبو العالية: تلقاءه، وقال ابن عباس: البيت كله قبلة وقبلة البيت الباب، وأخرج البيهقي عنه مرفوعاً قال:

البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي. وقد أخرج ابن ماجة عن البراء قال صلينا مع رسول الله صلى عليه وآله وسلم نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهراً وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقليب وجهه في السماء وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة فصعد جبريل فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبعه بصره وهو يصعد بين السماء والأرض ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله هذه الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا جبريل كيف حالنا في صلاتنا إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله يعني الآية التي قبل هذه. واختلف في وقت تحويل القبلة فقيل كان في يوم الاثنين بعد الزوال للنصف من رجب على رأس سبعة عشر شهراً من مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة، وعليه الأكثر وقيل كان يوم الثلاثاء لثمانية عشر شهراً وقيل كان لستة عشر شهراً وقيل لثلاثة عشر شهراً، وقيل في جمادى، وقيل في نصف شعبان، وقيل نزلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين، ووصل الخبر إلى أهل قباء في صلاة الصبح. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي عمر (¬1) قال بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة، وظاهر حديث البراء في البخاري أنها كانت صلاة العصر، ووقع عند النسائي من رواية أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر. ¬

(¬1) البخاري/باب القبلة- 10.

(وحيث ما كنتم) أي من بر، أو بحر، مشرق أو مغرب وهذا خطاب للأمة (فولوا وجوهكم شطره) أي نحو البيت وتلقاءه، وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة، (¬1) أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح قيل أراد بالمشرق مشرق الشتاء في أقصر يوم من السنة وبالمغرب مغرب الصيف في أطول يوم من السنة، فمن جعل مغرب الصيف في هذا الوقت عن يمينه ومشرق الشتاء عن يساره كان مستقبلاً للقبلة، وهذا في حق أهل المشرق لأن المشرق الشتوي جنوبي متباعد عن خط الاستواء بمقدار الميل، والمغرب الصيفي شمالي متباعد عن خط الاستواء، والذي بينهما فقوسها مكة، والفرض لمن بمكة في القبلة إصابة عين الكعبة، ولمن بعد من مكة إصابة الجهة ويعرف ذلك بدلائل القبلة، وليس هذا موضع ذكرها، وهذا أحد الأصول الدالة على تجويز الاجتهاد، وفيه إيجاب استقبال الكعبة في كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً في كل مكان حضراً أو سفراً، وهو مخصوص بالآية التقدمة في نافلة السفر على الراحلة وبالآية الآتية في حال المسايفة. (وإن الذين أوتوا الكتاب) قال السدي: هم اليهود خاصة والكتاب التوراة وقال غيره: أحبار اليهود وعلماء النصارى لعموم اللفظ، والكتاب التوراة والإنجيل (ليعلمون أنه الحق من ربهم) الضمير في (أنه) راجع إلى ما يدل عليه الكلام من التحول إلى جهة الكعبة، وعلم أهل الكتاب بذلك إما لكونه قد بلغهم عن أنبيائهم، أو وجدوا في كتب الله المنزلة عليهم أن هذا النبي مستقبل الكعبة أو لأنهم قد علموا من كتبهم أو أنبيائهم أن النسخ سيكون في هذه الشريعة، فيكون ذلك موجباً عليهم الدخول في الإسلام ومتابعة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل راجع إلى الشطر، وقيل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون على هذا إلتفاتاً من خطابه بقوله (فلنولينك) إلى الغيبة، والأول أولى (وما الله بغافل عما يعملون) قال السدي: أنزل ذلك في اليهود والمعنى ما أنا بساه عما يفعل هؤلاء اليهود فأنا أجازيهم عليه في الدنيا والآخرة. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 5460.

145

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145) (ولئن) لام قسم وإن شرطية (أتيت الذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود والنصارى (بكل آية) أي بكل معجزة وبكل حجة وبرهان (ما تبعوا قبلتك) أي الكعبة عناداً، وفي هذه الآية مبالغة عظيمة وهي متضمنة للتسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وترويح خاطره بأن هؤلاء لا يؤثر فيهم كل آية ولا يرجعون إلى الحق وإن جاءهم بكل برهان فضلاً عن برهان واحد، وذلك لأنهم لم يتركوا اتباع الحق لدليل عندهم أو لشبهة طرأت عليهم حتى يوازنوا بين ما عندهم وما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويقلعوا عن غوايتهم عند وضوح الحق، بل كان تركهم للحق تمرداً وعناداً مع علمهم بأنهم ليسوا على شيء، ومن كان هكذا فهو لا ينتفع بالبرهان أبداً. والإخبار في قوله (وما أنت بتابع) يمكن أن يكون بمعنى النهي من الله لسبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، أي لا تتبع يا محمد (قبلتهم) ويمكن أن يكون على ظاهره دفعاً لأطماع أهل الكتاب، وقطعاً لما يرجونه من رجوعه صلى الله عليه وآله وسلم إلى القبلة التي كان عليها، وهذه الجملة أبلغ من النفي من قوله (وما تبعوا قبلتك) من وجوه منها كونها اسمية تكرر فيها الاسم مؤكداً نفيها بالباء (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) فيه إخبار بأن اليهود والنصارى مع حرصهم على متابعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما عندهم، هم مختلفون في دينهم حتى في هذا الحكم الخاص الذي قصه الله سبحانه على رسوله، فإن بعضهم لا يتابع الآخر في استقبال قبلته، قال في الكشاف: وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى تستقبل مطلع الشمس، انتهى.

قال الشهاب: إن كون قبلة النصارى مطلع الشمس صرحوا به لكن وقع في بعض كتب القصص أن قبلة عيسى كانت بيت المقدس. وقال الحافظ ابن القيم في بدائع الفوائد: قبلة أهل الكتاب ليست بوحي وتوقيف من الله بل بمشورة واجتهاد منهم، أما النصارى فلا ريب أن الله لم يأمرهم في الإنجيل ولا في غيره باستقبال المشرق، وهم يقرون بأن قبلة المسيح قبلة بني إسرائيل وهي الصخرة، وإنما وضع لهم أشياخهم هذه القبلة فهم مع اليهود متفقون على أن الله لم يشرع استقبال بيت المقدس على رسوله أبداً، والمسلمون شاهدون عليهم بذلك الأمر، وأما اليهود فليس في التوراة الأمر باستقبال الصخرة البتة، وإنما كانوا ينصبون التابوت ويصلون إليه من حيث خرجوا فإذا قدموا نصبوه على الصخرة وصلوا عليه، فلما رفع صلوا إلى موضعه وهو الصخرة. (ولئن اتبعت أهواءهم) يعني مرادهم ورضاهم لو رجعت إلى قبلتهم (من بعد ما جاءك من العلم) في أمر القبلة أو بأنهم مقيمون على باطل وعناد (إنك إذاً لمن الظالمين) فيه من التهديد العظيم والزجر البليغ ما تقشعر له الجلود، وترجف منه الأفئدة، وإذا كان الميل إلى أهوية المخالفين لهذه الشريعة الغراء والملة الشريفة من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي هو سيد ولد آدم (¬1) يوجب ¬

(¬1) ذكر مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع مسلم/2278. كذلك يؤيده حديث الشفاعة الذي رواه مسلم/194 والبخاري/1579: وملخصه أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك يجمع الله يوم القيامة الأولين والأخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنوا الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه ألا ترون ما قد بلغكم ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ... فياتون آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ويأتون عمداً ويسألونه الشفاعة فيجاب يا محمد ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفع يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الناس. انظر بتنصل لحديث مسلم/2278.

الظلم عليه وحاشاه أن يكون من الظالمين. فما ظنك بغيره من أمته، وقد صان الله هذه الفرقة الإسلامية بعد ثبوت قدم الإسلام وارتفاع مناره عن أن يميلوا إلى شيء من هوى أهل الكتاب، ولم تبق إلا دسيسة شيطانية ووسيلة طاغوتية، وهي ميل بعض من تحمل حجج الله إلى هوى بعض طوائف المبتدعة لما يرجوه من الحطام العاجل من أيديهم أو الجاه لديهم، إن كان لهم في الناس دولة أو كانوا من ذوي الصولة، وهذا الميل ليس بدون ذلك الميل بل اتباع أهوية المبتدعة يشبه اتباع أهوية أهل الكتاب كما يشبه الماء الماء، والبيضة البيضة، والتمرة التمرة. وقد تكون مفسدة اتباع أهوية المبتدعة أشد على هذه الملة من مفسدة اتباع أهوية أهل الملل، لأن المبتدعة ينتمون إلى الإسلام ويظهرون للناس أنهم ينصرون الدين ويتبعون أحسنه، وهم على العكس من ذلك، والضد لما هنالك، ولا يزالون ينقلون من يميل إلى أهويتهم من بدعة إلى بدعة، ويدفعونه من شنعة إلى شنعة حتى يسلخوه من الدين ويخرجوه منه، وهو يظن أنه منه في الصميم، وأن الصراط الذي هو عليه هو الصراط المستقيم. هذا إن كان في عداد المقصرين ومن جملة الجاهلين، وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق والباطل، كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم، وختم على قلبه وصار نقمة على عباده ومصيبة صبها الله على المقصرين لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى الحق، ولا يتبع إلا الصواب، فيضلون بضلاله فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة نسأل الله اللطف والسلامة والهداية والكرامة.

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)

146

(الذين آتيناهم الكتاب) يعني علماء اليهود والنصارى، وقيل أراد به مؤمني أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه (يعرفونه) الضمير لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يسبق له ذكر لدلالة الكلام عليه وعدم اللبس، ذكره القاضي ويقال عليه بل سبق ذكره بلفظ الرسول مرتين أي يعرفون نبوته، روي ذلك عن مجاهد وقتادة وطائفة من أهل العلم، وقيل يعرفون تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة بالطريق التي قدمنا ذكرها، وبه قال جماعة من المفسرين، ورجح صاحب الكشاف الأول، وعندي أن الراجح الآخر كما يدل عليه السياق الذي سيقت له هذه الآية. (كما يعرفون أبناءهم) أنهم منهم لا يشكون فيه، ولا يشتبه عليهم كما لا تشتبه عليهم أبناؤهم من أبناء غيرهم، يعني يعرفون أن القبلة التي صرفتك إليها هي قبلة إبراهيم وقبلة الأنبياء قبلك، كما يعرفون أولادهم، قال ابن سلام: لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني ومعرفتي بمحمد أشد، وخص الأبناء دون البنات أو الأولاد لأن الذكور أعرف وأشهر، وهم لصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأن المراد ليس معرفتهم له صلى الله عليه وآله وسلم من حيث ذاته ونسبه بل من حيث كونه مسطوراً في الكتاب منعوتاً بالنعوت التي من جملتها أنه صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى القبلتين كأنه قيل: الذين آتيناهم الكتاب يعرفون من وصفناه فيه، وبهذا تظهر جزالة النظم الكريم ذكره الكرخي.

(وإن فريقاً منهم) أي من علماء أهل الكتاب (ليكتمون الحق) يعني أمر القبلة أو صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكتم الحق هو عند أهل القول الأول نبوته صلى الله عليه وآله وسلم، وعند أهل القول الثاني استقبال الكعبة (وهم يعلمون) أن كتمان الحق معصية.

147

(الحق) يحتمل أن يكون المراد به الحق الأول ويحتمل أن يراد به جنس الحق على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره قوله (من ربك) أي الحق هو الذي من ربك لا من غيره (فلا تكونن من الممترين) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والامتراء الشك، نهاه الله سبحانه عن الشك في كون الحق من ربه أو في كون كتمانهم الحق مع علمهم، وعلى الأول هو تعريض للأمة أي لا يكن أحد من أمته من الممترين لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يشك في كون ذلك هو الحق من الله سبحانه وفيه كناية وهي أبلغ من التصريح.

148

(ولكل وجهة) أي لكل دين وجهة ولكل أهل ملة قبلة، والوجهة، فعلة من المواجهة وفي معناها الجهة والوجه وهي اسم للمكان المتوجه إليه كالكعبة أو مصدر، والمراد القبلة أي أنهم لا يتبعون قبلتك وأنت لا تتبع قبلتهم ولكل وجهة إما بحق وإما بباطل. والضمير في (هو موليها) راجع إلى لفظ (كل) والهاء هي المفعول الأول والثاني محذوف أي موليها وجهه في صلاته، والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة صاحب القبلة موليها وجهه، فقبلة المسلمين الكعبة، وقبلة اليهود بيت المقدس، وقبلة النصارى مطلع الشمس، أو لكل منكم يا أمة محمد قبلة يصلي إليها من شرق أو غرب أو جنوب أو شمال إذا كان الخطاب للمسلمين، ويحتمل أن يكون الضمير لله سبحانه وإن لم يجر له ذكر إذ هو معلوم أن الله فاعل ذلك، والمعنى أن لكل صاحب ملة قبلة الله موليها إياه، وقيل لكل واحد من الناس قبلة وقرىء مولاها، والضمير لواحد، والمعنى الواحد مولاها أي

محول ومصروف إليها. (فاستبقوا الخيرات) أي فبادروا إلى ما أمركم الله به من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق وإن كان ظاهر الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خيره كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات، قال ابن زيد: يعني الأعمال الصالحة والمراد من الاستباق إلى الاستقبال الاستباق إلى الصلاة في أول وقتها فإن الصلاة فيه أفضل، لأن ظاهر الأمر للوجوب، فإذا لم يتحقق الوجوب فلا أقل من الندب، والآية دليل لمذهب الشافعي في أفضلية الصلاة في أول الوقت، والسبق الوصول إلى الشيء أولاً، وأصله التقدم في السير ثم تجوز به في كل ما تقدم، والخيرات واحدها خيرة بوزن فيعلة أو زنة فعلة كجفنة، وعلى كلا التقديرين فليستا للتفضيل. (أينما تكونوا) أي في أي جهة من الجهات المختلفة تكونوا (يأت بكم الله) للجزاء يوم القيامة فهو وعد لأهل الطاعة بالثواب ووعيد لأهل المعصية بالعقاب ويجمعكم (جميعاً) ويجعل صلاتكم في الجهات المختلفة كأنها إلى جهة واحدة (إن الله على كل شيء قدير) ومنه الإعادة بعد الموت والإثابة لأهل الطاعة والعقاب لمستحق العقوبة (¬1). ¬

(¬1) روى النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما مَثَلُ المُهجِّر إلى الصلاة كَمَثَل الذي يُهدِي البَدَنَة ثم الذي على أثَره كالذي يُهْدِي البقرة ثم الذي على أثره كالذي يُهدِي الكبش ثم الذي على أثره كالذي يُهْدِي الدّجاجة ثم الذي على أثره كالذي يُهدِي البيضة ". وروى الدارقُطْني عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنّ أحدكم ليصلي الصَلاة لوقتها وقد ترك من الوقت الأوّل ما هو خير له من أهله وماله ". وأخرجه مالك.

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)

149

(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) الظاهر أن " من " هنا ابتدائية، والأقرب أن تكون بمعنى " في " أي مكان سافرت (وأنه) أي التولي (للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون) بالياء والتاء وتقدم مثله.

150

(ومن حيث خرجت) أي من أي مكان خرجت للسفر (فول وجهك شطر السجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) كرر سبحانه هذا تأكيداً لأمر استقبال الكعبة وللاهتمام به لأن موقع التحويل كان معتنى به في نفوسهم، وقيل وجه التكرير أن النسخ من مظان الفتنة ومواطن الشبهة، فإذا سمعوه مرة بعد أخرى ثبتوا واندفع ما يختلج في صدورهم، وقيل أنه كرر هذا الحكم لتعدد علله، فإنه سبحانه ذكر للتحويل ثلاث علل: الأولى ابتغاء مرضاته، والثانية يجري العادة الإلهية أن يولي أهل كل ملة وصاحب دعوة جهة يستقبل بها، والثالثة دفع حجج المخالفين فقرن بكل علة معلولها، وقيل أراد بالأول ول وجهك شطر الكعبة إذا صليت تلقاءها، ثم قال: وحيثما كنتم معاشر المسلمين في سائر المساجد بالمدينة وغيرها فولوا وجوهكم شطره، ثم قال (ومن حيث خرجت) يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمراً بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من نواحي الأرض. (لئلا) اللام لام كي وإن هي المصدرية ولا نافية (يكون للناس عليكم حجة) قيل أراد بالناس أهل الكتاب، وقيل هو على العموم، وقيل هم

قريش واليهود. والمعنى لا حجة لأحد عليكم في التولي إلى غيره أي لتنتفي مجادلتهم لكم من قول اليهود يجحد ديننا ويتبع قبلتنا. وقول المشركين يدعي ملة إبراهيم ويخالف قبلته (إلا الذين ظلموا منهم) يعني المعاندين من أهل الكتاب القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلاً إلى دين قومه، وقيل: هم مشركو العرب وحجتهم قولهم راجعت قبلتنا؛ وقيل: معناه لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة ولستم ترونها، وقال أبو عبيدة: إلا ههنا بمعنى الواو، وأبطل الزجاج هذا القول وقال إنه استثناء منقطع أي لكن الذين ظلموا منهم فإنهم يحتجون ومعناه إلا من ظلم باحتجاجه فيما قد وضح له، كأن تقول ما لك عليّ حجة إلا أن تظلمني أي مالك علي حجة ولكنك تظلمني، وسمى ظلمه حجة لأن المحتج بها سماه حجة وإن كانت داحضة. ورجح ابن جرير الطبري أن الاستثناء متصل وقال: نفى الله أن تكون لأحد حجة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم، وقالوا إن محمداً تحير في دينه وما توجه إلى قبلتنا إلا أنّا أهدى منه، وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن أو يهودي أو منافق، قال: والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة والمجادلة وسماها تعالى حجة وحكم بفسادها حيث كانت من ظالم، ورجح ابن عطية أن الاستثناء منقطع كما قال الزجاج، قال القرطبي: وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب كأنه قال لكن الذين ظلموا في قولهم رجع محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. (فلا تخشوهم) أي لا تخافوا جدالهم في التولي إليها ومطاعنهم فإنها داحضة باطلة لا تضركم (واخشوني) أي احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم به وفرضته عليكم (ولأتم نعمتي عليكم) أي بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم لتتم لكم الملة الحنيفية، وقيل تمام النعمة الموت على الإسلام ثم دخول الجنة ثم رؤية الله تعالى (ولعلكم تهتدون) أي لكي تهتدوا من الضلالة، ولعل وعسى من الله واجب.

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152)

151

(كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة) التشبيه واقع على أن النعمة في القبلة كالنعمة في الرسالة، وقيل معنى الكلام على التقديم والتأخير أي فاذكروني كما أرسلنا، قاله الزجاج وقيل غير ذلك، والتعبير بصيغة التكلم الدالة على العظمة بعد التعبير بالصيغة التي لا دلالة لها عليها من قبيل التفنن وجرياً على سنن الكبراء، وفيكم خطاب لأهل مكة والعرب وكذا قوله منكم، وفي إرساله رسولاً منهم نعمة عظيمة عليهم لما فيه من الشرف لهم، ولأن المعروف من حال العرب الأنفة الشديدة من الانقياد للغير، فكان بعثة الرسول منهم وفيهم أقرب إلى قبول قوله والانقياد له، والرسول هو محمد- صلى الله عليه وسلم -، والآيات القرآن وذلك من أعظم النعم لأنه معجزة باقية على الدهر، والتزكية التطهير من دنس الشرك والذنوب، وقيل محاسن الأعمال ومكارم الأفعال، والحكمة هي السنة المطهرة والفقه في الدين. (ويعلمكم) من أخبار الأمم الماضية والقرون الخالية وقصص الأنبياء والخبر عن الحوادث المستقبلة (ما لم تكونوا تعلمون) ذلك قبل بعثة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتستقلون بعلمه بعقولكم.

152

(فاذكروني أذكركم) أمر وجوابه، وفيه معنى المجازاة قاله سعيد بن جبير، والمعنى اذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة حكاه عنه القرطبي، وروى نحوه مرفوعاً، وقيل الذكر يكون باللسان وهو التسبيح والتحميد ونحو ذلك من الأذكار المأثورة، ويكون بالقلب، وهو التفكر في الدلائل الدالة على وحدانيته وبدائع خلقه ويكون بالجوارح وهو الاستغراق في الأعمال التي أمروا

بها مثل الصلاة وسائر الطاعات التي للجوارح فيها فعل، وقيل غير ذلك. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يقول الله عز وجل أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " أخرجه البخاري ومسلم (¬1). وأخرجا عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله عز وجل " أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه " (¬2) وأخرجا عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر كمثل الحي والميت " (¬3) وفي الباب أحاديث كثيرة. (واشكروا لي) يعني بالطاعة ما أنعمت به عليكم، قال الفراء: شكرتك وشكرت لك واحد، قال ابن عطية: ولي أفصح وأشهر مع الشكر، والشكر معرفة الإحسان والتحدث به، وأصله في اللغة الظهور وقد تقدم الكلام فيه، وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق وفضل الشكر أحاديث كثيرة كما أشرنا اليه. (ولا تكفرون) أي بجحد النعم وعصيان الأمر، والكفر هنا ستر النعمة لا التكذيب، فمن أطاع الله فقد شكره ومن عصاه فقد كفر، وقد تقدم الكلام فيه. ¬

(¬1) مسلم/2675. (¬2) ومثل ذلك ما رواه ابن ماجة عن عبد الله بن بسر أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فانبثني منها بشيء أتشبث به قال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله عز وجل. (¬3) ومنه حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيروا هذا جمدان (جبل في طريق مكة) سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات مسلم/2676.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)

153

(يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة) لما فرغ سبحانه من إرشاد عباده إلى ذكره وشكره عقب ذلك بإرشادهم إلى الاستعانة بالصبر عن المعاصي وحظوظ النفس، وبالصلاة التي هي عماد الدين ومعراج المؤمنين، فإن من جمع بين ذكر الله وشكره واستعان بالصبر والصلاة على تأدية ما أمر الله به، ودفع ما يرد عليه من المحن فقد هدي إلى الصواب، ووفق للخير، ومن الناس من حمل الصبر على الصوم وفسره به، ومنهم من حمله على الجهاد ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع، والصبر حبس النفس على احتمال المكاره في ذات الله، وتوطينها على تحمل المشاق في العبادات وسائر الطاعات، وتجنب الجزع والمحظورات، والمعنى استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض وبالصلوات الخمس على تمحيص الذنوب، وخصها بالذكر لتكررها وعظمها لأنها أم العبادات ومناجاة رب الكائنات. (إن الله مع الصابرين) أي بالعون والنصر وإجابة الدعوة، وهذه المعية التي أوضحها الله فيها أعظم ترغيب لعباده سبحانه إلى لزوم الصبر على ما ينوب من الخطوب فمن كان الله معه لم يخش من الأهوال، وإن كانت كالجبال، وهذه المعية خاصة بالمتقين والمحسنين والصابرين، وأما المعية بالعلم والقدرة فهي عامة في حق كل أحد، والجملة تعليل لما قبلها من الاستعانة بالصبر خاصة كما قال أبو السعود أو بالصبر والصلاة كما قال الكرخي.

154

(ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء) قيل نزلت فيمن قتل ببدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلاً ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وسماهم في الخازن بأسمائهم وكان الناس يقولون فيهم مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذاتها فأنزل الله هذه الآية، وقيل إن الكفار قالوا إن

الناس يقتلون أنفسهم ظلماً لمراضاة محمد - صلى الله عليه وسلم - من غير فائدة فنزلت هذه الآية. وأخبر الله أن من قتل في سبيله فإنه حي، وإنما خص الشهداء لأنهم فضلوا على غيرهم بمزيد النعم، وهو أنهم يرزقون من مطاعم الجنة ومآكلها، وغيرهم ينعمون بما دون ذلك. (ولكن لا تشعرون) بهذه الحياة عند مشاهدتكم لأبدانهم بعد سلب أرواحهم لأنكم تحكمون عليها بالموت في ظاهر الأمر، بحسب ما يبلغ إليه علمكم الذي هو بالنسبة إلى علم الله كما يأخذ الطائر في منقاره من ماء البحر. وليسوا كذلك في الواقع بل هم أحياء في البرزخ تصل أرواحهم إلى الجنان، فهم أحياء من هذه الجهة، وإن كانوا أمواتاً من جهة خروج الروح من أجسادهم. وفي الآية دليل على ثبوت عذاب القبر للعصاة وأن المطيعين لله يصل إليهم ثوابهم وهم في قبورهم في البرزخ، ولا اعتداد بخلاف من خالف في ذلك، فقد تواترت به الأحاديث الصحيحة ودلت عليه الآيات القرآنية، ومثل هذه الآية قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) وقد وردت أحاديث في أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة (¬1)، فمنها عن كعب بن مالك مرفوعاً عند أحمد والترمذي وصححه النسائي وابن ماجة وروي " أن أرواح الشهداء على صور طيور بيض " كما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية. والآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، وفيها دلالة على أن الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا تخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1555.

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)

155

(ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات) أي لنختبرنكم واللام جواب القسم، أي والله لنبلونكم يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - والبلاء أصله المحنة أي نمتحنكم لنختبركم هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء أم لا، وليظهر الطائع من العاصي، والتنكير للتقليل أي بشيء قليل من هذه الأمور، فإن ما وقاهم عنه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة فكذا ما يصيب به معانديهم، وإنما أخبر به قبل الوقوع ليوطنوا عليه نفوسهم ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة محمودة، والمراد بالخوف ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدو أو غيره، وبالجوع المجاعة التي تحصل عند الجدب والقحط، وبنقص الأموال ما يحدث فيها بسبب الجوائح وما أوجبه الله فيها من الزكاة ونحوها. عن رجاء بن حيوة قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة، وبنقص الأنفس بالموت والقتل في الجهاد، وبنقص الثمرات ما يصيبها من الآفات، وهو من عطف الخاص على العام لشمول الأموال للثمرات وغيرها. وقال الشافعي: في تفسير هذه الآية الخوف خوف الله والجوع صيام شهر رمضان ونقص الأموال إخراج الزكاة والصدقات ونقص الأنفس بالأمراض ونقص الثمرات موت الأولاد لأن الولد ثمرة القلب. وفي الحديث: " إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته ": أقبضتم ولد عبدي؟ قالوا: نعم قال: أقبضتم ثمرة فؤاده! قالوا: نعم، قال: فماذا قال؟ قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد " أخرجه الترمذي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً. وقال حديث حسن، ولكن اللفظ القرآني أو سمع مما قال وأعم منه فلا يخصص

بشيء دون غيره (وبشر الصابرين) أمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يقدر على التبشير، وقد تقدم معنى البشارة، والصبر أصله الحبس، والجملة عطف على (ولنبلونكم) عطف المضمون على المضمون أي الإبتلاء حاصل لكم وكذا البشارة لكن لمن صبر قاله سعد التفتازاني.

156

(الذين إذا أصابتهم مصيبة) المصيبة واحدة المصايب وهي النكبة التي يتأذى بها الإنسان وإن صغرت (قالوا) أي باللسان والقلب لا باللسان فقط فإن التلفظ بذلك مع الجزع قبيح وسخط للقضاء وذلك أن يتصور ما خلق لأجله وأنه يرجع إلى ربه ويتذكر نعم الله عليه ليرى أن ما أبقى الله عليه أضعاف ما استرده منه فيهون عليه ويستسلم (إنا لله وإنا إليه راجعون) في الآخرة فيجازينا. وصفهم بأنهم المسترجعون عند المصيبة لأن ذلك تسليم ورضا. وفيه بيان أن هذه الكلمات ملجأ للمصابين وعصمة للممتحنين، فإنها جامعة بين الإقرار بالعبودية لله والاعتراف بالبعث والنشور، والرجوع والتفويض إلى الله والرضا بكل ما نزل به من المصايب. وفي الحديث " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه " وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة إنا لله وإنا إليه راجعون ألا تسمع إلى قول يعقوب عند فقد يوسف يا أسفا على يوسف "، وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة. (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة) الصلاة هنا المغفرة قاله ابن عباس، أو الثناء الحسن قاله الزجاج، وعلى هذا فذكر الرحمة لقصد التأكيد، وقال في الكشاف: الصلاة الرحمة والتعطف فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة كقوله رأفة رحمة، رؤوف رحيم، والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة انتهى، وعبر عن المغفرة بلفظ الجمع للتنبيه على كثرتها وتنوعها، قاله البيضاوي وأبو السعود، وقيل المراد بالرحمة كشف الكربة وقضاء الحاجة وإنما وصفوا هنا بذلك لكونهم فعلوا ما فيه الوصول إلى طريق الصواب من الاسترجاع والتسليم.

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)

157

(وأولئك هم المهتدون) يعني إلى الاسترجاع، وقيل إلى الجنة، وقيل إلى الحق والصواب، وقال عمر بن الخطاب: نعم العدلان ونعمت العلاوة، فالعدلان الصلاة والرحمة، والعلاوة الهداية، وقد وردت أحاديث كثيرة في ثواب أهل البلاء وأجر الصابرين ذكرها المفسرون لا نطيل بذكرها هنا فإنها معروفة في كتب الآثار.

158

(إن الصفا والمروة من شعائر الله) أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس الصلب وهو هنا علم، جبل من جبال مكة معروف، وكذلك المروة علم لجبل بمكة معروف، وأصلها في اللغة واحدة والمروى، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين، وقيل التي فيها صلابة، وقيل يعم الجميع، وقيل إنها الحجارة البيض البراقة. وقيل إنها الحجارة السود، والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة أي من أعلام مناسكه، والمراد بها مواضع العبادة التي أشعرها الله اعلاماً للناس من الموقف والمسعى والمنحر، ومنه إشعار الهدي أي إعلامه بغرز حديدة في سنامه، والأجود شعائر بالهمز لزيادة حرف المد وهو عكس معايش ومصايب. (فمن حج البيت) هو في اللغة القصد، وفي الشرع الإتيان بمناسك الحج التي شرعها الله سبحانه (أو اعتمر) العمرة في اللغة الزيارة، وفي الشرع الإتيان بالنسك المعروف على الصفة الثابتة فالحج والعمرة قصد وزيارة

(فلا جناح) أي فلا إثم (عليه أن يطوف) أي يدور (بهما) ويسعى بينهما والجناح أصله الجنوح وهو الميل، ومنه الجوانح لاعوجاجها، ورفع الجناح يدل على عدم الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري، وحكى الزمخشري في الكشاف عن أبي حنيفة أنه يقول: هو واجب وليس بركن، وعلى تاركه دم وقد ذهب إلى عدم الوجوب ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين، وعن أحمد أنه سنة، وأجمعوا على أنه مشروع فيهما، وإنما الخلاف في وجوبه. ومما يقوي دلالة هذه الآية على عدم الوجوب قوله تعالى في آخر الآية (ومن تطوع خيراً) أي زاد على ما فرض عليه من حج أو عمرة أو طواف أو تطوع بالسعي أو فعل طاعة فرضاً كان أو نفلاً (فإن الله شاكر عليم) مثيب على الطاعة لا يخفى عليه، وذهب الجمهور إلى أن السعي واجب ونسك من جملة المناسك وهو قول ابن عمر وجابر وعائشة، وبه قال الحسن، وإليه ذهب الشافعي ومالك، واستدلوا بما أخرجه الشيخان وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها أرأيت قول الله (إن الصفا والمروة من شعائر الله) الآية فما أرى على أحد جناحاً أن لا يطوف بهما، فقالت عائشة بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت لأن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة، لطاغية كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله إن الصفا والمروة الآية، قالت عائشة ثم قد بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الطواف بهما فليس لأحد أن يدع الطواف بهما. وأخرج مسلم وغيره عنها أنها قالت لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته، لأن الله قال (إن الصفا والمروة من شعائر الله) وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا، وأخرج أحمد في مسنده والشافعي وابن سعد وابن

المنذر وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي تجزأة قالت: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور بهما إزاره، وهو يقول " اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي " ويؤيد ذلك حديث " خذوا عني مناسككم " (¬1) واختار الشوكاني في جميع مؤلفاته الوجوب وهو الراجح. ¬

(¬1) وقد كثرت الكتب التي تتكلم عن كيفية جمع النبي صلى الله عليه وسلم ومنها ما ألفه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.

159

(إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) فيه إخبار بأن الذي يكتم ذلك ملعون، وفيه دليل على جواز لعن الكافر بعد موته خلافاً لمن قال إنه لا فائدة له، واختلفوا من المراد بذلك فقيل أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد روي عن جماعة من السلف أن الآية نزلت في أهل الكتاب لكتمهم نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وآية الرجم وغيرها من الأحكام التي كانت في التوراة، وقيل: كل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب الله بيانه وهو الراجح لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود والنصارى من الكتم فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية لكل من كتم الحق. وفي هذه الآية من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره، فإن من لعنه الله ولعنه كل من يأتي منه اللعن من عباده قد بلغ من الشقاوة والخسران إلا الغاية التي لا تلحق ولا يدرك كنهها. وفي قوله (من البينات والهدى) دليل على أنه يجوز كتم غير ذلك كما قال أبو هريرة: حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعاءين أما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم، أخرجه البخاري. والضمير في (بيناه) راجع إلى (ما أنزلنا) والكتاب اسم جنس وتعريفه

يفيد شموله لجميع الكتب، وقيل المراد به التوراة، واللعن: الإبعاد والطرد، والمراد بقوله (اللاعنون) الملائكة والمؤمنون قاله الزجاج وغيره ورجحه ابن عطية، وقيل كل من يتأتى منه اللعن، فيدخل في ذلك الجن والإنس، وقال ابن عباس: جميع الخلائق إلا الجن والإنس، وقيل هم الإنس والجن، وقيل ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت إلى اليهود والنصارى الذين كتموا صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحكام التوراة والإنجيل، وقيل هم الحشرات والبهائم. ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء ابن عازب قال: كنا في جنازة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه فتسمعه كل دابة غير الثقلين فتلعنه كل دابة سمعت صوته " فذلك قول الله تعالى: (ويلعنهم اللاعنون) يعني دواب الأرض، وعن مجاهد إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني آدم، وعنه أن دواب الأرض والعقارب والخنافس يقولون إنما منعنا القطر بذنوبهم فيلعنونهم، وعن أبي جعفر يلعنهم كل شيء حتى الخنفساء. وقد وردت أحاديث كثيرة في النهي عن كتم العلم والوعيد لفاعله. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: لولا آيتان أنزلهما الله في كتابه ما حدثت شيئاً أبداً (إن الذين يكتمون) الآية، وقوله (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) إلى آخرها. وهل إظهار علوم الدين فرض كفاية أو فرض عين، فيه خلاف، والأصح أنه إذا أظهرها البعض بحيث يتمكن كل واحد من الوصول إليه لم يبق مكتوماً، وقيل متى سئل العالم عن شيء يعلمه من أمر الدين يجب عليه إظهاره وإلا فلا، وفي الآية دليل على وجوب قبول قول الواحد لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله.

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) (

160

إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا) فيه استثناء التائبين الراجعين من الكفر إلى الإسلام والمصلحين لما فسد من أعمالهم، والمبينين للناس ما بينه الله في كتبه وعلى ألسن رسله، قال قتادة: أصلحوا ما بينهم وبين الله وبينوا الذين جاءهم من الله ولم يكتموه ولم يجحدونه (فأولئك أتوب عليهم) يعني أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم، قاله سعيد بن جبير (وأنا التواب) أي المتجاوز عن عبادي الرجاع بقلوبهم المنصرفة عني إلى (الرحيم) بهم بعد إقبالهم علي، والجملة اعتراض تذييل محقق لمضمون ما قبله والالتفات إلى التكلم للتفنن في النظم الكريم، مع ما فيه من التلويح والرمز إلى ما مر من اختلاف المبدأ في فعله تعالى السابق وهو اللعن واللاحق وهو الرحمة.

161

(إن الذين كفروا) بالكتمان وغيره (وماتوا وهم كفار) جملة حالية وإثبات الواو فيها أفصح خلافاً لمن جعل حذفها شاذاً وهو الزمخشري تبعاً للفراء، وقد استدل بذلك على أنه لا يجوز لعن كافر معين لأن حاله عند الوفاة لا يعلم ولا ينافي ذلك ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من لعنه لقوم من الكفار بأعيانهم لأنه يعلم بالوحي ما لا نعلم، وقيل يجوز لعنه عملاً بظاهر الحال كما يجوز قتاله، واستدل بقوله (أولئك عليهم لعنة الله والملائكة) على جواز لعن الكفار على العموم قال القرطبي لا خلاف في ذلك قال وليس لعن الكافر بطريق الزجر له عن الكفر بل هو جزاء على الكفر وإظهار قبح كفره، سواء كان الكافر عاقلاً أو مجنوناً، وقال قوم من السلف: لا فائدة في لعن من جن أو مات منهم لا بطريق الجزاء ولا بطريق الزجر.

قال: ويدل على هذا القول أن الآية دالة على الإخبار عن الله والملائكة والناس بلعنهم لا على الأمر به. قال ابن العربي: إن لعن العاصي المعين لا يجوز باتفاق لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بشارب خمر مراراً فقال بعض من حضر " لعنه الله ما أكثر ما يشربه " فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم " (¬1) والحديث في الصحيحين (والناس أجمعين) قيل هذا يوم القيامة، وأما في الدنيا ففي الناس المسلم والكافر، ومن يعلم بالعاصي ومعصيته ومن لا يعلم فلا يتأتى اللعن له من جميع الناس، وقيل في الدنيا، والمراد يلعنه غالب الناس أو كل من علم بمعصيته منهم، عن أبي العالية قال: إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم يلعنه الملائكة ثم يلعنه الناس أجمعون، وقال قتادة: يعني بالناس أجمعين المؤمنين. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 7319.

162

(خالدين فيها) أي في النار، وقيل في اللعنة وإنما أضمرت لعظم شأنها (لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) فيعتذرون قاله أبو العالية، وقال ابن عباس: لا يؤخرون، والإنظار والإمهال، وقيل معناه لا ينظر الله إليهم فهو من النظر، وقيل هو من الانتظار أي لا ينتظرون ليعتذروا.

163

(وإلهكم إله واحد) أي لا شريك له في الألوهية ولا نظير له في الربوبية، والتوحيد هو نفي الشريك والقسيم والشبيه، فالله تعالى واحد في أفعاله لا شريك له يشاركه في مصنوعاته، وواحد في ذاته لا قسيم له. وواحد في صفاته لا يشبهه شيء من خلقه (لا إله إلا هو) تقرير للوحدانية بنفي غيره من الألوهية وإثباتها له (الرحمن الرحيم) وقد تقدم تفسيرهما، وفيه الإرشاد إلى التوحيد وقطع العلائق، والإشارة إلى أن أول ما يجب بيانه ويحرم كتمانه هو أمر التوحيد. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وصححه ابن

164

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164) ماجة عن أسماء بنت يزيد بن السكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم) و (الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وأخرج الديلمي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ليس شيء أشد على مردة الجن من هؤلاء الآيات التي في سورة البقرة (وإلهكم إله واحد) " الآيتين. (إن في خلق السموات والأرض) لما ذكر سبحانه التوحيد بقوله (وإلهكم إله واحد) عقب ذلك بالدليل الدال عليه وهو هذه الأمور الثمانية التي هي من أعظم صنعة الصانع الحكيم، مع علم كل عاقل بأنه لا يتهيأ من أخذ من الآلهة التي أثبتها الكفار أن يأتي بشيء منها أو يقتدر عليه أو على بعضه، وهي خلق السموات، وتعاقب الليل والنهار، وجري الفلك في البحر، وإنزال المطر من السماء، وإحياء الأرض به، وبث الدواب فيها بسببه، وتصريف الرياح، وتسخير السحاب، فإن من أمعن نظره وأعمل فكره في واحد منها انبهر له وضاق ذهنه عن تصور حقيقته، وتحتم عليه التصديق بأن صانعه هو الله سبحانه، وإنما جمع السموات لأنها أجناس مختلفة كل سماء من جنس غير جنس الأخر، ووحد الأرض لأنها كلها من جنس واحد وهو التراب، والآية في السماء سمكها وارتفاعها بغير عمد، ولا علاقة ما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم، والآية في الأرض مدها وبسطها على الماء وما يرى فيها من الجبال والبحار، والمعادن والجواهر، والأنهار والأشجار والثمار والنبات.

(واختلاف الليل والنهار) تعاقبهما بإقبال أحدهما وإدبار الآخر، وإضاءة أحدهما وإظلام الآخر، وقيل في الطول والقصر والزيادة والنقصان قال ابن الخطيب: وعندي فيه وجه ثالث هو أنهما كما يختلفان في الأزمنة فهما يختلفان في الأمكنة فإن من يقول إن الأرض كرة فكل ساعة عينتها فتلك الساعة في موضع من الأرض صبح، وفي موضع آخر ظهر، وفي آخر عصر، وفي آخر مغرب. وفي آخر عشاء. وهلم جرّاً. هذا إذا اعتبرنا البلاد المختلفة في الطول. أما البلاد المختلفة في العرض فكل بلد يكون عرضه للشمال أكثر كانت أيامه الصيفية أطول وأيامه الشتوية بالضد من ذلك، فهذه الأحوال المختلفة في الأيام والليالي بحسب اختلاف أطوال البلاد وعروضها أمر عجيب قاله الكرخي. وإنما قدم الليل على النهار لأن الظلمة أقدم. قال تعالى: (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) وهذا أصح القولين، وقيل النور سابق الظلمة، ويبنى على هذا الخلاف فائدة وهي أن الليلة هل هي تابعة لليوم قبلها أو لليوم بعدها، فعلى القول الصحيح تكون الليلة لليوم بعدها فيكون اليوم تابعاً لها، وعلى القول الثاني تكون لليوم قبلها فتكون الليلة تابعة له، فيوم عرفة على القول الأول مستثنى من الأصل فإنه تابع لليلة بعده، وعلى الثاني جاء على الأصل. والآية فيهما أن انتظام أحوال العباد بسبب طلب الكسب والمعيشة يكون في النهار وطلب النوم والراحة يكون بالليل، فاختلافهما إنما هو لتحصيل مصالح العباد، والنهار ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وقال النضر ابن شميل: أول النهار طلوع الشمس ولا يعد ما قبل ذلك من النهار، وكذا قال ثعلب والزجاج، وقسم ابن الأنباري الزمان إلى ثلاثة أقسام: قسماً جعله ليلاً محضاً وهو من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وقسماً جعله نهاراً محضاً وهو من طلوع الشمس إلى غروبها، وقسماً جعله مشتركاً بين النهار والليل وهو

ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لبقايا ظلمة الليل ومبادىء ضوء النهار، هذا باعتبار مصطلح أهل اللغة، وأما في الشرع فالكلام في ذلك معروف. (والفلك التي تجري في البحر) وهي السفن وإفراده وجمعه بلفظ واحد وهو هذا ويذكر ويؤنث، قال تعالى (في الفلك المشحون) و (الفلك التي تجري في البحر) وقال (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) وقيل واحده فلك بالتحريك مثل أسد وأسد، والآية في الفلك تسخيرها وجريانها على وجه الماء وهي موقرة بالأثقال والرجال، فلا ترسب، وجريانها بالريح مقبلة ومدبرة وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان الماء وهيجان البحر فلا ينجي منه إلا الله تعالى. (بما ينفع الناس) يعني ركوبها، والحمل عليها في التجارات لطلب الأرباح، والآية في ذلك أن الله لو لم يقو قلب من يركب هذه السفن لما تم الغرض في منافعهم، وأيضاً فإن الله خص كل قطر من أقطار العالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل، فصار ذلك سبباً يدعوهم إلى اقتحام الأخطار في الأسفار من ركوب السفن وخوف البحر وغير ذلك فالحامل ينتفع لأنه يربح، والمحمول إليه ينتفع بما حمل اليه. (وما أنزل الله من السماء من ماء) أي المطر الذي به حياة العالم وإخراج النبات والأرزاق (فأحيا به الأرض) أي أظهر نضارتها وحسنها (بعد موتها) أي بعد يبسها وجدبها، سماه موتاً مجازاً، والآية في هذين الله جعله سبباً لإحياء الجميع من حيوان ونبات ونزوله عند وقت الحاجة إليه بمقدار المنفعة وعند الاستسقاء والدعاء، وإنزاله بمكان دون مكان (وبث فيها) أي في الأرض (من كل دابة) قال ابن عباس: يريد كل ما دب على وجه الأرض من جميع الخلق من الناس وغيرهم، والآية في ذلك أن جنس الإنسان يرجع إلى أصل واحد وهو آدم مع ما فيهم من الاختلاف في الصور والأشكال والألوان والألسنة، والطبائع والأخلاق والأوصاف إلى غير ذلك، ثم يقاس على بني آدم سائر الحيوان، والبث النشر، والظاهر أن قوله (بث) معطوف على

قوله فأحيا لأنهما أمران متسببان عن إنزال المطر، وقال في الكشاف: أن الظاهر عطفه على أنزل، وقال أبو حيان: لا يصح عطفه على أنزل ولا على أحيا، والصواب أنه على حذف الموصوف أي وما بث، وفيه زيادة فائدة وهو جعله آية مستقلة وحذف الموصول شائع في كلام العرب انتهى. (وتصريف الرياح) أي إرسالها عقيماً وملقحة وصراً ونصراً وهلاكاً وحارة وباردة ولينة وعاصفة، وقيل تصريفها في مهابها جنوباً وشمالاً ودبوراً وقبولاً وصباً ونكباء، وهي التي تأتي بين مهبي ريحين، وقيل تصريفها أن تأتي السفن الكبار بقدر ما تحملها والصغار كذلك، ولا مانع من حمل التصريف على جميع ما ذكر، وعن أبيّ بن كعب: كل شيء في القرآن من الرياح فهي رحمة وكل شيء من الريح فهي عذاب، وقد ورد في النهي عن سب الريح وأوصافها أحاديث كثيرة لا تعلق لها بالآية، والآية في الريح أنه جسم لطيف لا يمسك ولا يرى وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الشجر والصخر، ويخرب البنيان العظيم، وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض. (والسحاب المسخر بين السماء والأرض) أي الغيم المذلل، سمي سحاباً لانسحابه في الهواء وسحبت ذيلي سحباً وتسحب فلان على فلان اجترأ، والمسخر المذلل، وسخره بعثه من مكان إلى آخر، وقيل تسخيره ثبوته بين السماء والأرض من غير عمد ولا علائق، والأول أظهر، والآية في ذلك أن السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية العظيمة يبقى معلقاً بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده، وفيه آيات أخر ففي هذه الأنواع الثمانية دلالة عظيمة على وجود الصانع القادر المختار وأنه الواحد في ملكه فلا شريك له ولا نظير، وهو المراد بقوله وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو (لآيات لقوم يعقلون) أي دلالات على وحدانيته سبحانه لمن ينظر ببصره ويتفكر بعقله، وإنما جمع آيات لأن في كل واحد مما ذكر من هذه الأنواع آيات كثيرة تدل على أن لها خالقاً مدبراً مختاراً.

165

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165) (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله) إظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لتربية المهابة وتفخيم المضاف، وإبانة كمال قبح ما ارتكبوه. ولما فرغ سبحانه من الدليل على وحدانيته، أخبر أن مع هذا الدليل الظاهر المفيد لعظيم سلطانه وجليل قدرته وتفرده بالخلق، قد وجد في الناس من يتخذ معه سبحانه نداً يعبده من الأصنام كذا قيل، وقد تقدم تفسير الأنداد مع أن هؤلاء الكفار لم يقتصروا على مجرد عبادة الأنداد، بل أحبوها حباً عظيماً، وأفرطوا في ذلك إفراطاً بالغاً حتى صار حبهم لهذه الأوثان ونحوها متمكناً في صدورهم كتمكن حب المؤمنين لله سبحانه، ويجوز أن يكون المراد كحبهم لله أي عبدة الأوثان، قاله الزجاج وابن كيسان، ويجوز أن يكون مبنياً للمفعول ومعناه كما يحب الله ويعظم، والأول أولى لقوله: (والذين آمنوا أشد حباً لله) فإنه استدراك لما يفيده التشبيه من التساوي أي أن حب المؤمنين لله أشد من حب الكفار للأنداد، لأن المؤمنين يخصون الله سبحانه بالعبادة والدعاء، والكفار لا يخصون أصنامهم بذلك بل يشركون الله معهم ويعترفون بأنهم إنما يعبدون أصنامهم ليقربوهم إلى الله، ويمكن أن يجعل هذه الجملة دليلاً على الثاني لأن المؤمنين إذا كانوا أشد حباً لله لم يكن حب الكفار للأنداد كحب المؤمنين لله، وقيل المراد بالأنداد هنا الرؤساء والكبراء أي يطيعونهم في معاصي الله، ويقوى هذا الضمير في قوله (يحبونهم) فإنه لمن يعقل، ويقويه أيضاً قوله سبحانه عقب ذلك

166

(إذ تبرأ الذين اتبعوا) الآية،

والحب نقيض البغض والمحبة والإرادة وقيل في معنى الآية غير ذلك وإيثار إظهار الاسم الجليل في موضح الإضمار لتفخيم الحب والإشعار بعلته. (ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب) قرأ أهل مكة بالياء وأهل الشام بالفوقية، والمعنى على الأولى لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه (أن القوة لله جميعاً) قاله أبو عبيدة، قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير انتهى، وعلى هذا فالرؤية هي البصرية لا القلبية، وروي عن محمد بن يزيد قال: هذا التفسير الذي جاء به أبو عبيدة بعيد، وليست عبارته فيه بالجيدة لأنه يقدر ولو يرى الذين ظلموا العذاب، فكأنه يجعله مشكوكاً فيه وقد أوجبه الله تعالى، ولكن التقدير وهو الأحسن ولو يرى الذين ظلموا أن القوة لله، ويرى بمعنى يعلم أي لو يعلمون حقيقة قوة الله وشدة عذابه، قال: وجواب لو محذوف أي لتبينوا ضرر اتخاذهم الآلهة كما حذف في قوله (ولو ترى إذ وقفوا على النار) (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم). ومن قرأ بالفوقية فالتقدير ولو ترى يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين ظلموا في حال رؤيتهم العذاب وفزعهم منه لعلمت أن القوة لله جميعاً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك؛ ولكن خوطب بهذا الخطاب؛ والمراد به أمته، وقيل (أن) في موضع نصب مفعول لأجله أي لأن القوة لله، ودخلت إذ وهي لما مضى في إثبات هذه المستقبلات تقريباً للأمر وتصحيحاً لوقوعه، وهو مما يتكرر في القرآن كثيراً، وجميع في الأصل فعيل من الجمع وكأنه اسم جمع فلذلك يتبع تارة بالمفرد، قال تعالى: (نحن جميع منتصر) وتارة بالجمع قال تعالى (جميع لدينا محضرون) وينتصب حالاً ويؤكد بمعنى كل، ويدل على الشمول كدلالة كل، ولا دلالة له على الاجتماع في الزمان. (وأن الله شديد العذاب) عطف على ما قبله وفائدته تهويل الخطب وتفظيع الأمر، فإن اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفواً مع القدرة عليه.

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب) أي تنزه وتباعد معناه أن السادة والرؤساء من مشركي الإنس تبرؤوا ممن اتبعهم على الكفر ورأوا يعني التابعين والمتبوعين العذاب، قيل عند المعاينة في الدنيا، وقيل عند العرض والمساءلة في الآخرة، ويمكن أن يقال فيهما جميعاً إذ لا مانع من ذلك، وقيل هم الشياطين يتبرؤون من الإنس وبه قال قتادة، والقول هو الأول، وقد احتج جمع من أهل العلم بهذه الآية على ذم التقليد وهو مذكور في موطنه (وتقطعت بهم) أي عنهم (الأسباب) بسبب كفرهم جمع سبب، وأصله في اللغة الحبل الذي يشد به الشيء ويجذب به، ثم جعل كل ما جر شيئاً سبباً فهي مجاز هنا، والمراد بها الوصل التي كانوا يتواصلون بها في الدنيا من الرحمة وغيرها، وقيل هي الأعمال، وقال ابن عباس: هي المنازل، وقال أيضاً: هي الأرحام وقال المودة، وقيل العهود والحلف.

167

(وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة) أي رجعة إلى الدنيا، الكرة الرجعة والعودة إلى حال قد كانت، و " لو " هنا بمعنى التمني كأنه قيل ليت لنا كرة، ولهذا وقعت الفاء في الجواب، والمعنى أن الاتباع قالوا لو رددنا إلى الدنيا حتى نعمل صالحاً (فنتبرأ منهم) أي المتبوعين (كما تبرؤا منا) اليوم وهو جواب التمني (كذلك) أي كما أراهم الله العذاب (يريهم الله أعمالهم) السيئة، وهذه الرؤية إن كانت البصرية فقوله (حسرات عليهم) منتصب على الحال،

وإن كانت القلبية فهو المفعول الثالث، والمعنى أن أعمالهم الفاسدة يريهم الله إياها فتكون عليهم حسرات وندامات أو يريهم الله الأعمال الصالحة التي أوجبها عليهم فتركوها فيكون ذلك حسرة عليهم، والحسرة الغم على ما فاته وشدة الندم عليه كأنه انحسر عنه الجهل الذي حمله على ما ارتكبه (وما هم بخارجين من النار) فيه دليل على خلود الكفار في النار، وظاهر هذا التركيب يفيد الاختصاص، وجعله الزمخشري للتقوية لغرض له يرجع إلى المذهب والبحث في هذا يطول، عن ثابت بن معبد قال: ما زال أهل النار يأملون الخروج منها حتى نزلت هذه الآية.

168

(يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً) قيل إنها نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فيما حرموه على أنفسهم من الحرث والأنعام، حكاه القرطبي في تفسيره، وهذا هو المشهور بخلاف ما جرى عليه القاضي من أنها نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس فإنه مرجوح، قاله الكرخي، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسمي الحلال حلالاً لانحلال عقدة الحظر عنه، والطيب هنا هو المستلذ كما قاله الشافعي وغيره، وقال مالك وغيره: هو الحلال فيكون تاكيداً لقوله حلالاً. " ومن " في مما للتبعيض للقطع بأن في الأرض ما هو حرام كالحجارة لا يؤكل أصلاً، وليس كل ما يؤكل يجوز أكله فلذلك قال حلالاً والأمر مستعمل في كل من الوجوب والندب والإباحة، الأول إذا كان لقيام البنية، والثاني كالأكل مع الضيف، والثالث كغير ما ذكر، وقيل معنى حلالاً، مأذوناً فيه شرعاً، والطيب الحلال وإن لم يستلذ كالأدوية، وفي هذه الآية دليل على أن كل ما لم يرد فيه نص أو ظاهر من الأعيان الموجودة في الأرض فأصله الحل حتى يرد دليل يقتضي تحريمه وأوضح دلالة على ذلك من هذه الآية قوله تعالى: (وهو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً).

(ولا تتبعوا خطوات الشيطان) جمع خطوة بالفتح والضم وهي بالفتح المرة وبالضمة لما بين القدمين، وقيل إنهما لغتان وقرىء خطؤات، بضم الخاء والطاء والهمز على الواو، قال الأخفش: وذهبوا بهذه القراءة إلى أنها جمع خطيئة من الخطأ لا من الخطو، والمعنى على قراءة الجمهور لا تقتفوا أثر الشيطان وطرقه وتزيينه وعمله، وكل ما لم يرد به الشرع فهو منسوب إلى الشيطان، وقيل هي النذور في المعاصي، وقيل المحقرات من الذنوب. والأولى التعميم وعدم التخصيص بفرد أو نوع، قال ابن عباس: ما خالف القرآن فهو من خطوات الشيطان، وقال عكرمة: هي نزعات الشيطان، وعن سعيد بن جبير قال: هي تزيين الشيطان، وقال قتادة: كل معصية لله فهي من خطواته، وعن ابن عباس: ما كان من يمين أو نذر في غضب فهو من الخطوات وكفارته كفارة يمين. (إنه لكم عدو) تعليل للنهي عن الاتباع (مبين) أي ظاهر العداوة ومثله قوله تعالى (إنه عدو مضل مبين) وقوله (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) وقد أظهر الله عداوته بآية السجود لآدم. (¬1) ¬

(¬1) وهذا غاية في التحذير، ومثله في القرآن كثير. وقال عبد الله بن عمر: إن إبليس مُوثَق في الأرض السُفلى، فإذا تحرك فإن كل شرٍّ في الأرض بين اثنين فصاعداً من تحرّكه. وخرّج الترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وفيه: " وآمركم أن تذكروا الله فإن مَثَل ذلك كَمَثَل رجل خرج العدوّ في أثره سراعاً حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله " الحديث. وقال فيه: (حديث حسن صحيح غريب).

إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) ثم بين عداوته ما هي فقال

169

(إنما يأمركم) قيل استعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهاً لرأيهم، وتحقيراً لشأنهم قاله البيضاوي، وقيل لا حاجة إلى صرف الأمر عن ظاهره لأن حقيقته طلب الفعل، ولا ريب أن الشيطان يطلب السوء والفحشاء ممن يريد إغواءه (بالسوء) سمي السوء سوءاً لأنه يسوء صاحبه بسوء عاقبته، وهومصدر ساءه يسؤه سوءاً ومساءة إذا أحزنه (والفحشاء) أصله سوء المنظر ثم استعمل فيما يقبح من المعاني، وقيل السوء القبيح والفحشاء التجاوز للحد في القبح، وقيل السوء ما لا حد فيه، والفحشاء ما فيه الحد قاله ابن عباس، وقيل الفحشاء الزنا، وقيل هو البخل وقيل إن كل ما نهت عنه الشريعة فهو من الفحشاء. (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) أي بأن تقولوا، قال ابن جرير الطبري: يريد ما حرموا من البحيرة والسائبة ونحوهما مما جعلوه شرعاً. وقيل هو قولهم هذا حلال وهذا حرام بغير علم، والظاهر أنه يصدق على كل ما قيل في الشرع بغير علم فيتناول ذلك جميع المذاهب الفاسدة التي لم يأذن فيها الله، ولم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأمر الشيطان ووسوسته عبارة عن هذه الخواطر التي يجدها الإنسان في قلبه، وفاعل هذه الخواطر هو الله تعالى، وإنما الشيطان كالعرض، وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم:

170

(وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا) الضمير في (لهم) راجع إلى الناس في قوله (يا أيها الناس) لأن الكفار منهم، وهم المقصودون هنا فعدل عن المخاطبة إلى الغيبة على طريق الالتفات،

مبالغة في بيان ضلالهم، كأنه يقول للعقلاء انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون، وقيل مشركو العرب خاصة، وقد سبق ذكرهم في قوله (من يتخذ من دون الله أنداداً) ولفظ أبي السعود نزلت في المشركين أمروا باتباع القرآن وسائر ما أنزل الله من الحجج الظاهرة والبينات الباهرة فجنحوا للتقليد انتهى، وقيل نزلت في اليهود، وعلى هذا فالآية مستأنفة، وألفينا معناه وجدنا وفي هذه الآية من الذم للمقلدين والنداء بجهلهم الفاحش، واعتقادهم الفاسد ما لا يقادر قدره حيث عارضوا الدلالة بالتقليد. ومثل هذه الآية قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) الآية يعني من التحريم والتحليل، وفي ذلك دليل على قبح التقليد والمنع منه، والبحث في ذلك يطول. قال الرازي في هذه الآية تقرير هذا الجواب من وجوه. (أحدها) أنه يقال للمقلد هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان أن يعلم كونه محقاً أم لا، فإن اعترفت بذلك لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقاً فكيف عرفت أنه محق، وإن عرفت بتقليد آخر لزم التسلسل، وإن عرفته بالعقل فذلك كاف فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت ليس من شرط جواز تقليده أن يعلم كونه محقاً، فإذاً قد جوزت تقليده وإن كان مبطلاً، فإذاً أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل. (وثانيها) هب أن ذلك المتقدم كان عالماً بهذا الشيء إلا أنا لو قدرنا أن ذلك المتقدم ما كان عالماً بذلك الشيء قط وما اختار فيه البتة مذهباً، فأنت ماذا كنت تعمل، فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه كان لا بد من العدول إلى النظر فكذا ههنا. (وثالثها) أنك إذا قلدت من قبلك فذلك المتقدم كيف عرفته، أعرفته بتقليد أم لا بتقليد، فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المتقدم وجب أن تطلب العلم

بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد كنت مخالفاً له، فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه فيكون باطلاً. وإنما ذكر تعالى هذه الآية عقيب الزجر عن اتباع خطوات الشيطان تنبيهاً على أنه لا فرق بين متابعة وساوس الشيطان وبين متابعة التقليد، وفيه أقوى دليل على وجوب النظر والاستدلال، وترك التعويل على ما يقع في الخاطر من غير دليل، أو على ما يقوله الغير من غير دليل، انتهى كلامه. وكم من آية بينة وأثر جلي تدل على ذم التقليد والمقلدين، ولكن مفاسد الجهل والتعصب كثيرة لا يأتي عليها الحصر، وقد أفرده الشوكاني بمؤلف مستقل سماه القول المفيد في حكم التقليد، واستوفى الكلام فيه في أدب الطلب ومنتهى الأرب، وألف الحافظ الواحد المتكلم ابن القيم في ذلك كتاباً ضخماً سماه أعلام الموقعين عن رب العالمين. قال ابن عباس: دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهود إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم عذاب الله ونقمته فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف: بل نتبع يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا أعلم وخيراً منا، فأنزل الله في ذلك هذه الآية: (أولو كان آباؤهم) الهمزة للإنكار، والواو إما للحال أو للعطف، وجواب لو محذوف قاله أبو البقاء وتقديره لاتبعوهم، والذي جرى عليه أبو السعود أن لو في مثل هذا التركيب لا تحتاج إلى جواب لأن القصد منها تعميم الأحوال (لا يعقلون) أي لا يعلمون (شيئاً) من أمر الدين، وهذا لفظ عام ومعناه خاص لأنهم كانوا يعقلون كثيراً من أمور الدنيا فهذا يدل على جواز ذكر العام مع أن المراد به خاص (ولا يهتدون) إلى الصواب وكيفية اكتسابه، قال البيضاوي: وهو دليل على المنع من التقليد لمن قدر على النظر والاجتهاد.

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) ثم ضرب لهم مثلاً فقال

171

(ومثل الذين كفروا) في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم وفي ذلك نهاية الزجر لمن يسمعه عن أن يسلك مثل طريقهم في التقليد (كمثل الذي ينعق بما لا يسمع) فيه تشبيه واعظ الكافرين وداعهم وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - بالراعي الذي ينعق بالغنم أو الإبل فلا تسمع (إلا دعاء ونداء) ولا تفهم ما يقول، هكذا فسره الزجاج والفراء وسيبويه، وبه قال جماعة من السلف، قال سيبويه: لم يشبهوا بالناعق إنما شبهوا بالمنعوق به، والمعنى مثلك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومثل الذين كفروا كمثل الناعق والمنعوق به من البهائم التي لا تفهم، فحذف لدلالة المعنى عليه، وقال قطرب: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يفهم يعني الأصنام كمثل الراعي إذا نعق بغنمه وهو لا يدري أين هي، وبه قال ابن جرير الطبري، وقال ابن زيد: المعنى مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة الجماد كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه ما لا حقيقة فيه، فهذه أربعة أقوال. وقال البيضاوي: المعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يتلى عليهم فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ولا تعرف مغزاه، وتحس بالنداء ولا تفهم معناه. وقد اختلف الناس في هذه الآية اختلافاً واضطربوا اضطراباً شديداً. والذي لخصناه أقوال مهذبة لكل قول منها تقدير، ذكره السمين، والنعيق زجر

الغنم والصياح بها. والعرب تضرب المثل براعي الغنم في الجهل ويقولون أجهل من راعي ضان، قال ابن عباس: مثل الذين كفروا مثل البقر والحمار والشاة إن قلت لبعضها كلاماً لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، وكذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك، ونحوه قال مجاهد والدعاء والنداء بمعنى واحد وسوغ العطف اختلاف اللفظ. (صم بكم عمي) هذا نتيجة ما قبله، ورفع على الذم أي هم صم عن سماع الحق ودعاء الرسول (بكم) عن النطق بالحق (عمي) عن طريق الهدى (وفهم لا يعقلون) أي بالعقل للإخلال بالنظر نتيجة للنتيجة، قيل المراد به العقل الكسبي، لأن العقل الطبيعي كان حاصلاً فيهم، قال عطاء: هم اليهود الذين أنزل الله فيهم (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) إلى قوله فما أصبرهم على النار.

172

(يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) هذا تأكيد للأمر الأول أعني قوله: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً) هو وإنما خص المؤمنين هنا لكونهم أفضل أنواع الناس، قيل والمراد بالأكل الانتفاع وقيل المراد به الأكل المعتاد وهو الظاهر، وقيل أن الأمر في كلوا قد يكون للوجوب كالأكل لحفظ النفس ودفع الضر عنها، وقد يكون للندب كالأكل مع الضيف، وقد يكون للإباحة إذا خلا من هذه العوارض، وعن عمر بن عبد العزيز أن المراد بما في الآية طيب الكسب لا طيب الطعام، وقال الضحاك: أنها حلال الرزق. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله لا يقبل إلا طيباً وأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً إني بما

تعملون عليم) وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له " وقيل الطيب المستلذ من الطعام فلعل قوماً تنزهوا عن أكل المستلذ من الطعام فأباح الله لهم ذلك. (واشكروا الله) على ما رزقكم من نعمه وأحل لكم، وفيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ لو جرى على الأسلوب الأول لقال واشكرونا، والأمر فيه للوجوب فقط (إن كنتم إياه تعبدون) أي تخصونه بالعبادة وتقرون بأن إلهكم لا غيره كما يفيده تقديم المفعول، وقيل إن كنتم عارفين بالله وبنعمته فاشكروه عليها، والأول أولى.

173

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) لما أمرنا الله تعالى في الآية التي تقدمت بأكل الطيبات التي هي الحلالات، بين في هذه الآية أنواعاً من المحرمات فقال (إنما) وهي كلمة موضوعة للحصر تثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه، وقد حصرت ههنا التحريم في الأمور المذكورة بعدها أي ما حرم عليكم إلا الميتة وهي كل ما فارقه الروح من غير ذكاة. وقد خصص هذا العموم بمثل حديث " أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد " أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر، ومثل حديث جابر في العنبر الثابت في الصحيحين مع قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر) فالمراد بالميتة هنا ميتة البر لا ميتة البحر. وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أكل جميع حيوانات البحر حيها

وميتها، وقال بعض أهل العلم أنه يحرم من حيوانات البحر ما يحرم شبهه في البر، وتوقف ابن حبيب في خنزير الماء، قال ابن القاسم: أنا أتقيه ولا أراه حراماً، والدم هو الجاري السائل وكانت العرب تجعل الدم في المصارين ثم تشويه وتأكله، فحرمه الله تعالى. وقد اتفق العلماء على أن الدم حرام، وفي الآية الأخرى (أو دماً مسفوحاً) فيحمل المطلق على المقيد لأن ما خلط باللحم غير محرم، قال القرطبي بالإجماع، وقد روت عائشة أنها كانت تطبخ اللحم فتعلو الصفرة على البرمة من الدم، فيأكل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ينكره. وأما لحم الخنزير فظاهر هذه الآية والآية الأخرى أعني قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير) أن المحرم إنما هو اللحم فقط، وقد أجمعت الأمة على تحريم شحمه كما حكاه القرطبي في تفسيره، وقد ذكرت جماعة من أهل العلم أن اللحم يدخل تحته الشحم، وحكى القرطبي الإجماع أيضاً على أن جملة الخنزير محرمة إلا الشعر فإنه تجوز الخرازة به، وقيل: أراد بلحمه جميع أجزائه، وإنما خص اللحم بالذكر لأنه المقصود لذاته بالأكل، واختلفوا في نجاسته فقال الجمهور أنه نجس وقال مالك أنه طاهر وكذا كل حيوان عنده، لأن علة الطهارة هي الحياة، وللشافعي قولان في ولوغ الخنزير (الجديد) أنه كالكلب (والقديم) يكفي فيه غسلة واحدة. والآية قصر قلب للرد على من استحل هذه الأربعة وحرم الحلال غيرها كالسوائب ومع ذلك هو نسبي أي ما حرم عليكم إلا هذه الأربعة لا غيرها من البحيرة وما بعدها في الآية وإن كان حرم غيرها من الأمور المذكورة في أول المائدة. (وما أهل به لغير الله) يعني ما ذبح للأصنام والطواغيت وصيح في

ذبحه لغير الله، وأصل الإهلال رفع الصوت يقال أهل بكذا أي صرخ ورفع صوته ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته، ومنه الهلال لأنه يصرخ عند رؤيته، والمراد هنا ما ذكر عليه اسم غير الله تعالى كاللات والعزى إذا كان الذابح وثنياً، والنار إذا كان الذابح مجوسياً. ولا خلاف في تحريم هذا وأمثاله. ومثله ما يقع من المعتقدين للأموات من الذبح على قبورهم، فإنه مما أهل به لغير الله، ولا فرق بينه وبين الذبح للوثن، قال مجاهد: يعني ما ذبح لغير الله، أخرجه ابن أبي حاتم، وفي تفسير النيسابوري للنظام قال العلماء لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد انتهى. وقال صاحب الروض: إن المسلم إذا ذبح للنبي - صلى الله عليه وسلم - كفر وانتهى، وهذا القائل من الشافعية. قال الشوكاني: وإذا كان الذبح لسيد الرسل صلى الله عليه وآله وسلم كفراً عنده فكيف بالذبح لسائر الأموات، انتهى. وقيل أن المراد بذلك ذبائح عبدة الأوثان التي كانوا يذبحونها لأصنامهم كما تقدم وأجازوا ذبيحة النصارى إذا سمي عليها باسم المسيح، وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب لعموم قوله تعالى (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: لا يحل ذلك، والحجة فيه أنهم إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم، ورُوي عن علي أنه قال: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا وإذا لم تسمعوهم فكلوا، فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

(فمن اضطر) إلى شيء من هذه المحرمات، والمضطر هو المكلف بالشيء الملجأ إليه المكره عليه والمراد هنا من خاف التلف، والمضطر إما بإكراه فيبيح ذلك إلى زوال الإكراه، أو يجوع في مخمصة، فإن كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن كانت نادرة فقال الشافعي: يأكل ما يسد به الرمق، وبه قال أبو حنيفة أو يأكل قدر الشبع، وبه قال مالك، فأكل (غير باغ) بالاستئثار على مضطر آخر أو على الوالي وأصل البغي الفساد (ولا عاد) اسم فاعل أصله من العدوان وهو الظلم ومجاوزة الحد، والمراد بالباغي من يأكل فوق حاجته، والعادي من يأكل هذه المحرمات وهو يجد عنها مندوحة وبلغة، وقال ابن عباس: باغ في الميتة وعاد في الأكل وقيل غير باغ على المسلمين ولا معتد عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قاطع السبيل والخارج على السلطان والمفارق للجماعة والأئمة، والمفسد في الأرض وقاطع الرحم، وقيل المراد غير باغ على مضطر آخر ولا عاد لسد الجوعة، قاله سعيد بن جبير. (فلا إثم عليه) في تناوله ولا حرج، ومن أكله وهو غير مضطر فقد بغى واعتدى (إن الله غفور) لمن أكل من الحرام (رحيم) به إذ أحل له الحرام في الاضطرار. (¬1) ¬

(¬1) روى أبو داود قال حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا حماد عن سَمَاك بن حرب عن جابر بن سَمُرة أن رجلاً نزل الحَرّة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضَلّت فإن وجدتها فأمسكها؛ فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت امرأته: انحرها، فأبى فَنَفَقَت. فقالت: اسلخها حتى نُقدّد لحمها وشحمها ونأكله، فقال: حتى أسال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فسأله، فقال: " هل عندك غنىَّ يغنيك " قال لا، قال: " فكلوها " قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر؛ فقال: أفلا كنت نحرتها! فقال: أستحييت منك.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)

174

(إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب) المراد بهذه الآية علماء اليهود لأنهم كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - ونعته ووقت نبوته، هذا قول المفسرين، وقال المتكلمون بل كانوا يكتمون التأويل، والعنى يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب، والأول أولى (ويشترون به) أي بالكتمان أو بما أنزل الله من الكتاب، والأول أظهر، والاشتراء هنا الاستبدال، وقد تقدم تحقيقه (ثمناً قليلاً) سماه قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته، وهذا السبب وإن كان خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله وأخذ عليه الرشا. (أولئك ما يأكلون في بطونهم) ذكر البطون دلالة وتأكيداً على أن هذا الأكل حقيقة، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل أكل فلان أرضي ونحوه، وقال في الكشاف معناه ملء بطونهم ظرف متعلق بما قبله لا حال مقدرة كما قال الكواشي (إلا النار) استثناء مفرغ أي أنه يوجب عليهم عذاب النار فسمى ما أكلوه ناراً لأنه يؤول إليها، هكذا قال أكثر المفسرين وهو من مجاز الكلام، وقيل إنهم يعاقبون على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة ومثله قوله سبحانه (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً). (ولا يكلمهم الله يوم القيامة) أي كلام رحمة وما يسرهم بل يكلمهم بالتوبيخ، وعدم تكليم الله إياهم كناية عن حلول غضب الله عليهم وعدم الرضا عنهم، يقال فلان لا يكلم فلاناً إذا غضب عليه، وقال ابن جرير

الطبري المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه ولا بما يكرهونه كقوله تعالى (اخسؤوا فيها ولا تكلمون) وإنما كان عدم تكليمهم في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه وضده في أعدائه. (ولا يزكيهم) لا يثنى عليهم خيراً، قاله الزجاج وقيل معناه لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم أو لا ينزلهم منازل الأزكياء، وقيل لا يطهرهم من دنس الذنوب (ولهم عذاب أليم) أي وجيع يصل ألمه إلى قلوبهم وهو النار.

175

(أولئك) أي الموصوفون بالصفات الستة من قوله (إن الذين يكتمون) إلى هنا، وهذا بيان لحالهم في الدنيا بعد أن بين حالهم في الآخرة (الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة) أي اختاروا الضلالة على الهدى واختاروا العذاب على المغفرة، لأنهم كانوا عالمين بالحق، ولكن كتموه وأخفوه، وكان في إظهاره الهدى والمغفرة. وفي كتمانه الضلالة والعذاب (فما أصبرهم على النار) حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل، وقد تقدم تحقيق معناه. وذهب الجمهور ومنهم الحسن ومجاهد إلى أن معناه التعجب، والمراد تعجب المخلوقين من حال هؤلاء الذين باشروا الأسباب الموجبة لعذاب النار، فكأنهم بهذه المباشرة للأسباب صبروا على العقوبة في نار جهنم، وحكي الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار، من قولهم ما أصبر فلاناً على الحبس أي ما أبقاه فيه، وقيل المعنى ما أقل جزعهم من النار، فجعل قلة الجزع صبراً، وقال الكسائي وقطرب أي ما أدومهم على عمل أهل النار، وقيل " ما " استفهامية ومعناه التوبيخ أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار، وهذا من مجاز الكلام، وبه قال ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176) لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

176

(ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) أي ذلك الأمر وهو العذاب، قاله الزجاج، وقال الأخفش: إن خبر اسم الإشارة محذوف والتقدير ذلك معلوم والمراد بالكتاب هنا القرآن أو التوراة والحق الصدق، وقيل الحجة (وإن الذين اختلفوا في الكتاب) يعني في معانيه وتأويله فحرفوه وبدلوه، وقيل آمنوا ببعض وكفروا ببعض، والمراد بالكتاب قيل التوراة فادعى النصارى أن فيها صفة عيسى وأنكرهم اليهود، وقيل خالفوا ما في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم واختلفوا فيها، وقيل المراد القرآن والمختلفون هم كفار قريش، يقول بعضهم هو سحر وكهانة، وبعضهم يقول هو أساطير الأولين، وبعضهم يقول غير ذلك، وقيل المختلفون هم اليهود والنصارى (لفي شقاق) أي خلاف ومنازعة (بعيد) عن الحق وقد تقدم معنى الشقاق.

177

(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب) قيل أن هذه الآية نزلت للرد على اليهود والنصارى لما أكثروا الكلام في شأن القبلة عند تحويل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة، وقيل أن سبب نزولها أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سائل عن الإيمان فتلا هذه الآية حتى فرغ منها ثم سأله أيضاً فتلاها ثم سأله فتلاها قال وإذا عملت بحسنة أحبها قلبك، وإذا عملت بسيئة أبغضها قلبك "، أخرجه ابن أبي حاتم وصححه عن أبي ذر.

قيل أشار سبحانه بذكر المشرق إلى قبلة النصارى لأنهم يستقبلون مطلع الشمس وأشار بذكر المغرب إلى قبلة اليهود لأنهم يستقبلون بيت المقدس، وهو في جهة الغرب منهم إذ ذاك وزعم كل طائفة منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن البر ليس فيما زعموا ولكنه فيما بينه في هذه الآية، وقيل المخاطب هم المسلمون وقيل هو عام لهم ولأهل الكتابين أي ليس البر مقصوراً على أمر القبلة. والبر اسم جامع لكل طاعة وعمل الخير، ويجوز أن يكون بمعنى البار، ويطلق المصدر على اسم الفاعل كثيراً ومنه في التنزيل (إن أصبح ماؤكم غوراً) أي غائراً وهذا اختيار أبي عبيدة، والمشرق جهة شروق الشمس، والمغرب جهة غروبها، وهذا مشكل بما تقدم من أن قبلة اليهود إنما هي بيت المقدس، وهو بالنسبة إلى المدينة شمال لا مغرب (¬1) لأن من استقبل بيت المقدس يكون فيها ظهره مقابلاً لميزاب الكعبة ووجهه مقابلاً لبيت المقدس الذي هو من جهة الشام وكذا بالنسبة لمكة فلم يظهر المراد في هذه الآية، وقد تنبه أبو السعود لهذا وأجاب عنه بما لا يجدي شيئاً فليتأمل فإني لم أر من حقق المقام والله أعلم. (ولكن البر) أي لكن ذا البر، وقرىء البار أو بر (من آمن بالله) والأخير أوفق وأحسن، والبر اسم جامع لكل طاعة وأعمال الخير مما لا يختلف باختلاف الشرائع وما يختلف باختلافها، والمراد بالبر هنا الإيمان والتقوى (واليوم الآخر) ذكر ذلك لأن عبدة الأوثان كانوا ينكرون البعث بعد الموت (والملائكة) أي الإيمان بهم كلهم لأن اليهود قالوا إن جبريل عدونا (والكتاب) قيل أراد به القرآن وقيل جميع الكتب المنزلة لسياق ما بعده وهو قوله (والنبيين) يعني أجمع، وإنما خص الإيمان بهذه الأمور الخمسة لأنه يدخل تحت كل واحد منها أشياء كثيرة مما يلزم المؤمن أن يصدق بها. ¬

(¬1) إنما يأتي الإشكال على قول من فسر الآية بهذا القول، أما على قول الأخرين فلا إشكال.

(وآتى المال على حبه) ضمير حبه راجع إلى المال، وقيل إلى الإيتاء المدلول عليه بقوله وآتى المال وقيل أنه راجع إلى الله سبحانه أي على حب الله، والمعنى على الأول أنه أعطى المال وهو يحبه ويشح به، ومنه قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وعلى الثاني أنه يحب إيتاء المال وتطيب به نفسه، وعلى الثالث أنه أعطى من تضمنته الآية في حب الله عز وجل لا لغرض آخر، وهو مثل قوله (ويطعمون الطعام على حبه). عن ابن مسعود قال: يعطى وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخاف الفقر، وأخرج الحاكم عنه مرفوعاً مثله، وعن أبي هريرة قال جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أي الصدقة أعظم قال " أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان " أخرجه الشيخان (¬1). (ذوي القربى) يعنى أهل قرابة المعطي وقدم ذوي القربى لكون دفع المال إليهم صدقة وصلة إذا كانوا فقراء، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة " أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي في سننه من حديث سلمان بن عامر الضبي (¬2). وفي الصحيحين وغيرهما من حديث زينب امرأة ابن مسعود أنها سألت رسول الله هل تجزىء عنها من الصدقة النفقة على زوجها وأيتام في حجرها فقال: " لك أجران أجر الصدقة وأجر القرابة "، وأخرج الطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في سننه من حديث أم كلثوم بنت عقبة أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ". ¬

(¬1) مسلم/1032 - البخاري/757. (¬2) أحمد 4/-214،18،7.

(واليتامى) أي وهكذا اليتامى المحاويج الفقراء أولى بالصدقة من الفقراء الذين ليسوا بيتامى لعدم قدرتهم على الكسب، واليتيم هو الذي لا أب له مع الصغر (والمساكين) جمع مسكين، والمسكين الساكن إلى ما في أيدي الناس لكونه لا يجد شيئاً (وابن السبيل) المسافر المنقطع، وجعل ابنا للسبيل لملازمته له، وهو اسم جنس أو واحد أريد به الجمع. (والسائلين) يعني الطالبين للإحسان المستطعمين ولو كانوا أغنياء، عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " للسائل حق ولو جاء على فرس " (¬1) أخرجه أحمد وأبو داود، وعن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أعطوا السائل ولو جاء على فرس "، أخرجه مالك في الموطأ، وعن أم نجيد قالت: قلت يا رسول الله المسكين ليقوم على بابي فلم أجد شيئاً أعطيه إياه قال " إن لم تجدي إلا ظلفاً محرقاً فادفعيه إليه في يده "، أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح، وفي رواية مالك في الموطأ عنها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " ردوا المسكين ولو بظلف محرق ". (وفي الرقاب) يعني المكاتبين وقيل هو فك النسمة وعتق الرقبة وفداء الأسارى أي دفعه في فكها أي لأجله وبسببه (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) المفروضة، فيه دليل على أن الإيتاء المتقدم هو صدقة التطوع لا صدقة الفريضة (والموفون بعهدهم إذا عاهدوا) الله أو الناس، قيل المراد بالعهد القيام بحدود الله والعمل بطاعته وقيل النذر ونحوه، وقيل الوفاء بالمواعيد والبر في الحلف وأداء الأمانات (والصابرين في البأساء) الشدة والفقر (والضراء) المرض والزمانة، والبأساء والضراء اسمان بنيا على فعلاء ولا فعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت ونصب والصابرين على المدح وقيل على الإختصاص، ولم يعطف على ما قبله لمزيد شرف الصبر وفضيلته. قال أبو علي إذا ذكرت صفات للمدح ¬

(¬1) مسند أحمد 1/ 201.

أو الذم وخولف الأعراب في بعضها فذلك تفنن ويسمى قطعاً، لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماع الذكر ومزيد اهتمام بشأنه. قال الراغب: ولما كان الصبر من وجه مبدأ للفضائل ومن وجه جامعاً للفضائل إذ لا فضيلة إلا وللصبر فيها أثر بليغ، غير إعرابه تنبيهاً على هذا المقصد، وهذا كلام حسن، فالآية جامعة لجميع الكمالات الإنسانية وهي صحة الإعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس. (وحين البأس) أي وقت الحرب وشدة القتال في سبيل الله وسمى الحرب بأساً لما فيه من الشدة. (أولئك الذين صدقوا) وصفهم بالصدق في أمورهم والوفاء بها وإنهم كانوا جادين في الدين واتباع الحق، وتحري البر، حيث لم تغيرهم الأحوال، ولم تزلزلهم الأهوال، قال ربيع: صدقوا أي تكلموا بكلام الإيمان فكانت حقيقته العمل، قال: وكان الحسن يقول هذا كلام الإيمان وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عمل فلا شيء. (وأولئك هم المتقون) عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الإشارة لزيادة تنويه شأنهم، وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم، قال الواحدي: إن الواوات في هذه الأوصاف تدل على أن من شرائط البر استكمالها وجمعها، فمن قام بواحد منها لا يستحق الوصف بالبر، وقيل هذه خاصة الأنبياء لأن غيرهم لا تجتمع فيه تلك الصفات، وقيل هي عامة في جميع المؤمنين وهي الأولى إذ لا دليل على التخصيص.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)

178

(يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى) كتب معناه فرض وأثبت، وهذا إخبار من الله سبحانه لعباده بأنه شرع لهم ذلك وقيل إن كتب هنا إشارة إلى ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ، والخطاب للقاتلين وولاة الأمور، والقصاص أصله قص الأثر أي اتباعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار، وقص الشعر اتباع أثره، فكأن القاتل يسلك طريقاً من القتل يقص أثره فيها ومنه قوله تعالى (فارتدا على آثارهما قصصاً) وقيل أن القصاص مأخوذ من القص وهو القطع يقال قصصت ما بينهما أي قطعته، قيل نزلت في حيين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهلية بسبب قتيل فكانت بينهم قتلى وحروب وجراحات كثيرة ولم يأخذ بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، وقيل نزلت في الأوس والخزرج، وكان لأحد الحيين طول على الآخر في الكثرة والشرف. وقيل نزلت لإزالة الأحكام التي كانت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم من وجوب القتل بلا عفو، ووجوب العفو بلا قتل، والقتل تارة وأخذ الدية تارة؛ والقصاص فرض على القاتل للولي لا على الولي، والقصاص المساواة والمماثلة في القتل والدية والجراح فيقتل القاتل بمثل الذي قتل به، وهو قول مالك والشافعي؛ وقيل يقتل بالسيف وهو قول أبي حنيفة ورواية عن أحمد؛ والكلام في فروع هذه المسألة يطول؛ " وفي " في القتلى للسبب كقوله - صلى الله عليه وسلم - " أن امرأة دخلت النار في هرة أي بسببها " وفعلى يطرد جمعاً لفعيل بمعنى مفعول.

(الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد وهم الجمهور، وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن أبي ليلى وداود إلى أنه يقتل به إذا كان غير سيده، وأما سيده فلا يقتل به إجماعاً إلا ما روي عن النخعي، فليس مذهب أبي حنيفة ومن معه على الإطلاق ذكره الشوكاني في شرح المنتقي، قال القرطبي: وروي ذلك عن علي وابن مسعود وبه قال سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم بن عتبة، واستدلوا بقوله تعالى (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) وأجاب الأولون عن هذا الاستدلال بأن قوله الحر بالحر والعبد بالعبد مفسر لقوله تعالى (النفس بالنفس) وقالوا أيضاً أن قوله (وكتبنا عليهم فيها) يفيد أن ذلك حكاية عما شرعه الله لبني إسرائيل في التوراة. ومن جملة ما استدل به الآخرون قوله - صلى الله عليه وسلم - " المسلمون تتكافأ دماؤهم " ويجاب عنه بأنه مجمل، والآية مبينة ولكنه يقال أن قوله تعالى (الحر بالحر والعبد بالعبد) إنما أفاد بمنطوقه أن الحر يقتل بالحر والعبد يقتل بالعبد، وليس فيه ما يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد إلا باعتبار المفهوم، فمن أخذ بمثل هذا المفهوم لزمه القول به هنا، ومن لم يأخذ بمثل هذا المفهوم لم يلزمه القول به هنا، والبحث في هذا محرر في علم الأصول. وقد استدل بهذه الآية القائلون بأن المسلم يقتل بالكافر، وهم الكوفيون والثوري لأن الحر يتناول الكافر كما يتناول المسلم، وكذا العبد والأنثى يتناولان الكافر كما يتناولان السلم، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى (أن النفس بالنفس) لأن النفس تصدق على النفس الكافرة كما تصدق على النفس المسلمة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل المسلم بالكافر، واستدلوا بما ورد في السنة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " لا يقتل مسلم بكافر " (¬1) وهو مبين لما يراد في ¬

(¬1) أحمد/1/ 79 - 2/ 178 وبرواية لا يقتل مؤمن بكافر 2/ 180.

الآيتين، وهذه الآية مع الأحاديث الواردة في ذلك حجة على أصحاب الرأي، والبحث في هذا يطول. واستدل بهذه الآية القائلون بأن الذكر لا يقتل بالأنثى، وقرروا الدلالة على ذلك بمثل ما سبق إلا إذا سلم أولياء المرأة الزيادة على ديتها من دية الرجل، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحق والثوري وأبو ثور، وذهب الجمهور إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا زيادة وهو الحق، وقد بسط الشوكاني البحث في نيل الأوطار فليرجع إليه. (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان) (من) هنا عبارة عن القاتل أو الجاني والمراد بالأخ المقتول أو الولي، والشيء عبارة عن الدم، والمعنى أن القاتل والجاني إذا عفي له من جهة المجنى عليه أو الولي دم أصابه منه على أن يأخذ منه شيئاً من الدية أو الأرش فليتبع المجنى عليه أو الولي من عليه الدم فيما يأخذه منه من ذلك اتباعاً بالمعروف وليؤد الجاني ما لزمه من الدية أو الأرش إلى المجنى عليه أو إلى الولي أداء بإحسان، وقيل أن (من) عبارة عن الولي، والأخ يراد به القاتل، والشيء الدية، والمعنى أن الولي إذا جنح إلى العفو عن القصاص إلى مقابل الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه للقصاص كما روي عن مالك أنه يثبت الخيار للقاتل في ذلك، وذهب من عداه إلى أنه لا يخير بل إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل، بل يلزمه تسليمها. وقيل معنى عفي بذل أي من بذل له شيء من الدية فليقبل وليتبع بالمعروف، وقيل أن المراد بذلك أن من فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من الديات، فيكون عفي بمعنى فضل، وعلى جميع التقادير فتنكير شيء للتقليل فيتناول العفو من الشيء اليسير من الدية، والعفو الصادر عن فرد من أفراد الورثة. وفي الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافراً وأن الفاسق مؤمن لأن الله

تعالى خاطبه بعد القتل بالإيمان وسماه مؤمناً حال ما وجب عليه من القصاص، وقتل العمد والعدوان من الكبائر بالإجماع، فدل على أن صاحب الكبيرة مؤمن، وأنه تعالى أثبت الأخوة بين القاتل وولي الدم وأراد بها أخوة الإيمان، فلولا أن الإيمان باق على القاتل لم تثبت له الأخوة، وأيضاً ندب إلى العفو عن القاتل والعفو لا يليق إلا عن المؤمن لا عن الكافر. (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) إشارة إلى العفو والدية أي أن الله شرع لهذه الأمة العفو من غير عوض، أو بعوض، ولم يضيق عليهم كما ضيق على اليهود، فإنه أوجب عليهم القصاص ولا عفو، وكما ضيق على النصارى فإنه أوجب عليهم العفو ولادية، وفيه تضييق على كل من الوارث والقاتل، فهذا تخفيف مما كتب على من كان قبلكم. (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) أي بعد التخفيف نحو أن يأخذ الدية ثم يقتل القاتل أو يعفو ثم يستقص. وقد اختلف أهل العلم فيمن قتل القاتل بعد أخذ الدية فقال جماعة منهم مالك والشافعي أنه كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو، وقال الحسن: عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، وقال عمر بن عبد العزيز: أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى. وأخرج عبد الرازق وابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي شريح الخزاعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من أصيب بقتل أو خبل فإنه يختار إحدى ثلاث إما أن يقتص وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها أبداً " (¬1) وعن قتادة ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 5441.

قال ذكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا أعافي رجلاً قتل بعد أخذ الدية " أخرجه (¬1) ابن جرير وابن المنذر. وأخرج سمويه في فوائده عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله، والعذاب الأليم قيل هو عذاب الآخرة وقيل هو أن يقتل قصاصاً ولا تقبل منه دية ولا يعفى عنه، والأول أظهر وأولى، ويدل له الحديث المتقدم. ¬

(¬1) أبو داود كتاب الديات الباب 5 - أحمد بن حنبل 2/ 262.

179

(ولكم في القصاص حياة) خطاب لمريدي القتل ظلماً، وقال أبو السعود: بيان لمحاسن الحكم المذكور على وجه بديع لا تنال غايته حيث جعل الشيء وهو القصاص محلاً لضده وهو الحياة، ونكر الحياة ليدل على أن في هذا الجنس نوعاً من الحياة عظيماً لا يبلغه الوصف، وذلك لأنهم كانوا يقتلون الجماعة بالواحد فتنشر الفتنة بينهم، ففي شرع القصاص سلامة من هذا كله (¬1)، والمعنى ولكم في هذا الحكم الذي شرعه الله بقاء وحياة لأن الرجل إذا علم أنه ¬

(¬1) عن مسلم بن يزيد أحد بني سعد بن بكر أنه سمع أبا شريح الخزاعي ثم الكعبي وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم نوافع السيف فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم كي يسلم وكان قد وترهم في الجاهلية وكانوا يطلبونه فقتلوه وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً والله ما رأيته غضب غضباً أشد منة فسعينا إلى أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قام فأثنى على الله عز وجل بما هو أهله ثم قال أما بعد فإن الله عز وجل هو حرم مكة ولم يحرمها الناس وإنما أحلها لي ساعة من النهار أمس وهي اليوم حرام كما حرمها الله عز وجل أوّل مرة وأن أغنى الناس على الله عز وجل ثلاثة رجل قتل فيها ورجل قتل غير قاتله ورجل طلب بذحل في الجاهلية وإني والله لأديّن هذا الرجل الذي قتلتم فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقتل قصاصاً إذا قتل آخر كف عن القتل وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية. وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنه جعل القصاص الذي هو موت، حياة باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضاً إبقاء على أنفسهم واستدامة لحياتهم، وقيل إن الحياة سلامة من القصاص في الآخرة فإنه إذا اقتص في الدنيا لم يقتص عنه في الآخرة والأول أولى. وقال الخازن: هذا الحكم غير مختص القصاص الذي هو القتل، بل يدخل فيه جميع الجروح والشجاج وغير ذلك، وقرأ أبو الجوزاء (ولكم في القصص حياة) أي فيما قص عليكم من حكم القتل حياة أو في كتاب الله أي نجاة وقيل أراد حياة القلوب، وقيل هو مصدر بمعنى القصاص. والكل ضعيف والقراءة به منكرة (يا أولي الألباب) أي ذوي العقول الكاملة، جعل هذا الخطاب موجهاً إلى أولي الألباب وناداهم للتأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس لأنهم هم الذين ينظرون في العواقب، ويتحامون ما فيه الضرر الآجل، وأما من كان مصاباً بالحمق والطيش والخفة فإنه لا ينظر عند سورة غضبه وغليان مراجل طيشه إلى عاقبة، ولا يفكر في أمر مستقبل، والألباب جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمي بذلك لأحد وجهين إما لبنائه من لب بالمكان أقام به وإما من اللباب وهو الخالص. ثم علل سبحانه هذا الحكم الذي شرعه لعباده بقوله (لعلكم تتقون) أي تعملون عمل أهل التقوى، وتتحامون القتل بالمحافظة على القصاص والحكم به والإذعان له، فيكون ذلك سبباً للتقوى.

180

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت) قد تقدم معنى كتب قريباً، وحضور الموت حضور أسبابه وأماراته وظهور علاماته من العلل والأمراض المخوفة، وليس المراد منه معاينة الموت، لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء، وإنما لم يؤنث الفعل المسند إلى الوصية وهو كتب لوجود الفاصل بينهما، وقيل لأنها بمعنى الإيصاء، وقد روي جواز إسناد ما لا تأنيث فيه إلى المؤنث مع عدم الفصل، وقد حكى سيبويه: أقام امرأة وهو خلاف ما أطبق عليه أئمة العربية. (إن ترك خيراً) شرط سبحانه ما كتبه من الوصية بأن يترك الموصي خيراً أي مالاً. قال الزهري: هو يطلق على القليل والكثير، فتجب الوصية في الكل وقيل لا يطلق إلاّ على المال الكثير، وهو قول الأكثرين. واختلف أهل العلم في مقدار الخير فقيل ما زاد على سبعمائة دينار، وقيل ألف دينار، وقيل ما زاد على خمسمائة دينار، وقيل ستون ديناراً فما فوقها. وقيل من خمسمائة إلى ألف، وقيل إنه المال الكثير الفاضل عن العيال، والخير هنا المال، ويقع في القرآن على وجوه ونبه بتسميته خيراً على أن الوصية تستحب في مال طيب. (الوصية) أي الإيصاء، والوصية في الأصل عبارة عن الأمر بالشيء والعهد به في الحياة وبعد الموت وهي هنا عبارة عن الأمر بالشيء بعد الموت، وقد اتفق أهل العلم على وجوب الوصية على من عليه دين أو عنده وديعة أو نحوها، وأما من لم يكن كذلك فذهب أكثرهم إلى أنها غير واجبة عليه سواء كان فقيراً أو غنياً، وقالت طائفة إنها واجبة.

(للوالدين والأقربين) لم يبين الله سبحانه ههنا القدر الذي كتب الوصية به للوالدين والأقربين فقيل الخمس وقيل الربع وقيل الثلث، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فذهب جماعة إلى أنها محكمة، وقالوا هي وإن كانت عامة فمعناها الخصوص، والمراد بها من الوالدين من لا يرث كالأبوين الكافرين، ومن هو في الرق، ومن الأقربين من عدا الورثة منهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الوصية للوالدين اللذين لا يرثان والأقرباء الذين لا يرثون جائزة، وقال كثير من أهل العلم أنها منسوخة بآية المواريث مع قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا وصية لوارث " (¬1) وهو حديث صححه بعض أهل الحديث، وروي من غير وجه، وللشيخ سعد التفتازاني فيه مناقشة، وقال بعض أهل العلم إنه نسخ الوجوب وبقي الندب، روي ذلك عن الشعبي والنخعي ومالك. (بالمعروف) أي بالعدل لا وكس فيه ولا شطط، وقد أذن الله للميت بالثلث دون ما زاد عليه فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي للغني ويدع الفقير، وعن علي لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، فمن أوصي بالثلث فلم يترك، وقيل يوصي بالسدس أو بالخمس أو بالربع (حقا) مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله معناه الثبوت والوجوب، وقيل ثبوت ندب لا ثبوت فرض ووجوب (على المتقين) أي على الذين يتقون الشرك. ¬

(¬1) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وحسنه أحمد والترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي به مرفوعاً وقواه ابن خزيمة وابن الجارود- انظر تمييز الطيب من الخبيث/1636.

181

فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181) (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه) هذا الضمير عائد إلى الإيصاء المفهوم من الوصية، وكذلك الضمير في قوله (سمعه) والتبديل التغيير، والضمير في (إثمه) راجع إلا التبديل المفهوم من قوله بدله، وهذا وعيد لمن غير الوصية المطابقة للحق التي لا حيف فيها ولا مضارة وإنه يبوء بالإثم، وليس على الموصي من ذلك شيء فقد تخلص مما كان عليه بالوصية به. قال القرطبي: ولا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز مثل أن يوصي بخمر أو خنزير أو شيء من المعاصي أنه يجوز تبديله، ولا يجوز إمضاؤه كما لا يجوز إمضاء ما زاد على الثلث قاله أبو عمرو، انتهى. والمبدلون إما الأوصياء بأن ينكروا الوصية أو يغيروها إما في الكتابة أو في قسمة الحقوق، أو الشهود بأن يكتموا الشهادة أو يغيروها، والمعنى فمن بدل قول الميت أو ما أوصى به، وقيل الضمير في (بدله) يعود على الوصية لأنها بمعنى الإيصاء وقيل على نفس الإيصاء، وقيل على الأمر والفرض الذي أمر به الله وفرضه أو في المكتب أو الحق أو المعروف، فهذه ستة أقوال أولاها ما ذكرنا. ولكن هنا وقفة من حيث أن الكلام السابق إنما هو في الوصية المنسوخة التي هي للوالدين والأقربين، وقوله (فمن بدله) إلا آخر الآية إنما هو في الوصية التي استقر عليها الشرع ويعمل بها إلا الآن، وعلى هذا فكيف يعود الضمير من المحكمة على المنسوخة. قال سليمان الجمل: فليتأمل فإني لم أر من نبه على هذا انتهى. قلت إنما يرد هذا على قول من قال بنسخ الوصية المذكورة، وقد تقدم أن جماعة من أهل العلم ذهبت إلا أنها محكمة فلا تأمل ولا تنبيه والله أعلم. (إن الله سميع) لما أوصى به الموصي ولقوله (عليم) بتبديل المبدل وفعل الوصي فيجازي عليه الأول بالخير والثاني بالشر.

182

فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182) (فمن خاف) أي علم وهو مجاز والعلاقة بينهما أن الإنسان لا يخاف شيئاً حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب، ومنه قوله تعالى (إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله) أي يعلما (من موص جنفاً أو إثماً) الجنف المجاوزة، من جنف يجنف إذا جاوز قاله النحاس، وقيل الجنف الميل، قاله في الصحاح والكشاف، والإثم الظلم، وقيل الجنف الخطأ في الوصية والإثم العمد (فأصلح بينهم) أي أصلح ما وقع بين الورثة من الشقاق والاضطراب بسبب الوصية بإبطال ما فيه ضرر ومخالفة لما شرعه الله، وإثبات ما هو حق كالوصية في قرابة لغير وارث، والضمير في (بينهم) راجع إلى الورثة وإن لم يتقدم لهم ذكر لأنه قد عرف أنهم المرادون من السياق، وقيل راجع إلى الموصى لهم وهم الأبوان والقرابة (فلا إثم عليه) أي لا حرج عليه في الصلح وإن كان فيه تبدل لأنه خير بخلاف الأول فإنه ضير (إن الله غفور رحيم) لمن أصلح وصيته بعد الجنف والميل. عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " الحديث (¬1) أخرجه أبو داود والترمذي، ومعنى المضارة في الوصية أن لا تمضي أو ينقص بعضها أو يوصي لغير أهلها أو يحيف في الوصية ونحوها. ¬

(¬1) السنن الكبرى للبيهقي 6/ 271،

183

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) قد تقدم معنى (كتب) ولا خلاف بين المسلمين أجمعين أن صوم رمضان فريضة افترضها الله سبحانه على هذه الأمة، والصيام أصله في اللغة الإمساك وترك التنقل من حال إلى حال، ويقال للصمت صوم، لأنه إمساك عن الكلام، ومنه (إني نذرت للرحمن صوماً) أي إمساكاً عن الكلام، وهو في الشرع الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وفي الآية توكيد للحكم وترغيب في الفعل وتطييب للنفس (كما كتب على الذين من قبلكم) من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم. واختلف المفسرون في وجه التشبيه ما هو، فقيل هو قدر الصوم ووقته، فإن الله كتب على اليهود والنصارى صوم رمضان فغيروا، وقيل هو الوجوب فإن الله أوجب على الأمم الصيام، وقيل هو الصفة أي ترك الأكل والشرب ونحوهما في وقت، فعلى الأول معناه أن الله كتب على هذه الأمة صوم رمضان كما كتبه على الذين من قبلهم، وعلى الثاني أن الله أوجب على هذه الأمة الصيام كما أوجبه على الذين من قبلهم، وعلى الثالث أن الله سبحانه أوجب على هذه الأمة الإمساك عن المفطرات كما أوجبه على الذين من قبلهم (لعلكم تتقون) المراد بالتقوى المحافظة عليها، وقيل تتقون المعاصي بسبب هذه العبادة لأنها تكسر الشهوة وتضعف دواعي المعاصي كما ورد في الحديث أنه جنة وأنه وجاء (¬1). ¬

(¬1) وتمام الحديث عن مسلم/1400. يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء.

184

أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) (أياماً معدودات) أي معينات بعدد معلوم ومقدرات، ويحتمل أن يكون في هذا الجمع لكونه من جموع القلة إشارة إلى تقليل الأيام أي قليلات، يعني أقل من أربعين، وقيل أنه كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر واجباً وصوم عاشوراء ثم نسخ ذلك بفريضة صوم شهر رمضان، قال ابن عباس: أول ما نسخ بعد الهجرة أمر القبلة ثم الصوم، وقيل إن المراد أيام شهر رمضان، وعلى هذا فتكون الآية غير منسوخة. وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني عن دغفل بن حنظلة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان فمرض ملكهم فقالوا لئن شفاه الله لنزيدن عشراً ثم كان آخر فأكل لحماً، فأوجع فوه فقال لئن شفاه الله ليزيدن سبعة ثم كان عليهم ملك آخر فقال ما ندع من هذه الثلاثة الأيام شيئاً نتمها ونجعل صومنا في الربيع ففعل فصارت خمسين يوماً ". وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت كان عاشوراء يصام فلما أنزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر (¬1). (فمن كان) حين حضوره ووجود الشخص فيه (منكم مريضاً) ولو في أثناء اليوم بخلاف السفر، فلا يبيح له الفطر إذا طرأ في أثناء اليوم، وهذا سر التعبير بعلى في السفر دون المرض، قيل للمريض حالتان إن كان لا يطيق الصوم كان الإفطار عزيمة وإن كان يطيقه مع تضرر ومشقة كان رخصة، وبهذا ¬

(¬1) جاء في البخاري عن عبد الله بن عمر: صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء، وأمر بصيامه فلما فرض رمضان ترك.

قال الجمهور (أو على سفر) أي مستعلياً على السفر ومتمكناً منه بأن كان متلبساً به وقت طلوع الفجر. واختلف أهل العلم في السفر المبيح للإفطار فقيل مسافة قصر الصلاة، والخلاف في قدرها معروف، وبه قال الجمهور، وقال غيرهم بمقادير لا دليل عليها، والحق أن ما صدق عليه مسمى السفر فهو الذي يباح عنده الفطر، وهكذا ما صدق عليه مسمى المرض فهو الذي يباح عنده الفطر، وقد وقع الإجماع على الفطر في سفر الطاعة، واختلفوا في الأسفار المباحة، والحق أن الرخصة ثابتة فيه وكذا اختلفوا في سفر المعصية. (فعدة من أيام أخر) أي فعليه عدة ما أفطر من أيام أخر بصومها بدله، وأخر جمع أخرى تأنيث أخر بفتح الخاء أو جمع أخرى بمعنى آخره تأنيث آخر بكسر الخاء، وفيه الوصف والعدل، واختلف النحاة في كيفية العدل فيه على أقوال، والعدة فعلة من العدد، وهو بمعنى المعدود أي فعلمه عدة أو فالحكم عدة أو فالواجب عدة من غير أيام مرضه وسفره، وإليه ذهب الظاهرية، وبه قال أبو هريرة، وليس في الآية ما يدل على وجوب التتابع في القضاء. (وعلى الذين) لا (يطيقونه) لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقيل إنها منسوخة، وإنما كانت رخصة عند ابتداء فرض الصيام، لأنه شق عليهم، وكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم وهو يطيقه ثم نسخ ذلك وهو قول الجمهور، وروي عن بعض أهل العلم أنها لم تنسخ، وأنها رخصة للشيوخ والعجائز خاصة إذا كانوا لا يطيقون الصيام إلا بمشقة، وهذا يناسب قراءة التشديد، وهو يطوقونه أي يكلفونه والناسخ لهذه الآية عند الجمهور قوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) (فدية طعام مسكين) وقرىء مساكين، والفدية الجزاء وهو القدر الذي يبذله الإنسان يقي به نفسه من تقصير وقع منه

في عبادة ونحوها. وقد اختلفوا في مقدار الفدية فقيل كل يوم صاع من غير البر ونصف صاع منه، وقيل مد فقط أي من غالب قوت البلد، وقال ابن عباس: يعطي كل مسكين عشاءه وسحوره أي قدر ما يأكله في يومه، وروي أن أنس ابن مالك ضعف عن الصوم عاماً قبل موته فصنع جفنة من ثريد ودعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم، عن ابن عباس بسند صحيح أنه قال: لأم ولد له حامل أو مرضعة أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم. عليك الطعام لا قضاء عليك، عن ابن عمر أن إحدى بناته أرسلت تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. (فمن تطوع خيراً فهو خير له) قال ابن شهاب: معناه من أراد الإطعام مع الصوم، وقال مجاهد: معناه من زاد في الإطعام على المد، وقيل من أطعم مع المسكين مسكيناً آخر. (وأن تصوموا) أي أن صيامكم (خير لكم) أيها المطيقون من الإقطار مع الفدية وكان هذا قبل النسخ، وقيل معناه وأن تصوموا في السفر والمرض غير الشاق، وقيل هو خطاب مع الكافة لأن اللفظ عام فرجوعه إلى الكل أولى، وهو الأصح، وقد ورد في فضل الصوم أحاديث كثيرة جداً (إن كنتم تعلمون) أن الصوم خير لكم وقيل المعنى إذا صمتم علمتم ما في الصوم من المعاني المورثة للخير والتقوى، ولا رخصة لأحد من المكلفين في إفطار رمضان بغير عذر، والأعذار المبيحة للفطر ثلاثة (أحدها) السفر والمرض والحيض والنفاس وأهلها إذا أفطروا فعليهم القضاء دون الفدية (والثاني) الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وعليهما القضاء والفدية، وبه قال الشافعي، وذهب أهل الرأي إلى أنه لا فدية عليهما (الثالث) الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه فعليهم الفدية دون القضاء.

185

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) (شهر) أي ذلكم شهر أو كتب عليكم الصيام صيام شهر، وقرىء بالنصب أي صوموا شهراً، ولأهل اللغة فيه قولان أشهرهما أنه اسم لمدة الزمان الذي يكون مبدؤه الهلال ظاهراً إلى أن يستتر، سمي بذلك لشهرته في حاجة الناس إليه من المعاملات، والثاني ما قاله الزجاج أنه اسم للهلال نفسه، و (رمضان) علم لهذا الشهر المخصوص وهو علم جنس مركب تركيباً إضافياً وكذا باقي أسماء الشهور وهو ممنوع من الصرف للعلمية والزيادة، وهو مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا احترق جوفه من شدة العطش، والرمضاء ممدوداً شدة الحر، ومنه الحديث الثابت في الصحيح " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " (¬1) أي أحرقت الرمضاء أجوافها. قال الجوهري: وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، يقال أنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام الحر فسمي بذلك، وقيل إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة، وقال الماوردي: أن اسمه في الجاهلية ناتق وإنما سموه بذلك لأنه كان ينتقهم لشدته عليهم، وقد حققنا ذلك في كتابنا لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان فليرجع إليه. وقد أخرج أبو حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه عن أبي ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 3709.

هريرة مرفوعاً وموقوفاً لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (¬1) وثبت عنه أنه قال: " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " (¬2) وثبت عنه أنه قال: " شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة " (¬3) وقال " إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة " (¬4) وهذا كله في الصحيح، وثبت عنه في أحاديث كثيرة غير هذه أنه كان يقول " رمضان " بدون ذكر الشهر، وقد ورد في فضل رمضان أحاديث كثيرة. " الذي أنزل فيه القرآن " أي ابتدىء فيه إنزاله، وكان ذلك ليلة القدر، قيل أنزل فيه من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، ثم كان ينزل به جبرائيل نجماً نجماً إلى الأرض، وقيل أنزل في شأنه القرآن؛ وهذه الآية أعم من قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة القدر) وقوله (إنا أنزلناه في ليلة مباركة) يعني ليلة القدر، والقرآن اسم لكلام الله تعالى علم لما بين الدفتين وهو بمعنى المقروء كالمشروب يسمى شراباً، والمكتوب يسمى كتاباً، وقيل هو مصدر قرأ يقرأ ومنه قوله تعالى (وقرآن الفجر) أي قراءة الفجر، وعن الشافعي أنه قال: القرآن اسم وليس بمهموز، وليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل، فعلى هذا إنه ليس بمشتق. وذهب الأكثرون إلى أنه مشتق من القرء، وهو الجمع فسمي قرآناً لأنه يجمع السور والآيات بعضها إلى بعض، ويجمع الأحكام والقصص والأمثال. والآيات الدالة على وحدانية الله تعالى، وقيل في معنى الآية الذي نزل بفرض صيامه القرآن كما تقول نزلت هذه الآية في الصلاة والزكاة ونحو ذلك، روي ¬

(¬1) أحمد 2/ 232. (¬2) أحمد 2/ 281. (¬3) أحمد 5/ 51. (¬4) البخاري/الصوم: 8.

هذا عن مجاهد والضحاك وهو اختيار الحسن بن الفضل. وأخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزل الزبور لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر مثله لكنه قال وأنزل الزبور لاثني عشر، وزاد وأنزلت التوراة لست خلون من رمضان؛ وأنزل الإنجيل لثماني عشرة خلت من رمضان (¬1). وعن ابن عباس قال أنه أنزل في ليلة القدر وفي رمضان وفي ليلة مباركة جملة واحدة ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلاً في الشهور والأيام، وعنه قال نزل القرآن جملة لأربع وعشرين من رمضان فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيلاً، وعنه أنه قال ليلة القدر هي الليلة المباركة وهي في رمضان أنزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور؛ ثم نزل به جبريل نجوماً في ثلاث وعشرين سنة. (هدى للناس) أي هادياً لهم من الضلال بإعجازه (وبينات من الهدى) من عطف الخاص على العام إظهاراً لشرف المعطوف بإفراده بالذكر لأن القرآن يشمل محكمه ومتشابهه، والبينات تختص بالمحكم منه، قيل الهدى الأول في الأحكام الاعتقادية والهدى الثاني في الفرعية فهما متغايران (والفرقان) هو ما فرق بين الحق والباطل أي فصل. (فمن شهد منكم الشهر) هذا من أنواع المجاز اللغوي وهو إطلاق اسم الكل على الجزء، أطلق الشهر وهو اسم للكل وأراد جزءاً منه، وقد فسره علي وابن عمر أن من شهد أول الشهر (فليصمه) جميعه، والمعنى ومن حضر ¬

(¬1) أحمد 4/ 107.

ولم يكن في سفر بل كان مقيماً فليصم فيه، قال جماعة من السلف والخلف أن من أدركه شهر رمضان مقيماً غير مسافر لزمه صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام، واستدلوا بهذه الآية. وقال الجمهور: أنه إذا سافر أفطر لأن معنى الآية أنه حضر الشهر من أوله إلى آخره لا إذا حضر بعضه وسافر فإنه لا يتحتم عليه إلا صوم ما حضره، وهذا هو الحق، وعليه دلت الأدلة الصحيحة من السنة، وقد كان يخرج صلى الله عليه وسلم في رمضان فيفطر، وقيل هي رؤية الهلال ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " (¬1)، أخرجه الشيخان، ولا خلاف أنه يصوم رمضان من رأى الهلال ومن أخبر به؛ ثم قيل يجزيء فيه خبر الواحد قاله أبو ثور، وقيل خبر الجمع قاله مالك. (ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر) قد تقدم تفسيره وإنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخه بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يشمل النسخ الجميع فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم فيهما باق على ما كان عليه، وقد أطال بعضهم في بيان مسائل المرض والسفر في تفسير هذه الآية والأمر ظاهر. (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) فلذلك أباح الفطر للسفر والمرض، وفيه أن هذا مقصد من مقاصد الرب سبحانه ومراد من مراداته في جميع أمور الدين، ومثله قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " وهو في الصحيح (¬2)، واليسر السهل الذي لا عسر فيه، عن ابن عباس قال اليسر الإفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر. ¬

(¬1) مسند أحمد 4/ 417 - 1/ 365 - 3/ 131. (¬2) مسند أحمد 2/ 415 - 5/ 42.

(ولتكملوا العدة) قال في الكشاف علة للأمر بمراعاة العدة، عن الربيع قال عدة رمضان، وقال الضحاك: عدة ما أفطر المريض في السفر، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوماً " (¬1). (ولتكبروا الله) علة لما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر، والمراد بالتكبير هنا هو قول القائل الله أكبر، قال الجمهور ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان، وقد وقع الخلاف في وقته فروي عن بعض السلف أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر وقيل إذا رأوا هلال شوال كبروا إلى انقضاء الخطبة، وقيل إلى خروج الإمام، وقيل هو التكبير يوم الفطر، قال مالك: هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر. عن ابن مسعود أنه كان يكبر: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر، ولله الحمد، وعن ابن عباس أنه كان يكبر: الله أكبر كبيراً الله أكبر كبيراً الله أكبر وأجل ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا. وعنه قال: حق على الصائمين إذا نظروا إلى شهر شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم لأن الله تعالى يقول ولتكبروا الله. (على ما هداكم) أي أرشدكم إلى طاعته وإلى ما يرضى به عنكم، قيل (على) هنا على بابها من الإستعلاء كأنه قيل ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم قاله الزمخشري (الثاني) أنها بمعنى لام العلة والأول أولى لأن المجاز في الحرف ضعيف و (ما) في ما هداكم مصدرية أي على هدايته إياكم أو موصولة بمعنى الذي وفيه بعد (ولعلكم تشكرون) الله على نعمه، وقد تقدم تفسيره، وهو علة الترخيص والتيسير قاله في الكشاف، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبيانه إلا النقاد من علماء البيان. ¬

(¬1) صحيح مسلم وفي رواية: " الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال فصوموا. واذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له.

186

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) (وإذا سألك عبادي عني) يحتمل أن يكون السؤال عن القرب والبعد كما يدل عليه قوله (فإني قريب) ويحتمل أن يكون السؤال عن إجابة الدعاء كما يدل على ذلك قوله (أجيب دعوة الداع) ويحتمل أن السؤال عما هو أعم من ذلك، وهذا هو الظاهر مع قطع النظر عن السبب الذي أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه، فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية، وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال سأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أين ربنا فأنزل الله هذه الآية. (¬1) وأخرج ابن مردويه عن أنس أنه سأل أعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - أين ربنا فنزلت. وعن ابن عباس قال: قال يهود المدينة يا محمد صلى الله عليه وسلم كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مثل ذلك، فنزلت هذه الآية، وقيل أنهم سألوه في أي ساعة ندعو ربنا فنزلت، والقرب قيل بالإجابة وقيل بالعلم وقيل بالإنعام، وقال في الكشاف أنه تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بمن قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، قيل والقرب استعارة تبعية تمثيلية وإلا فهو متعال عن القرب الحسي لتعاليه عن المكان ونظيره (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) قاله الكرخي. ¬

(¬1) وقيل: عن مقاتل أن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعدما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتماً -وكان ذلك قبل نزول الرخصة فنزلت هذه الآية- القرطبي 2/ 308.

والحق أن القرب من الصفات نؤمن به ونمره على ما جاء ولا نؤول ولا نعطل. وعن أبي موسى الأشعري قال لما غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر أو قال توجه إلى خيبر أشرف الناس على واد فرّفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر لا إله إلا الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً قريباً وهو معكم " أخرجه البخاري ومسلم، ومعنى أربعوا ارفقوا بها، وقيل أمسكوا عن الجهر فإنه قريب يسمع دعاءكم. (¬1). (أجيب دعوة الداع إذا دعان) معنى الإجابة هو معنى ما في قوله تعالى (أدعوني أستجب لكم) وقيل معناه أقبل عبادة من عبدني بالدعاء لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من أن الدعاء هو العبادة كما أخرجه أبو داود وغيره من حديث النعمان بن بشير، والظاهر أن الإجابة هنا هي باقية على معناها اللغوي، وكون الدعاء من العبادة لا يستلزم أن الإجابة هي القبول للدعاء أي جعله عبادة متقبلة فالإجابة أمر آخر غير قبول هذه العبادة، والمراد أن الله سبحانه وتعالى يجيب بما شاء وكيف شاء فقد يحصل المطلوب قريباً، وقد يحل بعيداً، وقد يدفع عن الداعي من البلاء ما لا يعلمه بسبب دعائه، وهذا مقيدٍ بعدم اعتداء الداعي في دعائه كما في قوله سبحانه. (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين) ومن الإعتداء أن يطلب ما لا يستحقه ولا يصلح له كمن يطلب منزلة في الجنة مساوية لمنزله الأنبياء أو فوقها. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما ¬

(¬1) وفي رواية لمسلم/2704: إنكم تدعون سمعياً قريباً وهو معكم قال الراوي (عبد الله بن قيس) فقال (النبي): يا عبد الله بن قيس ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة فقلت بلى يا رسول الله قال: قل لا حول ولا قوة إلا بالله. وفي رواية اخرى: والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم.

من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " (¬1) وثبت في الصحيح أيضاً من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي " (¬2). (فليستجيبوا لي) أي كما أجبتهم إذا دعوني فليستجيبوا لي فيما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعات، وقيل معناه أنهم يطلبون إجابة الله سبحانه لدعائهم باستجابتهم له أي القيام بما أمرهم به والترك لما نهاهم عنه، وقال: مجاهد أي فليطيعوني، والإجابة في اللغة الطاعة من العبد والإثابة والعطاء من الله. (وليؤمنوا بي) اللام فيه للأمر كما فيما قبله أي وليدوموا على الإيمانِ. (لعلهم يرشدون) أي يهتدون، قاله الربيع بن أنس، والرشد خلاف الغي، قال الهروي: الرشد والرشد والرشاد الهدى والإستقامة ومنه هذه الآية، وقد ورد في فضل الدعاء وآدابه أحاديث كثيرة ذكرها أهل التفسير، وهي في الصحاح والسنن لا نطول بذكرها (¬3). ¬

(¬1) حديث ما من مسلم يدعوه .. رواه مسلم باب الذكر والدعاء/92. ورواه أحمد عن أبي سعيد الخدري ورواه البزار وأبو يعلى والحاكم وقال: صحيح الإسناد. (¬2) حديث يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ... رواه مسلم 2735/. (¬3) والدعاء تفتقر إجابته إلى شروط أصلها الطاعة لله، ومنها أكل الحلال فإن أكل الحرام يمنع إجابة الدعاء ومنها حضور القلب ففي بعض الحديث: (لا يقبل الله دعاء من قلب غافل).

187

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187) (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) فيه دلالة على أن هذا الذي أحله الله كان حراماً عليهم، وهكذا كان كما يفيده السبب لنزول الآية، فقد أخرج البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم عن البراء بن عازب قال كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً فكان يومه ذلك يعمل في أرضه فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال هل عندكم طعام قالت لا، ولكن أنطلق فأطلب ذلك، فغلبته عينه فنام وجاءت امرأته فلما رأته نائماً قالت خيبة لك أنمت، فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية إلى قوله (من الفجر) ففرحوا بها فرحاً شديداً. والرفث كناية عن الجماع، وعن ابن عباس قال الدخول والتغشي والإفضاء والمباشرة والرفث واللمس والمس هذا الجماع، غير أن الله حيى كريم يكني بما شاء عما شاء، قال الزجاج: الرفث كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من امرأته وكذا قال الأزهري، وقيل الرفث أصله قول الفحش، رفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح وليس هو المراد هنا وعُدي الرفث بإلى لتضمينه معنى الإفضاء.

(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) تعليل لما قبله وجعل النساء لباساً للرجال والرجال لباساً لهن لامتزاج كل واحد منهما بالآخر عند الجماع كالامتزاج الذي يكون بين الثوب ولابسه، قال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة لباس وفراش وإزار، وقيل إنما جعل كل واحد منهما لباساً للآخر لأنه يستره عند الجماع عن أعين الناس وعن ابن عباس: هن سكن لكم وأنتم سكن لهن قيل لا يسكن شيء إلى شي كسكون أحد الزوجين إلى الآخر، وقد روي في سبب نزول هذه الآية أحاديث عن جماعة من الصحابة نحو ما قاله البراء. (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) أي تخونونها بالمباشرة في ليالي الصوم يقال خان واختان بمعنى وهما من الخيانة، قال القتيبي أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه انتهى، وإنما سماهم خائنين لأنفسهم لأن ضرر ذلك عائد عليهم. (فتاب عليكم) يحتمل معنيين أحدهما قبول التوبة من خيانتهم لأنفسهم، والآخر التخفيف عنهم بالرخصة والإباحة كقوله (علم أن لن تحصوه فتاب عليكم) يعني خفف عنكم وكقوله (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله) يعني تخفيفاً وهكذا قوله: (وعفا عنكم) يحتمل العفو من الذنب ويحتمل التوسعة والتسهيل (فالآن) قال أبو البقاء (الآن) حقيقة الوقت الذي أنت فيه وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب تنزيلاً للقريب منزلة الحاضر وهو المراد هنا، وقد تقدم الكلام على الآن (باشروهن) أي جامعوهن فهو حلال لكم في ليالي الصوم، وسميت المجامعة مباشرة لتلاصق بشرة كل واحد بصاحبه، قيل هذا الأمر والثلاثة بعده للإباحة وفيه دليل على جواز نسخ الكتاب للسنة. (وابتغوا ما كتب الله لكم) تأكيد لما قبله أو تأسيس، والثاني أولى أي ابتغوا بمباشرة نسائكم حصول ما هو معظم المقصود من النكاح وهو حصول النسل والولد، قيل فيه نهى عن العزل وقيل عن غير المأتي، والتقدير وابتغوا المحل

الذي كتب الله لكم، وقيل المراد ابتغوا القرآن بما أبيح لكم فيه قاله الزجاج وغيره، وقيل ابتغوا الرخصة والتوسعة وقيل ابتغوا ما كتب لكم من الإماء والزوجات، وقيل ابتغوا ليلة القدر، وقيل غير ذلك مما لا يفيده النظم القرآني ولا دل عليه دليل آخر، وقرأ الحسن البصري (واتبعوا) بالعين المهملة من الاتباع. (كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) هو تشبيه للمنع والمراد هنا بالخيط الأبيض هو المعترض في الأفق لا الذي هو كذنب السرحان فإنه الفجر الكذاب الذي لا يحل شيئاً ولا يحرمه، والمراد بالخيط الأسود سواد الليل، والتبيين أن يمتاز أحدهما عن الآخر، وذلك لا يكون إلا عند دخول وقت الفجر. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: كان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما فأنزل الله (من الفجر) فعلموا أنه يعني الليل من النهار. وفي الصحيحين وغيرهما عن عدي بن حاتم أنه جعل تحت وسادته خيطين أبيض وأسود جعل ينظر إليهما فلا يتبين له الأبيض من الأسود، فغدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره قال: إن وسادك إذن لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل، وفي رواية (¬1) في البخاري وغيره أنه قال له إنك لعريض العقل، وفي رواية عند ابن جرير وابن أبي حاتم أنه ضحك منه. قيل " من " الأولي لابتداء الغاية والثانية للبيان، قاله السيوطي، وقال الزمخشري وغيره الثانية للتبعيض أي حال كون الخيط الأبيض بعضاً من الفجر، وفي تجويز المباشرة إلى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل إليه وصحة ¬

(¬1) رواه أحمد في المسند وفي رواية لمسلم/109/: إن وساديك لعريض.

صوم من أصبح جنباً. (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أمر وهو للوجوب وهو يتناول كل الصيام عند أبي حنيفة، وقال الشافعية إنما ورد هذا في بيان أحكام صوم الفرض، ويدل على إباحة الفطر من النفل حديث عائشة في مسلم وفيه أهدى لنا حيس، قال أرنيه فلقد أصبحت صائماً فأكل، وقيل للوجوب في صوم الفرض وللندب في صوم النفل، وقيل للوجوب فيهما. وفي الآية التصريح بأن للصوم غاية هي الليل فعند إقبال الليل من المشرق وإدبار النهار من الغرب يفطر الصائم ويحل له الأكل والشرب وغيرهما. (ولا تباشروهن) قيل المراش بالمباشرة هنا الجماع، وقيل يشمل التقبيل واللمس إذا كانا بشهوة لا إذا كانا بغير شهوة فهما جائزان كما قاله عطاء والشافعي وابن المنذر وغيرهم، وعلى هذا يحمل ما حكاه ابن عبد البر من الإجماع على أن المعتكف لا يباشر ولا يقبل فتكون هذه الحكاية للإجماع مقيدة بأن يكون بشهوة. (وأنتم عاكفون في المساجد) الاعتكاف في اللغة الملازمة يقال عكف على الشيء إذا لازمه، ولما كان المعتكف يلازم المسجد قيل له عاكف في المسجد ومعتكف فيه، لأنه يحبس نفسه لهذه العبادة في المسجد، والاعتكاف في الشرع ملازمة طاعة مخصوصة على شرط مخصوص، وقد وقع الإجماع على أنه ليس بواجب، وعلى أنه لا يكون إلا في المسجد. بين سبحانه في هذه الآية أن الجماع يحرم على المعتكف في الليل والنهار حتى يخرج من اعتكافه. وللاعتكاف أحكام مستوفاة في كتب الفقه وشروح الحديث. وأقول أن قوله تعالى (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) جملة إنشائية نهيية مسوقة لتحريم مباشرة النساء في حال الاعتكاف في المساجد، فقوله (في المساجد) متعلق بقوله (عاكفون) وليست لبيان النهي عن مباشرة

النساء في المساجد من غير فرق بين المعتكف وغيره، ولو كان كذلك لم تكن لقوله (وأنتم عاكفون) فائدة. ثم هذا الاعتكاف المذكور في الآية قد بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمته باعتكافه غير مرة وهو وزوجاته وأصحابه بمحضره فكان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد الاعتكاف أمر بخبائه فضرب في المسجد كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ثم أقام فيه لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان ويعود مسرعاً لا يعود مريضاً ولا يشتغل بشيء كما ثبت في دواوين الإسلام فهذا هو الاعتكاف الشرعي الذي علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن زعم أن المراد به مطلق اللبث ولو في غير المسجد، نظر إلى أصل معناه اللغوي فقد قدم الحقيقة اللغوية على الحقيقة الشرعية وهو خلاف ما تقرر في الأصول، بل خلاف ما عليه أهل العلم سلفاً وخلفاً، ولو كان الاعتكاف المشروع هو مجرد اللبث ولو في غير المسجد لكان اللابث في داره وفي سوقه وفي المصاطب ونحوها معتكفاً إذا حصلت منه النية، وهذا خلاف ما في القرآن الكريم، وخلاف ما ثبت تواتراً في السنة المطهرة، وخلاف ما فهمه المسلمون من هذه العبادة، بل خلاف ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله كما في سنن سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود قال: لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أو قال: إلا في مسجد جماعة (¬1). وأما ما فهمه بعض الناس من جواز الوطء للمعتكف في غير المسجد فيرده ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: السنة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، وقد تقرر أن قول الصحابي " من السنة " أو السنة له حكم ¬

(¬1) والصحيح أنه يصح في مسجد جامع كما نصت كتب الفقه أما أحاديث الاعتكاف فهي كثيرة منها: ما روته عائشة رضي الله عنها: كان الرسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان.

الرفع، وهذا الحديث كما يدل على تحريم الوطء على المعتكف يدل على أنه لا اعتكاف إلا في مسجد جامع فهو يرد عليه من جهتين، وقد ذكر الشوكاني الكلام على هذا الحديث في شرحه على المنتقى فليرجع إليه. (¬1) (تلك حدود الله فلا تقربوها) أي هذه الاحكام حدود الله، وأصل الحد المنع ومنه سمي البواب والسجان حداداً، وسميت الأوامر والنواهي حدود الله لأنها تمنع أن يدخل فيها ما ليس منها وأن يخرج عنها ما هو منها، ومن ذلك سميت الحدود حدوداً لأنها تمنع أصحابها من العود، ومعنى النهي عن قربانها النهي عن تعديها بالمخالفة لها، وقيل أن حدود الله هي محارمة فقط ومنها المباشرة من المعتكف والإفطار في رمضان لغير عذر وغير ذلك مما سبق النهي عنه، ومعنى النهي عن قربانها على هذا واضح، وقيل حدود الله فرائض الله. وقيل المقادير التي قدرها ومنع من مخالفتها (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) أي كما بين لكم هذه الحدود يبين لكم معالم دينه وأحكام شريعته والعلامات الهادية إلى الحق. ¬

(¬1) وقد روت السيدة عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجّله،،، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إنسان (الغائط والبول) وقد أجمع العلماء على أن الاعتكاف ليس بواجب وأنه سنة، واستحب مالك إلا يخرج المعتكف إلا بعد آذان صلاة العيد حين يغدو من المعتكف إلى المصلى وبه قال أحمد. وقال الشافعي والأوزاعي: يخرج إذا غابت الشمس والله أعلم.

188

وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188) (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) هذا يعم جميع الأمة وجميع الأموال لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهاً كقضاء الدين إذا امتنع منه من هو عليه، وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها ونفقة من أوجب الشرع نفقته، والحاصل أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو مأكول بالباطل وإن طابت به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن، وثمن الخمر والملاهي، وأجرة المغني، والقمار، والرشوة في الحكم وشهادة الزور والخيانة في الوديعة والأمانة، والأكل بطريق التعدي والنهب والغصب، والباطل في اللغة الذاهب الزائل، والمعنى بالسبب الباطل أو مبطلين أو متلبسين بالباطل، عن ابن عباس قال: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه بينة فيجحد المال ويخاصم إلى الحكام وهو يعرف أن الحق عليه، وقال مجاهد معناها لا تخاصم وأنت تعلم أنك ظالم. (وتدلوا بها إلى الحكام) مجزوم عطفاً على (تأكلوا) فهو من جملة المنهي عنه أي لا تلقوا أمور تلك الأموال التي فيها الحكومة إلى الحكام، يقال أدلى الرجل بحجته أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً بالذي يرسل الدلو في البئر، يقال أدلى دلوه أرسلها، والمعنى أنكم لا تجمعوا بين أكل الأموال بالباطل وبين الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة، والمعنى لا تسرعوا بالخصومة في الأموال إلى الحكام ليعينوكم على إبطال حق أو تحقيق باطل، وأما الإسراع بها لتحقيق الحق فليس مذموماً. وفي هذه الآية دليل أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال من غير فرق بين الأموال والفروج، فمن حكم له القاضي بشيء مستنداً في حكمه

إلى شهادة زور أو يمين فاجرة فلا يحل له أكله فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وهكذا إذا أرشى الحاكم فحكم له بغير الحق فإنه من أكل أموال الناس بالباطل، ولا خلاف بين أهل العلم أن حكم الحاكم لا يحلل الحرام، ولا يحرم الحلال. وقد روي عن أبي حنيفة ما يخالف ذلك، وهو مردود بكتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إنكم تختصمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار " وهو في الصحيحين وغيرهما (¬1). وقيل معناه لا تأكلوا المال بالباطل وتنسبوه إلى الحكام، والأول أولى، وكان شريح القاضي يقول إني لأقضي لك وإني لأظنك ظالماً ولكن لا يسعني إلا أن أقضي بما يحضرني من البينة وأن قضائى لا يحل لك حراماً (لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم) أي قطعة أو جزءاً أو طائفة فعبر بالفريق عن ذلك، وأصل الفريق القطعة من الغنم تشذ عن معظمها، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير لتأكلوا أموال فريق من الناس بالإثم، وسمي الظلم والعدوان إثماً باعتبار تعلقه بفاعله، قال ابن عباس أي باليمين الكاذبة، وقيل بشهادة الزور. (وأنتم تعلمون) أي حال كونكم عالمين أنكم على الباطل أو أن ذلك باطل ليس من الحق في شيء، وهذا أشد لعقابهم وأعظم لجرمهم. ¬

(¬1) حديث (إنكم تختصمون لدي ... ) رواه مسلم 1713. وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: " إنما أنا بشر وأنه يأتيني الخصم. فلعل بعضكم أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له. فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها ".

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)

189

(يسئلونك عن الأهلة) أي عن فائدة اختلافها، لأن السؤال عن فائدة اختلافها، لأن السؤال عن ذاتها غير مفيد، وقد أخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن عتمة وهما رجلان من الأنصار قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقاً مثل الخيط ثم يزيد حتى يعظم ويستوي ثم لا يزال ينقص ويدق حتى يعود كما كان لا يكون على حال واحد، فنزلت هي مواقيت للناس في حل دينهم ولصومهم ولفطرهم، وأوقات حجهم وأجائرهم وأوقات الحيض وعدد نسائهم، والشروط التي إلى أجل، ولهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة. والأهلة جمع هلال وجمعها باعتبار هلال كل شهر أو كل ليلة تنزيلاً لاختلاف الأوقات منزلة اختلاف الذوات، والهلال اسم لما يبدو في أول الشهر وفي آخره، قال الأصمعي هو هلال حتى يستدير، وقيل هو هلال حتى ينير بضوئه السماء، وذلك ليلة السابع، وإنما قيل له هلال لأن الناس يرفعون أصواتهم بالإخبار عنه عند رؤيته، ومنه استهل الصبي إذا صاح واستهل وجهه وتهلل إذا ظهر فيه السرور، والهلال في الحقيقة واحد وجمعه باعتبار أوقاته واختلافه في ذاته، واختلف أهل اللغة إلى متى يسمى هلالاً فقال الجمهور لليلتين، وقيل لثلاث ثم يكون قمراً، وقال أبو الهيثم لليلتين من أول الشهر ولليلتين من آخره وما بينهما قمر. (قل هي مواقيت) الذي قرره أبو السعود والخازن أن الجواب مطابق

للسؤال، وفي الآية بيان وجه الحكمة في زيادة الهلال ونقصانه وأن ذلك لأجل بيان المواقيت التي يوقت الناس عباداتهم ومعاملاتهم بها كالصوم والفطر والحج ومدة الحمل والعدة والإجارات والأيمان وغير ذلك، ومثله قوله تعالى (ولتعلموا عدد السنين والحساب) وقيل هو جواب بغير ما سأل عنه تنبيهاً على أن الأولى لهم أن يسألوا عن هذا المجاب لا عن سبب الاختلاف، فهو من قبيل المغيبات التي لا غرض للمكلف في معرفتها ولا يليق أن تبين له. والمواقيت جمع الميقات وهو الوقت والفرق بين الوقت وبين المدة والزمان أن المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها، والزمان مدة منقسمة إلى الماضي والحال والمستقبل، والوقت الزمان المفروض لأمر، وكل ما جاء في القرآن من السؤال أجيب عنه بقل بلا فاء إلا في طه (ويسئلونك عن الجبال فقل) لأن الجواب في الجميع كان بعد وقوع السؤال وفي طه كان قبله إذ تقديره إن سئلت عن الجبال فقل. (للناس) أي لأغراضهم الدنيوية والدينية كما أشار لذلك بتعداد الأمثلة إذ الأهلة ليست مواقيت لذوات الناس (والحج) عطف على الناس أي يعلم بها وقته، فلو استمرت على حالة لم يعرف ذلك، قال سيبويه: بالفتح كالرد والشد وبالكسر كالذكر مصدران بمعنى وقيل بالفتح مصدر وبالكسر الاسم، وإنما أفرد سبحانه بالحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسء عن وقته ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه أو أخطأ وقتها أو وقت بعضها. وقد جعل بعض علماء المعاني هذا الجواب أعني قوله قل هي مواقيت الخ من الأسلوب الحكيم كما تقدم وهو تلقي المخاطب بغير ما يترقب تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد، ووجه ذلك أنهم سألوا عن أجرام الأهلة باعتبار زيادتها ونقصانها فأجيبوا بالحكمة التي كانت الزيادة والنقصان لأجلها لكون ذلك أولى بأن يقصده السائل وأحق بأن يتطلع لعلمه.

(وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتّقى وأتوا البيوت من أبوابها) وجه اتصال هذا بالسؤال عن الأهلة والجواب بأنها مواقيت للناس والحج أن الأنصار كانوا إذا حجوا لا يدخلون من أبواب بيوتهم إذا رجع أحدهم إلى بيته بعد إحرامه قبل تمام حجه، لأنهم يعتقدون أن المحرم لا يجوز أن يحول بينه وبين السماء حائل فكانوا يتسنمون ظهور بيوتهم، وقد ورد هذا المعنى عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال أبو عبيدة: إن هذا من ضرب المثل، والمعنى ليس البر أن تسألوا الجهال ولكن البر التقوى واسألوا العلماء كما تقول أتيت الأمر من بابه، وقيل هو مثل في جماع النساء وأنهم أمروا بإتيانهن في القبل لا في الدبر، وقيل غير ذلك، والبيوت جمع بيت وقرىء بضم الباء وكسرها (واتقوا الله لعلكم تفلحون) قد تقدم تفسير التقوى والفلاح.

190

(وقاتلوا في سبيل الله) لا خلاف بين أهل العلم أن القتال كان ممنوعاً قبل الهجرة لقوله (فاعف عنهم واصفح) وقوله (واهجرهم هجراً جميلاً) وقوله (لست عليهم بمصيطر) وقوله (ادفع بالتي هي أحسن) ونحو ذلك مما نزل بمكة فلما هاجر إلى المدينة أمره الله سبحانه بالقتال ونزلت هذه الآية. قال أبو العالية: إنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه حتى نزلت سورة براءة، وقيل أول ما نزل قوله تعالى (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) حتى نزل قوله تعالى (اقتلوا المشركين) وقوله تعالى (وقاتلوا المشركين كافة) قيل إنه نسخ بها سبعون آية والمعنى قاتلوا في طاعة الله وطلب رضوانه. عن أبي موسى الأشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء أي ذلك في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قاتل لتكون كلمة الله هي

العليا فهو في سبيل الله " (¬1). (الذين يقاتلونكم) قال جماعة من السلف المراد بهذا من عدا النساء والصبيان والشيوخ والزمنى والرهبان والمجانين والمكافيف ونحوهم، وجعلوا هذه الآية محكمة غير منسوخة (ولا تعتدوا) المراد بالاعتداء عند أهل القول الأول هو مقاتلة من لم يقاتل من الطوائف الكفرية، والمراد به على القول الثاني مجاوزة قتل من يستحق القتل إلى قتل من لا يستحقه ممن تقدم ذكره، قال ابن عباس: أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير، ولا من ألقى السلم وكف يده فإن فعلتم فقد اعتديتم، وقال عمر بن عبد العزيز: أن هذه الآية في النساء والذرية (إن الله لا يحب المعتدين) أي لا يريد بهم الخير. عن بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال " اغزوا بالله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً ولا تعتدوا " أخرجه مسلم (¬2). ¬

(¬1) وفي رواية: " أن رجلاً اعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل ليذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله أعلى فهو في سبيل الله " وفي رواية من قاتل لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله، مسلم/1904. (¬2) وقد اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا فعلى قولين: 1 - أنها منسوخة بقوله (واقتلوهم حيث ثقفتموهم). 2 - أنها محكمة ... وأما الذين لم يعدوا أنفسهم للقتال كالرهبان والمجانين ... فلا تعتدوا عليهم. وبه قال أبو جعفر وقال: وهذا القول أولى بالصواب.

191

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) يقال ثقف يثقف ثقفاً ورجل ثقيف إذا كان محكماً لما يتناوله من الأمور، قال في الكشاف: والثقف وجود على وجه الأخذ والغلبة، ومنه رجل ثقف سريع الأخذ لأقرانه انتهى. قال أبو السعود: أصل الثقف الحذق في إدراك الشيء علماً أو عملاً وفيه معنى الغلبة، قال ابن جرير: الخطاب للمهاجرين والضمير لكفار قريش انتهى والمعنى واقتلوهم حيث وجدتموهم وأدركتموهم في الحل والحرم وإن لم يبتدؤكم، وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أمر بالجهاد في الآية الأولى بشرط إقدام الكفار على القتال، وفي هذه الآية أمرهم بالجهاد معهم سواء قاتلوا أو لم يقاتلوا واستثنى منه المقاتلة عند المسجد الحرام. (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) أي أخرجوهم من مكة، وقد امتثل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ربه فأخرج من مكة من لم يسلم عند أن فتحها الله عليه (والفتنة أشد من القتل) أي الفتنة التي أرادوا أن يفتنوكم بها وهي رجوعكم إلى الكفر أشد من القتل، وقيل المراد بالفتنة المحنة التي تنزل بالإنسان في نفسه أو أهله أو ماله أو عرضه، وقيل المراد بالفتنة الشرك الذي عليه المشركون لأنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، فأخبرهم الله أن الشرك الذي هم عليه أشد مما يستعظمونه، وقيل المراد فتنتهم إياكم بصدكم عن المسجد الحرام أشد من قتلكم إياهم في الحرم أو من قتلهم إياكم إن قتلوكم، والظاهر أن المراد الفتنة في الدين بأي سبب كان وعلى أي صورة اتفق فإنها أشد من القتل لأنه يؤدي إلى الخلود في النار، والقتل ليس كذلك ولذا جعل أشد منه.

(ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) أختلف أهل العلم في ذلك فذهبت طائفة إلى أنها محكمة وأنه لا يجوز القتال في الحرم إلا بعد أن يتعدى متعد بالقتال فيه فإنه يجوز دفعه بالمقاتلة له، وهذا هو الحق، وقالت طائفة أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) ويجاب عن هذا الاستدلال بأن الجمع ممكن هنا ببناء العام على الخاص فيقتل المشرك حيث وجد إلا بالحرم، ومما يؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنها لم تحل لأحد قبله وإنها أحلت لي ساعة من نهار "، وهو في الصحيح (¬1). وقد احتج القائلون بالنسخ بقتله صلى الله عليه وآله وسلم لابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ويجاب عنه بأنه وقع في تلك الساعة التي أحل الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. (فإن قاتلوكم) أي في المسجد الحرام، هذا مفهوم الغاية (فاقتلوهم) أي فقاتلوهم (كذلك) أي القتل والاخراج (جزاء الكافرين) مطلقاً بأن يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم، فثبت بهذا تحريم القتال في الحرم إلا أن يقاتلوا فيقاتلوا ويكون دفعاً لهم ¬

(¬1) سبق ذكره.

192

(فإن انتهوا) عن قتالكم وعن الكفر ودخلوا في الإسلام (فإن الله غفور) لما سلف (رحيم) بعباده حيث لم يعاجلهم بالعقوبة. (وقاتلوهم) فيه الأمر بمقاتلة المشركين ولو في الحرم وإن لم يبتدؤوكم بالقتال فيه، وهذا هو الذي استقر عليه الحكم الآن (حتى) أي إلى غاية هي أن (لا تكون فتنة ويكون الدين لله) وهو الدخول في الإسلام والخروج عن سائر الأديان المخالفة له فمن دخل في الإسلام وأقلع عن الشرك لم يحل قتاله، وقيل المراد بالفتنة هنا الشرك والظاهر أنها الفتنة في الدين عما عمومها كما سلف.

فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194)

193

(فإن انتهوا) يعني عن القتال، وقيل عن الشرك والكفر (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي لا تظلموا إلا الظالمين أي لا تعتدوا إلا على ظلم وهو من لم ينته عن الفتنة ولم يدخل في الإسلام، وإنما سمي جزاء الظالمين عدواناً مشاكلة كقوله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه). وسمي الكافر ظالماً لوضعه العبادة في غير موضعها، والنفي هنا بمعنى النهي لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، والعرب إذا بالغت في النهي عن الشيء أبرزته في صورة النفي المحض إشارة إلى أنه ينبغي أن لا يوجد البتة فدلوا على هذا المعنى بما ذكرت لك، وعكسه في الإثبات إذا بالغوا في الأمر بالشيء أبرزوه في صورة الخبر نحو (والوالدات يرضعن) وسيأتي.

194

(الشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السابعة (بالشهر الحرام) هو ذو القعدة من السنة السادسة وهذا في المعنى تعليل لقوله (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال لما سار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتمراً في سنة ست من الهجرة وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة وهو شهر حرام قاضاهم على الدخول من قابل فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، نزلت في ذلك هذه الآية (¬1)، وروي نحوه عن أبي العالية ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 228.

ومجاهد وقتادة وابن جريج، والمعنى إذا قاتلوكم في الشهر الحرام وهتكوا حرمته قاتلوهم في الشهر الحرام مكافأة لهم ومجازاة على فعلهم، وهذا صريح في أنه قد وقع منهم مقاتلة في عام الحديبية، وهو كذلك فقد وقع قتال خفيف بالرمي بالسهام والحجارة. (والحرمات) جمع حرمة كالظلمات جمع ظلمة، وإنما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام، والحرمة ما منع الشرع انتهاكه (قصاص) أي المساواة والمماثلة، والمعنى أن كل حرمة يجزي فيها القصاص، فمن هتك حرمة عليكم فلكم أن تهتكوا حرمة عليه قصاصاً ولا تبالوا به، قيل وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ بالقتال، وقيل أنه ثابت بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم ينسخ، فيجوز لمن تعدي عليه في مال أو بدن أن يتعدى بمثل ما تعدي عليه، وبهذا قال الشافعي وغيره. وقال آخرون إن أمور القصاص مقصورة على الحكام وهكذا الأموال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك (¬1) "، أخرجه الدارقطني وغيره، وبه قال أبو حنيفة وجمهور المالكية وعطاء الخراساني، والقول الأول أرجح، وبه قال ابن المنذر، واختاره ابن العربي والقرطبي، وحكاه الداودي عن مالك، ويؤيده إذنه صلى الله عليه وآله وسلم لامرأة أبي سفيان أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها، وهو في الصحيح. ولا أصرح وأوضح من قوله تعالى في هذه الآية (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) وهذه الجملة في حكم التأكيد للجملة الأولى أعني قوله والحرمات قصاص، وإنما سمي المكافآت اعتداء مشاكلة كما تقدم. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 238.

وعن ابن عباس في هذه الآية وفي قوله (وجزاء سيئة) الآية وقوله (ولمن انتصر بعد ظلمه) الآية وقوله (وإن عاقبتم) الآية قال هذا ونحوه نزل بمكة، والمسلمون يومئذ قليل ليس لهم سلطان يقهر المشركين، فكان المشركون يتعاطونهم بالشتم والأذى، فأمر الله المسلمين من يتجارأ منهم أن يتجارأ بمثل ما أوتي إليه أو يصبر أو يعفو، فلما هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وأعز الله سلطانه أمر المسلمين أن ينتهوا في مظالمهم إلى سلطانهم، ولا يعدو بعضهم على بعض كأهل الجاهلية، فقال (ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً) الآية يقول ينصره السلطان حتى ينصفه على من ظلمه، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاص مسرف قد عمل بحمية الجاهلية ولم يرض بحكم الله انتهى. وأقول هذه الآية التي جعلها ابن عباس ناسخة مؤيدة لما تدل عليه الآيات التي جعلها منسوخة ومؤكدة له، فإن الظاهر من قوله (فقد جعلنا لوليه سلطاناً) أنه جعل السلطان له، أي جعل له تسلطاً يتسلط به على القاتل، ولهذا قال (فلا يسرف في القتل). ثم لو سلمنا أن معنى الآية كما قاله لكان ذلك مخصصاً للقتل من عموم الآيات المذكورة لا ناسخاً له، فإنه لم ينص في هذه الآية إلا على القتل وحده، وتلك الآيات شاملة له ولغيره، وهذا معلوم من لغة العرب التي هي المرجع في تفسير كلام الله سبحانه. ولما أباح لهم الاقتصاص بالمثل، وشأن النفس حب المبالغة في الانتقام من العدو حذرهم من ذلك فقال (واتقوا الله) أي في حال كونكم منتصرين لأنفسكم ممن اعتدى عليكم فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصر والعون.

195

وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) (وأنفقوا في سبيل الله) في هذه الآية الأمر بالإنفاق في سبيل الله وهو الجهاد بالمال، واللفظ يتناول غيره مما يصدق عليه أنه من سبيل الله، والإنفاق هو صرف المال في وجوه المصالح الدينية كالإنفاق في الحج والعمرة وصلة الرحم والصدقة وتجهيز الغزاة وعلى النفس والعيال وغير ذلك مما فيه قربة الله تعالى، لأن كل ذلك يصدق عليه أنه في سبيل الله، ولكن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إلى الجهاد. عن خزيم بن فانك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب الله له سبعمائة ضعف " أخرجه الترمذي والنسائي (¬1). (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) الباء زائدة ومثله (ألم يعلم بأن الله يرى) وقال المبرد: أي بأنفسكم تعبير بالبعض عن الكل كقوله (بما كسبت أيديكم) وقيل هذا مثل مضروب يقال فلان ألقى بيده في أمر كذا إذا استسلم لأن المستسلم في القتال يلقي سلاحه بيديه فكذلك فعل كل عاجز في أي فعل كان. وقال قوم: التقدير ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم، وعبر بالأيدي عن الأنفس، لأن بها البطش والحركة، والتهلكة مصدر من هلك يهلك هلاكاً، وهلكاً وتهلكة أي لا تأخذوا فيما يهلككم، قال اليزيدي: التهلكة من نوادر المصادر ليست مما يجري على القياس. وللسلف في معنى الآية أقوال، قال حذيفة: نزلت في النفقة أي تركها في ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 5986.

سبيل الله مخافة العيلة، وروي نحوه عن ابن عباس وعكرمة والحسن، وقال الحسن: هو البخل، وقال زيد بن أسلم: هو أن يهلك رجل من الجوع والعطش ومن المشي في البعث. وقال أبو أيوب: كانت التهلكة الإقامة في الأموال وإصلاحها وترك الغزو، وقال البراء بن عازب: هو الرجل يذنب الذنب فيلقي بيديه فيقول لا يغفر الله لي أبداً، وروي عن النعمان بن بشير نحوه. وقيل أنه القنوط وقيل عذاب الله، وقيل غير ذلك. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما يصدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ومن جملة ما يدخل تحت الآية أن يقتحم الرجل في الحرب فيحمل على الجيش مع عدم قدرته على التخلص وعدم تأثيره لأثر ينفع المجاهدين. ولا يمنع من دخول هذا تحت الآية إنكار من أنكره من الذين رووا السبب، فإنهم ظنوا أن الآية لا تجاوز سببها، وهو ظن تدفعه لغة العرب. (وأحسنوا) أي في الإنفاق في الطاعة أو الظن بالله في إخلافه عليكم وقال رجل من الصحابة معناه أدوا الفرائض، وقيل لا تقتروا ولا تسرفوا (إن الله يحب المحسنين) المنفقين في سبيله الظانين به حسناً.

196

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) (وأتموا الحج والعمرة لله) اختلف العلماء في المعنى المراد بإتمام الحج والعمرة فقيل أداؤهما والإتيان بهما من دون أن يشوبهما بشيء مما هو محظور، ولا يخل بشرط ولا فرض كقوله تعالى (فأتمهن) وقوله (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وقال سفيان الثوري: إتمامهما أن يخرج لهما لا لغيرهما. وقيل إتمامهما أن يفرد كل واحد منهما من غير تمتع ولا قران، وبه قال ابن حبيب. وقال مقاتل: إتمامهما أن لا يستحلوا فيهما ما لا ينبغي لهم، وقيل إتمامهما أن يحرم لهما من دويرة أهله، وقيل أن ينفق في سفرهما الحلال الطيب. وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الدلائل وابن عبد البر في التمهيد عن يعلى بن أمية قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالجعرانة وعليه جبة وعليه أثر خلوق فقال كيف تأمرني يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أصنع في عمرتي، فأنزل الله (وأتموا الحج والعمرة لله) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أين السائل عن العمرة فقال: ها أناذا قال " اخلع الجبة واغسل عنك أثر الخلوق، ثم ما كنت صانعاً في حجك فاصنعه في عمرتك " وقد أخرجه الشيخان وغيرهما من حديثه، ولكن فيهما أنه أنزل عليه بعد السؤال ولم يذكرا ما الذي أنزل عليه. وقال ابن عباس: تمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة وزار البيت فقد حل، وتمام العمرة إذا طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة فقد حل. وقد ورد في فضل الحج والعمرة أحاديث كثيرة ليس هذا موطن ذكرها.

وقد اتفقت الأمة على وجوب الحج على من استطاع إليه سبيلاً، واستدل بهذه الآية على وجوب العمرة لأن الأمر بإتمامها أمر بها، وبذلك قال علي وابن عمر وابن عباس وعطاء وطاوس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي وسعيد ابن جبير ومسروق وعبد الله بن شداد والشافعي وأحمد وإسحق وأبو عبيد وابن الجهم من المالكية. وقال مالك والنخعي وأصحاب الرأي كما حكاه ابن المنذر عنهم أنها سنة، وحكى عن أبي حنيفة أنه يقول بالوجوب. ومن القائلين بأنها سنة ابن مسعود وجابر بن عبد الله. ومن جملة ما استدل به الأولون ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال لأصحابه: " من كان معه هدي فليهل بحج وعمرة " وثبت عنه أيضاً في الصحيح أنه قال: " دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ". وأخرج الدارقطني والحاكم من حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت " (¬1). واستدل الآخرون بما أخرجه الشافعي في الأم وعبد الرازق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الحج جهاد والعمرة تطوع ". وأخرج ابن ماجة عن طلحة بن عبيد الله مرفوعاً مثله. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وصححه عن جابر: أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العمرة أواجبة هي، قال: لا وأن تعتمروا خير لكم. ¬

(¬1) قطعة من حديث طويل أورده مسلم/1218 ... دخلت العمرة في الحج -مرتين- لا بل لأبعد أبد ...

وأجابوا عن الآية والأحاديث المصرحة بأنها فريضة بحمل ذلك على أنه قد وقع الدخول فيها وهي بعد الشروع فيها واجبة بلا خلاف. وهذا وإن كان فيه بعد لكنه يجب المصير إليه جمعاً بين الأدلة، ولا سيما بعد تصريحه - صلى الله عليه وسلم - بما تقدم في حديث جابر من عدم الوجوب. وعلى هذا يحمل ما ورد مما فيه دلالة على وجوبها كما أخرجه الشافعي في الأم أن في الكتاب الذي كتبه النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم أن العمرة هي الحج الأصغر، وكحديث ابن عمر عند البيهقي في الشعب قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أوصني فقال: " تعبد الله ولا تشرك به شيئاً وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج وتعتمر وتسمع وتطيع، وعليك بالعلانية وإياك والسر ". وهكذا ينبغي حمل ما ورد من الأحاديث التي قرن فيها بين الحج والعمرة في أنهما من أفضل الأعمال وأنهما كفارة لما بينهما وأنهما يهدمان ما كان قبلهما ونحو ذلك. وأركان الحج خمسة الإحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وأركان العمرة أربعة الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وبهذه الأركان تمام الحج والعمرة. (فإن أحصرتم) أصل الحصر في اللغة الحبس والتضييق، قال أبو عبيدة والكسائي والخليل أنه يقال أحصر بالمرض وحصر بالعدو، وفي المجمل لابن فارس العكس، ورجح الأول ابن العربي قال وهو رأي أكثر أهل اللغة، وقال الزجاج: أنه كذلك عند جميع أهل اللغة، وقال الفراء: هما بمعنى واحد في المرض والعدو، ووافقه على ذلك أبو عمرو الشيباني فقال حصرني الشيء وأحصرني أي حبسني. وبسبب هذا الإختلاف بين أهل اللغة اختلف أئمة الفقه في معنى الآية

فقالت الحنفية: المحصر من يصير ممنوعاً من مكة بعد الإحرام بمرض أو عدو أو غيره، وقالت الشافعية وأهل المدينة: المراد بالآية حصر العدو. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المحصر بعدو يحل حيث أحصر، وينحر هديه إن كان ثم هدي ويحلق رأسه كما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه في الحديبية. (فما استيسر من الهدي) أي إن أحصرتم دون تمام الحج والعمرة فحللتم فالواجب أو فعليكم أو فانحروا أو فاهدوا ما تيسر، يقال يسر الأمر واستيسر كما يقال صعب واستصعب، وليس السين للطلب، والهدي والهدى لغتان وهما جمع هدية وهي ما يهدى إلى البيت من بدنة أو غيرها، ويقال في جمع الهدي أهداء. واختلف أهل العلم في المراد بقوله (فما استيسر) فذهب الجمهور إلى أنه شاة، وقال ابن عمر وعائشة وابن الزبير: جمل أو بقرة، وقال الحسن: أعلى الهدي بدنة وأوسطه بقرة وأدناه شاة، وهذا الدم دم ترتيب وتعديل كما أشار له ابن المقرىء. (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) هو خطاب لجميع الأمة من غير فرق بين محصر وغير محصر، وإليه ذهب جمع من أهل العلم، وذهبت طائفة إلى أنه خطاب للمحصرين خاصة أي لا تحلوا من الإحرام حتى تعلموا أن الهدي الذي بعثتموه إلى الحرام قد بلغ محله، وهو الوضع الذي يحل فيه ذبحه. واختلفوا في تعيينه فقال مالك والشافعي: هو موضع الحصر اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث أحصر في عام الحديبية، وقال أبو حنيفة: هو الحرم لقوله تعالى (ثم محلها إلى البيت العتيق) وأجيب عن ذلك بأن المخاطب به هو الآمن الذي يمكنه الوصول إلى البيت، وأجاب الحنفية عن نحره - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية بأن طرف الحديبية الذي إلى أسفل مكة هو من الحرم، ورد بأن المكان الذي

وقع فيه النحر ليس هو من الحرم. (فمن كان منكم مريضاً أو به أذىً من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) المراد بالمرض هنا ما يصدق عليه مسمى المرض لغة، والمراد بالأذى من الرأس ما فيه من قمل أو صداع أو جراح ونحو ذلك فمن حلق فعليه فدية. وقد بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة والنسك فثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى كعب بن عجرة وهو محرم وقمله يتساقط على وجهه فقال: يؤذيك هوام رأسك قال نعم، فأمره أن يحلق ويطعم ستة مساكين أو يهدي شاة أو يصوم ثلاثة أيام (¬1). وقد ذكر ابن عبد البر أنه لا خلاف بين العلماء أن النسك هنا هو شاة، وحكى عن الجمهور أن الصوم هنا ثلاثة أيام والإطعام لستة مساكين. وروي عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام والإطعام لعشرة مساكين، والحديث الصحيح المتقدم يرد عليهم ولبطل قولهم. وقد ذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وداود إلى أن الإطعام في ذلك مدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أي لكل مسكين، وقال الثوري: نصف صاع من بر أو صاع من غيره، وروي ذلك عن أبي حنيفة، قال ابن المنذر: وهذا غلط لأن في بعض أخبار كعب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: تصدق بثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين. واختلفت الرواية عن أحمد فروي عنه مثل قول مالك والشافعي، وروي عنه أنه إن أطعم براً فمد لكل مسكين، وإن أطعم تمراً فنصف صاع. واختلفوا في مكان هذه الفدية فقال عطاء ما كان من دم فبمكة وما كان ¬

(¬1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

من طعام أو صيام فحيث شاء، وبه قال أصحاب الرأي، وقال طاوس والشافعي: الإطعام والدم لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء وقال مالك ومجاهد: حيث شاء في الجميع، وهو الحق لعدم الدليل على تعيين المكان، وهذا الدم دم تخيير وتقدير. (فإذا أمنتم) أي برئتم من المرض، وقيل من خوفكم من العدو، على الخلاف السابق ولكن الأمن من العدو أظهر من استعمال أمنهم في ذهاب المرض، فيكون مقوياً لقول من قال أن قوله (فإن أحصرتم) المراد به الإحصار من العدو كما أن قوله فمن كان منكم مريضاً يقوي قول من قال بذلك لإفراد عذر المرض بالذكر، وقد وقع الخلاف هل المخاطب بهذا هم المحصرون خاصة أم جميع الأمة على حسب ما سلف. (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) يعني أن يحرم الرجل بعمرة ثم يقيم حلالاً بمكة إلى أن يحرم بالحج فقد استباح بذلك ما لا يحل للمحرم استباحته، وهو معنى تمتع واستمتع، ولا خلاف بين أهل العلم في جواز التمتع بل هو أفضل أنواع الحج عند أهل التحقيق. (فما استيسر من الهدي) وهو شاة يذبحها يوم النحر فلو ذبحها قبله بعد ما أحرم بالحج أجزأه عند الشافعي، ولا يجزئه ذبحه عند أبي حنيفة قبل يوم النحر، وهذا الدم دم ترتيب وتقدير كما ذكره ابن المقرىء. وقد اشتملت هذه الآيات على ثلاثة أنواع من أنواع الدم الواجب في النسك وبقي الرابع يذكر في المائدة في قوله (لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الآية وهو دم تخيير وتعديل، ويجب في شيئين صيد وشجر. (فمن لم يجد) الهدي إما لعدم المال أو لعدم الحيوان (فصيام ثلاثة أيام في) أيام (الحج) وهي من عند شروعه في الإحرام إلى يوم النحر، ومع ذلك يجوز ذبحه قبل الإحرام به على القاعدة من أن كل حق مالي تعلق بسببين جاز

تقديمه على ثانيهما، وقيل يصوم قبل يوم التروية يوماً ويوم التروية ويوم عرفة، وقيل ما بين أن يحرم بالحج إلى يوم عرفة، وقيل يصومهن من أول عشر ذي الحجة، وقيل ما دام بمكة، وقيل أنه يجوز أن يصوم الثلاث قبل أن يحرم. وقد جوز بعض أهل العلم صيام أيام التشريق لمن لم يجد الهدي، ومنعه آخرون وبه قال الشافعي. (وسبعة إذا رجعتم) أي إلى الأوطان والأهل، قال أحمد وإسحق: يجزئه الصوم في الطريق ولا يتضيق عليه الوجوب إلا إذا وصل وطنه، وبه قال الشافعي وقتادة والربيع ومجاهد وعطاء وعكرمة والحسن وغيرهم، وقال مالك إذا رجع من منى فلا بأس أن يصوم والأول أرجح. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: " فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " (¬1). فبين - صلى الله عليه وسلم - أن الرجوع المذكور في الآية هو الرجوع إلى الأهل، وثبت أيضاً في الصحيح من حديث ابن عباس بلفظ: " وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم "، وقيل إذا فرغتم من أعمال الحج، وبه قال أبو حنيفة، والأول أولى، وفيه التفات عن الغيبة. وإنما قال سبحانه (تلك عشرة كاملة) مع أن كل أحد يعلم أن الثلاثة والسبعة: عشرة لدفع أن يتوهم متوهم التخيير بين الثلاثة الأيام في الحج والسبعة إذا رجع، قاله الزجاج، وقال المبرد: ذكر ذلك ليدل على انقضاء العدد لئلا يتوهم متوهم أنه قد بقي منه شيء بعد ذكر السبعة، وقيل هو توكيد كما تقول كتبت بيدي، وقد كانت العرب تأتي بمثل هذه الفذلكة فيما دون هذا العدد. وقوله (كاملة) توكيد آخر بعد الفذلكة لزيادة التوصية بصيامها وأن لا ¬

(¬1) جزء من حديث رواه مسلم 1227/عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

ينقص من عددها، والمعنى كاملة يعني في الثواب والأجر يعني أن ثواب صيام العشرة كثواب الذبح لا ينقص شيئاً، وقيل كاملة في قيامها مقام الهدي. (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) الإشارة قيل هي راجعة إلى التمتع فيدل على أنه لا متعة لحاضري المسجد الحرام كما يقوله أبو حنيفة وأصحابه، قالوا: ومن تمتع منهم كان عليه دم وهو دم جناية لا يأكل منه، وقيل أنها راجعة إلى الحكم وهو وجوب الهدي أو الصيام على من تمتع فلا يجب ذلك على من كان من حاضري المسجد الحرام كما يقوله الشافعي ومن وافقه، والمراد من لم يكن ساكناً في الحرم، أو من لم يكن ساكناً في المواقيت فما دونها، على الخلاف في ذلك بين الأئمة. قال مالك: هم أهل مكة، وقال طاوس: هم أهل الحرم، وقال ابن جريج: هم أهل عرفة والرجيع وضجنان ونخلة، وقال الشافعي: من كان وطنه من مكة على أقل من مسافة القصر، وقال أبو حنيفة: هم أهل الميقات، والمواقيت ذو الحليفة والجحفة وقرن ويلملم وذات عرق، وقيل من تلزمه الجمعة فيه. قال السيوطي: والأهل كناية عن النفس أي نفس المحرم أي ذلك المحرم لم يكن هو نفسه حاضر المسجد الحرام، وهذا معنى سخيف والأولى ما قاله غيره. وحكى الرملي عن الطبري أن المراد بالأهل الزوجة والأولاد الذين تحت حجره دون الآباء والاخوة. (واتقوا الله) أي فيما فرض عليكم في هذه الأحكام، وقيل هو أمر بالتقوى على العموم وتحذير من شدة عقاب الله سبحانه (واعلموا أن الله) إظهار في موضع الإضمار لتربية المهابة في روع السامع (شديد العقاب) لمن خالف أمره وتهاون بحدوده وارتكب مناهيه، وهو من باب إضافة الصفة المشبهة إلى مرفوعها.

197

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) (الحج أشهر معلومات) أي وقت الحج أشهر أو وقت عمل الحج، وقيل التقدير الحج في أشهر، وقيل غير ذلك. وقد اختلف في الأشهر المعلومات فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري: هي شوال وذو القعدة، وذو الحجة كله، وبه قال مالك. وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي: هي شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم وقد روي أيضاً عن مالك. وتظهر فائدة الخلاف فيما وقع من أعمال الحج بعد يوم النحر فمن قال أن ذا الحجة كله من الوقت قال لم يلزمه دم التأخير، ومن قال ليس إلا العشر منه قال يلزمه دم التأخير. وقد استدل بهذه الآية من قال أنه لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وهو عطاء وطاوس ومجاهد والأوزاعي والشافعي وأبو ثور، قالوا: فمن أحرم بالحج قبلها أحل بالعمرة ولا يجزئه عن إحرام الحج كمن دخل في صلاة قبل وقتها فلا تجزئه، وقال أحمد وأبو حنيفة أنه مكروه فقط، وروي نحوه عن مالك والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة من غير كراهة، وروي مثله عن أبي حنيفة.

وعلى هذا القول ينبغي أن ينظر في فائدة توقيت الحج بالأشهر المذكورة في الآية، وقد قيل أن النص عليها لزيادة فضلها، وقد روي القول بجواز الإحرام في جميع السنة عن إسحاق بن راهويه وإبراهيم النخعي والثوري والليث بن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج) فجعل الأهلة كلها مواقيت للحج، ولم يخص الثلاثة الأشهر، ويجاب بأن هذه الآية عامة وتلك خاصة والخاص مقدم على العام. ومن جملة ما احتجوا به القياس للحج على العمرة فكما يجوز الإحرام للعمرة في جميع السنة كذلك يجوز للحج، ولا يخفى أن هذا القياس مصادم للنص القرآني فهو باطل. والحق ما ذهب إليه الأولون إن كانت الأشهر المذكورة في قوله (الحج أشهر) مختصة بالثلاثة المذكورة بنص أو إجماع، فإن لم يكن كذلك فالأشهر، جمع شهر، وهو من جموع القلة يتردد ما بين الثلاثة إلى العشرة والثلاثة هي المتيقنة فيجب الوقوف عندها. ومعنى معلومات أن الحق في السنة مرة واحدة في أشهر معلومات من شهورها ليس كالعمرة، أو المراد معلومات ببيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو معلومات عند المخاطبين لا يجوز التقدم عليها ولا التأخر عنها. (فمن فرض) على نفسه (فيهن الحج) أي أوجبه عليها وألزمه إياها، وأصل الفرض في اللغة الحز والقطع، ومنه فرضة القوس والنهر والجبل، ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقوس، وقيل معنى فرض أبان وهو أيضاً يرجع إلى القطع لأن من قطع شيئاً فقد أبانه عن غيره. وقال ابن مسعود: الفرض الإحرام، وقال ابن الزبير: الإهلال، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، والمعنى في الآية فمن ألزم نفسه وأوجب

عليها فيهن الحج بالشروع فيه بالنية قصداً باطناً، وبالإحرام فعلاً ظاهراً وبالتلبية نطقاً مسموعاً، وقال أبو حنيفة إن إلزامه نفسه يكون بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه، وقال الشافعي: تكفي النية في الإحرام بالحج. (فلا رفث) قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك هو الجماع، وفي رواية عن ابن عباس هو غشيان النساء والتقبيل والغمز، وقال ابن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم: الرفث الإفحاش بالكلام والخنا، والقول القبيح، وعلى هذا التلفظ به في غيبة النساء يكون رفثاً، وقال أبو عبيدة الرفث اللغا من الكلام. (ولا فسوق) أصله الخروج عن حدود الشرع وعن الطاعة، وقيل هو الذبح للأصنام، وقيل التنابز بالألقاب، وقيل السباب، وقال ابن عمر: هو ما نهى عنه المحرم في حال الإحرام من قتل الصيد وتقليم الأظفار وأخذ الشعر وما أشبه ذلك. والظاهر أنه لا يختص بمعصية متعينة، وإنما خصصه من خصصه بما ذكر باعتبار أنه قد أطلق على ذلك الفرد اسم الفسوق كما قال سبحانه في الذبح للأصنام (أو فسقاً أهل لغير الله به) وقال في التنابز (بئس الاسم الفسوق) وقال - صلى الله عليه وسلم - " سباب المسلم فسوق " (¬1) ولا يخفى على عارف أن إطلاق اسم الفسوق على فرد من أفراد المعاصى لا يوجب اختصاصه به. (ولا جدال) مشتق من الجدل وهو الفتل، والمراد به هنا المماراة وقيل السباب، وقيل الفخر بالآباء، والظاهر الأول ومعنى النفي لهذه الأمور والنهي عنها. ¬

(¬1) رواه مسلم/64 وتتمته وقتاله كفر.

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرفث التعريض للنساء بالجماع، والفسوق المعاصي كلها والجدال جدال الرجل صاحبه، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين بعبارات مختلفة. قال ابن عباس: الجدال هو المراء، قيل هو قول الرجل: الحج اليوم، ويقول آخر الحج غداً، وقيل هو ما كان عليه أهل الجاهلية كان بعضهم يقف بعرفة وبعضهم بمزدلفة وبعضهم يحج في ذي القعدة وبعضهم في ذي الحجة، وكل يقول الصواب فيما فعلته، فأخبر الله أنه أمر الحج قد استقر على ما فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا خلاف فيه بعده. (في الحج) أي في أيامه ونكتة الإظهار كمال الإعتناء بشأنه والإشعار بعلة الحكم، فإن زيارة البيت المعظم والتقرب بها من موجبات ترك الأمور المذكورة، وإيثار النفي للمبالغة في النهي، والدلالة على أن ذلك حقيق بأن لا يقع، فإن ما كان منكراً مستقبحاً في نفسه ففي خلال الحج أقبح كلبس الحرير في الصلاة لأنه خروج عن مقتضى الطبع والعادة إلى محض العبادة. ظاهر الآية في الثلاثة خبر ومعناه نهي، وإنما نهى عن ذلك وإن كان اجتنابها في كل الأحوال والأزمان واجباً لأنها في الحج أسمج وأفظع منه في غيره، وقيل معناه ولا شك في الحج أنه في ذي الحجة فأبطل النسىء. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " (¬1) أخرجه البخاري ومسلم. (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) حث على الخير بعد ذكر الشر، وعلى ¬

(¬1) رواه مسلم/1350 وبرواية من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه.

الطاعة بعد ذكر المعصية، وهو أن يستعملوا مكان الرفث الكلام الحسن، ومكان الفسوق البر والتقوى، ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة، وفيه أن كل ما يفعلونه من ذلك فهو معلوم عند الله لا يفوت منه شيء. (وتزودوا) ما يبلغكم لسفركم (فإن خير الزاد التقوى) أي ما يتقى به سؤال الناس وغيره، فيه الأمر باتخاذ الزاد لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحج بيت ربنا ولا يطعمنا فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون نحن متوكلون على الله سبحانه ثم يقدمون فيسألون الناس ويكونون كَلاَّ عليهم، فأنزل الله هذه الآية، أخرجه عبد بن حميد والبخاري أبو داود والنسائي وغيرهم عن ابن عباس، وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك. قال ابن الجوزي: قد لبَّس إبليس على قوم يدعون التوكل فخرجوا بلا زاد، وظنوا أن هذا هو التوكل، وهم على غاية من الخطأ. وقيل المعنى تزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة فإن خير الزاد التقوى، والأول أرجح كما دل عليه سبب نزول الآية، وفيه إخبار بأن خير الزاد اتقاء المنهيات، فكأنه قال اتقوا الله في إتيان ما أمركم به من الخروج بالزاد فإن خيره التقوى، وقيل المعنى فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من التهلكة والحاجة إلى السؤال والتكفف. (واتقون) أي وخافوا عقابي. وقيل اشتغلوا بتقواي، وفيه تنبيه على كمال عظمة الله جل جلاله (يا أولي الألباب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حث جميع العباد على التقوى، لأن أرباب الألباب والعقول هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولب كل شيء خالصه.

198

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فيه الترخيص لمن حج في التجارة ونحوها من الأعمال التي يحصل بها شيء من الرزق، وهو المراد بالفضل هنا، ومنه قوله تعالى (فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) أي لا إثم عليكم في أن تبتغوا في مواسم الحج رزقاً ونفعاً وهو الربح في التجارة مع سفركم لتأدية ما افترضه عليكم من الحج، نزل رداً لكراهتهم ذلك. والحق أن الإذن في هذه التجارة جار مجرى الرخص وتركها أولى لقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والإخلاص هو أن لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه عبادة. (فإذا أفضتم من عرفات) يقال فاض الإناء إذا امتلأ ماء حتى ينصب من نواحيه، ورجل فياض أي مندفعة يده بالعطاء، ومعناه أفضتهم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا، وعرفات اسم لتلك البقعة كأذرعات أي موضع الوقوف، وعرفة اسم اليوم وسميت عرفات لأن الناس يتعارفون فيها، وقيل لأن آدم التقى هو وحواء فيها فتعارفا، وقيل غير ذلك. قال ابن عطية: والظاهر أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع إلا على القول بأن أصله جمع، واستدل بالآية على وجوب الوقوف بعرفة لأن الإفاضة لا تكون إلا بعده ولا يتم الحج إلا به، ووقت الإفاضة من عرفات بعد غروب

الشمس، فإذا غربت دفع منها وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بمزدلفة. (فاذكروا الله) المراد بذكر الله هنا دعاؤه ومنه التلبية والتكبير أي اذكروه لذاته من غير ملاحظة نعمه، لأنه تعالى يستحق الحمد من حيث ذاته ومن حيث إنعامه على خلقه، فحصلت المغايرة بين هذا وقوله (واذكروه كما هداكم) وقيل المراد بالذكر صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة جمعاً، وقد أجمع أهل العلم على أن السنة أن يجمع الحاج بينهما فيها. (عند المشعر الحرام) سمى مشعراً من الشعار وهو العلامة، والدعاء عنده من شعائر الحج ووصف بالحرام لحرمته من التحريم وهو المنع، فهو ممنوع من أن يفعل فيه ما لم يؤذن فيه، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم وقف به يذكر الله ويدعو حتى أسفر جداً، رواه مسلم أي دخل في السفر بفتحتين وهو بياض النهار، قاله الشوبري، والمشعر هو جبل قزح الذي يقف عليه الإمام، وقيل هو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادى محسر. (واذكروه) ذكراً حسناً (كما هداكم) هداية حسنة، وكرر الأمر بالذكر تأكيداً، وقيل الأول أمر بالذكر عند المشعر الحرام، والثاني أمر بالذكر على حكم الإخلاص، وقيل المراد بالثاني تعديد النعمة عليهم والكاف للتعليل. (وإن كنتم من قبله لمن الضالين) الضمير في قبله عائد إلى الهدى، وقيل إلى القرآن، وقيل إلى الرسول، والضالين الجاهلين بالإيمان والطاعة قاله الخطيب، وقيل جاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.

199

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) فيه الخطاب للحمس من قريش لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة وهي من الحرم، فأمروا بذلك. وقد ورد في هذا المعنى روايات عن الصحابه والتابعين عند البخاري ومسلم وغيرهما، وعلى هذا يكون ثم لعطف جملة بمعنى الواو لا للترتيب، وقيل الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس " إبراهيم " أي أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم فيحتمل أن يكون أمراً لهم بالإضافة من عرفة، ويحتمل أن تكون إفاضة أخرى وهي التي من مزدلفة، وعلى هذا يكون " ثم " على بابها للترتيب في الذكر لا في الزمان الواقع فيه الأعمال، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير الطبري وهو الذي يقتضيه ظاهر القرآن. (واستغفروا الله) أي من مخالفتكم في الموقف ولجميع ذنوبكم، وإنما أمروا بالاستغفار لأنهم في مساقط الرحمة، ومواطن القبول، ومظنات الإجابة، وقيل أن المعنى استغفروا للذي كان مخالفاً لسنة إبراهيم وهو وقوفكم بالمزدلفة دون عرفة، وقد وردت أحاديث كثيرة في المغفرة لأهل عرفة ونزول الرحمة عليهم وإجابة دعائهم (¬1). (إن الله غفور رحيم) أي ساتر لذنوب عباده برحمته، وفيه دليل على أنه يقبل التوبة من عباده التائبين ويغفر لهم. ¬

(¬1) منها: أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له. ومنها: ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عدداً من النار من يوم عرفة. ومنها: ما رؤى الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة.

فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)

200

(فإذا قضيتم مناسككم) المراد بالمناسك أعمال الحج، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " خذوا عني مناسككم " أي فإذا فرغتم من أعمال الحج، وقيل المراد بها الذبائح وذلك بعد رمي جمرة العقبة والاستقرار بمنى. (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً) إنما قال سبحانه ذلك لأن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم يقفون عند الجمرة، وقيل عند البيت فيذكرون مفاخر آبائهم ومناقب أسلافهم بالمنثور والمنظوم من الكلام الفصيح، وغرضهم بذلك الشهرة والسمعة والرفعة، فلما من الله عليهم بالإسلام أمرهم بذكره مكان ذلك الذكر، ويجعلونه ذكراً مثل ذكرهم لآبائهم أو أشد من ذكرهم لآبائهم، والذكر له بالتمجيد والتحميد والتهليل والتسبيح والتكبير والثناء عليه، وقيل أو بمعنى الواو أي وأكثروا ذكر الله تعالى من ذكركم للآباء لأنه هو المنعم عليكم وعلى آبائكم فهو المستحق للذكر والحمد مطلقاً. (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق) لما أرشد سبحانه عباده إلى ذكره وكان الدعاء نوعاً من نواع الذكر جعل من يدعوه منقسماً إلى قسمين: أحدهما يطلب حظ الدنيا ولا يلتفت إلى حظ الآخرة، والقسم الآخر يطلب الأمرين جميعاً، والخلاق النصيب أي ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها.

وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا والذم لمن جعلها غاية رغبته ومعظم مقصوده. عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش " أخرجه البخاري، وهذا دعاء عليه بالهلاك. وفي الباب أحاديث كثيرة وإنما كان سؤال المشركين للدنيا ولم يطلبوا التوبة والمغفرة ونعيم الآخرة لأنهم كانوا ينكرون البعث.

201

(ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) قد اختلف في تفسير الحسنتين المذكورتين في الآية فقيل هما ما يطلبه الصالحون في الدنيا من العافية وما لابد منه من الرزق، وما يطلبونه في الآخرة من نعيم الجنة والرضا، وقيل المراد بحسنة الدنيا الزوجة الحسناء، وبحسنة الآخرة الحور العين، وقيل حسنة الدنيا العلم والعبادة وحسنة الآخرة الجنة وقيل الأولى العمل الصالح والثانية المغفرة والثواب، وقيل من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلاً ومالاً فقد أوتي فيهما حسنة، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره. (¬1) قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل العلم أن المراد بالحسنتين نعيم الدنيا والآخرة قال وهذا هو الصحيح فإن اللفظ يقتضي هذا كله، فإن " حسنة " نكرة في سياق الدعاء فهو محتمل لكل حسنة من الحسنات على البدل، وحسنة الآخرة الجنة بإجماع انتهى. ¬

(¬1) وقال القرطبي: قال ابن عباس: إن عند الركن ملكاً قائماً منذ خلق الله السموات والأرض يقول آمين فقولوا: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) القرطبي 2/ 434.

أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)

202

(أولئك) إشارة إلى الفريق الثاني فقط (لهم نصيب مما) أي من جنس ما (كسبوا) من الأعمال أي من ثوابها ومن جملة أعمالهم الدعاء فما أعطاهم بسببه من الخير فهو مما كسبوا، وقيل معناه من أجل ما كسبوا وهو بعيد، وقيل قوله أولئك إشارة إلى الفريقين جميعاً أي للأولين نصيب من الدنيا ولا نصيب لهم في الآخرة وللآخرين نصيب مما كسبوا في الدنيا والآخرة (والله سريع الحساب) الحساب مصدر كالمحاسبة وأصله العدد والمراد هنا المحسوب سمي حساباً تسمية للمفعول بالمصدر. والمعنى أن حسابه لعباده في يوم القيامة سريع مجيئه فبادروا ذلك بأعمال الخير أو أنه وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وأعمالهم ليدل ذلك على كمال قدرته، لأنه تعالى لا يشغله شأن عن شأن ولا يحتاج إلى آلة ولا إمارة ولا مساعدة فيحاسبهم في حالة واحدة كما قال تعالى (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة). وقال السيوطي: يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف من نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك انتهى. وهذا تمثيل للسرعة لا تعيين لمقدار زمن الحساب، وقيل معناه أن الله يعلم العباد ما لهم وما عليهم، وهذا أبعد، وقيل المحاسبة المجازاة ويدل عليه قوله (فحاسبناها حساباً شديداً) وقيل معناه أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابه لهم، وقيل معنى الآية أن إتيان القيامة قريب لا محالة. وفيه إشارة إلى المبادرة بالتوبة والذكر وسائر الطاعات وطلب الآخرة.

203

(واذكروا الله) يعني بالتوحيد والتعظيم والتكبير في أدبار الصلوات وعند رمي الجمرات، فقد ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر مع كل حصاة، والخطاب للحاج وغيره كما ذهب إليه الجمهور، وقيل هو خاص بالحاج. (في أيام معدودات) قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة، وهي أيام رمي الجمار، أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة وهو مذهب الشافعي، وبه قال ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة. وقال إبراهيم: الأيام المعدودات أيام العشر، والأيام المعلومات أيام النحر، وكذا روي عن مكي والمهدوي، قال القرطبي: ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر ابن عبد البر وغيره. عن أبي يوسف: الأيام المعلومات أيام النحر، قال لقوله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وقال محمد بن الحسن: هي أيام النحر الثلاثة يوم الأضحى ويومان بعده وهو قول علي، وروي عن ابن عمر، وهو مذهب أبي حنيفة. قال الكيا الطبري: فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف، وروي عن مالك أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده، فيوم النحر معلوم غير معدود، واليومان بعده معلومان معدودان. واليوم الرابع معدود لا معلوم، وهو مروي عن ابن عمر. قال ابن زيد: الأيام المعلومات عشر ذو الحجة وأيام التشريق.

وأجمع العلماء على أن المراد بهذا هو التكبير عند رمي الجمرات مع كل حصاة يرمي بها في جميع أيام التشريق، وهو سنة بالاتفاق، وعن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله تعالى (¬1)، رواه مسلم، ومن الذكر في هذه الأيام التكبير. وروى البخاري عن ابن عمر أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام وخلف الصلوات وعلى فراشه وفي فسطاطه وفي مجلسه وفي ممشاه في تلك الأيام جميعاً. وقد اختلف أهل العلم في وقته فقيل من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير على هذا في ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول علي بن أبي طالب ومكحول، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقيل من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر النحر، وبه قال أبو حنيفة وابن مسعود، وعلى هذا يكون التكبير في ثمان صلوات، وقيل من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وبه قال مالك والشافعي فيكون التكبير على هذا في خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، ولفظ التكبير عند الشافعي الله أكبر ثلاثاً نسقاً وعند أهل العراق مرتين. (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) اليومان هما يوم ثاني النحر ويوم ثالثه من أيام التشريق، قال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي من رمى في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج. فمعنى الآية كل ذلك مباح، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماماً وتأكيداً لأن من العرب من كان يذم التعجل، ومنهم من كان يذم التأخر، فنزلت الآية ¬

(¬1) رواه مسلم/1141.

رافعة للجناح في كل ذلك. وقال علي وابن مسعود: معنى الآية من تعجل فقد غفر له، ومن تأخر فقد غفر له. والآية قد دلت على أن التعجل والتأخر مباحان ولا بد من ارتكاب مجاز في قوله (يومين) من حيث أنه جعل الواقع في أحدهما واقعاً فيهما كقوله (نسيا حوتهما) ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (وجعلا له شركاء فيما آتاهما) والناسي أحدهما وكذلك المخرج منه، والجاعل له أحدهما أو من حيث حذف المضاف أي في ثاني يومين والأول أولى. (¬1) (لمن اتقى) أي أن ذلك التخيير ورفع الإثم ثابت لمن اتقى، لأن صاحب التقوى يحترز عن كل ما يريبه، فكان أحق بتخصيصه بهذا الحكم، قال الأخفش: التقدير ذلك لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي، وقيل لمن اتقى قتل الصيد، وقيل معناه السلامة لمن اتقى، وقيل أي الذكر لمن اتقى في حجه لأنه الحاج في الحقيقة. (واتقوا الله) أي في المستقبل (واعلموا أنكم إليه تحشرون) فيجازيكم بأعمالكم، وفيه حث على التقوى، وهو عبارة عن فعل الواجبات وترك المحظورات. ¬

(¬1) وقد روى القرطبي عن النخعي والحسن أنهما قالا: من أدركه العصر وهو غني من اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد. وروى الدارقطني 2/ 300 عن أبي سعيد الخدري: قلنا يا رسول الله هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فحسب أنها تنقص فقال: إنه ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها مثل الجبال.

204

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا) أي يروقك وتستحسنه ويعظم في قلبك حلاوة كلامه مما يتعلق بأمر الدنيا، والإعجاب استحسان الشيء والميل إليه والتعظيم له. وقال الراغب: العجب حيرة تعرض للإنسان بسبب الشيء، وليس هو شيئاً له في ذاته حالة حقيقية بل هو بحسب الإضافات إلى من يعرف السبب ومن لا يعرفه، وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهوراً لم أعرف سببه انتهى. لما ذكر سبحانه طائفتي المسلمين بقوله (ومن الناس من يقول) عقب ذلك بذكر طائفة المنافقين وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، وقيل إنها نزلت في قوم من المنافقين، وقيل إنها نزلت في كل من أضمر كفراً أو نفاقاً أو كذباً وأظهر بلسانه خلافه. (ويشهد الله على ما في قلبه) أي أنه يحلف على ذلك فيقول إني بك مؤمن ولك محب أو يقول الله يعلم أني أقول حقاً وأني صادق في قولي لك، أو أن ما في قلبي موافق لقولي (وهو ألد الخصام) أي شديد الخصومة يقال رجل ألد، وامرأة لداء، والخصام مصدر خاصم قاله الخليل؛ وقيل جمع خصيم قاله الزجاج. والمعنى أنه أشد المخاصمين خصومة لكثرة جداله وقوة مراجعته، والإضافة بمعنى في، أي ألد في الخصام أو جعل الخصام ألد على المبالغة أي شديد الجدال في الباطل؛ وهو كاذب القول؛ وقيل شديد القسوة في المعصية يتكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة؛ وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم (¬1)؛ أخرجه البخاري ومسلم. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 39.

وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)

205

(وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها) أي إذا أدبر وذهب عنك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل أنه ضل وغضب، وقيل أنه بمعنى الولاية أي إذا كان والياً بفعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض، والسعي يحتمل أن يكون المراد به السعي بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض كقطع الطريق وقطع الأرحام وحرب المسلمين وسفك دمائهم، ويحتمل أن يكون المراد به العمل في الفساد وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين كالتدبير على المسلمين بما يضرهم وأعمال الحيل عليهم؛ وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه أو حواسه يقال له سعي وهذا هو الظاهر من هذه الآية. (ويهلك الحرث والنسل) من عطف الخاص على العام فإن الفساد أعم من ذلك فيشمل سفك الدماء ونهب الأموال وغير ذلك، والمراد بالحرث الزرع والنسل الأولاد، وقيل الحرث النساء، قال الزجاج: وذلك لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة ووقوع القتال وفيه هلاك النسل. وقال مجاهد: الحرث نبات الأرض، والنسل نسل كل شيء من الحيوان الناس والدواب، وعنه أيضاً قال: معنى الآية يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان والظلم فيحبس الله بذلك القطر من السماء فيهلك بحبس القطر الحرث والنسل. وقال ابن عباس: نسل كل دابة، وأصل الحرث في اللغة الشق ومنه المحراث لما يشق به الأرض، والحرث كسب المال وجمعه، وأصل النسل في اللغة الخروج والسقوط ومنه نسل الشعر، ومنه (أيضاً إلى ربهم ينسلون)، (ومن

كل حدب ينسلون)، ويقال لما خرج من كل أنثى نسل لخروجه منها. (والله لا يحب الفساد) يشمل كل نوع من أنواعه من غير فرق بين ما فيه فساد الدين وما فيه فساد الدنيا، واحتجت المعتزلة بهذه الآية على أن المحبة عبارة عن الإرادة، وأجيب عنه بأن الإرادة معنى غير المحبة فإن الإنسان قد يريد شيئاً ولا يحبه كالدواء المر يتناوله ولا يحبه، فبان الفرق بينهما، وقيل أن المحبة مدح الشيء وتعظيمه، والإرادة بخلاف ذلك.

206

(وإذا قيل له) أي على سبيل النصيحة وهي مستأنفة أو معطوفة على يعجبك (اتق الله) أي خف الله في سرك وعلانيتك (أخذته العزة بالإثم العزة القوة والغلبة، من عزه يعزه إذا غلبه ومنه (وعزني في الخطاب) وقيل العزة هنا الحمية والأنفة وقيل المنعة وشدة النفس. والمعنى حملته العزة على فعل الإثم، من قولك أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه، قاله الزمخشري، وقيل أخذته العزة بما يؤثمه أي ارتكب الكفر للعزة، ومنه (بل الذين كفروا في عزة وشقاق) وقيل الباء في قوله بالإثم بمعنى اللام أي أخذته الحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه وهو النفاق، وقيل الباء بمعنى مع أي أخذته العزة مع الإثم، وقيل للسببية أي إن إثمه كان سبباً لأخذ العزة له. وفي هذه الآية التتميم، وهو نوع من علم البديع وهو عبارة عن إرداف الكلمة بأخرى ترفع عنها اللبس وتقربها إلى الفهم، وذلك أن العزة تكون محمودة ومذمومة، فمن مجيئها محمودة قوله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فلو أطلقت لتوهم فيها بعض من لا دراية له أنها المحمودة فقيل (بالإثم) توضيحاً للمراد، فرفع اللبس به، قاله السمين. قال ابن مسعود: إن من أكبر الذنوب عند الله أن يقول الرجل لأخيه اتق الله فيقول عليك بنفسك أنت تأمرني، وعن سفيان قال: قال رجل لمالك ابن مغول اتق الله فسقط فوضع خده على الأرض تواضعاً لله.

(فحسبه جهنم) أي كافيه معاقبة وجزاء كما تقول للرجال كفاك ما حل بك، وأنت تستعظم عليه ما حل به وحسب اسم فاعل، وقيل اسم فعل (ولبئس المهاد) جمع المهد وهو الموضع المهيأ للنوم ومنه مهد الصبي، وقيل اسم مفرد سمى به الفراش الموطأ للنوم وسميت جهنم مهاداً لأنها مستقر الكفار، وقيل المعنى أنها بدل لهم من المهاد كقوله (فبشرهم بعذاب أليم) وقال مجاهد: بئسما مهدوا لأنفسهم، وقال ابن عباس: بئس المنزل وهذا من باب التهكم والاستهزاء.

207

(ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) يشري بمعنى يبيع أي يبيع نفسه في مرضاة الله كالجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال قتادة: هم المهاجرون والأنصار، ومثله قوله تعالى (وشروه بثمن بخس) وأصله الاستبدال ومنه قوله (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) والمرضاة الرضا، قال ابن عباس: نزلت في سرية الرجيع وكانت بعد أحد، وفي البخاري تمام قصته عن حديث أبي هريرة فإن شئت فارجع إليه. (والله رؤوف بالعباد) وجه ذكر الرأفة هنا أنه أوجب عليهم ما أوجبه ليجازيهم ويثيبهم عليه، فكان ذلك رأفة لهم ولطفاً بهم، ومن رأفته أن جعل النعيم الدائم في الجنة جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته أنه يقبل توبة عبده وأنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن المصر على الكفر ولو مائة سنة إذا تاب ولو لحظة أسقط عنه عقاب تلك السنين وأعطاه الثواب الدائم. ومن رأفته أن نفس العباد وأموالهم له ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه ورحمة وإحساناً. وهذه أربعة أقسام اشتملت عليها تلك الآيات الكريمات أولها راغب في الدنيا فقط ظاهراً وباطناً، والثاني راغب فيها وفي الآخرة كذلك، والثالث راغب في الآخرة وفي الدنيا باطناً، والرابع راغب في الآخرة ظاهراً وباطناً معرض عن الدنيا كذلك.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208) فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209)

208

(يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) لما ذكر سبحانه أن الناس ينقسمون إلى ثلاث طوائف مؤمنين وكافرين ومنافقين، أمرهم بعد ذلك ما يكون على ملة واحدة، وإنما أطلق على الثلاث الطوائف لفظ الإيمان لأن أهل الكتاب مؤمنون بنبيهم وكتابهم، والمنافق مؤمن بلسانه وإن كان غير مؤمن بقلبه، والسلم بفتح السين وكسرها، قال الكسائي: معناهما واحد، وكذا عند البصريين وهما جميعاً يقعان للإسلام والمسالمة. وقال أبو عمرو بن العلاء: أنه بالفتح للمسالمة وبالكسر للإسلام، وأنكر البرد هذه التفرقة. وقال الجوهري: السلم بفتح السين ويكسر ويذكر ويؤنث أصله من الاستسلام والانقياد، ورجح الطبري أنه هنا بمعنى الإسلام، وقد حكى البصريون في سلم وسلم أنها بمعنى واحد، (وكافة) حال من السلم أو من ضمير المؤمنين فمعناه على الأول لا يخرج منكم أحد، وعلى الثاني لا يخرج من أنواع السلم شيء بل ادخلوا فيها جميعا أي في خصال الإسلام، وهو مشتق من قولهم كففت أي منعت أي لا يمتنع منكم أحد من الدخول في الإسلام، والكف المنع، والمراد به هنا الجميع. (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي لا تسلكوا الطريق التي يدعوكم إليها الشيطان، وقيل لا تلتفتوا إلى الشبهات التي تلقيها إليكم أصحاب الضلاله والغواية والأهواء المضلة لأن من تبع سنة إنسان فقد اتبع أثره، وقد

تقدم الكلام على خطوات. (إنه لكم عدو مبين) يعني الشيطان وأنه يحاول إيصال الضرر والبلاء إلينا، وأن الله بيَّن عداوته ما هي، فكأنه مبين وإن لم يشاهد، وهذا البيان بالنسبة لمن أنار الله قلبه، وأما غيره فهو حليف له.

209

(فإن زللتم) أي تنحيتم عن طريق الاستقامة، وأصل الزلل في القدم ثم استعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك، يقال زل يزل زلاً، وزلولاً أي دحضت قدمه، والمعنى فإن ملتم وضللتم وأشركتم وعرجتم عن الحق. (من بعد ما جاءتكم البينات) أي بالحجج الواضحة والبراهين الصحيحة على أن الدخول في الإسلام هو الحق (فاعلموا أن الله عزيز) غالب لا يعجزه شيء عن الانتقام (حكيم) لا ينتقم إلا لحق، وفي الآية وعيد وتهديد لمن في قلبه شك ونفاق أو عنده شبهة في الدين. (¬1) ¬

(¬1) حكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن. فأقرأه الذي كان يعلمه (فاعلموا أن الله غفور رحيم). فقال كعب: إني لأستنكر أن يكون هكذا. ومر بهما رجل فقال كعب: كيف تقرأ هذه الآية. فقال الرجل: (فاعلموا أن الله عزيز حكيم). فقال كعب: هكذا ينبغي. في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210) سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212)

210

(هل ينظرون) استفهام إنكاري أي ينتظرون يقال نظرته وانتظرته بمعنى، والمراد هل ينتظر الزالون التاركون للدخول في الإسلام والمتبعون خطوات الشيطان، فهو التفات إلى الغيبة للإيذان بأن سوء صنيعهم موجب للإعراض عنهم، وحكاية جنايتهم لما عداهم من أهل الإنصاف على طريق الإهانة. (إلا أن يأتيهم الله) بما وعدهم من الحساب والعذاب، استثناء مفرغ من مقدر أي ليس لهم شيء ينتظرونه إلا إتيان العذاب، وهذا مبالغة في توبيخهم (في ظلل) جمع ظلة وهي ما يظلك، وقال الأخفش: وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعاً إلى الجزاء فسمى الجزاء إتياناً كما سمى التخويف والتعذيب في قصة ثمود إتياناً فقال (فأتى الله بنيانهم من القواعد) وقال في قصة النضير (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا). وإنما احتمل الإتيان هذا لأن أصله عند أهل اللغة القصد إلى الشيء، فمعنى الآية هل ينظرون إلا أن يظهر الله فعلاً من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى محاربتهم وقيل أن المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه، وقيل أن قوله (في ظلل) بمعنى بظلل، وقيل المعنى يأتيهم ببأسه في ظلل.

(من الغمام) يعني السحاب الرقيق الأبيض، سمي بذلك لأنه يغم أي يستر، ووجه إتيان العذاب في الغمام على تقدير أن ذلك هو المراد ما في مجيء الخوف من محل الأمن من الفظاعة وعظم الموقع، لأن الغمام مظنة الرحمة لا مظنة العذاب، وهذا أبلغ في تبكيتهم وتخويفهم. أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياماً شاخصة أبصارهم إلى السماء ينظرون فصل القضاء، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي (¬1) ". وعن ابن عمر قال: يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتاً تنخلع له القلوب. وعن ابن عباس: يأتي الله يوم القيامة في ظلل من السحاب قد قطعت طاقات. والتقدير في ظلل كائنة من الغمام، " ومن " على هذا للتبعيض أو من ناحية الغمام، وهي على هذا لابتداء الغاية. (والملائكة) أي وتأتيهم الملائكة فإنهم وسائط في إتيان أمره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة، وقرىء بالجر عطفاً على ظلل أو على الغمام فتوصف الملائكة بكونها ظللاً على التشبيه، وقال عكرمة: والملائكة حوله، وقيل حول الغمام، وقيل حول الرب تعالى. وهذه من آيات الصفات وللعلماء فيها وفي أحاديث الصفات مذهبان: ¬

(¬1) أبو داود كتاب الصلاة باب 163.

أحدهما الإيمان والتسليم لما جاء في آيات الصفات وأحاديثها ووجوب الاعتقاد بظاهرها والإيمان بها كما جاءت، وإحالة علمها إلى الله تعالى، مع تنزيهه سبحانه عن التشبيه والتمثيل والتحريف والتبديل والتعطيل، وهو قول سلف هذه الأمة وأئمتها، قال الكلبي: هذا من الذي لا يفسر، وكان ابن عُيَينة والزهري والأوزاير ومالك وابن المبارك والثوري والليث بن سعد وأحمد ابن حنبل وإسحق بن راهويه يقولون في هذه الآية وأمثالها اقرؤها كما جاءت بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تعطيل، هذا مذهب أعلام أهل السنة ومعتقد سلف الأمة، وأنشد بعضهم في المعنى. عقيدتنا أن ليس مثل صفاته ... ولا ذاته شيء، عقيدة صائب نسلم آيات الصفات بأسرها ... وإجراءها للظاهر المتقارب ونؤيس عنها كنه فهم عقولنا ... وتأويلنا فعل اللبيب المغالب ونركب للتسليم سفناً فإنها ... لتسليم دين المرء خير المراكب (والثاني) التأويل لها بما يناسب تنزيهه سبحانه وتعالى عندهم وهو قول جمهور علماء المتكلمين وأصحاب النظر كما قالوا في هذه الآية مجيء الله هو مجيء الآيات أو مجيء أمر الله أو عذاب الله، فأنكروا إمرار الصفات على ظاهرها وإجرائها على ما أراد الله، وهذا خلاف ما عليه سلف الأمة وأئمتها، وقد أوضحنا ذلك في كتابينا الانتقاد الرجيح وبغية الرائد بما لا يحتاج الناظر فيهما إلى غيرهما. (وقضي الأمر) عطف على يأتيهم داخل في حيز الانتظار، وإنما عدل إلى صيغة الماضي دلالة على تحققه فكأنه قد كان، أو جملة مستأنفة جيء بها للدلاله على أن مضمونها واقع لا محالة أي وفرغ من الأمر الذي هو إهلاكهم، قال عكرمة: قضي الأمر أي قامت الساعة. (وإلى الله ترجع الأمور) أي أمور العباد في الآخرة لا إلى غيره، والمراد

من هذا إعلام الخلق أنه المجزي على الأعمال بالثواب والعقاب.

211

(سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة) المأمور بالسؤال هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويجوز أن يكون هو كل فرد من السائلين، وهو سؤال تقريع وتوبيخ، والمسؤول عنهم يهود المدينة، وكم إما استفهامية للتقرير أو خبرية للتكثير، والآية هي البراهين التي جاء بها أنبياؤهم في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل المراد بذلك الآيات التي جاء بها موسى وهي تسع، قال أبو العالية: آتاهم الله آيات بينات عصا موسى ويده وأقطعهم البحر، وأغرق عدوهم وهم ينظرون وظللاً من الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى. (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته) المراد بالنعمة هنا ما جاءهم من الآيات، وقال ابن جرير الطبري: النعمة هنا الإسلام، والظاهر دخول كل نعمة أنعم الله بها على كل عبد من عباده كائناً من كان، فوقع منه التبديل لها، وعدم القيام بشكرها. ولا ينافي ذلك كون السياق في بني إسرائيل، أو كونهم السبب في النزول، لما تقرر من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (فإن الله شديد العقاب) فيه من الترهيب والتخويف ما لا يقادر قدره.

212

(زين للذين كفروا الحياة الدنيا) المزين هو الشيطان بأن وسوس لهم ومناهم الأماني الكاذبة، وذلك حقيقة كما قال السعد التفتازاني وجيء به ماضياً دلالة على أن ذلك وقع وفرغ منه، أو المزين الأنفس المجبولة على حب العاجلة، وزين مبني للمجهول. وقرىء بفتح الزاء والمزين هو الله بأن خلق الأشياء العجيبة ومكنهم منها إذ ما من شيء إلا وهو خالقه وعلى هذا المسند والإسناد مجاز لأن خذلانه إياهم

صار سبباً لاستحسانهم الحياة الدنيا وتزيينها في أعينهم. والمراد بالذين كفروا رؤساء قريش أو كل كافر، وإنما خص الكفار بالذكر مع كون الدنيا مزينة للمسلم والكافر كما وصف سبحانه بأنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملاً، لأن الكافر افتتن بهذا التزيين وأعرض عن الآخرة، والسلم لم يفتتن به بل أقبل على الآخرة والمعنى حسنت في أعينهم وأشربت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها. (ويسخرون من الذين آمنوا) أي والحال أن أولئك الكفار يسخرون من المؤمنين لكونهم فقراء لا حظ لهم من الدنيا كحظ رؤساء الكفار وأساطين الضلال، وذلك لأن عرض الدنيا عندهم هو الأمر الذي يكون من ناله سعيداً رابحاً ومن حرمه شقياً خاسراً، وقد كان غالب المؤمنين إذ ذاك فقراء لاشتغالهم بالعبادة وأمر الآخرة وعدم التفاتهم إلى الدنيا وزينتها. وحكى الأخفش أنه يقال سخرت منه وسخرت به، وضحكت منه وضحكت به، والاسم السخرية والسخرى، وجيء به مضارعاً دلالة على التجدد والحدوث. ولما وقع من الكفار ما وقع من السخرية بالمؤمنين رد الله عليهم بقوله (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) والمراد بالفوقية هنا العلو في الدرجة لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق المكان لأن الجنة في السماء والنار في أسفل سافلين. أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام وسقوط الكفر وقتل أهله وأسرهم وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة. وفيه دلالة على أن فوقيتهم من أجل التقوى. وفيه تحريضهم على

الإتصاف به إذا سمعوا ذلك، أو للإيذان بأن إعراضهم عن الدنيا للإتقاء عنها لكونها شاغلة عن جانب القدس. عن حارثة بن وهب أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف مستضعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار كل عُتُلٍّ جواظ جعظري مستكبر (¬1) " أخرجه الشيخان. وعن أسامة بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء "، أخرجه البخاري ومسلم. (والله يرزق من يشاء بغير حساب) يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن الله سبحانه سيرزق المستضعفين من المؤمنين ويوسع عليهم، ويجعل ما يعطيهم من الرزق بغير حساب أي بغير تقدير، لأن ما يدخل عليه الحساب فهو قليل، ويحتمل أن المعنى أن الله يوسع على بعض عباده في الرزق كما وسع على أولئك الرؤساء من الكفار استدراجاً لهم، وليس في التوسعة دليل على أن من وسع عليه فقد رضي عنه، ويحتمل أن يراد بغير حساب من المرزوقين كما قال تعالى (ويرزقه من حيث لا يحتسب). وقال ابن عباس في تفسيرها: ليس على الله رقيب ولا من يحاسبه، وقال سعيد بن جبير: لا يحاسب الرب، وقيل يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في الآخرة، وقيل يرزقه بغير استحقاق، وقيل لا يخاف نفاد ما في خزائنه حتى يحتاج إلى حساب. وقيل لا يعطي كل واحد على قدر حاجته بل يعطي الكثير لمن لا يحتاج إليه، وقيل غير ذلك. ¬

(¬1) مسلم 2853 - البخاري 2065.

213

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213) (كان الناس أمة واحدة) أي كانوا متفقين على دين واحد، وهو الإسلام فاختلفوا، واختلف في الناس فقيل هم بنو آدم حين أخرجهم الله نسماً من ظهر آدم. عن أبيّ بن كعب قال: كانوا أمة واحدة حين عرضوا على آدم ففطرهم على الإسلام وأقروا بالعبودية وكانوا مسلمين، ثم اختلفوا من بعد آدم، وقيل آدم وحده قاله مجاهد، وسمى ناساً لأنه أصل النسل، وقيل آدم وحواء وقيل المراد القرون الأولى التي كانت بين آدم ونوح، وهي عشرة قرون. كلهم على شريعة من الحق فاختلفوا، قاله ابن عباس، وقيل المراد نوح ومن في سفينته، وقيل أن العرب كانت على دين إبراهيم إلى أن غيره عمرو بن لحي. وقيل كانوا من حين وفاة آدم إلى زمان نوح على الكفر والباطل بدليل قوله (فبعث الله النبيين) والحكم للغالب، والأول أولى قال أبو السعود: وهو الأنسب بالنظم الكريم، وقيل ليس في الآية ما يدل على أنهم كانوا على إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج، وقيل المراد الإخبار عن الناس الذين هم الجنس كله أنهم أمة واحدة في خلوهم عن الشرائع وجهلهم بالحقائق لولا أن الله من عليهم بإرسال الرسل، والأمة مأخوذة من قولهم أممت الشيء أي قصدته أي مقصدهم واحد غير مختلف. (فبعث الله النبيين) قيل الأنبياء جملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، والرسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر، المذكور منهم في القرآن بأسماء الأعلام

ثمانية وعشرون نبياً، والله أعلم. (مبشرين) بالثواب لمن آمن وأطاع (ومنذرين) بالعقاب لمن كفر وعصى (وأنزل معهم الكتاب) أي الجنس، وقيل المراد به التوراة أو أنزل مع كل واحد الكتاب، وجملة الكتب المنزلة من السماء مائة وأربعة كتب كما قيل (بالحق) أي الصدق والعدل، والمراد هنا الحكم والفوائد والمصالح (ليحكم بين الناس) مسند إلى الكتاب في قول الجمهور، وهو مجاز مثل قوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) وقيل أن المعنى ليحكم كل نبي بكتابه، وقيل ليحكم الله (فيما اختلفوا فيه) أي في الحق الذي اختلفوا فيه من بعد ما كانوا متفقين عليه، وقيل الضمير في (فيه) راجع إلى ما في قوله (فيما). والضمير في قوله (وما اختلف فيه) يحتمل أن يعود إلى الكتاب ويحتمل أن يعود إلى المنزل عليه وهو محمد - صلى الله عليه وسلم -، قاله الزجاج، ويحتمل أن يعود إلى الحق (إلا الذين أوتوه) أي أوتوا الكتاب أو أوتوا الحق، أو أوتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - أي أعطوا علمه (من بعد ما جاءتهم البينات) أي الدلالات الواضحات على صحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - أو الحجج الظاهرة على التوحيد (بغياً بينهم) أي لم يختلفوا إلا للبغي أي الحسد والحرص على الدنيا وطلب ملكها وزخرفها أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، وفي هذا تنبيه على الصفة في فعلهم القبيح الذي وقعوا فيه لأنهم جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدة الخلاف. (فهدى الله الذين آمنوا) أي أمة محمد- صلى الله عليه وسلم - (لما اختلفوا فيه من الحق) أي إلى الحق، و " من " للبيان أو للتبعيض، وذلك لما بين لهم في القرآن من اختلاف من كان قبلهم، وقيل معناه فهدى الله أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - للتصديق بجميع الكتب بخلاف من قبلهم، فإن بعضهم كذب كتاب بعض، وقيل أن الله هداهم إلى الحق من القبلة، وقيل هداهم ليوم الجمعة، وقيل هداهم لاعتقاد الحق في عيسى بعد أن كذبته اليهود، وجعلته النصارى رباً، وقيل المراد بالحق الإسلام.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (215) وقال الفراء: إن في الآية قلباً وتقديره فهدى الذين آمنوا بالحق لما اختلفوا فيه، واختاره ابن جرير وضعفه ابن عطية (بإذنه) قال الزجاج: معناه بعلمه، وقال النحاس: هذا غلط، والمعنى بأمره وإرادته (والله يهدي من يشاء) من عباده (إلى صراط مستقيم) أي طريق سوي.

214

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) أم هنا منقطعة بمعنى بل، وحكى بعض اللغويين أنها قد تجيء بمثابة همزة الاستفهام يبتدأ بها الكلام، فعلى هذا معنى الاستفهام هنا التقرير والإنكار أي أحسبتم دخولكم الجنة واقعاً، والغرض من هذا التوبيخ تشجيعهم على الصبر وحثهم عليه، وحسب هنا من أخوات ظن، وقد تستعمل في اليقين. (ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) الواو للحال، ولما بمعنى لم أي والحال أنكم لم يأتكم مثلهم بعد، ولم تبتلوا بما ابتلوا به من الأحوال الهائلة التي هي مثل في الفظاعة والشدة وهو متوقع منتظر، ولم تمتحنوا بمثل ما امتحن به من كان قبلكم فتصبروا كما صبروا. ذكر الله سبحانه هذه التسلية بعد أن ذكر اختلاف الأمم على أنبيائهم تثبيتاً للمؤمنين وتقوية لقلوبهم، ومثل هذه الآية قوله (أم حسبتم أن تدخلوا

الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) وقوله (الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون). (مستهم) استئناف بيان لقوله (مثل الذين خلوا) (البأساء والضراء) قد تقدم تفسيرهما (وزلزلوا) الزلزلة شدة التحريك تكون في الأشخاص وفي الأقوال، يقال زلزل الله الأرض زلزلة وزلزالاً بالكسر فتزلزلت أي تحركت واضطربت، فمعنى زلزلوا خوفوا وأزعجوا إزعاجاً شديداً، وحركوا بأنواع البلايا والرزايا، وقال الزجاج: الزلزلة نقل الشيء من مكانه، فإذا قلت زلزلته فمعناه كررت زلله من مكانه. (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه) أي استمر ذلك إلى غاية هي قول الرسول ومن معه أي صاحبوه في الإيمان، وحتى بمعنى إلى، وأن مضمرة أي إلى أن يقول، وهي غاية لما تقدم من المس والزلزال وذلك لأن الرسل أثبت من غيرهم وأصبر، وأضبط للنفس عند نزول البلايا وكذلك أتباعهم من المؤمنين. (متى نصر الله) متى ظرف زمان لا ينصرف إلا بجره بحرف والرسول هنا قيل هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقيل شعياء: وقيل هو كل رسول بعث إلى أمته. وقالت طائفة: في الكلام تقديم وتأخير أي حتى يقول الذين آمنوا متى نصر الله، ويقول الرسول ألا إن نصر الله قريب. ولا ملجىء لهذا التكلف لأن قول الرسول ومن معه (متى نصر الله) ليس فيه إلا استعجال النصر من الله سبحانه، وليس فيه ما زعموه من الشك والإرتياب حتى يحتاج إلى ذلك التأويل المتعسف. قال قتادة: نزلت هذه الآية في يوم الأحزاب وهي غزوة الخندق أصاب

النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ وأصحابه بلاء وحصر، وقيل نزلت في غزوة أحد، وقيل غير ذلك. وقال ابن عباس: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء وأنه مبتليهم فيها، وأخبرهم أنه هكذا فعل بأنبيائه وصفوته لتطيب أنفسهم، والمعنى أنه بلغ بهم الجهد والشدة والبلاء ولم يبق لهم صبر، وذلك هو الغاية القصوى في الشدة، فلما بلغ الحال في الشدة إلى هذه الغاية واستبطؤوا النصر قيل لهم. (ألا إن نصر الله قريب) إجابة لهم في طلبهم، والمعنى هكذا كان حالهم لم يغيرهم طول البلاء والشدة عن دينهم إلى أن يأتيهم نصر الله، فكونوا يا معشر المسلمين كذلك، وتحملوا الأذى والشدة والمشقة في طلب الحق، فإن نصره سبحانه قريب إتيانه لا بعيد، وفيه إشارة إلى أن المراد بالقرب القرب الزماني، وفي إيثار الجملة الاسمية على الفعلية المناسبة لما قبلها وتصديرها بحرف التنبيه والتأكيد من الدلالة على تحقق مضمونها وتقرر ما لا يخفى.

215

(يسئلونك ماذا ينفقون) السائلون هنا هم المؤمنون، سألوا عن الشيء الذي ينفقونه ما هو أي ما قدره وما جنسه (قل ما أنفقتم من خير) إلى آخره فأجيبوا ببيان المصرف الذي يصرفون فيه تنبيهاً على أنه الأولى بالقصد لأن الشيء لا يعتد به إلا إذا وضع في موضعه وصادف مصرفه، وقيل أنه قد تضمن الآية بيان ما ينفقونه وهو كل خير، وقيل إنما سألوا عن وجوه البر التي ينفقون فيها وهو خلاف الظاهر " وما " شرطية، وقيل موصولة والأول أولى لتوافق ما بعدها. (فللوالدين) قدمهما لوجوب حقهما على الولد لأنهما السبب في وجوده (والأقربين) قدمهم لأن الإنسان لا يقدر أن يقوم بمصالح جميع الفقراء فتقديم القرابة أولى من غيرهم ولأنهم أبعاض الوالدين (واليتامى) لأنهم لا

يقدرون على الكسب ولا لهم منفق، وقد تقدم الكلام في الأقربين واليتامى (والمساكين وابن السبيل) أي هم أولى به، وانظر إلى هذا الترتيب الحسن العجيب في كيفية الإنفاق كيف فصله ثم أتبعه بالإجمال فقال (وما تفعلوا من خير) أي مع هؤلاء أو غيرهم طلباً لوجه الله ورضوانه (فإن الله به عليم) فيجازيكم عليه. قال ابن مسعود: نسختها آية الزكاة، وقال الحسن: أنها محكمة، وقال ابن زيد: هذا في النفل أي التطوع، وهو ظاهر الآية، فمن أحب التقرب إلى الله بالإنفاق فالأولى به أن ينفق في الوجوه المذكورة في الآية فيقدم الأول فالأول. ولم يذكر فيها السائلين والرقاب كما في الآية الأخرى اكتفاء بها أو بعموم قوله (وما تفعلوا من خير) فإنه شامل لكل خير وقع في أي مصرف. (¬1) ¬

(¬1) وفي سبب نزول الآية هو أن عمرو بن الجموح الأنصاري وكان له مال كثير فقال: يا رسول الله بماذا نتصدق، وعلى من ننفق فنزلت هذه الآية. وقيل: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن لي ديناراً. فقال: أنفقه على نفسك. فقال: إن لي دينارين. فقال: أنفقهما على أهلك. فقال: إن لي ثلاثة فقال أنفقها على خادمك فقال إن لي أربعة فقال أنفقها على والديك فقال إن لي خمسة فقال أنفقها على أقربائك فقال إن لي ستة فقال أنفقها في سبيل الله وهو أحسنها فنزلت هذه الآية.

216

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) بين سبحانه، أن هذا أي فرض القتال عليهم من جملة ما امتحنوا به، والمراد بالقتال قتال الكفار، والكره بالضم المشقة، وبالفتح ما أكرهت عليه، ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين، وإنما كان الجهاد كرهاً لأن فيه إخراج المال ومفارقة الأهل والوطن والتعرض لذهاب النفس، وفي التعبير بالمصدر وهو كره مبالغة، ويحتمل أن يكون بمعنى المكروه كما في قولهم: الدراهم ضرب الأمير. قيل الجهاد فرض على كل مسلم ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الجهاد واجب عليكم مع كل أمير براً كان أو فاجراَّ " أخرجه أبو داود بزيادة فيه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " (¬1)، وقيل الجهاد تطوع. والمراد من الآية أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيرهم، وبه قال الثوري والأوزاعي والأول أولى، والجمهور على أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، قال الزهري: كتب الله القتال على الناس جاهدوا أو لم يجاهدوا فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو عدة إن استعين به أعان وإذا استنفر نفر، وإن استغنى عنه قعد، وقيل فرض عين إن دخلوا بلادنا وفرض كفاية إن كانوا ببلادهم. ¬

(¬1) مسلم/1864.

(وعسى أن تكرهوا شيئاً) قيل عسى هنا بمعنى (قد) روي ذلك عن الأصم، وقال أبو عبيدة: عسى من الله إيجاب، والمعنى عسى أن تكرهوا الجهاد طبعاً لما فيه من المشقة، وأما شرعاً فهو محبوب وواجب ولا يلزم منه ما قاله السعد التفتازاني كراهة حكم الله ومحبة خلافه، وهو ينافي كمال التصديق، لأن معناه كراهة النفس ذلك الفعل ومشقته مع كمال الرضا بالحكم والإذعان له. (وهو خير لكم) فربما تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون، ومن مات شهيداً والواو للحال أو صفة لشيء، وعليه جرى أبو البقاء هنا والزمخشري في قوله (ولها كتاب معلوم) وهو رأي ابن حيزان، وسائر النحويين يخالفونه. (وعسى أن تحبوا شيئاً) أي الدعة وترك القتال (وهو شر لكم) فربما يتقوى عليكم العدو فيغلبكم ويقصدكم إلى عقر دياركم فيحل بكم أشد مما تخافونه من الجهاد الذي كرهتم مع ما يفوتكم في ذلك من الفوائد العاجلة والآجلة. (والله يعلم) ما فيه صلاحكم وفلاحكم وما هو خير لكم وما في الجهاد من الغنيمة والأجر والخير فلذلك يأمركم به (وأنتم لا تعلمون) ذلك ولذلك تكرهونه، قيل أنها محكمة ناسخة للعفو عن المشركين، وقيل منسوخة لأن فيها وجوب الجهاد على الكافة والناسخ قوله تعالى (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وقيل إنها ناسخة من وجه ومنسوخة من وجه، فالناسخ منها إيجاب الجهاد مع المشركين بعد المنع منه، والمنسوخ إيجاب الجهاد على الكافة. وقد ورد في فضل الجهاد ووجوبه أحاديث كثيرة لا يتسع المقام لبسطها.

217

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217) (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير) أي القتال فيه أمر كبير مستنكر، والشهر الحرام المراد به الجنس، وقد كانت العرب لا تسفك فيه دماء ولا تغير على عدو، والأشهر الحرم هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد، وهذه الأمور أعظم ذنباً وأشد إثماً من القتال في الشهر الحرام كذا قال المبرد وغيره، قيل إنها محكمة وإنه لا يجوز الغزو في الشهر الحرام إلا بطريق الدفع، وقيل منسوخة بقوله (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وبقوله (قاتلوا المشركين كافة) وبه قال الجمهور. (وصد عن سبيل الله) أي صدكم المسلمين عن الحج أو صدكم عن الإسلام من يريده (وكفر به) الضمير يعود إلى الله، وقيل إلى الحج (والمسجد الحرام) أي وصدكم عنه قاله الزمخشري وغيره، وتعقب بأن عطف قوله (وكفر به) على صد مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة وهو سبيل الله لوجود الفصل بأجنبي، وأجيب بأن الكفر بالله والصد عن سبيله متحدان معنى فكأنه لا فصل بأجنبي بين سبيل وما عطف عليه. (وإخراج أهله منه) يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين حين آذوهم حتى

هاجروا وتركوا مكة، وإنما جعلهم الله أهله لأنهم كانوا هم القائمين بحقوق المسجد الحرام دون المشركين. ومعنى الآية الذي ذهب إليه الجمهور إنكم يا قريش تستعظمون علينا القتال في الشهر الحرام، وما تفعلون أنتم من الصد عن سبيل الله لمن أراد الإسلام ومن الكفر بالله ومن الصد عن المسجد الحرام ومن إخراج أهل الحرم منه (أكبر) جرماً (عند الله) وسبب النزول يشهد لهذا المعنى، ويفيد أنه المراد فإن السؤال منهم المذكور في هذه الآية هو سؤال إنكار لا وقع من السرية التي بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم -. (والفتنة أكبر من القتل) المراد بالفتنة هنا الكفر والشرك قاله ابن عمر أي كفركم أكبر من القتل الواقع من السرية التي بعثها النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل المراد بالفتنة الإخراج لأهل الحرام منه، وقيل المراد بالفتنة هنا فتنتهم عن دينهم حتى يهلكوا أي فتنة المستضعفين من المؤمنين، أو نفس الفتنة التي الكفار عليها، وهذا أرجح من الوجهين الأولين، لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وإنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام، وعن سفيان الثوري هذا شيء منسوخ ولا بأس بالقتال في الشهر الحرام وعن ابن عباس أن هذه الآية منسوخة بآية السيف في براءة. (ولا يزالون يقاتلونكم) ابتداء كلام يتضمن الإخبار عن الله عز وجل للمؤمنين بأن هؤلاء الكفار والمشركين لا يزالون مستمرين على قتالكم وعداوتكم (حتى يردوكم عن دينكم) أي الإسلام إلى الكفر (إن استطاعوا) ذلك وتهيأ لهم منكم، والتقييد بهذا الشرط مشعر باستبعاد تمكنهم من ذلك وقدرتهم عليه. ثم حذر الله سبحانه المؤمنين من الاغترار بالكفار والدخول فيما يريدونه

من ردهم عن دينهم الذي هو الغاية لما يريدونه من المقاتلة للمؤمنين فقال (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) الردة الرجوع عن الإسلام إلى الكفر، والتقييد بالكفر يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر، وأما إذا أسلم بعد الردة لم يثبت عليه شيء من أحكام الردة، وفيه دليل للشافعي أن الردة لا تحبط الأعمال حتى يموت على ردته. وعند أبي حنيفة أن الردة تحبط العمل وإن أسلم، وحبط معناه بطل وفسد، ومنه الحبط وهو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها للكلأ فتنتفخ أجوافها، وربما تموت من ذلك، وفي هذه الآية تهديد للمسلمين ليثبتوا على دين الإسلام. (في الدنيا والآخرة) أي لا يبقى له حكم المسلمين في الدنيا فلا يأخذ شيئاً مما يستحقه المسلمون من الميراث وغيره، ولا يظفر بحظ من حظوظ الإسلام، ولا ينال شيئاً من ثواب الآخرة الذي يوجبه الإسلام ويستحقه أهله. وقد اختلف أهل العلم في الردة هل تحبط العمل بمجردها أم لا تحبط إلا بالموت على الكفر، والواجب حمل ما أطلقته الآيات في غير هذا الموضع على ما في هذه الآية من التقييد. (وأولئك أصحاب النار) يعني الذين ماتوا على الردة والكفر (هم فيها خالدون) أي لا يخرجون منها أبداً وقد تقدم الكلام في معنى الخلود.

218

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله) الهجرة معناها الانتقال من موضع إلى موضع وترك الأول لإيثار مكاني، والهجر ضد الوصل، والتهاجر التقاطع والمراد بها هنا الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، والمجاهدة استخراج الجهد، والجهاد والتجاهد بذل الوسع. (أولئك يرجون) أي يطمعون، وإنما قال يرجون بعد تلك الأوصاف المادحة التي وصفهم بها لأنه لا يعلم أحد في هذه الدنيا أنه صائر إلى الجنة ولو بلغ في طاعة الله كل مبلغ، والرجاء الأمل يقال رجوت فلاناً أرجوه رجاء وهو ضد اليأس. وقد يكون الرجاء بمعنى الخوف كما في قوله تعالى (ما لكم لا ترجون لله وقاراً) أي لا تخافون عظمة الله، وهل إطلاقه عليه بطريق الحقيقة أو المجاز، زعم قوم أنه حقيقة ويكون من الاشتراك اللفظي، وزعم قوم أنه من الأضداد فهو اشتراك لفظي أيضاً. وقال ابن عطية: الرجاء أبداً معه خوف كما أن الخوف معه رجاء، وزعم قوم أنه مجاز للتلازم الذي ذكرناه، قال قتادة أثنى الله على أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحسن الثناء في هذه الآية وهم خيار هذه الأمة ثم جعلهم أهل رجاء ومن رجا طلب ومن خاف هرب. (رحمت الله) أخبر أنهم على رجاء الرحمة وقد كتبت (رحمة) هنا بالتاء وهي في القرآن في سبعة مواضع (والله غفور) لذنوب عباده (رحيم) بهم بإجزال الأجر.

219

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) (يسئلونك عن الخمر) السائلون المؤمنون فقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وغيرهم عن عمر أنه: قال اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فإنها تذهب بالمال والعقل، فنزلت يعني هذه الآية فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت التي في سورة النساء (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فكان ينادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام إلى الصلاة أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعى عمر فقرئت عليه فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التي في المائدة فدعى عمر فقرئت عليه فلما بلغ فهل أنتم منتهون؟ قال عمر انتهينا انتهينا. والخمر مأخوذة من خمر إذا ستر، ومنه خمار المرأة وكل شيء غطى شيئاً فقد خمره، ومنه " خمروا آنيتكم " وسمي خمر لأنه يخمر العقل أي يغطيه ويستره، وقيل سميت خمراً لأنها تركت حتى أدركت أي بلغت إدراكه، وقيل لأنها تخالط العقل من المخامرة وهو المخالطة. وهذه المعاني الثلاثة متقاربة موجودة في الخمر لأنها تركت حتى أدركت ثم خالطت العقل فخمرته أي سترته، والخمر ماء العنب الذي غلا واشتد وقذف بالزبد، وما خامر العقل من غيره فهو في حكمه كما ذهب إليه الجمهور، وقال أبو حنيفة والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وجماعة من فقهاء الكوفة: ما أسكر كثيره من غير خمر العنب فهو حلال أي ما دون المسكر منه، وذهب أبو حنيفة إلى حل ما ذهب ثلثاه بالطبخ، والخلاف في ذلك مشهور، وقد أطلت الكلام

على الخمر في شرحي لبلوغ المرام، وأطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى فليرجع إليهما. وجملة القول في تحريم الخمر أن الله أنزل فيه أربع آيات: نزل بمكة (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً) فكان المسلمون يشربونها في أول الإسلام وهي لهم حلال، ثم نزل بالمدينة في جواب عمر ومعاذ هذه الآية فتركها قوم لقوله (فيهما إثم كبير) وشربها قوم لقوله (ومنافع للناس) ثم نزل (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فترك قوم شربها في أوقات الصلاة، ثم أنزل الله الآية التي في المائدة، وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام. والخمر تذكر وتؤنث وقال الأصمعي الخمر أنثى وأنكر التذكير. (والميسر) مصدر ميمي مأخوذ من اليسر وهو وجوب الشيء لصاحبه يقال يسر لي كذا إذا وجب، والياسر اللاعب بالقداح، وقال الأزهري: الميسر الجزور الذي كانوا يتقامرون عليه، سمي ميسراً لأنه يجزأ أجزاء فكأنه موضع التجزئة وكل شيء جزأته فقد يسرته، والياسر الجازر، وقال: وهذا الأصل في الياسر، ثم يقال للضاربين بالقداح والمتقامرين على الجزور ياسرون لأنهم جازرون، إذ كانوا سبباً لذلك. والمراد بالميسر في الآية قمار العرب بالأزلام، قال جماعة من السلف: من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كل شيء فيه قمار من نرد أو شطرنج أو غيرهما فهو الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق، وقال مالك: الميسر ميسران ميسر اللهو وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما

يتخاطر الناس عليه وكل ما قومر به فهو ميسر كالطاب والمنقلة والطاولة وغيرها، وسيأتي البحث مطولاً في هذا في سورة المائدة عند قوله (إنما الخمر والميسر) إن شاء الله تعالى. (قل فيهما إثم كبير) يعني في الخمر والميسر، فإثم الخمر أي إثم تعاطيها ينشأ من فساد عقل مستعملها فيصدر عنه ما يصدر عن فاسد العقل من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وتعطيل الصلوات وسائر ما يجب عليه، وأما إثم الميسر أي إثم تعاطيه فما ينشأ عن ذلك من الفقر وذهاب المال في غير طائل والعداوة وإيحاش الصدور. (ومنافع للناس) أما منافع الخمر فربح للتجارة فيها، وقيل ما يصدر عنها من الطرب واللذة والنشاط والفرح وقوة القلب وثبات الجنان وإصلاح المعدة وقوة الباه (¬1) وتصفية اللون، وحمل البخيل على الكرم، وزوال الهم وهضم الطعام، وتشجيع الجبان، وقد أشار شعراء العرب إلى شيء من ذلك في أشعارهم. ومنافع الميسر مصير الشيء إلى الإنسان بغير تعب ولا كد، وما يحصل من السرور والأريحية عند أن يصير له منها سهم صالح، وسهام الميسر أحد عشر، منها سبعة لها فروض على عدد ما فيها من الخطوط وهي الفذ والتوأم والرقيب والحلس والنافر والمسبل والمعلى والسفح والوغد والضعف والجزور، ولا نطول بذكر علاماتها وأحوالها. (وإثمهما أكبر من نفعهما) أخبر سبحانه بأن الخمر والميسر وإن كان فيهما نفع فالإثم الذي يلحق متعاطيهما أكثر من هذا النفع، لأنه لا خير يساوي فساد العقل الحاصل بالخمر، فإنه ينشأ عنه من الشرور ما لا يأتي عليه الحصر، وكذلك لا خير في الميسر يساوي ما فيها من المخاطرة بالمال والتعرض للفقر ¬

(¬1) باهَ لهُ بيهاً: فطِن. [قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا في هامش المطبوع، وأظن المراد هنا بـ (الباه): الجماع، والله أعلم]

واستجلاب العداوات المفضية إلى سفك الدماء وهتك الحرم. وقد وردت في تحريم الخمر ووعيد شاربها أحاديث كثيرة. (ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو) والعفو ما سهل وتيسر، ولم يشق على القلب، والمعنى أنفقوا ما فضل عن حوائجكم ولم تجهدوا فيه أنفسكم، وقيل هو ما فضل عن نفقة العيال، وقال جمهور العلماء هو نفقات التطوع، وقيل إن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة المفروضة، وقيل هي محكمة وفي المال حق سوى الزكاة. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول " وثبت نحوه في الصحيح مرفوعاً من حديث حكيم بن حزام، وفي الباب أحاديث كثيرة، وقيل المعنى خذ الميسور من أخلاق الرجال ولا تستقص عليهم. (¬1) (كذلك يبين الله لكم الآيات) أي في أمر النفقة ومصارفها (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) أي في أمرهما فتحبسون من أموالكم ما تصلحون به معايش دنياكم وتنفقون الباقي في الوجوه المقربة إلى الآخرة، وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي كذلك يبين الله لكم الآيات في الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون في الدنيا وزوالها، وفي الآخرة وبقائها فترغبون عن العاجلة إلى الآجلة. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير/3276.

220

فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220) (ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير) هذه الآية نزلت بعد نزول قوله تعالى (ولا تقربوا مال اليتيم) وقوله (إن الذين يأكلون أموال اليتامى) وقد ضاق على الأولياء الأمر فنزلت هذه الآية، والمراد بالإصلاح هنا مخالطتهم على وجه الإصلاح لأموالهم، فإن ذلك أصلح من مجانبتهم. وفي ذلك دليل على جواز التصرف في أموال الأيتام من الأولياء والأوصياء بالبيع والمضاربة والإجارة ونحو ذلك، وقيل أن يوسع على اليتيم من طعام نفسه ولا يوسع عليه من طعامه ولا يأخذ أجرة ولا عوضاً على إصلاح أمواله. (وإن تخالطوهم فإخوانكم) اختلف في تفسير المخالطة لهم فقال أبو عبيدة: مخالطة اليتامى أن يكون لأحدهم المال ويشق على كافله أن يفرد طعامه عنه ولا يجد بداً من خلطه بعياله فيأخذ من مال اليتيم ما يرى أنه كافيه بالتحري فيجعله مع نفقة أهله، وهذا قد تقع فيه الزيادة والنقصان، فدلت هذه الآية على الرخصة وهي ناسخة لما قبلها، وقيل المراد بالمخالطة المعاشرة للأيتام، وقيل المراد بها المصاهرة لهم والأولى عدم قصر المخالطة على نوع خاص، بل يشمل كل مخالطة كما يستفاد من الجملة الشرطية، والتقدير فهم إخوانكم في الدين. (والله يعلم المفسد) لأموالهم بمخالطته (من المصلح) بها تحذير للأولياء أي لا يخفى على الله من ذلك شيء فهو يجازي كل أحد بعمله، من أصلح فلنفسه ومن أفسد فعليها، ففيه وعد ووعيد خلا أن في تقديم المفسد مزيد تهديد وتأكيد للوعيد. (ولو شاء الله لأعنتكم) أي جعل ذلك شاقاً عليكم ومتعباً لكم

221

وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221) وأوقعكم فيما فيه الحرج والمشقة، وقيل العنت هنا معناه الهلاك، قاله أبو عبيده وأصل العنت المشقة، وقال ابن الأنباري: أصل العنت التشديد، ثم نقل إلى معنى الهلاك (إن الله عزيز) أي لا يمتنع عليه شيء لأنه غالب لا يغالب (حكيم) يتصرف في ملكه بما تقتضيه مشيئته وحكمته وليس لكم أن تختاروا لأنفسكم. (ولا تنكحوا المشركات) أي لا تتزوجوا، والمراد بالنكاح العقد لا الوطء حتى قيل أنه لم يرد في القرآن بمعنى الوطء أصلاً (حتى يؤمنَّ) حتى بمعنى إلى أي إلى أن يؤمنَّ. وفي هذه الآية النهي عن نكاح المشركات فقيل المراد بها الوثنيات، وقيل أنها تعم الكتابيات لأن أهل الكتاب مشركون قالت: اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله. وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية فقالت طائفة: إن الله حرم نكاح المشركات فيها والكتابيات من الجملة، ثم جاءت آية المائدة فخصصت الكتابيات من هذا العموم، وهذا محكي عن ابن عباس ومالك وسفيان بن سعيد وعبد الرحمن بن عمرو والأوزاعي. وذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ناسخة لآية المائدة وأنه يحرم نكاح الكتابيات والمشركات، وهذا أحد قولي الشافعي وبه قال جماعة من أهل

العلم، ويجاب عن قولهم إن هذه الآية ناسخة لآية المائدة بأن سورة البقرة من أول ما أنزل، وسورة المائدة من آخر مما نزل، والقول الأول هو الراسخ، وقد قال به مع من تقدم عثمان بن عفان وطلحة وجابر وحذيفة وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن وطاوس وعكرمة والشعبي والضحاك كما حكاه النحاس والقرطبي، وقد حكاه ابن المنذر عن المذكورين، وزاد عمر بن الخطاب وقال: لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك. وقال بعض أهل العلم: إن لفظ المشرك لا يتناول أهل الكتاب لقوله تعالى (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين) وعلى فرض أن لفظ المشركين يعم فهذا العموم مخصوص بآية المائدة كما قدمنا عن مقاتل بن حيان قال: نزلت هذه الآية في أبي مرثد الغنوي استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في عناق أن يتزوجها، وكانت ذات حظ من جمال، وهي مشركة وأبو مرثد يومئذ مسلم فقال يا رسول الله إنها تعجبني، فأنزل الله (ولا تنكحوا المشركات) أخرجه ابن أبي حاتم وابن المنذر. وأخرج البخاري عن ابن عمر قال: حرم الله نكاح المشركات على المسلمين ولا أعرف شيئاً من الإشراك أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى أو عبد من عباد الله. (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) أي ولرقيقة مؤمنة أنفع وأصلح وأفضل من حرة مشركة، وقيل المراد بالأمة الحرة لأن الناس كلهم عبيدٌ لله وإماؤه والأول أولى لأنه الظاهر من اللفظ ولأنه أبلغ فإن تفضيل الأمة المؤمنة على الحرة المشتركة يستفاد منه تفضيل الحرة المؤمنة على الحرة المشركة بالأولى. قال ابن عرفة: يجيء التفضيل في كلامهم إيجاباً للأول ونفياً عن الثاني، فعلى هذا لا يلزم وجود خير في المشركة مطلقاً.

(ولو أعجبتكم) المشركة من جهة كونها ذات جمال أو مال أو نسب أو شرف وهذه الجملة حالية، قال السيوطي: وهذا مخصوص بغير الكتابيات بآية (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) (¬1). (ولا تنكحوا المشركين) أي لا تزوجوا الكفار بالمؤمنات خطاب للأولياء (حتى يؤمنوا) قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه، لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام (ولعبد) الكلام فيه كالكلام في قوله ولأمة والترجيح كالترجيح (مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم) أي بحسنه وجماله ونسبه وماله. (أولئك) إشارة إلى المشركين والمشركات (يدعون إلى النار) أي إلى الأعمال الموحبة للنار فكان في مصاهرتهم ومعاشرتهم ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له ويدخلوا فيه. (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة) أي إلى الأعمال الموجبة للجنة، وقيل المراد أن أولياء الله وهم المؤمنون يدعون إلى الجنة (بإذنه) أي بأمره قاله الزجاج، وقيل بتيسيره وتوفيقه قاله في الكشاف، فتجب إجابته بالتزويج من أوليائه وهم المسلمون (ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) أي يوضح أدلته وحججه في أوامره ونواهيه وأحكامه لعلهم يتعظون. ¬

(¬1) وقيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث صحابياً إلى مكة سراً ليخرج رجلاً من أصحابه، وكان له بمكة امرأة يحبها في الجاهلية يقال لها عناق فجاءته فقال لها: إن الإسلام حرم ما كان في الجاهلية قالت فتزوجني قال: حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنه فنهاه عن التزوج بها.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

222

(ويسئلونك عن المحيض) السائل أبو الدحداح في نفر من الصحابة، والمحيض هو الحيض وهو مصدر ميمي، يقال حاضت المرأة حيضاً ومحيضاً فهي حائض وحائضة كذا قال الفراء، ونساء حيض وحوائض، والحيضة بالكسر المرة الواحدة وقيل الاسم، وقيل المحيض عبارة عن الزمان والمكان وهو مجاز فيهما. وقال ابن جرير الطبري: المحيض اسم الحيض أي الحدث، وأصل هذه الكلمة من السيلان والإنفجار، يقال حاض السيل وفاض وحاضت الشجرة أي سالت رطوبتها، ومنه الحوض لأن الماء يحوض إليه أي يسيل. (قل هو أذى) أي شيء يتأذى به أي برائحته، والأذى كناية عن القذر أو محله ويطلق على القول المكروه، ومنه قوله تعالى (ولا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) ومنه قوله تعالى (ودع أذاهم) (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي فاجتنبوهن واتركوا وطأهن في زمان الحيض أن حمل المحيض على المصدر أو في محل الحيض إن حمل على الاسم. والمراد من هذا الاعتزال ترك المجامعة لا ترك المجالسة أو الملابسة فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج أو بما دون الإزار على خلاف في ذلك.

وأما ما يروى عن ابن عباس وعبيدة السلماني أنه يجب على الرجل أن يعتزل فراش زوجته إذا حاضت فليس ذلك بشيء. ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض وهو معلوم من ضرورة الدين. وقد أخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أنس، " أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة منهم أخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يجامعوها في البيوت، فسئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فأنزل الله (ويسئلونك عن المحيض) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: جامعوهن في البيوت واصنعوا كل شيء إلا النكاح (¬1) ". (ولا تقربوهن) بالجماع (حتى يطهرن) قرىء بالتخفيف والتشديد، والطهر انقطاع الحيض والتطهير الاغتسال، وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء، وقال محمد بن كعب القرظي ويحيى بن بكير: إذا طهرت الحائض وتيممت حيث لا ماء حلت لزوجها وإن لم تغتسل، وقال مجاهد وعكرمة إن انقطع الدم يحلها لزوجها ولكن تتوضأ. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن انقطع دمها بعد مضي عشرة أيام جاز له أن يطأها قبل الغسل وإن كان انقطاعه قبل العشرة لم يجز حتى تغتسل أو يدخل عليها وقت صلاة، وقد رجح ابن جرير الطبري قراءة التشديد. والأولى أن يقال أن الله سبحانه جعل للحل غايتين كما تقتضيه القراءتان إحداهما انقطاع الدم والأخرى التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى فيجب المصير إليها، وقد دل على أن الغاية الأخرى هي ¬

(¬1) مسلم 302.

المعتبرة قوله تعالى بعد ذلك (فإذا تطهرن) فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر لا مجرد انقطاع الدم، وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة ما والعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين. (فأتوهن من حيث أمركم الله) أي فجامعوهن، وكنى عنه بالإتيان والمراد أنهم يجامعوهن في المأتى الذي أباحه الله، وهو القبل، وقيل من حيث بمعنى في حيث كما في قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة) أي في يوم الجمعة وقوله (ماذا خلقوا من الأرض) أي في الأرض وقيل أن المعنى من الوجه الذي أذن الله لكم فيه أي من غير صوم وإحرام واعتكاف، وقيل أن المعنى من قبل الطهر لا من قبل الحيض، وقيل من قبل الحلال لا من قبل الزنا. (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) قيل المراد التوابون من الذنوب والمتطهرون من الجنابة والأحداث، وقيل التوابون من إتيان النساء في أدبارهن وقيل من إتيانهن في المحيض والأول أظهر.

223

(نساؤكم حرث لكم) لفظ الحرث يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة إذ هو مزدرع الذرية كما أن الحرث مزدرع النبات فقد شبه ما يلقى في أرحامهم من النطف التي منها النسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني قوله (فأتوهن من حيث أمركم الله). (فأتوا حرثكم) أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل، وهذا على سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر، والولد كالزرع (أنى شئتم) أي من أي جهة شئتم من خلف وقدام وباركةً ومستلقية ومضطجعة وقائمة وقاعدة ومقبلة ومدبرة إذا كان في موضع الحرث، وإنما عبر سبحانه بكلمة أنى لكونها أعم في اللغة من أين وكيف ومتى، وأما سيبويه ففسرها بكيف.

وقد ذهب السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ما ذكرناه من تفسير الآية وأن إتيان الزوجة في دبرها حرام، وروي عن سعيد بن المسيب ونافع وابن عمر ومحمد بن كعب القرظي وعبد الملك ابن الماجشون أنه يجوز ذلك، حكاه عنهم القرطبي في تفسيره قال: وحكي ذلك عن مالك في كتاب له يسمى كتاب السر، وحذاق أصحاب مالك ومشايخهم ينكرون ذلك الكتاب، ومالك أجل من أن يكون له كتاب سر، ووقع هذا القول في العتبية. وذكر ابن العربي أن ابن شعبان أسند جواز ذلك إلى زمرة كثيرة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات كثيرة عن كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن. قال الطحاوي: روى أصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن القاسم قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني شك في أنه حلال، يعني وطء المرأة في دبرها ثم قرأ (نساؤكم حرث لكم) ثم قال: فأي شيء أبين من هذا. وقد روى الحاكم والدارقطني والخطيب البغدادي عن مالك من طرق ما يقتضي إباحة ذلك وفي أسانيدها ضعف. وقد روى الطحاوي عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنه سمع الشافعي يقول: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحليله ولا تحريمه شيء، والقياس أنه حلال، وقد روى ذلك أبو بكر الخطيب. (¬1) قال ابن الصباغ: كان الربيع يحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد كذب ابن عبد الحكم على الشافعي في ذلك فإن الشافعي نص على تحريمه في ستة كتب من كتبه. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن جابر قال: كانت ¬

(¬1) وقد ورد التحريم صريحاً بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. " لا تأتوا النساء في أعجازهن " رواه أحمد والنسائي.

اليهود تقول إذا أتى الرجل امرأته من خلفها في قبلها ثم حملت جاء الولد أحول فنزلت (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد. وقد روي هذا عن جماعة من السلف وصرحوا أنه السبب، والصمام السبيل. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه والنسائي والضياء في المختارة وغيرهم عن ابن عباس قال: " جاء عمر إلى رسول الله فقال: يا رسول الله هلكت قال: وما أهلكك قال حولت رحلي الليلة فلم يرد عليه شيئاً فأوحى الله إلى رسوله هذه الآية (نساؤكم حرث لكم) يقول أقبل وأدبر واتق الدبر والحيضة. وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي شيبة وأحمد والنسائي وابن ماجة وآبن المنذر والبيهقي في سننه من طريق خزيمة بن ثابت أن سائلاً سائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن إتيان النساء في أدبارهن فقال " حلال، أو لا بأس " فلما ولى دعاه فقال: كيف قلت أمن دبرها في قبلها فنعم أم من دبرها في دبرها فلا، إن الله لا يستحي من الحق لا تأتوا النساء في أدبارهن ". وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينظر الله إلى رجل أتى امرأة من الدبر " (¬1). وأخرج أحمد والبيهقي في سننه عن ابن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الذي يأتي امرأته في دبرها هي اللوطية الصغرى (¬2) ". ¬

(¬1) وقد صحح الحديث ابن خزيمه في صحيحه. (¬2) رواه البزار والطبراني وصححه المنذري.

وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ملعون من أتى امرأته في دبرها " (¬1). وقد ورد النهي عن ذلك من طرق. وقد ثبت نحو ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين مرفوعاً وموقوفاً. وقد روي القول بحل ذلك عن بعضهم كما قدمنا، وليس في أقوال هؤلاء حجة البتة ولا يجوز لأحد أن يعمل على أقوالهم فإنهم لم يأتوا بدليل يدل على الجواز فمن زعم منهم أنه فهم ذلك من الآية فقد أخطأ في فهمه، وقد فسرها لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكابر أصحابه بخلاف ما قاله هذا المخطىء في فهمه كائناً من كان. ومن زعم منهم أن سبب نزول الآية أن رجلاً أتى امرأته في دبرها فليس في هذا ما يدل على أن الآية أحلت ذلك، ومن زعم ذلك فقد أخطأ بل الذي تدل عليه الآية أن ذلك حرام، فكون ذلك هو السبب لا يستلزم أن تكون الآية نازلة في تحليله، فإن الآيات النازلة على أسباب تأتي تارة بتحليل هذا وتارة بتحريمه. (وقدموا لأنفسكم) أي خيراً كما في قوله تعالى (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) وقيل ابتغاء الولد وقيل التزويج بالعفائف، وقيل التسمية والدعاء عند الجماع وقيل غير ذلك (واتقوا الله) فيه تحذير عن الوقوع في شيء من المحرمات (واعلموا أنكم ملاقوه) بالبعث مبالغة في التحذير (وبشر المؤمنين) الذين اتقوه بالجنة تأنيس لمن يفعل الخير ويجتنب الشر. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1848.

الجزء الأول تم الجزء الأول بفضل الله ونعمته ويليه الجزء الثاني وأوله تفسير الآية 224 من سورة البقرة وتبدأ بقوله تعالى: وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224)

فتحُ البيان في مقاصد القرآن تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري 1248 - 1307 هـ عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الجزء الثاني المَكتبة العصريَّة صَيدَا - بَيروت

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة 1412 هـ - 1992 م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية بَيروت - صَ. ب 8355 - تلكس LE 20437 SCS صَيدَا - صَ. ب 221 - تلكس LE 29198

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجزء الثاني بسم الله الرحمن الرحيم أوله تفسير الآيه 224 من سورة البقرة وتبدأ بقوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) إلى آخر سورة آل عمران

وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224) لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225) لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226)

224

(ولا تجعلوا الله) أي الحلف به (عرضة لأيمانكم) العرضة النصبة قاله الجوهري، وقيل العرضة الشدة والقوة، ومنه قولهم للمرأة عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ولفلان عرضة أي قوة، وتطلق العرضة على الهمّة، ويقال فلان عرضة للناس لا يزالون يقعون فيه. فعلى المعنى الذي ذكره الجوهري أن العرضة النصبة كالغرفة يكون ذلك اسماً لما تعرضه دون الشيء أي تجعله حاجزاً له ومانعاً منه، أي لا تجعلوا الله حاجزاً ومانعاً لما حلفتم عليه، وذلك لأن الرجل كان يحلف على بعض الخير من صلة الرحم أو إحسان إلى الغير أو إصلاح بين الناس بأن لا يفعل ذلك ثم يمتنع من فعله معللاً لذلك الإمتناع بأنه قد حلف أن لا يفعله، وهذا المعنى هو الذي ذكره الجمهور في تفسير الآية فنهاهم الله أن يجعلوه عرضة لأيمانهم أي حاجزاً لما حلفوا عليه ومانعاً منه، وسمّي المحلوف عليه يميناً لتلبُّسه باليمين. وعلى هذا يكون قوله (أن تبرُّوا وتتقوا وتصلحوا بين الناس) عطف بيان لأيمانكم أي لا تجعلوا الله مانعاً للأيمان التي هي برُّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس، ويتعلق قوله لأيمانكم بقوله لا تجعلوا أي لا تجعلوا الله لأيمانكم مانعاً وحاجزاً. ويجوز أن يتعلق بعرضة، أي لا تجعلوا شيئاً معترضاً بينكم وبين البر وما بعده. وعلى المعنى الثاني وهو أن العرضة الشدة والقوة يكون معنى الآية لا

تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم وعدّة في الامتناع من الخير. ولا يصح تفسير الآية على المعنى الثالث وهو تفسير العرضة بالهمة. وأما على المعنى الرابع وهو قولهم فلان عرضة للناس، فيكون معنى الآية عليه: ولا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم فتبتذلونه بكثرة الحلف به، ومنه (واحفظوا أيمانكم) وقد ذم الله المكثرين للحلف فقال (ولا تطع كل حلاّف مهين) وقد كانت العرب تتمادح بقلة الأيمان فيكون قوله (أن تبروا) علة للنهي أي لا تجعلوا الله معرضاً لأيمانكم إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس لأن من يكثر الحلف بالله يجترىء على الحنث ويفجر في يمينه. وقد قيل في تفسير الآية أقوال هي راجعة إلا هذه الوجوه التي ذكرناها (والله سميع) أي لأقوال العباد (عليم) بما يصدر منهم. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه " (¬1). وثبت أيضاً في الصحيحين وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وكفّرت عن يميني " (¬2). وأخرج ابن ماجه وابن جرير عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من حلف على يمين قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث فيها ويرجع عن يمينه " (¬3) وفي الباب أحاديث. ¬

(¬1) مسلم 1650. (¬2) مسلم 1649 - البخاري 1476. (¬3) صحيح الجامع الصغير 6091.

225

(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) اللغو مصدر لغا يلغو لغواً ولغا يلغي لغياً إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام، أو بما لا خير فيه وهو الساقط

الذي لا يعتد به، فاللغو من اليمين هو الساقط، ومنه اللغو في الدية وهو الساقط الذي لا يعتد به من أولاد الإبل، ومعنى الآية لا يعاقبكم الله بالساقط من أيمانكم (ولكن يؤاخذكم) أي يعاقبكم (بما كسبت قلوبكم) أي اقترفته بالقصد إليه وهي اليمين المقصودة، ومثله قوله تعالى (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان). وقد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو، فذهب ابن عباس وعائشة وجمهور العلماء إلى أنها قول الرجل لا والله وبلى والله في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريد لها. قال المروزي: هذا معنى لغو اليمين الذي اتفق عليه عامة العلماء، ويدل له الأحاديث، وبه قال الشافعي. وقال أبو هريرة وجماعة من السلف: هو أن يحلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه أتاه فاذا هو ليس ما هو ظنه، وإلى هذا ذهب الحنفية، وبه قال مالك في الموطأ ولا كفارة فيه ولا إثم عليه عنده. وروي عن ابن عباس أنه قال: لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان، وبه قال طاوس ومكحول وروي عن مالك، وقيل: إن اللغو هو يمين المعصية، قاله سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن وعبد الله بن الزبير وأخوه عروة كالذي يقسم ليشربنّ الخمر أو ليقطعن الرحم. وقيل لغو اليمين هو دعاء الرجل على نفسه كأن يقول أعمى الله بصره أذهب الله ماله، هو يهودي هو مشرك قاله زيد بن أسلم، وقال مجاهد: لغو اليمين أن يتبايع الرجلان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا، وقال الضحاك: لغو اليمين هي المكفرة أي إذا كفّرت سقطت وصارت لغواً والراجح القول الأول لمطابقته للمعنى اللغوي ولدلالة الأدلة عليه (¬1). ¬

(¬1) القرطبي 3/ 100.

(والله غفور حليم) حيث لم يؤاخذكم بما تقولونه بألسنتكم من دون عمد أو قصد، وأخذكم بما تعمدته قلوبكم وتكلمت به ألسنتكم، وتلك هي اليمين المعقودة المقصودة، وقال سعيد بن جبير (والله غفور) يعني إذ تجاوز عن اليمين التي حلف عليها (حليم) إذ لم يجعل عليها الكفارة.

226

(للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر) أي يحلفون والمصدر إيلاء وألية وألوة، وقرأ ابن عباس للذين آلوا يقال آلى يولي ايلاء ويأتلي بالتاء ائتلاء أي حلف، ومنه (ولا يأتل أولوا الفضل منكم) والإيلاء حقه أن يستعمل بعلى، واستعماله بمن لتضمنه معنى البعد أي يحلفون متباعدين من نسائهم. وقد اختلف أهل العلم في الإيلاء فقال الجمهور إن الإيلاء هو أن يحلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن مولياً، وكانت عندهم يميناً محضاً، وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال الثوري والكوفيون: الإيلاء أن يحلف على أربعة أشهر فصاعداً وهو قول عطاء. وروي عن ابن عباس أنه لا يكون مولياً حتى يحلف أن لا يمسها أبداً وقالت طائفة: إذا حلف أن لا يقرب امرأته يوماً أو أقل أو أكثر ثم لم يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وبه قال ابن مسعود والنخعي وابن أبي ليلى والحكم وحماد بن سليمان وقتادة وإسحق. قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول كثير من أهل العلم. وقوله (من نسائهم) يشمل الحرائر والإماء إذا كن زوجات وكذلك يدخل تحت قوله (للذين يؤلون) العبد إذا حلف من زوجته، وبه قال أحمد والشافعي وأبو ثور قالوا وإيلاؤه كالحر، وقال مالك والزهري وعطاء وأبو حنيفة

وإسحق: إن أجله شهران، وقال الشعبي: إيلاء الأمة نصف إيلاء الحرة، والتربص التأني والتأخر. وإنما وقت الله سبحانه بهذه المدة دفعاً للضرار عن الزوجة، وقد كان أهل الجاهلية يؤلون السنة والسنتين وأكثر من ذلك يقصدون بذلك ضرار النساء، وقد قيل إن الأربعة الأشهر هي التي لا تطيق المرأة الصبر عن زوجها زيادة عليها (¬1). (فإن فَاءُوا) أي رجعوا فيها أو بعدها عن اليمين إلى الوطء، ومنه (حتى تفيء إلى أمر الله) أي ترجع، ومنه قيل للظل بعد الزوال (فيء) لأنه رجع عن جانب المشرق إلى جانب المغرب، يقال فاء يفيء فيئة وفيئاً، وأنه سريع الفيئة أي الرجعة، وللسلف في الفيء أقوال مختلفة فينبغي الرجوع إلى معنى الفيء وقد بيناه. قال ابن المنذر: وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على أن الفيء الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر مرض أو سجن فهي امرأته، فإذا زال العذر فأبى الوطء فرّق بينهما إن كانت المدة قد انقضت، قاله مالك. وقالت طائفة: إذا أشهد على فيئه بقلبه في حال العذر أجزأه، وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والأوزاعي وأحمد بن حنبل. وقد أوجب الجمهور على المولى إذا فاء بجماع امرأته الكفارة، وقال الحسن والنخعي: لا كفارة عليه، وللصحابة والتابعين في هذا أقوال مختلفة متناقضة، والمتعيّن الرجوع إلى ما في الآية الكريمة وهو ما عرّفناك واشدد عليه يديك (فإن الله غفور) للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته (رحيم) لكل التائبين. ¬

(¬1) القرطبي 3/ 108.

وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227) وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228)

227

(وإن عزموا الطلاق) العزم العقد على الشيء يقال عزم يعزم عزماً وعزيمة وعزماناً واعتزم، فمعنى عزموا الطلاق عقدوا عليه قلوبهم بأن لم يفيئوا فليوقعوه، والطلاق من طلقت المرأة تطلق كنصر ينصر، طلاقاً فهي طالق وطالقة أيضاً: والطلاق حل عقد النكاح، وفي ذلك دليل على أنها لا تطلق بمضي أربعة أشهر كما قال مالك ما لم يقع إنشاء تطليق بعد المدة، وأيضاً فإنه قال: (فإن الله سميع) لقولهم، وسميع يقتضي مسموعاً بعد المضى، وقال أبو حنيفة سميع لإيلائه (عليم) بعزمه الذي دل عليه مضي أربعة أشهر. والمعنى: ليس لهم بعد تربص ما ذكر إلا الفيئة أو الطلاق. واعلم أن أهل كل مذهب قد فسروا هذه الآية بما يطابق مذهبهم، وتكلفوا بما لم يدل عليه اللفظ ولا دليل آخر ومعناها ظاهر واضح، وهو أن الله جعل الأجل لمن يولي أي يحلف من امرأته أربعة أشهر، ثم قال مخبراً لعباده بحكم هذا المؤلي بعد هذه المدة (فإن فَاءُوا) أي رجعوا إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح (فإن الله غفور رحيم) أي لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل يغفر لهم ويرحمهم (وإن عزموا الطلاق) أي وقع العزم منهم عليه والقصد له (فإن الله سميع) لذلك منهم (عليم) به فهذا معنى الآية الذي لا شك فيه ولا شبهة، فمن حلف أن لا يطأ امرأته ولم يقيد بمدة أو قيد بزيادة على أربعة أشهر كان علينا إمهاله أربعة أشهر، فإذا مضت فهو بالخيار إما رجع إلى نكاح امرأته وكفّر عن يمينه، وكانت زوجته بعد مضي المدة كما كانت زوجته قبلها، أو

طلقها وكان له حكم المطلق لامرأته ابتداء. وأما إذا وقّت بدون أربعة أشهر فإن أراد أن يبر في يمينه اعتزل امرأته التي حلف منها حتى تنقضي المدة كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين آلى من نسائه شهراً فإنه اعتزلهن حتى مضى الشهر، وإن أراد أن يطأ امرأته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر حنث في يمينه ولزمته الكفارة، وكان ممتثلاً لما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " (¬1). (والمطلقات) أي المخلَّيات من حبال أزواجهنّ، والمطلقة هي التي أوقع الزوج عليها الطلاق (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) تمضي من حين الطلاق تدخل تحت عمومه المطلقة قبل الدخول، ثم خصصت بقوله تعالى (فما لكم عليهن من عدّة تعتدونها) فوجب بناء العام على الخاص، وخرجت من هذا العموم المطلقة قبل الدخول، وكذلك خرجت الحامل بقوله تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وكذلك خرجت الآية بقوله تعالى: (فعدتهن ثلاثة أشهر)؛ والتربص الانتظار قيل هو خبر في معنى الأمر أي لتتربص قصد بإخراجه مخرج الخبر تأكيد وقوعه وزاده تأكيداً وقوعه خبراً للمبتدأ. قال ابن العربي: وهذا باطل وإنما هو خبر عن حكم الشرع، فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس ذلك من الشرع، ولا يلزم من ذلك وقوع خبر الله سبحانه على خلاف مخبره. ¬

(¬1) روى مسلم أحاديث كثيرة بهذا المعنى/1650 وما بعده./صحيح الجامع الصغير/6084.

والقروء (¬1) جمع قرء، قال الأصمعي: الواحد القرء بضم القاف، وقال أبو زيد بالفتح وكلاهما قال: أقرأت المرأة حاضت وأقرأت طهرت، وقال الأخفش: أقرأت المرأة إذا صارت صاحبة حيض، فإذا حاضت قلت قرأت بلا ألف. وقال أبو عمرو بن العلاء: من العرب من يسمي الحيض قَرْأً، ومنهم من يسمي الطهر قرأً، ومنهم من يجمعهما جميعاً فيسمي الحيض مع الطهر قرأ. وينبغي أن يعلم أن القَرْءَ في الأصل الوقت يقال هبت الرياح لقَرئها ولقارئها أي لوقتها فيقال للحيض قَرء وللطهر قَرء لأن كل واحد منهما له وقت معلوم، وقد أطلقته العرب تارة على الطهر وتارة على الحيض. وقال قوم مأخوذ من قرأَ الماء في الحوض وهو جمعه، ومنه (القرآن) لاجتماع المعاني فيه. والحاصل أن القَرْءَ في لغة العرب مشترك بين الحيض والطهر، ولأجل ذلك الاشتراك اختلف أهل العلم في تعيين ما هو المراد بالقروء المذكورة في الآية فقال أهل الكوفة: هي الحيض، وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدى وأحمد بن حنبل، وقال أهل الحجاز: هي الإظهار، وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي. واعلم أنه قد وقع الاتفاق بينهم على أن القَرْءَ الوقت فصار معنى الآية عند الجميع والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، فهي على هذا مفسرة في العدد مجملة في المعدود، فوجب طلب البيان للمعدود من غيرها فأهل القول الأول استدلوا على أن المراد في هذه الآية الحيض بقوله - صلى الله عليه وسلم - " دعي الصلاة أيام ¬

(¬1) القُروء: جمعُ قَرْء (مجمل اللغة لابن فارس، باب القاف والراء وما يثلثهما، 2/ 750؛ تحقيق زهير عبد المحسن سلطان، اطبعة مؤسسة الرسالة- بيروت).

إقرائك (¬1) " وبقوله- صلى الله عليه وسلم -: " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان (¬2) " وبأن المقصود من العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر. واستدل أهل القول الثاني بقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) ولا خلاف أنه يؤمر بالطلاق وقت الطهر، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر " مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء (¬3) " وذلك لأن زمن الطهر هو الذي تطلق فيه النساء. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ما أدركنا أحداً من فقهائنا إلا يقول بأن الإقراء هو الإطهار فإذا طلق الرجل في طهر لم يطأ فيه اعتدت بما بقي منه ولو ساعة ولو لحظة ثم استقبلت طهراً ثانياً بعد حيضة فإذا رأت الدم من الحيضة الثالثة خرجت من العدة انتهى. وعندي أن لا حجة في بعض ما احتج به أهل القولين جميعاً: أما قول الأولين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " دعي الصلاة أيام إقرائك " فغاية ما في هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أطلق الإقراء على الحيض، ولا نزاع في جواز ذلك كما هو شأن اللفظ المشترك فإنه يطلق تارة على هذا وتارة على هذا، وإنما النزاع في ¬

(¬1) أبو داود كتاب الطهارة باب 107. (¬2) ضعيف الجامع الصغير 3652. والصواب وقفه على ابن عمر (وعن عائشة مرفوعاً: " طلاق العبد اثنتان فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره " رواه الدارقطني) 2/ 242. وهو ضعيف. أخرجه الدارقطني (441) وعنه البيهقي (7/ 239 - 370، 426). أما " طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان ". أخرجه أبو داود (2189) والترمذي (1/ 222) وابن ماجه (2080) والدارقطني والحاكم (2/ 205) والبيهقي والخطابي في " غريب الحديث " (ق 152/ 2) وقال أبو داود: " وهو حديث مجهول ". وقال الترمذي: " لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث مظاهر، ولا نعرف له غير هذا الحديث ". (¬3) مسلم 1471.

الإقراء المذكور في هذه الآية. وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - في الأمة: " وعدتها حيضتان " فهو حديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه من حديث عائشة مرفوعاً، وأخرجه ابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعاً أيضاً، ودلالته على ما قاله الأولون قوية (¬1). وأما قولهم: إن المقصود من العدة استبراء الرحم وهو يحصل بالحيض لا بالطهر، فيجاب عنه بأنه إنما يتم لو لم يكن في هذه العدة شيء من الحيض على فرض تفسير الإقراء بالإطهار، وليس كذلك بل هي مشتملة على الحيض كما هي مشتملة على الإطهار. وأما استدلال أهل القول الثاني بقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) فيجاب عنه بأن التنازع في اللام في قوله: (لعدتهن) يصير ذلك محتملاً ولا تقوم به الحجة. وأما استدلالهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - لعمر " مره فليراجعها (¬2) " الحديث فهو في الصحيح ودلالته قوية على ما ذهبوا اليه، ويمكن أن يقال إنها تنقضي العدة بثلاثة أطهار أو بثلاث حيض ولا مانع من ذلك فقد جوز جمع من أهل العلم حمل المشترك على معنييه، وبذلك يجمع بين الأدلة ويرتفع الخلاف ويندفع النزاع. وقد استشكل الزمخشري تمييز الثلاثة بقوله: وقروء هي جمع كثرة دون الإقراء التي هي من جموع القلة، وأجاب بأنهم يتسعون في ذلك فيستعملون كل واحد من الجمعين مكان الآخر لاشتراكهما في الجمعية. ¬

(¬1) رواه الحاكم في مستدركه باب الطلاق 2/ 205 بلفظ: " وقرؤها حيضتان ". (¬2) مسلم 1470.

(ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) قيل المراد به الحيض وقيل الحمل وقيل كلاهما، ووجه النهي عن الكتمان ما فيه في بعض الأحوال من الإضرار بالزوج وإذهاب حقه، فإذا قالت المرأة حضت وهي لم تحض ذهبت بحقه من الارتجاع، وإذا قالت هي لم تحض وهي قد حاضت ألزمته من النفقة ما لم يلزمه فأضرت به، وكذلك الحمل ربما تكتمه لتقطع حقه من الارتجاع وربما تدّعيه لتوجب عليه النفقة، ونحو ذلك من المقاصد المستلزمة للإضرار بالزوج. وقد اختلفت الأقوال في المدة التي تصدق فيها المرأة إذا ادعت انقضاء عدتها وفيه دليل على قبول قولهن في ذلك نفياً وإثباتاً. (إن كنّ يؤمن بالله واليوم الآخر) فيه وعيد شديد للكاتمات، وبيان أن من كتمت ذلك منهن لم تستحق اسم الإيمان، وهذا الشرط ليس للتقييد بل للتغليظ حتى لو لم يكن مؤمنات كان عليهن العدة أيضاً. (وبعولتهن) البعولة جمع بعل وهو الزوج سمي بعلاً لعلوه على الزوجة لأنهم يطلقونه على الرب، ومنه قوله تعالى (أتدعون بعلاً) أي رباً، ويقال بعول وبعولة كما يقال في جمع الذكر ذكور وذكورة، وهذه التاء لتأنيث الجمع وهو شاذ لا يقاس عليه بل يعتبر فيه السماع، والبعولة أيضاً يكون مصدراً من بعل الرجل يبعل مثل منع يمنع أي صار بعلاً، والتقدير أهل بعولتهن، واستفيد من هذا أن البعولة لفظ مشترك بين المصدر والجمع. (أحق بردهن) أي برجعتهن وذلك يختص بمن كان يجوز للزوج مراجعتها فيكون في حكم التخصيص لعموم قوله

228

(والمطلقات يتربصن بأنفسهن) لأنه يعم المثلثات وغيرهن، وصيغة التفضيل لإفادة أن الرجل إذا

أراد الرجعة والمرأة تأباها وجب إيثار قوله على قولها، وليس معناه أن لها حقاً في الرجعة، قاله أبو السعود. (في ذلك) يعني في مدة التربص، فإن انقضت مدة التربص فهي أحق بنفسها ولا تحل له إلا بنكاح مستأنف بولي وشهود ومهر جديد، ولا خلاف في ذلك، والرجعة تكون باللفظ وتكون بالوطء ولا يلزم المراجع شيء من أحكام النكاح بلا خلاف. (إن أرادوا إصلاحاً) أي بالمراجعة أي إصلاح حاله معها وحالها معه، فإن قصد الإضرار بها فهي محرمة لقوله تعالى (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) قيل وإذا قصد بالرجعة الضرار فهي صحيحة وإن ارتكب به محرماً وظلم نفسه، وعلى هذا فيكون الشرط المذكور في الآية للحث للأزواج على قصد الصلاح والزجر لهم عن قصد الضرار، وليس المراد به جعل قصد الصلاح شرطاً لصحة الرجعة. (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) أي ولهن من حقوق الزوجية على الرجال مثل ما للرجل عليهن فيحسن عشرتها بما هو معروف من عادة الناس أنهم يفعلونه لنسائهم، وهي كذلك تحسن عشرة زوجها بما هو معروف من عادة النساء أنهن يفعلنه لأزواجهن من طاعة وتزين وتحبب ونحو ذلك. قال ابن عباس في الآية: إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين لي لأن الله قال (ولهن) الخ، قال الكرخي: أي من الوجوب لا في الجنس فلو غسلت ثيابه أو خبزت له لم يلزمه أن يفعل ذلك، وقيل في مطلق الوجوب لا في عدد الأفراد ولا في صفة الواجب. (وللرجال عليهن درجة) أي منزلة ليست لهن وهي قيامه عليها في الإنفاق وكونه من أهل الجهاد والعقل والقوة، وله من الميراث أكثر مما لها، وكونه يجب عليها امتثال أمره والوقوف عند رضاه والشهادة والدية وصلاحية

الإمامة والقضاء، وله أن يتزوج عليها ويتسرّى، وليس لها ذلك، وبيده الطلاق والرجعة وليس شيء من ذلك بيدها، ولو لم يكن من فضيلة الرجال على النساء إلا كونهن خلقن من الرجال لما ثبت أن حواء خلقت من ضلع آدم لكفى. وقد أخرج أهل السنن عن عمرو بن الأحوص أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً، أما حقكم على نسائكم أن لا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن (¬1) " وصححه الترمذي وأصله عند مسلم في الصحيح. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة القشيري: أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ما حق المرأة على الزوج؟ قال: " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تهجر إلا في البيت (¬2) ". وعن ابن أبي ظبيان أن معاذ بن جبل خرج في غزاة بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها ثم رجع فرأى رجالاً يسجد بعضهم لبعض، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها (¬3) "، رواه البغوي بسنده. (والله عزيز) يقدر على الانتقام ممن يخالف أحكامه (حكيم) يطوي شرائعه على الحكم والمصالح. ¬

(¬1) الترمذي، كتاب الرضاعة باب 11. (¬2) المستدرك، كتاب النكاح 2/ 188. (¬3) صحيح الجامع الصغير 5115.

229

الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) (الطلاق مرتان) أي عدد الطلاق الذي تثبت فيه الرجعة للأزواج هو مرتان، فالمراد بالطلاق المذكور هو الرجعي بدليل ما تقدم في الآية أي الطلقة الأولى والثانية إذ لا رجعة بعد الثالثة، وإنما قال سبحانه (مرتان) ولم يقل طلقتان إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الطلاق مرة بعد مرة لا طلقتان دفعة واحدة، كذا قال جماعة من المفسرين. ولما لم يكن بعد الطلقة الثانية إلا أحد أمرين إما إيقاع الثالثة التي بها تبين الزوجة، أو الإمساك لها واستدامة نكاحها، وعدم ايقاع الثالثة عليها؛ قال سبحانه (فامساك) أي بعد الرجعة لمن طلقها زوجها طلقتين (بمعروف) أي بما هو معروف عند الناس من حسن العشرة وحقوق النكاح (أو تسريح بإحسان) أي بإيقاع طلقة ثالثة من دون ضرار لها. وقيل المراد إمساك بمعروف أي برجعة بعد الطلقة الثانية أو تسريح بإحسان أي بترك الرجعة بعد الثانية حتى تنقضي عدتها، والأول أظهر. قال أبو عمرو: أجمع العلماء على أن التسريح هي الطلقة الثالثة بعد الطلقتين وإياها عنى بقوله

230

(فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره). وقد اختلف أهل العلم في إرسال الثلاث دفعة واحدة هل تقع ثلاث أو واحدة فقط فذهب إلى الأول الجمهور، وذهب إلى الثاني من عداهم وهو الحق، وقد قرره الشوكاني في مؤلفاته تقريراً بالغاً، وأفرده برسالة مستقلة وكذا الحافظ

ابن القيم في إغاثة اللهفان واعلام الموقعين وقررته في شرحي على بلوغ المرام. (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً) الخطاب للأزواج أي لا يحل لهم أن يأخذوا مقابلة الطلاق مما دفعوه إلى نسائهم من المهر شيئاً على وجه المضارة لهن، وتنكير شيء للتحقير أي شيئاً نزراً فضلاً عن الكثير، وخص ما دفعوه إليهن بعدم حل الأخذ منه مع كونه لا يحل للأزواج أن يأخذوا من أموالهن التي يملكنها من غير المهر، لكون ذلك هو الذي يتعلق به نفس الزوج ويتطلع لأخذه دون ما عداه مما هو في ملكها. على أنه إذا كان أخذ ما دفعه إليها في مقابلة البضع عند خروجه عن ملكه لا يحل له، كان ما عداه ممنوعاً منه بالأولى. وقيل الخطاب للأئمة والحكام ليطابق قوله (فإن خفتم) فإن الخطاب فيه للأئمة والحكام، وعلى هذا يكون إسناد الأخذ إليهم لكونهم الآمرين بذلك والأول أولى لقوله (ما آتيتموهن) فإن إسناده إلى غير الأزواج بعيد جداً لأن إيتاء الأزواج لم يكن عن أمرهم، وقيل: إن الثاني أولى لئلا يشوش النظم. (إلا أن يخافا) أي يعلم الزوجان من أنفسهما، فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة (أن لا يقيما حدود الله) أي تخاف المرأة أن تعصى الله في أمور زوجها، ويخاف الزوج أنه إذا لم تطعه أن يعتدي عليها. وقرأ حمزة يخافا بضم الياء أي إلا أن يعلم من حالهما، والفاعل محذوف وهو الأئمة والولاة والحكام والقضاة، واختاره أبو عبيد قال لقوله. (فإن خفتم) فجعل الخوف لغير الزوجين، وقد احتج لذلك من جعل الخلع إلى السلطان وهو سعيد بن جبير والحسن ابن سيرين، وقد ضعّف النحاس اختيار أبي عبيد. (فإن خفتم) أي خشيتم وأشفقتم وقيل معناه ظننتم (أن لا يقيما حدود الله) يعني ما أوجب الله على كل واحد منهما من طاعته فيما أمره به من حسن

الصحبة والمعاشرة بالمعروف، وقيل هو يرجع إلى المرأة وهو سوء خلقها واستخفافها بحق زوجها (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) أي لا جناح على الرجل في الأخذ، ولا على المرأة في الإعطاء بأن تفتدي نفسها من ذلك النكاح ببذل شيء من المال يرضى به الزوج فيطلقها لأجله، وهذا هو الخلع، وقد ذهب الجمهور إلى جواز ذلك للزوج وأنه يحل له الأخذ مع ذلك الخوف وهو الذي صرح به القرآن. وحكى ابن المنذر عن بعض أهل العلم أنه لا يحل له ما أخذ، ولا يجبر على رده، وهذا في غاية السقوط. وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس: أن جميلة بنت عبد الله بن سلول امرأة ثابت بن قيس بن شماس أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه في خلق ولا دين، ولكن لا أطيقه بغضاً وأكره الكفر في الإسلام، قال: " أتردين عليه حديقته " قالت: نعم، قال: " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة (¬1) ". ولفظ ابن ماجة " فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد "، وفي الباب أحاديث كثيرة (¬2). وقد ورد في ذم المختلعات أحاديث منها عن ثوبان عند أحمد وأبي داود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة (¬3) "، وقال: " المختلعات هن المنافقات ". ¬

(¬1) البخاري كتاب الطلاق باب 12. (¬2) ابن ماجه كتاب الطلاق باب 22. (¬3) المستدرك كتاب الطلاق 2/ 200. وهو حديث صحيح كما رواه أصحاب السند وقالوا: -[23]- صحيح. أخرجه أبو داود (2226) والترمذي (1/ 223) والدارمي (2/ 162) وابن ماجه (2055) وابن الجارود (748) وابن حبان (1320) والبيهقي (7/ 316) وابن أبي شيبة (8/ 141/1 - 2) والطبري في " التفسير " (4843، 4844) والحاكم (2/ 200) من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن ". وقال الحاكم: " صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. قلت: وإنما هو على شرط مسلم وحده، فإن أبا أسماء الرحبي واسمه عمرو بن مرثد إنما أخرج له البخاري في " الأدب المفرد ". وللحديث طريق أخرى، يرويه ليث عن أبي إدريس عن ثوبان به. أخرجه الطبري (4840). وليث هو ابن أبي سليم، وهو ضعيف.

ومنها عن ابن عباس عند ابن ماجه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهه فتجد ريح الجنة، وأن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً (¬1) ". وقد اختلف أهل العلم في عدة المختلعة والراجح أنها تعتد بحيضة لما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر امرأة ثابت بن قيس أن تعتد بحيضة. ولما أخرجه الترمذي عن الربيع بنت معوذ بن عفراء أنها اختلعت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة، قال الترمذي الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة، وفي الباب أحاديث. ولم يرد ما يعارض هذا من المرفوع بل ورد عن جماعة من الصحابة ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 6232.

والتابعين أن عدة المختلعة كعدة الطلاق وبه قال الجمهور، قال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم، واستدلوا على ذلك بأن المختلعة من جملة المطلقات فهي داخلة تحت عموم القرآن. والحق ما ذكرناه لأن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخصص عموم القرآن. وقد حكي عن بكر بن عبد الله المزني أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى في سورة النساء (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً) وهو قول خارج عن الإجماع ولا تنافي بين الآيتين. وقد اختلف أهل العلم إذا طلب الزوج من المرأة زيادة على ما دفعه إليها من المهر وما يتبعه ورضيت بذلك المرأة هل يجوز أم لا، وظاهر القرآن الجواز لعدم تقييده بمقدار معين، وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور، وروي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين، وقال طاوس وعطاء والأوزاعي وأحمد وإسحق: إنه لا يجوز لما ورد في ذلك عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم. (تلك حدود الله فلا تعتدوها) يعني هذه أوامر الله ونواهيه وهي ما تقدم من الأحكام فلا تجاوزوها بالمخالفة والرفض. (ومن يتعد حدود الله) أي أحكام النكاح والفراق المذكورة هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها فلا تعتدوها بالمخالفة لها فتستحقوا ما ذكره الله من التسجيل على فاعل ذلك بأنه ظالم، (فأولئك هم الظالمون) أي لأنفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه، وفيه وفيما قبله الإظهار في مقام الإضمار لتربية المهابة وإدخال الروع في ذهن السامع وذكر هذا الوعيد بعد النهى عن تعديها للمبالغة في التهديد.

فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231) (فإن طلقها) أي الطلقة الثالثة التي ذكرها سبحانه بقوله (أو تسريح بإحسان) أي فإن وقع منه ذلك فقد حرمت عليه بالتثليث سواء كان قد راجعها أم لا وسواء انقضت عدتها في صورة عدم الرجعة أم لا (فلا تحلّ له من بعد) الحكمة في شرع هذا الحكم الردع عن المسارعة إلى الطلاق وعن العود إلى الطلقة الثالثة والرغبة فيها. (حتى تنكح زوجاً غيره) أي حتى تتزوج بزوج آخر غير المطلق بعد انقضاء عدتها من الأول فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعاً والمراد هنا الوطء، وقد أخذ بظاهر الآية سعيد بن المسيب ومن وافقه قالوا: كفى مجرد العقد لأنه المراد بقوله حتى تنكح زوجاً غيره، وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنه لا بد مع العقد من الوطء لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من اعتبار ذلك وهو زيادة يتعين قبولها، ولعله لم يبلغ سعيد بن المسيب ومن تابعه. وفي الآية دليل على أنه لابد أن يكون ذلك نكاحاً شرعياً مقصوداً لذاته لا نكاحاً غير مقصود لذاته بل حيلة للتحليل وذريعة إلى ردها إلى الزوج الأول، فإن ذلك حرام للأدلة الواردة في ذمه وذم فاعله، وأنه التيس المستعار الذي لعنه الشارع ولعن من اتخذه لذلك.

وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبتّ طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب فتبسم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عُسَيلته ويذوق عسيلتك (¬1) ". وقد روى نحو هذا عنها من طرق. وأخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي آخره: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ليس ذلك لك حتى يذوق عُسَيلتك رجل غيره (¬2) " والعُسَيلة مجاز عن قليل الجماع إذ يكفي قليل الانتشار، شبهت تلك اللذة بالعسل، وصغرت بالتاء لأن الغالب على العسل التأنيث قاله الجوهري. وقد ثبت لعن المحلل في أحاديث كثيرة منها عن ابن مسعود عند أحمد والترمذي وصححه النسائي والبيهقي في سننه قال: " لعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم المحلِّل والمحلَّل له (¬3) ". وفي الباب أحاديث في ذم التحليل وفاعله، وقد أطال في بيان ذلك الحافظ ابن القيم في إغاثة اللهفان، واعلام الموقعين وهو بحث نفيس جداً فارجع إليه. ¬

(¬1) مسلم/1433 بروايات كثيرة مختلفة. (¬2) مسلم/1433 بروايات كثيرة مختلفة. (¬3) وإسناده صحيح/المشكاة 3296 ورواه ابن ماجه عن علي.

(فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا) أي إن طلقها الزوج الثاني فلا جناح على الزوج الأول والمرأة أن يرجع كل واحد منها لصاحبه يعني بنكاح جديد، قال ابن النذر: أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق زوجته ثلاثاً ثم انقضت عدتها، ونكحت زوجاً ودخل بها ثم فارقها وانقضت عدتها، ثم نكحها الزوج الأول أنها تكون عنده على ثلاث تطليقات. (إن ظنا) علما وأيقنا، وقيل إن رجوا لأن أحداً لا يعلم ما هو كائن إلا الله تعالى (أن يقيما حدود الله) أي حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر. وقيل إن علما أن نكاحهما على غير دلسة، والدلسة التحليل، والأول أولى. وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظن فلا يجوز الدخول في هذا النكاح لأنه مظنة للمعصية لله والوقوع فيما حرمه على الزوجين. (وتلك حدود الله) إشارة إلى الأحكام المذكورة كما سلف (يبينها لقوم يعلمون) خصهم مع عموم الدعوة للعالم وغيره، ووجوب التبليغ لكل فرد لأنهم المنتفعون بذلك البيان.

231

(وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) البلوغ إلى الشيء معناه الحقيقي الوصول إليه، ولا يستعمل البلوغ بمعنى المقاربة إلا مجازاً لعلاقة مع قرينة كما هنا، فإنه لا يصح إرادة المعنى الحقيقي لأن المرأة إذا بلغت آخر جزء من مدة العدة وجاوزته إلى الجزء الذي هو الأجل للانقضاء فقد خرجت من العدة ولم يبق للزوج عليها سبيل.

قال القرطبي في تفسيره: إن معنى بلغن هنا قاربن بإجماع العلماء، قال: ولأن المعنى يضطر إلى ذلك لأنه بعد بلوغ الأجل لا خيار له في الإمساك، يعني فالبلوغ هنا بلوغ مقاربة. والمعنى قاربن انقضاء عدتهن وشارفن منتهاها، ولم يرد انقضاء العدة كما يقال بلغ فلان البلد إذا قاربه وشارفه، فهذا من باب المجاز الذي يطلق اسم الكل فيه على الأكثر، وقيل: إن الأجل اسم للزمان فيحمل على الزمان الذي هو آخر زمان يمكن إيقاع الرجعة فيه بحيث إذا فات لا يبقى بعده مكنة إلى الرجعة، وعلى هذا التأويل فلا حاجة إلى المجاز. (فأمسكوهن) أي راجعوهن (بمعروف) وهو أن يشهد على رجعتها وأن يراجعها بالقول لا بالوطء، وقيل: الإمساك بمعروف هو القيام بحقوق الزوجية وهو الظاهر، قيل: أعاده اعتناء بشأنه ومبالغة في إيجاب المحافظة عليه. (أو سرحوهن بمعروف) أي اتركوهن حتى تنقضي عدتهن فيملكن أنفسهن، والمعنى إذا طلقتم النساء فقاربن آخر العدة فلا تضارّوهن بالمراجعة من غير قصد لاستمرار الزوجية واستدامتها، بل اختاروا أحد أمرين إما الإمساك بمعروف من غير قصد لضرار أو التسريح بإحسان أي تركها حتى تنقضي عدتها من غير مراجعة ضراراً. (ولا تمسكوهن ضراراً) كما كانت تفعل الجاهلية من طلاق المرأة حتى يقرب انقضاء عدتها ثم مراجعتها لا عن حاجة ولا لمحبة ولكن لقصد تطويل العدة وتوسيع مدة الانتظار ضراراً (لتعتدوا) أي لقصد الاعتداء منكم عليهن والظلم بهن (ومن يفعل ذلك) أي الإمساك المؤدي للضرار (فقد ظلم نفسه) لأنه عرضها لعقاب الله وسخطه في ضمن ظلمه لهن، قال الزجاج: يعني عرض نفسه للعذاب لأن إتيان ما نهى الله عنه تعرض لعذاب الله. (ولا تتخذوا آيات الله هزواً) أي بالإعراض عنها والتهاون بالعمل بما فيها من قولهم لمن لم يجد في الأمر: إنما أنت هازٍ كأنه نهى عن الهزو، وأراد به

الأمر بضده، والمعنى لا تأخذوا أحكام الله على طريقة الهزو، فإنها جد كلها فمن هزل فيها فقد لزمته. نهاهم سبحانه أن يفعلوا كما كانت الجاهلية تفعل، فإنه كان يطلق الرجل منهم أو يعتق أو يتزوج ويقول كنت لاعباً، قال القرطبي: ولا خلاف بين العلماء أن من طلق هازلاً أن الطلاق يلزمه. أخرج أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد، النكاح والطلاق والرجعة " (¬1). (واذكروا نعمة الله عليكم) أي النعمة التي صرتم فيها بالإسلام وشرائعه بعد أن كنتم في جاهلية جهلاء، وظلمات بعضها فوق بعض (وما أنزل عليكم من الكتاب) وهو القرآن (والحكمة) قال المفسرون هي السنة التي سنّها لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبه قال الشافعي (يعظكم به) أي يخوفكم بما أنزل عليكم، وأفرد الكتاب والحكمة بالذكر مع دخولهما في النعمة دخولاً أولياً تنبيهاً على خطرهما، وعظم شأنهما (واتقوا الله) يعني خافوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه (واعلموا أن الله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه شيء من ذلك فيؤاخذكم بأنواع العقاب. ¬

(¬1) المستدرك كتاب النكاح 2/ 198. حسن. أخرجه أبو داود (2194) والترمذي (1/ 223) وابن ماجه (2039) والطحاوي (2/ 58) وابن الجارود (712) والدارقطني (397) والحاكم (2/ 198) وكذا ابن خزيمة في " حديث علي بن حجر " (ج 4 رقم 54) والبغوي في " شرح السنة " (3/ 46/2) كلهم من طريق عبد الرحمن بن حبيب عن عطاء بن أبي رباح عن ابن ماهك عن أبي هريرة أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال: فذكره. وقال الترمذي: " حديث حسن غريب، وعبد الرحمن هو ابن حبيب بن أدرك المدني ". وقد ذكر الزيلعي في " نصب الراية " (3/ 294) في معناه أحاديث أخرى.

232

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232) (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) الخطاب في هذه الآية بقوله (وإذا طلقتم النساء) وبقوله (فلا تعضلوهن) إما أن يكون للأزواج ويكون معنى العضل منهم أن يمنعوهن من أن يتزوجن من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدتهن لحمية الجاهلية، كما يقع كثيراً من الخلفاء والسلاطين غيرة على من كن تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، لأنهم لما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النخوة والكبرياء يتخيلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع والتواضع. وإما أن يكون الخطاب للأولياء ويكون معنى إسناد الطلاق إليهم أنهم سبب له لكونهم المزوجين للنساء المطلقات من الأزواج المطلقين لهن، وبلوغ الأجل المذكور هنا المراد به المعنى الحقيقي أي نهايته لا كما سبق في الآية الأولى، ولهذا قال الشافعي: اختلاف الكلامين على افتراق البلوغين، والعضل الحبس، وحكى الخليل: دجاجةٌ معضَلة قد احتبس بيضها، وقيل العضل التضييق والمنع وهو راجع إلى معنى الحبس. وقال الأزهري: أصل العضل من قولهم عضلت الناقة إذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه، وكل مشكل عند العرب معضل، ويقال أعضل الأمر إذا اشتد، وداء عضال أي شديد عسير البرء أعيا الأطباء. وقوله (أزواجهن) إن أريد به المطلقون لهن فهو مجاز باعتبار ما كان، وإن أريد به من يردن أن يتزوجنه فهو مجاز أيضاً باعتبار ما سيكون.

(إذا تراضوا بينهم بالمعروف) يعني إذا تراضى الخطّاب والنساء، والمعروف هنا ما وافق الشرع من عقد حلال ومهر جائز، وقيل هو أن يرضى كل واحد منهما بما التزمه لصاحبه بحق العقد حتى تحصل الصحبة الحسنة والعشرة الجميلة. (ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) إشارة إلى ما فصل من الأحكام، وإنما أفرد مع كون المذكور قبله جمعاً، حملاً على معنى الجمع بتأويله بالفريق وغيره، والمعنى أن المؤمن هو الذي ينتفع بالوعظ دون غيره. (ذلكم) محمول على لفظ الجمع، خالف سبحانه ما بين الإشارتين امتناناً (أزكى لكم) أنمى وأنفع (وأطهر لكم) من الأدناس وأطيب عند الله لما يخشى على الزوجين من الريبة بسبب العلاقة بينهما (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) ما لكم فيه الصلاح، وقال الضحاك يعلم من حب كل واحد منهما لصاحبه ما لا تعلم أنت أيها الولي. قيل: سبب نزولها أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها فأراد أن يراجعها فمنعها معقل كما رواه الحاكم، واسمها جميلة واسم زوجها عاصم بن عدي، فلما نزلت هذه الآية كفَّرَّ عن يمينه وأنكحها إياه وتمام القصة في البخاري (¬1). ¬

(¬1) روى البخاري عن الحسن أن أخت معقل بن يسار طلقها زوجها حتى انقضت عدّتها فخطبهما فأبي معقل فنزلت: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن). وأخرجه أيضاً الدارقطني عن الحسن.

233

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233) (والوالدات يرضعن أولادهن) لما ذكر الله سبحانه النكاح والطلاق، ذكر الرضاع لأن الزوجين قد يفترقان وبينهما ولد، ولهذا قيل: إن هذا خاص بالمطلقات وقيل هو عام، وقوله (يرضعن) قيل هو خبر بمعنى الأمر للدلالة على تحقق مضمونه، وليس أمر إيجاب، وإنما هو أمر ندب واستحباب، وقيل هو خبر على بابه (حولين كاملين) تأكيد للدلالة على أن هذا التقدير تحقيقي لا تقريبي، وفيه رد على أبي حنيفة في قوله إن مدة الرضاع ثلاثون شهراً وعلى زفر في قوله (إنها ثلاث سنين) ذلك (لمن أراد أن يتم الرضاعة) فيه دليل على أن إرضاع الحولين ليس حتماً، بل هو التمام ويجوز الاقتصار على ما دونه، وليس له حد محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح الطفل وما يعيش به، قال النحاس: لا يعرف البصريون الرضاعة إلا بالفتح، وحكى الكوفيون جواز الكسر، والآية تدل على وجوب الرضاع على الأم لولدها، وقد حمل ذلك على ما إذا لم يقبل الرضيع غيرها. (وعلى المولود له) أي على الأب الذي يولد له، وآثر هذا اللفظ دون قوله وعلى الوالد للدلالة على أن الأولاد للآباء لا للأمهات، ولهذا ينسبون إليهم دونهن كأنهن إنما ولدن لهم فقط، ذكر معناه في الكشاف (رزقهن) المراد بالرزق هنا الطعام الكافي المتعارف بين الناس، ويطلق الرزق بالكسر على المرزوق وعلى المصدر (وكسوتهن) المراد بالكسوة ما يتعارفونه أيضاً (بالمعروف) أي على قدر الميسرة.

وفي ذلك دليل على وجوب ذلك على الآباء للأمهات المرضعات، وهذا في المطلقات طلاقاً بائناً، وأما غير المطلقات فنفقتهن وكسوتهن واجبة على الأزواج من غير إرضاعهن لأولادهن. وقال القرطبي: الأظهر أن الآية في الزوجات في حال بقاء النكاح لأنهن المستحقات للنفقة والكسوة أرضعن أو لم يرضعن، وهما في مقابلة التمكين لكن إذا اشتغلت الزوجة بالإرضاع لم يكمل التمكين ولا التمتع بها فقد يتوهم أن هذه النفقة تسقط حالة الإرضاع فدفع هذا التوهّم بقوله (وعلى المولود له). ثم قال في محل آخر: وفي هذه الآية دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه، ونسبه تعالى للأم لأن الغذاء يصل إليه بواسطتها في الرضاع، وأجمع العلماء على أنه يجب على الأب نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم انتهى. (لا تكلف نفس إلا وسعها) هو تقييد لقوله بالمعروف أي هذه النفقة والكسوة الواجبتان على الأب بما يتعارفه الناس لا يكلف منهما إلا ما يدخل تحت وسعه وطاقته لا ما يشق عليه ويعجز عنه، وقيل المراد لا تكلف المرأة الصبر على التقتير في الأجرة ولا يكلف الزوج ما هو إسراف بل يراعى القصد. (لا تضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده) قرىء بالرفع على الخبر وبفتح الراء المشددة محلى النهي، وأصله لا تضارر أو لا تضارر على البناء للفاعل أو المفعول أي لا تضارر الأب بسبب الولد بأن تطلب منه ما لا يقدر عليه من الرزق والكسوة أو بأن تفرط في حفظ الولد والقيام بما يحتاج إليه أو لا تضارر من زوجها بأن يقصر عليها في شيء مما يجب عليه أو ينتزع ولدها منها بلا سبب، وهكذا قراءة الرفع تحتمل الوجهين. ويجوز أن تكون الباء في قوله بولدها صلة لقوله تضار على أنه بمعنى تضر

أي لا تضر والدة بولدها فتسيء تربيته أو تقصر في غذائه، ولا والد بولده، وقدمها لفرط شفقتها، وأضيف الولد تارة إلى الأب وتارة إلى الأم للاستعطاف، لا لبيان النسب، إذ لو كاشط له لم تصح إلا للوالد لأنه هو الذي ينسب إليه الولد. وهذه الجملة تفصيل للجملة التي قبلها وتقرير لها أي لا يكلف كل واحد منهما الآخر ما لا يطيقه فلا يضارّه بسبب ولده. (وعلى الوارث مثل ذلك) معطوف على قوله (وعلى المولود له) وما بينهما تفسير للمعروف أو تعليل له معترض بين المعطوف والمعطوف عليه. واختلف أهل العلم في معنى الآية فقيل هو وارث الصبي أي إذا مات المولود له كان على وارث هذا الصبي المولود إرضاعه كما كان يلزم أباه ذلك، قاله عمر بن الخطاب وقتادة والسدى والحسن ومجاهد وعطاء وأحمد واسحق وأبو حنيفة وابن أبي ليلى على خلاف بينهم هل يكون الوجوب على من يأخذ نصيباً من الميراث أو على المذكور فقط أو على كل ذي رحم له وإن لم يكن وارثاً منه. وقيل المراد بالوارث وارث الأب تجب عليه نفقة المرضعة وكسوتها بالمعروف، قاله الضحاك، وقال مالك في تفسير هذه الآية: بمثل ما قاله الضحاك ولكنه قال: إنها منسوخة وأنها لا تلزم الرجل نفقة أخ ولا ذي قرابة ولا ذي رحم منه، وشرطه الضحاك بأن لا يكون للصبي مال فإن كان له مال أخذت أجرة رضاعة من ماله. وقيل المراد بالوارث المذكور في الآية هو الصبي نفسه أي عليه من ماله إرضاع نفسه إذا مات أبوه وورث من ماله، قاله قبيصة بن ذؤيب وبشير ابن نصر قاضي عمر بن عبد العزيز، وروي عن الشافعي وقيل هو الباقي من والدي المولود بعد موت الآخر منهما، فإذا مات الأب كان على الأم كفاية

الطفل إذا لم يكن له مال، قاله سفيان الثوري. وقيل وارث المرضعة يجب عليه أن يصنع بالمولود كما كانت الأم تصنعه به من الرضاع والخدمة والتربية. وقيل: إن معنى الآية أنه يحرم عليه الإضرار بالأم كما يحرم على الأب، وبه قالت طائفة من أهل العلم قالوا: وهذا هو الأصل فمن ادعى أنه يرجع فيه العطف إلى جميع ما تقدم فعليه الدليل. قال القرطبي: وهو الصحيح إذ لو أراد الجميع الذي هو الرضاع والإنفاق. وعدم الضرر لقال وعلى الوارث مثل هؤلاء، فدل على أنه معطوف على المنع من الضارة وعلى ذلك تأوله كافة المفسرين فيما حكى القاضي عبد الوهاب. قال ابن عطية وقال مالك وجميع أصحابه والشعبي والزهري والضحاك وجماعة من العلماء المراد بقوله (مثل ذلك) أن لا يضار، وأما الرزق والكسوة فلا يجب شيء منهما، وحكى ابن القاسم عن مالك مثل ما قدمنا عنه في تفسير هذه الآية ودعوى النسخ. ولا يخفى عليك ضعف ما ذهبت إليه هذه الطائفة فإن ما خصصوا به معنى قوله (وعلى الوارث مثل ذلك) من ذلك المعنى أي عدم الإضرار بالمرضعة قد أفاده قوله (لا تضار والدة بولدها) لصدق ذلك على كل مضارة ترد عليها من المولود له أو غيره. وأما قول القرطبي: لو أراد الجميع لقال مثل هؤلاء فلا يخفى ما فيه من الضعف البين، فإن اسم الإشارة يصلح للمتعدد كما يصلح للواحد بتأويل المذكور أو نحوه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الأول من أن المراد بالوارث وارث الصبي

فيقال عليه إنه لم يكن وارثاً حقيقة مع وجود الصبي حياً، بل هو وارث مجازاً باعتبار ما يؤول إليه. وأما ما ذهب إليه أهل القول الثاني فهو وإن كان فيه حمل الوارث على معناه الحقيقي لكن إيجاب النفقة عليه مع غنى الصبي فيه ما فيه، ولهذا قيده القائل به بأن يكون الصبي فقيراً، ووجه الاختلاف في تفسير الوارث ما تقدم من ذكر الوالدات والمولود له والولد، فاحتمل أن يضاف الوارث إلى كل منهم. (فإن أرادا فصالاً) الضمير للوالدين، والفصال الفطام عن الرضاع أي التفريق بين الصبي والثدي، ومنه سمي الفصيل لأنه مفصول عن أمه. (عن تراض منهما) أي صادراً عن تراض من الأبوين وعلى اتفاق من الوالدين إذا كان الفصال وفطام الولد قبل الحولين (وتشاور) أي يشاورون أهل العلم في ذلك حتى يخبروا أن الفطام قبل الحولين لا يضر بالولد (فلا جناح عليهما) في ذلك الفصال. لما بين الله سبحانه أن مدة الرضاع حولان كاملان قيد ذلك بقوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة) وظاهره أن الأب وحده إذا أراد أن يفصل الصبي قبل الحولين كان ذلك جائزاً له، وهنا اعتبر سبحانه تراضي الأبوين وتشاورهما فلا بد من الجمع بين الأمرين بأن يقال إن الإرادة المذكورة في قوله (لمن أراد أن يتم الرضاعة) لابد أن تكون منهما، أو يقال: إن تلك الإرادة إذا لم يكن الأبوان للصبي حيين بأن كان الموجود أحدهما أو كانت المرضعة للصبي ظئراً غير أمه. والتشاور استخراج الرأي يقال شرت العسل استخرجته فلابد لأحد الأبوين إذا أراد فصال الرضيع أن يراضي الآخر ويشاوره حتى يحصل الاتفاق بينهما على ذلك. (وإن أردتم) خطاب للآباء، وزاد بعضهم الأمهات وفيه خروج من

الغيبة إلى الخطاب (أن تسترضعوا أولادكم) قال الزجاج: التقدير أن تسترضعوا لأولادكم غير الوالدة، وعن سيبويه المعنى أن تسترضعوا المراضع أولادكم (فلا جناح عليكم إذا سلّمتم ما آتيتم) بالمد أي أعطيتم وهي قراءة الجماعة إلا ابن كثير فإنه قرأ بالقصر أي فعلتم. والمعنى أنه لا بأس عليكم أن تسترضعوا أولادكم غير أمهاتكم إذا سلمتم إلى الأمهات أجرهن بحساب ما قد أرضعن لكم أي وقت إرادة الاسترضاع، قاله سفيان الثوري ومجاهد. وقال قتادة والزهري: إن معنى الآية إذا سلمتم ما آتيتم من إرادة الاسترضاع أي سلم كل واحد من الأبوين ورضي كان ذلك عن اتفاق منهما وقصد خير، وإرادة معروف من الأمر، وعلى هذا فيكون قوله (سلّمتم) عاماً للرجال والنساء تغليباً، وعلى القول الأول الخطاب للرجال فقط. وقيل المعنى إذا سلمتم لمن أردتم استرضاعها أجرها فيكون المعنى إذا سلمتم ما أردتم إيتاءه أي إعطاءه إلى المرضعات، وليس هذا قيداً لصحة الإجارة فإن تعجيل الأجرة لا يشترط، وإنما هو قيدُ كمال لأنه أطيب لنفوسهن. (بالمعروف) أي بما يتعارفه الناس من أجر المرضعات من دون مماطلة لهن أو حط بعض ما هو لهن من ذلك، فإن عدم توفير أجرهن يبعثهن على التساهل بأمر الصبي والتفريط في شأنه، والمعنى أن يكونوا عند تسليم الأجرة مستبشري الوجوه ناطقين بالقول الجميل مطيّبين لأنفس المراضع بما أمكن. (واتقوا الله) أي خافوه فيما فرض عليكم من الحقوق وفيما أوجب عليكم للمراضع ولأولادكم (واعلموا أن الله بما تعملون بصير) لا يخفى عليه خافية من جميع أعمالكم سرها وعلانيتها فإنه تعالى يراها ويعلمها.

234

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234) (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً). لما ذكر سبحانه عدة الطلاق، واتصل بذكرها ذكر الإرضاع، عقب ذلك بذكر عدة الوفاة لئلا يتوهم أن عدة الوفاة مثل عدة الطلاق. قال الزجاج: ومعنى الآية والرجال الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً أي ولهم زوجات فالزوجات يتربصن، وقال أبو علي الفارسي: تقديره والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بعدهم وهو كقولك السمن منوان بدرهم أي منه. وحكى عن سيبويه أن المعنى وفيما يتلى عليكم الذين يتوفون، وقيل التقدير: وأزواج الذين يتوفون منكم يتربصن، ذكره صاحب الكشاف. وفيه أن قوله ويذرون أزواجاً لا يلائم ذلك التقدير لأن الظاهر من النكرة المعادة المغايرة، وقال بعض النحاة من الكوفيين: إن الخبر عن الذين متروك والقصد الإخبار عن أزواجهم بأنهن يتربصن. وأصل التوفي أخذ الشيء وافياً فمن مات فقد استوفى عمره كاملاً، يقال توفي فلان يعني قبض وأخذ، والخطاب لكافة الناس بطريق التلوين والمراد بالأزواج هنا النساء لأن العرب تطلق اسم الزوج على الرجل والمرأة. والمعنى الذين يموتون ويتركون النساء ينتظرن بأنفسهن قدر هذه المدة. ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك

في الغالب لثلاثة أشهر والأنثى لأربعة فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلاً، ولا يتأخر عن هذا الأجل. وظاهر هذه الآية العموم وإن كان من مات عنها زوجها تكون عدتها هذه العدة ولكنه قد خصص هذا العموم قوله تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وإلى هذا ذهب الجمهور، وروي عن بعض الصحابة وجماعة من أهل العلم أن الحامل تعتد بآخر الأجلين جمعاً بين العام والخاص وإعمالاً لهما. والحق ما قاله الجمهور، والجمع بين العام والخاص على هذه الصفة لا يناسب قوانين اللغة ولا قوانين الشرع، ولا معنى لإخراج الخاص من بين أفراد العام إلا بإن حكمه مغاير لحكم العام ومخالف له. وقد صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أذن لسبيعة الأسلمية أن تتزوج بعد الوضع. والتربُّص التأني والتصبُّر عن النكاح، وظاهر الآية عدم الفرق بين الصغيرة والكبيرة والحرة والأمة وذات الحيض والآيِسة وأن عدتهن جميعاً للوفاة أربعة أشهر وعشر، وقيل إن عدة الأمة نصف عدة الحرة شهران وخمسة أيام قال ابن العربي: إجماعاً إلا ما يحكى عن الأصم فإنه سوّى بين الحرة والأمة، وقال الباجي: ولا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما يروى عن ابن سيرين أنه قال: عدتها عدة الحرة وليس بالثابت عنه. ووجه ما ذهب إليه الأصم وابن سيرين ما في هذه الآية من العموم. ووجه ما ذهب إليه من عداهما قياس عدة الوفاة على الحد فإنه ينصف للأمة بقوله سبحانه (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وقد تقدم حديث " طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان " (¬1) وهو صالح للاحتجاج ¬

(¬1) الدارقطني كتاب الطلاق والخلع 4/ 38.

به، وليس المراد منه إلا جعل طلاقها على النصف من طلاق الحرة وعدتها على النصف من عدتها، ولكنه لما لم يمكن أن يقال طلاقها تطليقة ونصف، وعدتها حيضة ونصف لكون ذلك لا يعقل، كانت عدتها وطلاقها ذلك القدر المذكور في الحديث جبراً للكسر. ولكن ههنا أمر يمنع من هذا القياس الذي عمل به الجمهور وهو أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً هو ما قدمناه من معرفة خلوّها من الحمل ولا يعرف إلا بتلك المدة ولا فرق بين الحرة والأمة في مثل ذلك بخلاف كون عدتها في غير الوفاة حيضتين فإن ذلك يعرف به خلو الرحم، ويؤيد عدم الفرق ما سيأتي في عدة أم الولد. واختلف أهل العلم في عدة أم الولد بموت سيدها، فقال سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وابن سيرين والزهري وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وإسحق بن راهوية وأحمد بن حنبل في رواية عنه إنها تعتد بأربعة أشهر وعشر لحديث عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر (¬1)، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والحاكم وصححه، وضعفه أحمد وأبو عبيد، وقال الدارقطني الصواب أنه موقوف. وقال طاوس وقتادة عدتها شهران وخمس ليال، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح تعتد بثلاث حيض، وهو قول علي وابن مسعود وعطاء وإبراهيم النخعي، وقال مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه عدتها حيضة وغير الحائض شهر، وبه يقوله ابن عمر والشعبي ومكحول والليث وأبو عبيد وأبو ثور والجمهور. وقد أجمع العلماء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت هذه الآية متقدمة في التلاوة (¬2). ¬

(¬1) المستدرك كتاب الطلاق 2/ 209. (¬2) مسلم 1486 - البخاري 680 -[41]- أخرجه مالك (2 (596/ 101) وعنه البخاري (3/ 480 - 481) وكذا مسلم (4/ 202) والسياق له وكذا أبو داود (2299) والنسائي (2/ 114) والترمذي (1/ 225) والطحاوي (2/ 44) والبيهقي (7/ 437) كلهم عن مالك به. وروى أحمد (6/ 324) عنه الحديث الثاني، و (6/ 291 - 292 و 326) وابن الجارود (768) عن شعبة عن حميد ابن نافع به الحديث الثالث. وأخرج الدارمي (2/ 167) وابن الجارود (765) من هذا الوجه الأول.

(فإذا بلغن أجلهن) المراد بالبلوغ هنا انقضاء العدة (فلا جناح عليكم) الخطاب للأولياء لأنهم هم الذين يتولون العقد وقيل المخاطب جميع المسلمين (فيما فعلن في أنفسهن) من التزين والتعرض للخطاب، والنقلة من المسكن الذي كانت معتدة فيه، وقيل عنى بذلك النكاح خاصة والأول أولى (بالمعروف) الذي لا يخالف شرعاً ولا عادة مستحسنة. وقد استدل بذلك على وجوب الإحداد على المعتدة عدة الوفاة، وقد ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما من غير وجه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً " (¬1). وكذلك ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما النهي عن الكحل لمن هي في عدة الوفاة، والإحداد ترك الزينة من الطيب ولبس الثياب الجيدة، والحلي وغير ذلك ولا خلاف في وجوب ذلك في عدة الوفاة ولا خلاف في عدة الرجعية واختلفوا في عدة البائنة على قولين، ومحل ذلك كتب علم الفروع. واحتج أصحاب أبي حنيفة على جواز النكاح بغير ولي بهذه الآية لأن إضافة الفعل إلى الفاعل محمول على المباشرة، وأجيب بأنه خطاب للأولياء ولو صح العقد بغير ولي لما كان مخاطباً (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه خافية. ¬

(¬1) حديث أم عطية، ترويه حفصة وهي بنت سيرين عنها وبه زيادة: " ولا تلبس ثوباً مصبوغاً، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار ".

235

وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235) (ولا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء) المتوفَّى عنهن أزواجهن في العدة وكذا المطلقات طلاقاً بائناً، وأما الرجعيات فيحرم التعريض والتصريح بخطبتهن ففي المفهوم تفصيل. والجناح الإثم أي لا إثم عليكم والتعريض ضد التصريح وهو من عرض الشيء أي جانبه كأنه يحوم به حول الشيء ولا يظهره، وقيل هو من قولك عرضت الرجل أي أهديت له، ومنه إن ركباً من المسلمين عرضوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ثياباً بيضاً أي أهدوا لهما، فالمعرِّض بالكلام يوصل إلى صاحبه كلاماً يفهم معناه. وقال في الكشاف: الفرق بين الكناية والتعريض أن الكناية أن تذكر الشيء بغير لفظه الموضوع، والتعريض أن تذكر شيئاً تدل به على شيء لم تذكره كما يقول المحتاج للمحتاج إليه جئتك لأسلم عليك ولأنظر إلى وجهك الكريم، ولذلك قالوا، وحسبك بالتسليم مني تقاضيا وكأنه إمالة الكلام إلى عرض يدل على الغرض، ويسمى التلويح لأنه يلوح منه ما يريده انتهى. والمعنى لوحتم وأشرتم، والخطبة بالكسر ما يفعله الطالب من الطلب والاستلطاف بالقول والفعل، يقال خطبها بخطبها خطبة وخطباً، والخطبة بالضم هي الكلام الذي يقوم به الرجل خاطباً. (أو أكننتم) معناه سترتم وأضمرتم من التزويج بعد انقضاء العدة، والإكنان التستر والإخفاء يقال أكننته وكننته وهما بمعنى واحد، ومنه بيض

مكنون، ودر مكنون، وأو هنا للإباحة أو التخيير أو التفصيل أو الإبهام على المخاطب (في أنفسكم) يعني من قصد نكاحهن، وقيل هو أن يدخل ويسلم ويهدي إن شاء ولا يتكلم بشيء. (علم الله أنكم ستذكرونهن) أي لا تصبرون عن النطق لهن برغبتكم فيهن فرخص لكم في التعريض دون التصريح، وقال في الكشاف أن فيه طرفاً من التوبيخ كقوله (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم). (ولكن لا تواعدوهن سراً) قد اختلف العلماء في معنى السر فقيل معناه نكاحاً أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوجيني بل يعرض تعريضاً، وقد ذهب إلى أن هذا معنى الآية جمهور العلماء، وقيل السر الزنا أي لا يكون منكم مواعدة على الزنا في العدة ثم التزويج بعدها قاله جابر بن زيد وأبو مجلز والحسن وقتادة والضحاك والنخعي واختاره ابن جرير الطبري. وقيل السر الجماع أي لا تصفوا أنفسكم لهن بكثرة الجماع ترغيباً لهن في النكاح وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية. والاستدراك بقوله " لكن " من مقدر دل عليه ستذكرونهن أي فاذكروهن ولكن لا تواعدوهن سراً، ولا تصرحوا بالخطبة بأن تذكروا صريح النكاح. وقال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو رفث من ذكر جماع أو تحريض عليه لا يجوز وقال أيضاً: أجمعت الأمة على كراهة المواعدة في العدة للمرأة في نفسها، وللأب في ابنته البكر وللسيد في أمته، وقال ابن عباس: المواعدة سراً أن يقول لها إني عاشق وعاهديني أن لا تتزوجي غيري ونحو هذا. (إلا أن تقولوا) قيل هو استثناء منقطع بمعنى لكن لأن القول هو التعريض والمستثنى منه المراد به التصريح وهذا هو شأن المنقطع يفسر بلكن وبه قال السيوطي، ومنع صاحب الكشاف أن يكون منقطعاً، وقال هو مستثنى من

قوله لا تواعدوهن أي مواعدة مّا قط إلا مواعدة معروفة غير منكرة شرعاً، وهي ما يكون بطريق التعريض والتلويح، فجعله على هذا استثناء متصلاً مفرغاً. ووجه كونه منقطعاً أنه يؤدي إلى جعل التعريض موعوداً وليس كذلك لأن التعريض طريق المواعدة لا أنه الموعود في نفسه، وعن ابن عباس قال: التعريض أن يقول أني أريد التزويج وإني لأحب المرأة من أمرها وإن من شأني النساء ولوددت أن الله يسر لي امرأة صالحة رواه البخاري وجماعة. (قولاً معروفاً) أي تعريضاً، وقال ابن عباس: هو قوله إن رأيت أن لا تسبقيني بنفسك، أو يقول إنك لجميلة وإنك إلى خير وإن النساء من حاجتي. (ولا تعزموا عقدة النكاح) قد تقدم الكلام في معنى العزم يقال عزم الشيء وعزم عليه والمعنى هنا لا تعزموا على عقدة النكاح في العدة لأن العزم عليه بعدها لا بأس به ثم حذف على، قال سيبويه: والحذف في هذه الآية لا يقاس عليه. قال النحاس: يجوز أن يكون المعنى ولا تعقدوا عقدة النكاح لأن معنى تعزموا وتعقدوا واحد قيل: إن العزم على الفعل يتقدمه فيكون في هذا النهي مبالغة لأنه إذا نهى عن المتقدم على الشيء كان النهي عن ذلك الشيء بالأولى. (حتى) غاية للنهي (يبلغ الكتاب أجله) أي تنقضي العدة، والكتاب هنا هو الحد والقدر الذي رسم من المدة سماه كتاباً لكونه محدوداً ومفروضاً كقوله تعالى (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) وهذا الحكم أعني تحريم عقد النكاح في العدة مجمع عليه، والمراد بالأجل آخر مدة العدة. (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) من العزم على ما لا يجوز (فاحذروه) أي عقابه إذا عزمتم على عقدة النكاح في العدة وألا تعزموا عليه، فإن العزم على المعصية معصية (واعلموا أن الله غفور حليم) لا يعاجلكم بالعقوبة على الجهر بالمعصية بل يسترها.

236

لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) (ولا جناح عليكم) المراد بالجناح هنا التبعة من المهر ونحوه، فرفعه رفع لذلك أي لا تبعة عليكم بالمهر ونحوه (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) أي مدة عدم مسيسكم، وقال أبو البقاء: والمعنى إن اطلقتموهن غير ماسّين لهن، فعلى الأولى " ما " مصدرية ظرفية، وعلى الثاني شرطية، وقيل إنها موصولة أي إن طلقتم النساء اللاتي لم تمسوهن أي ما لم تجامعوهن، وقرأ ابن مسعود: من قبل أن تجامعوهن، وقرأ غيره تماسّوهن من المفاعلة. وهكذا اختلفوا في قوله (أو تفرضوا لهن فريضة) فقيل أو بمعنى إلا، أي إلا أن تفرضوا، وقيل بمعنى حتى أي حتى تفرضوا وقيل بمعنى الواو أي وتفرضوا. ولست أرى لهذا التطويل وجهاً، ومعنى الآية أوضح من أن يلتبس، فإن الله سبحانه رفع الجناح عن المطلقين ما لم يقع أحد الأمرين، أي مدة انتفاء ذلك الأحد، ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً، فإن وجد المسيس وجب المسمى أو مهر المثل، وإن وجد الفرض وجب نصفه مع عدم المسيس، وكل واحد منها جناح أي المسمى أو مهر المثل أو نصفه. واعلم أن المطلقات أربع: مطلقة مدخول بها مفروض لها وهي التي تقدم ذكرها قبل هذه الآية، وفيها نهي الأزواج عن أن يأخذوا مما آتوهن شيئاً وأن عدتهن ثلاثة قروء. ومطلقة غير مفروض لها ولا مدخول بها، وهي المذكورة هنا فلا مهر لها

بل المتعة، وبين في سورة الأحزاب أن غير المدخول بها إذا طلقت فلا عدة عليها. ومطلقة مفروض لها غير مدخول بها وهي المذكورة بقوله سبحانه

237

(وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة). ومطلقة مدخول بها غير مفروض لها وهي المذكورة في قوله تعالى (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) والمراد بالفريضة هنا تسمية المهر، وفيها وجهان أظهرهما أنها مفعول به والتقدير شيئاً مفروضاً، والثاني أن تكون منصوبة على المصدر بمعنى فرضاً، واستجود أبو البقاء الوجه الأول. (ومتعوهن) أي أعطوهن شيئاً يكون متاعاً لهن، وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال علي وابن عمر والحسن البصري وسعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وقتادة والضحاك. ومن أدلة الوجوب قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهم من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً). وقال مالك وأبو عبيد والقاضي شريح وغيرهم: إن المتعة للمطلقة المذكورة مندوبة لا واجبة لقوله تعالى (حقاً على المحسنين) ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين، ويجاب عنه بأن ذلك لا ينافي الوجوب بل هو تأكيد له كما في قوله في الآية الأخرى (حقاً على المتقين) أي أن الوفاء بذلك والقيام به شأن أهل التقوى، وكل مسلم يجب عليه أن يتقي الله سبحانه. وقد وقع الخلاف أيضاً هل المتعة مشروعة لغير هذه المطلقة قبل المسيس والفرض أم ليست بمشروعة إلا لها فقط، فقيل: إنها مشروعة لكل مطلقة، وإليه ذهب ابن عباس وابن عمر وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير وأبو العالية

والحسن البصري والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحق، ولكنهم اختلفوا هل هي واجبة في غير المطلقة قبل البناء والفرض أم مندوبة فقط. واستدلّوا بقوله تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف حقاً على المتقين) وبقوله تعالى (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً) والآية الأولى عامة لكل مطلقة والثانية في أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد كنّ مفروضاً لهن مدخولاً بهن. وقال سعيد بن المسيب: إنها تجب للمطلقة إذا طلقت قبل المسيس وإن كانت مفروضاً لها لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنأت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن) قال هذه الآية التي في الأحزاب نسخت التي في البقرة. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المتعة مختصة بالمطلقة قبل البناء والتسمية لأن المدخول بها تستحق جميع المسمى أو مهر المثل، وغير المدخولة التي قد فرض لها زوجها فريضة أي سمى لها مهراً وطلقها قبل الدخول تستحق نصف المسمى، ومن القائلين بهذا ابن عمر ومجاهد. وقد وقع الإجماع على أن المطلقة قبل الدخول أو الفرض لا تستحق إلا المتعة إذا كانت حرة، وأما إذا كانت أمة فذهب الجمهور إلى أنها لها المتعة، وقال الأوزاعي والثوري: لا متعة لها لأنها تكون لسيدها ولا تستحق مالاً في مقابل تأذي مملوكته لأن الله سبحانه إنما شرع المتعة للمطلقة قبل الدخول والفرض لكونها تتأذى بالطلاق قبل ذلك. وقد اختلفوا في المتعة المشروعة هل هي مقدرة بقدر أم لا، فقال مالك والشافعي في الجديد: لا حد لها معروف بل ما يقع عليه اسم المتعة، وقال أبو حنيفة: أنه إذا تنازع الزوجان في قدر المتعة وجب لها نصف مهر مثلها ولا

ينقص من خمسة دراهم، لأن أقل المهر عشرة دراهم، وللسلف فيها أقوال سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. وقوله (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) يدل على أن الاعتبار في ذلك بحال الزوج، فالمتعة من الغني فوق المتعة من الفقير، والموسع هو الذي اتسعت حاله، وقرىء الموسّع بالتشديد، وقرىء قدره بسكون الدال فيهما، وبفتح الدال فيهما، قال الأخفش وغيره: هما لغتان فصيحتان، وهكذا في قوله تعالى (فسالت أودية بقدرها) وقوله (وما قدروا الله حق قدره). والمقتر المقل، والتقدير على الموسع منكم أو على موسعكم قدره أي قدر إمكانه وطاقته، وكذا يقال في الثاني، والآية تفيد أنه لا نظر إلى قدر الزوجة، وقيل هذا ضعيف في مذهب الشافعي، بل ينظر الحاكم باجتهاد إلى حالهما جميعاً على أظهر الوجوه. (متاعاً) مصدر مؤكد أي متعوهن متاعاً (بالمعروف) ما عرف في الشرع والعادة الموافقة له. وقوله (حقاً على المحسنين) وصف لقوله متاعاً أو مصدر لفعل محذوف أي حق ذلك حقاً، يقال حققت عليه القضاء وأحققت أي أوجبت، قال ابن عباس: المس النكاح والفريضة الصداق، وأمر الله أن يمتعها على قدر عسره وشره، فإن كان موسراً متعها بخادم وإن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب ونحو ذلك، وعنه قال متعة الطلاق أعلاها الخادم ودون ذلك الورق ودون ذلك الكسوة، وعن ابن عمر: أدق ما يكون من المتعة ثلاثون درهماً، وعن الحسن بن علي أنه متع بعشرين ألفاً وزقاق من عسل، وعن شريح أنه متع بخمسمائة درهم، وعن الحسن بن علي أيضاً أنه متع بعشرة آلاف وعن ابن سيرين أنه كان يمتع بالخادم والنفقة والكسوة.

وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) فيه دليل على أن المتعة لا تجب لهذه المطلقة لوقوعها في مقابلة المطلقة قبل البناء والفرض التي تستحق المتعة، أي فالواجب عليكم نصف ما سميتم لهنّ من المهر، وهذا مجمع عليه. وقد وقع الاتفاق أيضاً على أن المرأة التي لم يدخل بها زوجها ومات وقد فرض لها مهراً تستحقه كاملاً بالموت ولها الميراث وعليها العدة. واختلفوا في الخلوة هل تقوم مقام الدخول وتستحق المرأة بها كمال المهر كما تستحقه بالدخول أم لا؟ فذهب إلى الأول مالك والشافعي في القديم والكوفيون والخلفاء الراشدون وجمهور أهل العلم وتجب أيضاً عندهم العدة، وقال الشافعي في الجديد: لا يجب إلا نصف المهر، وهو ظاهر الآية لما تقدم من أن المسيس هو الجماع، ولا يجب عنده العدة وإليه ذهب جماعة من السلف. (إلا أن يعفون) أي المطلقات ومعناه يتركن ويصفحن وهو استثناء مفرغ من أعم العام، وقيل منقطع ومعناه يتركن النصف الذي يجب لهنّ على الأزواج، وروى عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: (إلا أن يعفون) يعني الرجال وهو ضعيف لفظاً ومعنى. (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) معطوف على محل قوله (إلا أن يعفون) لأن الأول مبني وهذا معرب قيل هو الزوج، وبه قال جبير بن مطعم

وسعيد بن المسيب وشريح وسعيد بن جبير ومجاهد والشعبي وعكرمة ونافع وابن سيرين والضحاك ومحمد بن كعب القرظي وجابر بن زيد وأبو مجلز والربيع بن أنس وإياس بن معاوية ومكحول ومقاتل بن حيان، وهو الجديد من قولي الشافعي، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وابن شبرمة والأوزاعي، ورجحه ابن جرير. وفي هذا القول قوة وضعف. أما قوته فلكون الذي بيده عقدة النكاح حقيقة هو الزوج لأنه الذي إليه رفعه بالطلاق، وأما ضعفه فلكون العفو منه غير معقول، وما قالوا به من أن المراد بعفوه أن يعطيها المهر كاملاً غير ظاهر، لأن العفو لا يطلق على الزيادة، وقيل المراد بقوله (أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) هو الولي، وبه قال النخعي وعلقمة والحسن وطاوس وعطاء وأبو الزناد وزيد بن أسلم وربيعة والزهري والأسود بن يزيد والشعبي وقتادة ومالك والشافعي في قوله القديم. وفيه قوة وضعف. أما قوته فلكون معنى العفو فيه معقولاً، وأما ضعفه فلكون عقدة النكاح بيد الزوج لا بيده. ومما يزيد هذا القول ضعفاً أنه ليس للولي أن يعفو عن الزوج مما لا يملكه. وقد حكى القرطبي الإجماع على أن الولي لا يملك شيئاً من مالها، والمهر مالها، فالراجح ما قاله الأولون لوجهين: الأول أن الزوج هو الذي بيده عقدة النكاح حقيقة. الثاني: أن عفوه بإكمال المهر هو صادر عن المالك المطلق التصرف

بخلاف الولي، وتسمية الزيادة عفواً وإن كان خلاف الظاهر لكن لما كان الغالب أنهم يسوقون المهر كاملاً عند العقد كان العفو معقولاً، لأنه تركه لها ولم يسترجع النصف منه. ولا يحتاج في هذا إلى أن يقال: إنه من باب المشاكلة كما في الكشاف لأنه عفو حقيقي أي ترك لما يستحق المطالبة به إلا أن يقال إنه مشاكلة أو تغليب في توفية المهر قبل أن يسوقه الزوج. (وأن تَعْفُوَآ أقرب للتقوى) قيل هو خطاب للرجال والنساء تغليباً أي وعفو بعضكم أيها الرجال والنساء أقرب للتقوى أي من عدم العفو الذي فيه التنصيف، والمراد بالتقوى الألفة وطيب النفس من الجانبين، وعليه قراءة الجمهور بالتاء الفوقية، وقرأ الشعبي وأبو نهيك بالياء التحتية فيكون الخطاب مع الرجال فقط، وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، لأن عفو الولي عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب للتقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور، والمعنى وليعف الزوج فيترك حقه الذي ساق من المهر إليها قبل الطلاق فهو أقرب للتقوى. (ولا تنسوا الفضل بينكم) المعنى أن الزوجين لا ينسيان التفضل من كل واحد منهما على الآخر، ومن جملة ذلك أن تتفضل المرأة بالعفو عن النصف ويتفضل الرجل عليها بإكمال المهر، وهو إرشاد للرجال والنساء من الأزواج إلى ترك التقصي على بعضهم بعضاً والمسامحة فيما يستغرقه أحدهما على الآخر للوصلة التي قد وقعت بينهما من إفضاء البعض إلى البعض، وهي صلة لا تشبهها وصلة، فمن رعاية حقها ومعرفتها حق معرفتها الحرص منهما على التسامح. (إن الله بما تعملون بصير) فيه من ترغيب المحسن وترهيب غيره ما لا يخفى.

238

حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238) (حافظوا على الصلوات) المحافظة على الشيء المداومة والمواظبة عليه أي داوموا وواظبوا على الخمس المكتوبات بجميع شرائطها وحدودها وإتمام أركانها وفعلها في أوقاتها المختصة بها، ولعل الأمر بالصلوات وقع في تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها (والصلاة الوسطى) الوسطى تأنيث الأوسط وأوسط الشيء ووسطه خياره، ومنه قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً) ووسط فلان القوم يسطهم أي صار في وسطهم، وليست من الوسط الذي معناه متوسط بين شيئين لأن فعلى معناها التفضيل ولا يبنى للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى العدل والخيار يقبلهما بخلاف التوسط بين الشيئين فإنه لا يقبلهما فلا يبنى منه أفعل للتفضيل. وأفرد الصلاة الوسطى بالذكر بعد دخولها في عموم الصلوات تشريفاً لها وقد اختلف أهل العلم في تعيينها على ثمانية عشر قولاً أوردها الشوكاني في شرحه للمنتقى وذكر ما تمسك به كل طائفة، وأرجح الأقوال وأصحها ما ذهب إليه الجمهور من أنها العصر لما ثبت عند البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم من حديث علي قال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول يوم الأحزاب: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وأجوافهم ناراً (¬1). وأْخرج مسلم والترمذي وابن ماجه وغيرهم من حديث ابن مسعود مرفوعاً مثله. ¬

(¬1) مسلم/627 بروايات مختلفة.

وأخرجه ابن جرير وابن المنذر والطبراني من حديث ابن عباس مرفوعاً وأخرجه البزار بإسناد صحيح من حديث جابر مرفوعاً وأخرجه أيضاً البزار بسند صحيح من حديث حذيفة مرفوعاً. وأخرجه الطبراني بإسناد ضعيف من حديث أم سلمة مرفوعاً. وورد في تعيين أنها العصر من غير ذكر يوم الأحزاب أحاديث مرفوعة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذه أحاديث مصرحة بأنها العصر. وقد روى عن الصحابة في تعيين أنها العصر آثار كثيرة وفي الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما لا يحتاج معه إلى غيره. وأما ما روي عن علي وابن عباس أنهما قالا إنها صلاة الصبح كما أخرجه مالك في الموطأ عنهما، وأخرجه ابن جرير عن ابن عباس وكذلك غيره عن ابن عمر وأبي أمامة فكل ذلك من أقوالهم، وليس فيها شيء من المرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا تقوم بمثل ذلك حجة لا سيما إذا عارض ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثبوتاً يمكن أن يدعى فيه التواتر، وإذا لم تقم الحجة بأقوال الصحابة لم تقم بأقوال من بعد من التابعين وتابعيهم بالأولى. وهكذا لا تقوم الحجة بما أخرجه ابن أبي حاتم بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال صلاة الوسطى المغرب. وهكذا لا اعتبار بما ورد من قول جماعة من الصحابة أنها الظهر وغيرها من الصلوات. ولكن المحتاج إلى إمعان نظر وفكر ما ورد مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مما فيه دلالة على أنها الظهر كما أخرجه ابن جرير عن زيد بن ثابت مرفوعاً أن

الصلاة الوسطى صلاة الظهر، ولا يصح رفعه بل المروي عن زيد ذلك من قوله، واستدل على ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بالهاجرة وكانت أثقل الصلاة على أصحابه، وأين يقع هذا الاستدلال من تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا لا اعتبار بما روي عن ابن عمر من قوله: إنها الظهر، وكذلك ما روي عن عائشة وأبي سعيد الخدري وغيرهم فلا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأما ما رواه عبد الرزاق وابن جرير وغيرهما أن حفصة قالت لأبي رافع مولاها وقد أمرته أن يكتب لها مصحفاً: إذا أتيت على هذه الآية حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى فتعال حتى أمليها عليك، فلما بلغ ذلك أمرته أن يكتب حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر. وأخرجه أيضاً عنها مالك وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في سننه وزادوا وقالت: أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج مالك ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي يونس مولى عائشة وفيه قالت: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكذا روي عن أم سلمة أنها قالت كما قالت حفصة وعائشة (¬1). فغاية ما في هذه الروايات عن أمهات المؤمنين الثلاث أنهن يروين هذا الحرف هكذا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيه ما يدل على تعيين الصلاة الوسطى أنها الظهر أو غيرها، بل غاية ما يدل عليه عطف صلاة العصر على الصلاة الوسطى أنها غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه. ¬

(¬1) مسلم 629.

وهذا الاستدلال لا يعارض ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتاً لا يدفع أنها العصر كما قدمنا بيانه. فالحاصل أن هذه القراءة التي نقلها أمهات المؤمنين الثلاث بإثبات قوله " وصلاة العصر " معارضة بما أخرجه ابن جرير عن عروة قال: كان في مصحف عائشة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وهي صلاة العصر. وأخرج وكيع عن حميدة قالت قرأت في مصحف عائشة والصلاة الوسطى صلاة العصر، وفي الباب روايات. فهذه الروايات تعارض تلك الروايات باعتبار التلاوة ونقل القراءة، ويبقى ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من التعيين صافياً عن شوب كدر المعارضة. على أنه قد ورد ما يدل على نسخ تلك القراءة التي نقلتها حفصة وعائشة وأم سلمة فأخرج عبد بن حميد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير والبيهقي عن البراء بن عازب قال: نزلت حافظوا على الصلوات وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله ثم نسخها الله فأنزل (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فقيل له هي إذاً صلاة العصر قال: قد حدثتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم (¬1). إذا تقرر لك هذا وعرفت ما سقناه تبين لك أنه لم يرد ما يعارض أن الصلاة الوسطى صلاة العصر. وأما حجج بقية الأقوال فليس فيها شيء مما ينبغي الاشتغال به، لأنه لم ¬

(¬1) مسلم 630.

يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك شيء، وبعض القائلين عوَّل على أمر لا يعوَّل عليه فقال: إنها صلاة كذا لأنها وسطى بالنسبة إلى أن قبلها كذا من الصلوات وبعدها كذا من الصلوات. وهذا الرأي المحض والتخمين لا ينبغي أن تسند إليه الأحكام الشرعية على فرض عدم وجود ما يعارضه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكيف مع وجود ما هو في أعلى درجات الصحة والقوة والثبوت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويالله العجب من قوم لم يكتفوا بتقصيرهم في علم السنة وإعراضهم عن خير العلوم وأنفعها حتى كلفوا أنفسهم التكلم على أحكام الله والتجرؤ على تفسير كتاب الله بغير علم ولا هدى. فجاؤا بما يُضحَكُ منه تارة وُيبَكى منه أخرى، قال الخازن: وأصح الأقوال كلها أنها العصر للأحاديث الصحيحة الواردة فيها والله أعلم انتهى، وقيل صلاة الجنازة وقيل صلاة الجمعة وكلها أقوال ضعيفة ليس عليها أثارة من علم. (وقوموا لله قانتين) القنوت قيل هو الطاعة أي قوموا في صلاتكم طائعين قاله جابر بن زيد وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشافعي، وقيل هو الخشوع قاله ابن عمر ومجاهد وقيل هو الدعاء، وبه قال ابن عباس. وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قنت شهراً يدعو على رعل وذكوان وقال قوم إن القنوت طول القيام، وقيل معناه ساكتين قاله السدى، ويدل عليه حديث زيد بن أرقم في الصحيحين وغيرهما، قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت. وقيل أصل القنوت في اللغة الدوام على الشيء فكل معنى يناسب الدوام

يصح إطلاق القنوت عليه. وقد ذكر أهل العلم أن للقنوت ثلاثة عشر معنى، وقد ذكرها الشوكاني في شرح المنتقى، وذكرناها في شرح بلوغ المرام، والمتعين ههنا حمل القنوت على السكوت للحديث المذكور. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إنَّ في الصلاة لشغلاً (¬1). وفي صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن (1). وقد اختلفت الأحاديث في القنوت المصطلح عليه هو قبل الركوع أو بعده وهل هو في جميع الصلوات أو بعضها، وهل هو مختص بالنوازل أم لا؟ والراجح اختصاصه بالنوازل وقد أوضح الشوكاني ذلك في شرحه للمنتقى فليرجع إليه. ¬

(¬1) روى مسلم في صحيحه/537 عن معاوية بن الحكم السلمي قال بينما أنا أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: " واثكل أمّاه ما شأنكم تنظرون إليّ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يُصمتونني لكني سكت. فلما صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه فوالله ما نكرني ولا ضربني ولا شتمني قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ".

239

فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239) (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً) الخوف هو الفزع، والرجال جمع رجل أو راجل من قولهم رجل الإنسان يرجل رجلاً إذا عدم المركوب ومشى على قدميه فهو رَجِل وراجل، يقول أهل الحجاز مشى فلان إلى بيت الله حافياً رَجِلاً حكاه ابن جرير الطبري وغيره، ويجمع على رَجْل ورجَّالة (¬1)، فالراجل بمعنى الماشي له ثلاثة جموع، والركبان جمع راكب قيل لا يطلق إلا على راكب الإبل، ويقال لمن ركب الحمار والبغل حمار وبغال والأجود صاحب حمار وبغل، وهذا بحسب اللغة، والمراد بها هنا ما يعمّ الكل. لما ذكر الله سبحانه الأمر بالمحافظة على الصلوات، ذكر حالة الخوف أنهم يصنعون فيها ما يمكنهم ويدخل تحت طوقهم من المحافظة على الصلاة بفعلها حال الترجل وحال الركوب، وأبان لهم أن هذه العبادة لازمة في كل الأحوال بحسب الإمكان. وقد اختلف أهل العلم في حد الخوف المبيح لذلك، والبحث مستوفى في كتب الفروع، قال ابن عباس: يصلي الراكب على دابته والراجل على رجليه، وعن جابر بن عبد الله قال: إذا كانت المسايفة فليومىء برأسه حيث كان وجهه فذلك قوله (فرجالاً أو ركباناً). والمعنى إن لم يمكنكم أن تُصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة من إتمام الركوع والسجود والخضوع والخشوع لخوف عدو أو غيره فصلوا مشاة على أرجلكم أو ركباناً على دوابكم، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وهذا في حال ¬

(¬1) الراجِلُ: خلاف الفارس، والجمع رَجْلٌ مثل صاحب وصحب، ورجَّالة (راجع معجم الصحاح للجوهري، باب اللام فصل الرَّاء 4/ 1705، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار).

المقاتلة والمسايفة في وقت الحرب. وصلاة الخوف قسمان (أحدهما) أن يكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية، وقسم في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) وسيأتي الكلام عليه في موضعه (¬1). وفي إيراد هذه الشرطية بكلمة " إن " المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف وقلته، وفي إيراد الشرطية الثانية بكلمة " إذا " المنبئة عن تحقق وقوع الأمن وكثرته مع الإيجاز في جواب الأولى، والإطناب في " جواب " الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولى الأبصار. (فإذا أمنتم) أي إذا زال خوفكم بعد وجوده أو لم يكن أصلاً فارجعوا إلى ما أمرتم به إتمام الصلاة مستقبلين القبلة، قائمين بجميع شروطها وأركانها وهو قوله (فاذكروا الله) وقيل معنى الآية خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة وهو خلاف معنى الآية (كما علمكم) أي ذكراً مثل ما علمكم من الشرائع أن يصلي الراكب على دابته، والراجل على رجليه، والكاف صفة لمصدر محذوف ¬

(¬1) روى الكلبى عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر رضي الله عنهم أن المشركين لمّا رأوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قامُوا إلى الظهر يُصلون جميعاً ندموا إلا كانوا أكبُوا عليهم، فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحب اليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر، فإذا قاموا فيها فشدوا عليهم فاقتلوهم، فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف وإن الله عزّ وجل يقول: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) فعلّمه صلاة الخوف. وعن جابر قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف فصفنا صفين خلفه. والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم فكبرنا جميعاً ثم ركعنا وركعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه وقام الصف الآخر في نحر العدو. فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصنف المقدم ثم ركع النبي صلى الله عليه وسلم وركعنا جميعاً ثم رفع رأسه ورفعنا جميعاً ثم انحدر بالسجود والصف الذي كان مؤخراً في الركعة الأولى وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم السجود بالصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي صلى الله عليه وسلم وسلمنا جميعاً ". رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي.

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241) أي ذكراً كائناً كتعليمه إياكم أو مثل تعليمه إياكم (ما لم تكونوا تعلمون) فيه إشارة إلى إنعام الله تعالى علينا بالعلم، ولولا تعليمه إيانا لم نعلم شيئاً ولم نصل إلى معرفة شيء فله الحمد على ذلك.

240

(والذين يتوفّون منكم ويذرون أزواجاً) أي يقربون من الوفاة إذ المتوفى بالفعل لا يتصوّر منه وصية، وهذا عود إلى بقية الأحكام المفصلة فيما سلف. وقد اختلف السلف ومن تبعهم من المفسرين في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة، فذهب الجمهور إلى أنها منسوخة بالأربعة الأشهر والعشر كما تقدم، وأن الوصية المذكورة فيها منسوخة بما فرض الله لهنّ من الميراث. وحكى ابن جرير عن مجاهد أن هذه الآية محكمة لا نسخ فيها، وأن العدة أربعة أشهر وعشر، ثم جعل الله لهن وصية منها سكنى سبعة أشهر وعشرين ليلة فإن شاءت المرأة سكنت في وصيتها وإن شاءت خرجت، وقد حكى ابن عطية والقاضي عياض أن الإجماع منعقد على أن الحول منسوخ وأن عدتها أربعة أشهر وعشر. (وصيّة لأزواجهم) قرىء بالنصب على تقدير فعل محذوف أي فليوصوا وصية أو أوصى الله وصية أو كتب الله عليهم وصية، وقرىء بالرفع ومعناه وصية الذين يتوفون وصية أو حكم الذين يتوفون وصية، والمعنى فيجب عليهم أن يوصوا لأزواجهم بثلاثة أشياء النفقة والكسوة والسكنى، وهذه الثلاثة تستمر سنة وحينئذ يجب على الزوجة ملازمة المسكن وترك التزين والإحداد هذه السنة.

(متاعاً إلى) تمام (الحول) أي متعوهن متاعاً أو جعل الله لهن ذلك متاعاً والمتاع هنا نفقة السنة، والمعنى أنه يجب على الذين يتوفّون أن يوصوا قبل نزول الموت بهم لأزواجهم أن يمتعن بعدهم حولاً كاملاً بالنفقة والسكنى من تركتهم (غير إخراج) أي لا يخرجن من مساكنهن (¬1). (فإن خرجن) باختيارهن قبل الحول (فلا جناح) ولا حرج (عليكم) أي على الولي والحاكم (فيما فعلن في أنفسهن) من التعرض للخطاب والتزين لهم وترك الإحداد (من معروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، وفيه دليل على أن النساء كن مخيرات في سكنى الحول وليس ذلك بحتم عليهن، وقيل المعنى لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهن وهو ضعيف لأن متعلق الجناح هو مذكور في الآية بقوله فيما فعلن. (والله عزيز) أي غالب قوي في انتقامه ممن خالف أمره ونهيه وتعدى حدوده (حكيم) فيما شرعه من الشرائع وبين من الأحكام. ¬

(¬1) ذكر علماء التفسير أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات احدهم، مكثت زوجته في بيته حوْلاً، ينفق عليها من ميراثه فإذا تم الحول خرجت إلى باب بيتها ومعها بعره فرمت به كلياً وخرجت بذلك من عدتها (زاد المسير 1/ 286).

241

(وللمطلقات متاع بالمعروف) قد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل هي المتعة وأنها واجبة لكل مطلقة، وقيل إن هذه الآية خاصة بالثيّبات اللواتي قد جومعن، لأنه قد تقدم قبل هذه الآية المتعة واللواتي لم يدخل بهن الأزواج، وقد قدمنا الكلام على هذه المتعة والخلاف في كونها خاصة بمن طلقت قبل البناء والفرض، أو عامة المطلقات، وقيل إن هذه الآية شاملة للمتعة الواجبة وهي متعة المطلقة قبل البناء والفرض، وغير الواجبة وهي متعة سائر المطلقات فإنها مستحبة فقط، وقيل المراد بالمتعة هنا النفقة (حقاً على المتقين) يعني الذين يتقون الشرك.

كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243)

242

(كذلك يبين الله لكم آياته) أي ما يلزمكم ويلزم أزواجكم والذي يجب لبعضكم على بعض (لعلكم تعقلون) أي لكي تعقلوا ما بينت لكم من الفرائض والأحكام وما فيه صلاح دينكم ودنياكم.

243

(ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) الاستفهام هنا للتقرير، والرؤية المذكورة هي رؤية القلب لا رؤية البصر، والمعنى عند سيبويه تنبَّه إلى أمر الذين خرجوا، ولا تحتاج هذه الرؤية إلى مفعولين كذا قيل. وحاصله أن الرؤية هنا التي بمعنى الإدراك مضمّنة معنى التنبيه. ويجوز أن تكون مضمنة معنى الانتهاء أي ألم ينته علمك إليهم، أو معنى الوصول أي الم يصل علمك إليهم، ويجوز أن تكون بمعنى الرؤية البصرية أي ألم تنظر إلى الذين خرجوا، وهم قوم من بني إسرائيل. جعل الله سبحانه قصة هؤلاء لما كانت بمكان من الشيوع والشهرة يحمل كل أحد على الإقرار بها بمنزلة المعلومة لكل فرد أو المبصَرة لكل مبصر، لأن أهل الكتاب قد أخبروا بها ودوّنوها وأشهروا أمرها، والخطاب هنا لكل من يصلح له، والكلام جار مجرى المثل في مقام التعجب ادعاء لظهوره وجلائه بحيث يستوي في إدراكه الشاهد والغائب، قاله السعد التفتازاني وقيل الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة والعموم أولى. (وهم ألوف) قيل ثلاثة آلاف أو أربعة وقيل عشرة آلاف، وقيل بضع وثلاثون ألفاً، وقيل أربعون ألفاً، وقيل سبعون ألفاً، وأصح الأقوال قول من

قال إنهم كانوا زيادة على عشرة آلاف، لأن الألوف من جموع الكثرة وحقيقته ما فوق العشرة، قاله القرطبي فدل على أنها ألوف كثيرة وجمع القليل آلاف، وقيل جمع ألف أو آلف كقاعد وقعود، والمعنى مؤتلفون والأول أولى والواو للحال. (حذر الموت) أي مخافة الطاعون، وكان قد نزل بهم، وقيل إنهم أمروا بالجهاد ففروا منه حذر الموت (فقال لهم الله موتوا) أمر تكوين وتحويل وهو عبارة عن تعلق إرادته بموتهم دفعة، أو تمثيل لإماتته سبحانه إياهم ميتة نفس واحدة كأنهم أمروا فأطاعوا فماتوا (ثم أحياهم) يعني بعد موتهم بدعاء نبيهم حزقيل بعد ثمانية أيام أو أكثر فعاشوا دهراً عليهم أثر الموت لا يلبسون ثوباً إلا عاد كالكفن واستمرّ في أسباطهم. (إن الله لذو فضل) التنكير للتعظيم أي لذو فضل عظيم (على الناس) جميعاً فيجب عليهم شكره، أما هؤلاء الذين خرجوا فلكونه أحياهم ليعتبروا وأما المخاطبون فلكونه قد أرشدهم إلى الاعتبار والاستبصار بقصة هؤلاء. قال ابن عباس: كانوا أربعة آلاف خرجوا فراراًْ من الطاعون وقالوا نأتي أرضاً ليس بها موت، حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال لهم الله موتوا فماتوا فمر عليهم نبي من الأنبياء فدعا ربه أن يحييهم حتى يعبدوه فأحياهم، وإن القرية التي خرجوا منها داوردان، قيل هو حزقيل، ويقال له ابن العجوز، ويقال له ذو الكفل وهو ثالث خليفة في بني إسرائيل، لأن موسى بعده يوشع ثم كالب ثم حزقيل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم هذه القصة مطوّلة عن أبي مالك وفيها أنهم بضعة وثلاثون ألفاً، وقال سعيد بن عبد العزيز: إن ديارهم

هي أذرعات، وعن أبي صالح قال كانوا تسعة آلاف، وأخرج جماعة من محدثي المفسرين هذه القصة على أنحاء ولا يأتي الاستكثار من طرقها بفائدة. وقد ورد في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم النهي عن الفرار من الطاعون وعن دخول الأرض التي هو بها من حديث عبد الرحمن بن عوف (¬1). (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) يعنى أن أكثر من أنعم الله عليه لا يشكر. ¬

(¬1) قال ابن الجوزي في زاد المسير 288 روى حصين بن عبد الرحمن بن عبد الرحمن عن هلال بن يساف قال: كانت أمّة من بني إسرائيل إذا وقع فيهم الوجع، خرج أغنياؤهم، وأقام فقراؤهم، فمات الذين أقاموا، ونجا الذين خرجوا، فقال الأشراف: لو أقمنا كما أقام هؤلاء لهلكنا، وقال الفقراء: لو ظعنا كما ظعن هؤلاء سلمنا، فأجمع رأيهم في بعض السنين على أن يظعنوا جميعاً، فظعنوا فماتوا، وصاروا عظاماً تبرق، فكنسهم أهل البيوت والطرق عن بيوتهم وطرقهم، فمر بهم نبي من الأنبياء، فقال: يا رب لو شئت أحييتهم، فعبدوك، وولدوا أولاداً يعبدونك، ويعمرون بلادك. [قال: أو أب إليك أن أفعل؟ قال: نعم]. فقيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تخرج من عند العظام التي ليست منها إلى التي هي منها، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فتكلم به، فنظر إلى العظام تكسى لحماً وعصباً، ثم قيل له: تكلم بكذا وكذا، فنظر فإذا هم قعود يسبحون الله ويقدسونه. وأنزل الله فيهم هذه الآية. وهذا الحديث يدل على بعد المدة التي مكثوا فيها أمواتاً. وفي بعض الأحاديث: أنهم بقوا أمواتاً سبعة أيام، وقيل: ثمانية أيام.

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

244

(وقاتِلوا في سبيل الله) هو معطوف على مقدر كأنه قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب بقوله (وقاتلوا) راجعاً إلى المخاطبين بقوله (ألم تر إلى الذين خرجوا) كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل فيكون عطفاً على قوله: (موتوا) وفي الكلام محذوف تقديره وقال لهم قاتلوا، وقال ابن جرير: لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أُحيوا، وقيل العطف على حافظوا على الصلوات وفيه بُعد والأول أولى. (واعلموا أن الله سميع) لما يقوله المتعلل عن القتال (عليم) بما يضمره وفيه وعد لمن بادر بالجهاد ووعيد لمن تخلف عنه. (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، وإقراض الله مَثَلَ لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض أنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال أقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه، وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء. وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء، وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض. واستدعاء القرض في الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه،

والله هو الغني الحميد، شبّه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء. وقيل كنّى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما كنّى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام، ففي الحديث الصحيح إخباراً عن الله عز وجل " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " وكذا فيما قبله أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنّى عنه ترغيباً لمن خوطب به. وقوله (حسناً) أي طيبة به نفسه من دون مَنٍّ ولا أذى، وقيل محتسباً، وقيل هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر، وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة. وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف على أقوال، وقيل لا يعلمه إلا الله وحده، قاله السدي وهذا هو الأولى، وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود، وقيل إلى سبعمائة ضعف، وقيل غير ذلك. وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض؟ قال نعم، قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة (¬1). ¬

(¬1) رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف، مجمع الزوائد 6/ 321.

وقد أخرج هذه القصة جماعة من المحدثين. وأخرج أحمد وابن المنذر من حديث أبي هريرة وفيه قال: والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " (¬1). وأخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر قال لما نزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) إلى آخرها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رب زد أمتى " فنزلت ¬

(¬1) رواه أحمد في المسند من طريق مبارك بن فضاله عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي، وعلي بن زيد ضعفه غير واحد. والحديث حسن. قد قال الشيخ أحمد شاكر: رواه ابن أبي حاتم عن أبي خلاد سليمان بن خلاد المؤدب عن محمد الرفاعي عن زياد ين الحصاص عن أبي عثمان النهدي، وزياد بن الجصاص، ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " فلم يذكر فيه جرحاً، وهذا أمارة توثيقه عنده، ثم لم يذكره في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: ربما وهم. وهذا الحديث لم ينفرد به كما ترى، فقد رواه كما رواه علي ابن زيد بن جدعان بنحوه، فارتفعت شبهة الخطأ والوهم، وصح الحديث من الوجهين، والحمد لله ..

245

(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) قال رب زد أمتي، فنزلت (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب). وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال لما نزلت (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رب زد أمتي، فنزلت (من ذا الذي يقرض الله) قال رب زد أمتي، فنزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم) قال رب زد أمتي فنزلت (إنما يوفي الصابرون) وفي الباب أحاديث هذه أحسنها. (والله يقبض ويبسط) حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسّع عليكم كيلا تبدل أحوالكم، ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء، هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، والقبض التقتير، والبسط التوسيع، وفيه وعيد بأن بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال (وإليه ترجعون) أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، فإن أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم.

وعن قتادة يقبض الصدقة ويبسط قال يخلف (وإليه ترجعون) قال: من التراب وإلى التراب تعودون. وعن ابن زيد قال: علم الله فيمن يقاتل في سبيل الله من لا يجد قوة وفيمن لا يقاتل في سبيل لله فندب هؤلاء إلى القرض فقال (من ذا الذي يقرض الله) قال: يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفساً بالخروج ويخلف له فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ. وقيل المعنى أن الله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر. وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم مصرّف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " أخرجه مسلم (¬1). وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل، وبهذا قال سلف هذه الأمة وأئمتها. ¬

(¬1) رواه مسلم/2654 عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

246

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل) الكلام فيه كالكلام في قوله (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) وقد قدمناه، والملأ الأشراف من الناس كأنهم ملؤا شرفاً، وقال الزجاج: سُمُّوا بذلك لأنهم مليؤن بما يحتاج إليه منهم، وهو اسم جمع كالقوم والرهط لا واحد له من لفظه، قال الفراء الملأ الرجال في كل القرآن ويجمع على إملاء مثل سبب وأسباب. ذكر الله سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل بعد القصة المتقدمة، والمعنى كائنين (من بعد) وفاة (موسى إذ قالوا لنبي لهم) قل هو شمويل بن يال ابن علقمة ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه شمعون وهو من ولد يعقوب، وقيل من نسل هرون، وقيل هو يوشع بن نون وهذا ضعيف جداً لأن يوشع هو فتى موسى ولم يوجد داود إلا بعد ذلك بدهر طويل، وقيل هو بالعربية اسمعيل قاله أبو السعود. (ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله) المراد بالملك الأمير أي نرجع إليه ونعمل على رأيه (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا) عسى من أفعال المقاربة أي فهل قاربتم أن لا تقاتلوا وإدخال الاستفهام على فعل المقاربة لتقرير ما هو متوقع عنده والإشعار بأنه كائن، وفصل بين عسى وخبرها بالشرط للدلالة على الاعتناء به.

(قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله) قيل المعنى وأي شيء لنا أن لا نقاتل، وقيل غير ذلك قال النحاس: هذا هذا أجودها (وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا) إفراد الأولاد بالذكر لأنهم الذين وقع عليهم السبي أو لأنهم بمكان فوق مكان سائر القرابة، وهذا كلام عام والمراد منه خاص لأن القائلين لنبيهم ما ذكر كانوا في ديارهم، وإنما أخرج بعض آخر غيرهم. ثم أخبر سبحانه أنهم تولّوا لما فرض عليهم القتال لاضطراب نياتهم وفتور عزائمهم فقال. (فلما كتب عليهم القتال تولوا) بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته (¬1). (إلا قليلاً منهم) واختلف في عدد قليل الذين استثناهم الله سبحانه وهم الذين اكتفوا بالغرفة. (والله عليم بالظالمين) أي عالم بمن ظلم نفسه حين خالف أمر ربه ولم يف بما قال وهم بقية السبعين ألفاً وهم من عدا القليل المذكور. ¬

(¬1) لذلك كان توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تمني لقاء العدو. فقد روي. " لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموه فاثبتوا ". وفي رواية " لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.

247

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) (وقال لهم نبيهم) شروع في تفصيل ما جرى بينهم وبين نبيهم من الأقوال والأفعال (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) وهو اسم أعجمي وكان سقّاءً، وقيل راعياً، وقيل دباغاً، وقيل مكارياً واسمه بالعبرانية شاول ابن قيس وجعله فعلوتاً من الطول تعسف يدفعه منع صرفه. (قالوا أنى يكون له الملك علينا) أي كيف يكون ذلك وكيف يستحقه ولم يكن من بيت الملك (ونحن أحق بالملك منه) وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة فسبط النبوة سبط لاوى ابن يعقوب، ومنه كان موسى وهرون عليهما السلام، وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان عليهما السلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام، فلهذا أنكروا كونه ملكاً لهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه. ثم أكدوا ذلك بقولهم (ولم يؤت سعة من المال) أي ولا هو ممن أوتي سعة من المال حتى نتبعه لشرفه أو لماله بل هو فقير، والملك يحتاج إلى المال (قال) يعني شمويل النبي (إن الله اصطفاه عليكم) أي اختاره وخصه بالملك واختيار الله هو الحجة القاطعة. ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء وقال (وزاده بسطة) أي فضيلة وسعة (في العلم) الذي هو ملاك الإنسان ورأس الفضائل وأعظم وجوه

الترجيح، وكان من أعلم بني إسرائيل وقيل هو العلم بالحرب وبالملك، وقيل به وبالديانات (والجسم) الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها فكان قوياً في دينه وبدنه، وذلك هو المعتبر لأشرف النسب، فإن فضائل النفس مقدمة عليه (¬1). وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من زعم من الشيعة أن الأمامة موروثة، وكان طالوت أطول من الناس برأسه ومنكبيه، وقيل بالجمال وكان من أجملهم، وقيل المراد به القوة لأن العلم بالحروب والقوة على الأعداء مما فيه حفظ المملكة. (والله يؤتي ملكه من يشاء) فالملك ملكه والعبيد عبيده، فما لكم والأعتراض على شيء ليس هو لكم ولا أمره إليكم. وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله هذا من قول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل هو من قول نبيهم وهو الظاهر، وقيل من كلام الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - (والله واسع) أي واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده (عليم) بمن يستحق الملك ويصلح له. ¬

(¬1) قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك، أم أحدثت له بعد الملك؟ فيه قولان. أحدهما: قبل الملك، قاله وهب، والسدي. والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. والمراد بتعظيم الجسم، فضل القوة، إذ العادة أن من كان أعظم جسماً، كان أكثر قوة والواسع: الغني. ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكاً، فأتى بعصا وقرن فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا، ومتى دخل عليك رجل، فنشق الدهن، فهو الملك، فادهن به رأسه، وملكه على بني إسرائيل، فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال عكرمة، والسدي: كان طالوت سقاءً يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فخرج يطلبه. وقال وهب: بل كان دباغاً يعمل الأدم، فضلت خمرٌ لأبيه، فأرسل مع غلام له في طلبها، فمر ببيت شمويل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخلا ليسألاه عن ضالتهما، فنشق الدهن، فقام شمويل، فقاس طالوت بالعصا، وكان على مقدارها، فدهنه، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال طالوت: أما علمت أن وسطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى. قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، فكان كما قال.

248

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248) (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) التابوت فعلوت من التوب وهو الرجوع لأنهم يرجعون إليه أي علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منكم أي رجوعه إليكم، وهو صندوق التوراة قيل وكان من خشب الشمشاد وهو الذي تتخذ منه الأمشاط طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين. (فيه سكينة من ربكم) السكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة أي فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، وقيل الضمير للإتيان أي في إتيانه سكون لكم أو للتابوت أي مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة، قال ابن عطية: الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتتقوى، وقد اختلف في السكينة على أقوال سيأتي بيان بعضها. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون) اختلف في البقية فقيل هي عصا موسى ورضاض الألواح، قال ابن عباس وقيل عصا موسى وعصا هرون وشيء من ألواح التوراة، وقيل كانت التوراة والعلم وقيل كان فيه عصا موسى ونعلاه وعصا هرون وعمامته وقفيز من المن، وكان عند بني اسرائيل يتوارثونه قرناً بعد قرن، فلما عصوا وأفسدوا سلّط عليهم العمالقة فغلبوهم عليه وأخذوه منهم، وقيل غير ذلك. وقيل المراد بآل موسى وهرون هما أنفسهما أي مما ترك موسى وهرون، ولفظ آل مقحمة لتفخيم شأنهما، وقيل المراد الأنبياء من بني يعقوب لأنهما من

ذرية يعقوب فسائر قرابته ومن تناسل منه آل لهما. (تحمله الملائكة) أي تسوقه، قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فلما رأوا ذلك قالوا نعم، فسلموا له الرياسة وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم ويقولون إن آدم نزل بذلك التابوت وبالركن وبعصا موسى من الجنة، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة. وقال قتادة: كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فأقبلت الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت فأصبح في داره فأقروا بملكه، وقد ورد هذا المعنى مختصراً ومطولاً عن جماعة من السلف فلا يأتي التطويل بذكر ذلك بفائدة يعتد بها. وعن ابن عباس أيضاً كان طالوت عظيماً جسيماً يفضل بني إسرائيل بعنقه ولم يأته وحي وكانت سعة تابوت موسى نحواً من ثلاثة أذرع من ذراعين. والسكينة الرحمة والطمأنينة أو الدابة قدر الهرة لها عينان لهما شعاع وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم فيهزم الجيش من الرعب، وعن علي السكينة ريح خجوج هفافة ولها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وقال مجاهد: السكينة شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة ووجه كوجه الهرة وجناحان وذنب مثل ذنب الهرة، وعن ابن عباس: السكينة طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيه. وعن وهب بن منبه أنه قال: هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم ببيان ما يريدون، وعن الحسن قال: هي شيء تسكن إليه قلوبهم، وعن عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها.

وأقول هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلام من جهة اليهود أقمأَهم الله فجاؤا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها تارة حيواناً وتارة جماداً وتارة شيئاً لا يعقل وهكذا كل منقول عن بني اسرائيل يتناقض ويشتمل على ما لا يعقل في الغالب ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير التناقضة مروياً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا رأياً رآه قائله، فهم أجلّ قدراً عن التفسير بالرأي وبما لا مجال للاجتهاد فيه (¬1). إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة لغة وهو معروف ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة فقد جعل الله عنها سعة، ولو ثبت لنا في السكينة تفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لوجب علينا المصير إليه والقول به، ولكنه لم يثبت من وجه صحيح بل ثبت أنها تنزلت على بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن كما في صحيح مسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة نزلت للقرآن (¬2). وليس في هذا إلا أن هذه التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكينة سحابة دارت على ذلك القارىء فالله أعلم. وعن أبي صالح قال: كان في التابوت عصا موسى وعصا هرون وثياب موسى وثياب هرون ولوحان من التوراة والمن، وكلمة الفرج " لا إله إلا الله ¬

(¬1) وقد ذكر الشوكاني رحمه الله في تفسيره - عبارة " وأقول هذه التفاسير .... " فلا أدري هل نسي المؤلف رحمه الله نسبتها للشوكاني أم قد سقطت في الطبع ". (¬2) قال ابن جرير الطبري: فأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها.

الحليم الكريم سبحان الله رب السموات ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين "، وقال قتادة والكلبي: السكينة الطمأنينة ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا وسكنوا إليه (¬1). وهذا القول أولى بالصحة، فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة، ولم يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر، والمرجع فيه إلى اللغة كما تقدم والله أعلم. (إن في ذلك) أي في مجيء التابوت (لآية لكم) أي علامة ودلالة على صدقي ما أخبرتكم به (إن كنتم مؤمنين) يعني مصدقين، قال المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا بالملك لطالوت تأهبوا للخروج إلى الجهاد فأسرعوا لطاعته وخرجوا معه وذلك وقوله: ¬

(¬1) قال القرطبي 3/ 249: قلت: وفى صحيح مسلم عن البَراء قال: كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: " تلك السكينة تنزلت للقرآن ". وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضَير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث. وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم " أخرجه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظُّلة، وأنها تنزل ابداً مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال أن السكينة روح؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم.

249

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) (فلما فصل طالوت بالجنود) فصل معناه خرج بهم يقال فصلت الشيء فانفصل أي قطعته فانقطع، وأصله متعد يقال فصل نفسه ثم استعمل استعمال اللازم كانفصل، وقيل يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال فصل عن البلد فصولاً وفصل نفسه فصلاً، والمعنى قطع مستقره شاخصاً إلى غيره، فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم سبعون ألف مقاتل، وقيل ثمانون ألفاً وقيل مائة وعشرون ألفاً ولم يتخلف عنه إلا كبير لكبره أو مريض لمرضه أو معذور لعذره، وكان مسيرهم في حر شديد فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم، وقالوا إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهراً. (قال) طالوت (إن الله مبتليكم بِنَهَرٍ) أي مختبركم والإبتلاء الاختبار، والنهر قيل هو بين الأردن وفلسطين، وأردن موضع ذو رمل قريب من بيت المقدس، والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو في العصيان في سائر الشدائد أحرى. (فمن شرب منه) قليلاً كان أو كثيراً (فليس مني) أي ليس من أهلِ ديني وطاعتي (ومن لم يطعمه) أي لم يذقه يعني الماء أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً (فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) رخص لهم في الغرفة ليرتفع عنهم أذى

العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال. وفيه أن الغرفة تكف سَوْرة العطش عند الصابرين على شظف العيش الدافعين أنفسهم عن الرفاهية. فالمراد بقوله (فمن شرب منه) أي كرع ولم يقتصر على الغرفة، ومعنى ليس مني ليس من أصحابي، من قولهم فلان من فلان كأنه بعضه لاختلاطهما وطول صحبتهما، وهذا في كلام العرب معروف، يقال طعمت الشيء أي ذقته، وأطعمته الماء أي أذقته. وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام، والإغتراف الأخذ من الشيء باليد أو بآلة، والغرف مثل الإغتراف، والغرفة المرة الواحدة، وقد قرىء بفتح الغين وضمها فالفتح للمرة والضم اسم للشيء المغترف، وقيل بالفتح الغرفة الواحدة بالكف وبالضم الغرفة بالكفين، وقيل هما لغتان بمعنى واحد. (فشربوا منه) أي من النهر (إلا قليلاً منهم) وهم المذكورون في قوله (ومن لم يطعمه) قال القرطبي: إن القليل لم يشرب أصلاً، قال سعيد بن جبير: القليل ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر. وعن البراء قال: كنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة وعن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت (¬1). ¬

(¬1) رواه ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر، فذكره. وأخرج أحمد والبخاري وغيره عن البراء بن عازب قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر -ولم يجاوز معه إلا مؤمن- بضعة عشر وثلاثمائة.

وعن ابن عباس قال: كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فردهم طالوت ومضى ثلثمائة وثلاثة عشر، وقرىء إلا قليل، ولا وجه له إلا ما قيل من أنه من هجر اللفظ إلى جانب المعنى أي لم يطعمه إلا قليل وهو تعسف. (فلما جاوزه هو) أي جاوز النهر طالوت (والذين آمنوا معه) وهم القليل الذين أطاعوه واقتصروا على الغرفة وقال القرطبي: هم الذين لم يذوقوا الماء أصلاً (وقالوا) أي الذين شربوا (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) أي بمحاربتهم ومقاومتهم فضلاً عن أن يكون لنا غلبة عليهم لما شاهدوا منهم من الكثرة والشدة، قال القرطبي: قيل وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح وأكثر المفسرين على أنهم قالوا هذا القول بعدما عبروا النهر مع طالوت، ورأوا جالوت وجنوده فرجعوا منهزمين قائلين هذه المقالة. وبعض المفسرين على أن العصاة لم يعبروا النهر بل وقفوا بساحله وقالوا معتذرين عن التخلف منادين ومسمعين لطالوت والمؤمنين الذين معه لا طاقة لنا اليوم الخ، والجند الأنصار والأعوان والجمع أجناد وجنود الواحد جندي. فالياء للوحدة مثل روم ورومي. و (قال الذين يظنون) أي يتيقنون رداً على المتخلفين (أنهم ملاقوا الله) أي أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله، صرح به القاضي كالكشاف (كم من فئة قليلة) الفئة الجماعة لا واحد له من لفظه والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف أي قطعته (غلبت فئة كثيرة بإذن الله) أي بقضاء الله وإرادته (والله مع الصابرين) بالنصر والعون، وهذه من جملة مقولهم، ويحتمل أنها من كلام الله تعالى أخبر بها عن حال الصابرين فلا محل لها من الإعراب.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)

250

(ولما برزوا لجالوت وجنوده) أي صاروا في البراز وهو المتسع من الأرض وما انكشف منها واستوى، ومنه سميت المبارزة في الحرب لظهور كل قرن إلي صاحبه. والمعنى ظهروا لقتالهم وتصافحوا، والبراز بالفتح والكسر لغة قليلة: الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وجالوت أمير العمالقة وكان جباراً من أولاد عمليق بن عاد (قالوا) أي جميع من معه من المؤمنين (ربنا أفرغ) أي أصبب (علينا صبراً) الإفراغ يفيد معنى الكثرة (وثبت أقدامنا) عبارة عن كمال القوة والرسخ وعدم الفشل والتزلزل عند المقاومة، يقال ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له والنصر معه، وليس المراد تقررها في مكان واحد (وانصرنا على القوم الكافرين) هم جالوت وجنوده، ووضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لما هو العلة الموجبة للنصرة عليهم وهي كفرهم، وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام لكون الثاني هو غاية الأول.

251

(فهزموهم بإذن الله) الهزم الكسر ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هزمة جبريل أي هزمها برجله فخرج الماء، والهزم ما يكسر من يابس الحطب، وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم النصر فهزموهم بأمر الله وإرادته.

(وقتل داود جالوت) هو داود بن إيشاو ويقال ابن داود بن زكريا ابن بشوى من سبط يهوذا ابن يعقول جمع الله له بين النبوة والملك بعد أن كان راعياً، وكان أصغر أخوته، اختاره طالوت لمقابلة جالوت فقتله، وكان يومئذ صغيراً لم يبلغ الحلم سقيماً أصفر اللون يرعى الغنم، فهذه الواقعة قبل نبوته وأن أباه كان من جملة جيش طالوت. وعن مجاهد وغيره قال: كان طالوت أميراً على الجيش فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته فقال داود لطالوت: ماذا لي وأقتل جالوت فقال: لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي فأخذ نحلاة فجعل فيها ثلاث مروات ثم سمى إبراهيم وإسحق ويعقوب ثم أدخل يده فقال بسم الله إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب فخرج على إبراهيم فجعله في مرجمته فرمى بها جالوت فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ما وراءه ثلاثين رجلاً فأخذ داود جالوت حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح بنو إسرائيل فزوجه ابنته، وأعطاه نصف الملك فمكث معه كذلك أربعين سنة فمات طالوت واستقل داود بالملك سبع سنين، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى فسبحان من لا ينقضي ملكه، وقد ذكر المفسرون أقاصيص كثيرة من هذا الجنس فالله أعلم. (وآتاه الله) أي داود (الملك) الكامل سبع سنين بعد موت طالوت (والحكمة) والمراد بالحكمة هنا النبوة، وقيل هي تعليمه صنعة الدروع من الحديد وكان يلين في يده وينسجه كنسج الغزل، ومنطق الطير والألحان أي فهم أصواته، وكذا البهائم، وقيل هي إعطاؤه السلسلة التي كانوا يتحاكمون إليها. (وعلّمه مما يشاء) قيل إن المضارع هنا موضوع موضع الماضي وفاعل ذلك هو الله تعالى، وقيل داود، وظاهر هذا التركيب أن الله سبحانه علمه مما قضت به مشيئته وتعلقت به إرادته، وقد قيل إن من ذلك ما قدمناه من تعليمه

صنعة الدروع وما بعده، قيل كان ملك طالوت إلى أن قتل مدة أربعين سنة فأتى بنو إسرائيل إلى داود فملكوه عليهم وأعطوه خزائن طالوت. قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت نحو سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود، فجمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من قبل، ولم يجتمعا لأحد قبله، بل كانت النبوة في سبط، والملك في سبط ثم جمع الله له ذلك ولابنه سليمان بين الملك والنبوة. (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) قرىء الدفع والدفاع وهما مصدران لدفع كذا وعلى القراءتين فالمصدر مضاف إلى الفاعل أي ولولا دفع الله الناس، وبعضهم بدل من الناس وهم الذين يباشرون أسباب الشر والفساد ببعض آخر منهم، وهم أهل الإيمان الذين يكفّونهم عن ذلك ويردونهم عنه. (لفسدت الأرض) لتغلب أهل الفساد عليها وإحداثهم الشرور التي تهلك الحرث والنسل، قال ابن عباس: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي. وأخرج ابن عدي وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ابن عمر (ولولا دفع الله الناس) الآية في إسناده يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف جداً ورواه أحمد أيضاً (¬1). (ولكن الله ذو فضل) التنكير للتعظيم (على العالمين) أي عمّ فضله الناس كلهم. ¬

(¬1) ضعيف جداً رواه ابن جرير في التفسير 5/ 574/5753 والعقيلي في الضعفاء/463 والواحدي في تفسيره الوسيط 1/ 91/2 وابن عدي 100/ 2.

تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

252

(تلك آيات الله) هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة (نتلوها عليك بالحق) والمراد بالحق هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب والمطلعين على أخبار العالم (وإنك لمن المرسلين) إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتاً لجنانه وتشييداً لأمره، وأن الذي يخبر به من الأخبار العجيبة والقصص القديمة وحي من الله من غير أن يعرفها بقراءة كتب ولا استماع أخبار فدل ذلك على رسالتك.

253

(تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض) قيل هو إشارة إلى جميع الرسل فيكون الألف واللام للاستغراق، وقيل هو إشارة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة، وقيل إلى الأنبياء الذي بلغ علمهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. والمراد بتفضيل بعضهم على بعض أن الله سبحانه جعل لبعضهم من مزايا الكمال فوق ما جعله للآخر فكان الأكثر مزايا فاضلاً، والآخر مفضولاً، وكما دلت هذه الآية على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، كذلك دلت الآية الأخرى عليه وهي قوله تعالى (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبوراً). وعن قتادة قال: اتخذ الله إبراهيم خليلاً وكلم الله موسى تكليماً وجعل

عيسى كمثل آدم خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون وهو عبد الله وكلمته وروحه وآتى داود زبوراً وآتى سليمان ملكاً عظيماً لا ينبغي لأحد من بعده وغفر لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال الخازن: أجمعت الأمة على أن نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - أفضل الأنبياء لعموم رسالته وهو قوله (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً). وقد استشكل جماعة من أهل العلم الجمع بين هذه الآية وبين ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: " لا تفضلوني على الأنبياء " وفي لفظ آخر: " لا تفضلوا بين الأنبياء " (¬1)، وفي لفظ: " لا تخيروا بين الأنبياء " فقال قوم إن هذا القول منه - صلى الله عليه وسلم - كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل، وقيل إنه قال - صلى الله عليه وسلم - ذلك على سبيل التواضع كما قال: لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى (¬2)، تواضعاً مع علمه أنه أفضل الأنبياء كما يدل عليه قوله: " أنا سيد ولد آدم ". وقيل إنما نهى عن ذلك قطعاً للجدال والخصام في الأنبياء فيكون مخصوصاً بمثل ذلك لا إذا كان صدور ذلك مأموناً. وقيل إن النهي هو من جهة النبوة فقط لأنها خصلة واحدة لا تفاضل فيها ولا نهي عن التفاضل بزيادة الخصوصيات والكرامات. وقيل إن المراد النهي عن التفضيل بمجرد الأهواء والعصبية، وفي جميع هذه الأقوال ضعف. ¬

(¬1) روى مسلم في صحيحه 2374. (¬2) رواه مسلم في صحيحه 2376 برواية أنه قال -يعني الله عز وجل- لا ينبغي لعبدي أن يقول أنا خير من يونس بن متى عليه السلام.

وعندى أنه لا تعارض بين القرآن والسنة فإن القرآن دل على أن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، وذلك لا يستلزم أنه يجوز لنا أن نفضل بعضهم على بعض، فإن المزايا التي هي مناط التفضيل معلومة عند الله تعالى لا يخفى على الله منها، خافية، وليست بمعلومة عند البشر، فقد يجهل أتباع نبي من الأنبياء بعض مزاياه وخصوصياته فضلاً عن مزايا غيره، والتفضيل لا يجوز إلا بعد العلم بجميع الأسباب التي يكون بها هذا فاضلاً وهذا مفضولاً لاقبل العلم ببعضها أو بأكثرها أو بأقلها، فإن ذلك تفضيل بالجهل وإقدام على أمر لا يعمله الفاعل له وهو ممنوع منه. فلو فرضنا أنه لم يرد إلا القرآن بالإخبار لنا بأن الله فضل بعض أنبيائه على بعض، لم يكن فيه دليل على أنه يجوز للبشر أن يفضلوا بين الأنبياء، فكيف وقد وردت السنة الصحيحة بالنهي عن ذلك. وإذا عرفت هذا علمت أنه لا تعارض بين القرآن والسنة بوجه من الوجوه فالقرآن فيه الإخبار من الله بأنه فضل بعض أنبيائه على بعض، والسنة فيها النهي لعباده أن يفضلوا بين أنبيائه، فمن تعرض للجمع بينهما زاعماً أنهما متعارضان فقد غلط غلطاً بيناً. (منهم) تفصيل للتفضيل المذكور إجمالاً (من كلّم الله) أي بغير واسطة وهو موسى كلمه في الطور، ونبينا سلام الله عليهما كلمه ليلة الإسراء، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في آدم نبي مكلم، وقد ثبت ما يفيد ذلك في صحيح ابن حبان من حديث أبي ذر، والإلتفات حيث لم يقل كلمنا لتربية المهابة بهذا الاسم الشريف والرمز إلى ما بين التكليمين ورفع الدرجات من التفاوت. (ورفع بعضهم درجات) هذا البعض يحتمل أن يراد به من عظمت

منزلته عند الله سبحانه من الأنبياء، ويحتمل أن يراد به نبينا - صلى الله عليه وسلم - لكثرة مزاياه المقتضية لتفضيله، ويحتمل أن يراد به إدريس لأن الله سبحانه أخبرنا بأنه رفعه مكاناً علياً، وقيل إنهم أولو العزم، وقيل إبراهيم. ولا يخفاك أن الله سبحانه أبهم هذا البعض المرفوع فلا يجوز لنا التعرض للبيان له إلا ببرهان من الله سبحانه أو من نبيه - صلى الله عليه وسلم -، ولم يرد ما يرشد إلى ذلك، فالتعرض لبيانه هو من تفسير القرآن الكريم بمحض الرأي، وقد عرفت ما فيه من الوعيد الشديد مع كون ذلك ذريعة إلى التفضيل بين الأنبياء وقد نهينا عنه. وقد جزم كثير من أئمة التفسير أنه نبينا - صلى الله عليه وسلم -، وأطالوا في ذلك واستدلوا بما خصه الله به من المعجزات ومزايا الكمال وخصال الفضل. وهم بهذا الجزم بدليل لا يدل على المطلوب قد وقعوا في خطرين، وارتكبوا نهيين، وهما تفسير القرآن بالرأي، والدخول في ذرائع التفضيل بين الأنبياء وإن لم يكن ذلك تفضيلاً صريحاً فهو ذريعة إليه بلا شك ولا شبهة، لأن من جزم بأن هذا البعض المرفوع درجات هو النبي الفلاني، انتقل من ذلك إلى التفضيل المنهيّ عنه (¬1). وقد أغنى الله نبينا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بما لا يحتاج معه إلى غيره من الفضائل والفواضل، فإياك أن تتقرب إليه - صلى الله عليه وسلم - بالدخول في أبواب نهاك عن دخولها فتعصيه وتسيء وأنت تظن أنك مطيع محسن. (وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة ¬

(¬1) وقد استدل هؤلاء بحديث: بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأُحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وغيرها من المعجزات.

من إحياء الأموات وإبراء المرضى من الأكمه والأبرص وغير ذلك (وأيدناه) أي قويناه (بروح القدس) هو جبريل وكان يسير معه حيث سار إلى أن رفعه الله إلى عنان السماء السابعة وقد تقدم الكلام على هذا. (ولو شاء الله ما اقتتل) أي ما اختلف فأطلق الاقتتال وأراد سببه وهو الاختلاف (الذين من بعدهم) أي من بعد الرسل وقيل من بعد موسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام لأن الثاني مذكور صريحاً، والأول والثالث وقعت الإشارة إليهما بقوله (منهم من كلم الله) أي لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا فمفعول المشيئة محذوف على القاعدة، وقيل أن لا يؤمروا بالقتال وقيل أن يصيرهم إلى الإيمان وكلها متقاربة. (من بعد ما جاءتهم البينات) أي الدلالات الواضحات من الله بما فيه مزدجر لمن هداه الله تعالى ووفقه (ولكن اختلفوا) استثناء من الجملة الشرطية أي ولكن الاقتتال ناشىء عن اختلافهم اختلافاً كثيراً حتى صاروا مللاً مختلفة، والمعنى لو شاء الله الاتفاق لاتفقوا، ولكن شاء الاختلاف فاختلفوا وفيه إشارة إلى قياس استثنائي. (فمنهم من آمن ومنهم من كفر) أي ثبت على إيمانه أو تعمد الكفر بعد قيام الحجة كالنصارى بعد المسيح (ولو شاء الله) عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف (ما اقتتلوا) تأكيد (ولكن الله يفعل ما يريد) من توفيق من شاء، وخذلان من شاء، لا رادّ لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض عليه في ملكه وفعله. وسأل رجل علياً عن القدر فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: بحر عميق فلا تلجه، فأعاد السؤال فقال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه.

254

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254) (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم) ظاهر الآية الوجوب وقد حمله جماعة على صدقة الفطر لذلك ولما في آخر الآية من الوعيد الشديد، وقيل إن هذه الآية تجمع زكاة الفرض والتطوع، قال ابن عطية: وهذا صحيح ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع المؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله. قال القرطبي: وعلى هذا التأويل يكون إنفاق المال مرة واجباً ومرة ندباً بحسب تعينّ الجهاد وعدم تعينه. (من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه) أي أنفقوا ما دمتم قادرين وقدموا لأنفسكم اليوم من الأموال من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الإنفاق فيه وهو يوم لا يتبايع الناس فيه ولا تجارة فيكتسب الإنسان من يفتدي به نفسه من العذاب. (ولا خلّة) خالص المودة من تخلل الأسرار بين الصديقين أخبر سبحانه أنه لا خلة في يوم القيامة نافعة ولا مودة ولا صداقة. (ولا شفاعة) مؤثرة إلا لمن أذن الله له، قيل وقد دلت النصوص على ثبوت المودة والشفاعة بالإذن بين المؤمنين هذا عام مخصوصاً (والكافرون هم الظالمون) فيه دليل على أن كل كافر ظالم لنفسه. ومن جملة من يدخل تحت هذا العموم مانع الزكاة منعاً يوجب كفره لوقوع ذلك في سياق الأمر بالإنفاق، وعن عطاء قال: الحمد لله الذي قال (والكافرون هم الظالمون) ولم يقل والظالمون هم الكافرون.

255

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255) (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) أي لا معبود بحق إلا هو، وهذه الجملة خبر المبتدأ، والحي الباقي، وقيل الذي لا يزول ولا يحول، وقيل المصرف للأمور والمقدّر للأشياء. قال الطبري: عن قوم أنه يقال حي كما وصف نفسه ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه، وهو خبر ثان أو مبتدأ خبره محذوف. والقيوم القائم على كل نفس بما كسبت، وقيل القائم بذاته المقيم لغيره، وقيل القائم بتدبير الخلق وحفظه، وقيل هو الذي لا ينام، وقيل الذي لا بديل له. وقرأ جماعة القيام بالألف. وروي ذلك عن عمر. ولا خلاف بين أهل اللغة أن القيوم أعرف عند العرب وأصح بناء وأثبت علة. وهذه الآية أفضل آية في القرآن. ومعنى الفضل أن الثواب على قراءتها أكثر منه على غيرها من الآيات، هذا هو التحقيق في تفضيل القرآن بعضه على بعض، وإنما كانت أفضل لأنها جمعت من أحكام الألوهية وصفات الإله الثبوتية والسلبية ما لم تجمعه آية أخرى. (لا تأخذه سنة ولا نوم) هذا كالتعليل لقوله القيوم، السِّنة النعاس في قول الجمهور، والنعاس ما يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين فإذا صار في القلب صار نوماً، وفرق المفضل بين السِّنة والنعاس والنوم فقال السنة من الرأس، والنعاس في العين، والنوم في القلب انتهى.

والذي ينبغي التعويل عليه في الفرق بين السنة والنوم أن السنة لا يفقد معها العقل بخلاف النوم، فإنه استرخاء أعضاء الدماغ من رطوبات الأبخرة حتى يفقد معه العقل. بل وجميع الإدراكات بسائر المشاعر. والمراد أنه لا يعتريه شيء منهما، وقدّم السنة على النوم لكونها تتقدمه في الوجود فهو على حد لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. قال الرازي في تفسيره: إن السنة ما يتقدم النوم، فإذا كانت عبارة عن مقدمة النوم، فإذا قيل لا تأخذه سنة دل على أنه لا يأخذه نوم بطريق الأولى، فكان ذكر النوم تكراراً، قلنا تقدير الآية لا تأخذه سنة فضلاً عن أن يأخذه نوم والله أعلم بمراده انتهى. وأقول إن هذه الأولوية التي ذكرها غير مسلمة فإن النوم قد يرد ابتداء من دون ما ذكر من النعاس، وإذا ورد على القلب والعين دفعة واحدة فإنه يقال له نوم، ولا يقال له سنة، فلا يستلزم نفي السِّنة نفي النوم. وقد ورد عن العرب نفيهما جميعاً. وأيضاً فإن الإنسان يقدر على أن يدفع عن نفسه السنة ولا يقدر على أن يدفع عن نفسه النوم فقد يأخذه النوم ولا تأخذه السنة، فلو وقع الاقتصار في النظم القرآني على نفي السنة لم يفد ذلك نفي النوم، وهكذا لو وقَع الاقتصار على نفي النوم لم يفد نفي السنة فكم من ذي سنة غير نائم. وكرر حرف النفي للتنصيص على شمول النفي لكل واحد منهما فالسنة النوم الخفيف، والنوم هو الثقيل المزيل للعقل والقوة، والوسنان بين النائم واليقظان. والجملة نفي للتشبيه بينه تعالى وبين خلقه والله منزّه عن النقص

والآفات، وإن ذلك تغير وهو مقدس عن التغير. وعن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيباً بخمس كلمات فقال: " إن الله عز وجل لا ينام ولا ينبغي له أن ينام " (¬1) الحديث رواه مسلم. (له ما في السموات وما في الأرض) يعني أنه تعالى مالك جميع ذلك بغير شريك ولا منازع وهو خالقهم، وهم عبيده وخلقه، وهم في ملكه، وأجرى الغالب مجرى الكل فعبر عنه بلفظ " ما " دون " من " وفيه رد على المشركين العابدين لبعض الكواكب التي في السماء، والأصنام التي في الأرض يعني فلا تصلح أن تعبد لأنها مملوكة مخلوقة له، واللام إما للقهر وإما للملك وإما للإيجاد. (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) في هذا الاستفهام من الإنكار على من يزعم أن أحداً من عباده يقدر على أن ينفع أحداً منهم بشفاعة أو غيرها والتقريع والتوبيخ له ما لا مزيد عليه. وفيه من الدفع في صدور عباد القبور والصك في وجوههم والفت في أعضادهم ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه. والذي يستفاد منه فوق ما يستفاد من قوله تعالى (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) وقوله تعالى (وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) وقوله تعالى (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن) بدرجات كثيرة. وقد بينت الأحاديث الصحيحة الثابتة في دواوين الإسلام صفة الشفاعة ¬

(¬1) رواه مسلم/179.

ولمن هي ومن يقوم بها بالإذن (¬1). (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) الضميران لما في السموات والأرض بتغليب العقلاء على غيرهم، وما بين أيديهم وما خلفهم عبارة عن المتقدم عليهم والمتأخر عنهم، أو عن الدنيا والآخرة وما فيهما، وقال مجاهد: ما مضى من الدنيا وما خلفهم من الآخرة. وعن ابن عباس: ما قدّموا من أعمالهم وما أضاعوا من أعمالهم. والمقصود أنه عالم بجميع المعلومات لا يخفى عليه شيء من أحوال جميع خلقه. حتى يعلم دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، تحت الأرض الغبراء، وحركة الذرة في جو السماء، والطير في الهواء، والسمك في الماء. وفيه رد على من ينفي عنه سبحانه علم الجزئيات كالفلاسفة وهي أي صفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء. (ولا يحيطون بشيء من علمه) قد تقدم معنى الإحاطة، والعلم هنا بمعنى المعلوم أي لا يحيطون بشيء من معلوماته (إلا بما شاء) أن يطلعهم عليه بأخبار الأنبياء والرسل ليكون دليلاً على نبوتهم؛ وليس ذلك إليهم بل إليه. (وسع كرسيه) ويقال فلان يسع الشيء سعة إذا احتمله وأمكنه القيام به، وأصل الكرسي في اللغة مأخوذ من تركب الشيء بعضه على بعض، ومنه الكراسة لتركب بعض أوراقها على بعض، وفي العرف ما يجلس عليه، والكرسي هنا الظاهر أنه الجسم الذي وردت الآثار بصفته كما سيأتي بيان ذلك. ¬

(¬1) انظر/شرح العقيدة الطحاوية.

وقد نفى وجوده جماعة من المعتزلة. وأخطأوا في ذلك خطأً بيناً وغلطوا غلطاً فاحشاً. وقال بعض السلف: إن الكرسي هنا عبارة عن العلم قالوا: ومنه قيل للعلماء كراسي، ومنه الكراسة التي يجمع فيها العلم، ورجح هذا القول ابن جرير المجري، وفي القاموس الكرسي بالضم والكسر السرير والعلم. والجمع كراسي، وقيل كرسيُّه قدرته التي يمسك بها السموات والأرض كما يقال اجعل لهذا الحائط كرسياً أي ما يعمده، وقيل إن الكرسي هو العرش وقيل هو تصوير لعظمته ولا حقيقة له. وقال التفتازاني: إنه من باب إطلاق المركب الحسي المتوهم على المعنى العقلي المحقق، وقال البيضاوي: لا كرسي في الحقيقة ولا قاعد وهو تمثيل مجرد، وقيل هو عبارة عن الملك والسلطان مأخوذ من كرسي العالم والملك. والحق القول الأول ولا وجه للعدول عن المعنى الحقيقي إلا مجرد خيالات تسببت عن جهالات وضلالات جاءت عن الفلاسفة أقمأهم الله تعالي. والمراد بكونه وسع (السموات والأرض) أنها صارت فيه وأنه وسعها ولم يضق عنها لكونه بسيطاً واسعاً، وأخرج الدارقطني في الصفات والخطيب في تاريخه عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الله وسع كرسيه قال: " كرسيه موضع قدمه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل " وأخرجه الحاكم وصححه (¬1). وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ¬

(¬1) المستدرك كتاب التفسير 2/ 282.

ذر الغفاري أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكرسي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده ما السموات السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في أرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة " (¬1). وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً أنه موضع القدمين وفي سنده الحكم بن ظهير الفزاري الكوفي وهو متروك. وقد ورد عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم في وصف الكرسي آثار لا حاجة في بسطها. (ولا يؤوده حفظهما) معناه لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه حفظ السموات والأرض، يقال آدَنيِ بمعنى أثقلني وتحملت منه مشقة، وقال الزجاج: يحتمل أن يكون الضمير في قوله يؤوده لله سبحانه، ويجوز أن يكون للكرسي لأنه من أمر الله. (وهو العلي العظيم) العلي يراد به علو القدر والمنزلة أي الرفيع فوق خلقه ليس فوقه شيء وقيل العلي بالملك والسلطنة والقهر فلا أعلى منه أحد، وقيل علا من أن يحيط به وصف الواصفين ذو العظمة والجلال الذي كمل في عظمته. وحكى الطبري عن بعضهم أنهم قالوا: هو العلي عن خلقه بارتفاع مكانه عن أماكن خلقه، قال ابن عطية: وهذا قول جهلة مجسمين وكان الواجب أن لا يحكى انتهى. والخلاف في إثبات الجهة معروف في السلف والخلف، والنزاع فيه كائن ¬

(¬1) أخرجه الآجري وأبو حاتم البُسْتي في صحيح مسندة والبيهقي وذكر أنه صحيح.

بينهم والأدلة من الكتاب والسنة طافحة بها، ولكن الناشىء على مذهب يرى غيره خارجاً عن الشرع، ولا ينظر في أدلته ولا يلتفت إليها الكتاب والسنة هما المعيار الذي يعرف به الحق من الباطل، ويتبين به الصحيح من الفاسد، ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض. ولا شك أن هذا اللفظ يطلق على القاهر الغالب أيضاً كما في قوله (إن فرعون علا في الأرض) والعظيم بمعنى عظم شأنه وخطره. قال في الكشاف: إن الجملة الأولى بيان لقيامه بتدبير الخلق وكونه مهيمناً عليه غير ساهٍ عنه والثانية بيان لكونه مالكاً لما يدبره، والجملة الثالثة بيان لكبرياء شأنه والجملة الرابعة بيان لإحاطته بأحوال الخلق وعلمه بالمرتضى منهم المستوجب للشفاعة وغير المرتضى، والجملة الخامسة بيان لسعة علمه وتعلقه بالمعلومات كلها أو لجلاله وعظم قدره انتهى. وبالجملة فهذه الآية قد اشتملت على أمهات المسائل الإلهية فإنها دالة على أنه تعالى موجود واحد في الإلوهية متصف بالحياة الأزلية الأبدية، واجب الوجود لذاته موجد لغيره، إذ القيوم هو القائم بنفسه المقيم لغيره منزّه عن التحيز والحلول، مبرّأ عن التغير والفتور، لا يناسب الأشباح ولا يعتريه ما يعتري النفوس والأرواح، مالك الملك والملكوت ومبدع الأصول والفروع، وذو البطش الشديد الذي لا يشفع أحد عنده كائناً من كان إلا من أذن له الرحمن، عالم بالأشياء كلها جليها وخفيها كُلّيها وجزئيها، واسع الملك والقدرة لكل ما يصح أن يملك ويقدر عليه، لا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن، متعال عن الخلق، مباين عن العالم مستو على العرش، عليّ الذات سمي الصفات كبير الشأن جليل القدر رفيع الذكر مطاع الأمر جلي البرهان عليّ عما يدركه القياس والظن والوهم عظيم لا يحيط به عالم الخلائق والفهم. ولذلك قد ورد في فضل هذه الآية أحاديث فأخرج أحمد ومسلم واللفظ

له عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سأله: أي آية من كتاب الله أعظم قال: آية الكرسي قال: " ليهنك العلم أبا المنذر ". وأخرج البخاري في تاريخه والطبراني وأبو نعيم في المعرفة بسند رجاله ثقات عن ابن الأسقع البكري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاءهم في صفّة المهاجرين فسأله إنسان أي آية في القرآن أعظم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الله لا اله إلا هو الحي القيوم) الآية. وأخرج سعيد بن منصور والحاكم والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " سورة البقرة فيها آية سيدة آي القرآن لا تقرأ في بيت فيه شيطان إلا وخرج منه، آية الكرسي " قال الحاكم صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في هاتين الآيتين (الله لا إله إلا هو الحي القيوم، والم، الله لا إله إلا هو) " إن فيهما اسم الله الأعظم ". وقد وردت أحاديث في فضلها غير هذه وورد أيضاً في فضل قراءتها دُبر الصلوات وفي غير ذلك، وورد أيضاً مع مشاركة غيرها لها أحاديث في فضلها، وورد عن السلف في ذلك شيء كثير (¬1). ¬

(¬1) في البخاري عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، وذكر قصة وفيها: فقلت يا رسول الله، زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: " ما هي "؟ قلت قال لي: إذا آويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم " الله لا إله إلا هو الحي القيوم ". وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، وكانوا أحرص شيء على الخير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أما إنه قد صدقك وهو كذوب تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة "؟ قال: لا؛ قال: " ذاك شيطان ".

256

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) وقد اختلف أهل العلم في قوله (لا إكراه في الدين) على أقوال: الأول: أنها منسوخة لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض منهم إلا الإسلام، والناسخ لها قوله تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة) وقال تعالى (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون) وقد ذهب إلى هذا كثير من المفسرين. القول الثاني: أنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وإنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية، بل الذين يكرهون هم أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، وإلى هذا ذهب الشعبي والحسن وقتادة والضحاك. القول الثالث: أن هذه الآية في الأنصار خاصة. القول الرابع: أن معناها لا تقولوا لمن أسلم تحت السيف إنه مكره فلا إكراه في الدين. القول الخامس: أنها وردت في السبي متى كانوا من أهل الكتاب لم يجبروا على الإسلام. وقال ابن كثير في تفسيره أى لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يُكره أحد على

الدخول فيه، بل من هداه الله إلى الإسلام وشرح صدره ونوّر بصيرته دخل فيه على بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً (¬1)، وهذا يصلح أن يكون قولاً سادساً. وقال في الكشاف في تفسير هذه الآية أي لم يُجر الله أمر الإيمان على الإجبار والقسر ولكن على التمكن والإختيار، ونحوه قوله (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) أي لو شاء لقسرهم على الإيمان ولكن لم يفعل وبنى الأمر على الأختيار، وهذا يصلح أن يكون قولاً سابعاً. والذي ينبغي اعتماده ويتعين الوقوف عنده أنها في السبب الذي نزلت لأجله محكمه غير منسوخة، وهو أن المرأة من الأنصار تكون مقلاة لا يكاد يعيش لها ولد فتجعل على نفسها إن عاش لها ولد أن تهوده فلما أجليت يهود بني النضير كان فيهم من أبناء الأنصار فقالوا لا ندع أبناءنا فنزلت، أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما عن ابن عباس. وقد وردت هذه القصة من وجوه حاصلها ما ذكره ابن عباس مع زيادات تتضمن أن الأنصار قالوا إنما جعلناهم على دينهم أي دين اليهود ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وأن الله جاء بالإسلام فلنكرهنهم، فلما نزلت خيّر الأبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يكرههم على الإسلام. وهذا يقتضي أن أهل الكتاب لا يكرهون على الإسلام إذا اختاروا البقاء على دينهم وأدوا الجزية، وأما أهل الحرب فالآية وإن كانت تعمهم لأن النكرة في سياق النفي وتعريف الدين يفيدان ذلك، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لكن قد خصص هذا العموم بما ورد في الآيات من إكراه ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 310.

أهل الحرب من الكفار على الإسلام. وقد قيل هذه الآية إلى (خالدون) من بقية آية الكرسي، والتحقيق أن هذه الآية مستأنفة جيء بها إثر بيان صفات الباري المذكورة إيذاناً بأن من حق العاقل أن لا يحتاج إلى التكليف والإكراه في الدين بل يختار الدين الحق من غير تردد. (قد تبيّن الرشد من الغيّ) الرشد هنا الإيمان، والغي الكفر أي قد تميز أحدهما من الآخر، وأصل الغي بمعنى الجهل إلا أن الجهل في الاعتقاد والغي في الأعمال، وهذا استئناف يتضمن التعليل لما قبله. (فمن يكفر بالطاغوت) الطاغوت فعلوت من طغى يطغى ويطغو، إذا جاوز الحد، قال سيبويه: هو اسم مذكر مفرد أي اسم جنس يشمل القليل والكثير قاله سيبويه، وقال أبو علي الفارسي إنه مصدر كرهبوت وجبروت يوصف به الواحد والجمع. وقيل أصل الطاغوت في اللغة مأخوذ من الطغيان يؤدي معناه من مخير اشتقاق، وقال المبرد هو جمع، قال ابن عطية وذلك مردود. قال الجوهري: والطاغوت الكاهن والساحر والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله وقد يكون واحداً، قال تعالى (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) وقد يكون جمعاً، قال تعالى (أولياؤهم الطاغوت) والجمع الطواغيت أي فمن يكفر بالشيطان أو الأصنام أو أهل الكهانة ورؤس الضلالة أو بالجميع. (ويؤمن بالله) عز وجل بعدما تميز له الرشد من الغي، والحق عن الباطل والهدى عن الضلالة، وإنما قدّم الكفر بالطاغوت على الإيمان بالله لأن

الشخص ما لم يخالف الشيطان ويترك عبادة غيره تعالى لم يؤمن بالله كما قالوا إن التخلية مقدمة على التحلية. (فقد استمسك بالعروة) هو في الأصل شد اليد وأصل المادة يدل على التعلق، ومنه عروته إذا ألمت به متعلقاً به واعتراه الهم تعلق به (الوثقى) أي فقد فاز وتمسّك بالحبل الوثيق المحكم، والوثقى فعلى من الوثاقة تأنيث الأوثق وجمعها وثق مثل الفضلى والفضل. وقد اختلف المفسرون في تفسير العروة الوثقى بعد اتفاقهم على أن ذلك من باب التشبيه والتمثيل لما هو معلوم بالدليل بما هو مدرك بالحاسة فقيل المراد بالعروة الإيمان، وقيل الإسلام، وقيل لا إله إلا الله، وقيل من باب الاستعارة المفردة حيث استعير العروة الوثقى للاعتقاد الحق ولا مانع من الحمل على الجميع. (لا انفصام لها) الانفصام الانكسار من غير بينونة، قال الجوهري: فصم الشيء كسره من غير أن يبين، وأما القصم بالقاف فهو الكسر مع البينونة، وفسر صاحب الكشاف الانفصام بالانقطاع. والمعنى أن المتمسك بالدين كالمتمسك بالشيء الذي لا يمكن كسره ولا انقطاعه، والجملة مستأنفة أو حالية (والله سميع عليم) يسمع قول من كفر بالطاغوت وأتى بالشهادتين، والجملة اعتراض تذييلي حامل على الإيمان رادع عن الكفر والنفاق بما فيه من الوعد والوعيد.

257

اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257) (الله ولي الذين آمنوا) الولي فعيل بمعنى فاعل وهو الناصر (يخرجهم من الظلمات إلى النور) تفسير للولاية أو حال من الضمير في ولي، وهذا يدل على أن المراد بقوله (الذين آمنوا) الذين أرادوا الإيمان لأن من قد وقع منه الإيمان قد خرج من الظلمات إلى النور إلا أن يراد بالإخراج إخراجهم من الشبهة التي تعرض المؤمنين فلا يحتاج إلى تقدير الإرادة، قيل كل ما في القرآن من الظلمات والنور فالمراد به الكفر والإيمان غير الذي في سورة الأنعام فالمراد به الليل والنهار، وإفراد النور لوحدة الحق، وجمع الظلمات لتعدد فنون الضلال. (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات) المراد بالنور ما جاء به أنبياء الله من الدعوة إلى الدين فإن ذلك نور للكفار أخرجهم أولياؤهم منه إلى ظلمة الكفر أي قرّرهم أولياؤهم على ما هم عليه من الكفر بسبب صرفهم عن إجابة الداعي إلى الحق من الأنبياء، وقيل المراد بالذين كفروا هنا الذين ثبت في علمه تعالى كفرهم يخرجهم أولياؤهم من الشياطين ورؤس الضلال من النور الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها إلى ظلمات الكفر التي وقعوا فيها بسبب ذلك الإخراج، وقيل ذكر هذا الإخراج مشاكلة للأول أو فيمن آمن بالنبي قبل بعثته من اليهود ثم كفر به، فتلخص أن الجواب الأول بالتسليم والثاني بالمنع. (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) يعني الكفار والطاغوت أي هم ملابسوها وملازموها بسبب ما لهم من الجرائم ماكثون فيها أبداً.

258

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) (ألم تر إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربه) في هذه الآية استشهاد على ما تقدم ذكره من أن الكفرة أولياؤهم الطاغوت، وهمزة الاستفهام لإنكار النفي وتقرير المنفي أي ألم ينته علمك أو نظرك إلى هذا الذي صدرت منه هذه المحاجة، وألم تر: كلمة يوقف بها المخاطب على تعجب منها ولفظها استفهام، قال الفراء: ألم تر بمعنى هل رأيت أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم وهو النمرود بن كوش ابن كنعان بن سام بن نوح، وقيل إنه النمرود بن فالخ بن شانج بن أرفخشد ابن سام، وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبر في الأرض وادعى الربوبية وكان ابن زنا. (أن آتاه الله الملك) أي لأن آتاه الله أو من أجل أن آتاه الله على معنى أن إيتاء الملك أبطره وأورثه الكبر والعتو، فحاج لذلك أو على أنه وضع المحاجة التي هي أقبح وجوه الكفر موضع ما يجب عليه من الشكر، كما يقال عاديتني لأني أحسنت إليك. قال مجاهد: ملك الأرض أربعة: مؤمنان سليمان وذو القرنين، وكافران نمرود وبخت نصر، واختلفوا في وقت المحاجة فقيل لما كسر إبراهيم الأصنام وقيل بعد إلقائه في النار، وكان مدة ملكه أربعمائة سنة. (إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت) أراد

إبراهيم عليه السلام أن الله هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد، وأراد الكافر أنه يقدر على أن يعفو عن القتل فيكون ذلك إحياء، وعلى أن يقتل فيكون ذلك إماتة، فكان هذا جواباً أحمق لا يصح نصبه في مقابلة حجة إبراهيم لأنه أراد غير ما أراده الكافر، فلو قال له ربي الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهل تقدر على ذلك لبهت الذي كفر بادىء بدء وفي أول وهلة، ولكنه انتقل معه إلى حجة أخرى أوضح منها تنفيساً لخناقه وإرسالاً لعنان المناظرة. (¬1) (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) لكون هذه الحجة لا تجري فيها الغالطة ولا يتيسر للكافر أن يخرج عنها بمخرج مكابرة ومشاغبة وتمويهاً وتلبيساً على العوام. (فبهت الذي كفر) بهت الرجل وبهت وبهت إذا انقطع وسكت متحيراً، وقال ابن عطية: وقد تأوّل قوم في قراءة بهت بالفتح أنه بمعنى سب وقذف وأن النمرود هو الذي سب حين انقطع ولم تكن له حيلة انتهى. وقال سبحانه (فبهت الذي كفر) ولم يقل فبهت الذي حاج إشعاراً بأن تلك المحاجة كفر، وقيل هذا الفعل من جملة الأفعال التي جاءت على صورة المبني للمفعول، والمعنى فيها على البناء للفاعل، والبهت الانقطاع والحيرة وهو مبهوت لا باهت ولا بهيت. (والله لا يهدي القوم الظالمين) تذييل مقرر لمضمون الجملة التي قبله. ¬

(¬1) وقال ابن الجوزي تعليقاً على هذا الموضوع: إن إبراهيم رأى من فساد معارضته أمراً يدل على ضعف فهمه فإنه عارض اللفظ بمثله ونسي اختلاف الفعلين فانتقل إلى حجة أخرى قصداً لقطع المحاج لا عجزاً عن نصرة الأولى.

259

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259) (أو كالذي مرّ على قرية) أي ألم تر إليه كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه إلى نور العيان والشهود. واختلف في ذلك المار فروى عن مجاهد أنه كان كافراً شكّ في البعث، وهذا ضعيف جداً لقوله (كم لبثت) والله لا يخاطب الكافر، ولقوله (ولنجعلك آية للناس) وهذا لا يستعمل في حق الكافر. وقال ابن عباس، وعبد الله بن سلام وسليمان وبريدة والضحاك وقتادة وعكرمة والسدي: هو عزيز بن شرخيا، وقال ابن عبيد ووهب بن منبه: هو أرمياء بن حلقياء من سبط هرون وهو الخضر بعينه، وعن رجل من أهل الشام أنه حزقيل. ومقصود القصة تعريف منكري البعث قدرة الله على إحياء خلقه بعد إماتتهم لا تعريف اسم ذلك المار. قال وهب وعكرمة والربيع: إن القرية هي بيت المقدس بعد تخريب بخت نصر لها، وقيل المراد بالقرية أهلها، وقيل هي القرية التي خرج أهلها من ديارهم وهم ألوف، وقال الكلبي: هي دير سابر آباد موضع بفارس، وقال السدي: سلما باد محلة أو قرية من نواحي جرجان أو همدان، وقيل دير هرقل

بين بصرة وعسكر مكرم على شط دجلة، والأول هو الأظهر والأشهر. (وهي خاوية على عروشها) أي ساقطة يعني سقط السقف ثم سقطت الحيطان عليه، قاله السدي واختاره ابن جرير، وقيل معناه خالية من الناس، والبيوت قائمة، وأصل الخوى: الخلو يقال خوت الدار وخويت تخوى خواء ممدود وخوياً أقوت، والخوى أيضاً الجوع لخلو البطن عن الغذاء. والظاهر القول الأول بدلالة قوله (على عروشها) من خوى البيت إذا سقط وخوت الأرض إذا انهدمت، قال ابن عباس: خاوية أي خراب، وقال قتادة: خاوية أي ليس فيها أحد، وقال الضحاك: العروش السقوف. (قال) أي ذلك المار (أنىّ يحيى هذه الله بعد موتها) أي متى يحيي أو كيف يحيي، وهو استبعاد لإحيائها وهي على تلك الحالة المشابهة لحالة الأموات المباينة لحالة الأحياء، وتقديم المفعول لكون الإستبعاد ناشئاً من جهته لا من جهة الفاعل، وقيل: قال ذلك استعظاماً لقدرته تعالى، قاله السيوطي. وعبارة أبي السعود قال: ذلك تلهفاً عليها، وتشوقاً إلى عمارتها مع استشعار اليأس منها، وعبارة البيضاوي قال: ذلك اعترافاً بالقصور عن معرفة طريق الإحياء .. وسبب توجعه على تلك القرية أنه كان أهلها من جملة من سباهم بخت نصر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة توجع وتلهف. ولما قال المار هذه المقالة مستبعداً لإحياء القرية المذكورة بالعمارة لها والسكون فيها ضرب الله له المثل في نفسه بما هو أعظم مما سأل عنه فقال (فأماته الله مائة عام) وحكى الطبري عن بعضهم أنه قال كان هذا القول شكاً في قدرة الله على الإحياء فلذلك ضرب له المثل في نفسه.

قال ابن عطية: ليس يدخل شك في قدرة الله سبحانه على إحياء قرية بجلب العمارة إليها وإنما يتصور الشك إذا كان سؤاله عن إحياء موتاها، والعام السنة أصله مصدر كالعوم سمي به هذا القدر من الزمان والعوم هو السباحة سميت السنة عاماً لأن الشمس تعوم في جميع بروجها. (ثم بعثه) أي أحياه ليريه كيفية ذلك، وإيثار البعث على الإحياء للدلالة على سرعته وسهولة تأتيه على الباري تعالى كأنه بعثه من النوم، وللإيذان بأنه عاد كهيئته يوم موته عاقلاً فاهماً مستعداً للنظر والاستدلال. قال علي: فأول ما خلق الله عيناه فجعل ينظر إلى عظامه ينضم بعضها إلى بعض ثم كسيت لحماً ثم نفخ فيه الروح، قال علي: فأتى مدينته وقد ترك جاراً له إسكافاً شاباً فجاء وهو شيخ كبير. (قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم) اختلف في فاعل قال فقيل هو الله عز وجل وقيل ناداه بذلك ملك من السماء قيل هو جبريل وقيل غيره، وقيل إنه نبي من الأنبياء وقيل رجل من المؤمنين من قومه شاهده عند إن أماته الله وعمر إلى حين بعثه، والأول أولى لقوله فيما بعد (وانظر إلى العظام كيف ننشزها). وإنما قال (يوماً أو بعض يوم) بناء على ما عنده وفي ظنه فلا يكون كاذباً، ومثل قول أصحاب الكهف (قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة ذي اليدين " لم تقصر ولم أنس " (¬1) وهذا مما يؤيد قول من قال: إن الصدق ما طابق الاعتقاد والكذب ما خالفه. وقيل إن الله أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار قبل أن تغيب الشمس، فقال (لبثت يوماً) وهو يرى أن الشمس قد غابت ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال (أو بعض يوم) وقيل إن أو بمعنى بل التي للإضراب وهو قول ثابت وقيل هي للشك والأول أولى. ¬

(¬1) الدارمي كتاب الصلاة باب 175.

(قال بل لبثت مائة عام) هو استئناف أيضاً كما سلف أي ما لبثت يوماً ْأو بعض يوم بل لبثت مائة عام (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه) الطعام هو التين الذي كان معه والشراب هو العصير، والمعنى لم يتغير ولم ينتن فكان التين كأنه قد قطف من ساعته، والعصير كأنه عصر من ساعته. أمره الله أن ينظر إلى هذا الأثر العظيم من آثار القدرة، وهو عدم تغير طعامه وشرابه مع طول تلك المدة. والتسنّه مأخوذ من السنة أي لم تمر عليه السنون أي المائة سنة لبقائه على حاله وعدم تغيره مع طول الزمان، مع أن شأنه التغير سريعاً، وأصله سنهة أو سنعة من سنهت النخلة وتسنهت إذا أتت عليها السنون، ونخلة سنّاء أي تحمل سنة ولا تحمل أخرى. وقيل هو من أسن الماء إذا تغير، وكان يجب على هذا أن يقال يتأسن من قوله (حمأ مسنون) قاله أبو عمرو الشيباني، وقال الزجاج: ليس كذلك لأن قوله (مسنون) ليس معناه متغير وإنما معناه مصبوب على سنه الأرض. (وانظر إلى حمارك) اختلف المفسرون في معناه فذهب الأكثر إلى أن معناه أنظر إليه كيف تفرقت أجزاؤه ونخرت عظامه وتقطعت أوصاله، ثم أحياه الله وعاد كما كان لتشاهد كيفية الإحياء، فالنظران مختلفان، وقال الضحاك ووهب بن منبه: أنظر إلى حمارك قائماً في مربطه لم يصبه شيء بعد أن مضت عليه مائة عام. ويؤيد القول الأول قوله تعالى (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) ويؤيد القول الثاني مناسبته لقوله (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه). وإنما ذكر سبحانه عدم تغير طعامه وشرابه بعد إخباره أنه لبث مائة عام، مع أن عدم تغير ذلك الطعام والشراب لا يصلح أن يكون دليلاً على تلك المدة الطويلة، بل على ما قاله من لبثه يوماً أو بعض يوم، لزيادة استعظام ذلك الذي أمات تلك المدة، فإنه إذا رأى طعامه وشرابه لم يتغير مع كونه قد ظن

أنه لم يلبث إلا يوماً أو بعض يوم، زادت الحيرة وقويت عليه الشبهة، فإذا نظر إلى حماره عظاماً نخرة تقرر لديه أن ذلك صنع من تأتي قدرته بما لا تحيط به العقول، فإن الطعام والشراب سريع التغير، وقد بقي هذه المدة الطويلة غير متغير، والحمار يعيش المدة الطويلة وقد صار كذلك فتبارك الله أحسن الخالقين. (ولنجعلك آية للناس) وعبرة ودلالة على البعث بعد الموت قاله الفراء، وقال الأعمش: كونه آية هو أنه جاء شاباً على حاله يوم مات فوجد الأبناء والحفدة شيوخاً. (وانظر إلى العظام كيف ننشزها) قرأ الكوفيون بالزاي والباقون بالراء، وقد أخرج الحاكم وصححه عن زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ كيف ننشزها فمعنى القراءة بالزاي نرفعها ومنه النشز، وهو المرتفع من الأرض أي نرفع بعضها إلى بعض، وأما معنى القراءة بالراء فواضحة من أنشر الله الموتى أي أحياهم. (ثم نكسوها لحماً) أي نسترها به كما يستر الجسد باللباس، واستعار اللباس لذلك ولعل عدم التعرض لنفخ الروح لما أن الحكمة لا تقتضي بيانه. (فلما تبين له) ما تقدم ذكره من الآيات التي أراه الله سبحانه وأمره بالنظر إليها والتفكر فيها التي استغربها، قال ابن جرير: لما اتضح له عياناً ما كان مستنكراً في قدرة الله عنده قبل عيانه من إحياء القرية. وقال الزمخشري: ما أشكل عليه يعني من أمر الإحياء، والأول أولى لأن قوة الكلام تدل عليه بخلاف الثاني. (قال أعلم) أي علم مشاهدة بعد العلم اليقيني الحاصل بالفطرة والأدلة العقلية، قال أبو علي الفارسي: معناه أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته (أن الله على كل شيء قدير) لا يستعصي عليه شيء من الأشياء، ويدخل تحته الإماتة والإحياء دخولاً أولياً.

260

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى) إذ ظرف منصوب بفعل محذوف أي اذكر وقت قول إبراهيم، وإنما كان الأمر بالذكر موجهاً إلى الوقت دون ما وقع فيه مع كونه المقصود لقصد المبالغة لأن طلب وقت الشيء يستلزم طلبه بالأولى، وهكذا يقال في سائر المواضع الواردة في الكتاب العزيز بمثل هذا الظرف. وقوله " ربّ " آثره على غيره لما فيه من الاستعطاف الموجب لقبول ما يرد بعده من الدعاء، قال الأخفش: لم يرد رؤية القلب، وإنما أراد رؤية العين، وكذا قال غيره ولا يصح أن يراد به الرؤية القلبية هنا لأن مقصود إبراهيم أن يشاهد الإحياء لتحصل له الطمأنينة. (قال أو لم تؤمن) أي ألم تعلم ولم تؤمن بأني قادر على الإحياء حتى تسألني إراءَته (قال بلى) علمت وآمنت بأنك قادر على ذلك (ولكن) سألت (ليطمئن قلبي) باجتماع دليل العيان إلى دلائل الإيمان. وقد ذهب الجمهور إلى أن إبراهيم لم يكن شاكاً في إحياء الموتى قط، وإنما طلب المعاينة لما جبلت عليه النفوس البشرية من رؤية ما أُخبرت عنه، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ليس الخبر كالمعاينة (¬1). ¬

(¬1) قال ابن عباس: والمعنى: أرني لأعلم إنك تجيبني إذا دعوتك. والله أعلم.

وحكى ابن جرير عن طائفة من أهل العلم أنه سأل ذلك لأنه شك في قدرة الله، واستدلوا بما صح عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيحين وغيرهما من قوله " نحن أحق بالشك من إبراهيم، وبما روى عن ابن عباس أنه قال: ما في القرآن عندي آية أرجى منها. أخرجه عنه الحاكم وصححه، ورجح هذا ابن جرير بعد حكايته له. قال ابن عطية وهو عندي مردود يعني قول هذه الطائفة ثم قال: وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: " نحن أحق بالشك من إبراهيم " فمعناه أنه لو كان شاكاً لكنا نحن أحق به ونحن لا نشك فإبراهيم أحرى أن لا يشك ". فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم. وأما قول ابن عباس: هي أرجى آية فمن حيث أن فيها الإدلال على الله وسؤال الإحياء في الدنيا وليست مظنة ذلك. ويجوز أن نقول هي أرجى آية لقوله (أو لم تؤمن) أي أن الإيمان كاف لا يحتاج معه إلى تنقير وبحث، قال: فالشك يبعد على من ثبت قدمه بالإيمان فقط فكيف بمرتبة النبوة والخلّة والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلة إجماعاً. وإذا تأملت سؤاله عليه السلام وسائر الألفاظ للآية لم تعط شكاً، وذلك أن الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حالة شيء موجود متقرر الوجود عند السائل والمسئول نحو قولك: كيف علم زيد، وكيف نسج الثوب، ونحو هذا، ومتى قلت كيف ثوبك وكيف زيد فإنما السؤال عن حال من أحواله. وقد يكون كيف خبراً عن شيء شأنه أن يستفهم عنه بكيف نحو قولك: كيف شئت فكن، ونحو قول البخاري: كيف كان بدء الوحي، وهي في هذه الآية استفهام عن هيئة الإحياء، والإحياء متقرر، ولكن لما وجدنا بعض

المنكرين لوجود شيء قد يعبّرون عن إنكاره بالاستفهام عن حالة لذلك الشيء يعلم أنها لا تصح فيلزم من ذلك أن الشيء في نفسه لا يصح. مثال ذلك أن يقول مدّع أنا أرفع هذا الجبل فيقول المكذب له أرني كيف ترفعه، فهذه طريقة مجاز في العبارة ومعناها تسليم جدل، كأنه يقول افرض أنك ترفعه. فلما كان في عبارة الخليل هذا الاشتراك المجازي خلص الله له ذلك وحمله على أن بين له الحقيقة فقال له (أو لم تؤمن قال بلى) فكمل الأمر وتخلص من كل شيء ثم علل عليه السلام سؤاله بالطمأنينة. قال القرطبي: هذا ما ذكره ابن عطية وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشك فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث. وقد أخبر الله سبحانه أن أنبياءه وأولياءه ليس للشيطان عليهم سبيل فقال (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) وقال اللعين (إلا عبادك منهم المخلصين) وإذا لم تكن له عليهم سلطنة فكيف يشككهم وإنما سأل أن يشاهد كيفية جمع أجزاء الموتى بعد تفريقها، وإيصال الأعصاب والجلود بعد تمزيقها. فأراد أن يرقى من علم اليقين إلى عين اليقين. فقوله (ربِّ أرني كيف) طلب مشاهدة الكيفية، قال الماوردي: وليست الألف في قوله (أو لم تؤمن) ألف استفهام وإنما هي ألف إيجاب وتقرير، والواو واو الحال، وتؤمن معناه إيماناً مطلقاً دخل فيه فصل إحياء الموتى، والطمأنينة اعتدال وسكون، وقال ابن جرير: ليوقن قلبي. (قال فخذ أربعة من الطير) أي إن أردت ذلك فخذ، والطير اسم جمع

لطائر كركب لراكب وهو مذهب أبي الحسن أو جمع نحو تاجر وتجر أو مصدر قاله أبو البقاء: وخص الطير بذلك قيل لأنه أقرب أنواع الحيوان إلى الإنسان شبهاً في تدوير الرأس والمشي على الرجلين، وقيل إن الطير همته الطيران في السماء، والخليل كانت همته العلو. وقيل غير ذلك من الأسباب الموجبة لتخصيص الطير، وكل هذه لا تسمن ولا تغني من جوع وليست إلا خواطر أفهام، وبوادر أذهان لا ينبغي أن تجعل وجوهاً لكلام الله وعللاً لما يرد في كلامه. وهكذا قيل ما وجه تخصيص هذا العدد فإن الطمأنينة تحصل بإحياء واحد، فقيل إن الخليل إنما سأل واحداً على عدد العبودية فأعطي أربعاً على قدر الربوبية، وقيل الطيور الأربعة إشارة إلى الأركان الأربعة التي يتركب منها أركان الحيوان، ونحو ذلك من الهذيان. قال ابن عباس: والطير الذي أخذ وز ودال وديك وطاوس، وروي نحوه عن قتادة والحسن وعنه قال الغرنوق والطاوس والديك، والحمامة، وقال مجاهد الغراب بدل الغرنوق. (فصرهن إليك) أي اضممهن إليك وأملهن واجمعهن يقال رجل أصور إذا كان مائل العنق ويقال صار الشيء يصوره يصيره أماله أو قطعه، فاللغتان لفظ مشترك بين هذين العنيين والقراءتان تحتملهما معاً، وقرىء فصرهن بضم الصاد وكسرها وقيل معناه قطعهن، وبه قال ابن عباس، وبالنبطية مزقهن وشققهن، وعنه قال أوثقهن. (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً) فيه الأمر بالتجزئة لأن جعل كل جزء على جبل يستلزم تقدم التجزئة، قال الزجاج: المعنى ثم اجعل على كل

جبل من كل واحد منهن جزءاً، والجزء النصيب، واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال وليس في ذكر ذلك كثير فائدة. (ثم ادعهن) أي قل لهن تعالين بإذن الله تعالى (يأتينك) إتياناً سريعاً (سعياً) أي مشياً سريعاً. والمراد بالسعي الإسراع في الطيران أو المشي وقيل السعي هو الحركة الشديدة، وقيل العدو، وقيل الطيران، وفيه أنه لا يقال للطائر إذا طار سعى، فالحكمة في السعي دون الطيران أن ذلك أبعد من الشبهة لأنها لو طارت لتوهم متوهم أنها غير تلك الطيور، أو أن أرجلها غير سليمة فنفى الله تعالى هذه الشبهة (واعلم أن الله عزيز حكيم) في صنعه. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: وضعهن على سبعة أجبل وأخذ الرؤوس بيده فجعل ينظر إلى القطرة تلقى القطرة والريشة تلقى الريشة حتى صرن أحياء ليس لهن رؤوس فجئن إلى رؤوسهن فدخلن فيها، وناهيك بالقصة دليلاً على فضل الخليل وحسن الأدب في السؤال، حيث أراه ما سأل في الحال، وأرى العُزَيْر ما أراه بعد إماتته مائة عام (¬1). ¬

(¬1) قال ابن عباس: فأخذ هذه الطير حسب ما أمر وذكاها ثم قطعها قطعاً صغاراً، وخلط لحوم البعض إلى لحوم البعض مع الدم والريش حتى يكون أعجب، ثم جعل من ذلك المجموع المختلط جزءاً على كل جبل، ووقف هو من حيث يرى تلك الأجزاء وامسك رؤوس الطير في يده، ثم قال: تعالين بإذن الله، فتطايرت تلك الأجزاء وطار الدم إلى الدم والريش إلى الريش حتى التأمت مثل ما كانت أولاً وبقيت بلا رؤوس، ثم كرر النداء فجاءته سعياً، أي عدواً على أرجلهن. وقد ذكر القرطبي القصص عن المفسرين في ماهية الطيور وكيفية جمعها.

261

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل المراد به الإنفاق في الجهاد وقيل في جميع وجوه البر فيدخل فيه الواجب والتطوع (كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة) المراد بالسبع السنابل هي التي تخرج في ساق واحد يتشعب منه سبع شعب في كل شعبة سنبلة، والحبة اسم لكل ما يزدرعه ابن آدم، وقيل المراد بالسنابل هنا سنابل الذرة والدخن فهو الذي يكون منهما في السنبلة هذا العدد. وقال القرطبي: إن سنبل الدخن يجيء في السنبلة منه أكثر من هذا العدد بضعفين وأكثر على ما شاهدنا، قال ابن عطية: وقد يوجد في سنبل القمح ما فيه مائة حبة، وأما في سائر الحبوب فأكثر ولكن المثال وقع بهذا القدر. وقال الطبري: إن قوله في كل سنبلة مائة حبة معناه إن وجد ذلك وإلا فعلى أن يفرضه والذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه الآية وأمثالها أن المقصود بها مجرد تمثيل زيادة الأجر وكثرة الثواب دون وجود ذلك. (والله يضاعف لمن يشاء) يحتمل أن يكون المراد يضاعف هذه المضاعفة

لمن يشاء أو يضاعف هذا العدد فيزيد عليه أضعافه لمن يشاء لا لكل الناس، وهذا هو الراجح لما سيأتي. وقد ورد القرآن بأن الحسنة بعشر أمثالها (¬1)، واقتضت هذه الآية أن نفقة الجهاد حسنتها بسبعمائة ضعف، فيبنى العام على الخاص، وهذا بناء على أن سبيل الله هو الجهاد فقط، وأما إذا كان المراد به وجوه الخير فيخص هذا التضعيف إلى سبعمائة بثواب النفقات ويكون العشرة الأمثال فيما عدا ذلك (والله واسع عليم). أخرج مسلم وأحمد والنسائي والحاكم والبيهقي: عن ابن مسعود: " أن رجلاً تصدق بناقة مخطومة في سبيل الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة كلها مخطومة " (1). وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أنفق نفقة في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " (¬2) وأخرجه البخاري في تاريخه من حديث أنس. وأخرجه أحمد من حديث أبي عبيدة وزاد " من أنفق على نفسه وأهله أو عاد مريضاً فالحسنة بعشر أمثالها ". وأخرج ابن ماجه وابن أبي حاتم من حديث عمران بن حصين وعلي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة وابن عمر وجابر كلهم يحدّث عن رسول ¬

(¬1) أخرجه مسلم عن ابن مسعود. (¬2) مسلم عن أبي هريرة مثله.

الله - صلى الله عليه وسلم - " من أرسل بنفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم " (¬1) ثم تلا هذه الآية (والله يضاعف لمن يشاء). وأخرج أحمد من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، يقول الله: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به " (¬2) وأخرجه أيضاً مسلم. وأخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: طوبى لمن أكثر في الجهاد في سبيل الله من ذكر الله فإن له بكل كلمة سبعين ألف حسنة منها عشرة أضعاف ". وقد وردت الأحاديث الصحيحة في أجر من جهّز غازياً (¬3). وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الصلاة والصوم والذكر يضاعف عن النفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف " (¬4). وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف " (¬5). ¬

(¬1) أحمد 5/ 329. (¬2) أحمد في مسنده 2/ 443 - 2/ 477. (¬3) أحمد في مسنده 5/ 355. (¬4) روى مسلم في صحيحه 1895. من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا وفي رواية: ومن خلَّف غازياً في أهله فقد غزا. (¬5) ضعيف الجامع الصغير/1493.

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)

262

(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) هذه الجملة متضمنة لبيان كيفية الإنفاق الذي تقدم أي هو إنفاق الذين ينفقون، قيل نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، أما عثمان فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير بأقتابها وأحلاسها، وأما عبد الرحمن فجاء بأربعة آلاف درهم صدقة إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ثمّ لا يتبعون ما أنفقوا مناً ولا أذى) المن هو ذكر النعمة على معنى التعديد لها والتقريع بها، وقيل المن التحدث بما أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه، والمن من الكبائر كما ثبت في صحيح مسلم (¬1) وغيره أنه أحد الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب عظيم. والأذى السب والتطاول والتشكي، قال في الكشاف: ومعنى (ثم) إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وإنّ تركهما خير من نفس الإنفاق كما جعل الإستقامة على الإيمان خيراً من الدخول فيه بقوله (ثم استقاموا) انتهى. فثم على هذا للتراخي في الرتبة، وقيل هو على بابه للتراخي في الزمان نظراً للغالب من أن وقوع المن والأذى يكون بعد الإنفاق بمدة، وقدَّم المنَّ على الأذى لكثرة وقوعه، ووسط كلمة " لا " للدلالة على شمول النفي لاتباع كل واحد منهما. (لهم أجرهم) يعني ثوابهم في الآخرة (عند ربهم) فيه تأكيد وتشريف ¬

(¬1) مسلم 106.

(ولا خوف عليهم) يعني يوم القيامة (ولا هم يحزنون) يعني على ما خلّفوا من الدنيا، وظاهر الآية نفي الخوف عنهم في الدارين كما تفيده النكرة الواقعة في سياق النفي من الشمول، وكذلك نفي الحزن يفيد دوام انتفائه عنهم. وقد وردت الأحاديث الصحيحة في النهي عن المن والأذى وفي فضل الإنفاق في سبيل الله وعلى الأقارب وفي وجوه الخير، ولا حاجة إلى التطويل بذكرها فهي معروفة في مواطنها. قال عبد الرحمن بن يزيد: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلاً شيئاً ورأيت أن سلامك يثقل عليه فلا تسلم عليه، والعرب تمدح بترك المن وكتم النعمة وتذم على إظهارها والمن بها، والأذى ما يصل إلى الإنسان من ضرر بقول أو فعل، والمراد هنا أن يشكو منهم بسبب ما أعطاهم.

263

(قول معروف) قيل الخبر محذوف أي أولى وأمثل، ذكره النحاس، قال: ويجوز أن يكون خبراً عن مبتدأ محذوف أي الذي أمرتم به قول معروف أي كلام حسن ورد جميل على الفقير السائل، وقيل عِدَة حسنة توعده بها وقيل دعاء صالح تدعو له بظاهر الغيب. (ومغفرة) له في الحاجة مبتدأ أيضاً وخبره (خير من صدقة) وجاز الإبتداء بالنكرتين لأن الأولى تخصصت بالوصف والثانية بالعطف والمعنى أن القول المعروف من المسؤول للسائل، وهو التأنيس والترجية بما عند الله والرد الجميل خير من الصدقة التي (يتبعها أذى) وقد ثبت في صحيح مسلم عنه - صلى الله عليه وسلم - " الكلمة الطيبة صدقة " (¬1) وأن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق. ¬

(¬1) مسلم 2224.

والمراد بالمغفرة الستر للخلة وسوء حالة المحتاج والعفو عن السائل إذا صدر منه من الإلحاح ما يكدّر صدر المسؤول، وقيل إن المراد أن العفو من جهة السائل لأنه إذا رده رداً جميلاً عذره، وقيل المراد فعل يؤدي إلى المغفرة خير من صدقة أي غفران الله خير من صدقتكم. وهذه الجملة مستأنفة مقررة لترك اتباع المن والأذى للصدقة (¬1)، قال الضحاك: قول معروف رد جميل تقول يرحمك الله ويرزقك الله ولا تنهره ولا تغلظ له القول، وعن عمرو بن دينار قال: بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ما من صدقة أحب إلى الله من قول الحق " ألم تسمع قول الله (قول معروف) الآية أخرجه ابن أبي حاتم. (والله غني) عن صدقة العباد لا يحوج الفقراء إلى تحمل مؤنة المن والأذى ويرزقهم من جهة أخرى (حليم) بتأخير العقوبة عن المانّ والموذي لا يعاجلهم بها لا أنهم لا يستحقونها بسببهما، والجملة تذييل لما قبله مشتملة على الوعد والوعيد مقررة لاعتبار الخيرية بالنسبة إلى السائل قطعاً. ¬

(¬1) زاد المسير 151. وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ". المسبل هو الذي يسبل إزاره أو ثيابه أو قميصه أو سراويله حتى تكون إلى القدمين، لأنه صلى الله عليه وسلم قال. " ما أسفل من الكعبين من الإزار فهو في النار " وفي الحديث أيضاً: " ثلاثة لا يدخلون الجنة، العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان " رواه النسائي وفيه أيضاً: " لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا منان " والخب هو المكر والخديعة، والمنان هو الذي يعطي شيئاً أو يتصدق به ثم يمن به. وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إياكم والمن بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قول الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).

264

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم) يعني أجورها والإبطال للصدقات إذهاب أثرها وإفساد منفعتها، أي لا تبطلوها (بالمنّ والأذى) أو بأحدهما يعني على السائل الفقير، وقال ابن عباس: بالمن على الله والأذى لصاحبها. قال بعضهم: ذهب أجره فلا أجر له ولا وزر عليه، وقال بعضهم: له أجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن، قال الكرخي: وهذا أوجه وقال بعضهم: لا أجر له في نفقته وعليه وزر فيما مَنَّ على الفقير. (كالذي) أي كإبطال الذي (ينفق ماله رئاء الناس) أي لأجل الرياء أو مرائياً لا يقصد بذلك وجه الله وثواب الآخرة بل يفعل ذلك رياء للناس وسمعة واستجلاباً لثنائهم عليه ومدحهم له، قيل والمراد به المنافق بدليل قوله (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) قال ابن عباس: لا يدخل الجنة منان، وذلك في كتاب الله يعني هذه الآية. (فمثله) أي مثل الذي ينفق رئاء الناس أو المان المعطي وقد عدل من خطاب إلى غيبة ومن جمع إلى إفراد (كمثل صفوان) الصفوان الحجر الكبير الأملس الصلب، وفيه لغتان أشهرهما سكون الفاء والثانية فتحها، وبها قرأ ابن المسيب والزهري وهي شاذة، وقال الأخفش: صفوان جمع صفوانة، وقال الكسائي: صفوان واحد وجمعه صفى واصفى وأنكره المبرد، وقال النحاس: يجوز أن يكون جمعاً وأن يكون واحداً وهو أولى لقوله (عليه تراب) أي استقر على الصفوان (فأصابه) أي الصفوان أو التراب (وابل) أي مطر، والوابل

المطر الشديد العظيم القطر، والمطر أوله رشّ ثم طشّ ثم طلّ ثم نضح ثم هطل ثم وبل، يقال وبلت السماء وبلاً، ووبولاً اشتد مطرها، وكان الأصل وبل مطر السماء فحذف للعلم به ولهذا يقال للمطر وابل. مثل الله سبحانه هذا المنافق بصفوان عليه تراب يظنه الظان أرضاً منبتة طيبة، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب (فتركه) أي الصفوان يعني بقي (صلداً) أي أجرد نقياً من التراب الذي كان عليه، وأملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً، وكذلك حال هذا المرائي يوم القيامة فإن نفقته لا تنفع، قال ابن عباس صلداً أي يابساً جاسياً لا ينبت شيئاً. (لا يقدرون على شيء مما كسبوا) أي على ثواب شيء مما عملوا في الدنيا، مستأنفة كأنه قيل ماذا يكون حالهم فقيل لا يقدرون الخ (والله لا يهدي القوم الكافرين) يعني الذي سبق في علمه أنهم يموتون على الكفر، وفيه تعريض بأن المن والأذى والرياء من خصال الكفار. وعن محمود بن لبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إنما أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر، قال: الرياء يقال لهم يوم تجازى العباد بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤن في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم خيراً " رواه البغوي بسنده (¬1). وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " قال الله تبارك وتعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري وتركته وشركه ". ¬

(¬1) وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نظر إلى رجل وهو يطأطيء رقبته، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب. وقيل: إن أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو، فقال له أبو أمامة: أنت، أنت، لو كان هذا في بيتك!

265

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265) (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله) ابتغى معناه طلب ومرضاة مصدر رضي يرضى (وتثبيتاً) معناه يثبتون (من أنفسهم) ببذل أموالهم على الإيمان وسائر العبادات رياضة لها وتدريباً وتمريناً أو يكون التثبيت بمعنى التصديق أي تصديقاً للإسلام ناشئاً من جهة أنفسهم. وقد اختلف السلف في معنى هذا الحرف فقال الحسن ومجاهد معناه أنهم يثبتون أن يضعوا صدقاتهم، وقال بعضهم: معناه تصديقاً ويقيناً، روي ذلك عن ابن عباس، وقيل معناه احتساباً من أنفسهم؛ قاله قتادة، وقيل معناه أن أنفسهم لها بصائر فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتاً قاله الشعبي والسدي وابن زيد وأبو صالح، وهذا أرجح مما قبله، يقال ثبت فلاناً في هذا الأمر أثبته تثبيتاً أي صححت عزمه. (كمثل جنة بربوة) الجنة البستان وهي أرض تنبت فيها الأشجار حتى تغطيها، مأخوذ من لفظ الجن والجنين لاستتارها، وقال أبو السعود الجنة تطلق على الأشجار الملتفة المتكاتفة وعلى الأرض المشتملة عليها، والأول أولى، لأجل قوله بربوة، والربوة بالحركات الثلاث المكان المرتفع ارتفاعاً يسيراً، وإنما خص الربوة لأن نباتها يكون أحسن من غيره مع كونه لا يصطلمه البرد في الغالب لجودته وكرمه ولطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له. قال الطبري: وهي أرض الحزن التي تستكثر العرب من ذكرها، واعترضه ابن عطية فقال: إن رياض الحزن منسوبة إلى نجد لأنها خير من رياض تهامة ونبات نجد أعطر ونسيمه أبرد وأرق، ونجد يقال لها حزن وليست هذه المذكورة هنا من ذلك.

ولفظ الربوة مأخوذ من ربا يربو إذا زاد، وقال الخليل: الربوة أرض مرتفعة طيبة وقيل هي الأرض المستوية الجيدة الطيبة إذا أصابها المطر انتفخت وربت وكثر ريعها وحملت أشجارها. (أصابها وابل) قال الخليل: الوابل المطر الشديد يقال وبلت السماء تبل والأرض موبولة، قال الأخفش: ومنه قوله تعالى (أخذاً وبيلاً) أي شديداً، وضرب وبيل وعذاب وبيل، قال بعضهم. ما روضة من رياض الحزن معشبة ... خضراء جاد عليها وابل هطل أراد بالحزن ما غلظ وارتفع من الأرض (فآتت أكلها) بضم الهمزة الثمرة التي تؤكل كقوله تعالى: (تؤتى أكلها كل حين) وإضافته إلى الجنة إضافة اختصاص كسرج الفرس وباب الدار (ضعفين) أي مثل ما كانت تثمر بسبب الوابل، فالمراد بالضعف المثل وقيل أربعة أمثال. (فإن لم يصبها وابل فطل) أي فإن الطل يكفيها وهو الطش أي المطر الضعيف. الخفيف المستدق القطر، قال المبرد وغيره تقديره فطلّ يكفيها، وقال الزجاج: تقديره فالذي يصيبها طل والمراد أن الطل ينوب مناب الوابل في إخراج الثمرة ضعفين، وقال قوم: الطل الندى، وفي الصحاح الطل أضعف المطر والجمع أطلال، قال الماوردي: وزرع الطل أضعف من زرع المطر. والمعنى أن نفقات هؤلاء زاكية عند الله لا تضيع بحال وإن كانت متفاوتة ويجوز أن يعتبر التمثيل ما بين حالهم باعتبار ما صدر عنهم من النفقة الكثيرة والقليلة، وبين الجنة المعهودة باعتبار ما أصابها من المطر الكثير والقليل، فكما أن كل واحد من المطرين يضاعف أكلها فكذلك نفقتهم جلّت أو قلت بعد أن يطلب بها وجه الله زاكية زائدة في أجورهم. (والله بما تعملون) أي عملاً ظاهراً قلبياً (بصير) لا يخفى عليه من شيء، وفي هذا ترغيب لهم بالإخلاص مع ترهيب من الرياء ونحوه فهو وعد ووعيد.

266

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266) (أيودّ أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب) الود الحب للشيء مع تمنيه والهمزة الداخلة على الفعل لإنكار الوقوع، والجنة تطلق على الشجر الملتف وعلى الأرض التي فيها الشجر، والأول أولى هنا لقوله (تجري من تحتها الأنهار) بإرجاع الضمير إلى الشجر من دون حاجة إلى مضاف محذوف وأما على الوجه الثاني فلا بد من تقديره أي من تحت أشجارها، وهكذا قوله الآتي فاحترقت لا يحتاج إلى تقدير مضاف على الوجه الأول. وأما على الثاني فيحتاج إلى تقديره أي فاحترقت أشجارها. وخص النخيل والأعناب بالذكر مع قوله: (له فيها من كل الثمرات) لكونهما أكرم الشجر وأشرف الفواكه جامعين لفنون المنافع لما فيهما من الغذاء والتفكه، وهذه الجمل صفات للجنة والنخيل اسم جمع واحده نخلة أو جمع نخل الذي هو اسم جنس، والأعناب جمع عنب الذي هو جنس واحده عنبه. (وأصابه الكبر) الواو للحال حملاً على المعنى بتقدير قد وقيل غير ذلك وهذا أرجح، وكبر السن هو مظنة شدة الحاجة لما يلحق صاحبه من العجز عن تعاطي الأسباب، والمعنى كثرت جهات حاجاته ولم يكن له كسب غيرها. (وله ذرية ضعفاء) حال من الضمير في " أصابه " أي والحال أن له أولاداً صغاراً عجزت عن الحركة بسبب الضعف والصغر. فإن من جمع بين كبر السن وضعف الذرية كان تحسّره على تلك الجنة في غاية الشدة (فأصابها إعصار) الإعصار الريح الشديدة المرتفعة التي تهبّ من الأرض إلى السماء

كالعمود، وهي التي يقال لها الزوبعة قاله الزجاج، وقال الجوهري: الزوبعة رئيس من رؤساء الجن، ومنه سمّي الإعصار زوبعة وأم زوبعة وأبا زوبعة يقال فيه شيطان مارد، وهي ريح تثير الغبار وترتفع إلى السماء كأنه عمود، وقيل هي ريح تثير سحاباً ذات رعد وبرق. وقال ابن عباس: ريح فيها سموم شديدة سميت بذلك لأنها تلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل لأنها تعصر السحاب، وتجمع على أعاصير، والريح مؤنثة على الأكثر وقد تذكر على معنى الهواء، وقال ابن الأنباري: وكذا سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر. (فيه نار فاحترقت) عطف على قوله (فأصابها) وهذه الآية تمثيل لمن يعمل خيراً ويضم ما يحبطه فيجده يوم القيامة عند شدة حاجته إليه لا يسمن ولا يغني من جوع بحال من له هذه الجنة الموصوفة وهو متصف بتلك الصفة وقال ابن عباس: ضرب الله مثلاً لعمل رجل غني يعمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله كلها (¬1). (كذلك) أي كما بين ما ذكر من أمر النفقة المقبولة وغيرها (يبين الله لكم الآيات) قال ابن عباس: يعني في زوال الدنيا وإقبال الآخرة (لعلكم تتفكرون) أي تعتبرون. ¬

(¬1) وهذه الآية مثل ضربه الله سبحانه وتعالى في الحسرة بسلب النعمة عند شدة الحاجة وفيمن قصد به ثلاثة أقوام. 1 - قوم ختم الله لهم بالفساد آخر عمرهم. 2 - مفرطون في طاعة الله تعالى حتى الممات. 3 - قوم مراؤن في النفقة، ينقطع عنهم نفقها وهم أحوج الناس إليها.

267

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم) أي من جيّد ما كسبتم وخياره كذا قال الجمهور، وقال جماعة إن معنى الطيبات هنا الحلال، ولا مانع من اعتبار الأمرين جميعاً لأن جيد الكسب ومختاره إنما يطلق على الحلال عند أهل الشرع، وإن أطلقه أهل اللغة على ما هو جيد في نفسه حلالاً كان أو حراماً، فالحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية. قال علي ابن أبي طالب: ما كسبتم من الذهب والفضة، وقال مجاهد: من التجارة، وقيل المواشي قيل وفيه دليل على إباحة الكسب، وفي الحديث عن المقدام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما أكل أحد طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده " أخرجه البخاري. واختلف في المراد بالإنفاق فقيل الزكاة المفروضة لأن الأمر للوجوب، وقيل صدقة التطوع وقيل الفرض والنفل جميعاً. (ومما) أي من طيبات ما (أخرجنا لكم من الأرض) وحذف لدلالة ما قبله عليه وهي النباتات والمعادن والركاز، وقال علي: يعني من الحب والثمر وكل شىء عليه زكاة، وقال مجاهد من الثمار. وظاهر الآية يدل على وجوب الزكاة في كل ما خرج من الأرض، لكن الجمهور خصصوا هذا العموم، وخصه الشافعي بما يزرعه الآدميون ويقتات اختياراً وقد بلغ نصاباً وبثمر النخل وثمر العنب، وأبقاه أبو حنيفة على عمومه

فأوجبها في كل ما يقصد من نبات الأرض كالفواكه والبقول والخضروات كالبطيخ والقثاء والخيار، وأوجب في ذلك العشر قليلاً كان أو كثيراً، والأول أولى وتفصيل ذلك في كتب الفروع. (ولا تيمّموا الخبيث منه تنفقون) أي لا تقصدوا المال الرديء، وفي الآية الأمر بأنفاق الطيب والنهي عن إنفاق الخبيث. وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن الآية في الصدقة المفروضة، وذهب آخرون إلى أنها تعم صدقة الفرض والتطوع وهو الظاهر، وسيأتي من الأدلة ما يؤيد هذا (¬1). وتقديم الظرف يفيد التخصيص أي لا تخصوا الخبيث بالإنفاق أي لا تقصدوا المال الخبيث مخصصين الإنفاق به قاصرين له عليه. أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وغيرهما عن البراء بن عازب قال: نزلت فينا معشر الأنصار، كنا أصحاب نخل وكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد، وكان أهل الصفّة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فيسقط البسر، والتمر فيأكل، وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي بالقنو فيه الشيص والحشف، وبالقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله هذه الآية، وفي الباب أحاديث. ¬

(¬1) وروى النسائي عن أبي امامة بن سهل بن حنيف في الآية التي قال الله تعالى فيها: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) قال: هو الجعرور ولون حبيق؛ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخذا في الصدقة؛ وروى الدارقطني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: أمر رسول الله عليه وسلم بصدقة فجاء رجل من هذا السحل بكبائس -قال سفيان: يعني الشيص- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من جاء بهذا "؟! وكان لا يجيء أحد بشيء إلا نسب إلى الذي جاء به. فنزلت: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون).

وعن علي قال: نزلت هذه الآية في الزكاة المفروضة، وعن ابن عباس قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يشترون الطعام الرخيص ويتصدقون فأنزل الله هذه الآية. (¬1) (ولستم بآخذيه) أي والحال أنكم لا تأخذونه في معاملاتكم في وقت من الأوقات، هكذا بيّن معناه الجمهور، وقيل معناه ولستم بآخذيه لو وجدتموه في السوق يباع (إلا أن) أي بأن (تغمضوا فيه) هو من أغمض الرجل في أمر كذا إذا تساهل ورضي ببعض حقه وتجاوز وغض بصره عنه. وقرىء بفتح التاء وكسر الميم مخففاً، وقرىء بضم التاء وكسر الميم مشددة، والمعنى على الثانية إلا أن تهضموا سومها من البائع منكم، وعلى الثالثة إلا أن تأخذوا بنقصان، قال ابن عطية: وقراءة الجمهور وهي الأولى تخرج على التجاوز أو على تغميض العين لأن أغمض بمنزلة غمض، أو على أن " إلا " بمعنى حتى أي حتى تأتوا غامضاً من التأويل والنظر في أخذ ذلك، والإغماض يطلق على كل من التساهل في الشيء وأطباق جفن العين. وإذا عرفت هذا عرفت أن لا حاجة لدعوى المجاز والكناية التي قالها بعضهم. والمعنى لستم بآخذيه في حال من الأحوال إلا في حال الإغماض. (واعلموا أن الله غني) عن صدقاتكم لم يأمركم بالتصدق لعوز واحتياج إليها بل لنفعكم بها واحتياجكم لثوابها فينبغي لكم أن تتحروا فيها الطيب (حميد) محمود في أفعاله على كل حال من التعذيب والإثابة. ¬

(¬1) وكان يقول: لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلا على إغماض أو حياء " فكان الصحابة بعد ذلك يأتون بصالح ما عندهم " رواه ابن أبي حاتم والترمذي.

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269)

268

(الشيطان يعدكم الفقر) قد تقدم معنى الشيطان واشتقاقه، ويعدكم معناه يخوفكم بالفقر لئلا تنفقوا، فهذه الآية متصلة بما قبلها وقرىء الفقر بضم الفاء وهي غلة، قال الجوهري: والفقر لغة في الفقر مثل الضعف والضعف (ويأمركم بالفحشاء) أي الخصلة الفحشاء وهي المعاصي والإنفاق فيها، والبخل عن الإنفاق في الطاعات، قال في الكشاف: والفاحش عند العرب البخيل انتهى. ولكن العرب وإن أطلقته على البخيل فذلك لا ينافي إطلاقهم على غيره من المعاصي، وقد وقع كثيراً في كلامهم، والمعنى يحسن لكم البخل ومنع الزكاة والصدقة، قال الكلبي: كل فحشاء في القرآن فالمراد به الزنا إلا هذا الموضع. (والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً) بسبب الإنفاق كقوله (إن الحسنات يذهبن السيئآت) وقوله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) والوعد في كلام العرب إذا أطلق فهو في الخير، وإذا قيد فقد يقيد تارة بالخير وتارة بالشر، ومنه قوله تعالى (النار وعدها الله الذين كفروا) ومنه أيضاً ما في هذه الآية من تقييد وعد الشيطان بالفقر وتقييد وعد الله سبحانه بالمغفرة والفضل. والمغفرة الستر على عباده في الدنيا والآخرة لذنوبهم وكفارتها، والفضل أن يخلف عليهم أفضل مما أنفقوا فيوسع لهم في أرزاقهم وينعم عليهم في الآخرة بما هو أفضل وأكثر وأجل وأجمل. (والله واسع) أي غني قادر على إغنائكم وإخلاف ما تنفقونه (عليم) بإنفاقكم لا تخفى عليه خافية.

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وملكان ينزلان لأن يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر أعط ممسكاً تلفاً " أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث.

269

(يؤتي الحكمة من يشاء) الحكمة هي العلم وقيل الفهم، وقيل الإصابة في القول، ولا مانع من الحمل على الجميع شمولاً أو بدلاً، وقيل إنها النبوة وقيل الخشية وقيل العقل، وقيل الورع، وقيل المعرفة بالقرآن وقيل الفقه في الدين وقيل التفكر في أمر الله وقيل طاعة الله والعمل بها. وهذه الأقوال كلها قريب بعضها من بعض لأن الحكمة مصدر من الإحكام وهو الإتفاق في عمل أو قول، وكل ما ذكر هو نوع من الحكمة التي هي الجنس، فكتاب الله تعالى حكمة، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - حكمة، وأصل الحكمة ما يمنع من السفه وهو كل قبيح. وعن ابن عباس قال: الحكمة المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومُحكَمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله. وعنه قال إنها القرآن، يعني تفسيره، وعنه إنها الفقه في القرآن، وعن أبي الدرداء إنها قراءة القرآن والتفكر فيه، وعن أبي العالية هي الكتاب والفهم به، وبه قال النخعي، وعن مجاهد هي الكتاب يؤتي إصابته من يشاء، وعنه قال: هي الإصابة في القول، وعن أبي العالية ومطر الوراق قال هي الخشية. (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً) قرىء ومن يؤت الحكمة على البناء للفاعل، وقراءة الجمهور على البناء للمفعول أي من أعطاه الله الحكمة أي العلم النافع المؤدي إلى العمل الصالح فقد أعطاه خيراً عظيماً قدره، جليلاً خطره، لمصيره إلى السعادة الأبدية، والتنكير للتعظيم. (وما يذّكر إلا أولوا الألباب) أي الذين عقلوا عن الله أمره ونهيه،

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) والألباب العقول واحدها لبّ، وقد تقدم الكلام فيه، وفيه من الترغيب في المحافظة على الأحكام الواردة في شأن الإنفاق ما لا يخفى، والجملة إما حال وإما اعتراض تذييلي.

270

(وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه) ما شرطية ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي الذي أنفقتموه، وهذا بيان لحكم كلي عام يشمل كل صدقة مقبولة وغير مقبولة، وكل نذر مقبول وغير مقبول، وفيه معنى الوعد لمن أنفق ونذر على الوجه المقبول، والوعيد لمن جاء بعكس ذلك. ووحّد الضمير مع كونه مرجعه شيئين هما النفقة والنذر لأن التقدير: وما أنفقتم من نفقة فإن الله يعلمها أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه، ثم حذف أحدهما استغناء بالآخر، قاله النحاس. وقيل إنما كان العطف فيه بكلمة " أو " كما في قولك زيد أو عمرو، فإنه يقال أكرمته ولا يقال أكرمتهما. والأولى أن يقال إن العطف بأو يجوز فيه الأمران: توحيد الضمير كما في هذه الآية وفي قوله تعالى (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) وقوله (ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً) وتثنيته كما في قوله تعالى (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما).

ومن الأول في العطف بالواو قوله تعالى (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها.) وقيل إذا وحّد الضمير بعد ذكر شيئين أو أشياء فهو بتأويل المذكور أي فإن الله يعلم المذكور، وبه جزم ابن عطية ورجحه القرطبي، وذكر معناه كثير من النحاة في مؤلفاتهم. (وما للظالمين) أنفسهم بما وقعوا فيه من الإثم بمخالفة ما أمر الله به من الإنفاق في وجوه الخير (من أنصار) ينصرونهم ويمنعونهم من عقاب الله بما ظلموا به أنفسهم، والأولى الحمل على العموم من غير تخصيص بما يفيده السياق أي ما للظالمين بأي مظلمة كانت من أنصار. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في نذر الطاعة والمعصية في الصحيح وغيره ما هو معروف كقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا نذر في معصية الله " (¬1) وقوله: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه " (¬2) وقوله: " النذر ما ابتغى به وجه الله " (¬3) وثبت عنه في كفارة النذر ما هو معروف. ¬

(¬1) صحيح الجامع 7422/مسلم 78/ 79. (¬2) صحيح الجامع 6441. (¬3) روي بمعناه النسائي عن عِمْرِان بن حصين.

271

(إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) في هذا نوع تفصيل لما أجمل في الشرطية المتقدمة، ولذا ترك العطف بينهما أي إن تظهروا الصدقات فنعم شيئاً إظهارها، وإن تخفوها وتصيبوا بها مصارفها من الفقراء فالإخفاء خير لكم. وقد ذهب جمهور من المفسرين إلى أن هذه الآية في صدقة التطوع لا في صدقة الفرض فلا فضيلة للإخفاء فيها، بل قد قيل إن الإظهار فيها أفضل

وقالت طائفة: إن الإخفاء في الفرض والتطوع (¬1). عن ابن عباس قال: جعل السر في التطوع يفضل علانيتها سبعين ضعفاً، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً، وكذا جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها (¬2). وعنه في الآية قال: كان هذا يعمل قبل أن تنزل براءة فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها، وعنه قال: هذا منسوخ، وقوله (في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) قال: منسوخ نسخ كل صدقة في القرآن الآية التي في سورة التوبة (إنما الصدقات للفقراء) وقد ورد في فضل صدقة السر أحاديث صحيحة مرفوعة. (ونكفر عنكم من سيآتكم) مِن للتبعيض أي شيئاً من سيآتكم لأن الصدقات لا تكفر جميع السيئآت كذا قدره أبو البقاء، وحكى الطبري عن فرقة أنها زائدة، وذلك على رأي الأخفش، قال ابن عطية: وذلك منهم خطأ وقيل إنها للسببية أي من أجل ذنوبكم وهذا ضعيف، والسيئآت جمع سيئة ووزنها فَيعَلة وعينها واو، قال ابن عباس: جميع سيئاتكم (والله بما تعلمون خبير) يعني من إظهار الصدقات وإخفائها، وفيه ترغيب في الإسرار. ¬

(¬1) وروى النسائي عن عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الذي يجهر بالقرآن كالذي يجهر بالصدقة والذي يسر بالقرآن كالذي يسر بالصدقة ". وفي الحديث: " صدقة السر السر تطفىء غضب الرب ". (¬2) روى الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن كالمسر بالصدقة " وإسناده صحيح. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يرجع اليه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ".

272

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272) (ليس عليك هداهم) أي ليس بواجب عليك أن تجعلهم مهتدين قابلين لما أمروا به ونهوا عنه، فالهدى مصدر مضاف للمفعول أو ليس عليك أن يهتدوا فيكون مضافاً لفاعله (ولكن الله يهدي من يشاء) هداية توصله إلى المطلوب، وهذه الجملة معترضة وفيها الإلتفات. وعن ابن عباس قال: كانوا يكرهون أن يرضخوا لأنسابهم من المشركين فنزلت هذه الآية إلى آخرها فرخص لهم، وفي الباب آثار عن الصحابة والتابعين. (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) أي كل ما يصدق عليه اسم الخير كائناً ما كان ولو على كافر ولكن هذا في غير صدقة الفرض (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) استثناء من أعم العلل أي لا تنفقوا لغرض إلا لهذا الغرض، ثم بين أن النفقة المعتد بها المقبولة إنما هي ما كان لابتغاء وجه الله سبحانه، قال الزجاج: هذا خاص للمؤمنين، وقال بعضهم: لو أنفقت على شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك، ويرده حديث لا يأكل طعامك إلا تقي. وأجمع العلماء على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا إلى المسلمين، وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وخالفه سائر العلماء في ذلك. (وما تنفقوا من خير يوفّ) أي يرد (إليكم) أجره وثوابه على الوجه الذي تقدم ذكره من التضعيف، قال عطاء الخراساني: إذا أعطيت لوجه الله فلا عليك ما كان عمله (وأنتم لا تظلمون) أي لا تنقصون شيئاً من ثواب أعمالكم.

273

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) بالغزو والجهاد، وفيه بيان مصرف الصدقات واختاره ابن الأنباري، قال ابن عباس: هم أصحاب الصُفَّة يعني فقراء المهاجرين، كانوا نحو أربعمائة رجل لم يكن لهم بالمدينة مساكن ولا عشائر، وكانوا يأوون إلى صفة في المسجد يتعلمون القرآن بالليل، وهم الذين حبسوا أنفسهم على الجهاد خاصة، وعلى طاعة الله عامة قيل منعوا عن التكسب لما هن فيه من الضعف. (لا يستطيعون ضرباً في الأرض) للتكسب بالتجارة والزراعة ونحو ذلك بسبب ضعفهم، قال مجاهد: هم مهاجرو قريش بالمدينة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - أمروا بالصدقة عليهم، وقال سعيد بن جبير: هم قوم أصابتهم الجراحات في سبيل الله فصاروا زمنى، فجعل لهم في أموال المسلمين حقاً وقيل كل من يتصف بالفقر وما ذكر معه. (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) ذكر سبحانه من صفة أولئك الفقراء ما يوجب الحنوّ عليهم والشفقة بهم، وهو كونهم متعففين عن المسئلة وإظهار المسكنة بحيث يظنهم الجاهل بهم ومن لم يختبر حالهم أنهم أغنياء، والتعفف تفعُّل من العفة وهو بناء مبالغة من عف عن الشيء إذا أمسك عنه وتنزه عن طلبه. وفي " يحسبهم " لغتان فتح السين وكسرها قال أبو علي الفارسي والفتح أقيس، لأن العين من الماضي مكسور فبابها أن تأتي في المضارع مفتوحة فالقراءة

بالكسر على هذا حسنة وإن كانت شاذة " ومن " لابتداء الغاية وقيل لبيان الجنس. (تعرفهم) أي تعرف فقرهم (بسيماهم) أي برثاثة ثيابهم من الضرّ وصفرة ألوانهم من الجوع وضعف أبدانهم من الفقر وكل ما يشعر بالفقر والحاجة، وقيل التواضع والخضوع، والأول أولى، والخطاب إما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للمخاطبة، والسيما مقصورة العلامة وقد تمد وهي مقلوبة لأنها مشتقة من الوسم فهى من السمة أي العلامة. (لا يسألون الناس إلحافاً) الإلحاف الإلحاح في المسئلة وهو مشتق من اللحاف سمى بذلك لاشتماله على وجوه الطلب في المسئلة كاشتمال اللحاف على التغطية، والمعنى أنهم لا يسألونهم البتة لا سؤال إلحاح ولا سؤال غير إلحاح، وبه قال الطبري والزجاج وإليه ذهب جمهور المفسرين. ووجهه أن التعفف صفة ثابتة لهم لاتفارقهم ومجرد السؤال ينافيها، وقيل المراد أنهم إذا سألوا سألوا بتلطف ولا يلحفون في سؤالهم، وهذا وإن كان هو الظاهر من توجه النفي إلى القيد دون المقيد لكن صفة التعفف تنافيه، وأيضاً كون الجاهل بهم يحسبهم أغنياء لا يكون إلا مع عدم السؤال البتة. وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف، واقرؤا إن شئتم لا يسألون الناس إلحافاً (¬1) ". وقد ورد في تحريم المسئلة أحاديث كثيرة إلا من ذي سلطان أو في أمر لا يجد منه بداً. (وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) أي يعلم مقادير الإنفاق يجازي عليه وفيه حث على الصدقة والإنفاق في الطاعة لا سيما على هؤلاء. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 5259 و5260.

274

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية) يفيد زيادة رغبتهم في الإنفاق وشدة حرصهم عليه حتى أنهم لا يتركون ذلك ليلاً ولا نهاراً ويفعلونه سراً وجهراً عند أن تنزل بهم حاجة المحتاجين وتظهر لديهم فاقة المفتاقين في جميع الأزمنة على جميع الأحوال. وعن ابن عباس بسند ضعيف قال: نزلت في علي بن أبي طالب كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهاراً ودرهما سراً ودرهما علانية. وفي الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية لأنه تعالى قدم نفقة الليل على نفقة النهار، وقدم السر على العلانية. وقيل نزلت في الذين يربطون الخيل للجهاد في سبيل الله لأنهم يعلفونها في هذه الأربعة الأحوال، والأول أولى. عن غريب المليكي مرفوعاً قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل، وقال أبو أمامه الباهلي فيمن لا يربطها خيلاء ولا رياء ولا سمعة، وعن ابن عباس قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله، وقال قتادة: هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد. وقال سعيد بن المسيب: نزلت في عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان في نفقتهم في جيش العسرة، وكون ما ذكر سبباً لنزولها لا يقتضي خصوص الحكم به، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فلهم أجرهم عند ربهم) الفاء للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها وقيل هي للعطف (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي يوم القيامة أو في الدارين.

275

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) (الذين يأكلون الربا) الربا في اللغة الزيادة مطلقاً يقال ربا الشيء يربو إذا زاد، وفي الشرع يطلق على شيئين: على ربا الفضل وربا النسيئة حسب ما هو مفصل في كتب الفروع، وغالب ما كانت تفعله الجاهلية أنه إذا حل أجل الدين قال من هو له لمن هو عليه أتقضي أم تربي، فإذا لم يقض زاد مقداراً في المال الذي عليه وأخر له الأجل إلى حين، وهذا حرام بالاتفاق. وقياس كتابة الربا بالياء للكسرة في أوله، وقد كتبوه في المصحف بالواو. وليس المراد بالذين يأكلون الربا اختصاص هذا الوعيد بمن يأكله بل هو عام لكل من يعامل بالربا فيأخذه ويعطيه وإنما خص الأكل لزيادة التشنيع على فاعله، ولكونه هو الغرض الأهم، فإن آخذ الربا إنما أخذه للأكل. عن جابر قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه رواه مسلم (¬1). (لا يقومون) أي يوم القيامة من قبورهم، وبهذا فسره جمهور المفسرين، قالوا أنه يبعث كالمجنون عقوبة له تمقيتاً عند أهل المحشر، وقيل إن المراد تشبيه من يحرص في تجارته فيجمع ماله من الربا بقيام المجنون لأن الحرص والطمع والرغبة في الجمع قد استفزته حتى صار شبيهاً في حركته بالمجنون، كما يقال لمن يسرع في مشيه ويضطرب في حركاته إنه قد جن. ¬

(¬1) رواه أبو داود والترمذي. ومسلم وهما سواءً.

(إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) أي يصرعه، وأصل الخبط الضرب بغير استواء كخبط العشواء، وهو المصروع، والمس المجنون والممسوس المجنون، وكذلك الأولق، قال سعيد بن جبير: تلك علامة آكل الربا إذا استحله يوم القيامة. وفي الآية دليل على فساد قول من قال إن الصرع لا يكون من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وقال: إن الآية خارجة على ما كانت العرب تزعمه من أن الشيطان يصرع الإنسان وليس بصحيح وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس، وقد استعاذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من أن يتخبطه الشيطان كما أخرجه النسائي وغيره. وقد وردت أحاديث كثيرة في تعظيم ذنب الربا منها حديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم وصححه والبيهقي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: " الربا ثلاثة وسبعون باباً أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " (¬1). وورد هذا المعنى مع اختلاف العدد عن جماعة من الصحابة، وورد عن جماعة منهم أن آخر آية أنزلها على رسوله آية الربا. (ذلك بأنهم قالوا) ذلك إشارة إلى ما ذكر من حالهم وعقوبتهم بسبب قولهم (إنما البيع مثل الربا) أي أنهم جعلوا البيع والربا شيئاً واحداً أي اعتقدوا مدلول هذا القول وفعلوا مقتضاه أي ذلك العقاب بسبب أنهم نظموا الربا والبيع في سلك واحد لإفضائهما إلى الربح فاستحلوه استحلاله، وقالوا يجوز بيع درهم بدرهمين، وإنما شبهوا البيع بالربا مبالغة بجعلهم الربا أصلاً والبيع فرعاً، أي إنما البيع بلا زيادة عند حلول الأجل كالبيع بزيادة عند حلوله فإن العرب كانت لا تعرف رباً إلا ذلك، وهذا من عكس التشبيه مبالغة وهو ¬

(¬1) نزلت في عثمان بن عفان، والعباس، كانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجذاذ، قال صاحب التمر: إن أخذتما مالكما، لم يبق لي ولعيالي ما يكفي، فهل لكما أن تأخذا النصف واضعّف لكما؟ ففعلا، فلما حل الأجل، طلبا الزيادة، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فنهاهما.

أعلى مراتبه نحو قولهم: القمر كوجه زيد والبحر ككفه إذ صار المشبَّه مشبهاً به. فرد الله عليهم بقوله (وأحل الله البيع وحرم الربا) أي أن الله تعالى أحل البيع وحرم نوعاً من أنواعه وهو البيع المشتمل على الربا الذي هو زيادة في المال لأجل تأخير الأجل، والبيع مصدر باع يبيع أي دفع عوضاً وأخذ معوضاً، وقد ذكر المفسرون في هذا المقام سبب تحريم الربا واختلاف أهل العلم في عللها وأحكامها ومسائل القرض وإنما محلها كتب الفروع. (فمن جاءه موعظة من ربه) أي من بلغته موعظة من الله من المواعظ التي تشتمل عليها الأوامر والنواهي، ومنها ما وقع هنا من النهي عن الربا، والموعظة والعظة والوعظ معناها واحد وهو الزجر والتخويف وتذكير العواقب، والاتعاظ القبول والامتثال. (فانتهى) عن أكله أي فامتثل النهي الذي جاء وانزجر عن المنهى عنه واتعظ وقبل (فله ما سلف) أي ما تقدم منه من الربا لا يؤاخذ به لأنه فعله قبل أن يبلغه تحريم الربا أو قبل أن تنزل آية تحريم الربا (وأمره) أي أمر الربا (إلى الله) في تحريمه على عباده واستمرار ذلك التحريم، وقيل الضمير عائد إلى ما سلف أي أمره إلى الله في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه وقيل الضمير يرجع إلى المُرْبى أي أمر من عامل بالربا إلى الله في تثبيته على الانتهاء أو الرجوع إلى المعصية، وقيل إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. (ومن عاد) إلى أكل الربا والمعاملة به (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) الإشارة إلى من عاد وجمع أصحاب باعتبار معنى من، وقيل إن معنى من عاد هو أن يعود إلى القول بأنما البيع مثل الربا وأنه يكفر بذلك فيستحق الخلود، وعلى التقدير الأول يكون الخلود مستعاراً على معنى المبالغة كما تقول العرب: مُلك خالد أي طويل البقاء، والمصير إلى هذا التأويل واجب للأحاديث المتواترة القاضية بخروج الموحّدين من النار، قال سعيد بن جبير: خالدون يعني لا يموتون.

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)

276

(يمحق الله الربا) أي يذهب بركته في الدنيا وإن كان كثيراً فلا يبقى بيد صاحبه وقيل يمحق بركته في الآخرة، قال ابن عباس: لا يقبل الله منه صدقة ولا حجاً ولا جهاداً ولا صلة (ويربي الصدقات) أي يزيدها ويثمرها يعني يزيد في المال الذي أخرجت صدقته، وقيل يبارك في ثواب الصدقة ويضاعفه، ويزيد في أجر المتصدق، ولا مانع من حمل ذلك على الأمرين جميعاً. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيباً فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " (¬1)، وزاد في حديث عائشة وابن عمران أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية. وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن العبد ليتصدق بالكِسرة تربو عند الله حتى تكون مثل أحد ". وهذه الأخبار تبين معنى الآية يقال أرباه إذا زاده كما يؤخذ من القاموس ويستعمل لازماً أيضاً فيقال أربى الرجل إذا دخل في الربا. ¬

(¬1) (يمحق الله الربا) فيه قولان. أحدهما: أن معنى محقه: تنقيصه واضمحلاله، ومنه: محاق الشهر لنقصان الهلال فيه. روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير. والثاني: أنه إبطال ما يكون منه من صدقة ونحوها، رواه الضحاك عن ابن عباس.

(والله لا يحب) أي لا يرضى لأن الحب مختص بالتوابين (كل كفار أثيم) فيه تشديد وتغليظ عظيم على من أربى حيث حكم عليه بالكفر، ووصفه بأثيم للمبالغة وقيل لإزالة الاشتراك إذ قد يقع على الزراع، ويحتمل أن المراد بقوله (كل كفار) من صدرت منه خصلة توجب الكفر، ووجه التصاقه بالمقام أن الذين قالوا إنما البيع مثل الربا كفار. وقد تقدم تفسير قوله

277

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم) قيل المراد به الذين آمنوا بتحريم الربا والعموم أولى، والإيمان التصديق بالله ورسوله والعمل الصالح الذي أمرهم الله به ومن جملته ترك الربا، والصلاة والزكاة هما المفروضتان (ولا خوف عليهم) من مكروه يأتي في المستقبل (ولا هم يحزنون) على أمر محبوب فاتهم في الماضي.

278

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا) أي قوا أنفسكم من عقابه واتركوا البقايا التي بقيت لكم من الربا، وظاهره أنه أبطل من الربا ما لم يكن مقبوضاً، قال السدي: نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا شريكين في الجاهلية يسلفان الربا إلى ناس من ثقيف في الإسلام، ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله هذه الآية. (¬1) (إن كنتم مؤمنين) قيل هو شرط مجازي على جهة المقابلة، وقيل إنْ بمعنى إذ، قال ابن عطية: وهو مردود لا يعرف في اللغة، والظاهر أن المعنى إن كنتم مؤمنين على الحقيقة فإن ذلك يستلزم امتثال أوامر الله ونواهيه. ¬

(¬1) رواه الواحدي عن السدي بدون سند. وأخرج مسلم من حديث جابر في صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: فخطب الناس وقال: " إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعاً في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله ".

279

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279) (فإن لم تفعلوا) يعني ما أمرتم به من الاتقاء وترك ما بقي من الربا (فأذنوا) قريء بكسر الذال والمد على وزن آمنوا ومعناه فأعلموا بها غيركم من آذن بالشيء إذا أعلم به، وقيل هو من الأذن وهو الاستماع لأنه من طرق العلم، وقرىء بفتح الذال مع القصر ومعناه فاعلموا أنتم وأيقنوا. (بحرب من الله ورسوله) قال ابن عباس: يقال لآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب. قال أهل المعاني: الحرب هنا السيف، وقيل المراد بهذه المحاربة المبالغة في الوعيد والتهديد دون نفس الحرب، وقيل بل نفس الحرب، وذلك إن كان آكل الربا ذا شوكة لا ينزع عنه فحق على الإمام أن يحاربه، والأول أولى. وقد دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر، ولا خلاف في ذلك وتنكير الحرب للتعظيم وزادها تعظيماً نسبتها إلى اسم الله الأعظم وإلى رسوله الذي هو أشرف خليقته. (وإن تبتم) من الربا (فلكم رؤوس أموالكم) تأخذونها دون الزيادة (لا تظلمون) غرماءكم بأخذ الزيادة مستأنفة أو حال من الكاف في لكم (ولا تظلمون) أنتم من قبلهم بالمطل والنقص، والجملة حالية أو استئنافية، وفي هذا دليل على أن أموالهم مع عدم التوبة حلال لمن أخذها من الأئمة ونحوهم ممن ينوب عنهم.

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)

280

(وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) لما حكم سبحانه لأهل الربا برؤوس أموالهم عند الواجدين للمال حكم في ذوي العسرة بالنظِرة إلى يسار، والعسرة ضيق الحال من جهة عدم المال ومنه جيش العسرة، والنظِرة التأخير، والميسرة مصدر بمعنى اليسر، وارتفع ذو بكان التامة التي بمعنى وجد، وهذا قول سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما وفي مصحف أُبيّ وإن كان ذا عسرة على معنى وإن كان المطلوب ذا عسرة. وقرأ الأعمش (وإن كان معسراً) قال النحاس ومكي والنقاش: وعلى هذا يختص لفظ الآية بأهل الربا، وعلى من قرأ ذو فهي عامة في جميع من عليه دين وإليه ذهب الجمهور. وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما في الترغيب لمن له دين على معسر أن يُنْظِرَه، وفي ثواب إنظار المعسر والوضع عنه وتشديد أمر الدين والأمر بقضائه، وهي معروفة يطول ذكرها، والميسرة في اللغة اليسار والسعة. (وأن تصدقوا خير لكم) أي على معسري غرمائكم بالإبراء من كل الدين أو بعضه، وفيه الترغيب لهم بأن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر وجعل ذلك خيراً من إنظاره، قاله السدى وابن زيد والضحاك. قال الطبري وقال آخرون: معنى الآية وأن تصدقوا على الغني والفقير

خير لكم، والصحيح الأول، وليس في الآية مدخل للغني (إن كنتم تعلمون) جوابه محذوف أي إن كنتم تعلمون أنه خير لكم عملتم به، وفي الحديث: " من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله " (¬1) رواه مسلم. ¬

(¬1) مسلم 3006.

281

(واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) هو يوم القيامة وتنكيره للتهويل، وذهب قوم إلى أن هذا اليوم المذكور هو يوم الموت، وذهب الجمهور إلى أنه يوم القيامة كما تقدم، قرىء ترجعون بفتح التاء أي تصيرون فيه إلى الله، وقرىء بضمها وفتح الجيم أي تردون فيه إليه. (ثم توفّى كل نفس) من النفوس المكلفة (ما كسبت) أي جزاء ما كسبت يعني عملت من خير أو شر (وهم لا يظلمون) أي في ذلك اليوم، والجملة حالية وجمع الضمير لأنه أنسب بحال الجزاء كما أن الإفراد أنسب بحال الكسب. وهذه الآية فيها الموعظة الحسنة لجميع الناس، وفيها وعيد شديد وزجر عظيم. عن ابن عباس قال: آخر آية نزلت من القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية، وكان بين نزولها وبين موت النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد وثمانون يوماً. وعن سعيد بن جبير أنه عاش النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزولها تسع ليال ثم مات، وقيل سبعاً وقيل ثلاث ساعات ومات - صلى الله عليه وسلم - لليلتين خلتا من ربيع الأول في يوم الإثنين، حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، قال الخفاجي: وكون هذه الآية آخر آية مذكور في كتب الحديث مصحح.

282

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282) (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين) هذا شروع في بيان حال المداينة الواقعة بين الناس بعد بيان حال الربا، أي إذا داين بعضكم بعضاً وعامله بذلك سواء كان معطياً أو آخذاً، وذكر الدين بعد ما يغني عنه من المداينة لقصد التأكيد مثل قوله: (ولا طائر يطير بجناحيه) وقيل إنه ذكر ليرجع إليه الضمير من قوله فاكتبوه، ولو قال فاكتبوا الدين لم يكن فيه من الحسن ما في قوله (إذا تداينتم بدين) والدين عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين فيها نقداً والآخر في الذمة نسيئة فإن العين عند العرب ما كان حاضراً والدين ما كان غائباً. وقد بين الله سبحانه هذا المعنى بقوله (إلى أجل مسمّى) يعني إلى مدة

معلومة الأول والآخر، مثل السنة والشهر، والأجل يلزم في الثمن في البيع وفي السَّلم حتى لا يكون لصاحب الحق الطلب قبل محل الأجل، وقد استدل به على أن الأجل المجهول لا يجوز وخصوصاً أجل السَّلم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم " (¬1) وقد قال بذلك الجمهور، واشترطوا توقيته بالأيام أو الأشهر أو السنين قالوا ولا يجوز إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع القافلة أو نحو ذلك وجوزه مالك، قال ابن عباس: لما حرم الربا أباح السَّلم. (فاكتبوه) أي الدين بأجله بيعاً كان ذلك أو سلماً أو قرضاً لأنه أدفع للنزاع وأقطع للخلاف، قال ابن عباس: نزلت يعني هذه الآية في السلم في كيل معلوم إلى أجل معلوم، وأخرج البخاري وغيره عنه: قال أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله قد أحله وقرأ هذه الآية. (وليكتب بينكم كاتب) هو بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وظاهر الأمر الوجوب، وبه قال عطاء والشعبي وابن جريج والنخعي واختاره محمد بن جرير الطبري، وأوجبوا على الكاتب أن يكتب إذا طلب منه ذلك ولم يوجد كاتب سواه وقيل الأمر للندب والاستحباب، وبه قال الجمهور. (بالعدل) صفة لكاتب أي كاتب كائن بالعدل أي يكتب بالسوية لا يزيد ولا ينقص ولا يميل إلى أحد الجانبين، وهو أمر للمتداينين باختيار كاتب منصف بهذه الصفة لا يكون في قلبه وقلمه هوادة لأحدهما على الآخر، بل يتحرى الحق بينهم والعدالة فيهم. (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله) النكرة في سياق النفي مشعرة بالعموم أي لا يمتنع أحد من الكتاب من أن يكتب كتاب التداين على الطريقة التي علّمه الله من الكتابة أو كما علمه الله بقوله بالعدل (فليكتب) بالحق من ¬

(¬1) مسلم 1604 - البخاري 1123.

غير زيادة ولا نقصان ولا تقديم أجل ولا تأخيره بل يكتب ما يصلح أن يكون حجة عند الحاجة ويكون كل واحد منهما آمناً من إبطال حقه وأن يحترز من الألفاظ التي يقع النزاع فيها. (وليملل) الإملال والإملاء لغتان، الأولى لغة أهل الحجاز وبني أسد، والثانية لغة بني تميم فهذه الآية جاءت على اللغة الأولى وجاء على اللغة الثانية قوله تعالى (فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً) والإدغام في مثل ذلك جائز لا واجب. (الذي عليه الحق) هو من عليه الدين أمره الله تعالى بالإملاء لأن الشهادة إنما تكون على إقراره بثبوت الدين في ذمته (وليتق الله) الذي عليه الحق (ربه) أمره بالتقوى فيما يمليه على الكاتب فلا يجحد جميع الحق والبعض كما سيأتي، وبالغ في ذلك بالجمع بين الإسم والوصف (ولا يبخس منه شيئاً) نهاه عن البخس وهو النقص، وقيل إنه نهي للكاتب، والأول أولى لأن من عليه الحق هو الذي يتوقع منه النقص ولو كان نهياً للكاتب لم يقتصر في نهيه على النقص لأنه يتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه النقص. (فإن كان الذي عليه الحق) إظهار في مقام الإضمار لزيادة الكشف والبيان لا لأن الأمر والنهي لغيره (سفيهاً) السفيه هو الذي لا رأي له في حسن التصرف فلا يحسن الأخذ ولا الإعطاء، شبه بالثوب السفيه وهو الخفيف النسج، والعرب تطلق السفه على ضعف العقل تارة وعلى ضعف البدن أخرى، وبالجملة فالسفيه هو المبذّر إما لجهله بالتصرف أو لتلاعبه بالمال عبثاً مع كونه لا يجهل الصواب، وقيل الطفل أي جاهلاً بالإملاء. (أو ضعيفاً) وهو الشيخ الكبير أو الصبي، قال أهل اللغة: الضعف بضم الضاد في البدن وفتحها في الرأي لعته أو جنون (أو لا يستطيع أن يملّ هو) يعني لخرس أو عِيّ أو عُجمة في كلامه أو حبس أو غيبة لا يمكنه الحضور عند الكاتب أو يجهل بماله وعليه أو لا يقدر على التعبير كما ينبغي، فهؤلاء

كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد أن يقوم غيرهم مقامهم، وقيل إن الضعيف هو الدخول العقل الناقص الفطنة العاجز عن الإملاء، والذي لا يستطيع هو الصغير. (فليملل وليه) الضمير عائد إلى الذي عليه الحق فيمل عن السفيه وليّه المنصوب عنه بعد حجره عن التصرف في ماله، ويمل عن الصبي وصيه أو وليه وكذلك يمل عن العاجز الذي لا يستطيع الإملال لضعفه وليه لأنه في حكم الصبي أو المنصوب عنه من الإمام أو القاضي، ويمل عن الذي لا يستطيع وكيله إذا كان صحيح العقل وعرضت له آفة في لسانه أو لم تعرض ولكنه جاهل لا يقدر على التعبير كما ينبغي. وقال الطبري: إن الضمير في قوله وليه يعود إلى الحق، وهو ضعيف جداً. قال القرطبي في تفسيره: وتصرّف السفيه المحجور عليه دون وليه فاسد إجماعاً مفسوخ أبداً لا يوجب حكماً ولا يؤثر شيئاً فإن تصرف سفيه ولا حجر عليه ففيه خلاف انتهى. (بالعدل) أي الصدق من غير زيادة ولا نقص. (واستشهدوا شهيدين) الاستشهاد طلب الشهادة وسمَاهما شهيدين قبل الشهادة من مجاز الأول أي باعتبار ما يؤول إليه أمرهما من الشهادة (من رجالكم) أي كائنين من المسلمين فيخرج الكفار، ولا وجه لخروج العبيد عن هذه الآية فهم إذا كانوا مسلمين من رجال المسلمين، وبه قال شريح وعثمان البتي وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وأبو ثور. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وجمهور العلماء: لا تجوز شهادة العبد لما يلحقه من نقص الرق، وقال الشعبي والنخعي: تصح في الشيء اليسير دون الكثير، واستدل الجمهور على عدم جواز شهادة العبد بأن الخطاب في هذه الآية مع الذين يتعاملون بالداينة، والعبيد لا يملكون شيئاً تجري فيه المعاملة،

ويجاب عن هذا بأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وأيضاً العبد تصح منه المداينة وسائر المعاملات إذا أذن له مالكه بذلك. وقد اختلف الناس هل الإشهاد واجب أو مندوب؟ قال أبو موسى الأشعري وابن عمر والضحاك وعطاء وسعيد بن المسيب وجابر بن زيد ومجاهد وداود بن علي الظاهري وابنه أنه واجب، ورجحه ابن جرير الطبري، وذهب الشعبي والحسن ومالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه أنه مندوب. وهذا الخلاف بين هؤلاء هو في وجوب الإشهاد على البيع واستدل الموجبون بقوله تعالى (وأشهدوا إذا تبايعتم) ولا فرق بين هذا الأمر وبين قوله (واستشهدوا) فيلزم القائلين بوجوب الإشهاد في البيع أن يقولوا بوجوبه في المداينة. (فإن لم يكونا رجلين) أي الشاهدان أي بحسب القصد والإرادة أي فإن لم يقصد إشهادهما ولو كانا موجودين (فرجل وامرأتان) أي فليشهد رجل وامرأتان أو فرجل وامرأتان يكفون، كائنون (ممن ترضون) دينهم وعدالتهم حال كونهم (من الشهداء). وفيه أن المرأتين في الشهادة برجل، وأنها لا تجوز شهادة النساء إلا مع الرجل لا وحدهن إلا فيما لا يطلع عليه غيرهن للضرورة. واختلفوا هل يجوز الحكم بشهادة امرأتين مع يمين المدعي كما جاز الحكم برجل مع يمين المدعي؟ فذهب مالك والشافعي إلى أنه يجوز ذلك لأن الله سبحانه قد جعل المرأتين كالرجل في هذه الآية. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجوز ذلك. وهذا يرجع إلى الخلاف في الحكم بشاهد مع يمين المدعي، والحق أنه جائز لورود الدليل عليه وهو زيادة لم يخالف ما في الكتاب العزيز فيتعين قبولها، وقد أوضحنا ذلك في شرح بلوغ المرام، وأوضحه الشوكاني في شرحه

للمنتقى وغيره من مؤلفاته. ومعلوم عند كل من يفهم أنه ليس في هذه الآية ما يرد به قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشاهد واليمين، ولم يدفعوا هذا إلا بقاعدة مبنية على جرف هار هي قولهم إن الزيادة على النص نسخ، وهذه دعوى باطلة بل الزيادة على النص شريعة ثابتة جاءنا بها من جاءنا بالنص المتقدم عليها، وقد أوضحت ذلك في كتابي حصول المأمول من علم الأصول فليرجع إليه. وأيضاً كان يلزمهم أن لا يحكموا بنكول المطلوب، ولا بيمين الرد على الطالب، وقد حكموا بهما، والجواب الجواب. (أن تضل إحداهما) قال أبو عبيد: معنى تضل تنسى أي لنقص عقلهن وضبطهن، والضلال عن الشهادة إنما هو نسيان جزء منها وذكر جزء (فتذكر إحداهما) أي الذاكرة (الأخرى) أي الناسية، قرىء فتذكر بالتخفيف ومعناها تزيدها ذكراً وقراءة الجماعة بالتشديد أي تنبهها إذا غفلت ونسيت. وهذه الآية تعليل لاعتبار العدد في النساء أي فليشهد رجل ولتشهد امرأتان عوضاً عن الرجل الآخر لأجل تذكير إحداهما الأخرى إذا ضلت، وعلى هذا فيكون في الكلام حذف وهو سؤال سائل عن وجه اعتبار امرأتين عوضاً عن الرجل الواحد، فقيل وجهه أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى. والعلة في الحقيقة هي التذكير، ولكن الضلال لما كان سبباً له نزل منزلته وأبهم الفاعل في تضل وتذكر لأن كلا منهما يجوز عليه الوصفان، فالمعنى إن ضلت هذه ذكرتها هذه وإن ضلت هذه ذكرتها هذه لا على التعيين أي إن ضلت إحدى المرأتين ذكرتها الأخرى. وإنما اعتبر فيهما هذا التذكير لما يلحقهما من ضعف النساء بخلاف الرجال. وقد يكون الوجه في الإبهام أن ذلك يعني الضلال والتذكير يقع بينهما

متناوبا حتى ربما ضلت هذه عن وجه، وضلت تلك عن وجه آخر، فذكرت كل واحدة منهما صاحبتها. قال سفيان بن عُيَينة: معنى قوله (فتذكر إحداهما الأخرى) تصيرها ذكراً يعني أن مجموع شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل الواحد، وروى نحوه عن أبي عمرو بن العلاء، ولا شك أن هذا باطل لا يدل عليه شرع ولا لغة ولا عقل. (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) أي لأداء الشهادة التي قد تحملوها من قبل، وقيل إذا ما دعوا لتحمل الشهادة، وتسميتهم شهداء مجاز كما تقدم، وحملها الحسن على المعنيين وظاهر هذا النهي أن الامتناع من أداء الشهادة حرام. (ولا تسأموا) أي لا تملوا ولا تضجروا، والخطاب للمؤمنين أو للمتعاملين أو للشهود (أن تكتبوه) أي الدين الذي تداينتم به وقيل الحق وقيل الشاهد وقيل الكتاب، نهاهم الله سبحانه عن ذلك لأنهم ربما ملوا من كثرة المداينة أن يكتبوا. ثم بالغ في ذلك فقال (صغيراً أو كبيرا) أي لا تملوا في حال من الأحوال سواء كان الدين كثيراً أو قليلاً وعلى أي حال كان الكتاب مختصراً أو مشبعاً، وقدم الصغير هنا على الكبير للاهتمام به لدفع ما عساه أن يقال أن هذا مال صغير أي قليل لا احتياج إلى كتبه (إلى أجله) أي إلى محل الدين أو الحق. (ذلكم) أي المكتوب المذكور في ضمير قوله أن تكتبوه (أقسط عند الله) أي أعدل وأحفظ وأصح، من القسط بالكسر، والقسوط الجور والعدول عن الحق (وأقوم للشهادة) أي أعون على إقامة الشهادة وأثبت لها، وهو مبني من أقام وكذلك أقسط مبني من فعله أي أقسط وقد صرح سيبويه بأنه قياسي أي بناء أفعل التفضيل.

(وأدنى أن لا ترتابوا) أي أقرب لنفي الريب في معاملاتكم أي الشك، وذلك أن الكتاب الذي يكتبونه يدفع ما يعرض لهم من الريب كائناً ما كان. (إلا أن تكون تجارة) أي تقع أو توجد تجارة على أن كان تامة، والتجارة تقليب الأموال وتصريفها لطلب النماء والزيادة بالأرباح، والاستثناء منقطع أي لكن وقت تبايعكم وتجارتكم فإنه يجوز عدم الاستشهاد والكتب فيها، وقال أبو البقاء إنه متصل والأول أولى، وقرىء بالنصب على الناقصة أي تكون التجارة تجارة (حاضرة) بحضور البدلين وهي تعم المبايعة بعين أو دين (تديرونها بينكم) أي تتعاطونها يداً بيد، فالإدارة التعاطي والتقابض فالمراد التبايع الناجز يداً بيد. (فليس عليكم جناح أن لا تكتبوها) أي فلا حرج عليكم إن تركتم كتابته، وإنما رخص الله في ترك الكتابة في هذا النوع من التجارة لكثرة جريانه بين الناس، فلو كلفوا الكتابة فيه لشق عليهم، ولأنه إذا أخذ كل واحد حقه في المجلس لم يكن هناك خوف الجحود فلا حاجة إلى الكتابة. (وأشهدوا إذا تبايعتم) قيل معناه هذا التبايع المذكور هنا وهو التجارة الحاضرة على أن الإشهاد فيها يكفي، وقيل معناه أي تبايع كان حاضراً أو كالِئاً لأن ذلك أدفع لمادة الخلاف، وأقطع لمنشأ الشجار، وهذا وما قبله أمر ندب وقد تقدم قريباً ذكر الخلاف في كون هذا الإشهاد واجباً أو مندوباً. (ولا يضارّ كاتب ولا شهيد) يحتمل أن يكون مبنياً للفاعل أو للمفعول، فعلى الأول معناه لا يضار كاتب ولا شهيد من طلب ذلك منهما إما بعدم الإجابة أو بالتحريف والتبديل والزيادة والنقصان في كتابته، ويدل على هذا قراءة عمر وابن عباس وغيرهما " لا يضارِر " بكسر الراء الأولى وعلى الثاني لا يضارَر كاتب ولا شهيد بأن يدعيا إلى ذلك وهما مشغولان بمهم لهما ويضيق عليهما في الإجابة ويؤذَيا إن حصل منهما التراخي أو يطلب منهما الحضور من مكان بعيد، ويدل على ذلك قراءة ابن مسعود " لا يضارر " بفتح الراء الأولى،

وصيغة المفاعلة تدل على اعتبار الأمرين جميعاً وقد تقدم في تفسير قوله تعالى (لا تضار والدة بولدها) ما إذا راجعته زادك بصيرة إن شاء الله تعالى. (وإن تفعلوا) أي ما نهيتم عنه من المضارة (فإنه) أي فعلكم هذا (فسوق بكم) خروج عن الطاعة إلى المعصية ملتبس بكم (واتقوا الله) في فعل ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه (ويعلمكم الله) ما تحتاجون إليه من العلم، حال مقدرة أو مستأنفة وفيه الوعد لمن اتقاه أن يعلمه، ومنه قوله تعالى (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) (والله بكل شيء عليم) هذا آخر آية الدَّين. وقد حث الله سبحانه فيها على الاحتياط في أمر الأموال لكونها سبباً لمصالح المعاش والمعاد. قال القفال: ويدل على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر على الاختصار، وفي هذه الآية بسط شديد، ألا ترى أنه قال: (إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) ثم قال ثانياً (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) ثم قال ثالثاً (ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله) فكان هذا كالتكرار لقوله (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) لأن العدل هو ما علمه الله ثم قال رابعاً (فليكتب) وهذا إعادة للأمر الأول ثم قال خامساً (وليملل الذي عليه الحق) لأن الكاتب العدل إنما يكتب ما يملى عليه، ثم قال سادساً (وليتق الله ربه) وهذا تأكيد، ثم قال سابعاً (ولا يبخس منه شيئاً) وهذا كالمستفاد من قوله (وليتق الله ربه) ثم قال ثامناً (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله) وهو أيضاً تأكيد لما مضى ثم قال تاسعاً (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا) فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأكيدات السالفة. وكل ذلك يدل على المبالغة في التوصية بحفظ المال الحلال وصونه عن الهلاك، ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق في سبيل الله، والإعراض عن مساخطه من الرياء وغيره، والمواظبة على ذكر الله وتقواه، ذكره الخطيب.

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284)

283

(وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة) لما ذكر سبحانه مشروعية الكتابة والإشهاد لحفظ الأموال ودفع الريب، عقب ذلك بذكر حالة العذر عن وجود الكاتب، ونص على حالة السفر فإنها من جملة أحوال العذر، ويلحق بذلك كل عذر يقوم مقام السفر، وجعل الرهان المقبوضة قائمة مقام الكتابة أي فإن كنتم مسافرين ولم تجدوا كاتباً في سفركم فرهان مقبوضة، و " على " هنا بمعنى في، وفيه إشارة أن " على " استعارة تبعية شبّه تمكنهم من السفر بتمكن الراكب مركوبَه. قال أهل العلم: الرهن في السفر ثابت بنص التنزيل، وفي الحضر بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت في الصحيحين أنه صلى الله عليه وآله وسلم رهن درعاً له من يهودي. وأفاد قوله (مقبوضة) اشتراط القبض في الرهن والاكتفاء به من المرتهن ووكيله، وقرأ الجمهور (كاتباً) أي رجلاً يكتب لكم، وقرئ " كتاباً " قال ابن الأنباري: فسره ابن مجاهد فقال: معناه فإن لم تجدوا مداداً في الأسفار. وقرىء " فرهن " بضم الراء والهاء جمع رهان، وقرىء فرهن، وقراءة الجمهور (فرهان) قال الزجاج: يقال في الرهن رهنت وأرهنت، وكذا قال ابن الأعرابي والأخفش.

وقال أبو علي الفارسي: يقال أرهنت في المعاملات، وأما في القرض والبيع فرهنت، وقال ابن السكيت: أرهنت فيهما بمعنى أسلفت، والمرتهن الذي يأخذ الرهن والشيء مرهون ورهين، وراهنت فلاناً على كذا مراهنة خاطرته، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون قبض. (فإن أمن بعضكم بعضاً) أي الدائن المديون على حقه فلم يرتهنه يعني إن كان الذي عليه الحق أميناً عند صاحب الحق لحسن ظنه به وأمانته واستغنى بأمانته عن الارتهان (فليؤد الذي اؤتمن) وهو المديون (أمانته) أي الدين الذي عليه، والأمانة مصدر سُمي به الذي في الذمة وأضافها إلى الذي عليه الدين من حيث أن لها إليه نسبة. (وليتق الله ربه) في أن لا يكتم من الحق شيئاً وفي أداء الحق عند حلول الأجل من غير مماطلة ولا جحود، بل يعامله المعاملة الحسنة كما أحسن ظنه فيه، وفيه مبالغات من حيث الإتيان بصيغة الأمر الظاهرة في الوجوب، والجمع بين ذكر الله والرب وذكره عقب الأمر بأداء الدين، وفيه من التحذير والتخويف ما لا يخفى. (ولا تكتموا الشهادة) نهي للشهود أن يكتموا ما تحملوه من الشهادة إذا دعوا لإقامتها وهو في حكم التفسير لقوله (ولا يضار كاتب) أي لا يضارِر بكسر الراء الأولى على أحد التفسيرين المتقدمين (ومن يكتمها) يعني الشهادة (فإنه آثم) أي فاجر (قلبه) خص القلب بالذكر لأن الكتم من أفعاله ولكونه رئيس الأعضاء وهو المضغة التي إن صلحت صلح الجسد كله وإن فسدت فسد كله. وإسناد الفعل إلى الجارحة التي تعمله أبلغ، وهو صريح في مؤاخذة الشخص بأعمال القلب، وارتفاع القلب على أنه فاعل أو مبتدأ وآثم خبره على ما تقرر في علم النحو، ويجوز أن يكون قلبه بدلاً من آثم، بدل البعض من

الكل، ويجوز أيضاً أن يكون بدلاً من الضمير الذي في آثم الراجع إلى من. وقرىء قلبه بالنصب كما في قوله إلا من سفه نفسه (والله بما تعملون عليم) فيه وعيد وتحذير لمن كتم الشهادة ولم يظهرها، ويقال لهذه الآية آية الدين. وأخرج البخاري في تاريخه وأبو داود وغيرهما عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية، وقال هذه نسخت ما قبلها. (وأقول) رضي الله عن هذا الصحابي الجليل، ليس هذا من باب النسخ فهذا مقيد بالائتمان وما قبله ثابت محكم لم ينسخ، وهو مع عدم الائتمان. وعن سعيد ابن المسيب أنه بلغه أن أحدثَ القرآن بالعرش آية الدين، وعن ابن شهاب قال: آخر القرآن عهداً بالعرش آية الربا وآية الدين.

284

(لله ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وأهلهما له عبيد وهو مالكهم، واستدل بسعة ملكه على سعة علمه (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) ظاهره أن الله يحاسب العباد على ما أضمرته أنفسهم وأظهرته من الأمور التي يحاسب عليها (فيغفر لمن يشاء) منهم ما يغفره منها (ويعذب من يشاء) منهم بما أسر وأظهر منها. هذا معنى الآية على مقتضى اللغة العربية، وقد اختلف أهل العلم في هذه الآية على أقوال: الأول: أنها وإن كانت عامة فهي مخصوصة بكتمان الشهادة، وأن الكاتم للشهادة يحاسب على كتمه سواء أظهر للناس أنه كاتم للشهادة أو لم يظهر، وقد روى هذا عن ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد، وهو مردود بما في الآية من عموم اللفظ، ولا يصلح ما تقدم قبل هذه الآية من النهي عن كتم الشهادة أن تكون مختصة به.

والقول الثاني: أن ما في الآية مختص بما يطرأ على النفوس من الأمور التي هي بين الشك واليقين، قاله مجاهد وهو أيضاً تخصيص بلا مخصص. والقول الثالث: أنها محكمة عامة ولكن العذاب على ما في النفس يختص بالكفار والمنافقين، حكاه الطبري عن قوم، وهو أيضاً تخصيص بلا مخصص فإن قوله (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) لا يختص ببعض معين إلا بدليل. والقول الرابع: أن هذه الآية منسوخة، قاله ابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة، وهو مروي عن ابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين، وهذا هو الحق لما سيأتي من التصريح بنسخها، ولما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها (¬1). وأخرج البخاري والبيهقي عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسبه ابن عمر (إن تبدوا ما في أنفسكم) الآية قال نسختها الآية التي بعدها. وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن علي نحوه. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عى أبي هريرة قال لما نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ولله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم) الآية اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم جثوا على الركب فقالوا ¬

(¬1) مسلم 127.

يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم، سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم وزلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) إلى آخرها (¬1). وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن ابن عباس مرفوعاً نحوه، وزاد فأنزل الله (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) قال قد فعلت (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا) قال قد فعلت (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قال قد فعلت (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا) الآية قال قد فعلت (¬2)، وقد رويت هذه القصة عن ابن عباس من طرق. وبمجموع ما تقدم يظهر لك ضعف ما روي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال نزلت في كتمان الشهادة، فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة. وعلى كل حال فبعد الأحاديث المصرحة بالنسخ والناسخ لم يبق مجال لمخالفتها. ومما يؤيد ذلك ما ثبت في الصحيحين والسنن الأربع من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ¬

(¬1) مسلم 125. (¬2) مسلم 126.

ما لم تتكلم أو تعمل به (¬1) ". وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: كل عبد همّ بسوء ومعصية وحدّث نفسه به حاسبه الله في الدنيا يخاف ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك شيء كما هم بالسوء ولم يعمل بشيء. والأحاديث المتقدمة المصرحة بالنسخ تدفعه. عن ابن عباس قال: إن الله يقول يوم القيامة إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم فأغفر لمن شئت وأعذب من شئت، وهو مدفوع بما تقدم. وقيل محكمة لأنه إذا حمل ما في الأنفس على خصوص العزم لم يكن نسخ لأنه مؤاخذ به وقد نظم بعضهم مراتب القصد بقوله؛ مراتب القصد خمس. هاجس ذكروا ... وخاطر فحديث النفس فاستمعا يليه هم فعزم كلها رفعت ... سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعاً (والله على كل شيء قدير) فيغفر للمؤمنين فضلاً ويعذب الكافرين عدلاً قال ابن عباس يغفر الذنب العظيم ويعذب على الذنب الصغير. ¬

(¬1) روى الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم عن صفوان بن محرز قال: " بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يدنو المؤمن من ربه عز وجل حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول له: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب اعرف مرتين، حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، قال: فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الأشهاد (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين). ثم قال ابن جرير: فتأويل الآية إذاً: وإن تبدوا ما في أنفسكم أيها الناس فتظهروه، أو تخفوه فتنطوي عليه نفوسكم يحاسبكم به الله، فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه، ومغفرته له، فيغفره له، ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه، ونبوة أنبيائه.

285

آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون) أي بجميع ما أنزل إليه، قال الزجاج: لما ذكر الله سبحانه في هذه السورة فرض الصلاة والزكاة والصيام وبيّن أحكام الحج والجهاد وحكم الحيض والطلاق والإيلاء وأقاصيص الأنبياء، وبيّن حكم الربا، ذكر تعظيمه ثم ذكر تصديق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم ذكر تصديق جميع المؤمنين ذلك فقال (آمن الرسول) أي صدق الرسول بجميع هذه الأشياء التي جرى ذكرها وكذلك المؤمنون. (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) أفرد الضمير في آمن لأن المراد إيمان كل فرد منهم من غير اعتبار الإجتماع كما اعتبر ذلك في قوله (وكل أتوه داخرين) وهذه أربع مراتب من أصول الدين وضرورياته. وسبب نزولها الآية التي قبلها، وقد تقدم بيان ذلك. وقوله (وملائكته) أي من حيث كونهم عباده المكرمين المتوسطين بينه وبين أنبيائه في إنزال كتبه، وقوله (وكتبه) لأنها المشتملة على الشرائع التي تعبد بها عباده، وقوله (ورسله) لأنهم المبلغون لعباده ما نزل إليهم. وقرأ ابن عباس (وكتابه) قال الكتاب أكثر من الكتب وبينه صاحب الكشاف فقال: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شىء، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع انتهى، ومن أراد تحقيق المقام فليرجع إلى شرح التلخيص المطول عند

قول الماتن واستغراق المفرد أشمل (¬1) (لا نفرق بين أحد من رسله) فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعل اليهود والنصارى، لم يقل بين آحاد لأن الأحد يتناول الواحد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث كما في قوله تعالى (فما منكم من أحد عنه حاجزين) فوصفه بقوله (حاجزين) لكونه في معنى الجمع. (وقالوا سمعنا وأطعنا) أي أدركناه بأسماعنا وفهمناه وأطعنا ما فيه وقيل معنى سمعنا أجبنا دعوتك (غفرانك ربنا) أي اغفر غفرانك، قاله الزجاج وغيره، وقيل نسألك غفرانك، وقدم السمع والطاعة على طلب المغفرة لكون الوسيلة تتقدم على المتوسل إليه (وإليك المصير) أي المرجع والمآب بالبعث. (¬2) ¬

(¬1) وروى مسلم في " صحيحه " عن عبد الله قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض، قال: (إذ يغشي السدرة ما يغشى) قال: فراش من ذهب، قال: وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات. والمقحمات، بكسر الحاء: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار، أي تلقيهم فيها. (¬2) روى العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما أنزل الله تعالى: (وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) اشتد ذلك على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -[فأتوا رسول ال - صلى الله عليه وسلم -، ثم جثوا على الركب] فقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال: " أتريدون أن تقولوا كفي قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ". فلما قالوها وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها (آمن الرسول).

286

لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) أي ما تسعه قدرتها فضلاً منه ورحمة أو ما دون مدى طاقتها أي غاية طاقتها بحيث يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها. التكليف هو الأمر بما فيه مشقة وكلفة، والوسع الطاقة والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، وهذه جملة مستقلة جاءت عقب قوله سبحانه (إن تبدوا ما في أنفسكم) الآية لكشف كربة المسلمين ودفع المشقة عليهم في التكليف بما في الأنفس، وهي كقوله سبحانه (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) قال ابن عباس: وأكثر المفسرين: إن هذه الآية نسخت حديث النفس والوسوسة. (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) فيه ترغيب وترهيب أي لها ثواب ما كسبت من الخير وعليها وزر ما اكتسبت من الشر، وتقديم لها وعليها على الفعلين يفيد أن ذلك لها لا لغيرها وعليها لا على غيرها، وهذا مبني على أن " كسب " للخير فقط، واكتسب للشر فقط كما قاله صاحب الكشاف وغيره، وقيل كل واحد من الفعلين يصدق على الأمرين، وإنما كرر فعل وخالف بين التصريفين تحسيناً للنظم كما وقع في قوله تعالى (فمهّل الكافرين أمهلهم رويداً). وقيل اللام للخير وعلى للمضرة ولكن ينقض هذا بقوله تعالى (ولهم اللعنة) و (عليهم صلوات) اللهم إلا أن يقال هما يقتضيان ذلك عند

الإطلاق بلا ذكر الحسنة والسيئة أو أنهما يستعملان لذالك عند تقاربهما كما في هذه الآية. (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) أي لا تؤاخذنا بإثم ما يصدر منا من هذين الأمرين، وقد استشكل هذا الدعاء جماعة من المفسرين وغيرهم قائلين إن الخطأ والنسيان مغفوران غير مؤاخذ بهما فما معنى الدعاء بذلك فإنه من تحصيل الحاصل. وأجيب عن ذلك بأن المراد طلب عدم المؤاخذة بما صدر عنهم من الأسباب المؤدية إلى النسيان والخطأ من التفريط وعدم المبالاة لا من نفس النسيان والخطأ فإنه لا مؤاخذة بهما كما يفيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وسيأتي تخريجه. وقيل إنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء لقصد استدامته. وقيل إنه وإن ثبت شرعاً أنه لا مؤاخذة بهما فلا امتناع في المؤاخذة بهما عقلاً. وقيل لأنهم كانوا على جانب عظيم من التقوى بحيث لا يصدر عنهم الذنب تعمداً وإنما يصدر عنهم خطأً أو نسياناً فكأنه وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً بنزاهة ساحتهم عما يؤاخذون به، كأنه قيل إن كان النسيان والخطأ مما يؤاخذون به فما منهم سبب المؤاخذة إلا الخطأ والنسيان. قال القرطبي: وهذا لم يختلف فيه إن الإثم مرفوع وإنما اختلف فيما يتعلق على ذلك من الأحكام هل ذلك مرفوع ولا يلزم منه شيء أو يلزم أحكام ذلك كله اختلف فيه، والصحيح أن ذلك يختلف بحسب الوقائع فقسم

لا يسقط باتفاق كالغرامات، والديانات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه كمن أكل ناسياً في رمضان أو حنث ساهياً، وما كان مثله مما يقع خطأ أو نسياناً، ويعرف ذلك في الفروع انتهى. والآية تعليم من الله لعباده كيفية الدعاء وهذا من غاية الكرم حيث يعلمهم الطلب ليعطيهم المطلوب. (ربنا ولا تحمل علينا إصراً) تكرير النداء للإيذان بمزيد التضرّع واللجوء إلى الله سبحانه، والإصر العبء الثقيل الذي يأصر صاحبه أي يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، والمراد به هنا التكليف الشاق والأمر الغليظ الصعب، وقيل الإصر شدة العمل وما غلظ على بني اسرائيل من قتل الأنفس وقطع موضع النجاسة، وقيل الإصر المسخ قردة وخنازير وقيل العهد، ومنه قوله تعالى: (وأخذتم على ذلكم إصري). وهذا الخلاف يرجع إلى بيان ما هو الإصر الذي كان على من قبلنا لا إلى معنى الإصر في لغة العرب فإنه تقدم ذكره بلا نزاع، والإصار الحبل الذي يربط به الأحمال ونحوها يقال أصر يأصر أصراً حبس، والإصر بكسر الهمزة من ذلك، قال الجوهري: والوضوع مأصر والجمع مآصر، ومعنى الآية أنهم طلبوا من الله سبحانه أن لا يحملهم من ثقيل التكاليف ما حمل الأمم قبلهم. (كما حملته على الذين من قبلنا) يعني اليهود، وذلك أن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم زكاة، ومن أصاب منهم ثوبه نجاسة قطعها ومن أصاب ذنباً أصبح وذنبه مكتوب على بابه، نحو هذا من الأثقال والآصار. (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) تكرير النداء للنكتة المذكورة قبل

هذا، والمعنى لا تحملنا من الأعمال ما لا نطيق وقيل: هو عبارة عن إنزال العقوبات كأنه قال لا تنزل علينا العقوبات بتفريطنا في المحافظة على تلك التكاليف الشاقة التي كلفت بها من قبلنا، وقيل المراد به الشاق الذي لا يكاد يستطاع من التكاليف، والطاقة القدرة على الشيء. (واعف عنا) أي عن ذنوبنا يقال عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه عليه (واغفر لنا) أى استر على ذنوبنا ولا تفضحنا بالمؤاخذة، والغفر الستر (وارحمنا) أي تفضل برحمة منك علمنا وتعطف بنا (أنت مولانا) أي ولينا وناصرنا، وخرج هذا مخرج التعليم كيف يدعون، وقيل معناه أنت سيدنا ونحن عبيدك (فانصرنا على القوم الكافرين) فإن من حق المولى أن ينصر عبيده والمراد عامة الكفرة وفيه إشارة إلى إعلاء كلمة الله بالجهاد في سبيله. وقد قدمنا في شرح الآية التي قبل هذا أنه ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الله تعالى قال عقب كل دعوة من هذه الدعوات " قد فعلت " فكان ذلك دليلاً على أنه سبحانه لم يؤاخذهم بشيء من الخطأ والنسيان، ولا حمل عليهم شيئاً من الإصر الذي حمله على من قبلهم، ولا حمَّلهم ما لا طاقة لهم به، وعفا عنهم وغفر لهم ورحمهم ونصرهم على القوم الكافرين، والحمد لله رب العالمين. وقد أخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (¬1) " وروي من طرق كثيرة وفي أسانيدها مقال ولكنها يقوّي بعضها بعضاً فلا يقصر عن رتبه الحسن لغيره، وقد تقدم حديث " قد فعلت " وهو يشهد لهذا الحديث. وقد ورد عن جماعة من الصحابة وغيرهم أن جبريل لقّن النبي - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1727. والمشكاة 6284.

خاتمة البقرة " آمين ". وقد ثبت عند الشيخين وأهل السنن وغيرهم عن أبي مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه (¬1) " وأخرج أحمد والنسائي والطبراني والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن حذيفة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول " أعطيت هذه الآية من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطها نبي قبلي (¬2) ". وأخرج الطبراني بسند جيد عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة لا تقرآن في دار ثلاث ليال فيقربها شيطان (¬3) ". وأخرج مسلم والنسائي واللفظ له عن ابن عباس قال: بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده جبريل إذ سمع نقيضاً فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال هذا باب قد فتح من السماء ما فتح قط قال: فنزل منه ملك فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " أبشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ حرفاً منهما إلا أوتيته ". فهذه أحاديث مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في فضل هاتين الآيتين، وقد روى في فضلهما من غير الرفوع عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي مسعود وكعب الأحبار والحسن وأبي قلابة. وفي قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يغني عن غيره ولله الحمد. ¬

(¬1) مسلم 807 - البخاري 1862. (¬2) صحيح الجامع الصغير 1071. (¬3) صحيح الجامع الصغير 1795. والمشكاة/2145.

سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم سورة آل عمران مدنية وهي مائتا آية هي مدنية قال القرطبي بإجماع. ومما يدل على ذلك أن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية نزل في وفد نجران. وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة واسمها في التوراة طيبة حكاه النقاش.

بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)

1

(الم) الله أعلم بمراده بذلك، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة ما يغني عن الإعادة

2

(الله لا إله إلا هو الحي القيوم) الجملة مستأنفة أي هو المستحق للعبودية لا يستحقها أحد سواه، والحي هو الدائم الباقي الذي لا يصح عليه الموت، والقيوم هو القائم بذاته وبتدبير الخلق ومصالحهم فيما يحتاجون إليه في معاشهم ومعادهم، وهو فيعول من قام، وقد تقدم تفسير الحي القيوم.

3

(نزّل) فيه أن وقت نزول هذه الآية لم يكن القرآن تكامل نزوله لأن صيغة التفعيل للدلالة على التنجيم (عليك الكتاب) الكتاب القرآن، وقدم الظرف على المفعول للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر، والمراد في الماضي والمستقبل (بالحق) أي متلبساً به في أخباره، والحق الصدق وقيل الحجة. (مصدقاً) حال آخر من الكتاب مؤكدة، وبهذا قال الجمهور، وجوز بعضهم أن تكون الحال منتقلة على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره (لما بين يديه) أي من الكتب المنزلة وهو من مجاز الكلام لأن ما بين يديه هو ما أمامه فسمى ما مضى بين يديه لغاية ظهوره واشتهاره، واللام في " لما " دعامة لتقوية العامل.

(وأنزل التوراة والإنجيل) إنما قال هنا أنزل وفيما تقدم نزل لأن القرآن نزل منجماً مفصلاً في أوقات كثيرة، والكتابان نزلا دفعة واحدة ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه، وذكر فيما تقدم أن الكتاب نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن القصد هنا ليس إلا ذكر الكتابين لا ذكر من نزلا عليه وهما اسمان عبرانيان، وقيل سريانيان كالزبور، وقيل التوراة مشتقة من قولهم ورى الزند إذا قدح فظهر منه نار، وقيل من وريت في كلامي من التورية وهي التعريض، والإنجيل مشتق من النجل وهو التوسعة، والأول أولى.

4

(من قبل) أي قبل تنزيل الكتاب يعني القرآن (هدى) حال أو مفعول له (للناس) والمراد بالناس أهل الكتابين أو ما هو أعم لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع، قال ابن فورك للناس المتقين (وأنزل الفرقان) الفارق بين الحق والباطل وهو القرآن، وكرر ذكره تشريفاً له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له بأنه يفرق بين الحق والباطل. قال قتادة فأحل فيه حلاله وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه وحد فيه حدوده وفرض فيه فرائضه، وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته ونهى عن معصيته. وقال محمد بن جعفر بن الزبير أي الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره، وذكر التنزيل أولاً والإنزال ثانياً لكونه جامعاً بين الوصفين فإنه أنزل إلى سماء الدنيا جملة ثم نزل منها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مفرقاً منجماً على حسب الحوادث كما سبق، وقيل إنهما لمجرد التعدية والجمع بينهما للتفنن وهو الأولى، وقيل أراد بالفرقان جميع الكتب المنزله من الله تعالى على رسله وقيل الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة والأول أولى. (إن الذين كفروا) قيل أراد بهم نصارى وفد نجران كفروا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل إن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فهو يتناول كل من كفر بشيء من آيات الله (بآيات الله) أي بما يصدق

عليه أنه آية من الكتب المنزلة وغيرها أو بما في الكتب المنزلة المذكورة على وضع آيات الله موضع الضمير العائد إليها، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به الكفر. (لهم) بسبب هذا الكفر (عذاب شديد) أي عظيم في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالخلود في النار (والله عزيز) لا يغالبه مغالب (ذو انتقام) عظيم النقمة والسطوة، يقال انتقم منه إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدم منه، وقال محمد بن جعفر بن الزبير أي إن الله ينتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها ومعرفته بما جاء منه فيها. (¬1) ¬

(¬1) وحين قدم وفد نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ستين راكباً فيهم العاقب والسيد وخاصموه في عيسى عليه السلام. فقالوا: إن لم يكن ولد الله فمن أبوه؟. فنزلت فيهم هذه الآيات.

5

(إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه وإحاطته بالمعلومات لعلمه بما يقع في العالم من كلي وجزئي، وفيه رد على الحكماء في قولهم إنه لا يعلم الجزئيات إلا بوجه كلي لأنه في الحقيقة نفي للعلم بالجزئي، وعبر عن معلوماته بما في الأرض والسماء مع كونها أوسع من ذلك لقصور عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته وسائر معلوماته. ومن جملة ما لا يخفى عليه إيمان من آمن من خلقه وكفر من كفر. وقال محمد بن جعفر أي قد علم ما يريدون وما يكيدون وما يضاهون بقولهم في عيسى إذ جعلوه رباً وإلهاً وعندهم من علمه غير ذلك عزة بالله وكفراً به لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء، وعيسى يخفى عليه بعض الأشياء باعترافهم فلا يصلح أن يكون إلهاً ففيه رد على النصارى في دعواهم ألوهية عيسى (1).

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)

6

(هو الذي يصوركم في الأرحام) أصل اشتقاق الصورة من صاره على كذا أي أماله إليه فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، والتصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف، والأرحام جمع رحم، وأصل الرحم من الرحمة لأنه مما يتراحم به، وهذه الجملة مستأنفة مشتملة على بيان إحاطة علمه وإن من جملة معلوماته ما لا يدخل تحت الوجود وهو تصوير عباده في أرحام أمهاتهم من نطف آبائهم. (كيف يشاء) من حسن وقبيح وأسود وأبيض وطويل وقصير وذكر وأنثى وكامل وناقص، قيل وقد كان عيسى ممن صور في الأرحام لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه كما صور غيره من بني آدم، فكيف يكون إلهاً وقد كان بذلك المنزل، والمعنى أنه الذي يصوركم في ظلمات الأرحام صوراً مختلفة في الشكل والطبع واللون، متفاوتة في الخلقة وذلك من نطفة. وعن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قالوا إذا وقعت النطفة في الأرحام صارت في الجسد أربعين يوماً ثم تكون علقة أربعين يوماً ثم تكون مضغة أربعين، يوماً، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكاً يصورها فيأتي الملك بتراب بين إصبعيه فيخلط منه المضغة ثم يعجنه بها ثم يصورها كما يؤمر فيقول أذكر أم أنثى أشقي أم سعيد وما رزقه وما عمره وما أثره وما مصائبه، فيقول الله ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب، قيل هذا

أيضاً في الرد على النصارى حيث قالوا عيسى ولد الله وكيف يكون ولداً له وقد صوره الله في الرحم بل هو عبد مخلوق كغيره وأنه يخفى عليه ما لا يخفى على الله. (لا إله إلا هو العزيز الحكيم

7

هو الذي أنزل عليك الكتاب) أي القرآن واللام للعهد وقدم الظرف وهو عليك لما يفيده من الاختصاص (منه آيات محكمات) أي بينات مفصلات أحكمت عبارتها من احتمال التأويل والاشتباه، كأنه تعالى أحكمها فمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها ووضوح معناها. (هن أم الكتاب) أي أصله الذي يعول عليه في الأحكام ويعمل به في الحلال والحرام ويرد ما خالفه إليه، وهذه الجملة صفة لما قبلها، ولم يقل أمهات لأن الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة أو لأنه واقع موقع الجمع أو لأنه بمعنى أصل الكتب والأصل يوحد. (وأخر متشابهات) لا تفهم معانيها يعني أن لفظه يشبه لفظ غيره، ومعناه يخالف معناه، كأوائل السور، وأُخر جمع أخرى وإنما لم تنصرف لأنه عدل بها عن الآخر لأن أصلها أن يكون كذلك، وقال أبو عبيد لم تنصرف لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة وأنكر ذلك المبرد. وقد اختلف العلماء في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال، فقيل أن المحكم ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، ومن القائلين بهذا جابر بن عبد الله والشعبي وسفيان الثوري، قالوا وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور. وقيل المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجوهاً، فإذا ردت إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكماً. وقيل إن المحكم ناسخه وحرامه وحلاله وفرائضه وما يؤمن به ويعمل عليه، والمتشابه منسوخه وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل عليه روي هذا عن ابن عباس.

وقيل المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ، روي هذا عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك. وقيل المحكم الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه ما فيه تصريف وتحريف وتأويل، قاله مجاهد وابن إسحق، قال ابن عطية وهذا أحسن الأقوال. وقيل المحكم ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه ما يرجع فيه إلى غيره، قال النحاس وهذا أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات. قال القرطبي ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم والإحكام الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته، واتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال. وقال ابن خوازمنداد: للمتشابه وجوه ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى كما في الحامل المتوفى عنها زوجها فإن من الصحابة من قال: إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر والعشر. ومنهم من قال بالعكس، وكاختلافهم في الوصية للوارث وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار وتعارض الأقيسة، هذا معنى كلامه. والأولى أن يقال إن المحكم هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره، والمتشابه ما لا يتضح معناه أو لا يظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره. وإذا عرفت أن الاختلاف الذي قدمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قول عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها.

وبيان ذلك أن أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل. والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك أن مفهوم المحكم والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء أو عدم الظهور أو الاحتمال أو التردد يوجب التشابه. وأهل القول الثاني خصوا المحكم بما ليس فيه احتمال، والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم والمتشابه لا كلها. وهكذا أهل القول الثالث فإنهم خصوا كل واحد من القسمين بتلك الأوصاف المعينة دون غيرها. وأهل القول الرابع خصوا كل واحد منهما ببعض الأوصاف التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعاً. وأهل القول الخامس خصوا المحكم بوصف عدم التصريف والتحريف، وجعلوا المتشابه مقابله، وأهملوا ما هو أهم من ذلك مما لا سبيل إلى علمه من دون تصريف وتحريف كفواتح السور المقطعة. وأهل القول السادس خصوا المحكم بما يقوم بنفسه، والمتشابه بما لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافهما. وصاحب القول السابع وهو ابن خوازمنداد عمد إلى صورة الوفاق فجعلها محكماً، وإلى صورة الخلاف والتعارض فجعلها متشابهاً فأهمل ما هو أخص أوصاف كل واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم المعنى أو غير مفهوم. وعن ابن عباس قال المحكمات ثلاث آيات من آخر سورة الأنعام (قل تعالوا) والآيتان بعدها، وفي رواية عنه قال: من هنا (قل تعالوا) إلى ثلاث آيات، ومن هنا (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه) إلى ثلاث آيات بعدها. وأقول: رحم الله ابن عباس ما أقل جدوى هذا الكلام المنقول عنه، فإن تعيين ثلاث آيات أو عشر أو مائة من جميع آيات القرآن ووصفها بأنها محكمة ليس تحته من الفائدة شيء فالمحكمات هي أكثر القرآن على جميع الأقوال حتى

على قوله المنقول عنه قريباً من أن المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه وما يؤمن به، والمتشابه ما يقابله، فما معنى تعيين تلك الآيات من آخر سورة الأنعام. وقيل المحكمات ما أطلع الله عباده على معناه، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، فلا سبيل لأحد إلى معرفته نحو الخبر عن أشراط الساعة. وقيل المحكم سائر القرآن، والمتشابه هي الحروف المقطعة في أوائل السور، وقيل إن المحكم ما لم يتكرر ألفاظه، والمتشابه ما تكررت ألفاظه، وقيل غير ذلك وللسلف أقوال كثيرة هي راجعة إلى ما قدمنا في أول هذا البحث. (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي ميل عن الحق كوفد نجران وغيرهم، والزيغ الميل ومنه زاغت الشمس وزاغت الأبصار. ويقال زاغ يزيغ زيغاً إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا فيما كان من حق إلى باطل، وقال الراغب: الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين. (فيتبعون ما تشابه منه) أي يحيلون المحكم على المتشابه والمتشابه على المحكم، وهذه الآية تعم كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق، وسبب النزول نصارى نجران فيتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين ويجعلونه دليلاً على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعباً شديداً ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء. (ابتغاء الفتنة) أي طلباً منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبس عليهم وإفساد ذوات بينهم لا تحرياً للحق (وابتغاء تأويله) أي تفسيره على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة.

قال الزجاج المعنى أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم فأعلم الله عز وجل أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله، الدليل على ذلك قوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب (يقول الذين نسوه) أي تركوه (قد جاءت رسل ربنا بالحق) أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل. وفي الصحيحين وغيرهما عن عائشة قالت تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هو الذي أنزل عليك الكتاب إلى قوله أولوا الألباب) قالت قال " إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم " وفي لفظ " فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك سماهم الله فاحذروهم " هذا لفظ البخاري (¬1). ولفظ ابن جرير وغيره فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه والذين يجادلون فيه، فهم الذين عنى الله فلا تجالسوهم وأخرج الطبراني وأحمد والبيهقي وغيرهم عن أبي أمامة عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: هم الخوارج (¬2). وقال ابن القيم في الإعلام إذا سئل أحد عن تفسير آية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فليس له أن يخرجها عن ظاهرها بوجوه التأويلات الفاسدة لموافقة نحلته وهواه، ومن فعل ذلك استحق المنع من الإفتاء والحجر عليه وهذا الذي ذكرناه هو الذي صرح به أئمة الكلام قديماً وحديثاً. وقال أبو المعالي الجويني في الرسالة النظامية ذهب أئمة السلف إلى الإنكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً وندين لله به إتباع سلف الأمة. وقد درج صحابة ¬

(¬1) مسلم 2665 البخاري 985. (¬2) ابن كثير 1/ 346.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام والمثقلون بأعباء الشريعة وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، ولو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محبوباً لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، وإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك قاطعاً بأنه الوجه المتبع، فحق على ذي الدين أن يعتقد تنزه الباري عن صفات المحدثين ولا يخوض في تأويل المشكلات ويكل معناها إلى الرب تعالى. وقال الغزالي: الإيمان المستفاد من الكلام ضعيف والإيمان الراسخ إيمان العوام الحاصل في قلوبهم في الصبا بتواتر السماع وبعد البلوغ بقرائن يتعذر التعبير عنها، وقد اتفقت كلمة الأئمة الأربعة على ذم الكلام وأهله. وقال بعض أهل العلم كيف لا يخشى الكذب على الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - من يحمل كلامه على التأويلات المستنكرة والمجازات المستكرهة التي هي بالألغاز والأحاجي أولى منها بالبيان والهداية، وهل يأمن على نفسه أن يكون ممن قال الله فيهم (ولكم الويل مما تصفون) انتهى. ولو علم المتأولون كلام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالتأويلات التي لم يردها ولم يدل عليها كلامه، أي باب شر فتحوا على الأمة بالتأويلات الفاسدة وأي بناء للإسلام هدموا بها وأي معاقل وحصون استباحوها، كان أحدهم لأن يخر من السماء إلى الأرض أحب إليه أن يتعاطى شيئاً من ذلك، فكل صاحب باطل قد جعل ما تأوله المتأولون عذراً له فيما تأوله هو وقال ما الذي حرم على التأويل وأباحه لكم؟ فتأولت الطائفة المنكرة للمعاد نصوص المعاد، وكان تأويلهم من جنس تأويل منكري الصفات بل أقوى منه لوجوه عديدة يعرفها من وازن بين التأويلين، وكذلك فعلت الرافضة في أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة، وكذلك فعلت المعتزلة في تأويل أحاديث الرؤية والشفاعة، وكذلك

القدرية في نصوص القدر، وكذلك الحرورية وغيرهم من الخوارج في النصوص التي تخالف مذاهبهم وكذلك القرامطة والباطنية والمتصوفة طردت الباب وحملت الوادي على القرى وتأولت الدين كله. فأصل خراب الدين والدنيا إنما هو من التأويل الذي لم يرده الله ورسوله بكلامه ولا دل عليه أنه مراده، وهل اختلف الأمم على أنبيائهم إلا بالتأويل، وهل وقعت في الأمة فتنة صغيرة أو كبيرة إلا بالتأويل، فمن بابه دخل إليها، وهل أريقت دماء المسلمين في الفتن إلا بالتأويل، وليس هذا مختصاً بدين الإسلام فقط بل سائر أديان الرسل لم تزل على الإستقامة والسداد حتى دخلها التأويل، فدخل عليها من الفساد ما لا يعلمه إلا رب العباد. وقد تواترت البشارات بصحة نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتب المتقدمة ولكن سلطوا عليها التأويلات فافسدوها كما أخبر سبحانه عنهم من التحريف والتبديل والكتمان، والتحريف: تحريف المعاني بالتأويلات التي لم يردها المتكلم، والتبديل تبديل لفظه بلفظ آخر والكتمان جحده، وهذه الأودات الثلاثة منها غيرت الأديان والملل. وإذا تأملت دين المسيح وجدت النصارى إنما تطرقوا إلى فساده بالتأويل بما لا يكاد يوجد مثله في شيء من الأديان. ودخلوا إلى ذلك من باب التأويل، وكذلك زنادقة الأمم جميعهم إنما تطرقوا إلى فساد ديانات الرسل بالتأويل، ومن بابه دخلوا وعلى أساسه بنوا وعلى نقطه حطوا. والمتأولون أصناف عديدة بحسب الباعث لهم على التأويل وبحسب قصور أفهامهم ورقودها وأعظمهم توغلاً في التأويل الباطل من قصد قصده وفهمه كما شاء قصده وقصر فهمه كان تأويله أشد إنحرافاً. وبالجملة فافتراق أهل الكتابين وافتراق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة إنما أوجبه التأويل، وإنما أريقت دماء السلمين يوم الجمل وصفين والحرة وفتنة ابن

الزبير وهلم جرا بالتأويل، وإنما دخل أعداء الإسلام من المتفلسفة والقرامطة والإسماعيلية والنصرية من باب التأويل. فما امتحن الإسلام بمحنة إلا وسببها التأويل، فإن محنته إما من المتأولين وإما أن تسلط عليهم الكفار بسبب ما ارتكبوا من التأويل أو خالفوا في ظاهر التنزيل، وتعللوا بالأباطيل. وما الذي أراق دماء بني جذيمة وقد أسلموا غير التأويل حتى رفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه فتبرأ إلى الله من فعل المتأول لقتلهم وأخذ أموالهم. وما الذي أوجب تأخر الصحابة رضي الله عنهم يوم الحديبية عن موافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير التأويل حتى اشتد غضبه لتأخرهم عن طاعته حتى رجعوا عن ذلك التأويل؟. وما الذي سفك في دم أمير المؤمنين عثمان ظلماً وعدواناً، وأوقع الأمة فيما أوقعها فيه حتى الآن غير التأويل؟. وما الذي سفك دم عمار بن ياسر وأصحابه غير التأويل. وما الذي أراق دم ابن الزبير وحجر بن عدي وسعيد بن جبير وغيرهم من سادات الأمة غير التأويل؟. وما الذي أريقت عليه دماء العرب في فتنة أبي مسلم غير التأويل. وما الذي جرد الإمام أحمد بين العقابين وضرب السياط حتى عجت الخليقة إلى ربها غير التأويل؟. وما الذي قتل الإمام أحمد بن نصر الخزاعي وخلد خلقاً من العلماء في السجون حتى ماتوا غير التأويل؟. وما الذي سلط سوق التتار على دار الإسلام حتى ردوا أهلها غير التأويل؟. وهل دخلت طائفة الإلحاد من أهل الحلول والاتحاد إلا من باب التأويل؟.

وهل فتح باب التأويل إلا مضادة ومناقضة لحكم الله في تعليمه عباده البيان الذي امتن في كتابه على الإنسان بتعليمه إياه، فالتأويل بالألغاز والأحاجي والأغلوطات أولى منه بالبيان، وهو فرق بين دفع حقائق ما أخبرت به الرسل عن الله وأمرت به بالتأويلات الباطلة المخالفة له، وبين رده وعدم قبوله، ولكن هذا رد جحود ومعاندة وذاك رد خداع ومصانعة. قال أبو الوليد بن رشد المالكي في كتابه المسمى بالكشف عن مناهج الأدلة وقد ذكر التأويل وجنايته على الشريعة إلى أن قال: (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) وهؤلاء أهل الجدل والكلام وأشد ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيراً مما ظنوه ليس على ظاهره وقالوا إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أمر الله به في صورة المتشابه إبتلاء لعباده واختباراً لهم، ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول إن كتاب العزيز إنما جاء معجزاً من جهة الوضوح والبيان فما أبعد من مقصد الشارع من ْقال فيما ليس بمتشابه أنه متشابه، ثم أول ذلك المتشابه بزعمه، وقال لجميع الناس إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل مثل ما قالوه في آية الاستواء على العرش وغير ذلك مما قالوا إن ظاهره متشابه. قال فهذه هي حالة الفرق الحادثة في هذه الشريعة وذلك أن كل فرقة منهم تأولت غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى، وزعمت أنه هو الذي قصده الشرع حتى تمزق الشرع كل ممزق، وبعد جداً عن موضوعه الأول. ولما علم صاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله أن مثل هذا يعرض ولا بد في شريعته قال - صلى الله عليه وسلم - " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة (¬1) " يعني بالواحدة التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله. وأنت إذا تأملت ما عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد ¬

(¬1) أبو داوود السنن 1، ابن ماجه كتاب الفتن باب 17.

والعارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح، وأول من غير هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ثم المعتزلة ثم الأشعرية ثم الصوفية ثم جاء أبو حامد فطم الوادي على القرى، هذا كلامه بلفظه. ولو ذهبنا نستوعب ما جناه التأويل على الدنيا والدين وما نال الأمم قديماً وحديثاً بسببه من الفساد لاستدعى ذلك عدة أسفار والله المستعان. (وما يعلم تأويله إلا الله) التأويل يكون بمعنى التفسير كقولهم تأويل هذه الكلمة على كذا أي تفسيرها ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلا كذا يؤول إليه أي صار وأولته تأويلاً أي صيرته، وهذه الجملة حالية أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله، والحال أنه ما يعلم تأويله إلا الله. وقد اختلف أهل العلم في قوله (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) هل هو كلام مقطوع عما قبله أو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع، فالذي عليه الأكثر أنه مقطوع عما قبله وأن الكلام تم عند قوله: (إلا الله) وهذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وأبي الشعثاء وأبي نهيك وغيرهم، وهو مذهب الكسائي والفراء والأخفش وأبي عبيد وحكاه ابن جرير الطبري عن مالك، واختاره، وحكاه الخطابي عن ابن مسعود وأبي بن كعب. قال: وإنما روي عن مجاهد أنه نسق الراسخين على ما قبله وزعم أنهم يعملونه، قال واحتج له بعض أهل اللغة فقال معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا به، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معاً، ولا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالاً، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد الله راكباً يعني أقبل عبد الله راكباً، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله عبد الله يتكلم يصلح بين الناس فكان يصلح حالاً، فقول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده.

وأيضاً فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئاً عن الخلق وينسبه لنفسه فيكون له في ذلك شريك ألا ترى قوله عز وجل (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) وقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) وقوله: (كل شيء هالك إلا وجهه) فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره وكذلك قوله تعالى (وما يعلم تأويله إلا الله) ولو كانت الواو في قوله (والراسخون) للنسق لم يكن لقوله (كل من عند ربنا) فائدة انتهى. قال القرطبي ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله عز وجل وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم ويقولون على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين. ولا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه امتناع كون قوله (يقولون آمنا به) حالاً من أن العرب لا تذكر حالاً إلا مع ظهور الفعل إلى آخر كلامه لا يتم إلا على فرض أنه لا فعل هنا، وليس الأمر كذلك فالفعل مذكور وهو قوله (وما يعلم تأويله) ولكنه جاء الحال من المعطوف وهو قوله (الراسخون) دون المعطوف عليه وهو قوله (إلا الله) وذلك جائز في اللغة العربية وقد جاء مثله في الكتاب العزيز، ومنه قوله تعالى (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم) إلى قوله (والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا) الآية وكقوله (وجاء ربك والملك صفاً صفاً) أي وجاءت الملائكة صفاً صفاً. ولكن ههنا مانع آخر من جعل ذلك حالاً وهو أن تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الاسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال إلا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قوله (يقولون آمنا به) حالاً غير

صحيح، فتعين المصير إلى الاستئناف والجزم بأن قوله (والراسخون في العلم) مبتدأ خبره يقولون. قال البغوي وهذا أقيس بالعربية وأشبه بظاهر الآية. ومن جملة ما استدل به القائلون بالعطف أن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك، ويجاب عن هذا بأن تركهم لطلب علم ما لم يأذن الله به ولا جعل لخلقه إلى علمه سبيلاً هو من رسوخهم، لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه، وأن الذين يتبعونه هم الذين في قلوبهم زيغ، وناهيك بهذا من رسوخ. وأصل الرسوخ في لغة العرب الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل أو الشجر في الأرض، فهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم من الله من ترك اتباع المتشابه وإرجاع علمه إلى الله سبحانه. ومن أهل العلم من توسط بين المقالين فقال التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان (أحدهما) التأويل بمعنى حقيقة الشيء وما يؤل أمره إليه ومنه قوله (هذا تأويل رؤياي) ومنه قوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) أي حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمها إلا الله عز وجل، ويكون قوله (والراسخون في العلم) مبتدأ، ويقولون آمنا به خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله (نبئنا بتأويله) أي تفسيره فالوقف على (والراسخون في العلم) لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون (يقولون آمنا به) حالاً منهم. ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون تأويله، وأطنب في ذلك، وهكذا جماعة من محققي المفسرين رجحوا ذلك.

قال القرطبي: قال شيخنا أحمد بن عمرو هو الصحيح فإن تسميتهم راسخين يقضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوى في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بعلمه وهذا لا يتعاطى علمه أحد، فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم التشابه، فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة فيتأول ويعلم تأويله المستقيم ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم انتهى. وقال الرازي: لو كان الراسخون في العلم عالمين بتأويله لما كان لتخصيصهم بالإيمان به وجه فإنهم لما عرفوه بالدلائل صار الإيمان به كالإيمان بالمحكم، فلا يكون في الإيمان به بخصوصه مزيد مدح. وأقول هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم والمتشابه، وقد قدمنا ما هو الصواب في تحقيقهما ونزيدك ههنا إيضاحاً وبياناً فنقول: إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدمناه فواتح السور فإنها، غير متضحة المعنى ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب ويعرف عرف الشرع ما معنى (الم، المر، حم، طس طسم) ونحوها لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب ولا من كلام الشرع فهي غير متضحة المعنى لا باعتبارها في نفسها ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم والألفاظ العربية التي لا يوجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح وما في قوله (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام) إلى آخر الآية ونحو ذلك. وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره كورود

الشيء محتملاً لأمرين احتمالاً لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك الشيء في نفسه، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضاً كلياً بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر باعتبار نفسه ولا باعتبار أمر آخر يرجحه. وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه بأن يكون معروفاً في لغة العرب أو في عرف الشرع أو باعتبار غيره وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانهما في موضع آخر في الكتاب العزيز أو السنة المطهرة، والأمور التي تعارضت دلالتها ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة عند أهل الإنصاف، فلا شك ولا ريب أن هذه من الحكم لا من المتشابه، ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب. فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق ومزالق وقعت للناس في هذا المقام، حتى صارت كل طائفة تسمى ما دلّ على ما تذهب إليه محكماً، وما دلّ على ما يذهب إليه ما يخالفها متشابها، سيما أهل علم الكلام، ومن أنكر هذا فعليه بمؤلفاتهم. واعلم أنه قد ورد في الكتاب العزيز ما يدل على أنه جميعه محكم، لكن لا بهذا المعنى الوارد في الآية هذه بل بمعنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى (كتاب أحكمت آياته) وقوله (تلك آيات الكتاب الحكيم) والمراد بالمحكم بهذا المعنى أنه صحيح الألفاظ قويم المعنى، فائق في البلاغة والفصاحة على كل كلام. وورد أيضاً ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها، بل بمعنى آخر، ومنه قوله (كتاباً متشابهاً) والمراد بالمتشابه بهذا المعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الصحة والفصاحة والحسن والبلاغة

وقد ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن فوائد منها أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة ومشقة، وذلك يوجب مزيد الثواب للمستخرجين للحق وهم الأئمة المجتهدون. وقد ذكر الزمخشري والرازي وغيرهما وجوهاً هذا أحسنها، وبقيتها لا تستحق الذكر ههنا. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد، ونزل القرآن على سبعة أحرف زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا (¬1). وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " نزل القرآن على سبعة أحرف، والمراء في القرآن كفر، ما عرفتم فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلا عالمه " (¬2)، وإسناده صحيح. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس: تفسير القرآن على أربعة وجوه، تفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه فهى كاذب. وأخرج الدارمي في مسنده ونصر المقدسي في الحجة عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له ضبيع قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر وقد أعد له عراجين النخل فقال من أنت فقال أنا ضبيع فقال وأنا عبد الله عمر، فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى دمي رأسه فقال ¬

(¬1) رواه الحاكم 2/ 289. (¬2) أحمد بن حنبل 2/ 330.

يا أمير المؤمنين حسبك قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي، وأخرجه الدارمي أيضاً من وجه آخر وفيه أنه ضربه ثلاث مرات يتركه في كل مرة حتى يبرأ ثم يضربه وأصل القصة أخرجه ابن عساكر في تاريخه عن أنس. وأخرج الدارمي وابن عساكر أن عمر كتب إلى أهل البصرة أن لا تجالسوا ضبيعاً. وقد أخرج هذه القصة جماعة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة ابن الأسقع وأبي الدرداء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الراسخين في العلم فقال: " من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه، ومن عف بطنه وفرجه فذلك من الراسخين في العلم " (¬1). وأخرجه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الجدال في القرآن كفر " (¬2). وأخرج نصر المقدسي في الحجة عن ابن عمر قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن وراء حجرته قوم يتجادلون في القرآن فخرج محمرة وجنتاه كأنما تقطران دماً فقال: " يا قوم لا تجادلوا بالقرآن فإنما ضل من كان قبلكم بجدالهم. إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً ولكن نزل يصدق بعضه بعضاً فما كان من محكمه فاعملوا به، وما كان متشابهه فآمنوا به " (¬3). (كل من عند ربنا) فيه ضمير مقدر عائد على قسمي المحكم والمتشابه أي كله أو المحذوف غير ضمير أي كل واحد منهما، وهذا من تمام المقول المذكور قبله (وما يذَّكر إلا أولوا الألباب) أي العقول الخالصة وهم الراسخون في العلم الواقفون عند متشابهه العاملون بمحكمه بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 347. (¬2) أحمد بن حنبل 2، 258، 478، 498. (¬3) ابن كثير 1/ 346 - 347.

(8) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)

8

(ربنا لا تزغ قلوبنا) قال ابن كيسان سألوا أن لا يزيغوا فتزيغ قلوبهم نحو قوله تعالى (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) كأنهم لما سمعوا قوله تعالى (وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) قالوا ربنا لا تزغ قلوبنا باتباع المتشابه (بعد إذ هديتنا) إلى الحق بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات. (وهب لنا من لدنك رحمة) أي كائنة من عندك، ومن لابتداء الغاية ولدن بفتح اللام وضم الدال وسكون النون وفيه لغات أخر هذه أفصحها، وهو ظرف مكان وقد يضاف إلى الزمان، وتنكير رحمة للتعظيم أي رحمة عظيمة واسعة تزلفنا إليك ونفوز بها عندك، أو توفيقاً للثبات على الحق أو مغفرة للذنوب (إنك أنت الوهاب) لكل مسؤول تعليل للسؤال أو لإعطاء المسؤول. وهذا العموم مفهوم من عدم ذكر الموهوب، فالتخصيص بموهوب مسؤول دون آخر تخصيص بلا مخصص، وفيه دليل على أن الهدى والضلال من الله وأنه متفضل بما ينعم به على عباده لا يجب عليه شيء لأنه وهاب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ثم قرأ (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) (¬1) الآية " وقد ورد نحوه من طرق أخر. ¬

(¬1) أحمد 4/ 182، ابن ماجه مقدمة 13.

9

(ربنا إنك جامع الناس) أي باعثهم ومحييهم بعد تفريقهم وهو من إضافة الفاعل إلى المفعول (ليوم) هو يوم القيامة أي لحساب يوم أو لجزاء يوم على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه (لا ريب فيه) أي في وقوعه ووقوع ما فيه من الحساب والجزاء، وقد تقدم تفسير الريب (إن الله لا يخلف الميعاد) تعليل لمضمون ما قبلها أي أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه، وخُلفُه يخالف الألوهية كما أنها تنافيه، وإظهار الاسم الجليل لإبراز كمال التعظيم والإجلال الناشىء من ذكر اليوم المهيب الهائل بخلاف ما في آخر هذه السورة فإنه مقام طلب الإنعام. والميعاد مِفعال من الوعد بمعنى المصدر لا الزمان والمكان. قاله أبو البقاء، وإليه أشار في التقرير، وفيه التفات من الخطاب ويحتمل أن يكون من كلامه تعالى، والغرض من الدعاء بذلك بيان أن همهم أمر الآخرة ولذلك سألوا الثبات على الهداية لينالوا ثوابها. [أخرج ابن النجار في تاريخه عن جعفر بن محمد الخلدي قال روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن من قرأ هذه الآية على شيء ضاع منه رده الله عليه ويقول بعد قراءتها يا جامع الناس ليوم لا ريب فيه اجمع بيني وبين مالي إنك على كل شيء قدير].

10

(إن الذين كفروا) المراد بالذين كفروا جنس الكفرة الشامل لجميع الأصناف، وقيل وفد نجران، وقيل قريظة، وقيل النضير، وقيل مشركو العرب (لن تغني) أي لن تنفع ولن تدفع (عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله) أي من عذابه (شيئاً) أي شيئاً من الإغناء، ومن لابتداء الغاية مجازاً، وقيل إن كلمة من بمعنى عند أي لها تغني عند الله شيئاً قاله أبو عبيد وقيل هي بمعنى بدل، والمعنى من رحمة الله، قاله القاضي وهو بعيد، قال أبو حيان أنكره أكثر النحاة بل هي لابتداء الغاية كما قاله المبرد.

(وأولئك هم وقود النار) الوقود اسم للحطب. وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة أي هم حطب جهنم الذي تُسَعَّر به، والجملة مستأنفة مقررة لقوله: (لن تغنى عنهم أموالهم) الآية، وقرىء وقود بضم الواو وهو مصدر أي هم أهل وقود.

11

(كدأب آل فرعون) الدأب الاجتهاد، يقال دأب الرجل في عمله يدأب دأباً ودؤباً إذا جد واجتهد، والدائبان الليل والنهار، والدأب الحال والعادة والشأن. والمراد هنا كعادة آل فرعون وشأنهم وحالهم، وقال ابن عباس كفعل آل فرعون وصنيعهم في الكفر. وقيل كسنة آل فرعون. واختلفوا في الكاف فقيل دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى. وقال الفراء كفرت العرب ككفر آل فرعون، وأنكره النحاس. وقيل أخذهم أخذة كما أخذ آل فرعون. وقيل لم تغن عنهم غناء كما لم تغن عن آل فرعون. وقيل العامل فعل مقدر من لفظ الوقود ويكون التشبيه في نفس الإحراق قالوا ويؤيده قوله تعالى (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) والقول الأول هو الذي قاله جمهور المحققين ومنهم الأزهري. (والذين من قبلهم) أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة الماضية مثل عاد وثمود وغيرهم أي وكدأب الذين من قبلهم (كذبوا بآياتنا) لما جاءتهم بها الرسل يحتمل أن يراد بالآيات المتلوة. ويحتمل أن يراد بها الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية ويصح إرادة الجميع. وقال في الأنفال (كذبوا) وفي موضع آخر منها (كفروا) تفننا جريا على عادة العرب في تفننهم في الكلام. (فأخذهم الله بذنوبهم) أي فعاقبهم بسبب تكذيبهم. أو المراد سائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم (والله شديد العقاب) أي شديد عقابه. فالإضافة غير محضة، وقيل المعنى إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار الأمم الماضية فأخذناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم.

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (12) قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (13)

12

(قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم) قيل هم اليهود. وقيل هم مشركو مكة وقد صدق الله وعده بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وفتح خيبر، وضرب الجزية على سائر اليهود ولله الحمد. وقرىء الفعلان بالتاء والياء فعلى الأولى معناه قل لهم ستغلبون وتحشرون. وعلى الثانية معناه بلغهم يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أنهم سيغلبون ويحشرون (وبئس المهاد) يحتمل أن يكون من تمام القول الذي أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم، ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة تهويلاً وتفظيعاً أي بئس ما مهد لهم في النار، والمهاد الفراش.

13

(قد كان لكم آية) أي علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم. وهذه الجملة من تمام القول المأمول به لتقرير مضمون ما قبله. والخطاب لليهود وقيل لجميع الكفار. وقيل للمؤمنين وعلى الأخيرين تكون الآية مستأنفة غير مرتبطة بما قبلها. ولم يقل (كانت) لأن التأنيث غير حقيقي، وقيل إنه رد المعنى إلى البيان فمعناه قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى وترك اللفظ، وقال الفراء إنما ذكر لأنه حالت الصفة بين الفعل والإسم المؤنث فذكر الفعل، وكل ما جاء من هذا فهذا وجهه، ومعنى الآية قد كان لكم عبرة ودلالة على صدق ما أقول إنكم ستغلبون. (في فئتين) أي فرقتين، وأصلها فيء الحرب لأن بعضهم يفيء إلى

بعض، أي يرجع، والفئة الجماعة ولا واحد لها من لفظتها وجمعها فئات، وقد تجمع بالواو والنون جبراً لما نقص، وسميت الجماعة من الناس فئة لأنه يفاء إليها أي يرجع في وقت الشدة قاله القرطبي، وقال الزجاج الفئة الفرقة مأخوذ من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته. (التقتا) لا خلاف في أن المراد بالفئتين هما المقتتلتان يوم بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا الخطاب، فقيل المخاطب به المؤمنون وبه قال ابن مسعود والحسن، وقيل اليهود، وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت نفوسهم وتشجيعها، وفائدته إذا كان مع اليهود عكس الفائدة المقصودة بخطاب المسلمين، وقيل هو خطاب لكفار مكة. (فئة تقاتل في سبيل الله) أي في طاعة الله وهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، وكانوا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً سبعة وسبعون رجلاً من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلاً من الأنصار، وكان صاحب راية المهاجرين علي بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة وكان فيهم سبعون بعيراً وفرسان، وكان من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة. (وأخرى كافرة) وهم مشركو مكة وكانوا تسعمائة وخمسين رجلاً من المقاتلة، وكان رأسهم عتبة بن ربيعة، وكان فيها مائة فرس، وكانت وقعة بدر أول مشهد شهده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة. وفي الكلام شبه احتباك تقديره فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان، فحذف من الأول ما يفهم من الثاني، ومن الثاني ما يفهم من الأول. (يرونهم مثليهم رأي العين) قال أبو علي الفارسي: الرؤية في هذه الآية رؤية العين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله (رأي العين) والمراد أنه يرى المشركون المؤمنون مثلى عدد المشركين أو مثلي عدد المسلمين.

وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل يرون هم المؤمنون، والمفعول هم الكفار، والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين أي يرى المسلمون المشركين مثلَي ما هم عليه من العدد، وفيه بُعد، إذ يلزم أن يكثر الله المشركين في أعين المسلمين، وقد أخبرنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، وأن يكون للمسلمين فيكون المعنى يرى السلمون المشركين مثلي المسلمين ليطمعوا فيهم، وقد كانوا علموا من قوله تعالى (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) أن الواحد يغلب الأثنين، وهذا على قراءة الجمهور بالياء التحتية. وأما على قراءة نافع بالفوقية ففيها وجهان (الأول) أن يكون الخطاب في ترونهم للمسلمين والضمير المنصوب فيه للكافرين، والضمير المجرور في مثليهم أيضاً للمسلمين بطريق الالتفات فيكون المعنى ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عِدتهم لتقوى أنفسهم. (والثاني) أن يكون الضمير المنصوب أيضاً للمسلمين أي ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم. وقد قال من ذهب إلى التفسير الأول أعني أن فاعل الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم، أنه لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى (ويقللكم في أعينهم) بل قللوا أولا في أعينهم ليلاقوهم ويجترؤا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا ورأي العين مصدر مؤكد لقوله (يرونهم) أي رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها. (والله يؤيد بنصره من يشاء) أي يقوي من يشاء أن يقويه ولو بدون الأسباب العادية، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية. (إن في ذلك) أي في رؤية القليل كثيراً (لعبرة) فعلة من العبور كالجلسة من الجلوس، والمراد الاتعاظ، والتنكير للتعظيم أي عبرة عظيمة وموعظة جسيمة (لأولي الأبصار).

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ (14) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15) عن الربيع يقول قد كان لكم في هؤلاء عبرة وتفكُّر، أيدهم الله ونصرهم على عدوهم يوم بدر كان المشركون تسعمائة وخمسين رجلاً وكان أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً. وعن ابن مسعود قال هذا يوم بدر نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلاً واحداً، وعن ابن عباس قال أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين كانوا يومئذ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً وكان المشركون مثليهم ستمائة وستة وعشرين فأيد الله المؤمنين.

14

(زين للناس حب الشهوات) كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار، وتزهيد الناس فيها وتوجيه رغباتهم إلى ما عند الله، والمزين قيل هو الله سبحانه وبه قال عمر كما حكاه عنه البخاري وغيره، ويؤيده قوله تعالى (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم) ويؤيده قراءة مجاهد (زين) على البناء للفاعل، وقيل المزين هو الشيطان وبه قال الحسن وقد جاء صريحاً في قوله (وزين لهم الشيطان أعمالهم) والآية في معرض الذم وهو قول طائفة من المعتزلة والأول أولى. والمراد بالناس الجنس، والشهوات جمع شهوة وهي نزوع النفس إلى ما تريده وتوقان النفس إلى الشيء المشتهى، والمراد هنا المشتهيات عبر عنها

بالشهوات مبالغة في كونها مرغوباً فيها أو تحقيراً لها لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية، والشهوة إما كاذبة كقوله تعالى (أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات) أو صادقة كقوله (فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين). قاله الكرخي، ووجه تزيين الله سبحانه لها ابتلاء عباده كما صرح به في الآية الاخرى. (من النساء) بدأ بالنساء لكثرة تشوق النفوس إليهن والإستئناس والإلتذاذ بهن لأنهن حبائل الشيطان، وأقرب إلى الافتتان (والبنين) خصهم دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن ولأن حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى. (والقناطير المقنطرة) جمع قنطار، وهو اسم للكثير من المال، قال الزجاج القنطار مأخوذ من عند الشيء وإحكامه تقول العرب قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف. أخرج أحمد وابن ماجه عن أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " القنطار اثنا عشر ألف أوقية " (¬1). وأخرج الحاكم وصححه عن أنس قال سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن القناطير المقنطرة فقال: " القنطار ألف أوقية " (¬2)، ورواه ابن أبي حاتم عنه مرفوعاً بلفظ ألف دينار. وأخرج ابن جرير عن أبي كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية " وبه قال معاذ بن جبل وابن عمر وأبو هريرة وجماعة من ¬

(¬1) ابن ماجة كتاب الآداب الباب الأول، الإمام أحمد 2/ 363. (¬2) كتاب النكاح 2/ 178.

العلماء، قال ابن عطية وهو أصح الأقوال ولكن يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية. وعن أبي سعيد الخدري قال القنطار ملء مسك الثور ذهباً، وعن ابن عمر سبعون ألفاً، وعن سعيد بن المسيب ثمانون ألفاً، وعن أبي صالح مائة رطل، وعن أبي جعفر خمسة عشر ألف مثقالاً والمثقال أربعة وعشرون قيراطاً وعن الضحاك قال هو المال الكثير من الذهب والفضة وعن السدى أن المقنطرة المضروبة، وقال ابن جرير الطبري معناها المضعفة، وقال القناطير ثلاثة والمقنطرة تسعة. وقال الفراء القناطير جمع القناطر، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسعة قناطير، وقيل المقنطرة المكملة كما يقال بدرة مبدرة وألوف مؤلفة، وبه قال مكي وحكاه الهروي، وقال ابن كيسان لا يكون القنطرة أقل من سبع قناطير، وفي نونه قولان (أحدهما) وهو قول جماعة أنها أصلية وأن وزنه فِعلال كقرطاس (والثاني) أنها زائدة ووزنه فنعال. (من الذهب والفضة) من بيانية وإنما بدأ بالذهب والفضة من بين سائر أصناف الأموال لأنهما قيم الأشياء قيل سمي الذهب ذهباً لأنه يذهب ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق. (والخيل المسومة) عطف على النساء لا على الذهب لأنها لا تسمى قناطير قاله أبو البقاء وتوهم مثل هذا بعيد جداً فلا حاجة إلى التنبيه عليه، قيل هي جمع لا واحد له من لفظه كالقوم والرهط بل مفرده فرس، وسميت الأفراس خيلاً لاختيالها في مشيتها وقيل لأن الخيل لا يركبها أحد إلا وجد في نفسه مخيلة أي عجباً. وقيل واحده خائل كراكب وركب وتاجر وتجر وطائر وطير، وفي هذا خلاف بين سيبويه والأخفش، فسيبويه يجعله اسم جمع والأخفش يجعله جمع تكسير.

واختلفوا في معنى المسومة فقيل هي المرعية في المروج والمسارح يقال سامت الدابة والشاة إذا سرحت، وقيل هي المعدة للجهاد، وقيل المعلمة من السومة وهي العلامة أي التي يجعل عليها علامة لتتميز عن غيرها، قال ابن فارس في المجمل المسومة المرسلة وعليها ركبانها، قال ابن عباس هي الراعية والمطهمة الحسان وبه قال مجاهد، وقال عكرمة تسويمها حسنها أي الغرة والتحجيل، وقال ابن كيسان البلق. (والأنعام) هي الإبل والبقر والغنم، فإذا قلت نعم فهي الإبل خاصة قاله الفراء وابن كيسان (والحرث) اسم لكل ما يحرث وهو مصدر سمي به المحروث تقول حرث الرجل حرثاً إذا أثار الأرض فيقع على الأرض والحرث والزرع، قال ابن الإعرابي الحرث التفتيش. (ذلك) المذكور (متاع الحياة الدنيا) أي ما يتمتع به ثم يذهب ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة (والله عنده حسن المآب) أي المرجع وهو الجنة، يقال آب يؤب إياباً إذا رجع وفيه إشارة إلى أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها فيما يكون فيه صلاحه في الآخرة لأنها السعادة القصوى.

15

(قل أؤنبئكم) أي أخبركم استفهام تقرير وليس في القرآن همزة مضمومة بعد مفتوحة إلا ما هنا وما في (ص) (أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) وما في اقتربت (أأُلقي الذكر عليه) (بخير من ذلكم) أي بما هو خير لكم من تلك المستلذات ومتاع الدنيا وإبهام الخير للتفخيم. ثم بينه بقوله (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) خص المتقين لأنهم المنتفعون بذلك، ويدخل في هذا الخطاب كل من اتقى الشرك، وقال ابن عباس يريد المهاجرين والأنصار، والأول أولى.

(خالدين) أي مقدرين الخلود (فيها) إذا دخلوها (وأزواج مطهرة) من الحيض والنفاس والمنى والبزاق وغيرها مما يستقذر (ورضوان) بكسر أوله وضمه لغتان، وقد قرىء بهما في السبع في جميع القرآن إلا في المائدة فإنه بالكسر باتفاق السبعة، وهو قوله (من اتبع رضوانه) وهما بمعنى واحد وإن كان الثاني سماعياً والأول قياسياً والتنوين للتكثير أي رضاً كثيراً (من الله). عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة فيقولون لبيك ربنا وسعديك، والخير كله في يديك فيقول هل رضيتم فيقولون وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون وأي شيء أفضل من ذلك فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً. أخرجه البخاري ومسلم (¬1)، والعبد إذا علم أن الله قد رضي عنه كان أتم لسروره وأعظم لفرحه. (والله بصير بالعباد) أي عالم بمن يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا فيجازى كُلاَّ على عمله فيثيب ويعاقب على قدر الأعمال، وقيل بصير بالذين اتقوا فلذلك أعد لهم الجنات. ¬

(¬1) وفي حديث آخر رواه مسلم (2837) في نعيم الجنة. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ينادي منادٍ: آن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وآن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وآن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وآن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً ".

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (18)

16

(الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار) في ترتيب هذا السؤال على مجرد الإيمان دليل على أنه كاف في استحقاق المغفرة وفيه رد على أهل الاعتزال لأنهم يقولون إن استحقاق المغفرة لا يكون بمجرد الإيمان، قاله الكرخي.

17

(الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين) قد تقدم تفسير الصبر والصدق والقنوت والإنفاق، عن قتادة قال هم قوم صبروا على طاعته وصبروا عن محارمه وصدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم وصدقوا في السر والعلانية والقانتون هم المطيعون (والمستغفرين) هم السائلون للمغفرة وقيل أهل الصلاة وقيل هم الذين يشهدون صلاة الصبح. وعن ابن عباس قال أمرنا رسول- الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نستغفر بالأسحار سبعين مرة، وعن سعيد الجريري قال بلغنا أن داود عليه السلام سأل جبريل أي الليل أفضل قال يا داود ما أدرى إلا أن العرش يهتز في السحر. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ينزل الله تبارك وتعالى في كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول هل من سائل فأعطيه، هل من داع فأستجيب له، هل من

مستغفر فاغفر له (¬1) " وفي الباب أحاديث وفيه وفي أمثاله مذهب السلف الإيمان به وإجراؤه على ظاهره ونفى الكيفية عنه وهو الحق. (بالأسحار) جمع سحر بفتح الحاء وسكونها قال الزجاج هو من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وقال الراغب السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، ثم جعل ذلك اسماً لذلك الوقت، وقيل السحر من ثلث الليل الأخير إلى طلوع الفجر، وقيل السحر عند العرب من آخر الليل ثم يستمر حكمه إلى الأسفار كله يقال له سحر، والسحر بفتح فسكون منتهى قصبة الحلقوم، وخص الأسحار لأنها من أوقات الإجابة أو لأنها وقت الغفلة ولذة النوم. ¬

(¬1) مسلم 168 البخاري 1599. صحيح أبي داود/1117 والدارمي والآجري وابن خزيمة باختلافات في الرواية. وكان عبد الله بن عمر يصلي من الليل ثم يقول يا نافع هل جاء السحر فإذا قال نعم أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح .. رواه الطبري.

18

(شهد الله) أي بين الله وأعلم، قال الزجاج الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين، وقال أبو عبيدة شهد الله بمعنى قضى أي أعلم قال ابن عطية وهذا مردود من جهات، وقيل إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبينة. (أنه لا إله إلا هو) سئل بعض الإعراب ما الدليل على وجود الصانع فقال إن البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، فهيكل علوي بهذه اللطافة، ومركز سفلي بهذه الكثافة، أما يدلان على وجود الصانع الخبير، وفي القرآن من دلائل التوحيد كثير طيب، وهو دليل على فضل علم أصول الدين وشرف أهله. (والملائكة) عطف على الاسم الشريف وشهادتهم إقرارهم بأنه لا إله إلا هو (وأولوا العلم) معطوف أيضاً على ما قبله وشهادتهم بمعنى الإيمان منهم

وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بد من حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم (¬1). وقد اختُلف في أولي العلم هؤلاء من هم فقيل هم الأنبياء وقيل المهاجرون والأنصار، قاله ابن كيسان وقيل مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل، وقيل المؤمنون كلهم قاله السدى والكلبي وهو الحق إذ لا وجه للتخصيص، وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة ومنقبة نبيلة لقرنهم باسمه واسم ملائكته. والمراد بأولي العلم هنا علماء الكتاب والسنة وما يتوصل به إلى معرفتهما إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة. (قائماً بالقسط) بالعدل في جميع أموره أو مقيماً له، وانتصاب قائماً على الحال من الاسم الشريف، قال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد والآتية رسم وتعليم أي قولوا (لا إله إلا هو) وقيل كرره للتأكيد، وفائدة تكريرها الاعلام بأن هذه الكلمة أعظم الكلام وأشرفه، ففيه حث للعباد على تكريرها والاشتغال بها فإنه من اشتغل بها فقد اشتغل بأفضل العبادات، وقوله (العزيز الحكيم) لتقرير معنى الوحدانية (1). ¬

(¬1) وروى ابن السائب أن حبرين من أحبار الشام قدما النبي صلى الله عليه وسلم فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة. فقالا: أنت محمد. قال نعم. قالا: وأحمد. قال: نعم. قالا: نسألك عن الشهادة فإن أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك. فقال: سلاني. فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتب الله .... فنزلت هذه الآية. فأسلما.

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

19

(إن الدين عند الله) جملة مستأنفة وآية مستقلة على قراءة كسر " إن " وأما على قراءة فتحها فهو من بقية الآية السابقة (الإسلام) يعني الدين المرضي هو الإسلام المبني على التوحيد كما قال تعالى (ورضيت لكم الإسلام دينا) قال الزجاج الدين اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه وأمرهم بالإقامة عليه، والإسلام هو الدخول في السلم، وهو الإنقياد في الطاعة. وقد ذهب الجمهور إلا أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان وإن كانا في الأصل متغايرين كما في حديث جبريل الذي بين فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - معنى الإسلام والإيمان وصدقه جبريل وهو في الصحيحين وغيرهما، ولكن قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة. قال قتادة الإسلام شهادة أن لا اله إلا الله والإقرار بما جاء به الرسول من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره، وعن الضحاك قال لم يبعث الله رسولاً إلا بالإسلام، وعن الأعمش قال أنا أشهد بما شهد الله به واستودع الله هذه الشهادة وهي لي وديعة عند الله، وقرأ (إن الدين عند الله الإسلام، قالها مراراً). قلت وأنا أيضاً أشهد كما شهد الأعمش وبالله التوفيق.

(وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم) فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم، قال الأخفش وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى ما اختلف الذين أوتوا الكتاب أي بنو إسرائيل بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم. وفي التعبير عنهم بهذا العنوان زيادة تقبيح لهم فإن الاختلاف بعد إتيان الكتاب أقبح وقوله (إلا من بعد) زيادة أخرى فإن الاختلاف بعد العلم أزيد في القباحة، وقوله بغياً بينهم زيادة ثالثة لأنه في حيز الحصر فيكون أزيد في القبح. والكتاب هو التوراة والإنجيل، والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم هو خلافهم في كون نبينا - صلى الله عليه وسلم - نبياً أم لا، وقيل في دين الإسلام فقال قوم إنه حق وقال قوم إنه مخصوص بالعرب، ونفاه آخرون مطلقاً، وقيل في التوحيد، فثلثت النصارى، وقالت اليهود عزير ابن الله. وقيل اختلافهم في نبوة عيسى، وقيل اختلافهم في ذات بينهم حتى قالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء. قال أبو العالية بغياً على الدنيا وطلب ملكها وسلطانها فقتل بعضهم بعضاً على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس وسلط الله عليهم الجبابرة. (ومن يكفر بآيات الله) الدالة على أن الدين عند الله الإسلام أو بأي آية كانت، على أن يدخل فيها ما نحن فيه دخولاً أولياً (فإن الله سريع الحساب) يجازيه ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله (فإن الله) مع كونه مقام الإضمار للتهويل عليهم والتهديد لهم.

20

(فإن حاجوك) يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي خاصموك وجادلوك اليهود والنصارى بالشبه الباطلة: والأقوال المحرفة بعد قيام الحجة عليهم في أن الدين عند الله هو الإسلام (فقل أسلمت وجهي لله) أي أخلصت ذاتي لله وانقدت له بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان وأجمعها للحواس، وقيل الوجه هنا بمعنى القصد (ومن اتبعن) عطف على فاعل أسلمت وجاز للفصل، وقال الزمخشري الواو بمعنى مع. (وقل للذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود والنصارى (والأميين) أي الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب، وقال ابن عباس هم الذين لا يكتبون (أأسلمتم) استفهام تقريري يتضمن الأمر أي أسلموا، كذا قال ابن جرير وغيره، وقال الزجاج أسلمتم تهديد، والمعنى أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام فهل عملتم بموجب ذلك أم لا، تبكيتاً لهم وتصغيراً لشأنهم في قلة الإنصاف وقبول الحق لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف في إذعانه للحق (¬1). (فإن أسلموا فقد) دخلت قد على الماضي مبالغة في تحقق وقوع الفعل وكأنه قرب من الوقوع (اهتدوا) أي ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر وفازوا بخيري الدنيا والآخرة (وإن تولوا) أي أعرضوا عن قبول الحجة ولم يعملوا بموجبها (فإنما عليك البلاغ) أي إنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك ولست عليهم بمسيطر فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ مصدر بمعنى التبليغ قيل الآية محكمة والمراد بها تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل منسوخة بآية السيف (والله بصير بالعباد) فيه وعد ووعيد لتضمنه أنه عالم بجميع أحوالهم. ¬

(¬1) ذكر ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من: أصرح الدلالات على عموم بعثته صلّى الله عليه وسلم إلى جميع الخلق.

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

21

(إن الذين يكفرون بآيات الله) ظاهره عدم الفرق بين آية وآية وهم اليهود والنصارى (ويقتلون النبيين) يعني اليهود قتلوا الأنبياء (بغير حق) إنما قيد بذلك للإشارة إلا أنه كان بغير حق في اعتقادهم أيضاً فهو أبلغ في التشنيع عليهم (ويقتلون الذين يأمرون) بالمعروف وينهون عن المنكر (بالقسط) أي العدل (من الناس) قال المبرد كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون فدعوهم إلى الله فقتلوهم فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم ففيهم أنزلت الآية (فبشرهم بعذاب أليم) خبر لقوله (إن الذين يكفرون) وذهب بعض النحاة إلى أن الخبر قوله

22

(أولئك الذين حبطت أعمالهم) ومنهم سيبويه والأخفش، وذكر البشارة تهكم بهم. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي عبيده بن الجراح قلت يا رسول الله أي الناس أشد عذاباً يوم القيامة قال: رجل قتل نبياً أو رجلاً أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية إلى قوله (وما لهم من ناصرين) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً أول النهار في ساعة واحدة فقام مائة وسبعون رجلاً من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم

بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوهم جميعاً من آخر النهار من ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله في كتابه وأنزل الآية فيهم (¬1). وعن ابن عباس بسند صحيح قال: بعث عيسى يحيى بن زكريا في اثني عشر رجلاً من الحواريين يعلمون الناس، فكان ينهى عن نكاح بنت الأخ وكان ملك له بنت أخ تعجبه فأرادها وجعل يقضي لها كل يوم حاجة فقالت لها أمها: إذا سألك عن حاجة فقولي: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا فقال: سلي غير هذا فقالت: لا أسألك غير هذا، فلما أبت أمر به فذبح في طست فبدرت قطرة من دمه فلم يزل يغلي حتى بعث الله بختنصر، فدلت عجوز عليه فألقى في نفسه أن لا يزال يقتل حتى يسكن هذا الدم فقتل في يوم واحد من ضرب واحد وسن واحد سبعين ألفاً فسكن. (أولئك الذين حبطت) أي بطلت (أعمالهم) كصدقة وصلة رحم (في الدنيا والآخرة) أي أنه لم يبق لحسناتهم أثر في الدنيا حتى يعاملوا فيها معاملة أهل الحسنات لعدم الإسلام بل عوملوا معاملة أهل السيئات فلعنوا وحل بهم الخزي والصغار، ولهم في الآخرة عذاب النار (وما لهم من ناصرين) يمنعونهم من العذاب. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 355.

23

(ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من تصح منه الرؤية من حال هؤلاء وهم أحبار اليهود، والكتاب التوراة. وتنكير النصيب للتعظيم أي نصيباً عظيماً كما يفيده مقام المبالغة، والمراد بذلك النصيب ما بين لهم في التوراة من العلوم والأحكام التي من جملتها ما علموه من نعوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحقية الإسلام والتعبير عنه بالنصيب للإشعار بكمال اختصاصه بهم، ومن قال إن التنكير

للتحقير فلم يصب، وفيه أن اختلافهم إنما كان بعد ما جاءهم العلم فلم ينتفعوا بذلك، وذلك بأنهم. (يدعون إلى كتاب الله) الذي أوتوا نصيباً منه وهو التوراة (ليحكم بينهم) إضافة الحكم إلى الكتاب هو على سبيل المجاز (ثم يتولى) عن مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وثم للاستبعاد لا للتراخي في الزمان (فريق منهم) يعني الرؤساء والعلماء (وهم معرضون) أي والحال أنهم معرضون عن الإجابة إلى ما دعوا إليه مع علمهم به واعترافهم بوجوب الإجابة إليه. قال السيوطي نزلت في اليهود، زنى منهم اثنان فتحاكموا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فحكم عليهما بالرجم، فأبوا فجيء بالتوراة فوجد فيها، فرجما فغضبوا (¬1). ¬

(¬1) زاد المسير/366.

24

(ذلك) أي ما مرّ من التولي والإعراض (بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات) أي أربعين يوماً وهي مقدار عبادتهم العجل، وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة، وقال مجاهد يعنون الأيام التي خلق الله فيها آدم (وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) من الأكاذيب التي من جملتها هذا القول. أو قالوا إن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، أو أنه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذَّب أولادُه إلا تحلة القسم. وقال قتادة: حين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل: قولهم نحن على الحق وأنتم على الباطل، معنى يفترون يكذبون ويحلفون.

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)

25

(فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه) هو رد عليهم وإبطال لما غرهم من الأكاذيب باستعظام ما سيقع لهم وتهويل لما يحيق بهم من الأهوال، أي فكيف يكون حالهم إذا جمعناهم ليوم الجزاء الذي لا يرتاب مرتاب في وقوعه فإنهم يقعون لا محالة فيه، ويعجزون عن دفعه بالحيل والأكاذيب. قال الكسائي اللام في قوله ليوم بمعنى " في " وقال البصريون والمعنى لحساب يوم، وقال ابن جرير الطبري المعنى لما يحدث في يوم. " (ووفيت كل نفس) " من أهل الكتاب وغيرهم (ما كسبت) أي جزاء ما كسبت من خير وشر على حذف المضاف (وهم لا يظلمون) بزيادة سيئة ولا ولا نقص حسنة من أعمالهم، والمراد كل الناس المدلول عليهم بكل نفس.

26

" (قل اللهم) " قال الخليل وسيبويه وجميع البصريين أن أصل " اللهم " يا الله وذهب الفراء والكوفيون إلى أن الأصل فيه يا الله آمنا، قال النحاس هذا عند البصريين من الخطأ العظيم والقول في هذا ما قاله الأولون قال النضر ابن شميل من قال " اللهم " فقد دعا الله بجميع أسمائه. (مالك) جنس (الملك) على الإطلاق، ومالك العباد وما ملكوا، وقيل المعنى مالك الدنيا والآخرة، وقيل الملك هنا النبوة، وقيل الغلبة، وقيل المال والعبيد، والظاهر شموله لما يصدق عليه اسم الملك من غير تخصيص. (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء) المراد بما يؤتيه من الملك

وينزعه هو نوع من آنواع ذلك الملك العام، قيل نزل لما وعد - صلى الله عليه وسلم - أمته ملك فارس والروم. عن ابن عباس قال اسم الله الأعظم (قل اللهم مالك الملك -إلى قوله- بغير حساب). وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني عن معاذ: " أنه شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - دَيناً عليه فعلمه أن يتلو هذه الآية ثم يقول رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما تعطي من تشاء منهما وتمنع من تشاء ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك اللهم أغنني من الفقر واقض عني الدين " وأخرجه الطبراني في الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ: " ألا أعلمك دعاء تدعو به لو كان عليك مثل جبل أحد ديناً لأداء الله عنك "، فذكره وإسناده جيد (¬1). (وتعز من تشاء وتذل من تشاء) أي في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، يقال عز إذا غلب ومنه (وعزني في الخطاب) ويقال ذل يذل ذلاً إذا غلب وقهر. (بيدك الخير) أي النصر والغنيمة، وقيل الألف واللام تفيد العموم، والمعنى بيدك كل الخيرات، وتقديم الخبر للتخصيص أي بيدك الخير لا بيد غيرك، وذكر الخير دون الشر لأن الخير تفضل محض بخلاف الشر فإنه قد يكون جزاء لعمل من وصل إليه، وقيل لأن كل شر من حيث كونه من قضائه سبحانه هو متضمن للخير، فأفعاله كلها خير، قاله القاضي كالكشاف، وقيل أنه حذف كما حذف في قوله: (سرابيل تقيكم الحر) قاله البغوي وأصله بيدك الخير والشر، وقيل خص الخير لأن المقام مقام دعاء (إنك على كل شيء قدير) تعليل لما سبق وتحقيق له. ¬

(¬1) الترمذي كتاب الدعوات باب 110.

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27) لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)

27

(تولج الليل في النهار) وهو أن تجعل الليل قصيراً وما نقص منه زائداً في النهار حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة، وذلك غاية طول النهار، ويكون الليل تسع ساعات وذلك غاية قصر الليل، وفيه دلالة على أن من قدر على أمثال هذه الأمور العظام المحيرة للعقول والأفهام، فقدرته على أن ينزع الملك من العجم ويذلهم ويؤتيه العرب ويعزهم أهون عليه من كل هين، يقال ولج يلج من باب وعد ولوجاً ولجة كعدة والولوج الدخول والإيلاج الإدخال. (وتولج النهار في الليل) أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر حتى يكون الليل خمس عشرة ساعة وذلك غاية طوله، ويكون النهار تسع ساعات وذلك غاية قصره، وقيل المعنى تعاقب بينهما ويكون زوال أحدهما ولوجاً في الآخر والأول أولى، قال ابن مسعود تأخذ الصيف من الشتاء وتأخذ الشتاء من الصيف. (وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي) قيل المراد إخراج الحيوان وهو حي من النطفة وهي ميتة، وإخراج النطفة وهي ميتة من الحيوان وهو حي، وقيل المراد إخراج الطائر وهو حي من البيضة وهي ميتة وإخراج البيضة وهي ميتة من الدجاجة وهي حية، وقال عكرمة النخلة من النواة والنواة من النخلة، والحبة من السنبلة والسنبلة من الحبة. وعن الحسن قال المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد.

قلت ويدل له قوله تعالى (أو من كان ميتاً فأحييناه) وأخرج عبد الرزاق وابن سعد وابن جرير وابن حاتم وابن مردويه عن عبيد الله بن عبد الله: أن خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث دخلت على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فقال: من هذه قيل: خالدة بنت الأسود، قال: سبحان الذي يخرج الحي من الميت، وكانت امرأة صالحة وكان أبوها كافراً، وأخرج ابن سعد عن عائشة مثله. (وترزق من تشاء بغير حساب) أي بغير تضييق ولا تقتير بل تبسط الرزق لمن تشاء وتوسعه عليه كما تقول فلان يعطى بغير حساب إذ المحسوب يقال للقليل. قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الحساب في القرآن على ثلاثة أوجه، بمعنى التعب قال تعالى (وترزق من تشاء بغير حساب) وبمعنى العدد قال تعالى (إنما يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب) وبمعنى المطالبة قال تعالى (فامنن أو امسك بغير حساب).

28

(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) فيه النهي للمؤمنين عن موالاة الكفار بسبب من أسباب المصادقة والمعاشرة كقرابة أو صداقة جاهلية ونحوهما، وعن الاستعانة بهم في الغزو وسائر الأمور الدينية ومثله قوله تعالى (لا تتخذوا بطانة من دونكم) الآية وقوله (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وقوله (لا تجد قوماً يؤمنون بالله) الآية وقوله (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وقوله (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء). (من دون المؤمنين) أي متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين استقلالاً أو اشتراكاً (ومن يفعل ذلك) الاتخاذ المدلول عليه بقوله لا يتخذ (فليس من الله) أي من ولايته وقيل من دينه وقيل التقدير ليس كائناً من الله (في شيء) من الأشياء هو منسلخ عنه بكل حال، وبريء الله منه، وهذا أمر معقول إذ موالاة الله وموالاة الكفار ضدان لا يجتمعان.

(إلا أن تتقوا منم تقاة) على صيغة الخطاب بطريق الالتفات أي إلا أن تخافوا منهم أمراً يجب اتقاؤه وهو استثناء مفرغ من أعم الأحوال وتقاة مصدر واقع موقع المفعول به، وهو ظاهر قول الزمخشري وزنه فُعلة ويجمع على تُقى كرطبة ورطب، وأصله وقيه لأنه من الوقاية، والتقوى والتقى واحد، والتقاة التقية يقال أتقي تقيه وتقاة. وفي القاموس تقيت الشيء اتقيه من باب ضرب، وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم ولكنها تكون ظاهراً لا باطناً، وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا لا تقيه بعد أن أعز الله الإسلام. عن ابن عباس قال التقية باللسان من حمل على أمر يتكلم به وهو معصية الله فيتكلم به مخافة الناس، وقلبه مطمئن بالإيمان فإن ذلك لا يضره، إنما التقية باللسان، وعنه قال التقاة التكلم باللسان، والقلب مطمئن بالإيمان ولا يبسط يده فيقتل ولا إلى إثم فإنه لا عذر له. وعن أبي العالية قال: التقية باللن وليس بالعمل، وقال قتادة إلا أن تكون بينك وبينه قرابة فتصله لذلك. وأخرج عبد بن حميد والبخاري عن الحسن قال التقية جائزة إلى يوم القيامة. وحكى البخاري عن أبي الدرداء أنه قال إنا لنكشر (¬1) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم. ويدل على جواز التقية قوله تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) ومن القائلين بجواز التقية باللسان أبو الشعثاء والضحاك والربيع ابن أنس. وعن ابن عباس قال نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا إن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم ¬

(¬1) أي نبتسم.

اللطف ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله تعالى (إلا أن تتقوا منهم تقاة). ومعنى الآية أن الله نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم إلا أن يكونوا غالبين أو يكون المؤمن في قوم كفار فيداهنهم بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من مخير أن يستحل دماً أو مالاً حراماً أو غير ذلك من المحرمات أو يظهر الكفار على عورة المسلمين، والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل مع سلامة النية. ثم هذه التقية رخصة فلو صبرعلى إظهار إيمانه حتى قتل كان له بذلك أجر عظيم. وقال سعيد بن جبير ليس في الأمان التقية إنما التقية في الحرب، وقيل إنما تجوز التقية لصون النفس عن الضرر لأن دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان. (ويحذركم الله نفسه) أي ذاته المقدسة أن تعصوه بأن ترتكبوا النهي عنه أو تخالفوا المأمور به، أو توالوا الكفار فتستحقوا عقابه على ذلك كله، وإطلاق النفس عليه سبحانه جائز في المشاكلة كقوله (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) وفي غيرها. وذهب بعض المتأخرين إلى منع ذلك إلا مشاكلة، وقال الزجاج معناه يحذركم الله إياه، ثم استغنوا عن ذلك بهذا وصار المستعمل، قال: وأما قوله (تعلم ما في نفسي، إلخ فمعناه تعلم ما عندي وما في حقيقتي ولا أعلم ما عندك ولا ما في حقيقتك). وقال بعض أهل العلم معناه ويحذركم الله عقابه، مثل (واسأل القرية) فجعلت النفس في موضع الإضمار، والنفس عبارة عن وجود الشيء وذاته، وذكر النفس للإيذان بأن له عقاباً هائلاً لا يؤبه دونه بما يحذر من الكفرة (وإلى الله المصير) في هذه الآية تهديد شديد وتخويف عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه.

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)

29

(قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله) فيه إن كل ما يضمره العبد ويخفيه أو يظهره ويبديه فهو معلوم لله سبحانه لا يخفى عليه منه شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة (ويعلم ما في السموات وما في الأرض) مما هو أعم من الأمور التي يخفونها أو يبدونها فلا يخفى عليه ما هو أخص من ذلك (والله على كل شيء قدير) فيكون قادراً على عقوبتكم.

30

(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) يوم القيامة ولم يبخس منه شيء قال قتادة محضراً موفراً (وما عملت من سوء) محضراً (تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً) الأمد الغاية وجمعه آماد، قال السدى أي مكاناً بعيداً، وعن ابن جريج أمداً أي أجلاً وعن الحسن قال يسر أحدكم أن لا يلقى عمله ذلك أبداً يكون ذلك مناه، وأما في الدنيا فقد كانت خطيئة يستلذها. وفي السمين الأمد غاية الشيء ومنتهاه، والفرق بين الأمد والأبد أن الأبد مدة من الزمان غير محدودة، والأمد مدة لها حد مجهول، والفرق بين الأمد والزمان أن الأمد يقال باعتبار الغاية، والزمان عام في المبدأ والغاية انتهى، قال السيوطي أي غاية في نهاية البعد فلا يصل إليها: اهـ، وهو أعم من المكان والزمان وعبارة الخازن أي مكاناً بعيداً، كما بين المشرق والمغرب.

(ويحذركم الله نفسه) كرر للتأكيد وللاستحضار ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم لا يغفلون عنه، قيل والأحسن ما قاله التفتازاني أن ذكره أولاً للمنع من موالاة الكافرين وثانياً للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر (والله رؤوف بالعباد) ومن رأفته بهم أنه حذرهم نفسه، قاله الحسن وفيه دليل على أن هذا التحذير الشديد مقترن بالرأفة منه سبحانه لعباده لطفاً بهم، وما أحسن ما يحكى عن بعض العرب أنه قيل له إنك تموت وتبعث وترجع إلى الله فقال أتهددونني بمن لم أر الخير قط إلا منه.

31

(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) الحب والمحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، يقال أحبه فهو محب وحبه يحبه بالكسر فهو محبوب، قال ابن الدهان في حب لغتان حب وأحب، وقد فسرت المحبة لله سبحانه بإرادة طاعته، قال الأزهري محبة العبد لله ولرسوله طاعته لهما واتباعه أمرهما، ومحبة الله للعباد إنعامه عليهم بالغفران. قيل: العبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وإن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو من غيره فهو من الله وبالله لم يكن حبه إلا لله وفي الله، وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لاتباع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في عبادته والحث على مطاوعته قاله القاضي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن من طرق قال: قال أقوام على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا محمد إنا لنحب ربنا فأنزل الله هذه الآية، وعن أبي الدرداء قال على البر والتقوى والتواضع وذلة النفس. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والحاكم عن عائشة قالت: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الشرك أخفى من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل، وهل الدين

إلا الحب والبغض في الله (¬1)، قال الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله) الآية. قيل نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وقيل نزلت في قريش قالوا نعبدها أي الأصنام حباً لله لتقربنا إلى الله زلفى. والمعنى قل إن كنتم صادقين في ادعاء محبة الله فكونوا منقادين لأوامره وأوامو رسوله مطيعين لهما فإن اتباع الرسول من محبة الله وطاعته، وفيه حث على اتباعه صلى الله عليه وآله وسلم وإشارة إلى ترك التقليد عند وضوح النص من الكتاب والسنة. (ويغفر لكم ذنوبكم) يعني أن من غفر له أزال عنه العذاب (والله غفور رحيم) يغفر ذنوب من أحبه ويرحمه بفضله وكرمه، وهذا تذييل مقرر لما قبله. ¬

(¬1) المستدرك للحاكم. كتاب التفسير 2/ 291.

32

(قل) لقريش (أطيعوا الله والرسول) حذف المتعلق مشعر بالتعميم أي في جميع الأوامر والنواهي، والمقلد غير مطيع لله وللرسول بل مشاقق لهما حيث ترك إطاعة الله ورسوله وأطاع غيرهما من غير حجة نيرة وبرهان جلي. (فإن تولوا) يحتمل أن يكون من تمام مقول القول فيكون مضارعاً أي تتولوا، ويحتمل أن يكون من كلام الله تعالى فيكون ماضياً من باب الالتفات (فإن الله لا يحب الكافرين) أي لا يرضى بفعلهم ولا يغفر لهم، ونفي المحبة كناية عن البغض والسخط، ووجه الإظهار في قوله (فإن الله الخ) مع كون المقام مقام إضمار لقصد التعظيم أو التعميم. ولا فرغ سبحانه من أن الدين المرضي هو الإسلام وأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم هو الرسول الذي لا يصح لأحد أن يحب الله إلا باتباعه، وأن اختلاف أهل الكتابين فيه إنما هو لمجرد البغي عليه والحسد له، شرع في تقرير رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبين أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة فقال:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)

33

(إن الله اصطفى آدم ونوحاً) الإصطفاء الإختيار من الصفوة وهي الخالص من كل شيء، قال الزجاج اختارهم بالنبوة على عالمي زمانهم، وقيل إن الكلام على حذف مضاف أي اصطفى دين آدم، وتخصيص آدم بالذكر لأنه أبو البشر، وكذلك نوح فإنه آدم الثاني. وحكى ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي أن اسم نوح السكن وإنما سمى نوحاً لكثرة نوحه، وعمر آدم تسعمائة وستون سنة، ونوح من نسل إدريس بينه وبينه إثنان لأنه ابن لملك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس، وعمر نوح ألف سنة وخمسون، ونوح اسم عجمي لا اشتقاق له عند محققي النحاة. (وآل إبراهيم) قيل يعني نفسه، وقيل اسمعيل وإسحق ويعقوب، وقيل من كان على دينه، والثاني أولى، وذلك أن الله جعل إبراهيم أصلاً لشعبتين، فجعل إسمعيل أصلاً للعرب، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - منهم فهو داخل في الاصطفاء، وجعل إسحق أصلاً لبني إسرائيل وجعل فيهم النبوة والملك إلى زمن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم جعل له ولأمته النبوة والملك إلى يوم القيامة، وعمر إبراهيم مائة وسبعون سنة.

(وآل عمران) قيل هو والمد موسى وهارون، وقيل هو من ولد سليمان وهو والد مريم، والظاهر الثاني بدليل القصة الآتية في عيسى ومريم، وبين العمرانين من الزمن ألف وثمانمائة سنة، وبين الأول وبين يعقوب ثلاثة أجداد، وبين الثاني وبين يعقوب ثلاثون جداً، وعمران اسم أعجمي، وقيل عربي مشتق من العمر، وعل كلا القولين ممنوع من الصرف إما للعلمية والعجمه أو لزيادة الألف والنون، قاله السمين. فلما كان عيسى عليه السلام منهم كان لتخصيصهم بالذكر وجه، يعني خص هؤلاء بالذكر لأن الأنبياء والرسل من نسلهم (على العالمين) قد تقدم الكلام على تفسيره أي اختارهم واصطفاهم على العالمين بما خصهم به من النبوة والرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية.

34

(ذرية) قد تقدم تفسير الذرية قيل مشتق من الذرء وهو الخلق فعلى هذا يطلق على الأصول حتى على آدم كما يطلق على الفروع، وقيل منسوب إلى الذر لأن الله أخرجهم من ظهر آدم كالذر أي صغار النمل، ويكون هذا من النسب السماعي إذ كان القياس فتح الذال والنصب على البدل من آدم أو من نوح وإليه نحا أبو البقاء أو من الآلين وإليه نحا الزمخشري أو النصب على الحال. (بعضها من بعض) معناه متناسلة متشعبة أو متناصرة متعاضدة في الدين، قال قتادة في النية والعمل والإخلاص والتوحيد، أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس قال هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد- صلى الله عليه وسلم - (والله سميع عليم) إنما يصطفى لنبوته ورسالته من يعلم استقامته قولاً وفعلاً.

35

(إذ قالت) قال أبو عمرو إذ زائدة وقال محمد بن زيد تقديره اذكر إذ قالت، وقال الزجاج متعلق بقوله (اصطفى) وقيل بقوله سميع عليم.

(امرأة عمران) اسمها حنة بالحاء المهملة والنون المشددة بنت فاقوذ أم مريم فهي جدة عيسى، وعمران هو ابن ماثان جد عيسى وليس نبياً. (رب إني نذرت لك) هذا النذر كان جائزاً في شريعتهم، وتقديم الجار والمجرور لكمال العناية ومعز ذلك أي لعبادتك (ما في بطني محرراً) أي عتيقاً خالصاً لله خادماً للكنيسة، والمراد هنا الحرية التي هي ضد العبودية، وقيل المراد بالمحرر هنا الخالص لله سبحانه الذي لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، ورجح هذا بأنه لا خلاف أن عمران وامرأته حران وهلك عمران وهي حامل. (فتقبل مني) التقبل أخذ الشيء على وجه الرضا أي تقبل مني نذري بما في بطني، عن ابن عباس قال كانت نذرت أن تجعله في الكنيسة يتعبد بها، وقال مجاهد خادماً للبيعة (إنك أنت السميع) لتضرعي ودعائي (العليم) بنيتي وما في ضميري.

36

(فلما وضعتها) التأنيث باعتبار ما علم من المقام أن الذي في بطنها أنثى أو لكونه أنثى في علم الله أو بتأويل ما في بطنها بالنفس أو النسمة أو نحو ذلك (قالت) يعني حنة (رب إني وضعتها أنثى) إنما قالت هذه المقالة لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكر دون الأنثى فكأنها تحسرت وتحزنت لما فاتها من ذلك الذي كانت ترجوه وتقدره. (والله أعلم بما وضعت) بضم التاء فيكون من جملة كلامها ويكون متصلاً بما قبله وفيه معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له أن يخفي عليه شيء، وقرأ الجمهور وضعت بسكون التاء فيكون من كلام الله سبحانه على جهة التعظيم لما وضعته والتفخيم لشأنه والتجهيل لها حيث وقع منها التحسر والتحزن، مع أن هذه الأنثى التي وضعتها سيجعلها الله وابنها آية للعالمين وعبرة للمعتبرين ويختصها بما لم يختص به أحداً.

وقرأ ابن عباس وضعت بكسر التاء على أنه خطاب من الله سبحانه لها أي أنك لا تعلمين قدر هذا الموهوب وما علم الله فيه من الأمور التي تتقاصر عنها الأفهام، وتصاغر عندها العقول، وإن له شأناً عظيماً. (وليس الذكر كالأنثى) أي ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وضعت، فإن غاية ما أرادت من كونه ذكراً أن يكون نذراً خادماً للكنيسة، وأمر هذه الأنثى عظيم وشأنها فخيم، فهي خير منه وإن لم تصلح للسدانه فإن فيها مزايا أخر لا توجد في الذكر، وعلى هذا: الكلام على ظاهره ولا قلب فيه، وهذه الجملة اعتراضية مبينة لما في الجملة الأولى من تعظيم الموضوع ورفع شأنه وعلو منزلته، واللام في الذكر والأنثى للعهد. هذا على قراءة الجمهور، وأما على قراءة أبي بكر وابن عامر فيكون قوله (وليس الذكر كالأنثى) من جملة كلامها ومن تمام تحسرها وتحزنها أي ليس الذكر الذي أردت أن يكون خادماً ويصلح للنذر كالأنثى التي لا تصلح لذلك، بل هو خير منها لأنه يصلح لمقصودي دونها، وكأنها اعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدت، وعلى هذا في الكلام قلب، وكانت مريم من أجمل النساء وأفضلهن في وقتها. (وإني سميتها مريم) تعني العابدة مقصودها من هذا الإخبار بالتسمية التقرب إلى الله سبحانه، وأن يكون فعلها مطابقاً لمعنى اسمها فإن معنى مريم خادم الرب بلغتهم، فهي وإن لم تكن صالحة لخدمة الكنيسة، فذلك لا يمنع أن تكون من العابدات (¬1). (وإني أعيذها) أي أمنعها وأجيرها (بك وذريتها من الشيطان الرجيم). ¬

(¬1) وقال ابن إسحاق: كان السبب في نذرها أنه أمسك عنها الولد حتى أسنت، فرأت طائراً يطعم فرخاً -[224]- له، فدعت الله أن يهب لها ولداً، وقالت: اللهم لك علي إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس، فحملت بمريم، وهلك عمران، وهي حامل.

عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " ما من بني آدم من مولود إلا نخسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من نخسه إياه إلا مريم وابنها متفق عليه (¬1) وللبخاري عنه " كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بأصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب ليطعن فطعن في الحجاب " وللحديث ألفاظ عنه وعن غيره. والرجيم المردود، وذكر في القاموس الطرد من معاني الرجم، وأصله المرمي بالحجارة، طلبت الإعاذة لها ولولدها من الشيطان وإغوائه. وفي المقام إشكال قوي لم أر من نبه عليه من المفسرين، وحاصله أن قولها وإني أعيذها بك معطوف على ما قبله الواقع في حيز لما وضعتها، فيقتضي أن طلب هذه الإعاذة إنما وقع بعد الوضع، فلا يترتب عليه حفظ مريم من طعن الشيطان وقت نزولها وخروجها من بطن أمها فلا يتلاقى الحديث مع الآية، بل مقتضى ظاهر الآية أن إعاذتها من الشيطان إنما كان بعد وضعها وهذا لا ينافي تسلط الشيطان عليها بطعنها ونخسها وقت ولادتها الذي هو عادته فإن عادته طعن المولود وقت خروجه من بطن أمه، تأمل، قاله سليمان الجمل. ¬

(¬1) مسلم 2366، البخاري 1550. صحيح الجامع/5661.

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)

37

(فتقبلها ربها بقبول حسن) أي رضي بها في النذر وسلك بها مسلك السعداء، وقال قوم معنى التقبل التكفل والتربية والقيام بشأنها، وليست صيغة التفعل للتكلف كما هو أصلها بل بمعنى الفعل كتعجب بمعنى عجب وتبرأ بمعنى برىء، والقبول مصدر مؤكد للفعل السابق، والباء زائدة أو هي على حالها. (وأنبتها نباتاً حسناً) المعنى أنه سوى خلقها من غير زيادة ولا نقصان، قيل إنها كانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام وفيه بعد، وقيل هو مجاز عن التربية الحسنة العائدة عليها بما يصلحها في جميع أحوالها. (وكفلها) أي ضمها إليه بالقرعة لا بالوحي، وقال أبو عبيدة ضمن القيام بها، وقال الكوفيون أي جعله الله كافلاً لها وملتزماً بمصالحها، وفي معناه في مصحف أبي (وأكفلها) وقرأ الباقون بالتخفيف ومعناه ما تقدم من كونه ضمها إليه، وقرأ مجاهد فتقبلها وأنبتها بإسكان اللام والتاء وكفلها على المسألة والطلب. (زكريا) وكان من ذرية سليمان بن داود، وروى عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وناس من الصحابة أن مريم كانت ابنة سيدهم وإمامهم فتشاح عليها أحبارهم فاقترعوا فيها بسهامهم أيهم يكفلها، وكان زكريا زوج أختها فكفلها أي جعلها معه في محرابه، وكانت عنده وحضنها.

(كلما دخل عليها زكريا المحراب) يعني الغرفة، والمحراب في اللغة أكرم موضع في المجلس، قاله القرطبي وسميت محراباً لأنها محل محاربة الشيطان لأن المتعبد فيها يحاربه، وكذلك هو في المسجد وكذلك يقال لكل من محال العبادة محراب، وقيل إن زكريا جعل لها محراباً لا ترتقي إليه إلا بسلم وكان يغلق عليها حتى كبرت. (وجد عندها) أي أصاب وصادف ولقي فيتعدى لواحد (رزقاً) أي نوعاً من أنواع الرزق، أي كان إذا دخل عليها وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء، قال ابن عباس عنباً في مكتل في غير حينه. (قال يا مريم أنى لك هذا) أي من أين يجيء لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا (قالت هو من عند الله) فليس ذلك بعجيب ولا مستنكر (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) جملة تعليلية لما قبلها وهو من تمام كلامها، ومن قال أنه من كلام زكريا فتكون الجملة مستأنفة وهذا دليل على جواز الكرامة لأولياء الله تعالى.

38

(هنالك) ظرف يستعمل للزمان والمكان وأصله للمكان، وقيل إنه للزمان خاصة (وهناك) للمكان، وقيل يجوز استعمال كل واحد منهما مكان الآخر، واللام للدلالة على البعد والكاف للخطاب. (دعا زكريا ربه) يعني أنه دعا في ذلك المكان الذي هو قائم فيه عند مريم، أو في ذلك الزمان أن يهب الله له ذرية طيبة. والذي بعثه على ذلك ما رآه من ولادة حنة لمريم وقد كانت عاقراً، فحصل له رجاء الولد وإن كان كبيراً، وامرأته عاقراً أو بعثه على ذلك ما رآه من فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء عند مريم، لأن من

أوجد ذلك في غير وقته يقدر على إيجاد الولد من العاقر، وكان أهل بيته انقرضوا. وعلى هذا يكون هذا الكلام قصة مستأنفة سيقت في غضون قصة مريم لما بينهما من قوة الارتباط. (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) الذرية النسل يكون للواحد ويكون للجمع ويدل على أنها هنا للواحد قوله (فهب لي من لدنك ولياً) ولم يقل (أولياء) وتأنيث طيبة لكون لفظ الذرية مؤنثاً، والمعنى أعطني يا رب من عندك ولداً مباركاً تقياً صالحاً رضياً كهبتك لحنة العجوز العاقر مريم (إنك سميع الدعاء) أي سامعه ومجيبه.

39

(فنادته الملائكة) قيل المراد هنا جبريل، والتعبير بلفظ الجمع عن الواحد جائز في العربية، ومنه (الذين قال لهم الناس) وقيل ناداه جميع الملائكة وهو الظاهر من إسناد الفعل إلى الجمع والمعنى الحقيقي مقدم فلا يصار إلى المجاز إلا لقرينة (وهو قائم يصلي في المحراب) أي في المسجد قال السدى المحراب المصلى. وقد أخرج الطبراني والبيهقي عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب (¬1). وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن موسى الجهني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا تزال أمتي بخير ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى (¬2) " وقد رويت كراهة ذلك عن جماعة من الصحابة. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 19. (¬2) الإمام أحمد 2/ 229.

(إن الله يبشرك بيحيى) هو ممتنع من الصرف لكونه أعجمياً أو لكون وزن الفعل فيه مع العلمية كيعمر ويعيش ويزيد ويشكر وتغلب، وقيل أعجمي لا اشتقاق له، وهذا هو الظاهر فامتناعه للعلمية والعجمة الشخصية. قال القرطبي حاكياً عن النقاش كان اسمه في الكتاب الأول حنا انتهى، والذي رأيناه في مواضع من الإنجيل أنه يوحنا قيل سمى بذلك لأن الله أحياه بالإيمان والنبوة، وقيل إن الله أحيا به الناس بالهدى، والمراد هنا التبشير بولادته أي يبشرك بولادة يحيى. (مصدقاً بكلمة من الله) أي بعيسى عليه السلام، وسمى كلمة الله لأنه كان بقوله سبحانه (كن) وقيل لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بكلام الله، وقيل لأن الله بشر به مريم على لسان جبريل، وقيل لأن الله أخبر في كتبه المنزلة على الأنبياء أنه يخلق نبياً من غير واسطة أب فلما جاء قيل هذا هو تلك الكلمة يعني الوعد الذي وعد. وقال أبو عبيد " بكلمة " أي بكتاب من الله، قال والعرب تقول أنشدني كلمة أي قصيدة. ويحيى أول من آمن بعيسى وصدقه وكان أكبر من عيسى بثلاث سنين، وقيل بستة أشهر، قال ابن عباس كان يحيى وعيسى ابني الخالة وكانت أم يحيى تقول لمريم إني أجد الذي في بطني يسجد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى في بطن أمه، وهو أول من صدق بعيسى، وقتل يحيى قبل أن يرفع عيسى. (وسيداً وحصوراً) السيد الذي يسود قومه، قال الزجاج السيد الذي يفوق أقرانه في كل شيء من الخير، ويا لها من سيادة ما أسناها، والحصور أصله من الحصر وهو الحبس تقول حصرني الشيء وأحصرني إذا حبسك، والحصور

الذي لا يأتي النساء كأنه تحجم عنهن كما يقال رجل حصور وحصير إذا حبس رفده ولم يخرجه. فيحيى عليه السلام كان حصورًا عن إتيان النساء أي محصوراً لا يأتيهن كغيره من الرجال إما لعدم القدرة على ذلك أو لكونه يكف عنهن منعاً لنفسه عن الشهوة مع القدرة، وقال السمين الحصور فعول محول عن فاعل للمبالغة والضروب محول من ضارب، وهو الذي لا يأتي النساء إما لطبعه على ذلك وإما لمخالفة نفسه. وفي القاموس الحصور من لا يأتي النساء وهو قادر على ذلك، والممنوع منهن أو من لا يشتهيهن ولا يقربهن انتهى. وقد رجح الثاني بأن المقام مقام مدح وهو لا يكون إلا على أمر مكتسب يقدر فاعله على خلافه لا على ما كان من أصل الخلقة وفي نفس الجبلة. قال ابن عباس سيداً حليماً تقياً، وقال مجاهد السيد الكريم على الله، وقال ابن المسيب: السيد الفقيه العالم، وعن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال كان ذكره مثل هدبة الثوب، وأخرجه أحمد في الزهد من وجه آخر عنه موقوفاً وهو أقوى وكان اسم أم يحيى اسيع. (ونبياً من الصالحين) أي ناشئاً من الصالحين لكونه من نسل الأنبياء وأصلابهم أو كائناً من جملة الصالحين كما في قوله (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) قال الزجاج الصالح الذي يؤدي لله ما افترض عليه وإلى الناس حقوقهم، وقيل المراد بالصلاح ما فوق الصلاح الذي لابد منه في منصب النبوة قطعاً من أقاصي مراتبه وعليه مبني دعاء سليمان (وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) وفيه بعد، لأنه لا صلاح فوق صلاح النبوة.

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)

40

(قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر) ظاهر هذا أن الخطاب منه لله سبحانه، وإن كان الخطاب الواصل إليه هو بواسطة الملائكة، وذلك لمزيد التضرع والجهد في طلب الجواب عن سؤاله، وقيل إنه أراد بالرب جبريل أي يا سيدي. وقيل في معنى هذا الاستفهام وجهان (أحدهما) أنه سأل هل يرزق هذا الولد من امرأته العاقر أو من غيرها، وقيل معناه بأي سبب أستوجب هذا وأنا وامرأتي على هذه الحال. والحاصل أنه استبعد حدوث الولد منهما مع كون العادة قاضية بأنه لا يحدث من مثلهما لأنه كان يوم التبشير كبيراً قيل في تسعين سنة، وقيل في عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته في ثمان وتسعين سنة، ولذلك جعل الكبر كالطلب له لكونه طليعة من طلائع الموت، فأسند الفعل إليه، والعاقر التي لا تلد أي ذات عقر على النسب، ولو كان على الفعل لقال عقيرة أي بها عقر يمنعها من الولد. وإنما وقع منه هذا الاستفهام بعد دعائه بأن يهب الله له ذرية طيبة ومشاهدته لتلك الآية الكبرى في مريم، استعظاماً لقدرة الله سبحانه، لا لمحض الاستبعاد وقيل أنه قد مر بعد دعائه إلى وقت بشارتها أربعون سنة، وقيل عشرون سنة فكان الاستبعاد من هذه الحيثية.

(قال كذلك الله يفعل ما يشاء) من الأفعال العجيبة مثل ذلك الفعل، وهو إيجاد الولد من الشيخ الكبير والمرأة العاقر.

41

(قال رب اجعل لي آية) أي علامة أعرف بها صحة الحبل فأتلقى هذه النعمة بالشكر، والجعل هنا بمعنى التصيير أو بمعنى الخلق والإيجاد، وإنما سأل الآية لأن العلوق أمر خفي، فأراد أن يطلع عليه ليتلقى تلك النعمة بالشكر من حين حصولها ولا يؤخره إلى ظهورها المعتاد. ولعل هذا السؤال وقع بعد البشارة بزمان مديد إذ به يظهر ما ذكر من كون التفاوت بين سن يحيى وعيسى ستة أشهر لأن ظهور العلامة كان عقب طلبها لقوله في سورة مريم (فخرج على قومه من المحراب) الآية قاله أبو السعود. (قال آيتك أن لا تكلم الناس) أي علامتك أن تحبس لسانك عن تكليم الناس ثلاثة أيام لا عن غيره من الأذكار، وإنما جعلت آيته ذلك لتخليص المدة لذكر الله سبحانه شكراً على ما أنعم به عليه، وأحسن الجواب ما اشتق من السؤال، وقيل كان ذلك عقوبة من الله سبحانه له بسبب سؤاله الآية بعد مشافهة الملائكة إياه، حكاه القرطبي عن أكثر المفسرين. وقيل أن لا تقدر على تكليمهم وتمنع من كلامهم قهراً بحيث لو حاولت الكلام لم تقدر عليه (ثلاثة أيام) بلياليها لقوله تعالى في سورة مريم (ثلاث ليال سوياً) (إلا رمزاً) أي إشارة، والرمز في اللغة الإيماء بالشفتين أو العينين أو الحاجبين أو اليدين وأصله الحركة وهو استثناء منقطع لكون الرمز من غير جنس الكلام ورجحه القاضي. وقيل هو متصل على معنى أن الكلام ما حصل به الإفهام من لفظ أو إشارة أو كتابة وهو بعيد، والصواب الأول وبه قال الأخفش والكسائي وقيل

أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا، والأول أولى لموافقة أهل اللغة عليه. (واذكر ربك) أي في مدة الحبسة وعند اللسان عن كلامهم شكراً لهذه النعمة (كثيراً وسبح بالعشي) هو جمع عشية وهي آخر النهار قاله الواحدي، وقيل هو واحد وهو المشهور وهو من حين زوال الشمس إلى أن تغيب، ومنه سميت صلاة الظهر والعصر صلاتي العشاء، وقيل من العصر إلى ذهاب صدر الليل وهو ضعيف (والإبكار) بالكسر مصدر استعمل اسماً للوقت الذي هو البكرة وهو من طلوع الفجر إلى وقت الضحى، وقيل المراد بالتسبيح الصلاة.

42

(وإذ قالت الملائكة) عطف على إذ قالت امرأة عمران عطفاً لقصة البنت على قصة أمها لما بينهما من كمال المناسبة، وقصة زكريا وقعت فاصلة بينهما لمناسبة، والمعنى إذ قالت الملائكة مشافهة لها بالكلام. وهذا من باب التربية الروحانية بالتكاليف الشرعية المتعلقة بحال كبرها بعد التربية الجسمانية اللائقة بحال صغرها. (يا مريم إن الله اصطفاك) اختارك أولاً حيث قبلك من أمك وقبل تحريرك ولم يسبق ذلك لغيرك من الإناث ورباك في حجر زكريا ورزقك من الجنة (وطهرك) من مسيس الرجال أو الكفر أو من الذنوب أو من الأدناس على عمومها، وكانت مريم لا تحيض أي خلقك مطهرة مما للنساء وبه جزم القاضي كالكشاف، وسيأتي في سورة مريم حاضت قبل حملها بعيسى مرتين. (واصطفاك) قيل هذا الاصطفاء الأخير غير الاصطفاء الاول، فالأول هو حيث تقبلها بقبول حسن، والأخير لولادة عيسى من غير أب، واصطفاها أيضاً بأن أسمعها كلام الملائكة مشافهة ولم يقع لغيرها ذلك، وقيل الاصطفاء الآخر تأكيد للاصطفاء الأول والمراد بهما جميعاً واحد (على نساء العالمين) المراد بهن هنا قيل نساء عالم زمانهم وهو الحق، وقيل نساء جميع العالم إلى يوم القيامة واختاره الزجاج.

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

43

(يا مريم اقنتي لربك) أي أطيلي القيام في الصلاة أو ادعيه ودومي على طاعته بأنواع الطاعات، وقد تقدم الكلام في معاني القنوت (واسجدي واركعي مع الراكعين) أي صلي مع المصلين، أطلق الجزء وأراد الكل وقدم السجود على الركوع لكونه أفضل أو لكون صلاتهم لا ترتيب فيها مع كون الواو لمجرد الجمع بلا ترتيب، والظاهر أن ركوعها مع ركوعهم فيدل على مشروعية صلاة الجماعة، وقيل المعنى أنها تفعل كفعلهم وإن لم تصل معهم، قال الأوزاعي لما قالت الملائكة لها ذلك شفاها قامت حتى تورمت قدماها وسالت دماً وقيحاً، وحكي عن مجاهد نحوه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث علي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد (¬1) " وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أفضل نساء العالمين خديجة وفاطمة ومريم وآسية امرأة فرعون (¬2) ". وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت ¬

(¬1) مسلم 2430، البخاري 1602. (¬2) كتاب التاريخ 2/ 594.

عمران وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام (¬1). وفي المعنى أحاديث كثيرة تفيد أن مريم عليها السلام سيدة نساء عالمها لا نساء العالم، ويؤيده ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أربع نسوة سادات نساء عالمهن مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد - صلى الله عليه وسلم -، وأفضلهن عالما فاطمة. ¬

(¬1) مسلم 2431، البخاري 1606.

(ذلك من أنباء الغيب) أي أخبار ما غاب عنك، فالإشارة إلى ما سبق من الأمور التي أخبره الله بها (نوحيه إليك) هو أي الأمر والشأن أنا نوحي إليك الغيب ونعلمك به، ونظهرك على قصص من تقدم مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار، ولذلك أتى بالمضارع في (نوحيه) وهذا أحسن من عوده على (ذلك)، وقال أبو السعود: صيغة الاستقبال للإيذان بأن الوحي لم ينقطع بعد، انتهى، والوحي في اللغة الإعلام في خفاء، يقال وحى وأوحى بمعنى، قال ابن فارس: الوحي الإشارة والكتابة والرسالة وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى يعلمه. (وما كنت لديهم) أي بحضرتهم يعني المتنازعين في تربية مريم، وإنما نفى حضوره عندهم مع كونه معلوماً لأنهم أنكروا الوحي، فلو كان ذلك الإنكار صحيحاً لم يبق طريق للعلم به إلا المشاهدة والحضور وهم لا يدعون ذلك، فثبت كونه وحياً مع تسليمهم أنه ليس ممن يقرأ التوراة ولا من يلابس أهلها. (إذ يلقون أقلامهم) في الماء يقترعون، والأقلام جمع قلم من قلمه إذا قطعه وهو فعل بمعنى مفعول أي مقلوم، والقلم القطع ومنه قلمت ظفري أي

قطعته وسويته، ومثله القبض والنقض بمعنى المقبوض والمنقوض، أي أقلامهم التي يكتبون بها، وقيل قداحهم ليعلموا (أيهم يكفل مريم) أي يربي، وذلك عند اختصامهم في كفالتها كما قال تعالى (وما كنت لديهم إذ يختصمون) كفالتها، فقال زكريا هو أحق بها لكون خالتها عنده، فاقترعوا وجعلوا أقلامهم في الماء الجاري على أن من وقف قلمه ولم يجر مع الماء فهو صاحبها، فجرت أقلامهم، ووقف قلم زكريا. وقد استدل بهذا من أثبت القرعة، والخلاف في ذلك معروف وقد ثبتت أحاديث صحيحة في اعتبارها، وذكر الشوكاني في نيل الأوطار أن القرعة وردت في خمسة مواضع ثم عددها.

45

(إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه) أي كائنة من عنده وناشئة منه من غير واسطة الأسباب العادية وهي ولد يولد لك من غير بعل ولا فحل، وسمى كلمة لأنه وجد بكلمة (كن) فهو من باب إطلاق السبب على المسبب. وفي أبي السعود في سورة النساء: يحكى أن طبيباً حاذقاً نصرانياً جاء للرشيد فناظر علي بن الحسين الواقدي ذات يوم فقال له إن في كتابكم ما يدل على أن عيسى جزء من الله وتلا هذه الآية أي قوله (وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه) وقال إذن يلزم أن يكون جميع تلك الأشياء جزءاً منه سبحانه، فانقطع النصراني وأسلم، وفرح الرشيد فرحاً شديداً، وأعطى للواقدي صلة فاخرة. وذلك الولد (اسمه المسيح عيسى ابن مريم) المسيح اختلف فيه من ماذا أخذ فقيل من المسح لأنه مسح الأرض أي ذهب فيها فلم يستكن بكن، وقيل إنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برىء فسمي مسيحاً، فهو على هذين فعيل بمعنى فاعل، وقيل لأنه كان يمسح بالدهن الذي كانت الأنبياء تمسح به، وقيل إنه كان ممسوح الأخمصين، وقيل لأن الجمال مسحه وقيل لأنه مسح بالتطهير من

الذنوب، وهو على هذه الأربعة الأقوال فعيل بمعنى مفعول. وقال أبو الهيثم المسح ضد المسخ بالخاء المعجمة، وقال ابن الأعرابي المسيح الصديق، وقال أبو عبيد أصله بالعبرانية مشيخاً بالمعجمتين فعرب كما عرب موشى بموسى، وقال في الكشاف هو لقب من الألقاب المشرفة ومعناه باللغة العبرية المبارك. وأما الدجال فسمى مسيحاً لأنه ممسوح إحدى العينين، وقيل لأنه يمسح الأرض أي يطوف بلدانها إلا مكة والمدينة وبيت المقدس. وعيسى هو اسم أعجمي مأخوذ من العيس وهو بياض تعلوه حمرة، وقيل هو عربي مشتق من عاسه يعوسه إذا ساسه، وقال في الكشاف هو معرب من ايشوع انتهى. والذي رأيناه في الإنجيل في مواضع أن اسمه يشوع بدون همزة، وإنما قيل إن مريم مع أن الخطاب معها تنبيهاً على أنه يولد من غير أب فنسب إلى أمه. فإن قلت هذه ثلاثة أشياء الاسم والكنية واللقب، قلت المراد اسمه الذي يتميز به عن غيره وهو لا يتميز إلا بمجموع الثلاثة، وبهذا تعلم أن الخبر عن اسمه إنما هو مجموع الثلاثة من حيث المعنى لا كل واحد منهما على حياله، فهذا على حد: الرمان حلو حامض. وقال " ابن مريم " ولم يقل ابنك كما هو الظاهر إشارة إلى أنه يكنى بهذه الكنية المشتملة على الإضافة للظاهر وخاطبها بنسبته إليها تنبيهاً على أنها تلده بلا أب إذ عادة الناس نسبتهم إلى آبائهم، فأعلمت من نسبته إليها أنه لا ينسب إلا إلى أمه. (وجيهاً في الدنيا والآخرة) الوجيه ذو الوجاهة وهي القوة والمنعة ووجاهته في الدنيا النبوة وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة (ومن المقربين) عند الله يوم القيامة، وفيه تنبيه على علو منزلته وأنه رفعه إلى السماء.

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (47)

46

(ويكلم الناس في المهد وكهلاً) المهد مضجع الصبي في رضاعه، قاله ابن عباس ومهدت الأمر هيأته ووطأته، والكهل هو من كان بين سن الشباب والشيخوخة أي يكلم الناس حال كونه رضيعاً في المهد قبل وقت الكلام، وحال كونه كهلاً بالوحي والرسالة، قاله الزجاج. وقد ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة منهم عيسى، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يتكلم في المهد إلا عيسى وشاهد يوسف وصاحب جريج وابن ماشطة فرعون (¬1). وقال الخفاجي: الذين تكلموا في المهد أحد عشر نظمهم الجلال السيوطي في قوله: تكلم في المهد النبي محمد (¬2) ... ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبري جريج ثم شاهد يوسف ... وطفل لدى الأخذوذ يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التي ... يقال لها تزنى ولا تتكلم وماشطة في عهد فرعون طفلها ... وفي زمن الهادي المبارك يختم انتهى، وقال قتادة في المهد وكهلاً يعني يكلمهم صغيراً وكبيراً، قال ابن عباس الكهل هو من في سن الكهولة، وعن مجاهد قال الكهل الحليم. ¬

(¬1) مسلم 2550، البخاري 653. (¬2) هذا وأكثر ما يذكر في هذه الأبيات لا يصح.

وعن ابن عباس قال تكلم عيسى ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغ النطق والذي تكلم به هو قوله (إني عبد الله آتاني الكتاب) الآية وتكلم ببراءة أمه عما رماها به أهل القرية من القذف. قال ابن قتيبة لما كان لعيسى ثلاثون سنة أرسله الله فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه الله، وقال وهب مكث ثلاث سنين. قيل وفي الآية بشارة لمريم بأنه يبقى حتى يكتهل، وفيه أنه يتغير من حال إلى حال، ولو كان إلهاً لم يدخل عليه التغير، ففيه رد على النصارى، وقال الحسن ابن الفضل يكلم الناس كهلاً بعد نزوله من السماء، وفيه نص على أنه سينزل من السماء إلى الأرض. (ومن) العباد (الصالحين) مثل إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب وموسى وغيرهم من الأنبياء، وإنما ختم أوصافه بالصلاح لأنه لا يسمى المرء صالحاً حتى يكون مواظباً على النهج الأصلح والطريق الأكمل في جميع أحواله، وذلك يتناول جميع المقامات في الدين والدنيا في أفعال القلوب وفي أفعال الجوارح، ولهذا قال سليمان بعد النبوة وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين.

47

(قالت) على طريقة الاستبعاد العادي (رب أنىّ) كيف (يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) أي والحال أنه على حالة منافيه للحالة المعتادة من كون له أب ولم يصبني رجل بتزوج ولا غيره. (قال كذلك الله يخلق ما يشاء) يعني هكذا يخلق الله منك ولداً من غير أن يمسك بشر، وعبر هنا بالخلق وفي قصة يحيى بالفعل لما أن ولادة العذراء من غير أن يمسها بشر أبدع وأغرب من ولادة عجوز عاقر من شيخ، فكان الخلق المنبىء عن الاختراع أنسب بهذا المقام من مطلق الفعل. (إذا قضى أمراً) هو من كلام الله سبحانه وأصل القضاء الأحكام وقد تقدم وهو هنا الإرادة أي إذا أراد أمراً من الأمور (فإنما يقول له كن فيكون) من غير عمل ولا مزاولة وهو تمثيل لكمال قدرته.

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (48) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (49)

48

(ويعلمه) بالنون والياء وعلى كلتا القراءتين هو كلام مستأنف لأن النحاة وأهل البيان نصوا على أن الواو تكون للاستئناف أو عطف على يبشرك أو وجيهاً، وقال التفتازاني إنما يحسنان بعض الحسن على قراءة الياء، وأما على قراءة النون فلا يحسن إلا بتقدير القول أي إن الله يبشرك بعيسى ويقول نعلمه أو وجيهاً، ومقولاً فيه نعلمه. (الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل) الكتاب الكتابة أو جنس الكتب الإلهية قال ابن عباس: الكتاب الخط بالقلم، وكان أحسن الناس خطاً، والحكمة العمل، وقيل تهذيب الأخلاق.

49

(ورسولاً إلى بني إسرائيل) أي ويجعله رسولاً أو يكلمهم رسولاً أو أرسلت رسولاً إليهم في الصبا أو بعد البلوغ، وفي حديث أبي ذر الطويل " وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى ". (أني قد جئتكم بآية من ربكم) يعني بعلامة على صدق قولي، ولما قال ذلك لهم قالوا وما هذه الآية قال (أني أخلق) أي أصور وأقدر (لكم) خلقاً أو شيئاً (من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه) أي في ذلك الخلق أو ذلك الشيء أو في الطين، قيل: إنه لم يخلق غير الخفاش لما فيه من عجائب الصنعة فإن له ناباً وأسناناً وأذناً، والأنثى منه له ثدي، وتحيض وتطهر وتطير. قيل: إنهم طلبوا خلق الخفاش لما فيه من العجائب المذكورة، ولكونه

يطير بغير ريش ويلد كما يلد سائر الحيوان مع كونه من الطير ولا يبيض كما يبيض سائر الطيور ولا يبصر في ضوء النهار ولا في ظلمة الليل، وإنما يرى في ساعتين بعد غروب الشمس ساعة، وبعد طلوع الفجر ساعة، وهو يضحك كما يضحك الإنسان. وقيل: إن سؤالهم له كان على وجه التعنت، قيل كان يطير ما دام الناس ينظرونه فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتاً ليتميز فعل الله من فعل غيره، قال ابن عباس " إنما خلق عيسى طائراً واحداً وهو الخفاش ". وقال هنا (فأنفخ فيه) وفي المائدة (فتنفخ فيها) بإعادة الضمير هنا إلى الطير أو الطين وفي المائدة إلى هيئة الطير جرياً على عادة العرب في تقنتهم في الكلام. وخص ما هنا بتوحيد الضمير مذكراً وما في المائدة بجمعه مؤنثاً لأن ما هنا إخبار من عيسى قبل الفعل فوحده، وما في المائدة خطاب من الله له في القيامة، وقد سبق من عيسى الفعل مرات فجمعه، قاله الكرخي. (فيكون طيراً) اسم جنس يقع على الواحد والاثنين والجمع، وقرىء طائراً على التوحيد (بإذن الله) فيه دليل على أنه لولا الإذن من الله عز وجل لم يقدر على ذلك، وإن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى عليه السلام، قيل كانت تسوية الطين والنفخ من عيسى، والخلق من الله عز وجل. (وأبرىء الأكمه والأبرص) الأكمه هو يولد أعمى كذا قال أبو عبيدة، وقال ابن فارس: الكمه العمى يولد به الإنسان، وقد يعرض، يقال كمه يكمه كمهاً إذا عمي وكمهت عينه إذا أعميتها وقيل الأكمه الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل وقيل الأعمش وقيل هو الممسوح العين. والبرص معروف وهو بياض يظهر في الجلد، ولم تكن العرب تنفر من شيء نفرتها منه، يقال برص يبرص برصاً أصابه ذلك ويقال له الوضح، وفي الحديث " وكان بها وضح " والوضاح من ملوك العرب هابوا أن يقولوا له

الأبرص، ويقال للقمر أبرص لشدة بياضه وللوزغ سام أبرص لبياضه، والبريص الذي يلمع لمعان البرص ويقارب البصيص. وقد كان عيسى عليه السلام يبريء من أمراض عدة كما اشتمل عليه الإنجيل، وإنما خص الله سبحانه هذين المرضين بالذكر لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة، وقال السيوطي: لأنهما داءان أعْيَا الأطباء وكان بعثه في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفاً بالدعاء بشرط الإيمان. ولم يقل في هذين بإذن الله، لأنهما ليس فيهما كبير غرابة بالنسبة إلى الآخرين، فتوهم الألوهية فيهما بعيد، فلا يحتاج إلى التنبيه على نفيه خصوصاً وكان فيهم أطباء كثيرون. (وأحيي الموتى) أي وكذلك إحياء الموتى، قد اشتمل الإنجيل على قصص من ذلك، قال ابن عباس: قد أحيى أربعة أنفس: عازر وابن العجوز وابنه العاشر وسام ابن نوح، وكلهم بقي وولد له إلا سام، قيل وكان دعاؤه بإحيائهم يا حي يا قيوم (بإذن الله) كرره لنفي توهم الألوهية فيه لأن الإحياء ليس من جنس الأفعال البشرية فهو رد على النصارى. (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) أي بما أكلتم البارحة من طعام وما خبأتم منه، عن عمار بن ياسر قال: بما تأكلون من المائدة وما تدخرون منها، وكان أخذ عليهم في المائدة حين نزلت أن يأكلوا ولا يدخروا فأكلوا وادخروا وخانوا، فجعلوا قردة وخنازير، وفي هذا دليل قاطع على صحة نبوة عيسى معجزة عظيمة له. وهذا إخبار من المغيَّبات مع ما تقدم له من الآيات الباهرات وإخباره عن الغيوب بإعلام الله إياه بذلك، وهذا مما لا سبيل لأحد من البشر إليه إلا الأنبياء عليهم السلام، وأما أخبار المنجم والكاهن فلا بد لكل واحد منهما من مقدمات يرجع إليها ويعتمد في اخباره عليها، وقد يخطىء في كثير مما يخبر به. (إن في ذلك) المذكور من خلق الطير وغيره (لآية لكم) أي عبرة ودلالة على صدقي (إن كنتم مؤمنين) يعني مصدقين بذلك انتفعتم بهذه الآية.

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

50

(ومصدقاً) أي وجئتكم مصدقاً (لما بين يديّ من التوراة) وذلك لأن الأنبياء يصدق بعضهم بعضاً وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة وخمس وسبعون سنة (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) أي لأجل أحل لكم بعض الذي حرم عليكم من الأطعمة في التوراة كالشحوم وكل ذي ظفر كما في قوله تعالى (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) الآية، وقوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) وقيل إنما أحل لهم ما حرمته عليهم الأحبار ولم تحرمه التوراة. وقال أبو عبيدة يجوز أن يكون بعض بمعنى كل، قال القرطبي: وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل، ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرمته عليهم التوراة فإنه لم يحلل القتل ولا السرقة ولا الفاحشة وغير ذلك من المحرمات الثابتة في الإنجيل مع كونها ثابتة في التوراة وهي كثيرة يعرف ذلك من يعرف الكتابين. ولكنه قد يقع البعض موقع الكل مع القرينة، وعن وهب أن عيسى كان على شريعة موسى وكان يسبت ويستقبل بيت المقدس. وقال لبني إسرائيل إني لم أدعكم إلى خلاف حرف مما في التوراة إلا لأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وأضع عنكم الآصار.

وعن الربيع قال كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والثروب فأحلها لهم على لسان عيسى، وحرم عليهم الشحوم فأحلت لهم فيما جاء به عيسى، وفي أشياء من السمك، وفي أشياء من الطير وفي أشياء أخر حرمها عليهم وشدد عليهم فيها فجاءهم عيسى بالتخفيف منه في الإنجيل. (وجئتكم بآية من ربكم) هي قوله

51

(إن الله ربي وربكم) وإنما كان ذلك آية لأن من قبله من الرسل كانوا يقولون ذلك فمجيئه بما جاءت به الرسل يكون علامة على نبوته، ويحتمل أن تكون هذه الآية هي الآية المتقدمة فيكون تكريراً لقوله (إني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) الآية، وقيل هذه الجملة تأكيد للأولى، وقيل تأسيس لا توكيد. (فاتقوا الله) يا معشر بني إسرائيل فيما أمركم به ونهاكم عنه (وأطيعون) فيما أدعوكم إليه لأن طاعة الرسول من توابع تقوى الله (إن الله ربي وربكم فاعبدوه) وجميع الرسل كانوا على دين واحد وهو التوحيد، ولم يختلفوا في الله، وفيه حجة بالغة على نصارى وفد نجران ومن قال بقولهم (هذا صراط مستقيم) يعني التوحيد، فكذبوه ولم يؤمنوا به.

52

(فلما أحس عيسى منهم الكفر) أحس علم ووجد، قاله الزجاج، وقال أبو عبيدة: معنى أحس عرف، وأصل ذلك وجود الشيء بالحاسة، والإحساس العلم بالشيء، قال تعالى (هل تحس منهم من أحد) والمراد بالإحساس هنا الإدراك القوي الجاري مجرى المشاهدة وبالكفر إصرارهم عليه، وقيل سمع منهم كلمة الكفر، وقال الفراء أرادوا قتله. وعلى هذا فمعنى الآية فلما أدرك منهم عيسى إرادة قتله التي هي كفر، والذين أرادوا قتله هم اليهود وذلك أنهم كانوا عارفين من التوراة بأنه المسيح المبشر به في التوراة وأنه ينسخ دينهم، فلما أظهر عيسى الدعوة اشتد ذلك عليهم

وأخذوا في أذاه وطلبوا قتله وكفروا به فاستنصر عليهم كما أخبر الله عنه بقوله. (قال من أنصاري) الأنصار جمع نصير (إلى الله) أي متوجهاً إلى الله وملتجئاً إليه أو ذاهباً إليه، وقيل إلى بمعنى مع كقوله تعالى (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) وقيل المعنى من أنصاري في السبيل إلى الله، وقيل المعنى من يضم نصرته إلى نصرة الله. وقيل لما بعث الله عيسى وأمره بإظهار رسالته والدعاء إليه نفوه وأخرجوه من بينهم، فخرج هو وأمه يسيحان في الأرض يقول من أنصاري إلى الله. (قال الحواريون) جمع حواري، وحواري الرجل صفوته وخلاصته وهو مأخوذ من الحور وهو البياض عند أهل اللغة حورت الثياب بيضتها، والحواري من طعام ما حوري أي بيض، والحواري الناصر، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم لكل نبي حواري، وحواري الزبير، وهو في البخاري وغيره، قال ابن عباس كانوا صيادين، وقال الضحاك هم قصارون مر بهم عيسى فآمنوا به. وعن قتادة قال: الحواريون هم الذين تصلح لهم الخلافة، وقيل هم أصفياء الأنبياء، وقيل الحواري الوزير. وقد اختلف في سبب تسميتهم بذلك فقيل لبياض ثيابهم، وقيل لخلوص نياتهم، وقيل لأنهم خاصة الأنبياء وكانوا اثني عشر رجلاً وهم أول من آمن به. (نحن أنصار الله) أي أنصار دينه ورسله (آمنا بالله) استئناف جار مجرى العلة لما قبله فإن الإيمان يبعث على النصرة (واشهد) أنت يا عيسى لنا يوم القيامة (بأنا مسلمون) أي مخلصون لإيماننا منقادون لما تريد منا إيذاناً بأن غرضهم السعادة الأخروية.

رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)

53

(ربنا آمنا بما أنزلت) في كتبك، تضرع إلى الله سبحانه وعرض لحالهم عليه بعد عرضها على الرسول مبالغة في إظهار أمرهم (واتبعنا الرسول) أي عيسى وحذف المتعلق مشعر بالتعميم أي اتبعناه في كل ما يأتي به (فاكتبنا مع الشاهدين) لك بالوحدانية ولرسولك بالرسالة فأثبت أسماءنا بأسمائهم، واجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به، أو اكتبنا مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم وقيل مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته أنهم شهدوا له أنه قد بلغ وشهدوا للرسل أنهم قد بلغوا. (ومكروا) أي الذين أحس عيسى منهم الكفر وهم كفار بني إسرائيل إذ وكلوا به من يقتله غيلة أي خفية (ومكر الله) هو استدراجه للعباد من حيث لا يعلمون، قاله الفراء وغيره، وقال الزجاج مكر الله مجازاتهم على مكرهم. فسمى الجزاء باسم الإبتداء كقوله تعالى (الله يستهزيء بهم) وهو خادعهم. وأصل المكر في اللغة الاغتيال والخدع. حكاه ابن فارس. وعلى هذا فلا يسند إلى الله سبحانه إلا على طريق المشاكلة، وقيل مكر الله هنا إلقاء شبه عيسى على غيره ورفع عيسى إليه. أخرج ابن جرير عن السدى قال إن بني إسرائيل حصروا عيسى وتسعة عشر رجلاً من الحواريين في بيت، فقال عيسى لأصحابه من يأخذ صورتي فيقتل وله الجنة فأخذها رجل منهم، وصعد بعيسى إلى السماء فذلك قوله

54

(ومكروا ومكر الله) (والله خير الماكرين) أي أقواهم مكراً وأنفذهم كيداً وأقدرهم على إيصال الضرر بمن يريد ايصاله من حيث لا يحتسب.

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56)

55

(إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليّ) قال الفراء إن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره إني رافعك ومطهرك بعد إنزالك من السماء، قال أبو زيد: متوفيك قابضك، وقيل الكلام على حاله من غير ادعاء تقديم وتأخير فيه، والمعنى كما قال في الكشاف: مستوفى أجلك، ومعناه أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخر أجلك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم، عن مطر الوراق قال متوفيك من الدنيا وليس بوفاة موت. وإنما احتاج المفسرون إلى تأويل الوفاة بما ذكر لأن الصحيح أن الله تعالى رفعه إلى السماء من غير وفاة كما رجحه كثير من المفسرين، واختاره ابن جرير الطبرى. ووجه ذلك أنه قد صح في الأخبار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزوله وقتله الدجال، وقيل إن الله سبحانه توفاه ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السماء وفيه ضعف، وقيل المراد بالوفاة هنا النوم ومثله (هو الذي يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم وبه قال كثيرون. وقيل الواو في قوله (ورافعك) لا تفيد الترتيب لأنها لمطلق الجمع فلا فرق بين التقديم والتأخير قاله أبو البقاء، وقال أبو بكر الواسطي: المعنى إني متوفيك عن شهواتك وحظوظ نفسك، وهذا بالتحريف أشبه منه بالتفسير.

وعن سعيد بن المسيب قال: رفع عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة رفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من رمضان وحملت به أمه ولها ثلاث عشرة سنة، وولدته بمضي خمس وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل وعاشت بعد رفعه ست سنين. وأورد على هذا عبارة المواهب مع شرحها للزرقاني وإنما يكون الوصف بالنبوة بعد بلوغ الموصوف بها أربعين سنة إذ هو سن الكمال ولها تبعث الرسل، ومفاد هذا الحصر الشامل لجميع الأنبياء حتى يحيى وعيسى هو الصحيح، ففي زاد المعاد للحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى ما يذكر: أن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه، قال الشامي وهو كما قال، فإن ذلك إنما يروى عن النصارى، والمصرح به في الأحاديث النبوية أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة. ثم قال الزرقاني: وقع للحافظ الجلال السيوطي في تكملة تفسير المحلى وشرح النقاية وغيرهما من كتبه الجزم بأن عيسى رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ويمكث بعد نزوله سبع سنين، وما زلت أتعجب منه مع مزيد حفظه وإتقانه وجمعه للمعقول والمنقول حتى رأيته في (مرقاة الصعود) رجع عن ذلك انتهى. قلت: وفي حديث أبي داود الطيالسي بدل سبع سنين أربعين سنة ويتوفى ويصلى عليه، قال السيوطي: فيحتمل أن المراد مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده انتهى، وفيه ما تقدم. وأورد على قوله " ليلة القدر " أنها من خصائص هذه الأمة وربما يقال في الجواب لعل الخصوصية على الوجه الذي هي عليه الآن من كون العمل فيها خيراً من العمل في ألف شهر، ومن كون الدعاء فيها مجاباً حالاً بعين المطلوب

وغير ذلك فلا ينافي أنها كانت موجودة في الأمم السابقة لكن على مزية وفضل أقل مما هي عليه الآن. (ومطهرك) أي مبعدك ومخرجك (من الذين كفروا) أي من خبث جوارهم وسوء صحبتهم ودنس معاشرتهم برفعك إلى السماء وبعدك عنهم. قال الحسن: طهره من اليهود والنصارى والمجوس ومن كفار قومه، لأن كونه في جملتهم بمنزلة التنجيس له بهم، قاله الكرخي. (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) أي الذين اتبعوا ما جئت به وهم خلص أصحابه الذين لم يبلغوا في الغلو فيه إلى ما بلغ من جعله إلها، ومنهم المسلمون فإنهم اتبعوا ما جاء به عيسى عليه السلام ووصفوه بما يستحقه من دون غلو فلم يفرطوا في وصفه كما فرطت اليهود، ولا أفرطوا كما أفرطت النصارى، وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم. وقيل المراد بالآية أن النصارى الذين هم أتباع عيسى لا يزالون ظاهرين علي اليهود غالبين لهم قاهرين لمن وجد منهم فيكون المراد بالذين كفروا هم اليهود خاصة، وقيل هم الروم لا يزالون ظاهرين على من خالفهم من الكافرين، وقيل هم الحواريون لا يزالون ظاهرين على من كفر بالمسيح. وقيل هم المسلمون والنصارى. وعلى كل حال فغلبة النصارى لطائفة من الكفار أو لكل طوائف الكفار لا ينافي كونهم مقهورين مغلوبين لطوائف المسلمين كما يفيده الآيات الكثيرة بأن هذه الملة الإسلامية ظاهرة على كل الملل قاهرة لها مستعلية عليها. وقد أفرد الشوكاني هذه الآية بمؤلف سماه (وبل الغمامة في تفسير) (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) فمن أراد استيفاء ما في المقام فليرجع إلى ذلك.

وحاصل ما ذكره أن صيغة الذين اتبعوك من صيغ العموم، وكذلك صيغة الذين كفروا من صيغ العموم، والواجب العمل بما دل عليه النظم القرآني، وإذا ورد ما يقتضي تخصيصه أو تقييده أو صرفه عن ظاهره وجب العمل به، وإن لم يرد ما يقتضي ذلك وجب البقاء على معنى العموم، وظاهره شمول كل متبع، وأنه مجعول فوق كل كافر، وسواء كان الاتباع بالحجة أو بالسيف أو بهما. وفي كل الدين أو بعضه، وفي جميع الأزمنة والأمكنة والأحوال أو في بعضها. والمراد بالكافر الذي جعل المتبع فوقه كل كافر سواء كان كفره بالستر لما يعرفه من نبوة عيسى أو بالمكر به، أو بالمخالفة لدينه، إما بعدم التمسك بدين من الأديان قط كعبدة الأوثان والنار والشمس والقمر والجاحدين لله والمنكرين للشرائع، وإما مع التمسك بدين يخالف دين عيسى قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كاليهود وسائر الملل الكفرية. فالمتبعون لعيسى بأي وجه من تلك الوجوه هم المجعولون فوق من كان كافراً بأي تلك الأنواع. ثم بعد البعثة المحمدية لا شك أن المسلمين هم المتبعون لعيسى لإقراره بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتبشيره بها كما في القرآن الكريم والإنجيل، بل في الإنجيل الأمر لأتباع عيسى باتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فالمتبعون لعيسى بعد البعثة المحمدية هم المسلمون في أمر الدين، ومن بقي على النصرانية بعد البعثة المحمدية فهو وإن لم يكن متبعاً لعيسى في أمر الدين ومعظمه، لكنه متبع له في الصورة وفي الإسم وفي جزئيات من أجزاء الشريعة العيسوية، فقد صدق عليهم أنهم متبعون له في الصورة وفي الإسم، وفي شيء

مما جاء به، وإن كانوا على ضلال ووبال وكفر، فذلك لا يوجب خروجهم عن العموم المذكور في القرآن الكريم. ولا يستلزم اندراجهم تحت هذا العموم أنهم على شيء، بل هم هالكون في الآخرة وإن كانوا مجعولين فوق الذين كفروا، فذلك إنما هو في هذه الدار، ولهذا يقول الله جل وعلا بعد قوله (وجاعل الذين اتبعوك) الآية (ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) إلى قوله (لا يحب الظالمين). فالحاصل أن المجعولين فوق الذين كفروا هم أتباع عيسى قبل النبوة المحمدية، وهم النصارى والحواريون، وبعد النبوة المحمدية هم المسلمون والنصارى والحواريون، والأولون هم الأتباع حقيقة، وغيرهم هم الأتباع في الصورة، وقد جعل الله الجميع فوق الذين كفروا من اليهود وسائر الطوائف الكفرية. وقد كان الواقع هكذا فإن الملة النصرانية قبل البعثه المحمدية كانت قاهرة لجميع الملل الكفرية ظاهرة عليها، غالبة لها، وبعد البعثة المحمدية صارت جميع الأمم الكفرية نهبى بين الملة الإسلامية والملة النصرانية ما بين قتيل وأسير ومسلم للجزية وهذا يعرفه كل من له إلمام بأخبار العالم. ولكن الله تعالى جعل الملة الإسلامية قاهرة للملة النصرانية مستظهرة عليها. وفاء بوعده في كتابه العزيز كما في الآيات المشتملة على الأخبار بأن جنده هم الغالبون، وحزبه هم المنصورون، ومن ذلك قوله تعالى (فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين) (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً). وقد أخبر الصادق المصدوق بظهور أمته على جميع الأمم وقهر ملته لجميع الأمم. وبالجملة إنا إذا جردنا النظر إلى الملة الإسلامية والملة النصرانية فقد ثبت

في الكتاب والسنة ما يدل على استظهار الملة الإسلامية على الملة النصرانية، وإن نظرنا إلى جميع الملل فالملة الإسلامية والملة النصرانية هما فوق سائر الملل الكفرية لهذه الآية. ولا ملجىء إلى جعل الضمير المذكور في الآية وهو الكاف لنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - كما تكلفه جماعة من المفسرين، لأن جعله لعيسى كما يدل عليه السياق، بل هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، لا يستلزم إخراج الملة المحمدية بعد البعثة، إذ هم متبعون لعيسى كما عرفت سابقاً. ولا خلاف بين أهل الإسلام أن الملة النصرانية كانت قبل البعثة المحمدية هي القاهرة لجميع الملل الكفرية، فلم يبق في تحويل الضمير عن مرجعه الذي لا يحتمل السياق غيره فائدة إلا تفكيك النظم القرآني والإخراج له عن الأساليب البالغة في البلاغة إلى حد الإعجاز. ومن تدبر هذا الوجه الذي حررناه علم أنه قد أعطى التركيب القرآني ما يليق ببلاغته من بقاء عموم الموصول الأول والموصول الثاني وعدم التعرض لتخصيصه بما ليس بمخصص، وتقييده بما ليس بمقيد، وعدم الخروج عن مقتضى الظاهر في مرجع الضمائر وعدم ظن التعارض بين ما هو متحد الدلالة: انتهى. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن عيسى عليه السلام ينزل في آخر الزمان فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويحكم بين العباد بالشريعة المحمدية، ويكون المسلمون أنصاره وأتباعه إذ ذاك، فلا يبعد أن يكون في هذه الآية إشارة إلى هذه الحالة (¬1). (إلى يوم القيامة) غاية للجعل أو للاستقرار المقدر في الظرف لا على معنى أن ذلهم ينتهي يوم القيامة، بل على معنى أن المسلمين يعلونهم إلى تلك ¬

(¬1) مسلم/2940.

الغاية، فأما بعدها فيفعل الله بهم ما يريد كما ذكره بقوله (فأما الذين كفروا) الخ. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن النعمان بن بشير قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يبالون بمن خالفهم حتى يأتي أمر الله (¬1) " قال النعمان من قال إني أقول على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لم يقل فإن تصديق ذلك في كتاب الله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة). وأخرج ابن عساكر عن معاوية مرفوعاً نحوه، ثم قرأ معاوية الآية. عن ابن زيد قال النصارى فوق اليهود إلى يوم القيامة ليس بلد فيه أحد من النصارى إلا وهم فوق اليهود في شرق ولا غرب، وهم في البلدان كلها مستذلون. (ثم إليّ مرجعكم) أي مرجع الفريقين: الذين اتبعوا عيسى والذين كفروا به، والمرجع الرجوع، وتقديم الظرف للقصر (فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) أي من أمور الدين. ¬

(¬1) مسلم 1920، ابن ماجه المقدمة.

56

(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذاباً شديداً في الدنيا والآخرة) تفسير للحكم الواقع بين الفريقين إلى آخر الآية (¬1)، وتعذيبهم في الدنيا بالقتل والسبي والجزية والصغار، وأما في الآخرة فبعذاب النار (وما لهم من ناصرين) يمنعونهم من عذابنا من مقابلة الجمع بالجمع. ¬

(¬1) قيل المراد بهم هم اليهود والنصارى.

وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)

57

(وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) بالياء والنون (أجورهم) أي يعطيهم إياها كاملة موفرة (والله لا يحب الظالمين) نفي الحب كناية عن بغضهم، واستعمال عدم محبة الله في هذا المعنى شائع في جميع اللغات جار مجرى الحقيقة، وهي جملة تذييلية مقررة لما قبلها.

58

(ذلك) إشارة إلى ما سلف من نبأ عيسى وغيره (نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) المشتمل على الحكم أو المحكم الذي لا خلل فيه.

59

(إن مثل عيسى عند الله) أي شأنه الغريب، والجملة مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها تعلقاً صناعياً بل تعلقاً معنوياً، وزعم بعضهم أنها جواب قسم، وذلك القسم هو قوله (والذكر الحكيم) فالواو حرف جر لا حرف عطف وهذا بعيد أو ممتنع إذ فيه تفكيك لنظم القرآن وإذهاب لرونقه وفصاحته. (كمثل آدم) في الخلق والإنشاء تشبيه عيسى بآدم في كونه مخلوقاً بغير أب كآدم ولا يقدح في التشبيه اشتمال المشبه به على زيادة وهو كونه لا أم له كما أنه لا أب له، فذلك أمر خارج عن الأمر المراد بالتشبيه وإن كان المشبه به أشد غرابة من المشبه وأعظم عجباً وأغرب أسلوباً، وعبارة الكرخي هو تشبيه الغريب بالأغرب ليكون أقطع للخصم وأوقع في النفس، وبه قال السيوطي. (خلقه من تراب) جملة مفسرة لما أبهم في المثل وخبر مستأنف على جهة التفسير لحال خلق آدم أي أن آدم لم يكن له أب ولا أم بل خلقه الله من تراب، وقدره جسداً من طين، وفي ذلك دفع لإنكار من أنكر خلق عيسى من

غير أب مع اعترافه بأن آدم خلق من غير أب وأم. (ثم قال له كن) بشراً أي أنشأه خلقاً بالكلمة، وكذلك عيسى أنشأه خلقاً بالكلمة وقيل الضمير يرجع إلى عيسى (فيكون) أي فكان بشراً، أريد بالمستقبل الماضي أي حكاية حال ماضية. عن ابن عباس أن رهطاً من أهل نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان فيهم السيد والعاقب فقالوا ما شأنك تذكر صاحبنا. قال من هو قالوا عيسى تزعم أنه عبد الله، قالوا فهل رأيت مثل عيسى وأنبئت به، فخرجوا من عنده، فجاء جبريل فقال قل لهم إذا أتوك (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآية (¬1). وقد رويت هذه القصة على وجوه عن جماعة من الصحابة والتابعين، وأصلها عند البخاري ومسلم، وحكى أن بعض العلماء أسر في بعض بلاد الروم فقال لهم لم تعبدون عيسى؟ قالوا لأنه لا أب له، قال فآدم أولى لأنه لا أب له ولا أم، قالوا وكان يحيي الموتى فقال حزقيل أولى لأن عيسى أحيا أربعة نفر، وأحيا حزقيل أربعة آلاف، قالوا وكان يبرىء الأكمه والأبرص، قال فجرجيس أولى لأنه طبخ وأحرق ثم قام سليماً. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 368.

60

(الحق من ربك) أي جاءك الحق من ربك يعني الذي أخبرتك به من تمثيل عيسى بآدم هو الحق، والجملة على هذا خبر مبتدأ محذوف، وقيل مستأنفة برأسها، والمعنى أن الحق الثابت الذي لا يضمحل هو من ربك، ومن جملة ما جاء من ربك قصة عيسى وأمه فهو حق ثابت. (فلا تكن من الممترين) الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أي لا يكن أحد منهم ممترياً أو للرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويكون النهي له لزيادة التثبيت لأنه لا يكون منه شك في ذلك.

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)

61

(فمن) شرطية وهو الظاهر أو موصولة (حاجّك فيه) أي في عيسى وهو الأظهر، وقيل في الحق وهو الأقرب، والحاجة مفاعلة وهي من الاثنين وكان الأمر كذلك. (من بعد ما جاءك من العلم) بأن عيسى عبد الله ورسوله ومن للتبعيض أو لبيان الجنس (فقل تعالوا) العامة على فتح اللام لأنه أمر من تعالى يتعالى كترامى بترامى، وأصل ألفه ياء وأصل هذه الياء واو لأنه مشتق من العلو وهو الإرتفاع، تقول في الواحد تعال يا زيد، وفي الجمع المذكور تعالوا، وتقول يا زيدان تعاليا، ويا هندان تعاليا ويا نسوة تعالين، قال تعالى (فتعالين أمتّعكن). وقرأ الحسن (تعالوا) بضم اللام، وتعال فعل أمر صريح وليس باسم فعل لاتصال الضمائر المرفوعة البارزة به، قيل وأصله طلب الإقبال من مكان مرتفع تفاؤلاً بذلك وإذناً للمدعو لأنه من العلو والرفعة، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجيء حتى تقول ذلك لمن تريد إهانته كقولك للعدو " تعال " ولمن لا يعقل كالبهائم ونحوها، وقيل هو الدعاء لمكان مرتفع ثم توسع فيه حتى استعمل في طلب الإقبال إلى كل مكان حتى المنخفض. (ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) هذا وإن كان عاماً فالمراد الخاص وهم النصارى الذين وفدوا إليه - صلى الله عليه وسلم - من نجران كما أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن جابر قال قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - العاقب والسيد فدعاهما إلى الإسلام فقالا أسلمنا يا محمد - صلى الله عليه وسلم -

فقال كذبتما إن شئتما أخبرتكما ما يمنعكما من الإسلام، قالا فهات، قال حب الصليب وشرب الخمر وأكل لحم الخنزير (¬1). قال جابر فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على ذلك الغد فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه وأقرا له فقال " والذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما ناراً " قال جابر فيهم نزلت (قل تعالوا ندع أبناءنا) الآية. قال جابر " أنفسنا وأنفسكم " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلي، وأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، ورواه الحاكم من وجه آخر عن جابر وصححه وفيه أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هل لك أن نلاعنك. وأخرج مسلم والترمذي وابن المنذر والحاكم والبيهقي عن اسعد بن أبي وقاص قال لما نزلت هذه الآية (قل تعالوا) دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال اللهم هؤلاء أهلي (¬2). وأخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه (تعالوا ندع أبناءنا) الآية قال فجاء بأبي بكر وولده وبعمر وولده وبعثمان وولده وبعلي وولده. وممكن أن يقال هو على عمومه لجماعة أهل الدين وإن كان السبب خاصاً، فيدل على جواز المباهلة منه صلى الله عليه وآله وسلم لكل من حاجه في عيسى عليه السلام، وأمته أسوته. وضمير " فيه " لعيسى كما تقدم، والمراد بمجيء العلم هنا مجيء سببه وهو الآيات البينات، والمحاجة المخاصمة والمجادلة وتعالوا أي هلموا وأقبلوا، وأصله الطلب لإقبال الذوات، ويستعمل في الرأى إذا كان المخاطب حاضراً، كما تقول لمن هو حاضر عندك تعال ننظر في هذا الأمر. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 368. (¬2) ابن كثير 1/ 371.

واكتفى بذكر البنين عن البنات إما لدخولهن في النساء أو لكونهم الذين يحضرون مواقف الخصام دونهن. ومعنى الآية ليدع كل منا ومنكم أبناءه ونساءه ونفسه إلى المباهلة، وفيه دليل على أن أبناء البنات يسمون أبناء لكونه صلى الله عليه وآله وسلم أراد بالأبناء الحسنين كما تقدم. وإنما خص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل، وإنما قدمهم في الذكر على نفسه لينبه بذلك على لطف مكانهم وقرب منزلتهم. إن قلت القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب وهذا يختص به وبمن يباهله فلم ضم إليه الأبناء والنساء في المباهلة. قلت ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث تجرأ على تعريض أعزته، وفي الدلالة على ثقته بكذب خصمه ولأجل أن يهلك خصمه مع أعزته جميعاً لو تمت المباهلة. (ثم نبتهل) نتضرع إلى الله، وأصل الإبتهال الاجتهاد في الدعاء باللعن وغيره يقال بهله الله أي لعنه والبهل اللعن. قال أبو عبيد والكسائي نبتهل نلتعن، ويطلق على الاجتهاد في الهلاك قال في الكشاف: ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن إلتعاناً. أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " هذه الإخلاص، يشير بأصبعه التي تلي الأبهام، وهذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه، وهذا الابتهال فرفع يديه مداً ". قال في الجمل: وقع البحث عند شيخنا العلامة الدواني قدس الله سره في جواز المباهلة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكتب رسالة في شروطها المستنبطة من الكتاب والسنة والآثار وكلام الأئمة، وحاصل كلامه فيها أنها لا تجوز إلا في أمر مهمّ شرعاً وقع فيه اشتباه وعناد لا يتيسر دفعه إلا بالمباهلة

فيشترط كونها بعد إقامة الحجة والسعي في إزالة الشبهة، وتقديم النصح والإنذار، وعدم نفع ذلك ومساس الضرورة إليها انتهى من تفسير الكازروني انتهى. (قلت) وقد دعا الحافظ ابن القيم رحمه الله من خالفه في مسألة صفات الرب تعالى شأنه وإجرائها على ظواهرها من غير تأويل ولا تحريف ولا تعطيل إلى المباهلة بين الركن والمقام، فلم يجبه إلى ذلك وخاف سوء العاقبة، وتمام هذه القصة مذكور في أول كتابه المعروف بالنونية (¬1). وأتى سبحانه وتعالى هنا بثم تنبيهاً لهم على خطيئتهم في مباهلته كأنه يقول لهم لا تعجلوا وتأنوا لعله أن يظهر لكم الحق، فلذلك أتى بحرف التراخي (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) يعني منا ومنكم بأن نقول اللهم العن الكاذب في شأن عيسى أي الذي يقول إنه ابن الله ويقول إنه إله، هذه جملة مبينة لمعناه. وفي الآية دليل قاطع وبرهان ساطع على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه لم يرو أحد من موافق ومخالف أنهم أجابوا إلى المباهلة، لأنهم عرفوا صحة نبوته وما يدل عليها في كتبهم. ¬

(¬1) القصيدة النونية للإمام ابن القيم تبلغ أكثر من ستة آلاف بيت ذكر فيها جميع الفرق الإسلامية. السلفية والخلفية، وانتصر فيها للسلف وبين زيغ الخلف، وقد شرحها العلامة خليل الهراس من علماء الأزهر في جزأين وطبعها بمطبعة الإمام 13 شارع قرقول المنشية بالقلعة بمصر.

62

(إن هذا) أي الذي قصه الله على رسوله من نبأ عيسى (لهو القصص الحق) القصص التتابع يقال فلان يقص أثر فلان أي يتبعه، فأطلق على الكلام الذي يتبع بعضه بعضاً، وضمير الفصل للحصر ودخول اللام عليه لزيادة تأكيده، وزيادة من في قوله (وما من إله) لتأكيد العموم والاستغراق (إلا الله) وهو رد على من " قال " بالتثليت من النصارى (وإن الله لهو العزيز) أي الغالب المنتقم ممن عصاه وخالف أمره، وادعى معه إلهاً آخر (الحكيم) أي في تدبيره، وفيه رد على النصارى لأن عيسى لم يكن كذلك.

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

63

(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإيمان ولم يقبلوه (فإن الله عليم بالمفسدين) أي الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى عبادة غيره وفيه وعيد وتهديد لهم شديد.

64

(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلا كلمة سواء بيننا وبينكم) قيل الخطاب لأهل نجران بدليل ما تقدم قبل هذه الآية، وقيل ليهود المدينة، وقيل لليهود والنصارى جميعاً، وهو ظاهر النظم القرآني، ولا وجه لتخصيصه بالبعض، لأن هذه دعوة عامة لا تختص بأولئك الذين حاجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بالسواء العدل. قال الفراء يقال في معنى العدل سوى وسواء. فإذا فتحت السين مددت وإذا ضممت أو كسرت قصرت، وفي قراءة ابن مسعود (إلى كلمة عدل) فالمعنى أقبلوا إلى ما دعيتم إليه وهي الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق، والعرب تسمى كل قصة أو قصيدة لها أول وآخر وشرح " كلمة " وقد فسرها بقوله (أن لا نعبد إلا الله) أي هي أن لا نعبد (ولا نشرك به شيئاً) وذلك أن النصارى عبدوا غير الله وهو المسيح وأشركوا به وهو قولهم أب وابن وروح القدس، فجعلوا الواحد ثلاثة. وقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال حدثني أبو سفيان أن هرقل دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقرىء فإذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم

يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين (¬1) ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، إلى قوله بأنا مسلمون (¬2) ". وأخرج الطبراني عن ابن عباس أن كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكفار (تعالوا إلى كلمة) الآية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا يهود المدينة إلى ما في هذه الآية فأبوا عليه فجاهدهم حتى أقروا بالجزية، وعن قتادة قال ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا يهود أهل المدينة إلى الكلمة السواء. (ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله) تبكيت لمن اعتقد ربوبية المسيح وعزير، وإشارة إلى أن هؤلاء من جنس البشر، وبعض منهم، وإزراء على من قلد الرجال في دين الله فحلل ما حللوه وحرم ما حرموه عليه، فإن من فعل ذلك فقد اتخذ من قلده رباً، ومنه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله). قال ابن جريج لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله، ويقال إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة وإن لم يصلوا لهم، وعن عكرمة قال سجود بعضهم بعضاً. (فإن تولوا) أعرضوا عن التوحيد، قال أبو البقاء هو ماض ولا يجوز أن يكون التقدير فإن تتولوا لفساد العنى. وهذا الذي قاله ظاهر جداً قاله السمين (فقولوا) أي أنت والمؤمنون (اشهدوا بأنا مسلمون) موحدون لما لزمتكم الحجة فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم. ¬

(¬1) الأريسين: هم العامة. (¬2) صحيح مسلم 1773. البخاري 7.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (65) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (66)

65

(يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) لما ادعت كل طائفة من طائفتي اليهود والنصارى أن إبراهيم عليه السلام كان على دينهم، رد الله سبحانه ذلك عليهم وأبان بأن الملة اليهودية والملة النصرانية إنما كانتا من بعده. قال الزجاج هذه الآية أبين حجة على اليهود والنصارى أن التوراة والإنجيل نزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، وإسم الإسلام في كل كتاب، وفيه نظر فإن الإنجيل مشحون بالآيات من التوراة وذكر شريعة موسى والاحتجاج بها على اليهود، وكذلك الزبور فيه مواضع ذكر شريعة موسى، وفي أوائله التبشير بعيسى، ثم في التوراة ذكر كثير من الشرائع المتقدمة، يعرف كل هذا من يعرف هذه الكتب المنزلة. وقد اختلف في قدر المدة التي بين إبراهيم وموسى. والمدة التي بين موسى وعيسى، قال القرطبي يقال كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة، وكذا في الكشاف وقيل كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وسبعون سنة، وبين موسى وعيسى ألف وستمائة وإثنان وثلاثون سنة. وقيل كان بين إبراهيم وموسى خمسمائة سنة وخمس وستون سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة وعشرون سنة. عن ابن عباس قال اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى

الله عليه وآله وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى ما كان إبراهيم إلا نصرانياً فنزل فيهم (يا أهل الكتاب لم تحاجون) الآية (¬1)، وقد روى نحو هذا عن جماعة من السلف (أفلا تعقلون) أي تتفكرون في دحوض حجتكم وبطلان قولكم حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 372. وقد توسع ابن الجوزي في هذه المسألة في كتابه القيم زاد المسير 1/ 402.

66

(ها أنتم) يا (هؤلاء) الرجال الحمقى (حاججتم) ها للتنبيه وهو موضع النداء والمراد بهم أهل الكتابين، والمعنى جادلتم وخاصمتم، وفي (هؤلاء) لغتان المد والقصر (فيما لكم به علم) المراد هو ما كان في التوراة وإن خالفوا مقتضاه وجادلوا فيه بالباطل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) وهو زعمهم أن إبراهيم كان على دينهم بجهلهم بالزمن الذي كان فيه. وفي الآية دليل على منع الجدال بالباطل، بل ورد الترغيب في ترك الجدال من المحق كما في حديث " من ترك المراء ولو محقاً فأنا ضمينه على الله ببيت في ربض الجنة " وقد ورد تسويغ الجدال بالتي هي أحسن كقوله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) ونحو ذلك فينبغي أن يقصر جوازه على المواطن التي تكون المصلحة في فعله أكثر من المفسدة أو على المواطن التي المجادلة فيها بالمحاسنة لا بالمخاشنة. (والله يعلم) أي كل شيء فيدخل في ذلك ما حاججتم به دخولاً أولياً (وأنتم لا تعلمون) أي محل النزاع أو شيئاً من الأشياء التي من جملتها ذلك.

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (69) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (70)

67

(ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً) يعني مائلاً عن الأديان كلها إلى الدين المستقيم وهو الإسلام، وقيل الحنيف الذي يوحد ويختتن ويضحي ويستقبل الكعبة في صلاته وهو أحسن الأديان وأسهلها وأحبها إلى الله عز وجل. قال الشعبي: أكذبهم الله وأدحض حجتهم في هذه الآية (وما كان من المشركين) فيه تعريض بكون النصارى مشركين لقولهم بأن المسيح ابن الله، وكذلك اليهود حيث قالوا عزيز ابن الله.

68

(إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) أي أحقهم به وأخصهم الذين اتبعوا ملته واقتدوا بدينه (وهذا النبي) يعني محمداً - صلى الله عليه وسلم -، أفرده بالذكر تعظيماً له وتشريفاً وأولويته - صلى الله عليه وسلم - بإبراهيم من جهة كونه من ذريته ومن جهة موافقته لدينه في كثير من الشريعة المحمدية. (والذين آمنوا) معه من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - (والله ولي المؤمنين) بالنصر والمعونة. أخرج الترمذي والحاكم وصححه وابن جرير وابن المنذر وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن أبي حاتم عن ابن مسعود أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي خليل ربي " ثم قرأ هذه الآية (¬1). ¬

(¬1) كتاب التفسير 2/ 292.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحكم بن ميناء أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا معشر قريش إن أولى الناس بالنبي المتقون فكونوا أنتم سبيل ذلك فانظروا أن لا يلقاني الناس يحملون الأعمال وتلقوني بالدنيا تحملونها فأصد عنكم بوجهي ثم قرأ إن أولى الناس بإبراهيم الآية، وقال الحسن كل مؤمن ولي إبراهيم ممن مضى وممن بقى.

69

(ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) الطائفة هم يهود بني النضير وقريظة وبني قينقاع حين دعوا جماعة من المسلمين إلى دينهم، وقيل هم جميع أهل الكتاب فتكون (من) لبيان الجنس ولو مصدرية أي تمنت وأحبت إضلالكم أو حرف امتناع لامتناع والجواب محذوف أي لسروا بذلك وفرحوا؛ قاله السمين (وما يضلون إلا أنفسهم) جملة حالية للدلالة على ثبوت قدم المسلمين في الإيمان فلا يعود وبال من أراد فتنتهم إلا عليه (وما يشعرون) أن وبال الإضلال يعود عليهم. عن سفيان كل شيء في آل عمران من ذكر أهل الكتاب فهو في النصارى، ويدفع هذا أن كثيراً من خطابات أهل الكتاب المذكورة في هذه السورة لا يصح حملها على النصارى البتة، ومن ذلك هذه الآيات التي نحن بصدد تفسيرها، فإن الطائفة التي ودت إضلال المسلمين وكذلك الطائفة التي قالت آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار كما سيأتي من اليهود خاصة.

70

(يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله) المراد بآيات الله ما في كتبهم من دلائل نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - (وأنتم تشهدون) ما في كتبكم من ذلك ثم تكفرون به وتنكرونه، ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي، أو تشهدون بمثلها من آيات الأنبياء الذين تقرون بنبوتهم، أو المراد كتم كل الآيات عناداً وأنتم تعلمون أنها حق، وعن ابن جريج قال وأنتم تشهدون على أن الدين عند الله الإسلام، ليس لله دين غيره.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (71) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (72)

71

(يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) لبس الحق بالباطل خلطه بما يتعمدونه من التحريف، قال الربيع لم تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره الإسلام (وتكتمون الحق) شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - (وأنتم تعلمون) أي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل، وعن قتادة مثله.

72

(وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) هم رؤساؤهم وأشرافهم قالوا للسفلة من قومهم هذه المقالة، ووجه النهار أوله، وسمي وجهاً لأنه أحسنه، أمروهم بذلك لإدخال الشك على المؤمنين لكونهم يعتقدون أن أهل الكتاب لديهم علم، فإذا كفروا بعد الإيمان وقع الريب لغيرهم واعتراه الشك، وهم لا يعلمون أن الله قد ثبت قلوب المؤمنين ومكن أقدامهم فلا تزلزلهم أراجيف أعداء الله ولا تحركهم ريح المعاندين. عن ابن عباس قال: قال عبد الله ابن الصيف وعدي بن زيد والحرث بن عوف بعضهم لبعض تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية حتى نلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعون عن دينهم، فأنزل الله عليهم هذه الآية إلى قوله (واسع عليم) وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف.

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (73) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (74)

73

(ولا تؤمنوا) هذا من كلام اليهود بعضهم لبعض أي قال الرؤساء للسفلة لا تصدقوا تصديقاً صحيحاً (إلا لمن تبع دينكم) من أهل الملة التي أنتم عليها، وأما غيرهم ممن أسلم فأظهروا لهم ذلك خداعاً وجه النهار، واكفروا آخره ليفتتنوا. والمعنى أن ما بكم من الحسد والبغي، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، أولا تؤمنوا إيماناً صحيحاً وتقروا بما في صدوركم إقراراً صادقاً لغير من تبع دينكم، فعلتم ذلك ودبرتموه وإن المسلمين يحاجوكم يوم القيامة عند الله بالحق. وقال الأخفش المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم ولا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولا تصدقوا أن يحاجوكم، وقيل المراد لا تؤمنوا وجه النهار وتكفروا آخره إلا لمن تبع دينكم أي لمن دخل في الإسلام وكان من أهل دينكم قبل إسلامه، لأن إسلام من كان منهم هو الذي قتلهم غيظاً وأماتهم حسرة وأسفاً. وقيل لا تؤمنوا أي لا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أي أسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم ولا تفشوه إلا لإتباع دينكم. وقيل المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم بالمد على الاستفهام تأكيداً للإنكار الذي قالوه لا يؤتى أحد مثل ما أوتوه. وقال ابن جريج المعنى ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى،

وقيل المعنى لا تخبروا بما في كتابكم من صفة محمد- صلى الله عليه وسلم - إلا لمن تبع دينكم لئلا يكون ذلك سبباً لإيمان غيركم بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. واختلف الناس المفسرون والمعربون في هذه الآية على أوجه، وذكروا منها تسعة أوضحها وأقربها ما ذكرناه، وقال الفراء: يجوز أن يكون قد انقطع كلام اليهود عند قوله إلا لمن تبع دينكم، ثم قال الله سبحانه لمحمد - صلى الله عليه وسلم - (قل إن الهدى هدى الله) أي إن البيان الحق بيان الله بين (أن) لا (يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) على تقدير لا كقوله تعالى (يبين الله لكم أن تضلوا) أي لئلا تضلوا. (أو يحاجوكم عند ربكم) " أو " بمعنى حتى، كذلك قال الكسائي: وهي عند الأخفش عاطفة، وقد قيل إن هذه الآية أعظم آي هذه السورة إشكالاً وذلك صحيح. قال الواحدي: وهذه الآية من مشكلات القرآن وأصعبه تفسيراً وإعراباً، ولقد تدبرت أقوال أهل التفسير والمعاني في هذه الآية فلم أجد قولاً يطرد في الآية من أولها إلى آخرها مع بيان المعنى وصحة النظم انتهى، وقد لخصه من كلام الناس الشيخ سليمان الجمل مع اختلافه فمن شاء فليرجع إليه. (قل إن الفضل) يعني التوفيق للإيمان والهداية للإسلام (بيد الله يؤتيه من يشاء) أي من أرادة من خلقه وفيه تكذيب اليهود في قولهم أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم (والله واسع) أي ذو سعة يتفضل على من يشاء (عليم) بمن هو أهله.

74

(يختص برحمته من يشاء) قيل هي الإسلام وقيل هي القرآن وقيل هي النبوة، وقيل أعم منها، وهو رد عليهم ودفع لما قالوه ودبروه، وفيه دليل على أن النبوة لا تحصل إلا بالاختصاص والتفضل لا بالاستحقاق (والله ذو الفضل العظيم) أصل الفضل في اللغة الزيادة، وأكثر ما يستعمل في زيادة الإحسان، والفاضل الزائد على غيره في خصال الخير.

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

75

(ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) هذا شروع في بيان خيانة اليهود في المال بعد بيان خيانتهم في الدين، وقد تقدم تفسير القنطار، والدينار معروف، قالوا ولم يختلف وزنه أصلاً وهو أربعة وعشرون قيراطاً، كل قيراط ثلاث شعيرات معتدلات فالمجموع اثنتان وسبعون شعيرة. ومعنى الآية أن أهل الكتاب فيهم الأمين الذي يؤدي أمانته، وإن كانت كثيرة (¬1)، وفيهم الخائن الذي لا يؤدي أمانته وإن كانت حقيرة، ومن كان أمينا في الكثير فهو في القليل أمين بالأولى، ومن كان خائناً في القليل فهو في الكثير خائن بالأولى، وقال عكرمة: المؤدي النصارى، والذي لا يؤدي اليهود (إلا ما دمت عليه قائماً) استثناء مفرع أي لا يؤده إليك في حال من الأحوال إلا ما دمت مطالباً له مضيقاً عليه متقاضياً لرده. (ذلك) أي ترك الأداء المدلول عليه بقوله لا يؤده (بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) الأميون هم العرب الذين ليسوا بأهل كتاب أي ليس علينا فيما أصبنا من مال العرب سبيل، قاله قتادة وعن السدى نحوه، أو ليس علينا في ظلمهم حرج لمخالفتهم لنا في ديننا، وادعوا، لعنهم الله، أن ذلك في ¬

(¬1) هذا من إنصاف القرآن حيث يشهد بالخير لبعض الطوائف الأخرى.

كتابهم، فرد الله سبحانه عليهم بقوله (ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون). عن سعيد بن جبير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر (¬1)، أخرجه الطبراني وغيره مرسلاً. ¬

(¬1) أبو داود الباب 56 من كتاب المناسك، ابن ماجه باب 76 كتاب المناسك. قال القرطبي 4/ 117: الأمانة عظيمة القدر في الدين، ومن عظم قدرها أنها تقوم هي والرحم على جنبتي الصراط؛ كما في صحيح مسلم. فلا يمكن من الجواز إلا من حفظهما. وروى مسلم عن حذيفة قال حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم عن رفع الأمانة، قال: " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه " الحديث. وقد تقدم بكماله أول البقرة. وروى ابن ماجه حدثنا محمد ابن المصفى حدثنا محمد بن حرب عن سعيد بن سنان عن أبي الزاهرية عن أبي شجرة كثير ابن مرة عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً فإذا لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً نزعت منه الأمانة فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً.

76

(بلى) عليهم سبيل بكذبهم واستحلالهم أموال العرب، فقوله " بلى " إثبات لما نفوه من السبيل، قال الزجاج تم الكلام بقوله بلى ثم قال (من أوفى بعهده) الذي عهد إليه في التوراة من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبالقرآن وبأداء الأمانة إلى من ائتمنه، وقيل الضمير راجع إلى الموفي، وقيل إلى من، أو إلى الله تعالى (واتقى) الشرك أي فليس هو من الكاذبين (فإن الله يحب المتقين) الذين يتقون الشرك، وعموم المتقين قائم مقام العائد إلى " من " أي فإن الله يحبه، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر للإعتناء بشأنهم وإشارة إلى عمومه لكل متق.

77

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) (إن الذين يشترون) أي يستبدلون كما تقدم تحقيقه غير مرة (بعهد الله) هو ما عاهدوه عليه من الإيمان بالنبي - صلى الله عليه وسلم - (وأيمانهم) هي التي كانوا يحلفون إنهم يؤمنون به وينصرونه (ثمناً قليلاً) أي شيئاً يسيراً من حطام الدنيا وذلك أن المشتري يأخذ شيئاً ويعطي شيئاً فكل واحد من المعطى والمأخوذ ثمن للآخر فهذا معنى الشراء. قال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود ورؤسائهم، وقيل الأقرب حمل الآية على الكل ويدخل فيه جميع ما أمر الله به وجميع العهود والمواثيق المأخوذة من جهة الرسل وما يلزم الرجل نفسه من عهد وميثاق، فكل ذلك يجب الوفاء به وهو الأولى. (أولئك) الموصوفون بهذه الصفة (لا خلاق) نصيب (لهم في) نعيم (الآخرة ولا يكلمهم الله) بشيء أصلاً كما يفيده حذف المتعلق من التعميم أو لا يكلمهم الله بما يسرهم وقيل هو بمعنى الغضب (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) نظر رحمة (ولا يزكيهم) يطهرهم من دنس الذنوب بالعذاب المنقطع ولا يثني عليهم بجميل، بل يسخط عليهم ويعذبهم بذنوبهم كما يفيده قوله (ولهم عذاب أليم) مؤلم. أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من حلف على يمين هو فيها فاجر ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان " فقال الأشعث بن قيس في نزلت، وقد روى أن سبب نزول الآية أن رجلاً كان يحلف بالسوق لقد أعطى ما لم يعط بها أخرجه البخاري وغيره (¬1)، وقيل غير ذلك، وقد ورد في وعيد الأيمان الكاذبة أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن لا نطول بذكرها. ¬

(¬1) مسلم 138 - البخاري 1176، 1177.

78

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78) (وإن منهم لفريقاً) أي طائفة من اليهود (يلوون ألسنتهم بالكتاب) أصل اللي الميل والفتل، تقول لوى برأسه إذا أماله، ولويت عنقه أي فتلته، والمصدر اللي والليان ثم يطلق اللي على المراوغة في الحجج والخصومة تشبيهاً للمعاني بالإجرام، قاله السمين أي يميلون ويحرفون ويعدلون به عن القصد، ويعطفون، وتحريف الكلام تقليبه عن وجهه لأن المحرف يلوي لسانه عن سنن الصواب بما يأتي به من عند نفسه. والألسنة جمع لسان، وهذا على لغة من يذكره، وأما على لغة من يؤنثه فيقول هذه لسان فإنه يجمع على ألسن، وقال الفراء لم نسمعه من العرب إلا مذكراً، ويعبر باللسان عن الكلام لأنه ينشأ منه وفيه ويجري فيه أيضاً التذكير والتأنيث. (لتحسبوه) أي لتظنوا أن المحرف الذي جاؤوا به (من الكتاب) الذي أنزله الله على أنبيائه (وما هو) أي الذي حرفوه وبدلوه (من الكتاب) في الواقع وفي اعتقادهم أيضاً، والجملة حالية (ويقولون) على طريقة التصريح لا بالتورية والتعريض مع ما ذكر من اللي والتحريف (هو) أي المحرف (من عند الله) الحال أنه (ما هو من عند الله) إنما كرر هذا بلفظين مختلفين مع اتحاد المعنى لأجل التأكيد (ويقولون على الله الكذب) أي الأعم مما ذكر من التحريف واللي (وهم يعلمون) أنهم كاذبون مفترون. قال ابن عباس نزلت في اليهود والنصارى جميعاً، وذلك أنهم حرفوا التوراة والإنجيل وألحقوا في كتاب الله ما ليس منه.

79

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) (ما كان) أي ما ينبغي ولا يستقيم (لبشر) أي جميع بني آدم ولا واحد للفظ بشر كالقوم والرهط، بيان لافترائهم على الأنبياء إثر بيان افترائهم على الله، وإنما قيل " لبشر " إشعاراً بعلة الحكم فإن البشرية منافية للأمر الذي تقوّلوه عليه (أن يؤتيه الله الكتاب) الناطق بالحق (والحكم) يعني الفهم والعلم وقيل هو إمضاء الحكم من الله، والأول أولى (والنبوة) يعني المنزلة الرفيعة (ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله) أي هذه المقالة وهو متصف بتلك الصفة وفيه بيان من الله سبحانه لعباده أن النصارى افتروا على عيسى ما لا يصح عنه، ولا ينبغي أن يقوله. (ولكن) يقول (كونوا ربانيين) قال سيبويه: الرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون للمبالغة كما يقال لعظيم اللحية لحياني ولعظيم الجمة جماني ولغليظ الرقبة رقباني. وقيل الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، فكأنه يقتدي بالرب سبحانه في تيسير الأمور، وقال المبرد الربانيون أرباب العلم واحدهم رباني، من قوله ربه يربه فهو ربان إذا دبره وأصلحه، والياء للنسب، فمعنى الرباني العالم بدين الرب القوي التمسك بطاعة الله، وقيل العالم الحكيم أي كونوا ربانيين بسب كونكم عالمين فإن حصول العلم للإنسان والدراسة له يتسبب عنهما الربانية التي هي التعليم للعلم وقوة التمسك بطاعة الله، قال ابن عباس معناه: حكماء علماء.

وقيل الرباني العالم الذي يعمل بعلمه، وقيل العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، وقيل الجامع بين علم البصيرة والسياسة. ولما مات ابن عباس قال محمد بن الحنفية اليوم مات رباني هذه الأمة، وقيل هو ولاة الأمر والعلماء، وقال أبو عبيدة أحسب أن هذه الكلمة عبرانية أو سريانية. (بما كنتم تعلمون الكتاب) بالتخفيف والتشديد، قال مكي التشديد أبلغ لأن العالم قد يكون عالماً غير معلّم فالتشديد يدل على العلم والتعليم، والتخفيف إنما يدل على العلم فقط، ويؤيد الأولى (وبما كنتم تدرسون) بالتخفيف. والحاصل إن من قرأ بالتشديد لزمه أن يحمل الرباني على أمر زائد على العلم والتعليم، هو أن يكون مع ذلك مخلصاً أو حكيما أو حليماً حتى تظهر السببية، ومن قرأ بالتخفيف جاز له أن يحمل الرباني على العالم الذي يعلّم الناس، فيكون المعنى كونوا معلمين بسبب كونكم علماء، وبسبب كونكم تدرسون العلم. وفي هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وإن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله سبحانه، والدراسة مذاكرة العلم والفقه، فدلت الآية على أنّ العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً فمن اشتغل بها لا لهذا المقصود فقد ضاع علمه وخاب سعيه (¬1). ¬

(¬1) روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حرّ ولا مملوك إلا ولله عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ويتفقه في دينه -ثم تلا هذه الآية- ولكن كونوا ربانيين " الآية. رواه ابن عباس.

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)

80

(ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً) أي ليس له أن يأمر بعبادة نفسه ولا أن يأمر باتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً بل ينهى عنه، والمعنى يقول ويأمر، وقيل ولا أن يأمركم وقرىء على الاستئناف برفع الراء أي لا يأمركم الله أو محمد أو عيسى أو الأنبياء. (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) قاله على طريق التعجب والإنكار يعني لا يقول هذا ولا يفعله، وقد استدل من قال إن سبب نزول الآية استئذان من استأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين في أن يسجدوا له.

81

(وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما) بفتح اللام للابتداء وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق وبكسرها متعلقة بأخذ، وما موصولة على الوجهين أي للذي (آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) وجواب القسم لتؤمنن به ولتنصرنه. قد اختلف في تفسير هذه الآية فقال سعيد بن جبير وقتادة وطاوس والحسن والسدى أنه أخذ الله ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً بالإيمان، ويأمر بعضهم بعضاً بذلك، فهذا معنى النصرة له والإيمان به وهو ظاهر الآية. فحاصله أن الله أخذ ميثاق الأول من الأنبياء أن يؤمن بما جاء به الآخر

وينصره إن أدركه، وإن لم يدركه يأمر قومه بنصرته إن أدركوه، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وقال الكسائي يجوز أن يكون معناها وإذ أخذ الله ميثاق الذين مع النبيين، ويؤيده قراءة ابن مسعود (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) وقيل في الكلام حذف والمعنى: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ليعلّمنّ الناس ما جاءهم من كتاب وحكمة وليأخذنّ على الناس أن يؤمنوا، ودل على هذا الحذف قوله (وأخذتم على ذلكم إصري) قيل إنما أخذ الميثاق في أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة وبه قال علي وابن عباس وقتادة والسدى. وقيل أخذ الميثاق على الأنبياء وأممهم جميعاً في أمره - صلى الله عليه وسلم -، فاكتفى بذكر الأنبياء لأن العهد مع المتبوع عهد مع الأتباع، وبه قال علي بن أبي طالب والأول أولى وبه قال كثير من المفسرين، والرسول محمد- صلى الله عليه وسلم - الذي ذكر في التوراة والإنجيل وصفه وشرح فيهما أحواله. قال البغوي: أخذ الله هذا الميثاق منهم حين استخرج الذرية من صلب آدم، وقال الرازي: هذا الميثاق ما قرر في عقولهم من الدلائل الدالة على أن الانقياد لله واجب والأول أولى وهو الظاهر من الآية. (قال) الله تعالى للنبيين (أأقررتم) بالإيمان به والنصر له أو قال كل نبي لأمته أأقررتم، والأول أولى (وأخذتم على ذلك إصري) أي عهدي، والإصر في اللغة الثقل، سمي العهد إصراً لما فيه من التشديد (قالوا أقررنا) بما ألزمتنا من الإيمان برسلك. (قال) الله تعالى (فاشهدوا) أي أنتم على أنفسكم أو ليشهد بعضكم على بعض، وقيل الخطاب للملائكة، والأول أولى (وأنا معكم) أي على إقراركم وشهادة بعضكم على بعض (من الشاهدين) هذا هو الخبر لأنه محط الفائدة.

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83) قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

82

(فمن تولى) أي أعرض عما ذكر (بعد ذلك) الميثاق (فأولئك هم الفاسقون) أي الخارجون عن الطاعة والغائصون في الكفر، وأعاد الضمير في (تولى) مفرداً على لفظ (من) وجمع أولئك حملاً على المعنى.

83

(أفغير دين الله يبغون) عطف على مقدر أي تتولون فتبغون غير دين الله، وتقديم المفعول لأنه المقصود بالإنكار، وقرأ أبو عمرو وحده يبغون بالتحتية، وترجعون بالفوقية قال لأن للأول خاص، والثاني عام، ففرق بينهما لافتراقهما في المعنى، وكيف يبغون غير دينه (و) الحال أنّ (له أسلم) أي خضع وانقاد (من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً) أي طائعين ومكرهين والطوع الانقياد والاتباع بسهولة، والكره ما فيه مشقة وهو من أسلم مخافة القتل، وإسلامه استسلام منه. أخرج الطبراني بسند ضعيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (وله أسلم) قال أما من في السموات فالملائكة، وأما من في الأرض فمن ولد على الإسلام، وأما كرهاً فمن أتى به من سبايا الأمم في السلاسل والأغلال يقادون إلى الجنة وهم كارهون (¬1). وأخرج الديلمي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 378.

قال ابن عباس: أسلم من في السموات والأرض حين أخذ عليهم الميثاق، وعن قتادة قال أما المؤمن فأسلم طائعاً فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم حين رأى بأس الله فلم ينفعه ولم يقبل منه فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من ساء خلقه من الرقيق والدواب والصبيان فاقرؤا في أذنه أفغير دين الله يبغون (¬1). وأخرج ابن السني في (عمل يوم وليلة) عن يونس بن عبيد قال ليس رجل يكون على دابة صعبة فيقرأ في أذنها أفغير دين الله يبغون الآية إلا ذلت (¬2) بإذن الله عز وجل (وإليه يرجعون) أي مرجع الخلق كلهم إلى الله يوم القيامة، ففيه وعيد عظيم لمن خالفه في الدنيا. ¬

(¬1) هذا والذي قبله في النفس منه شيء. (¬2) هذا والذي قبله في النفس منه شيء.

84

(قل آمنا بالله وما أنزل على إبراهيم واسمعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم) إخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه وعن أمته، وإنما خص هؤلاء بالذكر لأن أهل الكتاب يعترفون بوجودهم ولم يختلفوا في نبوتهم، وعدّى الإنزال هنا بعلى، وفي البقرة بإلى، لأنه يصح تعديته بكل، فله جهة علو باعتبار ابتدائه وانتهائه باعتبار آخره، وهو باعتبار ابتدائه متعلق بالنبي، وباعتبار انتهائه متعلق بالمكلفين، ولما خص الخطاب هنا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ناسب الاستعلاء، ولما عم هناك جميع المؤمنين ناسبه الانتهاء، والأسباط كانوا اثني عشر وهم أولاد يعقوب وهم بالنسبة لإبراهيم أحفاده لأنهم أولاد ولده، فالمراد بالأسباط هنا الأحفاد لا المعنى اللغوي وهم أولاد البنات. (لا نفرق بين أحد منهم) كما فرقت اليهود والنصارى فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وقد تقدم تفسير هذه الآية (ونحن له مسلمون) أي منقادون مخلصون موحدون.

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86)

85

(ومن يبتغ غير الإسلام) العامة على إظهار هذين المثلين لأن بينهما فاصلاً، وهو الياء فلم يلتقيا في الحقيقة، وروي الإدغام مراعاة للفظ، وليس هذا مخصوصاً بهذه الآية بل كلما التقى فيه مثلان يجري فيه الوجهان نحو (يخل لكم، وإن يك كاذباً)، وقد استشكل على هذا نحو (يا قوم مالي، ويا قوم من ينصرني) فإنه لم يرو عن أبي عمرو خلاف في إدغامهما، وكان القياس يقتضي جواز الوجهين، لأن ياء المتكلم فاصلة تقديراً، قاله السمين. (ديناً فلن يقبل منه) يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وأن كل دين سواه غير مقبول لأن الدين الصحيح ما يرضي الله عن فاعله ويثيبه عليه (وهو في الآخرة من الخاسرين) أي الواقعين في الخسران يوم القيامة وهو حرمان الثواب وحصول العقاب. أخرج أحمد والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة فتقول يا رب أنا الصلاة فيقول إنك على خير، وتجيء الصدقة فتقول يا رب أنا الصدقة فيقول إنك على خير، ويجيء الصيام فيقول أنا الصيام، فيقول إنك على خير، ثم تجيء الأعمال، كل ذلك يقول الله إنك على خير، ثم يجيء الإسلام فيقول يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فيقول إنك على خير، بك اليوم آخذ وبك أعطي، قال الله تعالى في كتابه، يعني هذه الآية (¬1). ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 379.

86

(كيف يهدي الله) هذا الاستفهام معناه الجحد أي لا يهدي الله، ونظيره قوله تعالى (كيف يكون للمشركين عهد عند الله) أي لا عهد لهم، ويجوز أن يكون الاستفهام للتعجب والتعظيم لكفرهم بعد الإيمان أو للاستبعاد والتوبيخ فإن الجاحد عن الحق بعد ما وضح له منهمك في الضلال بعيد عن الرشاد، فليس للإنكار حتى يستدل به على عدم توبه المرتد، وإن كان إنكاراً فالاستثناء يمنعه، قاله الكرخي. (قوماً) إلى الحق (كفروا بعد إيمانهم و) بعدما (شهدوا أن الرسول حق و) بعدما (جاءهم البينات) من كتاب الله سبحانه ومعجزات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي كيف يهدى المرتدين والحال أنه لا يهدي من حصل منهم مجرد الظلم لأنفسهم ومنهم الباقون على الكفر، ولا ريب أن ذنب المرتد أشد من ذنب من هو باق على الكفر لأن المرتد قد عرف الحق ثم أعرض عنه عناداً وتمرداً. عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم ندم فأرسل إلى قومه أن سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل لي من توبه فنزلت هذه الآية إلى قوله (غفور رحيم) فأرسل إليه قومه وأسلم (¬1)، وروى هذا من طرق، وعنه أيضاً هم أهل الكتاب من اليهود عرفوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ثم كفروا به، وروى نحوه عن الحسن. ¬

(¬1) رواه النسائى وابن حبان وابن أبي حاتم والطبري والبيهقي والحاكم وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ورواه ايضاً وإسناده صحيح.

أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (90)

87

(أولئك) أي المتصفون بتلك الصفات السابقة (جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة أجمعين خالدين فيها) أي اللعنة أو النار المدلول بها عليها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة البقرة

88

(لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون) يؤخرون ويمهلون. ثم استثنى التائبين فقال

89

(إلا الذين تابوا من بعد ذلك) الارتداد (وأصلحوا) بالإسلام ما كان قد أفسدوه من دينهم بالردة، وفيه دليل على قبول توبة المرتد إذا رجع إلى الإسلام مخلصاً، ولا خلاف في ذلك فيما أحفظ وقيل ضمّوا إلى التوبة الأعمال الصالحة لأن التوبة وحدها لا تكفي حتى يضاف إليها العمل الصالح، وقيل أصلحوا باطنهم مع الحق بالمراقبات، وظاهرهم مع الخلق بالعبادات والطاعات، والأول ألصق بظاهر الآية (فإن الله غفور) لقبائحهم في الدنيا بالستر وقيل بإزالة العذاب (رحيم) في الآخرة بالعفو، وقيل بإعطاء الثواب.

90

(إن الذين كفروا) بعيسى (بعد إيمانهم) بموسى (ثم ازدادوا كفراً) بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، قال قتادة وعطاء الخرساني والحسن: نزلت في اليهود والنصارى كفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم بنعته وصفته، ثم ازدادوا بإقامتهم على كفرهم كفراً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل ازدادوا كفراً بالذنوب التي اكتسبوها ورجحه ابن جرير الطبري وجعلها في اليهود خاصة.

وقيل نزلت في جميع الكفار، وذلك أنهم أشركوا بالله بعد إقرارهم بأن الله خلقهم، ثم ازدادوا كفراً يعني بإقامتهم على الكفر حتى هلكوا، وقيل زيادة كفرهم هو قولهم نتربص بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ريب المنون، وقيل نزلت في أحد عشر رجلاً من أصحاب الحارث بن سويد الذين ارتدوا عن الإسلام، فلما رجع الحارث أقاموا على كفرهم بمكة. وقد استشكل جماعة من المفسرين قوله تعالى (لن تقبل توبتهم) مع كون التوبة مقبولة كما في الآية الأولى وكما في قوله تعالى (هو الذي يقبل التوبة عن عباده) وغير ذلك فقيل المعنى لن تقبل توبتهم عند الموت، قال النحاس وهذا قول حسن كما قال تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيآت حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) وبه قال الحسن وقتادة وعطاء والسدي، ومنه حديث: " إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (¬1) ". وقيل المعنى لن تقبل توبتهم التي كانوا عليها قبل أن يكفروا لأن الكفر أحبطها، وقيل لن تقبل توبتهم إذا تابوا من كفر إلى كفر آخر، وقال ابن عباس إنهم الذين ارتدوا وعزموا على إظهار التوبة لستر أحوالهم، والكفر في ضمائرهم. وقال أبو العالية: هم قوم تابوا من ذنوب عملوها في حال الشرك، ولم يتوبوا من الشرك، وقال مجاهد: لن تقبل توبتهم إذا ماتوا على الكفر، وقال ابن جرير: هو الازدياد على الكفر بعد الكفر لا يقبل الله منه توبة ما أقام على كفره. (وأولئك هم الضالون) أي هم الذين ضلوا عن سبيل الحق وأخطئوا منهاجه والمراد هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفراً، والأولى أن يحمل عدم قبول التوبة في هذه الآية على من مات كافراً غير تائب، فكأنه عبر عن الموت على الكفر بعدم قبول التوبة. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1899.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92) ويكون قوله

91

(إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) في حكم البيان لها، قال ابن عباس: نزلت فيمن مات من أصحاب الحارث على الكفر، وقيل نزلت فيمن مات كافراً من جميع أصناف الكفار من أهل الكتاب وعبدة الأصنام، فالآية عامة فيهم (فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً) الملء بالكسر مقدار ما يملأ الشيء، والملء بالفتح مصدر ملأت الشيء والمعنى مقدار ما يملأ الأرض مشرقها ومغربها ذهباً، مع أنه أعز الأشياء وقيمة كل شيء. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت مفتدياً فيقول نعم فيقال له لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك فذلك قوله تعالى (إن الذين كفروا) الآية (¬1). (ولو افتدى به) قيل الواو زائدة مقحمة. وقيل الواو للعطف، والمعنى وكذلك لو افتدى من العذاب في الآخرة بملء الأرض ذهباً لن يقبل منه، وهذا آكد في التغليظ لأنه تصريح بنفي القبول في جميع الوجوه، أو المراد بالواو التعميم في الأحوال كأنه قيل لن يقبل منهم في جميع الأحوال ولو في حال افتدائه نفسه في الآخرة. (أولئك) إشارة إلى من مات على الكفر (لهم) أي استقر لهم (عذاب أليم) مؤلم (وما لهم) أي ما استقر لهم (من ناصرين) يمنعونهم من العذاب، وأتى بناصرين جمعاً لتوافق الفواصل. ¬

(¬1) مسلم 2805 - البخاري 1574.

عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله عز وجل لأهون أهل النار عذاباً يوم القيامة لو أن لك ما في الأرض من شيء أكنت تفتدى به فيقول نعم فيقول أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم عليه السلام أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا الشرك، هذا لفظ مسلم (¬1). ¬

(¬1) مسلم 2805.

92

(لن تنالوا البر) هذا كلام مستأنف خطاب للمؤمنين عقب ذكر ما لا ينفع الكفار، والنيل إدراك الشيء ولحوقه يقال نالني من فلان معروف ينالني أي وصل إلي والنوال العطاء من قولك نولته تنويلاً أي أعطيته. وقيل هو تناول الشيء باليد يقال نلته أناله نيلاً، قال تعالى (ولا ينالون من عدو نيلاً) وأما النول بالواو فمعناه التناول يقال نلته أنوله أي تناولته وأنلته زيداً أنيله إياه أي ناولته إياه. والبر فعل الخيرات والعمل الصالح، ففي الآية حذف المضاف أي ثوابه وهو الجنة، وقال ابن مسعود ابن عباس وعطاء وعمرو بن ميمون والسدى: هو الجنة. فمعنى الآية لن تنالوا العمل الصالح أو الجنة، وقيل التقوى وقيل الطاعة، وقيل الثواب، وأصل البر التوسع في فعل الخير، وقد يستعمل في الصدق وحسن الخلق. وعن النواس بن سمعان قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البر والإثم فقال " البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " أخرجه مسلم (¬1). والمعنى لن تصلوا ثواب البر المؤدي إلى الجنة (حتى تنفقوا) أي تصدقوا ¬

(¬1) مسلم 2553.

وحتى بمعنى إلى (مما تحبون) أي حتى تكون نفقتكم من أموالكم التي تحبونها، ومن تبعيضية؛ وقيل بيانية، وما موصولة أو موصوفة والمراد النفقة في سبل الخير من صدقة أو غيرها من الطاعات، وقيل المراد الزكاة المفروضة. قال البيضاوي: أي من المال أو مما يعمه وغيره كبذل الجاه في معاونة الناس، والبدن في طاعة الله، والمهجة في سبيله انتهى وكتعليم العلم. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن أبا طلحة لما نزلت هذه الآية أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسول الله إن أحب أموالي إليّ بير حاء وأنها صدقة، الحديث وقد روي بألفاظ (¬1). وعن ابن عمر لم أجد شيئاً أحب إلي من مرجانة جارية لي رومية فقلت هي حرة لوجه الله، الحديث أخرجه البزار وعبد بن حميد، وكذلك أعتق عمر جارية من سبي جلولاء، وجاء زيد بن حارثة بفرس له يقال له سبل لم يكن له مال أحب إليه منها فقال هي صدقة (¬2). (وما تنفقوا من شيء) بيان لقوله ما تنفقوا أي ما تنفقوا من أي شيء سواء كان طيباً أو خبيثاً جيداً أو رديئاً فيجازيكم بحسبه، وما شرطية جازمة (فإن الله به عليم) تعليل لجواب الشرط واقع موقعه. وفيه من الترغيب في إنفاق الجيد، والتحذير عن إنفاق الرديء ما لا يخفى. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 381. زاد المسير 421. (¬2) روى البخاري، ومسلم في " الصحيحين " من حديث أنس بن مالك قال: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. قال أنس: فلما نزلت: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) قام أبو طلحة، فقال: يا رسول الله إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها حيث أراك الله، فقال - صلى الله عليه وسلم -: " بخ بخ، ذاك مال رابح أو رائح [شك الراوي] وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " فقسمها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه.

93

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (93) (كل الطعام) أي المطعوم (كان حلاً) الحل مصدر يستوي فيه المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، وهو الحلال كما أن الحرم لغة في الحرام (لبني إسرائيل) هو يعقوب كما تقدم تحقيقه، يعني أن كل المطعومات كانت حلالاً لبني يعقوب لم يحرم عليهم شيء منها (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) مستثنى من اسم كان. وجوز أبو البقاء أن يكون مستثنى من ضمير مستتر في " حلاً " وفيه قولان (أحدهما) أنه متصل والتقدير إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه فحرّم عليهم في التوراة فليس منها ما زادوه من محرمات وادّعوا صحة ذلك (والثاني) أنه منقطع والتقدير لكن حرم إسرائيل على نفسه خاصة ولم يحرمه عليهم، والأول هو الصحيح قاله السمين. أخرج الترمذي وحسّنه عن ابن عباس أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه قال: كان يسكن البدو فاشتكى عرق النّسا فلم يجد شيئاً يلائمه إلا تحريم الإبل وألبانها فلذلك حرمها قالوا صدقت وذكر الحديث، وأخرجه أيضاً أحمد والنسائي (¬1). وفي رواية عنه الذي حرم إسرائيل على نفسه زائدتا الكبد والكليتان والشحم إلا ما كان على الظهر. وعرق النسا بفتح النون والقصر عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذ، قاله الكرخي ودواؤه ما ذكره القرطبي ونصه أخرج الثعلبي في تفسيره من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في عرق النسا تؤخذ إلية كبش ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 382.

عربي لا صغير ولا كبير فتقطع قطعاً صغاراً وتسلأ على النار ويؤخذ دهنها فيجعل ثلاثة أقسام يشرب المريض بذلك الداء على الريق كل يوم ثلثاً. قال أنس فوصفته لأكثر من مائة كلهم يبرأ بإذن الله تعالى. وفيه رد على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أن سبب ما حرّمه عليهم هو ظلمهم وبغيهم كما في قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم) الآية وقوله (وعلى الذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما، إلا قوله، ذلك جزيناهم ببغيهم) وقالوا إنها محرمة على من قبلهم من الأنبياء نوح وإبراهيم ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا كما حرمت على من قبلنا، يريدون بذلك تكذيب ما قصه الله سبحانه على نبينا - صلى الله عليه وسلم - في كتابه العزيز. (من قبل أن تنزّل التوراة) فإنها ناطقة بأن بعض أنواع الطعام إنما حرم بسبب إسرائيل وذلك بعد إبراهيم بألف سنة ولم يكن على عهده حراماً كما زعموا، وإنما قال " من قبل " لأن بعد نزولها حرم الله عليهم أشياء من أنواع الطعام. ثم أمر الله سبحانه بأن يحاجّهم بكتابهم ويجعل بينه وبينهم حكماً ما أنزله الله عليهم لا ما أنزل عليه فقال: (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها) حتى تعلموا صدق ما قصّه الله في القرآن من أنه لم يحرم على بني إسرائيل شيء من قبل نزول التوراة إلا ما حرمه يعقوب على نفسه (إن كنتم صادقين) في دعواكم أنه تحريم قديم. روى أنهم لم يجسروا على إخراج التوراة فلم يأتوا بها وخافوا الفضيحة وبهتوا، وفي هذا من الإنصاف للخصوم ما لا يقادر قدره ولا تبلغ مداه، وفيه من الحجة النيرة على صدق النبي وجواز النسخ الذي يجحدونه ما لا يخفى.

فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (95) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96)

94

(فمن افترى) الافتراء اختلاق الكذب والقذف والإفساد أصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود، وقال البيضاوي: افترى أي ابتدع، والجملة استئنافية أو منصوبة المحل، ومن شرطية أو موصولة (على الله الكذب من بعد ذلك) أي إحضار التوراة وتلاوتها متعلق بافترى، وهذا هو الظاهر أو بالكذب وجوزه أبو البقاء (فأولئك) فيه مراعاة معنى " من " كما في افترى مراعاة لفظها (هم الظالمون) أي المفرطون في الظلم المتبالغون فيه، فإنه لا أظلم ممن حوكم إلى كتابه وما يعتقده شرعاً صحيحاً ثم جادل من بعد ذلك مفترياً على الله الكذب. ثم لما كان ما يفترونه من الكذب بعد قيام الحجة عليهم بكتابهم باطلاً مدفوعاً، وكان ما قصه الله سبحانه في القرآن وصدّقته التوراة صحيحاً صادقاً، وكان ثبوت هذا الصدق بالبرهان الذي لا يستطيع الخصم دفعه، أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن ينادي لصدق الله بعد أن سجّل عليهم بالكذب فقال.

95

(قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم) أي ملة الإسلام التي أنا عليها (حنيفاً) قد تقدم معنى الحنيف كأنه قال لهم إذا تبين لكم صدقي وصدق ما جئت به فادخلوا في ديني فإن من جملة ما أنزله الله علي (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه). (وما كان) في أمر من أمور دينه أصلاً وفرعاً (من المشركين) الذين يدعون من الله إله آخر، ويعبدون سواه.

وفيه تعريض بإشراك اليهود، تصريح بأنه - صلى الله عليه وسلم - ليس بينه وبينهم علاقة دينية قطعاً، والغرض بيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على دين إبراهيم في الأصول لأنه لا يدعو إلا إلى التوحيد، والبراءة عن كل معبود سبحانه وتعالى قاله الكرخي.

96

(إن أول بيت) هذا شروع في بيان شيء آخر مما جادلت فيه اليهود بالباطل، وذلك أنهم قالوا إن بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لكونه مهاجر الأنبياء وأرض المحشر، وفي الأرض المقدسة وقبلتهم فرد الله ذلك عليهم، ونبّه تعالى بكونه أول متعبّد على أنه أفضل من غيره - والأول هو الفرد السابق المتقدم على ما سواه، وقيل هو اسم للشيء الذي يوجد ابتداء سواء حصل عقيبه شيء آخر أو لم يحصل. قال علي كانت البيوت قبله، ولكنه كان أول بيت وضع لعبادة الله قبل خلق آدم بألفي عام، ووضع بعده الأقصى وبينهما أربعون سنة كما في حديث الصحيحين، وهذا يقتضي أن الأقصى، بنته الملائكة أيضاً .. وقد اختلف في الباني له في الابتداء فقيل الملائكة، وقيل آدم، وقيل إبراهيم، ويجمع بين ذلك بأن أول من بناه الملائكة ثم جدده آدم ثم إبراهيم. (وضِع للناس) أي جميعهم كما قال (سواء العاكف فيه والباد) وضعه الله موضعاً للطاعات والعبادات، وقبلة للصلاة ومقصداً للحج والعمرة، ومكاناً للطواف تزداد فيه الخيرات وثواب الحسنات وأجر الطاعات. (للّذي ببكّة) بكة علم للبلد الحرام وكذا مكة وهما لغتان، فإن العرب تعاقب بين الباء والميم كلازب ولازم، ونبيت ونميت، اسم موضع، وراتب وراتم، وقيل أن بكة اسم لموضع البيت، ومكة اسم للبلد الحرام، وقيل بكة للمسجد ومكة للحرم كله، قيل سميت بذلك لأنها كانت تبك أي تدق أعناق الجبابرة.

وأما تسميتها بمكة فقيل سميت بذلك لقلة مائها. وقيل لأنها تمكّ المخ من العظم بما ينال سكانها من المشقة، ومنه مككت العظم إذا أخرجت ما فيه، ومكّ الفصيل ضرع أمه وامتكه إذا امتصّه، وقيل سميت بذلك لأنها تمك من ظلم فيها أي تهلكه، وقيل لأنها تمك الذنوب أي تزيلها وتمحوها. (مباركاً) يعني ذا بركة، وأصل البركة النمو والزيادة، والبركة هنا كثرة الخير الحاصل لمن استقر فيه أو يقصده أي الثواب المتضاعف. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " أخرجه البخاري ومسلم (¬1). (وهدى للعالمين) أي لأنه قبلة للمؤمنين يهتدون به إلى جهة صلاتهم، وقيل لأن فيه دلالة على وجود الصانع المختار لما فيه من الآيات التي لا يقدر عليها غيره، وقيل هدى لهم إلى الجنة. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول، قال: المسجد الحرام، قلت ثم أي قال المسجد الأقصى، قلت كم بينهما قال أربعون سنة (¬2). وعن ابن عمر قال خلق الله البيت قبل الأرض بألفي سنة، " وكان إذ كان عرشه على الماء زبدة بيضاء وكانت الأرض تحته كأنها حشفة فدحيت الأرض من تحته " أخرجه الطبراني والبيهقي في الشعب وابن جرير وابن المنذر. ¬

(¬1) مسلم 1394 البخاري 646. (¬2) مسلم 520 البخاري 1589.

97

فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) (فيه آيات بينات) أي دلالات واضحات على حرمته ومزيد فضله واحترامه، منها الصفا والمروة ومنها أثر القدم في الصخرة الصماء، ومنها أن الغيث إذا كان بناحية الركن اليماني كان الخصب في اليمن؟ وإذا كان بناحية الشامي كان الخصب في الشام، وإذا عم البيت في جميع البلدان، ومنها انحراف الطيور عن أن تمر على هوائه في جميع الأزمان، ومنها إهلاك من يقصده من الجبابرة؛ ومنها الحجر الأسود والملتزم وزمزم ومشاعر الحج. ومنها أن الآمر ببناء هذا البيت هو الله الجليل، والمهندس له جبريل، والباني هو إبراهيم الخليل، والمساعد في بنيانه هو اسمعيل، وهذه فضيلة عظيمة له، وغير ذلك من الآيات، وقد أوضحتها في كتابي (رحلة الصديق إلى البيت العتيق) فليرجع إليه، وهذه الجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب. (مقام إبراهيم) يعني الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وكان فيه أثر قدمي إبراهيم فاندرس من كثرة المسح بالأيدي. وقد استشكل صاحب الكشاف بيان الآيات وهي جمع، بالمقام وهو فرد، وأجاب بأن المقام جعل وحده بمنزله آيات لقوة شأنه أو بأنه مشتمل على آيات، قال ويجوز أن يراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم، وأمن من دخله، لأن الإثنين نوع من الجمع، وقال ابن عطية والراجح عندي أن المقام وأمن الداخلين جعلا مثالاً لما في حرم الله تعالى من الآيات، وخصا بالذكر لعظمهما وأنهما تقوم بهما الحجة على الكفار، إذ هم مدركون لهاتين الآيتين بحواسهم.

(ومن دخله كان آمناً) جمله مستأنفة من حيث اللفظ لبيان حكم من أحكام الحرم وهو أن من دخله كان آمناً، ومن حيث المعنى معطوفة على مقام إبراهيم الذي هو مبتدأ محذوف الخبر أي ومنها أمن داخله، ومن شرطية أو موصولة، وبه استدل من قال أن من لجأ إلى الحرم وقد وجب عليه حد من الحدود فإنه لا يقام عليه حتى لا يخرج منه، وهو قول أبي حنيفة ومن تابعه، وخالفه الجمهور، وقالوا تقام عليه الحدود من الحرم، وبه قال الشافعي. وقد قال جماعة إن الآية خبر في معنى الأمر أي ومن دخله فأمنوه كقوله: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال) أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. أخرج عبد بن حميد وغيره عن قتادة قال كان هذا في الجاهلية كان الرجل لو جر كل جريرة على نفسه ثم لجأ إلى الحرم لم يتناول ولم يطلب، فأما في الإسلام فإنه لا يمنع من حدود الله، من سرق فيه قطع، ومن زنى فيه أقيم عليه الحد، ومن قتل فيه قتل. وعن عمر بن الخطاب قال لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وعن ابن عباس من عاذ بالبيت أعاذه البيت ولكن لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى، فإذا خرج أخذ بذنبه، وروى عنه هذا المعنى من طرق، أخرجه ابن جرير وغيره. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي شريح العدوى قال قام النبي - صلى الله عليه وسلم - الغد من يوم الفتح فقال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لإمرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي في ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس (¬1). ¬

(¬1) مسلم 1354 البخاري 89.

وقيل المعنى من دخله عام عمرة القضاء مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان آمناً. وقيل من دخله معظماً له متقرباً بذلك إلى الله كان آمناً من العذاب يوم القيامة. وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: من مات في أحد الحرمين بعث يوم القيامة آمناً (¬1). وعنه: الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة ذكرهما أبو السعود ولم يخرجهما، وقيل آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك، والأول أولى. (ولله على الناس حج البيت) اللام في قوله (لله) هي التي يقال لها لام الإيجاب والإلزام، ثم زاد هذا المعنى تأكيداً حرف " على " فإنه من أوضح الدلالات على الوجوب عند العرب، كما إذا قال القائل لفلان علي كذا، فذكره الله سبحانه بأبلغ ما يدل على الوجوب تأكيداً لحقه وتعظيماً لحرمته. وهذا الخطاب شامل لجميع الناس لا يخرج عنه إلا من خصصه الدليل كالصبي والعبد، والمعنى ولله على الناس فرض حج البيت، والناس عام مخصوص بالمستطيع قد خصص ببدل البعض وهو قوله (من استطاع) لأنه من المخصصات عند الأصوليين. والحج بكسر الحاء وفتحها لغتان سبعيتان في مصدر حج بمعنى قصد، والحج أحد أركان الإسلام، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامة الصلاة. وإيتاء الزكاة، والحج وصوم رمضان " أخرجه البخاري ومسلم (¬2)، فعد النبي صلى الله عليه وسلم الحج من أركان الإسلام الخمسة. ¬

(¬1) الترمذي الباب 102 من كتاب الحج والنسائي الباب 41 من كتاب الجنائز. (¬2) مسلم 16 - البخاري 8.

وقد ورد في فضله وفضل البيت والعمرة أحاديث منها عن أبي سعيد الخدري قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى ". أخرجه الشيخان (¬1). وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " أخرجه البخاري ومسلم (¬2)، وفي الباب أحاديث لا نطيل بذكرها، وقد ذكرنا طرفاً منها في كتابنا رحلة الصديق. (من استطاع إليه سبيلاً) يعني من وجد السبيل إلى حج البيت الحرام من أهل التكليف لأنه المحدث عنه، وإن كان يحتمل رجوع الضمير للبيت. لكن الأول أولى. وقد اختلف أهل العلم في الاستطاعة ماذا هي، فقيل الزاد والراحلة، وبه فسره - صلى الله عليه وسلم -، رواه الحاكم وغيره، وإليه ذهب جماعة من الصحابة، وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم (¬3)، وهو الحق، وقال مالك إن الرجل إذا وثق بقوته لزمه الحج وإن لم يكن له زاد ولا راحلة إذا كان يقدر على الكسب. وبه قال ابن الزبير والشعبي وعكرمة، وقال الضحاك إن كان شاباً قوياً صحيحاً وليس له مال فعليه أن يؤاجر نفسه حتى يقضي حجه. ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة دخولاً أولياً أن تكون الطريق إلى الحج آمنة بحيث يأمن الحاج على نفسه وماله الذي لا يجد زاداً غيره، أما لو كانت غير آمنة فلا استطاعة لأن الله سبحانه يقول: (من استطاع إليه سبيلاً) وهذا الخائف على نفسه وماله لم يستطع إليه سبيلاً بلا شك وشبهة. ¬

(¬1) مسلم 1397 - البخاري 645. (¬2) مسلم 1349 - البخاري 905. (¬3) ابن كثير 1/ 386.

وقد اختلف أهل العلم إذا كان في الطريق من الظلمة من يأخذ بعض الأموال على وجه لا يجحف بزاد الحاج فقال الشافعي لا يعطي حبة ويسقط عنه فرض الحج، ووافقه جماعة، وخالفه آخرون، والظاهر أن من تمكن من الزاد والراحلة وكانت الطريق آمنة بحيث يتمكن من مرورها ولو بمصانعة بعض الظلمة بدفع شيء من المال يتمكن منه الحاج ولا ينقص من زاده ولا يجحف به فالحج غير ساقط عنه بل واجب عليه، لأنه قد استطاع السبيل بدفع شيء من المال. ولكنه يكون هذا المال المدفوع في الطريق من جملة ما يتوقف عليه الاستطاعة، فلو وجد الرجل زاداً وراحلة، ولم يجد ما يدفعه لمن يأخذ المكس في الطريق، لم يجب عليه الحج لأنه لم يستطع إليه سبيلاً، وهذا لا بد منه، ولا ينافي تفسير الاستطاعة بالزاد والراحلة فإنه قد تعذر المرور في طريق الحج لمن وجد الزاد والراحلة إلا بذلك القدر الذي يأخذه المكاسون. ولعل وجه قول الشافعي أنه يسقط الحج أن أخذ هذا المكس منكر فلا يجب على الحاج أن يدخل في منكر، وأنه بذلك غير مستطيع. ومن جملة ما يدخل في الاستطاعة أن يكون الحاج صحيح البدن على وجه يمكنه الركوب، فلو كان زمناً بحيث لا يقدر على المشي ولا على الركوب فهذا وإن وجد الزاد والراحلة فهو لم يستطع السبيل. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تفسير الاستطاعة أنها الزاد والراحلة بطرق كثيرة عن جماعة من الصحابة عند أهل السنن وغيرهم. وأقل أحوال هذا الحديث أن يكون حسناً لغيره فلا يضره ما وقع الكلام على بعض طرقه كما هو معروف. وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم النهي للمرأة أن تسافر بغير ذي

رحم محرم، واختلفت الأحاديث في قدر المدة، ففي لفظ ثلاثة أيام وفي لفظ يوم وليلة وفي لفظ بريد، وقد ذكر بعض المفسرين ههنا أحكاماً تتعلق بالحج وأطال في ذكرها، ومحلها كتب الفروع فلا نذكرها. (ومن كفر) " من " شرطية وهو الظاهر أو موصولة قيل إنه عبر بلفظ الكفر عن ترك الحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه، وقيل المعنى ومن كفر بفرض الحج ولم يره واجباً، وقيل أن من ترك الحج وهو قادر عليه فهو كافر، وعن ابن عمر: من كفر بالله واليوم الآخر، وعن ابن زيد من كفر بهذه الآيات. وعن ابن مسعود ومن كفر فلم يؤمن فهو الكافر، وقيل هو الذي إن حج لم يره براً، وإن قعد لم يره إثماً، وقيل نزلت في اليهود وغيرهم من أصحاب الملل. قالوا الحج غير واجب وكفروا به، وعلى هذا تكون الآية متعلقة بما قبلها، وقيل إنه كلام مستأنف كما تقدم عن ابن عمر. (فإن الله غني عن العالمين) الإنس والجن والملائكة وعن عبادتهم، وبالجملة في قوله هذا من الدلالة على مقت تارك الحج مع الاستطاعة وخذلانه وبعده من الله سبحانه ما يتعاظمه سامعه ويرجف له قلبه، فإن الله سبحانه إنما شرع لعباده هذه الشرائع لنفعهم ومصلحتهم، وهو تعالى شأنه وتقدس سلطانه غني لا تعود إليه طاعات عباده بأسرها بنفع. وقد وردت أحاديث في تشديد الوعيد على من ملك زاداً وراحلة ولم يحج فأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج بيت الله فلا عليه بأن يموت يهودياً أو نصرانياً (¬1)؛ وذلك بأن الله يقول (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 5872. تخريج مشكاة المصابيح/2521.

سبيلاً، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين). وفي إسناده هلال الخراساني أبو هاشم، قال البخاري منكر الحديث، وقيل هو مجهول، وقال ابن عدي هذا الحديث ليس بمحفوظ، وفي إسناده أيضاً الحارث الأعور وفيه ضعف. وقد ذكره الشوكاني في الموضوعات ثم قال: وقد حكم ابن الجوزي بضعفه ودفعه الحافظ ابن حجر بما هو معروف. وأخرج سعيد بن منصور وأحمد في كتاب الإيمان وأبو يعلى والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من مات ولم يحج حجة الإسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أي حال شاء يهودياً أو نصرانياً (¬1) ". وأخرج سعيد ابن منصور قال السيوطي بسند صحيح عن عمر بن الخطاب قال: لقد هممت أن أبعث رجالاً إلى هذه الأمصار فلينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم، ما هم بمسلمين. وأخرج الإسماعيلي عنه يقول من أطاق ولم يحج فسواء عليه يهودياً مات أو نصرانياً، قال ابن كثير بعد أن ساق إسناده: وهذا إسناد صحيح (¬2). وعن ابن عمر من مات وهو موسر ولم يحج جاء يوم القيامة وبين عينيه مكتوب كافر، وعنه من وجد إلى الحج سبيلاً سنة ثم سنة ثم سنة ثم مات ولم يحج لم يصل عليه ولا يدري مات يهودياً أو نصرانياً. وعن عمر بن الخطاب قال لو ترك الناس الحج لقاتلتهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة، ومن شاء استيفاء مسائله فليرجع إلى كتابي (رحلة الصديق إلى البيت العتيق). ¬

(¬1) الدارمي كتاب المناسك الباب الثاني. (¬2) ابن كثير 1/ 386.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (98) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (99)

98

(قل يا أهل الكتاب) خطاب لليهود والنصارى، وقيل لعلمائهم الذين علموا صحة نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتخصيصهم بالخطاب دليل على أن كفرهم أوضح وإن زعموا أنهم مؤمنون بالتوراة والإنجيل فهم كافرون بهما. (لم تكفرون بآيات الله) الدالة على صدق نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيما يدعيه من وجوب الحج وغيره، وقيل المراد بها القرآن، وقيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والاستفهام للإنكار والتوبيخ لأن يكون لكفرهم بها سبب من الأسباب (والله شهيد على ما تعملون) هذه الجملة الحالية مؤكدة للتوبيخ والإنكار؛ وهكذا المجيء بصيغة المبالغة في " شهيد " يفيد مزيد التشديد والتهويل.

99

(قل يا أهل الكتاب) أمر بتوبيخهم بإضلال غيرهم بعد توبيخهم بضلالهم (لم تصدون عن سبيل الله) الاستفهام يفيد ما أفاده الاستفهام الأول وكانوا يفتنون المؤمنين ويحتالون في صدهم عن الإسلام، ويقولون إن صفة محمد ليست في كتابنا ولا تقدمت به بشارة، وصد وأصد لغتان بمعنى تغير وأنتن، وسبيل الله دينه الذي ارتضاه لعباده وهو دين الإسلام. (من آمن) منهم بالفعل أو من أراد الإيمان من الكفار (تبغونهما عوجاً) بأن تلبسوا على الناس وتوهموا أن فيه ميلاً إلى الحق بنفي النسخ وتغيير صفة الرسول عن وجهها وغير ذلك، أي تبغون لأجلها عوجاً، والعوج الميل

والزيغ، يقال عوج بالكسر إذا كان في الدين والقول والعمل، وبالفتح في الأجسام كالجدار ونحوه، روى ذلك عن أبي عبيدة وغيره. والمعنى تطلبون لها اعوجاجاً وميلاً عن القصد والإستقامة بإيهامكم على الناس بأنها كذلك تنفيقاً لتحريفكم، وتقويماً لدعاويكم الباطلة، والهاء في تبغونها عائدة على السبيل، والسبيل يذكر ويؤنث، ومن التأنيث هذه الآية وقوله تعالى (هذه سبيلي). (وأنتم شهداء) جملة حالية أي والحال أنكم عالمون بأن الدين المرضي القيم هو دين الإسلام كما في كتابكم، يعني كيف تطلبون ذلك بملة الإسلام والحال أنكم تشهدون أنها دين الله الذي لا يقبل غيره، وأن فيها نعت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد وأنتم العقلاء، وقيل المعنى وأنتم شهداء بين أهل دينكم مقبولون عندهم، فكيف تأتون بالباطل الذي يخالف ما أنتم عليه بين أهل دينكم، وقيل وأنتم تشهدون المعجزات التي تظهر على يد محمد - صلى الله عليه وسلم - الدالة على نبوته. (وما الله بغافل عما تعملون) فيه وعيد شديد وتهديد لهم، وذلك أنهم لما كانوا يجتهدون ويحتالون بإلقاء الشبهة في قلوب الناس ليصدوهم عن سبيل الله والتصديق بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بطريق الخفية، ختمت الآية الكريمة بما يحسم مادة حيلتهم من إحاطة علمه تعالى بأعمالهم، كما أن كفرهم بآيات الله لما كان بطريق العلانية ختمت الآية السابقة بشهادته تعالى على ما يعملون.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (100) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (101) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) ثم توعدهم سبحانه بقوله

100

(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) خاطب سبحانه المؤمنين محذراً لهم عن طاعة اليهود والنصارى مبيناً لهم أن تلك الطاعة تفضي إلى أن يردوهم ويصيروهم بعد إيمانهم كافرين، والكفر يوجب الهلاك في الدنيا بوقوع العداوة والبغضاء وهيجان الفتنة والحرب وسفك الدماء، وفي الآخرة النار.

101

(وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله) الاستفهام للإنكار والاستبعاد أي من أين يأتيكم ذلك ولديكم ما يمنع منه، ويقطع أثره، وهو تلاوة آيات الله عليكم أي القرآن الذي فيه بيان الحق والباطل، وكون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يبين الحق ويدفع الشبهة بين أظهركم. وقيل (كيف) كلمة تعجب وتوبيخ والمراد منه المنع والتغليظ، قال قتادة في هذه الآية علمان بينان كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فأما النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد مضى، وأما كتاب الله فقد أبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة. وقال الزجاج يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -كان فيهم وهم يشاهدونه، ويجوز أن يكون الخطاب لجميع

الأمة لأن آثاره وعلامته والقرآن الذي أوتيه فينا فكأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينا وإن لم نشاهده أ- هـ. ثم أرشدهم إلى الإعتصام بالله ليحصل لهم بذلك الهداية إلى الصراط المستقيم الذي هو الإسلام فقال. (ومن يعتصم بالله) أي ممتنع بالله ويستمسك بدينه وطاعته، وقيل بالقرآن، وأصل العصمة الامتناع من الوقوع في آفة يقال اعتصم به واستعصم وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره، وعصمه الطعام منع الجوع منه، وفيه حث لهم في الإلتجاء إلى الله في دفع شر الكفار عنهم (فقد هدي إلى صراط مستقيم) أي طريق واضح وهو طريق الحق المؤدي إلى الجنة، وفي وصف الصراط بالاستقامة رد على ما ادعوه من العوج.

102

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) أي التقوى التي تحق له وهي أن لا يترك العبد شيئاً مما يلزمه فعله، ولا يفعل شيئاً مما يلزمه تركه، ويبذل في ذلك جهده ومستطاعه. قال القرطبي ذكر المفسرون أنها لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من يقوى على هذا، وشق عليهم ذلك فأنزل الله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) فنسخت هذه الآية روي ذلك عن قتادة والربيع وابن زيد، قال مقاتل وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذا. وقيل إن قوله اتقوا الله مبين لقوله (فاتقوا الله ما استطعتم) والمعنى اتقوا الله حق تقاته ما استطعتم، قال وهذا أصوب لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع، والجمع ممكن فهو أولى. قال ابن عباس في الآية هو أن يطاع فلا يعصى؛ ويشكر فلا يكفر ويذكر

فلا ينسى؟ وقال مجاهد هو أن تجاهدوا في الله حق جهاده ولا تأخذكم في الله لومة لائم. وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم. قال أنس لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى يخزن لسانه؛ وقيل (حق تقاته) واجب تقواه وهو القيام بالواجب واجتناب المحارم؛ وقيل غير ذلك؛ وتقاة مصدر وهو من باب إضافة الصفة إلى موصوفها إذ الأصل اتقوا الله التقاة الحق أي الثابتة. (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تكونوا على حال سوى حال الإسلام؛ وجاءت الحال جملة اسمية لأنها ابلغ وآكد؛ ولو قيل إلا مسلمين لم يفد هذا التأكيد. قال السيوطي في التحبير: من عجيب ما اشتهر في تفسير (مسلمون) قول العوام أي متزوجون وهو قول لا يعرف له أصل ولا يجوز الإقدام على تفسير كلام الله بمجرد ما يحدث في النفس أو يسمع ممن لا عمدة عليه انتهى. وقد تقدم في البقرة مثل هذه الآية وهو نهي في الصورة عن موتهم إلا على هذه الحالة، والمراد دوامهم على الإسلام وذلك أن الموت لا بد منه فكأنه قيل دوموا على الإسلام إلى الموت، وقريب منه ما حكى عن سيبويه " لا أرينك ههنا أي لا تكن بالحضرة فيقع عليك رؤيتي ". عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ هذه الآية فقال لو أن قطرة من الزقوم قطرت في دار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم، فكيف بمن يكون طعامه، أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح (¬1). ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 388. صحيح الجامع/5126.

103

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) (واعتصموا بحبل الله جميعاً) الحبل لفظ مشترك وأصله في اللغة السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو إما تمثيل أو استعارة مصرحة أصلية تحقيقية، أمرهم سبحانه بأن يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام أو بالقرآن. وقد وردت أحاديث بأن كتاب الله هو حبل الله، وأن القرآن هو حبل الله المتين (¬1)، قال أبو العالية: بالإخلاص لله وحده. وعن الحسن بطاعته، وعن قتادة بعهده وأمره، وعن ابن زيد بالإسلام. (ولا تفرقوا) بعد الإسلام كما تفرقت اليهود والنصارى أو كما كنتم في الجاهلية متدابرين. وقيل لا تحدثوا ما يكون عنه التفرق ويزول معه الإجتماع، والمعنى نهاهم عن التفرق الناشىء عن الاختلاف في الدين، وعن الفرقة، لأن كل ذلك عادة أهل الجاهلية. (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته اخواناً) أمرهم بأن يذكروا نعمة الله عليهم؛ لأن الشكر على الفعل أبلغ من الشكر على أثره، وبين لهم من هذه النعمة ما يناسب المقام وهو أنهم كانوا أعداء مختلفين يقتل بعضهم بعضاً وينهب بعضهم بعضاً، فأصبحوا بسبب هذه النعمة إخواناً في الدين، والولاية، ومعنى أصبحتم صرتم وليس المراد به معناه الأصلي وهو الدخول في وقت الصباح. ¬

(¬1) رواه الطبري وإسناده صحيح ولفظه: " إن الصراط تحضره الشياطين ينادون يا عبد الله هلم هذا الطريق ليصدوا في سبيل الله، فاعتصموا بحبل الله فإن حبل الله هو كتاب الله.

وعن ابن جريج في الآية قال: ما كان بين الأوس والخزرج في شأن عائشة، قال ابن عباس كانت الحرب بين الأوس والخزرج عشرين ومائة سنة حتى قام الإسلام وأطفأ الله ذلك وألف بينهم. (وكنتم) يا معشر الأوس والخزرج (على شفا) طرف (حفرة من النار) يعني ليس بينكم وبين الوقوع في النار إلا أن تموتوا على كفركم، ففي الكلام تشبيه، وشفا كل شيء حرفه وهو مقصور من ذوات الواو وجمعه أشفاء ويثنى بالواو نحو شفوان، ويستعمل مضافاً إلى أعلا الشيء وأسفله، فمن الأول شفا جرف، ومن الثاني هذه الآية، وأشفى على كذا أي قاربه، ومنه أشفى المريض على الموت. قال يعقوب: يقال للرجل عند موته، وللقمر عند انمحاقه، وللشمس عند غروبها ما بقي منه أو منها إلا شفا أي إلا قليل. (فأنقذكم منها) أي من هذه الحفرة بالإسلام، وهو تمثيل للحالة التي كانوا عليها في الجاهلية، قال السدي: يقول كنتم على طرف النار من مات منكم وقع في النار، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم واستنقذكم به من تلك الحفرة، وقيل منها أي من الشفا لأنه المحدث عنه، وتأنيث الضمير لاكتساب المضاف التأنيث من المضاف إليه. (كذلك) إشارة إلى مصدر الفعل الذي بعده أي مثل ذلك البيان البليغ (يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) إرشاد لهم إلى الثبات على الهدى والإزدياد منه.

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105)

104

(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير) كلمة " من " للتبعيض وقيل لبيان الجنس، وقيل للتبيين، وقيل زائدة ورجح القرطبي الأول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات يختص بأهل العلم الذين يعرفون كون ما يأمرون به معروفاً، وما ينهون عنه منكراً، وقد عينهم الله سبحانه بقوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة) الآية. وروى ابن مردويه عن أبي جعفر الباقر عنه صلى الله عليه وآله وسلم الخير اتباع القرآن وسنتي. وعن أبي العالية قال: كل آية ذكرها الله في القرآن في الأمر بالمعروف فهو الإسلام، والنهي عن المنكر، فهو عبادة الأوثان والشيطان انتهى، وهو تخصيص بغير مخصص، فليس في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يدل على ذلك. وقال مقاتل بن حيان يدعون إلى الإسلام، ويأمرون بطاعة ربهم، وينهون عن معصية ربهم، وعن الضحاك في الآية قال هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة وهم الرواة انتهى. ولا أدري ما وجه هذا التخصيص، فالخطاب في هذه الآية كالخطاب بسائر الأمور التي شرعها الله لعباده وكلفهم بها. وفي الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم

من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها. (ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) هذا من باب عطف الخاص على العام إظهاراً لشرفهما وإنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله به عباده بالدعاء إليه، كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة، وحذف متعلق الأفعال الثلاثة أي يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم أي كل من وقع منه سب يقتضي ذلك، والمعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل والشرع حسنه، والمنكر ضد ذلك، وهو ما عرف بالعقل والشرع قبحه. (وأولئك) إشارة إلى الأمة باعتبار اتصافها بما ذكر بعدها (هم المفلحون) أي المختصون بالفلاح الكاملون فيه الفائزون، وتعريف المفلحين للعهد أو للحقيقة التي يعرفها كل أحد.

105

(ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) هم اليهود والنصارى عند جمهور المفسرين فقد تفرق كل منهما فرقاً، واختلف كل منهما باستخراج التأويلات الزائغة وكتم الآيات النافعة وتحريفها لما أخلدوا إليه من حطام الدنيا، وقيل هم المبتدعة من هذه الأمة، وقيل الحرورية، والظاهر الأول. وقيل وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفروعية الاجتهادية فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث. وفيه نظر، فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض المسائل بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر ليس بصواب، فالمسائل الشرعيه متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع. أخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة وتفرقت

النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " وأخرج أحمد وأبو داود والحاكم عن معاوية مرفوعاً نحوه، وزاد: كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة، وأخرج الحاكم عن ابن عمر مرفوعاً نحوه أيضاً وزاد: كلهم في النار إلا ملة واحدة فقيل له ما الواحدة قال ما أنا عليه اليوم وأصحابي (¬1). وأخرج ابن ماجة عن عوف بن مالك مرفوعاً نحوه وفيه فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله فمن هم قال الجماعة، وأخرجه أحمد من حديث أنس، وفيه قيل يا رسول الله من تلك الفرقة قال الجماعة. وقد وردت آيات وأحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الأمر بالكون في الجماعة والنهي عن الفرقة. (من بعد ما جاءهم البينات) يعني الحجج الواضحات المبينات للحق الموجبات لعدم الاختلاف والفرقة فعلموها ثم خالفوها، ولم يقل (جاءتهم) لجواز حذف علامة التأنيث من الفعل في التقديم تشبيهاً بعلامة التثنية والجمع (وأولئك لهم) أي لهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا (عذاب عظيم) في الآخرة، فيه زجر عظيم للمؤمنين عن التفرق والاختلاف. عن أبي ذر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من " عنقه " أخرجه أبو داود (¬2)، وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة، فإن الشيطان مع الفذ وهو من الإثنين أبعد "، رواه البغوي بسنده. ¬

(¬1) المستدرك كتاب الإيمان 1/ 6. (¬2) صحيح الجامع الصغير 6286. المشكاة/185.

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)

106

(يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) أي اذكر يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم تكون وجوه المؤمنين مبيضة، ووجوه الكافرين مسودة، يقال إن ذلك عند قراءة الكتاب إذا قرأ المؤمن كتابه رأى حسناته فاستبشر وابيض وجهه. وإذا قرأ الكافر كتابه رأى سيآته فحزن واسود وجهه، والتنكير في وجوه للتكثير أي وجوه كثيرة. عن ابن عباس قال تبيض وجوه أهل السنة والجماعة. وتسود وجوه أهل البدعة والضلالة، وروي نحوه عن ابن عمر وأبي سعيد، قيل إن البياض كناية عن الفرح والسرور، والسواد كناية عن الغم والحزن، وقيل هما حقيقة تحصلان في الوجه. (فأما الذين اسودت وجوههم) تفصيل لأحوال الفريقين بعد الإشارة إليها إجمالاً وتقديم بيان حال الكفار لما أن المقام مقام التحذير عن التشبه بهم مع ما فيه من الجمع بين الإجمال والتفصيل، والإفضاء إلى ختم الكلام بحسن حال المؤمنين كما بدأ بذلك عند الإجمال، ففي الآية حسن ابتداء وحسن اختتام، قيل هم أهل الكتاب، وقيل المرتدون، وقيل المبتدعون، وقيل الكافرون فيلقون في النار ويقال لهم: (أكفرتم) الهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم (بعد إيمانكم) قال أبو السعود والظاهر أن المخاطبين بهذا القول أهل الكتابين، وكفرهم بعد إيمانهم كفرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إيمان أسلافهم، أو إيمان أنفسهم

به قبل مبعثه، أو جميع الكفرة حيث كفروا بعدما أقروا بالتوحيد يوم أخذ الميثاق في عالم الذر، أو بعدما تمكنوا من الإيمان بالنظر الصحيح والدلائل الواضحة والآيات البينة انتهى. وقال الحسن هم المنافقون، وقال عكرمة هم أهل الكتاب آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل مبعثه ثم كفروا به. وقيل الذين ارتدوا زمن أبي بكر (فذوقوا العذاب) أمر إهانة وهو من باب الاستعارة ففي (فذوقوا) استعارة تبعية تخييلية وفي العذاب استعارة مكنية حيث شبه العذاب بشيٍء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصوراً بصورة ما يذاق، وأثبت له الذوق تخييلاً، قاله الكرخي. (بما كنتم تكفرون) صريح في أن نفس الذوق معلل بذلك، فهو مسبب عنه، بخلاف دخول الجة الآتي فلم يذكر له سبب إشارة أنه بمحض فضل الله.

107

(وأما الذين ابيضت وجوههم) يعني المؤمنين المطيعين لله عز وجل (ففي رحمة الله) أي فهم مستقرون في جنته ودار كرامته، عبر عن ذلك بالرحمة إشارة إلى أن العمل لا يستقل بدخول صاحبه الجنة، بل لا بد من الرحمة، ومنه حديث لن يدخل أحد الجنة بعمله وهو في الصحيح (هم فيها خالدون) جملة استئنافية بيانية كأنه قيل فما حالهم فيها. عن أبي بن كعب قال صاروا فرقتين يوم القيامة يقال لمن اسود وجهه أكفرتم بعد إيمانكم فهو الإيمان الذي كان في صلب آدم حيث كانوا أمة واحدة. وأما الذين ابيضت وجوههم فهم الذين استقاموا على إيمانهم وأخلصوا له الدين فبيض الله وجوههم وأدخلهم في رضوانه وجنته. وقد روي غير ذلك.

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ (108) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (109)

108

(تلك آيات الله) أي القرآن المشتمل على نعيم الأبرار وتعذيب الكفار أو التي تقدمت (نتلوها عليك) يا محمد متلبسة (بالحق) وهو العدل جملة حالية (وما الله يريد ظلماً للعالمين) جملة تذييلية مقررة لمضمون ما قبلها. وفي توجه النفي إلى الإرادة الواقعة على النكرة دليل على أنه سبحانه لا يريد فرداً من أفراد الظلم الواقعة على فرد من أفراد العالم فضلاً أن يفعله، وفاعله محذوف أي ظلمه للعالمين، وأما ظلم بعضهم بعضاً فواقع كثيراً وكل واقع فهو بإرادته، واللام في " للعالمين " زائدة لا تعلق لها بشيء.

109

(ولله) وحده (ما في السموات وما في الأرض) أي مخلوقاته سبحانه يتصرف فيها كيف يشاء وعلى ما يريد، وعبر " بما " تغليباً لغير العقلاء على العقلاء لكثرتها أو لتنزيل العقلاء منزلة غيرهم إظهاراً لحقارتهم في بيان مقام عظمته تعالى. قال المهدوي: وجه اتصال هذا بما قبله أنه لما ذكر أحوال المؤمنين والكافرين وأنه لا يريد ظلماً للعالمين، وصله بذكر اتساع قدرته وغناه عن الظلم لكون ما في السموات والأرض في قبضته، وقيل هو ابتداء كلام يتضمن البيان لعباده بأن جميع ما في السموات والأرض له ملكاً وخلقاً وعبيداً حتى يسألوه ويعبدوه ولا يعبدوا غيره. (وإلى الله) أي إلى حكمه وقضائه لا إلى غيره لا شركة ولا استقلالاً (ترجع) أي تصير (الأمور) أي أموركم.

110

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) (كنتم خير أمة) هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هذه الأمة في الفضل على غيرها من الأمم، سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلا الخير و (كان) قيل هي التامة أي وجدتم وخلقتم خير أمة. ومنه قوله تعالى (كيف تكلم من كان في المهد صبياً) وقوله (واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم) وقيل ناقصة. قال الأخفش: أهل ملة أي خير أهل دين، وقيل معناه كنتم في اللوح المحفوظ. وقيل كنتم منذ آمنتم. وقيل كنتم في علم الله خير أمة، وقيل كنتم مذكورين في الأمم الماضية بأنكم خير أمة، وقيل كنتم بمعنى أنتم، وقيل يقال لهم عند دخول الجنة كنتم خير أمة، وقيل المعنى صرتم خير أمة. وفيه دليل على أن هذه الأمة الإسلامية خير الأمم على الإطلاق، وأن هذه الخيرية مشتركة بين أول هذه الأمة وآخرها بالنسبة إلى غيرها من الأمم، وإن كانت متفاضلة في ذات بينها كما ورد في فضل الصحابة على غيرهم. (أخرجت) أي أظهرت (للناس) أي لنفعهم ومصالحهم في جميع الأعصار حتى تميزت وعرفت (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) كلام مستأنف يتضمن بيان كونهم خير أمة مع ما يشتمل عليه من أنهم خير أمة ما أقاموا على ذلك واتصفوا به فإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال عنهم ذلك. ولهذا قال مجاهد إنهم خير أمة على الشرائط المذكورة في الآية.

وهذا يقتضي أن يكون (تأمرون) وما بعده في محل النصب على الحال أي كنتم خير أمة حال كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر مؤمنين بالله وبما يجب عليكم الإيمان به من كتابه ورسوله وما شرعه لعباده. فإنه لا يتم الإيمان بالله سبحانه إلا بالإيمان بهذه الأمور. قال ابن عباس في الآية: هم الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عمر بن الخطاب لو شاء الله لقال أنتم فكنا كلنا، ولكن قال كنتم في خاصة أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن صنع مثل صنعهم كانوا خير أمة، وفي لفظ عنه يكون لأولنا ولا يكون لآخرنا وأيضاً قال يا أيها الناس من سره أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله منها. وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وعمار بن ياسر وسالم مولى أبي حذيفة وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل، وقال أبو هريرة خير الناس: الناس يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، أخرجه البخاري وغيره (¬1). وعن معاوية بن حيدة أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الآية أنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها، رواه الترمذي وحسنه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه والطبراني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وروي من حديث معاذ وأبي سعيد ونحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما أنه يدخل من هذه الأمة الجنة سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، وهذا من فوائد كونها خير الأمم (¬2). ¬

(¬1) أخرجه البخاري 8/ 169 موقوفاً وهو في حكم المرفوع: عجب الله عز وجل من قوم يدخلون الجنة في سلاسل. (¬2) من هذه الأحاديث ما روي عن أبي هريرة: -[312]- يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفاً تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر وفي رواية: يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفاً بغير حساب هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون.

(ولو آمن أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى إيماناً كإيمان المسلمين بالله ورسله وكتبه (لكان خيراً لهم) من الرياسة التي هم عليها؛ وقيل من الكفر الذي هم عليه، ولكنهم لم يفعلوا ذلك، بل قالوا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض؛ وإنما حملهم على ذلك حب الرياسة واستتباع العوام، فالخيرية إنما هي باعتبار زعمهم، وفيه ضرب تهكم بهم، ولم يتعرض للمؤمن به إشعاراً بشهرته قاله أبو السعود. وقال الكرخي: لكان هذا الإيمان خيراً لهم من الإيمان بموسى وعيسى فقط وحينئذ فأفعل التفضيل على بابه، أو هو لبيان أن الإيمان فاضل كما في قوله تعالى: (أفمن يلقى في النار خير). ثم بين حال أهل الكتاب بقوله (منهم المؤمنون) وهم الذين آمنوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم، فإنهم آمنوا بما أنزل عليه وما أنزل قبله كابن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأصحابه من النصارى (وأكثرهم الفاسقون) أي الخارجون عن طريق الحق المتمردون في باطلهم، المكذبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولما جاء به، فيكون هذا التفصيل على هذا كلاماً مستانفاً جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل هل منهم من آمن واستحق ما وعده الله، وعبر عن كفرهم بالفسق إشارة إلى أنهم فسقوا في دينهم أيضاً فليسوا عدولاً فيه فخرجوا عن الإسلام وعن دينهم.

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (111) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (112)

111

(لن يضروكم) أي اليهود يا معشر المسلمين بنوع من أنواع الضرر (إلا) بنوع (أذى) وهو الكذب والتحريف والبهت، ولا يقدرون على الضرر الذي هو الضرر في الحقيقة بالحرب والنهب ونحوهما، فالاستثناء مفرغ، قال الحسن: تسمعون منهم كذباً على الله يدعونكم إلى الضلالة. وهذا وعد من الله لرسوله وللمؤمنين أن أهل الكتاب لا يغلبونهم وأنهم منصورون عليهم، وقيل الاستثناء منقطع، والمعنى لن يضروكم البتة لكن يؤذونكم يعني باللسان من طعنهم في دينكم أو تهديد أو إلقاء شبهة وتشكيك في القلوب، وكل ذلك يوجب الأذى والغم. ثم بين سبحانه ما نفاه من الضرر بقوله (وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار) أي ينهزمون ولا يقدرون على مقاومتكم فضلاً عن أن يضروكم (ثم لا ينصرون) أي لا يوجد لهم نصر ولا يثبت لهم غلب في حال من الأحوال، بل شأنهم الخذلان ما داموا، ولكن النصر عليهم. وقد وجدنا ما وعدنا سبحانه حقاً، فإن اليهود لم يخفق لهم راية نصر ولا اجتمع لهم جيش غلب بعد نزول هذه الآية فهي من معجزات النبوة.

112

(ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا) قد تقدم في البقرة معنى هذا التركيب والمعنى صارت الذلة محيطة بهم في كل حال وعلى كل تقدير، في أي مكان وجدوا، كالشيء يضرب على الشيء فيلتصق به، والمراد بالذلة قتلهم وسبيهم وغنيمة أموالهم، وقيل الذلة ضرب الجزية عليهم لأنها ذلة وصغار،

وقيل ذل التمسك بالباطل، وقيل ذلتهم أنك لا ترى في اليهود ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً بل هم مستضعفون بين المسلمين والنصارى في جميع البلاد. (إلا) أن يعتصموا (بحبل من الله) قاله الفراء أي بذمة الله أو بكتابه، قال الزجاج: هو استثناء منقطع، وقيل هو استثناء مفرغ من الأحوال العامة، قال الزمخشري: هو استثناء من أعم الأحوال والمعنى ضربت عليهم الذلة في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بحبل من الله انتهى، أي بعهد من الله وهو أن يسلموا فتزول عنهم الذلة. (وحبل) أي بذمة (من الناس) وهم المسلمون ببذل الجزية، وقيل المراد بالناس النبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة (وباؤا) رجعوا وقيل احتملوا، وأصل معناه في اللغة اللزوم والاستحقاق (بغضب) أي لزمهم غضب (من الله) وهم مستحقون له (وضربت عليهم المسكنة) أحاطت بهم من جميع الجوانب، قال الحسن: المسكنة هي الجزية، وعن قتادة والحسن قالا يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وعن الضحاك نحوه. وقيل المعنى أن اليهودي يظهر من نفسه الفقر وإن كان موسراً، وهكذا حال اليهود فإنهم تحت الفقر المدقع والمسكنة الشديدة إلا النادر الشاذ منهم. (ذلك) أي ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة والغضب وقع عليهم (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء) إسناد القتل إليهم مع أنه فعل أسلافهم لرضاهم به كما أن التحريف مع كونه فعل أحبارهم ينسب إلى كل من يسير بسيرتهم (بغير حق) أي في اعتقادهم أيضاً. (ذلك) أي الكفر وقتل الأنبياء (بما عصوا وكانوا يعتدون) أي بسبب عصيانهم لله واعتدائهم لحدوده، ومعنى الآية أن الله ضرب عليهم الذلة والمسكنة والبواء بالغضب منه لكونهم كفروا بآياته، وقتلوا أنبياءه، بسبب عصيانهم واعتدائهم حدود الله على الاستمرار، فإن الإصرار على الصغائر يفضي إلى الكبائر، وهي تفضي إلى الكفر، عن ابن جريج قال: إشراكهم في عزير وعيسى والصليب.

لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114)

113

(ليسوا سواء) أي هم غير مستوين بل مختلفون، والجملة مستأنفة سيقت لبيان التفاوت بين أهل الكتاب، وقوله (من أهل الكتاب أمة قائمة) هو استئناف أيضاً يتضمن بيان الجهة التي تفاوتوا فيها من كون بعضهم أمة قائمة إلى قوله (من الصالحين). قال الأخفش: التقدير من أهل الكتاب ذو أمة أي ذو طريقة حسنة، وبه قال الزجاج، وقيل في الكلام حذف والتقدير من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة فترك الأخرى اكتفاء بالأولى، وقال الفراء التقدير ليس تستوي أمة من أهل الكتاب قائمة يتلون آيات الله وأمة كافرة، وقال النحاس: هذا القول خطأ انتهى. وعندي أن ما قاله الفراء قوي قويم، وحاصله أن معنى الآية لا تستوي أمة من أهل الكتاب شأنها كذا وأمة أخرى شأنها كذا، والقائمة المستقيمة العادلة من قولهم أقمت العود فقام أي استقام، عن ابن عباس يقول: مهتدية قائمة من أمر الله لم تنزع عنه ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيعوه، وقيل قائمة على كتاب الله وحدوده، وقيل قائمة في الصلاة. (يتلون آيات الله) أي يقرؤن كتابه (آناء الليل) أي ساعاته، وقال ابن عباس جوف الليل، واحدها أنى بفتح الهمزة والنون بزنة عصا أو إني بكسر الهمزة وفتح النون بوزن معي أو أنى بالفتح والسكون بوزن ظبي، أو أني بوزن حمل أو أنو بزنة جرو، وكل واحد من هذه المفردات الخمس يطلق على الساعة من الزمان كما يؤخذ من القاموس.

(وهم يسجدون) ظاهره أن التلاوة كائنة منهم في حال السجود، ولا يصح ذلك إذا كان المراد بهذه الأمة الموصوفة في الآية هم من قد أسلم من أهل الكتاب، لأنه قد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن قراءة القرآن في السجود، فلا بد من تأويل هذا الظاهر بأن المراد بقوله وهم يسجدون وهم يصلون كما قاله الفراء والزجاج، وإنما عبر بالسجود عن مجموع الصلاة لا فيه من الخضوع والتذلل (¬1). وظاهر هذا أنهم يتلون آيات الله في صلاتهم من غير تخصيص لتلك الصلاة بصلاة معينة، وقيل المراد بها الصلاة بين العشاءين، وقيل صلاة الليل مطلقاً. ¬

(¬1) زاد المسير 1/ 442.

114

(يؤمنون بالله) وكتبه ورسله، ورأس ذلك الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم " (واليوم الآخر) " والإيمان به يستلزم الحذر من فعل المعاصي، وهم لا يحترزون منها فلم يحصل الإيمان الخالص بالله وباليوم الآخر " (ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) " صفتان أيضاً لأمة أي أن هذا من شأنهم وصفتهم، وظاهره يفيد أنهم يأمرون وينهون على العموم، وقيل المراد أمرهم باتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونهيهم عن مخالفته. (ويسارعون في الخيرات) أي يبادرون بها غير متثاقلين عن تأديتها لمعرفتهم بقدر ثوابها، والسرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، وإن العجلة ليست مذمومة على الإطلاق، قال الله تعالى (وعجلت إليك رب لترضى) (وأولئك) أي الأمة الموصوفة بتلك الصفات (من الصالحين) أي من جملتهم، وقيل من بمعنى (مع) وهم الصحابة والظاهر أن المراد كل صالح.

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (116)

115

(وما يفعلوا من خير) أيّ خير كان (فلن يكفروه) أي لن تعدموا ثوابه كأنه قيل فلن تحرموه كما قاله الزمخشري، بل يشكره لكم ويجازيكم به، وفيه تعريض بكفرانهم نعمته وأنه تعالى لا يفعل مثل فعلهم، وجيء به على لفظ المبني للمفعول لتنزيهه عن إسناد الكفر إليه، وقرىء بالياء التحتيه في الفعلين. (والله عليم بالمتقين) أي كل من ثبتت له صفة التقوى؛ وقيل المراد من تقدم ذكره وهم الأمة الموصوفة بتلك الصفات، ووضع الظاهر موضع المضمر مدحاً لهم، ورفعاً من شأنهم، وفيه بشارة لهم بجزيل الثواب، ودلالة على أنه لا يفوز عنده إلا أهل الإيمان والتقوى.

116

(إن الذين كفروا) قيل هم بنو قريظة والنضير، قالى مقاتل: لما ذكر تعالى مؤمني أهل الكتاب ذكر كفارهم في هذه الآية، وقيل نزلت في مشركي قريش فإن أبا جهل كثير الإفتخار بالأموال، وأنفق أبو سفيان مالاً كثيراً في يومي بدر وأحد على المشركين، والظاهر أن المراد بذلك كل من كفر بما يجب الإيمان به لأن اللفظ عام، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراء اللفظ على عمومه. (لن تغني) أي لن تدفع (عنهم أموالهم) بالفدية ولو افتدوا بها من عذاب الله (ولا أولادهم) بالنصر، وإنما خص الأولاد لأنهم أحب القرابة وأرجاهم لدفع ما ينوبهم (من الله شيئاً) أي لا ينفعهم شيء من ذلك في الآخرة ولا مخلص لهم من عذاب الله، وخصهما بالذكر لأن الإنسان يدفع عن نفسه تارة بفداء المال، وتارة بالاستعانة بالأولاد (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا يخرجون منها ولا يفارقونها.

117

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) (مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا) بيان لكيفية عدم إغناء أموالهم التي كانوا يعولون عليها في جلب المنافع ودفع المضار، قيل أراد نفقة أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد في معاداة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أراد نفقة اليهود على علمائهم ورؤسائهم، وقيل أراد نفقات جميع الكفار وصدقاتهم في الدنيا، وقيل أراد نفقة المرائي الذي لا يريد بها وجه الله. (كمثل ريح فيها صرّ) الصرّ البرد الشديد، وهو قول أكثر المفسرين، وبه قال ابن عباس وقتادة والسدى وابن زيد، وأصله من الصرير الذي هو الصوت فهو صوت الريح الشديد البارد، وقال الزجاج: الصر صوت لهب النار التي في تلك الريح وبه قال ابن الأنباري من أهل اللغة، وقيل هو الحر الشديد المحرق، فظرفية الريح له واضحة والتشبيه على الوجهين صحيح، والمقصود منه حاصل لأنها سواء كان فيها برد فهي مهلكة، أو حر فهي محرقة. (أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم) بالكفر والمعاصي (فأهلكته) أي الريح الزرع، ومعنى الآية مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وقت الحاجة إليها وعدم منفعتها كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار حارة فأحرقته أو أهلكته فلم ينتفع أصحابه بشيء منه بعد أن كانوا على طمع من نفعه وفائدته، وعلى هذا فلا بد من تقدير في جانب المشبه به فيقال كمثل زرع أصابته ريح أو مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح. (وما ظلمهم الله) بأن لم يقبل نفقاتهم (ولكن أنفسهم يظلمون) أي بالكفر المانع من قبول النفقة التي أنفقوها، وتقديم المفعول لرعاية الفواصل لا للتخصيص، لأن الكلام في الفعل باعتبار تعلقه بالفاعل لا بالمفعول، وهذا في جانب المشبّه وهم الكفار، وقوله سابقاً (ظلموا أنفسهم) في جانب المشبه به وهم أصحاب الزرع فلا تكرار.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)

118

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة) البطانة مصدر يسمى به الواحد والجمع وبطانة الرجل خاصته الذين يستبطنون أمره، وأصله البطن الذي هو خلاف الظهر، وبطن فلان يبطن بطوناً وبطانة إذا كان خاصاً به. (من دونكم) أي سواكم قاله الفراء أي من دون المسلمين وهم الكفار أي بطانة كائنة من دونكم أي من غيركم، وقدّره الزمخشري من غير أبناء جنسكم وهم المسلمون وقيل من زائدة أي دونكم في العمل والإيمان. قال ابن عباس: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية فأنزل الله فيهم ينهاهم عن مباطنتهم لخوف الفتنة عليهم منهم هذه الآية، وعنه قال هم المنافقون. وأخرج الطبراني وابن أبي حاتم عن أبي أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال هم الخوارج، قال السيوطي وسنده جيد وقيل المراد بهذه جميع أصناف الكفار وهو الأولى ويدخل فيه من هو سبب النزول دخولاً أولياً. (لا يألونكم خبالاً) مستأنفة مبينة لحالهم داعية إلى الاجتناب عنهم. أو صفة لبطانة أي لا يقصرون ولا يتركون جهدهم فيما يورثكم الشر والفساد،

يقال لا آلوك جهداً أي لا أقصر والمراد لا يمنعونكم خبالاً، والخبال والخبل الفساد في الأفعال والأبدان والعقول. (ودّوا ما عنتّم) أي ما يشق عليكم من الضرر والشرر والهلاك، والعنت المشقة وشدة الضرر، قال الراغب هنا المعاندة والمعانتة متقاربان لكن المعاندة هي الممانعة، والمعانتة هي أن يتحرى مع الممانعة المشقة، والجملة مستأنفة مؤكدة للنهي. (قد بدت البغضاء) هي شدة البغض كالضرّاء لشدة الضر (من أفواههم) الأفواه جمع فم والمعنى أنها قد ظهرت البغضاء في كلامهم، لأنهم لما خامرهم من شدة البغض والحسد أظهرت ألسنتهم ما في صدورهم، فتركوا التقية وصرحوا بالتكذيب، أما اليهود فالأمر في ذلك واضح، وأما المنافقون فكان يظهر من فلتات ألسنتهم ما يكشف عن خبث طويتهم، وهذه الجملة مستأنفة لبيان حالهم. (وما تخفي صدورهم) من العداوة والغيظ (أكبر) مما يظهرونه لأن فلتات اللسان أقل مما تجنّه الصدور، بل تلك الفلتات بالنسبة إلى ما في الصدور قليلة جداً. ثم إنه سبحانه امتنّ عليهم ببيان الآيات الدالة على وجوب الإخلاص إن كانوا من أهل العقول المدركة لذلك البيان فقال (قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون) أي تتّعظون به.

119

(ها أنتم أولاء) الخاطئون في موالاتهم ثم بينّ خطأهم بتلك الموالاة بهذه الجملة التذييلية فقال (تحبونهم ولا يحبونكم) قيل تحبونهم لما أظهروا لكم الإيمان أو لما بينكم وبينهم من القرابة ولا يحبونكم لما قد استحكم في صدورهم من الغيظ والحسد.

(وتؤمنون بالكتاب كله) أي جنس الكتاب جميعاً أي لا يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتب الله سبحانه التي من جملتها كتابهم، فما بالكم تحبونهم ولا يؤمنون بكتابكم، وفيه توبيخ لهم شديد، لأن من بيده الحق أحق بالصلابة والشدة ممن هو على الباطل. (وإذا لقوكم قالوا) نفاقاً وتقية (آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم) أي لأجلكم، والعض الإمساك بالأسنان أي تحامل الأسنان بعضها على بعض والعض كله بالضاد إلا في قولهم عظ الزمان أي اشتد وعظت الحرب أي اشتدت فإنهما بالظاء أخت الطاء (الأنامل) جمع أنملة وهي طرف الأصبع (من الغيظ) أي تأسفاً وتحسراً حيث عجزوا عن الإنتقام منكم، والعرب تصف النادم والمغتاظ مجازاً بعضّ الأنامل والبنان. ومن لابتداء الغاية أو بمعنى اللام أي من أجل الغيظ والغيظ مصدر غاظه يغيظه أي أغضبه والتغيظ إظهار الغيظ، وقد يكون مع ذلك صوت، قال تعالى: (سمعوا لها تغيظاً وزفيراً) قاله السمين. ثم أمره الله سبحانه بأن يدعو عليهم فقال (قل موتوا بغيظكم) وهو دعاء يتضمن استمرار غيظهم ما داموا في الحياة بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يأتيهم الموت وهم عليه، والباء للملابسة أي متلبسين بغيظكم (إن الله عليم بذات الصدور) أي الخواطر القائمة بها والدواعي والصوارف الموجودة فيها. وهو كلام داخل تحت قوله (قل) فهو من جملة المقول أو مستأنفة أخبر الله بذلك لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنوا فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد، وذات هنا تأنيث ذي بمعنى صاحبة الصدور، وجعلت صاحبة لها لملازمتها لها وعدم انفكاكها نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار، والمراد بها المضمرات.

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120) وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121)

120

(إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) هذه الجملة مستأنفة لبيان تناهي عداوتهم إلى كل حسنة، وأصل المس الجس باليد ثم يطلق على كل ما يصل إلى الشيء على سبيل التشبيه كما يقال مسه نصب وتعب، قاله الخازن وحسنة وسيئة تعمّان كل ما يحسن وما يسوء، وعبر بالمس في الحسنة وبالإصابة في السيئة للدلالة على أن مجرد مس الحسنة تحصل به المساءة ولا يفرحون إلا بإصالة السيئة، وقيل أن المس مستعار لمعنى الإصابة. قال مقاتل: الحسنة النصر على العدو والرزق والخير ومنافع الدنيا، والسيئة القتل والهزيمة والجهد والجدب، ومعنى الآية أن من كانت هذه حالته لم يكن أهلاً لأن يتخذ بطانة. (وأن تصبروا) على عداوتهم وأذاهم أو على التكاليف الشاقة (وتتقوا) الله في موالاتهم أو ما حرّمه الله عليكم (لا يضركم) وقرىء بكسر الضاد وسكون الراء يقال ضارّه يضيره ويضوره ضيراً بمعنى ضره يضره (كيدهم شيئاً) والكيد احتيالك لتوقع غيرك في مكروه، والمعنى لا يضركم شيئاً من الضرر بفضل الله وحفظه. (إن الله بما يعملون) من الكيد، على قراءة الياء وعليها اتفق العشرة أو من الصبر والتقوى على قراءة التاء وهي شاذة للحسن البصري (محيط) أي حافظ له لا يعزب عنه شيء منه.

121

(و) اذكر (إذ غدوت من أهلك) أي من المنزل الذي فيه أهلك يعني عائشة، وفيه منقبة عظيمة لها رضي الله عنها لقوله (من أهلك) فنصّ الله تعالى على أنها من أهله، قد ذهب الجمهور إلى أنّ هذه الآية نزلت في غزوة أحد، وقالى الحسن: في يوم بدر وفي رواية عنه يوم الأحزاب، قالى ابن جرير الطبري الأول الأصح للآية الآتية. وقد اتفق العلماء على أن ذلك كان يوم أحد وبه قال عبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس والزهري وقتادة والسدي والربيع وابن اسحق، وقال مجاهد ومقاتل والكلبي في غزوة الخندق. (تبوّىء المؤمنين) أي تنزلهم أو تهيىء وتسوي لهم (مقاعد للقتال) وأصل التبوّء اتخاذ المنزل يقال بوأته منزلاً إذا أسكنته أياه، ومعنى الآية واذكر إذ خرجت من منزل أهلك تتخذ للمؤمنين مراكز وأماكن يقعدون ويقفون فيها للقتال. وعبّر عن الخروج بالغدو الذي هو الخروج غدوة مع كونه - صلى الله عليه وسلم - خرج بعد صلاة الجمعة لأنه قد يعبر بالغدو والرواح عن الخروج والدخول من غير اعتبار أصل معناهما، كما يقال أضحى وإن لم يكن في وقت الضحى. وقد ورد في كتب التاريخ والسير كيفية الاختلاف في المشورة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يوم أحد، فمن قائل نخرج إليهم، ومن قائل نبقى في المدينة فخرج، وكان مما نزل من القرآن في يوم أحد ستون آية من آل عمران فيها صفة ما كان في يومه ذلك، ومعاتبة من عاتب منهم يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم (وإذ غدوت من أهلك) أي يوم أحد (والله سميع) لأقوالكم (عليم) بنيّاتكم وما في ضمائركم.

إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (122) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124)

122

(إذ همّت طائفتان منكم أن تفشلا) أي تجبنا وتضعفا عن القتال، والطائفتان بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر يوم أحد، والفشل الجبن، وقيل هو في الرأي العجز وفي البدن الإعياء وعدم النهوض، وفي الحرب الجبن والخور، والفعل منه بكسر العين من باب تعب، وتفاشل الماء إذا سال. والهمّ من الطائفتين كان بعد الخروج، والمراد بالهم هنا حديث النفس، والله تعالى لا يؤاخذ به ويعضده قول ابن عباس: أنهم أضمروا أن يرجعوا لما رجع عبد الله بن أبي بمن معه من المنافقين، فحفظ الله قلوب المؤمنين فلم يرجعوا، وذلك قوله (والله وليهما) أي ناصرهما وحافظهما ومتولي أمرهما بالتوفيق والعصمة. (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) التوكل التفعّل من وكل أمره إلى غيره إذا اعتمد عليه في كفايته والقيام به، وقيل التوكل هو العجز والاعتماد على الغير، وقيل هو تفويض الأمر إلى الله بحسن تدبيره، فأمرهم الله أن لا يفوضوا أمرهم إلا إليه، وتقديم الظرف للاختصاص ولتناسب رؤوس الآي.

123

(ولقد نصركم الله ببدر) جملة مستأنفة سيقت لتصبيرهم بتذكير ما يترتب على الصبر من النصر وهو العون، وبدر اسم لماء كان في موضع الوقعة، وقيل هو اسم الموضع نفسه، وقيل موضع بين مكة والمدينة وكانت وقعتها في السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية، وسيأتي سياق قصة بدر في الأنفال إن شاء الله تعالى.

(وأنتم أذلة) جمع قلة ومعناه أنهم كانوا بسب قلتهم أذلة وهو جمع ذليل، استعير للقلة إذ لم يكونوا في أنفسهم أذلة بل كانوا أعزة، قال الحسن: وأنتم قليل وهم يومئذ بضعة عشر وثلاثمائة، وكان عدوهم من كفار قريش زهاء ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، وكان معهم السلاح والشوكة، وكان المؤمنون في ضعف الحال وقلة السلاح والمركوب وقلة المال، خرجوا على نواضح وكان أكثرهم رجّالة، ولم يكن معهم إلا فرس، وكان النفر منهم يتعقب على البعير الواحد. وقد شرح أهل التاريخ والسير غزوة بدر وأحد بأتم شرح فلا حاجة لنا في سياق ذلك ههنا. (فاتقوا الله) في الثبات مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لعلكم تشكرون) ما أنعم عليكم من نصرته.

124

(إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين) هذا للإنكار منه صلى الله عليه وآله وسلم عليهم عدم اكتفائهم بذلك المدد من الملائكة، وجيء بلن دون " لا " لأنها أبلغ في النفي، ومعنى الكفاية سد الخلة والقيام بالأمر، والإمداد في الأصل إعطاء الشيء حالاً بعد حال. قال قتادة هذا كان يوم بدر أمدّهم الله بألف ملائكة ثم صاروا ثلاثة آلاف ثم صاروا خمسة آلاف، وقيل كان هذا يوم أحد، وهو قول عكرمة والضحاك ومقاتل، والأول أولى وهو الراجح (¬1). ¬

(¬1) وسيأتي تفصيل ذلك في تفسيره سورة براءة إن شاء الله.

125

بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا) أصل الفور القصد إلى الشيء والأخذ فيه بجد وهو من قولهم فارت القدر تفور فوراً إذا غلت، والفور الغليان، وفاز غضبه إذا جاش وفعله من فوره أي قبل أن يسكن، والفوارة ما يفور من القدر استعير للسرعة أي إن يأتوكم من ساعتهم هذه (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة) في حال إتيانهم لا يتأخر عن ذلك (مسوّمين) أي معلمين بعلامات أو معلمين أنفسهم بعلامة على المبني المفعول أو الفاعل ورجح ابن جرير الأخير. والتسويم إظهار سيما الشيء قال كثير من المفسرين مسوّمين أي مرسلين خيلهم في الغارة، وقيل إن الملائكة اعتمت بعمائم بيض، وقيل حمر، وقيل خضر، وقيل صفر، فهذه هي العلامة التي علموا بها أنفسهم حكي ذلك عن الزجاج. وقيل كانوا على خيل بلق، وقيل غير ذلك، وفي بيان التسويم عن السلف اختلاف كثير لا يتعلق به كثير فائدة. قال ابن عباس لم تقاتل الملائكة في معركة إلا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عدداً ومدداً. قال الحسن هؤلاء الخمسة آلاف ردء للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقد سئل السبكي عن الحكمة في قتال الملائكة مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه. وأجاب: بأن ذلك لإرادة أن يكون الفضل للنبي وأصحابه وتكون الملائكة مدداً على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب التي أجراها الله تعالى في عباده، والله فاعل الجميع انتهى.

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (128)

126

(وما جعله الله) أي الإمداد أو التسويم أو الانزال، ورجح الأول صاحب الكشاف (إلا بشرى لكم) استثناء مفرغ من أعم العام والبشرى اسم من البشارة وهي الإخبار بما يسر (ولتطمئن قلوبكم به) أي لتسكن، واللام لام كي، جعل الله ذلك الإمداد بشرى بالنصر، وطمأنينة للقلوب وفي قصر الإمداد عليهما إشارة إلى عدم مباشرة الملائكة للقتال يومئذ. (وما النصر إلا من عند الله) لا من عند غيره فلا ينفع كثرة القاتلة وجودة العدة، والغرض أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة الذين أمدوا بهم، وفيه تنبيه على الأعراض عن الأسباب والإقبال على مسببها (العزيز الحكيم) فاستعينوا به وتوكلوا عليه.

127

(ليقطع طرفاً من الذين كفروا) الطرف الطائفة والمعنى نصركم الله ببدر ليقطع ويهلك طائفة من الكفار ويهدم ركناً من أركان الشرك بالقتل والأسر. فقتل يوم بدر من قادتهم وسادتهم سبعون، وأسر سبعون. ومن حمل الآية على غزوة أحد قال قد قتل منهم ستة عشر، وكان النصر فيه للمسلمين حتى خالفوا أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (أو يكبتهم) يحزنهم والمكبوت المحزون، وقال الكرخي: يذلهم، أشار به إلى أن الكبت من الذلة يقال كبت الله العدو كبتاً أي أذله وصرفه. وقال بعض أهل اللغة: معناه يكبدهم أي يصيبهم بالحزن والغيظ في أكبادهم وهو غير صحيح فإن معنى كبت أحزن وأغاظ وأذل، ومعنى كبد أصاب الكبد وأصل الكبت في اللغة صرع الشيء على وجهه، والمراد منه القتل والهزيمة والإهلاك أو اللعن أو الخزي (فينقلبوا خائبين) أي غير ظافرين بمطلبهم.

عن قتادة قال قطع الله يوم بدر طرفاً من الكفار وقتل صناديدهم ورؤوسهم وقادتهم بالبشر، وعنه قال هذا يوم بدر قطع الله طائفة منهم وبقيت طائفة، وعن السدي ذكر الله قتلى المشركين بأحد وكانوا ثمانية عشر رجلاً فقال " ليقطع طرفاً " ثم ذكر الشهداء فقال " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسرت رباعيّته يوم أحد وشجّ في وجهه حتى سال الدم، فقال: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو يدعوهم إلى ربهم (¬1)، فأنزل الله ¬

(¬1) مسلم 1791.

128

(ليس لك في الأمر شيء) أي لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم بل ذلك ملك الله فاصبر (أو يتوب عليهم) بالإسلام (أو يعذبهم) بالقتل والأسر والنهب (فإنهم ظالمون) بالكفر وقد روى هذا المعنى في روايات كثيرة. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل ابن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت هذه الآية، وللحديث ألفاظ وطرق (¬1). ومعنى الآية أن الله مالك أمرهم يصنع بهم ما يشاء من الإهلاك أو الهزيمة أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب إن أصروا على الكفر، وقال الفراء (أو) بمعنى إلا. والمعنى إلا أن يتوب عليهم فتفرح بذلك أو يعذبهم فتشتفي بهم. وقال السيوطي أو بمعنى (إلى أن) يعني غاية في الصبر، أي إلى أن يتوب عليهم، قيل نزلت في أهل بئر معونة وهم سبعون رجلاً من الغزاة بعثهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليعلموا الناس القرآن فقتلهم عامر بن الطفيل فوجد (¬2) من ذلك وجداً شديداً وقنت شهراً الصلوات كلها يدعو على جماعة من تلك القبائل باللعن، وفي الباب أحاديث في الصحيحين لا نطول بذكرها. ¬

(¬1) مسلم 1794 - البخاري 179. (¬2) أي حزن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -).

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (129) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)

129

(ولله ما في السموات وما في الأرض) هذا كالدليل على قوله ليس لك من الأمر شيء الخ (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) كلام مستأنف لبيان سعة ملكه أي يفعل في ملكه ما يشاء من المغفرة والعذاب، ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وفي قوله (والله غفور رحيم) إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه وتبشير لعباده بأنه المتصف بالمغفرة والرحمة على وجه المبالغة، وما أوقع هذا التذييل الجليل وأحبّه إلى قلوب العارفين بأسرار التنزيل.

130

(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا) قيل هو كلام مبتدأ للترهيب والترغيب فيما ذكر، وقيل هو اعتراض بين أثناء قصة أحد. وقوله (أضعافاً مضاعفة) ليس لتقييد النهي لما هو معلوم من تحريمه على كل حال ولكنه جيء به باعتبار ما كانوا عليه من العادة التي يعتادونها في الربا فإنهم كانوا يربون إلى أجل، فإذا حل الأجل زادوا في المال مقداراً يتراضون عليه ثم يزيدون في أجل الدين فكانوا يفعلون ذلك مرة بعد مرة حتى يأخذ المربي أضعاف دينه الذي كان له في الابتداء، وفيه إشارة إلى تكرار التضعيف عاماً بعد عام، والمبالغة في هذه العبارة تفيد تأكيد التوبيخ، وفي السمين (أضعافاً) جمع ضعف ولما كان جمع قلة والمقصود الكثرة أتبعه بما يدل على ذلك وهو الوصف بمضاعفة.

(واتقوا الله) في أكل الربا ومضاعفته فلا تأكلوه ولا تضعفوه (لعلكم تفلحون) أي لكي تسعدوا، وفيه دليل على أن أكل الربا من الكبائر ولهذا عقبه بقوله:

131

(واتقوا النار التي أعدت للكافرين) فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم (¬1). قال كثير من المفسرين وفيه أنه يكفر من استحل الربا، وقيل معناه اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار، وإنما خص الربا في هذه الآية لأنه الذي توعد إليه بالحرب منه لفاعله. قال ابن عباس هذا تهديد للمؤمنين أن يستحلوا ما حرم الله عليهم من الربا وغيره مما أوجب الله فيه النار، قال بعضهم إن هذه الآية أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه ويجتنبوا محارمه. وقال الواحدي في هذه الآية تقوية لرجاء المؤمنين رحمة من الله لأنه قال " أعدت للكافرين " فجعلها معدّة لهم دون المؤمنين. ¬

(¬1) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في " عمدة التفسير " ج/3/ 38 تعليقاً على هذه الآية: والمتلاعبون بالدين من أهل عصرنا، وأولياؤهم من عابدي التشريع الوثني الأجنبي، بل التشريع اليهودي في الربا يلعبون بالقرآن ويزعمون أن هذه الآية تدل على أن الربا المحرم هو الأضعاف المضاعفة، ليجيزوا ما بقي من أنواع الربا، على ما ترضى أهواؤهم وأهواء سادتهم، ويتركوا الآية الصريحة: ْ (وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُون) فكانوا في تلاعبهم بتأول هذه الآية الصريحة أسوأ حالاً ممن:. (يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله)، (فأولئك الذي سمى الله فاحذروهم).

132

(وأطيعوا الله والرسول) حذف المتعلق مشعر بالتعميم أي في كل أمر ونهي، قال محمد بن إسحق في هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد (لعلكم ترحمون) أي راجين الرحمة من الله عز وجل.

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

133

(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) أي بادروا وسابقوا إلى ما يوجب المغفرة من ربكم وهي الطاعات، قرىء سارعوا بغير واو وبالواو، قال أبو علي كلا الأمرين سائغ مستقيم والمسارعة المبادرة، قال ابن عباس: إلى الإسلام وعنه إلى التوبة، وقال علي بن أبي طالب إلى أداء الفرائض، وعن أنس بن مالك وسعيد بن جبير أنها التكبيرة الأولى، وقيل إلى الإخلاص في الأعمال. وقيل إلى الهجرة، وقيل إلى الجهاد واللفظ مطلق فيعمّ الكل ولا وجه لتخصيص نوع دون نوع، وهذا وجه من قال إلى جميع الطاعات والأعمال الصالحات. (وجنة) أي وسارعوا إلى جنة، وإنما فصل بين المغفرة والجنة لأن المغفرة هي إزالة العقاب والجنة هي حصول الثواب فجمع بينهما للإشعار بأنه لا بد للمكلف من تحصيل الأمرين، وتقديم المغفرة على الجنة كما أن التخلية متقدمة على التحلية. (عرضها) أي عرض الجنة (السموات والأرض) يعني كعرضهما لأن نفس السموات والأرض ليس عرضاً للجنة والمراد سعتها، وإنما خص العرض للمبالغة لأن الطول في العادة يكون أكثر من العرض يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها، ومثله الآية الأخرى (عرضها كعرض السماء والأرض). وقد اختلف في معنى ذلك فذهب الجمهور إلى أنها تقرن السموات بعضها إلى بعض كما تبسط الثياب ويوصل بعضها ببعض فذلك عرض الجنة، وقيل إن هذا الكلام جاء على نهج كلام العرب من الاستعارة دون الحقيقة وذلك أنها لما كانت الجنة من الإتساع والإنفساح في غاية قصوى، حسن التعبير

عنها بعرض السموات والأرض مبالغة لأنهما أوسع مخلوقات الله سبحانه فيما يعلمه عباده، ولم يقصد بذلك التحديد كما تقول العرب: بلاد عريضة أي واسعة طويلة عظيمة، فجعل العرض كناية عن السّعة. قال الزهري: إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلا الله، هذا على سبيل التمثيل لا أنها كالسموات والأرض لا غير بل معناه كعرضهما عند ظنكم كقوله تعالى (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض) أي عند ظنكم وإلا فهما زائلتان. وسأل ناس من اليهود عمر بن الخطاب إذا كانت الجنة عرضها ذلك فأين تكون النار فقال لهم أرأيتم إذا جاء الليل فأين يكون النهار، وإذا جاء النهار فأين يكون الليل، فقالوا إن مثلها في التوراة ومعناه أنه حيث شاء الله. وسئل أنس بن مالك عن الجنة أفي السماء أم في الأرض فقال وأي أرض وسماء تسع الجنة، قيل فأين هي قال فوق السموات السمبع تحت العرش. وقال قتادة: كانوا يرون الجنة فوق السموات السبع، وجهنم تحت الأرضين السبع. (أعدت للمتقين) أي هيئت لهم، وفيه دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن وهو الحق خلافاً للمعتزلة. أخرج عبد بن حميد وغيره عن عطاء ابن أبي رباح قال: قال المسلمون يا رسول الله أبنو إسرائيل كانوا أكرم على الله منا؟ كانوا إذا أذنب أحدهم ذنباً أصبح كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة بابه، اجدع أنفك، اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت (وسارعوا) الآية.

134

(الذين ينفقون في السراء والضراء) السراء اليسر والضراء العسر، وقد تقدم تفسيرهما، وقيل السراء الرخاء والضراء الشدة وهو مثل الأول، وقيل السراء في الحياة والضراء بعد الموت، والمعنى لا يتركون الإنفاق في كلتي الحالتين في الغنى والفقر والرخاء والشدة ولا في حال فرح وسرور، ولا في حال محنة

وبلاء، سواء كان الواحد منهم في عرس أو حبس، فأول ما ذكر الله من أخلاقهم الموجبة للجنة السخاء لأنه أشق على النفوس، وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح المنفق وذم البخيل والممسك في الصحيحين وغيرهما. (والكاظمين الغيظ) أي الجارعين إياه عند امتلاء نفوسهم عنه والكافّين عن إمضائه مع القدرة، والكظم حبس الشيء عند امتلائه يقال كظم غيظه أي سكت عليه ولم يظهره ومنه كظمت السّقاء أي ملأته والكظامة ما يسد به مجرى الماء وكظم البعير جرّته إذا ردها في جوفه. وقد وردت أحاديث كثيرة في ثواب كظم الغيظ منها عن أنس الجهني عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء أخرجه الترمذي وأبو داود (¬1). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب رواه الشيخان (¬2)، وعن عائشة أن خادماً لها غاظها فقالت لله درّ التقوى ما تركت لذي غيظ شفاء. (والعافين عن الناس) أي التاركين عقوبة من أذنب إليهم واستحق المؤاخذة، وذلك من أجل ضروب الخير، وظاهره العموم سواء كان من المماليك أم لا، وقال الزجاج وغيره المراد بهم المماليك (والله يحب المحسنين) اللام يجوز أن تكون للجنس فيدخل فيه كل محسن من هؤلاء وغيرهم. ويجوز أن تكون للعهد فيختص بهؤلاء، والأول أولى اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السياق فيدخل فيه كل من صدر منه مسمى الإحسان أي إحسان كان. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 6398. المشكاة/5088. (¬2) مسلم 2609 - البخاري 2346.

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)

135

(والذين إذا فعلوا فاحشة) أي فعلة فاحشة وهي تطلق على كل معصية وقد كثر إختصاصها بالزنا وأصل الفحش القبح والخروج عن الحدّ (أو ظلموا أنفسهم) باقتراف ذنب من الذنوب قيل هو ما دون الزنا مثل القبلة والمعانقة واللمس والنظر، وقيل أو بمعنى الواو والمراد ما ذكر، وقيل الفاحشة الكبيرة وظلم النفس الصغيرة، وقيل غير ذلك، قال النخعي الظلم من الفاحشة والفاحشة من الظلم. (ذكروا الله) أي بألسنتهم عند الذنوب أو أخطروه في قلوبهم أو ذكروا وعده ووعيده أو جلاله الوجب للحياء منه (فاستغفروا لذنوبهم) أي طلبوا المغفرة لها من الله سبحانه، وتفسيره بالتوبة خلاف لمعناه لغة. وفي الاستفهام بقوله: (ومن يغفر الذنوب) من الإنكار مع ما تضمنه من الدلالة على أنه المختص بذلك سبحانه دون غيره ما لا يخفى، أي لا يغفر جنس الذنوب أحد (إلا الله) وفيه ترغيب لطلب المغفرة من الله سبحانه وتنشيط للمذنبين أن يقفوا في مواقف الخضوع والتذلل. (ولم يصروا على ما فعلوا) أي لم يقيموا على قبيح فعلهم ولكن استغفروا وقد تقدم تفسير الإصرار والمراد به هنا العزم على معاودة الذنب وعدم الإقلاع عنه بالتوبة منه، قال السدّي في الآية: فيسكتون ولا يستغفرون.

(وهم يعلمون) جملة حالية أي عالمين بقبحه وأنها معصية وأن لهم ربّاً يغفرها، وقيل يعلمون أن الإصرار ضار، وقيل يعلمون أن الله يملك مغفرة الذنب، وقيل يعلمون أن الله لا يتعاظمه العفو عن الذنوب وإن كثرت، وقيل يعلمون أنهم إن استغفروه غفر لهم، وقيل يعلمون أن الله يتوب على من تاب قاله مجاهد، وقيل يعلمون أن تركه أولى قاله الحسن، وقيل يعلمون المؤاخذة بها أو عفو الله عنها، والمعاني متقاربة. عن ابن مسعود قال إن في كتاب الله لآيتين ما أذنب عبد ذنباً فقرأهما فاستغفر الله إلا غفر له (والذين إذا فعلوا فاحشة) الآية، وقوله (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) الآية. عن ثابت البناني قال بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية بكى، وعن عطاف بن خالد قال بلغني أنه لما نزلت هذه الآية صاح إبليس بجنده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا مالك يا سيدنا قال آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب، قالوا وما هي؟ فأخبرهم قالوا نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك. وعن أبي بكر الصديق سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم عند ذكر ذنبه فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله من ذنبه ذلك إلا غفر الله له ثم قرأ " والذين إذا فعلوا فاحشة " الآية رواه أحمد وأهل السنن الأربع وحسّنه النسائي (¬1). وأخرج الترمذي وأبو داود والبيهقي في الشعب عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة (¬2)، وقد ¬

(¬1) الترمذي الباب 181 من كتاب الصلاة، الإمام أحمد 1/ 2. (¬2) الترمذي الباب 106 من كتاب الدعوات - أبو داوود الباب 26 من كتاب الوتر.

وردت أحاديث كثيرة في فضل الاستغفار.

136

(أولئك) المذكورون بقوله (والذين إذا فعلوا فاحشة) على ما هو الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء (جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار) أي ذلك ذخر لهم لا يبخس وأجر لا يوكس، وقد تقدم تفسير الجنات وكيفية جري الأنهار من تحتها (خالدين فيها) أي مقدرين الخلود فيها إذا دخلوها (ونعم أجر العاملين) بطاعة الله، والمخصوص بالمدح محذوف أي الجنة على ما قاله مقاتل أو أجرهم أو ذلك المذكور (¬1). ¬

(¬1) قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة) في سبب نزولها ثلاثة أقوال. أحدها: أن امرأة أتت إلى نبهان التمار تشتري منه تمراً فضمها، وقبلها، ثم ندم، فأتى النبي فذكر ذلك، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. أخرجه الإمام أحمد في " المسند " وابن ماجه عن ابن عمر، ونقل السُّدِّي عن " زوائد البوصيري " قال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وذكره المنذري في " الترغيب والترهيب " وقال: رواه ابن ماجه، ورواته محتج بهم في الصحيح. والثاني: أن أنصارياً وثقفياً آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهما، فخرج الثقفي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه، فكان الأنصاري يتعهد أهل الثقفي، فجاء ذات يوم فأبصر المرأة قد اغتسلت وهي شعرها، فدخل ولم يستأذن؛ فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها، فقبله ثم ندم، فأبر راجعاً، فقالت: سبحان الله خنت أمانتك، وعصيت ربك، ولم تصب حاجتك، قال: فخرج يسيح في الجبال، ويتوب إلى الله من ذنبه. فلما قدم الثقفي أخبرته المرأة بفعله، فخرج يطلبه حتى دل عليه، فندم على صنيعه فوافقه ساجداً يقول: ذنبي ذنبي، قد خنت أخي. فقال له: يا فلان انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاسأله عن ذنبك، لعل الله أن يجعل لك منه مخرجاً، فرجع إلى المدينة، فنزلت هذه الآية بتوبته، رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وذكره مقاتل. والثالث: أن المسلمين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: بنو إسرائيل أكرم على الله منا! كان أحدهم إذا أذنب، أصبحت كفارة ذنوبه مكتوبة في عتبة بابه، فنزلت هذه الآية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألا أخبركم بخير من ذلك " فقرأ هذه الآية، والتي قبلها، هذا قول عطاء ".

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)

137

(قد خلت من قبلكم سنن) هذا رجوع إلى وصف باقي قصة أحد بعد تمهيد مبادىء الرشد والصلاح تسلية للمؤمنين على ما أصابهم من الحزن والكآبة، وأصل الخلو في اللغة الإنفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن فيه ويستعمل أيضاً في الزمان بمعنى المضي، لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه. وكذا الأمم الخالية. والمراد بالسنن ما سنّه الله في الأمم الماضية من وقائعه أي قد خلت من قبل في زمانكم وقائع سنها الله في الأمم المكذبة بالهلاك والاستئصال لأجل مخالفتهم الأنبياء. وأصل السنن جمع السنة وهي الطريقة المستقيمة والعادة، والسنة الإمام المتبع المؤتم به، والسنة الأمة والسنن الأمم قاله المفضل الضبي، وقال الزجاج: أهل سنن فحذف المضاف، قال مجاهد: قد خلت سنن تداول من الكفار والمؤمنين في الخير والشر. ْ (فسيروا) أيها المؤمنون (في الأرض) والمطلوب من هذا السير المأمور به هو حصول المعرفة بذلك فإن حصلت بدونه فقد حصل المقصود، وإن كان لمشاهدة الآثار زيادة غير حاصلة لمن لم يشاهدها، والأمر للندب لا على سبيل الوجوب (فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) فإنهم خالفوا رسلهم بالحرص على الدنيا ثم انقرضوا فلم يبق من دنياهم التي آثروها أثر.

هذا قول أكثر المفسرين، والعاقبة آخر الأمور، رغبهم في تأمل أحوال الأمم الماضية ليصير ذلك داعياً لهم إلى الإيمان بالله ورسوله والإعراض عن الدنيا ولذاتها لأن النظر إلى آثار المتقدمين له أثر في النفس، وفي هذه الآية تسلية لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما جرى لهم في غزوة أحد.

138

(هذا بيان للناس) الإشارة إلى قوله (قد خلت) الخ وقال الحسن إلى القرآن ولا يخفى بعده. والبيان التبيين، وقيل هو الدلالة التي تفيد إزالة الشبهة بعد أن كانت حاصلة. وتعريف الناس للعهد، وهم المكذبون أو للجنس أي للمكذبين وغيرهم وفيه حث على النظر في سوء عاقبة المكذبين وما انتهى إليه أمرهم. (و) هذا النظر مع كونه بياناً فيه (هدى وموعظة) فعطف الهدى والموعظة على البيان يدل على التغاير ولو باعتبار المتعلق وبيانه أن اللام في الناس إن كانت للعهد فالبيان للمكذبين والهدى والموعظة للمؤمنين، وإن كانت للجنس فالبيان لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم، والهدى والوعظ (للمتقين) من المؤمنين وحدهم، والهدى بيان طريق الرشد المأمور بسلوكه دون طريق الغي، والموعظة هي الكلام الذي يفيد الزجر عما لا ينبغي في طريق الدين. فالحاصل أن البيان جنس تحته نوعان (أحدهما) الكلام الهادي إلى ما ينبغي في الدين وهو الهدى (والثاني) الكلام الزاجر عما لا ينبغي في الدين وهو الموعظة وإنما خص المتقين بالهدى والموعظة لأنهم المنتفعون بهما دون غيرهم قال سعيد بن جبير: أول ما نزل من آل عمران هذا بيان للناس ثم أنزل بقيتها من يوم أحد.

139

(ولا تهنوا ولا تحزنوا) عزاهم وسلاهم لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، وحثهم على قتال عدوهم. ونهاهم عن العجز والفشل، والمعنى لا تضعفوا عن الجهاد ولا تحزنوا على من قتل منكم لأنهم في الجنة.

ثم بين لهم أنهم الأعلون على عدوهم بالنصر والظفر فقال: (وأنتم الأعلون) جمع أعلى والأصل أعليون هي جملة حالية أي والحال أنكم الأعلون عليهم وعلى غيرهم بعد هذه الوقعة، وقد صدق الله وعده فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد وقعة أحد ظفر بعدوه في جميع وقعاته، وقيل المعنى وأنتم الأعلون عليهم بما أصبتم منهم في يوم بدر فإنه أكثر مما أصابوا منكم اليوم. أخرج ابن جرير وغيره عن ابن جريج قال انهزم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الشعب يوم أحد فسألوا ما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وما فعل فلان فنعى بعضهم لبعض وتحدثوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قتل، فكانوا في همّ وحزن، فبينما هم كذلك علا خالد بن الوليد بخيل المشركين فوقهم على الجبل وكانوا على إحدى جنبتي المشركين وهم أسفل من الشعب، فلما رأوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فرحوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - اللهم لا قوة لنا إلا بك وليس أحد يعبدك بهذا البلد غير هؤلاء فلا تهلكهم، وثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا فرموا خيل المشركين حتى هزمهم الله. وعلا المسلمون الجبل فذلك قوله (وأنتم الأعلون) وقال الضحاك أنتم الغالبون (إن كنتم مؤمنين) أي مصدقين بأن ناصركم هو الله تعالى فصدقوا بذلك فإنه حق وصدق.

140

(إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) القرح بالضم والفتح الجرح وهما لغتان فيه قاله الكسائي والأخفش ومعناهما واحد، وقال الفراء: هو بالفتح الجرح وبالضم ألمه، وقرىء قرح على المصدر. والآية خطاب للمسلمين حين انصرفوا من أحد مع الحزن والكآبة إن يمسسكم أيها المسلمون قرح ونالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم يوم بدر، فلا تهنوا لما أصابكم في هذا اليوم فإنهم لم يهنوا لما أصابهم في ذلك اليوم، وأنتم أولى بالصبر منهم. وقيل المراد ما أصاب المسلمين والكافرين في هذا اليوم، فإن المسلمين انتصروا عليهم في الابتداء فأصابوا منهم جماعة ثم انتصر الله عليهم فأصابوا

منهم والأول أولى لأن ما أصابه المسلمون من الكفار في هذا اليوم لم يكن مثل ما أصابوه منهم فيه، وكذا ما أصابه المشركون في يوم أحد لم يكن مثل ما أصابه المسلمون منهم يوم بدر بل ضعفه كما قال تعالى: (قد أصبتم مثليها) فيمكن أن يكون المماثلة في القتلى من دون نظر إلى الأسرى، ويكون القول الأول أرجح كما سلف. (وتلك الأيام) الكائنة بين الأمم في حروبها والآتية فيما بعد كالأيام الكائنة في زمن النبوة تارة تغلب هذه الطائفة وتارة تغلب الأخرى كما وقع لكم أيها المسلمون في يوم بدر وأحد وهو معنى قوله (نداولها بين الناس) فقوله لك مبتدأ والأيام صفته والخبر نداولها أي نصرفها بينهم نديل لهؤلاء تارة ولهؤلاء أخرى كقول من قال: فيوماً علينا ويوماً لنا ... ويوماً نُساء ُويوماً نسر وكقول حسان الهند السيد ازاد البلجرامي رحمه الله تعالى: ورأيت معالم دارسة ... رسمته مزاولة السبل وسألت رسوم الأربع ما ... فعلت بك سابقة الأزل فأجابت قال الله لنا ... وسؤالك من جهة الغفل تلك الأيام نداولها ... لأمكث لهن على رجل وأصل المداولة المعاورة وأدلته بينهم عاورته، والدولة الكرة يقال تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى آخر، ويقال الدنيا دول أي تنقل من قوم إلى آخرين، ثم منهم إلى غيرهم، وقيل المداولة المناوبة على الشيء والمعاودة وتعهده مرة بعد أخرى، قاله السمين. والمعنى أن أيام الدنيا هي دول بين الناس فيوم لهؤلاء ويوم لهؤلاء، فكانت الدولة للمسلمين على المشركين في يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين رجلاً

وأسروا سبعين وأديل المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا خمساً وسبعين، والقصة في البخاري بطولها عن البراء بن عازب وفي الباب أحاديث. والمعنى نداولها ليظهر أمركم. قال ابن عباس أدال المشركون على النبي صلى الله عليه وآله وسلمٍ يوم أحد، وبلغني أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد بضعة وسبعين رجلا عدد الأسارى الذين أسروا يوم بدر من المشركين وكان عدد الأسارى يوم بدر ثلاثة وسبعين رجلاً أخرجه ابن جرير وغيره. (وليعلم الله) علم ظهور (الذين آمنوا) أي إنما جعل الدولة للكفار على المسلمين ليميز المؤمن المخلص ممن يرتد عن الدين إذا أصابته نكبة وشدة، وهو من باب التمثيل أي فعلنا فعل من يريد أن يعلم لأنه سبحانه لم يزل عالماً، أو ليعلم الله الذين آمنوا بصبرهم علماً يقع عليه الجزاء كما علمه علماً أزلياً، وقيل ليعرفهم بأعيانهم، وقيل ليعلم أولياء الله فأضاف علمهم إلى نفسه تفخيماً وقيل غير ذلك. (ويتخذ منكم شهداء) يعني ويكرمكم بالشهادة، والشهداء جمع شهيد وهو من قتل من المسلمين بسيف الكفار في المعركة سمي بذلك لكونه مشهوداً له بالجنة أو جمع شاهد لكونه كالمشاهد للجنة، ومن للتبعيض وهم شهداء أحد. وقال ابن عباس إن المسلمين كانوا يسألون ربهم: اللهم ربّنا أرنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبليك فيه خيراً ونلتمس فيه الشهادة فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ منهم شهداء. (والله لا يحب الظالمين) يعني المشركين، جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه لتقرير مضمون ما قبله، وقيل هم الذين ظلموا أنفسهم بالمعاصي، قيل هم المنافقون، والأول أولى، ونفي المحبة كناية عن البغض، وفي إيقاعه على الظالمين تعريض بمحبته تعالى لمقابليهم.

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143)

141

(وليمحّص الله الذين آمنوا) التمحيص الإبتلاء والاختبار، وقيل التطهير والتنقية على حذف مضاف أي ليمحص ذنوب الذين آمنوا، قاله الفراء، وقيل يمحص يخلّص، قاله الخليل والزجاج أي ليخلّص المؤمنين من ذنوبهم ويزيلها عنهم. وفي القاموس ومحصّ الذهب بالنار من باب منع أخلصه مما يشوبه والتمحيص التصفية (ويمحق الكافرين) أي يستأصلهم بالهلاك ويفنيهم، وأصل التمحيق محو الآثار والمحق نقصها قليلاً قليلا، وقال ابن عباس: يمحص يبتليهم، ويمحق ينقصهم.

142

(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) كلام مستأنف لبيان ما ذكر من التمييز، وأم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة للإنكار، والمعنى لا تحسبوا أيها المؤمنون أن تنالوا كرامتي وثوابي (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) قال الرازي: أي ولما يصدر الجهاد عنكم، وهذا ظاهر الآية والمراد أن العلم متعلق بالعلوم. وقال الواحدي: المعنى على الجهاد دون العلم أي لما يكن العلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم وقال الطبري: ولما يتبين لعبادي المؤمنين المجاهد منكم على ما أمرته به، وقال أبو السعود: نفي العلم كناية عن نفي العلوم لما بينهما من اللزوم المبني على لزوم تحقق الأول لتحقق الثاني ضرورة استحالة شيء بدون علمه تعالى به. وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف فقط وكان

يكفي أن يقال ولا يعلم الله جهادكم كناية عن معنى ولا تجاهدوا للمبالغة في بيان انتفاء الوصف وعدم تحققه أصلاً انتهى، ولما بمعنى لم عند الجمهور، وفرق سيبويه بينهما فجعل لم لنفي الماضي، ولما لنفي الماضي والمتوقع، ففيه إيذان بأن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل إلا أنه غير معتبر في تأكيد الإنكار. ْ (ويعلم الصابرين) الواو للجمع قاله الخليل وغيره، وقال الزجاج بمعنى حتى، وقال الزمخشري للحال، والمعنى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما وفي الآية معاتبة لمن انهزم يوم أحد. والخطاب في قوله

143

(ولقد كنتم تمنّون الموت) لمن كان يتمنى القتال والشهادة في سبيل الله ممن لم يحضر يوم بدر فإنهم كانوا يتمنّون يوماً يكون فيه قتال، فلما كان يوم أحد انهزموا مع أنهم الذين ألحّوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج ولم يصبر منهم إلا نفر يسير مثل أنس ابن النضر عم أنس بن مالك. وقد ورد النهي عن تمني الموت فلا بد من حمله هنا على الشهادة يعني حالة الشهداء من رفع المنزلة في الجنة وغير ذلك، ويكون المراد بالموت هنا ما يؤول إليه لا نفس الشهادة لأنها مستلزمة لتمني الموت وغلبة الكفار. وعلى هذا التأويل يزول الإشكال لأن من طلب الجنة لا يقال أنه تمنى الموت، قال القرطبي: وتمنّي الموت من المسلمين يرجع إلى تمني الشهادة المبنية على الثبات والصبر على الجهاد لا إلى قتل الكفار لهم لأنه معصية وكفر، ولا يجوز إرادة المعصية وعلى هذا يحمل سؤال المسلمين من الله أن يرزقهم الشهادة فيسألون الصبر على الجهاد وإن أدى إلى القتل. (من قبل أن تلقوه) أي القتال أو الشهادة التي هي سبب الموت أو العود على العدو، والجمهور على كسر لام من قبل لأنها معربة لإضافتها إلى أن

أي من قبل لقائه وقرىء تلاقوه ومعناه معنى تلقوه لأن لقي يستدعي أن يكون بين اثنين بمادته وإن لم يكن على المفاعلة. (فقد رأيتموه) أي القتال أو ما هو سبب للموت يوم أحد، والظاهر أن الرؤية بصرية، وقيل علمية أي فقد علموا الموت حاضراً (وأنتم تنظرون) قيّد الرؤية بالنظر مع اتحاد معناهما للمبالغة أي قد رأيتموه معاينين له حين قتل دونكم من قتل منكم. قال الأخفش: إن التكرير بمعنى التأكيد مثل قوله (ولا طائر يطير بجناحيه) وقيل معناه بصراء ليس في أعينكم علل تتأملون الحال كيف هي فلم انهزمتم، وقيل معناه وأنتم تنظرون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن رجالاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر، ونستشهد، أو ليت لنا يوماً كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلي فيه خيراً ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق فأشهدهم الله أحداً فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، فقال الله (ولقد كنتم تمنّون الموت) الآية وفيه توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب. وتسببوا فيها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو توبيخ لهم على الشهادة فإن في تمنيها تمنّي غلبة الكافرين (¬1). ¬

(¬1) وقد ورد في سيرة ابن هشام أنهم بعد أن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم للبس لأمته لاموا أنفسهم إذ اختاروا عكس رأي النبي فطلبوا عنه عدم الخروج فرفض ذلك عليه الصلاة والسلام. وخرج بهم إلى أحد وكان ما كان من حوادث وفرار وتخلف ومعصية أوامر الرسول عليه الصلاة والسلام.

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (145)

144

(وما محمد إلا رسول) سبب نزول هذه الآية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أصيب يوم أحد صاح الشيطان قائلاً قد قتل محمد - صلى الله عليه وسلم - ففشل بعض المسلمين حتى قال قائل قد أصيب محمد فأعطوا بأيديكم فإنما هم إخوانكم (¬1)، وقال آخر لو كان رسولاً ما قتل فرد الله عليهم ذلك وأخبرهم بأنه رسول (قد خلت من قبله الرسل) وسيخلو كما خلوا فهذه الجملة صفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقصر قصر أفراد كأنهم استبعدوا هلاكه فأثبتوا له صفتين الرسالة وكونه لا يهلك فرد الله عليهم ذلك بأنه رسول لا يتجاوز ذلك إلى صفة عدم الهلاك، وقيل هو قصر قلب. ثم أنكر الله عليهم بقوله (أفإن مات) الهمزة للاستفهام الإنكاري أي كيف ترتدون وتكفرون دينه إذا مات (أو قتل) مع علمكم أن الرسل تخلو ويتمسك أتباعهم بدينهم وإن فقدوا بموت أو قتل، وقيل الإنكار لجعلهم خلو الرسل قبله سبباً لانقلابهم بموته أو قتله، وإنما ذكر القتل سبحانه مع علمه أنه لا يقتل لكونه مجوزاً عند المخاطبين. (انقلبتم على أعقابكم) أي ترجعون إلى دينكم الأول يقال لكل من رجع إلى ما كان عليه نكص على عقبيه ورجع وراءه. والحاصل أن موته - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) ابن جرير 7/ 257.

أو قتله لا يوجب ضعفاً في دينه ولا الرجوع عنه بدليل موت سائر الأنبياء قبله، وأن اتباعهم ثبتوا على دين أنبيائهم بعد موتهم، فلا ينبغي منكم الانقلاب والارتداد حينئذ، لأن محمداً عبد مبلّغ لا معبود، وقد بلغكم والعبود باق فلا وجه لرجوعكم عن الدين الحق ولو مات من بلغكم إياه. (ومن ينقلب على عقبيه) بإدباره عن القتال أو بارتداده عن الإسلام (فلن يضر الله شيئاً) وإنما يضر نفسه (وسيجزي الله الشاكرين) أي الذين صبروا وقاتلوا واستشهدوا لأنهم بذلك شكروا نعمة الله عليهم بالإسلام ومن امتثل ما أمر به فقد شكر النعمة التي أنعم الله بها عليه. وقال علي: الشاكرين الثابتين على دينهم أبا بكر وأصحابه فكان علي رضي الله عنه يقول: كان أبو بكر رضي الله عنه أمير الشاكرين وكان أشكرهم وأحبّهم إلى الله تعالى، وعنه أنه كان يقول في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله لا ننقلب على أعقابنا بعد إذ هدانا الله، والله لئن مات أو قتل لأقاتلنّ على ما قاتل عليه حتى أموت (¬1). ¬

(¬1) القرطبي 4/ 222.

145

(وما كان لنفس أن تموت) هذا كلام مستأنف يتضمن الحث على الجهاد والإعلام بأن الموت لا بد منه (إلا بإذن الله) أي ما كان لها أن تموت إلا مأذوناً لها فالاستثناء مفرغ والباء للمصاحبة يعني بقضاء الله وقدره وأمره، وقيل هذه الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله صلى الله عليه وآله وسلم فبين لهم أن الموت بالقتل أو بغيره منوط بإذن الله، وإسناده إلى النفس مع كونها غير مختارة له للإيذان بأنه لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا باذنه.

وفيه تحريض المؤمنين على الجهاد وتشجيعهم على لقاء العدو بإعلامهم بأن الجبن لا ينفع وإن الحذر لا يدفع، والثبات لا يقطع الحياة وأن أحداً لا يموت إلا بأجله وإن خاض المهالك، واقتحم المعارك، وإذا جاء الأجل لم يدفع الموت بحيلة فلا فائدة في الجبن والخوف. وفيه أيضاً ذكر حفظ الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم عند غلبة العدو وتخليصه منهم عند التفافهم عليه وإسلام أصحابه له فأنجاه الله من عدوه سالماً مسلماً لم يضره شيء. (كتاباً مؤجلاً) معناه كتب الله الموت كتاباً، والمؤجل المؤقت الذي لا يتقدم على أجله ولا يتأخر، يعني مؤقتاً له أجل معلوم وقيل الكتاب هو اللوح المحفوظ لأن فيه آجال جميع الخلائق، والأول أولى، والغرض من هذا السياق توبيخ المنهزمين يوم أحد. (ومن يرد) بعمله (ثواب الدنيا) كالغنيمة ونحوها، نزلت في الذين تركوا المركز وطلبوا الغنيمة، واللفظ يعم كل ما يسمى ثواب الدنيا وإن كان السبب خاصاً (نؤته منها) أي من ثوابها ما نشاء على ما قدرنا له، فهو على حذف المضاف. (ومن يرد) بعمله (ثواب الآخرة) وهو الجنة، نزلت في الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنها عامة في جميع الأعمال (نؤته منها) أي من ثوابها ونضاعف له الحسنات أضعافاً كثيرة (وسنجزي الشاكرين) أي نجزيهم بامتثال ما أمرناهم به كالقتال ونهيناهم عنه كالفرار وقبول الإرجاف، والمراد بهم إما المجاهدون المعهودون من الشهداء وغيرهم، وإما جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، وإلى الأول أشار في التقرير، والثاني أولى.

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147)

146

(وكأيّن) قال الخليل وسيبويه: هي أي الاستفهامية وكاف التشبيه بمعنى كم التكثيرية وهي كناية عن عدد مبهم. و (من نبي) تمييز لها، وفي كأيّن خمس لغات ذكرها في الجمل واختار الشيخ أن كأيّن كلمة بسيطة غير مركبة وأن آخرها نون هي من نفس الكلمة لا تنوين لأن هذه الدعاوي لا يقوم عليها دليل. والشيخ سلك في ذلك الطريق الأسهل، والنحويون ذكروا هذه الأشياء محافظة على أصولهم مع ما ينضم إلى ذلك من الفوائد وتشحيذ الذهن وتمرينه، وأطال في الجمل الكلام على كأيّن من حيث الأفراد والتركيب ليس في ذكره هنا كثير فائدة. وقرىء (قتل) على البناء للمجهول واختارها أبو حاتم ولها وجهان (أحدهما) أن يكون في قتل الضمير يعود إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وحينئذ يكون قوله (معه ربّيون) جملة حالية، والثاني أن يكون القتل واقعاً على (ربيّون) فلا يكون في قتل ضمير، والمعنى قتل بعض أصحابه وهم الربّيون، ورجح الزمخشري هذا بقراءة قتادة قتل بالتشديد. وقرىء (قاتل) واختارها أبو عبيد وقال إن الله إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلاً فيه، وإذا حمد من قتل لم يدخل فيه من قاتل ولم يقتل، فقاتل أعم وأمدح، ويرجح هذه القراءة الأخرى.

والوجه الثاني من القراءة الأولى قول الحسن ما قتل نبي في حرب قطّ، وقيل قتل فارغ من الضمير مسند إلى ربيون، والربّيون بكسر الراء قراءة الجمهور، وقرأ علي بضمها وابن عباس بفتحها، قال ابن جني والفتح لغة تميم وواحدة ربي منسوب إلى الرب، والربي بضمم الراء وكسرها منسوب إلى الربة بكسر الراء وضمها وهي الجماعة ولهذا فسرهم جماعة من السلف بالجماعات الكثيرة، وقيل هم الأتباع. قال الخليل الربيّ الواحد من العباد الذين صبروا مع الأنبياء وهم الربانيون نسبوا إلى التأله والعبادة ومعرفة الربوبية، وقال الزجاج الربيون بالضم الجماعات، وقال النقاش هم المكثرون العلم من قولهم ربا يربو إذا كثر، وقال ابن مسعود ربيون ألوف، عن الضحاك الربة الواحدة ألف، وعن ابن عباس قال جموع وعلماء. (كثير) والمعنى أن كثيراً من الأنبياء قتلوا (فما وهنوا) قرىء بفتح الهاء وبكسرها وهما لغتان والوهن انكسار الجسد بالخوف وهن الشيء يهن وهناً كوعد يعد، ووهن يوهن كوجل يوجل ضعف أي ما جبنوا عن الجهاد (لما أصابهم) أي نالهم (في سبيل الله) من ألم الجروح وقتل الأنبياء والأصحاب والقروح (وما ضعفوا) أي عن عدوهم بل استمروا على جهادهم، لأن الذي أصابهم هو في سبيل الله وطاعته وإقامة دينه ونصرة نبيه، فكان ينبغي لكم يا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تفعلوا مثل ذلك، قرىء ضعفوا بضم العين وفتحها وحكاها الكسائي لغة. (وما استكانوا) لما أصابهم في الجهاد والاستكانة الذلة والخضوع، وقال ابن عباس الخشوع، وعبارة السمين فيه ثلاثة أقوال (أحدها) أنه استفعل من الكون والكون والذل وأصله ستكون، وقال الزهري وأبو علي: الأصل استكين وقال الفراء: وزنه افتعل من السكون انتهى، وفي هذا توبيخ لمن انهزم يوم

أحد وذل واستكان وضعف بسبب ذلك الإرجاف الواقع من الشيطان ولم يصنع كما صنع أصحاب من خلا من قبلهم من الرسل (والله يحب الصابرين) في الجهاد على تحمل الشدائد.

147

(وما كان قولهم) أي قول أولئك الذين كانوا مع الأنبياء، والاستثناء مفرغ أي ما كان قولهم عند أن قتل منهم ربانيون أو قتل نبيهم مع ثباتهم وصبرهم عند لقاء العدو، واقتحام مضايق الحرب، وإصابة ما أصابهم من فنون الشدائد والأهوال شيء من الأشياء (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) قيل هي الصغائر. (وإسرافنا في أمرنا) قيل هي الكبائر والظاهر أن الذنوب تعم كل ما يسمى ذنباً من صغيرة أو كبيرة، والإسراف ما فيه مجاوزة للحد فهو من عطف الخاص على العام، قالوا ذلك مع كونهم ربانيين هضماً لأنفسهم واستقصاراً لها وإسناداً لما أصابهم إلى أعمالهم، وبراءة من التفريط في جنب الله، وقدموا الدعاء بمغفرتها على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقولهم: (وثبت أقدامنا) أي في مواضع القتال ومواطن الحرب بالتقوية والتأييد من عندك أو ثبتنا على دينك الحق (وانصرنا على القوم الكافرين) تقريباً له إلى حين القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة، والمعنى لم يزالوا مواظبين على هذا الدعاء من غير أن يصدر عنهم قول يوهم شائبة الجزع والتزلزل في مواقف الحرب، ومراصد الدين، وفيه من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى.

فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)

148

(فآتاهم الله) بسبب ذلك الدعاء (ثواب الدنيا) من النصر والغنيمة والعزة وقهر الأعداء والثناء الجميل وغفران الذنوب والخطايا ونحوها (وحسن ثواب الآخرة) من إضافة الصفة إلى الموصوف أي ثواب الآخرة الحسن وهو نعيم الجنة، جعلنا الله تعالى من أهلها، والفضل فوق الاستحقاق (والله يحب المحسنين) الذين يفعلون ما فعل هؤلاء، وهذا تعليم من الله سبحانه لعباده المؤمنين أن يقولوا مثل هذا عند لقاء العدو، وفيه دقيقة لطيفة وهي أنهم لما اعترفوا بذنوبهم وكونهم مسيئين سماهم الله تعالى محسنين. ثم لما أمر سبحانه بالاقتداء بمن تقدم من أنصار الأنبياء حذر عن طاعة الكفار وقال

149

(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا) وهم مشركو العرب، وقيل اليهود والنصارى، وقيل المنافقون في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة ارجعوا إلى دين آبائكم، وقيل عامة في مطاوعة الكفرة والنزول على حكمهم فإنه يستجرّ إلى موافقتهم (يردوكم على أعقابكم) أي يخرجونكم من دين الإسلام إلى الكفر (فتنقلبوا) ترجعوا (خاسرين) مغبونين فيهما أما خسران الدنيا فلان أشق الأشياء على العقلاء الانقياد إلى العدو وإظهار الحاجة إليه، وأما خسران الآخرة فالحرمان من الثواب المؤبد والوقوع في العقاب المخلد.

150

(بل الله مولاكم) إضراب عن مفهوم الجملة الأولى أي إن تطيعوا الكافرين يخذلوكم ولا ينصروكم بل الله ناصركم دون غيره (وهو خير الناصرين) فاستعينوا به وأطيعوه دونهم.

151

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) (سنلقي) بنون العظمة وهو التفات عن الغيبة في قوله (وهو خير الناصرين) وذلك للتنبيه على عظم ما يلقيه تعالى، وقرىء بالياء جرياً على الأصل (في قلوب الذين كفروا) قدم المجرور على المفعول به اهتماماً بذكر المحل قبل ذكر الحال (الرعب) بضم الراء والعين وسكونها وهما لغتان، ويجوز أن يكون مصدراً والرعب بالضم وبضم العين للاتباع، وأصله الملء يقال سيل راعب أي يملأ الوادي ورعبت الحوض ملأته فالمعنى سنملأ قلوب الكافرين رعباً أي خوفاً وفزعاً والإلقاء يستعمل حقيقة في الأجسام ومجازاً في غيرها كهذه الآية. وذلك أن المشركين بعد وقعة أحد ندموا أن لا يكونوا استأصلوا وقالوا بئسما صنعنا قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم. ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. (بما أشركوا بالله) أي بسبب إشراكهم به تعالى (ما لم ينزل به) أي يجعله شريكاً له (سلطانا) حجة وبياناً وبرهاناً سميت الحجة سلطاناً لقوتها على دفع الباطل أو لوضوحها وإنارتها أو لحدّتها ونفوذها، والنفي يتوجه إلى القيد والمقيد أي لا حجة ولا إنزال، والمعنى أن الاشراك بالله لم يثبت في شيء من الملل (ومأواهم) مسكنهم (النار) بيان لأحوالهم في الآخرة بعد بيان أحوالهم في الدنيا (وبئس مثوى الظالمين) أي المسكن الذي يستقرون فيه. وكلمة بئس تستعمل في جميع المذامّ وفي جعلها مثواهم بعد جعلها مأواهم رمز إلى خلودهم فيها فإن المثوى مكان الإقامة المنبئة عن المكث، والمأوى المكان الذي يأوي إليه الإنسان، وقدم المأوى على المثوى لأنه على الترتيب الوجودي يأوي ثم يثوي، قاله الكرخي.

152

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152) (ولقد صدقكم الله وعده) نزلت لما قاله بعض المسلمين من أين أصابنا هذا وقد وعدنا الله النصر، وذلك أنه كان الظفر لهم في الابتداء حتى قتلوا صاحب لواء المشركين وتسعة نفر بعده، فلما اشتغلوا بالغنيمة وترك الرماة مركزهم طلباً للغنيمة كان ذلك سبب الهزيمة. (إذ تحسونهم) والحس الاستئصال بالقتل أي تستأصلوهم قتلاً، يقال جراد محسوس إذا قتله البرد. وسنة حسوس أي جدبة تأكل كل شيء، قيل وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة فمعنى حسّه أذهب حسه بالقتل. قال الكرخي: المراد به هنا البصر ثم وضع موضع العلم والوجود ومنه قوله تعالى: (فلما أحس عيسى منهم الكفر) أي علم، ومنه قوله (هل تحس منهم من أحد) أي ترى وبمعنى الطلب، ومنه قوله (فتحسّسوا من يوسف) أي اطلبوا خبره انتهى. (بإذنه) أي بعلمه أو بقضائه (حتى إذا فشلتم) أي جبنتم وضعفتم، قيل جوابه مقدر امتحنتم، وقال الفراء جوابه (وتنازعتم) والواو مقحمة زائدة كقوله: (فلما أسلما وتلّه للجبين) وقال أبو علي: جوابه صرفكم عنهم الآتي. وقيل فيه تقديم وتأخير أي حتى إذا تنازعتم (في الأمر وعصيتم) فشلتم.

وقيل إن الجواب وعصيتم والواو مقحمة، وقد جوز الأخفش مثله في قوله تعالى (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم)، وقيل حتى بمعنى إلى وحينئذ لا جواب لها، وإذا هذه على بابها، والتنازع المذكور هو ما وقع من الرماة حين قال بعضهم نلحق الغنائم، وقال بعضهم نثبت في مكاننا كما أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومعنى (من بعد ما أراكم) ما وقع لهم من النصر في الابتداء في يوم أحد كما تقدم، قال ابن عباس: من بعد ما أراكم يعني الغنائم وهزيمة القوم، قال عروة: كان الله وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وكان قد فعل، فلما عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتركوا مصافّهم وتركت الرماة عهد الرسول إليهم أن لا يبرحوا منازلهم، وأرادوا الدنيا، رفع عنهم مدد الملائكة، وقصة أحد مستوفاة في كتب السير والتواريخ فلا حاجة لإطالة الشرح هنا. (ما تحبون) من النصر والظفر يا معشر المسلمين (منكم من يريد الدنيا) يعني الغنيمة فترك المركز لها (ومنكم من يريد الآخرة) أي الأجر بالبقاء في مركزه امتثالاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فثبت به حتى قتل كعبد الله بن جبير وأصحابه. (ثم صرفكم عنهم) أي ردكم عن المشركين بالهزيمة بعد أن استوليتم عليهم (ليبتليكم) أي ليمتحنكم فيظهر المخلص من غيره، وقيل لينزل عليكم البلاء لتتوبوا إليه وتستغفروه، والأول أولى. (ولقد عفا عنكم) ما ارتكبتموه تفضلاً لما علم من ندمكم فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، والخطاب لجميع المنهزمين وقيل للرماة فقط (والله ذو فضل على المؤمنين) بالعفو، وفي الآية دليل على أن صاحب الكبيرة مؤمن.

153

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) (إذ تصعدون) متعلق بقول. صرفكم أو بقوله ولقد عفا عنكم أو بقوله ليبتليكم، قاله الزمخشري، وقال أبو البقاء: بقوله لعصيتم أو تنازعتم أو فشلتم، وكل هذه الوجوه سائغة، وكونه ظرفاً لصرفكم جيد من جهة المعنى، ولعفا جيد من جهة القرب، وعلى بعض هذه الأقوال تكون المسألة من باب التنازع، وتكون على إعمال الأخير منها لعدم الإضمار في الأول، ويكون التنازع في أكثر من عاملين. قال أبو حاتم: يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل، فالإصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية، والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدرج، فيحتمل أن يكون صعودهم في الجبل بعد إصعادهم في الوادي. وقال القتيبي: أصعد إذا أبعد في الذهاب وأمعن فيه، وقال الفراء الإصعاد الإبتداء في السفر، والإنحدار الرجوع منه يقال أصعدنا من بغداد إلا مكة وإلا خراسان وأشباه ذلك إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر، وانحدرنا إذا رجعنا. وقال المفضل: صعد وأصعد بمعنى واحد، وقرىء تصعدون بالتشديد وأصلها تتصعدون بتاء الخطاب، وقرىء بياء الغيبة على الالتفات وهو حسن والضمير يعود على المؤمنين. (ولا تلوون) وقرىء بضم التاء من ألوي وهي لغة ففعل وأفعل بمعنى، وقرىء بواو واحدة أي لا تعرجون من التعريج وهو الإقامة على الشىء فإن المعرّج إلا الشيء يلوي إليه عنقه أو عنق دابته، وكذا شأن المنتظر، والمعنى لا تقيمون (على أحد) ممن معكم، وقيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولا يلتفت بعضكم إلى بعض ولا يقف واحد منكم لواحد ولا ينتظره هرباً. (والرسول يدعوكم في أخراكم) في الطائفة المتأخرة منكم، يقال جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس وأخرى الناس وأخريات الناس، وقيل من ورائكم وقال أبو السعود في ساقتكم وجماعتكم الأخرى، فكان دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليّ عباد الله أي ارجعوا. (فأثابكم) أي فجازاكم الله (غماً) حين صرفكم عنهم بسبب غمّ أذقتموه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بعصيانكم أو غماً موصولاً (بغم) بسبب ذلك الإرجاف والجرح والقتل وظفر المشركين، والباء على هذا بمعنى على أي مضاعفاً على غمّ فوت الغنيمة. والغم في الأصل التغطية، غمّيت الشيء غطيته ويوم غم وليلة غمة إذا كانا مظلمين، ومنه غم الهلال، وقيل الغم الأول الهزيمة، والثاني إشراف أبي سفيان وخالد بن الوليد عليهم في الجبل، وقيل الغم الأول هو ما فاتهم من الظفر، والثاني ما نالهم من الهزيمة، وقيل الأول ما أصابهم من القتل والجراح، والثاني ما سمعوا بأن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد قتل، وقيل الأول بسبب إشراف خالد بن الوليد مع خيل المشركين، والثاني حين أشرف أبو سفيان. وسميت العقوبة التي نزلت بهم ثواباً على سبيل المجاز لأن لفظ الثواب لا يستعمل في الأغلب إلا في الخير، وقد يجوز استعماله في الشر لأنه مأخوذ من ثاب إذا رجع، فأصل الثواب كل ما يعود إلى الفاعل من جزاء فعله سواء كان خيراً أو شراً، فمتى حملنا لفظ الثواب على أصل اللغة كان حقيقة، ومتى حملناه على الأغلب كان مجازاً. (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة (ولا ما أصابكم) من الهزيمة تمريناً لكم على المصائب وتدريباً لاحتمال الشدائد، وقال المفضل: لكي تحزنوا ولا زائدة كقوله أن لا تسجد وقوله (لئلا يعلم) أي أن تسجد وليعلم (والله خبير بما تعملون) من الأعمال خيرها وشرها فيجازيكم عليها.

154

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154) (ثم أنزل عليكم) يا معشر المسلمين (من بعد الغم) التصريح بالبعدية مع دلالة ثم عليها وعلى التراخي لزيادة البيان وتذكير عظم النعمة (أمنة) الأمنة والأمن سواء، وقيل الأمنة إنما تكون مع بقاء أسباب الخوف والأمن مع عدمه وكان سبب الخوف بعد باقياً (نعاساً) وهو أخفّ من النوم بدل كل أو اشتمال، واختاره السمين. (يغشى طائفة منكم) قال ابن عباس إنما ينعس من يأمن، والخائف لا ينام، والطائفة تطلق على الواحد والجماعة، وهذه الطائفة هم المؤمنون الذين خرجوا للقتال طلباً للأجر، والطائفة الآتية هم معتب بن قشير وأصحابه، وكانوا خرجوا طمعاً في الغنيمة وجعلوا يتأسفون على الحضور، ويقولون الأقاويل. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أبا طلحة قال غشينا ونحن في مصافّنا يوم أحد فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه فذلك قوله يعني هذه الآية (¬1). ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 418.

(وعن الزبير بن العوام قال رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس وتلا هذه الآية (1). (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) حملتهم على الهم، أهمني الأمر أقلقني وجاز الإبتداء بالنكرة لاعتمادها على واو الحال أو مستأنفة، وقيل إن المعنى صارت أنفسهم همهم لا هم لهم غيرها فلا رغبة لهم إلا نجاتها دون النبي وأصحابه فلم يناموا وهم المنافقون، وفي إلقاء النعاس على المؤمنين دون المنافقين آية عظيمة ومعجزة باهرة لأن النعاس كان سبب أمن المؤمنين وعدم النعاس عن المنافقين كان سبب خوفهم. (يظنون بالله) أي في الله أي في حكمه والجملة استئناف على وجه البيان لما قبله ظناً (غير الحق) الذي يجب أن يظن به وهو ظنهم أن أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باطل، وأنه لا ينصر ولا يتم ما دعا إليه من دين الحق (ظن الجاهلية) بدل من غير الحق وهو الظن المختص بملة الجاهلية، قاله القاضي فهو من إضافة الموصوف إلى مصدر الصفة أو من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية وأهل الشرك قاله التفتازاني. (يقولون) لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (هل لنا من الأمر من شيء) أي من أمر الله نصيب، وهذا الاستفهام معناه الجحد أي ما لنا شيء من الأمر وهو النصر والاستظهار على العدو. وقيل هو الخروج أي إنما خرجنا

مكرهين فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله. (قل إن الأمر كله لله) وليس لكم ولا لغيركم منه شيء فالنصر بيده والظفر منه (يخفون) أي يضمرون (في أنفسهم) ويقولون فيما بينهم بطريق الخفية (ما لا يبدون لك) من الكفر والشرك والشك في وعد الله، وقيل يخفون الندم على خروجهم مع المسلمين، وقيل النفاق، بل يسألونك سؤال المسترشدين. والجملة حال. (يقولون لو كان لنا من الأمر شيء) استئناف على وجه البيان له، أو بدل من يخفون والأول أجود كما في الكشاف (ما قتلنا ههنا) أي ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، فرد الله سبحانه ذلك عليهم بقوله (قل لو كنتم) قاعدين (في بيوتكم) بالمدينة كما تقولون (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) أي لم يكن بد من خروج من كتب عليه القتل في اللوح المحفوظ بسبب من الأسباب الداعية إلى البروز إلى هذه المصارع التي صرعوا فيها فإن قضاء الله لا يردّ وحكمه لا يعقب. وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل بل عين مكانه أيضاً، ولا ريب في تعين زمانه أيضاً لقوله (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة). (وليبتلي الله) علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لصالح جمة وليبتلي أي ليمتحن (ما في صدوركم) أي قلوبكم من الإخلاص والنفاق (وليمحص) أي يميز (ما في قلوبكم) من وساوس الشيطان (والله عليم بذات الصدور) يعني بالأشياء الموجودة في الصدور وهي الأسرار والضمائر الخفية التي لا تكاد تفارق الصدور، بل تلازمها وتصاحبها لأنه عالم بجميع المعلومات.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (156)

155

(إن الذين تولوا منكم) عن القتال (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع الكفار أي انهزموا يوم أحد، وقيل المعنى إن الذين تولوا المشركين يوم أحد (إنما استزلّهم الشيطان) استدعى زللهم بإلقاء الوسوسة في قلوبهم (ببعض) أي بشؤم بعض (ما كسبوا) من الذنوب التي منها مخالفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قيل لم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ثلاثة عشر رجلاً؛ وقيل أربعة عشر. من المهاجرين سبعة ومن الأنصار سبعة، فمن المهاجرين أبو بكر وعمر وعلي وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم. وقيل استزلّهم بتذكير خطايا سبقت لهم فكرهوا أن يقتلوا قبل إخلاص التوبة منها، وهذا اختيار الزجاج. (ولقد عفا الله عنهم) لتوبتهم واعتذارهم. عن عبد الرحمن بن عوف قال: هم ثلاثة واحد من المهاجرين وإثنان من الأنصار، وعن ابن عباس قال: نزلت في عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد، وقد روي في تعيين من في الآية روايات كثيرة (إن الله غفور) لمن تاب وأناب (حليم) لا يعجل بالعقوبة ولا يستأصلهم بالقتل.

156

(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) هم المنافقون الذين

قالوا: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا (وقالوا لإخوانهم) في النفاق أو في النسب أي قالوا لأجلهم (إذا ضربوا) أي ساروا وسافروا وبعدوا (في الأرض) للتجارة ونحوها، قال مجاهد: هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول والمنافقين وعن السدّى نحوه (أو كانوا غزّاً) جمع غاز كراكع وركّع وغائب وغيّب وقياسه غزاة كرام ورماة (لو كانوا) مقيمين (عندنا ما ماتوا وما قتلوا) أي لا تقولوا كقولهم. (ليجعل الله ذلك) يعني قولهم وظنهم في عاقبة أمرهم، والجعل هنا بمعنى التصيير واللام لام العاقبة (حسرة في قلوبهم) يعني غماً وتأسفاً أي قالوا ذلك واعتقدوه ليكون حسرة في قلوبهم، والمراد أنه صار ظنهم أنهم لو لم يخرجوا ولم يحضروا ما قتلوا حسرة، وقيل معناه لا تكونوا مثلهم في اعتقاد ذلك ليجعله الله حسرة في قلوبهم فقط دون قلوبكم. قال الزمخشري: هو النطق بالقول والاعتقاد، وقيل المعنى لا تلتفتوا إليهم ليجعل الله عدم التفاتكم إليهم حسرة في قلوبهم، وأجاز ابن عطية أن يكون النهي والانتهاء معاً وقيل المراد حسرة يوم القيامة لما فيه من الخزي والندامة. (والله يحيى ويميت) فيه رد على قولهم أي ذلك بيد الله سبحانه يصنع ما يشاء ويحكم ما يريد فيحيي من يريد. ويميت من يريد، من غير أن يكون للسفر أو الغزو أثر في ذلك .. فإنه تعالى قد يحيى المسافر والغازي مع اقتحامهما لموارد الموت. ويميت المقيم والقاعد مع حيازتهما لأسباب السلامة. والمعنى أن السفر والغزو ليسا مما يجلب الموت، والقعود لا يمنع منه. (والله بما تعملون) بالتاء والياء من خير وشر (بصير) فيجازيكم به فاتقوه تهديد للمؤمنين أي لا تكونوا مثل المنافقين المذكورين في تنفير المؤمنين عن الجهاد. أو وعيد للذين كفروا، واللفظ عام شامل لقولهم المذكور ولمنشئه الذي هو اعتقادهم.

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)

157

(ولئن) وقع ذلك من أمر الله سبحانه و (قتلتم في سبيل الله أو متم) شروع في تحقيق أن ما يحذرون ترتبه على الغزو والسفر من القتل والموت في سبيل الله ليس مما ينبغي أن يحذر وبل مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون أثر إبطال ترتبه عليهما. قرىء متم بضم الميم وكسرها من يموت ويمات وهما قراءتان سبعيّتان (لمغفرة من الله) لذنوبكم (ورحمة) منه لكم من العاقبة (خير مما يجمعون) أي الكفرة من منافع الدنيا وطيباتها مدة أعمارهم. وقرىء بالتاء والمعنى مما تجمعون أيها المسلمون من غنائم الدنيا ومنافعها، والمقصود في الآية بيان مزية القتل أو الموت في سبيل الله وزيادة تأثيرهما في استجلاب المغفرة والرحمة.

158

(ولئن متّم أو قتلتم) على أي وجه اتفق هلاككم حسب تعلق الإرادة الإلهية، وقرىء متم بكسر الميم من مات يمات (لإلى الله) أي إلى الرب الواسع الرحمة والمغفرة لا إلى غيره كما يفيده تقديم الظرف على الفعل مع ما في تخصيص اسم الله سبحانه بالذكر من الدلالة على كمال اللطف والقهر (تحشرون) في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم. قيل من عبد الله خوفاً من ناره آمنه الله مما يخاف، وإليه الإشارة بقوله لمغفرة من الله، ومن عبده شوقاً إلى جنته أناله ما يرجو، وإليه الإشارة بقوله (ورحمة) لأن الرحمة هي الجنة، ومن عبده شوقاً إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهذا هو العبد المخلص الذي يتجلى

له الحق سبحانه في دار كرامته، وإليه الإشارة بقوله (لإلى الله تحشرون).

159

(فبما رحمة من الله لنت لهم) " ما " فاصلة غير كافية مزيدة للتأكيد قاله سيبويه وغيره، وقال ابن كيسان والأخفش: إنها نكرة في موضع الجر بالباء، ورحمة بدل منها، والأول أولى بقواعد العربية، ومثله قوله تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم) والجار والمجرور متعلق بقوله (لنت) وقدم عليه لإفادة القصر، وتنوين رحمة للتعظيم. والمعنى أن لينه لهم ما كان إلا بسبب الرحمة العظيمة منه، وقيل إن ما استفهامية والمعنى فبأي رحمة من الله لنت لهم، وفيه معنى التعجب وهو بعيد، ولو كان كذلك لقيل فيم رحمة بحذف الألف، والمعنى سهلت لهم أخلاقك وكثرت احتمالك، ولم تسرع إليهم بتعنيف: على ما كان يوم أحد منهم. وفيه تلوين للخطاب وتوجيه له إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبىء عنه السياق من استحقاقهم للملامة والتعنيف بموجب الجبلة البشرية أو من سعة ساحة مغفرته تعالى ورحمته. (ولو) لم تكن كذلك بل (كنت فظاً غليظ القلب) أي جافياً قاسي الفؤاد سيء الخلق قليل الاحتمال، والفظ الغليظ الجافي، وقال الراغب: الفظ هو الكريه الخلق، وذلك مستعار من الفظ وهو ماء الكرش وذلك مكروه شربه إلا في ضرورة، وغلظ القلب قساوته، وقلة إشفاقه وعدم إنفعاله للخير، وجمع بينهما تأكيداً. (لانفضوا من حولك) أي لنفروا عنك وتفرقوا حتى لا يبقى منهم أحد عندك، والانفضاض التفرق في الأجزاء وانتشارها، ومنه فضّ ختم الكتاب، ثم استعير هنا لانفضاض الناس وغيرهم أي لتفرقوا عن حولك هيبة

لك واحتشاماً منك بسبب ما كان من توليهم، وإذا كان الأمر كما ذكر (فاعف عنهم) فيما يتعلق بك من الحقوق (واستغفر لهم) الله سبحانه فيما هو إلى الله سبحانه. (وشاورهم في الأمر) الذي يرد عليك أي أمر كان مما يشاور في مثله أو في أمر الحرب خاصة كما يفيده السياق لما في ذلك من تطييب خواطرهم، واستجلاب مودتهم، ولتعريف الأمة بمشروعية ذلك حتى لا يأنف منهم أحد بعدك. قال السمين: جاء على أحسن النسق وذلك أنه أمر أولاً بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه، فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله لتنزاح عنهم التبعات، فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين متصفّين منهما انتهى. والمراد هنا المشاورة في غير الأمور التي يرد الشرع بها، قال أهل اللغة الاستشارة مأخوذة من قول العرب شرت الدابة وشورتها إذا علمت خيرها، وقيل من قولهم شرت العسل إذا أخذته من موضعه. قال ابن خواز منداد: واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون وفيما أشكل عليهم من أمور الدنيا ومشاورة وجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ووجوه الكتاب والعمال والوزراء فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها. وحكى القرطبي عن ابن عطية أنه لا خلاف في وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم والدين. وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب قال السيوطي بسند حسن عن ابن عباس قال لما نزلت (وشاورهم في الأمر) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما إن الله

ورسوله لغنيّان عنها ولكن الله جعلها رحمة لأمتي، فمن استشار من أمتي لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غيّاً. وعنه في الآية قال هم أبو بكر وعمر، وقال الحسن قد علم الله أن ما به إلى مشاورتهم حاجة، ولكن أراد أن يستنّ به من بعده من أمته. وقيل أمره بها ليعلم مقادير عقولهم وأفهامهم لا ليستفيد منهم رأياً، وروى البغوي بسنده عن عائشة أنها قالت ما رأيت رجلاً أكثر استشارة للرجال من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وللاستشارة فوائد كثيرة ذكرها بعض المفسرين لا نطول بذكرها، ويغني عنها أمر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - بها، ولنعم ما قيل في ذلك. وشاور إذا شاورت كل مهذب ... لبيب أخي حزم لترشد في الأمر ولا تك ممن يستبد برأيه ... فتعجز أو لا تستريح من الفكر ألم تر أن الله قال لعبده ... وشاورهمو في الأمر حتماً بلا نكر (فإذا عزمت) على إمضاء ما تريد عقب المشاورة على شيء واطمأنت به نفسك (فتوكل على الله) في فعل ذلك أي اعتمد عليه وفوض إليه، وقيل إن المعنى فإذا عزمت على أمر أن تمضي فيه فتوكل على الله وثق به لا على المشاورة، والعزم في الأصل قصد الإمضاء أي فإذا قصدت إمضاء أمر فتوكل على الله. وفيه إشارة إلى أن التوكل ليس هو إهمال التدبير بالكلية وإلا لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل بل هو مراعاة الأسباب الظاهرة، مع تفويض الأمر إلى الله، والاعتماد عليه بالقلب. عن علي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن العزم قال مشاورة أهل الرأي ثم اتّباعهم، أخرجه ابن مردويه (إن الله يحب المتوكلين) عليه في جميع أمورهم.

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (160) وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (161)

160

(إن ينصركم الله) كما فعل يوم بدر، والنصر العون جملة مستأنفة لتأكيد التوكل والحث عليه (فلا غالب لكم) عمم الخطاب هنا تشريفاً للمؤمنين لإيجاب توكلهم عليه (وإن يخذلكم) كما فعل يوم أحد، والخذلان ترك العون أي وإن يترك الله عونكم (فمن ذا الذي ينصركم) استفهام إنكاري (من بعده) الضمير راجع إلى الخذلان المدلول عليه بقوله (وإن يخذلكم) أو إلى الله، وفيه لطف بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة في الأول، ولم يصرح لهم بأنه لا ناصر لهم في الثاني، بل أتى به في صورة الاستفهام وإن كان معناه نفياً ليكون أبلغ، ومن علم أنه لا ناصر له إلا الله سبحانه وأن من نصره الله لا غالب له، ومن خذله لا ناصر له فوض أموره إليه وتوكل عليه، ولم يشتغل بغيره. (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) لا على غيره، وتقديم الجار والمجرور على الفعل لإفادة القصر عليه، وقد وردت في صفة التوكل أحاديث كثيرة صحيحة، وقد عد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتوكل من سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب كما في مسلم.

161

(وما كان لنبي أن يغل) ما صح له ذلك لتنافي الغلول والنبوة، وقال ابن عباس: ما كان له أن يتهمه أصحابه، قال أبو عبيد الغلول من المغنم خاصة ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة أغل يغل ومن الحقد غل يغل بالكسر، ومن الغلول غل يغل بالضم. يقال غل في المغنم غلولاً أي خان بأن يأخذ لنفسه شيئاً يستره على

أصحابه، فمعنى القراءة بالبناء للفاعل. ما صح لنبي أن يخون شيئاً من المغنم فيأخذه لنفسه من غير اطلاع أصحابه، وفيه تنزيه الأنبياء عن الغلول. ومعناه على القراءة بالبناء للمفعول ما صح لنبي أن يغله أحد من أصحابه أي يخونه في الغنيمة، وهو على هذه القراءة الأخرى نهي للناس عن الغلول في المغانم، وإنما خص خيانة الأنبياء مع كون خيانة غيرهم من الأئمة والسلاطين والأمراء حراماً لأن خيانة الأنبياء أشد ذنباً وأعظم وزراً. (ومن يغلل يأت بما غل) أي يأت به حاملاً له على ظهوه (يوم القيامة) كما صح ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤس الأشهاد يطلع عليها أهل الحشر، وهي مجيئه يوم القيامة بما غل حاملاً له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب به. (ثم توفى كل نفس) جزاء (ما كسبت) وافياً من خير أو شر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيراً أو شرا، ويدخل تحتها الغالّ دخولاً أولياً لكون السياق فيه، فكأنه ذكر مرتين. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء افتقدت يوم بدر، فقال بعض الناس لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها فنزلت (وهم لا يظلمون) بل يعدل بينهم في الجزاء فيجازى كل على عمله، وقد وردت أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما في ذم الغلول ووعيد الغال (¬1). ¬

(¬1) زاد المسير 490

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (162) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (163) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (164) أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)

162

(أفمن اتبع) الاستفهام للإنكار أو ليس من اتبع (رضوان الله) في أوامره ونواهيه فعمل بأمره واجتنب نهيه (كمن باء) أو رجع (بسخط) عظيم كائن (من الله) بسبب مخالفته لما أمر به ونهى عنه. ويدخل تحت ذلك من اتبع رضوان الله بترك الغلول واجتنابه، ومن باء بسخط منه بسبب إقدامه على الغلول (ومأواه) يعني الغال أو المتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (جهنم وبئس المصير) أي المرجع هي، ونزول الآية في واقعة معينة لا يخصص العموم. ثم أوضح ما بين الطائفتين من التفاوت فقال

163

(هم درجات عند الله) أي متفاوتون في الدرجات والمعنى هم أولو درجات أو لهم درجات إطلاقاً للملزوم على اللازم على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت بينهم، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة، وهذا ما رجحه القاضي كالكشاف. فدرجات من اتبع رضوان الله ليست كدركات من باء بسخط من الله، فإن الأولين في أرفع الدرجات، والآخرين في أسفل الدركات (والله بصير بما يعملون) فيه تحريض على العمل بطاعته وتحذير عن العمل بمعاصيه.

164

(لقد منّ الله على المؤمنين) أي أحسن إليهم وتفضل عليهم، والمنة النعمة العظيمة، وخص المؤمنين لكونهم المنتفعين ببعثة الرسول (إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم) يعني من جنسهم عربياً مثلهم، ولد ببلدهم، ونشأ بينهم يعرفون نسبه، وقيل بشراً مثلهم، ووجه المنة على الأول أنهم يفقهون عنه ويفهمون كلامه، ولا يحتاجون إلى ترجمان، ومعناها على التاني أنهم يأنسون به بجامع البشرية، ولو كان ملكاً لم يحصل كمال الأنس به لاختلاف الجنسية. وقرىء من أنفسهم بفتح الفاء أي أشرفهم، لأنه من بني هاشم، وبنو هاشم أفضل من قريش وقريش أفضل من العرب، والعرب أفضل من غيرهم. ولعل وجه الامتنان على هذه القراءة أنه لما كان من أشرفهم كانوا أطوع له وأقرب إلى تصديقه، ولا بد من تخصيص المؤمنين في هذه الآية بالعرب على الوجه الأول، وأما على الوجه الثاني فلا حاجة إلى هذا التخصيص، وكذا على قراءة من قرأ بفتح الفاء لا حاجة إلى التخصيص، لأن بني هاشم هم أنفس العرب والعجم في شرف الأصل وكرم النجار (¬1) ورفاعة المحتد. ويدل على الوجه الأول قوله تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم) وقوله (وإنه لذكر لك ولقومك). وكان فيما خطب به أبو طالب حين زوّج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خديجة بنت خويلد وقد حضر ذلك بنو هاشم ورؤساء مضر: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل وضئضىء معدّ، وعنصر مضر، وجعلنا سدنة بيته وسوّاس حرمه، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً، وجعلنا الحكام على الناس. وإن ابنى هذا محمد بن عبد الله لا يوزن به فتى إلا رجح، وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطب جليل. ¬

(¬1) النجار بالضم والكسر الأصل والحسب اهـ منه.

(يتلو عليهم آياته) هذه منة ثانية أي يتلو عليهم القرآن بعد أن كانوا أهل جاهلية لا يعرفون شيئاً من الشرائع، ولم يطرق أسماعهم الوحي (ويزكيهم) أي يطهرهم من نجاسة الكفر والذنوب، ودنس المحرمات والخبائت (ويعلمهم الكتاب) أي القرآن (والحكمة) السنّة. وقد تقدم في البقرة تفسير ذلك وكل واحد من هذه الأمور نعمة جليلة على حيالها مستوجبة للشكر (وإن كانوا من قبل) أي قبل محمد- صلى الله عليه وسلم - أو من قبل بعثته (لفي ضلال مبين) واضح لا ريب فيه.

165

(أو لما أصابتكم مصيبة) الألف للاستفهام لقصد التقريع؛ والمصيبة الغلبة والقتل الذي أصيبوا به يوم أحد (قد أصبتم مثليها) يوم بدر، وذلك أن الذين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعون وقد كانوا قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وكان مجموع القتلى والأسرى يوم بدر مثلى القتلى من المسلمين يوم أحد. والمعنى أحين أصابكم من المشركين نصف ما أصابهم منكم قبل ذلك جزعتم و (قلتم أنى هذا) أي من أين أصابنا هذا الإنهزام والقتل ونحن نقاتل في سبيل الله، ومعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وعدنا الله بالنصر عليهم. (قل هو من عند أنفسكم) أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يجيب عن سؤالهم بهذا الجواب أي هذا الذي سألتم عنه هو من عند أنفسكم بسبب مخالفة الرماة لما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من لزوم المكان الذي عينه لهم، وعدم مفارقتهم للمركز على كل حال. وقيل إن المراد خروجهم من المدينة، ويرده أن الوعد بالنصر إنما كان بعد ذلك وقيل هو اختيارهم الفداء يوم بدر على القتل. وعن علي قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى وقد أمرك أن تخيرهم بين

أمرين إما أن يقدموا فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس فذكر ذلك لهم فقالوا يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنقوى به على قتال عدونا ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلاً عدة أسارى أهل بدر. وهذا الحديث في سنن الترمذي والنسائي، قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وعن عمر بن الخطاب قال لما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم عنه وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه فأنزل الله سبحانه وتعالى يعني هذه الآية وأخرجه أحمد بأطول منه. ولكنه يشكل على حديث التخيير السابق ما نزل من المعاتبة منه سبحانه وتعالى لمن أخذ الفداء بقوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) وما روي من بكائه صلى الله عليه وآله وسلم هو وأبو بكر ندماً على أخذ الفداء ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من الله سبحانه لم يعاتبهم عليه، ولا حصل ما حصل من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه من الندم والحزن، ولا صوّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى عمر حيث أشار بقتل الأسرى وقال ما معناه لو نزلت عقوبة لهم لم ينج منها إلا عمر، والجميع في كتب الحديث والسير. أقول ويمكن الجمع بأن يقال إن العتاب نزل أولاً ثم نزل التخيير لأن العتاب على الشروع والعزم على الفداء، والتخيير على تمامه، ويؤيده قوله في الحديث " إن الله قد كره ما صنع قومك " (إن الله على كل شيء قدير) ومنه نصركم على الطاعة وترك نصركم مع المخالفة.

وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)

166

(وما أصابكم يوم التقى الجمعان) أي ما أصابكم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة (فبإذن الله) أي فبعلم الله وقيل بقضائه وقدره، وقيل بتخليته بينكم وبينهم (وليعلم) الله (المؤمنين) حقاً

167

(وليعلم) الله (الذين نافقوا) قيل أعاد الفعل لقصد تشريف المؤمنين عن أن يكون الفعل المسند إليهم وإلى المنافقين واحداً، والمراد بالعلم هنا التمييز والإظهار، لأن علمه تعالى ثابت قبل ذلك، والمراد بالمنافقين هنا عبد الله بن أبي وأصحابه، والنفاق اسم إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبل الإسلام. (وقيل لهم) معطوف على قوله (نافقوا) وقيل هو كلام مبتدأ أي قيل لعبد الله المذكور وأصحابه (تعالوا قاتلوا في سبيل الله) أعداءه إن كنتم ممن يؤمن بالله واليوم الآخر (أو ادفعوا) عن أنفسكم إن كنتم لا تؤمنون بالله واليوم الآخر فأبوا جميع ذلك. وقيل معنى الدفع هنا تكثير سواد المسلمين وقيل معناه رابطوا والمرابطة الإقامة في الثغور، والقائل للمنافقين هذه المقالة التي حكاها الله سبحانه هو عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري والد جابر بن عبد الله. و (قالوا لو نعلم قتالاً) أي أنه سيكون قتال (لاتّبعناكم) وقاتلنا معكم ولكنه لا قتال هنالك، وقيل المعنى لو كنا نقدر على القتال ونحسنه

لاتبعناكم ولكنا لا نقدر على ذلك ولا نحسنه، وعبّر عن نفي القدرة على القتال بنفي العلم به لكونها مستلزمة له، وفيه بعد لا ملجأ إليه. وقيل معناه لو نعلم ما يصح أن يسمى قتالاً لاتّبعناكم ولكن ما أنتم بصدده ليس بقتال، ولكنه إلقاء بالنفس إلى التهلكة لعدم القدرة منا ومنكم على دفع ما ورد من الجيش بالبروز إليهم والخروج من المدينة، وهذا أيضاً فيه بعد دون بعد ما قبله. (هم للكفر يومئذ) أي هم في هذا اليوم الذي انخذلوا فيه عن المؤمنين إلى الكفر (أقرب منهم للإيمان) عند من كان يظن أنهم مسلمون لأنهم قد بيّنوا حالهم وهتكوا أستارهم وكشفوا عن نفاقهم إذ ذاك، وقيل المعنى أنهم لأهل الكفر يومئذ أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان. (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) جملة مستأنفة مقررة لمضمون ما تقدمها أي أنهم أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، وذكر الأفواه للتأكيد مثل قوله (يطير بجناحيه) وقال الزمخشري: ذكر القلوب مع الأفواه تصوير لنفاقهم، وإنما إيمانهم موجود في أفواههم فقط، وهذا الذي قاله الزمخشري ينفي كونه للتأكيد لتحصيله هذه الفائدة (والله أعلم بما تكتمون) من النفاق (¬1). ¬

(¬1) قال ابن عباس: والمراد بالذين نافقوا عبد الله بن أُبَيّ، وأصحابه. قال موسى بن عقبة: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، ومعه المسلمون، وهم ألف رجل، والمشركون ثلاثة آلاف، فرجع عنه ابن أبي في ثلاثمئة. فأما القتال، فمباشرة الحرب. وفي المراد بالدفع ثلاثة أقوال. أحدها: أنه التكثير بالعدد. رواه مجاهد عن ابن عباس وهو قول الحسن، وعكرمة، والضحاك، والسدي، وابن جريج في آخرين. والثاني: أن ادفعوا عنها أنفسكم وحريمكم، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول مقاتل. والثالث: أنه بمعنى القتال أيضاً. قاله ابن زيد.

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (168) وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)

168

(والذين قالوا لإخوانهم وقعدوا) أي قالوا لهم ذلك، والحال أن هؤلاء القائلين قد قعدوا عن القتال (لو أطاعونا) بترك الخروج من المدينة (ما قتلوا) فرد الله ذلك عليهم بقوله (قل فادرؤا عن أنفسكم الموت) الدرء الدفع أي لا ينفع الحذر عن القدر، فإن المقتول يقتل بأجله (إن كنتم صادقين) في أنكم وجدتم إلى دفع القتل سبيلاً وهو القعود عن القتال. فخذوا إلى دفع الموت طريقاً، قيل إنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقاً من غير قتال ومن غير خروج لإظهار كذبهم والله تعالى أعلم.

169

(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) لما بين الله سبحانه أن ما جرى على المؤمنين يوم أحد كان امتحاناً ليتميز المؤمن من المنافق والصادق من الكاذب، بين ههنا أن من لم ينهزم وقتل فله هذه الكرامة والنعمة، وأن مثل هذا مما يتنافس فيه المتنافسون، لا مما يخاف ويحذر كما قال من حكى الله عنهم (لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) وقالوا لو أطاعونا ما قتلوا. فهذه الجملة مستأنفة لبيان هذا المعنى والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل أحد. وقرىء بالياء التحتية أي لا يحسبن حاسب. وقد اختلف أهل العلم في الشهداء المذكورين في هذه الآية من هم فقيل شهداء أحد وقيل شهداء بدر، وقيل شهداء بئر معونة، وعلى فرض أنها نزلت في سبب خاص فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ومعنى الآية عند الجمهور أنهم أحياء حياة محققة، ثم اختلفوا فمنهم من يقول إنها ترد إليهم أرواحهم في قبورهم فيتنعمون. وقال مجاهد: يرزقون من ثمر الجنة أي يجدون ريحها وليسوا فيها. وذهب من عدا الجمهور إلى أنها حياة مجازية، والمعنى أنهم في حكم الله مستحقون للنعم في الجنة، والصحيح الأول ولا موجب للمصير إلى المجاز. وقد وردت السنة المطهرة بأن أرواحهم في أجواف طيور خضر، وأنهم في الجنة يرزقون ويأكلون ويتمتعون، فالطيور للأرواح كالهوادج للجالسين فيها، وبهذا قد استدل من قال أن الحياة للروح فقط، وقيل إن الحياة للروح والجسد معاً، واستدل له بقوله (عند ربهم يرزقون) الخ. وعلى الأول وجه امتيازهم من غيرهم أن أرواحهم تدخل الجنة من وقت خروجها من أجسادهم، وأرواح بقية المؤمنين لا تدخل إلا مع أجسادها يوم القيامة، والامتياز على الثاني ظاهر. وقال ابن عباس نزلت هذه الآية في حمزة وأصحابه، وعن أبي الضحى أنها نزلت في قتلى أحد وحمزة منهم. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله لنا، وفي لفظ قالوا من يبلغ إخواننا أنا أحياء في الجنة لئلا يزهدوا في الجهاد، ولا ينكلوا عن الحرب، فقال الله أنا أبلغهم عنكم فأنزل هذه الآيات (ولا تحسبن الذين قتلوا) الآية وما بعدها (¬1). ¬

(¬1) المستدرك - كتاب التفسير 2/ 297.

وقد روي من وجوه كثيرة أن سبب نزول الآية قتلى أحد، وعن أنس أن سبب نزول هذه الآية قتلى بئر معونة، وعلى كل حال فالآية باعتبار عموم لفظها يدخل تحتها كل شهيد في سبيل الله. وقد ثبت في أحاديث كثيرة في الصحيح وغيره أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر، وثبت في فضل الشهداء ما يطول تعداده ويكثر إيراده مما هو معروف في كتب الحديث (¬1). وقوله (الذين قتلوا) هو المفعول الأول، والحاسب هو النبي - صلى الله عليه وسلم - أو كل أحد كما سبق. وقيل معناها لا يحسبن الذين قتلوا أنفسهم أمواتاً، وهذا تكلف لا حاجة إليه، ومعنى النظم القرآني في غاية الوضوح والجلاء. قيل وفي الكلام حذف والتقدير عند كرامة ربهم، قال سيبويه هذه عنديّة الكرامة لا عندية القرب، والمراد بالرزق هو الرزق المعروف في العادات على ما ذهب إليه الجمهور كما سلف وعند من عدا الجهور المراد به الثناء الجميل. ولا وجه يقتضي تحريف الكلمات العربية في كتاب الله تعالى وحملها على مجازات بعيدة لا بسبب يقتضي ذلك. وقد تعلق بهذا من يقول بالتناسخ من المبتدعة، ويقول بانتقال الأرواح وتنعيمها في الصور الحسان المرفهة وتعذيبها في الصور القبيحة، ويزعمون أن هذا هو الثواب والعقاب؟ وهذا ضلال مبين، وقول ليس عليه أثارة من علم لما فيه من إبطال ما جاءت به الشرائع من الحشر والنشر والمعاد والجنة والنار والأحاديث الصحيحة تدفعه وترده. ¬

(¬1) أخرجه الإمام أحمد 2388 وأبو داود 2389 والطبري 7/ 385 والحاكم 2/ 297 وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي.

فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171) الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (172)

170

(فرحين بما آتاهم الله) أي ما ساقه إليهم من الكرامة بالشهادة وما صاروا فيه من الحياة وما يصل إليهم من رزق الله سبحانه، والزلفى من الله والتمتع بالنعيم المخلد عاجلاً (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) من إخوانهم الذين تركوهم أحياء في الدنيا على منهج الإيمان والجهاد، والمراد اللحوق بهم في القتل والشهادة أي بل سيلحقون بهم من بعد، وقيل المراد لم يلحقوا بهم في الفضل وإن كانوا أهل فضل في الجملة. وقيل المراد بإخوانهم هنا جميع المسلمين الشهداء وغيرهم، لأنهم لما عاينوا ثواب الله وحصل لهم اليقين بحقية دين الإسلام استبشروا بذلك لجميع أهل الإسلام الذين هم أحياء لم يموتوا، وهذا قوي لأن معناه أوسع، وفائدته أكثر، واللفظ يحتمله بل هو الظاهر، وبه قال الزجاج وابن فورك. (أن لا خوف عليهم) في الآخرة والخوف غم يلحق الإنسان بما يتوقعه من السوء (ولا هم يحزنون) على ما فاتهم من نعيم الدنيا والحزن غم يلحقه من فوات نافع أو حصول ضار، فمن كانت أعماله مشكورة فلا يخاف العاقبة ومن كان متقلباً في نعمة الله وفضله فلا يحزن أبداً.

171

(يستبشرون بنعمة من الله وفضل) كرر قوله يستبشرون لتأكيد الأول، قاله الزمخشري ولبيان أن الاستبشار ليس بمجرد عدم الخوف والحزن بل به

وبنعمة الله وفضله، والنعمة ما ينعم الله به على عباده، والفضل ما يتفضل به عليهم وقيل النعمة الثواب والفضل الزائد، وقيل النعمة والفضل داخل في النعمة، ذكر بعدها لتأكيدها. وقيل إن الاستبشار الأول متعلق بحال إخوانهم والاستبشار الثاني بحال أنفسهم (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) كما لا يضيع أجر الشهداء والمجاهدين، وقد ورد في فضل الجهاد والشهادة في سبيل الله ما يطول تعداده من الأحاديث الصحيحة والآيات الكريمة.

172

(الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) صفة للمؤمنين أو بدل منهم أو من الذين لم يلحقوا بهم أو هو مبتدأ خبره للذين أحسنوا منهم بجملته أو منصوب على المدح، وقد تقدم تفسير القرح، قال سعيد ابن جبير القرح الجراحات (¬1). أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة في هذه الآية أنها قالت لعروة بن الزبير يا ابن أختي كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر لما أصاب نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يرجع في أثرهم فانتدب منهم سبعون فيهم أبو بكر والزبير، والروايات في هذا الباب كثيرة قد اشتملت عليها كتب الحديث والتفسير. ¬

(¬1) جاء في " الدر المنثور " ج 2/ 101. وأخرج النسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني بسند صحيح من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: لا رجع المشركون عن أحد، قالوا: لا محمداً قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئسما صنعتم، ارجعوا، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فندب المسلمين. فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد، أو بئر أبي عنبة -شك سفيان- فقال المشركون: نرجع قابل، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكانت تعد غزوة، فأنزل الله (الذين استجابوا لله والرسول) الآية. وقد كان أبو سفيان قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فأما الجبان فرجع، وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة، فأتوه فلم يجدوا به أحداً وتسوقوا، فأنزل الله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل) الآية.

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)

173

(الذين قال لهم الناس) المراد بالناس هنا نعيم بن مسعود وجاز لفظ الناس عليه لكونه من جنسهم فهو من قبيل العام الذي أريد به الخاص أو من إطلاق الكل وإرادة البعض كقوله أم يحسدون الناس يعني محمداً وحده. ونقل على القارىء أنه أسلم يوم الخندق وهو مصرح به في المواهب، وقيل المراد بالناس ركب عبد القيس الذين مروا بأبي سفيان، وقيل هم المنافقون. والمراد بقوله (إن الناس قد جمعوا لكم) أبو سفيان وغيره من أصحابه، والعرب تسمى الجيش جمعاً (فاخشوهم) أي فخافوهم فإنه لا طاقة لكم بهم (فزادهم إيماناً) أي تصديقاً بالله ويقيناً، والمراد أنهم لم يفشلوا لما سمعوا ذلك ولا التفتوا إليه بل أخلصوا لله وازدادوا طمأنينة وقوة في دينهم وثبوتاً على نصر نبيهم، وفيه دليل أن الإيمان يزيد وينقص. (وقالوا حسبنا الله) حسب مصدر حسبه أي كفاه وهو بمعنى الفاعل أي محسب بمعنى كاف، قال في الكشاف الدليل على أنه المحسب أنك تقول هذا رجل حسبك فتصف به النكرة لأن إضافته لكونه بمعنى اسم الفاعل غير حقيقية (ونعم الوكيل) هو من يوكل إليه الأمور أي نعم الموكول إليه أمرنا أو الكافي أو الكافل والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم الوكيل الله سبحانه. وقد ورد في فضل هذه الكلمة أعني حسبنا الله ونعم الوكيل أحاديث منها ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال: قالها إبراهيم حين ألقي في النار وقاله محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قالوا إن الناس قد جمعوا لكم. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وقعتم في الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، قال ابن كثير بعد إخراجه: هذا

حديث غريب من هذا الوجه (¬1). وأخرج أبو نعيم عن شداد بن أوس قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبنا الله ونعم الوكيل أمان كل خائف. وأخرج ابن أبي الدنيا في الذكر عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتد غمّه مسح بيده على رأسه ولحيته ثم تنفس الصعداء وقال حسبي الله ونعم الوكيل. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 430.

174

(فانقلبوا بنعمة من الله) أي فخرجوا إليهم فانقلبوا، والتنوين للتعظيم أي رجعوا متلبّسين بنعمة عظيمة وهي السلامة من عدوهم وعافية (وفضل) أي أجر تفضل الله به عليهم، وقيل ربح في التجارة، وقيل النعمة خاصة بمنافع الدنيا والفضل بمنافع الآخرة. وقد تقدم تفسيرهما قريباً بما يناسب ذلك المقام لكون الكلام فيه مع الشهداء الذين صاروا في الدار الآخرة، والكلام هنا مع الأحياء. وقوله (لم يمسسهم سوء) أي سالمين عنه لم يصبهم قتل ولا جرح ولا ما يخافونه، وقال ابن عباس: لم يؤذهم أحد (واتبعوا رضوان الله) فيما يأتون ويذرون وأطاعوا الله ورسوله، ومن ذلك خروجهم لهذه الغزوة. وعن ابن عباس: النعمة أنهم سلموا، والفضل أن عيراً مرت وكان في أيام الموسم فاشتراها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فربح مالاً فقسمه بين أصحابه، وعن مجاهد قال الفضل: ما أصابوا من التجارة والأجر، وقال السدي أما النعمة فهي العافية وأما الفضل فالتجارة والسوء القتل. (والله ذو فضل عظيم) لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ومن تفضله عليهم تثبيتهم وخروجهم للقاء عدوهم وإرشادهم إلى أن يقولوا هذه المقالة التي هي جالبة لكل خير، ودافعة لكل لضر، وقيل تفضل عليهم بإلقاء الرعب في قلوب المشركين حتى رجعوا.

إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)

175

(إنما ذلكم) المثبّط لكم والمخوّف أيها المؤمنون (الشيطان) والظاهر أن المراد هنا الشيطان نفسه باعتبار ما يصدر منه من الوسوسة المقتضية للتثبيط، وقيل المراد به نعيم بن مسعود لما قال لهم تلك المقالة، وقيل أبو سفيان لما صدر منه الوعيد لهم، والمعنى أن الشيطان (يخوّف) المؤمنين (أولياءه) وهم الكافرون وقال ابن عباس: الشيطان يخوف بأوليائه، وقال أبو مالك: يعظّم أولياءه في أعينكم. وقال الحسن: إنما كان ذلك تخويف الشيطان، ولا يخاف الشيطان إلا وليّ الشيطان. (فلا تخافوهم) أي أولياءه الذين يخوفكم بهم الشيطان أو فلا تخافوا الناس المذكورين في قوله (إن الناس قد جمعوا لكم) نهاهم الله سبحانه أن يخافوهم فيجبنوا عن اللقاء ويفشلوا عن الخروج، وأمرهم بأن يخافوا الله سبحانه فقال (وخافون) هذه الياء التي بعد النون اختلف السبعة في إثباتها لفظاً واتفقوا على حذفها في الرسم لأنها من آيات الزوائد كلها لا ترسم، وجملتها اثنتان وستون، والمعنى فافعلوا ما آمركم به واتركوا ما أنهاكم عنه، لأني الحقيق بالخوف مني، والمراقبة لأمري ونهي لكون الخير والشر بيدي وقيده بقوله (إن كنتم مؤمنين) لأن الإيمان يقتضي ذلك ويستدعي الأمن من شر الشيطان وأوليائه.

176

(ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) يقال حزنني الأمر وهي لغة قريش وأحزنني وهي لغة تميم، والأولى أفصح، والغرض من هذا تسليته - صلى الله عليه وسلم -

وتصبيره على تعنّتهم في الكفر، وتعرّضهم له بالأذى، وضمن يسارعون يقعون فعدّى بفي أي لا يحزنك مسارعتهم لمقوّيات الكفر من قول وفعل، فهذا هو الذي يسارع إليه أي الأمور المقوية له كالتهيؤ لقتال النبي، وأما الكفر فهو دائم فيهم فلا تتأتى مسارعتهم للوقوع فيه لأن هذا التعبير يشعر بطروء هذا الأمر. وأما إيثار كلمة (إلى) في قوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) فلأن المغفرة والجنة منتهى المسارعة وغايتها، وقيل هم قوم ارتدوا فاغتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم لذلك فسلاّه الله سبحانه ونهاه عن الحزن وعلل ذلك بقوله. (إنهم لن يضروا الله شيئاً) أي شيئاً من الضرر، والتنكير لتأكيد ما فيه من القلة والحقارة، وقيل على نزع الجار أي بشيء ما أصلاً، وقيل هم كفار قريش، وقيل هم المنافقون ورؤساء اليهود، وقيل هو عام في جميع الكفار. قال القشيري: والحزن على كفر الكافر طاعة ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفرط في الحزن فنهى عن ذلك كما قال تعالى (فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) وقال (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) والمعنى أن كفرهم لا ينقص من ملك الله سبحانه شيئاً، وقيل المراد لن يضروا أولياءه، ويحتمل أن يراد لن يضروا دينه الذي شرعه لعباده، وفيه مزيد مبالغة في التسلية. (يريد الله ألاّ يجعل لهم حظاً) نصيباً (في الآخرة) أو نصيباً من الثواب، وصيغة الاستقبال للدلالة على دوام الإرادة واستمرارها، وفي الآية دليل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى، وفيه رد على القدرية والمعتزلة (ولهم عذاب عظيم) في النار بسبب مسارعتهم في الكفر، فكان ضرر كفرهم عائداً عليهم جالباً لهم عدم الحظ في الآخرة ومصيرهم إلى العذاب العظيم.

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (177) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (178)

177

(إن الذين اشتروا) استبدلوا (الكفر بالإيمان) وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة والمراد المنافقون آمنوا ثم كفروا (لن يضروا الله شيئاً) نفي الضرر معناه كالأول وهو للتأكيد لما تقدمه، وقيل إن الأول خاص بالمنافقين والثاني يعم جميع الكفار، والأول أولى (ولهم عذاب أليم) في الآخرة، ولما جرت العادة بسرور المشتري بما اشتراه عند كون الصفقة رابحة، وبتألمه عند كونها خاسرة، ناسب وصف العذاب بالأليم. (ولا تحسبن الذين كفروا) وقرىء بالتحتية فالمعنى لا يحسبن الكافرون (أنما نملي لهم) بتطويل الأعمال وتأخيرهم ورغد العيش، أو بما أصابوا من الظفر يوم أحد (خير لأنفسهم) فليس الأمر كذلك بل هو شر واقع عليهم ونازل بهم، وعلى الأولى لا تحسبن يا محمد - صلى الله عليه وسلم - أن الإملاء للذين كفروا بما ذكر خير لهم. (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) بكثرة المعاصي، واللام لام الإرادة أي إرادة زيادة الإثم، وهي جائزة عند الأشاعرة ولا تخلو عن حكمة، وعند المعتزلة القائلين بأنه تعالى لا يريد القبيح هي لام العافية وهي جملة مستأنفة مبينة لوجه الإملاء للكافرين. أو تكرير للأولى. والإملاء الإمهال والتأخير، وأصله من الملوأة وهي المدة من الزمان يقال أمليت له في الأمر أخرت وأمليت للبعير في القيد أرخيت له ووسعت (ولهم عذاب مهين) في الآخرة. قال أبو السعود لما تضمن الإملاء التمتع بطيبات الدنيا وزينتها وذلك

مما يقتضي التعزز والتكوم وصف عذابهم بالإهانة ليكون جزاؤهم جزاء وفاقاً انتهى. واحتج الجمهور بهذه الآية على بطلان ما يقوله المعتزلة لأنه سبحانه أخبر بأنه يطيل أعمار الكافرين ويجعل عيشهم رغداً ليزدادوا إثماً، قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر (أنما نملي) الأولى وفتح الثانية ويحتج بذلك لأهل القدر لأنه منهم ويجعله على هذا التقدير

178

(ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثماً نملي لهم خير لأنفسهم). وقال في الكشاف إن ازدياد الإثم علة، وما كل علة بغرض، ألا تراك تقول قعدت عن الغزو للعجز والفاقة وخرجت من البلد لمخافة الشر، وليس شيء من ذلك بغرض لك، وإنما هي أسباب وعلل. وعن ابن مسعود قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من الحياة إن كان براً فقد قال تعالى: (وما عند الله خير للأبرار) وان كان فاجراً فقد قال تعالى (ولا يحسبن الذين كفروا) الآية، وعن أبي الدرداء ومحمد ابن كعب وأبي هريرة نحوه (¬1). ¬

(¬1) أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود قال: ما من نفس برة، ولا فاجرة، إلا والموت خير لها من الحياة. إن كان براً، فقد قال الله تعالى: (وما عند الله خير للأبرار) وإن كان فاجراً، فقد قال الله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) وإسناده صحيح.

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

179

(ما كان الله) كلام مستأنف (ليذر المؤمنين) هذه اللام تسمى لام الجحود وينصب بعدها المضارع بإضمار إن ولا يجوز إظهارها ولهذا القول دلائل واعتراضات مذكورة في كتب النحو. والخطاب في قوله (على ما أنتم عليه) عند جمهور المحدّثين للكفار والمنافقين، وقيل الخطاب للمؤمنين والمنافقين أي ما كان الله ليترككم على الحال الذي عليه أنتم من الاختلاط، وقيل الخطاب للمشركين، والمراد بالمؤمنين من في الأصلاب والارحام أي ما كان الله ليذر أولادكم على ما أنتم عليه حتى يفرق بينكم وبينهم. وقيل الخطاب للمؤمنين أي ما كان الله ليذركم يا معشر المسلمين على ما أنتم عليه من الاختلاط بالمنافقين حتى يميز بينكم، وعلى هذا الوجه والوجه الثاني يكون في الكلام التفات. (حتى يميز الخبيث من الطيب) أي بعضكم من بعض، قال ابن عباس: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وقال قتادة يميز بينهم في الجهاد والهجرة، وقرىء يميز بالتشديد بالمخفّف من ماز الشيء يميزه ميزاً إذا فرق بين شيئين، فإن كانت أشياء قيل ميزها تمييزاً.

(وما كان الله ليطلعكم على الغيب) الخطاب لكفار قريش أي ما كان ليبيّن لكم المؤمن من الكافر فيقول فلان كافر، وفلان مؤمن وفلان منافق لتعرفوا قبل التمييز لأن المستأثر بعلم الغيب لا يظهر على غيبه أحد إلا من ارتضى من رسول فيميز بينكم، كما وقع من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من تعيين كثير من المنافقين، فإن ذلك كان بتعليم الله له لا بكونه يعلم الغيب أو أن يشاهد أمراً يدل على أمر يكون من بعد كما نصب له علامات دالة على مصارع الكفار يوم بدر، وقيل المعنى ما كان الله ليطلعكم على الغيب فيمن يستحق النبوة حتى يكون الوحي باختياركم. (ولكن الله يجتبي) أي يختار أو يختص، قاله مجاهد وعن مالك يستخلص (من رسله من يشاء) فيطلعه على ما يشاء من غيبه، عن السدي قال: قالوا إن كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم صادقاً فليخبرنا بمن يؤمن منا ومن يكفر، فأنزل الله هذه الآية، وعن الحسن قال لا يطلع على الغيب إلا رسول (فآمنوا بالله ورسله) بصفة الإخلاص (وإن تؤمنوا وتتقوا) النفاق (فلكم أجر عظيم) في الآخرة.

180

(ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيراً لهم بل هو شر لهم) أي لا يحسبن الباخلون البخل خيراً لهم، قاله الخليل وسيبويه والفراء وقرىء بالتاء أي لا تحسبن يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بخل الذين يبخلون خيراً لهم، قال الزجاج هو مثل (واسئل القرية) الآية دالة على ذم البخل، وقد ورد فيه أحاديث. قال البرد: والسين في قوله (سيطوقون ما بخلوا به) سين الوعيد، وهذه الجملة مبينة لمعنى ما قبلها قيل ومعنى التطويق هنا أنه يكون ما بخلوا به من المال طوقاً من نار في أعناقهم، وقيل معناه أنهم سيحملون عقاب ما بخلوا به،

فهو من الطاقة وليس من التطويق. وقيل المعنى أنهم يلزمون أعمالهم كما يلزم الطوق العنق، يقال طوّق فلان عمله طوق الحمامة أي ألزم جزاء عمله. قال القرطبي: البخل في أصل اللغة أن يمنع الإنسان الحق الواجب، فأما من منع ما لا يجب عليه فليس ببخيل، قال في القاموس البخل ضد الكرم. وقد ذكر الشوكاني في شرحه للمنتقى عند قوله - صلى الله عليه وسلم - اللهم إني أعوذ بك من البخل أنه قيده بحضهم بما يجب إخراجه، ثم قال: ولا وجه له لأن البخل بما ليس بواجب من غرائز النقص المضادة للكمال، والتعوذ منه حسن بلا شك، فالأولى تبقية الحديث على عمومه انتهى، فمعنى البخل عام لا كما ذكره القرطبي. وأما في الآية فهو للواجب ولكن عبارته تفيد التعميم والله أعلم، قال ابن عباس: هم أهل الكتاب بخلوا به أن يبثوه للناس، وعن مجاهد قال: هم اليهود، وعن السدي: قال بخلوا أن ينفقوها في سبيل الله ولم يؤدوا زكاتها. (يوم القيامة) بأن يجعل حية في عنقه تنهشه كما أخرج البخارى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثّل له ماله شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة فيأخذ بلهزمتيه يعنى بشدقيه فيقول أنا مالك أنا كنزك " ثم تلا هذه الآية، وقد ورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة يرفعونها (¬1). ¬

(¬1) أخرجه أحمد في " المسند " رقم 3577، والترمذي، وابن خزيمة، وابن ماجة ج/1/ 567، ولفظه: -[388]- " ما من أحد يؤدي زكاة ماله، إلا مُثّل له يوم القيامة شجاعاً أقرع حتى يطوق عنقه "، ثم قرأ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصداقه من كتاب الله: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) الآية. وقال الترمذي: حسن صحيح. وروى البخاري ج/8/ 273، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته، مثل له ماله شجاعاً أقرع له زبيتان، يطوقه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا هذه الآية: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) إلى آخر الآية. الشجاع: الحية الذكر، وهو ضرب من الحيات، خبيث مارد. وأقرع: صفة من صفات الحيات الخبيثة، يزعمون أنه إذا طال عمر الحية، وكثر سمه، جمعه في رأسه حتى تتمعط منه فروة رأسه.

(ولله ميراث السموات والأرض) أي له وحده لا لغيره كما يفيده التقديم والمعنى أن له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما ومنه المال، فما بالهم يبخلون بذلك ولا ينفقونه وهو لله سبحانه لا لهم. وإنما كان عندهم عارية مستردة. ومثل هذه الآية قوله تعالى (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) وقوله (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) والميراث في الأصل هو ما يخرج من مالك إلى آخر، ولم يكن مملوكاً. لذلك الآخر قبل انتقاله إليه بالميراث، ومعلوم أن الله سبحانه هو المالك بالحقيقة لجيمع مخلوقاته (والله بما تعملون خبير) قرىء بالتاء على طريقة الالتفات وهي أبلغ في الوعيد، وقرىء بالياء على الظاهر.

181

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء) قال أهل التفسير لما أنزل الله من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً، قال قوم من اليهود هذه المقالة تمويهاً على ضعفائهم لا أنهم يعتقدون ذلك لأنهم أهل كتاب، بل أرادوا أنه تعالى إن صح ما طلبه منا من القرض على لسان محمد- صلى الله عليه وسلم - فهو فقير، ليشككوا على إخوانهم في دين الإسلام. (سنكتب ما قالوا) في صحف الملائكة أو سنحفظه أو سنجازيهم عليه والمراد الوعيد لهم وإن ذلك لا يفوت على الله بل هو معد لهم ليوم الجزاء. وجملة سنكتب على هذا مستأنفة جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل ماذا صنع الله بهؤلاء الذين سمع منهم هذا القول الشنيع، فقال: قال لهم سنكتب ما قالوا (و) نكتب (قتلهم الأنبياء) أي قتل أسلافهم للأنبياء، وإنما نسب ذلك إليهم لكونهم رضوا به، جعل ذلك القول قريناً لقتل الأنبياء تنبيهاً على أنه من العظيم والشناعة بمكان يعدل قتل الأنبياء (بغير حق) حتى في اعتقادهم، فكانوا يعتقدون أن قتلهم لا يجوز ولا يحل وحينئذ فيناسب شن الغارة عليهم. (ونقول) أي ننتقم منهم بعد الكتابة بهذا القول الذي نقوله لهم في النار أو عند الموت أو عند، الحساب، وقرىء بالياء أي يقول الله لهم في الآخرة على لسان الملائكة (ذوقوا عذاب الحريق) الحريق اسم للنار الملتهبة، وإطلاق الذوق على إحساس العذاب فيه مبالغة بليغة (¬1). ¬

(¬1) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دخل بيت مِدْراس اليهود، فوجدهم قد اجتمعوا على رجل منهم، اسمه فنحاص، فقال له أبو بكر: اتق الله وأسلم، فوالله إنك لتعلم أن محمداً رسول الله. فقال: والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر، وإنه إلينا لفقير، ولو كان غنياً عنا ما استقرض منا. فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، وقال: والله لولا العهد الذي بيننا لضربت عنقك. فذهب فنحاص يشكو إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخبره أبو بكر بما قال، فجحد فنحاص، فنزلت هذه الآية.

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (183) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (184) والإشارة بقوله

182

(ذلك بما قدمت أيديكم) إلى العذاب المذكور قبله، وأشار إلى القريب بالصيغة التي يشار بها إلى البعيد للدلالة على بعد منزلته في الفظاعة، وذكر الأيدي لكونها المباشرة لغالب المعاصي (وأن الله ليس بظلام للعبيد) معطوف على ما قدمت أيديكم. ووجهه أنه سبحانه عذبهم بما أصابوا من الذنب وجازاهم على فعلهم فلم يكن ذلك ظلماً، أو بمعنى أنه مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء وليس بظالم لمن عذبه بذنبه، وقيل إن وجهه أن نفي الظلم مستلزم للعدل المقتضى لإثابة المحسن ومعاقبة المسيء، ورد بأن ترك التعذيب مع وجود سببه ليس بظلم عقل ولا شرعاً حتى ينتهض نفي الظلم سبباً للتعذيب. وقيل إن جملة قوله وأن الله ليس بظلام للعبيد في محل رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي والأمر أن الله ليس بظلام للعبيد، والتعبير بذلك عن نفي الظلم مع أن تعذيبهم بغير ذنب ليس بظلم عند أهل السنة فضلاً عن كونه ظلماً بالغاً لبيان تنزهه عن ذلك، ونفي ظلاّم المشعر بالكثرة يفيد ثبوت أصل الظلم، وأجيب عن ذلك بأن الذي توعد بأن يفعله بهم لو كان ظلماً لكان عظيماً فنفاه على حد عظمه لو كان ثابتاً، عن ابن عباس قال: ما أنا بمعذب من لم يجترم.

183

(الذين قالوا) أي جماعة من اليهود (إن الله عهد الينا) في التوراة (ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار) وهذا منهم كذب على التوراة إذ الذي فيها مقيد بغير عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. والقربان ما يتقرب به إلى الله من نسيكة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة، وقد كان دأب بني إسرائيل أنهم كانوا يقرّبون القربان فيقوم النبي فيدعو فتنزل نار من السماء فتحرقه، ولم يتعبّد الله بذلك كل أنبيائه ولا جعله دليلاً على صدق دعوى النبوة. ولهذا رد الله عليهم فقال (قل قد جاءكم رسل من قبلي) كيحيى بن زكريا وشعياء وسائر من قتلوا من الأنبياء (بالبيّنات) أي الدلالات الواضحات على صدقهم (وبالذي قلتم) أي بالقربان (فلم قتلتموهم) أراد بذلك فعل أسلافهم (إن كنتم صادقين) في دعواكم.

184

(فإن كذّبوك) يا محمد هؤلاء اليهود (فقد كذّب) (رسل من قبلك) مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم وغيرهم من الرسل (جاؤوا بالبينات) أي الحلال والحرام أو المعجزات الباهرات (والزبر) جمع زبور وهو الكتاب المقصور على الحكم من زبرته إذا حسنته، وقيل الزبر الواعظ والزواجر من زبرته إذا زجرته (والكتاب المنير) الواضح الجلي المضيء، يقال نار الشيء واستنار وأناره ونوره بمعنى. وقال قتادة: الزبر كتب الأنبياء والكتاب المنير هو القرآن الكريم، وقيل الزبر المصحف، والكتاب المنير التوراة والإنجيل، وزاد أبو السعود والكتاب في عرف القرآن ما يتضمن الشرائع والأحكام، ولذلك جاء الكتاب والحكمة متعاطفين في عامة المواقع.

185

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) (كل نفس ذائقة الموت) من الذوق وهذه الآية تتضمن الوعد والوعيد للمصدق والمكذب بعد إخباره عن الباخلين القائلين أن الله فقير ونحن أغنياء، وقرىء ذائقة الموت بالتنوين ونصب الموت، وقرأ الجمهور بالإضافة. والمعنى ذائقة موت أجسادها إذ النفس لا تموت، ولو ماتت لما ذاقت الموت في حال موتها. لأن الحياة شرط في الذوق وسائر الإدراكات، وقوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) معناه حين موت أجسادها، قاله الكرخي. وهذا يقتضي أن المراد بالنفس هنا الروح، والحامل له على تفسيرها بذلك التأنيث في قوله ذائقة لأنها بمعنى الروح مؤنثة وتطلق أيضاً على مجموع الجسد والروح الذي هو الحيوان، وهي بهذا المعنى مذكر، وهذا المعنى الثاني تصح إرادته هنا أيضاً بل هو الأقرب المتبادر إلى الفهم. (وإنما توفّون أجوركم يوم القيامة) أجر المؤمن الثواب وأجر الكافر العقاب أي أن توفية الأجور وتكميلها على التمام إنما يكون في ذلك اليوم، وما يقع من الأجور في الدنيا أو في البرزخ فإنما هو بعض الأجور كما ينبىء عنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران (¬1). (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) الزحزحة التنحية والإبعاد تكرير الزحّ وهو الجذب بعجلة، قاله في الكشاف، وقد سبق الكلام عليه أي فمن بعد عن النار يومئذ ونحّى فقد ظفر بما يريد ونجا مما يخاف، ونال غاية مطلوبه. ¬

(¬1) الترمذي كتاب القيامة الباب 26.

وهذا هو الفوز الحقيقي الذي لا فوز يقاربه. فإن كل فوز وإن كان بجميع المطالب دون الجنة ليس بشيء بالنسبة إليها إلا رؤية الله سبحانه وتعالى فهو أفضل نعيم الآخرة في الجنة، اللهم لا فوز إلا فوز الآخرة ولا عيش إلا عيشها ولا نعيم إلا نعيمها فاغفر ذنوبنا واستر عيوبنا وارض عنا رضاً لا سخط بعده، واجمع لنا بين الرضا منك علينا والجنة. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، إقرؤوا إن شئتم (فمن زحزح عن النار إلى قوله الغرور) أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه وغيرهما (¬1). (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) المتاع كل ما يتمتع به الإنسان وينتفع به ثم يزول ولا يبقى كذا قال أكثر المفسرين، وقيل المتاع كالفاس والقدر والقصعة ونحوها، والأول أولى، والغرور إما مصدر أو جمع غار، وقيل ما يغر الإنسان مما لا يدوم وقيل الباطل، والغرور الشيطان يغر الناس بالأماني الباطلة والمواعيد الكاذبة. شبّه سبحانه الدنيا بالمتاع الذي يدلّس به على من يريده وله ظاهر محبوب، وباطن مكروه، قيل متاع متروك يوشك أن يضمحل ويزول فخذوا من هذا المتاع واعملوا فيه بطاعة الله ما استطعتم، قال سعيد بن جبير: هي متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة فأما من اشتغل بطلبها فهي له متاع وبلاغ إلى ما هو خير منها. ¬

(¬1) روى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اقرؤوا إن شئتم: (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز) ورواه أحمد في " المسند "، والترمذي، والحاكم في " المستدرك " وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وروى الإمام أحمد في " المسند " رقم 6807، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه ". ورواه الإمام مسلم بأطول منه.

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)

186

(لتبلون في أموالكم وأنفسكم) اللام لام القسم أي والله لتبونّ، هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته تسلية لهم بما سيلقونه من الكفرة والفسقة ليوطّنوا أنفسهم على الثبات والصبر على المكاره، والابتلاء الامتحان والاختبار، والمعنى لتمتحننّ ولتختبرنّ في أموالكم بالمصايب والإنفاقات الواجبة وسائر التكاليف الشرعية المتعلقة بالأموال، والابتلاء في الأنفس بالموت والأمراض وفقد الأحباب والقتل في سبيل الله. (ولتسمعنّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) قال الزهري: الذين أوتوا الكتاب هو كعب بن الأشرف وكان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه في شعره، وعن ابن جريج قال: يعني اليهود والنصارى. فكان المسلمون يسمعون من اليهود عزيز ابن الله ومن النصارى المسيح ابن الله. (ومن الذين أشركوا) سائر الطوائف الكفرية من غير أهل الكتاب (أذى كثيراً) من الطعن في دينكم وأعراضكم. وزاد السيوطي والتشبيب بنسائكم، قاله في الجمل، هو ذكر أوصاف الجمال وكان يفعل ذلك كعب بن الأشرف بنساء المؤمنين.

(وإن تصبروا وتتّقوا) الصبر عبارة عن احتمال الأذى والمكروه والتقوى عن الاحتراز عما لا ينبغي (فإن ذلك) الصبر والتقوى المدلول عليهما بالفعلين وأشار بما فيه من معنى البعد للإيذان بعلوّ درجتهما وبعد منزلتهما وتوحيد حرف الخطاب إمّا باعتبار كل واحد من المخاطبين، وإما لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه من غير ملاحظة خصوصية أحوال المخاطبين. (من عزم الأمور) معزوماتها التي يتنافس فيها المتنافسون، أي مما يجب عليكم أن تعزموا عليه لما فيه من كمال المزيّة والشرف، أو لكونه عزمة من عزمات الله التي أوجب عليكم القيام بها، يقال عزم الأمر أي شده وأصلحه، وأصله ثبات الرأي على الشيء إلى إمضائه. وقالى المرزوقي: إنه توطين النفس عند الفكر، والمراد أن يوطدوا أنفسهم على الصبر، فإن العالم بنزول البلاء عليه لا يعظم وقعه في قلبه بخلاف غير العالم فإنه يعظم عنده ويشق عليه. وقالى ابن جريج: أي من القوة مما عزم الله عليه وأمركم به، والحاصل أن المصدر بمعنى اسم المفعول قال التفتازاني: إما معزوم العبد بمعنى أنه يجب عليه العزم والتصميم عليه أو معزوم الله لمعنى عزم الله أي أراد الله وفرض أن يكون ذلك ويحصل.

187

(وإذ أخذ الله) كلام مستأنف سيق لبيان بعض أذيّاتهم وهو كتمانهم شواهد النبوة (ميثاق الذين أوتوا الكتاب) هذه الآية توبيخ لأهل الكتاب وهم اليهود والنصارى أو اليهود فقط على الخلاف في ذلك، والظاهر أن المراد بأهل الكتاب كل من أتاه الله علم شيء من الكتاب أي كتاب كان كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب.

قال الحسن وقتادة: إن الآية عامة لكل عالم، وكذا قال محمد بن كعب، ويدل على ذلك قول أبي هريرة لولا ما أخذه الله على أهل الكتاب ما حدّثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية. والضمير في قوله (لتبيّننّه) راجع إلى الكتاب وقيل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يتقدم له ذكر لأنّ الله أخذ على اليهود والنصارى أن يبينوا نبوته، وهذا جواب لما تضمنه الميثاق من القسم كأنه قيل لهم بالله لتبيننه، وقرىء بالياء جرياً على الإسم الظاهر، وهو كالغائب وبالتاء خطاباً على الحكاية تقديره وقلنا لهم. (للناس ولا تكتمونه) أي الكتاب بالياء والتاء والواو للحال أو للعطف، والنهي عن الكتمان بعد الأمر بالبيان إما للمبالغة في إيجاب الأمور به، وإما لأن المراد بالبيان ذكر الآيات الناطقة بنبوته، وبالكتمان القاء التأويلات الزائغة والشّبه الباطلة. (فنبذوه) أي الكتاب أو الميثاق، وقرأ ابن عباس: (وإذ أخذ الله ميثاق النّبيين لتبينه)، ويشكل على هذه القراءة قوله (فنبذوه) فلا بد أن يكون فاعله الناس والنّبذ الطرح وقد تقدم في البقرة. وقوله (وراء ظهورهم) مبالغة في النبذ والطرح وترك العمل وضياعه، ومثّل في الاستهانة به والأعراض عنه بالكلية (واشتروا به) أي بالكتاب الذي أمروا ببيانه ونهوا عن كتمانه (ثمناً قليلا) أي حقيراً يسيراً من حطام الدنيا وأعراضها والمآكل، والرّشا التي كانوا يأخذونها من عوامهم وسفلتهم برياستهم في العلم فكتموه خوف فوته عليهم (فبئس ما يشترون) أي بئس شيئاً ما يشترونه بذلك الثمن.

وعن ابن عباس قال: كان الله أمرهم أن يتبعوا النبي الأمي، وعنه قال: في التوراة والإنجيل أن الإسلام دين الله الذي افترضه على عباده، وأن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل فنبذوه. وعن قتادة في الآية قال: هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم فمن علم علماً فليعلمه الناس، وإياكم وكتمان العلم، فإن كتمان العلم هلكة، وعن الحسن قال: لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدثتكم بكثير مما تسألون عنه. وظاهر هذه الآية وإن كان مخصوصاً بعلماء أهل الكتاب فلا يبعد أن يدخل فيه علماء هذه الأمة الإسلامية لأنهم أهل كتاب هو القرآن، قال قتادة: طوبى لعالم ناطق ومستمع واع، هذا علم علماً فبذله، وهذا سمع خيراً فقبله ووعاه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من سئل علماً يعلمه فكتمه ألجم بلجام من نار، أخرجه الترمذي ولأبي داود من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (¬1)، وفي الباب أخبار وآثار كثيرة. ¬

(¬1) قال الحافظ ابن كثير في تفسير الآية: هذا توبيخ من الله تعالى وتهديد لأهل الكتاب، الذين أخذ الله عليهم العهد على ألسنة الأنبياء أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وأن ينوهوا بذكره في الناس ليكونوا على أهبة من أمره، فإذا أرسله الله تعالى تابعوه، فكتموا ذلك، وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم، فيصيبهم ما أصابهم، ويسلم بهم مسلكهم. فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا منه شيئاً، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من سئل عن علم فكتمه الجم يوم القيامة بلجام من نار ". وهذا الحديث الذي استشهد به ابن كثير أخرجه أحمد وأبو داود، وابن ماجه، وأبو يعلى، والترمذي، وحسنه، والحاكم وصححه، والبيهقي من حديث أبي هريرة به مرفوعاً، وهو عند الحاكم أيضاً وغيره عن ابن عمرو، وعند ابن ماجه وأبي سعيد، وعند الطبراني من حديث ابن عباس وابن عمر وابن مسعود، وهو حديث صحيح.

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190)

188

(لا تحسبن الذين يفرحون) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له قرىء بالتاء والياء وهما سبعيتان (بما أتوا) أي بما فعلوا من إضلال الناس، وقد اختلف في سبب نزولها كما سيأتي (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) من التمسك بالحق وهم على ضلال، والظاهر شمولها لكل من حصل منه ما تضمنته هذه الآية عملاً بعموم اللفظ وهو المعتبر لا بخصوص السبب، فمن فرح بما فعل، وأحب أن يحمده الناس بما لم يفعل. (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) وقرىء بالتحتية أى لا يحسبن الفارحون فرحهم منجياً لهم من العذاب، والمفازة المنجاة مفعلة من فاز يفوز إذا نجا أي ليسوا بفائزين، سمّي موضع الخوف مفازة على جهة التفاؤل، قاله الأصمعي، وقيل لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك، تقول العرب فوز الرجل إذا هلك. وقال ثعلب. حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال أخطأ، قال لي أبو المكارم: إنما سميت مفازة لأن من قطعها فاز وقال ابن الأعرابي: بل لأنه مستسلم لما أصابه، وقيل المعنى لا تحسبنهم بمكان بعيد عن العذاب، لأن الفوز التباعد عن المكروه بل هم في مكان يعذبون فيه وهو جهنم. (ولهم عذاب أليم) يعني مؤلم في الآخرة. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما قال ابن عباس سألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره فخرجوا وقد أروه أن قد

أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوه بذلك إليه وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري أن رجالاً من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الغزو وتخلفوا عنه فرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، فإذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الغزو اعتذروا إليه وحلفوا، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا، وقد روى أنها نزلت في فنحاص وأسيع وأشباههما، وروي أنها نزلت في اليهود.

189

(ولله ملك السموات والأرض) قال الخطيب فهو يملك أمرهما وما فيهما من خزائن المطر والرزق والنبات وغيرها انتهى، والملك بالضم تمام القدرة واستحكامها، والمعنى ولله ملك خزائن السموات والأرض يتصرف فيه كيف يشاء، وفيه تكذيب لمن قال إن الله فقير ونحن أغنياء، فمن كان له جميع ما فيهما كيف يكون فقيراً. (والله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء، ومنه تعذيب الكافرين وإنجاد المؤمنين.

190

(إن في خلق السموات والأرض) هذه جملة مستأنفة لتقرير اختصاصه سبحانه بما ذكره فيها والمراد ذات السموات والأرض وصفاتهما وما فيهما من العجائب (واختلاف الليل والنهار) تعاقبهما بالمجيء والذهاب وكون كل واحد منهما يخلف الآخر، وكون زيادة أحدهما في نقصان الآخر وتفاوتهما طولاً وقصراً وحراً وبرداً وغير ذلك. (لآيات) أي دلالات واضحة وبراهين بينة تدل على الخالق سبحانه، وقد تقدم تفسير بعض ما هنا في سورة البقرة (لأولي الألباب) أي لأهل العقول الصحيحة الخالصة عن شوائب النقص، فإن مجرد التفكر فيما قصه الله تعالى في هذه الآية يكفي العاقل ويوصله إلى الإيمان الذي لا تزلزله الشبهة ولا يدفعه التشكيك.

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192)

191

(الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم) المراد بالذكر هنا ذكره سبحانه في هذه الأحوال من غير فرق بين حال الصلاة وغيرها، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن الذكر هنا عبارة عن الصلاة وبه قال علي وابن مسعود وابن عباس وقتادة أي لا يضيعونها في حال من الأحوال فيصلونها قياماً مع عدم العذر، وقعوداً وعلى جنوبهم مع العذر، وعن ابن مسعود قال: إنما هذه في الصلاة إذا لم يستطع قائماً فقاعداً، وإن لم يستطع قاعداً فعلى جنبه. وقد ثبت في البخاري من حديث عمران بن حصين قال كانت لي بواسير فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصلاة فقال: صلّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب (¬1). وثبت فيه عنه قال سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلّى قائماً فهو أفضل ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد (¬2). وعن قتادة قال: هذه حالاتك كلها يا ابن آدم، اذكر الله وأنت قائم فإن لم تستطع فاذكره جالساً فإن لم تستطع جالساً فاذكره وأنت على جنبك، يسر من الله وتخفيف. وأقول هذا التقييد الذي ذكره بعدم الاستطاعة مع تعميم الذكر لا وجه له لا من الآية ولا من غيرها فإنه لم يرد في شيء من الكتاب ولا من السنة ما يدل على أنه لا يجوز الذكر من قعود إلا مع عدم استطاعة الذكر من قيام، ولا ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 3672. (¬2) صحيح الجامع الصغير 6239.

يجوز على جنب إلا مع عدم استطاعته من قعود، وإنما يصلح هذا التقييد لمن جعل المراد بالذكر هنا الصلاة كما سبق عن ابن مسعود وغيره. (ويتفكّرون في خلق السموات والأرض) أي في بديع صنعهما وإتقانهما مع عظم أجرامهما فإن هذا الفكر إذا كان صادقاً أوصلهم إلى الإيمان بالله سبحانه، وعن عائشة مرفوعاً: ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها، وقد وردت أحاديث وآثار عن السلف في استحباب التفكر مطلقاً. ويقولون (ربّنا ما خلقت هذا) الخلق الذي نراه (باطلاً) أي عبثاً ولهواً بل خلقته دليلاً على حكمتك ووحدانيتك وقدرتك. والباطل الزائل الذاهب، وخلق بمعنى جعل والإشارة بقوله " هذا " إلى السموات والأرض أو إلى الخلق على أنه بمعنى المخلوق. (سبحانك) تنزيهاً لك عما لا يليق بك من الأمور التي من جملتها أن يكون خلقك لهذه المخلوقات باطلاً وهزلاً وعبثاً، والفاء في (فقنا) لترتيب هذا الدعاء على ما قبله (عذاب النار) علم عباده كيفية الدعاء، فمن أراد أن يدعو فليقدم الثناء على الله أولاً ثم يأتي بالدعاء.

192

(ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) تأكيد لما تقدمه من استدعاء الوقاية من النار منه سبحانه، وبيان للسبب الذي لأجله دعاه عباده بأن يقيهم عذاب النار، وهو أن من أدخله النار فقد أخزاه أي أذله وأهانه. وقال المفضل: معنى أخزيته أهلكته، ويقال معناه فضحته وأبعدته. يقال أخزاه الله أبعده ومقته، والاسم الخزي، قال ابن السكيت، خزى يخزي خزياً إذا وقع في بلية، وعن أنس قال: " من تدخل النار " من تخلد، وعن سعيد بن المسيب قال هذه خاصة لمن لا يخرج منها. (وما للظالمين) المشركين، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر إشعاراً بتخصيص الخزي بهم (من) زائدة (أنصار) ينصرونهم يوم القيامة ويمنعونهم من العذاب.

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194)

193

(ربنا إننا سمعنا منادياً) هو عند أكثر المفسرين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل هو القرآن، وأوقع السماع على المنادي مع كون المسموع هو النداء لأنه قد وصف المنادي بما يسمع وهو قوله (ينادي) قال أبو علي الفارسي. ذكره مع أنه قد فهم من قوله منادياً لقصد التأكيد والتفخيم لشأن هذا المنادى به (للإيمان) اللام بمعنى إلى وقيل للعلة أى لأجله (أن آمنوا بربكم فآمنا) أي امتثلنا ما يأمر به هذا المنادي من الإيمان. وتكرير النداء في قوله (ربنا) لإظهار التضرع والخضوع (فاغفر لنا) الفاء لترتيب المغفرة والدعاء بها على الإيمان به تعالى والإقرار بربوبيّته، فإن ذلك من دواعي المغفرة والدعاء بها (ذنوبنا وكفر) حط (عنا سيآتنا) قيل المراد بالذنوب هنا الكبائر وبالسيآت الصغائر، والظاهر عدم اختصاص أحد اللفظين بأحد الأمرين والآخر بالآخر بل يكون المعنى في الذنوب والسيآت واحداً، والتكرير للمبالغة والتأكيد كما أن معنى الغفر والكفر الستر. (وتوفنا مع الأبرار) جمع بار أو بر، وأصله من الاتساع وكأن البار متسع في طاعة الله ومتسعة له رحمته، قيل هم الأنبياء ومعنى اللفظ أوسع من ذلك أي معدودين ومحسوبين في جملتهم، أو المراد في سلكهم على سبيل الكناية أو أن مع بمعنى (على) أي على أعمال الأبرار أو محشورين معهم.

194

(ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) هذا دعاء آخر، والنكتة في تكرير النداء ما تقدم والموعود به على ألسن الرسل هو الثواب الذي وعد الله به أهل

طاعته، ففي الكلام حذف وهو لفظ الألسن كقوله: (واسأل القرية) وقيل المحذوف التصديق أي ما وعدتنا على تصديق رسلك، وقيل ما وعدتنا منزّلاً على رسلك ومحمولاً على رسلك. ولا يخفى أن تقدير الأفعال الخاصة في مثل هذه المواقع تعسف، فالأول أولى. وصدور هذا الدعاء منهم مع علمهم أن ما وعدهم الله به على ألسن رسله كائن لا محالة إما لقصد التعجيل أو للخضوع بالدعاء لكونه مخ العبادة. (ولا تخزنا) لا تفضحنا ولا تهنا (يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) فيه دليل على أنهم لم يخافوا خلف الوعد، وأن الحامل لهم على الدعاء هو ما ذكرنا (¬1). ¬

(¬1) إن قيل: ما وجه قولهم: " ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك " وقد علموا أنه لا يخلف الميعاد؛ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول. أن الله سبحانه وعد من آمن بالجنة، فسألوا أن يكونوا ممن وُعد بذلك دون الخزي والعقاب. الثاني: أنهم دعوا بهذا الدعاء على جهة العبادة والخضوع، والدعاء مخ العبادة. وهذا كقوله: " قل رب أحكم بالحق " وإن كان هو لا يقضي إلا بالحق. الثالث: سألوا أن يعطوا ما وعدوا به من النصر على عدوهم معجلاً؛ لأنها حكاية عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه ذلك إعزازاً للدين. والله أعلم. وروى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما وعده الله عز وجل على عمل ثواباً فهو منجز له رحمة ومن وعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ". والعرب تذم بالمخالفة في الوعد وتمدح بذلك في الوعيد؛ حتى قال قائلهم: ولا يرهب ابن العتم ما عشت صولتي ... ولا اختفي من خشية المتهدد وإني متى أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

195

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) (فاستجاب لهم ربهم) الاستجابة بمعنى الإجابة وقيل الإجابة عامة والاستجابة خاصة بإعطاء المسئول، وهذا الفعل يتعدى بنفسه وباللام، يقال استجابه واستجاب له، وإنما ذكر سبحانه الاستجابة وما بعدها في جملة ما لهم من الأوصاف الحسنة لأنها منه، إذ من أجيبت دعوته فقد رفعت درجته. (أني لا أضيع عمل عامل منكم) أي أعطاهم ما سألوه وقال لهم إني لا أحبط عملكم أيها المؤمنون بل أثيبكم عليه، والمراد بالإضاعة ترك الإثابة (من ذكر أو أنثى) " من " بيانية مؤكدة لما تقتضيه النكرة الواقعة في سياق النفي من العموم. (بعضكم من بعض) أي رجالكم مثل نسائكم في ثواب الطاعة والعقاب ونساؤكم مثل رجالكم فيهما، وقيل في الدين والنصرة والموالاة، والأول أولى، والجملة معترضة أو مستأنفة لبيان كون كل منهما من الآخر ما أجمل في قوله (إني لا أضيع عمل عامل منكم). (فالذين هاجروا) من أوطانهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال الزمخشري: هذا تفصيل لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم، قال الكرخي: والظاهر أن هذه الجمل التي بعد الموصول كلها صفات له، فلا يكون الجزاء إلا لمن جمع هذه الصفات، ويجوز أن يكون ذلك على التنويع؛ وقد يكون حذف الموصولات

لفهم المعنى فيكون الخبر بقوله لأكفرن عن كل من اتصف بواحدة من هذه الصفات (¬1). (وأخرجوا من ديارهم) في طاعة الله عز وجل (وأوذوا في سبيلي) آذاهم المشركون بسبب إسلامهم وهم المهاجرون (وقاتلوا) أعداء الله (وقتلوا) في سبيل الله، وقرىء قتلوا على التكثير وقرىء وقتلوا وقاتلوا، وأصل الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب كما قال به الجمهور، والمراد هنا أنهم قاتلوا وقتل بعضهم، والسبيل الدين الحق والمراد هنا ما نالهم من الأذية من المشركين بسبب إيمانهم بالله وعملهم بما شرعه الله لعباده. (لأكفرنّ عنهم سيّآتهم) أي والله لأغفرنها لهم (ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله) يعني تكفير سيآتهم وإدخالهم الجنة (والله عنده حسن الثواب) وهو ما يرجع على العامل من جزاء عمله، من ثاب يثوب إذا رجع (¬2)، وقد ورد في فضل الهجرة أحاديث كثيرة. ¬

(¬1) روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله لا أسمع ذكر النساء في الهجرة بشيء فنزلت هذه الآية. رواه ابن جرير الطبري 7/ 195. رواه الحاكم في المستدرك 2/ 300 وقال صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. (¬2) زاد المسير/531.

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (197) لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (198)

196

(لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد) خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، والمراد تثبيته على ما هو عليه كقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا آمنوا) أو خطاب لكل أحد؛ وهذه الآية متضمنة لقبح حال الكفار؛ بعد ذكر حسن حال المؤمنين، والمعنى لا يغرنك؛ ما هم فيه من تقلبهم في البلاد بالأسفار للتجارة التي يتوسعون بها في معاشهم، والتقلب في البلاد الاضطراب في الأسفار إلى الأمكنة، قال السدي: يعني ضربهم فيها وقال عكرمة تقلب ليلهم ونهارهم، وما يجري عليهم من النعم.

197

(متاع قليل) يتمتعون به يسيراً في هذه الدار ويفنى وهو متاع نزر لا اعتداد به بالنسبة إلى ثواب الله سبحانه، والمتاع ما يعجل الانتفاع به، وسماه قليلاً لأنه فان؛ وكل فإن وإن كان كثيراً فهو قليل. (ثم مأواهم) أي ما يأوون إليه (جهنم وبئس المهاد) ما مهدوا لأنفسهم في جهنم بكفرهم أو ما مهد الله لهم من النار؛ فالمخصوص محذوف وهو هذا المقدر؛ قال ابن عباس: بئس المنزل.

198

(لكن الذين اتقوا ربهم) وقعت " لكن " هنا أحسن موقع فإنها وقعت بين ضدين وذلك أن معنى الجملتين التي قبلها والتي بعدها آيل إلى تعذيب الكفار وتنعيم المتقين، وهو استدراك مما تقدمه لأن معناه معنى النفي كأنه قال ليس لهم في تقلبهم في البلاد كثير انتفاع، لكن الذين اتقوا وإن أخذوا في التجارة لا يضرهم ذلك وإن لهم ما وعدهم به.

وفي الشهاب وجه الاستدراك أنه رد على الكفار فيما يتوهمون من أنهم ينعمون، وأن المؤمنين في عناء ومشقة، فقال ليس الأمر كما توهمتم فإن المؤمنين لا عناء لهم إذا نظر إلى ما أعد لهم عند الله، أو أنه لما ذكر تنعمهم بتقلبهم في البلاد، أوهم أن الله لا ينعم المؤمنين، فاستدرك عليه بأن ما هم فيه عين النعيم لأنه سبب لما بعده من النعم الجسام (¬1). (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) أي مقدرين الخلود (نزلاً) النزل ما يهيّأ للنزيل ويعد للضيف، والجمع أنزال ثم اتسع فيه فأطلق على الرزق والغذاء وإن لم يكن ضيف، ومنه (فنزل من حميم) وهو مصدر مؤكد عند البصريين أو جمع نازل، وقال الهروي ثواباً (من عند الله) وقيل إكراماً من الله لهم أعدها لهم كما يعد القرى للضيف إكراماً. (وما عند الله) مما عده لمن أطاعه (خير) للتفضيل وهو ظاهر (للأبرار) مما يحصل للكفار من الربح في الأسفار، فإنه متاع قليل عن قريب يزول. عن ابن عمر قال إنما سماهم أبراراً لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق وروى هذا مرفوعاً والأول أصح قاله السيوطي، وقال ابن زيد خير لمن يطيع الله. ¬

(¬1) روى ابن الجوزي في تفسيره سبباً لنزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يستلف من بعضهم (اليهود) شعيراً فأبى إلا على رهن فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو أعطاني لأوفيته إني لأمين في السماء أمين في الأرض ".

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (199) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)

199

(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم) هذه الجملة سيقت لبيان أن بعض أهل الكتاب لهم حظ من الدين وليسوا كسائرهم في فضائحهم التي حكاها الله عنهم فيما سبق وفيما سيأتي، فإن هذا البعض يجمعون بين الإيمان بالله وبما أنزله على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما أنزله على أنبيائهم حال كونهم (خاشعين لله لا يشترون) تصريح بمخالفتهم للمحرفين والجملة حال (بآيات الله) التي عندهم في التوراة والإنجيل (ثمناً قليلاً) من الدنيا بالتحريف والتبديل كما يفعله سائرهم بل يحكون كتاب الله كما هو. (أولئك) أي هذه الطائفة الصالحة من أهل الكتاب من حيث اتصافهم بهذه الصفات الحميدة (لهم أجرهم) الذي وعدهم الله سبحانه بقوله (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) وتقديم الخبر يفيد اختصاص ذلك الأجر بهم (عند ربهم) يوفيه إليهم يوم القيامة. أخرج النسائي والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أنس قال: لما مات النجاشي قال - صلى الله عليه وسلم - " صلوا عليه " قالوا يا رسول الله نصلي على عبد حبشي؟ فأنزل الله، يعني هذه الآية (¬1)، وفي الباب أحاديث. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 441. رواه ابن جرير 7/ 497 وإسناده ضعيف وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى على النجاشي صلاة الجنازة الغائبة وهي ثابتة صحيحة.

وقال مجاهد: هم مسلمة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وعن الحسن قال هم أهل الكتاب الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وآله وسلم والذين اتبعوا محمداً - صلى الله عليه وسلم -. (إن الله سريع الحساب) يحاسب الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا فيجازي كل أحد على قدر عمله لنفوذ علمه في كل شيء، والمراد سرعة وصول الأجر الموعود به إليهم.

200

(يا أيها الذين آمنوا اصبروا) هذه الآية العاشرة من قوله سبحانه (إن في خلق السموات) ختم بها هذه السورة لما اشتملت عليه من الوصايا التي جمعت خير الدنيا والآخرة؛ فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات، والصبر حبس النفس؛ وقد تقدم تحقيق معناه وهو لفظ عام تحته أنواع من المعاني، وقد خصه بعضهم بالصبر على طاعة الله، وقيل على أداء الفرائض وقيل على تلاوة القرآن؛ وقيل على أمر الله ونهيه؛ وقيل على الجهاد؛ وقيل على البلاء وقيل على أحكام الكتاب والسنة، واللفظ أوسع من ذلك. (وصابروا) المصابرة مصابرة الأعداء قاله الجمهور أي غالبوهم في الصبر على شدائد الحرب، ولا تكونوا أضعف فيكونوا أشد منكم صبراً وخص المصابرة بالذكر بعد أن ذكر الصبر لكونها أشد منه وأشق وأكمل وأفضل من الصبر على ما سواه، فهو كعطف الصلاة الوسطى على الصلوات، وقيل المعنى صابروا على الصلوات وقيل صابروا الأنفس عن شهواتها، وقيل صابروا الوعد الذي وعدتم ولا تيأسوا والقول الأول هو المعنى العربي. وقد روى عن السلف غير هذا في قصر الصبر على نوع من أنواع الطاعات والمصابرة على نوع آخر، ولا تقوم بذلك حجة، فالواجب الرجوع إلى المدلول اللغوي وقد قدمناه.

(ورابطوا) أي أقيموا في الثغور مرابطين خيلكم فيها كما يربطها أعداؤكم، وهذا قول جمهور المفسرين، وعن محمد بن كعب القرظي قال: اصبروا على دينكم وصابروا الوعد الذي وعدتكم، ورابطوا عدوي وعدوكم. وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: هذه الآية في انتظار الصلاة بعد الصلاة، ولم يكن في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزو يرابط فيه، والرباط اللغوي هو الأول، ولا ينافيه تسميته - صلى الله عليه وسلم - لغيره رباطاً، ويمكن إطلاق الرباط على المعنى الأول وعلى انتظار الصلاة، قال الخليل: الرباط ملازمة الثغور ومواظبة الصلاة، وهكذا قال وهو من أئمة اللغة. وحكى ابن فارس عن الشيباني أنه قال: يقال ماء مترابط دائم لا يبرح، وهو يقتضي تعدية الرباط إلى غير ارتباط الخيل في الثغور، قال الخازن كل مقيم بثغر يدفع عمن وراءه وإن لم يكن له مركوب مربوط. وعن أبي هريرة: قال أما إنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد يصلون الصلوات في مواقيتها ثم يذكرون الله فيها. وقد ثبت في الصحيح وغيره من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط (¬1) ". وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل الرباط، وفيها التصريح بأنه الرباط في سبيل الله، وهو يرد ما قاله أبو سلمة بن عبد الرحمن فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ندب إلى الرباط في سبيل الله وهو الجهاد، فيحمل ما في الآية عليه. ¬

(¬1) مسلم 251.

وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه سمى حراسة الجيش رباطاً فأخرج الطبراني في الأوسط بسند جيد عن أنس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أجر الرابط فقال: من رابط ليلة حارساً من وراء السلمين كان له أجر من خلفه ممن صام وصلى (¬1). (واتقوا الله) في جميع أحوالكم، ولا تخالفوا ما شرعه لكم (لعلكم تفلحون) أي تكونون من جملة الفائزين بكل مطلوب، الناجين من كل الكروب. وقد ورد في فضل هذه العشر الآيات التي في آخر هذه السورة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أخرجه ابن السني وابن مردويه وابن عساكر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ عشر آيات من آخر سورة آل عمران كل ليلة، وفي إسناده مظاهر بن أسلم وهو ضعيف (¬2). ومن حديث ابن عباس في الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من قرأ هذه العشر الآيات لما استيقظ، وأخرج الدارمي عن عثمان بن عفان قال: من قرأ آخر آل عمران في ليلة كتب له قيام الليلة. تمت بعون الله سورة آل عمران ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 6135. زاد المسير 534. (¬2) ابن كثير 1/ 441.

خاتمة الجزء الثاني تم بعون الله سبحانه وتعالى الجزء الثاني من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء الثالث وأوله تفسير سورة النساء: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا.

فتحُ البيان في مقاصد القرآن تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري 1248 - 1307 هـ عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الجزء الثالث المَكتبة العصريَّة صَيدَا - بَيروت

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة 1412 هـ - 1992 م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية بَيروت - صَ. ب 8355 - تلكس LE 20437 SCS صَيدَا - صَ. ب 221 - تلكس LE 29198

فتح البيان في مقاصد القرآن

سورة النساء

الجزء الثالث بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساءمن أول آية بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1) إلى الآية 89 من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم سورة النساء مدنية كلها وهي مائة وخمس وسبعون آية قال القرطبي: إلا آية واحدة نزلت بمكة عام الفتح في عثمان بن طلحة الحجبي وهي قوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) قال النقاش: وقيل نزلت عند هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة إلى المدينة. وقال علقمة وغيرة: صدرها مكية. وقال النحاس هذة الآية مكية. قال القرطبي: والصحيح الأول فإن في صحيح البخاري عن عائشة أنها قالت: ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني قد بنى بها ولا خلاف بين العلماء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما بنى بعائشة بالمدينة. ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها. وقد ورد في فضل هذه السورة أخبار آثار كثيرة ذكرت في محلها.

بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

1

(يا أيها الناس) المراد بهم الموجودون عند الخطاب من بني آدم وهم أهل مكة، ويدخل فيه من سيوجد بدليل خارجي وهو الإجماع على أنهم مكلفون بما كلف به الموجودون. وعند الحنابلة خطاب المشافهة يتناول القاصرين عن درجة التكليف فينتظم في سلكهم من الحادثين بعد ذلك إلى يوم القيامة أو هو بطريق تغليب الموجودين على من لم يوجد كما غلب المذكور على الإناث في قوله (اتقوا ربكم) لاختصاص ذلك وبجمع المذكر وعدم تناوله حقيقة للإناث عند غير الحنابلة، وقد تقدم في البقرة معنى التقوى والرب. (الذي خلقكم) فإن خلقه تعالى لهم على هذا النمط البديع من أقوى الدواعي إلى الاتقاء من موجبات نقمته، ومن أتم الزواجر عن كفران نعمته، وذلك لأنه ينبىء عن قدرة شاملة لجميع المقدورات التي من جملتها عقابهم، وعن نعمة كاملة لا يقادر قدرها. (من نفس واحدة) آدم عليه السلام (خلق منها زوجها) حواء هذا أيضاً من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة، و (مِن) لابتداء الغاية في الموضعين وخلقها منه لم يكن بتوليد كخلق الأولاد من الآباء فلا يلزم منه ثبوت حكم البنتية والأختية فيها. قال كعب ووهب

وابن اسحق: خلقت قبل دخول الجنة، وقال ابن مسعود وابن عباس: إنما خلقت في الجنة بعد دخوله إياها. (وبثّ) فرق ونشر (منهما) الضمير راجع إلى آدم وحواء المعبّر عنهما بالنفس والزوج (رجالاً كثيراً) وصف مؤكد لما تفيده صيغة الجمع لكونها من جموع الكثرة وقيل هو نعت لمصدر محذوف أي بثاً كثيراً (ونساء) كثيرة، وترك التصريح به استغناء واكتفاء بالوصف الأول. (واتقوا الله الذي تساءلون به) أي تعاطون به، قاله ابن عباس، وقال الربيع تعاقدون وتعاهدون، وقيل تتحالفون به، وقيل تعظمونه، والمعاني متقاربة، وقال البيضاوي: أي يسأل بعضكم بعضاً بالله. (والأرحام) بالنصب عطفاً على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرا، وينصره قراءة (وبالأرحام) فإنهم كانوا يقرنون بينهما في السؤال والمناشدة فيقولون أسألك بالله وبالرحم، وأنشدك الله والرحم أو عطفاً على الاسم الجليل أي اتقوا الله والأرحام فلا تقطعوها فإنها مما أمر الله به أن يوصل، وهي الأولى. وقرىء والأرحام بالجر وأنكره البصريون والكوفيون وسيبويه والزجاج، وحكى أبو علي الفارسي أن المبرد قال: لو صليت خلف إمام يقرأ (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بالجر لأخذت نعلي ومضيت. وقد رد الإمام أبو نصر القشيري ما قاله القادحون في قراءة الجر فقال: ومثل هذا الكلام مردود عند أئمة الدين لأن القراآت التي قرأ بها أئمة القرآن ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تواتراً، ولا يخفى أن دعوى التواتر باطلة، يعرف ذلك من يعرف الأسانيد التي رووها بها، ولكن ينبغي أن يحتج للجواز بورود ذلك في أشعار العرب، ومنه قوله تعالى (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين).

وقيل التقدير: واتقوا قطع مودّة الأرحام فإنّ قطع الرحم من أكبر الكبائر، وصلة الأرحام باب لكل خير فتزيد في العمر وتبارك في الرزق، وقطعها سبب لكل شر، ولذلك وصل تقوى الرحم بتقوى الله. وصلة الرحم تختلف باختلاف الناس فتارة يكون عادته مع رحمه الصلة بالإحسان، وتارة بالخدمة وقضاء الحاجة، وتارة بالمكاتبة، وتارة بحسن العبارة وغير ذلك. وقرىء بالرفع على الإبتداء والخبر مقدر أي والأرحام صلوها أو والأرحام أهل أن توصل، أو والأرحام كذلك أي مما يتقى أو يتساءل به، وقيل إن الرفع على الإغراء عند من يرفع به، وجوّز الواحدى نصبه على الإغراء. والأرحام اسم لجميع الأقارب من غير فرق بين المحرم وغيره، لا خلاف في هذا بين أهل الشرع واللغة، وقد خصص الإمام أبو حنيفة الرحم بالحرم في منع الرجوع في الهبة مع موافقته على أن معناها أعم، ولا وجه لهذا التخصيص. قال القرطبي: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة وأن قطيعتها محرّمة انتهى، وقد وردت بذلك الأحاديث الكثيرة الصحيحة، روى الشيخان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله " (¬1) وإنما استعير اسم الرحم للقرابة لأن الأقارب يتراحمون ويعطف بعضهم على بعض. (إن الله كان عليكم رقيباً) حافظاً يعلم السر وأخفى، والرقيب المراقب، وهي صيغة مبالغة من رقب يرقب رقباً ورقوباً ورقباناً إذا أحدّ النظر لأمر يريد تحقيقه. ¬

(¬1) صحيح مسلم 2555 - البخاري 2045.

وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3)

2

(وآتوا) أعطوا (اليتامى أموالهم) شروع في موارد الاتقاء ومظانّه، وتقديم ما يتعلق باليتامى لإظهار كمال العناية بأمرهم وملابستهم للأرحام، والخطاب للأولياء والأوصياء، واليتيم من لا أب له، وقد خصه الشرع بمن لم يبلغ الحلم، وقد تقدم تفسير معناه في البقرة مستوفى. وأطلق اسم اليتيم عليهم عند إعطائهم أموالهم مع أنهم لا يعطونها إلا بعد ارتفاع اسم اليتيم بالبلوغ مجازاً باعتبار ما كانوا عليه، ويجوز أن يراد باليتامى المعنى الحقيقي. وبالإيتاء ما يدفعه الأولياء والأوصياء إليهم من النفقة والكسوة لا دفعها جميعها، هذه الآية مقيدة بالأخرى وهي قوله تعالى: (فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فلا يكون مجرد ارتفاع اليتيم بالبلوغ مسوغاً لدفع أموالهم إليهم حتى يؤنس عنهم الرشد. (ولا تتبدّلوا الخبيث) هو مال اليتيم وإن كان جيداً لكونه حراماً (بالطيّب) وهو مال الولي لكونه حلالاً وإن كان رديئاً فالباء داخلة على المتروك نهي لهم عن أن يصنعوا صنع الجاهلية في أموال اليتامى، فإنهم كانوا يأخذون الطيب من أموال اليتامى ويعوّضونه بالرديء من أموالهم، ولا يرون بذلك بأساً. وقيل المعنى لا تأكلوا أموال اليتامى وهي محرمة خبيثة وتدعوا الطيب من أموالكم، وقيل المراد لا تتعجلوا أكل الخبيث من أموالهم وتدعوا انتظار الرزق الحلال من عند الله، والأول أولى فإن تبدل الشيء بالشيء في اللغة أخذ

مكانه، وكذلك استبداله ومنه قوله تعالى (ومن يتبدّل الكفر بالإيمان فقد ضلّ سواء السبيل) وقوله (اتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) وأما التبديل فقد يستعمل كذلك كما في قوله (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) وأخرى بالعكس كما في قولك بدلت الحلقة بالخاتم إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، نص عليه الأزهري. وذهب جماعة من المفسرين إلى أن المنهي عنه في هذه الآية يعني (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) هو الخلط فيكون الفعل مضمناً معنى الضم أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وهذا نهي عن منكر آخر كانوا يفعلونه بأموال اليتامى، وخص النهي بالمضموم وإن كان أكل مال اليتيم حراماً وإن لم يضم إلى مال الوصي، لأن أكل ماله مع الاستغناء عنه أقبح، فلذلك خص النهي به أو لأنهم كانوا يأكلونه مع الاستغناء عنه، فجاء النهي على ما وقع منهم فالقيد للتشنيع. وإذا كان التقييد لهذا الغرض لم يلزم القائل بمفهوم المخالفة جواز أكل أموالهم وحدها، قاله الكرخي، ثم نسخ هذا بقوله تعالى (وإن تخالطوهم فإخوانكم) وقيل إن إلى بمعنى مع كقوله تعالى (من أنصاري إلى الله) والأول أولى. (إنه) أي أكل مال اليتيم من غير حق أو التبديل المفهوم من (لا تتبدلوا) أو المراد كلاهما ذهاباً بها مذهب اسم الإشارة نحو (عوان بين ذلك) والأول أولى لأنه أقرب مذكور (كان حوباً) قرىء بضم الحاء وبفتحها، وحابا بالألف لغات في المصدر، والفتح لغة تميم، وهو الإثم، يقال حاب الرجل يحوب حوباً إذا أثم واكتسب الإثم، وأصله الزجر للإبل فسمي الإثم حوباً لأنه يزجر عنه، والحوبة الحاجة والحوب أيضاً الوحشة والتحوب التحزن.

عن سعيد بن جبير قال إن رجلاً من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمه فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية يقول: لا تستبدلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم. وعن مجاهد قال: لا تعجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال الذي قدر لك، ولا تأكلوا أموالهم مع أموالكم تخلطونها فتأكلونها جميعاً إنه كان إثماً (كبيراً) وعن ابن زيد قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا يورثون الصغار، يأخذه الكبير، فنصيبه من الميراث طيب، وهذا الذي يأخذ خبيث.

3

(وإن خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى فانكحوا) وجه ارتباط الجزاء بالشرط أن الرجل كان يكفل اليتيمة لكونه ولياً لها ويريد أن يتزوجها فلا يقسط لها في مهرها أي لا يعدل فيه ولا يعطيها ما يعطيها غيره من الأزواج، فنهاهم الله أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا بهن أعلى ما هو لهن من الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. فهذا سبب نزول الآية فهو نهي يخص هذه الصورة، قال جماعة من السلف إن هذه الآية ناسخة لما كان في الجاهلية وفي أول الإسلام من أن للرجل أن يتزوج من الحرائر ما يشاء فقصرهم بهذه الآية على أربع، فيكون وجه ارتباط الجزاء بالشرط أنهم إذا خافوا أن لا يقسطوا في اليتامى فكذلك يخافون أن لا يقسطوا في النساء، لأنهم كانوا يتحرجون في اليتامى ولا يتحرجون في النساء، والخوف من الأضداد فإن المخوف قد يكون معلوماً، وقد يكون مظنوناً. ولهذا اختلف الأئمة في معناه في الآية فقال أبو عبيد: خفتم بمعنى أيقنتم، وقال الآخرون بمعنى ظننتم، قال ابن عطيه وهو الذي اختاره الحداق: وإنه على بابه من الظن لا من اليقين.

والمعنى من غلب على ظنه التقصير في العدل لليتيمة فليتركها وينكح غيرها. والمعروف عند أهل اللغة أن أقسط بمعنى عدل وقسط بمعنى جار لأن الهمزة تأتي للسلب فيقال أقسط إذا أزال القسط أي الجور والظلم، ولذلك جاء (وأما القاسطون) الآية، (وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) وجاء قسط قسطاً من باب ضرب، وقسوطاً جار وعدل فهو من الأضداد، قاله ابن القطاع، والإسم القسط. و" ما " في قوله (ما طاب لكم) موصولة وجاء بما مكان " من " لأنهما قد يتعاقبان فيقع كل واحد منهما مكان الآخر كما في قوله (والسماء وما بناها) (ومنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على أربع). قال بعضهم: وحسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء وهن ناقصات العقول، وقال البصريون: إن (ما) يقع للنعوت كما يقع لما لا يعقل، يقال ما عندك فيقال ظريف وكريم، وقيل هي لنوع من يعقل، فالمعنى فانكحوا النوع الطيب من النساء أي الحلال وما حرمه الله فليس بطيب، وقيل إن (ما) هنا مديَّة أي ما دمتم مستحسنين للنكاح، وضعفه ابن عطية. قال الفراء: إن (ما) ههنا مصدرية، قال النحاس: وهذا بعيد جداً، وقيل إنها نكرة موصوفة أي انكحوا جنساً طيباً وعدداً طيباً، والأول أولى، وقرىء فانكحوا من طاب لكم. وقد اتفق أهل العلم على أن هذا الشرط المذكور في الآية لا مفهوم له، وأنه يجوز لمن لم يخف أن يقسط في اليتامى أن ينكح أكثر من واحدة. و" من " في قوله (من النساء) إما بيانية أو تبعيضية لأن المراد غير اليتائم

بشهادة قرينة المقام أي فانكحوا من استطابتها نفوسكم من الأجنبيات، وفي إيثار الأمر بنكاحهن على النهي عن نكاح اليتامى مع أنه المقصود بالذات مزيد لطف في استنزالهم، فإن النفس مجبولة على الحرص على ما منعت منه. على أن وصف النساء بالطيب على الوجه الذي أشير إليه، فيه مبالغة في الاستمالة إليهن، والترغيب فيهن، وكل ذلك للاعتناء بصرفهم عن نكاح اليتامى وهو السر في توجيه النهي الضمني إلى النكاح المترقب. (مثنى وثلاث ورباع) أي اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، وهذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أو يقتصر فيها على السماع، فالأول قول الكوفيين وأبي إسحق وغيره، والثاني قول البصريين. والمسموع من ذلك أحد عشر لفظاً أحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ومخمس، وعشار ومعشر، ولم يسمع خماس ولا غيره من بقية العقد. وجمهور النحاة على منع صرفها وأجاز الفراء صرفها وإن كان المنع عنده أولى. وقد استدل بالآية على تحريم ما زاد على الأربع. وبينوا ذلك بأنه خطاب لجميع الأمة، وأن كل ناكح له أن يختار ما أراد من هذا العدد كما يقال للجماعة اقتسموا هذا المال وهو ألف درهم أو هذا المال الذي في البدرة درهمين درهمين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وهذا مسلّم إذا كان المقسوم قد ذكرت جملته أو عينّ مكانه، أما لو كان مطلقاً كما يقال اقتسموا الدراهم، ويراد به ما كسبوه فليس المعنى هكذا، والآية من الباب الآخر لا من الباب الأول، على أن من قال لقوم يقتسمون مالاً معيناً كبيراً اقتسموه مثنى وثلاث ورباع فقسموا بعضه بينهم درهمين درهمين وبعضه ثلاثة ثلاثة وبعضه أربعة أربعة كان هذا هو المعنى العربي.

ومعلوم أنه إذا قال القائل: جاءني القوم مثنى، وهم مائة ألف كان المعنى أنهم جاءوه اثنين اثنين، وهكذا جاءني القوم ثلاث ورباع. والخطاب للجميع بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد كما في قوله تعالى (اقتلوا المشركين، أقيموا الصلاة، آتوا الزكاة) ونحوها. فمعنى قوله (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) لينكح كل فرد منكم ما طاب له من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثاً ثلاثاً، وأربعاً أربعاً، هذا ما يقتضيه لغة العرب. فالآية تدل على خلاف ما استدلوا به عليه. ويؤيد هذا قوله تعالى في آخر الآية (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) فإنه وإن كان خطاب للجميع فهو بمنزلة الخطاب لكل فرد فرد، فالأولى أن يستدل على تحريم الزيادة على الأربع بالسنّة لا بالقرآن. وأما استدلال من استدل بالآية على جواز نكاح التسع باعتبار الواو الجامعة، وكأنه قال انكحوا مجموع هذا العدد المذكور، فهذا جهل بالمعنى العربي، ولو قال انكحوا اثنتين وثلاثاً وأربعاً، كان هذا القول له وجه، وأما مع المجيء بصيغة العدل فلا. وإنما جاء سبحانه بالواو الجامعة دون (أو) لأن التخيير يشعر بأنه لا يجوز إلا أحد الأعداد المذكورة دون غيره، وذلك ليس بمراد من النظم القرآني. وأخرج الشافعي وابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اختر منهن وفي لفظ أمسك منهن أربعاً وفارق سائرهن (¬1)، وروي هذا الحديث بألفاظ من طرق. ¬

(¬1) الدارقطني 2/ 1492.

وعن نوفل بن معاوية الديلي قال أسلمت وعندي خمس نسوة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمسك أربعاً وفارق الأخرى، أخرجه الشافعي في مسنده. وأخرج ابن ماجه والنحاس في ناسخه عن قيس بن الحارث الأسدي قال أسلمت وكان تحتي ثمان نسوة فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته فقال اختر منهن أربعاً وخلّ سائرهن ففعلت، وهذه شواهد للحديث الأول كما قال البيهقي. وعن الحكم قال أجمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن المملوك لا يجمع من النساء فوق اثنتين، وفي بعض التفاسير هنا خلط وخبط تركناه لأنه تطويل بلا طائل، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. (فإن خفتم ألا تعدلوا) بين الزوجات في القسم والنفقة ونحوهما (فواحدة) أي فانكحوا واحدة وفيه المنع من الزيادة على الواحدة لمن خاف ذلك. (أو) انكحوا واقتصروا على (ما ملكت أيمانكم) من السراري وإن كثر عددهن كما يفيده الموصول، إذ ليس لهن من الحقوق ما للزوجات، والمراد نكاحهن بطريق الملك لا بطريق النكاح، وفيه دليل على أنه لا حق للمملوكات في القسم كما يدل على ذلك جعله قسيماً للواحدة في الأمن من عدم العدل، وإسناد الملك إلى اليمين لكونها المباشرة لقبض الأموال وإقباضها ولسائر الأمور التي تنسب إلى الشخص في الغالب. (ذلك) أي نكاح الأربعة فقط أو الواحدة أو التسري (أدنى) أقرب إلى (ألا تعولوا) تجوروا من عال الرجل يعول إذا مال وجار ومنه قولهم عال السهم عن الهدف أي مال عنه، وعال الميزان إذا مال. والمعنى إن خفتم عدم العدل بين الزوجات فهذه التي أمرتم بها أقرب إلى عدم الجور، وهو قول أكثر المفسرين.

وقال الكسائي يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر فصار عالة، ومنه قوله تعالى (وإن خفتم عيلة) وقيل المعنى أن لا تضلوا، وقال الشافعي أن لا تكثر عيالكم، قال الثعلبي وما قال هذا غيره، وإنما يقال أعال يعيل إذا كثر عياله. وذكر ابن العربي أن عال يأتي لسبعة معان (الأول) مال (الثاني) زاد (الثالث) جار (الرابع) افتقر (الخامس) أثقل (السادس) قام بمعونة العيال ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - وابدأ بمن تعول (¬1) (السابع) غلب ومنه عيل صبري، قال ويقال أعال الرجل كثر عياله، وأما عال بمعنى كثر عياله فلا يصح. ويجاب عن إنكار الثعلبي لما قاله الشافعي، وكذلك إنكار ابن العربي بأنه قد سبق الشافعي إلى القول به زيد بن أسلم وجابر بن زيد، وهما إمامان من أئمة المسلمين لا يفسران القرآن هما والإمام الشافعي بما لا وجه له في العربية، وقد أخرج ذلك عنهما الدارقطني في سننه. وقد حكاه القرطبي عن الكسائي وأبي عمرو الدوري وابن الأعرابى، وقال أبو حاتم كان الشافعي أعلم بلغة العرب منا ولعله لغة، وقال الدوري هي لغة حِمْير. قال ابن عطية: قول الشافعي نفسه حجة لأنه عربي فصيح، وقال الأزهري: والذي اعترض عليه وخطّأه عَجِل ولم يتثبت فيما قال، ولا ينبغي للحضرمي أن يعجل إلى إنكاره ما لا يحفظه من لغات العرب أهـ. وبسط الرازي في هذا المقام من تفسيره. ورد على أبي بكر الرازي ثم قال: الطعن لا يصدر إلا عن كثرة الغباوة وقلة المعرفة. وقرأ طلحة بن مصرف: أن لا تعيلوا بضم التاء، وهو حجة الشافعي. ¬

(¬1) البخاري كتاب الزكاة الباب 18.

وقدح الزجاج في تأويل عال من العيال بأن الله سبحانه قد أباح كثرة السراري، وفي ذلك تكثير العيال، فكيف يكون أقرب إلى أن لا تكثر، وهذا القدح غير صحيح لأن السراري إنما هي مال يتصرف فيه بالبيع، وإنما العيال الحرائر ذوات الحقوق الواجبة. وقد حكى ابن الأعرابي أن العرب تقول عال الرجل إذا كثر عياله، وكفى بهذا، وقد ورد عال لمعان غير السبعة التي ذكرها ابن العربي منها عال اشتد وتفاقم، حكاه الجوهري، وعال الرجل في الأرض إذا ضرب فيها حكاه الهروي، وعال إذا أعجز حكاه الأحمر، فهذه ثلاثة معان غير السبعة، والرابع عال كثر عياله، فحمله معاني عال أحد عشر معنى. وعن قتادة في الآية قال: يقول إن خفت أن لا تعدل في أربع فثلاثاً وإلا فاثنتين وإلا فواحدة فإن خفت أن لا تعدل في واحدة فما ملكت يمينك، وعن الربيع مثله، وعن الضحاك قال ألا تعدلوا في المجامعة والحب وفيه نظر، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول " اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك " (¬1) يعني في حبه لعائشة، والله تعالى يقول (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم) وعن السدي " أو ملكت أيمانكم " قال: السراري. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -[ذلك أدنى أن لا تعدلوا] قال أن لا تجوروا قال ابن أبي حاتم هذا حديث خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف، وعن ابن عباس موقوف (¬2). وعن ابن عباس قال أن لا تميلوا، وعن مجاهد وأبي رزين وأبي مالك والضحاك مثله، وعن زيد بن أسلم أن لا يكثر من تعولوا، وعن سفيان بن عيينة أن لا تفتقروا. ¬

(¬1) أبو داود كتاب النكاح الباب 38 - الترمذي كتاب النكاح الباب 41. (¬2) ابن كثير 2/ 451.

4

وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) (وآتوا) الخطاب للأزواج وقيل للأولياء (النساء صدقاتهنّ) بضم الدال جمع صدقة كسمرة قال الأخفش وبنو تميم يقولون صدقة والجمع صدقات وإن شئت فتحت وإن شئت أسكنت. (نحلة) بكسر النون وضمها لغتان، وأصلها العطاء نحلت فلاناً أعطيته، وعلى هذا فهي منصوبة على المصدرية لأن الإيتاء بمعنى الإعطاء وقيل النحلة التدين فمعنى نحلة تديناً قاله الزجاج وعلى هذا فهي منصوبة على المفعول له، وقال قتادة الفريضة، وعلى هذا فهي منصوبة على الحال وقيل طيبة النفس، قال أبو عبيد: ولا تكون النحلة إلا عن طيبة نفس، وقال ابن عباس: المهر، قالت عائشة: واجبة، وقال ابن جريج: فريضة مسماة وعن قتادة مثله. ومعنى الآية على كون الخطاب للأزواج أعطوا النساء اللاتي نكحتموهن مهورهن التي لهن عليكم عطية أو ديانة منكم أو فريضة عليكم أو طيّبة من أنفسكم. ومعناها على كون الخطاب للأولياء أعطوا النساء من قراباتكم التي قبضتم مهورهن من أزواجهن تلك المهور، وقد كان الولي يأخذ مهر قريبته في الجاهلية ولا يعطيها شيئاً. حكى ذلك عن أبي صالح والكلبي. والأول أولى وهو الأشبه بظاهر الآية وعليه الأكثر لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله كما تقدم، فهذا أيضاً خطاب لهم. وفي الآية دليل على أن الصّداق واجب على الأزواج للنساء، وهو مجمع عليه كما قال القرطبي، قال: وأجمع العلماء على أنه لا حد لكثيره واختلفوا في قليله. (فإن طبن لكم) يعني النساء المتزوجات للأزواج (عن شيء منه) قال

ابن عباس: إذا كان من غير ضرار ولا خديعة فهو هنيء مريء كما قال الله تعالى والضمير في (منه) راجع إلى الصداق الذي هو واحد الصدقات، أو إلى المذكور وهو الصدقات، أو هو بمنزلة اسم الإشارة كأنه قال من ذلك. والمعنى فإن طبن النساء لكم أيها الأزواج أو الأولياء عن شيء كائن من المهر، و (من) فيها وجهان أحدهما أنها للتبعيض ولذلك لا يجوز لها أن تهبه كل الصداق، وإليه ذهب الليث (والثاني) أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تهبه المهر كله، وفي الكرخي وتذكير الضمير يعود على الصداق المراد به الجنس، قل أو كثر فيكون حملاً على المعنى. (نفساً) نصب على التمييز لأن نفساً في معنى الجنس، وجيء بالتمييز مفرداً وإن كان قبله جمعاً لعدم اللبس، إذ من المعلوم أن الكل لسن مشتركات في نفس واحدة أي فإن طابت نفوسهن عن شيء من الصداق. وفي طبن دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس لا مجرد ما يصدر منها من الألفاظ التي لا يتحقق معها طيبة النفس، فإذا ظهر منها ما يدل على عدم طيبة النفس نفسها لم يحل للزوج ولا للولي وإن كانت قد تلفظت بالهبة أو النذر أو نحوهما. وما أقوى دلالة هذه الآية على عدم اعتبار ما يصدر من النساء من الألفاظ المفيدة للتمليك بمجردها لنقصان عقولهن وضعف إدراكهن وسرعة انخداعهن وانجذابهن إلى ما يراد منهن بأيسر ترغيب أو ترهيب. (فكلوه) أي فخذوا ذلك الشيء الذي طابت به نفوسهن وتصرفوا فيه بأنواع التصرفات وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال وإن كان سائر الإنتفاعات به جائز كالأكل (هنيئاً مريئاً) يقال هناه الطعام والشراب يهنيه ومراه وأمراه من الهنا والمرا، والفعل هنا ومرأ أي أتى من غير مشقة ولا غيظ، وقيل هو الطيب الذي لا تنغيص فيه وقيل المحمود العاقبة الطيب الهضم؛ وقيل ما لا إثم فيه؛ والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب.

5

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا (5) (ولا تؤتوا) أيها الأولياء (السفهاء) المبذرين من الرجال والنساء والصبيان (أموالكم) هذا رجوع إلى بقية الأحكام المتعلقة بأموال اليتامى وقد تقدم الأمر بدفع أموالهم إليهم في قوله (وآتوا اليتامى أموالهم) فبينّ سبحانه ههنا أن السفيه وغير البالغ لا يجوز دفع ماله إليه؛ وقد تقدم في البقرة معنى السفيه لغة. واختلف أهل العلم في هؤلاء السفهاء من هم فقال سعيد بن جبير: هم اليتامى لا تؤتوهم أموالهم، قال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل في الآية، وقال مالك: هم الأولاد الصغار لا تعطوهم أموالكم فيفسدوها ويبقوا بلا شيء. وقال مجاهد: هم النساء قال النحاس وغيره هذا القول لا يصح إنما تقول العرب سفايه أو سفيهات. واختلفوا في وجه إضافة الأموال إلى المخاطبين وهي للسفهاء فقيل أضافها إليهم لأدنى ملابسة فإنها بأيديهم وهم الناظرون فيها كقوله (فسلّموا على أنفسكم) وقوله (فاقتلوا أنفسكم) أي ليسلّم بعضكم على بعض وليقتل بعضكم بعضاً، وقيل أضافها إليهم لأنها من جنس أموالهم؛ فإن الأموال جعلت مشتركة بين الخلق في الأصل. وقيل المراد أموال المخاطبين حقيقة؛ وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس والحسن وقتادة؛ والمراد النهي عن دفعها إلى من لا يحسن تدبيرها كالنساء والصبيان ومن هو ضعيف الإدراك لا يهتدي إلى وجوه النفع التي تحصل المال ولا يتجنب وجوه الضرر التي تهلكه وتذهب به.

(التي جعل الله) أي صيّرها أو خلقها وأوجدها (لكم) حال كونها (قياماً) يعني قوام معايشكم، قاله ابن عباس، والقيام والقوام ما يقيمك، يقال فلان قيام أهله وقوام بيته، وهو الذي يقيم شأنه أي يصلحه، وهو منصوب على المصدر أي فيقومون بها قياماً. وقال الأخفش: المعنى قائمة بأموركم، فذهب إلى أنها نفع، وقال البصريون: قيماً جمع قيمة كديمة وديم أي جعلها الله قيمة للأشياء، وخطأ أبو علي الفارسي هذا القول وقال هي مصدر كقيام وقوام. والمعنى أنها صلاح للحال وثبات له. فأما على قول من قال إن المراد أموالهم على ما يقتضيه ظاهر الإضافة فالمعنى واضح، وأما على قول من قال إنها أموال اليتامى فالمعنى أنها من جنس ما تقوم به معايشكم ويصلح به حالكم من الأموال، قال الفراء الأكثر في كلام العرب النساء اللواتي والأموال التي وكذا غير الأموال ذكره النحاس. (وارزقوهم فيها) أي أطعموهم منها، قال ابن عباس: أنفقوا عليهم أي اجعلوا لهم فيها رزقاً أو افرضوا لهم، وآثر التعبير بفي على من مع أن المعنى عليها إشارة إلى أنه ينبغي للولي أن يتجر لموليه في ماله ويربحه له حتى تكون نفقته عليه من الربح لا من أصل المال، فالمعنى واجعلوها مكاناً لرزقهم وكسوتهم بأن تتجروا فيها وتربحوها لها. (واكسوهم) هذا فيمن تلزم نفقته وكسوته من الزوجات والأولاد ونحوهم، وأما على قول من قال إن الأموال هي أموال اليتامى فالمعنى اتجروا فيها حتى تربحوا وتنفقوهم من الأرباح، أو جعلوا لهم من أموالهم رزقاً ينفقونه على أنفسهم ويكتسون به. وقد استدل بهذه الآية على جواز الحجر على السفهاء وبه قال الجمهور،

وقال أبو حنيفة: لا يحجر على من بلغ عاقلاً، واستدل بها أيضاً على وجوب نفقة القرابة، والخلاف في ذلك معروف في مواطنه. (وقولوا لهم قولاً معروفاً) أي كلاماً ليّناً تطيب به نفوسهم، وقال مجاهد: أمروا أن يقولوا لهم قولاً جميلاً في البر والصلة قيل معناه ادعوا لهم بارك الله فيكم وحاطكم وصنع لكم، وقيل معناه: عدوهم وعداً حسناً قاله ابن جريج أي بإعطائهم أموالهم كأن يقول الولي لليتيم مالك عندي وأنا أمين عليه، فإذا بلغت ورشدت أعطيتك مالك، ويقول الأب لابنه مالي سيصير إليك، وأنت إن شاء الله تعالى صاحبه ونحو ذلك، وذلك لأجل تطييب خواطرهم، ولأجل أن يجدّوا في أسباب الرشد. والظاهر من الآية ما يصدق عليه مسمى القول الجميل ففيه إرشاد إلى حسن الخلق مع الأهل والأولاد أو مع الأيتام المكفولين، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما صح عنه " خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي " (¬1) وعن ابن عباس في الآية لا تعمد إلى مالك وما خوّلك الله وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك أو بنتك ثم تضطر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك مالك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم، وعنه لا تسلّط السفيه من ولدك على مالك، وأمره أن يرزقه منه ويكسوه، وعنه قال: هم بنوك والنساء. وعن أبي أمامة مرفوعاً عند ابن أبي حاتم أن السفهاء النساء التي أطاعت قيمها. وعن أبي هريرة قال: هم الخدم وهم شياطين الإنس، وقال ابن مسعود: هم النساء والصبيان؛ وعن حضرمي أن رجلاً عمد فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق فقال الله (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) الآية. وعن ابن جبير قال: هم اليتامى والنساء وعن عكرمة قال هو مال اليتيم يكون عندك يقول لا تؤته إياه وأنفق عليه حتى يبلغ. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 3309.

6

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) (وابتلوا اليتامى) شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم، وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق، والنهي عنه عند كون أصحابها سفهاء، والابتلاء الاختبار، وقد تقدم تحقيقه، وقد اختلفوا في معنى الاختبار فقيل هو أن يتأمّل الوصي أخلاق يتيمه ليعلم بنجابته وحسن تصرفه فيدفع إليه ماله إذا بلغ النكاح وآنس منه الرشد، وقيل معنى الإختبار أن يدفع إليه شيئاً من ماله ويأمره بالتصرف فيه حتى يعلم حقيقة حاله. وقيل معنى الاختبار أن يرد النظر إليه في نفقة الدار ليعرف كيف تدبيره، وإن كانت جارية رد إليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها، وهذا الخطاب للأولياء، والاختبار واجب على الولي، وقيل نزلت هذه الآية في ثابت بن رفاعة وعمه. (حتى إذا بلغوا النكاح) المراد ببلوغ النكاح بلوغ الحلم لقوله تعالى (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) ومن علامات البلوغ الإنبات، وبلوغ خمس عشرة سنة. وقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما لا يحكم لمن لم يحتلم بالبلوغ إلا بعد مضي سبع عشرة سنة، وهذه العلامات تعم الذكر والأنثى، وتختص الأنثى بالحبل والحيض. (فإن آنستم) أبصرتم ورأيتم، ومنه قوله (آنس من جانب الطور ناراً) قال الأزهري: تقول العرب اذهب فاستأنس هل ترى أحداً معناه تبصر، وقيل: هو هنا بمعنى وجد وعلم أي فإن وجدتم وعلمتم.

(منهم رشداً) بضم الراء وفتحها قيل هما لغتان، واختلف أهل العلم في معنى الرشد ههنا فقيل الصلاح في العقل والدين، وقيل في العقل خاصة، قال سعيد بن جبير والشعبي: إنه لا يدفع إلى اليتيم ماله إذا لم يؤنس رشده وإن كان شيخاً، قال الضحاك: وإن كان بلغ مائة سنة. وجمهور العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم لا يزول عنه الحجر، وقال الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يحجر على الحر البالغ وإن كان أفسق الناس وأشدهم تبذيراً، وبه قال النخعي وزفر. وظاهر النظم القرآني أنها لا تدفع إليهم أموالهم إلا بعد بلوغ غاية هي بلوغ النكاح مقيدة هذه الغاية بإيناس الرشد، فلا بد من مجموع الأمرين، فلا تدفع إلى اليتامى أموالهم قبل البلوغ وإن كانوا معروفين بالرشد، ولا بعد البلوغ إلا بعد إيناس الرشد منهم، والمراد بالرشد نوعه وهو المتعلق بحسن التصرف في أمواله وعدم التبذير بها ووضعها في مواضعها. (فادفعوا إليهم أموالهم) من غير تأخير إلى حد البلوغ (ولا تأكلوها) أيها الأولياء (إسرافاً وبداراً أن يكبروا) الإسراف في اللغة الإفراط ومجاوزة الحد بغير حق، وقال النضر بن شميل: السرف التبذير، والبدار المبادرة أي لا تأكلوا أموال اليتامى أكل إسراف وأكل مبادرة لكبرهم أو لا تأكلوا لأجل السرف ولأجل المبادرة أو لا تأكلوها مسرفين ومبادرين لكبرهم، وتقولوا ننفق أموال اليتامى فيما نشتهي قبل أن يبلغوا فينزعونها من أيدينا. (ومن كان) من الأولياء (غنياً فليستعفف) أي يعف عن مال اليتيم ويمتنع من أكله (ومن كان فقيراً فليأكل) منه (بالمعروف) بيّن سبحانه ما يحل

لهم من أموال اليتامى، فأمر الغني بالاستعفاف وتوفير مال الصبي عليه وعدم تناوله منه، وسوغ للفقير أن يأكل بالمعروف. واختلف أهل العلم فيه ما هو فقال قوم هو القرض إذا احتاج إليه، ويقضي متى أيسر الله عليه، وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعبيدة السلماني وابن جبير والشعبي ومجاهد وأبو العالية ومقاتل والأوزاعي وأبو وائل، وقال النخعي وعطاء والحسن وقتادة: لا قضاء على الفقير فيما يأكل بالمعروف، وبه قال جمهور الفقهاء وهذا بالنظم القرآني ألصق فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك له من غير فرض. والمراد بالمعروف المتعارف به بين الناس فلا يترفه بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة، قال عطاء وعكرمة: يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف ولا يكتسي ولا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن يأكل ما يسد به الجوع ويلبس ما يستر العورة. وقال الحسن: يأكل من تمر نخله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا يأخذ منه شيئاً فإن أخذ وجب عليه رده، وقال الكلبي: المعروف هو ركوب الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله شيئاً، وقال قوم: هو أن يأخذ من ماله بقدر قيامه وأجرة عمله، ولا قضاء عليه، وهو قول عائشة وجماعة من أهل العلم، والأول أولى. وقال ابن عباس في الآية نسختها (إن الذين يأكلون أموال اليتامى) الآية والخطاب في هذه الآية لأولياء الأيتام القائمين مما يصلحهم كالأب والجد ووصيهما. وقال بعض أهل العلم: المراد بالآية اليتيم إن كان غنياً وسّع عليه وعف

عن ماله، وإن كان فقيراً كان الإنفاق عليه بقدر ما يحصل له، وهذا القول في غاية السقوط. وعن ابن عباس قال: إن كان فقيراً أخذ من فضل اللبن وأخذ من فضل القوت ولا يجاوزه وما يستر عورته من الثياب، فإن أيسر قضاه وإن أعسر فهو في حل. أخرج البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة ولي اليتيم إن استغنيت استعففت وإن احتجت أخذت منه بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وأخرج أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ليس لي مال ولي يتيم فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبذر ولا متأثّل مالاً ومن غير أن تقي مالك بماله (¬1). (فإذا) حصل مقتضى الدفع و (دفعتم إليهم أموالهم) بعد رعاية الشرائط المذكورة: (فأشهدوا عليهم) أنهم قد قبضوها منكم لتندفع عنكم التهم، وتأمنوا عاقبة الدعاوى الصادرة منهم، وقيل إن الإشهاد المشروع هو على ما أنفقه عليهم الأولياء قبل رشدهم، وقيل هو على رد ما استقرضه إلى أموالهم. وظاهر النظم القرآني مشروعية الإشهاد على ما دفع إليهم من أموالهم، وهو يعمّ الإنفاق قبل الرشد والدفع للجميع إليهم بعد الرشد، وهذا أمر إرشاد وليس للوجوب (وكفى بالله حسيباً) لأعمالكم شاهداً عليكم في كل شيء تعملونه، ومن جملة ذلك معاملتكم اليتامى في أموالهم، وفيه وعيد عظيم، والباء زائدة أي كفى الله، قال أبو البقاء: زيدت لتدل على معنى الأمر إذ التقدير اكتف بالله، وهذا القول سبقه إليه مكي والزجاج. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4373.

7

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7) (للرجال) يعني المذكور من أولاد الميت وعصبته (نصيب) حظ (مما ترك) من الميراث (الوالدان والأقربون) المتوفّون، لما ذكر سبحانه حكم أموال اليتامى وصلتها بأحكام المواريث وكيفية قسمتها بين الورثة وأفرد سبحانه ذكر النساء بعد ذكر الرجال على الاستقلال لأجل الاعتناء بأمرهن، وللإيذان بأصالتهنّ في استحقاق الإرث، وللمبالغة في إبطال ما عليه الجاهلية فقال (للنساء) أي الإناث من أولاد الميت (نصيب) حظ (مما ترك الوالدان والأقربون) أي من المال المخلّف عن الميت، وفي ذكر القرابة بيان لعلة الميراث مع التعميم لما يصدق عليه مسمّى القربة من دون تخصيص. (مما قلّ منه أو كثر) بدل من قوله (مما ترك) بإعادة الجار، والضمير في (منه) راجع إلى المبدل منه، وهذا الأمر مراد في الجملة الأولى أيضاً محذوف للتعويل على المذكور، وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلة الحرب للرجال، وتحقيق أن لكل من الفريقين حقاً من كل ما دقّ وجلّ. وقد أجمل سبحانه في هذه المواضع قدر النصيب المفروض، ثم أنزل قوله (يوصيكم الله في أولادكم) فبيّن ميراث كل فرد جعله الله (نصيباً مفروضاً) وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، والحنفية أيضاً قائلون بجواز تأخيره، والفرض ما فرضه الله تعالى وهو آكد من الواجب أو مقطوعاً بتسليمه إليهم، فلا يسقط بإسقاطهم، ففي الآية دليل على أن الوارث لو أعرض عن نصيبه لم يسقط حقه بالإعراض، قاله البيضاوي.

وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

8

(وإذا حضر القسمة) يعني قسمة الميراث (أولو القربى) المراد بالقرابة هنا غير الوارثين لكونه عاصباً محجوباً أو لكونه من ذوي الأرحام (و) كذا (اليتامى والمساكين) من الأجانب، وإنما قدم اليتامى لشدة ضعفهم وحاجتهم (فارزقوهم منه) شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منه رزق فيرضخ لهم المتقاسمون شيئاً منها قبل القسمة. وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة وأن الأمر للندب، وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم) والأول أرجح لأن المذكور في الآية لقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث، إلا أنه إن قيل: إن أولي القربى المذكورين هنا هم الوارثون كان للنسخ وجه. وقالت طائفة إن هذا الرضخ لغير الوارث من القرابة واجب بمقدار ما تطيب به أنفس الورثة. وهو معنى الأمر الحقيقي فلا يصار إلى الندب إلا لقرينة، والضمير في قوله (منه) راجع إلى المال المقسوم المدلول عليه بالقسمة، وقيل راجع إلى ما ترك؛ وهذا خطاب للورثة الكاملين. (و) قوله (قولوا) خطاب لأولياء اليتامى إذا كان الورثة صغاراً (لهم) أي للأصناف الثلاثة (قولاً معروفاً) وهو القول الجميل الذي ليس

فيه منّ بما صار إليهم من الرضخ ولا أذى. أو أن يعتذروا إليهم عن عدم الإعطاء أصلاً، وعن ابن عباس قال: هي محكمة وليست بمنسوخة وقد قضى بها أبو موسى. وقال مجاهد: هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم، وكذا قال الحسن والزهري، وقال ابن عباس: يرضخ لهم، فإن كان في ماله تقصير اعتذر إليهم فهو قوله (قولاً معروفاً) وعن عائشة أنها لم تنسخ ولكن تهاون الناس في العمل بها، وعن سعيد بن المسيب قال: هي منسوخة أي بآية الميراث، وعن سعيد بن جبير قال: إن كانوا كباراً يرضخوا، وإن كانوا صغاراً اعتذروا إليهم.

9

(وليخش) أي ليخف على اليتامى (الذين لو تركوا) أي قاربوا أن يتركوا (من خلفهم) أي بعد موتهم (ذرية ضعافاً) أولاداً صغاراً (خافوا عليهم) الفقر والضياع، وهذا الخطاب للأوصياء كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم. وبعضهم جعل الخطاب لمن حضر المريض من العواد عند الإيصاء وإليه ذهب البيضاوي؛ أو أمر للورثة بالشفقة على من حضر القسمة من ضعفاء الأقارب واليتامى والمساكين متصورين أنهم لو كانوا أولادهم بقوا خلفهم ضعافاً مثلهم هل يجوزون حرمانهم، أو أمر للمؤمنين بأن ينظروا للورثة فلا يسرفوا في الوصية، والأول أولى. (فليتّقوا الله) يعني في الأمر الذي تقدم ذكره. قالت طائفة: المراد جميع الناس أمروا باتقاء الله في الأيتام وأولاد الناس وإن لم يكونوا في حجورهم، وقال آخرون: إن المراد بهم من يحضر الميت عند موته أمروا بتقوى الله،

والتقوى مسبّبة عن الخوف الذي هو الخشية فلذلك ذكرت فاء السببية، ففي الآية الجمع بين المبدأ والمنتهى (وليقولوا) للمحتضر (قولاً سديداً) صواباً من إرشاده إلى التخلص عن حقوق الله وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس. وقال ابن عطية: الناس صنفان يصلح لأحدهما أن يقال له عند موته ما لا يصلح للآخر، وذلك أن الرجل إذا ترك ورثته بأنفسهم أغنياء حسن أن يندب إلى الوصية ويحمل على أن يقدم لنفسه، وإذا ترك ورثته ضعفاء مفلسين حسن أن يندب إلى الترك لهم والاحتياط فإنّ أجره في قصده ذلك كأجره في المساكين. قال القرطبي: وهذا التفصيل صحيح والمعنى وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا خلفهم ذرية ضعافاً وذلك عند احتضارهم خافوا عليهم الضياع من بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم، ثمّ أمرهم بتقوى الله والقول السديد للمحتضرين أولاً، ولأولادهم من بعدهم على ما سبق.

10

(إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى) استئناف جيء به لتقرير ما فصل من الأوامر والنواهي يتضمن النهي عن ظلم الأيتام من الأولياء والأوصياء (ظلماً) حراماً بغير حق (إنما يأكلون في بطونهم ناراً) المراد بأكل النار ما يكون سبباً للنار تعبيراً بالمسبب عن السبب، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية، والمعنى سيأكلون يوم القيامة، وهذا على المجاز، وقيل بطونهم أوعية للنار بأن يخلق الله لهم ناراً يأكلونها في بطونهم، وهذا على الحقيقة، وقيل غير ذلك. قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه وأذنيه وعينيه وأنفه يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم، وإنما خص

الآكل بالذكر وإن كان المراد سائر أنواع الإتلافات وجميع التصرفات المتلفة للمال لأن الضرر يحصل بكل ذلك لليتيم، فعبّر عن الجميع بالأكل لأنه معظم المقصود، وذكر البطون للتأكيد كقولك رأيت بعيني وسمعت بأذني. (وسيصلون سعيراً) بأكلهم أموال اليتامى، وقرىء سيصلون من التصلية لكثرة الفعل مرة بعد أخرى؛ وقرأ الباقون بفتح الياء من صلى النار يصلاها، والصلا هو التسخن بقرب النار أو بمباشرتها، والسعير الجمر المشتعل، وقيل النار الموقدة. أخرج ابن أبي شيبة وأبو يعلى والطبراني وابن حبان في صحيحه وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " يبعث يوم القيامة قوم من قبورهم تأجج أفواههم ناراً فقيل يا رسول الله من هم؟ قال ألم تر أن الله يقول (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) الآية (¬1). وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري قال حدثنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ليلة أسري به قال " نظرت فإذا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثم يجعل في أفواههم صخراً من نار فيقذف في أحدهم حتى يخرج من أسافلهم ولهم خوار وصراخ، فقلت يا جبرائيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً الآية (¬2). وقال زيد بن أسلم: هذه الآية لأهل الشرك حين كانوا لا يورثونهم ويأكلون أموالهم. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 456. (¬2) قال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلماً ولهب النار يخرج من فيه ومن مسامعه، وأذنيه، وأنفه، وعينيه، يعرفه من رآه يأكل مال اليتيم أخرجه ابن جرير 8/ 26 من طريق أسباط.

11

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11) (يوصيكم الله في أولادكم) هذا تفصيل لما أجمل في قوله تعالى (للرجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون) من أحكام المواريث، وقد استدل بذلك على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهذه الآية بطولها ركن من أركان الدين وعمدة من عمد الأحكام، وأم من أمهات الآيات لاشتمالها على ما يهم من علم الفرائض، وقد كان هذا العلم من أجل علوم الصحابة رضي الله عنهم وأكثر مناظراتهم فيه، وسيأتي بعد كمال تفسير ما اشتمل عليه كلام الله من الفرائض، ذكر بعد فضائل هذا العلم إن شاء الله تعالى. وبدأ بالأولاد لأنهم أقرب الورثة إلى الميت وأكثر بقاء بعد المورث، والمراد بالوصية في الأولاد الوصية في شأن ميراثهم، وقد اختلفوا هل يدخل أولاد الأولاد أم لا؟ فقالت الشافعية إنهم يدخلون مجازاً لا حقيقة، وقالت الحنفية: إنه يتناولهم لفظ الأولاد حقيقة إذا لم يوجد أولاد الصلب. ولا خلاف أن بني البنين كالبنين في الميراث مع عدمهم، وإنما هذا الخلاف في دلالة لفظ الأولاد على أولادهم مع عدمهم، ويدخل في لفظ الأولاد من كان منهم كافراً ويخرج بالسنة، وكذلك يدخل القاتل عمداً ويخرج أيضاً بالسنة والإجماع، ويدخل فيه الخنثى.

قال القرطبي: وأجمع العلماء أنه يورث من حيث يبول، فإن بال منهما فمن حيث سبق، فإن خرج البول منهما من غير سبق أحدهما فله نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى، وقيل يعطى أقل النصيبين وهو نصيب الأنثى، قاله يحيى بن آدم، وهو قول للشافعي. وهذه الآية ناسخة لما كان في صدر الإسلام من الموارثة بالحلف والهجرة والمعاقدة، وقد أجمع العلماء على أنه إذا كان مع الأولاد من له فرض مسمى أعطيه وكان ما بقي من المال للذكر مثل حظ الأنثيين للحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ " ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر " إلا إذا كان ساقطاً معهم كالإخوة لأم (¬1). (للذكر مثل حظ الأنثيين) جملة مستأنفة لبيان الوصية في الأولاد، فلا بدّ من تقدير ضمير يرجع إليهم أي يوصيكم الله في أولادكم للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، والمراد حال اجتماع المذكور والإناث، وأما حال الإنفراد فللذكر جميع الميراث وللأنثى النصف وللأنثيين فصاعداً الثلثان (¬2). وتخصيص الذكر بالتنصيص على حظه لأن القصد إلى بيان فضله والتنبيه على أن التضعيف كاف في التفضيل فلا يحرمن بالكلية وقد اشتركا في الجهة، وإن فائدة التعصيب أن العاصب إذا انفرد حاز المال كله. (فإن كنّ) الأولاد المتروكات والتأنيث باعتبار الخبر أو البنات أو المولودات (نساء) ليس معهن ذكر (فوق اثنتين) أي زائدات على إثنتين على أن فوق صفة لنساء أو يكون خبراً ثانياً لكان (فلهن ثلثا ما ترك) الميت المدلول عليه بقرينة المقام. ¬

(¬1) إنما زاد نصيب الرجل في الميراث لما يجب عليه من الأعباء كالمهر والنفقة. (¬2) مسلم 1615 البخاري 2496.

وظاهر النظم القرآني أن الثلثين فريضة الثلاث من البنات فصاعداً، ولم يسم للأنثيين فريضة، ولهذا اختلف أهل العلم في فريضتهما، فذهب الجمهور إلى أن لهما إذا انفردتا عن البنين الثلثين، وذهب ابن عباس إلى أن فريضتهما النصف. احتج الجمهور بالقياس على الأختين فإن الله سبحانه قال في شأنهما فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان فألحقوا البنتين بالأختين في استحقاقهما الثلثين كما ألحقوا الأخوات إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين. وقيل في الآية ما يدل على أن للبنتين الثلثين وذلك أنه لما كان للواحدة مع أخيها الثلث كان للإبنتين إذا انفردتا الثلثان، هكذا احتجّ بهذه الحجة إسماعيل بن عياش والمبرد، قال النحاس: وهذا الاحتجاج عند أهل النظر غلط لأن الاختلاف في البنتين إذا انفردتا عن البنين. وأيضاً للمخالف أن يقول إذا ترك بنتين وابناً فللبنتين النصف، فهذا دليل على أن هذا فرضهما ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة النصف إذا انفردت بقوله (وإن كانت واحدة فلها النصف) كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة، وأوجب القياس على الأختين الإقتصار للبنتين على الثلثين. وقيل: إن فوق زائدة والمعنى إن كن نساء اثنتين كقوله تعالى (فاضربوا فوق الأعناق) أي الأعناق، ورد هذا النحاس وابن عطية فقالا: هو خطأ لأن الظروف وجميع الأسماء لا يجوز في كلام العرب أن تزاد لغير معنى وقال ابن عطية: ولأن قوله (فوق الأعناق) هو الفصيح، وليس فوق زائدة بل هي محكمة المعنى، لأن ضربة العنق إنما يجب أن يكون فوق العظام في المفصل دون الدماغ كما قال دريد بن الصمة: اخفض عن الدماغ وارفع عن العظم، فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال انتهى.

وأيضاً لو كان لفظ فوق زائداً كما قالوا لقال فلهما ثلثا ما ترك ولم يقل فلهن ثلثا ما ترك. وأوضح ما يحتج به للجمهور ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم والبيهقي في سننه عن جابر قال جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك في أحد شهيداً وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال، فقال: يقضي الله في ذلك، فنزلت آية الميراث (يوصيكم الله في أولادكم) الآية فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى عمهما فقال: اعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك، أخرجوه من طرق عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه (¬1). (وإن كانت واحدة) قرىء بالرفع على أن كان تامة بمعنى فإن وجدت بنت واحدة أو حدثت واحدة؛ وقرىء بالنصب، قال النحاس: وهذه قراءة حسنة أي وإن كانت أي المتروكة أو المولودة واحدة (فلها النصف) يعني فرضاً لها. (ولأبويه) أي الميت وهو كناية عن غير مذكور، وجاز ذلك لدلالة الكلام عليه والمراد بالأبوين الأب والأم والتثنية على لفظ الأب للتغليب، وهذا شروع في إرث الأصول (لكل واحد منهما السدس مما ترك) بدل من لأبويه بتكرير العامل، قاله الزمخشري، وفائدة هذا البدل أنه لو قيل ولأبويه السدس لكان ظاهرها اشتراكهما فيه، ولو قيل لأبويه السدسان لأوهم قسمة السدسين عليهما بالسوية وعلى خلافها. ¬

(¬1) المستدرك كتاب الفرائض 4/ 334.

وقد اختلف العلماء في الجدّ هل هو بمنزلة الأب فيسقط به الأخوة أم لا؟ فذهب أبو بكر الصديق إلى أنه بمنزلة الأب، ولم يخالفه أحد من الصحابة أيام خلافته، واختلفوا في ذلك بعد وفاته فقال بقول أبي بكر: ابن عباس وعبد الله ابن الزبير وعائشة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وأبو الدرداء وأبو هريرة وعطاء وطاوس والحسن وقتادة وأبو حنيفة وأبو ثور وإسحق، واحتجوا بمثل قوله تعالى (ملّة أبيكم إبراهيم) وقوله (يا بني آدم) وقوله - صلى الله عليه وسلم - إرموا يا بني إسماعيل. وذهب علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الجدّ مع الأخوة لأبوين أو لأب ولا ينقص معهم من الثلث ولا ينقص مع ذوي الفروض من السدس في قول زيد ومالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي، وقيل يشرك بين الجد والأخوة إلى السدس ولا ينقصه من السدس شيئاً مع ذوي الفروض وغيرهم، وهو قول ابن أبي ليلى وطائفة. وذهب الجمهور إلى أن الجد يسقط بني الأخوة، وروى الشعبي عن علي أنه أجرى بني الأخوة في المقاسمة مجرى الأخوة. وأجمع العلماء أن للجدة السدس إذا لم تكن للميت أم، وأجمعوا على أنها ساقطة مع وجود الأم، وأجمعوا على أن الأب لا يسقط الجدة أم الأم. واختلفوا في توريث الجدة وابنها حي، فروى عن زيد بن ثابت وعثمان وعلي أنها لا ترث وابنها حي، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، وروى عن عمر وابن مسعود وأبي موسى أنها ترث معه، وروى أيضاً عن علي وعثمان وبه قال شريح وجابر بن زيد وعبيد الله بن الحسن وشريك وأحمد وإسحق وابن المنذر. (إن كان له ولد) الولد يقع على الذكر والأنثى لكنه إذا كان الموجود الذكر مع الأولاد وحده أو مع الأنثى منهم فليس للجد إلا الثلث، وإن كان الموجود أنثى كان للجد السدس بالفرض وهو عصبة فيما عدا السدس وأولاد ابن الميت كأولاد الميت.

(فإن لم يكن له ولد) ولا ولد ابن لما تقدم من الإجماع (وورثه أبواه) منفردين عن سائر الورثة أو مع زوج (فلأمّه الثلث) أي ثلث المال كما رهب إليه الجمهور من أن الأم لا تأخذ ثلث التركة إلا إذا لم يكن للميت وارث غير الأبوين، أما لو كان معهما أحد الزوجين فليس للأم إلا ثلث الباقي بعد الموجودين من الزوجين. وروى عن ابن عباس أن للأم ثلث الأصل مع أحد الزوجين وهو يستلزم تفضيل الأم على الأب في مسئلة زوج وأبوين مع الاتفاق على أنه أفضل منها عند انفرادهما عن أحد الزوجين. (فإن كان له إخوة) يعني ذكوراً أو إناثاً اثنين فصاعداً (فلأمه السدس) يعني لأم الميت سدس التركة إذا كان معها أب، وإطلاق الإخوة يدل على أنه لا فرق بين الإخوة لأبوين أو لأحدهما، وقد أجمع أهل العلم على أن الإثنين من الإخوة يقومان مقام الثلاثة فصاعداً في حجب الأم إلى السدس إلا ما يروى عن ابن عباس أنه جعل الاثنين كالواحد في عدم الحجب، وأجمعوا أيضاً أن الأختين فصاعداً كالأخوين في حجب الأم. (من بعد وصية يوصي بها أو دين) يعني أن هذه الأنصبة والسهام إنما تقسم بعد قضاء الدين وإنفاذ وصية الميت في ثلثه، قرىء يوصى بفتح الصاد وبكسرها واختار الكسر أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه جرى ذكر الميت قبل هذا. واختلف في وجه تقديم الوصية على الدين مع كونه مقدماً عليها بالإجماع مقيل المقصود تقديم الأمرين على الميراث من غير قصد إلى الترتيب بينهما، وقيل لما كانت الوصية أقل لزوماً من الدين قدمت إهتماماً بها، وقيل قدمت لكثرة وقوعها فصارت كالأمر اللازم لكل ميت وقيل قدمت لكونها حظ المساكين والفقراء، وأخر الدين لكونه حظ غريم يطلبه بقوة وسلطان. وقيل لما كانت الوصية ناشئة من جهة الميت قدمت بخلاف الدين فإنه

ثابت مؤدى ذكر أو لم يذكر، وقيل قدمت لكونها تشبه الميراث في كونها مأخوذة من غير عوض، فربما يشق على الورثة إخراجها بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة بأدائه؛ وهذه الوصية مقيدة بقوله (غير مضار) كما سيأتي. وأخرج أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم وغيرهم عن علي قال: إنكم تقرؤون هذه الآية من بعد وصية يوصي بها أو دين وإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدين قبل الوصية؛ وإن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلاّت. (آباؤكم وأبناؤكم) قيل خبره مقدر أي هم المقسوم عليهم أو خبره (لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعاً) أي نفعه في الدعاء لكم والصدقة عنكم كما في الحديث الصحيح " أو ولد صالح يدعو له " (¬1) وقال ابن عباس والحسن قد يكون الابن أفضل فيشفع في أبيه. وقال بعض المفسرين إن الابن إذا كان أرفع درجة من أبيه في الآخرة سأل الله أن يرفع إليه أباه؛ وإذا كان الأب أرفع درجة من ابنه سأل الله أن يرفع ابنه إليه؛ وقيل المراد النفع في الدنيا والآخرة قاله ابن زيد. وقيل المعنى أنكم لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم أمن وصى منهم فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعاً أو من ترك الوصية ووفر عليكم عرض الدنيا، وقوى هذا صاحب الكشاف قال لأن الجملة اعتراضية ومن حق الاعتراض أن يؤكد ما اعترض بينه ويناسبه. (فريضة من الله) نصب على المصدر المؤكد، وقيل على الحال، والأول أولى، والمعنى ما قدر من المواريث لأهلها فريضة واجبة (إن الله كان عليماً) بقسمة المواريث (حكيماً) حكم بقسمتها وبيّنها لأهلها، وقال الزجاج: عليماً بالأشياء قبل خلقها، حكيماً فيما يقدره ويمضيه منها. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 805.

12

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهنّ ولد) منكم أو من غيركم، الخطاب هنا للرجال والمراد بالولد ولد الصلب أو ولد الولد؛ ذكراً كان أو أنثى لما قدّمنا من الإجماع (فإن كان لهن ولد فلكم الرّبع مما تركن) وهذا مجمع عليه لم يختلف أهل العلم في أن للزوج مع عدم الولد النصف ومع وجوده وإن سفل الربع (من بعد وصيّة يوصين بها أو دين) الكلام فيه كما تقدم أي حالة كونهن غير مضارّات في الوصية، وألحق بالولد في ذلك ولد الإبن بالإجماع وهذا ميراث الأزواج من الزوجات. وقال تعالى في ميراث الزوجات من الأزواج (ولهن) أي الزوجات تعددن أوْلاً (الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد) منهن أو من غيرهن (فإن كان لكم ولد فلهنّ الثمن مما تركتم) هذا النصيب مع الولد والنصيب مع عدمه تنفرد به الواحدة من الزوجات ويشترك فيه الأكثر عن الواحدة، لا خلاف في ذلك.

يعني أن الواحدة من النساء لها الربع أو الثمن، وكذلك لو كن أربع زوجات فإنهن يشتركن مع الربع أو الثمن، واسم الولد يطلق على الذكر والأنثى ولا فرق بين الولد وولد الابن، وولد البنت في ذلك، وسواء كان الولد للرجل من الزوجة أو من غيرها (من بعد وصية توصون بها أو دين) أي من بعد أحد هذين منفرداً أو مضموماً إلى الآخر حال كونكم غير مضارّين في الوصية، والكلام في الوصية والدين كما تقدم. (وإن كان رجل) ميت (يورث) على البناء للمفعول من ورث لا من أورث (كلالة) مصدر من تكلله النسب أي أحاط به وبه سمي الإكليل لإحاطته بالرأس وهو الميت الذي لا ولد له ولا والد، هذا قول أبي بكر الصديق وعمر وعلي وجمهور أهل العلم، وبه قال صاحب كتاب العين وأبو منصور اللغوي وابن عرفة والقتيبي وأبو عبيد وابن الأنباري، وقد قيل إنها إجماع، وقال ابن كثير: وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف بل جميعهم، وقد حكى الإجماع غير واحد وورد فيه حديث مرفوع انتهى. (¬1) وقال في الجمل هذا أحسن ما قيل في تفسير الكلالة، ويدل على صحته أن اشتقاق الكلالة من كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة بينهما فسميت القرابة البعيدة كلالة من هذا الوجه. وروى أبو حاتم والأثرم عن أبي عبيدة قال: الكلالة كل من لم يرثه أب أو ابن أو أخ فهو عند العرب كلالة، قال أبو عمرو بن عبد البر ذكر أبي عبيدة الأخ هنا مع الأب والابن في شرط الكلالة غلط لا وجه له ولم يذكره في شرط الكلالة غيره، وما يروى عن أبي بكر وعمر من أن الكلالة من لا ولد له خاصة فقد رجعا عنه. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 460.

وقال زيد الكلالة: الحي والميت جميعاً وإنما سموا القرابة كلالة لأنهم أطافوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم بخلاف الابن والأب فإنهما طرفان له، فإذا ذهبا تكلّله النسب. وقيل إن الكلالة مأخوذة من الكلال وهو الإعياء فكأنه يصير الميراث إلى الوارث عن بعد وإعياء، قال ابن الأعرابي: إن الكلالة بنو العم الأباعد. وبالجملة من قرأ يورث كلالة بكسر الراء مشددة وهو بعض الكوفيين أو مخففة وهو الحسن وأيوب جعل الكلالة القرابة. ومن قرأ يورث بفتح الراء وهم الجمهور احتمل أن يكون الكلالة الميت واحتمل أن تكون القرابة. وقد روى عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس والشعبي أن الكلالة ما كان سوى الولد والوالد من الورثة. قال الطبري: الصواب أن الكلالة هم الذين يرثون الميت من عدا ولده ووالده لصحة خبر جابر قلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة أفأوصي بمالي كلّه قال لا. انتهى. وروى عن عطاء أنه قال الكلالة المال، وقال ابن الأعرابي وهذا قول ضعيف لا وجه له. وقال صاحب الكشاف إن الكلالة تطلق على ثلاثة: على من لا يخلف ولداً ولا والداً، وعلى من ليس بولد ولا والمد من المخلّفين، وعلى القرابة من غير جهة الولد والوالد انتهى. وفي السمين: هذه الآية مما ينبغي أن يطول فيها القول لإشكالها واضطراب أقوال الناس فيها ثم قال بعد ذكر الاختلاف فيها فقد تخلص مما

تقدم أنها إما لميت الموروث أو الورثة أو المال الموروث أو الإرث أو القرابة، ثم تكلم في اشتقاقها وإعرابها والذي ذكرناه هو أحسن ما قيل فيها. (أو امرأة) معطوف على رجل مقيد بما قيد به أي كانت المرأة الموروثة خالية من الوالد والولد (وله أخ أو أخت) قرأ سعد بن أبي وقاص وابن مسعود (من أم) والقراءة الشاذة كخبر الآحاد لأنها ليست من قبل الرأي، وأطلق الشافعي الاحتجاج بها فيما حكاه البويطي عنه في باب الرضاع وباب تحريم الجمع وعليه جمهور أصحابه لأنها منقولة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا يلزم من انتفاء خصوص قرآنيّتها انتفاء خصوص خبريّتها، قاله الكرخي. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الإخوة ههنا هم الإخوة لأم، قال: ولا خلاف بين أهل العلم أن الأخوة المذكورين في قوله تعالى (وإن كانوا إخوة رجالاً ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين) هم الإخوة لأبوين أو لأب. وأفرد الضمير في قوله (وله أخ أو أخت) لأن المراد كل واحد منهما كما جرت بذلك عادة العرب إذا ذكروا اسمين مستويين في الحكم فإنهم قد يذكرون الضمير الراجع إليهما مفرداً كما في قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة) وقوله (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) وقد يذكرونه مثنى كما في قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما) وقد قدمنا في هذا كلاماً أطول من المذكور هنا. (فلكلّ واحد منهما السدس) مما ترك المورث (فإن كانوا أكثر من ذلك) الأخ المفرد والأخت المنفردة بواحد وذلك بأن يكون الموجود اثنين فصاعداً ذكرين أو انثيين أو ذكراً وأنثى، وقد استدل بذلك على أن الذكر كالأنثى من الأخوة لأم لأن الله شرك بينهم في الثلث ولم يذكر فضل الذكر على الأنثى كما ذكره في البنين والإخوة لأبوين أو لأب، قال القرطبي: وهذا أجمل.

ودلت الآية على أن الاخوة لأم إذا استكملت بهم المسئلة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين أو لأب، ذلك في المسئلة المسماة بالحمارية، وهي إذا تركت الميتة زوجاً وأماً وأخوين لأم وإخوة لأبوين، فإن للزوج النصف وللأم السدس وللأخوين لأم الثلث ولا شيء للأخوة لأبوين. ووجه ذلك أنه قد وجد الشرط الذي يرث عنده الإخوة من الأم وهو كون الميت كلالة ويؤيد هذا حديث ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأول رجل ذكر وهو في الصحيحين وغيرهما، وقد قرر الشوكاني دلالة الآية والحديث على ذلك في الرسالة التي سماها المباحث الدرية في المسائل الحمارية، وفي هذه المسئلة خلاف بين الصحابة فمن بعدهم معروف. (فهم شركاء في الثلث) يستوي فيه ذكرهم وأنثاهم لإدلائهم بمحض الأنوثة (من بعد وصيّة يوصى بها أو دين) الكلام فيه كما تقدم، وظاهر الآية يدل على جواز الوصية بكل المال وببعضه، ولكن ورد في السنة ما يدل على تقييد هذا المطلق وتخصيصه وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث سعد بن أبي وقاص قال " الثلث والثلث كثير " أخرجه البخاري ومسلم (¬1)، ففي هذا دليل على أن الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث وأن النقصان عن الثلث جائز. (غير مضارّ) أي حال كونه غير مضار لورثته بوجه من وجوه الإضرار كان يقر بشيء ليس عليه أو يوصي بوصية لا مقصد له فيها إلا الإضرار بالورثة أو يوصي لوارث مطلقاً أو لغيره بزيادة على الثلث ولم يجزه الورثة، وهذا القيد راجع إلى الوصية والدين المذكورين فهو قيد لهما فما صدر من الإقرارات بالديون أو الوصايا المنهي عنها أو التي لا مقصد لصاحبها إلا المضارة لورثته فهو باطل مردود لا ينفذ منه شيء لا الثلث ولا دونه. ¬

(¬1) مسلم 1629 - البخاري 1318.

قال القرطبي: وأجمع على أن الوصية للوارث لا تجوز انتهى. قال أبو السعود في تفسيره وتخصيص القيد بهذا المقام لما أن الورثة مظنة لتفريط الميت في حقهم. أخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه واللفظ له والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة ثم يقول أبو هريرة اقرؤا إن شئتم (تلك حدود الله إلى قوله عذاب مهين) وفي إسناده شهر بن حوشب وفيه مقال معروف (¬1). وأخرج ابن ماجه عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " من قطع ميراث وارثه قطع الله ميراثه من الجنة يوم القيامة ". وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتاه يعوده في مرضه فقال: إن لي مالاً كثيراً وليس يرثني إلا ابنة لي أفاتصدق بالثلثين، قال لا قال فالشطر، قال لا، قال فالثلث، قال: الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. (¬2) ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1619. وفي رواية " إن الرجل أو المرأة ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار " وقرأ أبو هريرة ها هنا: " (من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ... حتى بلغ الفوز العظيم). (¬2) مسلم 1629 - البخاري 1318.

وأخرج ابن أبي شيبة عن معاذ بن جبل قال إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم زيادة في حسناتكم، يعني الوصية. وفي الصحيحين عن ابن عباس قال وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الثلث كثير، وقال عمر بن الخطاب الثلث وسط لا بخس ولا شطط. وعن علي قال: لأن أوصي بالخمس أحب إلى من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث ومن أوصى بالثلث لم يترك. (وصية من الله) نصب على المصدر المؤكد أي يوصيكم بذلك وصية كائنة من الله، قال ابن عطية: ويصح أن يعمل فيها مضار، والمعنى أن يقع الضرر بها أو بسببها فأوقع عليها تجوزاً فيكون وصية على هذا مفعولاً به لأن اسم الفاعل قد اعتمد على ذي الحال أو لكونه منفياً معنى. وفي كون هذه الوصية من الله سبحانه دليل على أنه قد وصى عباده بهذه التفاصيل المذكورة في الفرائض، وإن كل وصية من عباده يخالفها فهي مسبوقة بوصية الله وذلك كالوصايا المتضمنة لتفضيل بعض الورثة على بعض أو المشتملة على الضرار بوجه من الوجوه (والله عليم حليم) قال الخطابي: الحليم ذو الصفح والأناة الذي لا يستفزه غضب، ولا يستخفه جهل جاهل (¬1). ¬

(¬1) جاء في كتاب الكبائر للامام الذهبي/234. قال ابن عباس: يريد ما أحل الله من الميراث (ومن يطع الله ورسوله) في شأن المواريث (يدخل جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله) قال مجاهد فيما فرض الله من المواريث. وقال عكرمة عن ابن عباس من لم يرض يقسم الله ويتعد ما قال الله (يدخله ناراً). وقال الكلبي يعني يكفر بقسمة الله المواريث ويتعدى حدوده استحلالاً (يدخله ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين). وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من فر بميراث وارث قطع الله ميراثه من الجنة ". وقال عليه الصلاة والسلام: " أن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " صححه الترمذي.

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14) والإشارة بقوله

13

(تلك حدود الله) إلى الأحكام المتقدمة من مال اليتامى والوصايا والأنكحة والمواريث، وسماها حدوداً لكونها لا تجوز مجاوزتها ولا يحل تعديها. (ومن يطع الله ورسوله) في قسمة المواريث وغيرها من الأحكام الشرعية كما يفيده عموم اللفظ (يدخله) بالياء والنون (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم) الذي لا فوز وراءه وهكذا قوله

14

(ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله) بالوجهين (ناراً خالداً فيها وله عذاب مهين) أي وله بعد إدخاله النار عذاب ذو إهانة لا يعرف كنهه. روعي في الضمائر في الآيتين وفي خالداً لفظ (من) وفي خالدين معناها، قال الضحاك: والمعصية هنا الشرك. وقال ابن عباس في معنى الآية: ومن لم يرض بقسمة الله ويتعد ما حده، وقال الكلبي: يكفر بقسمة المواريث فإذا كفر كان حكمه حكم الكفار في الخلود في النار إذا لم يتب قبل موته وإذا مات وهو مصر على ذلك كان مخلداً في النار، فلا دليل في الآية للمعتزلة على أن العصاة والفساق من أهل الإيمان يخلدون في النار. وقد ورد في الترغيب في تعلم الفرائض وتعليمها ما أخرجه الحاكم

والبيهقي في سننه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تعلموا الفرائض وعلموها الناس وإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها (¬1). وأخرجا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وصلى الله عليه وسلم - تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وأنه ينسى وهو أول ما ينزع من أمتي، وأخرجه ابن ماجه والدارقطني ولفظهما هو أول علم ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي (¬2). قد روي عن عمرو ابن مسعود وأنس آثار في الترغيب في الفرائض، وكذلك روي عن جماعة من التابعين ومن بعدهم. وهذا العلم من أعظم العلوم قدراً وأشرفها ذخراً وأفضلها ذكراً، وهو ركن من أركان الشريعة، وفرع من فروعها في الحقيقة، اشتغل الصدر الأول من الصحابة بتحصيلها وتكلموا في فروعها وأصولها، ويكفي في فضلها أن الله تولى قسمتها بنفسه وأنزلها في كتابه مبينة في محل قدسه، وقد حث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على تعليمها كما ذكرنا. وقد ذكر بعض المفسرين أحكام الفرائض وأسباب الإرث في هذا المقام من تفسيره وإنما محلها كتب الفروع، وذكروا من تخاريج هذا العلم ما لم يكن له مستند إلا محض الرأي. وليس مجرد الرأي مستحقاً للتدوين. فلكل عالم رأيه واجتهاده مع عدم الدليل ولا حجة في اجتهاد بعض أهل العلم على البعض الآخر، ويكفيك منها ما ثبت في الكتاب والسنة وما عرض لك وما لم يكن فيهما فاجتهد فيه برأيك عملاً بحديث معاذ المشهور (¬3). ¬

(¬1) المستدرك كتاب الفرائض 4/ 333. (¬2) المستدرك كتاب الفراثض 4/ 332 - الدارقطني كتاب الفرائض 4/ 67. (¬3) المسند 5/ 230. -[51]- حدثنا عبد الله: حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن أبي عون عن الحرث بن عمر وبن أخي المغيرة بن شعبة عن ناس من أصحاب معاذ من أهل حمص عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن فقال كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله قال: فإن لم يكن في كتاب الله؟ قال فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال اجتهد رأي لا آلو قال فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدري ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والسهام المحدودة في كتاب الله العزيز ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس كما تقدم تفسيره آنفاً، والذي وردت به السنة المطهرة أنه يجب الابتداء بذوي الفروض المقدرة وما بقي فللعصبة والأخوات مع البنات عصبة، ولبنت الابن مع البنت السدس تكملة للثلثين، وكذا الأخت لأب مع الأخت لأبوين وللجدة أو الجدات السدس مع عدم الأم، وهو للجد مع من لا يسقطه ولا ميراث للاخوة والأخوات مطلقاً مع الابن أو ابن الابن أو الأب، وفي ميراثهم مع الجد خلاف، ويرثون مع البنات إلا الإخوة للام ويسقط الأخ لأب مع الأخ لأبوين. وأولو الأرحام يتوارثون وهم أقدم من بيت المال، فإن تزاحمت الفرائض فالعول، ولا يرث ولد الملاعنة والزانية إلا من أمه وقرابتها والعكس، ولا يرث المولود إلا إذا استهل، وميراث العتيق لمعتقه ويسقط بالعصبات وله الباقي بعد ذوي السهام، ويحرم بيع الولاء. وهبته، ولا توارث بين أهل ملَّتين ولا يرث القاتل من المقتول. هذا جميع ما ثبت بالسنة المطهرة فاشدد عليه يديك.

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (16)

15

(واللاتي يأتين الفاحشة) لما ذكر سبحانه في هذه السورة الإحسان إلى النساء وإيصال صدقاتهن إليهن وميراثهن مع الرجال، ذكر التغليظ عليهن فيما يأتين به من الفاحشة لئلا يتوهمن أنه يسوغ لهن ترك التعفف. واللاتي جمع التي بحسب المعنى دون اللفظ وفيه لغات ويقال في جمع الجمع اللواتي واللوائي واللوات واللواء، والفاحشة الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعافية والعاقبة، والمراد بها هنا الزنا خاصة، وإتيانها فعلها ومباشرتها. (من نسائكم) هن المسلمات (فاستشهدوا عليهن أربعة) خطاب للأزواج أو للحكام، قال عمر بن الخطاب إنما جعل الله الشهود أربعة ستراً يستركم به دون فواحشكم (منكم) المراد به الرجال المسلمون. (فإن شهدوا) عليهن بها (فأمسكوهنّ) احبسوهن (في البيوت) وامنعوهن من مخالطة الناس، لأن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز إلى الرجال، فإذا حبست في البيت لم تقدر على الزنا، عن ابن عباس قال: كانت المرأة إذا فجرت حبست في البيت فإن ماتت ماتت، وإن عاشت عاشت حتى نزلت الآية في سورة النور (الزانية والزاني فاجلدوا) فجعل الله لهن سبيلاً فمن عمل شيئاً جلد وأرسل، وقد روي عنه من وجوه (¬1). ¬

(¬1) أخرجه ابن جرير 8/ 84 وأبو داود 4/ 202؛ وقد كان الرجم من الأمم التي سبقتنا.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبس المذكور وكذلك الأذى باقيان مع الجلد لأنه لا تعارض بينهما بل الجمع ممكن، قال الخطابي: ليست منسوخة لأن قوله (فامسكوهن) يدل على أن إمساكهن في البيوت ممتدّ إلى غاية هي قوله (حتى) أي إلى أن (يتوفاهن الموت) أي ملائكة الموت عند انقضاء آجالهن (أو يجعل الله لهن سبيلاً) وذلك السبيل كان مجملاً، فلما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (¬1) رواه مسلم من حديث عبادة، صار هذا الحديث بياناً لتلك الآية لا نسخاً له. ¬

(¬1) مسلم 1690. ورواه أحمد 5/ 318 والشافعي في الرسالة 129/ 247 ومسلم 3/ 1316 وأبو داود 4/ 202 باختلاف في الروايات.

16

(واللّذان يأتيانها منكم) أي الفاحشة وهي الزنا واللواط، وهذان قولان للمفسرين وسيرجح الثاني بأمور، واللذان تثنية الذي، وكان القياس أن يقال اللذيان، قال سيبويه: حذفت الياء ليفرق بين الأسماء الممكنة وبين الأسماء المبهمة. والمراد (باللذان) هنا الزاني والزانية تغليباً، وقيل الآية الأولى في النساء خاصة محصنات وغير محصنات، والثانية في الرجال خاصة وجاء بلفظ التثنية لبيان صنفي الرجال من أحصن ومن لم يحصن، فعقوبة النساء وعقوبة الرجال الأذى، واختار هذا النحاس ورواه عن ابن عباس ورواه القرطبي عن مجاهد وغيره واستحسنه. وقال السدي وقتادة وغيرهما: الآية الأولى في النساء المحصنات ويدخل معهن الرجال المحصنون، والآية الثانية في الرجل والمرأة البكرين، ورجحه الطبري وضعفه النحاس، وقال تغليب المؤنث على المذكر بعيد.

وقال ابن عطيه: إن معنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يضيق عنه وقيل كان الإمساك للمرأة الزانية دون الرجل، فخصّت المرأة بالذكر في الإمساك ثم جمعاً في الإيذاء، قال قتادة كانت المرأة تحبس ويؤذيان جميعاً. (فآذوهما) واختلف المفسرون في تفسير الأذى فقيل التوبيخ والتعيير وقيل السب والجفاء من دون تعيير وتقريع، وقيل النيل باللسان والضرب بالنعال وقد ذهب قوم إلى أن الاذى منسوخ بالحد كالحبس إن أريد به الزنا وكذا إن أريد اللواط عند الشافعي، لكن المفعول به لا يرجم عنده وإن كان محصناً بل يجلد ويغرب، وأما الفاعل فيرجم إن كان محصناً، وارادة اللواط أظهر بدليل تثنية الضمير، وقيل ليس بمنسوخ كما تقدم في الحبس، وقد قال بالنسخ جماعة من التابعين كمجاهد وقتادة والحسن وسعيد بن جبير والسدي. (فإن تابا) من الفاحشة (وأصلحا) العمل فيما بعد (فأعرضوا عنهما) أي اتركوهما وكفوا عنهما الأذى (إن الله كان تواباً رحيماً) وهذا كان قبل نزول الحدود في ابتداء الإسلام على ما تقدم من الخلاف، فثبت الجلد على البكر بنص الكتاب وثبت الرجم على الثيب المحصن بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعزاً وكان قد أحصن.

17

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17) (إنما التوبة على الله) إستئناف لبيان أن التوبة ليست بمقبولة على الإطلاق كما ينبىء عنه قوله (تواباً رحيماً) بل إنما يقبل من البعض دون البعض كما بينه النظم القرآني ههنا، وقيل المعنى إنما التوبة على فضل الله ورحمته لعباده. وقيل المعنى إنما التوبة واجبة على الله، وهذا على مذهب المعتزلة لأنهم يوجبون على الله عز وجل واجبات من جملتها قبول توبة التائبين. وقال أهل المعاني: المعنى أوجب على نفسه من غير إيجاب أحد عليه لأنه يفعل ما يريد، وقيل على هنا بمعنى عند، وقيل بمعنى من. وقد اتفقت الأمة على أن التوبة فرض على المؤمنين لقوله تعالى (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) وذهب الجمهور إلى أنها تصح من ذنب دون ذنب خلافا للمعتزلة. وقيل إن قوله (على الله) هو الخبر، وقوله الآتي (للذين) متعلق بما تعلق به الخبر، إلا أن الذي يقتضيه المقام ويستدعيه النظام هو كون للذين خبراً، وقال أبو حيان التقدير إنما قبول التوبة مترتب على فضل الله، فتكون (على) هنا باقية على أصلها. (للَّذين يعملون السوء) أي العمل السيء والمعصية متصفين (بجهالة) أو جاهلين إذا عصوا، قال أبو العالية هذه للمؤمنين، وقد حكى القرطبي عن قتادة أنه قال: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن كل

معصية فهي بجهالة عمداً كانت أو جهلاً، وحكى عن الضحاك ومجاهد أن الجهالة هنا العمد. وقال عكرمة: أمور الدنيا كلها جهالة، ومنه قوله تعالى (إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) وقال الزجاج: معنى بجهالة اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، وقيل معناه أنهم لا يعلمون كنه العقوبة، ذكره ابن فورك وضعفه ابن عطية. وعن أبي العالية أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، وعن ابن عباس قال: من عمل السوء فهو جاهل من جهالته عمل السوء. (ثم يتوبون من قريب) معناه قبل أن يحضرهم الموت كما يدل عليه قوله (حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) وبه قال أبو مجلز والضحاك وعكرمة وغيرهم، وقيل المراد قبل المعاينة للملائكة وغلبة المرء على نفسه. ومن للتبعيض أي يتوبون بعض زمان قريب، وهو ما عدا وقت حضور الموت، وإنما كان الزمن الذي بين فعل المعصية وبين وقت الغرغرة قريباً ولو كان سنين لأن كل ما هو آت قريب وإن طال قليل. وفيه تنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يتوقع في كل ساعة نزول الموت به، وقيل معناه قبل المرض وهو ضعيف بل باطل لما قدمنا ولما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر (¬1). ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1899. زاد المسير 5/ 37.

وقيل معناه يتوبون على قرب عهد من الذنب من غير إصرار، قال ابن عباس: في الحياة والصحة، وقال الضحاك: كل شيء قبل الموت فهو قريب له التوبة ما بينه وبين أن يعاين ملك الموت. فإذا تاب حين ينظر ملك الموت فليس له ذلك، وقال الحسن القريب ما لم يغرغر. وقد وردت أحاديث كثيرة في قبول توبة العبد ما لم يغرغر ذكرها ابن كثير في تفسيره، ومنها الحديث الذي قدمنا ذكره، والغرغرة أن يجعل المشروب في فم المريض فيردّه في الحلق ولا يصل إلى جوفه، ولا يقدر على بلعه. وذلك عند بلوغ الروح إلى الحلقوم. وقيل الغرغرة تردد الروح في الحلق. (فأولئك يتوب الله عليهم) هو وعد منه سبحانه بأنه يتوب عليهم ويقبل توبتهم بعد بيانه أن التوبة لهم مقصورة عليهم (وكان الله عليماً) بما في قلوبهم من التصديق فحكم بالتوبة قبل الموت ولو بقدر فواق ناقة، وقيل علم أنه أتى بتلك المعصية باستيلاء الشهوة والجهالة عليه فحكم بالتوبة لمن تاب عنها وأناب عن قريب (حكيماً) في صنعه (¬1). ¬

(¬1) وقد وردت الأحاديث في التوبة كثيرة منها: - عن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذي وابن ماجة والدارمي وإسناده حسن ". - عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى تعلو قلبه فذلكم الران الذي ذكره الله تعالى، رواه أحمد والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي حديث حسن صحيح.

18

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18) (وليست التوبة للّذين يعملون السيئآت) الذنوب، فيه تصريح بما فهم من حصر التوبة فيما سبق على من عمل السوء بجهالة ثم تاب عن قريب، قال أبو العالية: هذه لأهل النفاق وبه قال سعيد بن جبير، قال ابن عباس: يريد أهل الشرك أي الكفار، وقال الثوري: هم المسلمون. ألا ترى أنه قال ولا الذين يموتون وهم كفار. (حتى) حرف ابتداء، وجملة (إذا حضر أحدهم الموت) غاية لا قبلها، وهذا وجه حسن وحضور الموت حضور علاماته وبلوغ المريض إلى حالة السياق ومصيره مغلوباً على نفسه مشغولاً بخروجها من بدنه، وهو وقت الغرغرة المذكورة في الحديث السابق وهي بلوغ روحه حلقومه، قاله الهروي. (قال) عند مشاهدة ما هو فيه (إني تبت الآن) أي وقت حضور الموت حين لا يقبل من كافر إيمان ولا من عاص توبة، قال تعالى (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) قيل قرب الموت لا يمنع من قبول التوبة بل المانع من قبولها مشاهدة الأحوال التي لا يمكن معها الرجوع إلى الدنيا بحال، ولذلك لم تقبل توبة فرعون ولا إيمانه حين أدركه الغرق. (ولا الذين يموتون وهم كفار) إذا تابوا في الآخرة عند معاينة العذاب، قال أبو العالية هذه لأهل الشرك وروى عن الربيع مثله مع أنه لا توبة لهم رأساً، وإنما ذكروا مبالغة في بيان عدم قبول توبة من حضرهم الموت، وإن وجودها كعدمها أي ليست التوبة لهؤلاء ولا لهؤلاء (أولئك أعتدنا لهم) أي أحضرنا وهيأنا لهم وأعددنا (عذاباً أليماً) مؤلماً.

19

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) (يا أيها الذين آمنوا لا يحلّ لكم) أيها الأولياء (أن ترثوا النساء) أى ذاتهن (كرهاً) بالفتح والضم لغتان أي مكرهين على ذلك، هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات، والمقصود نفي الظلم عنهن، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بأمرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤا زوجوها وإن شاؤا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت (¬1). وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم عنه فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها. وقد روى هذا السبب بألفاظ فمعناها لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسوهن لأنفسكم. (ولا) يحل لكم أن (تعضلوهن) عن أن يتزوجهن غيركم ضراراً (لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن أو ليدفعن إليكم ¬

(¬1) الأثر رواه البخاري في " صحيحه " 8/ 186 ولفظه: " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك " ورواه ابن جرير 8/ 104، وأبو داود في " سننه " 2/ 310. أخرجه ابن جرير 8/ 105 وابن مردويه، ورجال إسناده ثقات.

صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح، وقيل الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعاً في إرثهن أو يفتدين ببعض مهورهن، واختاره ابن عطية، وأصل العضل المنع أي لا تمنعوهن من الأزواج ودليل ذلك قوله: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بما لها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج، قال الحسن: إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى ويرد إلى زوجها ما أخذت منه، وقال أبو قلابة إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه، وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن. وقال قوم الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً، وقال مالك وجماعة من أهل العلم للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك. هذا كله على أن الخطاب في قوله (ولا تعضلوهن) للأزواج، وقد عرفت ما قدمنا في سبب النزول أن الخطاب في قوله (ولا تعضلوهن) لمن خوطب بقوله (لا يحلّ لكم أن ترثوا النساء كرهاً) فيكون المعنى ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي ما آتاهن من ترثونه إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم حبسهن عن الأزواج. ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعف من الزنا. وكما أن جعل قوله: (ولا تعضلوهن) خطاباً للأولياء فيه التعسّف، كذلك جعل قوله (ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً) خطاباً للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته بسبب نزول الآية الذي ذكرناه. والأولى أن يقال أن الخطاب في قوله (ولا يحل لكم) للمسلمين أي لا

يحل لكم معاشر السلمين أن ترثوا النساء كرهاً كما كانت تفعله الجاهلية، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهنّ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهور يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم وفي عندتكم مع كراهتكم لهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن (¬1). والإستثناء من أعم الأحوال والأوقات أو من أعم العلل أي لا يحل لكم عضلهن في حال أو وقت أو لعلة إلا في حال أو وقت أو لأجل إتيانهنّ بها فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخلع. وقال الكرخي: الاستثناء متصل وعليه جرى القاضي كالكشاف وهو استثناء من زمان عام أو من علة عامة، وهذا أولى لأن الأول يحتاج إلى حذف زمان مضاف، وقيل منقطع واختاره الكواشي كأبي البقاء. والمبيّنة قرىء بفتح الياء وكسرها أي بينت بيّنها من يدعيها وأوضحها وأظهرها أو هي بينة أي الزنا والنشوز، وقرأ ابن عباس: بكسر الموحدة من أبان الشيء فهو مبين. (وعاشروهن بالمعروف) أي بما هو معروف في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة والإجمال في القول والنفقة والمبيت، وهو خطاب ¬

(¬1) اختار الإمام أبو جعفر الطبري في " تفسيره " 8/ 113 قول من قال. نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها، وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك، أو لوليها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلا عضلها لأحد غيرهما، وكان الولي معلوماً أنه ليس مما آتاها شيئاً، فيقال إن عضلها عن النكاح: " عضلها ليذهب ببعض ما آتاها " كان معلوماً أن الذي عنى الله تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضراراً لتفتدي منه.

للأزواج أو لما هو أعم، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة، قال السدي: عاشروهن أي خالطوهن، وقال ابن جرير صحفه بعض الرواة وإنما هو خالقوهن، وعن عكرمة حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف. (فإن كرهتموهن) بسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة، وحصول الأولاد، فيكون الجزاء على هذا محذوفاً مدلولاً عليه بعلته أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة. (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) عن ابن عباس قال: الخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق ولدها، ويجعل الله في ولدها خيراً كثيراً، وعن السدي نحوه، وقال مقاتل: يطلقها فتتزوج من بعده رجلاً فيجعل الله له منها ولداً، ويجعل الله في تزويجها خيراً كثيراً، وعن الحسن نحوه. وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها لأنه إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلباً للثواب، وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة. (¬1) ¬

(¬1) في صحيح مسلم 2/ 109 عن أبي هريرة مرفوعاً " لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقاً رضي منها آخر، وقال: غيره .. والفرك: البغض.

20

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) الخطاب للرجال وأراد بالزوج الزوجة، قيل لما ذكر الله في الآية الأولى مضارّة الزوجات إذا أتين بفاحشة وهي إما النشوز أو الزنا، بين في هذه الآية تحريم المضارة إن لم يكن من قبلها نشوز ولا زنا، ونهى عن بخس الرجل حق المرأة إذا أراد طلاقها واستبدال غيرها. (و) قد (آتيتم إحداهن) وهي المرغوب عنها والمراد بالإيتاء والالتزام والضمان كما في قوله (إذا سلّمتم ما آتيتم) أي ما التزمتم وما ضمنتم فلا يرد أن حرمة الأخذ ثابتة وإن لم يكن قد آتاها المسمى، بل كان في ذمته أو يده، والواو للحال، وقيل للعطف وليس بظاهر. (قنطاراً) قد تقدم بيانه في آل عمران والمراد به هنا المال الكثير، وفي الآية دليل على جواز المغالاة في المهور (فلا تأخذوا منه شيئاً) قيل هي محكمة وقيل هي منسوخة بقوله تعالى في سورة البقرة (ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا أن لا يقيما حدود الله) والأولى أن الكل محكم والمراد هنا غير المختلعة فلا يحلّ لزوجها أن يأخذ مما آتاها شيئاً. وقال ابن عباس: إن كرهت امرأتك وأعجبك غيرها فطلقت هذه وتزوجت تلك فأعط هذه مهرها وإن كان قنطاراً، أخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى قال السيوطي بسند جيد: إن عمر نهى الناس أن يزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فاعترضت له امرأة من قريش فقالت أما سمعت ما أنزل الله يقول (وآتيتم إحداهن قنطاراً) فقال اللهم غفراً كل الناس أفقه من عمر، فركب المنبر فقال أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا

النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب، قال أبو يعلى: وأظنه قال فمن طابت نفسه فليفعل، قال ابن كثير إسناده جيد قوي، وقد رويت هذه القصة بألفاظ مختلفة هذا أحدها (¬1). وقيل المعنى لو جعلتم ذلك القدر لهن صداقاً فلا تأخذوا منه شيئاً وذلك أن سوء العشرة إما أن يكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة، فإن كان من قبل الزوج وأراد طلاق المرأة فلا يحل له أن يأخذ شيئاً من صداقها، وإن كان النشوز من قبل المرأة جاز له ذلك. (أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً) الاستفهام للإنكار والتقريع، والجملة مقرّرة للجملة الأولى المشتملة على النهي (¬2). ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 467. وخطب عمر رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا في صَدُقات النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما أصدق قط آمرأة من نسائه ولا بناته فوق اثنتي عشرة أوقية. فقامت إليه آمرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله وتحرمنا! أليس الله سبحانه وتعالى يقول:، (وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً)؟ فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر. وفي رواية فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر!. وفي أخرى: آمرأة أصابت ورجل أخطأ. وترك الإنكار. أخرجه أبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي العجفاء السلمي قال: خطب عمر الناس، فذكره إلى قوله: اثنتي عشرة أوقية، ولم يذكر: " فقامت إليه امرأة إلى آخره ". وأخرجه ابن ماجة في سننه عن أبي العجفاء. (¬2) وروق ابن العاص 5/ 101 القرطبي.

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (21) (وكيف) كلمة تعجب (تأخذونه) إنكار بعد إنكار مشتمل على العلة التي تقتضي منع الأخذ وهى الإفضاء، والمعنى لأي وجه تفعلون مثل هذا الفعل، وكيف يليق بالعاقل أن يسترد شيئاً بذله لزوجته عن طيب نفس، وقيل هو استفهام معناه التوبيخ والتعظيم لأخذ المهر بغير حله. ثم ذكر السبب فقال (وقد أفضى بعضكم إلى بعض) قال الهروي والكلبي: وهو إذا كان في لحاف واحد جامع أو لم يجامع، وقال الفراء: الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وإن لم يجامعها وبه قال أبو حنيفه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي واختاره الزجاج: أن الإفضاء في هذه الآية الجماع ولكن الله يكنى وبه قال الشافعي. وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة يقال للشيء المختلط فضاء ويقال القوم فوضاً وفضاء أي مختلطون لا أمير عليهم، وقيل الوصول: يقال أفضى إليه أي وصل. (وأخذن منكم) وهذا الإسناد مجاز عقلي لأن الآخذ للعهد حقيقة هو الله لكن بولغ فيه حتى جعل كأنهن الآخذات له (ميثاقاً غليظاً) وهو عقد النكاح ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله (¬1) وقيل هو قوله تعالى (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) قاله ابن عباس، وقيل هو الأولاد. كان ابن عمر إذا نكح قال: نكحتك على ما أمر الله به إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، قال قتادة: وقد كان ذلك يؤخذ عند عقد النكاح الله عليك لتمسكن بمعروف أو لتسرّحن بإحسان، وعن أنس بن مالك نحوه، وعلى هذا هو قول العاقد عند العقد وعلى الأول هو كلمة النكاح المعقودة على الصداق. ¬

(¬1) أبو داود كتاب المناسك باب 56 - الإمام أحمد 5/ 72.

22

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلاً (22) (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) نهى عما كانت عليه الجاهلية من نكاح نساء آبائهم إذا ماتوا، وهو شروع في بيان من يحرم نكاحه من النساء ومن لا يحرم، وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينتظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كانوا مصرين على تعاطيه. ومن المعلوم أن المحرمات بالمصاهرة أربع: زوجة الأب وزوجة الأبن وأم الزوجة وبنت الزوجة، وكلها يحصل فيه التحريم بمجرد العقد وإن لم يحصل دخول إلا الربيبة فلا تحريم إلا بشرط الدخول بأمها وهذا يستفاد من الآيات فإنها لم تقيد بالدخول إلا في الربيبة على ما سيأتي. والمراد آباؤكم من نسب أو رضاع. (إلا ما قد سلف) استثناء منقطع لأن الماضي لا يستثنى من المستقبل أي لكن ما قد سلف في الجاهلية فاجتنبوه ودعوه فإنه مغفور عنه، وقيل إلا بمعنى بعد أي بعد ما سلف وقيل المعنى ولا ما سلف، وقيل هو استثناء متصل من قوله ما نكح آباؤكم يفيد المبالغة في التحريم بإخراج الكلام مخرج التعليق بالمحال، يعني إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوا فلا يحل لكم غيره. وقيل معناه إلا ما سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بإمرأة فإنه يجوز للإبن تزوجها قاله ابن زيد. والأول أولى. ثم بين سبحانه وجه النهي عنه فقال (إنه كان فاحشة ومقتاً) هذه الجملة تدل على أنه من أشد المحرمات وأقبحها، وقد كانت الجاهلية تسميه بنكاح المقت، قال ثعلب سألت ابن الإعرابي عن نكاح المقت فقال: هو أن

يتزوج الرجل أمرأة أبيه إذا طلقها أو مات عنها ويقال لهذا الضيزن، وأصل المقت البغض من مقته يمقته مقتاً فهو ممقوت ومقيت، والعرب تسمى ولد الرجل من أمرأة أبيه مقيتاً، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن أبي عمرو ابن أمية (¬1). وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية قلت أين تريد قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله. (وساء سبيلاً) أي ساء سبيل ذلك النكاح لأنه يؤدي إلى مقت الله، وقيل التقدير ساء سبيله وقيل مقولاً في حقه ساء سبيلاً فإن ألسنة الأمم كافة لم تنزل ناطقة بذلك في الأمصار والأعصار، وقيل مراتب القبح ثلاث: وقد وصف الله هذا النكاح بكل ذلك، فقوله (فاحشة) مرتبة قبحه العقلي، وقوله (مقتاً) مرتبة قبحه الشرعي، وقوله (ساء سبيلاً) مرتبة قبحه العادي، وما اجتمعت فيه هذه المراتب فقد بلغ أقصى مراتب القبح. ¬

(¬1) وكانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي. ألا ترى أن عمرو ابن أمية خلف على امرأة أبيه بعد موته فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره؛ فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما. ومن ذلك صفوان بن أمية بن خلف تزوج بعد أبيه امرأته فاخته بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكان أمية قتل عنها. ومن ذلك منظور بن زبان خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت تحت أبيه زبان بن سيار. ومن ذلك حصن ابن أبي قيس تزوج آمرأة أبيه كبيشة بنت معن. والأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه. وقال الأشعث بن سوار: توفي أبو قيس وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت: إني أعدك ولداً، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره؛ فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية.

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) (حرّمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين). قد بين الله سبحانه في هذه الآية ما يحل وما يحرم من النساء، فحرّم سبعاً من النسب وستاً من الرضاع والصهر، وألحقت السنة المتواترة تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ووقع عليه الإجماع. والسبع المحرمات من النسب الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت. والمحرمات بالصهر والرضاع: الأمهات من الرضاعة والأخوات من الرضاعة وأمهات النساء والربائب وحلائل الأبناء والجمع بين الأختين، فهؤلاء ست، والسابعة منكوحات الآباء والثامنة الجمع بين المرأة وعمتها.

قال الطحاوي: وكل هذا من المحكم المتفق عليه، وغير جائز نكاح واحدة منهن بالإجماع إلا أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن أزواجهن فإن جمهور السلف ذهبوا إلى أن الأم تحرم بالعقد على الابنة، ولا تحرم الابنة إلا بالدخول بالأم، وقال بعض السلف الأم والربيبة سواء لا تحرم واحدة منهما إلا بالدخول بالأخرى. قالوا ومعنى قوله وأمهات نسائكم أي اللاتي دخلتم بهن وزعموا أن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب جميعاً، رواه خلاس عن علي بن أبي طالب، وروي عن ابن عباس وجابر وزيد بن ثابت وابن الزبير ومجاهد. قال القرطبي: ورواية خلاس عن علي لا تقوم به الحجة ولا تصح روايته عند أهل الحديث، والصحيح عنه مثل قول الجماعة وقد أجيب عن قولهم إن قيد الدخول راجع إلى الأمهات والربائب بأن ذلك لا يجوز من جهة الإعراب أن يكون اللاتي دخلتم بهن نعتاً لهما جميعاً لأن الخبرين مختلفان. قال ابن المنذر: والصحيح قول الجمهور لدخول جميع أمهات النساء في قوله وأمهات نسائكم. ومما يدل على ما ذهب إليه الجمهور ما أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالأبنة أم لم يدخل، وإذا تزوج الأم فلم يدخل بها ثم طلقها فإن شاء تزوج الابنة (¬1). قال ابن كثير في تفسيره مستدلاً للجمهور: وقد روي في ذلك خبر، غير ¬

(¬1) الترمذي كتاب النكاح باب 25.

أن في إسناده نظراً فذكر هذا الحديث، ثم قال وهذا الخبر وإن كان في إسناده ما فيه فإن الاجماع حجة على صحة القول به يغني عن الاستشهاد على صحته بغيره (¬1). وقال في الكشاف: وقد اتفقوا على أن تحريم أمهات النساء مبهم دون تحريم الربائب على ما عليه ظاهر كلام الله تعالى انتهى، ودعوى الإجماع مدفوعة بخلاف من تقدم. واعلم أنه يدخل في لفظ الامهات أمهاتهن وجدّاتهن وأم الأب وجداته وإن علون لأن كلهن أمهات لمن ولده من ولدنه وإن سفل، ويدخل في لفظ البنات بنات الأولاد وان سفلن، والأخوات تصدق على الأخت لأبوين أو لأحدهما والعمة اسم لكل أنثى شاركت أباك أو جدك في أصليه أو أحدهما، وقد تكون العمة من جهة الأم وهي أخت أب الأم. والخالة اسم لكل أنثى شاركت أمك في أصليها أو إحداهما وقد تكون الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك، وبنت الأخ اسم لكل أنثى لاخيك عليها ولادة بواسطة ومباشرة وإن بعدت، وكذلك بنت الأخت وأمهات الرضاعة مطلق مقيد بما ورد في السنة، من كون الرضاع في الحولين إلا في مثل قصة إرضاع سالم مولى أبي حذيفة. ظاهر النظم القرآني أنه يثبت حكم الرضاع بما يصدق عليه مسمى الرضاع لغة وشرعاً، ولكنه قد ورد تقييده بخمس رضعات في أحاديث صحيحة عن جماعة من الصحابة وتقرير ذلك وتحقيقه يطول، وقد استوفاه الشوكاني في مصنفاته وقرر ما هو الحق في كثير من مباحث الرضاع. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 471.

والأخت من الرضاع هي التي أرضعتها أمك بلبان أبيك سواء أرضعتها معك أو مع من قبلك أو بعدك من الإخوة والأخوات، ويلحق بذلك بالسنة البنات منها وهن من أرضعتهن موطوآته والعمات والخالات وبنات الأخت منها لحديث: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " رواه البخاري ومسلم (¬1). والأخت من الأم هي التي أرضعتها أمك بلبان رجل آخر وأمهات النساء من نسب أو رضاع قد تقدم الكلام عليها على اعتبار الدخول وعدمه. والربيبة بنت امرأة الرجل من غيره سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبة فعيلة بمعنى مفعولة. قال القرطبي: واتفق الفقهاء على أن الربيبة تحرم على زوج أمها دخل بالأم وإن لم تكن الربيبة في حجره، وشذ بعض المتقدمين وأهل الظاهر فقالوا: لا تحرم الربيبة إلا أن تكون في حجر المتزوج، فلو كانت في بلد آخر وفارق الأم فله أن يتزوج بها، وقد روى ذلك عن علي. قال ابن المنذر والطحاوي لم يثبت ذلك عن علي لأن رواية إبراهيم بن عبيد عن مالك بن أوس عن علي، وإبراهيم هذا لا يعرف، وقال ابن كثير في تفسيره بعد إخراج هذا عن علي: وهذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم. والحجور جمع حجر بفتح الحاء وكسرها مقدم الثوب، والمراد لازم الكون في الحجور وهو الكون في تربيتهم، والمراد أنهن في حضانة أمهاتهن تحت حماية أزواجهن كما هو الغالب، وقيل المراد بالحجور البيوت أي في بيوتكم، حكاه الأثرم عن أبي عبيدة وقيل هي صفة موافقة للغالب فلا مفهوم لها. ¬

(¬1) مسلم 1444، البخاري 1285.

والباء في دخلتم بهن للتعدية أي دخلتم الخلوة بهن، والمراد لازمه العادي وهو الوطء أي جامعتموهن، فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم في نكاح الربائب إذا فارقتموهن أو متن، وهو تصريح بما دل عليه مفهوم ما قبله. وقد اختلف أهل العلم في معنى الدخول الموجب لتحريم الربائب، فروى عن ابن عباس أنه قال: الدخول الجماع وهو قول طاوس وعمرو بن دينار وغيرهما، وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والليث: إن الزوج إذا لمس الأم بشهوة حرمت عليه ابنتها، وهو أحد قولي الشافعي، وقال أبو السعود معنى الدخول بهن إدخالهن الستر والباء للتعدية وهي كناية عن الجماع كقولهم بنى عليها وضرب عليها الحجاب، وفي حكمه اللمس ونظائره انتهى ورجحه الخفاجي. ورد على البيضاوي في قوله رداً على أبي حنيفة تصريح بعد إشعار دفعاً للقياس بأن صريح الآية غير مراد قطعاً بل ما اشتهر من معناها الكنائي. وقال ابن جرير الطبري: وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأته لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع انتهى. وهكذا حكى الإجماع القرطبي فقال: وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حل له نكاح ابنتها، واختلفوا في النظر فقال الكوفيون إذا نظر إلى فرجها للشهوة كان بمنزلة اللمس للشهوة وكذا قال الثوري ولم يذكر الشهوة، وقال ابن أبي ليلى: لا تحرم بالنظر حتى يلمس وهو قول الشافعي. والذي ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الخلاف هو النظر في معنى

الدخول شرعاً أو لغة فإن كان خاصاً بالجماع فلا وجه لإلحاق غيره به من لمس أو نظر أو غيرهما، وإن كان معناه أوسع من الجماع بحيث يصدق على ما حصل فيه نوع استمتاع كان مناط التحريم هو ذلك. وأما الربيبة في ملك اليمين فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه كره ذلك وقال ابن عباس: أحلتهما آية وحرمتهما آية ولم أكن لأفعله، وقال ابن عبد البر لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل أن يطأ امرأة وابنتها من ملك اليمين لأن الله حرم ذلك في النكاح قال (وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم) وملك اليمين عقدهم تبع للنكاح إلا ما روى عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم انتهى. والحلائل جمع حليلة وهي الزوجة سميت بذلك لأنها تحل مع الزوج حيث حل فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال فهي حليلة بمعنى محلّلة وقيل لأن كل واحد منهما يحل إزار صاحبه. وقد أجمع العلماء على تحريم ما عقد عليه الآباء على الأبناء وما عقد عليه الأبناء على الآباء سواء كان مع العقد وطء أم لم يكن لقوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) وقوله (وحلائل أبنائكم) واختلف الفقهاء في العقد إذا كان فاسداً هل يقتضي التحريم أم لا كما هو مبين في كتب الفروع. قال ابن المنذر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم من علماء الأمصار أن الرجل إذا وطىء امرأة بنكاح فاسد أنها تحرم على أبيه وابنه وعلى أجداده، وأجمع العلماء على أن عقد الشراء على الجارية لا يحرمها على أبيه وابنه، فإذا اشترى جارية فلمس أو قبل حرمت على أبيه وابنه، لا أعلمهم يختلفون فيه فوجب تحريم ذلك تسليماً لهم، ولما اختلفوا في تحريمها بالنظر دون اللمس لم يجز ذلك لاختلافهم، قال: ولا يصح عن أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلاف ما قلناه.

وقوله (الذين من أصلابكم) وصف للأبناء أي دون من تبنّيتم من أولاد غيركم كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، ومنه قوله تعالى (فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً) ومنه قوله تعالى (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) ومنه (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) فلكم نكاح حلائلهم. وأما زوجة الابن من الرضاع فقد ذهب الجمهور إلى أنها تحرم على أبيه، وقد قيل انها إجماع مع أن الإبن من الرضاع ليس من أولاد الصلب، ووجهه ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (¬1) " وإن كان مقتضى مفهوم الآية تحليلهن، ولا خلاف في أن أولاد الأولاد وإن سفلوا بمنزلة أولاد الصلب في تحريم نكاح نسائهم على آبائهم. وقد اختلف أهل العلم في وطء الزنا هل يقتضي التحريم أم لا، فقال أكثر أهل العلم إذا أصاب رجل امرأة بزنا لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها أو ابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد، وكذلك يجوز له عندهم أن يتزوج بأم من زنى بها وبابنتها. وقالت طائفة من أهل العلم: إن الزنى يقتضي التحريم، وحكى ذلك عن عمران بن حصين والشعبي وعطاء والحسن والثورى وأحمد وإسحق وأصحاب الرأي، وحكى ذلك عن مالك والصحيح عنه كقول الجمهور، احتج الجمهور بقوله تعالى (وأمهات نسائكم) وبقوله (وحلائل أبنائكم) والموطوأة بالزنا لا يصدق عليها أنها من نسائهم ولا من حلائل أبنائهم. وقد أخرج الدارقطني عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها فقال: لا يحرم الحرام الحلال. ¬

(¬1) مسلم 1444 - البخاري 1285. الدارقطني كتاب النكاح 3/ 268.

واحتج المحرّمون بما روى في قصة جريج الثابتة في الصحيح أنه قال: يا غلام من أبوك؟ فقال فلان الراعي فنسب الإبن نفسه إلى أبيه من الزنا. وهذا احتجاج ساقط، واحتجوا أيضاً بقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا ينظر الله إلا رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها ". ولم يفصل بين الحلال والحرام ويجاب عنه بأن هذا مطلق مقيّد بما ورد من الأدلة الدالّة على أن الحرام لا يحرم الحلال. ثم اختلفوا في اللواط هل يقتضي التحريم أم لا؟ فقال الثوري إذا لاط بالصبي حرمت عليه أمه وهو قول أحمد بن حنبل قال إذا تلوّط بابن امرأته أو ابنها أو أخيها حرمت عليه امرأته، وقال الأوزاعي إذا لاط بغلام وولد للمفجور به بنت لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به. ولا يخفى ما في قول هؤلاء من الضعف والسقوط النازل عن قول القائلين بأن وطء الحرام يقتضي التحريم بدرجات لعدم صلاحية ما تمسك به أولئك من الشُبه على ما زعمه هؤلاء من اقتضاء اللواط للتحريم. والجمع بين الأختين من نسب أو رضاع يشمل الجمع بينهما بالنكاح والوطء بملك اليمين، وقيل إن الآية خاصة بالجمع في النكاح لا في ملك اليمين، وأما في الوطء بالملك فلا حق بالنكاح، وقد أجمعت الأمة على منع جمعهما في عقد نكاح، واختلفوا في الأختين بملك اليمين فذهب كافة العلماء إلى أنه لا يجوز الجمع بينهما في الوطء بالملك، وأجمعوا على أنه يجوز الجمع بينهما في الملك فقط. وقد توقف بعض السلف في الجمع بين الأختين في الوطء بالملك وسيأتي بيان ذلك. واختلفوا في جواز عقد النكاح على أخت الجارية التي توطأ بالملك فقال الأوزاعي: إذا وطىء جارية له بملك اليمين لم يجز له أن يتزوج أختها. وقال الشافعي: ملك اليمين لا يمنع نكاح الأخت.

وقد ذهبت الظاهرية إلى جواز الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما يجوز الجمع بينهما في الملك، قال ابن عبد البر بعد أن ذكر ما روى عن عثمان بن عفان من جواز الجمع بين الأختين في الوطء بالملك، وقد روى مثل قول عثمان عن طائفة من السلف منهم ابن عباس، ولكنهم اختلف عليهم ولم يلتفت إلى ذلك أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز ولا بالعراق ولا ما وراءها من المشرق ولا بالشام ولا المغرب إلا من شذ عن جماعتهم باتباع الظاهر ونفى القياس، وقد ترك من تعمد ذلك، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح. وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله (حرّمت عليكم أمهاتكم) الآية أن النكاح بملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، فكذلك يجب أن يكون قياساً ونظراً الجمع بين الأختين وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهي الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها والله المحمود انتهى. وأقول ههنا إشكال وهو أنه قد تقرر أن النكاح يقال على العقد فقط وعلى الوطء فقط، والخلاف في كون أحدهما حقيقة والاخر مجازاً وكونهما حقيقتين معروف. فإن حملنا هذا التحريم المذكور في قوله (حرّمت عليكم أمهاتكم) الخ على أن المراد تحريم العقد عليهن لم يكن في قوله تعالى: (وأن تجمعوا بين الأختين) دلالة على تحريم الجمع بين المملوكتين في الوطء بالملك وما وقع من إجماع المسلمين على أن قوله (حرمت عليكم أمهاتكم) إلى آخره تستوي فيه الحرائر والإماء والعقد والملك لا يستلزم أن يكون محل الخلاف وهو الجمع بين الأختين في الوطء، بملك اليمين مثل محل الإجماع، ومجرد القياس في مثل هذا الموطن لا تقوم به الحجة لما يرد عليه من النقوض. وإن حملنا التحريم المذكور في الآية على الوطء فقط لم يصح ذلك الإجماع على تحريم عقد النكاح على جميع المذكورات من أول الآية إلى آخرها،

فلم يبق إلا حمل التحريم في الآية على تحريم عقد النكاح، فيحتاج القائل بتحريم الجمع بين الأختين في الوطء بالملك إلى دليل، ولا ينفعه أن ذلك قول الجمهور، فالحق لا يعرف بالرجال فإن جاء به خالصاً عن شوب الكدر فيها ونعمت وإلا كان الأصل الحل. ولا يصح حمل النكاح في الآية على معنييه جميعاً أعني العقد والوطء، لأنه من باب الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممنوع، أو من باب الجمع بين معنيي المشترك وفيه الخلاف المعروف في الأصول، فتدبر هذا. وقال السيوطي: ويلحق بهما أي بالأختين بالسنّة الجمع بينها وبين عمتها أو خالتها، ويجوز نكاح كل واحدة على الإنفراد وملكهما معاً ويطأ واحدة انتهى. قلت: قد اختلف أهل العلم إذا كان الرجل يطأ مملوكته بالملك ثم أراد أن يطأ أختها بالملك أيضاً فقال علي وابن عمر والحسن البصري، والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج الأخرى بإخراجها من ملكه ببيع أو عتق أو بأن يزوجها. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان لقتادة وهو أنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها ثم يمسك عنهما حتى تستبريء المحرمة ثم يغشى الثانية، وفيه قول ثالث وهو أنه لا يقرب واحدة منهما هكذا قاله الحكم وحماد، وروي معنى ذلك عن النخعي. وقال مالك إذا كان عنده أختان بملك فله أن يطأ أيتهما شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى بفعل يفعله من إخراج عن الملك أو تزويج أو بيع أو عتق أو

كتابة أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرّم الأخرى، ولم يوكل ذلك إلى أمانته لأنه متهم (¬1). قال القرطبي: وقد أجمع العلماء على أن الرجل إذا طلق زوجته طلاقاً يملك رجعتها أنه ليس له أن ينكح أختها حتى تنقضي عدّة المطلقة، واختلفوا إذا طلقها لا يملك رجعتها فقالت طائفة ليس له أن ينكح أختها ولا رابعة حتى تنقضي عدة التي طلقها روي ذلك عن علي وزيد بن ثابت ومجاهد وعطاء والنخعي والثوري وأحمد بن حنبل وأصحاب الرأي. وقالت طائفة: له أن ينكح أختها، وينكح الرابعة لمن كان تحته أربع وطلق واحدة منهن طلاقاً بائناً، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والقاسم وعروة بن الزبير وابن أبي ليلى والشافعي وأبي ثور وأبي عبيد، قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك، وهو أيضاً إحدى الروايتين عن زيد بن ثابت وعطاء. وقوله (إلا ما قد سلف) يحتمل أن يكون معناه ما تقدم من قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) ويحتمل معنى آخر وهو جواز ما سلف، وأنه إذا جرى الجمع في الجاهلية كان النكاح صحيحاً وإذا جرى في الإسلام خيّر بين الأختين، والصواب الإحتمال الأول (وإن الله كان غفوراً) لما سلف منكم قبل النهي (رحيماً) بكم في ذلك. ¬

(¬1) وقد روى فيروز الديلمي قال: أسلمت وعندي أختان فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " طلق إحداهما " رواه 4/ 232 وأبو داود 3/ 158 والترمذي 3/ 436 وابن ماجة 1/ 627. وفي رواية " اختر أيتهما شئت ".

24

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) (والمحصنات من النساء) عطف على المحرمات المذكورات أي وحرمت عليكم ذوات الأزواج، وأصل التحصن التمنع ومنه قوله تعالى (ليحصنكم من بأسكم) أي ليمنعكم، ومنه الحصان بكسر الحاء للفرس لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، والحصان بفتح الحاء المرأة العفيفة لمنعها نفسها والمصدر الحصانة بفتح الحاء. والمراد بالمحصنات هنا الأزواج. وقد ورد الإحصان في القرآن لمعان أحدها التزوج كما في هذه الآية وكما في قوله (محصنين غير مسافحين) والثاني يراد به الحرية، ومنه قوله تعالى (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات) وقوله (والمحصنات من المؤمنأت والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) والثالث يراد به العفة، ومنه قوله تعالى (محصنات غير مسافحات) والرابع الإسلام ومنه قوله تعالى (فإذا أحصنّ) أي أسلمن. وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذه الآية فقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وأبو قلابة ومكحول والزهري: المراد بالمحصنات هنا المسبيّات ذوات الأزواج خاصة أي هن محرمات عليكم أن تنكحوهن قبل مفارقة أزواجهن، وقد قرىء المحصنات بفتح الصاد وكسرها فالفتح على أن الأزواج أحصنوهن، والكسر على أنهن أحصن فروجهن من غير أزواجهن أو أحصن أزواجهن.

(إلا ما ملكت أيمانكم) بالسبي من أرض الحرب فإن تلك حلال لكم وطؤهن وإن كان لها زوج في دار الحرب بعد الإستبراء وهو قول الشافعي، أي أن السباء يقطع العصمة، وبه قال ابن وهب وابن عبد الحكم وروياه عن مالك، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحق وأبو ثور. والإستثناء متصل لأن المستثنى المزوجات، لكن فيه شائبة انقطاع من حيث أن المستثنى منه نكاح المتزوجات، والمستثنى وطء الزوجات، وقد صرح السمين بأنه منقطع، واختلفوا في استبرائها بماذا يكون كما هو مدون في كتب الفروع. وقالت طائفة: المحصنات في هذه الآية العفائف، وبه قال أبو العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه عبيدة عن عمر، ومعنى الآية عقدهم كل النساء حرام إلا ما ملكت إيمانكم أي تملكون عصمتهن بالنكاح وتملكون الرقبة بالشراء، وحكى ابن جرير الطبري: أن رجلاً قار لسعيد بن جبير ما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية فلم يقل فيها شيئاً فقال كان ابن عباس لا يعلمها. وروى ابن جرير أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل انتهى، ومعنى الآية والله أعلم أوضح لا سترة به أي وحرمت عليكم المحصنات من النساء أي المزوجات أعمّ من أن يكن مسلمات أو كافرات إلا ما ملكت إيمانكم منهن إما بسبي فإنها تحل وإن كانت ذات زوج، أو بشراء فإنها تحل ولو كانت مزوجة وينفسخ النكاح الذي كان عليها بخروجها عن ملك سيدها الذي زوجها، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (كتاب الله عليكم) أي كتب ذلك كتاباً وفرضه فرضاً، وقيل الزموا كتاب الله أو عليكم كتاب الله، وروي عن عبيدة السلماني أن قوله هذا إشارة

إلى قوله تعالى: (مثنى وثلاث ورباع) وهو بعيد جداً. بل هو إشارة إلى التحريم المذكور في قوله: (حرّمت عليكم) إلى آخر الآية. وفي قوله (وأحل لكم ما وراء ذلكم) دلالة على أنه يحل لهم نكاح ما سوى المذكورات، وهذا عام مخصوص بما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من تحريم الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، ومن ذلك نكاح المعتدة، ومن ذلك أن من كان في نكاحه حرة لا يجوز له نكاح الأمة، ومن ذلك القادر على الحرة لا يجوز له نكاح الأمة، ومن ذلك من عنده أربع زوجات لا يجوز له نكاح خامسة، ومن ذلك الملاعنة فإنها محرمة على الملاعن أبداً. وقيل لا حاجة للتنبيه على هذا لأن الكلام في التحريم على التأبيد، وما ذكره من الأقسام لا يحرم مؤبداً بل لعارض يزول. نعم يظهر ما قالوه في الملاعنة لأن تحريمها مؤبّد، وقد أبعد من قال إن تحريم الجمع بين المذكورات مأخوذ من الآية هذه لأنه حرم الجمع بين الأختين فيكون ما في معناه في حكمه، وهو الجمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها، وكذلك يحرم نكاح الأمة لمن يستطيع نكاح حرّة فإنه يخصص هذا العموم. لأجل (أن تبتغو بأموالكم) النساء اللاتي أحلهن الله لكم ولا تبتغوا بها الحرام فتذهب، وقيل هو بدل من (ما) في قوله (ما وراء ذلكم) والأول أولى. وأراد سبحانه بالأموال المذكورة ما يدفعونه في مهور الحرائر وأثمان الإماء (محصنين) الإحصان العفة وتحصين النفس عن الوقوع فيما يوجب اللوم والعقاب أي حال كونكم متزوجين ومتسرّين متعفّفين عن الزنا (غير مسافحين) أي غير زانين؛ والسفاح الزنا وهو مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه، فكأنه سبحانه أمرهم بأن يطلبوا بأموالهم النساء على وجه النكاح لا على وجه السفاح. (فما استمتعتم به منهن) قد اختلف أهل العلم في معنى الآية فقال

الحسن ومجاهد وغيرهما: فما انتفعتم وتلذذتم بالجماع من النساء بالنكاح الشرعي، وعلى هذا فالآية واردة في النكاح الصحيح وأن الزوج متى وطئها ولو مرة وجب عليه مهرها المسمى أو مهر المثل، ولكن يرد على هذا أنها تتكرر مع قوله سابقاً (وآتوا النساء صدقاتهن) وقال الجمهور: إن المراد بهذه الآية نكاح المتعة الذي كان في صدر الإسلام حيث كان الرجل ينكح المرأة وقتاً معلوماً ليلة أو ليلتين أو أسبوعاً بثوب أو غيره ويقضي منها وطره ثم يسرحها، ويؤيد ذلك قراءة أُبَيّ بن كعب وابن عباس وسعيد بن جبير (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ثم نهى عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما صح ذلك من حديث علي قال: نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر (¬1)، وهو في الصحيحين وغيرهما. وفي صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يوم فتح مكة: يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، والله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة فمن كان عقده منهن شيء فليخل سبيلها ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً (¬2)، وفي لفظ لمسلم أن ذلك كان في حجة الوداع، فهذا هو الناسخ، وقال سعيد بن جبير نسختها آية الميراث إذ المتعة لا ميراث فيها. وقالت عائشة والقاسم بن محمد تحريمها ونسخها في القرآن، وذلك قوله تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) وليست المنكوحة بالمتعة من أزواجهم ولا ما ملكت أيمانهم، فإن من شأن الزوجة أن ترث وتورث، وليست المستمتع بها كذلك والأحاديث في تحليل المتعة ثم تحريمها وهل كان نسخها مرة أو مرتين مذكورة في كتب الحديث، وقد روى عن ابن عباس أنه قال بجواز المتعة وأنها باقية لم تنسخ، وروى عنه أنه رجع عن ذلك عقد أن بلغه الناسخ، وقد قال بجوازها جماعة ¬

(¬1) مسلم 1407 - البخاري 1908. (¬2) مسلم 1406.

من الروافض، ولا اعتبار بأقوالهم، وقد أتعب نفسه بعض المتأخرين بتكثير الكلام على هذه المسئلة وتقوية ما قاله المجوزون لها، وليس هذا المقام مقام بيان بطلان كلامه، وقد طوّل الشوكاني البحث ودفع الشبهة الباطلة التي تمسك بها المجوزون لها في شرحه للمنتقى فليرجع إليه. وقال ابن العربي: وأما متعة النساء فهي من غرائب الشريعة لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم خيبر ثم أبيحت في غزوة أوطاس ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، وليس لها أخت في الشريعة إلا مسئلة القبلة، فإن النسخ طرأ عليها مرتين ثم استقرت حكاه القرطبي عنه. (فآتوهن أجورهن) أي مهورهن التي فرضتم لهن، وإنما سمي المهر أجراً لأنه بدل عن المنفعة لا عن العين (فريضة) أي مفروضة مسماة، وقد كمل بهذا الوصف ما قبله ودخل به على ما بعده فهي مصدر مؤكد أو حال من أجورهن. (ولا جناح عليكم) ولا عليهن (فيما تراضيتم به) أنتم وهن (من بعد الفريضة) أي من زيادة ونقصان في المهر، فإن ذلك سائغ عند التراضي. هذا عند من قال إن الآية في النكاح الشرعي، وأما عند الجمهور القائلين بأنها في المتعة فالمعنى التراضي في زيادة مدة المتعة أو نقصانها أو في زيادة ما دفعه إليها إلى مقابل الاستمتاع بها أو نقصانه، وقيل ما تراضيتم به من الإبراء من المهر والافتداء والاعتياض، وقال الزجاج: معناه لا جناح عليكم أن تهب المرأة للزوج مهرها وأن يهب الرجل للمرأة التي لم يدخل بها نصف المهر الذي لا يجب عليه. (إن الله كان عليماً) بما يصلحكم في مناكحكم وغيرها من سائر أموالكم أو عليماً بالأشياء قبل خلقها (حكيماً) فيما دبر لكم من التدبير وفيما يأمركم وينهاكم عنه ولا يدخل حكمه خلل ولا زلل أو فيما فرض لكم من عقد النكاح الذي به حفظت الأنساب.

25

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) (ومن) شرطية أو موصولة (لم يستطع منكم طولاً) الطول الغنى والسعة قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبو زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور وجمهور أهل العلم، وإنما سمي الغنى طولاً لأنه ينال به من المراد ما لا ينال مع الفقر، والطول كناية عما يصرف إلى المهر والنفقة يقال طال يطول طولاً في الأفضال والقدرة، وفلان ذو طول أي ذو قدرة في ماله، والطول بالضم ضد القصر، وقال قتادة والنخعي وعطاء والثوري: إن الطول الصبر. ومعنى الآية عندهم أن من كان يهوى أمة حتى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها فإن له أن يتزوجها إذا لم يملك نفسه، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سعة في المال لنكاح حرة، وقال أبو حنيفة وهو يروي عن مالك: إن الطول المرأة الحرة فمن كان تحته حرة لم يحل له أن ينكح الأمة ومن لم يكن تحته حرة جاز له أن يتزوج أمة ولو كان غنياً، وبه قال أبو يوسف واختاره ابن جرير واحتج له. والقول الأول هو المطابق لمعنى الآية ولا يخلو ما عداه عن تكلف، فلا

يجوز للرجل أن يتزوج بالأمة إلا إذا كان لا يقدر على أن يتزوج بالحرة لعدم وجود ما يحتاج إليه في نكاحها من مهر وغيره. (أن ينكح المحصنات) الحرائر (المؤمنات) هو جري على الغالب فلا مفهوم له، ومعنى الآية فمن لم يستطع منكم غنى وسعة في ماله يقدر بها على نكاح المحصنات المؤمنات (فممّا) أي فلينكح مما (ملكت أيمانكم) يعني جارية أخيك المؤمن، ودخلت الفاء في قوله (فمما ملكت) لتضمن المبتدأ معنى الشرط وقد عرفت أنه لا يجوز للرجل الحر أن يتزوج بالمملوكة إلا بشرط عدم القدرة على الحرة كما ذهب إليه الشافعي، والشرط الثاني ما سيذكره الله سبحانه آخر الآية من قوله (ذلك لمن خشي العنت منكم) فلا يحل للفقير أن يتزوج بالمملوكة إلا إذا كان يخشى على نفسه العنت. والمراد هنا الأمة المملوكة للغير، وأما أمة الإنسان نفسه فقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز له أن يتزوجها وهي تحت ملكه لتعارض الحقوق واختلافها. (من فتياتكم المؤمنات) وقد استدل بهذا على أنه لا يجوز نكاح الأمة الكتابية، وبه قال أهل الحجاز وجوّزه أهل العراق، والفتيات جمع فتاة وهي الشابة من النساء والعرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، وفي الحديث الصحيح: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتي (¬1). (والله أعلم بإيمانكم) فيه تسلية لمن ينكح الأمة إذا اجتمع فيه الشرطان المذكوران أي كلكم بنو آدم وأكرمكم عقد الله أتقاكم فلا تستنكفوا من الزواج بالإماء عقد الضرورة فربما كان إيمان بعض الإماء أفضل من إيمان بعض الحرائر، والجملة اعتراضية تفيد أن الإيمان كاف في نكاح الأمة المؤمنة ولو ظاهراً، ولا يشترط في ذلك أن يعلم إيمانها علماً يقيناً فإن ذلك لا يطلع عليه إلا الله تعالى. ¬

(¬1) مسلم 2249 - البخاري 1251.

(بعضكم من) جنس (بعض) أي أنهم متصلون في الأنساب، لأنهم جميعاً بنو آدم ومتصلون في الدين لأنهم جميعاً أهل ملة واحدة وكتابهم واحد ونبيهم واحد، والمراد بهذا توطية نفوس العرب لأنهم كانوا يستهجنون أولاد الإماء ويستصغرونهم ويغضون منهم ويسمون ابن الأمة الهجين، فاعلم الله أن ذلك أمر لا يلتفت إليه فلا يتداخلنكم شموخ وأنفة من التزويج بالإماء فإنكم متساوون في النسب إلى آدم. وقال ابن عباس: يريد أن المؤمنين بعضهم أكفاء بعض، أي فلا يترفع الحر عن نكاح الأمة عند الحاجة إليه. (فانكحوهن بإذن أهلهن) أي بإذن المالكين لهن ومواليهن لأن منافعهن لهم لا يجوز لغيرهم أن ينتفع بشيء منها إلا بإذن من هي له، واتفق أهل العلم على أن نكاح الأمة بغير إذن سيدها باطل لأن الله تعالى جعل إذن السيد شرطاً في جواز نكاح الأمة. (وآتوهن أجورهن بالمعروف) أي أدوا إليهن مهورهن بما هو المعروف في الشرع من غير مطل ولا نقص ولا ضرار، وقيل مهور أمثالهن، وقد استدلّ بهذا من قال إن الأمة أحق بمهرها من سيدها، وإليه ذهب مالك وذهب الجمهور إلى أن المهر للسيد وإنما أضافها إليهن لأن التأدية إليهن تأدية إلى سيدهن لكونهن ماله. (محصنات) عفائف حال (غير مسافحات) زانيات جهراً أي غير معلنات بالزنا، وهذا الشرط على سبيل الندب بناء على المشهور من جواز نكاح الزواني ولو كنّ إماء، قاله الخطيب. (ولا متخذات أخدان) أخلاء يزنون بهن سراً، والأخدان الأخلاء،

والخدن والخدين المخادن أي المصاحب، وقيل ذات الخدن هي التي تزني سراً فهو مقابل للمسافحة، وهي التي تجاهر بالزنا وقيل المسافحة المبذولة وذات الخدن التي تزني بواحد. وكانت العرب تعيب الإعلان بالزنا ولا تعيب اتخاذ الأخدان، ثم رفع الإسلام جميع ذلك فقال الله (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وقال أبو زيد الأخدان الأصدقاء على الفاحشة. (فإذا أحصنّ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) المراد بالإحصان هنا الإسلام، روى ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وأنس والأسود بن يزيد. وزر بن حبيش وسعيد بن جبير وعطاء والنخعي والشعبي والسدي، وروى عن عمر بن الخطاب بإسناد منقطع وهو الذي نصّ عليه الشافعي، وبه قال الجمهور، وقال ابن عباس وأبو الدرداء ومجاهد وعكرمة وطاوس والحسن وقتادة وغيرهم أنه التزويج، وروى عن الشافعي. فعلى القول الأول لا حدَّ على الأمة الكافرة، وعلى الثاني لا حد على الأمة التي لم تتزوج، وقال القاسم: وسالم إحصانها إسلامها وعفافها، وقال ابن جرير: إن معنى القراءتين مختلف، فمن قرأ أحصن بضم الهمزة فمعناه التزويج، ومن قرأ بفتح الهمزة فمعناه الإسلام. قال قوم إن الإحصان المذكور في الآية هو التزوج ولكن الحد واجب على الأمة المسلمة إذا زنت قبل أن تتزوج بالسنة، وبه قال الزهري. قال ابن عبد البر: ظاهر قول الله عز وجل يقتضي أنه لا حد على الأمة وإن كانت مسلمة إلا بعد التزويج، ثم جاءت السنة بجلدها وإن لم تحصن وكان ذلك زيادة بيان. قال القرطبي: ظهر المسلم حمى لا يستباح إلا بيقين ولا يقين مع الأختلاف لولا ما جاء في صحيح السنة من الجلد.

قال ابن كثير في تفسيره: والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان هنا التزويج لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه (ومن لم يستطع منكم طولاً إلى قوله فإذا أحصن) الآية فالسياق كله في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله (فإذ أحصن) أي تزوجن كما فسره به ابن عباس ومن تبعه (¬1). قال: وعلى كلا القولين إشكال على مذهب الجمهور لأنهم يقولون إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة مزوّجة أو بكراً مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة من الإماء، قد اختلفت أجوبتهم عن ذلك. ثم ذكر أن منهم من أجاب وهم الجمهور بتقديم منطوق الأحاديث على هذا المفهوم، ومنهم من عمل على مفهوم الآية وقال إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، إنما تضرب تأديباً قال وهو المحكي عن ابن عباس وإليه ذهب طاوس وسعيد بن جبير وأبو عبيد وداود الظاهري في رواية عنه. فهؤلاء قدموا مفهوم الآية على العموم، وأجابوا عن مثل حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير (¬2)، بإن المراد بالجلد هنا التأديب. وهو تعسف. وأيضاً قد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ثم إن زنت فليجلدها الحد، الحديث (¬3). ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 476. (¬2) مسلم 1703 - البخاري 1088. (¬3) مسلم 1703 - البخاري 1088.

ولمسلم من حديث علي: يا أيها الناس أقيموا على أرقائكم الحد من أحصن ومن لم يحصن، فإن أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، الحديث. وأما ما أخرجه سعيد بن منصور وابن خزيمة والبيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، " وليس على الأمة حد حتى تحصن بزوج فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات من العذاب " فقد قال ابن خزيمة والبيهقي إن رفعه خطأ والصواب وقفه. والفاحشة هنا الزنا فعليهن نصف ما على المحصنات أي الحرائر الأبكار إذا زنين، لأن الثيب عليها الرجم، وهو لا يبعّض، وقيل المراد بالمحصنات هنا المزوجات لأن عليها الجلد والرجم، والرجم لا يتبعّض فصار عليهن نصف ما عليهن من الجلد، فيجلدن خمسين ويغرّبن نصف سنة. والمراد بالعذاب هنا الجلد، وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر لأنهن أضعف، وقيل لأنهن لا يصلن إلا مرادهن كما تصل الحرائر، وقيل لأن العقوبة تجب على قدر النعمة كما في قوله تعالى (يضاعف لها العذاب ضعفين) ولم يذكر الله سبحانه في هذه الآية العبيد وهم لاحقون بالإماء بطريق القياس وكما يكون على الإماء والعبيد نصف الحد في الزنا كذلك يكون عليهم نصف الحد في القذف والشرب. (ذلك) أي نكاح المملوكات عقد عدم الطول (لمن خشي العنت) العنت الوقوع في الإثم وقيل الزنا وأصله في اللغة انكسار العظم بعد الجبر ثم استعير لكل مشقة، وأريد به هنا ما يجر إليه الزنا من العقاب الدنيوي والأخروي، والمعنى ذلك لمن خاف أن تحمله شدة الشبق والغلمة وشدة الشهوة على الزنا.

وإنما سمي الزنا بالعنت لما يعقبه من المشقة وهي شدة العزوبة فأباح الله تعالى نكاح الأمة بثلاثة شروط: عدم القدرة على نكاح الحرة وخوف العنت وكون الأمة مؤمنة، وفي القاموس العنت الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة على الإنسان ولقاء الشدة والزنا والوهي والإنكسار واكتساب المآثم، وأعنته غيره وعنته تعنيتاً شدد عليه وألزمه ما يصعب عليه (¬1). (منكم) بخلاف من لا يخافه من الأحرار فلا يحل له نكاحها، وكذا من استطاع طول حرة، وعليه الشافعي وكذا مالك وأحمد. (أن تصبروا) أي صبركم عن نكاح الإماء (خير لكم) من نكاحهن لأن نكاحهن يفضي إلى إرقاق الولد والغض من النفس (والله غفور رحيم) هذا كالتأكيد لما تقدم (¬2). ¬

(¬1) وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيما حر تزوج بأمةٍ فقد أرق نصفه. يعني يصير ولده رقيقاً؛ فالصبر عن ذلك أفضل لكيلا يرق الولد. وقال سعيد بن جبير: ما نكاح الأمة من الزنى إلا قريب، قال الله تعالى: (وأن تصبروا خير لكم)، أي عن نكاح الإماء. وفي سنن ابن ماجة عن الضحاك بن مزاحم قال: سمعت أنس بن مالك يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أراد أن يلقى الله طاهراً مطهراً فليتزوج الحرائر "، ورواه أبو إسحاق الثعلبي من حديث يونس بن مرداس، وكان خادماً لأنس، وزاد: فقال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الحرائر صلاح البيت والإماء هلاك البيت - أو قال: فساد البيت ". (¬2) قال الطبري: والصواب من القول في قوله (ذلك لمن خشي العنت منكم) ذلكن لمن خاف منكم ضرراً في دينه وبدنه.

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28)

26

(يريد الله ليبينّ لكم) استئناف مسوق لتقرير ما سبق من الأحكام وبيان كونها جارية على مناهج المهتدين من الأنبياء والصالحين، واللام هنا لام كي التي تعاقب أن، ومنه (يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم) (وأمرت لأعدل بينكم وأمرنا لنسلم لرب العالمين) وهذا مذهب الكوفيين، وخطأ الزجاج هذا القول. وقيل اللام زائدة لتأكيد معنى الاستقبال أو لتأكيد إرادة التبيين، وبه قال الزمخشري والسمين .. ومعنى الآية يريد الله أن يبين لكم مصالح دينكم وما يحل لكم وما يحرم عليكم، وقيل يبين لكم ما يقربكم منه، وقيل يبين أن الصبر عن نكاح الأمة خير لكم. (ويهديكم سنن الذين من قبلكم) أي طرقهم في تحريم الأمهات والبنات والأخوات فإنها كانت محرمة على من قبلكم وهم الأنبياء وأتباعهم لتقتدوا بهم (و) يريد أن (يتوب عليكم) يرجع بكم عن معصيته التي كنتم عليها إلى طاعته فتوبوا إليه وتلافوا ما فرط منكم بالتوبة يغفر لكم ذنوبكم (والله عليم) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم (حكيم) فيما دبر أمورهم.

27

(والله يريد أن يتوب عليكم) هذا تأكيد لما قد فهم من قوله ويتوب عليكم المتقدم، وقيل الأول معناه الإرشاد إلى الطاعات، والثاني فعل أشباهها.

وقيل إن الثاني لبيان كمال منفعة إرادته سبحانه، وكمال ضرر ما يريده الذين يتبعون الشهوات، وليس المراد به مجرد إرادة التوبة حتى يكون من باب التكرير للتأكيد. قيل هذه الإرادة منه سبحانه في جميع أحكام الشرع، وقيل في نكاح الأمة فقط، وقال ابن عباس: معناه يريد أن يخرجكم من كل ما يكره إلى ما يحب ويرضى، وقيل معناه يدلكم على ما يكون سبباً لتوبتكم التي يغفر لكم بها ما سلف من ذنوبكم، وقيل معناه إن وقع منكم تقصير في دينه فيتوب عليكم ويغفر لكم. (ويريد الذين يتبعون الشهوات) المراد بالشهوات هنا ما حرمه الشرع دون ما أحله، اختلف في تعيين متبعي الشهوات فقيل هم الزناة وقيل اليهود والنصارى وقيل اليهود خاصة، وقيل هم المجوس لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب وبنت الأخ، والأول أولى. (أن تميلوا) تعدلوا عن الحق وقصد السبيل بالمعصية فتكونوا مثلهم (ميلاً عظيماً) يعني بإتيانكم ما حرم الله عليكم، والميل العدول عن طريق الاستواء، ووصف الميل بالعظيم بالنسبة إلى ميل من اقترف خطيئة نادراً.

28

(يريد الله أن يخفف) يسهل (عنكم) أحكام الشرع بما مر من الترخيص أو بكل ما فيه تخفيف عليكم (وخلق الإنسان ضعيفاً) عاجزاً غير قادر على ملك نفسه ودفعها عن شهوتها قليل الصبر عن النساء، فلا صبر له عنهن وفاء يحق التكليف. فهو محتاج من هذه الحيثية إلى التخفيف، فلهذا أراد الله سبحانه التخفيف، وقيل هو ضعيف في أصل الخلقة لأنه خلق من ماء مهين، وقيل إنه لضعفه يستميله الهوى فهو ضعيف العزم عن الهوى.

29

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) (يا أيها الذين آمنوا) شروع في بيان بعض المحرمات المتعلقة بالأموال والأنفس إثر بيان المحرمات المتعلقة بالإبضاع (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) يعني بالحرام الذي لا يحل في الشرع، والباطل ما ليس بحق، ووجوه ذلك كثيرة كالربا والقمار والغصب والسرقة والخيانة وشهادة الزور، وأخذ الأموال باليمين الكاذبة ونحو ذلك، ومن الباطل البيوعات التي نهى عنها الشرع. وإنما خص الأكل بالذكر ونهى عنه تنبيهاً على غيره من جميع التصرفات الواقعة على وجه الباطل، لأن معظم المقصود من المال الأكل، وقيل يدخل فيه أكل مال نفسه بالباطل ومال غيره، أما أكل ماله بالباطل فهو إنفاقه في المعاصي، وأما أكل مال غيره فقد تقدم معناه، وقيل يدخل في أكل المال بالباطل جميع العقود الفاسدة. (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) التجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة، وهذا الاستثناء منقطع أي لكن أموال تجارة صادرة عن تراض منكم وطيب نفس جائزة بينكم ولكم أن تأكلوها، أو لكن كون تجارة عن تراض منكم حلالاً لكم لأن التجارة ليست من جنس أكل المال بالباطل، ولأن الاستثناء وقع على الكون، والكون معنى من المعاني ليس مالاً من الأموال، فكان إلا هنا بمعنى لكن. وقوله عن تراض صفة لتجارة أي كائنة عن تراض، وإنما نص الله

سبحانه على التجارة دون سائر أنواع المعاوضات كالهبة والصدقة لكونها أكثرها وأغلبها، ولأن أسباب الرزق متعلقة بها غالباً، ولأنها أرفق بذوي المروآت بخلاف الإيهاب وطلب الصدقات. وتطلق التجارة على جزاء الأعمال من الله على وجه المجاز، ومنه قوله تعالى (هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم) وقوله تعالى (يرجون تجارة لن تبور). واختلف العلماء في التراضي فقالت طائفة تمام وجوده بافتراق الأبدان بعد عقد البيع أو بأن يقول أحدهما لصاحبه اختر، وإليه ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي والثوري والليث وابن عيينة وإسحق وغيرهم، وقال مالك وأبو حنيفة: تمام البيع هو أن يعقد البيع بالألسنة فيرتفع بذلك الخيار. وأجابوا عن الحديث بما لا طائل تحته. وقرىء تجارة بالرفع على أن كان تامة وبالنصب على أنها ناقصة. وروى الطبراني وابن أبي حاتم قال السيوطي بسند صحيح عن ابن مسعود قال: إنها يعني هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة. وعن عكرمة والحسن قالا: كان الرجل يتحرج أن يأكل عقد أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية فنسخ ذلك الآية التي في النور (ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم) الآية. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما البيع عن تراض " (¬1). ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 2319.

(ولا تقتلوا أنفسكم) أي لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضاً إلا بسبب أثبته الشرع، وإنما قال أنفسكم لأنهم أهل دين واحد فهم كنفس واحدة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في حجة الوداع: ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض (¬1). وقيل إن هذا نهي للإنسان عن قتل نفسه بارتكاب ما يؤدي إلى هلاكها، أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من تردّى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجَّأ بها في بطنه أي يضرب بها نفسه في نار جهنم مخلداً فيها أبداً (¬2)، وفي الباب أحاديث. أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي يعني لا يفعل شيئاً يستحق به القتل مثل أن يقتل فيقتل به فيكون هو الذي تسبب في قتل نفسه بكسب الجريمة، وقيل لا تقتلوا بأكل المال بالباطل وقيل لا تهلكوا أنفسكم بأن تعملوا عملاً ربما أدى إلى قتلها، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزوة ذات السلاسل فقرر النبي صلى الله عليه وآله وسلم احتجاجه، وهو في مسند أحمد وسنن أبي داود وغيرهما. (إنّ الله كان بكم رحيماً) ومن رحمته بكم أن نهاكم عن كل شيء تستوجبون به مشقة أو محنة، وقيل إن الله تعالى أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم ليكون ذلك توبة لهم، وكان بكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم رحيماً حيث لم يكلفكم تلك التكاليف الصعبة. ¬

(¬1) مسلم 66 - البخاري 894. (¬2) مسلم 109 - البخاري 721.

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيمًا (31)

30

(ومن يفعل ذلك) أي القتل خاصّة أو أكل أموال الناس باطلاً، وقيل هو إشارة إلى كل ما نهى عنه في هذه السورة، وقال ابن جرير: إنه عائد على ما نهى عنه من آخر وعيد وهو قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً) لأن كل ما نهى عنه من أول السورة، قرن به وعيد إلا من قوله (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم) فإنه لا وعيد بعده إلا قوله ذلك. (عدواناً) على الغير (وظلماً) على النفس لا جهلاً ونسياناً وسفهاً، وعلى هذا لا يرد أنه كيف قدم الأخص على الأعم إذ التجاوز عن العدل جور ثم طغيان ثم تعدّ، والكل ظلم، والعدوان تجاوز الحد. والظلم وضع الشيء في غير موضعه، وقيل إن معنى العدوان والظلم واحد، وتكريره لقصد التأكيد إلا أن يقال إن العطف باعتبار التغاير في المفهوم كما تقدم، وخرج بقيد العدوان والظلم ما كان من القتل بحق، كالقصاص وقتل المرتد وسائر الحدود الشرعية وكذلك القتل الخطأ. (فسوف نصليه) أي ندخله في الآخرة (ناراً) عظيمة يحترق فيها، وقرىء نصليه بفتح النون وهو على هذا منقول من صلى ومنه شاة مصلية (وكان ذلك) أي إصلاؤه النار (على الله يسيراً) هيناً لأنه لا يعجزه شيء.

31

(إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) أي الذنوب التي نهاكم الله عنها، وفي الكلام حذف أي وتفعلوا الطاعات (نكفِّر عنكم) أصل التكفير الستر والتغطية، وفي الشرع إماطة المستحق من العقاب بثواب أزيد أو بتوبة أي نغفر

لكم (سيآتكم) أي ذنوبكم التي هي صغائر، فالتكفير ليس مرتباً على الاجتناب وحده. وحملُ السيئآت على الصغائر هنا متعينّ لذكر الكبائر قبلها. وجعل اجتنابها شرط لتكفير السيئآت: واجتناب الشيء المباعدة عنه وتركه جانباً، والكبيرة ما كبر وعظم من الذنوب وعظمت عقوبته. وقد اختلف أهل الأصول في تحقيق معنى الكبائر ثم في عددها فأما في تحقيقها فقيل: إن الذنوب كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها كما يقال الزنا صغيرة بالإضافة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالإضافة إلى الزنا، وقد روى نحو هذا عن الإسفرايني والجويني والقشيري وغيرهم. قالوا المراد بالكبائر التي يكون اجتنابها سبباً لتكفير السيآت هي الشرك، واستدلوا على ذلك بقراءة من قرأ إن تجتنبوا كبير ما تنهون عنه، وعلى قراءة الجمع فالمراد أجناس الكفر واستدلوا على ما قالوه بقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قالوا فهذه الآية مقيدة لقوله إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه. وقال ابن عباس: الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، وقال ابن مسعود: الكبائر ما نهى الله عنه في هذه السورة إلى ثلاث وثلاثين آية، قال سعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار فهو كبيرة. وقال جماعة من أهل الأصول الكبائر كل ذنب رتّب الله عليه الحد أو صرح بالوعيد فيه وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره، وقد ذكر الشوكاني جُلّ ذلك في نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار، وقد ذكر رضي الله عنه في إرشاد الفحول من النصوص عليها فوق الثلاثين.

وأما الأختلاف في عددها فقيل إنها سبع وقيل سبعون وقيل سبعمائة وقيل غير منحصرة ولكن بعضها أكبر من بعض، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا وما هي يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (¬1). وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس وقال ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت (¬2). وفي لفظ عند البخاري عن ابن عمرو عنه صلى الله عليه وآله وسلم واليمين الغموس. وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه، قالوا وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه (¬3). وعن ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندّاً، وهو خلقك، قلت إن ذلك لعظيم (¬4) ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك، أخرجه البخاري والأحاديث في تعداد الكبائر وتعيينها ¬

(¬1) مسلم 89 - البخاري 1325. (¬2) مسلم 87 - البخاري 1291. (¬3) مسلم 90 - البخاري 2310. (¬4) البخاري كتاب التفسير سورة 2.

كثيرة جداً فمن رام الوقوف على ما ورد في ذلك فعليه بكتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر فإنه قد جمع فأوعى. وقد ثبت من الأدلة المتقدمة أن من الذنوب كبائر وصغائر، وإليه ذهب الجمهور. واعلم أنه لا بد من تقييد ما في هذه الآية من تكفير السيآت بمجرد اجتناب الكبائر بما أخرجه النسائي وابن ماجه وابن جرير وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة وأبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلس على المنبر ثم قال " والذي نفسي بيده ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويؤدي الزكاة ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يوم القيامة حتى إنها لتصفّق، ثم تلا هذه الآية (¬1). وعن ابن مسعود قال إن في سورة النساء خمس آيات ما يسرني أن لي بها الدنيا وما فيها، لقد علمت أن العلماء إذا مروا بها يعرفونها، قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية وقوله تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) الآية وقوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء،) وقوله تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك) الآية وقوله تعالى (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه) الآية. (وندخلكم مدخلاً كريماً) يعني حسناً شريفاً مرضياً أي مدخلاً تكرمون فيه، والمراد بالمدخل بضم الميم وفتحها كما قرىء بهما في الآية مكان الدخول وهو الجنة ويجوز أن يكون مصدراً. ¬

(¬1) المستدرك كتاب الصلاة 1/ 200.

32

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32) (ولا تتمنّوا ما فضّل الله به بعضكم على بعض) التمني نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي، فنهى الله سبحانه المؤمنين عن التمني لأن فيه تعلق البال ونسيان الآجال، قاله القرطبي، وفيه النهي عن أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره من الناس عليه، فإن ذلك نوع من عدم الرضا بالقسمة التي قسمها الله بين عباده على مقتضى إرادته وحكمته البالغة، وفيه أيضاً نوع من الحسد المنهي عنه إذا صحبه إرادة زوال تلك النعمة عن الغير. وعبارة القرطبي فيدخل فيه أن يتمنى الرجل حال الآخر من دين أو دنيا على أن يذهب ما عند الآخر، وهذا هو الحسد بعينه، وهو الذي ذمه الله تعالى أيضاً، ويدخل فيه خطبة الرجل على خطبة أخيه وبيعه على بيعه لأنه داعية إلى الحسد والمقت انتهى. قد اختلف العلماء في الغبطة هل تجوز أم لا؟ وهي أن يكون له حال مثل حال صاحبه من دون أن يتمنى زوال ذلك الحال عن صاحبه فذهب الجمهور إلى جواز ذلك، واستدلوا بالحديث الصحيح: " لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار، وقد بوّب عليه البخارى باب الاغتباط في العلم والحكم (¬1). ¬

(¬1) مسلم 716 - البخاري 9/ 65.

وعموم لفظ الآية يقتضي تحريم تمني ما وقع به التفضيل سواء كان مصحوباً بما يصير به من جنس الحسد أم لا، وما ورد في السنة من جواز ذلك في أمور معينة يكون مخصصاً لهذا العموم، ومن الناس من منع من الغبطة أيضاً كالإمام مالك قال لأن تلك النعمة ربما كانت مفسدة في حقه في الدين أو الدنيا. ونحوه قال الحسن: وسبب نزول الآية ما قال قتادة أن النساء قلن لو جعل أنصباؤنا في الميراث كأنصباء الرجال، وقال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (للرّجال نصيب ممّا اكتسبوا وللنساء نصيب ممّا اكتسبن) فيه تخصيص بعد التعميم، ورجوع إلى ما يتضمنه سبب نزول الآية من أن أم سلمة قالت: يا رسول الله تغزو الرجال ولا نغزو ولا نقاتل فنستشهد، وإنما لنا نصف الميراث فنزلت، أخرجه عبد الرزاق وابن منصور وابن حميد والترمذي والحاكم والبيهقي وابن جرير وابن المنذر وغيرهم. وقد روي نحو هذا السبب من طرق بألفاظ مختلفة (¬1). والمعنى في الآية أن الله جعل لكل من الفريقين نصيباً على حسب ما تقتضيه إرادته وحكمته، وعبّر عن ذلك المجهول لكل فريق من فريقي النساء والرجال بالنصيب مما اكتسبوا على طريق الإستعارة التبعية، شبه اقتضاء حال كل فريق لنصيبه باكتسابه إياه. قال قتادة: للرجال نصيب مما اكتسبوا من الثواب والعقاب، وللنساء كذلك، وللمرأة الجزاء على الحسنة بعشر أمثالها كما للرجال، وقال ابن عباس: المراد بذلك الميراث والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة للذكر مثل حظّ ¬

(¬1) زاد المسير 68.

الأنثيين، فنهى الله عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد لأن الله أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم (¬1). (واسألوا الله من فضله) هذا الأمر يدل على وجوب سؤال الله سبحانه كما قاله جماعة من أهل العلم، وعن مجاهد قال: ليس بعرض الدنيا، وعن سعيد بن جبير قال: العبادة ليس من أمر الدنيا، وأخرج الترمذي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل " (¬2) قال ابن عباس: الفضل الرزق. وقيل الفضل خزائن نعمه التي لا نفاذ لها (إن الله كان بكل شيء عليماً) أي بما يكون صلاحاً للسائلين فليقتصر السائل على المجمل في الطلب. ¬

(¬1) رواه الترمذي وفي رواية " فإنه يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج ". وروى ابن ماجه عن أبي هريرة من لم يسأل الله غضب عليه. (¬2) رواه الإمام أحمد في " المسند " 6/ 322 والترمذي 2/ 127 والحاكم 2/ 305، عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أم سلمة. قال الحاكم: هذا حديث على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة، ووافقه الذهبي على تصحيحه. قال الشيخ أحمد شاكر: وأما حكم الترمذي في روايته من طريق ابن عيينة بأنه حديث مرسل، فانه جزم بلا دليل، ومجاهد أدرك أم سلمة يقيناً وعاصرها. فإنه ولد سنة 21، وأم سلمة ماتت بعد سنة 60 على اليقين، والمعاصرة من الراوي الثقة تحمل على الاتصال إلا أن يكون الراوي مدلساً، ولم يزعم أحد أن مجاهداً مدلس إلا كلمة قالها القطب الحلبي في " شرح البخاري " حكاها عنه الحافظ في " التهذيب " 10/ 44، ثم عقب عليها بقوله: ولم أر من نسبه إلى التدليس. وقال الحافظ أيضاً في " الفتح ": 6/ 194 رداً على من زعم أن مجاهداً لم يسمع من عبد الله ابن عمرو: لكن سماع مجاهد من عبد الله بن عمرو ثابت وليس بمدلس. قال ابن كثير: وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، قال: ولا يتمنى الرجل فيقول: ليت أن لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله. وقال الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء والضحاك نحو هذا، وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في صحيح البخاري 9/ 65 " لا حسد إلا من اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثله " فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني وعين نعمة هذا.

33

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33) (ولكلّ) من الرجال والنساء مفعول ثان قدم لتأكيد الشمول (جعلنا موالي) يلون ميراثهم وهو جمع مولى يطلق على المعتق والمعتق والناصر وابن العم والجار، والمراد هنا العصبة أي ولكل أحد جعلنا عصبة يرثون ما أبقت الفرائض، فلا حق للحليف فيها وهم يرثون (مما ترك الوالدان والأقربون) من ميراثهم وهم الموروثون وقيل هم الوارثون، والأول أولى لأنه مروي عن ابن عباس وغيره. وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي ليتبع كل واحد ما قسم الله له من الميراث ولا يتمنّى ما فضّل الله به غيره عليه، وقد قيل إن هذه الآية منسوخة لقوله تعالى بعدها (والذين عقدت أيمانكم) وقيل العكس كما روى ذلك ابن جرير، وذهب الجمهور إلى أن الناسخ لقوله تعالى (والذين عقدت أيمانكم) قوله تعالى (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض). (والذين عقدت أيمانكم) أي الحلفاء الذين عاهدتموهم في الجاهلية على النصر والإرث فالمراد به موالي الموالاة فقد كان الرجل من أهل الجاهلية يعاقد الرجل أي يحالفه فيستحق من ميراثه نصيباً، ثم ثبت في صدر الإسلام بهذه الآية ثم نسخ بقوله (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض) وهذا أحد قولين في معنى الآية. والآخر ما أخرج البخاري وأبو داود والنسائي عن ابن عباس ولكل جعلنا موالي ورثة والذين عقدت أيمانكم، قال المهاجرون: لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فلما

نزلت (ولكلّ جعلنا موالي) نسخت ثم قال (والذين عقدت أيمانكم (¬1)) (فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له، وفي الباب أحاديث بطرق وألفاظ، وفي الجلالين نصيبهم حظوظهم من الميراث وهو السدس وهو منسوخ كما تقدم، وقرىء عقّدت بتشديد القاف على التكثير أي والذين عقّدت لهم أيمانكم الحلف أو عقّدت عهودهم أيمانكم والتقدير على قراءة الجمهور والذين عاقدتهم أيمانكم، والأيمان جمع يمين يحتمل أن يراد به القسم أو اليد أو هما جميعاً، ونسبة المعاقدة أو العقد إلى الأيمان مجاز، وقيل التقدير عقدت ذوو أيمانكم والمعاقدة المحالفة والمعاهدة (¬2). (إن الله كان على كل شيء شهيداً) قال عطاء: يريد أنه لم يغب عنه علم ما خلق وبرأ، فعلى هذا الشهيد بمعنى الشاهد والمراد منه علمه بجميع الأشياء، وقيل الشهيد هو الشاهد على الخلق يوم القيامة بكل ما عملوه، فعلى هذا الشاهد بمعنى الخبر وفيه وعد للطائعين ووعيد للعصاة المخالفين. ¬

(¬1) أخرجه البخاري 8/ 186، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم، والبيهقي في " سننه " عن ابن عباس، وتمام الحديث: " فلما نزلت: ولكل جعلنا موالي " نسخت، ثم قال: " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. (¬2) وروى مسلم في " صحيحه " 4/ 1961، والإمام أحمد في " المسند " 4/ 83، وأبو داود وابن جرير، والنسائي، عن جبير بن مطعم، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " قال القرطبي في " المفهم " معنى: لا حلف، لا يتحالف أهل الإسلام كما كان أهل الجاهلية، كانوا يتحالفون، وذلك أن المتحالفين كانا يتناصران في كل شيء فيمنع الرجل حليفه وإن كان ظالماً، ويقوم دونه، ويدفع عنه بكل ممكن حتى يمنع الحقوق، وينتصر به على الظلم والفساد، ولما جاء الشرع بالانتصاف من الظالم، وأنه يؤخذ ما عليه من الحق لا يمنعه أحد من ذلك، وحد الحدود، وبين الأحكام؛ أبطل ما كانت الجاهلية عليه من ذلك.

34

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) (الرجال قوّامون) مسلطون (على النساء) كلام مستأنف سيق لبيان سبب استحقاق الرجال الزيادة في الميراث تفصيلاً إثر بيان تفاوت استحقاقهم إجمالاً، وعلل ذلك بأمرين (أولهما) وهبي والثاني كسبي، والمعنى أنهم يقومون بالذب عنهن كما يقوم الحكام والأمراء بالذب عن الرعية، وهم أيضاً يقومون بما يحتجن إليه من النفقة والكسوة والمسكن. وجاء بصيغة المبالغة لتدلّ على أصالتها في هذا الأمر، وهو جمع قوّام وهو القائم بالمصالح والتدبير والتأديب، يشير به إلى أن المراد قيام الولاة على الرعايا قال ابن عباس: أمّروا عليهن فعلى المرأة أن تطيع زوجها في طاعة الله. (بما) الباء سببية وما مصدرية (فضّل الله) والضمير في قوله (بعضهم على بعض) للرجال والنساء أي إنما استحقوا هذه المزيّة لتفضيل الله إياهم عليهن بما فضلهم به من كون فيهم الأنبياء والخلفاء والسلاطين والحكام والأئمة والغزاة، وزيادة العقل والدين والشهادة والجمعة والجماعات، وأن الرجل يتزوج بأربع نسوة ولا يجوز للمرأة غير زوج واحد، وزيادة النصيب والتعصيب في الميراث، وبيده الطلاق والنكاح والرجعة وإليه الانتساب، وغير ذلك من الأمور، فكل هذا يدل على فضل الرجال على النساء.

(وبما أنفقوا) أي وبسبب الإنفاق وبما دفعوه في مهورهن (من أموالهم) وكذلك ما ينفقونه في الجهاد وما يلزمهم في العقل والدية، وقد استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على جواز فسخ النكاح إذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها، وبه قال مالك والشافعي وغيرهما. (فالصالحات) أي المحسنات العاملات بالخير من النساء (قانتات) أي مطيعات لله قائمات بما يجب عليهن من حقوق الله وحقوق أزواجهن (حافظات للغيب) لما يجب حفظه عقد غيبة أزواجهن عنهن من حفظ نفوسهن وفروجهن وحفظ أموالهن. و" ما " في قوله (بما حفظ الله) مصدرية أي بحفظ الله إياهن ومعونته وتسديده أو حافظات له بما استحفظهن من أداء الأمانة إلى أزواجهن على الوجه الذي أمر الله به، أو حافظات له بحفظ الله لهن بما أوصى به الأزواج في شأنهن من حسن العشرة. وقريء بما حفظ الله بنصب الاسم الشريف والمعنى بما حفظن أمر الله أو دينه فحذف الضمير الراجع إليهن للعلم به، وما على هذه القراءة مصدرية أو موصولة كالقراءة الأولى، أي بحفظهن الله أو بالذي حفظن الله به وقال السدي: تحفظ على زوجها ماله وفرجها حتى يرجع كما أمرها الله. (واللاتي تخافون نشوزهنّ) هذا خطاب للأزواج، قيل الخوف هنا على بابه وهو حالة تحدث في القلب عقد حدوث أمر مكروه أو عقد ظن حدوثه، وقيل المراد بالخوف هنا العلم، والنشوز العصيان وقد تقدم بيان أصل معناه في اللغة. قال ابن فارس: يقال نشزت المرأة استصعبت على بعلها، ونشز بعلها

عليها إذا ضربها وجفاها، ودلالات النشوز تكون بالقول وبالفعل بأن رفعت صوتها عليه ولم تجبه إذا دعاهما، ولم تبادر إلى أمره إذا أمرها، أو لا تخضع له إذا خاطبها أو لا تقوم له إذا دخل عليها. (فعظوهنّ) أي ذكروهن بما أوجبه الله عليهن من الطاعة وحسن المعاشرة ورغّبوهن ورهّبوهن إذا ظهر منهن أمارات النشوز وهو أن يقول لها اتقي الله وخافيه فإن لي عليك حقاً، وارجعي عما أنت عليه، واعلمي أن طاعتي فرض عليك ونحو ذلك، فإن أصرت على ذلك هجرها في المضجع كما قال تعالى: (واهجروهن في المضاجع) يقال هجره أي تباعد منه، والمضاجع جمع مضجع وهو محلّ الاضطجاع أي تباعدوا عن مضاجعتهن ولا تدخلوهن تحت ما تجعلونه عليكم حال الاضطجاع من الثياب، وقيل هو أن يوليها ظهره عند الاضطجاع في الفراش، وقيل هو كناية عن ترك جماعها، وقيل لا تبيت معه في البيت الذي يضطجع فيه. (واضربوهن) إن لم ينزعن بالهجران ضرباً غير مبرح ولا شائن، وظاهر النظم القرآني أنه يجوز للزوج أن يفعل جميع هذه الأمور عند مخافة النشوز، وقيل حكم الآية مشروع على الترتيب وإن دلّ ظاهر العطف بالواو على الجمع لأن الترتيب مستفاد من قرينة المقام، وسوق الكلام للرفق في إصلاحهن وإدخالهن تحت الطاعة. فالأمور الثلاثة مرتبة أي لأنها لدفع الضرر كدفع الصائل فاعتبر فيها الأخف فالأخف وقيل إنه لا يهجرها إلا بعد عدم تأثير الوعظ فإن أثّر الوعظ لم ينتقل إلى الهجر، وإن كفاه الهجر لم ينتقل إلى الضرب، وقال الشافعي: الضرب مباح وتركه أفضل، وفي الجمل: إن كلاً من الهجر والضرب مقيد بعلم

النشوز، ولا يجوز بمجرد الظن. (فإن أطعنكم) كما يجب وقمن لواجب حقكم وتركن النشوز (فلا تبغوا عليهن سبيلا) أي لا تتعرضوا لهن بشيء مما يكرهن لا بقول ولا بفعل، وقيل المعنى لا تكلفوهن الحب لكم فإنه لا يدخل تحت اختيارهن (إن الله كان علياً كبيراً) إشارة إلى الأزواج بخفض الجناح ولين الجانب أي وإن كنتم تقدرون عليهن فاذكروا قدرة الله عليكم فإنها فوق كل قدرة وهو بالمرصاد لكم. عن ابن عباس قال: تلك المرأة تنشز وتستخفّ بحق زوجها ولا تطيع أمره، فأمره الله أن يعظها ويذكرها بالله ويعظم حقه عليها فإن قبلت وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد فإن رجعت وإلا ضربها ضرباً غير مبرح ولا يكسر لها عظماً ولا يجرح لها جرحاً فإن أطاعتك فلا تجني عليها العلل، وعنه قال يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع الجماع، وسئل عن ضرب غير مبرح فقال: بالسواك ونحوه. وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص أنه شهد خطبة الوداع مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيها أنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً (¬1). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال: قال رسول ¬

(¬1) الترمذي كتاب الرضاع.

الله - صلى الله عليه وسلم -: أيضرب أحدكم أمرأته كما يضرب العبد ثم يجامعها في آخر اليوم (¬1). وفي هذه دليل على أن الأولى ترك الضرب للنساء فإن احتاج فلا يوالي بالضرب على موضع واحد من بدنها وليتّق الوجه لأنه مجمع المحاسن، ولا يبلغ بالضرب عشرة أسواط، وقيل ينبغي أن يكون الضرب بالمنديل واليد، ولا يضرب بالسوط والعصا (¬2). وبالجملة فالتخفيف بأبلغ شيء أولى في هذا الباب، قيل حكم الآية مشروع على الترتيب وقيل هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز، وأما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل والأول أولى، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته أخرجه أبو داود (¬3). ¬

(¬1) ولطم رجل زوجته فاستعدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، الخبر في الأصول كلها معزو لابن عباس، وقد بحثت في كتب " التفسير " فلم أجد أحداً عزاه إليه، ولا نقله عنه، وقد ذكره ابن جرير 7/ 291 عن الحسن، وابن جريج، والسدي، وفي " الدر المنثور " 2/ 151، واخرج ابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن الحسن، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير منها طريق قتادة عن الحسن. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق جرير بن حازم، عن الحسن. وأخرج ابن مردويه عن علي قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم. (¬2) البخاري كتاب النكاح باب 93. (¬3) وذكر ابن جرير 8/ 291 عن الحسن وابن جريج والسدي، وفي الدر المنثور 2/ 151 وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر وغيرهم .. عن علي أن رجلاً لطم زوجته لطمة فاستعدت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت هذه الآية (الرجال قوامون). وروى الترمذي القرطبي 5/ 173. ورواه أبو داود/التفاح/42.

35

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35) (وإن خفتم شقاق بينهما) قد تقدم معنى الشقاق في البقرة وأصله أن كل واحد منهما يأخذ شقاً غير شق صاحبه أي ناحية غير ناحيته، وأضيف الشقاق إلى الظرف لإجرائه مجرى المفعول به كقوله تعالى (بل مكر الليل والنهار) وقولهم يا سارق الليلة أهل الدار، والضمير في بينهما للزوجين لأنه قد تقدم ذكر ما يدل عليهما وهو ذكر الرجال والنساء. (فابعثوا) إلى الزوجين برضاهما، قيل المخاطب بذلك الإمام أو نائبه لأن تنفيذ الأحكام الشرعية إليه. وقيل كل أحد من صالحي الأمة وقيل هو خطاب للزوجين (حكماً) رجلاً عدلاً (من أهله) أقاربه (وحكماً من أهلها) أي من يصلح للحكم بينهما، من يصلح لذلك عقل وديناً وانصافاً، وإنما نص الله سبحانه على أن الحكمين يكونان من أهل الزوجين لأنهما أقدر بمعرفة أحوالهما، فإذا لم يوجد الحكمان منهم كانا من غيرهم. وهذا إذا أشكل أمرهما، ولم يتبين من هو المسيء منهما فأما إذا عرف المسيء فإنه يؤخذ لصاحبه الحق منه، والبعث واجب وكون الحكمين من أهلهما مندوب. (إن يريدا إصلاحاً) أي الحكمان وقيل الزوجان والأول أولى، أي على الحكمين أن يسعيا في إصلاح ذات البين جهدهما، فإن قدرا على ذلك عملا عليه، وإن أعياهما إصلاح حالهما ورأيا التفريق بينهما جاز لهما ذلك من دون أمر من الحاكم في البلد ولا توكيل بالفرقة من الزوجين، وبه قال مالك والأوزاعي واسحق، وهو مروى عن عثمان وعلي وابن عباس والشعبي والنخعي

والشافعي، وحكاه ابن كثير عن الجمهور قالوا لأن الله تعالى قال (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) وهذا نص من الله سبحانه أنهما قاضيان لا وكيلان ولا شاهدان (¬1). وقال الكوفيون وعطاء وابن زيد والحكم وهو أحد قولي الشافعي: إن التفريق هو إلى الإمام أو الحاكم في البلد لا إليهما ما لم يوكلهما الزوجان، أو يأمرهما الإمام أو الحاكم، لأنهما رسولان شاهدان، فليس إليهما التفريق، ويرشد إلى هذا قوله إن يريدا أي الحكمان إصلاحاً يوفق الله بينهما لاقتصاره على ذكر الإصلاح دون التفريق. ومعنى إن يريدا إصلاحاً (يوفق الله بينهما) أي يوقع الألفة والموافقة بين الزوجين حتى يعودا إلى الألفة وحسن المعاشرة، ومعنى الإرادة خلوص نيتهما لصلاح الحال بين الزوجين. وقيل إن الضمير في قوله بينهما للحكمين كما في قوله (إن يريدا إصلاحاً) أي يوفق بين الحكمين في اتحاد كلمتهما وحصول مقصودهما، وقيل كلا الضميرين للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما من الشقاق أوقع الله به بينهما الألفة والوفاق. وإذا اختلف الحكمان لم ينفذ حكمهما ولا يلزم قبول قولهما بلا خلاف، وعن ابن عباس قال: بعثت أنا ومعاوية حكمين فقيل لنا إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما أن تفرقا فرقتما، والذي بعثهما عثمان. (إن الله كان عليماً خبيراً) يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المتفرقين، وفيه وعيد شديد للزوجين والحكمين إن سلكوا غير طريق الحق. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 493.

36

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (36) (واعبدوا الله) يعني وحِّدوه وأطيعوه، وعبادة الله عبارة عن كل فعل يأتي به العبد لمجرد الله ويدخل فيه جميع أعمال القلوب وأفعال الجوارح (ولا تشركوا به) العطف للتأسيس و (شيئاً) إما مفعول به أي شيئاً من الأشياء من غير فرق بين حي وميت وجماد وحيوان، وإما مصدر أي شيئاً من الإشراك من غير فرق بين الشرك الأكبر والأصغر، والواضح والخفي. (و) أحسنوا (بالوالدين إحساناً) برّاً ولين جانب، وقد دل ذكر الإحسان إليهما بعد الأمر بعبادة الله والنهي عن الإشراك به على عظم حقهما، ومثله (أن اشكر لي ولوالديك) فأمر سبحانه بأن يشكرا معه وهو أن يقوم بخدمتهما ولا يرفع صوته عليهما ويسعى في تحصيل مرادهما والإنفاق عليهما بقدر القدرة، وقد وردت أحاديث كثيرة في حقوقهما وهي معروفة. (وبذي القربى) أي صاحب القرابة وهو من يصح إطلاق اسم القربى عليه وإن كان بعيداً، وقيل ذو رحمة من قبل أمه وأبيه، وعن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " من سرّه أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه " أخرجه البخاري ومسلم (¬1)، وقد تقدم نظيره في البقرة إلا أنه هنا قال بإعادة الباء وذلك لأنها في حق هذه الأمة فالاعتناء بها أكثر، وإعادة ¬

(¬1) مسلم 2557 - البخاري 1044.

الباء تدل على زيادة التأكيد فناسب ذلك هنا بخلاف آية البقرة فإنها في حق بني إسرائيل. (واليتامى والمساكين) وقد تقدم تفسيرهم، والمعنى وأحسنوا إليهم إلى آخر ما هو مذكور في هذه الآية، إنما أمر بالإحسان إليهم لأن اليتيم مخصوص بنوعين من العجز: الصغر وعدم المشفق، والمسكين هو الذي ركبه ذل الفاقة والفقر فتمسكن لذلك. وعن سهل بن سعد قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبّابة والوسطى، وفرج بينهما شيئاً " أخرجه البخاري (¬1). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " الساعي على الأرملة والمساكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم لا يفطر " أخرجه الشيخان (¬2). (والجار ذي القربى) أي القريب منك جواره وقيل هو من له مع الجوار في الدار قُرْب في النسب أو الدين (والجار الجنب) يستوي فيه المفرد والمثنى والمجموع مذكراً كان أو مؤنثاً، قاله السمين أي المجانب وهو مقابل للجار ذي القربى والمراد من يصدق عليه مسمى الجوار مع كون داره بعيدة. وفي ذلك دليل على تعميم الجيران بالإحسان إليهم سواء كانت الديار متقاربة أو متباعدة، وعلى أن الجوار حرمة مرعية مأمور بها. وفيه ردٌّ على من يظن أن الجار مختص بالملاصق دون من بينه وبينه حائل، أو مختص بالقريب دون البعيد. ¬

(¬1) البخاري، كتاب الطلاق باب 25. (¬2) مسلم 2982 البخاري 2170.

وقيل المراد بالجار الجنب هنا هو الغريب، وقيل هو الأجنبي الذي لا قرابة بينه وبين المجاور له، وقرىء الجنب بفتح الجيم وسكون النون أي ذي الجنب وهو الناحية، وقيل المراد بالجار ذي القربى المسلم، وبالجار الجنب اليهودي والنصراني. وقد اختلف أهل العلم في المقدار الذي عليه يصدق مسمى الجوار ويثبت لصاحبه الحق فروي عن الأوزاعي والحسن أنه إلى حدّ أربعين داراً من كل ناحية وروي عن الزهري نحوه، وقيل من سمع إقامة الصلاة، وقيل إذا جمعتهما محلة وقيل من سمع النداء. والأولى أن يرجع في معنى الجار إلى الشرع فإن وجد فيه ما يقتضي بيانه وأنه يكون جار إلى حد كذا من الدور أو من مسافة الأرض، كان العمل عليه متعيناً، وإن لم يوجد رجع إلى معناه لغة أو عرفاً، ولم يأت في الشرع ما يفيد أن الجار هو الذي بينه وبين جاره مقدار كذا، ولا ورد في لغة العرب أيضاً ما يفيد ذلك، بل المراد بالجار في اللغة المجاور ويطلق على معان. قال في القاموس: الجار المجاور، والذي أجرته من أن يظلم، والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وهي جارته، وفرج المرأة وما قرب من المنازل والاست كالجارة والقاسم والحليف والناصر انتهى. قال القرطبي في تفسيره: وروى أن رجلاً جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني نزلت محلة قوم وإن أقربهم إلي جواراً أشدهم لي أذى فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر وعمر وعلياً يصيحون على أبواب المساجد ألا إن أربعين داراً جار، ولا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه أهـ.

قال الشوكاني: ولو ثبت هذا لكان مغنياً عن غيره، ولكنه رواه كما ترى من غير عزو له إلى أحد كتب الحديث المعروفة، وهو وإن كان إماماً في علم الرواية فلا تقوم الحجة بما يرويه بغير سند مذكور، ولا نقل عن كتاب مشهور، ولا سيما وهو يذكر الواهيات كثيراً كما يفعل في تذكرته انتهى. أقول هذا الحديث بلفظه أخرجه الطبراني كما ذكر في الترغيب والترهيب وروى السيوطي في الجامع الصغير " الجوار أربعون داراً " أخرجه البيهقي عن عائشة. قال المناوي في شرحه: وروي عن عائشة أوصاني جبريل بالجار إلى أربعين داراً، وكلاهما ضعيف (¬1)، والمعروف المرسل الذي أخرجه أبو داود، وهكذا نقل عن السيوطي ثم قال: ولفظ مرسل أبي داود حق الجوار أربعون داراً هكذا وهكذا، وأشار قداماً ويميناً وخلفاً. قال الزركشي: سنده صحيح. قال ابن حجر: رجاله ثقات، ورواه أبو يعلى عن أبي هريرة مرفوعاً باللفظ المذكور ولكن سنده كما قال الزركشي ضعيف، قال ابن حجر: فيه عبد السلام بن أبي الحبوب منكر الحديث انتهى. فهذا يؤيد أصل ما نقله القرطبى والله أعلم. وقد ورد في القرآن ما يدل على أن المساكنة في مدينة مجاورة، قال الله تعالى (لئن لم ينته المنافقون إلى قوله ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلاً) فجعل اجتماعهم في المدينة جواراً، وأما الأعراف في مسمى الجوار فهي تختلف باختلاف أهلها، ولا يصح حمل القرآن على أعراف متعارفة واصطلاحات متواضعة. ¬

(¬1) ولعل الحديث المروي عن أبي ذر قال: قال رسول الله،- صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك " رواه مسلم 4/ 2052.

(والصاحب بالجنب) الباء بمعنى (في) أو على بابها وهو الأولى ومعناه الملابسة أي حال كونه ملتبساً بالجنب أي بالقرب بجنبه، قيل هو الرفيق في السفر قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك، وقال علي ابن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي ليلى هو الزوجة والمرأة، وقال ابن جريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاء نفعك. وقال زيد ابن أسلم: هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر وامرأتك التي تضاجعك، ولا يبعد أن تتناول الآية جميع ما في هذه الأقوال مع زيادة عليها وهو كل من صدق عليه أنه صاحب بالجنب أي بجنبك كمن يقف بجنبك في تحصيل علم أو تعلّم صناعة أو مباشرة تجارة أو نحو ذلك، فإنه صحبك وحصل بجنبك، ومنهم من قعد في مسجد أو مجلس أو غير ذلك مع أدق صحبة بينك وبينه. (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك ماراً، والسبيل الطريق فنسب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، فالأولى تفسيره بمن هو على سفر، فإن على القيم أن يحسن إليه، وقيل هو المنقطع به في سفره للحج أو للغزو أو مطلقاً، والأظهر أن يقول المسافر من غير قيد الانقطاع، وقيل هو الضيف قاله القارىء، وقد وردت أحاديث صحيحة في إكرام الضيف وجائزته ثلاثة أيام في الصحيحين وغيرهما. (و) أحسنوا إلى (ما ملكت أيمانكم) من الأرقاء إحساناً، وهم العبيد والإماء، وقيل أعم فيشمل الحيوانات وهي غير الأرقاء أكثر في يد الإنسان منهم فغلب جانب الكثرة، وأمر الله بالإحسان إلى كل مملوك آدمي وغيره قاله القارىء، والأول أولى. وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم يطعمون مما يطعم

مالكهم، ويلبسون مما يلبس قال مجاهد: فما خوّلك الله فأحسن صحبته، كل هذا أوصى الله به، وعن مقاتل نحوه. والإحسان إليهم أن لا يكلفهم ما لا يطيقونه ولا يؤذيهم بالكلام الخشن، وأن يعطيهم من الطعام الكسوة ما يحتاجون إليه بقدر الكفاية، وعن علي بن أبي طالب قال: كان آخر كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم " (¬1) وقد ورد مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بر الوالدين وفي صلة القرابة وفي الإحسان إلى اليتامى والجار، وفي القيام بما يحتاج إليه المماليك أحاديث كثيرة قد اشتملت عليها كتب السنة لا حاجة بنا إلى بسطها هنا. وقوله (إن الله) علة لمحذوف تقديره ولا تفتخروا عليهم لأن الله (لا يحب من كان مختالاً) ذا الخيلاء وهو الكبر والتيه اسم فاعل من اختال يختال أي تكبر وأعجب بنفسه أي لا يحب من كان متكبراً تائها على الناس (فخوراً) مفتخراً عليهم، والفخر المدح للنفس والتطاول وتعديد المناقب والمحاسن. وخص هاتين الصفتين لأنهما يحملان صاحبهما على الأنفة مما ندب الله إليه في هذه الآية يعني يأنف من أقاربه الفقراء ومن جيرانه الضعفاء وغيرهم، ولا يلتفت إليهم، ومن كان متكبراً لا يقوم بحقوق الناس، وقد ورد في ذم الاختيال والكبر والفخر ما هو معروف. ¬

(¬1) روى مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " للعبد المملوك المصلح أجران " والذي نفسُ أبي هريرة بيده لولا الجهاد في سبيل الله والحج وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك. وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين ".

37

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (37) (الذين يبخلون) البخل المذموم في الشرع هو الامتناع من أداء ما أوجب الله، وهؤلاء المذكورون في هذه الآية ضموا إلى ما وقعوا فيه من البخل الذي هو أشر خصال الشر، ما هو أقبح منه وأدل على سقوط نفس فاعله وبلوغه في الرذالة إلى غايتها (و) هو أنهم مع بخلهم بأموالهم وبما منحوا به وكتمهم لما أنعم الله به عليهم من فضله (يأمرون الناس بالبخل) كأنهم يجدون في صدورهم من جود غيرهم بماله حرجاً ومضاضة، فلا كثر الله في عباده من أمثالكم. هذه أموالكم قد بخلتم بها لكونكم تظنون انتقاصها بإخراج بعضها في مواضعه فما بالكم بخلتم بأموال غيركم مع أنه لا يلحقكم في ذلك ضرر، وهل هذا إلا غاية اللؤم ونهاية الحمق والرقاعة وقبح الطباع وسوء الأختيار، وقد قيل إن المراد بهذه الآية اليهود فإنهم جمعوا بين الإختيال والفخر والبخل بالمال، وكتمان ما أنزل الله في التوراة، وفي البخل أربع لغات فتح الباء والخاء وضمهما وفتح الباء مع سكون الخاء وضم الباء مع سكون الخاء وقرىء بها جميعاً، وقرأ الجمهور بالأخيرة. (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) من صفة محمد أو من العلم أو الغنى، قيل المراد بها المنافقون ولا يخفى أن اللفظ أوسع من ذلك وأكثر شمولاً وأعم فائدة (وأعتدنا للكافرين) يعني الجاحدين لنعمة الله عليهم (عذاباً مهيناً) في الآخرة، وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق " أخرجه الترمذي واستغربه.

38

وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (38) (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) عطف على قوله (الذين يبخلون) ووجه ذلك أن الأولين قد فرطوا بالبخل وبأمر الناس به وبكتم ما آتاهم الله من فضله، وهؤلاء أفرطوا ببذل أموالهم في غير مواضعها لمجرد الرياء والسمعة، وليقال ما أسخاهم وما أجودهم كما يفعله من يريد أن يتسامع الناس بأنه كريم، ويتطاول على غيره بذلك ويشمخ بأنفه عليه، مع ما ضم إلى هذا الإنفاق الذي يعود عليه بالضرر من عدم الإيمان بالله واليوم الآخر أي لا يصدقون بتوحيد الله ولا بالمعاد الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن. وكررت لا وكذلك الباء إشعاراً بأن الإيمان بكل منهما منتف على حد، قيل نزلت في اليهود، وقيل في المنافقين، وقيل في مشركي مكة. (ومن يكن الشيطان له قريناً) في الكلام إضمار والتقدير ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فقرينهم الشيطان، ومن يكن الخ، والقرين المقارن وهو الصاحب والخليل فعيل بمعنى مفاعل كالخليط والجليس، والقرين الحبل لأنه يقرن به بين البعيرين، والمعنى من قبل من الشيطان في الدنيا فقد قارنه فيها أو فهو قرينه في النار (فساء) الشيطان (قريناً) وبئس الصاحب وبئس الخليل هو. وفيه تقريع لهم على طاعة الشيطان، وقيل هذا في الآخرة يجعل الله الشياطين قرناءهم في النار يقرن مع كل كافر شيطان في سلسلة من النار، والأول أولى وألصق بظاهر الآية.

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39) إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)

39

(وماذا عليهم) أي على هذه الطوائف (لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله) ابتغاء لوجهه وامتثالاً لأمره، أي وماذا يكون عليهم من ضرر ووبال لو فعلوا ذلك (وكان الله بهم عليماً) فيه وعيد لهم وتهديد وتوبيخ على الجهل بمكان المنفعة.

40

(إنّ الله لا يظلم مثقال) مفعال من الثقل كالمقدار من القدر أي لا يظلم شيئاً مقدار (ذرة) واحدة الذرّ وهي النمل الصغار، وقيل رأس النملة، وقيل الخردلة، وقيل كل جزء من أجزاء الهباء الذي يظهر فيما يدخل من الشمس من كوّة أو غيرها ذرة، والأول هو المعنى اللغوي الذي يجب حمل القرآن عليه. والمراد من هذا الكلام أن الله لا يظلم كثيراً ولا قليلاً أي لا يبخسهم من ثواب أعمالهم ولا يزيد في عقاب ذنوبهم وزن ذرة فضلاً عما فوقها، ومناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة. (وإن تك حسنة) قرأ أهل الحجاز بالرفع أي أن توجد حسنة على أن كان هي التامة لا الناقصة، وقرأ من عداهم بالنصب أي إن تك فعلته حسنة وحذفت منه النون من غير قياس تشبيهاً بحرف العلة وتخفيفاً لكثرة الاستعمال.

وقال الزجاج: الأصل في (تك) تكون فسقطت الضمة للجزم والواو لسكونها وسكون النون، وسقوط النون لكثرة الاستعمال تشبيهاً بحروف اللين لأنها ساكنة فحذفت استخفافاً، وقيل إن التقدير إن يك مثقال الذرة حسنة (يضاعفها) أنث ضمير المثقال لكونه مضافاً إلى المؤنث، والأول أولى. وقرأ الحسن (نضاعفها) بالنون والباقون بالياء وهي الأرجح، وقد تقدم الكلام في المضاعفة والمراد مضاعفة ثواب الحسنة لأن مضاعفة نفس الحسنة بأن تجعل الصلاة الواحدة صلاتين مما لا يعقل. عن سعيد بن جبير: وإن يك حسنة وزن ذرة زادت على سيآته يضاعفها، فأما المشرك فيخفف بها عنه العذاب ولا يخرج من النار أبداً، قال قتادة: لأن تفضل حسناتي على سيآتي بمثقال ذرة أحب إلي من الدنيا وما فيها، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها وهذا عند الحساب. (ويؤت) أي يعط صاحبها (من لدنه) أي من عقده على نهج التفضل زائداً على ما وعده في مقابلة العمل (أجراً عظيماً) يعني الجنة، قال أبو هريرة: إذا قال الله أجراً عظيماً فمن يقدر قدره.

41

(فكيف) يكون حال هؤلاء الكفار من اليهود والنصارى والمشركين والمنافقين أو حال كفار قريش خاصة يوم القيامة؛ هذا الاستفهام معناه التوبيخ والتقريع (إذا جئنا من كل أمة بشهيد) قال ابن عباس: إنه يؤتى بنبي كل أمة يشهد عليها ولها (وجئنا بك على هؤلاء) أي الأنبياء أو جميع الأمم أو المنافقين أو المشركين، وقيل على المؤمنين (شهيداً). عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اقرأ عليّ القرآن قلت: يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: نعم إني أحب

أن أسمعه من غيري، فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) قال حسبك الآن، فإذا عيناه تذرفان، أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري وأخرجه الحاكم وصحّحه من حديث عمرو بن حريث (¬1). ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في مسنده 3550 والبخاري 9/ 81 عن عبد الله بن مسعود. وفي رواية رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي فرأيت دموعه تسيل وهذا لفظ مسلم 1/ 551 والمستدرك 3/ 319.

42

(يومئذ يودّ الذين كفروا وعصوا الرسول) فيما أمرهم به من التوحيد (لو تسوّى بهم الأرض) وقرىء تسوى بفتح التاء وتشديد السين وبفتحها وتخفيف السين أي أن الأرض هي التي تسوى بهم أي أنهم تمنوا لو انفتحت لهم الأرض فساخوا فيها، وقيل بهم بمعنى عليهم، وعلى القراءة الأولى أي بالبناء للمفعول معناه لو سوى الله بهم الأرض فيجعلهم والأرض سواء حتى لا يبعثوا. (ولا يكتمون الله حديثاً) أي أنهم لا يقدرون على الكتم في مواطن دون مواطن، قال ابن عباس لا يكتمون أي بجوارحهم ولا يقدرون على ذلك يعني تشهد عليهم الجوارح والأعضاء والزمان والمكان فلم يستطيعوا الكتمان، قال الزجاج: هذا كلام مستأنف لأن ما عملوه ظاهر عقد الله لا يقدرون على كتمانه، وقال بعضهم: المعنى يودون أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا حديثاً لأنه ظهر كذبهم.

43

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43) (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) جعل الخطاب خاصاً بالمؤمنين لأنهم الذين كانوا يقربون الصلاة حال السكر، وأما الكفار فهم لا يقربونها سكارى ولا غير سكارى، قال أهل اللغة: إذا قيل لا تقرب بفتح الراء كان معناه لا تتلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن منه. والمراد هنا النهي عن التلبس بالصلاة وغشيانها، وبه قال جماعة من المفسرين، وإليه ذهب أبو حنيفة، وقال آخرون المراد مواضع الصلاة وبه قال الشافعي، وعلى هذا فلا بد من تقدير مضاف، ويقوّي هذا قوله (ولا جنباً إلا عابري سبيل). وقالت طائفة: المراد الصلاة ومواضعها معاً لأنهم كانوا حينئذ لا يأتون المسجد إلا للصلاة ولا يصلون إلا مجتمعين، فكانا متلازمين، وسكارى جمع سكران مثل كسالى جمع كسلان، وقرىء سكرى بالفتح وهو تكسير سكران، وقرأ الأعمش: سكرى كحبلى. والسكر لغة السدّ، ومنه قيل لما يعرض للمرء من شرب المسكر لأنه يسد ما بين المرء وعقله وأكثر ما يقال السكر لإزالة العقل بالمسكر، وقد يقال ذلك لإزالته بغضب ونحوه من عشق وغيره، والسكر بالفتح وسكون الكاف حبس الماء وبالكسر نفس الموضع المسدود، وأما السكر بفتحهما فما يسكر به من

المشروب، ومنه (سكراً ورزقاً حسناً) وقد ذهب العلماء كافة إلى أن المراد بالسكر هنا سكر الخمر إلا الضحاك فإنه قال سكر النوم، وقال ابن عباس: النعاس، وسيأتي بيان سبب نزول الآية وبه يندفع ما يخالف الصواب من هذه الأقوال. (حتى تعلموا ما تقولون) هذا غاية النهي عن قربان الصلاة في حال السكر أي حتى يزول عنكم أثر السكر وتعلموا ما تقولونه وتصحوا وتفيقوا من السكر. فإن السكران لا يعلم ما يقوله. وقد تمسك بهذا من قال إن طلاق السكران لا يقع، لأنه إذا لم يعلم ما يقوله انتفى القصد، وبه قال عثمان بن عفان وابن عباس وطاوس وعطاء والقاسم وربيعة وهو قول الليث بن سعد وإسحق وأبي ثور والمزني واختاره الطحاوي وقال: أجمع العلماء على أن طلاق المعتوه لا يجوز والسكران معتوه كالموسوس. وأجازت طائفة وقوع طلاقه وهو محكي عن عمر بن الخطاب ومعاوية وجماعة من التابعين، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. واختلف قول الشافعي في ذلك. وقال مالك: يلزمه الطلاق والقود في الجراح والقتل ولا يلزمه النكاح والبيع. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسّنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والضياء في المختارة عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا وحضرت الصالاة فقدموني فقرأت قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله هذه الآية، وأخرج ابن جرير وابن المنذر أن الذي صلّى بهم عبد الرحمن. وروى بألفاظ من طرق (¬1). ¬

(¬1) أخرجه أبو داود 3/ 445 والترمذي 2/ 128 وابن جرير 8/ 376 والإمام أحمد 1/ 379.

(ولا جنباً إلا عابري سبيل) الجنب لا يؤنّث ولا يثنّى ولا يجمع لأنه ملحق بالمصدر كالبعد والقرب، قال الفراء: جنب الرجل وأجنب من الجنابة وهو المشهور في اللغة والفصيح وبه جاء القرآن، وقيل يجمع الجنب في لغة على أجناب مثل عنق وأعناق وطنب وأطناب. والمعنى جنباً بإيلاج وإنزال ونصبه على الحال، والاستثناء مفرغ أي لا تقربوها في حال من الأحوال إلا في حال عبور السبيل، والمراد به هنا السفر، فإنه يجوز لكم أن تصلوا بالتيمم. وهذا قول علي وابن عباس وابن جبير ومجاهد والحكم وغيرهم قالوا: لا يصح لأحد أن يقرب الصلاة وهو جنب إلا بعد الاغتسال إلا المسافر فإنه يتيمّم، لأن الماء قد يعدم في السفر لا في الحضر، فإن الغالب أنه لا يعدم. وقال ابن مسعود وعكرمة، والنخعي وعمرو بن دينار ومالك والشافعي: " عابر السبيل " هو المجتاز في المسجد وهو مروي عن ابن عباس، فيكون معنى الآية على هذا لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد في حال الجنابة إلا أن تكونوا مجتازين فيها من جانب إلى جانب. وفي القول الأول قوة من جهة كون الصلاة فيه باقية على معناها الحقيقي، وضعف من جهة ما في حمل عابر السبيل على المسافر، وأن معناه أنه يقرب الصلاة عند عدم الماء بالتيمم، فإن هذا الحكم يكون في الحاضر إذا عدم الماء كما يكون في المسافر. وفي القول الثاني قوة من جهة عدم التكلف في معنى قوله (إلا عابري سبيل) وضعف من جهة حمل الصلاة على مواضعها. وبالجملة فالحال الأولى أعني قوله (وأنتم سكارى) تقوي بقاء الصلاة

على معناها الحقيقي من دون تقدير مضاف؛ وسبب نزول الآية كما سبق يقوّي ذلك، وقوله (إلا عابري سبيل) يقوي تقدير المضاف أي لا تقربوا مواضع الصلاة. ويمكن أن يقال إن بعض قيود النهي أعني لا تقربوا وهو قوله (وأنتم سكارى) يدل على أن المراد بالصلاة معناها الحقيقي، وبعض قيود النهي وهو قوله (إلا عابري سبيل) يدل على أن المراد مواضع الصلاة، ولا مانع من اعتبار كل واحد منهما مع قيده الدال عليه ويكون ذلك بمنزلة نهيين مقيّد كل واحد منهما بقيد وهما لا تقربوا الصلاة التي هي ذات الأذكار والأركان وأنتم سكارى ولا تقربوا مواضع الصلاة حال كونكم جنباً إلا حال عبوركم المسجد من جانب إلى جانب. وغاية ما يقال في هذا أنه من الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو جائز بتأويل مشهور، وقال ابن جرير بعد حكايته للقولين: والأولى قول من قال: (ولا جنباً إلا عابري سبيل) إلا مجتازي طريق فيه، وذلك أنه قد بين حكم المسافر إذا عدم الماء وهو جنب في قوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) الآية فكان معلوماً بذلك أي أن قوله (ولا جنباً إلا عابري سبيل) لو كان معنيّاً به المسافر لم يكن لإعادة ذكره في قوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) معنى مفهوم، وقد مضى ذكر حكمه قبل ذلك. فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا المساجد للصلاة مصلين فيها وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا تقربوها أيضاً جنباً حتى تغتسلوا إلا عابري سبيل، قال: وعابر السبيل المجتاز مرّاً وقطعاً، يقال منه عبرت هذا الطريق فأنا أعبره عبراً وعبوراً ومنه قيل عبر فلان النهر إذا قطعه وجاوزه ومنه قيل للناقة القوية هي عبر أسفار لقوتها على قطع الأسفار.

قال ابن كثير: وهذا الذي نصره يعني ابن جرير هو قول الجمهور، وهو الظاهر من الآية انتهى (¬1). (حتى تغتسلوا) غاية للنهي عن قربان الصلاة أو مواضعها حال الجنابة، والمعنى لا تقربوها حال الجنابة حتى تغتسلوا إلا حال عبوركم السبيل، وعن علي قال نزلت في المسافر تصيبه الجنابة فيتيمم ويصلي، وقال ابن عباس إن لم تجدوا الماء فقد أحللت أن تمسحوا بالأرض، وعن مجاهد قال لا يمر الجنب ولا الحائض في المسجد، وإنما أنزلت (ولا جنباً إلا عابري سبيل) للمسافر يتيمم ثم يصلي. (وإن كنتم مرضى) المرض عبارة عن خروج البدن عن حد الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ، وهو على ضربين: كبير ويسير، والمراد هنا أن يخاف على نفسه التلف أو الضرر باستعمال الماء أو كان ضعيفاً في بدنه لا يقدر على الوصول إلى موضع الماء، وروى عن الحسن أنه يتطهر وإن مات، وهذا باطل يدفعه قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقوله (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله (يريد الله بكم اليسر). (أو على سفر) فيه جواز التيمم لمن صدق عليه اسم المسافر، والخلاف مبسوط في كتب الفقه وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط أن يكون سفر قصر، وقال قوم لا بد من ذلك، وقد أجمع العلماء على جواز التيمم للمسافر، واختلفوا في الحاضر فذهب مالك وأصحابه وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه يجوز في الحضر والسفر، وقال الشافعي: لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف. (أو جاء أحد منكم من الغائط) هو المكان المنخفض المطمئن من ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 502.

الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث والجمع الغيطان والأغواط، وكانت العرب تقصد هذا الصنف من الواضع لقضاء الحاجة تستراً عن أعين الناس، ثم يسمى الحدث الخارج من الإنسان غائطاً توسعاً من باب تسمية الشيء باسم مكانه، ويدخل في الغائط جميع الأحداث الناقضة للوضوء. (أو لامستم النساء) وقرىء لمستم قيل المراد بما في القراءتين الجماع، وقيل المراد به مطلق المباشرة، وقيل إنه لمجمع الأمرين جميعاً وقال المبرد الأولى في اللغة أن يكون (لامستم) بمعنى قبّلتم ونحوه (ولمستم) بمعنى غشيتم. واختلف العلماء في معنى ذلك على أقوال: فقالت فرقة الملامسة هنا مختصة باليد دون الجماع قالوا: والجنب لا سبيل له إلى التيمم بل يغتسل أو يدع الصلاة حتى يجد الماء، وقد روى هذا عن عمر وابن مسعود، قال ابن عبد البر لم يقل بقولهما في هذه المسألة أحد من فقهاء الأمصار من أهل الرأي وحملة الآثار انتهى. وأيضاً الأحاديث الصحيحة تدفعه وتبطله كحديث عمار وعمران بن حصين وأبي ذر في تيمم الجنب، وقالت طائفة هو الجماع كما في قوله (ثمّ طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وقوله (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن) وهو يروى عن علي وأبي بن كعب وابن عباس ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان وأبي حنيفة. وقال مالك الملامس بالجماع يتيمم، والملامس باليد يتيمم إذا الْتذّ، فإن لمسها بغير شهوة فلا وضوء، وبه قال أحمد واسحق، وقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد انتقضت به الطهارة وإلا فلا، وحكاه القرطبي عن ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.

قال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه لقوله تعالى (فلمسوه بأيديهم). وقد احتجوا بحجج تزعم كل طائفة أن حجتها تدل على أن الملامسة المذكورة في الآية هي ما ذهبت إليه، وليس الأمر كذلك، فقد اختلفت الصحابة ومن بعدهم في معنى الملامسة المذكورة في الآية، وعلى فرض أنها ظاهرة في الجماع فقد ثبتت القراءة المروية عن حمزة والكسائي بلفظ أو لمستم وهي محتملة بلا شك ولا شبهة، ومع الاحتمال فلا تقوم الحجة بالمحتمل. وهذا الحكم تعم به البلوى وثبت به التكليف العام فلا يحل إثباته بمحتمل قد وقع النزاع في مفهومه. وإذا عرفت هذا فقد ثبتت السنة الصحيحة بوجوب التيمم على من أجنب ولم يجد الماء فكان الجنب داخلاً في هذا الحكم بهذا الدليل، وعلى فرض عدم دخوله فالسنة تكفي في ذلك، وأما وجوب الوضوء أو التيمم على من لمس المرأة بيده أو بشيء من بدنه فلا يصح القول به استدلالاً بهذه الآية لما عرفت من الاحتمال. وأما ما استدلوا به من أنه - صلى الله عليه وسلم - أتاه رجل فقال يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة لا يعرفها وليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها؟ فأنزل الله (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئآت ذلك ذكرى للذاكرين) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي من حديث معاذ، قالوا فأمره بالوضوء لأنه لمس المرأة ولم يجامعها، فلا يخفاك أنه لا دلالة لهذا الحديث على محل النزاع فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمره بالوضوء ليأتي بالصلاة التي ذكرها الله سبحانه في هذه الآية إذ لا صلاة إلا بوضوء.

وأيضاً فالحديث منقطع لأنه من رواية ابن أبي ليلى عن معاذ ولم يلقه. وإذا عرفت هذا فالأصل البراءة عن هذا الحكم فلا يثبت إلا بدليل خالص عن الشوائب الموجبة لقصوره عن الحجة، وأيضاً قد ثبت عن عائشة من طرق أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ ثم يقبّل ثم يصلي ولا يتوضأ، وقد روى هذا الحديث بألفاظ مختلفة رواه أحمد وابن أبي شيبة وأبي داود والنسائي وابن ماجه. (فلم تجدوا ماء) تتطهرون به للصلاة بعد الطلب والتفتيش، وهذا القيد إن كان راجعاً إلى جميع ما تقدم مما هو مذكور بعد الشرط وهو المرض والسفر والمجيء من الغائط وملامسة النساء كان فيه دليل على أن المرض والسفر بمجردهما لا يسوغان التيمم، بل لا بد مع وجود أحد السببين من عدم الماء فلا يجوز للمريض والمسافر أن يتيمما إلا إذا لم يجدا ماء. ولكنه يشكل على هذا أن الصحيح والمقيم كالمريض والمسافر إذا لم يجدا الماء تيمما، فلا بد من فائدة في التنصيص على المرض والسفر، فقيل وجه التنصيص عليهما أن المرض مظنّة للعجز عن الوصول إلى الماء وكذلك المسافر عدم الماء في حقه غالب. وإن كان راجعاً إلى الصورتين الأخيرتين أعني قوله (أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء) كما قال بعض المفسرين كان فيه إشكال وهو أن من صدق عليه اسم المريض أو المسافر جاز له التيمم وإن كان واجداً للماء قادراً على استعماله، وقد قيل: إنه رجع هذا القيد إلى الأخيرين مع كونه معتبراً في الأولين لندرة وقوعه فيهما، وأنت خبير بأن هذا كلام ساقط وتوجيه بارد. وقال مالك: ومن تابعه ذكر الله المرض والسفر في شرط التيمم إعتباراً

بالأغلب فيمن لم يجد الماء بخلاف الحاضر فإن الغالب وجوده فلذلك لم ينص الله سبحانه عليه اهـ. والظاهر أن المرض بمجرده مسوغ للتيمم وإن كان الماء موجوداً إذا كان يتضرر باستعماله في الحال أو في المال ولا تعتبر خشية التلف، فالله سبحانه يقول (والله يريد بكم اليسر) ويقول (ما جعل عليكم في الدين من حرج) والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول " الدين يسر (¬1) " ويقول: " يسروا ولا تعسروا (¬2) " وقال " قتلوه قتلهم الله (¬3) " ويقول " أمرت بالشريعة السمحة (¬4) ". فإذا قلنا: إن قيد عدم وجود الماء راجع إلى الجميع كان وجه التنصيص على المريض هو أنه يجوز له التيمم والماء حاضر موجود إذا كان استعماله يضره فيكون إعتبار ذلك القيد في حقه إذا كان استعماله لا يضره، فإن في مجرد المرض مع عدم الضرر باستعمال الماء ما يكون مظنة لعجزه عن الطلب لأنه يلحقه بالمرض نوع ضعف، وأما وجه التنصيص على المسافر فلا شك أن الضرب في الأرض مظنة لإعواز الماء في بعض البقاع دون بعض. (فتيمّموا) التيمم لغة القصد يقال تيممت الشيء قصدته، وتيممت الصيد تعمدته، وتيممته بسهمي ورمحي قصدته دون من سواه، قال ابن السكيت: قوله تيمموا أي اقصدوا ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب. وقال ابن الأعرابي في قولهم: قد تيمم الرجل معناه قد مسح التراب على وجهه، وهذا خلط منهما للمعنى اللغوي بالمعنى الشرعي، فإن العرب لا تعرف ¬

(¬1) الحديث: إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه (¬2) مسلم 1734 - البخاري 61. (¬3) رواه أبو داود وابن ماجه والدارقطني وصححه ابن السكن. (¬4) الإمام أحمد 6/ 116.

التيمم بمعنى مسح الوجه واليدين وإنما هو معنى شرعي فقط. وظاهر الأمر الوجوب وهو مجمع على ذلك، والأحاديث في هذا الباب كثيرة وتفاصيل التيمم وصفاته مبينة في السنة المطهرة ومقالات أهل العلم مدونة في كتب الفقه. والتيمم من خصائص هذه الأمة، عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء أخرجه مسلم (¬1). وكان سبب التيمم انقطاع عقد لعائشة في بعض الأسفار وقصته في الصحيحين. (صعيداً طيّباً) الصعيد وجه الأرض سواء كان عليه تراب أم لم يكن قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج، قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة، قال الله تعالى (وإنا لجاعلون ما عليها صعيداً جرزاً) أي أرضاً غليظة لا تنبت شيئاً وقال تعالى (فتصبح صعيداً زلقاً) وإنما سمي صعيداً لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض. قال قتادة الصعيد الأرض التي ليس فيها شجر ولا نبات، وقال ابن زيد المستوى من الأرض، وبه قال الليث، وقال الفراء هو التراب، وبه قال أبو عبيدة، وجمع الصعيد صعدات. وقد اختلف أهل العلم فيما يجزىء التيمم به فقال مالك وأبو حنيفة والثوري والطبراني أنه يجزىء بوجه الأرض كله تراباً كان أو رملاً أو حجارة، وحملوا قوله (طيباً) على الطاهر الذي ليس بنجس، وقال الشافعي وأحمد ¬

(¬1) مسلم 522.

وأصحابهما أنه لا يجزىء التيمم إلا بالتراب فقط، واستدلوا بقوله تعالى (صعيداً زلقاً) أي تراباً أملس طيباً، وكذلك استدلوا بقوله (طيباً) قالوا: والطيب التراب الذي ينبت. وقد تنوزع في معنى الطيب فقيل الطاهر كما تقدم وقيل المنبت كما هنا، وقيل الحلال، والمحتمل لا تقوم به حجة. ولو لم يوجد في الشيء الذي يتيمم به إلا ما في الكتاب العزيز لكان الحق ما قاله الأولون لكن ثبت في صحيح مسلم من حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا الطهور إذا لم نجد الماء وفي لفظ وجعل ترابها لنا طهوراً (¬1) " فهذا مبين لمعنى الصعيد المذكور في الآية أو مخصص لعمومه أو مقيد لإطلاقه. ويؤيد هذا ما حكاه ابن فارس عن كتاب الخليل: تيمم بالصعيد أي خذ من غباره انتهى، والحجر الصلد لا غبار له. (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) هذا المسح مطلق يتناول المسح بضربة أو ضربتين، ويتناول المسح إلى المرفقين أو إلى الرسغين، وقد بينته السنة بياناً شافياً، وقد جمع الشوكاني بين ما ورد في المسح بضربة وبضربتين وما ورد في المسح إلى الرسغ وإلى المرفقين في شرحه للمنتقى وغيره من مؤلفاته بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. والحاصل أن أحاديث الضربتين لا يخلو جميع طرقها من مقال، ولو ¬

(¬1) مسلم 522.

صحت لكان الأخذ بها متعيّناً لما فيها من الزيادة، فالحق الوقوف على ما ثبت في الصحيحين من حديث عمار من الاقتصار على ضربة واحدة حتى تصبح الزيادة على ذلك المقدار. قال الخطابي: لم يختلف أحد من العلماء في أنه لا يلزم مسح ما وراء المرفقين، واحتجوا بالقياس على الوضوء وهو فاسد الاعتبار. قال الحافظ: إن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهم وعمار، وما عداهما فضعيف أو مختلف في رفعه ووقفه والراجح عدم رفعه انتهى، فالحق مع أهل المذهب الأول حتى يقوم دليل يجب المصير إليه، ولا شك أن الأحاديث المشتملة على الزيادة أولى بالقبول، ولكن إذا كانت صالحة للاحتجاج بها، وليس في الباب شيء من ذلك (¬1). (إن الله كان عفوّاً غفوراً) أي عفا عنكم وغفر لكم تقصيركم ورحمكم بالترخيص لكم والتوسعة عليكم. ¬

(¬1) البخاري 8/ 189، ومسلم 279، ولفظه عن عائشة أنها قالت: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء (أو بذات الجيش) انقطع عقد لي، فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التماسه، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبالناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ليسوا على ماء، وليس معهم ماء قالت: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذي. فنام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم " فتيمموا ". وروى عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التيمم ضربة للوجه والكفين رواه البخاري 1/ 377 ومسلم 1/ 280 وغيرهما.

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (44) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)

44

(ألم تر) كلام مستأنف مسوق لتعجيب المؤمنين من سوء حال اليهود والتحذير من موالاتهم والخطاب لكل من تتأتى منه الرؤية من المسلمين، وتوجيهه إليه - صلى الله عليه وسلم - هنا مع توجيهه فيما بعد إلى الكل معاً للإيذان بكمال شهرة شناعة حالهم، وأنها بلغت من الظهور إلى حيث يتعجب منها كل من يراها، والرؤية هنا بصرية. (إلى الذين أوتوا نصيباً) حظاً (من الكتاب) التوراة والمراد أحبار اليهود (يشترون الضلالة) المراد بالاشتراء الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه، والمعنى أن اليهود استبدلوا الضلالة وهي البقاء على اليهودية بالهدى أي بعد وضوح الحجة على صحة نبوة نبينا- صلى الله عليه وسلم -، وقيل يأخذون الرشا ويحرفون التوراة. (ويريدون أن تضلّوا السبيل) عطف على قوله يشترون مشارك له في بيان سوء صنيعهم وضعف اختيارهم، أي لم يكتفوا بما جنوه على أنفسهم من استبدال الضلالة بالهدى، بل أرادوا مع ضلالهم أن يتوصلوا بكتمهم وجحدهم إلى أن تضلوا أنتم أيها المؤمنون السبيل المستقيم الذي هو سبيل الحق، قال تعالى (ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء).

45

(والله أعلم) منكم (بأعدائكم) أيها المؤمنون، وما يريدونه بكم من الإضلال فيخبركم بهم لتجتنبوهم، والجملة اعتراضية (وكفى بالله ولياً) متولياً أمركم وقائماً به وحافظاً لكم منهم، ومن كان الله وليه لم يضره أحد (وكفى بالله نصيراً) ينصركم في مواطن الحرب ويمنعكم من كيدهم، فاكتفوا بولايته ونصره ولا تتولوا غيره ولا تستنصروه.

46

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (46) (من الذين هادوا) قوم (يحرّفون الكلم عن مواضعه) وقال الفراء التقدير من الذين هادوا من يحرفون كقوله (وما منّا إلا له مقام معلوم) أي من له مقام، وأنكره المبرد والزجاج وقيل بيان لقوله (الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) والتحريف الإمالة والإزالة أي يميلونه ويزيلونه عن مواضعه ويجعلون مكانه غيره، أو المراد أنهم يتأولونه على غير تأويله، وإليه ذهبت طائفة من الفقهاء والمحدثين. وقال ابن عباس: يحرفون حدود الله في التوراة، وقال مجاهد: تبديل اليهود التوراة، وذمهم الله عز وجل بذلك لأنهم يفعلونه عناداً وبغياً وإيثاراً لعرض الدنيا. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله في إغاثة اللهفان: وقد اختلف في التوراة التي بأيديهم هل هي مبدلة أم التبديل وقع في التأويل دون التنزيل؟ على ثلاثة أقوال قالت طائفة: كلها أو أكثرها مبدّل، وغلا بعضهم حتى قال يجوز الاستجمار بها، وقالت طائفة من أئمة الحديث والفقه والكلام إنما وقع التبديل في التأويل. قال البخاري في صحيحه يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله ولكنهم يتأولونه على غير تأويله، وهو اختيار الرازي أيضاً،

وسمعت شيخنا يقول: وقع النزاع بين الفضلاء فأجاز هذا المذهب ووهى غيره، فأنكر عليه فأظهر خمسة عشر نقلا به. ومن حجة هؤلاء أن التوراة قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وانتشرت جنوباً وشمالاً، ولا يعلم عدد نسخها إلا الله فيمتنع التواطؤ على التبديل والتغيير في جميع تلك النسخ حتى لا تبقى في الأرض نسخة إلا مبدلة، وهذا مما يحيله العقل، قالوا: وقد قال الله لنبيه (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين) قالوا: وقد اتفقوا على ترك فريضة الرجم ولم يمكنهم تغييرها من التوراة ولذا لما قرؤها على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وضع القارىء يده على آية الرجم، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا هي تلوح تحتها. وتوسطت طائفة فقالوا: قد زيد فيها وغير أشياء يسيرة جداً، واختاره شيخنا في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، قال وهذا كما في التوراة عقدهم أن الله سبحانه قال لإبراهيم: اذبح ابنك بكرك أو وحيدك إسحق. قلت والزيادة باطلة من وجوه عشرة الأول: أن بكره ووحيده اسمعيل باتفاق الملل الثلاث. الثاني: أنه سبحانه أمر إبراهيم أن ينقل هاجر وابنها اسمعيل عن سارة ويسكنها في برية مكة لئلا تغار سارة فأمره بإبعاد السرية وولدها عنها فكيف يؤمر بعد هذا بذبح ابن سارة وابقاء ابن السرية، وهذا مما لا تقتضيه الحكمة. الثالث: أن قصة الذبح كانت بمكة قطعاً ولذا جعل الله سبحانه ذبح الهدايا والقرابين بمكة تذكيراً للأئمة بما كان من إبراهيم وولده هنالك. الرابع: أن الله بشر سارة أم إسحق بإسحق ومن ورائه يعقوب فبشرها بهما جميعاً فكيف يأمر بعد ذلك بذبح إسحق وقد بشر أبويه بولد ولده.

الخامس: أن الله لما ذكر قصة الذبح وتسليمه نفسه لله وإقدام إبراهيم على ذبحه وفرغ من قصته قال بعدها وبشرناها بإسحق نبياً من الصالحين، فشكر الله له استسلامه وبذل ولده له، وجعل من آياته على ذلك أن آتاه إسحق فنجى إسمعيل من الذبح وزاد عليه إسحق. السادس: أن إبراهيم عليه السلام سأل ربه الولد فأجاب دعاءه وبشره به فلما بلغ معه السعي أمره بذبحه قال تعالى (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين. رب هب لي من الصالحين. فبشرناه بغلام حليم) فهذا دليل أن هذا الولد إنما بشر به بعد دعائه وسؤاله ربه أن يهب له ولداً وهذا المبشر به هو المأمور بذبحه قطعاً بنص القرآن، وأما إسحق فإنه بشر به من غير دعوة منه بل على كبر السن وكون مثله لا يولد له، وإنما كانت البشارة به لامرأته سارة، ولذا تعجبت من حصول الولد منها. السابع: أن إبراهيم لم يقدم بإسحق إلى مكة البتّة، ولم يفرق بينه وبين أمه، وكيف يأمره الله أن يذهب بابن امرأته فيذبحه بموضع ضرّتها وفي بلدها ويدع ابن ضرتها. الثامن: أن الله لما اتخذ إبراهيم خليلاً، والخلّة تتضمن أن يكون قلبه كله متعلقاً بربه ليس فيه سعة لغيره، فلما سأل الولد وهب له إسمعيل فتعلّق به شعبة من قلبه، فأراد خليله أن تخلص تلك الشعبة له فامتحنه بذبح ولده، فلما امتثل خلصت تلك الخلة فنسخ الأمر بذبحه لحصول الغرض وهو العزم وتوطين النفس على الامتثال، ومن المعلوم أن هذا إنما يكون في أول الأولاد لا في آخرها، فلما حصل هذا المقصود مع الولد الأول لم يحتج إلى مثله مع الولد الآخر، فإنه لو زاحمت محبة الولد الآخر الخلة لأمر بذبحه، فلو كان المأمور بذبحه هو الولد الآخر لكان قد أقره في الأول على مزاحمة الخلة به مدة طويلة، ثم أمره بما يزيل المزاحم بعد ذلك وهو خلاف مقتضى الحكمة فليتأمل.

التاسع: أن إبراهيم إنما رزق إسحق على الكبر، وإسمعيل رزقه في عنفوان شبابه، والعادة أن القلب أعلق بالأول. العاشر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفتخر بأنه ابن الذبيحين يعني أباه عبد الله وجده إسمعيل، والمقصود أن هذه اللفظة مما زاده في التوراة انتهى ملخصاً. قال الخفاجي: في العناية في تفسير الفاتحة وأما الإنجيل ففيه تبديل وتحريف في بعض ألفاظه ومعانيه وهو مختلف النسخ، والأناجيل أربعة كما فصله بعضهم في كتاب عقده لذلك سماه المفيد في التوحيد انتهى. (ويقولون سمعنا) قولك (وعصينا) أمرك (واسمع) حال كونك (غير مسمع) كلاماً أصلاً بصمم أو موت وهو يحتمل أن يكون دعاء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى اسمع لا سمعت أو غير مسمع كلاماً ترضاه. ويحتمل أن يكون المعنى اسمع منا غير مسمع جواباً كانوا يخاطبون به النبي - صلى الله عليه وسلم - استهزاء به مظهرين له إرادة المعنى الأخير، وهم مضمرون في أنفسهم المعنى الأول، وقال ابن عباس: غير مقبول. وقد تقدم الكلام في (وراعنا) أي يريدون بذلك نسبته إلى الرعونة وقيل معناه ارعنا سمعك، ومثل ذلك لا يخاطب به الأنبياء، وهي كلمة سب بلغتهم. ومعنى (ليّاً بألسنتهم) أنهم يلوونها عن الحق أي يميلونها إلى ما في قلوبهم، وأصل الليّ الفتل أي فتلاً بها وصرفاً للكلام عن نهجه إلى نسبة السب حيث وضعوا (غير مسمع) موضع لا سمعت مكروهاً، وأجروا راعنا المشابهة

لراعنا مجرى انظرنا أو فتلاً بها وضماً لما يظهرونه من الدعاء والتوقير إلى ما يضمرونه من السب والتحقير (¬1). (وطعناً) أي قدحاً (في الدّين) بقولهم لو كان نبياً لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ذلك (ولو أنهم قالوا سمعنا) قولك (وأطعنا) أمرك (واسمع) ما نقول (وانظرنا) أي أفهمنا لا تعجل علينا أي لو قالوا هذا مكان قولهم سمعنا وعصينا وراعنا بلسان المقال أو الحال (لكان خيراً لهم) مما قالوه (وأقوم) أي أعدل وأولى من قولهم الأول وهو قولهم سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا لما في هذا من المخالفة وسوء الأدب واحتمال الذم في راعنا. (ولكن) لم يسلكوا ذلك المسلك الحسن، ولم يأتوا بما هو خير لهم وأقوم، بل استمروا على كفرهم ولهذا (لعنهم الله بكفرهم) أي خذلهم وأبعدهم بسبب كفرهم (فلا يؤمنون) بعد ذلك (إلا) إيماناً (قليلاً) وهو الإيمان ببعض الكتب دون بعض، وببعض الرسل دون بعض، وقيل هو اعترافهم بأن الله خلقهم ورزقهم وقيل إلا نفر قليل كعبد الله بن سلام، وعبّر الزمخشري وابن عطية عن هذا القليل بالعدم يعني أنهم لا يؤمنون ألبتة. ¬

(¬1) في " مشكل القرآن " 291: هؤلاء قوم من اليهود كانوا يقولون للنبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حدثهم وأمرهم: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: عصينا، وإن أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا له: اسمع يا أبا القاسم، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت، ويقولون له: راعنا، ويوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون: انتظرنا، حتى نكلمك بما نريد، كما تقول العرب: أعرني سمعك وراعني، أي: انتظرني وترفق بي وتلوم علي، هذا ونحوه، وإنما يريد سبه بالرعونة في لغتهم، فقال الله سبحانه: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) ويقولون كذا وكذا، ويقولون: (راعنا لياً بألسنتهم) أي: قلباً للكلام بها، (وطعناً في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا) مكان قولهم: سمعنا وعصينا، وقالوا: واسمع، مكان قولهم: لا سمعت، وانظرنا، مكان قولهم: راعنا لكان خيراً لهم وأقوم.

47

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (47) (يا أيها الذين أوتوا الكتاب) الخطاب لليهود، ولم يقل هنا أوتوا نصيباً من الكتاب لأن المقصود فيما سبق بيان خطئهم في التحريف، وهو إنما وقع في بعض التوراة والمقصود هنا بيان خطئهم في عدم إيمانهم بالقرآن وهو مصدّق لجميع التوراة فناسب التعبير هنا بإيتائهم الكتاب (آمنوا بما نزلنا) يعني القرآن (مصدقاً لما معكم) يعني التوراة ومعنى تصديقه إياها نزوله حسبما نعت لهم فيها أو كونه موافقاً لها في القصص والمواعيد والدعوة إلى التوحيد والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش. وأما ما يتراءى من مخالفته لها في جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأمم والأعصار فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هو عين الموافقة من حيث أن كلا منهما حق بالإضافة إلى عصره، متضمن للحكمة التي عليها يدور فلك التشريع حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر، ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: " لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي ". ثم قرن بهذا الأمر الوعيد الشديد الوارد على أبلغ وجه وأكده فقال (من قبل أن نطمس وجوهاً) أصل الطمس استئصال أثر الشيء بالمحو وإزالة الأعلام، ومنه (فإذا النجوم طمست) يقال طمس الأثر أي محاه كله ومنه (ربنا اطمس على أموالهم) أي أهلكها، ويقال مطموس البصر ومنه (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم) أي أعميناهم.

واختلف العلماء في المعنى المراد بهذه الآية هل هو حقيقة فيجعل الوجه كالقفا فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين وهو محو تخطيط صور الوجوه، قال ابن عباس يجعلها كخف البعير، وقيل نعميها فيكون المراد بالوجه العين، أو ذلك عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق، فذهب إلى الأول طائفة، وإلى الآخر آخرون، وفي تنكير الوجوه المفيد للتكثير تهويل للخطب، وفي إبهامها لطف بالمخاطبين وحسن استدعاء لهم إلى الإيمان. وعلى الأول فالمراد بقوله (فنردّها على أدبارها) نجعلها أقفاء أي نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا. وقيل أنه بعد الطمس يردها إلى مواضع القفا والقفا إلى مواضعها، وهذا هو ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فنردها على أدبارها). فإن قيل كيف جاز أن يهددهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا ولم يفعل ذلك بهم، فقيل: إنه لما آمن هؤلاء ومن اتبعهم رفع الوعيد عن الباقين، وقال المبرد الوعيد باق منتظر، وقال لا بد من طمس في اليهود ومسخ قبل يوم القيامة، وقيل هو مختص بيوم القيامة، وقيل المراد طمس القلب والبصيرة وقيل المراد محو آثارهم من المدينة وردهم إلى أذرعات وأريحاء من أرض الشام من حيث جاؤوا، والأول أولى. والضمير في (أو نلعنهم) عائد إلى أصحاب الوجوه (كما لعنّا أصحاب السبت) وكان لعن أصحاب السبت مسخهم قردة وخنازير، وقيل المراد نفس اللعنة، وهم ملعونون بكل لسان، والمراد وقوع أحد الأمرين إما الطمس أو اللعن، وقد وقع اللعن، ولكنه يقوي الأول تشبيه هذا اللعن بلعن أهل السبت (وكان أمر الله مفعولاً) أي كائناً موجوداً لا محالة إن لم يؤمنوا أو يراد بالأمر المأمور، والمعنى أنه متى أراده كان كقوله (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون).

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)

48

(إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) هذا الحكم يشمل جميع طوائف الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، ولا يختص بكفار أهل الحرب، لأن اليهود قالوا عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالوا ثالث ثلاثة. ولا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. قال ابن جرير قد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة في مشيئة الله عز وجل إن شاء عذّبه وإن شاء عفا عنه ما لم تكن كبيرته شركاً بالله عز وجل، وظاهره أن المغفرة منه سبحانه تكون لمن اقتضته مشيئته تفضلاً منه ورحمة وإن لم يقع من ذلك المذنب توبة، وقيد ذلك المعتزلة بالتوبة. وقد تقدم قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم) وهي تدل على أن الله سبحانه يغفر سيئآت من اجتنب الكبائر فيكون مجتنب الكبائر ممن قد شاء الله غفران سيئآته. عن ابن عمر بسند صحيح قال: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا من نبينا - صلى الله عليه وسلم - (إن الله لا يغفر) الآية وقال: إني ادّخرت دعوتي

وشفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي، فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا. وعن ابن عباس قال في هذه الآية: إن الله حرم المغفرة على من مات وهو كافر، وأرجأ أهل التوحيد إلى مشيئته فلم يؤيسهم عن المغفرة وأخرج الترمذي وحسنه عن علي قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية (إن الله لا يغفر أن يشرك به) الآية. وعن جابر قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله ما الوجبتان قال: من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك به دخل النار، أخرجه مسلم (¬1). (ومن يشرك بالله) يعني يجعل معه شريكاً غيره، إظهار في موضع الإضمار لإدخال الرّوع (فقد افترى) أي اختلق وفعل، لأن الافتراء كما يطلق على القول حقيقة يطلق على الفعل مجازاً كما صححه التفتازاني (إثماً عظيماً) يعني ذنباً كبيراً غير مغفور إن مات عليه. ¬

(¬1) روي عن أبي ذر قوله صلى الله عليه وسلم: ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ...

49

(ألم تر إلى الذين يزكّون أنفسهم) أي يمدحونها، تعجيب من حالهم، وقد اتفق المفسرون على أن المراد اليهود، واختلفوا في معنى الذي زكّوا به أنفسهم فقال الحسن وقتادة: هو قولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى). وقال الضحاك: هو قولهم لا ذنوب لنا ونحن كالأطفال، وقيل قولهم إن آباءهم يشفعون لهم، وقيل: ثناء بعضهم على بعض، ومعنى التزكية التطهير والتنزيه فلا يبعد صدقها على جميع هذه التفاسير وعلى غيرها، واللفظ يتناول كلّ من زكّى نفسه بحق أو بباطل من اليهود وغيرهم، وكل من ذكر نفسه

بصلاح أو وصفها بزكاء العمل أو بزيادة الطاعة والتقوى أو بزيادة الزلفى عند الله. ويدخل في هذا التلقب بالألقاب المتضمنة للتزكية كمحيي الدين وعز الدين وسلطان العارفين ونحوها، فهذه الأشياء لا يعلمها إلا الله تعالى فلهذا قال (بل الله يزكّي من يشاء) أي بل ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإنّ تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس وطلب العلو والترفع والتفاخر، ومثل هذه الآية قوله تعالى (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى). (ولا يظلمون) هؤلاء المزكون أنفسهم من أعمالهم (فتيلاً) هو الخيط الذي في نواة الثمر، وقيل القشرة التي حول النواة وقيل هو ما يخرج بين أصبعيك أو كفيك من الوسخ إذا فتلتهما فهو فتيل بمعنى مفتول، والمراد هنا الكناية عن الشيء الحقير، ومثله ولا يظلمون نقيراً، وهو النكتة التي في ظهر النواة. والمعنى أن هؤلاء الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تزكيتهم لأنفسهم بقدر هذا الذنب، ولا يظلمون بالزيادة على ما يستحقون، ويجوز أن يعود الضمير إلى (من يشاء) أي لا يظلم هؤلاء الذين يزكيهم الله فتيلاً مما يستحقونه من الثواب. وقد ضربت العرب المثل في القلّة بأربعة أشياء اجتمعت في النواة وهي الفتيل والنقير وهو النقرة التي في ظهر النواة، والقطمير وهو القشر الرقيق فوقها، وهذه الثلاثة واردة في الكتاب العزيز، والثفروق وهو ما بين النواة والقمع الذي يكون في رأس الثمرة كالعلاقة بينهما.

انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (50) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً (51) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (52) ثم عجّب النبي - صلى الله عليه وسلم - من تزكيتهم لأنفسهم فقال

50

(انظر كيف يفترون على الله الكذب) في قولهم ذلك، والافتراء الاختلاق ومنه افترى فلان على فلان أي رماه بما ليس فيه، وفريت الشيء قطعته، والافتراء والكذب متقاربان معنى أو معناهما واحد. وفي قوله (وكفى به إثماً مبيناً) من تعظيم الذنب وتهويله ما لا يخفى أي كفى بالافتراء وحده وبالأولى إذا انضم إلى التزكية، والتنكير في إثماً للتشديد.

51

(ألم تر) تعجيب من حالهم بعد التعجيب الأول (إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب) هم اليهود (يؤمنون بالجبت والطاغوت) اختلف المفسرون في معنى الجبت والطاغوت فقال ابن عباس وابن جبير وأبو العالية الجبت الساحر بلسان الحبشة والطاغوت الكاهن، وروي عن عمر بن الخطاب أن الجبت السحر والطاغوت الشيطان. وروي عن ابن مسعود أن الجبت والطاغوت هنا كعب بن الأشرف، وقال قتادة الجبت الشيطان والطاغوت الكاهن، وروي عن مالك أن الطاغوت ما عبد من دون الله، والجبت الشيطان، وقيل هما كل معبود من دون الله أو مطاع في معصية الله، وقيل هما صنمان كانا لقريش وهما اللذان سجد اليهود لهما لمرضاة قريش.

وأصل الجبت الجبس وهو الذي لا خير فيه فأبدلت التاء من السين قاله قطرب، وقيل إبليس والطاغوت أولياؤه، وعن قطن ابن قبيصة عن أبيه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: العيافة والطيرة والطرق من الجبت أخرجه أبو داود (¬1)، وقال الطرق الزجر والعيافة الخط. وقيل العيافه هي زجر الطير، والطرق هو ضرب الحجارة والحمى على طريق الكهانة، والطيرة هو أن يتطير بالشيء فيرى الشؤم فيه والشر منه، وقيل هو من التطيّر وهو زجر الطير، والخط هو ضرب الرمل لاستخراج الضمير. (ويقولون) أي اليهود (للذين كفروا) كأبي سفيان وأصحابه، واللام للتبليغ أو للعلة كنظائرها (هؤلاء) أي أنتم (أهدى من الذين آمنوا) بمحمد (سبيلاً) أي أقوم دينا وأرشد طريقاً. ¬

(¬1) وروى ابن جرير 8/ 466 عن ابن عباس، قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهل المدينة وسيدهم؟ قال: نعم. قالوا: ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه، يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السًدانة، وأهل السقاية؟ قال: أنتم خير منه. قال: فأنزلت: (إن شانئك هو الأبتر) [الكوثر: 3] وأنزلت (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت) إلى قوله: (فلن تجد له نصيراً) وإسناده صحيح. وزاد السيوطي نسبته في " الدر " 2/ 171 لأحمد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقولهم: " ألا ترى إلى هذا الصنبور الأبتر " في " النهاية " الصنبور: سعفات تنبت في جذع النخلة، لا في الأرض، ثم قالوا: للرجل الفرد الضعيف الذليل الذي لا أهل له ولا عقب ولا ناصر " صنبور ".

52

(أولئك) القائلون (الذين لعنهم الله) أي طردهم وأبعدهم من رحمته (ومن يلعن الله فلن تجد له نصيراً) يدفع عنه ما نزل به من عذاب الله وسخطه، وفي الآية وعد للمؤمنين بأنهم المنصورون عليهم فإن المؤمنين بضد هؤلاء فهم الذين قرّبهم الله ومن يقربه الله فلن تجد له خاذلاً.

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (53) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)

53

(أم لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون الناس نقيراً) أم منقطعة والاستفهام للإنكار يعني ليس لهم نصيب من الملك، والفاء للسببية الجزائية لشرط محذوف أي إن جعل لهم نصيب فإذن لا يعطون نقيراً منه لشدة بخلهم وقوة حسدهم. وهذا ذم لهم بالبخل بعد أن ذمهم بالجهل، لعدم جريهم على مقتضى العلم، وسيأتي ذمهم بالحسد، والأول قوة عملية والثاني علمية، والأول مقدم كما بينه الفخر، وقيل المعنى بل لهم نصيب من الملك على أن معنى أم الإضراب عن الأول والاستئناف للثاني، وقيل التقدير أهم أولى بالنبوة ممن أرسلته أم لهم نصيب، الآية. والنقير النقطة والنقرة في ظهر النواة، وقيل ما نقر الرجل بأصبعه كما ينقر الأرض، والنقير أيضاً خشبة تنقر وينبذ فيها. وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النقير كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، والنقير الأصل يقال فلان كريم النقير أي كريم الأصل، والمراد هنا المعنى الأول والمقصود به المبالغة في الحقارة كالقطمير والفتيل، والنقير يضرب به المثل في الشيء الحقير التافه الذي لا قيمة له، وفي القلة والحقارة. وإذن هنا ملغاة غير عاملة لدخول فاء العطف عليها، ولو نصب لجاز قال سيبويه: إذن في عوامل الأفعال بمنزلة أظن في عوامل الأسماء التي تلغى إذا

لم يكن الكلام معتمداً عليها، فإن كانت في أول الكلام وكان الذي بعدها مستقبلاً نصبت.

54

(أم) منقطعة مفيدة للانتقال عن توبيخهم بأمر إلى توبيخهم بآخر أي بل (يحسدون الناس) يعني اليهود يحسدون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقط فهو عام أريد به الخاص وأطلق عليه لفظ الناس لأنه جمع كل الخصال الحميدة التي تفرقت في الناس على حد قول القائل: أنت الناس كل الناس أيها الرجل. وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد أو يحسدونه هو وأصحابه وأصل الحسد تمنى زوال النعمة عمن هو مستحق لها، وربما يكون ذلك مع سعي في زوالها وهو أقبح مما قبلها لأن البخل منع لما في أيديهم، والحسد منع لما عقد الله واعتراض عليه، والاستفهام للإنكار أي لا ينبغي ذلك. (على ما آتاهم الله من فضله) من النبوة والنصر وقهر الأعداء، وقيل حسدوه على ما أحل الله له من النساء، وكانت له يومئذ تسع نسوة والأول أولى. (فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة) هذا إلزام لليهود بما يعترفون به ولا ينكرونه وهو مسلّم عندهم أي ليس ما آتينا محمداً وأصحابه من فضلنا بأبدع حتى تحسدهم اليهود على ذلك فهم يعلمون بما آتينا آل إبراهيم وهم أسلاف محمد - صلى الله عليه وسلم - وأبناء أعمامه. وفيه حسم لمادة حسدهم واستبعادهم المبنيّين على توهم عدم استحقاق الحسود ما أوتيه من الفضل ببيان استحقاقه له بطريق الوراثة كابراً عن كابر،

وإجراء الكلام على سنن الكبرياء بطريق الالتفات لإظهار كمال العناية بالأمر، وقد تقدّم تفسير الكتاب والحكمة يعني التوراة والنبوة وقد حصل في آل إبراهيم جماعة كثيرة جمعوا بين الملك والنبوة مثل داود وسليمان. (وآتيناهم ملكاً عظيماً) فلم يشغلهم ذلك عن أمر النبوة، ومن فسر الفضل بكثرة النساء قال: الملك العظيم في حق داود وسليمان بكثرة النساء، فإنه كان لداود مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة ثلثمائة حرة وسبعمائة سرية، ولم يكن لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومئذ إلا تسع نسوة، وقيل هو ملك سليمان واختاره ابن جرير وهو الأولى (¬1). ¬

(¬1) قال ابن جرير 8/ 479: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قول قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل، أن معنى " الفصل " في هذا الموضع: النبوة التي فضل الله بها محمداً، وشرف بها العرب، إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم، لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية تدل على أنها تقريظ للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، رحمة الله عليهم، على ما قد بينا قبل، وليس النكاح وتزويج النساء -وإن كان من فضل الله جل ثناؤه الذي آتاه عباده- بتقريظ لهم ومدح.

55

(فمنهم) أي من اليهود (من آمن به) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - كعبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل الضمير في به راجع إلى ما ذكر من حديث آل إبراهيم، وقيل الضمير راجع إلى إبراهيم، والمعنى فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم (ومنهم من صدّ) أعرض (عنه) ولم يؤمن. وقيل الضمير يرجع إلى الكتاب، والأول أولى (وكفى بجهنم سعيراً) أي ناراً مسعّرة لمن لا يؤمن. وهو إشارة لقياس طويت فيه الكبرى أي هؤلاء صدوا عنه ومن صد عنه كفى بجهنم سعيراً لهم، ينتج هؤلاء كفى بجهنم سعيراً لهم.

56

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وقوله (إن الذين كفروا) تقرير لهذا وبيان لكيفية عذابهم وعذاب جميع من كفر (بآياتنا) الظاهر عدم تخصيصه ببعض الآيات دون بعض (سوف) كلمة تذكر للتهديد، قاله سيبويه وتنوب عنها السين (نصليهم) أي ندخلهم (ناراً) يحترقون فيها. (كلما نضجت) أي احترقت (جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها) أي أعطيناهم مكان كل جلد محترق جلداً آخر غير محترق، فإن ذلك أبلغ في العذاب للشخص لأن إحساسه لعمل النار في الجلد الذي لم يحترق أبلغ من إحساسه لعملها في الجلد المحترق. وقيل المراد بالجلود السرابيل التي ذكرها الله في قوله (سرابيلهم من قطران) ولا موجب لترك المعنى الحقيقي ههنا، وإن جاز إطلاق الجلود على السرابيل مجازاً، وقيل المعنى أعدنا الجلد الأول جديداً، ويأبى ذلك معنى التبديل، قال ابن عمر: يبدلون جلوداً بيضاء أمثال القراطيس. وقال معاذ: تبدل في ساعة مائة مرة فقال عمر هكذا سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرجه الطبراني بسند ضعيف، والبغوي بغير سند. وقال كعب عشرين ومائة مرة وعن ابن مسعود أن غلظ جلد الكافر إثنان وأربعون ذراعاً وقال الحسن، تأكلهم النار في كل يوم سبعين ألف مرة. (ليذوقوا العذاب) أي ليحصل لهم الذوق الكامل لذلك التبديل ويقاسوا شدته، وقيل معناه ليدوم لهم العذاب ولا ينقطع (إن الله كان عزيزاً) في انتقامه ممن ينتقم من خلقه لا يغلبه شيء ولا يمنع عليه أحد (حكيماً) في تدبيره وقضائه وأنه لا يفعل إلا ما هو الصواب.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلاً (57) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) ثم أتبع وصف حال الكفار بوصف حال المؤمنين فقال

57

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) وهو لف ونشر مشوّش على حد قوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وعلى عادته تعالى من ذكر الوعيد مع الوعد وعكسه (سندخلهم) أي يوم القيامة (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً) قد تقدم تفسير الجنات وجري الأنهار من تحتها، وذلك الخلود بغير نهاية ولا انقطاع وليس المراد طول المكث. (لهم فيها أزواج مطهّرة) من الأدناس التي تكون في نساء الدنيا ومن كل قذر وسوء الخلق (وندخلهم ظلاً ظليلاً) الظل الظليل الذي لا يدخله ما يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو ذلك، وقيل هو مجموع ظل الأشجار والقصور. وقيل الظل الظليل هو الدائم الذي لا يزول، واشتقاق الصفة من لفظ الموصوف للمبالغة كما يقال ليل أليل، قال الربيع بن أنس: هو ظل العرش الذي لا يزول، وقيل هو ظل الجنة والأول أولى.

58

(إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات إلى أهلها) هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس قاطبة في جميع الأمانات، وقد روى عن علي وزيد بن أسلم وشهر ابن حوشب أنها خطاب لولاة المسلمين والأول أظهر، ووُرودها على سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول.

قال الواحدي: أجمع المفسرون عليه، انتهى، ويدخل الولاة في هذا الخطاب دخولاً أولياً فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات ورد الظلامات، وتحري العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب فيجب عليهم رد ما لديهم من الأمانات والتحري في الشهادات والأخبار. وممن قال بعموم هذا الخطاب البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأُبيُّ ابن كعب، واختاره جمهور المفسرين ومنهم ابن جرير، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار كما قال ابن المنذر. والأمانات جمع أمانة وهي مصدر بمعنى المفعول. ْوقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فتح مكة وقبض مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة فنزل جبريل عليه السلام بردّ المفتاح فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن طلحة فرده إليه وقرأ هذه الآية (¬1). وعن ابن جريج أن هذه الآية نزلت في عثمان بن طلحة لما قبض منه صلى الله عليه وآله وسلم مفتاح الكعبة فدعاه ودفعه إليه. وقال هاك خالدة تالدة أي مستمرة إلى آخر الزمان قديمة متأصلة، وقد روى هذا المعنى بطرق كثيرة. وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أدّ الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك (¬2) "، وقد ثبت في الصحيح أن من خان إذا اؤتمن ففيه خصلة من خصال النفاق (¬3). ¬

(¬1) قال السيوطي في " الدر المنثور " 2/ 174: أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس مطولاً. قلت: والكلبي وأبو صالح ضعيفان لا يحتج بهما. (¬2) قال ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " رواه الإمام أحمد وأهل السنن. (¬3) صحيح الجامع الصغير 16.

(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله ورسوله، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص. وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله ولا بما هو أقرب إليهما فهو لا يدري ما هو العدل لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلاً عن أن يحكم بها بين عباد الله. عن علي قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل وأن يؤدي الأمانة فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج عن الظلم والاعتداء سمّي عدلاً. قيل: ينبغي العدل بين الخصمين في خمسة أشياء في الدخول عليه والجلوس بين يديه والإقبال عليهما والاستماع منهما والحكم بالحق فيما لهما وعليهما فيجب على الحاكم أن يأخذ الحق ممن وجب عليه لمن وجب له، ويكون مقصوده بحكمه إيصال الحق إلى مستحقّه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وقد ورد في فضل العادلين من الولاة أحاديث. (إنّ الله نعمّا يعظكم به) أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو أداء، الأمانات والحكم بالعدل على وفق السنة والكتاب دون الرأي البحت والعقل الصرف تقليداً للأحبار والرهبان من غير حجة نيّرة وبرهان واضح (إن الله كان سميعاً بصيراً) فإذا حكمتم فهو يسمع حكمكم، وإذا أديتم الأمانة فهو يبصر فعلكم.

59

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) لما أمر الله سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق أمر الناس بطاعتهم هنا، وطاعة الله عز وجل هي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم هي فيما أمر به ونهى عنه، وأولو الأمر: هم الأئمة والسلاطين والقضاة وأمراء الحق ولاة العدل كالخلفاء الراشدين ومن يقتدي بهم من المهتدين، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية. والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الله كما ثبت ذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك، وروي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقال ابن كيسان: هم أهل العقل والرأي، وعن ابن عباس قال: هم الفقهاء والعلماء الذين يعلّمون الناس معالم دينهم وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، والراجح القول الأول لصحة الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله وللمسليمن مصلحة فإذا زال عن الكتاب والسنة فلا طاعة له، وإنما تجب طاعته فيما وافق الحق. عن ابن عباس قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سريّة وقصته معروفة (¬1). ¬

(¬1) أنظر البخاري 8/ 190 ومسلم 3/ 1465 وأحمد 2/ 622.

قال عطاء طاعة الله والرسول اتباع الكتاب والسنة، وأولي الأمر، قال أولي الفقه والعلم، وعن أبي هريرة قال: أولو الأمر هم الأمراء وفي لفظ هم أمراء السرايا وقال جابر بن عبد الله: هم أهل العلم وعن مجاهد وأبي العالية نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في طاعة الأمراء ثابتة في الصحيحين وغيرهما مقيّدة بأن يكون ذلك في المعروف وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله. ومن جملة ما استدل به المقلدة هذه الآية قالوا: وأولو الأمر هم العلماء، والجواب أن للمفسرين في تفسيرها قولين أحدهما أنهم الأمراء، والثاني أنهم العلماء كما تقدم ولا يمتنع إرادة الطائفتين من الآية الكريمة، ولكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين فإنه لا طاعة لأحدهما إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق سنة رسوله وشريعته. وأيضاً العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم ونهوهم عن ذلك كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم فطاعتهم ترك تقليدهم (¬1) ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ¬

(¬1) البخاري: 8/ 190، ومسلم: 3/ 1465. قال الحافظ في " الفتح ": كذا ذكره -أي: البخاري- مختصراً، والمعنى: نزلت في قصة عبد الله بن حذافة، أي، المقصود منها في قصته قوله: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله) - الآية. قلت: وقصة حذافة بطولها رواها الإمام أحمد 2/ 622، والبخاري 13/ 109، ومسلم 3/ 1469 عن علي رضي الله عنه، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية، واستعمل عليهم رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا، فأغضبوه في شيء فقال: اجمعوا لي حطباً، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا ناراً، فأوقدوا، ثم قال: ألم يأمركم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض، فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا، ذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لو دخلوها ما خرجوا منها إنما الطاعة في المعروف ".

وإنما قلنا إنه يرشد إلى معصية الله لأن من أرشد هؤلاء العامة الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون الصواب من الخطأ إلى التمسّك بالتقليد، كان هذا الإرشاد منه مستلزماً لإرشادهم إلى ترك العمل بالكتاب والسنة إلا بواسطة آراء العلماء الذين يقلدونهم، فما عملوا به عملوا به وما لم يعملوا به، لم يعملوا به ولا يلتفتون إلى كتاب وسنة بل من شرط التقليد الذي أصيبوا به أن يقبل من إمامه رأيه ولا يعوّل على روايته ولا يسأله عن كتاب ولا سنة، فإن سأله عنهما خرج عن التقليد لأنه قد صار مطالباً بالحجة. ومن جملة ما يجب فيه طاعة أولى الأمر تدبير الحروب التي تدهم الناس والانتفاع بآرائهم فيها وفي غيرها من تدبير أمر المعاش وجلب المصالح ودفع المفاسد الدنيوية، ولا يبعد أن تكون هذه الطاعة في هذه الأمور التي ليست من الشريعة هي المرادة بالأمر بطاعتهم لأنه لو كان المراد طاعتهم في الأمور التي شرعها الله ورسوله لكان ذلك داخلاً تحت طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يبعد أيضاً أن تكون الطاعة لهم في الأمور الشرعية في مثل الواجبات المخيّرة وواجبات الكفاية، فإذا أمروا بواجب من الواجبات المخيرة أو ألزموا بعض الأشخاص الدخول في واجبات الكفاية لزم ذلك، فهذا أمر شرعي وجب فيه الطاعة. وبالجملة فهذه الطاعة لأولي الأمر المذكورة في الآية هي الطاعة التي ثبتت في الأحاديث المتواترة في طاعة الأمراء ما لم يأمروا بمعصية الله أو يرى المأمور كفراً بواحاً، فهذه الأحاديث مفسرة لما في الكتاب العزيز، وليس ذلك من التقليد في شيء بل هو في طاعة الأمراء الذين غالبهم الجهل والبعد عن العلم في تدبير المحاربات وسياسة الأجناد وجلب مصالح العباد، وأما الأمور

الشرعية الحضة فقد أغنى عنها كتاب الله العزيز وسنة رسوله المطهرة صلى الله عليه وآله وسلم. هذا الذي سقناه هو عمدة أدلة المجوزين للتقليد وقد أبطلناه كما عرفت، ولهم شبه غير ما حررناه. (فإن تنازعتم) المنازعة المجاذبة والنزع الجذب كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها والمراد بالأختلاف المجادلة، والظاهر أنه خطاب مستقل مستأنف موجّه للمجتهدين، ولا يصح أن يكون لأولي الأمر إلا على طريق الالتفات، وليس المراد فإن تنازعتم أيها الرعايا مع أولي الأمر المجتهدين لأن المقلد ليس له أن ينازع المجتهد في حكمه، قاله أبو السعود على ما في الجمل، والأولى ما قدمناه. وظاهر قوله (في شيء) يتناول أمور الدين والدنيا ولكنه لما قال (فردّوه إلى الله والرسول) تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والمعنى في شيء غير منصوص نصاً صريحاً من الأمور المختلف فيها كندب الموتر وضمان العارية ونحوهما، والرد إلى الله هو الرد إلى كتابه العزيز، والرد إلى الرسول هو الرد إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالرد إليه سؤاله. هذا معنى الرد إليهما، وقيل معنى الرد أن يقول لما لا يعلم " الله ورسوله أعلم " وهو قول ساقط وتفسير بارد، وليس الرد في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى (ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم). والرد إلى كتاب الله وسنة رسوله واجب، فإن وجد ذلك الحكم في كتاب الله أخذ به، فإن لم يوجد فيه ففي سنة رسوله، فإن لم يوجد فيها فسبيله

الاجتهاد، ولا يلتفت عند وجود الحكم فيهما أو في أحدهما إلى غيرهما من آراء الرجال وغيرهم فإنه مشاقّة لله ولرسوله من بعد ما تبين له الهدى. وفي قوله (إن كنتم تؤمنون) دليل على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين وأنه شأن من يؤمن (بالله واليوم الآخر) وفي الآية دليل على أن من لا يعتقد وجوب متابعة الكتاب والسنة والحكم بالنصوص القرآنية والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يكون مؤمناً بالله ولا باليوم الآخر. (ذلك) أي الرد المأمور به (خير وأحسن تأويلاً) أي مرجعاً وأحمد عاقبة من الأول يقال آل يؤول إلى كذا أي صار إليه، والمعنى أن ذلك الرد خير لكم في حد ذاته من غير اعتبار فضله على شيء يشاركه في أصل الخيرية من التنازع والقول بالرأي وأحسن مآلاً مرجعاً ترجعون إليه، ويجوز أن يكون المعنى أن الرد أحسن تأويلاً من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع، وقال قتادة: ذلك أحسن ثواباً وخير عاقبة، وقال مجاهد: أحسن جزاء. واعلم أن هذه الآية الشريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب. أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فدلت على وجوب متابعة الكتاب والسنة، وقوله تعالى (وأولي الأمر منكم) يدل على أن إجماع الأمة حجة لأن الله تعالى أمر بطاعتهم على سبيل الجزم، وهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والمراد بهم أهل الحل والعقد، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.

وقوله (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول) يدل على أن القياس حجة. وهذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقاً فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس ألبتة سواء كان القياس جلياً أو خفياً، وسواء كان النص مخصوصاً قبل ذلك أم لا. ومما يدل عليه أن قوله أطيعوا الله وأطيعوا الرسول أمر بطاعة الكتاب والسنة وهذا الأمر مطلق فثبت أن متابعتهما سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجب. ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى (أحدها) أن كلمة (إن) على قول الأكثرين للإشتراط وعلى هذا كان قوله (فإن تنازعتم) صريحاً في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول (الثاني) أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة. (الثالث) أنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله " فإن لم تجد ". (الرابع) أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس، ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدماً على النص وصار بذلك السبب ملعوناً، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وأنه غير جائز. (الخامس) أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك بل هو مظنون من جميع الجهات، والقطوع راجح على المظنون.

(السادس) قوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلاً في الواقعة ثم إنا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم. (السابع) قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) فإذا كان عموم القرآن حاضراً ثم قدمنا القياس المخصص عليه لزم التقديم بين يدي الله ورسوله. (الثامن) قوله تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله) إلى قوله (إن تتبعون إلا الظنّ) جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتّة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل. (التاسع) أن القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والقياس يفرق عقل الإنسان الضعيف وكل من له عقل صحيح علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى. وأيضاً هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة مردود باطل وليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول، فالقول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة، والقول بالإستصلاح الذي يقول به مالك إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايراً لهذه الأربعة كان القول به باطلاً قطعاً لدلالة هذه الآية على بطلانه. والأمر في قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) للوجوب وبه زعم كثير من الفقهاء واعترض عليه المتكلمون بما لا يغني عن جوع، وهذه الآية دالة على أن ظاهر الأمر للوجوب ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع.

وفي الآية دلالة على أن شرط الإستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله (فإن تنازعتم في شيء فردّوه) مشعر بهذا الإشتراط، ومعنى تنازعتم اختلفتم، قال الزجاج: أي قال كل فريق القول قولي والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده، وآخر الآية يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمناً (¬1). والكلام في الآية إستنباطاً وتفقهاً ورداً وتعقباً يطول، وقد بسط القول فيه الرازي في تفسيره والذي ذكرناه حاصل ما يتعلق بالتفسير منه. ¬

(¬1) قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " النكتة في إعادة العامل في " الرسول " دون " أولي الأمر " مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى، كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف، هما القرآن والسنة، فكأن التقدير: وأطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة، والمعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن. قلت: وقد روى أبو داود 4/ 279 بسند صحيح عن المقدام بن معدي كرب، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه، وما وجدتم فيه من حرام فحرموه، وإن ما حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حرم الله ".

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا (60) (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) فيه تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حال هؤلاء الذين ادّعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاؤا بما ينقض عليهم هذه الدعوى ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلاً وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله وعلى من قبله أن يكفروا به. وقد تقدم تفسير الطاغوت والإختلاف في معناه، وبسند قال السيوطي: صحيح عن ابن عباس قال كان برزة الأسلمي كاهناً يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر ناس إليه من المسلمين فأنزل هذه الآية. وعنه كان الجلاس بن الصامت قبل توبته ومعتّب بن قشير ورافع بن زيد كانوا يدعون الإسلام فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فنزلت الآية، وبذلك يتضح معناها. (ويريد الشيطان أن يضلّهم) عن طريق الهدى والحق (ضلالاً بعيداً) مستمراً إلى الموت.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62)

61

(وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) تكملة لمادة التعجب ببيان إعراضهم صريحاً عن التحاكم إلى كتاب الله ورسوله إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت (رأيت المنافقين) أي أبصرتهم كما هو الظاهر (يصدّون عنك صدوداً) اسم للمصدر وهو الصد عند الخليل وعند الكوفيين أنهما مصدران أي يعرضون عنك وعن حكمك إعراضاً وأي إعراض، وإنما أعرضوا لأنهم علموا أنه يحكم بالحق الصريح ولا يقبل الرّشا.

62

(فكيف) بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم أي كيف يكون حالهم (إذا أصابتهم مصيبة) أي وقت إصابتهم فإنهم يعجزون عند ذلك ولا يقدرون على الدفع والمراد (بما قدمت أيديهم) ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها التحاكم إلى الطاغوت (ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً) أي يعتذرون عن فعلهم، وهو عطف على " أصابتهم " ويحلفون ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك (¬1). ¬

(¬1) قال أبو جعفر في تفسير الآية: يعني بذلك جل ثناؤه، فكيف بهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل اليك، وما أنزل من قبلك (إذا أصابتهم مصيبة) بمعني إذا نزلت بهم نقمه من الله (بما قدمت أيديهم) يعني بذنوبهم التي سلفت منهم، (ثم جاؤوك يحلفون بالله) يقول: ثم جاؤوك يحلفون بالله كذباً وزوراً (إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً) وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن هؤلاء المنافقين أنهم لا يردعهم عن النفاق العبر والنقم، وأنهم أن تأتهم عقوبة من الله على تحاكمهم إلى الطاغوت لم ينيبوا ولم يتوبوا، ولكنهم يحلفون بالله كذباً وجرأة على الله: ما أردنا باحتكامنا إليه إلا الإحسان من بعضنا إلى بعض، والصواب فيما احتكمنا فيه إليه.

63

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63) وقال ابن كيسان: معناه ما أردنا إلا عدلاً وحقاً مثل قوله (وليحلفنّ إن أردنا إلا الحسنى) فكذبهم الله بقوله (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) من النفاق والعداوة للحق، وكذبهم في عذرهم، قال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون (فأعرض عنهم) أي عن عقابهم بالصفح، وقيل عن قبول اعتذارهم، وقيل أعرض عنهم في الملا، وقل لهم في الخلا، لأنه في السر أنجع، وقيل هذا الإعراض منسوخ بآية القتال. (وعظهم) أي خوّفهم من النفاق والكفر والكذب والكيد وعذاب الآخرة باللسان (وقل لهم في أنفسهم) أي في حق أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرور التي يعلمها الله، وقيل معناه قل لهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم (قولاً بليغاً) أي بالغاً في وعظهم ومؤثراً فيهم، واصلاً إلا كنه المراد مطابقاً لما سيق له من المقصود، وذلك بأن يوعدهم بسفك دمائهم وسبي نسائهم وسلب أموالهم، والإيذان بأن ما في قلوبهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على الله تعالى، وأن ذلك مستوجب لأشد العقوبات. والبلاغة إيصال المعنى إلا الفهم في أحسن صورة من اللفظ، وقيل حسن العبارة مع صحة المعنى، وقيل سرعة الإيجاز مع الإفهام وحسن التصرف من غير إضجار، وقيل ما قل لفظه وكثر معناه، وقيل ما طابق لفظه معناه ولم يكن لفظه إلا السمع أسبق من معناه إلا القلب. وقيل المراد بالقول البليغ ما كان مشتملاً على الترغيب والترهيب والإعذار والإنذار والوعد والوعيد، وإذا كان كذلك عظم وقعه في القلوب وأثر في النفوس.

64

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) (وما أرسلنا من رسول) من زائدة للتوكيد قاله الزجاج، والمعنى وما أرسلنا رسولاً (إلا ليطاع) فيما أمر به ونهى عنه، وهذه لام كي، والاستثناء مفرغ أي ما أرسلنا لشيء من الأشياء إلا للطاعة (بإذن الله) بعلمه وقيل بأمره وقيل بتوفيقه، وفيه توبيخ وتقريع للمنافقين الذين تركوا حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضوا بحكم الطاغوت. (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك من الطاغوت وغيره (جاؤوك) متوسّلين إليك تائبين من النفاق متنصلين عن جناياتهم ومخالفاتهم (فاستغفروا الله) لذنوبهم بالتوبة والإخلاص وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعاً لهم فاستغفرت لهم، وإنما قال (واستغفر لهم الرسول) على طريقة الالتفات لقصد التفخيم لشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتعظيماً لاستغفاره وإجلالاً للمجيء إليه (لوجدوا الله تواباً رحيماً) أي كثير التوبة عليهم والرحمة لهم. وهذا المجيء يختص بزمان حياته صلى الله عليه وآله وسلم، وليس المجيء إليه يعني إلى مرقده المنوّر بعد وفاته صلى الله عليه وآله وسلم مما تدل عليه هذه الآية كما قرره في (الصارم المنكى (¬1)) ولهذا لم يذهب إلا هذا الاحتمال البعيد أحد من سلف الأمة وأئمتها لا من الصحابة ولا من التابعين ولا ممن تبعهم بالإحسان. ¬

(¬1) البخاري 5/ 26، ومسلم 4/ 1830، ولفظه عن عروة، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) قال ابن جرير: قوله (فلا) رد على ما تقدم ذكره تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ثم استأنف القسم بقوله (وربّك لا يؤمنون) وقيل إنه قدم (لا) على القسم اهتماماً بالنفي وإظهاراً لقوته ثم كرره بعد القسم تأكيداً، وقيل (لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، قاله الزمخشري، والتقدير: فوربّك لا يؤمنون كما في قوله (فلا أقسم بمواقع النجوم). (حتى) غاية أي ينتفى عنهم الإيمان إلى أن (يحكّموك) أي يجعلوك حكماً بينهم في جميع أمورهم، لا يحكمون أحداً غيرك وقيل معناه يتحاكمون إليك، ولا ملجىء لذلك (فيما شجر) أي اختلف (بينهم) واختلط ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه تشاجر الرياح أي اختلافها. (ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت) قيل هو معطوف على مقدر ينساق إليه الكلام أي فتقضي بينهم ثم لا يجدوا، والحرج الضيق وقيل الشك، ومنه قيل للشجر الملتف حرج وحرجة وجمعها حراج وقيل الحرج الإثم أي لا يجدودن في أنفسهم إثماً بأنكارهم ما قضيت به (ويسلّموا تسليماً) أي ينقادوا لأمرك وقضائك إنقياداً لا يخالفونه في شيء بظاهرهم وباطنهم، قال الزجاج: تسليماً مصدر مؤكد أي ويسلّمون لحكمك تسليماً لا يدخلون على أنفسهم شكاً ولا شبهة فيه. والظاهر أن هذا شامل لكل فرد في كل حكم كما يؤيد ذلك قوله (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) فلا يختص بالمقصودين بقوله (يريدون

أن يتحاكموا إلى الطاغوت) وهذا في حياته - صلى الله عليه وسلم -، وأما بعد موته فتحكيم الكتاب والسنة تحكم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة أو في أحدهما، وكان يعقل ما يرد عليه من حجج الكتاب والسنة بأن يكون عالماً باللغة العربية وما يتعلق بها من نحو وتصريف ومعاني وبيان، عارفاً بما يحتاج إليه من علم الأصول بصيراً بالسنة المطهرة مميزاً بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفاً غير متعصب لمذهب من المذاهب ولا لنحلة من النحل، ورعاً لا يحيف ولا يميل في حكمه. فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها، وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة فإنه أولاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت) فضم إلى التحكيم أمراً آخر هو عدم وجود حرج أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان، وانثلاج قلب وطيب نفس. ثم لم يكتف بهذا كله بل ضم إليه قوله (ويسلّموا) أي يذعنوا وينقادوا ظاهراً وباطناً. ثم لم يكتف بذلك بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليماً) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ثم لا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه ويسلم لحكمه وشرعه تسليماً لا يخالطه رد، ولا تشوبه مخالفة.

قال الرازي: ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الاطلاق، وأنه لا يجوز العدول منه إلى غيره. ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس. وقوله (ثمّ لا يجدوا) إلى آخره مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج ويسلم للنصّ تسليماً كلياً، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف انتهى. أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن عبد الله بن الزبير أن الزبير خاصم رجلاً من الانصار قد شهد بدراً مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شراج من الحرة وكانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري وقال يا رسول الله إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك (¬1). واستوعى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للزبير حقه، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ (¬2) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصاري استوعى للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك. ¬

(¬1) سبق ذكره. (¬2) أي أغضب.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن الأسود أن سبب نزول الآية أنه اختصم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلان فقضى بينهما فقال المقضي عليه ردّنا إلى عمر، فردهما فقتل عمر الذي قال: ردّنا، ونزلت الآية فأهدر النبي - صلى الله عليه وسلم - دم المقتول وأخرجه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن مكحول فذكر نحوه، وبين أن الذي قتله عمر كان منافقاً، وهما مرسلان والقصة غريبة، وابن لهيعة فيه ضعف (¬1). ¬

(¬1) وفي سبب نزول الآية أربعة أقوال: أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهودي، فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقضى لليهودي، فلما خرجا، قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطاب، فأقبلا إليه، فقصّا عليه القصة، فقال: رويداً حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السيف، ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. والثاني: أن أبا بردة الأسلمي كان كاهناً يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين، فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس. والثالث: أن يهودياً ومنافقاً كانت بينهما خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي، لأنه لا يأخذ الرشوة، ودعا المنافق إلى حكامهم، لأنهم يأخذون الرشوة، فلما اختلفا، اجتمعا أن يحكما كاهناً، فنزلت هذه الآية، هذا قول الشعبي. والرابع: أن رجلاً من بني النضير قتل رجلاً من بني قريظة، فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: بل إلى النبي فأبى المنافقون فأتوا الكاهن.

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (68)

66

(ولو أنا كتبنا عليهم) أي على هؤلاء الموجودين من اليهود والمنافقين كما كتبنا على بني اسرائيل (¬1) (أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم) والمعنى لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم، والضمير في فعلوه راجع إلى المكتوب الذي دل عليه كتبنا أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدمنا وجهه، وقرىء قليل بالرفع على البدل وبالنصب على الاستثناء والرفع عند النحاة أجود. (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) من اتّباع الشرع والانقياد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لكان) ذلك (خيراً لهم) وأنفع في الدنيا والآخرة من غيره على تقدير أن الغير فيه خير، وهذا إذا كان على بابه، ويحتمل أنه بمعنى أصل الفعل أي لحصل لهم خيرهما (وأشدّ تثبيتاً) لإقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم. ¬

(¬1) ابن جرير 8/ 526 ونقله ابن كثير عن ابن أبي حاتم أيضاً.

67

(وإذاً) أي وقت فعلهم لما يوعظون به (لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً) أي ثوابا وافراً جزيلاً وهو الجنة

68

(ولهديناهم صراطاً مستقيماً) لا عوج فيه ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به وانقاد لمن يدعوه إلى الحق، قال ابن عباس: يعني دين الإسلام وقيل الأعمال الصالحة المؤدية إلى الصراط الذي يمر عليه الناس إلى الجنة.

69

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69) (ومن يطع الله والرسول) كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله والرسول فيما أمرا به إيجاب أمر أو ندب، أو فيما نهيا عنه نهي تحريم أو كراهة، فالمراد بالطاعة الإنقياد التام لجميع الأوامر والنواهي. والإشارة بقوله (فأولئك) أي المطيعين كما يفيده من (مع الذين أنعم الله عليهم) بدخول الجنة والوصول إلى ما أعد الله لهم (من النبيين) بيان للذين، وفي الآية سلوك طريق التدلّي فإن منزلة كل واحد من الأصناف الأربعة أعلى من منزلة ما بعده. (والصدّيقين والشهداء والصالحين) الصدّيق المبالغ في الصدق كما تفيده الصيغة، وقيل هم فضلاً، أتباع الأنبياء، والشهداء من ثبت لهم الشهادة في سبيل الله أو الذين استشهدوا يوم أحد والأول أولى، والصالحون أهل الأعمال الصالحة، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وبالصديقين أبو بكر، وبالشهداء عمر وعثمان وعلي وبالصالحين سائر الصحابة، والعموم أولى ولا وجه للتخصيص. (وحسن أولئك) الأصناف الأربعة وفيه معنى التعجب كأنه قال: وما أحسن أولئك (رفيقاً) في الجنة، والرفيق مأخوذ من الرفق وهو لين الجانب والمراد به المصاحب لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، وإنما وحّد الرفيق وهو صفة الجمع لأن العرب تعبّر به عن الواحد والجمع. وقيل معناه: وحسن كل واحد من أولئك رفيقاً في الجنة بأن يستمتع فيها

برؤيتهم وزيارتهم والحضور معهم وإن كان مقرهم في الدرجات العالية بالنسبة إلى غيرهم. وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والضياء المقدسي في صفة الجنة وحسنه عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل جبريل بهذه الآية (¬1). وقيل نزلت في ثوبان مولى (¬2) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان شديد الحب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قليل الصبر عنه. وعن أنس أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الساعة فقال: متى الساعة؟ قال: وما أعددت لها؟ قال: لا شيء إلا أني أحبّ الله ورسوله فقال: أنت مع من أحببت، قال أنس: فما فرحنا بشيء أشد فرحاً بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنت مع من أحببت، قال أنس فأنا أحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم وإن لم أعمل بأعمالهم، أخرجه الشيخان. أقول: وأنا أيضاً أحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وأتباعهم وأهل بيته وسلف الأمة وأئمتها سيما المحدثين منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين حباً شديداً وأرجو أن يجمعني الله معهم في دار رحمته وكرامته بمنّه ولطفه، فإنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير. ¬

(¬1) ابن جرير 8/ 534 وأبو نعيم في الحلية 8/ 125. (¬2) ذكره الواحدي في أسباب النزول.

ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (71) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (72)

70

(ذلك) أي ما ذكر من وصف الثواب أو كونهم مع من ذكر (الفضل) كائن (من الله) يعني الذي أعطى الله المطيعين من الأجر العظيم فضل تفضل به عليهم لا أنهم نالوه بطاعتهم (وكفى بالله عليماً) بجزاء من أطاعه، أو بعباده فهو يوفقهم لطاعته، فثقوا بما أخبركم به ولا ينبئك مثل خبير. وفيه دليل على أنهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم، بل إنما نالوها بفضل الله ورحمته، ويدل عليه ما روى عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحد منكم عمله الجنة قيل: ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله منه بفضل ورحمة أخرجه البخاري، ولمسلم نحوه (¬1). ¬

(¬1) مسلم 2816 - البخاري 35.

71

(يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) هذا خطاب لخُلّص المؤمنين وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله، والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل قال الفرا: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضاً يقال خذ حذرك أي إحذر وتيقظ له، قيل معنى الآية الأمر لهم بأخذ السلاح حذراً لأن به الحذر. (فانفروا) نفر ينفر بكسر الفاء نفيراً ونفرت الدابة تنفر بضم الفاء نفوراً، والمعنى إنهضوا لقتال العدو، أو النفير اسم للقوم الذين ينفرون. وأصله من النفار والنفور والنفر وهو الفزع، ومنه قوله تعالى (ولوا على أدبارهم

نفوراً) أي نافرين، يقال نفر إليه أي فزع، والنفر الجماعة كالقوم والرهط والإسم النفر بفتحتين. وقوله (ثُبات) جمع ثبة أي جماعة من الرجال فوق العشرة وقيل فوق الإثنين، والمعنى انفروا جماعات متفرقات سرية بعد سرية (أو انفروا جميعاً) أي مجتمعين جيشاً واحداً، ومعنى الآية الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين ليكون ذلك أشد على عدوهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده أو نحو ذلك. وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى (انفروا خفافاً وثقالاً) وبقوله (إلا تنفروا يعذّبكم) والصحيح أن الآيتين جميعاً محكمتان (إحداهما) في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، (والأخرى) عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض (¬1). ¬

(¬1) قال أبو سليمان الدمشقي والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإمام وليس في هذا المنسوخ بذلك.

72

(وإن منكم لمن ليبطّئن) التبطئة والإبطاء التأخر، والمراد المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم، والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم ومن أظهر إيمانه لكم نفاقاً من يبطّيء المؤمنين ويثبّطهم، واللام في قوله (لمن) لام توكيد للإبتداء، وفي قوله (ليبطّئن) لام جواب القسم (¬1). (فإن أصابتكم مصيبة) من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال (قال) هذا المنافق (قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيداً) أي حاضر الوقعة حتى يصيبني ما أصابهم. ¬

(¬1) قال ابن الجوزي أنها نزلت في المنافقين كانوا يتأملون عن الجهاد ..

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (73) فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (74)

73

(ولئن) لام قسم (أصابكم فضل من الله) أي غنيمة أو فتح ونسبة إضافة الفضل إلى جانب الله تعالى دون إصابة المصيبة من العادات الشريفة التنزيليّة، كما في قوله (وإذا مرضت فهو يشفين) وتقديم الشرطية الأولى لما أن مضمونها لمقصدهم أوفق، وأثر نفاقهم فيها أظهر. (ليقولنّ) هذا المنافق قول نادم حاسد (كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة) أي معرفة وصداقة حقيقية، وإلا فالمودة الظاهرة حاصلة بالفعل جملة معترضة، وقيل إن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وقيل المعنى كأن لم نعاقدكم على الجهاد (يا) للتنبيه لا للنداء لدخولها على الحرف (ليتني كنت معهم) أي في تلك الغزوة التي فيها المؤمنون (فأفوز) معهم (فوزاً عظيماً) أفوز بالنصب على جواب التمني، وقرأ الحسن بالرفع أي فآخذ نصيباً وافراً من الغنيمة (¬1). ¬

(¬1) مسلم 1876 - البخاري 34. زاد المسير 2/ 131.

74

(فليقاتل في سبيل الله) قدم الظرف على الفاعل للإهتمام به (الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة) أي يبيعونها بها وهم المؤمنون، فالفاء جواب شرط مقدر أي إن أبطأ وتأخر هؤلاء عن القتال فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة أو الذين يشرونها ويختارونها على الآخرة وهم المبطئون، والمعنى حثهم على ترك ما حكى عنهم. (ومن يقاتل في سبيل الله) لإعلاء دينه (فيُقتل) أي فيستشهد (أو

يغلب) يعني يظفر بعدوه من الكفار، وذكر هذين الأمرين للإشارة إلى أن حق المجاهد أن يوطن نفسه على أحدهما ولا يخطر بباله القسم الثالث وهو مجرد أخذ المال (فسوف نؤتيه) في كلتا الحالتين الشهادة أو الظفر (أجراً عظيماً) يعني ثواباً وافراً. وعد الله المقاتلين في سبيله بأنه سيؤتيهم أجراً عظيماً لا يقادر قدره، وذلك أنه إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وان غلب وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلو في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا يقتضي التسوية بين من قتل شهيداً أو انقلب غانماً. وربما يقال إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستوياً فإن كون الشيء عظيماً هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيماً بالنسبة إلي ما هو دونه، وحقيراً بالنسبة إلى ما فوقه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو على ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، أخرجه الشيخان واللفظ لمسلم (¬1). ¬

(¬1) قال ابن عطية: المنافق يعاطي المؤمنين المودة، ويعاهد على التزام كلف الإسلام، ثم يتخلف نفاقاً وشكاً وكفراً بالله ورسوله، ثم يتمنى عندما يكشف الغيب الظفر للمؤمنين فعلى هذا يجيء قوله تعالى: (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) التفاتة بليغة، واعتراضاً بين القائل والمقول بلفظ يظهر زيادة في قبح فعلهم " البحر المحيط " 3/ 293.

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75) الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)

75

(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله) خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات (و) سبيل (المستضعفين من الرجال والنساء والولدان) حتى تخلصوهم من الأسر وتريحوهم مما هم فيه من الجهد، ويجوز أن يكون منصوباً على الأختصاص أي وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأول الزجاج والأزهري. وقال محمد بن يزيد اختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفاً على السبيل لا على الجلالة وإن كانت أقرب على ما في تفسير الكواشي، لأن خلاص المستضعفين من أيدي المشركين سبيل الله لا سبيلهم. والمراد بالمستضعفين هنا من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم الذين كان يدعو لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقول: اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والستضعفين من المؤمنين كما في الصحيح. وفيه دليل على أن الجهاد واجب، والمعنى لا عذر لكم في ترك الجهاد وقد بلغ حال المستضعفين ما بلغ من الضعف والأذى. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس قال: أنا وأمي من المستضعفين وفي رواية قال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله وأنا من الولدان وأمي من النساء، ولا

يبعد أن يقال إن لفظ الآية أوسع من هذا، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله (الذين يقولون) داعين (ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها) فإنه يشعر باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة لأنه قد أجمع المفسرون على أن المراد بالقرية الظالم أهلها مكة (واجعل لنا من لدنك ولياً) يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا (واجعل لنا من لدنك نصيرًا) ينصرنا على أعدائنا. وقد استجاب الله دعاءهم وجعل لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - فتولّى أمرهم ونصرهم واستنقذهم من أيدي المشركين يوم فتح مكة، وقال السيوطي: يسرّ لبعضهم الخروج وبقي بعضهم إلى أن فتحت مكة، وولّى - صلى الله عليه وسلم - عتاب بن أسيد فأنصف مظلومهم من ظالمهم انتهى، وكان ابن ثماني عشرة سنة قال الخازن: فكان يأخذ للضعيف من القوي وينصر المظلومين على الظالمين.

76

(الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله) يعني في طاعة الله وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته، وهذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت) أي الشيطان أو الكهان أو الأصنام وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى لقوله (فقاتلوا أولياء الشيطان) وهم الكفار (إن كيد الشيطان) أي مكره ومكر من اتَّبعه من الكفار (كان ضعيفاً) فلا يقاوم نصر الله وتأييده. وعن ابن عباس قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه واحملوا عليه إن كيده كان ضعيفاً واهياً، وقال مجاهد كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة فكنت أذكر قول ابن عباس فأحمل عليه فيذهب عني، والكيد السعي في الفساد على جهة الاحتيال.

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77) (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفّوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) قيل هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه فلما كتب عليهم بالمدينة ثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفاً من الموت وفزعاً من هول القتل، وقال مجاهد: إنها نزلت في اليهود، وقيل في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله (وقالوا ربنا -إلى قوله- قريب) وقوله إن تصبهم حسنة الآية، ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة، وفيه دليل على أن فرض الصلاة والزكاة كان قبل فرض الجهاد. (فلما كتب عليهم القتال) أي فرض عليهم جهاد المشركين وأمروا بالخروج إلى بدر (إذا فريق منهم) أي جماعة من الذين سألوا أن يفرض عليهم الجهاد (يخشون الناس) أي يخافون مشركي مكة (كخشية الله أو أشد خشية) أو للتنويع على أن معنى خشية بعضهم كخشية الله وخشية بعضهم أشد منها (وقالوا) جزعاً من الموت (ربنا لم كتبت علينا القتال) أي لم فرضت علينا الجهاد (لولا) هلا (أخّرتنا) يريدون المهلة (إلى أجل) أي وقت آخر (قريب) من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال. والقائلون لهذا القول هم المنافقون، وقيل قاله بعض المؤمنين خوفاً وجبناً لا اعتقاداً ثم تابوا منه، وقال السدي: إلى أجل يعني إلى موت، فأمره الله

سبحانه بأن يجيب عليهم فقال (قل متاع الدنيا) أي منفعتها والاستمتاع بها (قليل) سريع الفناء زائل لا يدوم لصاحبه آيل إلى الفناء (والآخرة) أي ثوابها (خير) من المتاع القليل (لمن اتّقى) الشرك والمعصية منكم ورغب في الثواب الدائم (ولا تظلمون فتيلاً) أي قدر قشرة يعني شيئاً حقيراً يسيراً وقد تقدم تفسير الفتيل قريباً. وإذا كنتم توفّون أجوركم ولا تنقصون شيئاً منها فكيف ترغبون عن ذلك، وتشتغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه؟. أخرج النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا نبي الله كنّا في عزّة ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فقال: إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم، فلما حوّله الله إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا فأنزل الله هذه الآية (¬1) وعن قتادة نحوه. ¬

(¬1) ذكره الواحدي عن الكلبي، وروى ابن جرير 8/ 549 عن ابن عباس: أن عبد الرحمن بن عوف وأصحاباً له أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة! فقال: إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا، فلما حوله الله إلى المدينة، أمر بالقتال فكفوا، فأنزل الله تبارك وتعالى:. (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) الآية، وإسناده جيد، ورواه الحاكم في " المستدرك " مع اختلاف في لفظه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)

78

(أينما تكونوا يدرككم الموت) كلام مبتدأ مسوق من قبله تعالى بطريق تلوين الخطاب وصرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المخاطبين اعتناء بإلزامهم إثر بيان حقارة الدنيا وعلو شأن الآخرة، وفيه حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائناً لا محالة، فمن لم يمت بالسيف مات بغيره (ولو كنتم في بروج) جمع برج وهو البناء المرتفع (مشيّدة) من شاد القصر إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجص. وقد اختلف في هذه البروج ما هي فقيل الحصون والقلاع التي في الأرض وقيل هي القصور المحصنة الرفيعة، قال الزجاج والقتبي: معنى مشيدة مطولة وقيل المراد بالبروج بروج في سماء الدنيا مبنية حكاه مكي عن مالك، وقال: ألا ترى إلى قوله (والسماء ذات البروج) (وجعل فيها بروجاً) (ولقد جعلنا في السماء بروجاً) وقيل إن المراد بالبروج المشيدة هنا قصور من حديد. (وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله) هذا وما بعده مختص بالمنافقين أي إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى (وإن تصبهم سيئة) أي بلية ونقمة (يقولوا هذه من عندك) أي نسبوها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرد الله ذلك عليهم بقوله (قل كلّ) من النعمة والبلية (من عند الله) خلقا وإيجاداً من غير أن يكون له مدخل في وقوع شيء منهما بوجه من

الوجوه وليس كما تزعمون، فأما الحسنة فإنعام من الله وأما السيئة فابتلاء منه. ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال (فما لهؤلاء القوم) أي فما بال هؤلاء المنافقين أو ما شأن اليهود الذين قالوا ما قالوا (لا يكادون) لا يقاربون (يفقهون حديثاً) من الأحاديث أصلاً أو معاني القرآن، وأن الأشياء كلها من الله.

79

(ما أصابك من حسنة) هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس أو لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعريضاً لأمّته أي ما أصابك من خصب ورخاء وخير ونعمة وصحة وسلامة (فمن الله) بفضله ورحمته إحساناً منه إليك، وتفضّلاً منه عليك (وما أصابك من سيئة) أي جهد وبلاء وشدة ومكروه ومشقة وأذى (فمن نفسك) أي بذنب أتيته وخطيئة اكتسبتها نفسك فعوقبت عليه، وقيل هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثاً، وقيل إن ألف الاستفهام مضمرة أي أفمن نفسك ومثله قوله تعالى (وتلك نعمة تمنّها علي) والمعنى أو تلك نعمة ومثله قوله تعالى (فلما رأى القمر بازغاً قال هذا ربي) أي أهذا ربي. وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية كقوله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) وقوله (أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنىّ هذا قل هو من عند أنفسكم). وقد يظن أن قوله (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) مناف لقوله (كل من عند الله) ولقوله (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله) وقوله (نبلوكم بالشر والخير فتنة) وقوله (وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له وما لهم من دونه من وال). وليس الأمر كذلك فالجمع ممكن فإضافة الأشياء كلها إلى الله حقيقة،

وإلى فعل العبد مجازية، قال قتادة: حسنة أي نعمة وسيئة أي مصيبة (كل من عند الله) أي النعم والمصائب، وعن أبي العالية قال: إن تصبهم حسنة هذه في السراء والضراء (وما أصابك من حسنة) قال: هذه في الحسنات والسيآت. وعن ابن عباس قال: الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك وأما السيئة فابتلاك بها، وما أصابك من سيئة قال: ما أصابه يوم أحد أن شجّ وجهه وكسرت رباعيّته. وقد تعلّق بظاهر هذه الآية القدرية وقالوا نفى الله السيئة عن نفسه ونسبها إلى الإنسان ولا متعلّق لهم بها لأنه ليس المراد منها الكسب، بل ما يصيب الناس من النعم والمحن، ولو كانت على ما يقول أهل القدر لقال ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة ولم يقل ما أصابك، وقال ابن الأنباري: الفعلان راجعان إلى الله يعني ما أصابك الله به من حسنة ومن سيئة. (وأرسلناك للناس رسولاً) فيه البيان لعموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الجميع كما يفيده التأكيد بالصدر والعموم في الناس ومثله قوله (وما أرسلناك إلا كافة للناس)، وقوله (يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) وفيه جلالة منصبه ومكانته عند الله وبيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه بناء على جهلهم بشأنه الجليل. (وكفى بالله شهيداً) على ذلك أو على أن الحسنة والسيئة منه، والأول أولى، والمعنى شهيداً على إرسالك للناس أو على تبليغك ما أرسلت به إلى الناس.

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80) وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (81) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)

80

(من يطع الرسول فقد أطاع الله) فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذه من النداء بشرف رسول الله وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه. ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهي إلا ما نهى عنه، ولولا بيانه صلى الله عليه وآله وسلم ما كنا نعرف كل فريضة في كتاب الله كالحج والصلاة والزكاة والصوم كيف نأتيها، وقال الحسن: جعل الله طاعة رسوله طاعته وقامت به الحجة على المسلمين. (ومن تولّى) أي أعرض عن طاعته (فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أي حافظاً لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، قيل وقد نسخ هذا بآية السيف.

81

(ويقولون) أمرنا أو شأننا (طاعة) أو نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين أي يقولون إذا كانوا عندك طاعة أي آمنا بك وصدقناك (فإذا برزوا) أي خرجوا (من عندك بيّت) أي زوّر (طائفة منهم) أي من هؤلاء القائلين وهم رؤساؤهم، ومن للتبعيض والتبييت التبديل يقال بيّت الرجل الأمر إذا في بره ليلاً ومنه قوله تعالى (إذ يبيّتون ما لا يرضى من القول). (غير الذي تقول) لهم أنت وتأمرهم به أو غير الذي تقول لك هي من

الطاعة لك وقيل معناه غيروا وبدلوا وحرفوا قولك فيما عهدت إليهم (والله يكتب) أي يثبت في صحائف أعمالهم (ما يبيّتون) أي ما يزوّرون ويغيّرون ويقدّرون، وقال ابن عباس. ما يسرون من النفاق ليجازيهم عليه ويحفظه عليهم، وقال الزجاج: المعنى ينزّله عليك في الكتاب. (فأعرض عنهم) أي دعهم وشأنهم حتى يمكن الانتقام منهم وقيل معناه لا تخبر بأسمائهم وقيل لا تعاقبهم، وقيل لا تغتر بإسلامهم (وتوكل على الله) أي ثق به وفوض أمرك إليه في شأنهم (وكفى بالله وكيلا) ناصراً لك عليهم، أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، قيل وهذا منسوخ بآية السيف.

82

(أفلا يتدبّرون القرآن) الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي يعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه يقال تدبرت الشيء تفكرت في عاقبته وتأملته ثم استعمل في كل تأمل، والتدبر أن يدبر الإنسان أمره كأنه ينظر إلى ما يصير إليه عاقبته. ودلت هذه الآية وقوله تعالى (أفلا يتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها) على وجوب التدبر للقرآن ليعرف معناه، والمعنى أنهم لو تدبروه حق تدبره لوجدوه مؤتلفاً غير مختلف، صحيح المعاني قوي المباني، بالغاً في البلاغة إلى أعلى درجاتها، قال ابن عباس: أفلا يتفكرون فيرون تصديق بعضه لبعض وما فيه من الواعظ والذكر والأمر والنهي، وأن أحداً من الخلق لا يقدر عليه. (ولو كان من عند غير الله) كما يزعمون (لوجدوا فيه اختلافاً) أي تفاوتاً وتناقضاً (كثيراً) قاله ابن عباس، ولا يدخل في هذا اختلاف مقادير الآيات والسور لأن المراد اختلاف التناقض والتفاوت وعدم المطابقة للواقع، وهذا شأن كلام البشر لا سيما إذا طال وتعرض قائله للإخبار بالغيب فإنه لا يوجد منه صحيحاً مطابقاً للواقع إلا القليل النادر. عن قتادة يقول: أن قول الله لا يختلف وهو حق ليس فيه باطل وأن قول الناس يختلف.

83

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً (83) (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به) يقال أذاع الشيء وأذاع به إذا أفشاه وأظهره، وهؤلاء جماعة من ضعفة المسلمين كانوا إذا سمعوا شيئاً من أمر المسلمين فيه أمن نحو ظفر المسلمين وقتل عدوهم، أو فيه خوف نحو هزيمة المسلمين وقتلهم أفشوه وهم يظنون أنه لا شيء عليهم في ذلك، وقيل هم المنافقون كانوا يستخبرون عن حالهم ثم يشيعونه قبل أن يحدث به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ولو ردّوه إلى الرسول) حتى يكون هو الذي يتحدث به ويظهره (وإلى أولي الأمر منهم) وهم أهل العلم والبصيرة والعقول الراجحة الذين يرجعون إليهم في أمورهم أو هم الولاة عليهم (لعلمه الذين يستنبطونه منهم) أي يستخرجونه بتدبّرهم وصحة عقولهم. والمعنى أنهم لو تركوا إذاعة الأخبار حتى يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي يذيعها، أو يكون أولو الأمر منهم هم الذين يتولون ذلك لأنهم يعلمون بما ينبغي أن يفشى ويكتم، والاستنباط مأخوذ من استنبطت الماء إذا استخرجته والنبط الماء المستنبط أول ما يخرج من ماء البئر عند حفرها، وقيل أن هؤلاء الضعفة كانوا يسمعون إرجافات المنافقين على المسلمين فيذيعونها فتحصل بذلك المفسدة. وفي الآية إشارة إلى جواز القياس، وأن من العلم ما يدرك بالنص وهو الكتاب والسنة ومنه ما يدرك بالاستنباط وهو القياس عليهما.

(ولولا فضل الله) أي ما تفضل الله به (عليكم ورحمته) من إرسال رسوله وإنزال كتابه (لا تبعتم الشيطان) فيما يأمركم به فبقيتم على كفركم (إلا قليلاً) منكم أو إلا اتباعاً قليلاً، وقيل أذاعوا به إلا قليلاً منهم فإنه لم يذع ولم يفش، قاله الكسائي والأخفش والفراء وأبو عبيدة وأبو حاتم وابن جرير، وقيل المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج وبه قال الحسن وقتادة واختاره ابن قتيبة والأول أولى (¬1). ¬

(¬1) قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف) في سبب نزولها قولان. أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعتزل نساءه، دخل عمر المسجد، فسمع الناس يقولون: طلق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه، فدخل على النبي عليه السلام فسأله أطلقت نساءك؟ قال: " لا " فخرج فنادى: ألا إن رسول الله لم يطلق نساءه. فنزلت هذه الآية. فكان هو الذي استنبط الأمر. انفرد بإخراجه مسلم، من حديث ابن عباس، عن عمر. مسلم 1/ 1105 وهو حديث طويل فيه فوائد عظيمة، وتوجيهات قيمة، فارجع إليه. والثاني: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بعث سرية من السرايا فغلبت أو غلبت، تحدثوا بذلك، وأفشوه، ولم يصبروا حتى يكون النبي هو المتحدث به. فنزلت هذه الآية. رواه أبو صالح، عن ابن عباس. وقد نص كلامه في " جامع البيان " 8/ 568، 571: وإذا جاءهم خبر عن سرية للمسلمين غازية بأنهم قد أمنوا من عدوهم بغلبتهم إياهم (أو الخوف) يقول: أو تخوفهم من عدوهم بإصابة عدوهم منهم، (أذاعوا به) يقول: أفشوه وبثوه في الناس قبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل ما أتى سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... ولو ردوا الأمر الذي نالهم من عدوهم والمسلمين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلى أولي أمرهم، يعني: وإلى أمرائهم وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر حتى يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو ذوو أمرهم هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، بعد أن تثبت عندهم صحته، أو بطوله، فيصححوه إن كان صحيحاً، أو يبطلوه إن كان باطلاً، لعلم حقيقة ذلك الخبر الذي جاءهم به، الذين يبحثون عنه.

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (84) مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)

84

(فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك) الفاء في قوله فقاتل قيل هي متعلقة بقوله (ومن يقاتل في سبيل الله) إلى آخره أي من أجل هذا فقاتل، وقيل متعلقة بقوله (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله فقاتل) وقيل تقديره إذا كان الأمر ما ذكر من عدم طاعة المنافقين فقاتل، أو إذا أفردوك أو تركوك فقاتل. قال الزجاج: أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالجهاد وإن قاتل وحده لأنه قد ضمن له النصر، قال ابن عطية: هذا ظاهر اللفظ إلا أنه لم يجىء في خبر قط أن القتال فرض عليه دون الأمة، والمعنى والله أعلم أنه خطاب له في اللفظ، وفي المعنى له ولأمّته أي أنت يا محمد وكل واحد من أمتك يقال له فقاتل في سبيل الله لا تكلف غير نفسك ولا تلزم فعل غيرك وهو استئناف مقرر لما قبله، لأن اختصاص تكليفه بفعل نفسه من موجبات مباشرته للقتال وحده. وقرىء لا تكلف بالجزم على النهي وقرىء بالنون. وفي الآية دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أشجع الناس وأعلمهم بأمور القتال، إذ لو لم يكن كذلك لما أمره بذلك، ولقد اقتدى به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قتال أهل الردة على الخروج ولو وحده.

(وحرّض المؤمنين) أي وحضهم على القتال والجهاد يقال حرضت فلاناً على كذا إذا أمرته به وحارض فلان على الأمر وأكب عليه وواظب عليه بمعنى واحد، والمعنى ليس عليك في شأنهم إلا التحريض والترغيب في الثواب فحسب لا التعنيف بهم. (عسى الله أن يكف) فيه إطماع للمؤمنين بكفّ (بأس الذين كفروا) عنهم، والإطماع من الله عز وجل واجب فهو وعد منه سبحانه ووعده كائن لا محالة (والله أشدّ) أي أعظم (بأساً) أي صولة وسلطاناً وشدة وقوة (وأشد تنكيلاً) عقوبة وعذاباً يقال نكلت بالرجل تنكيلاً من النكال وهو العذاب والمنكّل الشيء الذي ينكل بالإنسان.

85

(من يشفع شفاعة حسنة) أصل الشفاعة والشفعة ونحوهما من الشفع وهو الزوج ومنه الشفيع لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضمّ واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك فالشفاعة ضمّ غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال منفعة إلى المشفوع له، والشفاعة الحسنة هي في البرّ والطاعة فمن شفع في الخير لينفع (¬1). (يكن له نصيب) حظ (منها) أي من أجرها، وقد بيّن النصيب في حديث من دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال له الملك آمين ولك بمثل " هذا " (1) فهذا بيان لمقدار النصيب الموعود به قاله أبو السعود، وعن أبي موسى قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالساً فجاء رجل يسأل ¬

(¬1) القرطبي 5/ 296.

فأقبل علينا بوجهه وقال: اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء أخرجه الشيخان. (ومن يشفع شفاعة سيئة) الظاهر أن إطلاق الشفاعة هنا من قبيل المشاكلة لأن حقيقتها اللغوية تقتضي أنها لا تكون إلا في الخير، قال الخازن: هي النميمة والغيبة ونقل الحديث لإيقاع العداوة بين الناس، وقيل المراد دعاء اليهود على المسلمين وقيل معناه من يشفع كفره بقتال المؤمنين. (يكن له كفل منها) أي من وزرها والكفل الوزر، واشتقاقه من الكساء الذي يجعله الراكب على سنام البعير لئلا يسقط، يقال اكتفلت البعير إذا أدرت على سنامه كساء وركبت عليه لأنه لم يستعمل الظهر كله بل استعمل نصيباً منه، ويستعمل في النصيب من الخير والشر، ومن استعماله في الخير قوله تعالى (يؤتكم كفلين من رحمته). (وكان الله على كل شيء مقيتاً) أي مقتدراً قاله الكسائي، وقال الفراء: المقيت الذي يعطي كل إنسان قوته، يقال قته أقوته قوتاً وأقته أقيته إقاتة فأنا قائت ومقيت، وحكى الكسائي: أقات يقيت وقال أبو عبيدة: المقيت الحافظ، قال النحاس: وقول أبي عبيدة أولى لأنه مشتق من القوت والقوت معناه مقدار ما يحفظ الإنسان، وقال ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر والحافظ والشاهد، وقال مجاهد: مقيتاً أي شهيداً حسيباً حفيظاً، وقال سعيد ابن جبير وابن زيد قادراً قديراً وعن الضحاك المقيت الرزاق (¬1). ¬

(¬1) والشافع يؤجر فيما يجوز وإن لم يُشفع؛ لأنه تعالى قال: (من يشفع) ولم يقل يشفع. وفي صحيح مسلم " أشفعوا تؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما أحب ". وجاء في الحديث: " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت " و " يقيت " ذكره الثعلبي: وحكى ابن فارس في المجمل: المقيت المقتدر، والمقيت الحافظ والشاهد، وما عنده قيت ليلة وقوت ليلة. والله أعلم.

وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (87)

86

(وإذا حييتم بتحية) ترغيب في فرد شائع من أفراد الشفاعة الحسنة بعد الترغيب فيها على الإطلاق، فإن تحية السلام شفاعة من الله للمسلم عليه، وأصل التحية تفعلة من حييت، والأصل تحيية مثل ترضية وأصلها الدعاء بالحياة والتحية السلام. وهذا المعنى هو المراد هنا ومثله قوله تعالى (وإذا جاؤوك حيّوك بما لم يحييّك به الله) وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين، وروى عن مالك أن المراد بالتحية هنا تشميت العاطس، وقال أصحاب أبي حنيفة التحية هنا الهدية لقوله (أو ردوها) ولا يمكن رد السلام بعينه وهذا فاسد لا ينبغي الإلتفات إليه. والمراد بقوله (فحيّوا بأحسن منها) أي بأن يزيد في الجواب على ما قاله المبتدىء بالتحية، فإذا قال المبتدىء السلام عليكم قال المجيب وعليكم السلام ورحمة الله، وإذا زاد المبتدىء لفظاً زاد المجيب على جملة ما جاء به المبتدىء لفظاً أو ألفاظاً نحو: وبركاته وتحياته ومرضاته. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سنة مرغّب فيها ورده فريضة لقوله (فحيّوا بأحسن منها) وإنما اختار الشرع لفظ السلام على لفظ حيّاك الله لأنه أتم وأحسن وأكمل ولأن السلام من أسمائه تعالى. (أو ردّوها) أي ردوا عليه كما سلم عليكم واقتصروا على مثل اللفظ الذي جاء به المبتديء فظاهر الآية أنه لو رد عليه بأقل مما سلم عليه به أنه لا

يكفي، وظاهر كلام الفقهاء أنه يكفي، وحملوا الآية على أنه الأكمل. واختلفوا إذا رد واحد من جماعة هل يجزىء أوْلاً؟ فذهب مالك والشافعي إلى الإجزاء وذهب الكوفيون إلى أنه لا يجزىء عن غيره، ويرد عليهم حديث علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يجزىء عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزىء عن الجلوس أن يرد أحدهم (¬1) أخرجه أبو داود وفي إسناده سعيد بن خالد الخزاعي المدني وليس به بأس، وقد ضعفه بعضهم، وقد حسّن الحديث ابن عبد البر. وقد ورد في السنة المطهرة في تعيين من يبتديء بالسلام ومن يستحقّ التحية ومن لا يستحقها وفي فضل السلام والحث عليه وكيفية السلام وما له من الأحكام ما يغني عن البسط ههنا. (إن الله كان على كل شيء حسيباً) يحاسبكم على كل شيء وقيل معناه مجازياً وقيل كافياً من قولهم أحسبني كذا أي كفاني ومثله حسبك. ¬

(¬1) وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خلق الله عز وجل آدم على صورته طوله ستون ذراعاً فلما خلقه قال اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة جلوس فاستمع ما يحييونك فإنها تحيتك وتحيّة ذريتك -قال: فذهب فقال السلام عليكم فقالوا السلام عليك ورحمة الله- قال: فكل من يدخل الجنة على صورة آدم وطوله ستون ذراعاً فلم يزل الخلق ينقص بعده حتى الآن ".

87

(الله لا إله إلا هو ليجمعنّكم) بالحشر (إلى) حساب (يوم القيامة) أي يوم القيام من القبور، وقيل إلى بمعنى في واختاره القاضي كالكشاف وقيل إنها زائدة (لا ريب فيه) أي في يوم القيامة أو في الجمع أي جمعاً لا ريب فيه، وهذه الآية نزلت في منكري البعث (ومن أصدق من الله حديثاً) إنكار لأن يكون أحد أصدق منه سبحانه، والصاد الأصل وقد تبدل زاياً لقرب مخرجها منها، ولهذا قرأ حمزة والكسائي ومن أزدق بالزاي.

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (88) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)

88

(فما لكم) الاستفهام للإنكار والمعنى أي شيء كائن لكم (في المنافقين) أي في أمرهم وشأنهم، قال القرطبي: والمراد بهم هنا عبد الله بن أبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا كما تقدم في آل عمران، حال كونكم (فئتين) في ذلك وحاصله الإنكار على المخاطبين أن يكون لهم شيء يوجب اختلافهم في شأن المنافقين. وسبب نزول الآية به يتضح المعنى فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث زيد بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى أحد فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم فرقتين، فرقة تقول نقتلهم وفرقة تقول لا فأنزل الله (فما لكم في المنافقين) الآية فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنها طيبة وأنها تنفي الخبث كما تنفي النار خبث الفضة (¬1)، هذا أصح ما روى في سبب نزول الآية وقد رويت أسباب غير ذلك. (والله أركسهم) حكى الفراء والنضر بن شميل والكسائي أركسهم وركسهم أي ردهم إلى الكفر ونكسهم، فالركس والنكس قلب الشيء على رأسه أو رد أوله إلى آخره والمنكوس المركوس (بما كسبوا) الباء للسببية أي أركسهم بسبب كسبهم وهو لحوقهم بدار الكفر. ¬

(¬1) زاد المسير 2/ 153.

والاستفهام في قوله (أتريدون) للتقريع والتوبيخ (أن تهدوا من أضل الله) وهذا خطاب للفئة التي دافعت عن المنافقين، وفيه دليل على أن من أضله الله لا ينجح فيه هداية البشر (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) (ومن يضلل الله) عن الهدى (فلن تجد له سبيلاً) أي طريقاً إلى الهداية.

89

(ودّوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) هذا كلام مستأنف يتضمن بيان حال هؤلاء المنافقين، وإيضاح أنهم يودون أن يكفر المؤمنون كما كفروا، ويتمنون ذلك عناداً وغلواً في الكفر وتمادياً في الضلال، وقيل ودوا كفركم ككفرهم وودوا مساواتكم لهم (فلا تتخذوا منهم أولياء) أي إذا كان حالهم ما ذكر من ودادة كفركم فلا تتخذوهم أولياء وجمع الأولياء لمراعاة جمعية المخاطبين، فالمراد النهي عن أن يُتخذ منهم وليّ ولو واحداً. (حتى يهاجروا في سبيل الله) هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، والمراد بالهجرة هنا الخروج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للقتال في سبيله مخلصين صابرين محتسبين، قال عكرمة: هي هجرة أخرى (¬1). (فان تولّوا) عن الهجرة للقتال في سبيل الله (فخذوهم) إذا قدرتم عليهم (واقتلوهم حيث وجدتموهم) في الحل والحرم، فإن حكمهم حكم سائر المشركين قتلاً وأسراً (ولا تتخذوا منهم ولياً) توالونه (ولا نصيراً) تستنصرون به. ¬

(¬1) " المسند " 5/ 184، والبخاري: 8/ 193 ومسلم 4/ 2142. قال الحافظ في " الفتح " وهذا هو الصحيح في سبب نزولها. وفي " الفتح ": وقوله: " رجع ناس ممن خرج معه " يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، وقد ورد ذلك صريحاً في رواية موسى بن عقبة في " المغازي "، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج، وأجابهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فخرج، قال عبد الله بن أبي: أطاعهم وعصاني، علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس.

90

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90) (إلا الذين) هذا مستثنى من الأخذ والقتل فقط، وأما الموالاة فحرام مطلقاً لا تجوز بحال (يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) بالجوار والحلف فلا تقتلوهم لما بينكم وبينهم عهد وميثاق، فإن العهد يشملهم، هذا أصح ما قيل في معنى الآية، وقيل الاتصال هنا هو اتصال النسب: والمعنى إلا الذين ينتسبون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، قاله أبو عبيدة (¬1). وقد أنكر ذلك عليه أهل العلم لأن النسب لا يمنع من القتال بالإجماع، فقد كان بين السلمين وبين المشركين أنساب ولم يمنع ذلك من القتال. وقد اختلف في هؤلاء القوم الذين كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق، فقيل هم قريش كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميثاق، والذين يصلون إلى قريش هم بنو مدلج وقيل نزلت في هلال ابن عويم وسراقة بن جعثم وخزيمة بن عامر بن عبد مناف كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم عهد، وقيل خزاعة، وقيل بنو بكر بن زيد. (أو جاؤوكم حصرت صدورهم) والحصر الضيق والإنقباض، وقال محمد بن يزيد المبرد: هو دعاء عليهم كما تقول لعن الله الكافر، وضعفه بعض المفسرين، وقيل أو بمعنى الواو (أن يقاتلوكم) مع قومهم (أو يقاتلوا قومهم) معكم فضاقت صدورهم عن قتال الطائفتين وكرهوا ذلك. ¬

(¬1) زاد السير 2/ 157 و158.

(ولو شاء الله لسلّطهم عليكم) ابتلاء منه لكم واختباراً كما قال سبحانه: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم) أو تمحيصاً لكم أو عقوبة بذنوبكم، ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فألقى في قلوبهم الرعب (فلقاتلوكم) يذكر الله منّته على المسلمين بكف بأس المعاهدين (¬1). (فإن اعتزلوكم) عن قتالكم (فلم يقاتلوكم) أي لم يعترضوا لقتالكم (وألقوا إليكم السلم) أي استسلموا لكم وانقادوا (فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً) أي طريقاً فلا يحل لكم قتلهم ولا أسرهم ولا نهب أموالهم، فهذا الاستسلام يمنع من ذلك ويحرمه، قيل هذا منسوخ بآية القتال، وقيل محكمة محمولة على المعاهدين وهذا هو الظاهر (¬2). ¬

(¬1) قال ابن كثير رحمه الله: ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال: (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة، أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم، وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير وانظر تفصيل القول في " المغني " 10/ 513، و " نيل الأوطار " 8/ 176. (¬2) وقال ابن كثير 1/ 533: وروي ابن أبي حاتم، حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة، عن علي ابن زيد بن جدعان، عن الحسن أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم، قال: لما ظهر يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل بدر وأحد، وأسلم من حولهم، قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي بني مدلج، فأتيته فقلت: أنشدك النعمة. فقالوا: صَهْ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - دعوه ما تريد؟ قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا، لم تخشن قلوب قومك عليهم، فأخذ رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - بيد خالد ابن الوليد، فقال: اذهب معه فافعل ما يريد، فصالحهم خالد على أن لا يعينوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن أسلمت قريش أسلموا، فأنزل الله (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونوا سواء فلا تتخذوا منهم أولياء).

91

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) (ستجدون آخرين) والسين للاستمرار لا للاستقبال كقوله تعالى سيقول السفهاء قال السفاقسي: والحق أنها للاستقبال في الاستمرار للفعل لا في ابتدائه (يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم) فيظهرون لكم الإسلام ويظهرون لقومهم الكفر ليأمنوا من كلا الطائفتين، وهم قوم من أهل تهامة طلبوا الأمان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليأمنوا عنده وعند قومهم، وقيل هم قوم من أهل مكة. وقيل نزلت في نعيم بن مسعود فإنه كان يأمن المسلمين والمشركين، وقيل في قوم من المنافقين، وقيل في أسد وغطفان. (كلما ردّوا إلى الفتنة) أي دعاهم قومهم إليها وطلبوا منهم قتال المسلمين (أركسوا فيها) أي قلبوا فرجعوا إلى قومهم وقاتلوا المسلمين ومعنى الارتكاس الانتكاس. (فإن لم يعتزلوكم) يعني هؤلاء الذين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم، لم يكفوا عن قتالكم حتى يسيروا إلى مكة (ويلقوا إليكم السلم) أي يستسلمون لكم ويدخلون في عهدكم وصلحكم وينسلخون عن قومهم (ويكفّوا أيديهم) عن قتالكم (فخذوهم) يعني أسرى (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) أي حيث وجدتموهم وتمكنتم منهم. (وأولئكم) الموصوفون بتلك الصفات (جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً) أي حجة واضحة تتسلطون بها عليهم وتقهرونهم بها بسبب ما في قلوبهم من المرض وما في صدورهم من الدغل وارتكاسهم في الفتنة بأيسر عمل وأقل سعي.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً) هذا النفي هو بمعنى النهي المقتضي للتحريم كقوله تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) ولو كان هذا النفي على معناه لكان خبراً وهو يستلزم صدقه فلا يوجد مؤمن قتل مؤمناً قط، وقيل المعنى ما كان له ذلك في عهد الله، وقيل ما كان له ذلك فيما سلف كما ليس له الآن ذلك بوجه. ثم استثنى منه استثناء منقطعاً فقال (إلا خطأً) أي ما كان له أن يقتله ألبتّة لكن إن قتله خطأ فعليه كذا، هذا قول سيبويه والزجاج، وقيل هو استثناء متصل، والمعنى وما ثبت ولا وجد ولا ساغ لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطاً إذ هو مغلوب حينئذ، وقيل المعنى ولا خطأً. قال النحاس: ولا يعرف ذلك في كلام العرب ولا يصح في العنى لأن الخطأ لا يحظر، وقيل المعنى لا ينبغي أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده فيكون قوله (خطأ) منتصباً بأنه مفعول له. ووجوه الخطأ كثيرة ويضبطها عدم القصد، والخطأ اسم من أخطأ خطأ إذا لم يتعمد، أخرج ابن جرير عن عكرمة قال كان الحرث بن يزيد من بني

عامر بن لؤي يعذب عياش بن أبي ربيعة مع أبي جهل ثم خرج مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني الحرث فلقيه عياش بالحرة فعلاه بالسيف وهو يحسب أنه كافر، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فنزلت (وما كان لمؤمن) الآية فقرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال له: قم فحرر، أخرجه ابن جرير وابن المنذر عن السدي بأطول من هذا، وقد روي من طرق غير هذه، وقال ابن زيد نزلت في رجل قتله أبو الدرداء كان في سريّة فحمل عليه بالسيف فقال لا إله إلا الله فضربه. (ومن قتل مؤمناً خطئاً) بأن قصد رمي غيره كصيد أو شجرة فأصابه أو ضربه بما لا يقتل غالباً (فتحرير) أي فعليه تحرير (رقبة) أي نسمة (مؤمنة) يعتقها كفارة عن قتل الخطأ، وعبّر بالرقبة عن جميع الذات. واختلف العلماء في تفسير الرقبة المؤمنة فقيل هي التي صلت وعقلت الإيمان فلا تجزىء الصغيرة، وبه قال ابن عباس والحسن والشعبي والنخعي وقتادة وغيرهم، وقال عطاء بن أبي رباح إنها تجزىء الصغيرة المولودة بين المسلمين. وقال جماعة منهم مالك والشافعي يجزيء كل من حكم له بوجوب الصلاة عليه إن مات، ولا يجزيء في قول جمهور العلماء أعمى ولا مقعد ولا أشل، ويجزىء عند الأكثر الأعرج والأعور، قال مالك: إلا أن يكون عرجاً شديداً، ولا يجزىء عند أكثرهم المجنون، وفي المقام تفاصيل طويلة مذكورة في علم الفروع. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن عليّ عتق رقبة مؤمنة فقال لها: أين الله، فأشارت إلى السماء بأصبعها فقال: فمن أنا

فأشارت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى السماء أي أنت رسول الله فقال أعتقها فإنها مؤمنة (¬1)، وقد روى من طرق وهو في صحيح مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي. (ودية) هي ما يعطى عوضاً عن دم المقتول إلى ورثته (مسلّمة) أي مدفوعة مؤداة (إلى أهله) المراد بهم الورثة، وأجناس الدية وتفاصيلها قد بينتها السنة المطهرة، وقد وردت أحاديث في تقدير الدية، وفي الفرق بين دية الخطأ ودية شبه العمد، ودية المسلم ودية الكافر، وهي معروفة فلا حاجة لنا في ذكرها في هذا الموضوع. (إلا أن يصدّقوا) أي إلا أن يتصدق أهل المقتول على القاتل بالدية بأن يعفوا عنها، فسمى العفو عنها صدقة ترغيباً فيه، وهذه الجملة المستثناة متعلقة بقوله (ودية مسلّمة) أي فعليه دية مسلمة إلا أن يقع العفو من الورثة عنها. (فإن كان) المقتول (من قوم عدو لكم) وهم الكفار الحربيون (وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة) هذه مسئلة المؤمن الذي يقتله المسلمون في بلاد الكفار الذين كان منهم ثم أسلم ولم يهاجر، وهم يظنون أنه لم يسلم، وأنه باق على دين قومه فلا دية على قاتله، بل عليه تحرير رقبة مؤمنة. واختلفوا في وجه سقوط الدية فقيل وجهه أن أولياء القتيل كفار لا حق لهم في الدية، وقيل وجهه أن هذا الذي آمن ولم يهاجر حرمته قليلة لقول الله تعالى (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء) وقال بعض أهل العلم: إن ديته واجبة لبيت المال. (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) أي عهد مؤقت أو مؤبد كأهل ¬

(¬1) مسلم 537.

الذمّة، وقرأ الحسن وهو مؤمن (فدية) أي فعلى قاتله دية (مسلّمة) مؤداة (إلى أهله) من أهل الإسلام وهم ورثته وهي ثلث دية المؤمن إن كان يهودياً أو نصرانياً، وثلثا عشرها إن كان مجوسياً (وتحرير رقبة مؤمنة) على قاتله كما تقدم (¬1). (فمن لم يجد) أي الرقبة ولا اتسع ماله لشرائها (فصيام) أي فعليه صيام (شهرين متتابعين) لم يفصل بين يومين من أيام صومها إفطار في نهار، فلو أفطر استأنف، هذا قول الجمهور، وأما الإفطار لعذر شرعي كالحيض ونحوه فلا يوجب الاستئناف، واختلف في الإفطار لعروض المرض، ولم يذكر الله سبحانه الإنتقال إلى الطعام كالظهار، وبه أخذ الشافعي. (توبة) أي شرع ذلك لكم قبولاً لتوبتكم أو تاب عليكمٍ توبة أو حال كونه ذا توبة كائنة من الله، قال سعيد بن جبير: يعني تجاوزاً من الله لهذه الأمة حيث جعل في قتل الخطأ الكفارة (وكان الله عليماً) بمن قتل خطأً (حكيماً) فيما حكم به عليه من الدية والكفارة، وأحكام الديات محلها كتب الفروع فلا نطول بذكرها. ¬

(¬1) في " الكافي " 3/ 78: ودية الكتابي نصف دية المسلم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ودية المعاهد نصف دية المسلم " رواه أبو داود. وروي عنه: أن ديته ثلث الدية، لما روي أن عمر: جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، إلا أنه رجع عن هذه الرواية، وقال: كنت أذهب إلى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف، فأنا اليوم أذهب إلى نصف دية المسلم. قلت: أما حديث عمرو بن شعيب فرواه أيضاً أحمد والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجة، وهو حديث حسن. وأما أثر عمر فقد رواه عنه سعيد بن المسيب، وهو منقطع، لأن سعيداً لم يسمع من عمر.

93

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93) (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) أى قاصداً لقتله، لما بين سبحانه حكم القاتل خطأ بين حكم القاتل عمداً، وقد اختلف العلماء في معنى العمد فقال عطاء والنخعي وغيرهما: هو القتل بحديدة كالسيف والخنجر وسنان الرمح ونحو ذلك من المحدود، أو بما يعلم أن فيه الموت من ثقال الحجارة ونحوها (¬1). وقال الجمهور: إنه كل قتل من قاتل قاصد للفعل بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بغير ذلك، وقيده بعض أهل العلم بأن يكون بما يقتل مثله في العادة. وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عمد وشبه عمد وخطأ، واستدلوا على ذلك بأدلة ليس هذا مقام بسطها. وذهب آخرون إلى أنه ينقسم إلى قسمين عمد وخطأ، ولا ثالث لهما، واستدلوا بأنه ليس في القرآن إلا القسمان، ويجاب عن ذلك بأن اقتصار القرآن على القسمين لا ينفي ثبوت قسم ثالث بالسنة وقد ثبت ذلك بالسنة. (فجزاؤه جهنم خالداً فيها) أي فجُعل جزاؤه ذلك بكفره وارتداده أو حكم عليه بها، وهو الذي استثناه النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة عمّن أمّنه من أهلها فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة (وغضب الله عليه) لأجل كفره وقتله المؤمن متعمداً (ولعنه) طرده عن رحمته (وأعد له عذاباً عظيماً) في النار. وقد جاءت هذه الآية بتغليظ عقوبة القاتل عمداً فجمع الله له فيها بين كون جهنم جزاء له أي يستحقها بسبب هذا الذنب، وبين كونه خالداً فيها، ¬

(¬1) زاد المسير 2/ 166.

وبين غضب الله ولعنته له وإعداده له عذاباً عظيماً، وليس وراء هذا التشديد تشديد، ولا مثل هذا الوعيد وعيد. وقد اختلف العلماء هل لقاتل العمد من توبة أم لا؟ فروى البخاري عن سعيد بن جبير قال: اختلف فيها علماء أهل الكوفة فرحلت فيها إلى ابن عباس فسألته عنها فقال: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمناً متعمداً) وهي آخر ما نزل وما نسخها شيء، وقد روى النسائي عنه وعن زيد بن ثابت نحوه. وممّن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وأبو سلمة وعبيد بن عمير والحسن وقتادة والضحاك بن مزاحم نقله ابن أبي حاتم عنه. وذهب الجمهور إلى أن التوبة منه مقبولة واستدلوا بمثل قوله تعالى (إن الحسنات يذهبن السيئآت) وقوله (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) وقوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله (وإني لغفار لمن تاب). قالوا أيضاً: والجمع ممكن بين آية النساء هذه وآية الفرقان فيكون معناهما: فجزاؤه جهنم إلا من تاب لا سيما وقد اتحد السبب وهو القتل والموجب وهو التوعّد بالعقاب. واستدلوا أيضاً بالحديث المذكور في الصحيحين عن عبادة بن الصامت أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: " تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " ثم قال: فمن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه (¬1)، وبحديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم في صحيحه وغيره في الذي قتل مائة نفس. ¬

(¬1) مسلم 1709 - البخاري 18.

وذهب جماعة منهم أبو حنيفة وأصحابه والشافعي إلى أن القاتل عمداً داخل تحت المشيئة تاب أو لم يتب، وقد أوضح الشوكاني في شرحه على المنتقى متمسك كل فريق، والحق أن باب التوبة لم يغلق دون كل عاص بل هو مفتوح لكل من قصده ورام للدخول منه، وإذا كان الشرك وهو أعظم الذنوب وأشدها تمحوه التوبة إلى الله ويقبل من صاحبه الخروج منه والدخول في باب التوبة فكيف بما دونه من المعاصي التي من جملتها القتل عمداً. لكن لا بد في توبة قاتل العمد من الاعتراف بالقتل وتسليم نفسه للقصاص أن كان واجباً أو تسليم الدية إن لم يكن القصاص واجباً وكان القاتل غنياً متمكناً من تسليمها أو بعضها، وأما مجرد التوبة من القاتل عمداً وعزمه على أن لا يعود إلى قتل أحد من دون اعتراف ولا تسليم نفس فنحن لا نقطع بقبولها، والله أرحم الراحمين هو الذي يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون. وقد تعلقت المعتزلة وغيرهم بهذه الآية على أن الفاسق يخلد في النار، والجواب أن الآية نزلت في كافر قتل مسلماً، وهو مقيس بن ضبابة، وهي على هذا مخصوصة، وقيل المعنى من قتل مسلماً مستحلاً لقتله وهو كفر، وعن أبي مجلز قال: هي جزاؤه فإن شاء الله أن يتجاوز عن جزائه فعل، أخرجه أبو داود. وقيل الخلود لا يقتضي التأبيد بل معناه طول المكث. قاله البيضاوي. وقد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحيحة إخراج جميع الموحدين من النار، قال الكرخي: الظاهر أنه أراد التشديد والتخويف والزجر العظيم عن قتل المؤمن لا أنه أراد بعدم قبول توبته عدمه حقيقة، وظاهره أن الآية من المحكم لأنه لا يقع النسخ إلا في الأمر والنهي ولو بلفظ الخبر، أما الخبر الذي ليس بمعنى الطلب فلا يدخله نسخ ومنه الوعد والوعيد قاله الجلال في الإتقان.

قال أبو السعود: في الآية الكريمة من التهديد الشديد والوعيد الأكيد وفنون الإبراق والإرعاد ما تراه، وقد تأيّدت بما روى من الأخبار الشداد، كقوله - صلى الله عليه وسلم - " والذي نفسي بيده لزوال الدنيا عند الله أهون من قتل مؤمن " (¬1) وقوله: " لو أن رجلاً قتل بالمشرق وآخر رضي بالمغرب لأشرك في دمه " وقوله: " من أعان على قتل مؤمن ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله " (¬2) ونحو ذلك من القوارع. ولا متمسك للمعتزلة فيها لأن المراد بالخلود هو المكث الطويل لا الدوام، وقد روي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " هو جزاؤه إن جازاه ". قال الواحدي: والأصل في ذلك أن الله عز وجل يجوز أن يخلف الوعيد، وإن امتنع أن يحلف الوعد، وبهذا وردت السنة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال " من وعده الله على عمله ثواباً فهو منجزه له، ومن أوعده على عمله عقاباً فهو بالخيار ". والتحقيق أنه لا ضرورة إلى تفريع ما نحن فيه على الأصل المذكور، لأنه إخبار منه تعالى بأن جزاءه ذلك لا بأنه يجزيه بذلك، كيف لا وقد قال الله تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها) ولو كان هذا إخباراً بأنه تعالى يجزي كل سيئة بمثلها لعارضة قوله تعالى (ويعفو عن كثير) انتهى كلام أبي السعود ملخصاً. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4954. (¬2) ضعيف الجامع الصغير 5455.

94

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا) هذا متصل بذكر الجهاد والقتال، والضرب السير في الأرض، تقول العرب ضربت في الأرض إذا سرت لتجارة أو غزو أو غيرهما، وتقول ضربت الأرض بدون في، إذا قصدت قضاء حاجة الإنسان ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم - " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط ". والتبيّن هو التأمل وهي قراءة الجماعة، إلا حمزة فإنه قرأ (فتثبتوا) من التثبت، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم قالا: لأن من أمر بالتبين فقد أمر بالتثبت، وإنما خص السفر بالأمر بالتبين مع أن التبيُنّ والتثبت في أمر القتل واجبان حضراً وسفراً بلا خلاف لأن الحادثة التي هي سب نزول الآية كانت في السفر (¬1). (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام) وقريء السلم ومعناهما واحد، واختار أبو عبيد (السلام) وخالفه أهل النظر فقالوا السلم هنا أشبه لأنه بمعنى الانقياد والتسليم، والمراد هنا لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم (لست مؤمناً) فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام وقيل هما بمعنى الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم الإسلام أي كلمته وهي الشهادة لست مؤمناً. ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 6351.

وقيل هما بمعنى التسليم وهو تحية أهل الإسلام أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم لست مؤمناً، وإنما قلت هذا تقيّة لنفسك ومالك، والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقيّة. ومؤمناً من أمّنته إذا أجرته فهو مؤمّن، وقيل المعنى لست من أهل الإيمان. وقد استدل بهذه الآية على أن من قتل كافراً بعد أن قال لا إله إلا الله قتل به لأنه قد عصم بهذه الكلمة دمه وماله وأهله، وإنما أسقط القتل عمن وقع منه ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنهم تأولوا فظنوا أن من قالها خوفاً من السلاح لا يكون مسلماً ولا يصير بها دمه معصوماً، وأنه لا بد أن يقول هذه الكلمة وهو مطمئن غير خائف. وفي حكم التكلم بكلمة الإسلام إظهار الإنقياد بأن يقول أنا مسلم أو أنا على دينكم، لما عرفت من أن معنى الآية الاستسلام والانقياد، وهو يحصل بكل ما يشعر بالإسلام من قول أو عمل، ومن جملة ذلك كلمة الشهادة وكلمة التسليم، فالقولان الآخران في معنى الآية داخلان تحت القول الأول. وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلاً معه غنيمة له فقال السلام عليكم فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت هذه الآية، وفي سبب النزول روايات كثيرة وهذا الذي ذكرناه أحسنها. (تبتغون عرض الحياة الدنيا) أي لا تقولوا تلك المقالة طالبين الغنيمة، على أن يكون النهي راجعاً إلى القيد والقيد لا إلى القيد فقط، وسمي متاع الدنيا عرضاً لأنه عارض زائل غير ثابت.

قال أبو عبيدة: يقال جميع متاع الدنيا عرض بفتح الراء، وأما العرض بسكون الراء فهو ما سوى الدنانير والدراهم، فكل عرض بالسكون عرض بالفتح، وليس كل عرض بالفتح عرضاً بالسكون، وفي كتاب العين: العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى (تريدون عرض الدنيا) وجمعه عروض. وفي المجمل لإبن فارس: والعرض ما يعترض للإنسان من مرض ونحوه وعرض الدنيا ما كان فيها من مال قل أو كثر، والعرض من الأثاث ما كان غير نقد. (فعند الله) هو تعليل للنهي أي عند الله مما هو حلال لكم من دون ارتكاب محظور (مغانم كثيرة) تغنمونها وتستغنون بها عن قتل من قد استسلم وانقاد وإغنام ماله، وقيل فعنده ثواب كثير لمن اتقى قتل المؤمن، والمغانم جمع مغنم وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يطلق على ما يؤخذ من مال العدو، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول نحو ضرب الأمير. (كذلك كنتم من قبل) أي كنتم مثل الرجل المذكور في مبادئ الإسلام كفاراً فحقنت دماؤكم لما تكلمتم بكلمة الشهادة أو كذلك كنتم من قبل تخفون إيمانكم عن قومكم خوفاً على أنفسكم حتى منّ الله عليكم بإعزاز دينه فأظهرتم الإيمان وأعلنتم به. (فمنّ الله عليكم) يعني بالإسلام والهداية فلا تقتلوا من قال لا إله إلا الله أو منّ عليكم بإعلان الإسلام بعد الإختفاء، وقيل بالتوبة (فتبيّنوا) ولا تعجلوا بقتل مؤمن، وكرر الأمر بالتبين للتأكيد عليهم لكونه واجباً لا فسحة فيه ولا رخصة (إن الله كان بما تعملون خبيراً) فلا تتهافتوا في القتل وكونوا محترزين محتاطين في ذلك.

95

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم). التفاوت بين درجات من قعد عن الجهاد من غير عذر، ودرجات من جاهد في سبيل الله بماله ونفسه وإن كان معلوماً لكن أراد سبحانه بهذا الإخبار تنشيط المجاهدين ليرغبوا، وتبكيت القاعدين ليأنفوا، ونحوه قوله تعالى (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فهو تحريك لطالب العلم، وتوبيخ على الرضا بالجهل. وغير أولي الضرر بالرفع على أنه صفة للقاعدين كما قال الأخفش لأنهم لا يقصد بهم قوم بأعيانهم فصاروا كالنكرة فجاز وصفهم بغير وبكسر الراء على أنه وصف للمؤمنين وبفتحها على الاستثناء من القاعدين أو من المؤمنين أي إلا أولي الضرر فإنهم يستوون مع المجاهدين. ويجوز أن يكون منتصباً على الحال من القاعدين أي لا يستوي القاعدون الأصحاء في حال صحتهم، وجازت الحال منهم لأن لفظهم لفظ المعرفة. قال العلماء: أهل الضرر هم أهل الأعذار من مرض أو عاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها لأنها أضرت بهم حتى منعتهم عن الجهاد، وظاهر النظم القرآني أن صاحب العذر يعطى مثل أجر المجاهد، وقيل يعطى أجره من غير تضعيف فيفضله المجاهد بالتضعيف لأجل المباشرة.

قال القرطبي: والأول أصح إن شاء الله للحديث الصحيح في ذلك " إن بالمدينة رجالاً ما قطعتم وادياً ولا سرتم مسيراً إلا كانوا معكم أولئك قوم حبسهم العذر (¬1) " قال وفي هذا المعنى ما ورد في الخبر إذا مرض العبد قال الله تعالى اكتبوا لعبدي ما كان يعمله في الصحة إلى أن يبرأ أو أقبضه إلي. وقد أخرج البخاري وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أم مكتوم وهو يمليها علي فقال: يا رسول الله لو أستطيع الجهاد لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وفخذه على فخذي (غير أولي الضرر) وأخرجه أيضاً سعيد بن منصور وأحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه من حديث خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه. وعن ابن عباس قال (غير أولي الضرر) المتخلفون عن بدر، والخارجون إلى بدر، وعنه قال: نزلت في قوم كانت تشغلهم أمراض وأوجاع فأنزل الله عذرهم من السماء، وعن أنس بن مالك قال: نزلت هذه الآية في ابن أم مكتوم، ولقد رأيته في بعض مشاهد المسلمين معه اللواء. (وفضّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة) هذا بيان لما بين الفريقين من التفاضل المفهوم من ذكر عدم الاستواء إجمالاً، والمراد هنا غير أولي الضرر حملاً للمطلق على المقيد. وقال هنا (درجة) وقال فيما بعد (درجات) فقال قوم التفضيل بالدرجة ثم بالدرجات إنما هو مبالغة وبيان وتأكيد، وقال آخرون: فضّل الله ¬

(¬1) صحيح الجامع 2032 عن جابر.

المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة واحدة، وفضّل الله المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات، قاله ابن جريج والسدي وغيرهما، وقيل إن معنى درجة علواً أي أعلى ذكرهم ورفعهم بالثناء والمدح (¬1). (وكلًّا) مفعول أول لقوله (وعد الله) قدم عليه لإفادة القصر أي كل واحد من المجاهدين والقاعدين وعده الله (الحسنى) أي المثوبة وهي الجنة، قاله قتادة (وفضّل الله المجاهدين على القاعدين) الذين لا عذر لهم ولا ضرر (أجراً عظيماً) أي ثواباً جزيلاً. ¬

(¬1) قال زيد بن ثابت: إني لقاعد إلى جنب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ غشيته السكينة، ثم سري عنه، فقال: " اكتب " (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون) الآية، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، فكيف بمن لا يستطيع الجهاد؟ فوالله ما قضى كلامه حتى غشيت رسول الله السكينة، ثم سري عنه، فقال: اقرأ فقرأت لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: غير أولي الضرر) فألحقتها. " المسند " 5/ 184، والبخاري 8/ 195، وأبو داود 3/ 17، والترمذي 4/ 92 والنسائي 6/ 9، ولفظه عند البخاري عن ابن شهاب قال: حدثني سهل بن سعد الساعدي أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت- أخبره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أملى عليه (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أم مكتوم وهو يملها علي قال: يا رسول الله والله لو أستطيع الجهاد معك لجاهدت وكان أعمى، فأنزل الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وفخذه على فخذي، فثقلت عليّ حتى خفت أن ترض فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله (غير أولي الضرر). ويملها: بضم أوله وكسر الراء، قال: لما نزلت (لا يستوي القاعدون من المؤمنين) دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، زيداً فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم، فشكا ضرارته، فأنزل الله (غير أولي الضرر).

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (96) إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) ثم فسر ذلك بقوله

96

(درجات منه) أي من الأجر أو من الله يعني منازل بعضها فوق بعض من الكرامة، قال ابن زيد الدرجات هن سبع ذكرها الله في سورة براءة يعني قوله (ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة إلى قوله إلا كتب لهم). وعن ابن جريج قال: كان يقال الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الهجرة درجة. وعن ابن محيريز قال: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين عدو الفرس الجواد المضمر سبعين سنة. وأخرج البخاري والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجّر أنهار الجنة (¬1). (ومغفرة) لذنوبهم يسترها ويصفح عنها (ورحمة) رأفة بهم، والمعنى غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة (وكان الله غفوراً) لذنوبهم بتكفير العذر (رحيماً) بهم بتوفير الأجر، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ¬

(¬1) أخرجه الترمذي 3/ 326 والحاكم 1/ 80 وأحمد 5/ 316 و 321 وابن ماجه 2/ 590.

فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: أيما عبد من عبادي خرج مجاهداً في سبيل الله ابتغاء مرضاتي ضمنت له إن أرجعته بما أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته غفرت له ورحمته (¬1)، أخرجه النسائي. ¬

(¬1) النسائي/3126. زاد السير 175.

97

(إنّ الذين توفّاهم الملائكة) يحتمل أن يكون ماضياً وحذفت منه علامة التأنيث لأن تأنيث الملائكة غير حقيقي، ويحتمل أن يكون مستقبلاً، والأصل تتوفاهم، عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار وقيل تقبض أرواحهم، وهو الأظهر. والمراد بالملائكة ملك الموت وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع على سبيل التعظيم لقوله تعالى (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقيل ملك الموت وأعوانه، وعلى الأول يكون المراد بالملائكة الزبانية الذين يلون تعذيب الكفار. (ظالمي أنفسهم) بالمقام مع الكفار وترك الهجرة، نزل فيمن أسلم ولم يهاجر حين كانت الهجرة فريضة وخرج مع المشركين إلى بدر مرتداً فقتل كافراً (قالوا فيم كنتم) سؤال توبيخ أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم قيل المعنى أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو كنتم مشركين، قاله القرطبي. وقيل: إن معنى السؤال التقريع لهم بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين، قال أبو حيان: أي في أي حالة كنتم بدليل الجواب أي في حالة قوة أو ضعف. (قالوا) على وجه الكذب معتذرين (كنّا مستضعفين) عاجزين عن

الهجرة (في الأرض) مكة لأن سبب النزول من أسلم بها ولم يهاجر، وهذا اعتذار غير صحيح إذ كانوا يستطيعون الحيلة ويهتدون السبيل. ثم أوقفتهم الملائكة على ذنبهم وألزمتهم الحجة وقطعت معذرتهم حيث (قالوا ألم تكن أرض الله واسعة) قيل المراد بهذه الأرض المدينة والأولى العموم اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق، فيراد بالأرض كل بقعة من بقاع الأرض تصلح للهجرة إليها، ويراد بالأرض الأولى كل أرض ينبغي الهجرة منها. (فتهاجروا فيها) وتخرجوا من بين أظهر المشركين، قال الواحدي: فيه أن الله لم يرض بإسلام أهل مكة حتى يهاجروا (فأولئك مأواهم) أي منزلهم (جهنم وساءت) أي جهنم (مصيراً) أي مكاناً يصيرون إليه. والآية تدل على أن من لم يتمكن من إقامة دينه في بلد كما يجب بأي سبب كان وعلم أنه يتمكن من إقامته في غيره، حقَّت عليه المهاجرة، وفي الباب أحاديث ذكرناها في جواب سؤال عن الهجرة من أرض الهند اليوم بالفارسية فليرجع إليه.

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)

98

(إلا المستضعفين) الذين صدقوا في استضعافهم (من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلاً) استثناء من الضمير في مأواهم، وقيل هو استثناء منقطع لعدم دخول المستضعفين في الموصول وضميره، والمراد بهم من الرجال الزمناء ونحوهم، والولدان كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام. وإنما ذكر الولدان مع عدم التكليف لهم لقصد المبالغة في أمر الهجرة، وإبهام أنها تجب لو استطاعها غير الملكف فكيف من كان مكلفاً، وقيل أراد بالولدان المراهقين والمماليك. والحيلة لفظ عام لأنواع أسباب التخلص، أي لا يجدون حيلة في الخروج منها لفقرهم وعجزهم، ولا طريقاً إلى ذلك، وقيل السبيل سبيل المدينة، عن ابن جريج في قوله (حيلة) قال قوة، وعن عكرمة قال نهوضاً إلى المدينة وسبيلاً أي طريقاً إليها.

99

(فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم) إشارة إلى المستضعفين الموصوفين بما ذكر، وجيء بكلمة الإطماع لتأكيد أمر الهجرة حتى يظن أن تركها ممن لا تجب عليه يكون ذنباً يجب طلب العفو عنه، وقال الكرخي: يعفو عن خطر الهجرة بحيث يحتاج المعذور إلى العفو، قال ابن عباس كنت أنا وأمي من المستضعفين أنا من الولدان وأمي من النساء. (وكان الله عفواً غفوراً) مبالغاً في المغفرة لهم ما فرط منهم من الذنوب التي من جملتها القعود عن الهجرة إلى وقت الخروج.

100

وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100) (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً) هذه الجملة متضمّنة للترغيب في الهجرة والتنشيط إليها، وفيه دليل على أنّ الهجرة لا بد أن تكون بقصد صحيح، ونية خالصة غير مشوبة بشيء من أمور الدنيا، ومنه الحديث الصحيح " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه (¬1) ". وقد اختلف في معنى الآية فقال ابن عباس وجماعة من التابعين ومن بعدهم المراغم المتحوّل والمذهب من أرض إلى أرض، وقال مجاهد: المراغم المتزحزح عما يكره، وقال ابن زيد: المراغم المهاجر، وبه قال أبو عبيدة: قال النحاس: هذه الأقوال متفقة المعاني، فالمراغم المذهب والمتحوّل وهو الموضع الذي يراغم فيه وهو مشتق من الرغام وهو التراب، ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب، وراغمت فلاناً أي هجرته وعاديته، ولم أبال أن رغم أنفه. وهذا من الأمثال التي جرت في كلامهم بأسماء الأعضاء ولا يراد أعيانها بل وضعوها لمعان غير معاني الأسماء الظاهرة، ولاحظ لظاهر الأسماء من طريق الحقيقة، ومنه قولهم: كلامه تحت قدمي، وحاجته خلف ظهري، يريدون الإهمال وعدم الإحتفال. وقيل إنما سمي المهاجر مراغماً لأن الرجل كان إذا أسلم عادى قومه ¬

(¬1) جزء من حديث طويل سبق ذكره.

وهجرهم فسمي خروجه مراغماً، وسمي مسيره إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هجرة، والحاصل في معنى الآية أن المهاجر يجد في الأرض مكاناً يسكن فيه على رغم أنف قومه الذين هاجرهم أي على ذلّهم وهوانهم. (وسعة) أي في البلاد وقيل بالرزق وقال عطاء سعة أي رخاء، وقيل في إظهار الدين أو في تبدل الخوف بالأمن أو من الضلال إلى الهدى، ولا مانع من حمل السعة على ما هو أعم من ذلك. (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله) أي إلى حيث أمر الله ورسوله، قالوا كل هجرة في غرض ديني من طلب علم أو حج أو جهاد أو نحو ذلك فهي هجرة إلى الله ورسوله (ثمّ يدركه الموت) قبل أن يصل إلى مطلوبه وهو المكان الذي قصد الهجرة إليه أو الأمر الذي قصد الهجرة له. (فقد وقع أجره على الله) أي ثبت ذلك عنده ثبوتاً لا يتخلف، يعني وجب أجر هجرته عليه بإيجابه على نفسه بحكم الوعد والتفضل والكرم، لا وجوب استحقاق، قيل ويدخل فيه من قصد فعل طاعة ثم عجز عن إتمامها كتب الله له ثواب تلك الطاعة كاملاً (وكان الله غفوراً رحيما) أي كثير المغفرة كثير الرحمة. وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهاراً إذا كان قادراً على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين لما في هذه الآية الكريمة من العموم وإن كان السبب خاصاً كما تقدم، وظاهرها عدم الفرق بين مكان ومكان وزمان وزمان. وقد ورد في الهجرة أحاديث، وورد ما يدل على أن لا هجرة بعد الفتح، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في شرحه على المنتقى.

عن ابن عباس بسند رجاله ثقات قال: خرج ضمرة بن جندب من بيته مهاجراً فقال لقومه: احملوني فأخرجوني من أرض الشرك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمات في الطريق قبل أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزل الوحي أي هذه الآية (¬1). وأخرج ابن سعد وأحمد والحاكم وصححه عن عبد الله بن عتيك قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول " من خرج من بيته مجاهداً في سبيل الله وأين المجاهدون في سبيل الله، فخر عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات فقد وقع أجره على الله، أو مات حتف أنفه فقد وقع أجره على الله، يعني بحتف أنفه على فراشه، والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قتل قعصا فقد استوجب الجنة (¬2). وأخرج أبو يعلى والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من خرج حاجّاً فمات كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمراً فمات كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازياً في سبيل الله فمات كتب له أجر الغازي إلى يوم القيامة، قال ابن كثير وهذا حديث غريب من هذا الوجه (¬3). ¬

(¬1) زاد السير/180 (¬2) المستدرك 2/ 88. (¬3) مشكاة المصابيح 2539.

101

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) (وإذا ضربتم في الأرض) هذا شروع في بيان كيفية الصلاة عند الضرورات من السفر ولقاء العدو والمرض والمطر، وفيه تأكيد لعزيمة المهاجر على الهجرة وترغيب له فيها لما فيه من تخفيف المؤنة أي إذا سافرتم أيَّ مسافرة كانت، ولذلك لم تقيد بما قيد به المهاجرة وقد تقدم تفسير الضرب في الأرض قريباً. (فليس عليكم جناح) أي وزر وحرج في (أن تقصروا من الصلاة) يعني من أربع ركعات إلى ركعتين وذلك في صلاة الظهر والعصر والعشاء، وأصل القصر في اللغة التضييق وقيل هو ضم الشيء إلى أصله، وفسّر ابن الجوزي القصر بالنقص، ولم أره لأحد من أهل التفسير واللغة، ومن للتبعيض. وفي الآية دليل على أن القصر ليس بواجب إليه ذهب الجمهور، وذهب الأقلون إلى أنه واجب ومنهم عمر بن عبد العزيز والكوفيون والقاضي إسمعيل وحماد بن أبي سليمان، وهو مروي عن مالك، واستدلوا بحديث عائشة الثابت في الصحيح " فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في الحضر وأُقرت في السفر " ولا يقدح في ذلك مخالفتها لما روت، فالعمل على الرواية الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومثله حديث يعلى بن أمية قال سألت عمر بن الخطاب قلت: (ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) وقد

أمن الناس فقال لي عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال: " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن (¬1). وظاهر قوله (فاقبلوا صدقته) أن القصر واجب، وظاهر هذا الشرط أعني (إن خفتم أن يفتنكم) أي يغتالكم ويقتلكم في الصلاة (الذين كفروا) أن القصر لا يجوز في السفر إلا مع خوف الفتنة من الكافرين لا مع الأمن، ولكنه قد تقرر بالسنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصر مع الأمن كما عرفت. فالقصر مع الخوف ثابت بالكتاب، والقصر مع الأمن ثابت بالسنة، ومفهوم الشرط لا يقوى على معارضة ما تواتر عنه صلى الله عليه وآله وسلم من القصر مع الأمن. وقد قيل إن الشرط خرج مخرج الغالب، لأن الغالب على المسلمين إذ ذاك القصر للخوف في الأسفار، ولهذا قال يعلى بن أمية لعمر كما تقدم. وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن هذه الآية إنما هي مبيحة للقصر في السفر للخائف من العدو، فمن كان آمناً فلا قصر له، وإليه ذهب داود الظاهري. وذهب آخرون إلى أن قوله (إن خفتم) ليس متصلاً بما قبله، وأن الكلام تم عند قوله (من الصلاة) ثم افتتح فقال (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) فأقم لهم يا محمد صلاة الخوف. ¬

(¬1) صحيح الجامع 3656 وصحيح أبو داود/1083.

قال الفراء أهل الحجاز يقولون فتنت الرجل، وربيعة وقيس وأسد وجميع أهل نجد يقولون أفتنت الرجل، وفرق الخليل وسيبويه بينهما فقالا: فتنته جعلت فيه فتنة مثل كحلته، وأفتنته جعلته مفتناً، وزعم الأصمعي أنه لا يعرف أفتنته، والمراد بالفتنة القتال والتعرض بما يكره (إن الكافرين كانوا لكم عدواً مبيناً) معترض ذكر معنى هذا الجرجاني والمهدوي وغيرهما، ورده القشيري والقاضي أبو بكر بن العربي.

102

وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) وقد حكى القرطبي عن ابن عباس معنى ما ذكره الجرجاني ومن معه، ومما يرد هذا ويدفعه الواو في قوله الآتي (وإذا كنت فيهم) وقد تكلف بعض المفسرين فقال: إن الواو زائدة وأن الجواب للشرط المذكور أعني قوله (إن خفتم) هو قوله (فلتقم طائفة). وذهب قوم إلى أن ذكر الخوف منسوخ بالسنة وهي حديث عمر الذي قدمنا ذكره وما ورد في معناه، وعن أمية أنه سأل ابن عمر أرأيت قصر الصلاة في السفر، إنا لا نجدها في كتاب الله إنما نجد ذكر صلاة الخوف، فقال: يا ابن أخي إن الله أرسل محمداً ولا نعلم شيئاً، فإنما نفعل كما رأينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعل، وقصر الصلاة في السفر سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرجه النسائي وابن ماجه وابن حبان والبيهقي. وعن حارثة أن وهب الخزاعي قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى أكثر ما كان الناس وآمنه ركعتين، أخرجه الشيخان وغيرهما، وعن ابن عباس قال: صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين مكة والمدينة ونحن آمنون لا نخاف شيئاً ركعتين، أخرجه الترمذي وصححه والنسائي.

(وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولمن بعده من أهل الأمر حكمه كما هو معروف في الأصول، ومثله قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة) ونحوه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء. وشذ أبو يوسف وإسمعيل بن علية فقالا: لا تصلي صلاة الخوف بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن هذا الخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالا: ولا يلحق غيره به لما له صلى الله عليه وآله وسلم من المزية العظمى. وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله والتأسي به وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: صلّوا كما رأيتموني أصلي (¬1)، والصحابة أعرف بمعاني القرآن وقد صلّوها بعد موته في غير مرة كما ذلك معروف. والمعنى إذا كنت يا محمد في أصحابك وشهدت معهم القتال وأردت إقامة الصلاة بهم كقوله (وإذا قمتم إلى الصلاة) وقوله (إذا قرأت القرآن) وقال السمين: الضمير المجرور يعود على الضاربين في الأرض، وقيل على الخائفين وهما محتملان. (فلتقم طائفة منهم معك) يعني بعد أن تجعلهم طائفتين: طائفة تقف بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة، وإنما لم يصرح به لظهوره (وليأخذوا أسلحتهم) أي الطائفة التي تصلي معك، وقيل الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو والأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو لابد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة، فأمره الله بأن يكون آخذاً لسلاحه أي غير واضع له. ¬

(¬1) المشكاة/1160.

وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصة فيهم. وقد قال بإرجاع الضمير إلى الطائفة القائمة بإزاء العدو ابن عباس، قال: لأن المصليّة لا تحارب، وقد قال غيره: إن الضمير راجع إلى المصلية، وجوز الزجاج والنحاس أن يكون ذلك أمراً للطائفتين جميعا لأنه أرهب للعدو. وقد أوجب أخذ السلاح في هذه الصلاة أهل الظاهر حملاً للأمر على الوجوب، وذهب أبو حنيفة إلى أن المصلين لا يحملون السلاح وأن ذلك يبطل الصلاة وهو مدفوع بما في هذه الآية وبما في الأحاديث الصحيحة، والسلاح ما يقاتل به وجمعه أسلحة، وهو مذكر وقيل مؤنث باعتبار الشوكة يقال سلاح كحمار وسلح كضلع، وسلح كصرد، وسلحان كسلطان، قاله أبو بكر بن زيد. (فإذا سجدوا) أي القائمون في الصلاة (فليكونوا) أي الطائفة القائمة بإزاء العدو (من ورائكم) أي من وراء المصلين، ويحتمل أن يكون المعنى فإذا سجد المصلون معه أي أتموا الركعة تعبيراً بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة فليكونوا من ورائكم أي فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة. (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا) وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم تصل (فليصلوا معك) على الصفة التي كانت عليها الطائفة الأولى (وليأخذوا) أي هذه الطائفة الأخرى (حذرهم) أي ما يتحرزون به من العدو كالدرع ونحوها (وأسلحتهم) زيادة التوصية للطائفة الأخرى بأخذ الحذر مع أخذ السلاح، قيل وجهه أن هذه المرة مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في شغل شاغل، وأما في

المرة الأولى فربما يظنونهم قائمين للحرب، وقيل لأن العدو لا يؤخر قصده عن هذا الوقت لأنه أخر الصلاة. ولم يبين في الآية الكريمة كم تصلي كل طائفة من الطائفتين، وقد وردت صلاة الخوف في السنة المطهرة على أنحاء مختلفة، وصفات متعددة وكلها صحيحة مجزية، من فعل واحدة منها فقد فعل ما أمر به، ومن ذهب من العلماء إلى اختيار صفة دون غيرها فقد أبعد عن الصواب، وقد أوضحنا هذا في شرحنا لبلوغ المرام وفي شرحنا للدرر البهية. (ودّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة) هذه الجملة متضمنة للعلة التي لأجلها أمرهم الله بالحذر وأخذ السلاح أي ودوا غفلتكم عن أخذ السلاح وعن الحذر إذا قمتم إلى الصلاة ليصلوا إلى مقصودهم وينالوا فرصتهم فيشدون عليكم شدة واحدة ويحملون عليكم حملة واحدة، والأمتعة ما يتمتع به في الحرب، ومنه الزاد والراحلة، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات. (ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم) رخص لهم سبحانه في وضع السلاح إذا نالهم أذى من مطر، وفي حال المرض لأنه يصعب مع هذين الأمرين حمل السلاح، وعن ابن عباس قال: نزلت في عبد الرحمن بن عوف كان جريحاً، أخرجه البخاري وغيره. ثم أمرهم بأخذ الحذر فقال (وخذوا حذركم) لئلا يأتيهم العدو على غرة وهم غافلون، والمعنى راقبوا عدوكم ولا تغفلوا عنه، أمرهم بالتحفظ والتحرز والاحتياط، وهذا يفيد إيجاب حملها عند عدم العذر وهو أحد قولين للشافعي، والثاني أنه سنة ورجحه الشيخان (إن الله أعد للكافرين عذاباً مهيناً) يهانون به أخبر أنه يهين عدوهم لتقوى قلوبهم، وليعلموا أن الأمر بالحذر ليس لتوقع غلبتهم عليهم وإنما هو تعبد من الله.

103

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) (فإذا قضيتم الصلاة) أي فرغتم من صلاة الخوف وهو أحد معاني القضاء، ومثله (فإذا قضيتم مناسككم) و (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) (فاذكروا الله) الأمر للندب لأنه في الفضائل (قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم) في جميع الأحوال حتى في حال القتال، قال ابن عباس بالليل والنهار وفي البر والبحر وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة والسرّ والعلانية وعلى كل حال. وعن ابن مسعود أنه بلغه أن قوماً يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، فقال إنما هذه إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً صلى قاعداً، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن هذا الذكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف أي فإذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله في هذه الأحوال، وقيل معناها إذا صليتم فصلوا قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم حسبما تقتضيه الحال عند ملاحمة القتال، فهي مثل قوله (فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً). والمعنى أن ما أنتم عليه من الخوف جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه، وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر الله في كل أحيانه أخرجه الشيخان. (فإذا اطمأننتم) أي أمنتم بعد ما وضعت الحرب أوزارها وسكنت قلوبكم، والطمأنينة سكون النفس من الخوف (فأقيموا الصلاة) أي فأتوا بالصلاة التي دخل وقتها على الصفة المشروعة من الأذكار والأركان، ولا تفعلوا

ما أمكن فإن ذلك إنما هو في حال الخوف، وقيل المعنى في الآية أنهم يقضون ما صلوه في حال المسايفة لأنها حالة قلق وانزعاج وتقصير في الأذكار والأركان، وهو مروي عن الشافعي، والأول أرجح وقال مجاهد: فإذا اطمأننتم أي إذا خرجتم من دار السفر إلى دار الإقامة فأقيموا الصلاة، قال أتمّوها أربعاً من غير قصر، وعن قتادة وابن المنذر نحوه (¬1). (إنّ الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً) أي فرضاً محدوداً معيناً، والكتاب هنا بمعنى المكتوب يعني مؤقتة في أوقات محدودة فلا يجوز إخراجها عن أوقاتها على أي حال كان من خوف أو أمن، وقيل المعنى فرضاً واجباً مقدراً في الحضر أربع ركعات وفي السفر ركعتين، يقال وقّته فهو موقوت ووقّته فهو مؤقت. والمقصود أن الله افترض على عباده الصلوات وكتبها عليهم في أوقاتها المحدودة لا يجوز لأحد أن يأتي بها في غير ذلك الوقت إلا لعذر شرعي من نوم أو سهو أو نحوهما، قال ابن عباس: موقوتاً مفروضاً، والوقوت الواجب، فلا بد أن تؤدى في كل وقت حسبما قدّر فيه. ¬

(¬1) القرطبي 374.

104

وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) (ولا تهنوا في ابتغاء القوم) من وهن بالكسر في الماضي أو من وهن بالفتح أي لا تضعفوا في طلبهم وقتالهم وأظهروا القوة والجلد، وقريء تهانوا من الإهانة مبنياً للمفعول أي لا تتعاطوا من الجبن والخور ما يكون سبباً في إهانتكم. (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون) تعليل للنهي المذكور قبله أي ليس ما تجدونه من ألم الجراح ومزاولة القتال مختصاً بكم، بل هو أمر مشترك بينكم وبينهم، فليسوا بأولى منكم بالصبر على حر القتال ومرارة الحرب. ومع ذلك فلكم عليهم مزيّة لا توجد فيهم (و) هي أنكم (ترجون من الله) من الأجر وعظيم الجزاء (ما لا يرجون) لكفرهم وجحودهم فأنتم أحق بالصبر منهم وأولى بعدم الضعف منهم، فإن أنفسكم قوية لأنها ترى الموت مغنماً وهم يرونه مغرماً، ونظير هذه الآية قوله تعالى (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). وقيل: إن الرجاء هنا بمعنى الخوف لأن من رجا شيئاً فهو غير قاطع بحصوله فلا يخلو من خوف ما يرجو، وقال الفراء والزجاج: لا يطلق الرجاء بمعنى الخوف إلا مع النفي كقوله تعالى: (مالكم لا ترجون لله وقاراً) أي لا تخافون له عظمة. (وكان الله عليماً حكيماً) لا يأمركم بشيء إلا وهو يعلم أنه مصلحة لكم.

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106)

105

(إنا أنزلنا إليك الكتاب) أي القرآن (بالحق) أي متلبساً به، والحق الصدق أو الأمر والنهي والفصل بين الناس (لتحكم بين الناس بما أراك) أي أعلمك (الله) إما بوحي أو بما هو جار على سنن ما قد أوحى إليك به، وليس المراد هنا رؤية العين لأن الحكم لا يرى بل المراد ما عرّفه الله به وأرشده إليه، وإنما سمي العلم اليقيني رؤية لأنه جرى مجرى الرؤية في قوة الظهور. روي عن عمر أنه قال: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن ليجهد رأيه لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مصيباً لأن الله كان يريه إياه، وإن رأى أحدنا يكون ظناً ولا يكون علماً، وقد دلت هذه الآية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما كان يحكم إلا بالوحي الإلهي. (ولا تكن للخائنين) أي لأجلهم (خصيماً) مخاصماً عنهم مجادلاً للمحقين بسببهم، وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق، ونزلت هذه الآية في بني الأبيرق، وقد رويت هذه القصة مختصرة ومطولة عن جماعة من التابعين عند أهل السنن وغيرهم لا نطوّل بذكرها (¬1). ¬

(¬1) روى ابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس أن نفراً من الأنصار غزوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم فأظن بها رجل من الأنصار، فأتى صاحب الدرع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أن طعمة بن أبيرق سرق درعي، فلما رأى السارق ذلك عمد إليها فألقاها في بيت رجل بريء وقال لنفر من عشيرته إني غيبت الدرع وألقيتها في بيت فلان، وستوجد عنده، فانطلقوا إلى نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ليلاً فقالوا يا نبي الله إن صاحبنا بريء وإن صاحب الدرع فلان وقد -[231]- أحطنا بذلك علماً فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس وجادل عنه فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبرأه وعذره على رؤوس الناس فأنزل الله (إنا أنزلنا الكتاب بالحق ليحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً) ورواه الترمذي والحاكم وابن جرير وغيرهم بأطول من هذا قلت إسناده ضعيف جداً.

106

(واستغفر الله) أمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالاستغفار، قال ابن جرير: إن المعنى استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين، وقيل المعنى واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمخاصمين بالباطل والأول أرجح (إن الله كان غفوراً رحيماً). وقد تمسك بهذه الآية من يرى جواز صدور الذنب من الأنبياء وقالوا لو لم يقع منه - صلى الله عليه وسلم - ذنب لما أمر بالاستغفار، والجواب عنه بوجوه ذكرها الخازن في تفسيره (¬1). ¬

(¬1) لا شك أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما يتحدث أو يعمل كرسول، أي مبلغاً أو داعياً فهو معصوم، أما إذا كان يتحدث أو يعمل من عند نفسه في الأمور العامة التي ليست جزءاً من الرسالة فهو بشر، يمكن أن يخطىء، ويغلب أن يصيب، وقد وضح الرسول ذلك بقوله في الحديث الذي رواه رافع بن خديج " إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فأنا بشر " وكان الصحابة يفرقون بين محمد النبي ومحمد الإنسان، يتضح ذلك في المثال الذي حدث في غزوة بدر، فإن الرسول اختار مكاناً ليهىء فيه جنده للقتال، فسأله أحدهم: هل هذا الاختيار وحي من الله أو اجتهاد من عندك؟ فأجابه - صلى الله عليه وسلم -: بل هو اجتهاد من عندي، فقال الرجل هناك مكان أصلح من هذا، فانتقل الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليه.

وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)

107

(ولا تجادل) أي لا تحاجج (عن الذين يختانون) أي يخونون (أنفسهم) بالمعاصي، والمجادلة مأخوذ من الجدل وهو الفتل، وقيل مأخوذ من الجدالة وهي وجه الأرض لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقى صاحبه عليها، وسمى ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم (إن الله لا يحب) عدم المحبة كناية عن البغض، وإنما قال (من كان خواناً أثيماً) على المبالغة لأنه تعالى علم منه الإفراط في الخيانة وركوب المآثم.

108

(يستخفون من الناس) يستترون منه كقوله (من هو مستخف بالليل) أى مستتر قيل معناه يستحيون من الناس (ولا يستخفون من الله) أي لا يستترون ولا يستحيون منه (وهو) أي والحال أنه (معهم) بالعلم والقدرة في جميع أحوالهم، عالم بما فيه فكيف يستخفون منه، وكفى بذلك زجراً للإنسان عن ارتكاب الذنوب. وكفى بهذه الآية ناعية على ما هم من قلة الحياء والخشية من ربهم مع علمهم أنهم في حضرته لا سترة ولا غيبة (إذ يبيّتون) أى يدبرون الرأي بينهم، وسماه تبييتاً لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل (ما لا يرضى من القول) أي من الرأي الذي أداروه بينهم وسماه قولاً لأنه لا يحصل إلا بعد المقاولة بينهم (وكان الله بما يعملون محيطاً) عالماً علم إحاطة لا يخفى عليه شيء من أسرار عباده وهو مطلع عليهم، لا تخفى عليه خافية.

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (109) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110)

109

(ها أنتم هؤلاء) يعني القوم الذين جادلوا عن صاحبهم السارق، قال الزجاج: أولاء بمعنى الذين، والخطاب هنا على طريق الالتفات للإيذان بأنّ تعديد جناياتهم يوجب مشافهتهم بالتوبيخ والتقريع (جادلتم) أى خاصمتم (عنهم) وحاججتم، وأصل الجدال شدة الفتل لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يفتل صاحبه عما هو عليه. (في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة) الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي فمن يخاصم ويجادل الله عنهم عند تعذيبهم بذنوبهم (أم من يكون عليهم وكيلاً) أي مجادلاً ومخاصماً، الوكيل في الأصل القائم بتدبير الأمور، والمعنى من ذاك يقوم بأمرهم إذا أخذهم الله بعذابه، ومن يكون محامياً عنهم من بأس الله إذا نزل بهم.

110

(ومن يعمل سوءاً) هذا من تمام القصة السابقة والمراد بالسوء القبيح الذي يسوء به غيره (أو يظلم نفسه) بفعل معصية من المعاصي أو ذنب من الذنوب التي لا تتعدى إلى غيره (ثم يستغافر الله) يطلب منه أن يغفر له ما قارفه من الذنب (يجد الله غفوراً) لذنبه (رحيماً) به وفيه ترغيب لمن وقع منه السرق من بني أبيرق أن يتوب إلى الله ويستغفره وأنه غفور لمن يستغفره رحيم به. وقال الضحاك: إن هذه الآية نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة أشرك بالله وقتل حمزة ثم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال هل لي من توبة فنزلت، وعلى كل

حال فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فهي لكل عبد من عباد الله أذنب ذنباً ثم استغفر الله سبحانه. وعن ابن عباس قال: أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، فمن أذنب ذنباً صغيراً كان أو كبيراً ثم استغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً ولو كانت ذنوبه أعظم من السموات والأرض والجبال، وعن ابن مسعود من قرأ هاتين الآيتين من سورة النساء ثم استغفر الله غفر له (ومن يعمل سوءاً) الآية (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية. وقد ورد في قبول الاستغفار وأنه يمحو الذنب أحاديث كثيرة مدونة في كتب السنة، وفي هذه الآية دليل على حكمين. (أحدهما) أن التوبة مقبولة عن جميع الذنوب الكبائر والصغائر. (والثاني) أن مجرد الاستغفار كاف كما هو ظاهر الآية وقيل: إنه مقيد بالتوبة (¬1). ¬

(¬1) روى الإمام أحمد في " المسند " 1/ 174 عن علي رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً نفعني الله بما شاء أن ينفعني منه، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ما من مسلم يذنب ذنباً ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى لذلك الذنب إلا غفر له " وقرأ هاتين الآيتين: (ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً) (والذين إذا فعلوا فاحشة، أو ظلموا أنفسهم ... ) الآية [آل عمران: 135] ورواه الترمذي: 2/ 257، وابن حبان في " صحيحه " وهو حديث حسن. وقد ذكر في " التهذيب " 1/ 268 تحسينه عن ابن عدي.

وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (112)

111

(ومن يكسب إثماً) من الآثام بذنب يذنبه وهو إجمال بعد تفصيل (فإنّما يكسبه على نفسه) أي فعاقبته عائده عليه ولا يضر غيره، والكسب ما يجر به الإنسان إلى نفسه نفعاً أو يدفع ضرراً، ولهذا لا يسمى فعل الرب كسباً، قاله القرطبي (وكان الله عليماً) بما في قلب عبده عند إقدامه على التوبه (حكيماً) لا يعاقب بالذنب غير فاعله ويتجاوز عن التائب ويغفر له ويقبل توبته.

112

(ومن يكسب خطيئة أو إثماً) قيل هما بمعنى واحد كرر للتأكيد، وقال الطبري إن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد، والإثم لا يكون إلا عن عمد، وقيل الخطيئة الصغيرة، والإثم الكبيرة، وقيل الأول ذنب بينه وبين ربه والثاني ذنب في مظالم العباد، وقيل الخطيئة هي المختصة بفاعله والإثم المتعدي إلى الغير. (ثمّ يرم به بريئاً) منه، توحيد الضمير لكون العطف بأو، أو لتغليب الإثم على الخطيئة وقيل إنه يرجع إلى الكسب (فقد احتمل بهتاناً وإثماً مبيناً) لما كانت الذنوب لازمة لفاعلها كانت كالثقل الذي يحمل، ومثله (وليحملنّ أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) والبهتان مأخوذ من البهت وهو الكذب على البرىء بما يتبهّت له ويتحير منه. يقال بهته بهتاً وبهتاناً إذا قال عليه ما لم يقل، ويقال بهت الرجل بالكسر إذا دهش وتحير، وبهت بالضم ومنه (فبهت الذي كفر) والمبين الواضح.

113

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (113) (ولولا فضل الله عليك ورحمته) خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بهذا الفضل والرحمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه نبهه على الحق في قصة بني أبيرق وقيل المراد بهما العصمة والنبوة (لهمّت طائفة منهم) أي من الجماعة الذين عضدوا بني أبيرق يعني من بني ظفر، وهم قوم طعمة (أن يضلّوك) عن القضاء الحق وتوخّي طريق العدل أو يخطئوك في الحكم ويلبسوا عليك الأمر. (وما يضلّون إلا أنفسهم) لأن وبال ذلك عائد عليهم بسبب تعاونهم على الإثم (وما يضرّونك من شيء) لأن الله سبحانه هو عاصمك من الناس، ولأنك عملت بالظاهر فلا ضرر عليك في الحكم به قبل نزول الوحي، ومن زائدة. (وأنزل الله عليك الكتاب) قيل هذا ابتداء كلام وقيل الواو للحال أي وما يضرونك من شيء حال إنزال الله عليك القرآن أو مع إنزال الله ذلك عليك، فالجملة في معنى العلة لما قبله (والحكمة) أي القضاء بها (وعلّمك) أي بالوحي من أحكام الشرع وأمور الدين أو علم الغيب وخفيات الأمور أو من أحوال المنافقين وكيدهم أو من ضمائر القلوب (ما لم تكن تعلم) من الوحي، وقال قتادة: علمه الله بيان الدنيا والآخرة وبين حلاله وحرامه ليحتج بذلك على خلقه وقال الضحاك: علمه الخير والشر. (وكان فضل الله عليك عظيماً) فيما علمك وأنعم عليك لأنه لا فضل أعظم من النبوة التامة، والرسالة العامة، وفيه تنبيه منه سبحانه لرسوله على ما حباه من ألطافه، وما شمله من فضله وإحسانه ليقوم بواجب حقه،

114

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (114) (لا خير في كثير من نجواهم) النجوى السر بين الاثنين أو الجماعة، تقول ناجيت فلاناً مناجاة ونجاء وهم يتنجون ويتناجون ونجوت فلاناً أنجوه نجوى أي ناجيته، فنجوى مشتقة من نجوت الشيء أنجوه أي خلصته وأفردته والنجوة من الإرض المرتفع لانفراده بارتفاعه عما حوله، فالنجوى المسارة مصدر، وقد يسمى به الجماعة كما يقال قوم عدل قال الله تعالى (وإذ هم نجوى) وقيل النجوى جمع نجيّ، نقله الكرماني. وقد قال جماعة من المفسرين: إن النجوى كلام الجماعة المنفردة أو الإثنين سواء كان ذلك سراً أو جهراً، وبه قال الزجاج، والآية عامة في حق جميع الناس كما اختاره البغوي والكواشي كالواحدي وقيل عائد إلى قوم طعمة، والأول أولى. (إلا من أمر بصدقة) أي حث عليها، والظاهر أنها صدقة التطوع وقيل إنها صدقة الفرض والأول أولى، والاستثناء متصل كما اختاره القاضي كالكشاف وقيل منقطع لأن (من) للأشخاص وليست من جنس التناجي فيكون بمعنى لكن في لغة الحجاز. (أو معروف) لفظ عام يشمل جميع أنواع الجميل وفنون أعمال البر، وقال مقاتل: المعروف هنا الفرض، والأول أولى، ومنه الحديث كل معروف صدقة وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وقيل المعروف إغاثة الملهوف والقرض وإعانة المحتاج وأعمال البر كلها معروف لأن العقول تعرفها.

(أو إصلاح بين الناس) عطف خاص على عام قاله أبو حيان، وفيه أنه لا يكون بأو، وهو عام في الدماء والأعراض والأموال وفي كل شيء يقع التداعي فيه. وقد أخرج عبد الله بن حميد والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن أم حبيبة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كلام ابن آدم كلّه عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر أو ذكر الله عز وجل (¬1) ". قال سفيان الثوري هذا في كتاب الله يعني هذه الآية وقوله تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً) وقوله (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر). وقد وردت أحاديث صحيحة في الصمت والتحذير عن آفات اللسان والترغيب في حفظه وفي الحث على الإصلاح بين الناس، ولعل وجه تخصيص هذه الثلاثة بالذكر، أن عمل الخير المتعدي للناس إما إيصال منفعة أو دفع مضرة، والمنفعة إما جسمانية وإليه الإشارة بقوله إلا من أمر بصدقة وإما روحانية وإليه الإشارة بالأمر بالمعروف، ودفع الضرر أشير إليه بقوله أو إصلاح بين الناس قاله أبو السعود. (ومن يفعل ذلك) إشارة إلى الأمور المذكورة، جعل مجرد الأمر بها خيرًا ثم رغب في فعلها بقوله هذا لأن فعلها أقرب إلى الله من مجرد الأمر بها إذ خيرية الأمر بها إنما هي لكونه وسيلة إلى فعلها أو أراد ومن يأمر بذلك، فعبر عن الأمر بالفعل لأن الأمر بالفعل أيضاً فعل من الأفعال. ¬

(¬1) ابن ماجة كتاب الفتن باب 12.

(إبتغاء مرضات الله) علة للفعل لأن من فعلها لغير ذلك فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء بل قد يكون غير ناج من الوزر، وإنما الأعمال بالنيات (فسوف نؤتيه) في الآخرة إذا فعل ذلك ابتغاء لمرضات الله (أجراً عظيماً) لا حد له ولا يعلم قدره إلا الله. وأخرج أبو نصر السجزي في الإنابة عن أنس قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله أنزل على القرآن يا أعرابي (لا خير في كثير من نجواهم) إلى قوله (عظيماً) يا أعرابي الأجر العظيم الجنة "، قال الأعرابي: الحمد لله الذي هدانا للإسلام.

115

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) (ومن يشاقق الرسول) المشاقة المعاداة والمخالفة (من بعد ما تبيّن) أي وضح وظهر (له الهدى) بأن يعلم صحة الرسالة بالبراهين الدالة على ذلك ثم يفعل المشاقة (ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي غير طريقهم وهو ما هم عليه من دين الإسلام والتمسك بأحكامه في الاعتقاد والعمل والقول (نوّله ما تولّى) أي نجعله والياً لما تولاه واختاره من الضلال بأن نخلي بينه وبينه في الدنيا ونتركه وما اختاره لنفسه. (ونصله) أي نلزمه وندخله في الآخرة، وأصله من الصلّى وهو لزوم النار وقت الاستدفاء (جهنم وساءت مصيراً) مرجعاً هي، وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله (ويتبع غير سبيل المؤمين). ولا حجة في ذلك عندي لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا يصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل الدين فأداه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم. وقد أخرج الترمذي والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا يجمع الله هذه الأمة على الضلالة أبداً، ويد الله على الجماعة فمن شذَّ شذ في النار "، (¬1) وأخرجه الترمذي والبيهقي أيضاً عن ابن عباس مرفوعاً. ¬

(¬1) الترمذي كتاب الفتن/7.

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (116) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117)

116

(إن الله لا يغفر أن يشرك به) هذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه لقوله (قل للذين كفروا) الآية (ويغفر ما دون ذلك) أي ما دون الشرك (لمن يشاء) من أهل التوحيد وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبه من الموحدين فإن شاء غفر له وإن شاء عذبه. (ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً) أي ذهب عن طريق الهدى وحرم الخير كله إذا مات على شركه، لأن الشرك أعظم أنواع الضلال وأبعدها من الصواب والاستقامة، كما أنه افتراء وإثم عظيم ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية (فقد ضل) وفيما سبق (فقد افترى إثماً عظيماً) حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم وسياقه. وفي السمين ختمت الآية المتقدمة بقوله فقد افترى وهذه بقوله فقد ضل لأن الأولى في شأن أهل الكتاب وهم عندهم علم بصحة نبوته وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك وافتروا على الله، وهذه في شأن قوم مشركين. ليس لهم كتاب ولا عندهم علم، فناسب وصفهم بالضلال. وأيضاً قد تقدم هنا ذكر الهدى وهو ضد الضلال اهـ. وقد تقدم تفسير هذه الآية وتكريرها بلفظها في موضعين من هذه السورة للتأكيد وقيل كررت هنا لأجل قصة بني أبيرق، وقيل: إنها نزلت هنا بسبب غير قصة بني أبيرق وهو ما رواه الثعلبي والقرطبي في تفسيريهما عن الضحاك أن

شيخاً من الأعراب جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلا أني لم أشرك بالله شيئاً مذ عرفته وآمنت به، ولم اتخذ من دونه ولياً ولم أوقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له وإني لنادم وتائب ومستغفر فما حالي عند الله فأنزل الله تعالى هذه الآية أخرجه الترمذي، عن علي أنه قال ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية قال الترمذي حسن غريب.

117

(إن يدعون من دونه إلا إناثاً) تعليل لما قبلها أي ما يدعون من دون الله إلا أصناماً لها أسماء مؤنثة كاللات والعزى ومناة قاله أبي بن كعب، وقيل المراد بالإناث الأموات التي لا روح لها كالخشبة والحجر، قاله ابن عباس، قال الزجاج: الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث تقول هذه الحجر تعجبني، وهذه الدرهم تنفعني وقد يطلق الأنثى على الجمادات. وقيل المراد بالإناث الملائكة لقولهم الملائكة بنات الله قال الضحاك: اتخذوهن أرباباً وصوروهن صور الجواري فحلوا وقلدوا وقالوا هؤلاء يشبهن بنات الله الذي نعبده يعنون الملائكة، وقرىء إلا وثناً بضم الواو والثاء جمع وثن، رويت هذه عن عائشة، وقرأ ابن عباس: إلا أثناً جمع وثن أيضاً وقرأ الحسن إلا أنثاً جمع أنيث كغدير وغدر، وحكى الطبري أنه جمع أناث كثمار وثمر. وعلى جميع هذه القراآت فهذا الكلام خارج مخرج التوبيخ للمشركين والإزراء عليهم، والتضعيف لعقولهم لكونهم عبدوا من دون الله نوعاً ضعيفاً، وقال الحسن: كان لكل حي من أحياء العرب صنم يعبدونها يسمونها أنثى بني فلان فأنزل الله هذه الآية.

(وإن) ما (يدعون) من دون الله (إلا شيطاناً مريداً) وهو إبليس لعنه الله، لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه، وتقدم اشتقاق لفظ الشيطان والمريد المتمرد العاتي من مرد إذا عتا، قال الأزهري: المريد الخارج عن الطاعة وقد مرد الرجل مروداً إذا عتا وخرج عن الطاعة فهو مارد ومريد ومتمرد. وقال ابن عرفة: هو الذي ظهر شره يقال شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وظهرت عيدانها، ومنه قيل للرجل أمرد أي ظاهر مكان الشعر من عارضيه، وقال ابن عباس: لكل صنم شيطان يدخل في جوفه ويتراءى للسدنة والكهنة ويكلمهم والأول أولى.

لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119)

118

(لعنه الله) قيل مستأنفة وقيل دعاء عليه، أصل اللعن الطرد والإبعاد، وقد تقدم تفسيره وهو في العرف إبعاد مقترن بسخط (وقال لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً) معطوف على قوله لعنه الله والجملتان صفة لشيطان أي شيطاناً مريداً جامعاً بين لعنة الله له وبين هذا القول الشنيع، أو حال على إضمار قد أي وقد قال، أو استئناف، ولأتخذن جواب قسم محذوف، والنصيب المفروض هو المقطوع المقدر أي لأجعلن قطعة مقدرة من عباد الله تحت غوايتي وفي جانب إضلالي حتى أخرجهم من عبادة الله إلى الكفر به. عن مقاتل بن حيان قال هذا إبليس يقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، وعن الربيع بن أنس مثله. قلت: وهذا صحيح معنى ويعضد، قوله تعالى لآدم يوم القيامة أخرج من ذريتك بعث النار فيقول يا رب وما بعث النار؟ فيقول الله تعالى أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعند ذلك تشيب الأطفال من شدة الهول، أخرجه مسلم. فنصيب الشيطان هو بعث النار، والمعنى لأتخذن منهم حظاً مقدراً معلوماً فكل ما أطيع فيه إبليس فهو نصيبه ومفروضه، وأصل الفرض القطع، وهذا النصيب هم الذين يتبعون خطواته ويقبلون وساوسه.

119

(ولأضلّنّهم) اللام جواب قسم محذوف، والإضلال الصرف عن طريق الهداية إلى طريق الغواية والمراد به التزيين والوسوسة وإلا فليس إليه من الإضلال شيء، قال بعضهم لو كان الإضلال إلى إبليس لأضلّ جميع الخلق وهكذا اللام في قوله (ولأمنينهم) والمراد بالأماني التي يمنيهم بها الشيطان هي الأماني الباطلة الناشئة عن تسويله ووسوسته قال ابن عباس يريد تسويف التوبة وتأخيره. قال الكلبي: أمنيهم أنه لا جنة ولا نار ولا بعث، وقيل إدراك الجنة مع المعاصي وقيل أُزيّن لهم ركوب الأهواء والأهوال الداعية إلى العصيان وقيل طول البقاء في الدنيا ونعيمها ليؤثروها على الآخرة، ولا مانع من حمل اللفظ على الجميع. (ولآمرنَّهم فليبتكنّ آذان الأنعام) أي ولآمرنهم بتبتيك آذانها أي تقطيعها فليبتكنها بموجب أمري والبتك القطع ومنه سيف باتك يقال بتكة وبتكة مخففاً ومشدداً، وقد فعل الكفار ذلك امتثالاً لأمر الشيطان واتباعاً لرسمه فشقوا آذان البحائر والسوائب (¬1) كما ذلك معروف، قال قتادة: التبتيك في البحيرة والسائبة يبتكون آذانها لطواغيتهم (ولآمرنّهم فليغيرنَّ خلق الله) بموجب أمري لهم. واختلف العلماء في هذا التغيير ما هو فقالت طائفة: هو الخصي وفقء العين وقطع الأذن، وقال آخرون: إن المراد هو أن الله سبحانه خلق الشمس والقمر والأحجار والنار ونحوها من المخلوقات لما خلقها له فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة وبه قال الزجاج، وقيل المراد تغيير الفطرة التي فطر الله ¬

(¬1) البحيرة هي الناقة تشق أذنها وتخلى للطواغيت إذا ولدت خمسة أبطن آخرها ذكر والسائبة هي الناقة تسيب للأصنام لنحو برء من مرض أو نجاة في حرب.

الناس عليها وقيل نفي الأنساب واستلحاقها أو بتغير الشيب بالسواد أو بالتحريم والتحليل أو بالتخنث أو بتغيير دين الإسلام، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور حملاً شمولياً أو بدلياً. وقد رخص طائفة من العلماء في خصي البهائم إذا قصد بذلك زيادة الانتفاع به لسمن أو غيره، وكره ذلك آخرون وأما خصي بني آدم فحرام، وقد كره قوم شراء الخصي، قال القرطبي: لم يختلفوا أن خصي بني آدم لا يحل ولا يجوز وأنه مثلة، وتغيير لخلق الله، وكذلك قطع سائر أعضائهم في غير حد ولا قود قاله أبو عمرو بن عبد البر. أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن خصي البهائم والخيل، وأخرج ابن المنذر والبيهقي عن ابن عباس قال نهى - صلى الله عليه وسلم - عن صبر الروح وإخصاء البهائم. وعن ابن عباس فليغيرنّ خلق الله قال دين الله، وعن الضحاك وسعيد ابن جبير مثله، وعن الحسن قال الوشم ووصل الشعر، وهذه الجمل الخمسة المحكية عن اللعين مما نطق به لسانه مقالاً أو حالاً، وما فيها من اللامات الخمس للقسم كما تقدم. (ومن يتخذ الشيطان وليّاً من دون الله) باتباعه وامتثال ما يأمر به وإيثار ما يدعو إليه من دون اتباع لا أمر الله به ولا امتثال له، وقيل الولي من الموالاة وهو الناصر (فقد خسر) بتضييع رأس ماله الفطري (خسراناً مبيناً) أي واضحاً ظاهراً لأن طاعة الشيطان توصله إلى نار جهنم المؤبدة عليه وهي غاية الخسران.

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (120) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (121) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (122)

120

(يعدهم) المواعيد الباطلة كطول العمر (ويمنّيهم) الأماني العاطلة في الدنيا، عطف خاص للاهتمام، (وما يعدهم الشيطان) أي بما يوقعه في خواطرهم من الوساوس الفارغة (إلا غروراً) يغرهم به ويظهر لهم فيه النفع وهو ضرر محض، قال ابن عرفه: الغرور ما رأيت له ظاهراً تحبه وله باطن مكروه وهذه الجملة اعتراضية.

121

(أولئك) إشارة إلى أولياء الشيطان بمراعاة معنى (من) وهذا مبتدأ وقوله (مأواهم) مبتدأ ثان وقوله (جهنم) خبر للثاني والجملة خبر للأول (ولا يجدون عنها محيصاً) أي معدلاً من حاص يحييص، وقيل منجًى ومخلصاً ومحيداً ومهرباً وقيل الحيص هو الروغان بنفور والمحيص اسم مكان أو مصدر.

122

(الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بيان لوعد الله المؤمنين عقب بيان وعد الشيطان للكافرين (سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي من تحت المساكن والغرف (خالدين فيها أبداً) بلا انتهاء ولا غاية، والأبد عبارة عن مدة الزمان الممتد الذي لا انقطاع له. (وعد الله حقاً) قال في الكشاف مصدران الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره، ووجهه أن الأول مؤكد لمضمون الجملة الاسمية ومضمونها وعد، والثاني مؤكد لغيره أي حق ذلك حقاً (ومن أصدق من الله قيلاً) هذه الجملة مؤكده لما قبلها، والقيل مصدر قال كالقول والقال والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أصدق قولاً من الله عز وجل، وقيل إن قيلاً اسم لا مصدر، وإنه منتصب على التمييز قاله ابن السكيت.

لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124)

123

(ليس) دخول الجنة أو الفضل أو القرب من الله أو الأمر منوطاً (بأمانيّكم ولا أمانيّ أهل الكتاب) بل بالعمل الصالح والإيمان كما يدل على ذلك سبب نزول الآية، وقيل الضمير يعود إلى ما وعد الله وهو بعيد، ومن أماني أهل الكتاب قولهم لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وقولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه) وقولهم (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة). وعن مسروق قال: تفاخر النصارى وأهل الإسلام فقال هؤلاء نحن أفضل منكم، وقال هؤلاء نحن أفضل منكم، فنزلت، وقد ورد معنى هذه الرواية من طرق كثيرة مختصرة ومطولة، والأماني جمع أمنية أفعولة من التمنية، والتمني تقدير الشيء في النفس وتصويره فيها والأمنية هي الصورة الحاصلة في النفس، وقيل الخطاب للمسلمين ولليهود والنصارى وقيل لمشركي مكة في قولهم لا نبعث ولا نحاسب. (من يعمل سوءاً يجز به) قال الحسن: هذا في حق الكفار، ولا وجه له، وقال ابن عباس: هي عامة في كل من عمل سوءاً. وفي هذه الجملة ما ترجف له القلوب من الوعيد الشديد وقد كان لها في صدور المسلمين عند نزولها موقع عظيم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال لما نزلت (من يعمل سوءاً يجز به) بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم

كفارة حتى النكبة ينكبها والشوكة يشاكها (¬1). أخرج عبد بن حميد والترمذي وابن المنذر عن أبي بكر الصديق أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له لما نزلت هذه الآية: أما أنت وأصحابك يا أبا بكر فتجزون بذلك في الدنيا حتى تلقوا الله ليس لكم ذنوب، وأما الآخرون فيجمع لهم ذلك حتى يجزوا به يوم القيامة (¬2). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهمّ يهمّه إلا كفّر الله به من سيآته (¬3) وقد ورد في هذا المعنى أحاديث كثيرة (ولا يجد له من دون الله) أي غيره (ولياً) يحفظه (ولا نصيراً) يمنعه منه. ¬

(¬1) مسلم 2574. (¬2) ضعيف الجامع 1335. (¬3) مسلم 2573 والبخاري 2235.

124

(ومن يعمل مِنَ) من للتبعيض أي بعض (الصالحات) وهي الفرائض قاله ابن عباس، وقال الطبري من زائدة عند قوم وهو ضعيف لأن المكلف لا يطيق عمل كل الصالحات، حال كونه (من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) أي حال كونه مؤمناً، والحال الأولى لبيان من يعمل، والحال الأخرى لإفادة اشتراط الإيمان في كل عمل صالح، وفيه إشارة إلى أن الأعمال ليست من الإيمان. (فأولئك) إشارة إلى العامل المتصف بالإيمان، قرىء (يدخلون الجنة) على البناء للمجهول وللمعلوم والجمع باعتبار معنى (من) كما أن الإفراد فيما سبق باعتبار لفظها (ولا يظلمون نقيراً) أي قدر النقير وهو النقرة في ظهر النواة ومنها تنبت النخلة، وهذا على سبيل المبالغة في نفي الظلم ووعد بتوفية جزاء أعمالهم من غير نقصان، كيف والمجازي أرحم الراحمين.

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)

125

(ومن) أي لا أحد فهو استفهام إنكاري (أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن) أي أخلص نفسه له حال كونه محسناً أي عاملاً للحسنات، وقيل معنى أسلم فوض أمره إلى الله، وقال ابن عباس: هو محسن يريد هو موحد لله عز وجل لا يشرك به شيئاً، وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء فإذا انقاد لله فقد انقاد له جميع الأعضاء لأنها تابعة له. (واتبع ملة إبراهيم حنيفاً) أي اتبع دين إبراهيم حال كون المتبع مائلاً عن الأديان الباطلة إلى دين الحق وهو الإسلام، وخص إبراهيم للاتفاق على مدحه حتى من اليهود والنصارى (واتخذ الله إبراهيم خليلاً) أي جعله صفوة له وخصه بكراماته، وفيه إظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأنه، والتنصيص على أنه متفق على مدحه. وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته لأن من بلغ من الزلفى عند الله أن اتخذه خليلاً كان جديراً بأن يتبع ملته، قال ثعلب إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلا ملأته، وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وقد كان إبراهيم عليه السلام محبوباً لله ومحباً له، وقيل الخليل من الاختصاص، فالله سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها، واختار هذا النحاس. قال الزجاج: معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل، أخرج الحاكم

وصححه عن جندب أنه سمِع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول قبل أن يتوفى: " إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً (¬1) " وأخرج الحاكم أيضاً وصححه عن ابن عباس قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (¬2)، وفي تعريف الخلة والسبب الذي من أجله اتخذ الله إبراهيم خليلاً أقوال ذكرها أهل التفسير (¬3). ¬

(¬1) المستدرك 2/ 550. (¬2) المستدرك 2/ 469. (¬3) روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: " يا جبريل لم أتخذ الله إبراهيم خليلاً؟ قال: " لإطعامه الطعام " - رواه السيوطي في الدر 20/ 230 ونسبه للبيهقي في شعب الإيمان. وفي رواية أن الناس أصابتهم سنة فأقبلوا إلى باب إبراهيم عليه السلام يطلبون الطعام، وكانت له ميرة من صديق له بمصر في كل سنة. فبعث غلمانه بالإبل إلى صديقه فلم يعطهم شيئاً، فقالوا: لو احتملنا من هذه البطحاء ليرى الناس أنا قد جئنا بميرة فملؤوا الغرائر رملاً، ثم أتوا إبراهيم عليه السلام فاعلموه، فاهتم إبراهيم لأجل الخلق، فنام وجاءت سارة وهي لا تعلم ما كان ففتحت الغرائر فإذا دقيق حواري فأمرت الخبازين فخبزوا، وأطعموا الناس، فاستيقظ إبراهيم فقال من أين هذا الطعام فقالت: من عند خليلك المصري فقال: لا بل من عند خليلي الله عز وجل فيومئذ أتخذ الله خليلاً انتهى. قال ابن كثير وفي صحيحه هذا ووقوعه نظر وغايته أن يكون خبراً إسرائيلياً لا يصدق ولا يكذب.

126

(ولله ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً، فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلاً لطاعته لا لحاجته ولا للتكثر به والاعتضاد بمخاللته، وإنما قال (ما) ولم يقل (من) لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظ (ما) قيل مستأنفة لتقرير وجوب طاعة الله وقيل لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية. (وكان الله بكل شيء محيطاً) هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها أي أحاط بكل شيء علماً وقدرة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

127

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127) (ويستفتونك) يطلبون منك الفتوى وهي بالواو فتفتح الفاء، وبالياء فتضم وهي اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم واستفتيته سألته أن يفتي، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل، وقيل يجوز الفتح للتخفيف. (في) شأن (النساء) وميراثهن (قل) لهم (الله يفتيكم فيهن) سبب نزول هذه الآية سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغيره فأمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم إن الله يبين لكم حكم ما سألتم عنه. وهذه الآية رجوع إلا ما افتتحت به السورة من أمر النساء وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم (الله يفتيكم) قال مجاهد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان شيئاً، كانوا يقولون لا يغزون ولا يغنمون خيراً ففرض الله لهن الميراث حقاً واجباً. وعن إبراهيم قال: كانوا إذا كانت الجارية يتيمة دميمة لم يعطوها ميراثها وحبسوها من التزويج حتى تموت فيرثونها فأنزل الله هذا. (وما يتلى عليكم في الكتاب) أي القرآن الذي يتلى عليكم يفتيكم فيهن، والمتلو في الكتاب في معنى اليتامى قوله تعالى (وإن خفتم ألا تقسطوا

في اليتامى) وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، والغرض منه تعظيم حال هذه الآية التي تتلى عليكم، وأنها في اللوح المحفوظ وأن العدل والإنصاف في حقوق اليتامى من أعظم الأمور عند الله التي تجب مراعاتها وأن الخل بها ظالم. (في يتامى النساء) فيه خمسة أوجه (أحدها) أنه بدل من (في الكتاب) وهو بدل اشتمال ولا بد من حذف مضاف أي في حكم يتامى (الثاني) أن يتعلق بيتلى قاله أبو البقاء (الثالث) أنه بدل من فيهن بإعادة العامل (الرابع) أن يتعلق بنفس الكتاب أي فيما كتب في حكم اليتامى (الخامس) أنه حال أي كائناً في حكم يتامى والإضافة من باب إضافة الصفة إلى الموصوف إذ الأصل في النساء اليتامى. (اللاتي لا تؤتونهنّ ما كتب) أي فرض (لهن) من الميراث وقيل من الصداق وغيره وذلك لأنهم كانوا يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار (وترغبون أن تنكحوهن) بجمالهن ومالهن بتقدير (في) أو لعدم جمالهن ودمامتهن بتقدير عن، والآية محتملة للوجهين (والمستضعفين من الولدان) عطف على قوله (يتامى النساء) وما يتلى في حقهن هو قوله (يوصيكم الله في أولادكم) الآية. وقد كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا من كان مستضعفاً من الولدان كما سلف، وإنما يورثون الرجال القائمين بالقتال وسائر الأمور. (و) يأمركم (أن تقوموا لليتامى بالقسط) أي العدل في مهورهن ومواريثهن (وما تفعلوا من خير) في حقوق المذكورين أو من شر ففيه اكتفاء (فإن الله كان به عليماً) يجازيكم بحسب فعلكم من خير وشر.

128

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) (وإن امرأة) مرفوع بفعل يفسره (خافت) أي توقعت ما يخاف من زوجها وقيل معناه تيقنت، وهو خطأ (من بعلها) أي زوجها، والبعل هو السيد (نشوزاً) دوام النشوز قاله الزجاج يعني ترفعاً عليها بترك مضاجعتها والتقصير في نفقتها لبغضها وطموح عينه إلى أجمل منها (أو إعراضاً) عنها بوجهه، قال النحاس: الفرق بين النشوز والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض أن لا يكلمها ولا يأنس بها. (فلا جناح عليهما) أي لا حرج ولا إثم على الزوج والمرأة قال أبو السعود: الجناح عن الزوج ظاهر لأنه يأخذ شيئاً من قبلها، والأخذ مظنة الجناح، ومظنة أن يكون من قبيل الرشوة الحرمة، وأما نفي الجناح عنها مع أن الذي هو من قبلها هو الدفع لا الأخذ فلبيان أن الصلح ليس من قبيل الرشوة الحرمة للمعطى والآخذ اهـ. (أن يصلحا) من المصالحة على قراءة الجمهور وظاهر الآية أنها تجوز المصالحة عند مخافة أي نشوز أو أي إعراض، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهرها أنه يجوز التصالح بأي نوع من أنواعه إما بإسقاط التوبة أو بعضها أو بعض النفقة أو بعض المهر. وقرأ الكوفيون (أن يصلحا) من الإصلاح والأول أولى لأن قاعدة العرب أن الفعل إذا كان بين اثنين فصاعداً قيل تصالح الرجلان أو القوم لا أصلح.

(بينهما صلحا) أي في القسمة والنفقة، قال ابن عباس: فإن صالحته على بعض حقها جاز وإن أنكرت ذلك بعد الصلح كان ذلك لها، ولها حقها (والصلح) لفظ عام يقتضي أن الصلح الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف (خير) على الإطلاق أو خير من الفرقة أو من الخصومة أو من النشوز والإعراض، وهذه الجملة اعتراضية قاله الزمخشري، واللام في الصلح للجنس أو للعهد. قد أخرج الترمذي وحسّنه وابن المنذر والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية (¬1)، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز. وأخرج أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة، وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت: الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني في حلّ فنزلت هذه الآية، وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا. وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت: لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم لها بيوم سودة. (وأحضرت الأنفس الشحّ) أي شدة البخل، وهذا إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما بل في كل الأنفس الإنسانية كائن، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال، وأن ذلك بحكم الجِبلّة والطبيعة فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحو ¬

(¬1) زاد المسير 217/ 493.

ذلك، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له شيئاً منها، وشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله لوجه من الوجوه، ومنه (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون) عن ابن عباس: هواه في الشيء يحرص عليه والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير. (وإن تحسنوا) أيها الأزواج الصحبة والعشرة (وتتقوا) ما لا يجوز من النشوز والإعراض في حق المرأة فإنها أمانة عندكم، وقيل المعنى إن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور (فإن الله كان بما تعملون خبيراً) فيجازيكم الله يا معشر الأزواج بما تستحقّونه.

129

وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129) (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء (¬1)) أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه البتّة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه، وذلك بحكم الخلقة بحيث لا يملكون قلوبهم ولا يستطيعون توقيف أنفسهم على التسوية، ولهذا كان يقول الصادق المصدوق صلى الله عليه وآله وسلم اللهم: هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك (¬2)، رواه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن المنذر عن عائشة وإسناده صحيح. قال ابن مسعود: العدل بين النساء الجماع، وقال الحسن: الحب وكذا المحادثة والمجالسة والنظر إليهن والتمتّع (ولو حرصتم) يعني على العدل والتسوية بينهن في الحب وميل القلب. ¬

(¬1) يظن بعض الناس أن هذه الآية تمنع تعدد الزوجات وفاته أن آخرها صريح في الإباحة حيث تقول (فلا تميلوا كل الميل) فهذا لا يقال لصاحب الزوجة الواحدة وتضم إلى هذا أن من الثابت أن بعض الصحابة كانوا يتزوجون أكثر من واحدة وقصة حفصة بنت عمر معروفة وهي أنها لما مات زوجها عرضها عمر على عثمان وعمر كان يعلم أن عثمان متزوج. (¬2) وكذلك يأخذ بعضهم على الإسلام أنه يبيح الزوجات ويظن أنه بذلك يدافع عن المرأة وأن التعدد ضار بها وقد قرأنا كلمة للأستاذ العقاد جاء فيها (والأمر الذي يغفل عنه الكثيرون أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام إنما هو في حقيقته رخصة للمرأة التي تريده باختيارها، وليس رخصة للرجل إذا أراد فمهما يكن من إرادة الرجل فهو لا يستطيع البناء بامرأة واحدة لا تختاره فضلاً عن الجمع بين امرأتين أو أربع على هواه وإذا كان قبول المرأة شرطاً واجباً لصحة كل زواج فالرخصة إذاً في مصلحة المرأة التي تختاره وترى من أحوالها في الأسرة أنها هي الرابحة في هذا الاختيار. -[258]- ولقد عرفنا نحن كما عرف غيرنا أحوالاً غير نادرة كانت المرأة توازن فيها بين جميع الاعتبارات فتخرج من هذه الموازنة بتفضيل تعدد الزوجات على ما عداه).

(فلا تميلوا كلّ الميل) إلى التي تحبونها في القسم والنفقة، ولما كانوا لا يستطيعون ذلك ولو حرصوا عليه وبالغوا فيه نهاهم عز وجل عن أن يميلوا كل الميل، لأن ترك ذلك وتجنّب الجور كل الجور في وسعهم وداخل تحت طاقتهم، فلا يجوز لهم أن يميلوا عن إحداهن إلى الأخرى كل الميل. (فتذروها) أي الأخرى الممال عنها (كالمعلّقة) التي ليست ذات زوج ولا مطلقة تشبيهاً بالشيء الذي هو معلق غير مستقر على شيء لا في السماء ولا في الأرض، أي لا أيِّماً ولا ذات زوج، وقرأ أبي بن كعب فتذروها كالمسجونة لا هي مخلصة فتتزوج، ولا هي ذات بعل فيحسن إليها. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد وأهل السنن عن أُبَيّ هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط (¬1). (وإن تصلحوا) ما أفسدتم من الأمور التي تركتم ما يجب عليكم فيها من عشرة النساء والعدل بينهن في القسم والحب (وتتقوا) الجور في القسم وكل الميل الذي نهيتم عنه (فإن الله كان غفوراً رحيماً) بكم لا يؤاخذكم بما فرط منكم من الميل إلى بعضهن دون بعض. ¬

(¬1) صحيح الجامع 6391 وسلسلة الأحاديث الصحيحة 277. أبو داود كتاب النكاح 38 - النسائي كتاب النساء باب 2.

وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (132) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)

130

(وإن يتفرّقا) أي لم يتصالحا بل فارق كل واحد منهما صاحبه بالطلاق (يغن الله كلاً) منهما أي يجعله مستغنياً عن الآخر بأن يهيء للرجل امرأة توافقه وتقر بها عينه، والمرأة رجلاً تغتبط بصحبته ويرزقهما (من سعته) رزقاً يغنيهما به عن الحاجة، وفي هذا تسلية لكل واحد من الزوجين بعد الطلاق (وكان الله واسعاً حكيماً) واسع الفضل والرحمة، وقيل القدرة والعلم والرزق صادرة أفعاله على جهة الإحكام والإتقان.

131

(ولله ما في السموات وما في الأرض) هذه جملة مستأنفة لتقرير كمال سعته سبحانه وشمول قدرته لأن من ملكهما لا تفنى خزائنه (ولقد وصيّنا الذين أوتوا الكتاب) أي أمرناهم فيما أنزلناه عليهم من الكتب، واللام في الكتاب للجنس (من قبلكم) من اليهود والنصارى وأصحاب الكتب القديمة (وإيّاكم) يا أهل القرآن في كتابكم (أن اتقوا الله) أي أمرناهم وأمرناكم بالتقوى، وقال الأخفش بأن اتقوا الله. ويجوز أن تكون أن مفسرة لأن التوصية في معنى القول وهو أن توحدوه وتطيعوه وتحذروه وتخافوه ولا تخالفوا أمره، والمعنى أن الأمر بتقوى الله شريعة قديمة أوصى الله بها جميع الأمم السالفة في كتبهم على ألسن رسلهم.

(وإن تكفروا) أي وقلنا لهم ولكم إن تكفروا وتجاحدوا ما أوصاكم به (فإنّ لله ما في السموات وما في الأرض) خلقاً وملكاً وعبيداً فلا يضره كفركم، وفائدة هذا التكرير التأكيد ليتنبه العباد على سعة ملكه وينظروا في ذلك ويعلموا أنه غني عن خلقه (وكان الله غنياً) عن جميع خلقه (حميداً) مستحمداً إليهم قاله ابن عباس، وعن علي مثله.

132

(ولله ما في السموات وما في الأرض) أي عبيداً وملكاً قيل تكريرها تعديد لا هو موجب تقواه لأن التقوى والخشية أصل كل خير، وقيل كلام مبتدأ سيق للمخاطبين توطئة لا بعده من الشرطية غير داخل تحت القول المحكي (وكفى بالله وكيلاً) أي حفيظاً قاله قتادة، وقال ابن عباس شهيداً على أن له فيهن عبيداً وقيل دافعاً ومجيراً.

133

(إن يشأ يذهبكم) أي يفنكم (أيها الناس) ويستأصلكم بالمرة، قال ابن عباس: يريد المشركين والمنافقين (ويأت) أي يوجد دفعة مكانكم (بآخرين) أي بقوم آخرين من البشر، أو خلقاً مكان الإنس غيركم هم خير منكم، وهو كقوله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (وكان الله على ذلك) أي على أن يهلك من خلقه ما شاء ويأتي بآخرين من بعدهم (قديراً) لا يمتنع عليه شيء أراده ولم يزل ولا يزال موصوفاً بالقدرة على جميع الأشياء (¬1). ¬

(¬1) قال ابن كثير رحمه الله: وقوله: (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً) أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه، كما قال: (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) [محمد: 38] وقال بعض السلف: ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره.

مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)

134

(من كان يريد ثواب الدنيا) هو من يطلب بعمله شيئاً من الدنيا كالمجاهد يطلب الغنيمة دون الأجر (فعند الله) أي فما باله يقتصر على أدنى الثوابين وأحقر الأجرين وهلاّ طلب بعمله ما عند الله سبحانه وهو (ثواب الدنيا والآخرة) فيحرزهما جميعاً ويفوز بهما، ظاهر الآية العموم، وقال ابن جرير الطبري: إنها خاصة بالمشركين والمنافقين (وكان الله سميعاً) أي يسمع ما يقولونه (بصيراً) أي يبصر ما يفعلونه، وهذا تذييل بمعنى التوبيخ.

135

(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين) صيغة مبالغة أي ليتكرر ويدم منكم القيام (بالقسط) وهو العدل في شهادتكم وفي جميع أموركم، ومن عدل مرة أو مرتين لا يكون في الحقيقة قوّاماً (شهداء) بالحق، وقيل بالوحدانية جمع شهيد قياساً أو شاهد على غير قياس وهو خبر بعد خبر لكان أو حال، قال ابن عطية: والحال فيه ضعيفة في المعنى لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط والأول أولى، و (لله) أي لمرضاته وثوابه. (ولو على أنفسكم) متعلّق بشهداء، هذا المعنى هو الظاهر من الآية وهو الإقرار بما عليكم من الحقوق (أو الوالدين والأقربين) أي من ذوي رحمه وأقاربه، فأما شهادته على والديه فبأن يشهد عليهما بحق للغير، وكذلك الشهادة على الأقربين، وذكر الأبوين لوجوب بِرّهما وكونهما أحب الخلق إليه،

ثم ذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا شهدوا على هؤلاء بما عليهم فالأجنبي من الناس أحرى أن يشهدوا عليه، وقد قيل: إن معنى الشهادة على النفس أن يشهد بحق على من يخشى لحوق ضرر منه على نفسه، وهو بعيد. (إن يكن) المشهود عليه من الأقارب أو الأجانب (غنيّا) فلا يراعى لأجل غنائه استجلاباً لنفعه أو استدفاعاً لضره فتترك الشهادة عليه (أو فقيراً) فلا يراعى لفقره رحمة له وإشفاقاً عليه فتترك الشهادة عليه، وقرأ ابن مسعود: إن يكن غني أو فقير على إن كان تامة، وإنما قال (فالله أولى بهما) ولم يقل به مع أن التخيير إنما يدل على الحصول لواحد لأن المعنى فالله أولى بكل واحد منهما. وقيل رد الضمير إلى المعنى دون اللفظ، وقال الأخفش: تكون أو بمعنى الواو، وقيل: إنه يجوز ذلك مع تقدم ذكرهما كما في قوله تعالى (وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس) وقد تقدم في مثل هذا ما هو أبسط مما هنا، وقرأ أُبَيّ فالله أولى بهم. (فلا تتّبعوا الهوى) في الشهادة (أن تعدلوا) إما من العدل كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى كراهة أن تعدلوا بين الناس، واختاره الزمخشري أو من العدول واختاره القاضي كأنه قال: فلا تتبعوا الهوى مخافة أن تعدلوا عن الحق أو كراهة أن تعدلوا عنه. (وإن تلووا) من اللَّي يقال لويت فلاناً حقه إذا دفعت عنه والمراد لي الشهادة ميلاً إلى المشهود عليه، وقرأ الكوفيون وإن تلوا من الولاية أي وإن تلوا الشهادة وتتركوا ما يجب عليكم من تأديتها على وجه الحق، وقد قيل إن هذه القراءة تفيد معنيين الولاية والإعراض، والقراءة الأولى تفيد معنى واحداً، وهو الإعراض.

وزعم بعض النحويين أن القراءة الثانية غلط ولحن لأنه لا معنى للولاية هنا، قال النحاس: وغيره وليس يلزم هذا ولكن يكون تلوا بمعنى تلووا، والمعنى ما قال ابن عباس: يلوي لسانه بغير الحق ولا يقيم الشهادة على وجهها. (أو تعرضوا) عن تأدية الشهادة من الأصل، وقيل معناه التحريف والتبديل في الشهادة، وقيل هو خطاب مع الحكام أن يميلوا مع أحد الخصمين أو يعرضوا عنه بالكلية (فإنّ الله كان بما تعملون) من اللَّيّ والإعراض أو من كل عمل (خبيراً) وفي هذا وعيد شديد لمن لم يأت بالشهادة كما يجب عليه. وقد روي أن هذه الآية تعم القاضي والشهود أما الشهود فظاهر، وأما القاضي فذلك بأن يعرض عن أحد الخصمين أو يلوي عن الكلام معه، وقيل هي خاصة باليهود، قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يقولوا بالحق ولو على أنفسهم أو آبائهم أو أبنائهم لا يهابون غنياً لغنائه ولا يرحمون مسكيناً لمسكنته، وقال الرجلان يجلسان عند القاضي فيكون لَيُّ القاضي وإعراضه لأحد الرجلين على الآخر (¬1). ¬

(¬1) وروى ابن جرير 9/ 403 عن السدي " إن فقيراً وغنياً اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان (ميله) مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم الغني فنزلت هذه الآية.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (136) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (137)

136

(يا أيّها الذين آمنوا) خطاب لكافة المسلمين، وذكر ذلك عقب الأمر بالعدل لأنه لا يكون العدل إلا بعد الاتصاف بالإيمان، فهو من ذكر السبب بعد المسبب (آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزّل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل) أي اثبتوا على إيمانكم وداوموا عليه، على حد، فاعلم أنه لا إله إلا الله، ويا أيها النبي اتق الله، والكتاب هو القرآن واللام للعهد، والكتاب الثاني هو كل كتاب واللام للجنس. وقيل: إن الآية نزلت في المنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا في الظاهر أخلصوا لله، وقيل نزلت في المشركين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا باللات والعزى آمنوا بالله، وهما ضعيفان. (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر) أي بشيء من ذلك كما جرى عليه القاضي كالكشاف، وذكر الرسول فيما سبق لذكر الكتاب الذي أنزل عليه، وذكر الرسل هنا لذكر الكتب جملة فناسبه ذكر الرسل جملة، وجمع أيضاً لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل، قاله الكرخي. وتقديم الملائكة على الرسل لأنهم الوسائط بين الله وبين رسله، قال الضحاك: يعني بذلك أهل الكتاب كان الله قد أخذ ميثاقهم في التوراة والإنجيل وأقروا على أنفسهم أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، فلما بعث الله رسوله

دعاهم إلى أن يؤمنوا بمحمد والقرآن، وذكرهم الذي أخذ عليهم من الميثاق فمنهم من صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - واتبعه ومنهم من كفر. (فقد ضلّ) عن القصد لأن الكفر ببعضه كفر بكله (ضلالاً بعيداً) عن الحق بحيث يعسر العود منه إلى سواء الطريق، وقول القاضي: بحيث لا يكاد يعود إلى طريقه، لا يصح إلا إذا كانت الآية في جمع مخصوص علم الله منهم أنهم يموتون على الكفر ولا يتوبون عنه. والظاهر أنه لا يحتاج إلى هذه المبالغة بل المراد ما أشرنا إليه لأن الذين يكفرون بما ذكر قد يسلم بعضهم، وزيادة الملائكة واليوم الآخر في جانب الكفر لما أنه بالكفر بأحدهما لا يتحقق الإيمان أصلاً، وجمع الكتب والرسل لما أن الكفر بكتاب أو رسول كفر بالكل.

137

(إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة التي آمنت ثم كفرت ثم آمنت ثم كفرت ثم ازدادت كفراً بعد ذلك كله أنه (لم يكن الله) سبحانه (ليغفر لهم) ذنوبهم ما أقاموا عليه (ولا ليهديهم سبيلاً) طريقاً يتوصلون به إلى الحق ويسلكونه إلى الخير لأنه يبعد منهم كل البعد أن يخلصوا لله ويؤمنوا إيماناً صحيحاً لأن قلوبهم قد تعودت الكفر وتمرنت على الردة، وكان الإيمان عندهم أهون شيء وأدونه، لا أنهم لو أخلصوا الإيمان لم يقبل منهم ولم يغفر لهم. وفي هذا إشارة إلى أن الكفر بعد التوبة مغفور ولو بعد ألف مرة كما قاله الأصفهاني وغيره، وهذا الاضطراب منهم تارة يدَّعون أنهم مؤمنون، وتارة يمرقون من الإيمان ويرجعون إلى ما هو دأبهم وشأنهم من الكفر المستمر والجحود الدائم، يدل أبلغ دلالة على أنهم متلاعبون بالدين ليست لهم نية صحيحة ولا قصد خالص.

قيل المراد بهؤلاء اليهود، فإنهم آمنوا بموسى والتوراة ثم كفروا بعبادتهم العجل ثم آمنوا به عند عوده إليهم، ثم كفروا بعيسى والإنجيل ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم والقرآن، والمراد بازدياد الكفر أنهم استمروا على ذلك كما هو الظاهر من حالهم، وإلا فالكافر إذا آمن وأخلص إيمانه وأقلع عن الكفر فقد هداه الله السبيل الوجب للمغفرة، والإسلام يجب ما قبله، ولكن لما كان هذا مستبعداً منهم جداً كان غفران ذنوبهم وهدايتهم إلى سبيل الحق مستبعداً (¬1). وعن قتادة قال: هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثم كفرت وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعن ابن زيد قال: هؤلاء المنافقون آمنوا مرتين ثم كفروا مرتين ثم ازدادوا كفراً بعد ذلك بموتهم على الكفر، وذلك لأن من تكرر منه الإيمان والكفر بعد الإيمان مرات كثيرة دل على أنه لا وقع للإيمان في قلبه، ومن كان كذلك لا يكون مؤمناً بالله إيماناً كاملاً صحيحاً وازديادهم الكفر هو استهزاؤهم وتلاعبهم بالإيمان. قال علي: لا تقبل توبته أي توبة مثل هذا المتلاعب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن توبته مقبولة، وظاهر القرآن مع علي. ¬

(¬1) قال ابن الجوزي: أنها في اليهود آمنوا بموسى، ثم كفروا بعد موسى، ثم آمنوا بعُزيْر، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، هذا قول ابن عباس. وروى عن قتادة قال: آمنوا بموسى، ثم كفروا بعبادة العجل، ثم آمنوا به بعد عوده، ثم كفروا بعده بعيسى، ثم ازدادوا كفراً بمحمد.

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (139)

138

(بشّر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً) مؤلماً هو عذاب النار، إطلاق البشارة على ما هو شر خالص لهم، تهكّم بهم، وقد مر تحقيقه، وقيل البشارة كل خبر تتغير به بشرة الوجه ساراً كان ذلك الخبر أو غير سار، والأول أولى وقيل المعنى: إجعل موضع بشارتك لهم العذاب لأن العرب تقول تحيتك الضرب أي هذا يدل من تحيتك.

139

(الذين يتخذون الكافرين أولياء) وصف للمنافقين أو منصوب على الذم أي يجعلون الكفار أولياء لهم يوالونهم على كفرهم ويمالؤونهم على ضلالهم (من دون المنافقين) حال من فاعل يتخذون أي يتخذون الكفرة متجاوزين ولاية المؤمنين لما يتوهمون فيهم من القوة، ولقولهم إن ملك محمد سيزول. (أيبتغون عندهم العزّة) هذا الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة معترضة أي لا يجدونها عندهم (فإن العزة لله جميعا) هذه الجملة تعليل لما تقدم من توبيخهم بابتغاء العزة عند الكافرين، وجميع أنواع العزة وأفرادها مختص بالله سبحانه في الدنيا والآخرة، ولا ينالها إلا أولياؤه الذين كتب لهم العزة، وما كان منها مع غيره فهو من فضله وتفضله كما في قوله (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين). وهذا يقتضي بطلان التعزّز بغيره سبحانه واستحالة الانتفاع به، وعزة الكفار ليس معتدّاً بها بالنسبة إلى عزة المؤمنين لأنه لا يعز إلا من أعزه الله، والعزة الغلبة يقال عنه بعزه عزا إذا غلبه.

140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (140) (وقد نزّل عليكم في الكتاب) الخطاب لجميع من أظهر الإيمان من مؤمن ومنافق لأن من أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل ما أنزل الله، وقيل: إنه خطاب للمنافقين فقط كما يفيده التشديد والتوبيخ، والكتاب هو القرآن والذي أنزله الله عليهم في الكتاب هو قوله تعالى (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) وهذا نزل بمكة لأنه قد كان جماعة من الداخلين في الإسلام يقعدون مع المشركين واليهود حال سخريتهم بالقرآن واستهزائهم به فنهوا عن ذلك. ثمّ إن أحبار اليهود بالمدينة كانوا يفعلون مثل فعل المشركين، وكان المنافقون يجلسون إليهم ويخوضون معهم في الاستهزاء بالقرآن فنهى الله المؤمنين عن القعود معهم بقوله (أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها) أي إذا سمعتم الكفر والاستهزاء بآيات الله، فأوقع السماع على الآيات، والمراد سماع الكفر والاستهزاء. (فلا تقعدوا معهم) ما داموا كذلك (حتى) غاية للنهي (يخوضوا في حديث غيره) أي حديث الكفر والاستهزاء. وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء

الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسئلة بآية قرآنية أو بحديث نبوي سخروا منه ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع. بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه القائل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدماً على الله وعلى كتابه وعلى رسوله فإنا لله وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم برآء من فعلهم فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم كما أوضح الشوكاني ذلك في القول المفيد وأدب الطلب، اللهم انفعنا بما علمتنا واجعلنا من المتقيدين بالكتاب والسنة، وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين. قال ابن عباس: دخل في هذه الآية كل محدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة. (إنكم إذاً مثلهم) مستأنفة سيقت لتعليل النهي أي أنكم إن فعلتم ذلك وقعدتم معهم ولم تنتهوا فأنتم مثلهم في الكفر واستتباع العذاب (¬1)، قيل ¬

(¬1) روى الإمام أحمد 2/ 148 بترتيب الساعاتي، والترمذي 4/ 20 وحسنه، والنسائي 1/ 198 من حديث جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر " وهو حديث صحيح. قال ابن حجر: أخرجه النسائي من حديث جابر مرفوعاً وإسناده جيد، قلت: وليس في النسائي الشطر الثاني من الحديث، وأخرجه الترمذي من وجه آخر بسند فيه ضعف، وأبو داود في " سننه " 3/ 477 عن ابن عمر بسند فيه انقطاع، وأحمد 1/ 210 عن عمر- بسند فيه مجهول. وفي " القرطبي " 522/ 417! فكل من جلس مجلس معصية، ولم ينكر عليهم أن يكون معهم في الوزر سواء، وينبغي أن ينكر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعملوا بها، فإن لم يقدر على النكر عليهم، فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.

وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر كما في قول القائل: *وكل قرين بالمقارن يقتدي* وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم إلا ما يروى عن الكلبي فإنه قال: هي منسوخة بقوله تعالى (وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء) وهو مردود فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزؤن بها. قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ومن رضي بمنكر أو خالط أهله كان في الإثم بمنزلتهم إذا رضي به وإن لم يباشره، فإن جلس إليهم ولم يرض بفعلهم، بل كان ساخطاً له وإنما جلس على التقيّة والخوف فالأمر فيه أهون من المجالسة مع الرضا، وإن جلس مع صاحب بدعة أو منكر ولم يخض في بدعه أو منكره فيجوز الجلوس معه مع الكراهة، وقيل لا يجوز بحال والأول أولى. (إنّ الله جامع المنافقين والكافرين) هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر، قيل وهم القاعدون والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجهاً إلى المنافقين، وعن سعيد بن جبير قال: إن الله جامع المنافقين من أهل المدينة والمشركين من أهل مكة الذين خاضوا واستهزؤا بالقرآن (في جهنم جميعاً) كما اجتمعوا في الدنيا على الكفر والاستهزاء.

141

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141) (الذين يتربّصون بكم) أي ينتظرون بكم ما يتجدد ويحدث لكم من خير أو شر، يقال تربصت الأمر تربصاً انتظرته، والربصة وزان غرفة اسم منة، وتربصت الأمر بفلان انتظرت وقوعه به، والخطاب في (بكم) للمؤمنين والموصول صفة للمنافقين أو بدل منهم فقط دون الكافرين لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين، وعليه جرى القاضي كالكشاف ويجوز أن يكون على الذم. (فإن كان لكم فتح) هذه الجملة والتي بعدها حكاية لتربصهم أي إن حصل لكم فتح (من الله) بالنصر على من يخالفكم من الكفار وبالظفر على عدوكم وغنيمة تنالون منهم (قالوا) لكم (ألم نكن معكم) في الإتصاف بظاهر الإسلام والتزام أحكامه والمظاهرة والتسويد وتكثير العدد. (وإن كان للكافرين نصيب) من الغلب لكم والظفر بكم (قالوا) للكافرين (ألم نستحوذ عليكم) أي ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم ولكن أبقينا عليكم، وقيل المعنى أنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم. والأول أولى فإن معنى الاستحواذ الغلب يقال استحوذ على كذا أي غلب عليه، ومنه قوله تعالى (استحوذ عليهم الشيطان) ولا يصح أن يقال ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون، ولكن المعنى ألم نغلبكم يا معشر الكافرين ونتمكن منكم فتركناكم وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين.

وسمي ظفر المسلمين فتحاً، وظفر الكافرين نصيباً تعظيماً لشأن المسلمين وتحقيراً لحظ الكافرين لتضمّن الأول نصرة دين الله وإعلاء كلمته، ولهذا أضاف الفتح إليه تعالى، وحظ الكافرين في ظفرهم دنيوي سريع الزوال، قاله الكرخي. (ونمنعكم من المؤمنين) بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع لكم وعجزوا عن الانتصاف منكم، والمراد أنهم يميلون إلى من له الغلب والظفر من الطائفتين، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة (¬1). وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهّر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى، والميل إلى من معه الحظ من الدنيا في مال أو جاه فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة، ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالغلظة وسوء الخلق ويزدري به ويكافحه بكل مكروه، فقبّح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها. (فالله يحكم بينكم) وبينهم (يوم القيامة) بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقاً، وقيل يحكم بأن يدخلكم الجنة ويدخلهم النار (¬2). ¬

(¬1) أخرجه عبد الرزاق: 51، وابن جرير 9/ 327 بإسناد صحيح، والحاكم 2/ 309. وصححه ووافقه الذهبي، والسيوطي في " الدر " 2/ 235. (¬2) ذكر القرطبي في " تفسيره " 5/ 419 للآية التأويل الثالث: وهو أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً منه إلا أن يتواصوا بالباطل ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو من قبلهم.

(ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) هذا في يوم القيامة إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة يعني أن حجة المؤمنين غالبة في الدنيا على الكافرين وليس لأحد أن يغلبهم بالحجة، قال ابن عطية: قال جميع أهل التأويل: إن المراد بذلك يوم القيامة، وبه قال علي وابن عباس. قال ابن العربي وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوله يعنى قوله (فالله يحكم بينكم يوم القيامة) وذلك يسقط فائدته إذ يكون تكراراً، هذا معنى كلامه. وقيل المعنى أن الله لا يجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين يمحو به دولتهم بالكلية ويذهب آثارها، ويستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضاً ويسبي بعضهم بعضاً. وقيل: إنه سبحانه لا يجعل للكافرين سبيلاً على المؤمنين ما داموا عاملين بالحق غير راضين بالباطل، ولا تاركين للنهي عن المنكر، كما قال تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم) قال ابن العربي: وهذا نفيس جداً وقيل إن الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً شرعاً فإن وجد فبخلاف الشرع فإن شريعة الإسلام ظاهرة إلى يوم القيامة. هذا خلاصة ما قاله أهل العلم في هذه الآية وهي صالحة للاحتجاج بها على كثير من المسائل منها أن الكافر لا يرث المسلم، ومنها أن الكافر إذا استولى على مال المسلم لم يملكه، ومنها أن الكافر ليس له أن يشتري عبداً مسلماً، ومنها أن المسلم لا يُقتل بالذمي إلى غير ذلك من الأحكام.

142

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142) (إنّ المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض قبائح المنافقين وفضائحهم، وقد تقدم معنى الخدع في البقرة ومخادعتهم لله هي أنهم يفعلون فعل الخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر ليدفعوا عنهم أحكامه الدنيوية. ومعنى كون الله خادعهم أنه صنع بهم صنع من يخادع من خادعه وذلك بأنه تركهم على ما هم عليه من التظهّر بالإسلام في الدنيا فعصم به أموالهم ودماءهم، وأخّر عقوبتهم إلى الدار الآخرة فجازاهم على خداعهم بالدّرك الأسفل من النار. قال في الكشاف: والخادع اسم فاعل من خادعته فخدعته إذا غلبته وكنت أخدع منه وقال الحسن: في قوله (يخادعون الله) يلقى على كل مؤمن ومنافق نور يمشون به يوم القيامة حتى إذا انتهوا إلى الصراط طفيء نور المنافقين ومضى المؤمنون بنورهم، فتلك خديعة الله إياهم، وعن السدي ومجاهد وسعيد بن جبير نحوا نحوه ولا أدري من أين جاء لهم هذا التفسير فإن مثله لا ينقل إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (وإذا قاموا إلى الصلاة) مع المؤمنين (قاموا كسالى) جمع كسلان والمراد أنهم يصلّون وهم متكاسلون متثاقلون لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً، وقرىء كسلى والكسل الفتور والتواني وأكسل إذا جامع ولم ينزل وفتر. (يراؤون الناس) أي لا يقومون إلى الصلاة إلا لأجل الرياء والسمعة لا

لأجل الدين، قال قتادة: والله لولا الناس ما صلّى منافق، والرياء إظهار الجميل ليراه الناس لا لاتباع أمر الله وقد تقدم بيانه، والمراآة المفاعلة قاله الزمخشري والجملة حال وقيل استئناف وقيل بدل وفيه نظر. (ولا يذكرون الله إلا) ذكراً (قليلاً) أو لا يصلّون إلا صلاة قليلة، ووصف الذكر بالقلة لعدم الإخلاص أو لكونه غير مقبول أو لكونه قليلاً في نفسه، لأن الذي يفعل الطاعة لقصد الرياء إنما يفعلها في المجامع ولا يفعلها خالياً كالمخلص، قال ابن عباس: إنما قلّ ذلك لأنهم يفعلونه رياء سمعة ولو أرادوا بذلك القليل وجه الله لكان كثيراً. عن ابن جريج في الآية قال نزلت في عبد الله بن أُبَيّ وأبي عامر بن النعمان، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة وصف صلاة المنافق وأنه يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً (¬1). ¬

(¬1) أخرج الإمام مسلم 1/ 451 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ". وفي " المسند " عن أبي هريرة رضي الله عنه " ولولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء، وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار " وروى الإمام مالك في " الموطأ " 1/ 220 عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان، قام فنقرها أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " ورواه مسلم 1/ 434، والترمذي 1/ 301، والنسائي 1/ 254.

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)

143

(مذبذبين بين ذلك) أي بين الإيمان والكفر المعلومين من المقام، والمذبذب المتردد بين أمرين والذبذبة الاضطراب، يقال ذبذبه فتذبذب، قال ابن جني: المذبذب القلق الذي لا يثبت على حال، فهؤلاء المنافقون مترددون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان، ولا مصرحين بالكفر. قال في الكشاف: وحقيقة المذبذب الذي يذب عن كلا الجانبين مرة بعد أخرى أي يذاد ويدفع فلا يقر في جانب واحد، إلا أن الذبذبة فيها تكرير ليس في الذب كأن المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه انتهى، وانتصاب مذبذبين إما على الحال أو على الذم. (لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) أي لا منسوبين إلى المؤمنين ولا إلى الكافرين، قال مجاهد: هم المنافقون لا إلى هؤلاء أي أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -، ولا إلى هؤلاء أي اليهود. وثبت في الصحيح عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة فلا تدري أيهما تتبع (¬1) " العائرة بالعين المهملة المتحيرة المترددة، ومعنى تعير تتردد وتذهب يميناً وشمالاً، مرة إلى هذه ومرة إلى هذه لا تدري إلى أين تذهب. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 5729. زاد السير/232.

(ومن يضلل الله) أي يخذله ويسلبه التوفيق (فلن تجد له سبيلاً) أي طريقاً توصله إلى الحق.

144

(يا أيها الذين آمنوا) خطاب للمؤمنين الخلص (لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين) أي لا تجعلوهم خاصة لكم وبطانة توالونهم من دون إخوانكم من المؤمنين كما فعل المنافقون من موالاتهم للكافرين. (أتريدون) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، وتوجيه الإنكار إلى الإرادة دون متعلقها بأن يقال أتجعلون للمبالغة في إنكاره وتهويل أمره ببيان أنه لا ينبغي أن يصدر عن العاقل إرادته فضلاً عن صدور نفسه (أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً) أي حجة بينة يعذبكم بها بسبب ارتكابكم لما نهاكم عنه من موالاة الكافرين (¬1). قال قتادة: إن لله السلطان على خلقه ولكنه يقول عذراً مبيناً، وعن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة والله سبحانه أعلم، والسلطان يذكر ويؤنث فتذكيره باعتبار البرهان، وتأنيثه باعتبار الحجة إلا أن التأنيث أكثر عند الفصحاء، وقال الفراء: التذكير أشهر وهي لغة القرآن. ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد 7/ 129، ومسلم 4/ 2146 وابن جرير 9/ 333. والشاة العائرة: هي المترددة بين قطيعين لا تدري أيهما تتبع، من قولهم: عار الفرس والكلب وغيرهما يعير عياراً: إذا ذهب كأنه منفلت من صاحبه، فهو يتردد هنا وهنا. وقوله: تعير إلى هذه مرة. أي: تذهب في ترددها إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة.

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (146)

145

(إن المنافقين في الدّرك الأسفل من النار) أي في الطبق الذي في قعر جهنم، قرىء الدرك بسكون الراء وتحريكها، قال أبو علي: هما لغتان والجمع أدراك وقيل جمع المحرك أدراك مثل جمل وأجمال، وجمع الساكن أدرك مثل فلس وأفلس، قال النحاس: والتحريك أفصح. والدرك الطبقة والنار دركات سبع بعضها فوق بعض، وسميت طبقاتها دركات لأنها متداركة متتابعة، فالمنافق في الدرك الأسفل منها وهي الهاوية لغلظ كفره وكثرة غوائله، وأعلى الدركات جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية، وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا أعاذنا الله من عذابها. وقيل الدرك بيت مقفل عليهم تتوقد فيه النار من فوقهم ومن تحتهم، وإنما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه أمن السيف في الدنيا فاستحق الدرك الأسفل في الآخرة تعديلاً، ولأنه مثله في الكفر وضم إلى كفره الاستهزاء بالإسلام وأهله. قال ابن مسعود: الدرك الأسفل توابيت من حديد مقفلة عليهم، وفي لفظ مبهمة عليهم، أي مغلقة لا يهتدى لمكان فتحها، وعن أبي هريرة نحوه (¬1). (ولن تجد لهم نصيراً) يخلصهم من ذلك الدرك، والخطاب لكل من يصلح له أو للنبي - صلى الله عليه وسلم - ¬

(¬1) زاد المسير 234.

146

(إلا الذين تابوا) من النفاق (وأصلحوا) ما أفسدوا

من أحوالهم وأعمالهم (واعتصموا بالله) أي تمسكوا بعهده ووثقوا به، والاعتصام به التمسك به والوثوق بوعده (وأخلصوا دينهم لله) أي جعلوه خالصاً له غير مشوب بطاعة غيره، فهذه الأمور الأربعة إذا حصلت فقد كمل الإيمان وذلك قوله (¬1). (فأولئك) الذين اتصفوا بالصفات السابقة الأربعة والإشارة بما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد المنزلة. وعلو الطبقة (مع المؤمنين) فيما يؤتونه، قال الفراء: أي من المؤمنين يعني الذين لم يصدر منهم نفاق أصلاً. قال القتيبي: حاد عن كلامهم غضباً عليهم فقال أولئك مع المؤمنين ولم يقل هم المؤمنون انتهى، والظاهر أن معنى (مع) هو معتبر هنا أي فأولئك مصاحبون للمؤمنين في أحكام الدنيا والآخرة ثم بين ما أعد الله للمؤمنين الذين هؤلاء معهم فقال: (وسوف يؤت الله المؤمنين أجراً عظيماً) في الآخرة وحذفت الياء من (يؤتى) في الخط كما حذفت في اللفظ لسكونها وسكون اللام بعدها، ومثله (يوم يدع الداع، وسندع الزبانية، ويوم يناد المناد) ونحوها فإن الحذف في الجميع لالتقاء الساكنين، فجاء الرسم تابعاً للفظ، والقراء يقفون عليه دون ياء اتباعاً للخط الكريم إلا يعقوب والكسائي وحمزة فإنهم يقفون بالياء نظراً إلى الأصل. ¬

(¬1) قال السيوطي في " الدر " 2/ 236 رواه ابن أبي شيبة، وهناد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم في صفة الناس عن ابن مسعود. قلت: وفي سنده انقطاع، لأن خيثمة بن عبد الرحمن الراوي عن ابن مسعود لم يسمع منه، ذكره الإمام أحمد، ورواه ابن أبي حاتم من طريق حماد ابن سلمة: أخبرنا علي بن زيد عن القاسم بن عبد الرحمن أن ابن مسعود ... وعلي بن يزيد ضعيف، والقاسم بن عبد الرحمن صدوق يرسل كثيراً وفي " الطبري " 9/ 339 عن أبي هريرة (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار) قال: " في توابيت ترتج عليهم " وفي تفسير ابن كثير 1/ 570: ووراه ابن أبي حاتم بسند حسن، ولفظه: " الدرك الأسفل: بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم ".

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147) لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

147

(ما يفعل الله بعذابكم) هذه الجملة متضمنة لبيان أنه لا غرض له سبحانه في التعذيب إلا مجرد المجازاة للعصاة، والاستفهام للتقرير والمعنى أي منفعة له في عذابكم (إن شكرتم وآمنتم) فإن ذلك لا يزيد في ملكه كما أن ترك عذابكم لا ينقص من سلطانه (وكان الله شاكراً عليماً) أي يشكر عباده على طاعته فيثيبهم عليها، ويتقبلها منهم، والشكر في اللغة الظهور، يقال دابة شكور إذا ظهر من سمنها فوق ما تعطى من العلف.

148

(لا يحبّ الله) نفي الحب كناية عن البغض أي يبغض (الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم) قرىء على البناء للمجهول وعلى البناء للمعلوم، واختلف أهل العلم في كيفية الجهر بالسوء الذي يجوز لمن ظُلم فقيل هو أن يدعو على من ظلمه، وقيل لا بأس بأن يجهر بالسوء من القول على من ظلمه بأن يقول فلان ظلمني أو هو ظالم أو نحو ذلك، وقيل معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول من كفر أو نحوه فهو مباح له، والآية على هذا في الإكراه وكذا قال قطرب. والظاهر من الآية أنه يجوز لمن ظُلم أن يتكلم بالكلام الذي هو من السوء في جانب من ظلمه، ويؤيده الحديث الثابت في الصحيح بلفظ " ليُّ الواجد ظلم يُحلّ عرضه وعقوبته ". وأما على القراءة الثانية فالاستثناء منقطع أي إلا من ظلم في فعل أو قول فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ له.

وقال قوم معنى الكلام لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول، لكن من ظلم فإنه يجهر بالسوء ظلماً وعدواناً وهو ظالم في ذلك، وهذا شأن كثير من الظلمة فإنهم مع ظلمهم يستطيلون بألسنتهم على من ظلموه وينالون من عرضه. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى إلا من ظلم فقال سوءاً فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه، وعن ابن عباس قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً فإنه رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن يصبر فهو خير له. وقد أخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من دعا على من ظلمه فقد انتصر (¬1)، وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المتسابان ما قالاه فعلى الباديء منهما ما لم يعتد المظلوم (¬2). قال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه ولكن ليقل اللهم أعِني عليه اللهم استخرج لي حقي، اللهم حل بيني وبين ما يريد ونحوه من الدعاء. وقيل نزلت في الضيف إذا نزل بقوم فلم يقروه فله أن يشكو ما صنع به، وبه قال مجاهد والأول أولى (¬3). ¬

(¬1) ضعيف الجامع/5588. (¬2) مسلم 2587. (¬3) ابن جرير 9/ 347 ونسبه السيوطي في " الدر " للفريابي وعبد بن حميد وجاء في " تفسير ابن كثير " 1/ 570: قال ابن عباس في تفسير الآية: يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد إلا أن يكون مظلوماً، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله. (إلا من ظلم) وإن صبر فهو خير له. -[282]- وروى أبو داود [2/ 157] عن عائشة قالت: سرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " لا تسبخي عنه " (قال الخطابي: لا تسبخي عنه، أي: لا تخففي عنه بدعائك) وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه. وقال عبد الكريم بن مالك الجزري في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه لكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه، لقوله: " (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل) وروى أبو داود [4/ 377]، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " المستبان ما قالا فعلى الباديء منهما ما لم يعتد المظلوم " [قلت: ورواه أحمد في المسند/19414 والبخاري في " الأدب المفرد " 1/ 512، ومسلم 4/ 2000، والترمذي 3/ 139.

وقال مقاتل: نزلت في أبي بكر الصديق وذلك أن رجلاً نال منه والنبي حاضر فسكت عنه أبو بكر مراراً ثم رد عليه، فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبو بكر: يا رسول الله شتمني فلم تقل له شيئاً حتى إذا رددت عليه قمت، قال: إن ملكاً كان يجيب عنك فلما رددت عليه ذهب الملك وجاء الشيطان فقمت (¬1) ونزلت هذه الآية. (وكان الله سميعاً عليماً) هذا تحذير للظالم بأن الله يسمع ما يصدر منه ويعلم به. ثم بعد أن أباح للمظلوم أن يجهر بالسوء ندب إلى ما هو الأولى والأفضل فقال: ¬

(¬1) مسند أحمد/2 - 426

149

(إن تبدوا خيراً أو تخفوه) يدخل في هاتين الكلمتين جميع أعمال البر وجميع دفع الضرر (أو تعفوا عن سوء) تصابون به (فإن الله كان عفواً) عن عباده (قديراً) على الإنتقام منهم بما كسبت أيديهم فاقتدوا به سبحانه فإنّه يعفو مع القدرة.

150

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150) (إن الذين يكفرون بالله ورسله) لما فرغ سبحانه عن ذكر المشركين والمنافقين، ذكر الكفار من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى لأنهم كفروا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ذلك كالكفر بجميع الرسل والكتب المنزلة والكفر بذلك كفر بالله. وينبغي حمل هذه الآية على أنه استلزم ذلك كفرهم ببعض الكتب والرسل لا أنهم كفروا بالله ورسله جميعاً، فإن أهل الكتاب لم يكفروا بالله، ولا بجميع رسله لكنهم لما كفروا بالبعض كان ذلك كفراً بالله وبجميع الرسل. (ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) يعني أنهم كفروا بالرسل بسبب كفرهم ببعضهم وآمنوا بالله فكان ذلك تفريقاً بين الله وبين رسله (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض) وهم اليهود آمنوا. بموسى وكفروا بعيسى ومحمد، وكذلك النصارى آمنوا بعيسى وكفروا بمحمد (ويريدون أن يتخذوا بين ذلك) أي الإيمان والكفر (سبيلاً) أي ديناً متوسطاً بينهما. قال قتادة: أولئك أعداء الله اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة وبموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، اتخذوا اليهودية والنصرانية وهما بدعتان ليستا من الله، وتركوا الإسلام وهو دين الله الذي بعث به رسله، وعن السدي وابن جريج نحوه.

أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (151) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)

151

(أولئك هم الكافرون) أي الكاملون في الكفر (حقّاً) مصدر مؤكد لمضمون الجملة أي حق ذلك حقاً أو بمعنى كفراً حقاً، وقال أبو البقاء: كافرون من غير شك، وقد طعن الواحدي في هذا التوجيه فقال الكفر لا يكون حقاً بوجه من الوجوه، والجواب أن الحق هنا ليس يراد به ما يقابل الباطل بل المراد أنه كائن لا محالة وأن كفرهم مقطوع به. (وأعتدنا للكافرين عذاباً مهيناً) يهانون فيه في الآخرة وهو عذاب النار، وإنما أظهر في مقام الإضمار ذماً لهم وتذكيراً لوصفهم أو المراد جميع الكافرين.

152

(والذين آمنوا بالله ورسله) كلهم (ولم يفرّقوا بين أحدهم) أي من الرسل بل آمنوا بجميعهم ولم يقولوا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ودخول (بين) على أحد لكونه عاماً في المفرد مذكراً ومؤنثاً ومثنّاهما وجمعهما، وقد تقدم تحقيقه. (أولئك) يعني من هذه صفتهم (سوف يؤتيهم أجورهم) يعني جزاء إيمانهم بالله وبجميع كتبه ورسله وثواب أعمالهم (وكان الله غفوراً رحيماً) يستر السيئآت ويقبل الحسنات، والآية تدل على بطلان قول المعتزلة في تخليد مرتكب الكبيرة ممن آمن بالله ورسله.

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا (153) وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (154)

153

(يسألك أهل الكتاب أن تنزّل عليهم كتاباً من السماء) هم اليهود سألوه - صلى الله عليه وسلم - أن يرقى إلى السماء وهم يرونه فينزل عليهم كتاباً مكتوباً فيما يدعيه يدل على صدقه دفعة واحدة كما أتى موسى بالتوراة، تعنتاً منهم أبعدهم الله (فقد سألوا موسى) سؤالاً (أكبر من ذلك) السؤال (فقالوا أرنا الله جهرة) أي عياناً، وقد تقدم معناه في البقرة، وجهرة نعت لمصدر محذوف أي رؤية جهرة. (فأخذتهم الصاعقة) هي النار التي نزلت عليهم من السماء فأهلكتهم (بظلمهم) في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عياناً في هذه الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة، ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة فقد غلط غلطاً بيناً. ثم لم يكتفوا بهذا السؤال الباطل الذي نشأ منهم بسبب ظلمهم بعد ما رأوا المعجزات بل ضموا إليه ما هو أقبح منه وهو عبادة العجل (ثم اتخذوا العجل) إلهاً، وفي الكلام تقدير أي فأحييناهم فاتخذوا العجل (من بعد ما جاءتهم البينات) البراهين والدلائل والمعجزات الواضحات من اليد والعصا وفلق البحر وغيرها لا التوراة لأنها لم تنزل عليهم بعد. (فعفونا عن ذلك) أي عما كان منهم من التعنت وعبادة العجل، وفيه

استدعاء لهم إلى التوبة كأنه قيل إن أولئك الذين أجرموا قد تابوا فعفونا عنهم، فتوبوا أنتم حتى نعفو عنكم (وآتينا موسى سلطاناً مبيناً) أي حجّة بينة وهي الآيات التي جاء بها، وسميت سلطاناً لأن من جاء بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به، والسلاطة القهر.

154

(ورفعنا فوقهم الطور) أي الجبل المسمى بالطور (بميثاقهم) الباء للسببية أي بسبب ميثاقهم ليعطوه لأنه روي أنهم امتنعوا من قبول شريعة موسى فرفع الله عليهم الطور فقبلوها، وقيل إن المعنى بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ عليهم وهو العمل بما في التوراة، وقد تقدم رفع الجبل في البقرة، وكذلك تفسير قوله: (وقلنا لهم) على لسان موسى والطور مظل عليهم، قاله الجلال وأبو السعود والنسفي والخازن والبيضاوي، وهذا التقييد سبق قلم لأن قصة فتح القرية كانت بعد خروجهم من التّيه وقصة رفع الجبل فوق رؤسهم كانت عقب نزول التوراة قبل دخولهم التيه. (ادخلوا الباب) أي باب القرية، قال قتادة: كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس، وقيل هو إيلياء وقيل هو أريحاء وقيل هو اسم قرية، وقيل باب القبة التي كانوا يصلون إليها، فإنهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام. (سجّداً) فخالفوا ودخلوا وهم يزحفون على أستاههم (وقلنا لهم لا تعدوا) أي لا تعتدوا فهو من الإعتداء بدليل إجماع السبعة على اعتدوا منكم (في السبت) فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان، وقد تقدم تفسير ذلك (وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً) هو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة، وقيل إنه عهد مؤكد باليمين فسمي غليظاً لذلك.

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً (155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (156)

155

(فبما نقضهم ميثاقهم) التقدير فبنقضهم ميثاقهم لعنّاهم وسخطنا عليهم وفعلنا بهم ما فعلنا، وما مزيدة للتوكيد والباء للسببية، وقال الكسائي: وهو متعلق بما قبله، والمعنى فأخذتهم الصاعقة بسبب نقضهم ميثاقهم وما بعده، وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغيره لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برميهم بالبهتان. قال المهدوي وغيره: وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يخبر عنهم والمراد آباؤهم، وقال الزجاج: المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا) ونقضهم الميثاق أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل المعنى فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم، وقيل المعنى فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلاً. (وكفرهم بآيات الله) أي كتبه التي حرفوها وجحودهم بآياته الدالة على صدق أنبيائه (وقتلهم الأنبياء) يعني بعد قيام الحجة والدلالة على صحة نبوتهم، والمراد بالأنبياء يحيى وزكريا (بغير حق) أي بغير استحقاق لذلك القتل (وقولهم قلوبنا غلف) جمع أغلف وهو المغطى بالغلاف أي قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول. وقيل إن غلف جمع غلاف والمعنى أن قلوبهم أوعية للعلم فلا حاجة

لهم إلى علم غير ما قد حوته قلوبهم، وهو كقولهم (قلوبنا في أكنّة) وغرضهم بهذا رد حجة الرسل. (بل طبع الله عليها بكفرهم) هذا إضراب عن الكلام الأول أي ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفاً بحسب مقصدهم الذي يريدونه بل بحسب الطبع من الله عليها، والطبع الختم، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة وهي مطبوع من الله عليها بسبب كفرهم فلا تعي وعظاً، أي أحدث عليها صورة مانعة عن وصول الحق إليها، وقيل الباء للآلة. (فلا يؤمنون إلا) إيماناً أو زماناً (قليلاً) أو إلا قليلاً منهم كعبد الله بن سلام ومن أسلم منهم معه وجرى عليه البيضاوي وغيره.

156

(وبكفرهم) هذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفراً بعد كفر، وقيل: إن المراد بهذا الكفر كفرهم بالمسيح فحذف لدلالة ما بعده عليه، وذلك أنهم أنكروا قدرة الله على خلق الولد من غير أب والمنكر لها كافر، وهو معطوف على (فبما نقضهم) أو على بكفرهم الذي بعد طبع، وقد أوضح الزمخشري ذلك غاية الإيضاح، واعترض وأجاب أحسن جواب. (وقولهم على مريم بهتاناً) هو الكذب المفرط الذي يتعجب منه، وهو هنا رميها بيوسف النجار، وكان من الصالحين، وقال ابن عباس: رموها بالزنا وإنما سماه (عظيماً) لأنه قد ظهر عند ولادة مريم من المعجزات ما يدل على براءتها من ذلك.

157

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) (وقولهم إنّا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم) هو من جملة جناياتهم، وذنوبهم لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه وافتخروا بقتله، قال أبو حيان: لم نعلم كيفية القتل ولا من ألقي عليه الشَّبه ولم يصح بذلك حديث. (رسول الله) ذكروه بالرسالة استهزاء لأنهم ينكرونها ولا يعترفون بأنه نبي، أو هذا من كلامه تعالى لمدحه وتنزيهه عن مغالاتهم فيه، وما ادعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل وما فيه هو من تحريف النصارى أبعدهم الله فقد كذبوا وصدق الله القائل في كتابه العزيز: (وما قتلوه وما صلبوه) جملة حالية (ولكن شبّه لهم) أي ألقي شبه عيسى على غيره حتى قتل وصلب وقيل لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه. أخرج سعيد بن منصور والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردوية عن ابن عباس قال: لما أراد الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج إلى أصحابه وفي البيت اثنا عشر رجلاً من الحواريين فخرج عليهم من عين في النبت ورأسه يقطر ماء فقال: إن منكم من يكفر بي إثنتي عشرة مرة بعد أن آمن بي، ثم قال: أيّكم يلقى عليه شبهي فيقتل مكاني ويكون معي في درجتي فقام شاب من أحدثهم سِنّاً فقال له: اجلس ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: اجلس، ثم أعاد عليهم فقام الشاب فقال: أنا فقال: أنت ذاك فألقي عليه شبه عيسى ورفع عيسى من روزنة في البيت إلى السماء.

قال: وجاء الطلب من يهود فأخذوا الشبه فقتلوه ثم صلبوه فكفر به بعضهم اثنتي عشرة مرة بعد أن آمن به. وافترقوا ثلاث فرق فقالت طائفة كان الله فينا ما شاء ثم صعد إلى السماء فهؤلاء اليعقوبية، وقالت فرقة: كان فينا ابن الله ما شاء ثم رفعه الله إليه وهؤلاء النسطورية، وقالت فرقة: كان فينا عبد الله ورسوله وهؤلاء المسلمون، فتظاهرت الكافرتان على المسلمة فقتلوها فلم يزل الإسلام طامساً حتى بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله عليه (فآمنت طائفة من بني إسرائيل) يعني الطائفة التي آمنت في زمن عيسى (وكفرت طائفة) يعني التي كفرت في زمن عيسى (فأيّدنا الذين آمنوا) في زمن عيسى بإظهار محمد دينهم على دين الكافرين. قال ابن كثير بعد أن ساقه بهذا اللفظ عند ابن أبي حاتم قال حدثنا أحمد ابن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فذكره، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس (¬1). وصدق ابن كثير فهؤلاء كلهم من رجال الصحيح، وأخرجه النسائي من حديث أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه، وقد رويت قصته عليه السلام من طرق بألفاظ مختلفة، وساقها عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر على صفة قريبة مما في الإنجيل. (وإن الذين اختلفوا فيه) أي في شأن عيسى وهم النصارى فقال بعضهم قتلناه، وقال من عاين رفعه إلى السماء ما قتلناه. وقيل إن الاختلاف بينهم هو أن النسطورية من النصارى قالوا: صلب ¬

(¬1) تفسير ابن كثير/574.

عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته، وقالت الملكانية وقع القتل والصلب على المسيح بكمال ناسوته ولاهوته، ولهم من جنس هذا الأختلاف كلام طويل لا أصل له ولهذا قال الله (وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكّ منه) أيَ في تردد من قتله لا يخرج إلى حيّز الصحة ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون وفي جهلهم يتحيرون. (ما لهم به من علم) من زائدة لتوكيد نفي العلم (إلا اتباع الظن) الاستثناء منقطع وهو الصحيح الذي لم يذكر الجمهور غيره، وهي لغة الحجاز أي لكنهم يتبعون الظن في قتله ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره، لأن الظن واتباعه ليس من جنس العلم الذي هو اليقين، إذ الظن الطرف الراجح، وقيل استثناء مما قبله والأول أولى. قال أبو البقاء إنه متصل لأن العلم والظن يجمعهما مطلق الإدراك انتهى، لا يقال إن اتباع الظن ينافي الشك الذي أخبر الله عنهم بأنهم فيه لأن المراد هنا بالشك التردد كما قدمنا، والظن نوع منه، وليس المراد به هنا ترجح أحد الجانبين. (وما قتلوه يقيناً) أي قتلاً يقيناً، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى، وقيل: إنه يعود إلى الظن، قاله ابن عباس، والمعنى ما قتلوا ظنهم يقيناً، قال أبو عبيدة: ولو كان المعنى وما قتلوا عيسى يقيناً لقال وما قتلوه فقط، وقيل إن المعنى وما قتلوا الذي شبه لهم، وقيل المعنى بل رفعه الله إليه يقيناً، وهو خطأ لأنه لا يعمل ما بعدى بل فيما قبلها. وذكر السمين فيه خمسة أوجه ولا وجه لهذه الأقوال، والضمائر قبل قتلوه وبعده لعيسى، وذكر اليقين هنا لقصد التهكم بهم لإشعاره بعلمهم في الجملة.

بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

158

(بل رفعه الله اليه) أي إلى موضع لا يجري فيه حكم غير الله كما في الفخر، وهذا الوضع هو السماء الثالثة كما في حديث الجامع الصغير، وفي بعض المعاريج أنه في السماء الثانية، رد عليهم وإثبات لما هو الصحيح، وقد تقدم ذكر رفعه عليه السلام في آل عمران بما فيه كفاية (وكان الله عزيزاً حكيماً) في إنجاء عيسى وتخليصه من اليهود وانتقامه منهم ورفعه إليه.

159

(وإن من أهل الكتاب) أي اليهود والنصارى، والمعنى وما منهم أحد (إلا) والله (ليؤمننّ) والضمير في (به) راجع إلى عيسى، وبه قال ابن عباس وأكثر المفسرين، وفي (قبل موته) راجع إلى ما دل عليه الكلام وهو لفظ أحد المقدر أو الكتابي المدلول عليه بأهل الكتاب، وقال ابن عباس: قبل موت عيسى، وعنه أيضاً قال: قبل موت اليهودي، وفيه دليل على أنه لا يموت يهودي ولا نصراني إلا وقد آمن بالمسيح. وقيل كلا الضميرين لعيسى، والمعنى أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابي في عصره، وقيل الضمير الأول لله وقيل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبه قال عكرمة وهذا القول لا وجه له لأنه لم يجر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكر قبل هذه الآية حتى يرجع الضمير إليه. وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وبه قال جماعة من السلف وهو الظاهر لأنه تقدم ذكر عيسى فكان عود الضمير إليه أولى، والمراد بالإيمان به حين يعاين ملك الموت فلا ينفعه إيمان.

قال شهر بن حوشب: اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودُبُره، ويقال يا عدو الله أتاك عيسى نبياً فكذبت به فيقول آمنت بأنه عبد الله ورسوله، ويقال للنصراني أتاك عيسى نبياً فزعمت أنه الله وابن الله فيقول آمنت أنه عبد الله، فأهل الكتاب يؤمنون به حيث لا ينفعهم ذلك الإيمان. أو عند نزوله في آخر الزمان كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة قال ابن عباس: سيدرك أناس من أهل الكتاب عيسى حين يبعث فيؤمنون به، وعنه قال: ليس يهودي يموت أبداً حتى يؤمن بعيسى، قيل لابن عباس أرأيت إن خر من فوق بيت قال: تكلم به في الهواء، فقيل إن ضرب عنق أحدهم، قال: يتلجلج بها لسانه، وقد روى نحو هذا عنه من طرق، وقال به جماعة من التابعين. وذهب كثير من التابعين فمن بعدهم إلى أن المراد قبل موت عيسى كما روي عن ابن عباس قبل هذا، وقيّده كثير منهم بأنه يؤمن به من أدركه عند نزوله إلى الأرض حتى تصير الملة كلها إسلامية. وقال الزجاج: هذا القول بعيد لعموم قوله تعالى (وإن من أهل الكتاب) والذين يبقون يومئذ يعني عند نزوله شرذمة قليلة منهم. وأجيب بأن المراد بهذا العموم الذين يشاهدون ذلك الوقت ويدركون نزوله فيؤمنون به، وصحح الطبري هذا القول، وقد تواترت الأحاديث بنزول عيسى حسبما أوضح ذلك الشوكاني في مؤلف مستقل يتضمن ذكر ما ورد في المنتظر والدجال والمسيح، وغيره في غيره. (ويوم القيامة يكون) عيسى (عليهم) أي على أهل الكتاب (شهيداً) يشهد على اليهود بالتكذيب له والطعن فيه، وعلى النصارى بالغلو فيه حتى قالوا: هو ابن الله، وقال قتادة: يكون شهيداً على أن قد بلغ رسالة ربه وأقر على نفسه بالعبودية.

160

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) (فبظلم) الباء للسببية، والتنكير، والتنوين للتعظيم، أي بسبب ظلم عظيم لا بسبب شيء آخر كما زعموا أنها كانت محرمة على من قبلهم (من الذين هادوا) لعل ذكرهم بهذا العنوان للإيذان بكمال ظلمهم بتذكير وقوعه بعدما هادوا أي تابوا ورجعوا عن عبادة العجل (حرّمنا عليهم طيبات أحلّت لهم) الطيبات المذكورة هي ما نصه الله سبحانه في سورة الأنعام (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) الآية. قال الواحدى: وأما وجه تحريم الطيبات عليهم كيف كان ومتى كان وعلى لسان من حرم فلم أجد فيه شيئاً أنتهي إليه فتركته، قال الخازن: ولقد أنصف الواحدي فيما قال فإن هذه الآية في غاية الإشكال انتهى. قلت: ولهذا لم يذكر الرازي والشوكاني في تفسيرهما ما ذكره المفسرون في معنى الظلم المذكور في الآية وذكرا لها تفسيراً إجمالياً، فكانوا كلما ارتكبوا معصية من المعاصي التي اقترفوها يحرم الله عليهم نوعاً من الطيبات التي كانت حلالاً لهم ولمن تقدمهم من أسلافهم عقوبة لهم، وكانوا مع ذلك يفترون على الله سبحانه ويقولون لسنا بأول من حرمت عليه، وإنما كانت محرمة على إبراهيم ونوح ومن بعدهما حتى انتهى الأمر إلينا فكذبهم الله تعالى في مواضع كثيرة وبكتهم بقوله (كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزّل التوراة) الآية قاله أبو السعود. (وبصدّهم) أنفسهم وغيرهم (عن سبيل الله) وهو اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وبتحريفهم وقتلهم الأنبياء وما صدر منهم من الذنوب المعروفة (كثيراً) أي بصدهم ناساً كثيراً أو صداً كثيراً أو زماناً كثيراً، والأول أولى.

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161) لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

161

(وأخذهم الربا) أي معاملتهم فيما بينهم بالربا وأكلهم له وهو محرّم عليهم (وقد نهوا عنه) في التوراة (وأكلهم أموال الناس بالباطل) كالرشوة والسحت الذي كانوا يأخذونه، وهذه الذنوب الأربعة هي التي شدّد عليهم بسببها في الدنيا والآخرة، أما التشديد في الدنيا فهو ما تقدم من تحريم الطيبات وأما التشديد في الآخرة فهو المراد بقوله (وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً) وإنما قال منهم لأن الله علم أن قوماً منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب.

162

(لكن الراسخون في العلم منهم) استدراك من قوله تعالى (وأعتدنا) الآية أو من الذين هادوا، وبيان لكون بعضهم على خلاف حالهم عاجلاً وآجلا وذلك أن اليهود أنكروا وقالوا: إن هذه الأشياء كانت حراماً في الأصل وأنت تحلها فنزل (لكن الراسخون) والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرسوخ الثبوت وقد تقدم الكلام عليه في آل عمران والمراد بهم عبد الله ابن سلام وكعب الأحبار ونحوهما. (والمؤمنون) بالله ورسوله، والمراد أما من آمن من أهل الكتاب أو من المهاجرين والأنصار أو من الجميع (يؤمنون بما أنزل إليك) أي القرآن (وما أنزل من قبلك) أي سائر الكتب المنزلة على الأنبياء (والمقيمين الصلاة) قرأ جماعة المقيمون على العطف على ما قبله، وكذا في مصحف ابن مسعود تنزيلاً

للتغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي، ونصب مقيمين على قراءة الجمهور هو على المدح والتعظيم عند سيبويه وهو أولى الأعاريب. وقال الخليل والكسائي: هو معطوف على قوله (بما أنزل إليك) واستبعده الأخفش، ووجهه محمد بن يزيد المبرد. وعن عائشة أنها سئلت عن المقيمين وعن قوله إن هذان لساحران والصابئون في المائدة فقالت: يا ابن أخي الكتّاب أخطأوا، وروي عن عثمان بن عفان أنه لما فرغ من المصحف أتى به قال: أرى فيه شيئاً من لحن ستقيمه العرب بألسنتها، فقيل له ألا تغيره فقال دعوه فإنه لا يحلّ حراماً ولا يحرّم حلالاً (¬1). ¬

(¬1) قال السخاوي: هذا الأثر ضعيف، والإسناد فيه اضطراب وانقطاع، لأن عثمان رضي الله عنه جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيمه العرب بألسنتها؟ وقد كتب مصاحف سبعة، وليس فيها اختلاف قط إلا فيما هو من وجوه القراءات، وإذا لم يقمه هو ومن باشر الجمع، كيف يقيمه غيرهم؟ وقد نقل ابن هشام في شرح " شذور الذهب ": 50 عن الإمام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية رحمه الله أنه قال: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ (إن هذان) لحن، وأن عثمان رضي الله عنه قال: إن في المصحف لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه: أحدها: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يتسارعون إلى إنكار أدق النكرات، فكيف يقرؤون اللحن في القرآن مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته. والثاني: أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام، فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف. والثالث: أن الاحتجاح بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم، لأن المصحف الكريم يقف عليه العربي والعجمي. والرابع: أنه قد ثبت في " الصحيح " أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب " التابوت " بالهاء على لغة الأنصار، فمنعوه من ذلك، ورفعوه إلى عثمان رضي الله عنه، فأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش. قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ بعد موسى، فنزلت هذه الآية. سيرة ابن هشام 1/ 562، وابن جرير 9/ 400 عن ابن عباس، وفي سنده محمد ابن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال الذهبي: لا يعرف. وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد من بني قينقاع، ذكرهم ابن هشام في " السيرة " في الأعداء من يهود.

قال ابن الأنباري: وما روي عن عثمان لا يصح لأنه متصل ومحال أن يؤخر عثمان شيئاً فاسداً ليصلحه غيره، ولأن القرآن منقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكيف يمكن ثبوت اللحن فيه. وقال الزمخشري في الكشاف: ولا يلتفت إلى ما زعموا من وقوع لحن في خط المصحف وربما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، يعني كتاب سيبويه ولم يعرف مذاهب العرب وما لهم في النصب على الاختصاص والمدح من الافتنان وهو باب واسع قد ذكره سيبويه على أمثلةٍ وشواهد، وربما خفي عليه أن السابقين الأولين كانوا أبعد همة في الغيرة على الإسلام وذبِّ الطاعن عنه من أن يتركوا في كتاب الله عز وجل ثلمة يسدَها من بعدهم، وخرقاً يرفوه من يلحق بهم، انتهى. وقد رجح سيبويه كثير من أئمة النحو والتفسير واختاره الزجاج، ورجح قول الخليل والكسائي ابن جرير الطبري والقفال. (والمؤتون الزكاة) عطف على والمؤمنون، لأنه من صفتهم (والمؤمنون) يؤمنون (بالله واليوم الآخر) هم مؤمنو أهل الكتاب وصفوا أولاً بالرسوخ في العلم ثم بالإيمان بكتب الله وأنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون بالله واليوم الآخر، وقيل المراد بهم المؤمنون من المهاجرين والأنصار من هذه الأمة كما سلف وأنهم جامعون بين هذه الأوصاف. (أولئك) أي الراسخون، وما فيه من معنى البعد للإشعار بعلو درجتهم في الفضل (سنؤتيهم) أي سنعطيهم على ما كان منهم من طاعة الله واتباع أمره، والسين لتأكيد الوعد (أجراً) ثواباً (عظيماً) وهو الجنة، والتنكير للتفخيم، وهذا الإعراب أنسب بتجاوب طرفي الاستدراك حيث وعد الأولون بالعذاب الأليم، ووعد الآخرون بالأجر العظيم.

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)

163

(إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) هذا متصل بقوله يسألك أهل الكتاب، والمعنى أن أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - كأمر من تقدّمه من الأنبياء، فما بالكم تطلبون منه ما لم يطلبه أحد من المعاصرين للرسل، والوحي إعلام في خفاء، يقال وحى إليه بالكلام وحياً وأوحى يوحي إيحاء. وخص نوحاً لكونه أول نبي شرعت على لسانه الشرائع وأول نذير على الشرك وأول من عُذّبت أمته لردهم دعوته، وأهلك أهل الأرض بدعائه، وكان أبا البشر كآدم وأطول الأنبياء عمراً، وصبر على أذى قومه طول عمره، وقيل غير ذلك أي إيحاء مثل إيحائنا إلى نوح أو حال كونه مشبهاً بايحائنا إلى نوح. (والنبيّين من بعده) كهود وصالح وشعيب وغيرهم (وأوحينا إلى إبراهيم) وهو ابن تارخ واسم تارخ آزر (و) بعث بعده (إسمعيل) فمات بمكة (وإسحق) أي ثم بعث أخاه اسحق فمات بالشام (ويعقوب) وهو إسرائيل ابن اسحق ثم يوسف بن يعقوب ثم شعيب بن نويب ثم هود بن عبد الله ثم صالح بن أسف ثم موسى وهرون ابني عمران ثم أيوب ثم الخضر ثم داود بن ايشا ثم سليمان بن داود ثم يونس بن متى ثم إلياس، ثم ذا الكفل واسمه عويدياً وهو من سبط يهوذا بن يعقوب وبين موسى بن عمران ومريم بنت عمران ألف سنة وسبعمائة سنة. قال الزبير بن بكار: كل نبي ذُكر في القرآن فهو من ولد إبراهيم غير إدريس ونوح وهود ولوط وصالح، ولم يكن من العرب الأنبياء إلا خمسة هود

وصالح وإسمعيل وشعيب ومحمد- صلى الله عليه وسلم -، وإنما سُمّوا عرباً لأنه لم يتكلم بالعربية غيرهم، ذكره القرطبي. (والأسباط) هم أولاد يعقوب وكانوا إثني عشر، ومنهم يوسف نبي رسول باتفاق، وفي البقية خلاف (وعيسى وأيوب ويونس) فيه ست لغات أفصحها واو خالصة ونون مضمومة وهي لغة الحجاز (وهرون وسليمان) وخص هؤلاء بالذكر بعد دخولهم في لفظ النبيين تشريفاً لهم كقوله (وملائكته ورسله وجبريل). وقدم عيسى على أيوب ومن بعده مع كونهم في زمان قبل زمانه رداً على اليهود الذين كفروا به، وأيضاً فالواو ليست إلا لمطلق الجمع، والمعنى أن الله تعالى أوحى إلى هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه الآية وأنتم يا معشر اليهود معترفون بذلك، وما أنزل الله على أحد من هؤلاء كتاباً جملة واحدة، فلما لم يكن ذلك قادحاً في نبوتهم فكذلك لم يكن إنزال القرآن مفرقاً على محمد قادحاً في نبوّته بل قد أنزل عليه كما أنزل عليهم. (وآتينا داود زبوراً) أي كتاباً مزبوراً يعني مكتوباً، والزبور بالفتح كتاب داود، قال القرطبي: وهو مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم ولا حلال ولا حرام وإنما هي حكم ومواعظ انتهى. قلت: هو مائة وخمسون مزموراً، والمزمور فصل يشتمل على كلام لداود يستغيث بالله من خصومه ويدعو الله عليهم ويستنصره، وتارة يأتي بمواعظ وكان يقول ذلك في الغالب في الكنيسة، ويستعمل مع تكلمه بذلك شيئاً من الآلات التي لها نغمات حسنة كما هو مصرح بذلك في كثير من تلك المزمورات، والزبر والكتابة، والزبور بمعنى المزبور أي المكتوب كالرسول والحلوب والركوب.

وقرأ حمزة زبوراً بضم الزاي جمع زبر كفلس وفلوس، والزبر بمعنى المزبور، والأصل في الكلمة التوثيق يقال بئر مزبورة أي مطوية بالحجارة والكتاب سمي زبوراً لقوة الوثيقة به. عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود، أخرجه الشيخان (¬1)، قال الحميدي: زاد البرقاني قلت: والله يا رسول الله لو علمت أنك تسمع لقراءتي لحبَّرتها لك تحبيراً، والتحبير تحسين الصوت بالقراءة، وإنما لم يذكر موسى في هذه الآية لأن الله أنزل عليه التوراة جملة واحدة (¬2). ¬

(¬1) مسلم 793 والبخاري/2097. (¬2) قال ابن عباس: قال عدي بن زيد، وسكين: يا محمد ما نعلم الله أنزل على بشرٍ من شيءٍ بعد موسى، فنزلت هذه الآية سيرة ابن هشام 1/ 562، وابن جرير 9/ 400 عن ابن عباس، وفي سنده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال الذهبي: لا يعرف. وسكين بن أبي سكين، وعدي بن زيد من بني قينُقاع، ذكرهم ابن هشام في " السيرة " في الأعداء من يهود.

164

(و) أرسلنا (رسلاً) وقرأ أُبَيّ: رسل بالرفع على تقدير ومنهم (قد قصصناهم عليك) أي سميناهم لك في القرآن وعرفناك أخبارهم، وإلى من بعثوا من الأمم وما حصل لهم من قومهم، ومعنى (من قبل) أنه قصهم عليه من قبل هذه السورة أو من قبل هذا اليوم (ورسلاً لم نقصصهم عليك) أي لم نُسمّهم لك ولم نعرفك أخبارهم. وقيل إنه لما قص الله في كتابه بعض أسماء أنبيائه ولم يذكر أسماء بعض قالت اليهود: ذكر محمد الأنبياء ولم يذكر موسى فنزل (وكلّم الله موسى) بلا واسطة أي أزال عنه الحجاب حتى سمع كلام الله سبحانه، والمعنى أن التكليم بغير واسطة منتهى مراتب الوحي خصّ به موسى من بينهم، ولم يكن ذلك قادحاً

في نبوة سائر الأنبياء، فكيف يتوهم أن نزول التوراة جملة قادح في نبوة من أنزل عليه الكتاب مفصلاً. قرأ الجمهور برفع الاسم الشريف على أن الله هو الذي كلم موسى، وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب بنصب الاسم الشريف على أن موسى هو الذي كلم الله سبحانه، و (تكليماً) مصدر مؤكد، وفائدة التأكيد دفع توهم كون التكليم مجازاً كما قال الفراء أن العرب تسمي ما وصل إلى الإنسان كلاماً بأي طريق وصل ما لم يؤكد بالمصدر، فإذا أُكد لم يكن إلا حقيقة الكلام. قال النحاس: وأجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً، وفيه ردّ على من يقول إن الله خلق كلاماً في محل فسمع موسى ذلك الكلام.

أخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن حبّان في صحيحه والحاكم وابن عساكر عن أبي ذَرّ قال: قلت يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قلت كم الرسل منهم قال: ثلثمائة وثلاثة عشر جَمّ غفير، وأخرج نحوه ابن حاتم عن أبي أمامة مرفوعاً إلا أنه قال: والرسل ثلثمائة وخمسة عشر (¬1). وأخرج أبو يعلى والحاكم بسند ضعيف عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كان فيمن خلا من إخواني الأنبياء ثمانية آلاف نبي ثم كان عيسى ثم كنت أنا بعده (¬2). ¬

(¬1) مسند أحمد 5/ 178. (¬2) المستدرك 2/ 598.

165

(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء: 165] (رسلاً مبشّرين) لأهل الطاعات بالجنة (ومنذرين) لأهل المعاصي بالعذاب (لئلا) اللام لام كي وتتعلق بمنذرين على المختار للبصريين، وبمبشرين عند الكوفيين، فإن المسألة من باب التنازع، والأول أولى، وله في القرآن نظائر، وقيل تتعلق بمحذوف أي أرسلناهم كيلاً: (يكون للنّاس على الله حجّة) أي معذرة يعتذرون بها كما في قوله تعالى: (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً فنتَّبع آياتك) وسميت المعذرة حجة مع أنه لم يكن لأحد من العباد على الله حجة تنبيهاً على أن هذه المعذرة مقبولة لديه تفضّلاً منه ورحمة. (بعد) إرسال (الرسل) وإنزال الكتب وفيه دليل على أنه لو لم يبعث الرسل لكان للناس عليه حجة في ترك التوحيد والطاعة، وعلى أن الله لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل كما قال تعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وفيه حجة لأهل السنة على أن معرفة الله لا تثبت إلا بالسمع (وكان الله عزيزاً) لا يغالبه مغالب (حكيماً) في أفعاله التي من جملتها إرسال الرسل. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، ولا أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين، وفي لفظ مسلم ولا شخص أحب إليه العذر من الله، الحديث (¬1). ¬

(¬1) مسلم 2750 والبخاري 2003.

166

(لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالاً بَعِيدًا (167)) (لكن الله يشهد بما أنزل إليك) هذا الاستدراك من محذوف مقدر كأنهم قالوا ما نشهد لك يا محمد بهذا أي الوحي والنبوة فنزل (لكن الله يشهد) وشهادة الله إنما عرفت بسبب أنه أنزل هذا القرآن البالغ في الفصاحة والبلاغة إلى حيث عجز الأولون والآخرون عن المعارضة والإتيان بمثله فكان ذلك معجزاً، وإظهار المعجزة شهادة بكون المدعي صادقاً لا جرم قال الله تعالى ذلك. (أنزله بعلمه) جملة حالية أي متلبساً بعلمه الذي لا يعلمه غيره من كونك أهل لما أصطفاك الله له من النبوة وأنزله عليك من القرآن واستعدادك لاقتباس الأنوار القدسية، وفيه نفي قول المعتزلة في إنكار الصفات فإنه أثبت لنفسه العلم، وقيل العلم هنا بمعنى المعلوم أي بمعلومه مما يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم. (والملائكة يشهدون) بأن الله أنزله عليك ويشهدون بتصديقك، وإنما عرفت شهادة الملائكة لأن الله تعالى إذا شهد بشيء شهدت الملائكة به (وكفى بالله شهيداً) على صحة نبوتك حيث نصب لها معجزات باهرة وحججاً ظاهرة مغنية عن الاستشهاد بغيرها وإن لم يشهد معه أحد. وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شهادة أهل الكتاب له، وشهادة الله سبحانه هي ما نصبه من المعجزات الدالة على صحة النبوة فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بصدق ما أخبر به

من هذا أو غيره، عن ابن عباس قال: دخل جماعة من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: إنّي والله أعلم أنكم تعلمون أني رسول الله، قالوا: ما نعلم ذلك فأنزل الله هذه الآية (¬1). ¬

(¬1) سيرة ابن هشام 2/ 211 وابن جرير 9/ 49 عن ابن عباس قال: دخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جماعة من يهود، فقال لهم: " إني لأعلم والله أنكم لتعلمون أني رسول الله " فقالوا: ما نعلم ذلك، فأنزل الله عز وجل:. (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيداً) وزاد السيوطي نسبته في " الدر " 2/ 248 إلى ابن المنذر، والبيهقي في " الدلائل ". قلت: وفي سنده محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول كما تقدم. تفسير ابن كثير 1/ 589.

167

(إن الذين كفروا) بالله وبكل ما يجب الإيمان به أو بهذا الأمر الخاص، وهو ما في هذا المقام (وصدّوا) الناس (عن سبيل الله) وهو دين الإسلام بإنكارهم نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبقولهم ما نجد صفته في كتابنا وإنما النبوة في ولد هارون وداود، وبقولهم إن شرع موسى لا ينسخ. (قد ضلّوا ضلالاً بعيداً) عن الحق والصواب بما فعلوا لأنهم مع كفرهم منعوا غيرهم عن الحق، فجمعوا بين الضلال والإضلال ولأن المضل يكون أغرق في الضلال وأبعد من الانقطاع منه.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (169) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)

168

(إن الذين كفروا) بجحدهم (وظلموا) غيرهم بصدهم عن السبيل أو ظلموا محمداً: كتمانهم نبوته أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني (ولم يكن الله ليغفر لهم) إذا استمروا على كفرهم وماتوا كافرين (ولا ليهديهم طريقاً) من الطرق

169

(إلا طريق جهنم) لكونهم اقترفوا ما يوجب لهم ذلك بسوء اختيارهم وفرط شقائهم وجحدوا الواضح وعاندوا البيّن أي يدخلهم جهنم، والاستثناء متصل لأنه من جنس الأول والأول عام لأنه نكرة في سياق النفي وإن أريد به طريق خاص أي عمل صالح، فالاستثناء منقطع قاله الكرخي. (خالدين فيها) وهي حال مقدرة (أبداً) منصوب على الظرفية توكيد خالدين وهو لدفع احتمال أن الخلود هنا يراد به المكث الطويل (وكان ذلك) أي تخليدهم في جهنم أو ترك المغفرة لهم والهداية مع الخلود في جهنم (على الله يسيراً) لأنه سبحانه لا يصعب عليه شيء من مراداته إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

170

(يا أيها الناس) خطاب عام يدخل فيه جميع الكفار من اليهود والنصارى وعبدة الأصنام وغيرهم، وقيل هو خطاب لمشركي مكة والعبرة بمفهوم اللفظ وهو عام (قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم) أي محمد - صلى الله عليه وسلم - بدين الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، أو بالقرآن الذي هو الحق من عند

ربكم وهو تكرير للشهادة وتقرير لحقيَّة المشهود به، وتمهيد لما بعده من الأمر بالإيمان. (فآمنوا) قال سيبويه والخليل أي اقصدوا أو آتوا (خيراً لكم) وقال الفراء: فآمنوا إيماناً خيراً لكم، وقال أبو عبيدة والكسائي: فآمنوا يكن الإيمان خيراً لكم، وأقوى هذه الأقوال الثالث ثم الأول ثم الثاني على ضعف فيه. (وإن تكفروا) أي وإن تستمروا على كفركم وتجحدوا رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - وتُكذّبوا بما جاءكم به من الحق (فإن لله ما في السموات والأرض) من مخلوقاته وأنتم من جملتهم، ومن كان خالقاً لكم ولها فهو قادر على مجازاتكم بقبيح أفعالكم. ففي هذه الجملة وعيد لهم مع إيضاح وجه البرهان وإماطة الستر عن الدليل بما يوجب عليهم القبول والإذعان، لأنهم يعترفون بأن الله خالقهم (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله) وهو يعم ما اشتملتا عليه وما تركبتا منه (وكان الله عليماً) بمن يؤمن ومن يكفر (حكيماً) لا يسوي بينهما في الجزاء.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)

171

(يا أهل الكتاب) قيل نزلت في النصارى وقيل فيهم وفي اليهود (لا تغلوا في دينكم) الغلوّ هو التجاوز في الحد، ومنه غلا السعر يغلو غلاء وغلا الرجل في الأمر غلواً، وغلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فتجاوزت لداتها، والمراد بالآية النهي لهم عن الإفراط تارة والتفريط أخرى. فمن الإفراط غلوّ النصارى في عيسى حتى جعلوه رباً، ومن التفريط غلو اليهود فيه عليه السلام حتى جعلوه لغير رشدة، وما أحسن قول الشاعر: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم (ولا تقولوا على الله إلا الحق) وهو ما وصف به نفسه ووصفته به رسله، ولا تقولوا الباطل كقول اليهود عزيز ابن الله وقول النصارى المسيح ابن الله، وهذا الاسثناء مفرغ (إنما المسيح عيسى ابن مريم) الجملة تعليل للنهي، وقد تقدم الكلام على المسيح في آل عمران والمعنى ليس له نسب غير هذا، وأنه (رسول الله) فمن زعم غير هذا فقد أشرك وكفر. (وكلمته) أي كونه بقوله كن فكان بشراً من غير أب، وقيل كلمته بشارة الله مريم ورسالته إليها على لسان جبريل بقوله (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه) وقيل الكلمة هاهنا بمعنى الآية ومنه (وصدّقت

بكلمات ربها) وقوله ما نفدت كلمات الله (ألقاها إلى مريم) أي أوصلها إليها (وروح) أي ذو روح (منه) وسمي روحاً لأنه حصل من الريح الحاصل من نفخ جبريل، أي أرسل جبريل فنفخ في جيب درع مريم فحملت بإذن الله، وهذه الإضافة للتفضيل والتشريف وإن كان جميع الأرواح من خلقه تعالى. وقيل قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحاً ويضاف إلى الله فيقال هذا روح من الله أي من خلقه كما يقال في النعمة أنها من الله. وقيل روح منه أي من خلقه كما قال تعالى (وسخّر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه) أي من خلقه، وقيل رحمة منه، وقيل برهان منه، وكان عيسى برهاناً وحجة على قومه. والمعنى روح كائنة منه وجعلت الروح منه سبحانه وإن كانت بنفخ جبريل لكونه تعالى الآمر لجبريل بالنفخ، والمعنى ليس هو كما زعمتم ابن الله وإلهاً معه أو ثالث ثلاثة لأن ذا الروح مركّب، والإله منزه عن التركيب وعن نسبة المركّب إليه. وعن أبي موسى أن النجاشي قال لجعفر: ما يقول صاحبك في ابن مريم؟ قال: يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته أخرجه من البتول العذراء لم يقربها بشر، فتناول عوداً من الأرض فرفعه فقال يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ما يزن هذه. وعن ابن مسعود بأطول من هذا. وأخرج البخاري عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (¬1). ¬

(¬1) صحيح الجامع 7240.

وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان له من العمل أخرجه الشيخان (¬1). (فآمنوا بالله ورسله) أي بأنه سبحانه إله واحد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد؛ وبأن رسله صادقون مبلّغون عن الله ما أمرهم بتبليغه، ولا تكذبوهم ولا تغلوا فيهم فتجعلوا بعضهم آلهة (ولا تقولوا ثلاثة) قال الزجاج أي لا تقولوا آلهتنا ثلاثة. وقال الفراء وأبو عبيد أي لا تقولوا هم ثلاثة كقوله سيقولون ثلاثة، وقال أبو علي الفارسي: لا تقولوا هو ثالث ثلاثة فحذف المبتدأ والمضاف، والنصارى مع تفرّق مذاهبهم متفقون على التثليث، ويعنون بالثلاثة الثلاثة الأقانيم فيجعلونه سبحانه جوهراً واحداً وله ثلاثة أقانيم ويعنون بالأقانيم أقنوم الوجود وأقنوم الحياة وأقنوم العلم، وإنما يعبرون عن الأقنانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود وبالروح الحياة وبالابن المسيح، وقيل المراد بالآلهة الثلاثة الله سبحانه وتعالى ومريم والمسيح. وقد اختبط النصارى في هذا اختباطاً طويلاً، ووقفنا في الأناجيل الأربعة التي يطلق عليها اسم الإنجيل عندهم على اختلاف كثير في عيسى، فتارة يوصف بأنه ابن الإنسان وتارة يوصف بأنه ابن الله وتارة يوصف بأنه ابن الرب، وهذا تناقض ظاهر وتلاعب بالدين. والحق ما أخبرنا الله به في القرآن، وما خالفه في التوراة والإنجيل أو الزبور فهو من تحريف المحرفين وتلاعب المتلاعبين. ¬

(¬1) صحيح الجامع 6196.

ومن أعجب ما رأيناه أن الأناجيل الأربعة كل واحد منها منسوب إلى واحد من أصحاب عيسى عليه السلام، وحاصل ما فيها جميعاً أن كل واحد من هؤلاء الأربعة ذكر سيرة عيسى من عند أن بعثه الله إلى أن رفعه الله، وذكر ما جرى له من المعجزات والمراجعات لليهود ونحوهم، فاختلفت ألفاظهم، واتفقت معانيها، وقد يزيد بعضهم على بعض بحسب ما يقتضيه الحفظ والضبط، وذكر ما قاله عيسى وقيل له، وليس فيها من كلام الله سبحانه شيء ولا أنزل على عيسى من عنده كتاباً، بل كان عيسى عليه السلام يحتج عليهم بما في التوراة ويذكر أنه لم يأت بما يخالفها. وهكذا الزبور فإنه من أوله إلى آخره من كلام داود عليه السلام. وكلام الله أصدق وكتابه أحقّ، وقد أخبرنا أن الإنجيل كتابه أنزله على عبده ورسوله عيسى ابن مريم وأن الزبور كتابه آتاه داود: وأنزله عليه. (انتهوا خيراً لكم) أي انتهوا عن التثليث ولا تقولوا الآلهة ثلاثة وانتصاب خيراً هنا فيه الوجوه الثلاثة التي تقدمت في قوله فآمنوا خيراً لكم. (إنّما الله إله واحد) لا شريك له ولا صاحبة ولا ولد (سبحانه) أي أسبحه تسبيحاً عن (أن يكون له ولد) لأن الولد جزء من الأب، وهو متعال عن التجزئة وصفات الحدوث ولكن جعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور. (له ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً، وما جعلتموه له شريكاً أو ولداً هو من جملة ذلك والمملوك المخلوق لا يكون شريكاً ولا ولداً (وكفى بالله وكيلاً) مستقلاً بتدبير خلقه يكل الخلق أمورهم إليه، لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فلا حاجة إلى ولد يعينه، وقيل شهيداً على ذلك.

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (172) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (173)

172

(لن يستنكف) أي لا يتكبر ولا يأنف (المسيح) الذي زعمتم إنه إله عن (أن يكون عبداً لله) أصل يستنكف نكف، وباقي الحروف زائدة، يقال نكفت من الشيء واستنكفت منه وأنكفته أن نزّهته عما يستنكف منه. قال الزجاج: استنكف أي أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خديك، وقيل هو من النّكف وهو العيب يقال ما عليه في هذا الأمر نكف ولا وكف أي عيب، ومعنى الأول لن يأنف عن العبودية ولن يتنزه عنها، ومعنى الثاني لن يعيب العبودية ولن ينقطع عنها. (ولا الملائكة المقربون) أي ولن يستنكف حملة العرش وأفاضل الملائكة مثل جبريل وغيره عن أن يكونوا عباداً لله، وهذا من أحسن الاستطراد، ذكر للردّ على من زعم أنها آلهة أو بنات الله كما رد بما قبله على النصارى الزاعمين ذلك المقصود خطابهم. وقد استدل بهذا القائلون بتفضيل الملائكة على الأنبياء، وقرر صاحب الكشاف وجه الدلالة بما لا يسن ولا يغني من جوع، وادعى أن الذوق قاض بذلك، ونعم الذوق العربي إذا خالطه محبة المذهب، وشابه شوائب الجمود كان هكذا.

وكلّ من يفهم لغة العرب يعلم أنّ من قال: لا يأنف من هذه المقالة إمام ولا مأموم أو لا كبير ولا صغير أو لا جليل ولا حقير لم يدل هذا على أن المعطوف أعظم شأناً من المعطوف عليه، وعلى كل حال فما أبرد الاشتغال بهذه المسئلة وما أقل فائدتها وما أبعدها عن أن تكون مركزاً من المراكز الدينية وجسراً من الجسور الشرعية. (ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر) أي يأنف تكبراً ويعد نفسه كبيراً على العبادة (فسيحشرهم إليه جميعاً) المستنكف وغيره فيجازي كلاًّ بعمله، لا يملكون لأنفسهم شيئاً، وترك ذكر غير المستنكف هنا لدلالة أول الكلام عليه ولكون الحشر لكلا الطائفتين.

173

(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفّيهم أجورهم) أي ثواب أعمالهم من غير أن يفوتهم منها شيء (ويزيدهم من فضله) ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، أي على وجه التفصيل وإحاطة العلم بها، وإلا فسائر نعيم الجنان يخطر على قلوبنا ونسمعه من السنة لكن على وجه الإجمال. وأخرج ابن المنذر وغيره بسند ضعيف عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أجورهم يدخلهم الجنة ويزيدهم من فضله الشفاعة فيمن وجبت له النار ممن صنع إليهم المعروف في الدنيا، وقد ساقه ابن كثير في تفسيره ثم قال هذا إسناد لا يثبت وإذا روي عن ابن مسعود موقوفاً فهو جيد (¬1). (وأمّا الذين استنكفوا واستكبروا) عن عبادته (فيعذّبهم) بسبب استنكافهم واستكبارهم (عذاباً أليماً) هو عذاب النار (ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً) يواليهم (ولا نصيراً) ينصرهم. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 592.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175)

174

(يا أيّها الناس) خطاب للكافة (قد جاءكم برهان من ربكم) بما أنزله عليكم من كتبه وبمن أرسله إليكم من رسله، وما نصبه لهم من المعجزات. والبرهان ما يبرهن به على المطلوب، قال قتادة: البرهان البينة؛ وقال مجاهد: الحجة وقيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم والتقدير كائن من ربكم أو من براهين ربكم، وقيل من لإبتداء الغاية. (وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً) وهو القرآن وسماه نوراً لأنه يهتدى به من ظلمة الضلال.

175

(فأما) أي فمنكم من آمن ومنكم من كفر فأما (الذين آمنوا بالله) أي صدّقوا بوحدانيته وبما أرسل من رسول وأنزل من كتاب، وترك الشق الآخر إشارة إلى إهمالهم لأنهم في حيّز الطرح (واعتصموا به) أي بالله أو بالقرآن وقيل بالنور المذكور (فسيدخلهم في رحمة منه) يرحمهم بها، قال ابن عباس: الرحمة الجنة سمّيت باسم محلّها. (وفضل) يتفضل به عليهم بعد إدخالهم الجنة كالنظر إلى وجهه الكريم وغيره من مواهب الجنة (ويهديهم إليه) أي إلى امتثال ما أمر به واجتناب ما نهى عنه الله سبحانه وتعالى باعتبار مصيرهم إلى جزائه وتفضله، قال أبو علي الفارسي: الهاء في إليه راجعة إلى ما تقدم من اسم الله، وقيل إلى القرآن وقيل إلى الفضل وقيل إلى الرحمة والفضل لأنهما بمعنى الثواب، وأخر هذا مع أنه سابق في الوجود الخارجي على ما قبله تعجيلاً للمسرة والفرح على حد: سعد في دارك. (صراطاً) أي طريقاً يسلكونه إليه (مستقيماً) لا عوج فيه وهو التمسك بدين الإسلام وترك غيره من الأديان.

176

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176) (يستفتونك) ختم السورة بذكر الأموال كما أنه افتتحها بذلك لتحصل المشاكلة بين المبدأ والختام، وجملة ما في هذه السورة من آيات المواريث ثلاثة الأولى: في بيان إرث الأصول والفروع. والثانية: في بيان إرث الزوجين والأخوة والأخوات من الأم. والثالثة: وهي هذه في إرث الأخوة والأخوات الأشقاء أو لأب، وأما أولو الأرحام فمذكورون في آخر الأنفال، والمستفتي عن الكلالة هو جابر كما سيأتي، وعن قتادة أن الصحابة أهمهم شأن الكلالة فسألوا عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله هذه الآية. (قل الله يفتيكم في الكلالة) قد تقدم الكلام في الكلالة في أول هذه السورة واسم الكلالة يقع على الوارث وعلى الموروث، فإن وقع على الأول فهم من سوى الوالد والولد، وإن وقع على الثاني فهو من مات ولا يرثه أحد الأبوين ولا أحد الأولاد. قد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن جابر بن عبد الله قال: دخل عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا مريض لا أعقل فتوضأ ثم صَبّ علي فعقلت فقلت: إنه لا يرثني إلا كلالة فكيف الميراث فنزلت آية الفرائض، وعنه عند ابن سعد وابن أبي حاتم بلفظ أنزلت في قل الله يفتيكم في الكلالة.

وعن عمر أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف تورث الكلالة فأنزل الله هذه الآية، وأخرج مالك ومسلم وابن جرير والبيهقي عن عمر قال: ما سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن شيء أكثر مما سألته في الكلالة حتى طعن بإصبعه في صدري وقال: ما يكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر قال: ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا، وقد أوضحنا الكلام لغة وخلافاً واستدلالاً وترجيحاً في شأن الكلالة في أوائل هذه السورة فلا نعيده. (إن امرؤ هلك) أي إن هلك امرؤ، هلك كما تقدم في قوله: (وإن امرأة خافت) والمعنى مات وسمي الموت هلاكاً لأنه إعدام في الحقيقة (ليس له ولد) إما صفة لامرؤ أو حال كما قاله صاحب الكشاف، ولا وجه للمنع من كونه حالاً والأول رجحه الكرخي. والولد يطلق على الذكر والأنثى، واقتصر على عدم الولد هنا مع أن عدم الوالد معتبر في الكلالة اتكالاً على ظهور ذلك، قيل والمراد هنا الابن وهو أحد معنيي المشترك لأن البنت لا تسقط الأخت. (وله أخت) المراد بالأخت هنا هي الأخت لأبوين أو لأب لا لأم فإن فرضها السدس كما ذكر سابقاً (فلها) أي لأخت الميت (نصف ما ترك). وقد ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أن الأخوات لأبوين أو لأب عصبة للبنات وإن لم يكن معهن أخ، وذهب ابن عباس إلى أن الاخوات لا يعصبن البنات، وإليه ذهب داود الظاهري وطائفة،

وقالوا إنه لا ميراث للأخت لأبوين أو لأب مع البنت، واحتجوا بظاهر هذه الآية فإنه جعل عدم الولد المتناول للذكر والأنثى قيداً في ميراث الأخت. وهذا استدلال صحيح لو لم يرد في السنة ما يدل على ثبوت ميراث الأخت مع البنت، وهو ما ثبت في الصحيح أن معاذاً قضى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بنت وأخت فجعل للبنت النصف، وللأخت النصف، وكذا صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في بنت وبنت ابن وأخت فجعل للبنت النصف ولبنت الابن السدس وللأخت الباقي، فكانت هذه السنة مقتضية لتفسير الولد بالابن دون البنت. (وهو) أي الأخ (يرثها) أي كذلك يرث الأخت جميع ما تركت (إن لم يكن لها ولد) ذكر، إن كان المراد بإرثه لها حيازته لجميع ما تركته، وإن كان المراد ثبوت ميراثه لها فالجملة أعمّ من يكون كلاًّ أو بعضاً صح تفسير الولد بما يتناول الذكر والأنثى، فإن كان لها ولد ذكر فلا شيء له أو أنثى فله ما فضل عن نصيبها، ولو كانت الأخت أو الأخ من أم ففرضه السدس كما تقدم في أول السورة. واقتصر سبحانه في هذه الآية على نفي الولد مع كون الأب يسقط الأخ كما يسقطه الولد الذكر لأن المراد بيان سقوط الأخ مع الولد فقط هنا، وأما سقوطه مع الأب فقد تبين بالسنة كما ثبت في الصحيح من قوله - صلى الله عليه وسلم - ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر، والأب أولى من الأخ (¬1). (فإن كانتا) أي فإن كان من يرث بالإخوة (اثنتين) أي أختين فصاعداً لأنها نزلت في جابر وقد مات عن أخوات سبع أو تسع والعطف على ¬

(¬1) مسلم/1615 والبخاري/2496.

الشرطية السابقة والتأنيث والتثنية وكذلك الجمع في قوله وإن كانوا أخوة باعتبار الخبر (فلهما الثلثان مما ترك) الأخ إن لم يكن له ولد كما سلف، وما فوق الإثنتين من الأخوات يكون لهن الثلثان بالأولى. (وإن كانوا) أي من يرث بالإخوة (إخوة) أي وأخوات فغلب المذكور على الإناث أو فيه اكتفاء بدليل (رجالاً ونساء) أي مختلطين ذكوراً وإناثاً (فللذّكر) منهم (مثل حظ الأنثيين) تعصيباً (يبين الله لكم) حكم الكلالة وسائر الأحكام كراهة (أن تضلّوا) هكذا حكاه القرطبي عن البصريين وبه قال في الكشاف وتبعه القاضي ورجحه. وقال الكسائي: المعنى لئلا تضلوا، ووافقه الفراء وغيره من الكوفيين قال أبو عبيد: رويت للكسائي حديث ابن عمر لا يدعو أحدكم على ولده أن يوافق من الله ساعة إجابة فاستحسنه أي لئلا يوافق (والله بكل شيء) من الأشياء التي هذه الأحكام المذكورة منها (عليم) أي كثير العلم يعلم مصالح العباد، في المبدأ والمعاد، وفيما كلفهم من الأحكام. وهذه السورة اشتمل أولها على كمال تنزه الله وسعة قدرته، وآخرها اشتمل على بيان كمال العلم وهذان الوصفان بهما تثبت الربوبية والألوهية والجلال والعزة، وبهما يجب أن يكون العبد منقاداً للتكاليف، قاله أبو حيان. روى الشيخان عن البراء أنها آخر آية نزلت من الفرائض، وروي عن ابن عباس: آخر آية نزلت آية الربا، وآخر سورة نزلت إذا جاء نصر الله والفتح وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - بعد ما نزلت سورة النصر عاش عاماً ونزلت بعدها براءة وهي آخر سورة نزلت كاملة، فعاش - صلى الله عليه وسلم - بعدها ستة أشهر، ثم نزلت في طريق حجة الوداع (يستفتونك) الآية فسُمّيت آية الصيف لأنها نزلت في الصيف، ثم نزلت وهو واقف بعرفة (اليوم أكملت لكم دينكم) فعاش بعدها واحداً وثمانين يوماً ثم نزلت آية الربا ثم نزلت (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله) فعاش بعدها واحداً وعشرين يوماً.

سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم سورة المائدة هي مائة وثلاث وعشرون آية، قال القرطبي: هي مدنية بالإجماع، وبه قال قتادة، وعن محمد ابن كعب قال إنها نزلت في حجة الوداع فيما بين مكة والمدينة، وأخرج أبو عبيد عن ضمرة بن حبيب وعطية بن قيس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " المائدة في آخر القرآن تنزيلاً. فأحلوا حلالها وحرموا حرامها، ورد هذا الحديث من قول عائشة وليس هو بحديث عن رسول الله وقد ساقه ابن كثير ج 2 ص 2. وعن عمر بن شرحبيل قال: لم يسنخ من المائدة شيء، وقال الشعبي إلا هذه الآية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ)، وزاد ابن عباس: (فَإِن جَاؤُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) قال ميسرة: إن الله أنزل في هذه السورة ثمانية عشر حكماً لم ينزلها في غيرها من سور القرآن وهي قوله: (وَالمُنْخَنِقَةُ) إلى قوله: (إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْت).

بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)

1

(يا أيها الذين آمنوا) هذه الآية التي افتتح الله تعالى بها هذه السورة إلى قوله (إن الله يحكم ما يريد) فيها من البلاغة ما يتقاصر عنده القوى البشرية مع شمولها لأحكام عدة منها الوفاء بالعقود، ومنها تحليل بهيمة الأنعام، ومنها استثناء ما سيتلى مما لا يحل، ومنها تحريم الصيد على المحرم، ومنها إباحة الصيد لمن ليس بمحرم. وقد حكى النقاش أن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء، ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً ثم استثنى بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين، ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا. (أوفوا) يقال أوفى ووفى لغتان، والوفاء القيام بموجب العقد، وكذا الإيفاء (بالعقود) العهود وأصلها الرُّبوط واحدها عند، يقال عقدت الحبل والعهد فهو يستعمل في الأجسام والمعاني، وإذا استعمل في المعاني كما هنا أفاد أنه شديد الإحكام قوي التوثيق. قيل المراد بالعقود هي التي عندها الله على عباده وألزمهم بها من الأحكام، وقيل هي العقود التي يعقدونها بينهم من عقود المعاملات والأمانات

ونحوها، والأولى شمول الآية للأمرين جميعاً، ولا وجه لتخصيص بعضها دون بعض، قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم بعضكم على بعض انتهى. والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن خالفهما فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل، قال ابن عباس: أوفوا بالعقود أي ما أحل الله وما حرم وما فرض وما حد في القرآن كله، لا تغدروا ولا تنكثوا. وعن قتادة قال: هي عقود الجاهلية الحلف، وعنه قال ذكر لنا أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقداً في الإسلام (¬1)، وقال ابن جريج الخطاب لأهل الكتاب: أي العقود التي عهدتها إليكم في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - والإيمان به، وما أبعده. وقيل هو خطاب للمؤمنين وهذا هو الظاهر، والعقود خمس: عقد اليمين وعند النكاح وعند العهد وعقد البيع وعقد الشركة، وزاد بعضهم وعقد الحلف، قال الطبري: وأولى الأقوال ما قاله ابن عباس، وقد تقدم لأن الله تعالى أتبعه بالبيان عما أحل لعباده وحرم عليهم فقال: (أحلت لكم بهيمة الأنعام) الخطاب للذين آمنوا خاصة، والبهيمة اسم لكل ذي أربع من الحيوان لكن خص في التعارف بما عدا السباع والضواري من الوحوش، وإنما سميت بذلك لإبهامها من جهة نقص نطقها وفهمها وعقلها، ومنه باب مبهم أي مغلق، وليل بهيم، وبهيمة للشجاع الذي لا ¬

(¬1) صحيح الجامع/2550.

يدري من أين يؤتى وحلقة مبهمة لا يدري أين طرفاها، قال الزجاج: كل حي لا يميز فهو بهيمة. والأنعام اسم للإبل والبقر والغنم سميت بذلك لما في مشيها من اللين، وقيل بهيمة الأنعام وحشيّها كالظباء وبقر الوحش والحمر الوحشية وغير ذلك قاله الكلبي، وحكاه ابن جرير والطبري عن قوم، وحكاه غيره عن السدي والربيع وقتادة والضحاك. قال ابن عطية وهذا قول حسن: وذلك أن الأنعام هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها من سائر الحيوانات يقال له أنعام مجموعة معها، وكأن المفترس كالأسد كل ذي ناب خارج عن حد الأنعام، ولا يدخل فيها ذوات الحوافر في قول جميع أهل اللغة، فبهيمة الأنعام هي الراعي من ذوات الأربع. وقيل بهيمة الأنعام ما لم يكن صيداً لأن الصيد يسمى وحشياً لا بهيمة، وقيل بهيمة الأنعام الأجِنَّة التي تخرج عند الذبح من بطون الأنعام فهي تؤكل من دون ذكاة قاله ابن عباس (¬1). وعلى القول الأول أعني تخصيص الأنعام بالإبل والبقر والغنم تكون الإضافة بيانية من إضافة الجنس إلى أخص منه، أو هي بمعنى (من) لأن البهيمة أعم فأضيف إلى أخص كثوب خز، قاله الكرخي، والأول أولى. ¬

(¬1) في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه " رواه أبو داود: 3/ 136، والترمذي 1/ 178، وابن ماجه: 2/ 1067 من حديث جابر وهو حديث صحيح. وفي " المغني " 11/ 51: إذا خرج الجنين ميتاً من بطن أمه بعد ذبحها أو وجد ميّتاً في بطنها، أو كانت حركته بعد خروجه كحركة المذبوح فهو حلال. روي هذا عن عمر وعلي وبه قال سعيد ابن المسيب، والنخعي، والشافعي، وإسحاق وابن المنذر.

ويلحق بها ما يحل مما هو خارج عنها بالقياس بل وبالنصوص التي في الكتاب والسنة كقوله تعالى (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة) الآية، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير، فإنه يدلّ بمفهومه على أن ما عداه حلال، وكذلك سائر النصوص الخاصة بنوع كما في كتب السنة المطهرة. (إلا ما يتلى عليكم) في القرآن تحريمه استثناء من قوله (أحلت لكم بهيمة الأنعام) أي إلا مدلول ما يتلى عليكم فإنه ليس بحلال، والمتلوّ هو ما نص الله على تحريمه نحو قوله تعالى (حرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به) وذلك عشرة أشياء أولها الميتة وآخرها ما ذبح على النصب (¬1). قال ابن عباس: هذا ما حرم الله من بهيمة الأنعام، ويلحق به ما صرحت السنة بتحريمه وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون المراد به إلا ما يتلى عليكم الآن، ويحتمل أن يكون المراد به في مستقبل الزمان فيدل على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة ويحتمل الأمرين جميعاً. (غير محلّي الصيد) ذهب البصريون إلى أن قوله الأول استثناء من بهيمة الأنعام وقوله: (غير محلّي الصيد) استثناء آخر منه أيضاً، فالإستثناآن جميعاً من بهيمة الأنعام، والتقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا الصيد وأنتم محرمون. وقيل الاستثناء الأول من بهيمة الأنعام، والثاني هو من الاستثناء الأول، ورد بأن هذا يستلزم إباحة الصيد في حال الإحرام لأنه مستثنى من المحظور ¬

(¬1) وفي " القرطبي " 3/ 35: قوله تعالى: (إلا ما يتلى عليكم) أي: يقرأ عليكم في القرآن والسنة من قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) وقوله عليه الصلاة والسلام: " وكل ذي ناب من السباع حرام ".

فيكون مباحاً، وقيل التقدير أحلت لكم بهيمة الأنعام غير مُحلّي الصيد أي الاصطياد في البر، وأكل صيده. ومعنى عدم إحلالهم له تقرير حرمته عملاً واعتقاداً وهو شائع في الكتاب والسنة، ونصب غير على الحال من ضمير لكم، وعليه كلام الجمهور، وذهب إليه الزمخشري وتعقب وأجيب. ومعنى هذا التقييد أي (وأنتم حرم) ظاهر عند من يخص بهيمة الأنعام بالحيوانات الوحشية البرية التي يحل أكلها، كأنه قال: أحل لكم صيد البر إلا في حال الإحرام، وأما على قول من يجعل الإضافة بيانية فالمعنى أحلت لكم بهيمة هي الأنعام حال تحريم الصيد عليكم بدخولكم في الإحرام لكونكم محتاجين إلى ذلك، فيكون المراد بهذا التقييد الامتنان عليهم بتحليل ما عدا ما هو محرم عليهم في تلك الحال. والمراد بالحرم من هو محرم بالحج أو العمرة أو بهما، وسمي محرماً لكونه يحرم عليه الصيد والطيب والنساء، وهكذا وجه تسمية الحرم حرماً، والإحرام إحراماً (إن الله يحكم ما يريد) من الأحكام المخالفة لما كانت العرب تعتاده، فهو مالك الكل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه، ولا اعتراض عليه، لا ما يقوله المعتزلة من مراعاتة المصالح، قاله أبو حيان (¬1). ¬

(¬1) البيت للمضرب بن كعب بن زهير بن أبي سُلمى، وهو في " مجاز القرآن " 1/ 145 و " السمط ": 2/ 791، و " الاقتضاب ": 475، و " شرح أدب الكاتب " للجواليقي: 411 و " القرطبي ": 6/ 36. قال البطليوسي: سمي المضرب، لأنه شبب بامرأة، فغار أخوها لذلك، فضربه بالسيف ضربات عديدة، ويروى لشبل بن الصامت المري وبعده. قصدت بعيني شادنٍ وتبسمت ... بعجفاء عن غرٍ لهن غروب وأراد بالغر: أسنانها، والغروب: جمع غرب، وهو حد الأسنان. وصف أنَّ محبوبته لقيها وهو محرم ملب، فتورع عن الكلام معها ومعنى " ميئي ": ارجعي. و " الحرام ": المحرم. و " لبيب " ها هنا بمعنى: ملب وهو نادر، لأن فعيلاً لا يستعمل بمعنى " مفعل " و " بعد " بمعنى: " مع " وقوله: " ميئي إليك " أمر بعد أمر على معنى التأكيد في إبعادها عن نفسه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

2

(يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله) الشعائر جمع شعيرة على وزن فعيلة، قال ابن فارس: ويقال للواحدة شعارة وهو أحسن، ومنه الإشعار للهدي، والمشاعر المعالم واحدها مشعر وهي المواضع التي قد أشعرت بالعلامات، قيل المراد بها هنا جميع مناسك الحج وقيل الصفا والمروة والهدي والبدن. والمعنى على هذين القولين: لا تُحلّوا هذه الأمور بأن يقع منكم الإخلال بشيء منها أو بأن تحولوا بينها وبين من أراد فعلها. ذكر سبحانه النهي عن أن يُحلوا شعائر الله عقب ذكره تحريم صيد المحرم. وإشعار الهدي أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل دمه فيكون ذلك علامة هدي، وهو سنة في الإبل والبقر دون الغنم، ويدل عليه أحاديث صحيحة في كتب السنة المطهرة، وقيل المراد بالشعائر هنا فرائض الله ومنه (ومن يعظّم شعائر الله) وقيل هي حرمات الله، وقال ابن عباس: هي أن تصيد وأنت محرم، وقيل شرائع الله ومعالم دينه، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولا بما يدل عليه السياق.

(ولا الشهر الحرام) المراد به الجنس فيدخل في ذلك جميع الأشهر الحرم وهي أربعة: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب. لا تحلوها بالقتال فيها. وقيل المراد به هنا شهر الحج فقط وقيل ذو القعدة وقيل رجب، ذكرهما ابن جرير، والأول أولى. (ولا الهدي) هو ما يهدى إلى بيت الله من ناقة أو بقرة أو شاة، الواحدة هدية، نهاهم سبحانه عن أن يحلّوا حرمة الهدي بأن يأخذوه على صاحبه أو يحولوا بينه وبين المكان الذي يهدى إليه، وعطف الهدي على الشعائر مع دخوله تحتها لقصد التنبيه على مزيد خصوصيته والتشديد في شأنه. (ولا القلائد) جمع قلادة وهي ما تُقلَّد به الهدي من نعل أو نحوه، وما تشد في عنق البعير وغيره، وإحلالها بأن تؤخذ غصباً، وفي النهي عن إحلال القلائد تأكيد النهي عن إحلال الهدي، وقيل المراد بالقلائد المقلّدات بها ويكون عطفه على الهدي لزيادة التوصية بالهدي، والأول أولى. وقيل المراد بالقلائد ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، فهو على حذف مضاف أي ولا أصحاب القلائد، وقيل أراد بالقلائد نفس القلائد فهو نهي عن أخذ لحاء شجر الحرم حتى يتقلد به طلباً للأمر، قاله مجاهد وعطاء وغيرهما. (ولا آمّين البيت الحرام) أي قاصديه، من قولهم أممت كذا أي قصدته، والمعنى لا تمنعوا من قصد البيت الحرام لحج أو عمرة أو ليسكن فيه، وقيل لا تحلوا قتال قوم أو أذى قوم آمّين. وقال ابن عباس: سبب نزول هذه الآية أن المشركين كانوا يحجون ويعتمرون ويهدون الهدايا، ويعظمون حرمة المشاعر، وينحرون في حجهم،

فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنزلت هذه الآية إلى آخرها، فيكون ذلك منسوخاً بقوله (أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) وقوله (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا يحجّن بعد العام مشرك (¬1) وبه قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وأكثر المفسرين. وقال قوم الآية محكمة وهي في المسلمين، قال الواحدي: وذهب جماعة إلى أنه لا منسوخ في هذه السورة، وأن هذه محكمة وقال آخرون: لم ينسخ من ذلك شيء سوى القلائد التي كانت في الجاهلية يتقلدونها من لحاء شجر الحرم. والظاهر ما عليه جمهور العلماء من نسخ هذه الآية لإجماع العلماء على أن الله تعالى قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم وغيرها، وكذلك أجمعوا على منع من قصد البيت بحج أو عمرة من المشركين والله أعلم. (يبتغون فضلاً من ربهم ورضواناً) قال جمهور المفسرين: معناه يبغون الفضل والرزق والأرباح في التجارة، ويبتغون مع ذلك رضوان الله تعالى، وقيل كان منهم من يطلب التجارة ومنهم من يبتغي بالحج رضوان الله، ويكون هذا الابتغاء للرضوان بحسب اعتقادهم وفي ظنهم عند من جعل الآية في المشركين، وقيل المراد بالفضل هنا الثواب لا الأرباح في التجارة. (وإذا حللتم فاصطادوا) هذا تصريح بما أفاده مفهوم (وأنتم حرم) أباح لهم الصيد بعد أن حظره عليهم لزوال السبب الذي حرم لأجله وهو الإحرام، ومثله قوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) والأمر للإباحة لأن الله حرم الصيد على المحرم حالة الإحرام بقوله (غير محلي الصيد وأنتم حرم) وأباحه له إذا حل من إحرامه بقوله (وإذا حللتم فاصطادوا) ¬

(¬1) صحيح الجامع/7508.

وإنما قلنا أمر إباحة لأنه ليس بواجب على المحرم إذا حل من إحرامه أن يصطاد، وقرئ أحللتم وهي لغة في حل، يقال أحل من إحرامه كما يقال حل. (ولا يجرمنّكم) تأمّل هذا النهي، فإن الذين صدوا المسلمين عن دخول مكة كانوا كفاراً حربيين، فكيف ينهى عن التعرض لهم وعن مقاتلتهم، فلا يظهر إلا أن هذا النهي منسوخ، ولم أر من نبّه عليه، أو يقال أن النهي عن التعرض لهم من حيث عقد الصلح الذي وقع في الحديبية فبسببه صاروا مؤمنين، وحينئذ فلا يجوز التعرض لهم، ولم أر من نبّه على هذا أيضاً. قال ابن فارس: جرم وأجرم ولا جرم بمعنى قولك لا بد ولا محالة وأصلها من جرم أي كسب، وقيل المعنى لا يحملنكم قاله الكسائي وثعلب وهو يتعدى إلى مفعولين، يقال جرمني كذا على بغضك أي حملني عليه، وقال أبو عبيدة والفراء: المعنى لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا الحق إلى الباطل، والعدل إلى الجور، والجريمة والجارم بمعنى الكاسب. والمعنى في الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء عليهم أو لا يكسبنكم بغضهم اعتداءكم الحق إلى الباطل، ويقال جرم يجرم جرماً إذا قطع، قال علي بن عيسى الرماني: وهو الأصل فجرم بمعنى حمل على الشيء لقطعه من غيره، وجرم بمعنى كسب لإنقطاعه إلى الكسب، وجرم بمعنى حق لأن الحق يقطع عليه، قال الخليل: معنى لا جرم أن لهم النار لقد حق أن لهم النار. وقال الكسائي: جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي اكتسب، وقرأ ابن مسعود لا يجرمنكم بضم الياء، والمعنى لا يكسبنكم، ولا يعرف البصريون أجرم، وإنما يقولون جرم لا غير. (شنآن قوم) مصدر مضاف لمفعوله لا إلى فاعله كما قيل، والشنآن

البغض يقال شنئت الرجل اشنؤه شنأً وشنآناً، كل ذلك إذا أبغضته، وقد أنكر أبو حاتم وأبو عبيدة شنآناً بسكون النون لأن المصادر إنما تأتي في مثل هذا متحركة، وخالفهما غيرهما فقال ليس هذا مصدراً، ولكنه اسم فاعل على وزن كسلان وغضبان، وقيل سماعي مخالف للقياس من وجهين، تعدى فعله وكسر عينه لأنه لا يقاس إلا في مفتوحها اللازم. (أن صدوكم) بفتح الهمزة مفعول لأجله أي لأن صدوكم وهي قراءة واضحة، والمعنى على قراءة الشرطية بكسر الهمزة لا يحملنكم بغضهم إن وقع منهم الصد لكم. (عن المسجد الحرام أن تعتدوا) أي على الإعتداء عليهم بالقتل وأخذ المال، وقال النحاس: وأما إن صدوكم بكسر (إن) فالعلماء الجلّة بالنحو والحديث والنظر يمنعون القراءة بها لأشياء، منها أن الآية نزلت عام الفتح سنة ثمان، وكان المشركون صدوا المؤمنين عام الحديبية سنة ست، فالصد كان قبل الآية. ولما نهاهم عن الاعتداء أمرهم بالتعاون على البر والتقوى فقال (وتعاونوا على البر والتقوى) أي ليعن بعضكم بعضاً على ذلك، وهو يشمل كل أمر يصدق عليه أنه من البر والتقوى كائناً ما كان، قيل إن البر والتقوى لفظان لمعنى واحد وكرر للتأكيد، وقال ابن عطية: إن البر يتناول الواجب والمندوب، والتقوى يختص بالواجب، وقال الماوردي: إن في البر رضا الناس، وفي التقوى رضا الله، فمن جمع بينهما فقد تمت سعادته، قال ابن عباس: البر ما أمرت به والتقوى ما نهيت عنه. (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) أي لا يعن بعضكم بعضاً على ذلك والإثم كل فعل أو قول يوجب إثم فاعله أو قائده، والعدوان التعدي على

الناس بما فيه ظلم، فلا يبقى نوع من أنواع الموجبات للإثم، ولا نوع من أنواع الظلم للناس إلا وهو داخل تحت هذا النهي لصدق هذين النوعين على كل ما يوجد فيه معناهما، وقيل الإثم هو الكفر والعدوان هو الظلم، وقيل الإثم المعاصي والعدوان البدعة، والأول أولى. وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه عن وابصة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له: البر ما اطمأن إليه القلب واطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك (¬1). وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب ومسلم والترمذي والحاكم والبيهقي عن النواس بن سمعان قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البر والإثم، فقال: البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس (¬2). وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أُمامة أن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الإثم فقال: ما حاك في نفسك فدعه، قال فما الإيمان، قال من ساءته سيئته وسرته حسنته فهو مؤمن (¬3). (واتقوا الله إنّ الله شديد العقاب) أمر سبحانه عباده بالتقوى وتوعد من خالف ما أمر به فتركه أو خالف ما نهى عنه ففعله، ففيه تهديد عظيم ووعيد شديد. ¬

(¬1) صحيح الجامع 2978. (¬2) مسلم 2553. (¬3) مسند أحمد 5/ 382.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)

3

(حرّمت عليكم) هذا شروع في تفصيل المحرمات التي أشار إليها سبحانه بقوله (إلا ما يتلى عليكم) بالإجمال، وحاصل ما ذكر في هذا البيان أحد عشر شيئاً كلها من قبيل الطعوم إلا الأخير، وهو الاستقسام بالأزلام. (الميتة) المراد البهيمة التي تموت حتف أنفها أي أكلها (والدم) وما هنا من تحريم مطلق الدم مقيد بكونه مسفوحاً كما تقدم، حملاً للمطلق على المقيد، وقد ورد في السنة تخصيص الميتة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدّمان فالكبد والطحال (¬1) أخرجه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي وفي إسناده مقال، ويقويه حديث وهو الطهور ماؤه والحل ميتته " (¬2) وهو عند أحمد وأهل السنن وغيرهم وصححه جماعة منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقد أطال الشوكاني الكلام عليه في شرحه للمنتقى. (ولحم الخنزير) قيل كله نجس، وإنما خص اللحم لأنه معظم المقصود ¬

(¬1) الدارقطني 4/ 272. (¬2) صحيح الجامع 6925.

بالأكل (وما أهل لغير الله به) أي ما ذكر على ذبحه أو عند ذبحه غير اسم الله تعالى، والإهلال رفع الصوت لغير الله كان يقول باسم اللات والعزى ونحو ذلك، فحرمه الله بهذه الآية وبقوله (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه). قال شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم في الكلام على هذه الآية: إن ظاهرها أنه ما ذبح لغير الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه وقال فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم من الاستعانة بغير الله، فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه لحرم وإن قال فيه باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال لكن تجتمع في الذبيحة مانعات، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح اهـ. وكلامه في هذا الباب واسع جداً .. وكذلك كلام غيره من أهل العلم، ولا حاجة بنا هنا إلى تكرير ما قد أسلفناه في سورة البقرة من أحكام هذه الأربعة ففيه ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره. (والمنخنقة) هي التي تموت بالخنق، وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو غيره، وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها، والفرق بينهما أن الميتة تموت بلا سبب أحد والمنخنقة تموت بسبب الخنق. (والموقوذة) هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية

يقال وقذه يقذه وقذا فهو وقيذ، والوقذ شدة الضرب حتى يسترخي ويشرف على الموت وبابه وعد، وشاة موقوذة قتلت بالخشب، وفلان وقيذ أي مثخن ضرباً، وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك فيضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى تموت ثم يأكلونها. وقال ابن عبد البر: واختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبندق والحجر والمعراض، ويعني بالبندق قوس البندقية، وبالمعراض السهم الذي لا ريش له أو العصا التي رأسها محدود، قال: فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته على ما روى عن ابن عمر وهو قول مالك وأبى حنيفة أصحابه والثوري والشافعي، وخالفهم الشاميون في ذلك. قال الأوزاعي: في المعراض كُلْه خزنى أو لم يخزق فقد كان أبو الدرداء وفضالة بن عبيد وعبد الله بن عمر ومكحول لا يرون به بأساً، قال ابن عبد البر: هكذا ذكر الأوزاعي عن عبد الله بن عمر، والمعروف عن ابن عمر ما ذكر مالك عن نافع، قال: والأصل في هذا الباب والذي عليه العمل وفيه الحجة حديث عديّ بن حاتم وفيه ما أصاب بغرضه فلا تأكل فإنه وقيذ انتهى. (قلت) والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدي قال: قلت يا رسول الله إني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصاب بعرضة فإنما هو وقيذ فلا تأكله (¬1)، فقد اعتبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الخزنى وعدمه، فالحق أنه لا يحل إلا ما خزق لا ما صدم، فلا بد من التذكية قبل الموت وإلا كان وقيذاً. ¬

(¬1) مسلم 1929؛ والبخاري 141.

قال الشوكاني: وأما البنادق المعروفة الآن وهي بنادق الحديد التي يجعل فيها البارود والرصاص ويرمى بها فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها فإنها لم تصل إلى الديار اليمنية إلا في المائة العاشرة من الهجرة، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيّاً، والذي يظهر لي أنه حلال لأنها تخزنى وتدخل في الغالب من جانب منه وتخرج من الجانب الآخر وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح السابق: إذا رميت بالمعراض فخزق فكله، فاعتبر الخزق في تحليل الصيد انتهى. والحاصل أن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البنادق الجديدة التي يرمى بها بالبارود والرصاص، فإن الرصاصة يحصل بها خزق زائد على خزق السهم والرمح والسيف، ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة، ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشاً أو نحوه فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئاً يسيراً من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحو ذلك من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة، ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها. فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل من النهي عن أكل ما رمي بالبندقية، كما في رواية من حديث عدي بن حاتم عند أحمد بلفظ ولا تأكل من البندقة إلا ما ذكيت، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين فيرمى بها بعد أن تيبس. وفي صحيح البخاري قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة، وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن، وهكذا ما صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الخذف وقال: إنها لا تصيد

صيداً ولا تنكيء عدواً لكنها تكسر السن وتفقأ العين (¬1)، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحدودة إذا لم تخزق فإنه وقيذ لا يحل، وأما إذا خزقت حل. (والمتردّية) هي التي تتردى من علو كالسطح والجبل ونحوهما إلى سفل فتموت من غير فرق بين أن تردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها، والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك، وسواء تردت بنفسها أو ردّاها غيرها. (والنطيحة) هي فعيلة بمعنى مفعولة وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقال قوم: إن فعيلة بمعنى فاعلة لأن الدابتين تتناطحان فتموتان وقال نطيحة ولم يقل نطيح مع أنه قياس فعيل لأن لزوم الحذف مختص بما كان من هذا الباب صفة لوصوف مذكور، فإن لم يذكر ثبتت التاء للنقل من الوصفية إلى الإسمية، وفي القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه. (وما أكل السبع) أي ما افترسه منه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والفهد والضبع ونحوها، والمراد هنا ما أكل بعضه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني فلا حكم له، وإنما الحكم لا بقي منه، والسبع اسم يقع على كل حيوان له ناب ويعدو على الناس والدواب فيفترس بنابه، ومن العرب من يخص اسم السبع بالأسد، وكانت العرب إذا أكل السبع شاة ثم خلصوها منه أكلوها وإن ماتت ولم يذكوها. (إلا ما ذكّيتم) استثناء متصل عند الجمهور وهو راجع على ما أدركت ذكاته من المذكورات سابقاً وفيه حياة، وقال المدنيون وهو الشهور من مذهب مالك وهو أحد قولي الشافعي أنه إذا بلغ السبع منها إلى ما لا حياة معه فإنها لا تؤكل. ¬

(¬1) مسلم 1954؛ والبخاري 2046.

وحكاه في الموطأ عن زيد بن ثابت وإليه ذهب إسماعيل القاضي فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم، والأول أولى، والذكاة في كلام العرب الذبح، قاله قطرب وغيره. وأصل الذكاة في اللغة التمام أي تمام استكمال القوة، والذكاء حدة القلب وسرعة الفطنة، والذكاة ما تذكى منه النار، ومنه أذكيت الحرب والنار أوقدتهما، وذكاء اسم الشمس، والمراد هنا إلا ما أدركتم ذكاته على التمام، والتذكية في الشرع عبارة عن أنهار الدم وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقرونًا بالقصد لله وذكر اسمه عليه. وأما الآلة التي يقع بها الذكاة فذهب الجمهور إلى أن كل ما أنهر الدم وفرى الأوداج فهو آلة للذكاة ما خلا السن والعظم، وبهذا جاءت الأحاديث الصحيحة. (و) حرم (ما ذبح على النصب) أي ما قصد بذبحه النصب، ولم يذكر اسمها عند ذبحه بل قصد تعظيمها بذبحه فـ (على) بمعنى اللام فليس هذا مكرراً مع ما سبق، إذ ذاك فيما ذكر عند ذبحه اسم الصنم، وهذا قصد بذبحه تعظيم الصنم من غير ذكره، وقال ابن فارس: النصب حجر كان ينصب فيعبد وتصب عليه دماء الذبائح، والنصاب حجارة تنصب حوالي شفير البئر فتجعل عضائد، وقيل النصب جمع واحده نصاب كحمار وحمر، وقرأ الجحدري كالحبل والجمل والجمع أنصاب كالأحبال والأجمال. قال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة يذبحون عليها، وقيل كان حول الكعبة ثلثمائة وستون حجراً منصوبة قال ابن عباس: هن الأصنام المنصوبة، قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة وتنضح بالدم ما أقبل من

البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال فأنزل الله (وما ذبح على النصب). والمعنى والنية بذلك تعظيم النصب لا أن الذبح عليها غير جائز، ولهذا قيل: إن على بمعنى اللام أي لأجلها، قاله قطرب، وهو على هذا داخل فيما أُهلَّ به لغير الله وخص بالذكر لتأكيد تحريمه، ولدفع ما كانوا يظنونه من أن ذلك لتشريف البيت وتعظيمه. (وأن تستقسموا بالأزلام) وهي قداح الميسر، واحدها زلم. والأزلام للعرب ثلاثة أنواع أحدها مكتوب فيه افعل والآخر مكتوب فيه لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا فعل شيء أدخل يده وهي متشابهة فأخرج واحداً منها فإن خرج الأوّل فعل ما عزم عليه، وإن خرج الثاني تركه وإن خرج الثالث أعاد الضرب حتى يخرج واحد من الأولين. وإنما قيل لهذا الفعل استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون فعله كما يقال استسقى أي استدعى السقيا، فالاستقسام طلب القسم والنصيب والحكم من القداح، وجملة قداح الميسر عشرة وكانوا يضربون بها في المقامرة. وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج، وإنما حرم الله الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة، قال الزجاج: لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا وأخرج لطلوع نجم كذا، وأنكر ذلك في شرح التأويلات بما لا يسمن ولا يغني من جوع.

(ذلكم) إشارة إلى الاستقسام بالأزلام خاصة أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا (فسق) لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب وذلك حرام لقوله تعالى (وما تدري نفس ماذا تكسب غداً) وقال (لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله) والفسق الخروج من الحد، وقد تقدم بيان معناه، وفي هذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر. (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم) المراد باليوم الذي نزلت فيه الآية هو يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع، وقيل سنة ثمان، وقيل إن ذلك هو يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم واقف بعرفة، وقيل المراد باليوم الحاضر وما يتصل به ولم يرد يوماً معيناً أي حصل لهم اليأس من إبطال أمر دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون، واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع. (فلا تخشوهم) أي لا تخافوا الكفار أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم فقد زال الخوف عنكم بإظهار دينكم (وآخشون) فأنا القادر على كل شيء إن نصرتكم فلا غالب لكم، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم. (اليوم) المراد يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب، وقيل نزلت في يوم الحج الأكبر، وقال ابن عباس: نزلت في يوم عيدين، في يوم جمعة وعرفة أخرجه الترمذي وقال حسن غريب. (أكملت لكم دينكم) أي جعلته كاملاً غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه، والفرائض والسنن والحدود والأحكام وما تضمنه

الكتاب والسنة من ذلك، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله (لكم). قال الجمهور: المراد بالإكمال هنا نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم قالوا: وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية الكلالة ونحوهما، وقيل لم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، هذا معنى قول ابن عباس. قال سعيد بن جبير وقتادة: معناه أي حيث لم يحج معكم مشرك وخلا الموسم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمسلمين، وقيل إكماله أنه لا يزول ولا ينسخ ويبقى إلى آخر الدهر، وقيل المعنى أنهم آمنوا بكل نبي وكل كتاب ولم يكن هذا لغير هذه الأمة، وقال ابن الأنباري: اليوم أكملت شرائع الإسلام على غير نقصان كان قبل هذا الوقت. وهذه أقوال ضعيفة ولا معنى للإكمال إلا وفاء النصوص بما يحتاج إليه الشرع إما بالنص على كل فرد فرد أو باندراج ما يحتاج إليه تحت العمومات الشاملة. ومما يؤدي ذلك قوله تعالى ميه (ما فرّطنا في الكتاب من شيء) وقوله (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: تركتكم على الواضحة ليلها كنهارها (¬1) وجاءت نصوص الكتاب العزيز بإكمال الدين وبما يفيد هذا المعنى ويصحح دلالته ويؤيد برهانه. ويكفي في دفع الرأي وأنه ليس من الدين قول الله تعالى هذا فإنه إذا كان الله قد أكمل دينه قبل أن يقبض إليه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فما هذا الرأي الذي أحدثه أهله بعد أن أكمل الله دينه لأنه إن كان من الدين في ¬

(¬1) الموطأ الحدود باب 10.

اعتقادهم فهو لم يكمل عندهم إلا برأيهم، وهذا فيه ردّ للقرآن، وإن لم يكن من الدين فأي فائدة في الإشتغال بما ليس منه وما ليس منه فهو رد بنص السنة المطهرة كما ثبت في الصحيح. وهذه حجة قاهرة ودليل باهر لا يمكن أهل الرأي أن يدفعوه بدافع أبداً، فاجعل هذه الآية الشريفة أول ما تصكّ به وجوه أهل الرأي وترغم به آنافهم وتدحض به حجتهم فقد أخبرنا الله في محكم كتابه أنه أكمل دينه ولم يمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بعد أن أخبرنا بهذا الخبر عن الله عز وجل، فمن جاء بشيء من عند نفسه وزعم أنه من ديننا قلنا له إن الله أصدق منك، ومن أصدق من الله قيلاً، إذهب لا حاجة لنا في رأيك. وليت المقلِدة فهموا هذه الآية حق الفهم حتى يستريحوا ويريحوا، وقد أخبرنا في محكم كتابه أن القرآن أحاط بكل شيء فقال ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال (تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة) ثم أمر عباده بالحكم بكتابه فقال (وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم) وقال نتحكم بين الناس بما أراك وقال (إن الحكم إلا لله يقصّ الحق وهو خير الفاصلين) وقال (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وفي آية هم الظالمون وفي أخرى هم الفاسقون. وأمر عباده أيضاً في محكم كتابه باتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وهذه أعم آية في القرآن وأبينها في الأخذ بالسنة المطهرة، وقال (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز وقال (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) وقال (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

والاستكثار من الاستدلال على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله لا يأتي بعائدة ولا فائدة زائدة فليس أحد من المسلمين يخالف في ذلك، ومن أنكره فهو خارج عن حزب المسلمين. إنّما أوردنا هذه الآيات الكريمة والبينات العظيمة تلييناً لقلب المقلّد الذي قد جمد وصار كالجلمد فإنه إذا سمع مثل هذه الأوامر القرآنية ربما امتثلها وأخذ دينه من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - طاعة لأوامره، فإن هذه الطاعة وإن كانت معلومه لكل مسلم لكن الإنسان قد يذهل عن القوارع الفرقانية والزواجر المحمدية، فإذا ذُكّر بها ذكر، ولا سيما من نشأ على التقليد وأدرك سلفه ثابتين عليه غير متزحزحين عنه فإنه يقع في قلبه أن دين الإسلام هو هذا الذي هو عليه، وما كان مخالفاً له فليس من الإسلام في شيء، فإذا راجع نفسه رجع. ولهذا تجد الرجل إذا نشأ على مذهب من هذه المذاهب ثم سمع قبل أن يتمرن بالعلم ويعرف ما قاله الناس خلاف ذلك المألوف استنكره وأباه قلبه، ونفر عنه طبعه، وقد رأينا وسمعنا من هذا الجنس ما لا يأتي عليه الحصر. ولكن إذا وازن العاقل بعقله بين من اتبع أحد أئمة المذاهب في مسئلة من مسائله التي رواها عنه المقلد، ولا مستند لذلك العالم فيها بل قالها بمحض الرأي لعدم وقوفه على الدليل، وبين من تمسك في تلك المسئلة بخصوصها بالدليل الثابث في القرآن أو السنة أفاده العقل بأن بينهما مسافات تنقطع فيها أعناق الإبل لا جامع بينهما لأن من تمسك بالدليل أخذ بما أوجب الله عليه الأخذ به، واتبع ما شرعه الشارع لجميع الأمة أولها وآخرها وحيّها وميتها. والعالم يمكنه الوقوف على الدليل من دون أن يرجع إلى غيره، والجاهل يمكنه الوقوف على الدليل بسؤال علماء الشريعة واسترواء النص، وكيف حكم الله في محكم كتابه أو على لسان رسوله في تلك المسئلة، فيفيدونه النص إن

كان ممن يعقل الحجة إذا دل عليها أو يفيدونه مضمون النص بالتعبير عنه بعبارة يفهمها، فهم رواة وهو مسترو، وهذا عامل بالرواية لا بالرأي، والمقلد عامل بالرأي لا بالرواية لأنه يقبل قول الغير من دون أن يطالبه بحجة، وذلك في سؤاله يطالب بالحجة لا بالرأي فهو قابل لرواية الغير لا لرأيه، وهما من هذه الحيثية متقابلان، فانظر كم الفرق بين المنزلتين. والكلام في ذلك يطول ويستدعي استغراق الأوراق الكثيرة وهو مبسوط في مواطنه، وفيما ذكرناه مقنع وبلاغ وبالله التوفيق. وفي الآية دلالة على بطلان القياس، وعلى أنه تعالى قد نص على الحكم في جميع الوقائع إذ لو بقي بعضها غير مبيّن الحكم لم يكن الدين كاملاً، وإذا حصل النص في جميع الوقائع فالقياس إن كان على وفق النص كان عبثاً، وإن كان على خلافه كان باطلاً، وقد أجاب مثبتو القياس عن هذا بما لا يكفي في الجواب والله أعلم بالصواب. (وأتممت عليكم نعمتي) بإكمال الدين المشتمل على الأحكام وبفتح مكة وقهر الكفار وإياسهم عن الظهور عليكم كما وعدتكم بقولي ولأتم نعمتي عليكم، وقال ابن عباس: حكم لهم بدخول الجنة. (ورضيت لكم الإسلام ديناً) أي أخبرتكم برضائي به لكم، فالجملة مستأنفة لا معطوفة على (أكملت) وإلا كان مفهوم ذلك أنه لم يرض لهم الإسلام ديناً قبل ذلك، وليس كذلك فإنه سبحانه لم يزل راضياً لأمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإسلام، فلا يكون لاختصاص الرضا بهذا اليوم كثير فائدة إن حملناه على ظاهره. ويحتمل أن يريد رضيت لكم الإسلام الذي أنتم عليه اليوم ديناً باقياً إلى

انقضاء أيام الدنيا، وديناً منتصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، قال ابن عباس: أخبر الله نبيه والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان فلا يحتاجون إلى زيادة أبداً، وقد أتمه فلا ينقص أبداً، وقد رضيه فلا يسخطه أبداً. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن طارق بن شهاب قال: قالت اليهود لعمر إنكم تقرؤن آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال وأي آية قالوا (اليوم أكملت لكم دينكم) قال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والساعة التي نزلت فيها نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشية عرفة في يوم الجمعة، أشار عمر إلى أن ذلك اليوم يوم عيد لنا. قال ابن عباس: فمكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية أحداً وثمانين يوماً ثم قبضه الله إليه، أخرجه البيهقي ومات - صلى الله عليه وسلم - يوم الأثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، وقيل لاثنتي عشرة ليلة وهو الأصح سنة إحدى عشرة من الهجرة. قال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد يوم الجمعة ويوم عرفة وعيد لليهود وعيد للنصارى وعيد للمجوس، ولم تجتمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده. (فمن اضطر في مخمصة) هذا متصل بذكر المحرمات، وما بينهما اعتراض أي من دعته الضرورة في مخمصة أي مجاعة إلى أكل الميتة وما بعدها من المحرمات، والخمص ضمور البطن، ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة ومنه أخمص القدم لدقتها وهي صفحة محمودة في النساء، ويستعمل كثيراً في الجوع، ووقعت هذه الآية هنا وفي البقرة والأنعام والنحل ولم يذكر جواب الشرط إلا في البقرة فيقدر في غيرها وهو (فلا إثم عليه).

(غير متجانف لإثم) الجنف الميل والإثم الحرام، أي حال كون المضطر في مخمصة غير مائل لإثم وهو بمعنى غير باغ ولا عاد وكل مائل فهو متجانف وجنف، وقرئ متجنّف وهو أن يأكل فوق الشبع وهو قول فقهاء العراق، قال ابن عطية: وهو أبلغ من متجانف، وقيل المعنى غير متعرض لمعصية في مخمصة وهو قول فقهاء الحجاز، وقال ابن عباس: غير متعمّد لإثم (¬1). (فإن الله غفور) له (رحيم) به لا يؤاخذه بما ألجأته إليه الضرورة في الجوع مع عدم ميله بأكل ما حرم عليه إلى الإثم بأن يكون باغياً على غيره أو متعدياً لما دعت إليه الضرورة حسبما تقدم. وهذه الآية من تمام ما تقدم ذكره في المطاعم التي حرمها الله تعالى ومتصلة بها، ومن قوله (ذلكم فسق) إلى هنا اعتراض وقع بين الكلامين، والغرض منه تأكيد ما تقدم ذكره في معنى التحريم لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل. ¬

(¬1) وفي " المسند " 8/ 170 و " صحيح ابن حبان " عن ابن عمر مرفوعاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله يحب أن تؤتي رخصه، كما يكره أن تؤتي معصيته " لفظ ابن حبان. [قلت: وفي " المجمع " 3/ 162 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، والبزار والطبراني في " الأوسط " وإسناده حسن] وفي لفظ لأحمد 7/ 238 " من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة ". ولهذا قال الفقهاء: قد يكون تناول الميتة واجباً في بعض الأحيان، وهو ما إذا خاف على نفسه ولم يجد غيرها وقد يكون مندوباً، وقد يكون مباحاً، بحسب الأحوال. وقد روى الإمام أحمد 5/ 218 عن أبي واقد الليثي، أنهم قالوا: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا بها المخمصة فمتى تحل لنا بها الميتة؟ فقال: " إذا لم تصطحبوا، ولم تغتبقوا، ولم تحتفئوا بقلاً، فشأنكم بها ". تفرد به أحمد من هذا الوجه.

4

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (4) (يسألونك ماذا أحلّ لهم) هذا شروع في بيان ما أحل الله لهم من الطعام بعد بيان ما حرمه الله عليهم، والمعنى أي شيء أحل لهم أو ما الذي أحل لهم من المطاعم إجمالاً ومن الصيد ومن طعام أهل الكتاب ومن نسائهم. (قل أحل لكم الطيبات) وهي ما يستلذ أكله ويستطيبه أصحاب الطباع السليمة مما أحله الله لعباده أو مما لم يرد نص بتحريمه من كتاب أو سنة أو إجماع عند من يقول بحجيته ولا قياس كذلك، وقيل هي الحلال وقد سبق الكلام في هذا، وقيل الطيبات الذبائح أي ما ذبح على اسم الله عز وجل لأنها طابت بالتذكية وهو تخصيص للعام بغير مخصص، والسبب والسياق لا يصلحان لذلك. والعبرة في الاستطابة والاستلذاذ بأهل الروءة والأخلاق الجميلة من العرب فإن أهل البادية منهم يستطيبون أكل جميع الحيوانات فلا عبرة بهم لقوله تعالى (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) فإن الخبيث غير مستطاب فصارت هذه الآية الكريمة نصاً فيما يحل ويحرم من الأطعمة. (وما علّمتم من الجوارح) أي أحل لكم صيد ما علمتم، وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية علمتم بضم العين وكسر اللام أي علمتم من أمر الجوارح والصيد بها. قال القرطبي: وقد ذكر بعض من صنف في أحكام القرآن أن الآية تدل

على أن الإباحة تناولت ما علمنا من الجوارح وهو ينظم الكلب وسائر جوارح الطير، وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع فدل على جواز بيع الكلب والجوارح والانتفاع بها بسائر وجوه المنافع إلا ما خصه الدليل، وهو الأكل، والجوارح الكواسب من الكلاب، وسباع الطير. قال: أجمعت الأمة على أن الكلب إذا لم يكن أسود وعلمه مسلم ولم يأكل من صيده الذي صاده وأثّر فيه بجرح أو تنييب وصاد به مسلم، وذكر اسم الله عند إرساله، أن صيده صحيح يؤكل بلا خلاف، فإن انخرم شرط من هذه الشروط دخل الخلاف. فإن كان الذي يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبه ذلك وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد بعد التعليم فهو جارح كاسب، يقال جرح فلان واجترح إذا اكتسب، ومنه الجارحة لأنها يكتسب بها، ومنه اجتراح السيئات، ومنه قوله تعالى (ويعلم ما جرحتم بالنهار) وقوله (أم حسب الذين اجترحوا السيئات). (مكلّبين) المكلب معلم الكلاب لكيفية الاصطياد ومؤدبها ومضريها بالصيد، وخص معلم الكلاب وإن كان معلم سائر الجوارح مثله لأن الاصطياد بالكلاب هو الغالب. ولم يكتف بقوله (وما علّمتم من الجوارح) مع أن التكليب هو في اللغة التعليم، لقصد التأكيد لما لا بد منه من التعليم، وفسره في الجلالين بالإرسال فليتأمل مستنده في هذا التفسير، والتفاسير فسرته بالتعليم. وفائدة التقييد المبالغة في التعليم لما أن اسم المكلّب لا يقع إلا على التحرير في علمهم، وقيل إن السبع يسمى كلباً فيدخل فيه كل سبع يصاد به لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم سلط عليه كلباً من كلابك، قال في

الكشاف فأكله الأسد، قال الطيبي: هذا حديث موضوع قال الخفاجي وليس كما قال بل هو حديث صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك من حديث أبي نوفل قال الحاكم وهو صحيح الإسناد. (¬1). (قلت) وليس لحكم الحاكم بالصحة حكم عند الحفاظ ما لم يحكم ناقد منهم بصحته فلينظر في سنده وقيل إن هذه الآية خاصة بالكلاب، وقد حكى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال ما يصاد بالبزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فهو لك حلال وإلا فلا تطعمه. قال ابن المنذر: وسئل أبو جعفر عن البازي هل يحل صيده قال: لا إلا أن تدرك ذكاته، وقال الضحاك والسدي وما علمتم من الجوارح مكلبين هي الكلاب خاصة، فإن كان الكلب الأسود بهيماً فكرّه صيده الحسن وقتادة والنخعي، وقال أحمد: ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً، وبه قال ابن راهويه، فأما عامة أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم. واحتج من منع من صيد الكلب الأسود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: الكلب الأسود شيطان (¬2)، أخرجه مسلم وغيره، والحق أنه يحل صيد كل ما يدخل تحت عموم الجوارح من غير فرق بين الكلب وغيره، وبين الأسود وغيره، وبين الطير وغيره، ويؤيد هذا أن سبب نزول الآية سؤال عدي ابن أبي حاتم عن صيد البازي. (تعلّمونهن) أي تعلمون الجوارح الاصطياد وتؤدبوهن، والجملة مستأنفة أو حالية ومنعه أبو البقاء أو اعتراضيه (مما) أي من آداب الصيد ¬

(¬1) المستدرك 2/ 539. (¬2) مسلم/510.

(علمكم الله) أي مما أدركتموه بما خلقه فيكم من العقل الذي تهتدون به إلى تعليمها وتدريبها حتى تصير قابلة لإمساك الصيد عند إرسالكم لها. (فكلوا مما أمسكن عليكم) الفاء للتفريع والجملة متفرعة على ما تقدم من تحليل صيد ما علموه من الجوارح، ومن في (مما) للتبعيض لأن بعض الصيد لا يؤكل كالجلد والعظم والدم والفرث وما أكله الكلب ونحوه، وفيه دليل على أنه لا بد أن يمسكه على صاحبه فإن أكل منه فإنما أمسكه على نفسه، في الحديث كما الثابت في الصحيح. وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحل أكل الصيد الذي يقصده الجارح من تلقاء نفسه من غير إرسال. وقال عطاء بن أبي رباح والأوزاعي وهو مروي عن سلمان الفارسي وسعد ابن أبي وقاص وأبي هريرة وعبد الله بن عمر وروي عن علي وابن عباس والحسن البصري والزهري وربيعة بن مالك والشافعي في القديم أنه يؤكل صيده. ويرد عليهم قوله تعالى (مما أمسكن عليكم) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعدي بن حاتم: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك (¬1)، وهو في الصحيحين وغيرهما، وفي لفظ لهما فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه. وأما ما أخرجه أبو داود بإسناد جيد من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه (¬2)، وقد أخرجه أيضاً بإسناد جيد من حديث عمرو بن ¬

(¬1) مسلم 1929. (¬2) صحيح الجامع 311.

شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه أيضاً النسائي (¬1)، فقد جمع بعض الشافعية بين هذه الأحاديث بأنه إن أكل عقب ما أمسكه فإنه يحرم لحديث عدي بن أبي حاتم، وإن أمسكه ثم انتظر صاحبه فطال عليه الانتظار وجاع فأكل من الصيد لجوعه لا لكونه أمسكه على نفسه فإنه لا يؤثّر ذلك ولا يحرم به الصيد، وحملوا على ذلك حديث أبي ثعلبة الخشني وحديث عمرو بن شعيب، وهذا جمع حسن. وقال آخرون أنه إذا أكل الكلب منه حرم لحديث عدي بن حاتم، وإن أكل غيره لم يحرم للحديثين الآخرين وقيل يحمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا أمسكه وخلاه، ثم عاد فأكل منه، وقد سلك كثير من أهل العلم طريق الترجيح ولم يسلكوا طريق الجمع لما فيها من البعد، قالوا وحديث عدي بن حاتم أرجح لكونه في الصحيحين، وقد قرر الشوكاني هذا المسلك في شرحه للمنتقى بما يزيد الناظر فيه بصيرة. (واذكروا اسم الله عليه) الضمير في عليه يعود إلى (ما علّمتم) أي سموا عليه عند إرساله أو لما أمسكن عليكم أي سموا عليه إذا أردتم ذكاته، وقيل يعود على المصدر المفهوم من الفعل وهو الأكل كأنه قيل اذكروا اسم الله على الأكل وفيه بعد. وقد ذهب الجمهور إلى وجوب التسمية عند إرسال الجارح واستدلوا بهذه الآية، ويؤيده حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ: إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله وإذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله (¬2). وقال بعض أهل العلم أن المراد التسمية عند الأكل، قال القرطبي: وهو ¬

(¬1) البخاري/141. (¬2) زاد المسير/294.

الأظهر، واستدلوا بالأحاديث التي فيها الإرشاد إلى التسمية وهذا خطأ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد وقّت التسمية بإرسال الكلب وإرسال السهم. ومشروعية التسمية عند الأكل حكم آخر ومسئلة غير هذه المسئلة، فلا وجه لحمل ما ورد في الكتاب والسنة هنا على ما ورد في التسمية عند الأكل، ولا ملجئ إلى ذلك. وفي لفظ في الصحيحين من حديث عدي: إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ فكل (¬1)، وقد ذهب جماعة إلى أن التسمية شرط، وذهب آخرون إلى أنها سنة فقط، وذهب جماعة إلى أنها شرط على الذاكر لا الناسي، وهذا أقوى الأقوال وأرجحها (واتقوا الله) فيما أحل لكم وحرم عليكم واحذروا مخالفة أمره في هذا كله (إن الله سريع الحساب) أي حسابه سبحانه سريع إتيانه وكل آت قريب، وفيه تخويف لمن خالف أمره وفعل ما نهى عنه. ¬

(¬1) عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب -حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فتقتله، ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قتلها وقال: " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " وروى أبو داود 3/ 144، والدارمي 2/ 90 عن عبد الله بن مغفل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها كلها، فاقتلوا منها كل أسود بهيم ". هذا تحقيق المذهب وروى البخاري 21/ 92 " بشرح العيني " ومسلم 3/ 1531 عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أرسل كلبي وأسمي. قال: " إن أرسلت كلبك وسميت فأخذ، فقتل، فكل، وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ". قلت: إني أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر، لا أدري أيهما أخذ؟ قال: " فلا تأكل فإنما سميت على كلبك، ولم تسم على غيره ".

5

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5) (اليوم أحلّ لكم الطيّبات) هذه الجملة مؤكدة للجملة الأولى وهي قوله: (أحل لكم الطيبات) وقد تقدم بيان الطيبات، ويحتمل أن يراد باليوم اليوم الذي أنزلت فيه أو اليوم الذي تقدم ذكره في قوله: (اليوم يئس، واليوم أكملت) وقيل ليس المراد باليوم يوماً معيناً. وقال أبو السعود: المراد بالأيام الثلاثة وقت واحد، وإنما كرر للتأكيد ولاختلاف الأحداث الواقعة فيه حسن تكريره، وقال القرطبي: أعاد ذكر اليوم تأكيداً، وقيل أشار بذكر اليوم إلى وقت محمد، كما تقول هذه أيام فلان أي هذا أوان ظهوركم انتهى، وفيه بعد. (وطعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم) بخلاف الذين تمسكوا بغير التوراة والإنجيل كصحف إبراهيم فلا تحل ذبائحهم، والحاصل أن حل الذبيحة تابع لحل المناكحة على التفصيل المقرر في الفروع، والطعام اسم لما يؤكل ومنه الذبائح وذهب أكثر أهل العلم إلى تخصيصه هنا بالذبائح، ورجحه الخازن. وفي هذه الآية دليل على أن جميع طعام أهل الكتاب من غير فرق بين اللحم وغيره حلال للمسلمين وإن كانوا لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، وتكون هذه الآية مخصصة لعموم قوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه)

وظاهر هذا أن ذبائح أهل الكتاب حلال وإن ذكر اليهودي على ذبيحته اسم عزير، وذكر النصراني على ذبيحته اسم المسيح، وإليه ذهب أبو الدرداء وعبادة ابن الصامت وابن عباس والزهري وربيعة والشعبي ومكحول. وقال علي وعائشة وابن عمر: إذا سمعت الكتابي يسمي غير الله فلا تأكل، وهو قول طاوس والحسن وتمسكوا بقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) ويدل عليه أيضاً قوله: (وما أهلّ به لغير الله). وقال مالك: إنه يكره ولا يحرم، وسئل الشعبي وعطاء عنه فقالا يحل فإن الله قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون. فهذا الخلاف إذا علمنا أن أهل الكتاب ذكروا على ذبائحهم اسم غير الله، وأما مع عدم العلم فقد حكى الطبري وابن كثير الإجماع على حلها لهذه الآية، ولما ورد في السنة من أكله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة المصلية التي أهدتها إليه اليهودية وهو في الصحيح، وكذلك جراب الشحم الذي أخذه بعض الصحابة من خيبر وعلم بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الصحيح أيضاً وغير ذلك. والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، وقيل ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما من دخل بعده وهم متنصّرو العرب من بني تغلب فلا تحل ذبيحتهم، وبه قال علي وابن مسعود ومذهب الشافعي أن من دخل في دين أهل الكتاب بعد نزول القرآن فإنه لا تحل ذبيحته. وسئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب فقال لا بأس بها ثم قرأ (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وبه قال الحسن وعطاء بن أبي رباح والشعبي

وعكرمة وهو مذهب أبي حنيفة. وأما المجوس فذهب الجمهور إلى أنها لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم لأنهم ليسوا بأهل كتاب على المشهور عند أهل العلم، وكذا سائر أهل الشرك من مشركي العرب وعبدة الأصنام ومن لا كتاب له، وخالف ذلك أبو ثور وأنكر عليه الفقهاء ذلك حتى قال أحمد: أبو ثور كاسمه في هذه المسئلة. وكأنه تمسك بما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلاً أنه قال في المجوس " سُنّوا بهم سنة أهل الكتاب " ولم يثبت بهذا اللفظ، وعلى فرض أن له أصلاً ففيه زيادة تدفع ما قاله وهي قوله " غير آكلي ذبائحهم ولا ناكحي نسائهم " وقد رواه بهذه الزيادة جماعة ممن لا خبرة له بفن الحديث من المفسرين والفقهاء، ولم يثبت الأصل ولا الزيادة بل الذي ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس هجر. وأما بنو تغلب فكان علي بن أبي طالب ينهى عن ذبائحهم لأنهم عرب، وكان يقول إنهم لم يتمسكوا بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر، وهكذا سائر العرب المتنصرة كتنوخ وجذام ولخم وعاملة ومن أشبههم، قال ابن كثير (¬1) وهو قول غير واحد من السلف والخلف. وروي عن سعيد بن المسيب والحسن البصري أنهما كانا لا يريان بأساً بذبيحة نصارى بني تغلب، وقال القرطبي وقال جمهور الأمة: إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو من غيرهم وكذلك اليهود قال ولا خلاف بين العلماء أن ما لا يحتاج إلى ذكاة كالطعام يجوز أكله، وزعم قوم أن هذه الآية اقتضت إباحة ذبائح أهل الكتاب مطلقاً وإن ذكروا غير اسم الله ¬

(¬1) تفسير ابن كثير 2/ 20.

فيكون هذا ناسخاً لقوله: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) وليس الأمر كذلك ولا وجه للنسخ. (وطعامكم حل لهم) أي وطعام المسلمين حلال لأهل الكتاب، وفيه دليل على أنه يجوز للمسلمين أن يطعموا أهل الكتاب من ذبائحهم، وهذا من باب المكافأة والمجازاة، وإخبار المسلمين بأن ما يأخذونه منهم من أعواض الطعام حلال لهم بطريق الدلالة الالتزامية، وهذا يدل على أنهم مخاطبون بشريعتنا. قال الزجاج: معناه ويحل لكم أن تطعموهم من طعامكم، فجعل الخطاب للمؤمنين على معنى أن التحليل يعود على إطعامنا إياهم لا إليهم لأنه لا يمتنع أن يحرم الله تعالى أن نطعمهم من ذبائحنا، وقيل: إن الفائدة في ذكر ذلك أن إباحة المناكحة غير حاصلة من الجانبين، وإباحة الذبائح حاصلة فيهما، فذكر الله ذلك تنبيهاً على التمييز بين النوعين. ثم قال: (والمحصنات من المؤمنات) اختلف في تفسير المحصنات هنا فقيل العفائف قاله ابن عباس، وقيل الحرائر، قاله مجاهد، وقد تقدم الكلام في هذا مستوفى في البقرة والنساء، والمحصنات مبتدأ ومن المؤمنات وصف له والخبر محذوف أي حل لكم (¬1). وذكرهن توطئة وتمهيداً لقوله (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ¬

(¬1) في " الأم " للشافعي 5/ 6 " ولا يحل نكاح حرائر من دان من العرب دين اليهودية والنصرانية، لأن أصل دينهم كان الحنيفية، ثم ضلوا بعبادة الأوثان، وإنما انتقلوا إلى دين أهل الكتاب بعده، لا بأنهم كانوا الذين دانوا بالتوراة والإنجيل فضلوا عنها وأحدثوا فيها، إنما ضلوا عن الحنيفية ولم يكونوا كذلك، لا تحل ذبائحهم، وكذلك كل أعجمي كان أصل دين من مضى من آبائه عبادة الأوثان ولم يكن من أهل الكتابين المشهورين، التوراة والإنجيل، فدان دينهم، لم يحل نكاح نسائهم ".

قبلكم) والمراد به الحرائر، قاله ابن عباس دون الإماء فلا تدخل الأمة المؤمنة في هذا التحليل، ومن أجاز نكاحهن أجازه بشرطين: خوف العنت وعدم طَوْل الحرة، هكذا قال الجمهور، وحكى ابن جرير عن طائفة من السلف أن هذه الآية تعم كل كتابية حرة أو أمة. وقال الحسن والشعبي والنخعي والضحاك يريد العفائف، قيل المراد بأهل الكتاب هنا الإسرائيليات وبه قال الشافعي وهو تخصيص بغير المخصص، وقال عبد الله بن عمر لا تحل النصرانية قال: ولا أعلم شركاً أكبر من أن تقول ربها عيسى، وقد قال الله تعالى: (ولا تنكحوا الشركات حتى يؤمنَّ) الآية. ويجاب عنه بأن هذه الآية للكتابيات من عموم الشركات فيبنى العام على الخاص. وقد استدل من حرّم نكاح الإماء الكتابيات بهذه الآية لأنه حملها على الحرائر، وبقوله تعالى: (فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) وقد ذهب إلى هذا كثير من أهل العلم، وخالفهم من قال إن الآية تعم أو تخص العفائف كما تقدم. والحاصل أنه يدخل تحت هذه الآية الحرة العفيفة من الكتابيات على جميع الأقوال إلا على قول ابن عمر في النصرانية، ويدخل تحتها الحرة التي ليست بعفيفة، والأمة العفيفة على قول من يقول إنه يجوز استعمال المشترك في كلا معنييه. وأما من لم يجوز ذلك فإن حمل المحصنات هنا على الحرائر لم يقل بجواز نكاح الأمة عفيفة كانت أو غير عفيفة إلا بدليل آخر، ويقول بجواز نكاح

ْالحرة عفيفة كانت أو غير عفيفة، وإن حمل المحصنات هنا على العفائف قال: بجواز نكاح الحرة العفيفة والأمة العفيفة دون غير العفيفة منهما، ومذهب أبي حنيفة أنه يجوز التزويج بالأمة الكتابية لعموم هذه الآية. (إذا آتيتموهن أجورهن) أي مهورهن وهو العوض الذي يبذله الزوج للمرأة، وجواب إذا محذوف أي فهن حلال أو هي ظرف لخبر المحصنات المقدر أي حل لكم، وهذا الشرط بيان للأكمل والأولى لا لصحة العقد إذ لا تتوقف على دفع المهر ولا على التزامه كما لا يخفى. (محصنين) أي حال كونكم اعفّاء بالنكاح وكذا قوله (غير مسافحين) أي غير مجاهرين بالزنا (ولا متخذي أخدان) الخدان يقع على الذكر والأنثى وهو الصديق في السر، والجمع أخدان أي لم يتخذوا معشوقات، فقد شرط الله في الرجال العفة وعدم المجاهرة بالزنا وعدم اتخاذ أخدان كما شرط في النساء أن يكن محصنات. (ومن يكفر بالإيمان) أي بشرائع الإسلام والباء بمعنى عن أي يرتد، والمراد بالكفر هنا الارتداد (فقد حبط عمله) أي بطل فلا يعتد به ولو عاد إلى الإسلام ولا يثاب عليه (وهو في الآخرة من الخاسرين) إذا مات عليه، يعني أن تزوُّج المسلمين إياهن ليس بالذي يخرجهن من الكفر.

6

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) أي إذا أردتم القيام تعبيراً بالسبّب عن السبب كما في قوله (وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) لأن القيام متسبب عن الإرادة والإرادة سببه، والمراد بالقيام الاشتغال بها والتلبس بها من قيام أو غيره. وقد اختلف أهل العلم في هذا الأمر عند إرادة القيام إلى الصلاة فقالت طائفة هو عام في كل قيام إليها سواء كان القائم متطهراً أو محدثاً فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وهو مروي عن علي وعكرمة، وهذا القول يقتضي وجوب الوضوء عند كل صلاة وهو ظاهر الآية، وإليه ذهب داود الظاهري، قال ابن سيرين: كان الخلفاء يتوضؤن لكل صلاة. وقال طائفة أخرى: إن هذا الأمر خاص بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو ضعيف، فإن الخطاب للمؤمنين والأمر لهم، وقالت طائفة: الأمر للندب طلباً للفضل، وقال آخرون إن الوضوء لكل صلاة كان فرضاً عليهم بهذه الآية ثم نسخ في فتح مكة.

وقال جماعة: هذا الأمر خاص بمن كان محدثاً، وقال آخرون: المراد إذا قمتم من النوم إلى الصلاة فيعم الخطاب كل قائم من نوم، وقد أخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن بريدة قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح توضأ ومسح على خفيه وصلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: يا رسول الله إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله فقال: عمداً فعلته يا عمر، وهو مروي من طرق كثيرة بألفاظ متفقة في المعنى (¬1). وأخرج البخاري وأحمد وأهل السنن عن عمرو بن عامر الأنصاري سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يتوضأ عند كل صلاة قال: قلت فأنتم كيف كنتم تصنعون؟ قال: كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث. فتقرر بما ذكر أن الوضوء لا يجب إلا على المحدث، وبه قال جمهور أهل العلم وهو الحق، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق أربع صلوات بوضوء واحد، وفي الباب أحاديث، والتقدير إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم على غير طهر، وهذا أحد اختصارات القرآن وهو كثير جداً. وفروض الوضوء في هذه الآية أربعة: الأول قوله: (فاغسلوا وجوهكم) الوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهو عضو مشتمل على أعضاء وله طول وعرض، فحدُّه في الطول من مبتدأ سطح الجبهة إلى منتهى اللَّحيَين، وفي العرض من الأذن إلى الأذن، وقد ورد الدليل بتخليل اللحية، واختلف العلماء في غسل ما استرسل، والكلام في ذلك مبسوط في مواطنه. ¬

(¬1) مسلم/277.

وقد اختلف أهل العلم أيضاً هل يعتبر في الغسل الدلك باليد أم يكفي إمرار الماء والخلاف في ذلك معروف، والمرجع اللغة العربية فإن ثبت فيها أن الدلك داخل في مسمى الغسل كان معتبراً وإلا فلا. قال في شمس العلوم: غسل الشيء غسلاً إذا أجرى عليه الماء ودلكه انتهى. وأما المضمضة والإستنشاق فإذا لم يكن لفظ الوجه يشمل باطن الفم والأنف فقد ثبت غسلهما بالسنة الصحيحة، والخلاف في الوجوب وعدمه معروف، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في مؤلفاته. وقد استدل الشافعي على وجوب النية عند غسل الوجه بهذه الآية وبقوله: إنما الأعمال بالنيات (¬1) لأن الوضوء مأمور به وكل مأمور به يجب أن يكون منويّاً، ويدل له قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) والإخلاص عبارة عن النية الصالحة. واستدل أبو حنيفة بها لعدم وجوب النية فيه لأن الله أوجب غسل الأربعة في هذه الآية ولم يجب النية فيها فإيجابها زيادة على النص وهي نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس. والجواب أن إيجابها بدلالة القرآن كما تقدم، والجواب عن الزيادة والنسخ قد ذكرناه في حصول المأمول فليرجع إليه. والفرض الثاني قوله: (وأيديكم إلى المرافق) إلى للغاية وأما كون ما بعدها يدخل فيما قبلها فمحل خلاف، وقد ذهب سيبويه وجماعة إلى أن ما ¬

(¬1) البخاري 11 مسلم/1907.

بعدها إن كان من نوع ما قبلها دخل وإلا فلا، ويعزى لأبي العباس، وقيل إنها بمعنى (مع) وذهب قوم إلى أنها تفيد الغاية مطلقاً، وأما الدخول وعدمه فأمر يدور مع الدليل. وقيل إن ما بعدها لا يدخل فيما قبلها، قال سليمان الجمل وهو الأصح عند النحاة انتهى، وهذه الأقوال دلائلها في كتاب شرح التسهيل. وقد ذهب الجمهور إلى أن المرافق تغسل واستدلوا بما أخرجه الدارقطني والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه (¬1)، وفيه القاسم وهو متروك وجده عبد الله بن محمد وهو ضعيف، والمرفق بالكسر هو من الإنسان أعلى الذراع وأسفل العضد. والفرض الثالث (وامسحوا برؤوسكم) قيل الباء زائدة والمعنى امسحوا رؤوسكم وذلك يقتضي تعميم المسح لجميع الرأس، وقيل هي للتبعيض وذلك يقتضي أنه يجزئ مسح بعضه، واستدل القائلون بالتعميم بقوله تعالى في التيمم: (فامسحوا بوجوهكم) ولا يجزئ فيه مسح بعض الوجه اتفاقاً، وقيل إنها للإلصاق أي ألصقوا أيديكم برؤوسكم وهو مذهب سيبويه وبه قال الزمخشري لكن في شرح المهذب عن جماعة من أهل العربية أن الباء إذا دخلت على متعدد كما في الآية تكون للتبعيض، أو على غير متعدد كما في (وليطّوفوا بالبيت) تكون للإلصاق. وعلى كل حال فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أنه يكفي مسح بعض الرأس كما أوضحناه في مؤلفاتنا، فكان هذا دليل على المطلوب، غير محتمل كاحتمال الآية على فرض أنها محتملة. ¬

(¬1) الدارقطني 1/ 83.

ولا شك أن من أمر غيره بأن يمسح رأسه كان ممتثلاً بفعل ما يصدق عليه مسمى المسح، وليس في لغة العرب ما يقتضي أنه لا بد في مثل هذا الفعل من مسح جميع الرأس، وهكذا سائر الأفعال المتعدية نحو اضرب زيد أو اطعنه أو ارجمه فإنه يوجد المعنى العربي بوقوع الضرب والطعن والرجم على عضو من أعضائه. ولا يقول قائل من أهل اللغة أو من هو عالم بها: إنه لا يكون ضارباً إلا بإيقاع الضرب على كل جزء من أجزاء زيد، وكذلك الطعن والرجم وسائر الأفعال فاعرف هذا حتى يتبين لك ما هو الصواب من الأقوال في مسح الرأس. فإن قلت يلزم مثل هذا في غسل الوجه واليدين والرجلين قلت ملتزم لولا البيان من السنة في الوجه والتحديد بالغاية في اليدين والرجلين بخلاف الرأس فإنه ورد في السنة مسح الكل ومسح البعض. والفرض الرابع قوله (وأرجلكم) قرأ نافع وابن عامر والكسائي وحفص بنصب الأرجل وهي قراءة الحسن البصري والأعمش، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة بالجر، وقراءة النصب تدل على أنه يجب غسل الرجلين لأنها معطوفة على الوجه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم والأئمة الأربعة وأصحابهم، وقراءة الجر تدل على أنه يجوز الاقتصار على مسح الرجلين لأنها معطوفة على الرأس، وإليه ذهب ابن جرير الطبري وبه تعلق وهو مروي عن ابن عباس. قال ابن العربي: واتفقت الأمة على وجوب غسلهما وما علمت من رد ذلك إلا الطبري من فقهاء المسلمين، والرافضة من غيرهم، وقيل إنه منصوب في المعنى عطفاً على الأيدي المغسولة، وإنما خفض على الجوار، وهذا وإن كان

وارداً إلا أن التخريج عليه ضعيف لضعف الجوار من حيث الجملة. وأيضاً فإن الخفض على الجوار إنما ورد في النعت لا في العطف، وقد ورد في التوكيد قليلاً في ضرورة الشعر، وقيل إنها إنما جرت للتنبيه على عدم الإسراف في استعمال الماء فيها لأنها مظنة لصب الماء كبيراً فعطفت على الممسوح والمراد غسلها، وإليه ذهب الزمخشري. وقيل إنها مجرورة بحرف جر، دل عليه المعنى ويتعلق هذا الحرف بفعل محذوف تقديره وافعلوا بأرجلكم غسلاً، قال أبو البقاء وحذف حرف الجر وإبقاء الجر جائز، وقيل إنه معطوف على رؤوسكم لفظاً ومعنى ثم نسخ ذلك وجوب الغسل وهو حكم باق، وبه قال جماعة أو يحمل مسح الأرجل على بعض الأحوال وهو لبس الخف، ويعزى للشافعي. قال القرطبي: قد روي عن ابن عباس أنه. قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، قال: وكان عكرمة يمسح رجليه وقال: ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح، وقال عامر الشعبي: نزل جبريل بالمسح، قال: وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين، قال: وذهب ابن جرير الطبري والحسن البصري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح وجعل القراءتين كالروايتين، وقواه النحاس، وقال داود الظاهري يجب الجمع بينهما. أقول الحق أن الدليل القرآني قد دل على جواز الغسل والمسح لثبوت قراءة النصب والجر ثبوتاً لا ينكر، وقد تعسف القائلون بالغسل فحملوا الجر على الجوار وأنه ليس للعطف على مدخول الباء في مسح الرأس بل هو معطوف على الوجوه، فلما جاور المجرور إنجر، وتعسف القائلون بالمسح فحملوا قراءة النصب على العطف على محل الجار والمجرور في قوله: (برؤوسكم) كما أن قراءة الجر عطف على لفظ المجرور.

وكل ذلك ناشئ عن عدم الإنصاف عند عروض الاختلاف، ولو وجد أحد القائلين بأحد التأويلين اسماً مجروراً في رواية ومنصوباً في أخرى مما يتعلق به الاختلاف ووجد قبله منصوباً لفظاً ومجروراً لما شك أن النصب عطف على المنصوب، والجر عطف على المجرور. وإذا تقرر لك هذا كان الدليل القرآني قاضياً بمشروعية كل واحد منهما على انفراده لا على مشروعية الجمع بينهما. وإن قال به قائل فهو من الضعف بمكان لأن الجمع بين الأمرين لم يثبت في شيء من الشريعة. انظر الأعضاء المتقدمة على هذا العضو من أعضاء الوضوء فإن الله سبحانه شرع في الوجه الغسل فقط، وكذلك في اليدين، وشرع في الرأس المسح فقط، ولكن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بين للأمة أن المفروض عليهم هو غسل الرجلين لا مسحهما فتواترت الأحاديث عن الصحابة في حكاية وضوئه - صلى الله عليه وسلم - وكلها مصرحة بالغسل ولم يأت في شيء منها المسح إلا في مسح الخفين. فإن كانت الآية مجملة في الرجلين باعتبار احتمالها للغسل والمسح فالواجب الغسل بما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - من البيان المستمر جميع عمره. وإن كان ذلك لا يوجب الإجماع فقد ورد في السنة الأمر بالغسل وروداً ظاهراً وثبت بالأحاديث الصحيحة من فعله - صلى الله عليه وسلم - وقوله غسل الرجلين فقط وثبت عنه أنه قال: " ويل للأعقاب من النار وويل للعراقيب من النار " (¬1) أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة، وأحمد وابن ماجة من حديث عائشة، وابن ماجة أيضاً من حديث جابر، والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة من حديث ابن عمر، وأحمد والبخاري ومسلم أيضاً من حديث أبي هريرة. ¬

(¬1) مسلم 242 والبخاري 132.

فأفاد وجوب غسل الرجلين وأنه لا يجزئ مسحهما لأن شأن المسح أن يصيب ما أصاب ويخطئ ما أخطا ولا سيما المواضع الخفية كالأعقاب والعراقيب، فلو كان مجزئاً لما قال ويل للأعقاب من النار، ولما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - ذلك. وقد ثبت عنه أنه قال بعد أن توضأ وغسل رجليه: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (¬1) أخرجه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن أبيه عن جده، والدارقطني من حديث ابن عمر وأبي هريرة وزيد بن ثابت وابن ماجة من حديث ابن عمرو وأُبَيّ بن كعب، وابن السكن من حديث أنس، وابن أبي حاتم من حديث عائشة، وفي جميع الطرق المذكورة مقال، لكنها يقوي بعضها بعضاً. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن رجلاً توضأ فترك على قدمه مثل موضع الظفر فأبصره النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: ارجع فأحسن وضوءك فخرج وتوضأ ثم صلى (¬2). ومن ذلك أيضاً أحاديث الأعرابي الذي أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة الوضوء لما رأى عقبه جافاً يلوح، ومنها الأمر بتخليل الأصابع فإنه يستلزم الأمر بالغسل لأن المسح لا تخليل فيه. وبهذا يتقرر أن الحق ما ذهب إليه الجمهور من وجوب الغسل وعدم إجزاء المسح، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على غسل القدمين وأما المسح على الخفين فهو ثابت بالأحاديث المتواترة وهو بدل عن الغسل لا عن المسح. ¬

(¬1) الدارقطني 1/ 80. (¬2) مسلم 343.

(إلى الكعبين) أي معهما كما بينت السنة، والكلام فيه كالكلام في قوله: (إلى المرافق) وقد قيل في وجه جمع المرافق وتثنية الكعاب أنه لما كان في كل رجل كعبان ولم يكن في كل يد إلا مرفق واحد ثنيت الكعاب تنبيهاً على أن لكل رجل كعبين بخلاف المرافق فإنها جمعت لأنه لما كان في كل يد مرفق واحد لم يتوهم وجود غيره، ذكر معنى هذا ابن عطية. وقال الكواشي: ثنّى الكعبين، وجمع المرافق لنفي توهم أن كل واحدة من الرجلين كعبين، وإنما في كل واحدة كعب واحد له طرفان من جانبي الرجل، بخلاف المرفق فهي أبعد عن الوهم انتهى. وفي هذه الآية دليل قاطع على وجوب غسل الكعبين، والمعنى أغسلوا أرجلكم مع الكعبين والكعبان هما العظمان الناتئان في كل رجل عند مفصل الساق والقدم، وإليه ذهب جمهور العلماء من أهل اللغة والفقه، وهذان العظمان من الساق. وبقي من فرائض الوضوء النية والتسمية ولم يذكرا في هذه الآية بل وردت بهما السنة، وقيل إن في هذه الآية ما يدل على النية لأنه لما قال إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم كان تقدير الكلام فاغسلوا وجوهكم لها، وذلك هو النية المعتبرة، وقد أشرنا إليه فيما تقدم. والفصل بين الأيدي والأرجل المغسولة بالرأس الممسوح يفيد، وجوب الترتيب في طهارة هذه الأعضاء وعليه الشافعي، ويؤخذ من السنة وجوب النية فيه كغيره من العبادات، وقد ورد في صفة الوضوء وفضله من الأحاديث الصحيحة الكثير الطيب لا نطول بذكرها هنا. (وإن كنتم جنباً فاطهروا) أي فاغسلوا بالماء، وقد ذهب عمر بن

الخطاب وابن مسعود إلى أن الجنب لا يتيمم ألبتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء استدلالاً بهذه الآية، وذهب الجمهور إلى وجوب التيمم للجنابة مع عدم الماء، وهذه الآية هي للواجد على أن التطهر هو أعم من الحاصل بالماء أو بما هو عوض عنه مع عدمه وهو التراب. وقد صح عن عمر وابن مسعود الرجوع إلى ما قاله الجمهور للأحاديث الصحيحة الواردة في تيمم الجنب مع عدم الماء. وقد تقدم تفسير الجنب في النساء، والمراد بالجنابة هي الحاصلة بدخول حشفة أو نزول مني، وهذا هو حقيقتها الشرعية، وانظر لِمَ لَمْ يجعلوها شاملة للحيض والنفاس مع أنه أفيد. وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء يخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاثة غرفات بيديه ثم يفيض على سائر جسده، أخرجه الشيخان (¬1). (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه). ¬

(¬1) روى مسلم 1/ 209، وأبو داود 1/ 80، والنسائي 1/ 92، والترمذي 1/ 78، وابن ماجه 1/ 159 عن عقب: بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل، فجاءت نوبتي فروحتها بعشي، فأدركت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائماً يحدث الناس، فأدركت من قوله: " ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يقوم فيصلي ركعتين، مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة " فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجود، فنظرت فإذا عمر، قال: إن قد رأيتك جئت آنفاً، قال: " ما منكم من أحدٍ يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله وروسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " وزاد الترمذي بعد قوله " ورسوله " " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " وسندها حسن. وروى مالك 1/ 32، ومسلم 1/ 215، والترمذي 1/ 6 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن فغسل وجهه خرجت من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء.

قد تقدم تفسير هذا وأحكامه في سورة النساء مستوفى، ومن في قوله منه لابتداء الغاية وقيل للتبعيض، قيل ووجه تكرير هذا هو استيفاء الكلام في أنواع الطهارة، وفيه دليل على أنه يجب مسح الوجه واليدين بالصعيد وهو التراب. (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) أي ما يريد بأمركم بالطهارة بالماء أو بالتراب التضييق عليكم في الدين ومنه قوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) والجعل هنا بمعنى الإيجاد والخلق، ومن مزيدة فيه أو بمعنى التصيير. ثم قال: (ولكن يريد ليطهركم) من الذنوب والخطايا لأن الوضوء تكفير لها وقيل من الحدث الأصغر والأكبر (وليتم نعمته عليكم) أي بالترخيص لكم والتيمم عند عدم الماء أو بما شرعه لكم من الشرائع التي عرضكم بها للثواب وما تحتاجون إليه من أمر دينكم، قال سعيد بن جبير: تمام النعمة دخول الجنة، لم يتم نعمته على عبد لم يدخل الجنة (لعلكم تشكرون) نعمته عليكم فتستحقون بالشكر ثواب الشاكرين. وقد اشتملت هذه الآية على سبعة أمور كلها مثنى، طهارتان أصل وبدل والأصل اثنان مستوعب وغير مستوعب، وغير المستوعب باعتبار الفعل غسل ومسح، وباعتبار المحل محدود وغير محدود، وإن آلتيهما مائع جامد، وموجبهما حدث أصغر أو أكبر، وأن المبيح للعدول إلى البدل مرض أو سفر، وأن الموعود عليها تطهير الذنوب وإتمام النعمة قاله البيضاوي وذكره أبو السعود. قال الخفاجي: الأصل الماء والبدل التراب والمستوعب الغسل وغيره الوضوء والمحدود بقوله: (إلى المرافق وإلى الكعبين) وغيره ما سواه وهذا ظاهر.

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (7) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)

7

(واذكروا نعمة الله عليكم) يعني ما أنعم به عليكم من النعم كلها وقيل هي الإسلام (وميثاقه الذي واثقكم به) الميثاق العهد قيل المراد به هنا ما أخذه على بني آدم كما قال: (وإذا أخذ ربك من بني آدم) الآية قال مجاهد وغيره ونحن وإن لم نذكره فقد أخبرنا الله به، وقيل هو خطاب لليهود والعهد ما أخذه عليهم في التوراة. وذهب جمهور المفسرين من السلف فمن بعدهم إلى أنه العهد الذي أخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة العقب: عليهم وهو السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأضافه تعالى إلى نفسه لأنه عن أمره وإذنه كمال قال: إنما يبايعون الله. (إذ قلتم) للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين بايعتموه (سمعنا وأطعنا) أي وقت قولكم هذا القول (واتقوا الله) فيما أخذه عليكم من الميثاق فلا تنقضوه (إن الله عليم بذات الصدور) وهي ما تخفيه الصدور لكونها مختصة بها لا يعلمها أحد ولهذا أطلق عليها ذات التي بمعنى الصاحب، وإذا كان سبحانه عالماً بها فكيف بما كان ظاهراً جلياً.

8

(يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين) قد تقدم تفسيرها في النساء وصيغة المبالغة في قوامين تفيد أنهم مأمورون بأن يقوموا بها أتم قيام (لله) أي

لأجله تعظيماً لأمره وطمعاً في ثوابه (شهداء بالقسط) أي العدل. (ولا يجرمّنكم شنآن قوم) أي لا يحملنكم بغض قوم أو يكسبنكم وهما متقاربان، وقيل الخطاب مختص بقريش لأنها نزلت فيهم وعليها يجري القاضي كالكشاف وغيرهما على أن الخطاب عام وهو الحق لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، قال عبد الله بن كثير نزلت في يهود خيبر ذهب إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستعينهم في دية فهمّوا أن يقتلوه فذلك قوله: (ولا يجرمنكم شنآن قوم) الآية (¬1). (على أن لا تعدلوا) أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم وكتم الشهادة، وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى (اعدلوا) أمر بالعدل في كل أحد القريب والبعيد والصديق والعدو، وتصريح بوجوبه بعدما علم من النهي عن تركه التزاماً (هو) أي العدل المدلول عليه بقوله اعدلوا (أقرب للتقوى) التي أمرتم بها غير مرة أي أقرب لأن تتقوا الله أو لأن تتقوا النار (واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون). ¬

(¬1) أخرجه ابن جرير 10/ 96 عن عبد الله بن كثير.

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (9) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)

9

(وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي وفوا بالعهود، والعموم أولى (لهم مغفرة وأجر عظيم) هذه الجملة في محل النصب على أنها المفعول الثاني لقوله: (وعد) على معنى وعدهم أن لهم مغفرة أو وعدهم مغفرة، فوقعت الجملة موقع المفرد فأغنت عنه، وذكر الجمل والزمخشري في الآية احتمالات أخر لا نطوّل بذكرها، وإذا وعدهم أنجز لهم الوعد فإنه تعالى لا يخلف والميعاد الأجر العظيم هو الجنة.

10

(والذين كفروا وكذّبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) أي ملابسوها، والجملة مستأنفة أتى بها اسمية دالة على الثبوت والاستقرار، ولم يؤت بها في سياق الوعيد كما أتى بالجملة قبلها في سياق الوعد حسماً لرجائهم، وهذه الآية نص قاطع في أن الخلود في النار ليس إلا للكفار، لأن المصاحبة تقتضي الملازمة.

11

(يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ همَّ قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم) يعني بالقتل والبطش بكم، يقال بسط إليه يده إذا بطش به، وبسط إليه لسانه إذا شتمه، وذكر الهم للإيذان بوقوعها عند مزيد الحاجة إليها. (فكفّ أيديهم عنكم) أي صرفهم عنكم وحال بينكم وبين ما أرادوه

بكم، أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نزل منزلاً فتفرق الناس في العضاه يستظلون تحتها فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - سلاحه بشجرة، فجاء أعرابي إلى سيفه فأخذه وسلة ثم أقبل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله، قال الأعرابي مرتين أو ثلاثاً: من يمنعك مني، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: الله، فشام الأعرابي السيف فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فأخبرهم بصنيع الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه، قال معمر: وكان قتادة يذكر نحوه ويذكر أن قوماً من العرب أرادوا أن يفتكوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسلوا هذا الإعرابي (¬1). وأخرج الحاكم وصححه عنه بنحوه، وذكر أن اسم الرجل غورث بن الحرث، وأنه لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " الله " سقط السيف من يده فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال من يمنعك مني، قال: كن خير آخذ، قال: فشهد أن لا إله إلا الله. وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس أن بني النضير همّوا أن يطرحوا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه، فجاء جبريل فأخبره بما هموا فقام ومن معه فنزلت إذ همّ قوم، وقصة الأعرابي وهو غورث ثابتة في الصحيح. (واتقوا الله) فيما أمركم به ونهاكم عنه (وعلى الله) لا على غيره (فليتوكل المؤمنون) فإنه هو الذي ينقب عن أحوال القوم ويفتش عنها. ¬

(¬1) رواه أبو نعيم في " دلائل النبوة ": 152 عن طريق ابن إسحاق قال: حدثني عمرو بن عبيد عن جابر أن رجلاً ... وقد سقط من إسناده الحسن، فقد رواه ابن هشام في " السيرة " 2/ 205 عن ابن إسحاق وحدثني عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله، ورواه عبد الرزاق في " تفسيره " ص: 6 من طريق معمر عن الزهري ذكره عن أبي سلمة عن جابر. وقصة هذا الأعرابي -هو غورث بن الحارث- ثابتة في " الصحيحين " بدون ذكر السبب، البخاري 7/ 330، ومسلم 1/ 576.

12

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) (ولقد أخذ الله ميثاق بني اسرائيل) كلام مستأنف يتضمن ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من الخيانة، وقد تقدم بيان الميثاق الذي أخذه الله عليهم وأن الميثاق هو العهد باليمين، وإسناد الأخذ إلى الله من حيث أنه أمر به موسى، وإلا فالآخذ هو موسى بأمر الله له بذلك. (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً) اختلف المفسرون في كيفية بعث هؤلاء النقباء بعد الإجماع منهم على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم الذي ينقّب عنها وعن مصالحهم فيها، والنقاب الرجل العظيم الذي هو في الناس على هذه الطريقة، ويقال نقيب القوم لشاهدهم وضمينهم، والنقيب الطريق في الجبل، هذا أصله وسمي به نقيب القوم لأنه طريق إلى معرفة أمورهم والنقيب أعلى مكاناً من العريف، وقيل مشتق من التنقيب وهو التفتيش، ومنه (فنقّبوا في البلاد). فقيل المراد ببعث هؤلاء النقباء أنهم بعثوا على الإطلاع على الجبارين والنظر في قوتهم ومنعتهم، فساروا ليختبروا حال من بها ويخبروا بذلك، فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بها فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني اسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فأخبروا قراباتهم ففشا الخبر حتى بطل أمر الغزو، وقالوا: اذهب أنت وربك فقاتلا.

وقيل إن هؤلاء النقباء كفل كل واحد منهم على سبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله، وهذا معنى بعثهم. وقيل لما توجه النقباء لتجسس أحوال الجبارين لقيهم عوج بن عنق وكان كذا وكذا، وهذه القصة ذكرها كثير من المفسرين، والمحققون من أهل الحديث على أنها لا أصل لها ولا عوج ولا عنق، وقال ابن عباس: النقيب الضمين، وقال قتادة: هو الشهيد على قومه، وقيل هو الأمين الكفيل، وقيل هو الباحث عن القوم وعن أحوالهم والمعاني متقاربة. (وقال الله إني معكم) أي قال ذلك لبني إسرائيل وقيل للنقباء وهو الأولى والمعنى إني معكم بالنصر والعون (لئن) اللام هي الموطئة للقسم أي والله لئن (أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي) تأخير الإيمان عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع كونهما من الفروع المترتّبة عليه لما أنهم كانوا معترفين بوجوبهما مع ارتكابهم تكذيب بعض الرسل عليهم الصلاة والسلام. (وعزّرتموهم) التعزير التعظيم والتوقير، ويطلق التعزير على الضرب دون الحد والرد، يقال عزرت فلاناً إذا أدبته ورددته عن القبيح، والمعنى عظمتموهم على الأول، أو: رددتم عنهم أعداءهم ومنعتموهم على الثاني، وقال ابن عباس: أي أعنتموهم، وقال مجاهد: نصرتموهم. (وأقرضتم الله قرضاً حسناً) أي أنفقتم في وجوه الخير، والحسن قيل هو ما طابت به النفس، وقيل ما ابتغي به وجه الله، وقيل الحلال وقيل المراد بالزكاة الواجبة، وبالقرض الصدقة المندوبة وخصّها بالذكر تنبيهاً على شرفها (لأكفرنّ عنكم سيآتكم) إشارة إلى إزالة العذاب (ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار) إشارة إلى إيصال الثواب (فمن كفر بعد ذلك) الميثاق (منكم) أو بعد الشرط المذكور (فقد ضلّ سواء السبيل) فقد أخطأ وسط الطريق المستقيم.

13

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) (فبما نقضهم ميثاقهم) الباء للسببية وما زائدة أي بسبب نقضهم، قال ابن عباس: هو ميثاق أخذه الله على أهل التوبة فنقضوه (لعنّاهم) أي طردناهم وأبعدناهم من رحمتنا أو مسخناهم أو ضربنا عليهم الجزية، وحقيقة اللعن في اللغة الطرد والإبعاد فاستعماله بالمعنيين الآخرين كما فعل البيضاوي وأبو السعود مجاز باستعماله في لازم معناه وهو الحقارة بما ذكر، لكنه لا قرينة في الكلام عليه. (وجعلنا قلوبهم قاسية) أي صلبة لا تعي خيراً ولا تعقله وغليظة يابسة لا تلين ولا رحمة فيها لأن القسوة خلاف الرقة، وقيل: المعنى أن قلوبهم ليست خالصة الإيمان بل مشوبة بالكفر والنفاق. (يحرّفون الكلم) الذي في التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم وغيره (عن مواضعه) جملة مستأنفة لبيان حالهم أو حالية أي يبدلونه بغيره أو يتأولونه على غير تأويله، وقيل يزيلونه ويميلونه، قال ابن عباس: يعني حدود الله. قال عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر: وأما ما يقال من أن علماءهم بدلوا مواضع من التوراة بحسب أغراضهم في ديانتهم، فقد قال ابن عباس على ما نقل عنه البخاري في صحيحه أن ذلك بعيد، وقال: معاذ الله أن تعمد أمة من الأمم إلى كتابها المنزّل على نبيها فتبدله، أو ما في معناه. قال: وإنما بدلوه وحرفوه بالتأويل، ويشهد لذلك قوله تعالى (وعندهم

التوراة فيها حكم الله) ولو بدلوا من التوراة ألفاظها لم يكن عندهم التوراة التي فيها حكم الله، وما وقع في القرآن من نسبة التحريف والتبديل فيها إليهم فإنما المعنى به التأويل، اللهم إلا أن يطرقها التبديل في الكلمات على طريق الغفلة وعدم الضبط، وتحريف من لا يحسن الكتابة بنسخها فذلك يمكن في العادة لا سيما وملكهم قد ذهب، وجماعتهم انتشرت في الآفاق، واستوى الضابط منهم وغير الضابط، والعالم والجاهل، ولم يكن وازع يحفظ لهم ذلك لذهاب القدرة بذهاب الملك فتطرق من أجل ذلك إلى صحف التوراة في الغالب تبديل وتحريف غير متعمد من علمائهم وأحبارهم، ويمكن مع ذلك الوقوف على الصحيح منها إذا تحرى القاصد لذلك بالبحث عنه انتهى. والحاصل أنهم يقولون إن أمركم محمد بما أنتم عليه فاقبلوه وإن خالفكم فاحذروه. (ونسوا حظاً مما ذكروا به) أي الكتاب وما أمروا به من الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وبيان نعته وصفته. (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والخائنة الخيانة، وقيل التقدير فرقة خائنة، وقد يقع للمبالغة نحو علامة ونسابة إذا أردت المبالغة في وصفه بالخيانة، وقيل خائنة معصية، قاله ابن عباس، قال مجاهد: هم يهود مثل الذي هموا به من النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم دخل عليهم حائطهم، وقال قتادة: خائنة كذب وفجور. (إلا قليلاً منهم) يعني أنهم لم يخونوا ولم ينقضوا العهد وهم عبد الله بن سلام وأصحابه ولم يؤمر يومئذ بقتالهم، فأمره الله أن يعفو عنهم ويصفح فقال: (فاعف عنهم واصفح) ثم نسخ ذلك في براءة فقال: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر) الآية، وقيل هو خاص بالعاهدين وأنها غير منسوخة (إن الله يحب المحسنين) أي إذا عفوت عنهم فإنك تحسن وهو يحب أهل الإحسان.

14

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14) (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم) أي في التوحيد والإيمان والإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به، قال الكوفيون: الضمير في ميثاقهم راجع إلى بنى اسرائيل أي أخذنا من النصارى مثل ميثاق المذكورين قبلهم من بني إسرائيل، وقال: (من الذين قالوا إنا نصارى) ولم يقل من النصارى للإيذان بأنهم كاذبون في دعوى النصرانية وأنهم أنصار الله، ولأنهم الذين ابتدعوا هذا الاسم وسمّوا به أنفسهم لا أن الله سماهم به. (فنسوا) من الميثاق المأخوذ عليهم (حظّاً) أي نصيباً وافراً عقب أخذه عليهم (مما ذكّروا به) من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (فأغرينا) أي ألصقنا ذلك بهم، مأخوذ من الغري وهو ما يلصق الشيء بالشيء كالصمغ وشبهه، يقال غرى بالشيء يغري غرياً وغراء أي أولع به حتى كأنه صار ملتصقاً به ومثل الإغراء التحريش، وأغريت الكلب أي أولعته بالصيد. والمراد بقوله: (بينهم) اليهود والنصارى لتقدم ذكرهم جميعاً، وقيل بين النصارى خاصة لأنهم أقرب مذكور، وذلك لأنهم افترقوا إلى اليعقوبية والنسطورية والملكانية، وكقول بعضهم بعضاً، وتظاهروا بالعداوة في ذات بينهم، قال النخعي: أغرى بعضهم بعض الخصومات والجدال في الدين. قال النحاس: ومن أحسن ما قيل في معنى أغرينا بينهم (العداوة والبغضاء): أن الله عز وجل أمر بعداوة الكفار وإبغاضهم، فكل فرقة مأمورة بعداوة صاحبتها وإبغاضها (إلى يوم القيامة) بالأهواء المختلفة (وسوف ينبّئهم الله بما كانوا يصنعون) أي سيلقون جزاء نقض الميثاق. وفيه تهديد لهم ووعيد.

15

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا) الألف واللام في الكتاب للجنس، والخطاب لليهود والنصارى (يبيّن لكم كثيراً مما كنتم تخفون) كآية الرجم (¬1) وقصة أصحاب السبت الممسوخين قردة (من الكتاب) أي التوراة والإنجيل. (ويعفو عن كثير) مما تخفونه فيترك بيانه لعدم اشتماله على ما يجب بيانه عليه من الأحكام الشرعية، فإن ما لم يكن كذلك لا فائدة تتعلق ببيانه إلا مجرد اقتضاء حكم، وقيل المعنى يعفو عن كثير فيتجاوزه ولا يخبركم به، وقيل يعفو عن كثير منكم فلا يؤاخذكم بما يصدر منكم، قال قتادة يعفو عن كثير من الذنوب. (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) جملة مستأنفة مشتملة على بيان أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم قد تضمنت بعثته فوائد غير ما تقدم من مجرد البيان، قال الزجاج النور محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل الإسلام، والكتاب المبين القرآن فإنه المبين. ¬

(¬1) ابن جرير 10/ 141 والحاكم في المستدرك 4/ 359 وقال حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي.

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) والضمير في

16

(يهدى به الله) راجع إلى الكتاب أو إليه وإلى النور لكونهما كالشيء الواحد (من اتبع رضوانه) أي ما رضيه وهو دين الإسلام (سبل السلام) طرق السلامة من العذاب الموصلة إلى دار السلام المنزهة عن كل آفة، وقيل المراد بالسلام الإسلام، وعن السدي قال سبيل السلام هي سبيل الله الذي شرعه لعباده ودعاهم إليه وبعث به رسله وهو الإسلام. (ويخرجهم من الظلمات) أي الكفر (إلى النور) أي إلى الإسلام (ويهديهم إلى صراط مستقيم) أي إلى طريق يتوصلون بها إلى الحق لا عوج فيها ولا مخافة، وهذه الهداية غير الهداية إلى سبل السلام وإنما عطفت عليها تنزيلاً للتغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي.

17

(لقد كفر الذين قالوا إن الله) ضمير الفصل يفيد الحصر (المسيح ابن مريم) قيل وقد قال بذلك بعض طوائف النصارى، وقال ابن عباس: هؤلاء نصارى نجران وهو مذهب اليعقوبية والملكانية من النصارى، وقيل لم يقل به أحد منهم ولكن استلزم قولهم إن الله هو المسيح لا غيره وقد تقدم في آخر سورة النساء ما يكفي ويغني عن التكرار.

(قل فمن يملك من الله شيئاً) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والملك الضبط والحفظ والقدرة من قولهم ملكت على فلان أمره أي قدرت عليه أي فمن يقدر أن يمنع. (إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه) وإذا لم يقدر أحد أن يمنع من ذلك فلا إله إلا الله ولا ربّ غيره ولا معبود بحق سواه، ولو كان المسيح إلهاً كما يزعم النصارى لكان له من الأمر شيء ولقدر أن يدفع عن نفسه أقل حال، ولم يقدر على أن يدفع عن أمه الموت عند نزوله بها. وتخصيصها بالذكر مع دخولها في عموم (ومن في الأرض جميعاً) لكون الدفع منه عنها أولى وأحق من غيرها فهو إذا لم يقدر على الدفع عنها أعجز عن أن يدفع عن غيرها، وذكر من في الأرض للدلالة على شمول قدرته وأنه إذا أراد شيئاً كان لا معارض له في أمره، ولا مشارك له في قضائه. (ولله ملك السموات والأرض وما بينهما) أي ما بين النوعين من المخلوقات فإنها ملكه وأهلها عبيده، وعيسى وأمه من جملة عبيده. (يخلق ما يشاء) جملة مستأنفة مسوقة لبيان أنه سبحانه خالق الخلق بحسب مشيئته من غير اعتراض عليه فيما خلق، لأنه خلق آدم من غير أب وأم وخلق عيسى من أم بلا أب: وخلق سائر الخلق من أب وأم (والله على كل شيء قدير) لا يستصعب عليه شيء.

18

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه) أثبتت اليهود لأنفسها ما أثبتته لعزير حيث قالوا عزير ابن الله، وأثبتت النصارى لأنفسها ما أثبتته للمسيح حيث قالوا المسيح ابن الله، وقيل هو على حذف مضاف أي نحن أتباع أبناء الله، وقيل أبناء أنبياء الله، ونظيره (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) قاله الكرخي. وهكذا أثبتوا لأنفسهم أنهم أحباء الله بمجرد الدعاوى الباطلة والأماني العاطلة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال: (قل فلم يعذبكم بذنوبكم) أي إن كنتم كما تزعمون فما باله يعذبكم بما تقترفونه من الذنوب بالقتل والمسخ، وبالنار في يوم القيامة كما تعترفون بذلك بقولكم: (لن تمسّنا النار إلا أياماً معدودة) فإن الابن من جنس أبيه لا يصدر عنه ما يستحيل على الأب، وأنتم تذنبون والحبيب لا يعذب حبيبه وأنتم تعذبون، فهذا يدل على أنكم كاذبون في هذه الدعوى، وهذا البرهان هو المسمى عند الجدليين ببرهان الخلف. وأخرج أحمد في مسنده عن أنس قال: مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، فسعت فأخذته فقال القوم: يا رسول الله ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لا، والله لا يلقي حبيبه في النار، وإسناده في المسند هكذا: حدثنا ابن

عدي عن حميد عن أنس فذكره (¬1). ومعنى الآية يشير إلى معنى هذا الحديث، ولهذا قال بعض مشايخ الصوفية لبعض الفقهاء أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه، فلم يرد عليه فتلا الصوفي هذه الآية. وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا والله لا يعذب الله حبيبه ولكن الله قد يبتليه في الدنيا. (بل أنتم بشر ممن خلق) عطف على مقدر يدل عليه الكلام أي فلستم حينئذ كذلك بل أنتم بشر من جنس من خلقه الله تعالى يحاسبهم على الخير والشر، ويجازي كل عامل بعمله. (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) قال السدي: أي يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له ويميت من يشاء منكم على كفره فيعذبه لا اعتراض عليه لأنه القادر الفعال بالإختيار. (ولله ملك السموات والأرض وما بينهما) من الموجودات لا شريك له في ذلك فيعارضه، وفيه دليل على أنه تعالى لا ولد له، لأن من يملك السموات والأرض يستحيل أن يكون له شبيه من خلقه أو شريك في ملكه (وإليه المصير) أي تصيرون إليه وحده: عند انتقالكم من دار الدنيا إلى دار الآخرة. ¬

(¬1) روى ابن ماجة نظيره في الزهد/35. ورد ورواه الإمام أحمد بن حنبل في المسند 3/ 104.

19

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (19) (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبينّ لكم على فترة من الرسل) المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، والرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، والمبيَّن هو ما شرعه الله لعباده، وحذف للعلم به لأن بعثة الرسل إنما هي بذلك، والفترة أصلها السكون، يقال فتر الشيء سكن، وقيل هي الانقطاع قاله أبو عليّ الفارسي وغيره، ومنه فتر الماء إذا انقطع عما كان عليه من البرد إلى السخونة، وفتر الرجل عن عمله إذا انقطع عما كان عليه من الجد فيه، وامرأة فاترة الطرف أي منقطعة عن حدة النظر، والمعنى أنه انقطع الرسل قبل بعثته - صلى الله عليه وسلم - مدة من الزمان (¬1). واختلف في قدر مدة تلك الفترة، قال سلمان: فترة ما بين عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ستمائة سنة، أخرجه البخاري، قال قتادة: كانت الفترة بين عيسى ومحمد ستمائة سنة وما شاء الله من ذلك، وعنه قال: خمسمائة سنة وستون سنة، وعن الكلبي خمسمائة سنة وأربعون سنة، وقال ابن جريج كانت خمسمائة سنة، وقال الضحاك: وكانت أربعمائة سنة ونصفا وثلاثين سنة. وعن ابن عباس قال: كان بين موسى وعيسى ألف سنة وتسعمائة سنة، ¬

(¬1) أن معاذ بن جبل، وسعد بن عبادة، وعقب: بن وهب، قالوا: يا معشر اليهود اتقوا الله، والله إنكم لتعلمون أنه رسول الله، كنتم تذكرونه لنا قبل مبعثه، وتصفونه بصفته. فقال وهب بن يهوذا، ورافع: ما قلنا هذا لكم، وما أنزل الله بعد موسى من كتاب، ولا أرسل رسولاً بشيراً ولا نذيراً [بعده]، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. في " الطبري "، و " السيرة "، و " الدر المنثور ": " يهودا " بالدال. ابن هشام 1/ 5563 وابن جرير 10/ 155 وفي سنده محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت وهو مجهول وزاد السيوطي نسبته في " الدر " 2/ 229 لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في " الدلائل ".

ولم تكن بينهما فترة فإنه أرسل بينهما ألف نبي من بني إسرائيل سوى من أرسل من غيرهم، وكان بين ميلاد عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة سنة وتسع وستون سنة، بعث في أولها ثلاثة أنبياء كما قال تعالى: (إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعزّزنا بثالث) والذي عزز به شمعون وكان من الحواريين وكانت الفترة التي لم يبعث الله فيها رسولاً أربعمائة وأربعة وثلاثين سنة، وقد قيل غير ما ذكرناه. قال الرازي: والفائدة في بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - عند فترة الرسل هي أن التحريف والتغيير قد كان تطرق إلى الشرائع المتقدمة لتقادم عهدها وطول أزمانها، وسبب ذلك اختلاط الحق بالباطل والكذب بالصدق، فصار ذلك عذراً ظاهراً في إعراض الخلق عن العبادات لأن لهم أن يقولوا يا إلهنا عرفنا أنه لا بد من عبادتك ولكننا ما عرفنا كيف نعبدك فبعث الله في هذا الوقت محمداً - صلى الله عليه وسلم - لإزالة هذا العذر، فذلك: قوله تعالى: (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حين فترة أي كراهة أن تقولوا هذا القول معتذرين عن تفريطكم، ومن زائدة للمبالغة في نفي المجيء، والفاء في قوله: (فقد جاءكم) هي الفصيحة (بشير ونذير) وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - لإزالة هذا العذر (والله على كل شيء قدير) ومن جملة مقدوراته إرسال رسوله على فترة من الرسل.

20

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) (وإذ قال موسى لقومه) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما فعلت بنو إسرائيل بعد أخذ الميثاق، وإذ نصب على أنه مفعول لفعل مقدر خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - بطريق تلوين الخطاب، وصرفه عن أهل الكتاب ليعدد عليهم ما صدر عن بعضهم من الجنايات، أي واذكر لهم وقت قول موسى لقومه ناصحاً لهم ومستميلاً لهم بإضافتهم إليه. (يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم) وقرأ ابن كثير يا قوم بضم الميم، وكذا قرأ فيما أشبهه، تقديره يا أيها القوم اذكروا نعمة الله عليكم وقت هذا الجعل، وإيقاع الذكر على الوقت مع كون المقصود ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة لأن الأمر بذكر الوقت أمر بذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقت مشتمل على ما وقع فيه تفصيلاً فإذا استحضر كان ما وقع فيه حاضراً بتفاصيله كأنه مشاهد عياناً. (إذ جعل فيكم أنبياء) أي اذكروا إنعامه تعالى عليكم في وقت جعله أو اذكروا نعمته كائنة عليكم في وقت جعله فيما بينكم من أقربائكم أنبياء ذوي عدد كثير، وأولي شأن خطير، حيث لم يبعث من أمة من الأمم ما بعث من بني إسرائيل من الأنبياء. (وجعلكم ملوكاً) أي فيكم ومنكم، وإنما حذف الظرف لظهور أن معنى الكلام على تقديره، وممكن أن يقال: إن منصب النبوة لما كان لعظم قدره وجلالة رتبته بحيث لا ينسب إلى غيره من هُولَهُ قال فيه: (إذ جعل فيكم أنبياء) ولما كان منصب الملك مما يجوز نسبته إلى غير من قام به كما يقول قرابة

الملك نحن الملوك قال فيه: (وجعلكم ملوكاً) وقيل المراد بالملك أنهم ملكوا أمرهم بعد أن كانوا مملوكين لفرعون، فهم جميعا ملوك بهذا المعنى. وقيل معناه أنه جعلهم ذوي منازل لا يدخل عليهم غيرهم إلا بإذن وقيل غير ذلك، قال قتادة: ملكهم الخدم، وكانوا أول من ملك الخدم، ولم يكن لمن قبلهم خدم، وقال ابن عباس: كان الرجل من بني إسرائيل إذا كانت له الزوجة والخادم والدار يسمى ملكاً، وعنه قال: الزوجة والخادم والبيت، وعنه قال: المرأة والخادم (¬1). وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية ومن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جار فهو ملك. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: كانت بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم ودابة وامرأة كتب ملكاً، وأخرج ابن جرير والزبير بن بكار عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من كان بيت له وخادم فهو ملك (¬2). وأخرج أبو داود في مراسيله عن زيد بن أسلم في الآية قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم زوجة ومسكن وخادم، وعن ابن عمرو بن العاص أنه سأله رجل: ألسنا من فقراء الهاجرين؟ قال: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم، قال: ألك مسكن؟ قال: نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 36. (¬2) روى مسلم في " صحيحه " 18/ 110 بشرح النووي، وابن جرير 10/ 161 عن أبي عبد الرحمن الحُبُليِّ قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص، وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين، فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي اليها؟ فقال: نعم. قال ألك مسكن تسكنه؟ قال: فأنت من الأغنياء. قال: فإن لي خادماً، قال: فأنت من الملوك.

إن لي خادماً قال فأنت من الملوك، وقال مجاهد جعل لهم أزواجاً وخدماً وبيوتاً (¬1). وقد ثبت في الحديث الصحيح " من أصبح منكم معافى في جسده آمناً في سربه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " (¬2) والظاهر أن المراد بالآية الملك الحقيقي، ولو كان بمعنى آخر لما كان للامتنان به كثير معنى. فإن قلت: قد جعل غيرهم ملوكاً كما جعلهم، قلت قد كثر الملوك فيهم كما كثر الأنبياء، فهذا وجه الامتنان. (وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين) أي من المن والسلوى والحجر والغمام وكثرة الأنبياء وكثرة الملوك وفلق البحر وإهلاك عدوكم وغير ذلك، والمراد عالمي زمانهم أو الأمم الخالية إلى زمانهم. وقيل: إن الخطاب ههنا لأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو عدول عن الظاهر لغير موجب والصواب ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أنه من كلام موسى لقومه، وخاطبهم بهذا الخطاب توطئة وتمهيداً لما بعده من أمره لهم بدخول الأرض المقدسة. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 36. (¬2) صحيح الجامع 5918.

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)

21

(يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة) أي المطهرة وقيل المباركة، قال الكلبي: صعد إبراهيم جبل لبنان فقيل له انظر فما أدرك بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريتك. وقد اختلف في تعيينها فقال قتادة؛ هي الشام كلها، وقال مجاهد: الطور وما حوله، وقال معاذ بن جبل: هي ما بين العريش إلى الفرات، وقال السدي وابن عباس وغيرهما: هي أريحاء، وقال الزجاج: دمشق وفلسطين وبعض الأردن، وقول قتادة: يجمع هذه الأقوال المذكورة بعده. (التي كتب الله) أي قسمها وقدرها (لكم) في سابق علمه وجعلها مسكناً لكم، وقال السدي: التي أمركم الله بها، وقال قتادة: أمر القوم بها كما أمروا بالصلاة والزكاة والحج والعمرة، وقال الكرخي: أمركم بدخولها أو كتب في اللوح المحفوظ أنها لكم إن آمنتم وأطعتم، فلا ينافيه قوله: (فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة) لأن الوعد مشروط بقيد الطاعة، فلما لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط. (ولا ترتدّوا على أدباركم) أي لا ترجعوا عن أمري وتتركوا طاعتي وما أوجبته عليكم من قتال الجبارين جبناً وفشلاً (فتنقلبوا) بسبب ذلك (خاسرين) لخيري الدنيا والآخرة.

22

(قالوا يا موسى إن فيها قوماً جبارين) قال الزجاج: الجبار من الآدميين العاتي وهو الذي يجبر الناس على ما يريد، وأصله على هذا من الإجبار وهو

الإكراه فإنه يجبر غيره على ما يريده، يقال أجبره إذا أكرهه، وقيل هو مأخوذ من جبر العظم، فأصل الجبار على هذا المصلح لأمر نفسه ثم استعمل في كل من جر إلى نفسه نفعاً بحق أو باطل، وقيل إن جبر العظم راجع إلى معنى الإكراه. قال الفراء: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين جبار من أجبر، ودرّاك من أدرك، والمراد هنا أنهم قوم عظام طوال متعاظمون قيل هم قوم من بقية قوم عاد، وقيل هم من ولد عيص بن اسحق، وقيل هم من الروم، ويقال إن منهم عوج بن عنق المشهور بالطول المفرط، وعنق بنت آدم، قيل كان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلثمائة وثلاثة وثلاثين ذراعاً وثلث ذراع. قال ابن كثير: وهذا شيء يستحي من ذكره، ثم هو مخالف لما ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعاً ثم لم يزل الخلق ينقص (¬1). ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافراً، وأنه كان ولد زنية وأنه امتنع من ركوب السفينة وأن الطوفان لم يصل إلى ركبتيه، وهذا كذب وافتراء فإن الله ذكر أن نوحاً دعا أهل الأرض من الكافرين فقال (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وقال تعالى (فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين) وقال تعالى (لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم). وإذا كان ابن نوح الكافر غرق فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر ولد زنية، هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع، ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق نظر والله أعلم اهـ كلامه. قلت: لم يأت في أمر هذا الرجل ما يقتضى تطويل الكلام في شأنه وما هذه بأول كذبة اشتهرت في الناس، ولسنا بملزومين بدفع الأكاذيب التي ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 38.

وضعها القُصاص ونفقت (¬1) عند من لا يميز بين الصحيح والسقيم، فكم في بطون دفاتر التفاسير من أكاذيب وبلايا وأقاصيص كلها حديث خرافة، وما أحق من لا تمييز عنده لفن الرواية ولا معرفة أن يدع التعرض لتفسير كتاب الله ويضع هذه الحماقات والأضحوكات في المواضع المناسبة لها من كتب القصاص، وهي في الخازن أيضاً عفا الله عنا وعنه. (وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها) من غير صنع من قبلنا فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها (فإن يخرجوا منها) بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها (فإنا داخلون) حينئذ، هذا تصريح بما هو مفهوم من الجملة التي قبل هذه الجملة لبيان أن امتناعهم من الدخول ليس إلا لهذا السبب. وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أمر موسى أن يدخل مدينة الجبارين فسار بمن معه حتى نزل قريباً من المدينة وهي أريحاء فبعث إليهم اثني عشر عيناً (¬2) من كل سبط منهم عين ليأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمراً عظيماً من هيئتهم وجسمهم وعظمهم، فدخلوا حائطاً لبعضهم فجاء صاحب الحائط ليجني الثمار من حائطه فجعل يجني الثمار فنظر إلى آثارهم فتتبعهم، فكلما أصاب واحداً منهم أخذه فجعله في كمّه مع الفاكهة حتى التقط الاثني عشر كلهم فجعلهم في كمه مع الفاكهة وذهب إلى ملكهم فنثرهم بين يديه فقال الملك قد رأيتم شأننا وأمرنا اذهبوا فأخبروا صاحبكم، قال: فرجعوا إلى موسى فأخبروه بما عاينوه من أمرهم، فقال اكتموا عنا فجعل الرجل يخبر أباه وصديقه ويقول اكتم عني، فأشيع ذلك في عسكرهم ولم يكتم منهم إلا رجلان يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، وهما اللذان أنزل الله فيهما (قال رجلان من الذين يخافون)، وقد روى نحو هذا مما يتضمن المبالغة في وصف هؤلاء وعظم أجسامهم ولا فائدة في بسط ذلك فغالبه من أكاذيب القصاص كما قدمنا. ¬

(¬1) راجت. (¬2) العين في الجيش وهو بمثابة رجل مخابرات.

23

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) (قال رجلان) هما يوشع بن نون وكالب بن يوفنا أو ابن فانيا وكان من الاثني عشر نقيباً كما مر بيان ذلك (من الذين يخافون) من الله عز وجل ويراقبونه، وقيل من الجبارين أي هذان الرجلان من جملة القوم الذين يخافون من الجبارين، وقيل من الذين يخافون ضعف بني إسرائيل وجبنهم، وقيل إن الواو في يخافون لبني إسرائيل أي من الذين يخافهم بنو إسرائيل وقرئ يخافون بضم الياء أي يخافهم غيرهم. (أنعم الله عليهما) صفة ثانية لرجلان أي أنعم عليهما بالإيمان واليقين بحصول ما وعدوا به من النصر والظفر، وقيل أنعم عليهما بالعصمة فكتما ما اطلعا عليه من حالهم إلا عن موسى بخلاف بقية النقباء فأفشوه فجبنوا، وقيل إنها جملة معترضة وهو أيضاً ظاهر، وقيل حال من الضمير في يخافون أو من رجلان. (ادخلوا عليهم الباب) أي باب بلد الجبارين وامنعوهم من الخروج إلى الصحراء لئلا يجدوا للحرب مجالاً بخلاف ما إذا دخلتم عليهم القرية بغتة فإنهم لا يقدرون فيها على الكر والفر (فإذا ادخلتموه فإنكم غالبون) قالا: هذه المقالة لبني إسرائيل، والظاهر أنهما قد علما بذلك من خبر موسى أو قالاه ثقة بوعد الله أو كانا قد عرفا أن الجبارين قد ملئت قلوبهم خوفاً ورعباً. (وعلى الله فتوكلوا) أي ثقوا بالله بعد ترتيب الأسباب، ولا تعتمدوا عليها فإنها غير مؤثرة والله معكم وناصركم (إن كنتم مؤمنين) إذ الإيمان به يقتضي التوكل عليه وهو قطع العلائق، وترك التملق للخلائق.

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) فلما قالا ذلك أراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوا أمرهما، و

24

(قالوا) ما أخبر الله عنهم (يا موسى إنا لن ندخلها) وكان هذا القول منهم فشلاً وجبناً أو عناداً وجراءة على الله ورسوله (أبداً) يعني مدة حياتنا تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول (ما داموا فيها) بيان للأبد أي مقيمين فيها. (فاذهب أنت وربك فقاتلا) قالوا: هذا جهلاً بالله عز وجل وبصفاته وكفراً بما يجب له أو استهانة بالله ورسوله، وقيل أرادوا بالذهاب الإرادة والقصد، وقيل أرادوا بالرب هرون وكان أكبر من موسى وكان موسى يطيعه، والأول أولى (إنا ههنا قاعدون) أي لا نبرح ههنا لا نتقدم معك ولا نتأخر عن هذا الموضع، وقيل أرادوا بذلك عدم التقدم لا عدم التأخر.

25

(قال) موسى (رب إني لا أملك إلا نفسي) يحتمل أن يعطف (وأخي) على نفسي وأن يعطف على الضمير في (إني) أي إني لا أملك إلا نفسي، وإن أخي لا يملك إلا نفسه، وفيه ستة أوجه ذكرها السمين، قال: هذا تحسراً وتحزناً واستجلاباً للنصر من الله عز وجل، وإنما قال (وأخي) وإن كان معه في طاعته يوشع بن نون وكالب بن يوفنا لاختصاص هارون به ولمزيد الاعتناء بأخيه أو المعنى وأخي في الدين والأول أولى. (فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين) أي افصل بيننا يعني نفسه وأخاه وبينهم، وميزنا عن جملتهم ولا تلحقنا بهم في العقوبة، وقيل المعنى فاقض بيننا وبينهم، وقيل إنما أراد في الآخرة.

26

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) (قال فإنها) أي الأرض المقدسة (محرمة عليهم) أي على هؤلاء العصاة بسبب امتناعهم من قتال الجبارين (أربعين سنة) ظرف للتحريم أي أنه محرم عليهم دخولها هذه المدة لا زيادة عليها فلا يخالف هذا التحريم، ما تقدم من قوله (التي كتب الله لكم) فإنها مكتوبه لمن بقي منهم بعد هذه المدة، وقيل إنه لم يدخلها أحد ممن قال إنا لن ندخلها فيكون توقيت التحريم بهذه المدة باعتبار ذراريهم. وقيل إن أربعين سنة ظرف لقوله (يتيهون في الأرض) أي يتيهون هذا المقدار فيكون التحريم مطلقاً والمؤقت هو التيه، وهو في اللغة الحيرة يقال منه تاه يتيه تيهاً أو توها إذا تحيّر فالمعنى يتحيرون في الأرض، قيل إن هذه الأرض التي تاهوا فيها كانت صغيرة نحو ستة فراسخ كانوا يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وكانوا سيارة مستمرين على ذلك لا قرار لهم. وقيل ستة فراسخ في اثني عشر فرسخاً، وقيل تسع فراسخ في ثلاثين فرسخاً، وكان القوم ستمائة ألف مقاتل. واختلف أهل العلم هل كان معهم موسى وهرون أم لا؟ فقيل لم يكونا معهم، لأن التيه عقوبة، وقيل كانا معهم لكن سهل الله عليهما ذلك كما جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم. وقد قيل كيف تقع هذه الجماعة من العقلاء في مثل هذه الأرض اليسيرة في هذه المدة الطويلة؟ قال أبو علي يكون ذلك بأن يحول الله الأرض التي هم عليها إذا ناموا إلى المكان الذي ابتدأوا منه، وقد يكون بغير ذلك من الأسباب

المانعة من الخروج عنها على طريق المعجزة الخارقة للعادة (فلا تأس على القوم الفاسقين) أي لا تحزن عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة. قال الزجاج: ويجوز أن يكون خطاباً لحمد - صلى الله عليه وسلم - أي لا تحزن على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل. وأخرج ابن جرير وابن حاتم عن ابن عباس قال: تاهوا أربعين سنة فهلك موسى وهرون في التيه وكل من جاوز الأربعين سنة فلما مضت الأربعون سنة ناهضهم يوشع بن نون، وهو الذي قام بالأمر بعد موسى، وهو الذي افتتحها وهو الذي قيل له اليوم يوم جمعة فهمّوا بافتتاحها، فدنت الشمس للغروب فخشي إن دخلت ليلة السبت أن يسبتوا فنادى الشمس أني مأمور وأنت مأمورة فوقفت حتى افتتحها، فوجد فيها من الأموال ما لم ير مثله قط فقربوه إلى النار فلم تأت فقال فيكم الغلول، فدعا رؤوس الأسباط وهم اثنا عشر رجلاً فبايعهم فالتصقت يد رجل منهم بيده فقال: الغلول عندك، فأخرجه فأخرج رأس بقرة من ذهب لها عينان من ياقوت وأسنان من لؤلؤ فوضعه مع القربان فأتت النار فأكلتها. وعنه قال خلق لهم في التيه ثياب لا تخلق ولا تدرن، وكان عمر موسى مائة سنة وعشرين سنة ومات بعد هارون بسنة عليهما الصلاة والسلام. وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة مرفوعاً قصة ردّ الشمس لنبيٍ من الأنبياء ولم يسم يوشع، واختلف الناس في حبس الشمس فقيل ردت إلى ورائها، وقيل وقفت ولم ترد، وقيل بطء حركتها، ومات يوشع ودفن في جبل أفرأيتم وله مائة سنة وست وعشرون سنة، وقيل الذي فتح أريحاء هو موسى وكان يوشع على مقدمته، وهذا أصح واختاره الطبري والقرطبي.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

27

(واتل عليهم نبأ ابني آدم) وجه اتصال هذا بما قبله التنبيه من الله على أن ظلم اليهود ونقضهم المواثيق والعهود هو كظلم ابن آدم لأخيه، فالداء قديم، والشر أصيل، وقد اختلف أهل العلم في ابني آدم المذكورين هل هما لصلبه أم لا؟ فذهب الجمهور إلى الأول، وذهب الحسن والضحاك إلى الثاني، وقالا: " إنهما كانا من بني إسرائيل، فضرب بهما المثل في إبانة حسد اليهود، وكانت بينهما خصومة فتقرّبا بقربانين ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل ". قال ابن عطية: " هذا وهم، كيف يجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب "،، قال الجمهور من الصحابة فمن بعدهم اسمهما قابيل وهابيل. (بالحق) أي تلاوة متلبسة بالحق، واختاره الزمخشري أو نبأ متلبساً بالحق، (إذ قربا قرباناً) القربان اسم لما يتقرب به إلى الله عز وجل من صدقة أو ذبيحة أو نسك أو غير ذلك مما يتقرب به، قاله الزمخشري، وقيل مصدر أطلق على الشيء المتقرب به، قاله أبو علي الفارسي وكان قربان قابيل حزمة من سنبل لأنه كان صاحب زرع، واختارها من أردأ زرعه حتى إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها، وكان قربان هابيل كبشاً لأنه كان صاحب غنم أخذه من أجود غنمه. (فتقبل) القربان (من أحدهما) وهو هابيل فرفع إلى الجنة فلم يزل يرعى فيها إلى أن فدى به الذبيح عليه السلام، وكذا قال جماعة من السلف،

وقيل نزلت نار من السماء فأكلت قربانه (ولم يتقبل من الآخر) أي قابيل فحسده وأضمر الحسد في نفسه إلى أن حج آدم. (قال لأقتلنك) قيل سبب هذا القربان أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى إلا شيثاً عليه السلام فإنها ولدته منفرداً، وكان آدم عليه السلام يزوج الذكر من هذا البطن بالأنثى من الآخر، ولا تحل له أخته التي ولدت معه، فولدت مع قابيل أخت جميلة وإسمها إقليما، ومع هابيل أخت ليست كذلك وإسمها ليوذا، فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل أنا أحق بأختي فأمره آدم فلم يأتمر وزجره فلم ينزجر، فاتفقوا على القربان وأنه يتزوجها من تقبل قربانه، قاله ابن عباس، قال ابن كثير في تفسيره إسناده جيد، وكذا قال السيوطي في الدر المنثور. (قال إنما يتقبل الله من المتقين) استئناف كالأول كأنه قيل فماذا قال الذي تقبل. قربانه فقال: قال الخ، وإنما للحصر أي إنما يتقبل القربان من المتقين لا من غيرهم، وكأنه يقول لأخيه إنما أتيت من قبل نفسك لا من قبلي، فإن عدم تقبل قربانك بسبب عدم تقواك وأن حصول التقوى شرط في قبول الأعمال، وعن ابن عباس قال: كان من شأن بني آدم أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه، وإنما كان القربان يقربه الرجل فبينما ابنا آدم قاعدان إذ قالا لو قربنا قرباناً ثم ذكر ما قررناه.

28

(لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني) أي لئن قصدت قتلي واللام هي الموطِّئة للقسم (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) هذا استسلام للقتل من هابيل كما ورد في الحديث " إذا كانت الفتنة فكن كخير ابني آدم " وتلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية قال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً، وأن لا يمنع ممن يريد قتله، وعن ابن جريج نحوه.

قال القرطبي: قال علماؤنا وذلك مما يجوز ورود التعبد به إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر، وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب التذكرة إهـ كلامه. وحديث أبي ذر المشار إليه هو عند مسلم وأهل السنن إلا النسائي وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: " يا أبا ذر أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً كيف تصنع؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: اقعد في بيتك وأغلق عليك بابك قال: فإن لم أترك؟ قال: فأت من أنت منهم فكن فيهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال إذن تشاركهم فيما فيه ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف فألق طرف ردائك على وجهك كي يبوء بإثمه وإثمك " (¬1)، وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة، وقيل معناه ما كنت بمبتديك بالقتل (¬2). (إني أخاف الله) في بسط يدي إليك إن بسطتها لقتلك أن يعاقبني على ذلك (رب العالمين) قيل: كان المقتول أقوى من القاتل وأبطش منه ولكنه تحرج عن قتل أخيه فاستسلم له خوفاً من الله، لأن الدفع لم يكن مباحاً في ذلك الوقت. ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 5/ 149. (¬2) جاء في " المسند " 5/ 226، والبخاري 6/ 262، 12/ 169، 13/ 256، ومسلم 1303، والترمذي 2/ 92، والنسائي 7/ 82، وابن ماجه 2/ 873 من حديث ابن مسعود مرفوعاً، ولفظه " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها، لأنه أول من سن القتل " وقوله: " كفل منها " الكفل، بكسر أوله وسكون الفاء: النصيب، وأكثر ما يطلق على الأجر، والضعف على الإثم. ومنه قوله تعالى: (كفلين من رحمته) [الحديث: 28] ووقع على الإثم في قوله تعالى: (ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها) [النساء: 85].

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

29

(إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) وهذا تعليل ثان لامتناعه من المقاتلة بعد التعليل الأول، واختلف المفسرون في المعنى فقيل أراد هابيل أني أريد أن تبوء بالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك، وبإثمك الذي تحملته بسبب قتلي، وقيل المراد بإثمي الذي يختص بي بسبب سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي، وتبوء بإثمك في قتلي. وهذا يوافق معناه معنى ما ثبت في صحيح مسلم في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يؤتى يوم القيامة بالظالم والظلوم فيؤخذ من حسنات الظالم فتزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه " (¬1)، ومثله قوله تعالى: (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) وقيل المعنى أني أريد أن لا تبوء بإثمي وإثمك كما في قوله تعالى: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم) أي أن لا تميد بكم، وقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) أي أن لا تضلوا. وقال أكثر العلماء: إن المعنى أني أريد أن تبوء بإثمي أي بإثم قتلك لي وإثمك الذي قد صار عليك بذنوبك من قبل قتلي، قال الثعلبي هذا قول عامة المفسرين. وقيل المعنى أن تبوء بعقاب إثمي وإثمك فحذف المضاف، ¬

(¬1) الباب العاشر من كتاب المظالم في صحيح البخاري- الباب الثاني من كتاب القيامة في صحيح الترمذي.

وقيل هو على وجه الإنكار كقوله تعالى: (وتلك نعمة) أي أو تلك نعمة، قاله القشيري ووجهه بأن إرادة القتل معصية. وسئل أبو الحسن بن كيسان كيف يريد المؤمن أن يأثم أخوه وأن يدخل النار فقال: وقعت الإرادة بعدما بسط يده إليه بالقتل، وهذا بعيد جداً وكذلك الذي قبله، وقال الزمخشري: ليس ذلك بحقيقة الإرادة لكنه لما علم أنه يقتله لا محالة ووطّن نفسه على الاستسلام للقتل طلباً للثواب فكأنه صار مريداً لقتله مجازاً، وإن لم يكن مريداً حقيقة إهـ وأصل باء رجع إلى المباءة وهي المنزل (وباؤا بغضب من الله) أي رجعوا (¬1). (فتكون من أصحاب النار) أي الملازمين لها (وذلك جزاء الظالمين) أي جهنم جزاء من قتل أخاه ظلماً. ¬

(¬1) قال القرطبي 6/ 136: قال علماؤنا: وذلك مما يجوز التعبد به، إلا أن في شرعنا يجوز دفعه إجماعاً، وفي وجوب ذلك عليه خلاف، والأصح وجوب ذلك، لما فيه من النهي عن المنكر. وفي الحشوية قوم لا يجوزون للمصول عليه الدفع، واحتجوا بحديث أبي ذر، وحمله العلماء على ترك القتال في الفتنة، وكف اليد عند الشبهة على ما بيناه في كتاب " التذكرة " قلت: حديث أبي ذر في " المسند " 5/ 149، وأبي داود 4/ 124، وابن ماجه 2/ 1308 وفيه " أرأيت إن قتل الناس بعضهم بعضاً، يعني حتى تغرق حجارة الزيت من الدماء كيف تصنع؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أقعد في بيتك، وأغلق عليك بابك. قال: فإن لم أترك؟ قال: فات من أنت منهم، قال: فآخذ سلاحي؟ قال: إذن تشاركهم فيما هم فيه، ولكن إن خشيت أن يروعك شعاع السيف، فألق طرف ردائك على وجهك حتى يبوء بإثمه وإثمك " وفي معناه أحاديث عن جماعة من الصحابة، انظر " سنن أبي داود " كتاب الفتن.

30

(فطوّعت له نفسه) أي سهلت نفسه عليه الأمر وشجعته وزينت له وصورت له أن (قتل أخيه) طوع يده سهل عليه، يقال تطوع الشيء أي سهل وانقاد، وطوّعه فلان له أي سهله، قال الهروي، طوعت وطاوعت واحد، يقال طاع له كذا إذا أتاه طوعاً، وفي ذكر تطويع نفسه له بعدما تقدم من قول قابيل لأقتلنك، وقول هابيل لتقتلني، دليل على أن التطويع لم يكن قد حصل له عند تلك المقاولة.

(فقتله) قال ابن جريج ومجاهد وغيرهما: روي أنه جهل كيف يقتل أخاه فجاءه ابليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين ليقتدي به قابيل ففعل وقيل غير ذلك مما يحتاج إلى تصحيح الرواية. أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في الآية قالوا: فطلبه ليقتله فراغ الغلام منه في رؤوس الجبال فأتاه يوماً من الأيام وهو يرعى غنماً له وهو نائم فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات فتركه بالعراء ولا يعلم كيف يدفنه. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تقتل نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه أول من سن القتل " (¬1). واختلف في موضع قتله فقال ابن عباس: على جبل نود، وقيل على عقب: حراء وقيل بالبصرة عند مسجدها الأعظم، وكان عمر هابيل يوم قتل عشرين سنة. (فأصبح من الخاسرين) قال ابن عباس: خسر دنياه وآخرته، أما دنياه فأسخط والديه وبقي بلا أخ وأما آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار. ¬

(¬1) مسلم 1677 - البخاري 1575.

31

(فبعث الله غراباً يبحث في الأرض) أي يحفرها وينثر ترابها وينبش بمنقاره برجليه ويثيره على غراب ميت معه حتى واراه (ليريه) الله أو الغراب (كيف يواري سوأة أخيه) أي عورته وجيفته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده، قيل: إنه لما قتل أخاه لم يدر كيف يواريه لكونه أول ميت مات من بني

آدم، فبعث الله غرابين أخوين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه فحفر له ثم حثى عليه. فلما رآه قابيل (قال يا ويلتا) كلمة تحسر وتحزن وتلهف وجزع، والألف بدل من ياء المتكلم كأنه دعا ويلته أن تحضر في ذلك الوقت وتلزمه، وقال الكرخي: أي يا هلاكي تعال، والويلة الهلكة وتستعمل عند وقوع الداهية العظيمة، وفيه اعتراف على نفسه باستحقاق العذاب، وأصل النداء أن يكون لمن يعقل وقد ينادى ما لا يعقل مجازاً. (أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) الذي وارى الغراب الآخر، والكلام خارج مخرج التعجب منه من عدم اهتدائه لمواراة أخيه كما اهتدى الغراب إلى ذلك (فأواري سوأة أخي) يعني فأستر جيفته وعورته عن الأعين (فأصبح من النادمين) قيل لم يكن ندمه ندم توبة بل ندم لفقده لا على قتله وقيل غير ذلك. روي أنه لما قتله اسودّ جسده وكان أبيض، فالسودان من ولده وكان آدم يومئذ بمكة فاشتاك الشجر وتغيرت الأطعمة وحمضت الفواكه فقال آدم قد حدث في الأرض حدث، فأتى الهند فوجد قابيل قد قتل هابيل، قال الزمخشري ويروى أنه رثاه بشعر، وهو كذب بحت، وما الشعر إلا محول ملحون، وقد صح أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الشعر. قال الرازي: ولقد صدق صاحب الكشاف فيما قال فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق إلا بالحمقاء من المتعلمين فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة.

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

32

(من أجل ذلك) القاتل وجريرته وبسبب معصيته، وقال الزجاج: أي من جنايته قال يقال أجل الرجل على أهله شراً يأجل أجلاً إذا جنى، مثل أخذ يأخذ أخذاً (كتبنا على بني إسرائيل) أي فرضنا وأوجبنا عليهم يعني أن نبأ ابني آدم هو الذي تسبب عنه الكتب المذكورة على بني إسرائيل، وعلى هذا جمهور المفسرين، وخص بني إسرائيل بالذكر لأن السياق في تعداد جناياتهم، ولأنهم أوّل أمة نزل الوعيد عليهم في قتل الأنفس ووقع التغليظ فيهم إذ ذاك لكثرة سفكهم للدماء وقتلهم للأنبياء. وهذا مشكل لأنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل، وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل، قال بعضهم هو من تمام الكلام الذي قبله، والمعنى فأصبح من النادمين من أجل ذلك، يعني من أجل أنه قتل هابيل ولم يواره، ويروى عن نافع أنه كان يقف على قوله من أجل ذلك ويجعله من تمام الكلام الأول. فعلى هذا يزول الإشكال ولكن جمهور المفسرين وأصحاب المعاني على أنه ابتداء كلام متعلق بكتبنا فلا يوقف عليه، وفي السيد على الكشاف وخص بني إسرائيل مع أن الحكم عام لكثرة القتل فيهم حتى إنهم تجرَّؤوا على قتل الأنبياء إهـ وقيل غير ذلك. (أنه من قتل نفساً) واحدة من هذه النفوس ظلماً (بغير نفس) توجب القصاص فيخرج عن هذا من قتل نفساً بنفس قصاصاً، وقد تقرر أن كل

حكم مشروط بتحقق أحد شيئين فنقيضه مشروط بانتفائهما معاً، وكل حكم مشروط بتحققهما معاً فنقيضه مشروط بانتفاء أحدهما ضرورة أن نقيض كل شيء مشروط بنقيض شرطه. (أو فساد في الأرض) فيستحق به القتل، وقد اختلف في هذا الفساد المذكور في هذه الآية ماذا هو فقيل هو الشرك والكفر بعد الإيمان، وقيل قطع الطريق. وظاهر النظم القرآني أنه ما يصدق عليه أنه فساد في الأرض، فالشرك فساد في الأرض وقطع الطريق فساد في الأرض، وسفك الدماء وهتك الحرم ونهب الأموال فساد في الأرض، والبغي على عباد الله بغير حق فساد في الأرض، وهدم البنيان وقطع الأشجار وتغوير الأنهار فساد في الأرض، فعرفت بهذا أنه يصدق على هذه الأنواع أنها فساد في الأرض، وهكذا الفساد الذي يأتي في قوله: (ويسعون في الأرض فساداً) يصدق على هذه الأنواع، وسيأتي تمام الكلام على معنى الفساد قريباً. (فكأنما قتل الناس جميعاً) أي في الذنب قاله الحسن، واختلف المفسرون في تحقيق هذا التشبيه للقطع بأن عقاب من قتل الناس جميعاً أشد من عقاب من قتل واحداً منهم، فروي عن ابن عباس أنه قال: المعنى من قتل نبياً أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعاً. (ومن أحياها) بأن شدّ عضده ونصره (فكأنما أحيا الناس جميعاً) أي في الأجر قاله الحسن، وروي عن مجاهد أنه قال: أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمداً جعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذاباً عظيماً، فلو قتل الناس جميعاً لم يزد على هذا، قال ومن سلم من قتلها فلم يقتل أحداً فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقال ابن زيد المعنى: أن من قتل نفساً فيلزمه من القود والقصاص ما يلزمه من قتل الناس جميعاً ومن أحياها أي من عفا عمن وجب قتله فله من

الثواب مثل ثواب من أحيا الناس جميعاً، وحكي عن الحسن أنه العفو بعد القدرة يعني أحياناً، وروي عن مجاهد أن إحياءها إنجاؤها من غرق أو حرق أو هدم أو هلكة. وقيل: المعنى أن من قتل نفساً فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً أي وجب على الكل شكره، وقيل المعنى أن من استحل واحداً فقد استحل الجميع، لأنه أنكر الشرع، ومن تورع عن قتل مسلم فكأنما تورع عن قتل جميعهم فقد سلموا منه. وعلى كل حال فالإحياء هنا عبارة عن الترك والإنقاذ من هلكة، فهو مجاز إذ المعنى الحقيقي مختص بالله عز وجل، والمراد بهذا التشبيه في جانب القتل ْتهويل أمر القتل وتعظيم أمره في النفوس حتى ينزجر عنه أهل الجرآة والجسارة، وفي جانب الإحياء الترغيب في العفو عن الجناة واستنقاذ المتورطين في الهلكات، ولذلك صدر النظم الكريم بضمير الشأن المنبي عن كمال شهرته ونباهته وتبادره إلى الأذهان. سئل الحسن عن هذه الآية أهي لنا كما كانت لبني إسرائيل، فقال: أي والذي لا إله غيره ما كانت دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا. (ولقد جاءتهم) أي بني إسرائيل (رسلنا بالبينات) الدلالات الواضحات، جملة مستقلة مؤكدة باللام الموطئة للقسم متضمنة للإخبار بأن الرسل عليهم الصلاة والسلام قد جاؤا العباد بما شرعه الله لهم من الأحكام التي من جملتها أمر القتل. وثم في قوله: (ثم إن كثيراً منهم) للتراخي الرتبي والاستبعاد العقلي (بعد ذلك) أي ما ذكر مما كتبه الله على بني إسرائيل من تحريم القتل (في الأرض لمسرفون) في القتل لا ينتهون عنه، أو لمجاوزون الحق لا يبالون بعظمته.

33

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) (إنّما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) قد اختلف الناس في سبب نزول هذه الآية فذهب الجمهور إلى أنها نزلت في العرنيين (¬1) وقال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي: إنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يقطع الطريق ويسعى في الأرض بالفساد قال ابن المنذر: قول مالك صحيح. قال أبو ثور محتجاً لهذا القول إن قوله في هذه الآية: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) يدل على أنها نزلت في غير أهل الشرك لأنهم قد أجمعوا على أن أهل الشرك إذا وقعوا في أيدينا فأسلموا أن دماءهم تحرم، فدل ذلك على أن الآية نزلت في أهل الإسلام أهـ. وهكذا يدل على هذا قوله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " الإسلام يهدم ما قبله " (¬2)، أخرجه مسلم وغيره. وحكى ابن جرير في تفسيره عن بعض أهل العلم أن هذه الآية أعني آية المحاربة نسخت فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العرنيين، ووقف الأمر على هذه الحدود. وروي عن محمد بن سيرين أنه قال: كان هذا قبل أن ينزل الحدود يعني ¬

(¬1) هم أناس جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأظهروا الإسلام ثم مرضوا من جو المدينة، فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في إبل خارج المدينة ليتداووا بألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي وساقوا الإبل، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث وراءهم فأحضرهم وعاقبهم بما هو معلوم. (¬2) مسلم 121.

فعله صلى الله عليه وآله واسم بالعرنيين، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، وذهب جماعة آخرون إلى أن فعله - صلى الله عليه وسلم - بالعرنيين منسوخ بنهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المثلة، والقائل بهذا مطالب ببيان تأخر الناسخ. والحق أن هذه الآية تعم المشرك وغيره ممن ارتكب ما تضمنته ولا اعتبار بخصوص السبب بل الاعتبار بعموم اللفظ. قال القرطبي في تفسيره: ولا خلاف بين أهل العلم في أن حكم هذه الآية مرتب على المحاربين من أهل الإسلام وإن كانت نزلت في المرتدين أو اليهود انتهى. ومعنى قوله مرتب أي ثابت، قيل المراد بمحاربة الله المذكورة في الآية هي محاربة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومحاربة المسلمين في عصره ومن بعد عصره بطريق العبارة دون الدلالة ودون القياس، لأن ورود النص ليس بطريق المشافهة حتى يختص حكمه بالمكلفين عند النزول فيحتاج في تعميم الخطاب لغيرهم إلى دليل آخر. وقيل إنها جعلت محاربة المسلمين محاربة لله ولرسوله إكباراً لحربهم وتعظيماً لأذيّتهم، لأن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب، والأولى أن تفسر محاربة الله سبحانه بمعاصيه ومخالفة شرائعه، ومحاربة الرسول تحمل على معناها الحقيقي وحكم أمته حكمه وهم أُسوته. (ويسمعون في الأرض فساداً) بحمل السلاح والخروج على الناس وقتل النفس وأخذ الأموال وقطع الطريق، والسعي فيها فساداً يطلق على أنواع من الشرك كما قدمنا قريباً، وانتصاب فساداً على الصدرية أو على أنه مفعول له أي للفساد أو على الحال بالتأويل أي مفسدين. وقال ابن كثير في تفسيره: قال كثير من السلف منهم سعيد بن المسيب أن قرض الدراهم والدنانير من الإفساد في الأرض، وقد قال تعالى: (وإذا

تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) انتهى. وإذا تقرر لك ما قررناه من عموم الآية ومن معنى المحاربة والسعي في الأرض فساداً فاعلم أن ذلك يصدق على كل من وقع منه ذلك، سواء كان مسلماً أو كافراً، في مصر أو غير مصر، في قليل وكثير وجليل وحقير، وأن حكم الله في ذلك هو ما ورد في هذه الآية من القتل أو الصلب أو قطع الأيدي والأرجل من خلاف أو النفي من الأرض. ولكن لا يكون هذا حكم من فعل أي ذنب من الذنوب بل من كان ذنبه هو التعدي على دماء العباد وأقوالهم فيما عدا ما قد ورد له حكم غير هذا الحكم في كتاب الله أو سنة رسوله كالسرقة وما يجب فيه القصاص، لأنا نعلم أنه قد كان في زمنه صلى الله عليه وسلم من تقع منه ذنوب ومعاص غير ذلك ولا يجري عليه - صلى الله عليه وسلم - هذا الحكم المذكور في هذه الآية. وبهذا يعرف ضعف ما روي عن مجاهد في تفسير المحاربة المذكورة في هذه الآية أنها الزنا والسرقة، ووجه ذلك أن هذين الذنبين قد ورد في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - لهما حكم غير هذا الحكم. وإذا عرفت ما هو الظاهر من معنى هذه الآية على مقتضى لغة العرب التي أمرنا أن نفسر كتاب الله وسنة رسوله بها، فإياك أن تغتر بشيء من التفاصيل المروية، والمذاهب المحكية إلا أن يأتيك الدليل الموجب لتخصيص هذا العموم، أو تقييد هذا المعنى المفهوم، من لغة العرب فأنت وذاك، إعمل به وضعه في موضعه، وأما ما عداه: فدع عنك نهباً صيح في حجراته ... وهات حديثاً ما حديث الرواحل. على أنا سنذكر من هذه المذاهب ما تسمعه. اعلم أنه قد اختلف العلماء فيمن يستحق اسم المحاربة، فقال ابن

عباس وسعيد بن المسيب ومجاهد وعطاء والحسن البصري وإبراهيم النخعي والضحاك وأبو ثور: إن من شهر السلاح في قبة الإسلام وأخاف السبيل ثم ظفر به وقدر عليه فإمام المسلمين فيه بالخيار إن شاء قتله وإن شاء صلبه وإن شاء قطع يده ورجله. وبهذا قال مالك وصرح بأن المحارب عنده من حمل على الناس في مصر أو في برية أو كابرهم على أنفسهم وأموالهم دون نائرة ولا دخل ولا عداوة. قال ابن المنذر: اختلف على مالك في هذه المسألة فأثبت المحاربة في مصر مرة ونفى ذلك أخرى، وروى عن ابن عباس غير ما تقدم فقال في قطّاع الطريق: إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالاً نفوا من الأرض. وروي عن أبي مجلز وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي والحسن وقتادة والسدي وعطاء على اختلاف في الرواية عن بعضهم وحكاه ابن كثير عن الجمهور، وقال أيضاً وهكذا عن غير واحد من السلف والأئمة. وقال أبو حنيفة: وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه، وقال أبو يوسف: القتل يأتي على كل شيء، ونحوه قول الأوزاعي. وقال الشافعي: إذا أخذ المال قطعت يده اليمنى وحسمت، ثم قطعت رجله اليسرى وحسمت وخلي، لأن هذه الجناية زادت على السرقة بالحرابة، وإذا قتل قتل وإذا أخذ المال وقتل قتل وصلب، وروي عنه أنه قال: يصلب ثلاثة أيام. وقال أحمد: إن قتل قتل وإن أخذ المال قطعت يده ورجله كقول الشافعي.

ولا أعلم لهذه التفاصيل دليلاً، لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره وتفرد بروايته فقال: حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم عن يزيد بن حبيب أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس ابن مالك يسأله عن هذه الآية فكتب إليه يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين وهم من بجيلة. قال أنس: فارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل وأخافوا السبيل وأصابوا الفرج الحرام، فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده لسرقته ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه. وهذا مع ما فيه من النكارة الشديدة لا يدرى كيف صحته، قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لشيء من هذه التفاصيل التي ذكرناها ما لفظه: ويشهد لهذا التفصيل الحديث الذي رواه ابن جرير في تفسيره إن صح سنده ثم ذكره. (أن يقتّلوا) التفعيل للتكثير وهو هنا باعتبار المتعلق أي ويقتلوا واحداً بعد واحد. (أو يصلّبوا) ظاهره أنهم يصلبون أحياء حتى يموتوا لأنه أحد الأنواع التي خير الله بينها، وقال قوم الصلب إنما يكون بعد القتل ولا يجوز أن يصلب قبل القتل فيحال بينه وبين الصلاة والأكل والشرب ويجاب بأن هذه عقوبة شرعها الله سبحانه في كتابه لعباده. (أو تقطّع أيديهم وأرجلهم من خلاف) ظاهره قطع إحدى اليدين وإحدى الرجلين من خلاف سواء كانت المقطوعة من اليدين هي اليمنى أو اليسرى، وكذلك الرجلان، ولا يعتبر إلا أن يكون القطع من خلاف إما يمنى

اليدين وإما يسرى الرجلين أو يسرى اليدين مع يمنى الرجلين، وقيل المراد بهذا القطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فقط. (أو ينفوا من الأرض) اختلف المفسرون في معناه فقال السدي هو أن يطلب بالخيل والرجل حتى يؤخذ فيقام عليه الحد، أو يخرج من دار الإسلام هرباً، وهو محكي عن ابن عباس وأنس ومالك والحسن البصري والسدي والضحاك وقتادة وسعيد بن جبير والربيع بن أنس والزهري. حكاه الرماني في كتابه عنهم. وحكي عن الشافعي أنهم يخرجون من بلد إلى بلد ويطلبون لتقام عليهم الحدود، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن مالك أنه ينفى من البلد الذي أحدث فيه إلى غيره ويحبس فيه كالزاني ورجحه ابن جرير والقرطبي، وقال الكوفيون نفيهم سجنهم، فينفى من سعة الدنيا إلى ضيقها. والظاهر من الآية أنه يطرد من الأرض التي وقع منه فيها ما وقع من غير سجن ولا غيره، والنفي قد يقع بمعنى الإهلاك وليس هو مراداً هنا قال مكحول أن عمر بن الخطاب أول من حبس في السجون يعني من هذه الأمة وقال: احبسه حتى أعلم منه التوبة ولا أنفيه إلى بلد آخر فيؤذيهم، وقال الكرخي ينفوا من الأرض إلى مسافة قصر فما فوقها لأن المقصود من النفي الوحشة والبعد عن الأهل والوطن، فإذا عين الإمام جهة فليس للمنفي طلب غيرها ولا يتعين الحبس. (ذلك) إشارة إلى ما سبق ذكره من الأحكام (لهم) أي للمحاربين (خزي في الدنيا) الخزي الذل والفضيحة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) هذا الوعيد في حق الكفار الذين نزلت الآية فيهم، وأما المسلم فإنه إذا أقيم عليه الحد في الدنيا سقطت عنه عقوبة الآخرة.

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35)

34

(إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) استثنى الله سبحانه التائبين من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة، والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقاب المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه محمل الصحابة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يسقط القصاص وسائر حقوق الآدميين بالتوبة قبل القدرة والحق الأول، وأما التوبة بعد القدرة فلا يسقط بها العقوبة المذكورة في الآية كما يدل عليه ذكر قيد (قبل أن تقدروا عليهم). قال القرطبي: وأجمع أهل العلم على أن السلطان وليُّ من حارب، فإن قتل محارب أخا امرئ أو أباه في حال المحاربة فليس إلى طالب الدم من أمر المحاربة شيء ولا يجوز عفو ولي الدم (فاعلموا أن الله غفور رحيم) بهم، عبر بذلك دون: فلا تحدوهم ليفيد أنه لا يسقط عنه بتوبته إلا حدود الله دون حقوق الآدميين، قال السيوطي: كذا ظهر لي ولم أر من تعرض له والله أعلم انتهى أي من حيث فهمه من الآية وإن كان في نفسه ظاهراً. أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال: نزلت في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يكن عليه السبيل، وليست تحرز هذه الآية الرجل المسلم من الحد إن قتل أو أفسد أو حارب الله ورسوله. وعنه عند ابن جرير والطبراني في الكبير فإن جاء تائباً فدخل في الإسلام قبل منه ولم يؤخذ بما سلف.

وأخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص أن هذه الآية نزلت في الحرورية (¬1). وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس أن نفراً من عكل قدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا واجتووا المدينة فأمرهم - صلى الله عليه وسلم - أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها فقتلوا راعيها واستاقوها فبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم في طلبهم كافة فأتى بهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ولم يحسمهم وتركهم حتى ماتوا فأنزل الله (إنما جزاء الذين يحاربون الله) الآية. وفي مسلم عن أنس إنما سمل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاة. وعن الشعبي قال: " كان حارثة بن بدر التيمي من أهل البصرة قد أفسد في الأرض وحارب فكلم رجالاً من قريش أن يستأمنوا له علياً فأبوا، فأتى سعيد بن قيس الهمداني فأتى علياً فقال: يا أمير المؤمنين ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ثم قال: إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم، فقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: وإن كان حارثة بن بدر، قال: هذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً فهو آمن، قال: نعم، قال: فجاء به إليه وقبل ذلك منه وكتب له أماناً ". ¬

(¬1) طائفة من الخوارج.

35

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أي خافوا الله بترك المنهيات (وابتغوا إليه) أي اطلبوا إليه لا إلى غيره (الوسيلة) فعيلة من توسلت إليه إذا تقربت إليه، فالوسيلة القربة التي ينبغي أن تطلب، وبه قال أبو وائل والحسن ومجاهد وقتادة والسدي وابن زيد وروي عن ابن عباس وعطاء وعبد الله بن كثير.

قال ابن كثير في تفسيره: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، والوسيلة أيضاً درجة في الجنة مختصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إلا حلت له الشفاعة يوم القيامة " (¬1). وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى عليَّ صلاة صلى الله عليه عشراً ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت عليه الشفاعة " (¬2)، وفي الباب أحاديث. والعطف على (يا أيها الذين) يفيد أن الوسيلة غير التقوى، وقيل هي التقوى لأنها ملاك الأمر وكل الخير فتكون الجملة الثانية على هذا مفسرة للجملة الأولى، والظاهر أن الوسيلة التي هي القربة تصدق على التقوى وعلى غيرها من خصال الخير التي يتقرب بها العباد إلى ربهم، وقيل معنى الوسيلة المحبة أي تحببوا إلى الله والأول أولى. (وجاهدوا في سبيله) من لم يقبل دينه وقبل أعداءه البارزة والكامنة (لعلكم تفلحون) أي لكي تسعدوا بالخلود في جنته لأن الفلاح اسم جامع للخلاص من كل مكروه والفوز بكل محبوب. ¬

(¬1) الترمذي الباب 42 من كتاب الصلاة- النسائي الباب 28 من كتاب الأذان. (¬2) مسلم 384.

36

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) (إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض) كلام مبتدأ مسوق لزجر الكفار وترغيب المسلمين في امتثال أوامر الله سبحانه أي لو أن لهم ما في الأرض من أصناف أموالها وذخائرها ومنافعها قاطبة، وقيل المراد لكل واحد منهم ليكون أشد تهويلاً وإن كان الظاهر من ضمير الجمع خلاف ذلك (جميعاً) تأكيد (ومثله معه) أي أن الكافر لو ملك الدنيا ودنيا أخرى مثلها معها. (ليفتدوا به) أي ليجعلوا كلاًّ منهما فدية لأنفسهم من العذاب، وأفرد الضمير إما لكونه راجعاً إلى المذكور أو لكونه بمنزلة اسم الإشارة أي ليفتدوا بذلك (من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم) ذلك الفداء (ولهم عذاب أليم) أي لا من سبيل ولا لهم الخلاص منه بوجه من الوجوه. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذاباً لو كانت لك الدنيا كلها أكنت مفتدياً بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أيسر من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي ولا أدخلك النار وأدخلك الجنة فأبيت إلا الشرك "، هذا لفظ مسلم (¬1). وفي رواية البخاري: يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقال له: لقد كنت سئلت ما هو أيسر من ذلك أن لا تشرك بي (¬2). ¬

(¬1) مسلم 2805. (¬2) البخاري 1574.

37

يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37) (يريدون أن يخرجوا من النار) هذا استئناف بياني كأنه قيل كيف حالهم فيما هم فيه من هذا العذاب الأليم فقيل يقصدون الخروج من النار ويطلبونه أو يتمنون (وما هم بخارجين منها) أي لا يستطيعون ذلك ومحلها النصب على الحال وقيل إنها جملة اعتراضية (ولهم عذاب مقيم) أي دائم ثابت لا يزول عنهم ولا ينتقل أبداً. أخرج مسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى عليه وآله وسلم قال: " يخرج من النار قوم فيدخلون الجنة " (¬1)، قال يزيد الفقير قلت لجابر: يقول الله يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها قال اتل أول الآية إن الذين كفروا الآية، ألا إنهم الذين كفروا. وعن عكرمة أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: تزعم أن قوماً يخرجون من النار وقد قال الله تعالى وما هم بخارجين منها فقال ابن عباس: ويحك اقرأ ما فوقها هذه للكفار، قال الزمخشري في الكشاف بعد ذكره: لهذا إنه مما لفّقته المجبّرة انتهى. ويا لله العجب من رجل لا يفرق بين أصح الصحيح وبين أكذب الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يتعرض للكلام على ما لا يعرفه ولا يدري ما هو، وقد تواترت الأحاديث تواتراً لا يخفى على من له أدنى إلمام بعلم الرواية أن عصاة الموحدين يخرجون من النار، فمن أنكر هذا فليس بأهل المناظرة لأنه أنكر ما هو من ضروريات الشريعة. ¬

(¬1) البخاري الباب 51 من كتاب الرقاق- الترمذي الباب التاسع والعاشر من كتاب جهنم.

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40)

38

(والسارق والسارقة فاقطعوا) لما ذكر سبحانه حكم من يأخذ المال جهاراً وهو المحارب، عقبه بذكر من يأخذ المال خفية وهو السارق، وذكر السارقة مع السارق لزيادة البيان، لأن غالب القرآن الاقتصار على الرجال في تشريع الأحكام. وقد اختلف أئمة النحو في خبر السارق والسارقة هل هو مقدر أم فاقطعوا، فذهب إلى الأول سيبويه وقال تقديره فيما فرض عليكم أو فيما يتلى عليكم السارق والسارقة أي حكمهما، وذهب المبرد والزجاج إلى الثاني، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط. والسرقة بكسر الراء اسم الشيء المسروق، والمصدر هو السرق من سرق يسرق سرقاً، قاله الجوهري: وهو أخذ الشيء في خفية من الأعين، ومنه استرق السمع وسارقه النظر، والقطع معناه الإبانة والإزالة، وقدم السارق هنا والزانية في آية الزنا لأن الرجال إلى السرقة أميل، والنساء إلى الزنا أميل. (أيديهما) أي يمين كل منهما من الكوع، وجمع الأيدي لكراهة الجمع بين التثنيتين، وقيل لأنه أراد يميناً من هذا ويميناً من هذه، فجمع فإنه ليس للإنسان إلا يمين واحدة وكل شيء موحّد من أعضاء الإنسان إذا ذكر مضافاً إلى اثنين فصاعداً جمع، والمراد باليد هنا اليمين قاله الحسن والشعبي والسدي، وكذلك هو في قراءة ابن مسعود فاقطعوا أيمانهما، وقيل الجارحة وحدّها عند

جمهور أهل اللغة من رؤوس الأصابع إلى الكوع فيجب قطعها من الكوع. وقد بينت السنة المطهرة أن موضع القطع الرسغ، قال قوم يقطع من المرافق، وقال الخوارج من المنكب، والسرقة لا بد أن تكون ربع دينار فصاعداً ولا بد أن تكون من حرز كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة، وقد ذهب إلى اعتبار الحرز وربع الدينار الجمهور، وذهب قوم إلى التقدير بعشرة دراهم، وقال الحسن البصري: إذا جمع الثياب في البيت قطع. وقد أطال الكلام في بحث السرقة أئمة الفقه وشراح الحديث بما لا يأتي التطويل به هنا بكثير فائدة، وأوضحت البحث في ذلك في شرحي لكتاب بلوغ المرام. (جزاء بما كسبا) أي ذلك القطع جزاء على فعلهم (نكالاً من الله) أي عقوبة منه، تقول نكلت به إذا فعلت به ما يجب أن ينكل به عن ذلك الفعل، وعن قتادة قال: لا ترثوا لهم فيه فإنه أمر الله الذي أمر به، قال وذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اشتدوا على الفساق واجعلوهم يداً يداً ورجلاً رجلاً. (والله عزيز) غالب في انتقامه ممن عصاه لا يعارض في حكمه (حكيم) فيما أوجبه من قطع يد السارق.

39

(فمن تاب من بعد ظلمه) السياق يفيد أن المراد بالظلم هنا السرقة أي فمن تاب من بعد سرقته (وأصلح) أمره ولكن اللفظ عام فيشمل السارق وغيره من المذنبين، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (فإن الله يتوب عليه) أي يغفر له ويتجاوز عنه ويقبل توبته (إن الله غفور) لمن تاب (رحيم) يرحمه. وقد استدل بهذا عطاء وجماعة على أن القطع يسقط بالتوبة، وليس هذا

الاستدلال بصحيح لأن هذه الجملة الشرطية لا تفيد إلا مجرد قبول التوبة وليس فيها ما يفيد أنه لا قطع على التائب، وقد كان في زمن النبوة يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجب عليه حد تائباً عن الذنب الذي ارتكبه طالباً لتطهيره بالحد فيحده النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال للسارق بعد قطعه " تب إلى الله " ثم قال: تاب الله عليك (¬1) أخرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة. وأخرج أحمد وغيره أن هذه الآية نزلت في المرأة التي كانت تسرق المتاع لما قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد قطعها: هل لي توبة؟ وقد ورد في السنة المطهرة ما يدل على أن الحدود إذا رفعت إلى الأئمة وجبت وامتنع إسقاطها وإن عفا عنه قبل الرفع إلى الإمام سقط القطع، وعليه الشافعي. ¬

(¬1) الدارقطني عن أبي هريرة.

40

(ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض) هذا الاستفهام للإنكار مع تقرير العلم وهو كالعنوان لقوله (يعذب من يشاء) أي من كان له ملك السموات والأرض فهو قادر على هذا التعذيب الموكول إلى المشيئة والمغفرة الموكولة إليها، والخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به جميع الناس، وقيل الخطاب لكل فرد من الناس (ويغفر لمن يشاء) وإنما قدم التعذيب على المغفرة لأنه في مقابلة السرقة المقدمة على التوبة. وهذه الآية فاضحة للقدرية والمعتزلة في قولهم بوجوب الرحمة للمطيع والعذاب للعاصي، لأن الآية دالة على أن التعذيب والرحمة مفوضان إلى المشيئة والوجوب ينافي ذلك (والله على كل شيء قدير) لأن الخلق كلهم عبيده وفي ملكه.

41

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41) (يا أيها الرسول) هذا خطاب تشريف وتكريم وتعظيم، وقد خاطبه الله عز وجل بيا أيها النبي في مواضع من كتابه، وبيا أيها الرسول في موضعين هذا أحدهما والآخر قوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك). (لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر) أي لا تهتم ولا تبال بهم فإني ناصرك عليهم وكافيك شرهم، والحزن خلاف السرور، وحزن الرجل بالكسر فهو حزن وحزين وأحزنه غيره، قال اليزيدي حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم وقد قرىء بهما. وفي الآية النهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن التأثر لمسارعة الكفرة في كفرهم تأثراً بليغاً على أبلغ وجه وآكده، فإن النهي عن أسباب الشيء ومباديه نهيٌ عنه بالطريق البرهاني وقطع له من أصله، لأن الله سبحانه قد وعده في غير موطن بالنصر عليهم، والمسارعة إلى الشيء الوقوع فيه بسرعة، والمراد هنا وقوعهم في الكفر بسرعة عند وجود فرصة، وآثر لفظ (في) على لفظ إلى للدلالة على استقرارهم فيه، والمسارعون هم اليهود، قاله ابن عباس. (من الذين قالوا) من بيانية والجملة مبيّنة للمسارعين في الكفر، وهؤلاء الذين قالوا (آمنا بأفواههم) بألسنتهم (ولم تؤمن قلوبهم) هم

المنافقون، قاله ابن عباس، والمعنى أن المسارعين في الكفر طائفة من المنافقين (ومن الذين هادوا) أي وطائفة من اليهود قال الزجاج الكلام تم عند قوله هذا ثم ابتدأ الكلام بقوله: (سمَاعون للكذب) وهذا راجع إلى الفريقين أو إلى المسارعين، واللام في قوله للكذب للتقوية أو لتضمين السماع معنى القول، وقيل معناه من الذين هادوا قوم قائلون الكذب من رؤسائهم المحرفين للتوراة (سماعون) أي لكلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأجل الكذب عليه (لقوم آخرين) وجهوهم عيوناً وجواسيس لهم لأجل أن يبلّغوهم ما سمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الفراء: ويجوز سماعين كما قال ملعونين أينما ثقفوا، والحاصل أن هؤلاء القوم من اليهود لهم صفتان سماع الكذب من أحبارهم ونقله إلى عوامهم، وسماع الحق منك ونقله إلى أحبارهم ليحرفوه. (لم يأتوك) صفة لقوم أي لم يحضروا مجلسك وهم طائفة من اليهود كانوا لا يحضرون مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تكبراً وتمرداً وقيل هم جماعة من المنافقين كانوا يتجنبون مجالس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ويحرّفون الكلم) الذي في التوراة كآية الرجم أي يزيلونه ويميلونه أو يتأولونه على غير تأويله والمحرفون هم اليهود، قال القسطلاني في إرشاد الساري: وقد صرح كثير بأن اليهود والنصارى بدلوا ألفاظاً كثيرة من التوراة والإنجيل وأتوا بغيرها من قبل أنفسهم، وحرفوا أيضاً كثيراً من المعاني بتأويلها على غير الوجه. ومنهم من قال أنهم بدلوهما كليهما، ومن ثَمَّ (¬1) قيل بامتهانهما، وفيه نظر ¬

(¬1) ثم بفتح الثاء أي هنا.

إذ الآيات والأخبار كثيرة في أنه بقي منهما أشياء كثيرة لم تبدل، منها آية الذين يتبعون الرسول النبي الأمي، وقصة رجم اليهوديين،، وقيل التبديل وقع في اليسير منهما، وقيل وقع في المعاني لا في الألفاظ، وفيه نظر فقد وجد في الكتابين ما لا يجوز أن يكون بهذه الألفاظ من عند الله أصلاً، وقد نقل بعضهم الإجماع على أنه لا يجوز الاشتغال بالتوراة والإنجيل ولا كتابتهما ولا نظرهما. وعند أحمد والبزار واللفظ له من حديث جابر قال: نسخ عمر كتاباً من التوراة بالعربية فجاء به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقرأ ووجه النبي - صلى الله عليه وسلم - يتغير فقال له رجل من الأنصار: ويحك يا ابن الخطاب ألا ترى وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا اتباعي " (¬1)، وروي في ذلك أحاديث أخر كلها ضعيف لكن مجموعها يقتضي أن لها أصلاً. قال الحافظ ابن حجر في الفتح، ومنه لخصت ما ذكرته: والذي يظهر أن كراهة ذلك للتنزيه لا للتحريم. والأولى في هذه المسألة التفرقة بين من لم يتمكن ويصر من الراسخين في الإيمان فلا يجوز له النظر في شيء من ذلك بخلاف الراسخ فيه ولا سيما عند الاحتياج إلى الرد على المخالف، ويدل له نقل الأئمة قديماً وحديثاً من التوراة وإلزامهم التصديق بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بما يستخرجونه من كتابهم. ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 2/ 228.

وأما الاستدلال للتحريم بما ورد من غضبه - صلى الله عليه وسلم - فمردود بأنه قد يغضب من فعل المكروه ومن فعل ما هو خلاف الأولى إذا صدر ممن لا يليق به ذلك كغضبه من تطويل معاذ الصلاة بالقراءة انتهى. أقول وقد تقدم الكلام على هذه المسئلة في سورة النساء بأطول من ذلك، وقد قال جماعة من أهل المعرفة بالتحقيق بأن التحريف الواقع في التوراة معنوي لا لفظي وإليه ذهب حَبْر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس، والشيخ ولي الله المحدث الدهلوي في الفوز الكبير وغيرهما والله سبحانه أعلم. (من بعد) كونه موضوعاً في (مواضعه) أو من بعد وضعه في مواضعه التي وضعه الله فيها من حيث لفظه أو من حيث معناه. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر أن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تجدون في التوراة قالوا نفضحهم ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم إن فيها آية فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع فإذا آية الرجم، قالوا: صدق، فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما (¬1). وقال الحسن في الآية: إنهم يغيرون ما يسمعون من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكذب عليه، والأول أولى، وقال ابن جرير الطبري يحرفون حكم الكلم فحذف ذكر الحكم لمعرفة السامعين به وفيه بعد. (يقولون إن أوتيتم هذا) الإشارة إلى الكلام المحرف أي قال يهود فدك ليهود المدينة إن أوتيتم من جهة محمد بهذا الكلام الذي حرفناه أي الجلد (فخذوه) وأعملوا به (وإن لم تؤتوه) بل جاءكم بغيره وأفتاكم بخلافه (فاحذروا) من قبوله والعمل به. ¬

(¬1) البخاري الباب 26 من كتاب المناقب والباب 37 من كتاب الحدود.

(ومن يرد الله فتنته) أي ضلالته (فلن تملك له من الله شيئاً) أي فلا تستطيع دفع ذلك عنه ولا تقدر على نفعه وهدايته، وهذه الجملة مستأنفة مقّررة لما قبلها وظاهرها العموم، ويدخل فيها هؤلاء الذين سياق الكلام معهم دخولاً أولياً. (أولئك) الإشارة إلى ما تقدم ذكرهم من الذين قالوا آمنا بأفواههم ومن الذين هادوا وما في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الفساد. (الذين لم يرد الله أن يطهّر قلوبهم) أي لم يرد تطهيرها من أرجاس الكفر والنفاق وخبث الضلالة كما طهر قلوب المؤمنين، والجملة استئناف مبين لكون إرادته تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم وقبح صنيعهم الموجب لها لا واقعة منه تعالى ابتداء. وفي هذه الآية دلالة على أن الله تعالى لم يرد إسلام الكافر وأنه لم يطهر قلبه من الشكل والشرك ولو فعل ذلك لآمن، وهذه الآية من أشد الآيات على القدرية. (لهم في الدنيا خزي) بظهور نفاق المنافقين وبضرب الجزية على الكافرين وظهور تحريفهم وكتمهم لما أنزل الله في التوراة (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) يعني الخلود في النار.

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43)

42

(سمّاعون للكذب) كرره تأكيداً لقبحه وليكون كالمقدمة لما بعده وهو (أكّالون للسحت) وهو بضم السين وسكون الحاء المال الحرام وأصله الهلاك والشدة، من سحته إذا أهلكه، ومنه: (فيسحتكم بعذاب) ويقال للحالق اسحت أي أستأصل وسمي الحرام سحتاً لأنه يسحت الطاعات أي يذهبها ويسأصلها، وقال الفراء أصله كلب الجوع، وقيل هو الرشوة والأول أولى، والرشوة تدخل في الحرام دخولاً أولياً. وقد فسره جماعة بنوع من أنواع الحرام خاص كالهدية لمن يقضى له حاجة أو حلوان الكاهن والتعميم أولى بالصواب. قال ابن عباس أخذوا الرشوة في الحكم وقضوا بالكذب، وعن ابن مسعود قال السحت الرشوة في الدين، وقال سفيان في الحكم وعن ابن عباس قال: رشوة الحكام حرام، وهي السحت الذي ذكر الله تعالى في كتابه. وعن علي أنه سُئِلَ عن السحت فقال: الرشى، فقيل له في الحكم قال: ذلك الكفر، وعن عمر قال: بابان من السحت يأكلهما الناس الرشى في الحكم ومهر الزانية، وقد ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تحريم الرشوة ما هو معروف، وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم " (¬1)، أخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود عن ابن عمرو بن العاص. (فإن جاؤوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم) فيه تخيير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وقد استدل به على أن حكام المسلمين مخيرون بين الأمرين، وقد أجمع العلماء على أنه محب على حكام المسلمين أن ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4969.

يحكموا بين المسلم والذمي إذا ترافعا إليهم. واختلفوا في أهل الذمة إذا ترافعوا فيما بينهم فذهب قوم إلى التخيير، وبه قال الحسن والشعبي والنخعي والزهري، وبه قال أحمد، وذهب آخرون إلى الوجوب، وقالوا إن هذه الآية منسوخة بقوله: (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) وبه قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والزهري وعمر بن عبد العزيز والسدي وهو الصحيح من قولي الشافعي، وحكاه القرطبي عن أكثر العلماء وليس في هذه السورة منسوخ إلا هذا وقوله: (ولا آمّين البيت) على ما سبق. (و) معنى (إن تعرض عنهم) إن اخترت الإعراض عن الحكم بينهم (فلن يضروك شيئاً) أي إذا عادوك لإعراضك عنهم فإن الله يعصمك من الناس، ولا سبيل لهم عليك لأنه سبحانه حافظك وناصرك عليهم (وإن حكمت) أي اخترت الحكم بينهم (فاحكم بينهم بالقسط) أي بالعدل الذي أمرك الله به وأنزله عليك (إن الله يحب المقسطين) العادلين فيما ولوا وحكموا فيه. وعند عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا " أخرجه (¬1) مسلم. ¬

(¬1) مسلم 1827.

43

(وكيف يحكّمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله) فيه تعجيب للنبي - صلى الله عليه وسلم - من تحكيمهم إياه مع كونهم لا يؤمنون به ولا بما جاء به مع أن ما يحكّمونه فيه موجود عندهم في التوراة كالرجم ونحوه، وإنما يأتون إليه صلى الله عليه وآله وسلم ويحكمونه طمعاً منهم في أن يوافق تحريفهم وما صنعوه بالتوراة من التغيير. (ثم يتولون من بعد ذلك) أي من بعد تحكيمهم لك وحكمك الموافق لما في كتابهم (وما أولئك بالمؤمنين) بك أو بكتابهم كما يدعون ويزعمون لإعراضهم عنه أولاً، وعما يوافقه ثانياً، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها.

44

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) استئناف يتضمن تعظيم التوراة وتفخيم شأنها وأن فيها بيان الشرائع والتبشير بمحمد صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه. (ويحكم بها النبيون) هم أنبياء بني إسرائيل، وبه تمسك من ذهب إلى أن شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم تنسخ والمراد بالنبيين الذين بعثوا بعد موسى، وذلك أن الله بعث فيهم ألوفاً من الأنبياء ليس معهم كتاب إنما بعثوا بإقامة التوراة وأحكامها وحمل الناس عليها والجملة إما مستانفة أو حالية. (الذين أسلموا) صفة مادحة للنبيين، وفيه إرغام لليهود المعاصرين له صلى الله عليه وآله وسلم بأن أنبياءهم كانوا يدينون بدين الإسلام الذي دان به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد بالنبيين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ الجمع تعظيماً. قال ابن الأنباري هذا رد على اليهود والنصارى لأن الأنبياء ما كانوا موصوفين باليهودية والنصرانية بل كانوا مسلمين لله تعالى منقادين لأمره ونهيه والعمل بكتابه. (للذين هادوا) متعلق بيحكم والمعنى أنه يحكم بها النبيون للذين هادوا، قال الزجاج جائز أن يكون المعنى على التقديم والتأخير على معنى فيها هدى ونور للذين هادوا يحكم بها النبيون الذين أسلموا، واللام إما لبيان

اختصاص الحكم بهم أعم من أن يكون لهم أو عليهم كأنه قيل لأجل الذين هادوا، وإما للإيذان بنفعه للمحكوم عليه أيضاً بإسقاط التبعة عنه وإما للإشعار بكمال رضاهم به وانقيادهم له كأنه أمر نافع للفريقين، ففيه تعريض بالمحرفين وقيل للذين هادوا عليهم. (والربانيون) العلماء الحكماء من ولد هرون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود، وقال الحسن الفقهاء، وقال مجاهد هم فوق الأحبار، وقال الحسن الربانيون العباد والزهاد، وعن ابن عباس قال الربانيون هم المؤمنون، والأحبار هم القراء، وقد سبق تفسيره في آل عمران. (والأحبار) العلماء مأخوذ من التحبير وهو التحسين فهم يحبّرون العلم أي يحسنونه، قال الجوهري: الحبر واحد أحبار اليهود بالفتح والكسر، والكسر أفصح، وقال الفراء إنما هو بالكسر وقال أبو عبيدة هو بالفتح. (بما استحفظوا من كتاب الله) الباء للسببية ومن للبيان والمعنى أمروا بالحفظ أي أمرهم الأنبياء بحفظ التوراة عن التغيير والتبديل وإليه نحا الزمخشري أي يحكمون بها بسبب هذا الاستحفاظ فهم خلفاء ونواب في ذلك. (وكانوا عليه) أي على كتاب الله وأنه حق (شهداء) أي رقباء يحمونه عن التغيير والتبديل بهذه المراقبة. (فلا تخشوا الناس) يا رؤساء اليهود فتكتموا ما أنزلت من نعت محمد صلى الله عليه وآله وسلم والرجم وغيرهما (واخشون) في كتمان ذلك. (ولا تشتروا) أي لا تستبدلوا (بآياتي ثمناً قليلاً) من الدنيا على أن تكتموا ما أنزلت، وقال ابن زيد لا تأكلوا السحت على كتابي يعني الرشوة وقد تقدم تحقيقه. (ومن لم يحكم بما أنزل الله) لفظ " من " من صيغ العموم فيفيد أن هذا غير مختص بطائفة معينة بل لكل من ولي الحكم وهو الأولى وبه قال السدي،

وقيل إنها مختصة بأهل الكتاب وقيل بالكفار مطلقاً لأن المسلم لا يكفر بارتكاب الكبيرة وبه قال ابن عباس وقتادة والضحاك وقيل في خصوص بني قريظة والنضير، وعن البراء بن عازب قال: أنزل الله هذه الآيات الثلاث في الكفار أخرجه مسلم. وقال ابن مسعود والحسن والنخعي: هذه الآيات الثلاث عامة في اليهود وفي هذه الأمة، فكل من ارتشى وحكم بغير حكم الله فقد كفر وظلم وفسق، وهو الأولى لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقيل هو محمول على أن الحكم بغير ما أنزل الله وقع استخفافاً أو استحلالاً أو جحداً قاله أبو السعود. والإشارة بقوله (فأولئك) إلى (من) والجمع باعتبار معناها وكذلك ضمير الجماعة في قوله: (هم الكافرون) ذكر الكفر هنا مناسب لأنه جاء عقب قوله: (ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً) وهذا كفر فناسب ذكر الكفر هنا قاله أبو حيان، قال ابن عباس: يقول مَنْ جحد الحكم بما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. وعنه قال: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وإنه ليس كفر ينقل من الملة بل كفر دون كفر، وقال عطاء: هم الظالمون هم الفاسقون هم الكافرون، قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، وعن ابن عباس قال: نزلت في اليهود خاصة، وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وعن حذيفة بسند صحيح أن هذه الآيات ذكرت عنده (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، والظالمون، والفاسقون) فقال رجل: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نعم الأخوة لكم بنو إسرائيل إن كان لكم كل حلوة، ولهم كل مرة، كلا والله لتسلكن طريقهم قد الشراك، وعن ابن عباس نحوه.

وأقول هذه الآية وإن نزلت في اليهود لكنها ليست مختصة بهم لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وكلمة (من) وقعت في معرض الشرط فتكون للعموم، فهذه الآية الكريمة متناولة لكل من لم يحكم بما أنزل الله وهو الكتاب والسنة، والمقلد لا يدعي أنه حكم بقول العالم الفلاني وهو لا يدري هل ذلك الحكم الذي حكم به هو من محض رأيه أم من المسائل التي استدل عليها بالدليل، ثم لا يدري أهو أصاب في الاستدلال أم أخطأ، وهل أخذ بالدليل القوي أم الضعيف؟. فانظر يا مسكين ماذا صنعت بنفسك فإنك لم يكن جهلك مقصوراً عليك بل جهلت على عباد الله، فأرقت الدماء وأقمت الحدود وهتكت الحرم بما لا تدري، فقبح الله الجهل بما أنزله ولا سيما إذا جعله صاحبه شرعاً وديناً له وللمسلمين فإنه طاغوت عند التحقيق، وإن ستر من التلبيس بستر رقيق. فيا أيها المقلد أخبرنا أي القضاة أنت من الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار " (¬1) أخرجه أبو داود وابن ماجة عن بريدة. فبالله عليك هل قضيت بالحق وأنت تعلم أنه الحق؟ إن قلت نعم، فأنت وسائر أهل العلم يشهدون بأنك كاذب لأنك معترف بأنك لا تعلم ما الحق، وكذلك سائر الناس يحكمون عليك بهذا من غير فرق بين مجتهد ومقلد، وإن قلت بل قضيت بما قاله إمامي، ولا تدري أحق هو أم باطل كما هو شأن كل مقلد على وجه الأرض، فأنت بإقرارك هذا أحد رجلين إما قضيت بالحق ولا تعلم أنه الحق أو قضيت بغير الحق لأن ذلك الحكم الذي ¬

(¬1) أبو داود الباب الثاني من كتاب الأقضية.

حكمت به هو لا يخلو من أحد الأمرين إما أن يكون حقاً وإما أن يكون غير حق، وعلى كلا التقديرين فأنت من قضاة النار بنص الصادق المختار. وهذا ما أظن يتردد فيه أحد من أهل الفهم لأمرين (أحدهما) أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل القضاة ثلاثة وبين صفة كل واحد منهم ببيان يفهمه المقصر والكامل، والعالم والجاهل (الثاني) أن المقلد لا يدعي أنه يعلم ما هو حق من كلام إمامه وما هو باطل، بل يقر على نفسه أنه يقبل قول الغير ولا يطالبه بحجة، وأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فأفاد هذا أنه حكم بشيء لا يدري ما هو، فإن وافق الحق فهو قضى بالحق ولا يدري أنه الحق، وإن لم يوافق الحق فهو قضى بغير الحق، وهذان هما القاضيان اللذان في النار، فالقاضي المقلد على كل حال يتقلب في نار جهنم كما قال قائل. خذا بطن هرشي أوقفاها فإنما ... كلا جانبي هرشي لهن طريق (¬1) وكما تقول العرب ليس في الشر خيار، ولقد خب وخسر من لا ينجو على كل حال من النار. فيا أيها القاضي المقلد، ما الذي أوقعك في هذه الورطة وألجأك إلى هذه العهدة التي صرت فيها على كل حال من أهل النار إذا دمت على قضائك ولم تتب فإن أهل المعاصي والبطالة على اختلاف أنواعهم، هم أرجى لله منك وأخوف له لأنهم على عزم التوبة والإقلاع، ويلومون أنفسهم على ما فرط منها بخلاف هذا القاضي المسكين فإنه ربما دعا الله في خلواته وبعد صلواته أن يديم عليه تلك العهدة ويحرسها عن الزوال حتى لا يتمكنوا من فصله ولا يقدروا على عزله، وقد يبذل في استمراره على ذلك نفائس الأموال ويدفع الرشا والبراطيل لمن كان له في أمره مدخل، فيجمع بهذا الافتعال بين خسران ¬

(¬1) هرشي ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة يرى منها البحر ولها طريقان فكل من سلكها كان مصيباً إهـ تاج اللغات.

الدنيا والآخرة وتسمح نفسه بهما جميعاً في حصول ذلك القضاء فيشتري بهما النار ولا يخرج عن هذه الأوصاف إلا القليل النادر. والآيات الكريمة في هذا المبنى والأحاديث الصحيحة في هذا المعنى كثيرة جداً، ولو لم تكن من الزواجر عن هذا إلا هذه الآية وهذا الحديث المتقدم لكفت، فالمقلد لا يصلح للقضاء وإنما يصح قضاء من كان مجتهداً متورعاً عن أموال الناس، عادلاً في القضية حاكماً بالسوية، ويحرم عليه الحرص على القضاء وطلبه ولا يحل للإمام تولية من كان كذلك، ومن كان متأهلاً للقضاء فهو على خطر عظيم وله مع الإصابة أجران ومع الخطأ أجر إن لم يأل جهداً في البحث. ويحرم عليه الرشوة والهدية التي أهديت إليه لأجل كونه قاضياً، ولا يجوز له الحكم حال الغضب، وعليه التسوية بين الخصمين إلا إذا كان أحدهما كافراً، والسماع منهما قبل القضاء وتسهيل الحجاب بحسب الإمكان، ويجوز له اتخاذ الأعوان مع الحاجة والشفاعة والاستيضاع والإرشاد إلى الصلح، وحكمه ينفذ ظاهراً فقط، فمن قضي له بشيء فلا يحل له إلا إذا كان الحكم مطابقاً للواقع، هذا ما ذكره الشوكاني في (القول المفيد) والمختصر المسمى (الدرر البهية). فإن قلت إذا كان المقلد لا يصلح للقضاء ولا يحل له أن يتولى ذلك ولا لغيره أن يوليه، فما تقول في المفتي المقلد؟. قال: إن كنت تسأل عن القيل والقال ومذاهب الرجال فالكلام في شروط المفتي وما يعتبر فيه مبسوط في كتب الأصول والفقه، وقد أوضحها الشوكاني في إرشاد الفحول ونيل الأوطار، والحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين عن رب العالمين بما يشفي العليل، ويروي الغليل، فإن شئت الاطلاع والاستيفاء فارجع إلى هذه الكتب يتضح لك الحق من الباطل، والخطأ من الصواب ولا تكن من الممترين.

45

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45) (وكتبنا عليهم فيها أن النفس) تقتل (بالنفس) إذا قتلتها (والعين) تفقأ (بالعين) (والأنف) يجدع (بالأنف) (والأذن) تقطع (بالأذن) (والسن) تقلع (بالسن) معطوف على أنزلنا التوراة. بيَّن الله سبحانه في هذه الآية ما فرضه على بني إسرائيل من القصاص في النفس والعين والأنف والأذن والسن والجروح، وقد استدل أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم بهذه الآية فقالوا: إنه يقتل المسلم بالذمي لأنه نفس، وقال الشافعي وجماعة من أهل العلم: إن هذه الآية خبر عن شرع من قبلنا وليس بشرع لنا، وقد قدمنا في البقرة في شرح قوله تعالى: (كتب عليكم القصاص في القتل) ما فيه كفاية. وقد اختلف أهل العلم في شرع من قبلنا هل يلزمنا أم لا فذهب الجمهور إلى أنه يلزمنا إذا لم ينسخ وهو الحق، وقد ذكر ابن الصباغ في الشامل إجماع العلماء على الاحتجاج بهذه الآية على ما دلت عليه. قال ابن كثير في تفسيره: وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يقتل بالمرأة لعموم هذه الآية الكريمة انتهى، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا في شرحه على المنتقى. وفي هذه الآية توبيخ لليهود وتقريع لكونهم يخالفون ما كتبه الله عليهم في التوراة كما حكاه هنا ويفاضلون بين الأنفس كما سبق بيانه، وقد كانوا

يقيدون (¬1) بني النضير من بني قريظة ولا يقيدون بني قريظة من بني النضير. والظاهر من النظم القرآني أن العين إذا فقئت حتى لم يبق فيها مجال للإدراك أنها تفقأ عين الجاني بها، والأنف إذا جدعت جميعها فإنها تجدع أنف الجاني بها، والأذن إذا قطعت جميعها فإنها تقطع أذن الجاني بها، وكذلك السن. فأما لو كانت الجناية ذهبت ببعض إدراك العين أو ببعض الأنف أو ببعض الأذن أو ببعض السن فليس في هذه الآية ما يدل على ثبوت القصاص. وقد اختلف أهل العلم في ذلك إذا كان معلوم القدر يمكن الوقوف على حقيقته وكلامهم مدون في كتب الفروع. والظاهر من قوله: (والسن بالسن) أنه لا فرق بين الثنايا والأنياب، والأضراس والرباعيات وأنه يؤخذ بعضها ببعض، ولا فضل لبعضها على بعض وإليه ذهب أكثر أهل العلم كما قال ابن المنذر، وخالف في ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن تبعه كلامهم مدون في مواطنه، ولكنه ينبغي أن يكون المأخوذ في القصاص من الجاني هو المماثل للسن المأخوذة من المجني عليه، فإذا كانت ذاهبة فما يليها. (والجروح) يشمل الأطراف (قصاص) أي ذوات قصاص فيما يمكن أن يقتص منه وإلا فحكومة عدل، وهذا تعميم بعد التخصيص، وقد ذكر أهل العلم أنه لا قصاص في الجروح التي يخاف منها التلف، ولا فيما كان لا يعرف مقداره عمقاً أو طولاً أو عرضاً. ¬

(¬1) أي إذا وقع اعتداء على بني النضير من بني قريظة -وكلاهما يهود- أخذوا القود -الدية- من بني قريظة، أما أذا وقع الاعتداء من بني النضير على بني قريظة فلا قود ولا دية.

وقد قدر أئمة الفقه أرش جراحة بمقادير معلومة، وليس هذا موضع بيان كلامهم، ولا موضع استيفاء بيان ما ورد له أرش مقدر، وفيه دليل على أن هذا الحكم كان شرعاً في التوراة فمن قال شرع من قبلنا يلزمنا إلا ما نسخ منه بالتفصيل قال هي حجة في شرعنا، ومن أنكره قال إنها ليست بحجة. واختار الأول ابن الحاجب وهو الحق، وذهب الأشاعرة والمعتزلة إلى المنع من ذلك وهو اختيار الآمدي وقد أوضحنا هذا في كتابنا حصول الأمول. (فمن تصدق) من المستحقين للقصاص (به) أي بالقصاص بأن عفا عن الجاني ولم يقتص منه (فهو كفارة له) أي للمتصدق يكفر الله عنه بها ذنوبه، وهذا قول ابن مسعود وعبد الله بن عمرو بن العاص والحسن. ويدل له ما أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " ما من مسلم يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رفعه الله به درجة وحط عنه به خطيئة " (¬1) وعن أنس: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو وأخرجه أبو داود والنسائي. وقيل: إن المعنى فهو كفارة للجارح فلا يؤاخذ بجنايته في الآخرة، وبه قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل لأن العفو يقوم مقام أخذ الحق منه، والأول أرجح لأن الضمير يعود على هذا التفسير الآخر إلى غير مذكور. قال الحافظ ابن القيم: والتحقيق أن القاتل يتعلق به ثلاثة حقوق، حق لله تعالى، وحق للمقتول، وحق للولي، فإذا أسلم القاتل نفسه طوعاً واختياراً ¬

(¬1) الترمذي الباب الخامس من كتاب الديات.

إلى الولي ندماً على ما فعل خوفاً من الله وتوبة نصوحاً سقط حق الله بالتوبة، وحق الأولياء بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وبقي حق للمقتول يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب ويصلح بينه وبينه انتهى. وأما لو سلّم القاتل نفسه اختياراً من غير ندم ولا توبة أو قتل كرهاً فيسقط حق الوارث فقط ويبقى حق الله تعالى لأنه لا يسقطه إلا التوبة كما علمت، ويبقى حق المقتول أيضاً لأنه لم يصل له شيء من القاتل ويطالبه به في الآخرة، ولا يقال يعوضه الله عنه مثل ما تقدم لأنه لم يسلم نفسه تائباً، تأمل قاله سليمان الجمل، وعبارة الرملي على المنهاج: وبالقود أو العفو أو أخذ الدية لا تبقى مطالبة أخروية. (ومن لم يحكم بما أنزل الله) قيل نزلت هذه الآية حين اصطلحوا على أن لا يقتل الشريف بالوضيع ولا الرجل بالمرأة (فأولئك هم الظالمون) ضمير الفصل مع اسم الإشارة وتعريف الخبر يستفاد منها أن الظلم الصادر منهم ظلم عظيم بالغ إلى الغاية، وذكر الظلم هنا مناسب لأنه جاء عقب أشياء مخصوصة من أمر القتل والجرح فناسب ذكر الظلم المنافي للقصاص وعدم التسوية فيه. وهذه الآية من الأدلة على اشتراط الاجتهاد فإنه لا يحكم بما أنزل الله إلا من عرف التنزيل والتأويل. ومما يدل على ذلك حديث معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمن يعني قاضياً قال " أي امتحاناً له ": كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله قال: فبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: أجتهد رأيي ولا آلو -أي لا أقصر في الاجتهاد والتحري للصواب- قال أي الراوي. فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله

- صلى الله عليه وسلم - لما يرضى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " (¬1)، رواه الترمذي وأبو داود والدارمي، وهو حديث مشهور قد بين الشوكاني رحمه الله طرقه ومن خرجه في بحث مستقل. ومعلوم أن المقلد لا يعرف كتاباً " ولا سنة " ولا رأي له بل لا يدري بأن الحكم موجود في الكتاب والسنة فيقضي، أو ليس بموجود فيجتهد رأيه، فإذا ادعى المقلد أنه يحكم برأيه فهو يعلم أنه يكذب على نفسه لاعترافه بأنه لا يعرف كتاباً ولا سنة، فإذا زعم أنه حكم برأيه فقد أقر على نفسه بأنه حكم بالطاغوت. وقد سئل القاضي الشوكاني هل الراجح جواز قضاء المقلد أم لا فأجاب بما لفظه: " الأوامر القرآنية ليس فيها إلا أمر الحاكم بأن يحكم بالعدل والحق وما أنزل الله وما أراه الله، ومن المعلوم لكل عارف أنه لا يعرف هذه الأمور إلا من كان مجتهداً إذ المقلد إنما هو قابل قول الغير دون حجة، وليس الطريق إلى العلم بكون الشيء حقاً أو عدلاً إلا الحجة، والمقلد لا يعقل الحجة إذا جاءته فكيف يهتدي للاحتجاج بها، وهكذا لا علم عنده بما أنزل الله إنما عنده علم بقول من قلده، فلو فرض أنه يعلم بما أنزل الله وما جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علماً صحيحاً لم يكن مقلداً بل هو مجتهد ". وهكذا لا نظر للمقلد فإن حكم بشيء فهو لم يحكم بما أراه الله بل بما أراه إمامه ولا يدري أذلك القول الذي قاله إمامه موافق للحق أم مخالف له. وبالجملة فالقاضي هو من يقضي بين المسلمين بما جاء عن الشارع كما جاء في حديث معاذ المتقدم، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال فقد جمع طرقه ¬

(¬1) أبو داود الباب 11 من كتاب الأقضية- أحمد بن حنبل 5/ 220 - 226.

وشواهده الحافظ ابن كثير في جزء وقال: هو حديث حسن مشهور اعتمد عليه أئمة الإسلام، وقد أخرجه أيضاً أحمد وابن عدي والطبراني والبيهقي، ولأئمة الحديث فيه كلام طويل، والحق أنه من الحسن لغيره وهو معمول به. وقد دل هذا الحديث على أنه يجب على القاضي أن يقدم القضاء بكتاب الله تعالى، ثم إذا لم يجد فيه قضى بسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم إذا لم يجد فيها اجتهد رأيه. والمقلد لا يتمكن من القضاء بما في كتاب الله سبحانه لأنه لا يعرف الاستدلال ولا كيفيته، ولا يمكنه القضاء بما في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لذلك، ولأنه لا يميز بين الصحيح والموضوع والضعيف المعلل بأي علّة، ولا يعرف الأسباب ولا يدري بالمتقدم والمتأخر، والعام والخاص والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين والناسخ والمنسوخ، بل لا يعرف مفاهيم هذه الألفاظ ولا يتعقل معانيها فضلاً عن أن يتمكن من أن يعرف اتصاف الدليل بشيء منها. وبالجملة فالمقلد إذا قال: صح عندي فلا عند له، وإن قال: صح شرعاً فهو لا يدري ما هو الشرع، وغاية ما يمكنه أن يقول صح هذا من قول فلان وهو لا يدري هل هو صحيح في نفس الأمر أم لا، فهو لا ريب أحد قضاة النار لأنه إما أن يصادف حكمه الحق فهو حكم بالحق ولا يعلم أنه الحق، أو يحكم بالباطل وهو لا يعلم أنه باطل وكلا الرجلين في النار كما ورد بذلك النص من المختار. وأما قاضي الجنة فهو الذي يحكم بالحق ويعلم أنه الحق ولا شك أن من يعلم بالحق فهو مجتهد لا مقلد، هذا يعرفه كل عارف. فإن قال المقلد: إنه يعلم أن ما حكم به من قول إمامه حق لأن كل

مجتهد مصيب، نقول له هل أنت مقلد في هذه المسئلة أم مجتهد؟ فإن كنت مقلداً في هذه المسئلة فقد جعلت ما هو محل النزاع دليلاً لك وهو مصادرة باطلة، فإنك لا تعلم بأنها حق في نفسها فضلاً أن تعلم بزيادة على ذلك، وإن كنت مجتهداً فيها فكيف خفي عليك أن المراد بكون كل مجتهد مصيباً هو من الصواب، لا من الإصابة كما أقر بذلك القائلون بتصويب المجتهدين وجردوه في مؤلفاتهم المعروفة الموجودة بأيدي الناس. وإذا كان ذلك من الصواب لا من الإصابة فلا يستفاد من المسألة ما تزعمه من كونه مذهب إمامك حقاً فإنه لا ينافي الخطأ، ولهذا صح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر واحد " (¬1)، أخرجه الشيخان عن أبي هريرة وابن عمرو. وهذا لا يخفى إلا على أعمى، وإذا لم تتعقل الفرق بين الصواب والإصابة فاستر نفسك بالسكوت ودع عنك الكلام في المباحث العلمية، وتعلم ممن يعلم حتى تذوق حلاوة العلم، فهذا حاصل ما لدي في هذه المسألة وإن كانت طويلة الذيل والخلاف فيها مدون في الأصول والفروع، ولكن السائل لم يسأل عن أقوال الرجال إنما سأل عن تحقيق الحق انتهى بكلامه في إرشاد السائل إلى دليل السائل ". وقد حققنا ذلك المقام في كتابنا (الجنة في الأسوة الحسنة بالسنة) وكشفنا القناع عن وجه التقليد والإتباع فارجع إليه، وعوّل في معرفة الحق عليه، وبالله التوفيق وهو المستعان. ¬

(¬1) مسلم 1716.

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)

46

(وقفّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم) هذا شروع في بيان حكم الإنجيل بعد بيان حكم التوراة، أي جعلنا عيسى ابن مريم يقفو آثارهم أي آثار النبيين الذين أسلموا من بني إسرائيل أو آثار من كتب عليهم تلك الأحكام، والأول أظهر لقوله في موضع آخر. (برسلنا) يقال قفيته مثل عقبته إذا اتبعته، ثم يقال قفيته بفلان وعقبته به فيتعدى إلى الثاني بالباء؛ والمفعول الأول محذوف استغناء عنه بالظرف وهو على آثارهم؛ لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه. (مصدقاً لما بين يديه من التوراة) وهي حال مؤكد قاله ابن عطية (وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور) أي أن الإنجيل أوتيه عيسى حال كونه مشتملاً على الهدى من الجهالة والنور من عمى البصيرة. (ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة) أي مصدقاً وهادياً وواعظاً (للمتقين) وهذا ليس بتكرار للأول لأن في الأول إخباراً بأن عيسى مصدق لما بين يديه من التوراة، وفي الثاني إخبار بأن الإنجيل مصدق للتوراة فظهر الفرق بينهما، وإنما خص المتقين بالذكر لأنهم الذين ينتفعون بالمواعظ.

47

(وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه) هذا أمر لأهل الإنجيل وهم النصارى بأن يحكموا بما في كتابهم وهو الإنجيل فإنه قبل البعثة المحمدية حق، وأما بعدها فقد أمروا في غير موضع بأن يعملوا بما أنزل الله على محمد - صلى الله عليه وسلم -

في القرآن الناسخ لجميع الكتب المنزلة. قرىء بنصب الفعل من (ليحكم) على أن اللام لام كي، ويجزمه على أن اللام للأمر، فعلى الأول تكون اللام متعلقة بقوله وآتيناه الإنجيل ليحكم أهله بما أنزل الله فيه، وعلى الثانية هو كلام مستأنف، قال مكي: والاختيار الجزم لأن الجماعة عليه، ولأن ما بعده من الوعيد والتهديد يدل على أنه إلزام من الله تعالى لأهل الإنجيل، وقال النحاس: والصواب عندي أنهما قراءتان حسنتان لأن الله تعالى لم ينزل كتاباً إلا ليُعمل بما فيه. (ومن لم يحكم بما أنزل الله) أي بما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة لقوله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا) ولقوله - صلى الله عليه وسلم - " ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه " (¬1)، رواه أبو داود والدارمي وابن ماجه عن المقدام بن معد يكرب (فأولئك هم الفاسقون) الخارجون عن الطاعة، وذكر الفسق هنا مناسب لأنه خروج عن أمر الله إذ تقدمه قوله: (وليحكم أهل الإنجيل) وهو أمر، قاله أبو حيان. وفي هذه الآية والآيتين المتقدمتين من الوعيد والتهديد ما لا يقادر قدره، وقد تقدم أن هذه الآيات وإن نزلت في أهل الكتاب فليست مختصة بهم بل هي عامة لكل من لم يحكم بما أنزل الله اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ويدخل فيه السبب دخولاً أولياً، وفيها دلالة على اشتراط الاجتهاد في القضية وإشارة إلى ترك الحكم بالتقليد. فإن قلت إذا كان التخاصم ببلدة لا يوجد فيها مجتهد هل يجوز للخصمين الترافع إلى من بها من القضاة المقلدين؟. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 2640.

قلت: إذا كان يمكن وصولهما إلى قاض مجتهد لم يجز للمقلد أن يقضي بينهما بل يرشدهما إلى القاضي المجتهد أو يرفع القضية إليه ليحكم فيها بما أنزل الله أو بما أراه الله، فإن كان الوصول إلى القاضي المجتهد متعذراً أو متعسراً فلا بأس بأن يتولى ذلك القاضي المقلد فصل خصوماتهما لكن يجب عليه أن لا يدعي علم ما ليس من شأنه، فلا يقول صح أو لم يصح شرعاً بل يقول قال إمامه كذا ويعرف الخصمين أنه لم يحكم بينهما إلا بما قاله الإمام الفلاني. في الحقيقة هو محكّم لا حاكم، وقد ثبت التحكيم في هذه الشريعة المطهرة كما جاء ذلك في القرآن الكريم في شأن الزوجين، وأنه يوكل الأمر إلى حكم من أهل الزوج وحكم من أهل المرأة وكما في قوله تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم) وكما وقع في زمن النبوة والصحابة في غير قضية ومن لم يجد ماء تيمم بالتراب، والعور خير من العمى. ولا يغتر العاقل بما يزخرفه المقلدون ويموهون به على العامة من تعظيم شأن من يقلدونه ونشر فضائله ومناقبه، والموازنة بينه وبين من يبلغ رتبة الاجتهاد في عصر هؤلاء المقلدين، فإن هذا خروج عن محل النزاع ومغالطة قبيحة، وما أسرع نفاقها (¬1) عند العامة لأن أفهامهم قاصرة عن إدراك الحقائق والحق عندهم يعرف بالرجال، وللأموات في صدورهم جلالة وفخامة، وطباع المقلدين قريبة من طبائعهم، فهم إلى قبول أقوالهم أقرب منهم إلى قبول أقوال العلماء المجتهدين، لأن المجتهدين قد باينوا العامة وارتفعوا إلى رتبة تضيق أذهان العامة عن تصورها. فإذا قال المقلد مثلاً: أنا أحكم بمذهب الشافعي وهو أعلم من هذا المجتهد المعاصر لي وأعرف بالحق منه، كان العامة إلى تصديق هذه المقالة ¬

(¬1) رواجها.

والإذعان لها أسرع من السيل المنحدر وتنفعل أذهانهم لذلك أكمل انفعال. فإذا قال المجتهد مجيباً على ذلك المقلد: إن محل النزاع هو الموازنة بيني وبينك لا بيني وبين الشافعي، فإني أعرف العدل والحق وما أنزل الله وأجتهد رأيي إذا لم أجد في كتاب الله وسنة رسوله نصاً، وأنت لا تعرف شيئاً من ذلك ولا تقدر على أن تجتهد رأيك إذ لا رأي لك ولا اجتهاد لأن اجتهاد الرأي هو إرجاع الحكم إلى الكتاب والسنة بالمقايسة أو بعلاقة يسوغها الاجتهاد، وأنت لا تعرف كتاباً ولا سنة فضلاً أن تعرف كيفية الإرجاع إليهما بوجوه مقبولة، كان هذا الجواب الذي أجابه المجتهد مع كونه حقاً بحتاً، بعيداً عن أن يفهمه العامة أو تذعن لصاحبه. ولهذا ترى في هذه الأزمان الغريبة الشأن ما ينقله المقلد عن إمامه أوقع في النفوس مما ينقله المجتهد من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإن جاء من ذلك بالكثير الطيب. وقد رأينا وسمعنا ما لا يشك فيه أن من علامات القيامة على أن كثيراً من المقلدين قد ينقل في حكمه أو فتواه عن مقلد مثله قد صار تحت أطباق الثرى وإمامه منه براء فيجول ويصول وينسب ذلك إلى مذهب الإمام، وينسب من يأتي بما يخالفه من كتاب أو سنة إلا الابتداع ومخالفة المذهب ومباينة أهل العلم، وهو لو ارتفعت رتبته عن هذا الحضيض قليلاً لعلم أنه المخالف لإمامه لا الموافق له. ومن كان بهذه المنزلة فهو صاحب الجهل المركب الذي لا يستحق أنه يخاطب، بل على كل صاحب علم أن يرفع نفسه عن مجادلته ويصون شأنه عن مقاولته إلا أن يطلب منه أن يعلمه مما علمه الله، وبالله التوفيق.

48

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48) (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه من الكتاب) خطاب لمحمد - صلى الله عليه وسلم -، والكتاب القرآن والتعريف للعهد والتعريف في الكتاب الثاني للجنس أي أنزلنا إليك يا محمد القرآن حال كونه متلبساً بالحق، وحال كونه مصدقا لما بين يديه من كتب الله المنزّلة لكونه مشتملاً على الدعوة إلى الله والأمر بالخير والنهي عن الشر، كما اشتملت عليه. وأما ما يتراءى من مخالفته في بعض جزئيات الأحكام المتغيرة بسبب تغير الأعصار، فليس بمخالفة في الحقيقة، بل هي موافقة لها من حيث أن كلاًّ من تلك الأحكام حق بالإضافة إلى عصره، متضمن للحكمة التي يدور عليها أمر الشريعة، وليس في المتقدم دلالة على أبدية أحكامه المنسوخة حتى يخالفه الناسخ المتأخر، وإنما يدل على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرض لبقائها وزوالها بل نقول هو ناطق بزوالها لما أن النطق بصحة ما ينسخها نطق بنسخها وزوالها. (ومهيمناً علي) الضمير عائد إلى الكتاب الذي صدقه القرآن وهيمن عليه، والمهيمن الرقيب، وقيل الغالب المرتفع، وقيل الشاهد، وقيل الحافظ، وقيل المؤتمن. قال المبرد: أصله مؤيمن أبدل من الهمزة هاء كما قيل في أرقت الماء هرقت وبه قال الزجاج وأبو علي الفارسي،، قال الجوهري: هو من آمن غيره

من الخوف. وأصله أأمن فهو مأأمن، يقال هيمن على الشيء يهيمن إذا كان له حافظاً فهو له مهيمن، كذا عن أبي عبيد. وقرأ مجاهد وابن محيصن مهيمناً بفتح الميم أي هيمن عليه الله سبحانه، والمعنى على قراءة الجمهور أن القرآن صار شاهداً بصحة الكتب المنزلة ومقرراً لا فيها مما لم ينسخ، وناسخاً لا خالفه منها، ورقيباً عليها وحافظاً لا فيها من أصول الشرائع، وغالباً لها لكونه المرجع في الحكم منها والمنسوخ، ومؤتمناً عليها لكونه مشتملاً على ما هو معمول به منها وما هو متروك. (فاحكم بينهم) أي بين أهل الكتاب عند تحاكمهم إليك، وتقديم بينهم للاعتناء ببيان تعميم الحكم لهم (بما أنزل الله) أي بما أنزله إليك في القرآن لاشتماله على جميع ما شرعه الله لعباده في جميع الكتب السابقة عليه، والالتفات بإظهار الاسم الجليل لتربية الهابة والإشعار بعلة الحكم. (ولا تتبع أهواءهم) أي أهواء أهل الملل السابقة، وقال ابن عباس: لا تأخذ بأهوائهم في جلد المحصن (عما جاءك من الحق) أي لا تعدل أو لا تنحرف عما جاءك من الحق متبعاً لأهوائهم أو لا تتبع أهواءهم عادلاً أو منحرفاً عن الحق. وفيه النهي له صلى الله عليه وآله وسلم عن أن يتبع أهوية أهل الكتاب ويعدل عن الحق الذي أنزله الله عليه، فإن كل ملة من الملل تهوى أن يكون الأمر على ما هم عليه وما أدركوا عليه سلفهم وإن كان باطلاً منسوخاً أو محرفاً عن الحكم الذي أنزله الله على الأنبياء كما وقع في الرجم وغيره مما حرفوه من كتب الله، والخطاب وإن كان للنبي صلى الله عليه وسلم لكن المراد به غيره لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يتبع أهواءهم. (لكل جعلنا منكم) الخطاب للأمم الثلاثة أمة موسى وأمة عيسى وأمة محمد صلى الله عليهم أجمعين، أو للناس كافة لكن للموجودين خاصة بل للماضين أيضاً بطريق التغليب على وجه التلوين والالتفات.

(شرعة ومنهاجاً) الشرعة والشريعة في الأصل الطريقة الظاهرة التي يتوصل بها إلى الماء ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده من الدين، والمنهاج الطريقة الواضحة البينة، وقال محمد بن يزيد المبرد الشريعة ابتداء الطريق والمنهاج الطريق المستمر. ومعنى الآية أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عباس في الآية: سنة وسبيلاً، وقال قتادة سبيلاً وسنة، وقد وردت آيات دالة على عدم التباين في طريقة الأنبياء وعلى حصول التباين بينهم، والجمع بينها أن الأولى في أصول الدين، والثانية في فروعه وما يتعلق بظاهر العبادات والله أعلم. (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) بشريعة واحدة وكتاب واحد ورسول واحد في جميع الأعصار من غير نسخ وتحويل (ولكن ليبلوكم) أي ولكن لم يشأ ذلك الاتحاد بل شاء الابتلاء لكم باختلاف الشرائع فيكون ليبلوكم متعلقاً بمحذوف دل عليه سياق الكلام. (فيما آتاكم) أي فيما أنزله عليكم من الشرائع المختلفة باختلاف الأوقات والرسل هل تعملون بذلك وتذعنون له أو تتركوه وتخالفون ما اقتضته مشيئة الله وحكمته، وتميلون إلى الهوى، وتشترون الضلالة بالهدى وفيه دليل على اختلاف الشرائع هو لهذه العلة، أعني الابتلاء والامتحان لا لكون مصالح العباد مختلفة باختلاف الأوقات والأشخاص. (فاستبقوا الخيرات) أي إذا كانت المشيئة قد قضت باختلاف الشرائع فاستبقوا إلى فعل ما أمركم بفعله وترك ما أمركم بتركه أي فابتدروها انتهازاً للفرصة وحيازة لفضل السبق والتقدم، والاستباق المسارعة. (إلى الله) لا إلى غيره (مرجعكم جميعاً) وهذه الجملة كالعلّة لما قبلها. (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) من أمر الدين والدنيا فيفصل بين المحق والمبطل والطائع والعاصي بالثواب والعقاب.

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)

49

(وأن احكم بينهم بما أنزل الله) عطف على الكتاب أي أنزلنا عليك الكتاب والحكم بما فيه، وقد استدل بهذا على نسخ التخيير المتقدم في قوله: أو أعرض عنهم وقد تقدم تفسيره. (ولا تتّبع أهواءهم) أي فيما أمروك به، وليس في هذه الآية تكرار لما تقدم وإنما أنزلت في حكمين مختلفين، أما الآية الأولى فنزلت في شأن رجم المحصن، وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده، وهذه الآية نزلت في شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم. (واحذرهم أن يفتنوك) أي يضلوك ويصرفوك بسبب أهوائهم التي يريدون منك أن تعمل عليها وتؤثرها (عن بعض ما أنزل الله إليك) ولو كان أقل قليل بتصوير الباطل بصورة الحق (فإن تولوا) أي إن أعرضوا عن قبول حكمك بما أنزل الله عليك وأرادوا غيره. (فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم) بالعقوبة في الدنيا (ببعض ذنوبهم) وهو ذنب التولي عنك والإعراض عما جئت به، وإنما عبر بذلك إيذاناً بأن لهم ذنوباً كثيرة، هذا مع كمال عظمة واحد من جملتها، وفي هذا الإبهام تعظيم للتولي (وإن كثيراً من الناس لفاسقون) متمردون عن قبول الحق خارجون عن الإنصاف.

50

(أفحكم الجاهلية يبغون) الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والمعنى أيعرضون عن حكمك بما أنزل الله عليك ويتولون عنه، ويبتغون حكم الجاهلية التي هي متابعة الهوى الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام، وأما أهل الجاهلية وحكمهم فهو ما كانوا عليه من المفاضلة بين القتلى من بني النضير وقريظة، قال ابن عباس: هو ما كانوا عليه من الضلال والجور في الأحكام وتحريفهم إياها عما أمر الله به. والاستفهام في (ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون) للإنكار أيضاً أي لا يكون أحد حكمه أحسن من حكم الله أو مساوٍ له عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والاهواء، وان كان ظاهر السبك غير متعرض لنفي المساواة وإنكارها.

51

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) الظاهر أنه خطاب عام يعم حكمه كافة المؤمنين حقيقة، وقيل المراد بهم المنافقون، ووصفهم بالإيمان باعتبار ما كانوا يظهرونه، وقد كانوا يوالون اليهود والنصارى فنهوا عن ذلك، والأولى أن يكون خطاباً لكل من يتصف بالإيمان أعم من أن يكون ظاهراً وباطناً أو ظاهراً فقط، فيدخل المسلم والمنافق. ويؤيد هذا قوله: (فترى الذين في قلوبهم مرض) والاعتبار بعموم اللفظ قال ابن عباس أسلم عبد الله بن أبي بن سلول ثم قال: إن بيني وبين قريظة حلفاً وإني أخاف الدوائر فارتد كافراً، وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله من حلف قريظة والنضير وأتولى الله ورسوله فنزلت، وبهذا يتضح المراد، والمراد من النهي عن اتخاذهم أولياء أن يعاملوا معاملة الأولياء في المصادقة والمعاشرة والمناصرة. (بعضهم أولياء بعض) المعنى أن بعض اليهود أولياء للبعض الآخر منهم وبعض النصارى أولياء للبعض الآخر منهم، وليس المراد بالبعض إحدى طائفتي اليهود والنصارى، والبعض الآخر الطائفة الأخرى، للقطع بأنهم في غاية من والعداوة والشقاق، وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت

النصارى ليست اليهود على شيء. وقيل المراد أن كل واحدة من الطائفتين توالي الأخرى وتعاضدها وتناصرها على عداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعداوة ما جاء به وإن كانوا في ذات بينهم متعادين متضادين. ووجه تعليل النهي بهذه الجملة أنها تقتضي أن هذه الموالاة هي شأن هؤلاء الكفار لا شأنكم فلا تفعلوا ما هو من فعلهم فتكونوا مثلهم، ولهذا عقب هذه الجملة التعليلية بما هو كالنتيجة لها فقال: (ومن يتولهم منكم) أي ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين (فإنه منهم) أي فإنه من جملتهم وفي عدادهم لأنه لا يوالي أحد أحداً إلا وهو عنه راض، فإذا رضي عنه رضي دينه فصار من أهل ملته، وهو وعيد شديد، فإن المعصية الموجبة للكفر هي التي قد بلغت إلى غاية ليس وراءها غاية. قال أبو السعود: وفيه زجر شديد للمؤمنين عن إظهار صورة الموالاة لهم وإن لم تكن موالاة في الحقيقة انتهى، وهذا تعليم من الله تعالى وتشديد عظيم في مجانبة اليهود والنصارى وكل من خالف دين الإسلام وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (إن الله لا يهدي القوم الظالين) تعليل للجملة التي قبلها أي أن وقوعهم في الكفر هو بسبب عدم هدايته سبحانه لمن ظلم نفسه بما يوجب الكفر كمن يوالي الكافرين، قال حذيفة: ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر وتلا هذه الآية. وعن أبي موسى قال: قلت لعمر بن الخطاب: إن لي كاتباً نصرانياً فقال: مالك وله قاتلك الله، ألا اتخذت حنيفاً يعني مسلماً، أما سمعت قول الله وتلا هذه الآية، قلت: له دينه ولي كتابته، فقال: لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أبعدهم الله، قلت: إنه لا يتم أمر البصرة إلا به فقال: مات النصراني والسلام، يعني هب أنه مات فما تصنع بعده فما تعمله بعد موته فاعمله الآن، واستغن عنه بغيره من المسلمين.

فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)

52

(فترى الذين في قلوبهم مرض) الفاء للسببية والخطاب إما للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، أي ما ارتكبوه من الموالاة ووقعوا فيه من الكفر هو بسبب ما في قلوبهم من مرض النفاق والشك في الدين والرؤية إما قلبية أو بصرية. وقرئ فيرى بالتحتية، واختلف في فاعله ما هو فقيل هو الله عز وجل وقيل هو كل من يصلح منه الرؤية وقيل هو الموصول أي فيرى القوم الذين (يسارعون فيهم) أي في مودة اليهود والنصارى وموالاتهم ومناصحتهم، لأنهم كانوا أهل ثروة ويسار يخالطونهم ويغشونهم لأجل ذلك نزلت في ابن أُبَيّ المنافق وأصحابه، وجعل المسارعة في موالاتهم مسارعة فيهم للمبالغة في بيان رغبتهم في ذلك حتى كأنهم مستقرون فيهم داخلون في عدادهم. (يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) جملة مشتملة على تعليل المسارعة في الموالاة أي أن هذه الخشية هي الحاملة لهم على المسارعة، والدائرة ما يدور من مكابرة الدهر ودوائره كالدولة التي تزول، أي يقول المنافقون إنما نخالط اليهود لأنا نخشى أن يدور علينا الدهر بمكروه وهو الهزيمة في الحرب والقحط والجدب والحوادث المخوفة. قال ابن عباس: نخشى أن لا يتم أمر محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيدور علينا الأمر كما كان قبل محمد، يعني نخشى أن يظفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فتكون الدولة لهم وتبطل دولته فيصيبنا منهم مكروه، وفرّق الراغب بين الدائرة والدولة بأن الدائرة هي الخط المحيط ثم عبر بها عن

الحادثة، وإنما يقال الداءّة في المكروه، والدولة في المحبوب. (فعسى الله أن يأتي بالفتح) رد عليهم ودفع لما وقع لهم من الخشية، وعسى في كلام الله سبحانه وعد صادق لا يتخلف، والفتح ظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الكافرين، ومنه ما وقع من قتل مقاتلة بني قريظة وسبى ذراريهم وإجلاء بني النضير، وقيل هو فتح بلاد المشركين على المسلمين وقيل فتح مكة. (أو أمر من عنده) هو كل ما تندفع به صولة اليهود ومن معهم وتنكسر به شوكتهم وقيل هو إظهار أمر المنافقين وإخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما أسروا في أنفسهم، وأمره بقتلهم، وقيل هو الجزية التي جعلها الله عليهم وقيل الخصب والسعة للمسلمين. (فيصبحوا) أي المنافقون (على ما أسرّوا في أنفسهم) من النفاق الحامل لهم على الموالاة (نادمين) على ذلك لبطلان الأسباب التي تخيلوها وانكشاف خلافها.

53

(ويقول الذين آمنوا) كلام مبتدأ مسوق لبيان ما وقع من هذه الطائفة، أي يقول الذين آمنوا مخاطبين لليهود ومشيرين إلى المنافقين وقت إظهار الله تعالى نفاقهم (أهؤلاء) الهمزة للاستفهام التعجبي (الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم) بالمناصرة والمعاضدة في القتال أو يقول بعض المؤمنين لبعض مشيرين إلى المنافقين، وهذه الجملة مفسرة للقول، وجهد الإيمان أغلظها. (حبطت أعمالهم) أي بطلت، وهو من تمام قول المؤمنين، واستظهره أبو حيان وبه قال الزمخشري أو جملة مستأنفة والقائل هو الله سبحانه والأعمال هي التي عملوها في الموالاة أو كل عمل يعملونه، وعليه جمهور المفسرين (فأصبحوا خاسرين) في الدنيا بافتضاحهم، وفي الآخرة بإحباط ثواب أعمالهم وحصلوا بالعذاب الدائم المقيم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54) إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)

54

(يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه) هذا شروع في بيان أحكام المرتدين بعد بيان أن موالاة الكافرين من المسلم كفر، وذلك نوع من أنواع الردة، ذكر صاحب الكشاف أن إحدى عشرة فرقة من العرب ارتدت ثلاث في زمن رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - وهم بنو مدلج ورئيسهم ذو الحمار، وبنو حنيفة وهم قوم مسيلمة الكذاب، وبنو أسد وهم قوم طلحة بن خويلد. وارتد سبع فرق في خلافة أبي بكر الصديق وهم فزارة قوم عيينه بن حصن الفزاري، وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري، وبنو سليم قوم الفجاة ابن عبد ياليل، وبنو يربوع قوم مالك بن بريدة وبعض تميم قوم سجاح بنت المنذر، وكندة قوم الأشعث بن قيس الكندي، وبنو بكر بن وائل قوم الخطمي ابن يزيد، فكفى الله أمرهم على يد أبي بكر الصديق، وفرقة واحدة ارتدت في زمن خلافة عمر بن الخطاب وهم غسّان قوم جبلة بن الأيْهَم، فكفى الله أمرهم على يد عمر رضي الله عنه. (فسوف يأتي الله بقوم) المراد بالقوم الذين وعد الله سبحانه بالإتيان بهم هم أبو بكر الصديق رضي الله عنه وجيشه من الصحابة والتابعين الذين قاتل بهم أهل الردة، ثم كل من جاء بعدهم من المقاتلين للمرتدين في جميع الزمن، قال بعض الصحابة ما ولد بعد النبيين أفضل من أبي بكر لقد قام مقام نبي من الأنبياء في قتال أهل الردة. ولما هَمَّ أبو بكر بقتالهم كره ذلك بعض الصحابة وقال بعضهم هم أهل

القبلة، فتقلّد أبو بكر سيفه وخرج وحده فلم يجدوا بداً من الخروج على أثره، فقال ابن مسعود: كرهنا ذلك في الابتداء ثم حمدناه في الانتهاء. وأخرج الحاكم والبيهقي وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: تليت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الآية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قومك يا أبا موسى أهل اليمن، وفي الباب روايات (¬1). وأخرج البخاري في تاريخه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قول (فسوف يأتي الله بقوم) الآية فقال: هؤلاء قوم من أهل اليمن ثم كندة ثم السكون ثم تجيب (¬2). وعن ابن عباس هم أهل القادسية، وقال السدي نزلت في الأنصار لأنهم هم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأعانوه على إظهار الدين، والأول أولى. ثم وصف الله سبحانه هؤلاء القوم بالأوصاف العظيمة المشتملة على غاية المدح ونهاية الثناء فقال: (يحبهم ويحبونه) من كونهم (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) وهذه من صفات الذين اصطفاهم الله يعني أنهم أرقاء رحماء لأهل دينهم، أشداء أقوياء غلظاء على أعدائهم، قاله علي، قال ابن عباس: تراهم كالولد لوالده وكالعبد لسيده، وهم في الغلظة على الكافرين كالسبع على فريسته. قال ابن الأنباري: أثنى الله عليهم بأنهم يتواضعون للمؤمنين إذا لقوهم، ويعنفون الكافرين إذا لقوهم، ولم يرد ذل الهوان بل الشفقة والرحمة، وإنما أتى بلفظة (على) ليدل على علو منصبهم وفضلهم وشرفهم، والأذلة جمع ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 70. (¬2) ابن كثير 2/ 70.

ذليل لا ذلول، والأعزة جمع عزيز أي يظهرون الحنوّ والعطف والتواضع للمؤمنين، ويظهرون الشدة والغلظة والترفع على الكافرين. (يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) عذل عاذل في نصرهم الدين أي يجمعون بين المجاهدة في سبيل الله وعدم خوف الملامة في الدين، بل هم متصلبون لا يبالون بما يفعله أعداء الحق وحزب الشيطان من الإزراء بأهل الدين وقلب محاسنهم مساوئ ومناقبهم مثالب حسداً وبغضاً وكراهة للحق وأهله. والإشارة بقوله: (ذلك) إلى ما تقدم من الصفات التي اختصهم الله بها (فضل الله) أي لطفه وإحسانه (يؤتيه من يشاء والله واسع) الفضل وكثير الفضائل (عليم) بمن هو أهلها.

55

(إنما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) عن ابن عباس قال: تصدّق عليّ بخاتم وهو راكع فأنزل الله فيه هذه الآية، وعن علي نحوه أخرجه أبو الشيخ وابن عساكر. قلت: لما فرغ سبحانه من بيان من لا تحل موالاته بيَّن من هو الولي الذي تجب موالاته، والمراد بالركوع الخشوع والخضوع أي وهم خاشعون خاضعون لا يتكبرون، وقيل يضعون الزكاة في مواضعها غير متكبرين على الفقراء ولا مترفعين عليهم، وقيل المراد بالركوع على المعنى الثاني ركوع الصلاة، ويدفعه عدم جواز إخراج الزكاة في تلك الحال.

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59)

56

(ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا) قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار ومن يأتي بعدهم (فإن حزب الله) أي أنصار دينه (هم الغالبون) بالحجة والبرهان فإنها مستمرة أبداً لا بالدولة والصولة، وإلا فقد غلب حزب الله غير مرة حتى في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قاله الكرخي. وعد الله سبحانه من يتولى الله ورسوله والذين آمنوا بأنهم الغالبون لعدوهم، والحزب الصنف من الناس من قولهم حزبه كذا أي نابه، فكأن المتحزبين مجتمعون كاجتماع أهل النائبة التي تنوب، وحزب الرجل أصحابه، والحزب الورد، وفي الحديث " فمن فاته حزبه من الليل " وتحزبوا اجتمعوا، والأحزاب الطوائف. وقد وقع ولله الحمد ما وعد الله به أولياءه وأولياء رسله وأولياء عباده المؤمنين من الغلب لعدوهم فإنهم غلبوا اليهود بالسبي والقتل والإجلاء وضرب الجزية حتى صاروا لعنهم الله أذل الطوائف الكفرية وأقلها شوكة، وما زالوا تحت كلكل المؤمنين يطحنونهم كيف شاؤوا يمتهنونهم كما يريدون من بعد البعثة الشريفة المحمدية إلى هذه الغاية.

57

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً) هذا

النهي عن موالاة المتخذين للدين هزواً ولعباً يعم كل من حصل منه ذلك من المشركين وأهل الكتاب وأهل البدع المنتمين إلى الإسلام. والبيان بقوله: (من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) لا ينافي دخول غيرهم تحت النهي إذا وجدت فيه العلة المذكورة التي هي الباعثة على النهي (والكفار) المشركين أو المنافقين (أولياء) أي أنصاراً لكم في الدين والدنيا (واتقوا الله) بترك موالاتهم وترك ما نهاكم عنه من هذا وغيره (إن كنتم مؤمنين) فإن الإيمان يقتضي ذلك.

58

(وإذا ناديتم إلى الصلاة) النداء الدعاء برفع الصوت، وناداه مناداة ونداء صاح به، وتنادوا أي نادى بعضهم بعضاً وتنادوا أي جلسوا في النادي. (اتخذوها هزواً ولعباً) أي اتخذوا صلاتكم وقيل الضمير للمناداة المدلول عليها بناديتم. قيل: وليس في كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذا الموضع، وأما قوله تعالى في سورة الجمعة إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فهو خاص بنداء الجمعة، وقد اختلف أهل العلم في كون الأذان واجباً أو غير واجب، وفي ألفاظه هو مبسوط في مواطنه (ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) الباء للسببية لأن الهزو واللعب شأن أهل السفه والخفة والطيش.

59

(قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا) أي تكرهون من أوصافنا وأحوالنا، قرأ الجمهور بكسر القاف وقرأ بفتحها، وهاتان مفرعتان على الماضي وفيه لغتان، الفصحى نقم بفتح القاف ينقم بكسرها حكاها ثعلب، والأخرى بعكس ذلك فيهما حكاها الكسائي، ولم يقرأ قوله: (وما نقموا) إلا بالفتح وأصل نقم أن يتعدى بعلى، يقال نقمت على الرجل أنقم بالكسر فيهما فأنا ناقم

إذا عتبت عليه، وإنما عُدّي هنا بمن لتضمنه معنى تكرهون وتنكرون. في الصحاح ما نقمت منه إلا الإحسان، وقال الكسائي: نقمت بالكسر لغة، ونقمت الأمر أيضاً ونقمته إذا كرهته، وانتقم الله منه أي عاقبه، والاسم منه النقمة والجمع نقمات ونقم مثل كلمة وكلمات وكلم، وإن شئت سكّنت القاف ونقلت حركتها إلى النون فقلت نقمة والجمع نقم مثل نعمة ونعم، وقيل المعنى تسخطون وقيل تنكرون أي هل تعيبون أو تسخطون أو تنكرون أو تكرهون منا. (إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل) أي إلا ايماننا بالله وبكتبه المنزّلة وقد علمتم بأنّا على الحق، وهذا على سبيل التعجب من فعل أهل الكتاب، والاستثناء مفرغ أي ليس هذا مما ينكر أو ينقم به. (وإن أكثركم فاسقون) بترككم للإيمان، والخروج عن امتثال أوامر الله أي ما تنقمون منا إلا الجمع بين إيماننا وبين تمردكم وخروجكم عن الإيمان. وفيه أن المؤمنين لم يجمعوا بين الأمرين المذكورين، فإن الإيمان من جهتهم، والتمرد والخروج من الناقمين، وقيل هو على تقدير محذوف أي واعتقادنا أن أكثركم فاسقون وقيل غير ذلك.

خاتمة الجزء الثالث تم الجزء الثالث بفضل الله ونعمته ويليه الجزء الرابع وأوله تفسير آيه 60 من سورة المائدة وتبدأ بقوله تعالى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60)

فتحُ البيان في مقاصد القرآن تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري 1248 - 1307 هـ عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الجزء الرابع المَكتبة العصريَّة صَيدَا - بَيروت

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة 1412 هـ - 1992 م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية بَيروت - صَ. ب 8355 - تلكس LE 20437 SCS صَيدَا - صَ. ب 221 - تلكس LE 29198

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجزء الرابع بسم الله الرحمن الرحيم يبدأ من قوله تعالى سورة المائدة آية 60. إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) سورة الأعراف: 141

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60) وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63)

60

(قل هل أنبئكم بشر من ذلك) بين الله سبحانه لرسوله أن فيهم من العيب ما هو أولى بالتعييب وهو ما هم عليه من الكفر الموجب للعن الله وغضبه ومسخه، والمعنى هل أنبئكم أيها اليهود بشر من نقمكم علينا أو بشر مما تريدون بنا من المكروه أو بشر من أهل الكتاب أو بشر من دينهم. (مثوبة عند الله) أي جزاء ثابتاً وهي مختصة بالخير كما أن العقوبة مختصة بالشر، ووضعت هنا موضع العقوبة على طريقة (فبشرهم بعذاب أليم) وهي منصوبة على التمييز من بشر (من لعنه الله) أي هو لعن من لعنه الله أو هو دين من لعنه الله (وغضب عليه) أي: انتقم منه لأن الغضب إرادة الإنتقام من العصاة. (وجعل منهم القردة والخنازير) أي مسخ بعضهم قردة وبعضهم خنازير وهم اليهود فإن الله مسخ أصحاب السبت قردة، وكفار مائدة عيسى منهم خنازير (¬1)، وقال ابن عباس إن الممسوخين كلاهما أصحاب السبت فشبانهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير (وعبد الطاغوت) أي: جعل منهم عبد الطاغوت بإضافة عبد إلى الطاغوت، والمعنى وجعل منهم من يبالغ في عبادة الطاغوت، لأن فعل من صيغ البالغة كحذر وفطن للتبليغ في الحذر والفطنة، وقرئ على أن عبد فعل ماض معطوف على غضب ولعن كأنه ¬

(¬1) رواه مسلم 4/ 2051 وأحمد 5/ 260.

61

(والله أعلم بما كانوا يكتمون) عنك من الكفر والنفاق، وفيه وعيد شديد وهؤلاء هما المنافقون وقيل: هم اليهود الذين قالوا (آمنوا بالّذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخرهُ).

62

(وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له، والضمير في (منهم) عائد إلى المنافقين أو اليهود أو إلى الطائفتين جميعاً، وجملة يسارعون في محل النصب على الحال على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة في الشيء المبادرة إليه والإثم الكذب أو الشرك أو الحرام. (والعدوان) هو الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحد في الذنوب (وأكلهم السّحت) هو الحرام، فعلى قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة (لبئس ما كانوا يعملون) من المسارعة إلى الإثم والعدوان وأكل السحت وهو الرشا وما كانوا يأكلونه من غير وجهه.

63

(لولا) أي هلا، وهي هنا للتحضيض والتوبيخ لعلمائهم وعمادهم عن تركهم النهي عن المنكر (ينهاهم الربانيون والأحبار) قال الحسن: الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود وقيل: الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم (عن قولهم الإثم) يعني الكذب (وأكلهم السحت) أي: الرشا والحرام (لبئس ما كانوا يصنعون) أي: الأحبار والرهبان إذا لم ينهوا غيرهم عن المعاصي. وهذا فيه زيادة على قوله (لبئس ما كانوا يعملون) لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه، ولهذا تقول العرب سيف صنيع إذا جوّد عامله عمله فالصنع هو العمل الجيد لا مطلق العمل، فوبخ سبحانه الخاصة وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعلي المعاصي.

قيل: ومن عبد الطاغوت أو معطوف على القردة والخنازير أي وجعل منهم عبد الطاغوت حملاً على لفظ من. وقرأ ابن مسعود عبدوا الطاغوت حملاً على معناها، وقرأ ابن عباس عبد كأنه جمع عبد كما يقال سقف وسقف، ويجوز أن يكون جمع عبيد كرغيف ورغف أو جمع عابد كبازل وبزل، وقرئ عبّاد جمع عابد للمبالغة كعامل وعمال، وقرئ عُبِد على البناء للمفعول، والتقدير: وعبد الطاغوت فيهم، وقرئ عابد الطاغوت على التوحيد، وقريء عبدة وأعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب، وقرئ وعبد عطفاً على الموصول، وهي قراءة ضعيفة جداً. وجملة القراآت في هذه الآية أربع وعشرون منها اثنتان سبعيتان والباقية شاذة ذكرها السمين، والطاغوت: الشيطان أو الكهنة أو العجل أو الأحبار أو غيرها مما تقدم مستوفى، وجملته: أن كل من أطاع أحداً في معصية الله فقد عبده وهو الطاغوت. (أولئك) أي الموصوفون بالصفات المتقدمة و (شر) هنا على بابه من التفضيل، والمفضل عليه فيه احتمالان (أحدهما) أنهم المؤمنون (والثاني) أنهم طائفة من الكفار. و (مكاناً) تمييز لأن مأواهم النار وجعلت الشّرارة للمكان وهي لأهله للمبالغة، ويجوز أن يكون الإسناد مجازياً (وأضل عن سواء السبيل) أي: هم أضل من غيرهم عن الطريق المستقيم، قيل: التفضيل في الموضعين للزيادة مطلقاً أو لكونهم أشر وأضل ممن يشاركهم في أصل الشرارة والضلال. (وإذا جاءوكم) أي منافقو اليهود (قالوا آمنا) أي: أظهروا الإسلام (وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به) جملتان حاليتان أي: جاءوكم حال كونهم قد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا من عندك متلبسين به، لم يؤثر فيهم ما سمعوا منك بل خرجوا كما دخلوا.

فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشدّ حالاً وأعظم وبالاً من العصاة، فرحم الله عالماً قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما وجب عليه النهوض به. اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم وأعنّا على ذلك وقوّنا عليه، ويسره لنا وانصرنا على من تعدى حدودك وظلم عبادك أنه لا ناصر لنا سواك ولا مستعان غيرك يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين، وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا حاجة لنا في بسطها هنا. ففي الآية أيضاً ذم لعلماء المسلمين على توانيهم في النهي عن المنكرات، ولذلك قال ابن عباس: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية، وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها، وفيه دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه لأن الله تعالى ذم الفريقين في هذه الآية.

64

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) (وقالت اليهود يد الله مغلولة) أي مقبوضة عن إدرار الرزق علينا، كنوا به عن البخل، تعالى الله عن ذلك، واليد عند العرب تطلق على الجارحة ومنه قوله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً) وعلى النعمة يقولون: كم يد لي عند فلان، وعلى القدرة ومنه قوله تعالى: (قل إن الفضل بيد الله) وعلى التأييد ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " يد الله مع القاضي حين يقضي " وعلى الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه، ومنه قوله تعالى: (الذي بيده عقدة النكاح) أي يملك ذلك. أما الجارحة فمنتفية في صفته عز وجل، وأما سائر المعاني التي فسرت اليد بها عند جمهور المتكلمين وأهل التأويل ففيه إشكال لأنها إذا فسرت بمعنى القدرة فقدرته واحدة، والقرآن ناطق بإثبات اليدين، وأجيب عنه بأن هذه الآية على طريق التمثيل على وفق كلامهم كقوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) والعرب تطلق غل اليد على البخل وبسطها على الجود مجازاً ولا يريدون الجارحة كما يصفون البخيل بأنه جعد الأنامل ومقبوض الكف، فمراد اليهود هنا عليهم لعائن الله أن الله بخيل، قال ابن عباس: مغلولة أي بخيلة. وإن فسرت بالنعمة فنص القرآن ينطق باليدين، ونعمه غير محصورة، وأجيب عنه بأن هذا بحسب الجنس، ويدخل تحته أنواع كثيرة لا نهاية لها وما أبعده.

والجواب عن الجواب الأول أن اليد صفة قائمة بذات الله وهي صفة سوى القدرة من شأنها التكوين على سبيل الإصطفاء، والذي يدل عليه أن الله تعالى أخبر عن آدم أنه خلقه بيديه على سبيل الكرامة، ولو كان معناه بقدرته أو نعمته أو ملكه لم يكن لخصوصية آدم بذلك وجه مفهوم، وامتنع كون آدم مصطفى بذلك لأن ذلك حاصل في جميع المخلوقات، فلا بد من إثبات صفة أخرى وراء ذلك يقع بها الخلق والتكوين على سبيل الإصطفاء وبه قال أبو الحسن الأشعري على ما نقله الرازي عنه وجماعة من أهل الحديث. والجواب عن الجواب الثاني أن الاسم إذا ثني لا يؤدي في كلام العرب إلا عن اثنين بأعيانهما دون الجمع ولا يؤدي عن الجنس، فثبت أن اليد صفة لله تعالى تليق بجلاله وأنها ليست بجارحة كما قالت المجسمة واليهود، ولا بنعمة وقدرة كما قالت المعتزلة. ولما قالت اليهود ذلك أجاب سبحانه عليهم بقوله: (غلت أيديهم) هذا دعاء عليهم بالبخل، فيكون الجواب عليهم مطابقاً لما أرادوه بقولهم يد الله مغلولة، ويجوز أن يراد غل أيديهم حقيقة بالأسر في الدنيا أو العذاب في الآخرة. ويقوي المعنى الأول أن البخل قد لزم اليهود لزوم الظل للشمس فلا ترى يهودياً وإن كان ماله غاية الكثرة إلا وهو من أبخل خلق الله، وقيل المجاز أوفق بالمقام لمطابقة ما قبله. عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس أن ربك بخيل لا ينفق فأنزل الله هذه الآية، وعنه أنها نزلت في فنحاص اليهودي، وعن عكرمة نحوه، والمعنى: أمسكت أيديهم عن كل خير، قال الزجاج: رد الله عليهم فقال أنا الجواد الكريم وهم البخلاء وأيديهم هي الممسكة.

(ولعنوا بما قالوا) الباء سببية أي: أبعدوا من رحمة الله بسبب قولهم هذا فمن لعنتهم أنهم مسخوا في الدنيا قردة وخنازير، وضربت عليهم الذلة والمسكنة والجزية، وفي الآخرة لهم عذاب النار. ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله: (بل يداه مبسوطتان) أي: بل هو في غاية ما يكون من الجود، وذكر اليدين مع كونهم لم يذكروا إلا اليد الواحدة مبالغة في الرد عليهم بإثبات ما يدل على غاية السخاء فإن نسبة الجود إلى اليدين أبلغ من نسبته إلى اليد الواحدة لإفادة الكثرة إذ غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطي بيديه. وهذه الجملة الإضرابية معطوفة على جملة مقدرة يقتضيها المقام أي كلا ليس الأمر كذلك بل يداه مبسوطتان يعني: هو جواد كريم على سبيل الكمال، وحكى الأخفش عن ابن مسعود أنه قرأ بل يداه بسيطتان أي: منطلقتان. ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه فيجب علينا الإيمان بها والتسليم وإثباتها له تعالى وإمرارها كما جاءت في الكتاب والسنة بلا كيف ولا تشبيه ولا تعطيل، قال تعالى: (لما خلقت بيدي) وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن يمين الرحمن: " وكلتا يديه يمين " فالجارحة منتفية في صفته عز وجل، والجهمية أنكروها وتأولوا بالنعمة والقدرة وهم المعطلة، وهذا الإنتفاء إنما هو عند المؤمنين، وأما اليهود فإنهم مجسمة فيصح حمل اليد عندهم على الجارحة بحسب اعتقادهم الفاسد. (ينفق كيف يشاء) جملة مستأنفة مؤكدة لكمال جوده سبحانه أي: إنفاقه على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، فإن شاء وسع وإن شاء قتر، لا اعتراض عليه، فهو القابض الباسط فإن قبض كان ذلك لما تقتضيه حكمته الباهرة لا شيء آخر، فإن خزائن ملكه لا تفنى ومواد جوده لا تتناهى، قال تعالى: (ولو

بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء) وقال: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر). وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يد الله ملأى لا تغيضها نفقة سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم ينقص ما بيده، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يرفع ويخفض " (¬1) أخرجه البخاري ومسلم، وفي الباب أحاديث. (وليزيدن) اللام هي لام القسم أي والله ليزيدن (كثيراً منهم) من علماء اليهود والنصارى ورؤسائهم (ما أنزل إليك) من القرآن المشتمل على هذه الأحكام الحسنة (من ربك طغياناً) إلى طغيانهم (وكفراً) إلى كفرهم، عن قتادة قال حملهم حسد محمد - صلى الله عليه وسلم - والعرب على أن تركوا القرآن وكفروا بمحمد ودينه، وهم يجدونه مكتوباً عندهم. (وألقينا بينهم) أي بين طوائف اليهود (العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) فإن بعضهم جبرية وبعضهم قدرية وبعضهم مرجئة وبعضهم مشبهة أو بين اليهود والنصارى فهم فرق كالملكانية والنسطورية واليعقوبية والماروانية. لا يقال أن هذا المعنى حاصل بين السلمين أيضاً فكيف يكون عيباً عليهم لا على المسلمين لأنا نقول: إن هذه البدع والافتراق لم يكن شيء منها حاصلا بينهم في الصدر الأول، وإنما حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسن جعل ذلك عيباً عليهم في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال أبو حيان: العداوة أخص من البغضاء لأن كل عدو مبغض وقد يبغض من ليس بعدو، قاله الكرخي. (كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله) أي: كلما جمعوا للحرب جمعاً ¬

(¬1) البخاري كتاب التفسير سورة 11 - مسلم الباب 37 من كتاب الزكاة.

وأعدوا له عدة شتت الله جمعهم، وذهب بريحهم، فلم يظفروا بطائل ولا عادوا بفائدة، بل لا يحصلون من ذلك إلا على الغلب لهم، وذلك بأن بعث الله عليهم بختنصر البابلي، ثم افسدوا فبعث عليهم طيطوس الرومي، ثم أفسدوا فسلط عليهم المجوس، وهم أهل الفرس، ثم أفسدوا وقالوا يد الله مغلولة فبعث الله المسلمين، فلا تزال اليهود في ذلة أبداً، وهكذا لا يزالون يهيجون الحروب ويجمعون عليها ثم يبطل الله ذلك. قال مجاهد: كلما مكروا مكراً في حرب محمد - صلى الله عليه وسلم - أطفأه الله تعالى، وعن السّدي قال: كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه الله وقذف في قلوبهم الرعب، والآية مشتملة على استعارة بليغة وأسلوب بديع، وقيل: المراد بالنار هنا الغضب أي: كلما أثاروا في أنفسهم غضباً أطفاه الله بما جعله من الرعب في صدورهم والذلة والمسكنة المضروبتين عليهم قال قتادة: لا تلقى اليهود ببلدة إلا وجدتهم من أذل الناس فيها وهم أبغض خلق الله إليه. (ويسمعون في الأرض فساداً) أي يجتهدون في فعل ما فيه فساد ومن أعظمه ما يريدون من إبطال الإسلام وكيد أهله (والله لا يحب المفسدين) إن كانت اللام للجنس فهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً، وإن كانت للعهد فوضع الظاهر موضع المضمر لبيان شدة فسادهم وكونهم لا ينفكون عنه.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)

65

(ولو أن أهل الكتاب) أي لو أن المتمسكين بالكتاب وهم اليهود والنصارى على أن التعريف للجنس بيان لحالهم في الآخرة (آمنوا) الإيمان الذي طلبه الله منهم، ومن أهمه الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما أمروا بذلك في كتب الله المنزلة عليهم (واتقوا) المعاصي التي من أعظمها ما هم عليه من الشرك بالله والجحود لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (لكفرنا عنهم سيئاتهم) التي اقترفوها وإن كانت كثيرة متنوعة لأن الإسلام يجبُّ ما قبله، وقيل المعنى لوسعنا عليهم في أرزاقهم (ولأدخلناهم) تكرير اللام لتأكيد الوعد (جنات النعيم) مع المسلمين يوم القيامة.

66

(ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل) بما فيهما من الأحكام التي من جملتها الإيمان بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم (وما أنزل إليهم من ربهم) أي من سائر كتب الله التي من جملتها القرآن فإنها كلها وإن نزلت على غيرهم فهي في حكم المنزلة عليهم لكونهم متعبدين بما فيها (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) ذكر فوق وتحت للمبالغة في تيسر أسباب الرزق لهم وكثرتها وتعدد أنواعها. عن ابن عباس قال: لأكلوا من فوقهم يعني لأرسل عليهم السماء مدراراً، ومن تحت أرجلهم قال يخرج الأرض من بركتها، وعن قتادة نحوه. (منهم أمة مقتصدة) جواب سؤال مقدر كأنه قيل هل جميعهم متصفون

بالأوصاف السابقة، أو البعض منهم دون بعض، فقال: منهم أمة عادلة غير غالية ولا مقصّرة، والمقتصدون منهم هم المؤمنون كعبد الله بن سلام ومن تبعه، وطائفة من النصارى قال مجاهد هم مسلمة أهل الكتاب، وعن الربيع بن أنس قال الأمة المقتصدة الذين لا هم فسقوا في الدين ولا هم غلوا، والغلو: الرغبة، والفسق: التقصير عنه، وعن السدي مقتصدة أي: مؤمنة والاقتصاد الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. (وكثير منهم ساء ما يعملون) وهم المصرون على الكفر المتمردون عن إجابة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والإيمان بما جاء به مثل كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود. أخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر حديثاً قال ثم حدثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: " تفرقت أمة موسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، وتفرقت أمة عيسى على اثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفريقين جميعاً بملة واحدة في الجنة واثنتان وسبعون منها في النار قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: الجماعات الجماعات " (¬1). وقال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ّ بهذا الحديث تلا فيه قرآناً قال: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا) الآية، وتلا أيضاً (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير في تفسيره بعد ذكره لهذا الحديث ما لفظه: وحديث افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مروي من طرق عديدة قد ذكرناها في موضع آخر اهـ. ¬

(¬1) المستدرك كتاب العلم 1/ 128.

67

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قلت: أما زيادة كونها في النار إلا واحدة فقد ضعفها جماعة من المحدثين بل قال ابن حزم إنها موضوعة. (يا أيّها الرَّسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك) العموم الكائن في: ما أنزل يفيد أنه يجب عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يبلغ جميع ما أنزله الله عليه لا يكتم منه شيئاً، وفيه دليل على أنه لم يسر إلى أحد مما يتعلق بما أنزله الله شيئاً، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: " من زعم أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - كتم شيئاً من الوحي فقد كذب ". وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السّوائي قال: قلت لعلي بن أبي طالب هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن فقال: " لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلاّ فهماً يعطيه الله رجلاً في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل (¬1) وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر ". (وإن لم تفعل) ما أمرت به من تبليغ الجميع بل كتمت ولو بعضاً من ذلك خوفاً من أن تنال بمكروه (فما بلغت) قرأ أهل الكوفة (رسالته) بالتوحيد، وقرأ أهل المدينة وأهل الشام (رسالاته) على الجمع، قال النحاس: والجمع أبين لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ينزل عليه الوحي شيئاً فشيئاً ثم يبينه اهـ. وفيه نظر فإن نفي التبليغ عن الرسالة الواحدة أبلغ من نفيه عن ¬

(¬1) أي الدية يعني بيان مقادير الديات.

الرسالات كما ذكره علماء البيان على خلاف في ذلك، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأمته ما نزل إليه وقال لهم في غير موطن هل بلغت؟ فيشهدون له بالبيان، فجزاه الله عن أمته خيراً، وحاشاه أن يكتم شيئاً مما أوحى إليه. عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت هذه الآية يوم غدير خُمّ في علي بن أبي طالب، وعن ابن مسعود قال كنا نقرأ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك إن عليّاً مولى المؤمنين (¬1) وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) وعن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الله بعثني برسالة فضقت بها ذرعاً وعرفت أن الناس مكذبي فوعدني لأبلغن أو ليعذبني فأنزلت يا أيها الرسول الآية. (والله يعصمك من الناس) إن الله سبحانه وعده بالعصمة من الناس دفعاً لما يظن أنه حامل على كتم البيان، وهو خوف لحوق الضرر من الناس وقد كان ذلك بحمد الله فإنه بين لعباد الله ما نزل إليهم على وجه التمام، ثم حمل من أَبَى من الدخول في الدين على الدخول فيه طوعاً أو كرهاً، وقتل صناديد الشرك وفرق جموعهم وبدد شملهم، وكانت كلمة الله هي العليا، وأسلم كل من نازعه ممن لم يسبق فيه السيف العذل حتى قال يوم الفتح لصناديد قريش وأكابرهم ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. وهكذا من سبقت له العناية من علماء هذه الأمة يعصمه الله من الناس إن قام ببيان حجج الله وإيضاح براهينه، وصرخ بين ظهراني من ضاد الله وعانده ومن لم يمتثل لشرعه كطوائف المبتدعة وقد رأينا من هذا في أنفسنا ¬

(¬1) هذا والذي قبله من دسائس الشيعة ليت المؤلف أراحنا منه.

وسمعنا منه في غيرنا ما يزيد المؤمن إيماناً وصلابة في دين الله وشدة شكيمة في القيام بحجة الله، وكل ما يظنه متزلزلو الأقدام ومضطربو القلوب من نزول الضرر بهم وحصول المحن عليهم، فهي خيالات مختلة وتوهمات باطلة. فإن كلّ محنة في الظاهر هي منحة في الحقيقة، لأنها لا تأتي إلا بخير في الأولى والأخرى (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) وقصة غورث بن الحرث ثابتة في الصحيح وهي معروفة مشهورة كما تقدم (¬1). فإن قلت أليس قد شج رأسه وكسرت رباعيته يوم أحد وقد أوذي بضروب من الأذى، فكيف يجمع بين ذلك وبين هذه الآية. قلت المراد أنه يعصمه من القتل فلا يقدر عليه أحد ويدل له حديث جابر في الصحيحين وفيه فقال: إن هذا اخترط على سيفي، إلى قوله، فقال: من يمنعك مني؟ فقلت الله، ثلاثاً، وقيل: إن هذه الآية نزلت بعد ما شج رأسه في يوم أحد، لأن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرس حتى نزلت فقال: انصرفوا فقد عصمني الله، رواه الحاكم بطوله. (إن الله لا يهدي القوم الكافرين) جملة متضمنة لتعليل ما سبق من العصمة أي: إن الله لا يجعل لهم سبيلاً إلى الأضرار لك فلا تخف وبلغ ما أمرت بتبليغه، وقال ابن عباس: لا يرشد من كذبك وأعرض عنك، وقال ابن جرير الطبري: المعنى أن الله لا يرشد من حاد عن سبيل الحق وجار عن قصد السبيل وجحد ما جئت به من عند الله ولم ينته فيما فرض عليه وأوجبه. ¬

(¬1) راجع ص 463 ج2.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

68

(قل يا أهل الكتاب لستم على شيء) فيه تحقير وتقليل لما هم عليه أي: لستم على شيء يعتد به من الدين المرتضى عند الله (حتى تقيموا التوراة والإنجيل) أي: حتى تعملوا بما فيهما من أوامر الله ونواهيه التي من جملتها أمركم باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - ونهيكم عن مخالفته قال أبو علي الفارسي: ويجوز أن يكون ذلك قبل النسخ لهما (¬1). (وما أنزل إليكم من ربكم) قيل هو القرآن فإن إقامة الكتابين لا تصح بغير إقامته، ويجوز أن يكون المراد ما أنزل إليهم على لسان الأنبياء من غير الكتابين. (وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً) أي كفراً إلى كفرهم وطغياناً إلى طغيانهم والمراد بالكثير منهم من لم يسلم واستمر على المعاندة، وقيل المراد به العلماء منهم وتصدير هذه الجملة بالقسم لتأكيد ¬

(¬1) قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء) سبب نزولها: أن اليهود قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ألست تؤمن بما عندنا من التوراة، وتشهد أنها حق؟ قال: بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها، فأنا بريء من إحداثكم. فقالوا: نحن على الهدى، ونأخذ بما في أيدينا، ولا نؤمن بك، فنزلت هذه الآية، قاله ابن عباس. فأما أهل الكتاب، فالمراد بهم اليهود والنصارى. وقوله: (لستم على شيء) أي: لستم على شيء من الدين الحق حتى تقيموا التوراة والإنجيل، وإقامتهما: العمل بما فيهما، ومن ذلك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم.

مضمونها. (فلا تأس على القوم الكافرين) أي دع عنك التأسف على هؤلاء فإن ضرر ذلك راجع إليهم ونازل بهم.

69

(إن الذين آمنوا) بألسنتهم وهم المنافقون (والذين هادوا) أي دخلوا في دين اليهود وهو مبتدأ والواو لعطف الجمل أو للاستئناف (والصابئون والنصارى) معطوفان على المبتدأ، وقال الخليل وسيبويه الرفع محمول على التقديم والتأخير، والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر والصابئون والنصارى كذلك، وقيل غير ذلك. وفي المقام وجوه تسعة أخرى ذكرها السمين، والذي مشينا عليه أوضح وأظهر من الكل، وظاهر الإعراب يقتضي أن يقال (والصابئين) وكذا قرأ أبي وابن مسعود وابن كثير، وقرأ الجمهور بالرفع وقد تقدم الكلام على الصابئين والنصارى في سورة البقرة وهو من صبا يصبو لأنهم صبؤا إلى اتباع الهوى ويبدل من المبتدأ الذي هو الفرق الثلاثة بدل بعض قوله: (من آمن بالله) إيماناً خالصاً على الوجه المطلوب (واليوم الآخر) منهم، وحذف لكونه معلوماً عند السامعين (وعمل) عملاً (صالحاً فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي فهو الذي لا خوف عليه ولا حزن. هذا على كون المراد بالذين آمنوا المنافقين، وأما على تقدير كون المراد بالذين آمنوا جميع أهل الإسلام المخلص والمنافق فالمراد بمن آمن من اتصف بالإيمان الخالص واستمر عليه ومن أحدث إيماناً خالصاً بعد نفاقه.

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71)

70

(لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل) كلام مبتدأ لبيان بعض أفعالهم الخبيثة وجناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم أي والله لقد أخذنا ميثاقهم بالتوحيد وسائر الشرائع والأحكام المكتوبة عليهم في التوراة، وقد تقدم في البقرة بيان معنى الميثاق (وأرسلنا إليهم رسلاً) ليعرفوهم بالشرائع وينذروهم (كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم) جملة شرطية وقعت جواباً لسؤال ناشىء من الإخبار بإرسال الرسل كأنه قيل: ماذا فعلوا بالرسل؟ وجواب الشرط محذوف أي عصوه. (فريقاً كذبوا) جملة مستأنفة أيضاً جواب عن سؤال ناشئ عن الجواب الأول كأنه قيل: كيف فعلوا بهم؟ فقيل فريقاً كذبوا منهم ولم يتعرضوا لهم بضرر (وفريقاً) آخر منهم (يقتلون) أي: قتلوهم ولم يكتفوا بتكذيبهم، وإنما قال: وفريقاً يقتلون لمراعاة رؤوس الأي فممن كذبوه عيسى وأمثاله من الأنبياء، وممن قتلوه زكريا ويحيى، وإنما فعلوا ذلك نقضاً للميثاق وجرأة على الله ومخالفة لأمره.

71

(وحسبوا ألا تكون فتنة) أي حسب هؤلاء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن لا يقع من الله عز وجل ابتلاء واختبار بالشدائد اغتراراً بقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، وحسب بمعنى علم لأن (أن) معناها التحقيق أو حسب بمعنى الظن على أن (أن) ناصبة للفعل قال النحاس: والرفع عند النحويين في حسب

وأخواتها أجود، وإنما حملهم على ذلك الظن الفاسد أنهم كانوا يعتقدون أن كل رسول جاءهم بشرع آخر غير شرعهم يجب عليهم تكذيبه وقتله، فلهذا حسبوا أن لا يكون فعلهم ذلك فتنة يبتلون بها. وقيل إنما أقدموا على ذلك لاعتقادهم أن آباءهم وأسلافهم يدفعون عنهم العذاب في الآخرة (فعموا) عن إبصار الهدى (وصموا) عن استماع الحق، وهذا إشارة إلى ما وقع من بني إسرائيل في الإبتداء من مخالفة أحكام التوراة وقتل شعيا وقيل سببه عبادتهم العجل في زمن موسى عليه السلام ولا يصح فإنها وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم لكنها في عصر موسى، ولا تعلق لها مما حكى عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاءوا إليهم بعد موسى عليه السلام. (ثم تاب الله عليهم) حين تابوا ورجعوا عما كانوا عليه من الفساد بعد ما كانوا ببابل دهراً طويلا تحت قهر بختنصر أسارى في غاية الذل والمهانة فكشف عنهم الذلة والقحط. (ثم عموا وصموا) وهذه إشارة إلى ما وقع منهم بعد التوبة من قتل يحيى بن زكريا وقصدهم لقتل عيسى، وقيل: بسبب الكفر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم. و (كثير منهم) بدل من الضمير قال الكرخي: هذا الإبدال في غاية البلاغة (والله بصير بما يعملون) من قتل الأنبياء وتكذيب الرسل فيجازيهم بحسب أعمالهم، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية ولرعاية الفواصل.

72

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72) (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم) هذا كلام مبتدأ يتضمن بيان بعض فضائح أهل الكتاب والقائلون بهذه المقالة هم فرقة منهم يقال لهم اليعقوبية وقيل هم الملكانية قالوا: إن الله عز وجل حل في ذات عيسى، وأن مريم ولدت إلها فرد الله عليهم بقوله: (وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم) أي والحال أن قد قال المسيح هذه المقالة فكيف يدعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم، ودلائل الحدوث ظاهرة عليه (¬1). (إنه) الشأن (من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة) كلام مبتدأ يتضمن بيان أن الشرك يوجب تحريم دخول الجنة إذا مات صاحبه على شركه، وقيل هو من قول عيسى (ومأواه النار) أي مصيره إليها في الآخرة. (وما للظالمين) أي: المشركين، فيه مراعاة معنى (من) بعد مراعاة لفظها، وفيه الإظهار في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بوصف الظلم (من أنصار) ينصرونهم فيدخلونهم الجنة أو يخلصونهم من النار ويمنعونهم من عذاب الله، وصيغة الجمع هنا للإشعار بأن نصرة الواحد أمر غير محتاج إلى التعرض لنفيه لشدة ظهوره وإنما ينبغي التعرض لنفي نصرة الجمع. ¬

(¬1) روى الإمام ابن الجوزي قال محمد بن كعب: لما رفع عيسى اجتمع مئة من علماء بني إسرائيل، وانتخبوا منهم أربعة، فقال أحدهم: عيسى هو الله كان في الأرض ما بدا له، ثم صعد إلى السماء، لأنه لا يحيي الموتى ولا يبرئ الأكمه والأبرص إلا الله. وقال الثاني: ليس كذلك، لأنا قد عرفنا عيسى، وعرفنا أمه، ولكنه ابن الله. وقال الثالث: لا أقول كما قلتما، ولكن جاءت به أُمه من عمل غير صالح. فقال الرابع: لقد قلتم قبيحاً، ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته، فخرجوا، فاتبع كل رجل منهم عنق من الناس.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

73

(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة) كلام مبتدأ أيضاً لبيان بعض مخازيهم والمراد بثالث ثلاثة واحد من ثلاثة ولهذا يضاف إلى ما بعده، ولا يجوز فيه التنوين كما قال الزجاج وغيره، وإنما ينون وينصب ما بعده إذا كان ما بعده دونه بمرتبة نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة، والقائل بأنه سبحانه وتعالى ثالث ثلاثة هم النصارى والمراد بالثلاثة: الله سبحانه وعيسى ومريم كما يدل عليه قوله (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين). وهذا هو المراد بقولهم ثلاثة أقنانيم إقنيم الأب وإقنيم الابن وإقنيم روح القدس، وقد تقدم في سورة النساء كلام في هذا، وهو كلام معلوم البطلان، ولا ترى في الدنيا مقالة أشد فساداً ولا أظهر بطلاناً من مقالة النصارى. قال الواحدي: ولا يكفر من يقول: إن الله ثالث ثلاثة ولم يرد به أنه ثالث ثلاثة آلهة لأنه ما من اثنين إلا والله ثالثهما بالعلم، ويدل عليه قوله تعالى في سورة المجادلة (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم) وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر: " ما ظنك باثنين الله ثالثهما ". ثم رد الله سبحانه عليهم هذه الدعوى الباطلة فقال (وما من إله إلا إله واحد) أي ليس في الوجود إله لا ثاني له ولا شريك له ولا ولد له ولا صاحبة

له إلا الله سبحانه، وهذه الجملة حالية والمعنى قالوا تلك المقالة والحال أنه لا موجود إلا الله، و (من) في قوله: (من إله) لتأكيد الاستغراق المستفاد من النفي، قاله الزمخشري، قال السمين: ولكن لم أرهم قالوه وفيه مجال للنظر وقيل زائدة. (وإن لم ينتهوا عما يقولون) من الكفر وهذه المقالة الخبيثة (ليمسنّ الذين كفروا منهم) من بيانية أو تبعيضية (عذاب أليم) أي: نوع شديد الألم من العذاب وجيع في الآخرة.

74

(أفلا) الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر (يتوبون) من قولهم بالتثليث (إلى الله ويستغفرونه) فيه تعجيب من إصرارهم بمعنى الأمر أي: ليتوبوا وليستغفروه (والله غفور) لهؤلاء إن تابوا ولغيرهم والواو للحال (رحيم) بهم.

75

(ما المسيح ابن مريم إلا رسول) أي هو مقصور على الرسالة لا يجاوزها كما زعمتم وجملة (قد خلت) صفة للرسول أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا (من قبله) وما وقع من المعجزات لا يوجب كونه إلهاً فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله أحيا العصا في يد موسى، وخلق آدم من غير أب فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ووجوده من غير أب أنه يوجب كونه إلهاً فإن كان كما تزعمون إلهاً لذلك فمن قبله من (الرسل) الذين جاءوا بمثل ما جاء به آلهة وأنتم لا تقولون بذلك. (وأمه) عطف على المسيح أي: وما أمه إلا (صديقة) أي: صادقة فيما تقوله أو مصدّقة لا جاء به ولدها من الرسالة وذلك لا يستلزم الإلهية، لها بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق ويبالغن في الاتصاف به، فما رتبتهما إلا رتبة بشرين أحدهما نبي

والآخر صحابي، فمن أين لكم أن تصفوهما بما لا يوصف به سائر الأنبياء وخواصهم، ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى (وصدقت بكلمات ربها وكتبه). (كانا يأكلان الطعام) استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب بل عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح لأن يكون رباً وأما قولكم: إنه كان يأكل الطعام بناسوته لا بلاهوته فهو كلام باطل يستلزم اختلاط الإله بغير الإله، ولو جاز اختلاط القديم بالحادث لجاز أن يكون القديم حادثاً ولو صحّ هذا في حق عيسى لصح في حق غيره من العباد. (انظر كيف نبين لهم الآيات) أي: الدلالات الواضحات على وحدانيتنا وفيه تعجب من حال هؤلاء الذين يجعلون تلك الأوصاف مستلزمة للإلهية ويغفلون عن كونها موجودة فيمن لا يقولون بأنه إله. (ثم انظر أنى يؤفكون) أي: يصرفون عن الحق بعد هذا البيان يقال: أفكه إذا صرفه، وكرر الأمر بالنظر للمبالغة في التعجيب، وجاء بثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت، وقيل: الأول أمر بالنظر في كيفية إيضاح الله تعالى لهم الآيات وبيانها، والثاني بالنظر في كونهم صرفوا عن تدبرها والإيمان بها.

76

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76) (قل أتعبدون) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذا القول إلزاماً لهم وقطعاً لشبهتهم بعد تعجبه من أحوالهم أي أتعبدون (من دون الله) متجاوزين إياه (ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً) بل هو عبد مأمور، وما جرى على يده من النفع أو وقع من الضرر فهو بإقدار الله له وتمكينه منه، وأما هو، فهو يعجز عن أن يملك لنفسه شيئاً من ذلك فضلاً عن أن يملكه لغيره، ومن كان لا ينفع ولا يضر فكيف تتخذونه إلهاً وتعبدونه وأي سبب يقتضي ذلك؟ والمراد هنا المسيح عليه السلام. وإيثار (ما) على (من) لتحقيق ما هو المراد من كونه بمعزل عن الألوهية رأساً ببيان انتظامه عليه السلام في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلاً، وقدم سبحانه الضر على النفع لأن دفع المفاسد أهم من جلب المصالح، وهذا دليل قاطع على أن أمره مناف للربوبية والإلهية حيث لا يستطيع ضراً ولا نفعاً، وصفة الرب والإله أن يكون قادراً على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته، وهذا في حق عيسى النبي، فما ظنك بولي من الأولياء؟ فإنه أولى بذلك. (و) الحال أن (الله هو السميع العليم) ومن كان كذلك فهو القادر على الضر والنفع لإحاطته بكل مسموع ومعلوم، ومن جملة ذلك مضاركم ومنافعكم، وقيل: إن الله هو المستحق للعبادة لأنه يسمع كل شيء ويعلمه وإليه ينحو كلام الزمخشري.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)

77

(قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم) لما أبطل سبحانه جميع ما تعلقوا به من الشبه الباطلة نهاهم عن الغلو في دينهم، وهو المجاوزة للحد كإثبات الإلهية لعيسى كما يقوله النصارى أو حطه عن مرتبته العلية كما يقوله اليهود، فإن كل ذلك من الغلو المذموم وسلوك طريقة الإفراط أو التفريط واختيارهما على طريق الصواب. و (غير) منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أي غلواً غير غلو (الحق) وأما الغلو في الحق بإبلاغ كلية الجهد في البحث عنه واستخراج حقائقه فليس بمذموم، وقيل: إن النصب على الاستثناء المتصل وقيل على المنقطع قال قتادة: لا تغلوا أي لا تبتدعوا، عن ابن زيد قال: كان مما غلوا فيه أن دعوا لله صاحبة وولداً. (ولا تتبعوا أهواء قوم) جمع هوى وهو ما تدعو شهوة النفس إليه، قال الشعبي: ما ذكر الله تعالى الهوى في القرآن إلا وذمه، وقال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا موضع الشر، لأنه لا يقال فلان يهوى الخير إنما يقال فلان يحب الخير ويريده، والخطاب لليهود والنصارى الذين كانوا في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم وهو المراد بقوله (قد ضلوا من قبل) أي قبل البعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والتحية،

والمراد أن أسلافهم ضلوا قبل البعثة بغلوهم في عيسى. (وأضلوا كثيراً) من الناس إذ ذاك (وضلوا) من بعد البعثة إما بأنفسهم أو جعل ضلال من أضلوه ضلالاً لهم لكونهم سنوا لهم ذلك ونهجوه لهم، وقيل المراد بالأول كفرهم بما يقتضيه العقل وبالثاني كفرهم بما يقتضيه الشرع وقيل الأول ضلالهم عن الإنجيل، والثاني ضلالهم عن القرآن (عن سواء السبيل) أي عن طريق الحق.

78

(لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم) أي لعنهم الله سبحانه في الزبور والإنجيل على لسان داود وعيسى بما فعلوه من المعاصي لاعتدائهم في السبت وكفرهم بعيسى، وعن أبي مالك الغفاري قال: لعنوا أي اليهود على لسان داود فجعلوا قردة وهم أصحاب أيلة، والنصارى على لسان عيسى فجعلوا خنازير، وهم أصحاب المائدة، وكانوا خمسة آلاف ليس فيهم امرأة ولا صبي والفريقان من بني إسرائيل وعن قتادة نحوه وكان داود بعد موسى وقبل عيسى. (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) جملة مستأنفة، والمعنى ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء لا بسبب آخر، ثم بين سبحانه المعصية والاعتداء بقوله.

79

(كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) أسند الفعل إليهم لكون فاعله من جملتهم وإن لم يفعلوه جميعاً، والمعنى أنهم كانوا لا ينهون العاصي عن معاودة معصية قد فعلها أو تهيأ لفعلها، ويحتمل أن يكون وصفهم بأنهم قد فعلوا المنكر باعتبار حالة النزول لا حالة ترك الإنكار وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه وتعدى حدوده.

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية، وأجل الفرائض الشرعية ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية، ومستحقاً لغضب الله وانتقامه، كما وقع لأهل السبت فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل ولكن ترك الإنكار عليهم كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير، إن في ذلك لعبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. ثم إن الله سبحانه قال مقبحاً لعدم التناهي عن المنكر: (لبئسما كانوا يفعلون) من تركهم الإنكار ما يجب عليهم إنكاره، واللام لام القسم. عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: (لعن الذين كفروا إلى قوله فاسقون) ثم قال: " كلا والله لتأمرن بالمعروف وتنهون عن المنكر ثم لتأخذن على يد الظالم ولتَأطرنّهُ على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً زاد في رواية أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ثم يلعنكم كما لعنهم " أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم وقد روي عن طرق كثيرة (¬1)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً فلا نطول بذكرها. وعن أبي عبيدة بن الجراح يرفعه قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبياً من أول النهار فقام مائة واثنا عشر رجلاً من عبادهم فأمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعاً في آخر النهار، فهم الذين كفروا من بني إسرائيل الآيات. ¬

(¬1) أبو داود الباب 17 من كتاب الملاحم- الترمذي كتاب التفسير سورة 5، 7.

تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)

80

(ترى كثيراً منهم) أي من اليهود مثل كعب بن الأشرف وأصحابه (يتولون الذين كفروا) أي المشركين وليسوا على دينهم. (لبئسما قدمت) أي سولت وزينت (لهم أنفسهم) أو ما قدموه لأنفسهم ليردوا عليه يوم القيامة والمخصوص بالذم هو. (أن سخط الله عليهم) أي موجب سخط الله عليهم على حذف مضاف أو سخط الله على حذف المبتدأ أي بما فعلوا من موالاة الكفار (وفي العذاب هم خالدون) يعني في الآخرة.

81

(ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي) أي نبيهم محمد (وما أنزل إليه) من الكتاب (ما اتخذوهم) أي المشركين والكفار (أولياء) لأن الله سبحانه ورسوله المرسل إليهم وكتابه المنزل عليه نهوهم عن ذلك. (ولكن كثيراً منهم فاسقون) أي خارجون عن ولاية الله وعن الإيمان به وبرسوله وبكتابه قال مجاهد هم المنافقون.

82

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا) هذه جملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تعداد مساوئ اليهود وهناتهم، ودخول لام القسم عليها يزيدها تأكيداً وتقريراً، وقال ابن عطية: اللام للابتداء وليس بشيء، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له كما في غير هذا الموضع من الكتاب العزيز، والمعنى أن اليهود والمشركين لعنهم الله أشد جميع الناس عداوة للمؤمنين وأصلبهم في ذلك. (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) أي أن النصارى أقرب الناس مودة للمؤمنين وصفهم بلين العريكة وسهولة قبولهم الحق، قيل مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر والأذى إلى من خالفهم في الدين بأي طريق كان مثل القتل ونهب المال أو بأنواع المكر والكيد والحيل، ومذهب النصارى خلاف اليهود فإن الإيذاء في مذهبهم حرام، فحصل الفرق بينهما. وقيل: إن اليهود مخصوصون بالحرص الشديد على الدنيا وطلب الرياسة، ومن كان كذلك كان شديد العداوة للغير، وفي النصارى من هو معرض عن الدنيا ولذاتها وترك طلب الرياسة، ومن كان كذلك فإنه لا يحسد أحداً ولا يعاديه بل يكون لين العريكة في طلب الحق والأول أولى. وقال مجاهد: هم الوفد الذين جاؤوا مع جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله وفي لفظ إلا حدث نفسه بقتله " رواه أبو الشيخ قال ابن كثير وهو غريب جداً.

وعن عطاء قال: ما ذكر الله به النصارى من خير فإنما يراد به النجاشي وأصحابه، وعنه قال: هم ناس من الحبشة آمنوا إذ جاءتهم مهاجرة المؤمنين فذلك لهم ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (ذلك) أي كونهم أقرب مودة (بأن) الباء للسببية (منهم قسيسين) جمع قس وقسيس قاله قطرب، والقسيس العالم وأصله من قس إذا تتبع الشيء وطلبه وتقسست أصواتهم بالليل تسمعتها، والقس النميمة والقس أيضاً رئيس النصارى في الدين والعلم وجمعه قسوس أيضاً، وكذلك القسيس مثل الشر والشرير، ويقال في جمع قسيس تكسيراً قساوسة، والأصل قساسة فالمراد بالقسيسين في الآية المتبعون للعلماء والعباد وهو إما عجمي خلطته العرب بكلامها أو عربي. (ورهباناً) جمع راهب كركبان وراكب، والفعل رهب الله يرهبه أي خافه والرهبانية والترهب التعبد في الصوامع، قال أبو عبيد: وقد يكون رهبان للواحد والجمع قال الفراء ويجمع رهبان إذا كان للمفرد رهابين كقربان وقرابين، ثم وصفهم الله بعدم الاستكبار عن قول الحق فقال: (وأنهم لا يستكبرون) بل هم متواضعون بخلاف اليهود فإنهم على ضد ذلك. وقيل: ولم يرد به كل النصارى فإن معظم النصارى في عداوة المسلمين كاليهود بل الآية فيمن آمن منهم مثل النجاشي وأصحابه، والعموم أولى، ولا وجه لتخصيص قوم دون قوم. والآية الكريمة ساكتة على قيد الإيمان وإنما هو مدح في مقابلة ذم اليهود، وليس بمدح على الإطلاق، وقد تقدم الفرق بين وصف اليهود بشدة الشكيمة والنصارى بلين العريكة. وفي الآية دليل على أن العلم أنفع شيء وأهداه إلى الخير، وإن كان علم القسيسين، وكذا علم الآخرة وإن كان في راهب، وكذا البراءة من الكبر وإن كانت في نصراني.

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84)

83

(وإذا سمعوا) مستأنفة قاله الجلال السيوطي أو معطوفة على (لا يستكبرون) قاله أبو السعود والضمير يعود على النصارى المتقدمين بعمومهم، وقيل هو لمن جاء من الحبشة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال ابن عطية: لأن كل النصارى ليسوا إذا سمعوا. (ما أنزل إلى الرسول) أي القرآن (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق) أي تمتلئ فتفيض لأن الفيض لا يكون إلا بعد الامتلاء جعل الأعين تفيض والفائض إنما هو الدمع قصداً للمبالغة كقولهم دمعت عينه، ووضع الفيض الذي ينشأ من الامتلاء موضع الامتلاء من إقامة المسبب مقام السبب ومن الأولى لابتداء الغاية والثانية بيانية أي كان ابتداء الفيض ناشئاً من معرفة الحق وكان من أجله وبسببه، ويجوز أن تكون الثانية تبعيضية، وقد أوضح أبو القاسم هذا غاية الإيضاح. والمعنى أنهم عرفوا بعض الحق فاشتد بكاؤهم منه فكيف إذا عرفوه كله وقرءوا القرآن وأحاطوا بالسنة. عن ابن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه، وعن ابن عباس نحوه، والروايات في هذا الباب كثيرة، وهذا المقدار يكفي فليس المراد إلا بيان سبب نزول الآية، وصفهم سبحانه بسيل الدمع عند البكاء ورقة القلب عند سماع القرآن. (يقولون) مستأنفة لا محل لها كأنه قيل فما حالهم عند سماع القرآن

فقال: يقولون يعني القسيسين والرهبان أو حال من أعينهم أو من فاعل عرفوا. (ربنا آمنا) بهذا الكتاب النازل من عندك على محمد - صلى الله عليه وسلم - وبمن أنزلته عليه (فاكتبنا مع الشاهدين) على الناس يوم القيامة من أمة محمد أو مع الشاهدين بأنه حق أو مع الشاهدين بصدق محمد وأنه رسولك إلى الناس.

84

(وما لنا) كلام مستأنف والاستفهام للاستبعاد أي أيّ شيء حصل لنا حال كوننا (لا نؤمن بالله) على توجيه الإنكار والنفي إلى السبب والمسبب جميعاً لا إلى السبب فقط مع تحقق المسبب (وما جاءنا من الحق) أي القرآن من عنده على لسان رسوله أو المراد به الباري تعالى، والمعنى أنهم استبعدوا انتفاء الإيمان منهم مع وجود المقتضى له وهو الطمع في إنعام الله، فالاستفهام والنفي متوجهان إلى القيد والمقيد جميعاً كقوله تعالى: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً). (ونطمع) عطف على نؤمن لا على لا نؤمن كما وقع للزمخشري إذ العطف عليه يقتضي إنكار عدم الإيمان وإنكار الطمع وليس مراداً بل المراد إنكار عدم الطمع أيضاً وجوز أبو حيان أن يكون معطوفاً على نؤمن على أنه منفي كنفي نؤمن والتقدير وما لنا لا نؤمن ولا نطمع فيكون في ذلك الإنكار لانتفاء إيمانهم وانتفاء طمعهم مع قدرتهم على تحصيل الشيئين الإيمان والطمع في الدخول مع الصالحين انتهى، ذكر ذلك أبو البقاء باختصار ولم يطلع عليه أبو حيان فبحثه وقال لم يذكروه، قاله الكرخي. (أن يدخلنا ربنا) الجنة (مع القوم الصالحين) أي ما لنا نجمع بين ترك الإيمان وبين الطمع في صحبة الصالحين يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقيل مع الأنبياء والمؤمنين.

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88)

85

(فأثابهم الله بما قالوا) أي على هذا القول مخلصين له معتقدين لمضمونه (جنات تجري من تحتها الأنهار) بمجرد القول لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا وهو المعرفة والبكاء واستكانة القلب (خالدين فيها) أي في الجنات (وذلك جزاء المحسنين) الموحدين المخلصين في إيمانهم.

86

(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) التكذيب بالآيات كفر فهو من باب عطف الخاص على العام (أولئك أصحاب الجحيم) هذا أثر الرد في حق الأعداء، والأول أثر القبول للأولياء، والجحيم النار الشديدة الاتقاد ويقال جحم فلان النار إذا شدد إيقادها ويقال أيضاً لعين الأسد جحمة لشدة اتقادها.

87

(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) الطيبات هي المستلذات مما أحله الله لعباده، نهى الذين آمنوا أن يحرموا على أنفسهم شيئاً منها إما لظنهم أن في ذلك طاعة لله وتقرباً اليه، وأنه من الزهد في الدنيا وقمع النفس عن شهواتها أو لقصد أن يحرموا على أنفسهم شيئاً مما أحله لهم كما يقع من كثير من العوام من قولهم حرام عليّ وحرمته على نفسي ونحو ذلك من الألفاظ التي تدخل تحت هذا النهي القرآني. قال ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء مما أحل الله

لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي - صلى الله عليه وسلم - التبتل على عثمان بن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده وعمل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسنه لأمته واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -. فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذراً من عارض الحاجة إلى النساء، قال فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة فقد ظن خطأً، وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سبباً إلى طاعته انتهى. (ولا تعتدوا) على الله بتحريم طيبات ما أحل لكم أو لا تعتدوا فتحلوا ما حرم الله عليكم أي تترخصوا فتحلوا حراماً كما نهيتم عن التشديد على أنفسكم بتحريم الحلال، وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن من حرم على نفسه شيئاً مما أحله الله له فلا يحرم عليه ولا تلزمه كفارة. وقال أبو حنيفة وأحمد ومن تابعهما: أن من حرم شيئاً صار محرماً عليه وإذا تناوله لزمته الكفارة وهو خلاف ما في هذه الآية وخلاف ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، ولعله يأتي في سورة التحريم ما هو أبسط من هذا إن شاء الله تعالى، وظاهرة تحريم كل اعتداء أي مجاوزة لما شرعه الله في كل أمر من الأمور. أخرج الطبراني وغيره عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال

أني إذا أكلت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوة وأني حرمت عليّ اللحم فنزلت هذه الآية وأخرجه الترمذي وقال حسن غريب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه في الآية قال: نزلت في رهط من الصحابة قالوا نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما يفعل الرهبان، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا: نعم فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ّ: " لكني أصوم وأفطر وأقومُ وأنام وأنكح النساء، فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني " (¬1). وقد ثبت نحو هذا في الصحيحين وغيرهما من دون ذكر أن ذلك سبب نزول الآية، وفي الباب روايات كثيرة بهذا المعنى وكثير منها مصرح بأن ذلك سبب نزول الآية (إن الله لا يحب المعتدين) أي المجاوزين الحلال إلى الحرام. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 85 - 86.

88

(وكلوا مما رزقكم الله) أي تمتعوا بأنواع الرزق، وإنما خص الأكل لأنه أغلب الانتفاع بالرزق (حلالاً طيباً) أي غير محرم ولا مستقذر، أو أكلاً حلالاً طيباً أو كلوا حلالاً طيباً، قال ابن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه، والطيب ما أغذى وأنمى، فأما الجامد كالطين والتراب وما لا يغذي فمكروه إلا على وجه التداوي. ثم وصاهم الله تعالى بالتقوى فقال: (واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) هذا تأكيد للوصية، وفي الآية دليل على أن الله عز وجل قد تكفل برزق كل أحد من عباده.

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89)

89

(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) قد تقدم تفسير اللغو والخلاف فيه في سورة البقرة، عن سعيد بن جبير قال: هو الرجل يحلف على الحلال، وقال مجاهد: هما رجلان يتبايعان يقول أحدهما والله لا أبيعك، ويقول الآخر والله لا أشتريه بكذا، وعن النخعي قال: اللغو أن يصل كلامه بالحلف والله لتأكلن والله لتشربن ونحو هذا لا يريد به يميناً ولا يتعمد حلفاً فهو لغو اليمين ليس عليه كفارة. قيل (في) بمعنى (من) قاله القرطبي، والإيمان جمع يمين، وفي الآية دليل على أن أيمان اللغو لا يؤاخذ الله الحالف بها ولا تجب فيها الكفارة، وقد ذهب الجمهور من الصحابة ومن بعدهم إلى أنها قول الرجل لا والله وبلى والله، في كلامه غير معتقد لليمين، وبه فسر الصحابة الآية، وهم أعرف بمعاني القرآن، قال الشافعي وذلك عند اللجاج والغضب والعجلة. (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان) أي بما تعمدتم وقصدتم به اليمين، قاله مجاهد، وقرئ عقدتم مخففاً ومشدداً، والتشديد إما للتكثير لأن المخاطب به جماعة أو بمعنى المجرد أو لتوكيد اليمين نحو والله الذي لا إله إلا هو، وقرئ عاقدتم وهو بمعنى المجرد أو على بابه، وهذا كله مبني على أن (ما) موصول اسمي وقيل مصدرية على القراءات الثلاث، وعليه جرى أبو السعود. والعقد على ضربين حسي كعقد الحبل، وحكمي كعقد البيع واليمين

والعهد، فاليمين المعقدة من عند القلب ليفعلن أو لا يفعلن في المستقبل أي ولكن يؤاخذكم بأيمانكم المعقدة الموثقة بالقصد والنية إذا حنثتم فيها، وأما اليمين الغموس فهي يمين مكر وخديعة وكذب قد باء الحالف بإثمها، وليست بمعقودة ولا كفارة فيها كما ذهب إليه الجمهور. وقال الشافعي: هي يمين معقودة لأنها مكتسبة بالقلب معقودة بخير مقرونة باسم الله، والراجح الأول، وجميع الأحاديث الواردة في تكفير اليمين متوجهة إلى المعقودة، ولا يدل شيء منها على الغموس بل ما ورد في الغموس إلا الوعيد والترهيب، وأنها من الكبائر بل من أكبر الكبائر، وفيها نزل قوله تعالى: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) الآية. (فكفارته) هي مأخوذة من التكفير وهو التستير وكذلك الكفر هو الستر، والكافر هو الساتر سميت بها لأنها تستر الذنب وتغطيه، والضمير في كفارته راجع إلى الحنث الدال عليه سياق الكلام، وقيل إلى العقد لتقدم الفعل الدال عليه، وقيل إلى اليمين وإن كانت مؤنثة لأنها بمعنى الحلف، قالهما أبو البقاء وليسا بظاهرين، وقيل إن (ما) إن جعلناها موصولة اسمية، فالعبارة على حذف مضاف أي فكفارة نكثه كذا قدره الزمخشري. (إطعام عشرة مساكين) هو أن يغديهم ويعشيهم أو يعطيهم بطريق التمليك وقيل لكل مسكين مد، ولا يتعين كونه من فقراء بلد الحالف (من أوسط ما تطعمون) المراد الوسط هنا المتوسط بين طرفي الإسراف والتقتير، وليس المراد به الأعلى كما في غير هذا الموضع أي أطعموهم من المتوسط مما تعتادون إطعام (أهليكم) ولا يجب عليكم أن تطعموهم من أعلاه ولا يجوز لكم أن تطعموهم من أدناه بل من غالب قوت بلد الحالف أي: محل الحنث، قال ابن عباس يعني من عسركم ويسركم، وظاهره أنه يجزى إطعام عشرة حتى يشبعوا.

وقد روي عن علي بن أبي طالب قال: لا يجزى إطعام العشرة غداء دون عشاء حتى يغديهم ويعشيهم، قال أبو عمر وهو قول أئمة الفتوى بالأمصار، وقال الحسن البصري وابن سيرين: يكفيه أن يطعم عشرة مساكين أكلة واحدة خبزاً وسمناً أو خبزاً ولحماً قال عمر بن الخطاب وعائشة ومجاهد والشعبي وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وميمون ابن مهران وأبو مالك والضحاك والحكم ومكحول وأبو قلابة ومقاتل: يدفع إلى كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر، وروي ذلك عن علي، وقال أبو حنيفة: نصف صاع من بر، وصاع مما عداه. وقد أخرج ابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس قال: كَفَّرَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصاع من تمر، وكفر الناس به ومن لم يجد فنصف صاع من بر، وفي إسناده عمر الثقفي وهو مجمع على ضعفه وقال الدارقطني متروك. (أو كسوتهم) قرئ بضم الكاف وكسرها وهما لغتان مثل أسوة وإسوة، والكسوة في الرجال تصدق على ما يكسو البدن ولو كان ثوباً واحداً، وهكذا في كسوة النساء وقيل الكسوة للنساء درع وخمار وقيل المراد بالكسوة ما تجزئ به الصلاة. أخرج الطبراني عن عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: أو كسوتهم قال عباءة لكل مسكين، قال ابن كثير حديث غريب، وعن حذيفة قال: قلت يا رسول الله أو كسوتهم ما هو قال: عباءة عباءة أخرجه ابن مردويه (¬1)، وعن ابن عمر قال الكسوة ثوب أو إزار، وقيل قميص وعمامة. (أو تحرير رقبة) أي إعتاق مملوك، والتحرير الإخراج من الرق، ¬

(¬1) مسلم 1401 - البخاري 2099.

ويستعمل التحرير في فك الأسير وإعفاء المجهود لعمل عن عمله، وترك إنزال الضرر به، ولأهل العلم أبحاث في الرقبة التي يجزئ في الكفارة، وظاهر هذه الآية أنها تجزئ كل رقبة على أي صفة كانت، وذهب جماعة منهم الشافعي إلى اشتراط الإيمان فيها قياساً على كفارة القتل حملاً للمطلق على المقيد جمعاً بين الدليلين، وأو للتخيير، وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث. (فمن لم يجد) شيئاً من الأمور المذكورة (فصيام) أي فكفارته صيام (ثلاثة أيام) وقرئ متتابعات، حكي ذلك عن ابن مسعود وأُبَيّ فتكون هذه القراءة مقيدة لمطلق الصوم، وبه قال أبو حنيفة والثوري وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والشافعي في قوله الآخر يجزئ التفريق، وظاهره أنه لا يشترط التتابع (¬1). (ذلك) المذكور (كفارة أيمانكم إذا حلفتم) وحنثتم (واحفظوا أيمانكم) أمرهم بحفظ الأيمان وعدم المسارعة إليها أو إلى الحنث بها، وفيه النهي عن كثرة الحلف والنكث ما لم يكن على فعل بر وإصلاح بين الناس كما في سورة البقرة. وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " أخرجه الشيخان (¬2). (كذلك) أي مثل ذلك البيان (يبين الله لكم آياته) أي جميع ما تحتاجون إليه في أمر دينكم وقد تكرر هذا في مواضع من الكتاب العزيز (لعلكم تشكرون) ما أنعم الله به عليكم من بيان شرائعه وإيضاح أحكامه. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 90. (¬2) مسلم 1649 - البخاري 1476.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)

90

(يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر) خطاب لجميع المؤمنين، وقد تقدم تفسير الخمر والميسر في سورة البقرة (والأنصاب) هي الأصنام المنصوبة للعبادة، جمع نصب كجمل أو نصب بضمتين (والأزلام) قد تقدم تفسيرها في أول هذه السورة أي قداح الاستقسام (رجس) يطلق على العذرة والأقذار، قال الزجاج: الرجس اسم لكل ما استقذر من عمل قبيح يقال رجس بكسر الجيم وفتحها يرجس رجساً إذا عمل قبيحاً، وأصله من الرجس بفتح الراء وهو شدة صوت الرعد. وفردق ابن دريد بين الرجس والرجز والركس فجعل الرجس الشر، والرجز العذاب، والركس العذرة والنتن، وهو خبر للخمر، وخبر المعطوف عليه محذوف. (من عمل الشيطان) صفة لرجس أي كائن من عمله بسبب تحسينه لذلك وتزيينه له ودعائه إياكم إليها، وليس المراد أنها من عمل يديه، وقيل هو الذي كان عمل هذه الأمور بنفسه فاقتدى به بنو آدم. والضمير في (فاجتنبوه) راجع إلى الرجس أو إلى المذكور أي كونوا جانباً منه (لعلكم تفلحون) أي لكي تدركوا الفلاح إذا اجتنبتم هذه المحرمات التي هي رجس. قال في الكشاف: أكد تحريم الخمر والميسر وجوهاً من التأكيد منها تصدير الجملة بإنما، ومنها أنه قرنهما بعبادة الأصنام، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " شارب الخمر كعابد الوثن "، ومنها أنه جعلها رجساً كما قال:

(فاجتنبوا الرجس من الأوثان) ومنها أنه جعلهما من عمل الشيطان والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت، ومنها أنه أمر بالاجتناب ومنها أنه جعل الاجتناب من الفلاح وإذا كان الاجتناب فلاحاً كان الارتكاب خيبة ومحقة، ومنها أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال، وهو وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمار وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله، وعن مراعاة أوقات الصلوات. وفي هذه الآية دليل على تحريم الخمر لما تضمنه الأمر بالاجتناب من الوجوب وتحريم الصد، ولما تقرر في الشريعة من تحريم قربان الرجس فضلاً عن جعله لشراباً يشرب. قال أهل العلم من المفسرين وغيرهم: كان تحريم الخمر بتدريج ونوازل كثيرة لأنهم كانوا قد ألفوا شربها وحببها الشيطان إلى قلوبهم، فأول ما نزل في أمرها (يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس) فترك عند ذلك بعض من المسلمين شربها ولم يتركه آخرون. ثم نزل قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) فتركها البعض أيضاً وقالوا لا حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة، وشربها البعض في غير أوقات الصلاة حتى نزلت هذه الآية (إنما الخمر والميسر) فصارت حراماً عليهم حتى كان يقول بعضهم ما حرم الله شيئاً أشد من الخمر، وذلك لما فهموه من التشديد فيما تضمنته هذه الآية من الزواجر، وفيما جاءت به الأحاديث الصحيحة من الوعيد لشاربها وأنها من كبائر الذنوب. وقد أجمع على ذلك المسلمون جميعاً لا شك فيه ولا شبهة، وأجمعوا أيضاً على تحريم بيعها والانتفاع بها ما دامت خمراً. وكما دلت هذه الآية على تحريم الخمر دلت أيضاً على تحريم الميسر والأنصاب والأزلام، قال قتادة: الميسر هو القمار، وقال ابن عباس: كل القمار من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، وعن علي بن أبي طالب قال: النرد والشطرنج من الميسر، وعنه قال: الشطرنج ميسر الأعاجم، وقال

قاسم بن محمد: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو ميسر. وعن ابن الزبير قال: يا أهل مكة بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها نردشير، والله يقول في كتابه: (إنما الخمر والميسر) الآية إلى قوله: (فهل أنتم منتهون) وإني أحلف بالله لا أوتي بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره وأعطيت سلبه من أتاني به. عن أنس بن مالك قال: الشطرنج من النرد، وبلغنا عن ابن عباس أنه ولي مال يتيم فاحرقها، وسئل ابن عمر عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد، وسئل أبو جعفر عنه فقال: تلك المجوسية فلا تلعبوا بها. وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من لعب النردشير فقد عصى الله ورسوله " وأخرج ابن أبي الدنيا عن يحيى بن كثير قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوم يلعبون بالنرد فقال: قلوب لاهية وأيد عليلة وألسنة لاغية، وقال ابن سيرين ما كان من لعب فيه قمار أو صياح أو شر فهو من الميسر، وفي الباب روايات كثيرة مشتملة على الوعيد الشديد لا نطول بذكرها. وقد أشار سبحانه إلى ما في الخمر والميسر من المفاسد الدنيوية بقوله:

91

(إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر) ومن المفاسد الدينية بقوله: (ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) لأن شرب الخمر يشغل عن ذكر الله وعن فعل الصلاة وكذلك القمار يشغل صاحبه عن ذكره سبحانه وعن الصلاة (فهل أنتم منتهون) فيه زجر بليغ يفيده الاستفهام الدال على التقريع والتوبيخ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه لما سمع هذا: انتهينا. وقد وردت أحاديث كثيرة في ذم الخمر وشاربها والوعيد الشديد عليه، وأن كل مسكر حرام وهي مدونة في كتب الحديث، ورويت في سبب النزول روايات كثيرة فلا نطول المقام بذكرها فلسنا بصدد ذلك، بل نحن بصدد ما هو متعلق بالتفسير.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93) ثم أكد الله سبحانه هذا التحريم بقوله:

92

(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما أمركم به ونهاكم عنه (واحذروا) مخالفتهما فإن هذا وإن كان أمراً مطلقاً فالمجيء به في هذا الموضع يفيد ما ذكرناه من التأكيد، وهكذا ما أفاده بقوله: (فإن توليتم) أي أعرضتم عن الامتثال (فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين) أي قد فعل الرسول ما هو الواجب عليه من البلاغ الذي فيه رشادكم وصلاحكم ولم تضروا بالمخالفة إلا أنفسكم، وفي هذا من الزجر ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه.

93

(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا) من المطاعم التي يشتهونها، والطعم وإن كان استعماله في الأكل أكثر لكنه يجوز استعماله في الشرب، ومنه قوله تعالى: (ومن لم يطعمه فإنه مني) أباح الله لهم سبحانه في هذه الآية جميع ما طعموا كائناً ما كان مقيداً بقوله: (إذا ما اتقوا) ما هو محرم عليهم كالخمر وغيره من الكبائر وجميع المعاصي (وآمنوا) بالله ورسوله (وعملوا الصالحات) من الأعمال التي شرعها الله لهم واستمروا على عملها (ثم اتقوا) ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحاً فيما سبق (وآمنوا) بتحريمه، هذا معنى الآية. وقيل التكرير باعتبار الحالات الثلاث: استعمال الإنسان التقوى بينه وبين نفسه، وبينه وبين الناس، وبينه وبين الله، وقيل باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، وقيل باعتبار ما يتقيه الإنسان فإنه ينبغي له أن يترك المحرمات توقياً من العقاب، والشبهات توقياً من الوقوع في الحرام، وبعض

المباحات حفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة. وقيل التكرير لمجرد التأكيد كما في قوله تعالى: (كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون) ونظائره (¬1). وهذه الوجوه كلها مع قطع النظر عن سبب نزول الآية. أما مع النظر إلى سبب نزولها وهو أنه لما نزل تحريم الخمر قال قوم من الصحابة: كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر فنزلت، فقد قيل إن المعنى: اتقوا الشرك وآمنوا بالله ورسوله ثم اتقوا الكبائر وآمنوا أي ازدادوا إيماناً (ثم اتقوا) الصغائر، قال أبو السعود: ولا ريب في أنه لا تعلق لهذه العبارات بالمقام فأحسن التأمل انتهى. (وأحسنوا) أي تنقلوا قال ابن جرير الطبري: الاتقاء الأول هو الاتقاء بتلقي أمر الله بالقبول والتصديق والدينونة به والعمل، والاتقاء الثاني الاتقاء بالثبات على التصديق، والاتقاء الثالث بالإحسان والتقرب بالنوافل. قلت: والحق أنه ليس تخصيص هذه المرات بالذكر لتخصيص الحكم بها بل لبيان التعدد والتكرير بالغاً ما بلغ (والله يحب المحسنين) أي المتقربين إليه بالإيمان والأعمال الصالحة والتقوى والإحسان، وهذا ثناء ومدح لهم على الإيمان والتقوى والإحسان، لأن هذه المقامات من أشرف الدرجات وأعلاها. ¬

(¬1) زاد المسير/419.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)

94

(يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم) اللام لام القسم أي والله ليختبرنكم (الله بشيء من الصيد) لما كان الصيد أحد معايش العرب ابتلاهم الله بتحريمه مع الإحرام وفي الحرم كما ابتلى بني إسرائيل أن لا يعتدوا في السبت. وقد اختلف العلماء في المخاطبين بهذه الآية هل هم المحلون أو المحرمون، فذهب إلى الأول مالك، وإلى الثانى ابن عباس " والراجح أن الخطاب للجميع ولا وجه لقصره على البعض دون البعض " و (من) في (من الصيد) للتبعيض وهو صيد البر قاله ابن جرير الطبري وغيره، وقيل: إن من بيانية أي شيء حقير من الصيد وتنكير شيء للتحقير، والصيد بمعنى المصيد لا بمعنى المصدر لأنه حدث. (تناله أيديكم ورماحكم) هذه الجملة تقتضي تعميم الصيد، وأنه لا فرق بين ما يؤخذ باليد وهو ما لا يطيق الفرار من صغار الصيد كالبيض والفرخ، وبين ما تناله الرماح وهو ما يطيق الفرار من كبار الصيد مثل حمر الوحش ونحوها. وخص الأيدي بالذكر لأنها أكثر ما يتصرف به الصايد في أخذ الصيد، وخص الرماح بالذكر لأنها أعظم الآلات للصيد عند العرب، وكان ذلك الابتلاء بالحديبية سنة ست وهم محرمون بالعمرة، فكانت الوحش والطير تغشاهم في رحالهم.

(ليعلم الله من يخافه بالغيب) أي ليتميز عند الله من يخافه منكم بسبب عقابه الأخروي فإنه غائب عنكم غير حاضر، وفي البيضاوي ذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره أو تعلق العلم، وقال السيوطي ليعلم علم ظهور للخلق. (فمن اعتدى بعد ذلك) البيان أو النهي الذي امتحنكم الله به فاصطاده لأن الاعتداء بعد العلم بالتحريم معاندة لله سبحانه وتجرؤ عليه (فله عذاب أليم) يعني في الدنيا، قال ابن عباس: هو أن يوشع ظهره وبطنه جلداً وتسلب ثيابه، وهذا قول أكثر المفسرين في معنى هذه الآية لأنه قد سمى الجلد عذاباً وهو قوله وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وقيل المراد عذاب الدارين.

95

(يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) نهاهم عن قتل الصيد في حال الإحرام، وفي معناه غير محلي الصيد وأنتم حرم والتصريح بقوله: (لا تقتلوا) مع كونه معلوماً مما قبله لتأكيد الحرمة وترتيب ما يعقبه عليه، واللام في الصيد للعهد حسبما سلف. وهذا النهي شامل لكل أحد من ذكور المسلمين وإناثهم، لأنه يقال رجل حرام وامرأة حرام والجمع حرم، وأحرم الرجل دخل في الحرم وحرام هو المحرم وإن كان في الحل، وفي حكمه من في الحرم وإن كان حلالاً كردح جمع رداح، قيل هما مرادان بالآية، وسيأتي في النهي عن قتل الصيد فلا يجوز قتل الصيد للمحرم ولا في الحرم، والمراد بالصيد كل حيوان متوحش مأكول اللحم قاله الشافعي. وقال أبو حنيفة: سواء كان مأكولاً أو لم يكن، فيجب عنده الضمان على من قتل سبعاً أو نمراً أو نحو ذلك، واستثنى الشارع خمس فواسق فأجاز قتلهن (¬1). ¬

(¬1) في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور ".

(ومن قتله منكم متعمداً) هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطئ هو الذي يقصد شيئاً فيصيب صيداً، والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر إحرامه، وقد استدل ابن عباس وأحمد في رواية عنه وداود باقتصاره سبحانه على العامد بأنه لا كفارة على غيره بل لا تجب إلا عليه وحده، وبه قال سعيد بن جبير وطاوس وأبو ثور. وقيل: إنها تلزم الكفارة المخطئ والناسي كما تلزم المتعمد، وجعلوا قيد التعمد خارجاً مخرج الغالب، وهو مروي عن عمر والحسن والنخعي والزهري، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة. وأصحابهم، وروي عن ابن عباس، وقيل: إنه يجب التكفير على العامد الناسي لإحرامه وبه قال مجاهد، قال: فإن كان ذاكراً لإحرامه فقد حل ولا حج له لارتكابه محظور إحرامه فبطل عليه كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. (فجزاء) أي فعليه جزاء (مثل ما قتل من المنعم) بيان للجزاء المماثل قيل المراد المماثلة في القيمة وقيل في الخلقة، وقد ذهب إلى الأول أبو حنيفة، وذهب إلى الثاني مالك والشافعي وأحمد والجمهور من الصحابة ومن بعدهم وهو الحق. لأن البيان للماثل بالمنعم يفيد ذلك وكذلك يفيده هدياً بالغ الكعبة. وروي عن أبي حنيفة أنه يجوز إخراج القيمة ولو وجد المثل، وأن المحرم مخير. وللسلف في تقدير الجزاء المماثل وتقدير القيمة أقوال مبسوطة في مواطنها، وفي قراءة بإضافة جزاء، قال الواحدي: ولا ينبغي إضافة الجزاء إلى المثل لأن عليه جزاء المقتول لا جزاء مثله، فإنه لا جزاء عليه لما لم يقتله، وقد أجاب الناس عنها بأجوبة سديدة، ذكرها السمين. (يحكم به) أي بالجزاء وبمثل ما قتل (ذوا عدل منكم) أي رجلان معروفان بالعدالة بين المسلمين لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به، وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي في النعامة ببدنةٍ، وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش

وحماره ببقرة، وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام لأنها تشبهه في العب أي شرب الماء بلا مص. أقول ههنا أمران أحدهما اعتبار المماثلة والثاني حكم العدلين، والظاهر أن العدلين إذا حكما بغير المماثل لم يلزم حكمهما لأنه قال يحكم به أي بالمماثل، وحق العدالة أن لا يقع من صاحبها الحكم بغير المماثل إلا لغلط أو طروء شبهة بأن المعتبر في المماثلة هو هذا الوصف دون هذا الوصف والواقع بخلافه. ثم الظاهر أن العدلين إذا حكما بحكم في السلف لا يكون ذلك الحكم لازماً للخلف بل تحكيم العدلين ثابت عند كل حادثة تحدث في قتل الصيد. إذا تقرر لك هذا فاعلم أن جعل الظبي مشبهاً للشاة دون التيس مخالف للمشاهد المحسوس، فإن الظبي يشبه التيس في غالب ذاته وصفاته، ولا مشابهة بينه وبين الشاة في غالب ذاته وصفاته، وكذلك الحمامة فإنها لا تشبه الشاة في شيء من الأوصاف، وإذا صح من بعض السلف أنه حكم في شيء منها بشاة فذلك غير لازم لنا لما عرفت من أن حكم العدلين لا بد أن يكون بالمثل كما صرح به القرآن الكريم، وما أقرب ما حكم به ابن عباس وابن عمر في القطاة، فكان الأولى أن يكون الحكم في الحمامة وما يشابهها من الطيور كهذا الحكم في القطاة ويزاد قليلاً من الطعام لما هو أكبر، وينقص قليلاً لما هو أصغر، وكما قاله عمر تمرة خير من جرادة، وأقول أنا وصاع خير من حمامة. (هدياً) منصوب على الحال أو البدل من مثل (بالغ الكعبة) صفة لهدي لأن الإضافة غير حقيقية، والمعنى أنهما إذا حكما بالجزاء فإنه يفعل به ما يفعل بالهدي من الإرسال إلى مكة والنحر هنالك والإشعار والتقليد، ولم يرد الكعبة بعينها فإن الهدي لا يبلغها وإنما أراد جميع الحرم فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه، ولا يجوز أن يذبح حيث كان ولا خلاف في هذا. (أو كفارة) معطوف على محل من النعم وهو الرفع لأنه خبر مبتدأ

محذوف (طعام مساكين) من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء لكل مسكين مد (أو عدل ذلك) معطوف على طعام (صياماً) تمييز العدل، والمعنى أو قدر ذلك صياماً، والجاني مخير بين هذه الأنواع المذكورة وإليه ذهب جمهور العلماء منهم الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وقال أحمد وزفر: إن كلمة أو للترتيب وهما روايتان عن ابن عباس. وروي عنه أنه لا يجزئ المحرم الإطعام والصوم إلا إذا لم يجد الهدي، والعدل بفتح العين وكسرها لغتان وهما المثل قاله الكسائي، وقال الفراء: عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من غير جنسه وبمثل قول الكسائي قال البصريون. وأوجبنا ذلك عليه (ليذوق وبال أمره) فهذا علة لإيجاب الجزاء، والذوق مستعار لإدراك المشقة، ومثله (ذق إنك أنت العزيز الكريم) والوبال سوء العاقبة والمرعى الوبيل الذي يتأذى به بعد أكله، وطعام وبيل إذا كان ثقيلاً، وإنما سمى الله ذلك وبالاً لأن إخراج الجزاء ثقيل على النفس لما فيه من تنقيص المال، وثقل الصوم من حيث إن فيه إنهاك البدن. (عفا الله عما سلف) يعني في جاهليتكم من قتلكم للصيد فلم يؤاخذكم به، وقيل عما سلف قبل التحريم ونزول الكفارة (ومن عاد) إلى ما نهيتم عنه من قتل الصيد مرة ثانية بعد هذا البيان (فينتقم الله منه) في الآخرة فيعذبه بذنبه وقيل ينتقم منه بالكفارة، قال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول مرة، فإذا عاد لم يحكم عليه بل يقال له اذهب ينتقم الله منك أي ذنبك أعظم من أن يكفر، والإنتقام المبالغة في العقوبة. ولكن هذا الوعيد لا يمنع إيجاب الجزاء في المرة الثانية والثالثة، فإذا تكرر من المحرم قتل الصيد تكرر عليه الجزاء، وهذا قول الجمهور، وقد روي عن ابن عباس والنخعي وداود الظاهري أنه إذا قتل الصيد مرة ثالثة فلا جزاء عليه لأنه وعده بالإنتقام منه (والله عزيز) غالب على أمره (ذو انتقام) ممن عصاه وجاوز حدود الإسلام.

96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96) (أحل لكم) الخطاب لكل مسلم أو للمحرمين خاصة (صيد البحر) هو ما يصاد فيه، والمراد بالبحر هنا كل ما يوجد فيه صيد بحري وإن كان نهراً أو غديراً فالمراد بالبحر جميع المياه العذبة والمالحة (وطعامه) هو اسم لكل ما يطعم وقد تقدم. وقد اختلف في المراد منه هنا فقيل هو ما قذف به البحر إلى الساحل ميتاً وطفا عليه، وبه قال كثير من الصحابة والتابعين منهم أبو بكر وعمر وابن عمر وأبو أيوب وقتادة، وقيل طعامه ما ملح منه وبقي وبه قال جماعة، وروي هذا عن ابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي، وقيل طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره وبه قال قوم، وقيل المراد به ما يطعم من الصيد أي ما يحل أكله وهو السمك فقط وبه قالت الحنفية. والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم المأكول منه وهو السمك فيكون كالتخصيص بعد التعميم وهو تكلف ولا وجه له. وجملة حيوان الماء على نوعين سمك وغير سمك، فالسمك جميعه حلال على اختلاف أجناسه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في البحر: " هو الطهور ماؤه والحل ميتته " (¬1) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، لا فرق بين أن يموت بسبب أو غير سبب فيحل أكله، وبه قال الشافعي وأهل الحديث. وما عدا السمك قسمان قسم يعيش في البر والبحر كالضفدع والسرطان فلا يحل أكلهما، وقال سفيان أرجو أن لا يكون بالسرطان بأس واختلفوا في ¬

(¬1) أبو داود الباب 41 من كتاب الطهارة - الترمذي الباب 52 من كتاب الطهارة.

الجراد فقيل هو من صيد البحر فيحل أكله للمحرم، وقال الجمهور إنه من صيد البر، ولا يحل أكله، وطير الماء من صيد البر أيضاً. قال أحمد يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح، وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح كل ما في البحر، وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " طعامه ما لفظه ميتاً فهو طعامه "، وعن أبي بكر الصديق قال: صيد البحر ما تصطاده أيدينا وطعامه ما لاثه البحر، وفي لفظ طعامه كل ما فيه، وفي لفظ طعامه ميتته. ويؤيد هذا ما في الصحيحين من حديث العنبرة التي ألقاها البحر فأكل الصحابة منها وأقرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، وحديث هو الطهور ماؤه والحل ميتته، وحديث أحل لكم ميتتان ودمان. (متاعاً لكم) أي متعتم به متاعاً، وقيل مختص بالطعام أي أحل لكم طعام البحر متاعاً وهو تكلف جاء به من قال بالقول الأخير، بل إذا كان مفعولاً له كان من الجميع أي لمن كان مقيماً منكم يأكله طرياً (وللسيارة) أي المسافرين منكم يتزودونه ويجعلونه قديداً، وقيل السيارة هم الذين يركبونه خاصة. (وحرم عليكم صيد البر) أي ما يصاد فيه وهو ما لا يعيش إلا فيه من الوحش المأكول أن تصيدوه (ما دمتم حرماً) أي محرمين، وظاهره تحريم صيده على المحرم ولو كان الصائد حلالاً، وإليه ذهب الجمهور إن كان الحلال صاده للمحرم لا إذا لم يصده لأجله، وهو القول الراجح وبه يجمع بين الأحاديث. وقيل إنه يحل له مطلقاً، وذهب إليه جماعة، وقيل يحرم عليه مطلقاً، وإليه ذهب آخرون، وقد بسط الشوكاني هذا في شرحه نيل الأوطار. وقد ذكر الله تحريم الصيد على المحرم في ثلاثة مواضع من هذه السورة (أحدها) في أولها وهو قوله: (غير محلى الصيد وأنتم حرم) الثاني قوله: (لا

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) تقتلوا الصيد وأنتم حرم) الثالث هذه الآية، وكل ذلك لتأكيد تحريم الصيد على المحرم. (واتقوا الله) فيما نهاكم عنه فلا تستحلوا الصيد في حال الإحرام ولا في الحرم أو في جميع الجائزات والمحرمات، ثم حذرهم بقوله: (الذي إليه) لا إلى غيره (تحشرون) وفيه تشديد ومبالغة في التحذير.

97

(جعل الله الكعبة) جعل هنا بمعنى خلق، وقيل بمعنى صير وقيل بمعنى بين وحكم، وهذا ينبغي أن يحمل على تفسير المعنى لا تفسير اللغة إذ لم ينقل أهل العربية أنها تكون بمعنى بين ولا حكم، ولكن يلزم من الجعل البيان، والأول أولى، وسميت الكعبة كعبة لأنها مربعة والتكعيب التربيع، وأكثر بيوت العرب مدورة لا مربعة وقيل سميت كعبة لنتوئها وبروزها، وكل بارز كعب مستديراً كان أو غير مستدير ومنه كعب القدم وكعوب القنا وكعب ثدي المرأة. (البيت الحرام) عطف بيان على جهة المدح لا على جهة التوضيح، قاله الزمخشري وقيل مفعول ثان لجعل، ولا وجه له، وقيل بدل وسمي بيتاً لأن له سقوفاً وجدراً، وهي حقيقة البيت وإن لم يكن به ساكن، وسمي حراماً لتحريم الله سبحانه إياه. ومعنى كونه (قياماً للناس) أنه مدار لمعاشهم ودينهم أي يقومون فيه بما يصلح دينهم ودنياهم يأمن فيه خائفهم وينصر فيه ضعيفهم، وتربح فيه تجارتهم ويتعبد فيه متعبدهم، وقال ابن عباس: قياماً لدينهم ومعالم لحجهم،

وعنه قال: قياماً أن يأمن من توجه إليها، وعن ابن شهاب قال: يأمنون به من الجاهلية الأولى لا يخاف بعضهم من بعض حين يلقونهم عند البيت أو في الحرم أو في الشهر الحرام. (والشهر الحرام) عطف على الكعبة، وهو ذو الحجة وخصه من بين الأشهر الحرم لكونه زمان تأدية الحج، وقيل هو اسم جنس المراد به الأشهر الحرم ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فإنهم كانوا لا يطلبون فيها دماً ولا يقاتلون بها عدواً، ولا يهتكون فيها حرمة، فكانت من هذه الحيثية قياماً للناس (و) جعل الله (الهدي والقلائد) قياماً لمصالحهم، والمراد بالقلائد ذوات القلائد من الهدي وهي البدن، خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر، فهو من عطف الخاص على العام، قاله أبو السعود، ولا مانع من أن تراد القلائد أنفسها أي التي كانوا يقلدون بها أنفسهم يأخذونها من لحاء شجر الحرم إذا رجعوا من مكة ليأمنوا على أنفسهم من العدو. (ذلك) الجعل المذكور، وقيل شرع الله ذلك وهو أقوى الوجوه (لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض) أي تفاصيل أمرهما ويعلم مصالحكم الدينية والدنيوية فإنها من جملة ما فيهما، فكل ما شرعه لكم فهو جلب لمصالحكم ودفع لما يضركم (وأن الله بكل شيء عليم) هذا تعميم بعد التخصيص والمعنى لا تخفى عليه خافية.

98

(اعلموا أن الله) لمن انتهك محارمه ولم يتب عن ذلك (شديد العقاب) لأن الإيمان لا يتم إلا بحصول الرجاء والخوف (وأن الله) لمن تاب وأناب (غفور رحيم).

مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99) قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) ثم أخبرهم أن

99

(ما على الرسول إلا البلاغ) لهم فإن لم يمتثلوا ولم يطيعوا فما ضروا إلا أنفسهم، وما جنوا إلا عليها، ولا عذر لهم في التفريط، وأما الرسول عليه الصلاة والسلام فقد فعل ما يجب عليه وقام بما أمره الله به، والبلاغ هو الإبلاغ، قاله السيوطي، وعبر القاضي كالكشاف بقوله: أتى بما أمر به من التبليغ، وذلك لقصد المبالغة والتكثير في زيادة الفعل والاستثناء مفرغ (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) لا يخفى عليه شيء من أحوالكم أي نفاقكم ووفاقكم ظاهراً وباطناً فيجازيكم به.

100

(قل لا يستوي) في الدرجة والرتبة ولا يعتدل (الخبيث والطيب) قيل المراد بهما الحرام والحلال، وقيل المؤمن والكافر، وقيل العاصي والمطيع وقيل الرديء والجيد، والأولى أن الاعتبار بعموم اللفظ فيشمل هذه المذكورات وغيرها مما يتصف بوصف الخبث والطيب من الأشخاص والأعمال والأقوال، فالخبيث لا يساوي الطيب بحال من الأحوال. (ولو أعجبك كثرة الخبيث) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل لكل مخاطب يصلح لخطابه بهذا أو المراد نفي الاستواء في كل حال ولو في حال كون الخبيث معجباً للرائي للكثرة التي فيه، فإن هذه الكثرة مع الخبث في حكم العدم، لأن خبث الشيء يبطل فائدته ويمحق بركته، ويذهب بمنفعته. والواو إما للحال أو للعطف على مقدر أي لا يستوي الخبيث والطيب لو لم يعجبك كثرة الخبيث ولو أعجبك كقولك أحسن إلى فلان وإن أساء إليك

أي أحسن إليه إن لم يسئ إليك وإن أساء إليك والحاصل أن أهل الدنيا يعجبهم كثرة المال وزينة الدنيا وما عند الله خير وأبقى، وفيه إشارة إلى قلة الخير وكثرة الشر. (فاتقوا الله) فيما أمركم به ونهاكم عنه وآثروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر (يا أولي الألباب) أي العقول السليمة الخالصة (لعلكم تفلحون) تفوزون وتنجون.

101

(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) لا حاجة لكم بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم، وفي أشياء مذاهب للنحاة. (أحدها) أنه اسم جمع من لفظ شيء فهو مفرد لفظاً جمع معنى، وهو رأي الخليل وسيبويه. (الثاني) وبه قال الفراء أنها جمع شيء كهين. (الثالث) وبه قال الأخفش أنهما جمع شيء بِزِنَة فلس. (الرابع) وهو قول الكسائي وأبى حاتم أنه جمع شيء كبيت، واعترض الناس عليه. (الخامس) أن وزنه أفعلاء أيضاً جمع لشيء بزنة ظريف. (إن تبد) أي إذا بدت وظهرت (لكم) وكلفتم بها (تسؤكم) أي ساءتكم لما فيها من المشقة، نهاهم الله تعالى عن كثرة مسائلهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سبباً لإيجابه على السائل وعلى غيره. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال رجل: من أبي! فقال: فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء، وأخرج البخاري وغيره نحوه عن ابن عباس.

وقد بين هذا السائل في روايات أخر أنه عبد الله بن حذافة، وأنه قال: من أبي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أبوك حذافة. وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال: " يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحج، فقام رجل فقال أكل عام يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكت عنه فأعادها ثلاث مرات فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " (¬1) وذلك أن هذه الآية أعني لا تسألوا عن أشياء نزلت في ذلك، وأخرجه أيضاً جماعة من أهل الحديث، وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم وإذا حرم عليهم وقعوا فيه. وأخرج ابن المنذر وهو في مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته " (¬2). وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها. وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها " (¬3)، وعن ابن عباس قال: لا تسألوا عن أشياء قال البحيرة والسائبة والوصيلة والحام. ¬

(¬1) الترمذي كتاب التفسير سورة 5 - 15 - النسائي كتاب المناسك الجزء1. (¬2) البخاري كتاب الاعتصام الباب 2 - مسلم كتاب الفضائل 132 - 133. (¬3) المستدرك كتاب الأطعمة 4/ 115.

(وإن تسألوا عنها) الضمير يعود على نوع الأشياء المنهيّ عنها لا عليها أنفسها قاله ابن عطية ونقله الواحدي عن صاحب النظم ويحتمل أن يعود عليها أنفسها قاله الزمخشري بمعناه (حين ينزل القرآن) أي مع وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهركم ونزول الوحي عليه (تبد) أي تظهر (لكم) بما يجيب به عليكم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ينزل به الوحي فيكون ذلك سبباً للتكاليف الشاقة، وإيجاب ما لم يكن واجباً، وتحريم ما لم يكن محرماً بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال. وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزول الوحي عليه فقال: إن الشرطية الأولى أفادت عدم جوازه فقال إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبدو لكم بجواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها وجعل الضمير في عنها راجعاً إلى أشياء غير الأشياء المذكورة، وجعل ذلك كقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) وهو آدم ثم قال: (ثم جعلناه نطفة) أي ابن آدم، وقد أطال سليمان الجمل الكلام على هذه الآية بذكر أقوال الكرخي والخازن والقرطبي والجرجاني لا نطول بذكرها. (عفا الله عنها) أي عن ما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك، وقيل المعنى أن تلك الأشياء التي سألتم عنها هي مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من الله غير لازم، وضمير عنها عائد إلى المسألة على الأول وإلى أشياء على الثاني، على أن تكون جملة عفا الله عنها صفة ثالثة لأشياء والأول أولى، لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه. وممكن أن يقال: إن العفو بمعنى الترك أي تركها الله ولم يذكرها بشيء فلا تبحثوا عنها، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل (والله غفور حليم) جاء سبحانه بصيغة المبالغة ليدل ذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه.

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)

102

(قد سألها) الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من (لا تسألوا) لكن ليست هذه المسألة بعينها بل مثلها في كونها لا حاجة إليها ولا توجبها الضرورة الدينية قاله الزمخشري، ونحا ابن عطية منحاه، قال الشيخ ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف، وقد صرح به بعض المفسرين أي سأل أمثالها أو أمثال هذه السؤالات. (قوم من قبلكم) كما سأل قوم صالح الناقة وسأل قوم عيسى المائدة وسأل قوم موسى رؤية الله جهرة (ثم) لم يعملوا بها بل (أصبحوا بها كافرين) أي ساترين لها تاركين للعمل بها فإن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. ولا بد من تقييد النهي في هذه بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال صلى الله عليه وسلم: " قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال " (¬1). ¬

(¬1) أبو داود كتاب الطهارة الباب 125 - أحمد بن حنبل 1/ 280.

103

(ما جعل الله من بحيرة) هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه وجعل ههنا بمعنى سمي كما قال تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) ويتعدى لمفعولين أحدهما محذوف والتقدير ما سمى الله حيواناً بحيرة قاله أبو البقاء، وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء: إنها تكون بمعنى شرع

ووضع أي ما شرع الله ولا أمر بها، وقال ابن عطية، وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى خلق لأن الله خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى صير لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان فمعناه ما بين الله ولا شرع. ومنع الشيخ هذه التقولات كلها بأن جعل لم يعد اللغويون من معانيها شرع وخرج الآية على التصيير ويكون المفعول الثاني محذوفاً أي ما صير الله بحيرة مشروعة، وقال أبو السعود: معنى ما جعل ما شرع وما وضع ولذلك عدي إلى مفعول واحد هو بحيرة وما عطف عليها، ومن مزيدة لتأكيد النفي فإن الجعل التكويني كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحد كذلك الجعل التشريعي يجيء مرة متعدياً إلى مفعولين كما في قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس) وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة انتهى. وبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة مأخوذة من البحر وهو شق الأذن،، قال ابن سيد الناس: البحيرة هي التي خليت بلا راع قيل هي التي يجعل درها للطّواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس وجعل شق أذنها علامة لذلك، قاله سعيد بن المسيب. قال الشافعي: كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت، وبه قال أبو عبيدة زاد: فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وإذا لقيها الضعيف لم يركبها، وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكراً بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها. وقيل إذا نتجت خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ودرها وقيل غير ذلك، ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن العرب كانت تختلف أفعالها في البحيرة. (ولا) أي وما جعل من (سائبة) أى مسيبة مخلاة وهي الناقة تسيب

أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد، قاله أبو عبيدة، وقيل هي التي تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعي لها، وقيل هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر فعند ذلك لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا الضيف قاله الفراء، وقيل كانوا يسيبون العبد فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد. (ولا) أي وما جعل من (وصيلة) قيل هي ناقة ولدت أنثى بعد أنثى، وقيل هي الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها وكان لحمها حراماً على النساء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء. وقيل: هي الناقة تبكر فتلد أنثى ثم تثنى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم ويقولون قد وصلت أنثى بأنثى. (ولا) جعل من (حام) هو الفحل الحامي ظهره عن أن يركب وينتفع به، وكانوا إذا ركب ولد ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب، وقيل هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة قالوا حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء، وقيل هو الفحل ينتج من بين أولاده عشر إناث رواه ابن عطية وقيل هو الفحل يولد من صلبه عشرة أبطن، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وإليه مال أبو عبيدة والزجاج. وقال الشافعي: إنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقال ابن دريد: هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمي ظهره فيفعل به ما تقدم.

وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء وإنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بالأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ورأيت عمراً يعني عمرو بن لحي يجر قصبه أي أمعاءه وهو أول من سيب السوائب " أخرجه الشيخان (¬1). (ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذباً لا لشرع شرعه الله لهم، ولا لعقل دلهم الله عليه، وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق، وهذا شأن علمائهم ورؤسائهم وكبرائهم. (وأكثرهم) أي أراذلهم وعوامهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يشهد به سياق النظم (لا يعقلون) إن هذا كذب باطل وافتراء من الرؤساء على الله سبحانه حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فاستمروا في أشد التقليد، وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم. ¬

(¬1) مسلم 901 - البخاري 584.

104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104) (وإذا قيل لهم) أي لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر (تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وحكمهما (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم، وصدق الله سبحانه حيث يقول (أو) الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار والتعجيب، وقيل للعطف على جملة مقدرة وهو الأظهر أي أحسبهم ذلك و (لو كان آباؤهم) جهلة ضالين (لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون) وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة، وقال هنا: (ما وجدنا) وهناك ما ألفينا، ولا يعلمون هنا ولا يعقلون هناك للتفنن وأساليب من التعبير، وهذا مما استحسنه أبو حيان والسمين. والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى الذي يبنى قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فكيف يصح الاقتداء بهم. وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين المقلدة وعصاهم التي يتوكؤون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ بهم صارخ الكتاب والسنة، فاحتجاجهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله مع مخالفة قوله لكتاب الله أو لسنة رسوله هو كقول هؤلاء، وليس الفرق إلا في مجرد العبارة اللفظية لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والاستفادة، اللهم غفراً. وكثيراً ما نسمع من أسراء التقليد الذين يعرفون الحق بالرجال لا بالاستدلال إذا قال لهم القائل الحق في هذه المسألة كذا أو الراجح قول فلان قالوا لست أعلم من فلان يعنون القائل من العلماء بخلاف الراجح في تلك

المسألة فنقول لهم نعم لست أعلم من فلان ولكن هل يجب علي اتباعه والأخذ بقوله فيقولون لا ولكن الحق لا يفوته، فنقول لهم لا يفوته وحده بخصوصية فيه أم لا يفوته ومن يشابهه من العلماء ممن بلغ إلى الرتبة التي بلغ إليها في العلم، فيقولون نعم لا يفوته هو وأشباهه ممن هو كذلك. فيقال لهم: له من الأشباه والأنظار في علماء السلف والخلف آلاف مؤلفة بل فيهم أعداد متعددة يفضلونه ولهم في المسألة الواحدة الأقوال المتقابلة فربما كانت العين الواحدة عند بعضهم حلالاً وعند الآخر حراماً فهل تكون العين حلالاً وحراماً لكون كل واحد منهم لا يفوته الحق كما زعمتم، فإن قلتم نعم فهذا باطل ومن قال بتصويب المجتهدين إنما يجعل قول كل واحد منهم صواباً لا إصابة، وفرق بين المعنيين. أو يقول القائل في جواب مقالتهم: فلان أعرف منك بالحق لكونه أعلم إذا كان الأسعد بالحق الأعلم، فما أحد إلا وغيره أعلم منه ففلان الذي يعنون غيره أعلم منه فهو أسعد منه بالحق فلم يكن الحق حينئذ بيده ولا بيد أتباعه. وهذه المحاورات إنما يحتاج إليها من ابتلى بمحاورة المقصرين الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون أسرار الأدلة، ولا يفهمون الحقائق، فيحتاج من ابتلي بهم وبما يرد عليه من قبلهم إلى هذه المناظرات التي لا يحتاج إلى مثلها من له أدنى تمسك بأذيال العلم، فإن كل عارف يعرف أن وظيفة المجتهد ليست قبول قول العالم المختص بمرتبة من العلم فوق مرتبته، إنما وظيفته قبول حجته فإذا لم تبرز الحجة لم يحل للمجتهد الأخذ بذلك القول الخالي عن الحجة في علمه وإن كان في الواقع وربما له حجة لم يطلع عليها العالم الآخر إلا أن مجرد هذا التجويز يجوز التمسك به في إحسان الظن بالعالم الأول وحمله على السلامة لا أنه يجوز التمسك به في أن المقالة حق يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل، فهو لا يقوله إلا من لا حظ له من العلم ولا نصيب له من العقل.

105

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) (يا أيها الذين آمنوا عليكم) أي الزموا (أنفسكم) واحفظوها من ملابسة الذنوب والإصرار على المعاصي وقوموا بصلاحها، يقال عليك زيداً أي الزم زيداً فالنصب على الإغراء، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو إليك ولديك ومكانك، والصحيح أنه في موضع جر، كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه. وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بعد لنصب ما بعده، وذهب الفراء إلى أنه مرفوع، وقد حققت هذه المسائل بدلائلها مبسوطة في شرح التسهيل. (لا يضركم) ضلال (من ضل) من الناس أي أهل الكتاب وغيرهم (إذا اهتديتم) للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال سبحانه: (إذا اهتديتم). وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً مضيقاً متحتماً، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر والنهي أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره وضرراً يسوغ له معه الترك. أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وابن جرير والبغوي وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية قال أية آية؟ قلت قوله: (يا أيها الذين آمنوا) الخ قال أما والله لقد سألت

عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، وفي لفظ قيل يا رسول الله منا أو منهم، قال بل أجر خمسين منكم " (¬1). وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال له: " ما حبسك؟ قال يا رسول الله قرأت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) الآية، قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين ذهبتم، إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم ". وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وأحمد وغيرهم عن قيس ابن أبي حازم قال: قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب، وفي لفظ لابن جرير عنه والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب " (¬2). وعن ابن مسعود وسأله رجل عن قوله عليكم أنفسكم قال: إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم، وعن ابن عمر أنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم، وعن أبي بن كعب إنما ¬

(¬1) الترمذي كتاب التفسير سورة 5 - 18 - ابن ماجه كتاب الفتن الباب 21. (¬2) أحمد بن حنبل 1/ 5 - 7.

تأويلها في آخر الزمان. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال ذكرت هذه الآية عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لم يجئ تأويلها لا يجىء تأويلها، حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام ". قال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأوضح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق وهو العمل بطاعة الله وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم والله ما نزل آية أشد منها. وعن ابن المبارك هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الله تعالى قال عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات. وقال مجاهد وابن جبير: هي في اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم. وقال أبو السعود: ولا يتوهم أن في هذه الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما تفي به الطاقة انتهى. والأقوال والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما قدمنا من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. (إلى الله مرجعكم جميعاً) أي إليه في الآخرة رجوع الطائع والعاصي والضال والمهتدي، ففي الآية اكتفاء (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها، وفي هذا وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بعمل غيره.

106

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106) (يا أيها الذين آمنوا) استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم أثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم (شهادة بينكم) قال مكي في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات الثلاث يعني هذه واللتان بعدها عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً وتفسيراً ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها. قال ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد. قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى يعني من كتاب مكي، قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً، قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً انتهى. قال السخاوي: لم أر أحداً من العلماء تخلص كلامه من أولها إلا آخرها قلت وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراآتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبها إلا آخر ما في عبارة السمين، فارجع إليه إن شئت. وأضاف الشهادة إلا البين توسعاً لأنها جارية بينهم، وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت (ما) وأضيفت إلا الظرف كقوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) ومنه قوله تعالى: (هذا فراق بيني وبينك) واختلف في هذه الشهادة فقيل هي هنا بمعنى الوصية، وقيل بمعنى الحضور للوصية.

وقال ابن جرير الطبري: هي هنا بمعنى اليمن أي يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد يمين، واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنها هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود أي الأخبار بحق للغير على الغير. (إذا حضر أحدكم الموت) المراد بحضور الموت حضور علاماته لأن من مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للإهتمام ولإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها فإنه أدخل في تهوين أمر الموت. (حين الوصية) بدل منه لا ظرف للموت كما توهم ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها. (اثنان ذوا عدل منكم) أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له وأقرب إلى تحري ما هو أصلح له (أو آخران) كائنان (من غيركم) أي من الأجانب وقيل إن الضمير في (منكم) للمسلمين والمراد بقوله (غيركم) الكفار وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس وغيرهما: فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي. فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وإن ما شهدا به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها. هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى ابن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن

سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل، وذهب إلى الأول أعني تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة وتفسير غيركم بالأجانب: الزهري والحسن وعكرمة، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله: (ممن ترضون من الشهداء) وقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول. وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ، وأما قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) وقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فهما علمان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام. (إن أنتم ضربتم في الأرض) الضرب في الأرض هو السفر أي إن سافرتم فيها، قال السمين قوله: إن أنتم قيد في قوله: (أو آخران) وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب هكذا إن هو ضرب في الأرض فأصابته. (فأصابتكم مصيبة الموت) أي فنزل بكم أسباب الموت وقاربكم الأجل وأردتم الوصية حينئذ ولم تجدوا شهوداً عليها من المسلمين فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليها ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنكم (تحسبونهما) وتوقفونهما، ويجوز أن يكون استئنافاً كأنهم قالوا فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة فقال تحبسونهما. (من بعد الصلاة) إن ارتبتم في شهادتهما وهي صلاة العصر، قاله الأكثر، لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجراً كما في الحديث الصحيح، وعدم تعيينها في الآية لتعينها عندهم للتحليف بعدها قيل وجميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقيل لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة، وقيل لأنه وقت تصادم ملائكة

الليل وملائكة النهار، وقيل صلاة أهل دينهما وقيل صلاة الظهر، قاله الحسن وقيل أي صلاة كانت، قاله القرطبي. والمراد بالحبس توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما. (فيقسمان) أي الشاهدان على الوصية أو الوصيان (بالله) وقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقاً إذا حصلت الريبة في شهادتهما وفيه نظر، لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو بوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها. قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم، فيحلف بعد صلاة العصر إن كان بمكة بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها. (إن ارتبتم) أي شككتم أيها الورثة في قول الشاهدين وصدقهما فحلفوهما وهذا إذا كانا كافرين أما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع. (لا تشتري به ثمناً) الضمير راجع إلى الله تعالى، والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى وعهده بهذا العرض النذر من الدنيا فنحلف به كاذبين لأجل مال ادعيتموه علينا وعوض نأخذه أو حق نجحده، وقيل يعود إلى القسم أي لا نستبدل لصحة القسم بالله عرضاً من أعراض الدنيا وقيل يعود إلى تحريف الشهادة قاله أبو علي. وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول أي لا نستبدل بشهادتنا ثمناً، وهذا أقوى من حيث المعنى، قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن وهذا مبني على أن

العروض لا تسمى ثمناً، وعند الأكثر أنها تسمى ثمناً كما تسمى مبيعاً. (ولو كان ذا قربى) أي ولو كان المشهود له أو المقسم له ذا قرابة منا، وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من غيرهم، والمعنى لا نؤثر العرض الدنيوى ولا القرابة، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبلها عليه أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمناً. (ولا نكتم شهادة الله) معطوف على (لا نشتري) داخل معه في حكم القسم، وأصاف الشهادة إلى الله سبحانه لكونه الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها، قال ابن زيد: لا نأخذ به رشوة (إنا إذاً) إن كتمنا الشهادة (لمن الآثمين). أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدا فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي. وقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية، وفي إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي قال الترمذي: قيل إنه صالح الحديث، وقد روى ذلك أبو داود من طريقه. وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي السبب في نزول الآية، وذكرها المفسرون مختصرة ومطولة في تفاسيرهم، وقال القرطبي: إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة هي سبب نزول الآية.

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

107

(فإن عثر) يقال عثر على كذا اطلع عليه ويقال عثرت منه على خيانة أي اطلعت وأعثرت غيري عليه ومنه قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم) وأصل العثور الوقوع على الشيء، وقيل الهجوم على شيء لم يهجم عليه غيره وكل من اطلع على أمر كان قد خفي عليه قيل له قد عثر عليه. والمعنى أنه إذا اطلع وظهر بعد التحليف (على أنهما) أي الشاهدين أو الوصيين على الخلاف في أن الاثنين وصيان أو شاهدان على الوصية (استحقا) أي استوجبا (إثماً) إما بكذب في الشهادة أو اليمين أو بظهور خيانة بأن وجد عندهما مثلاً ما اتهما به وادعيا أنهما ابتاعاه من الميت أو وصى لهما به. قال أبو علي الفارسي: الإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأثم بأخذه فسمي إثماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، وقال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك فكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. (فآخران) أي فشاهدان آخران أو فحالفان آخران من أولياء الميت (يقومان مقامهما) أي مقام الذين عثر على أنهما استحقا اثماً فيشهدان أو يحلفان على ما هو الحق وليس المراد أنهما يقومان مقامهما في أداء الشهادة التي شهدها المستحقان للإثم (من الذين استحق) قريء على البناء للمفعول وعلى الفاعل (عليهم) الوصية وهم الورثة ويبدل من آخران (الأوليان) هو على الأولى مرتفع كأنه قيل من هما فقيل هما الأوليان. والمعنى على الأولى من الذين استحق عليهم الإثم أي جنى عليهم وهم

أهل الميت وعشيرته فإنهم أحق بالشهادة أو اليمين من غيرهم فالأوليان تثنية أولى. والمعنى على الثانية من الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الكاذبين لكونهما الأقربين إلى الميت، فالأوليان فاعل استحق ومفعوله أن يجردوهما للقيام بالشهادة، وقيل المفعول محذوف والتقدير من الذين استحق عليهم الأوليان بالميت وصيته التي أوصى بها. (فيقسمان بالله) أي فيحلفان على خيانة الشاهدين (لشهادتنا) أي يميننا فالمراد بالشهادة هنا اليمين كما في قوله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات) بالله أي ليحلفان لشهادتنا على أنهما كاذبان خائنان (أحق من شهادتهما) أي أحق بالقبول من يمينهماعلى أنهما صادقان أمينان (وما اعتدينا) أي ما تجاوزنا الحق في يميننا وقولنا أن شهادتنا أحق من شهادة هذين الوصيين الخائنين (إنا إذاً لمن الظالمين) إن كنا حلفنا على باطل.

108

(ذلك) أي البيان الذي قدمه الله سبحانه في هذه القصة وعرفنا كيف يصنع من أراد الوصية في السفر ولم يكن عنده أحد من أهله وعشيرته وعنده كفار (أدنى) أي أقرب إلى (أن يأتوا بالشهادة) أي يؤدي الشهود المتحملون للشهادة على الوصية بالشهادة (على وجهها) فلا يحرفوا ولا يبدلوا ولا يخونوا فيها، وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر المنفعة والفائدة في هذا الحكم الذي شرعه الله في هذا الموضع في كتابه، فالضمير في يأتوا عائد إلى شهود الوصية من الكفار، وقيل إنه راجع إلى المسلمين المخاطبين بهذا الحكم، والمراد تحذيرهم من الخيانة وأمرهم بأن يشهدوا بالحق. (أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم) أي ترد على الورثة المدعين فيحلفون على خلاف ما شهد به شهود الوصية فتفتضح حينئذ شهود الوصية

وهو معطوف على قوله أن يأتوا فيكون الفائدة في شرع الله سبحانه لهذا الحكم هي أحد الأمرين إما احتراز شهود الوصية عن الكذب والخيانة فيأتون بالشهادة على وجهها أو يخافون الافتضاح إذا ردت الأيمان على قرابة الميت فحلفوا بما يتضمن كذبهم أو خيانتهم فيكون ذلك سبباً لتأدية شهادة شهود الوصية على وجهها من غير كذب ولا خيانة. وقال أبو السعود: معطوف على مقدر ينبيء عنه المقام كأنه قيل ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة أو يخافوا الافتضاح برد اليمين، فأي الخوفين وقع حصل المقصود الذي هو الإتيان بالشهادة على وجهها (واتقوا الله) في مخالفة أحكامه وأن تحلفوا أيماناً كاذبة أو تخونوا أمانة (واسمعوا) سمع قبول واجابة أو المواعظ والزواجر (والله لا يهدي القوم الفاسقين) الخارجين عن طاعته بأي ذنب ومنه الكذب في اليمين أو في الشهادة، وهذا تهديد وتخويف لمن خالف حكم الله وخان أمانته أو حلف يميناً كاذبة. قال الخازن: وهذه الآية الكريمة من أصعب ما في القرآن من الآيات نظماً وإعراباً وحكماً انتهى وقد سهلنا هذا الصعب بتيسيره سبحانه وتعالى. وحاصل ما تضمنه هذا القام من الكتاب العزيز إن من حضرته علامات الموت أشهد على وصيته عدلين من عدول المسلمين، فإن لم يجد شهوداً مسلمين وكان في سفر ووجد كفاراً جاز له أن يشهد رجلين منهم على وصيته، فإن ارتاب بهما ورثة الموصي حلفا بالله على أنهما شهدا بالحق وما كتما من الشهادة شيئاً ولا خانا مما ترك الميت شيئاً، فإن تبين بعد ذلك خلاف ما أقسما عليه في خلل في الشهادة أو ظهور شيء من تركة الميت وزعما أنه قد صار في ملكهما بوجه من الوجوه حلف رجلان من الورثة وعمل بذلك.

109

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109) (يوم يجمع الله الرسل) أي اسمعوا أو اذكروا أو احذروا قال الزجاج: هي متصلة بما قبلها أي اتقوا الله يوم يجمع وهو يوم القيامة، وقيل يوم يجمع الله الرسل يكون من الأحوال كذا وكذا، وهذا شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين الرسل على وجه الإجمال. فيقول لهم: (ماذا أجبتم) أي أيّ إجابة إجابتكم بها الأمم الذين بعثكم الله إليهم أو أي جواب أجابوكم به وما الذي رد عليكم قومكم حين دعوتموهم في دار الدنيا إلى توحيدي وطاعتي، وتوجيه السؤال إلى الرسل لقصد توبيخ قومهم وأممهم. (قالوا) ذكر صيغة الماضي للدلالة على التحقيق والمعنى أجابوا بقولهم: (لا علم لنا) مع أنهم عالمون بما أجابوا به عليهم وهذا تفويض منهم وإظهار للعجز وعدم القدرة ورد للأمر إلى علمه ولا سيما مع علمهم بأن السؤال سؤال توبيخ فإن تفويض الجواب إلى الله أبلغ في حصول ذلك. قال الرازي: إن الرسل لما علموا أن الله عالم لا يجهل وحليم لا يسفه وعادل لا يظلم، علموا أن قولهم لا يفيد خيراً ولا يدفع شراً، فرأوا أن الأدب في السكوت وفي تفويض الأمر إليه وإلى عدله، فقالوا لا علم لنا انتهى، وقيل لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا، وقيل لا علم لنا بما اشتملت عليه بواطنهم، وقيل لا علم لنا كعلمك فيهم، وقيل لا علم لنا بوجه الحكمة عن سؤالك إيانا عن أمر أنت أعلم به منا. وقيل لا حقيقة لعلمنا بعاقبة أمرهم، وقيل المعنى لا علم لنا إلا علم ما

أنت أعلم به منا، وقيل إنهم ذهلوا عما أجاب به قومهم لهول المحشر، عن مجاهد قال يفزعون فيقولون لا علم لنا فترد إليهم أفئدتهم فيعلمون، وعن السدي في الآية قال ذلك أنهم نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فلما سئلوا قالوا لا علم لنا ثم نزلوا منزلاً آخر فشهدوا على قومهم، وهذا فيه ضعف ونظر، لأن الله تعالى قال في حق الأنبياء لا يحزنهم الفزع الأكبر (¬1). وعن ابن عباس قال: قالوا لا علم لنا فرقاً تذهل عقولهم، ثم يرد الله إليهم عقولهم فيكونوا هم الذين يسئلون لقول الله فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين. (إنك أنت علام الغيوب) يعني أنك تعلم ما غاب عنا من باطن الأمور، ونحن نعلم ما نشاهد ولا نعلم ما في البواطن ليس تخفى عليك خافية، وبناء فعال للتكثير، وفيه جواز إطلاق العلام على الله تعالى. ¬

(¬1) قال القرطبي: هذا في أكثر مواطن القيامة، ففي الخبر " إن جهنم إذا جِيءَ بها زفرت زفرة فلا يبقى نبيّ ولا صدّيق إلا جثا لركبتيه " وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خوفني جبريل يوم القيامة حتى أبكاني فقلت يا جبريل ألم يغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر؟ فقال لي يا محمد لتشهدنّ من هَوْل ذلك اليوم ما ينسيك المغفرة ".

110

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) (إذ قال الله يا عيسى بن مريم) إذ بدل من يوم يجمع وهو تخصيص بعد التعميم، وتخصيص عيسى عليه السلام من بين الرسل لاختلاف طائفتي اليهود والنصارى فيه إفراطاً وتفريطاً هذه تجعله إلهاً، وهذه تجعله كاذباً، والماضي هنا بمعنى المضارع لأن هذا القول يقع يوم القيامة مقدمة لقوله: (أأنت قلت) قاله السمين والكرخي، وقال البيضاوي: الماضي بمعنى الآتي على حد قوله: (ونادى أصحاب الجنة). (اذكر نعمتي عليك) بالنبوة وغيرها (وعلى والدتك) حيث أنبتها نباتاً حسناً وطهرها واصطفاها على نساء العالمين، ذكره سبحانه نعمته عليه وعلى أمه مع كونه ذاكراً لها عالماً بتفضل الله سبحانه بها لقصد تعريف الأمم بما خصهما به الله من الكرامة وميزهما به من علو المقام، أو لتأكيد الحجة وتبكيت الجاحد بأن منزلتهما عند الله هذه المنزلة، وتوبيخ من اتخذهما الهين ببيان أن ذلك الإنعام عليهما كله من عند الله سبحانه، وأنهما عبدان من جملة عباده منعم عليهما بنعم الله سبحانه ليس لهما من الأمر شيء. (إذ أيدتك) أي قويتك من الأيد وهو القوة (بروح القدس) فيه وجهان أحدهما أنه الروح الطاهرة المقدسة التي خصه الله بها وقيل أنه جبريل عليه السلام وكان يسير معه حيث سار يعينه على الحوادث التي تقع ويلهمه

العارف والعلوم، وقيل إنه الكلام الذي يجيء به الأرواح، والقدس الطهر، وإضافته إليه لكونه سببه. وجملة (تكلم الناس) مبينة لمعنى التأييد أي تكلمهم (في المهد) حال كونك صبياً (وكهلا) لا يتفاوت كلامك في الحالين بل يكون على نسق واحد بديع صادر عن كمال العقل والتدبير مع أن غيرك يتفاوت كلامه فيهما تفاوتاً بيناً، وهذه معجزة عظيمة وخاصة شريفة ليست لأحد قبله. قال ابن عباس: أرسل الله عيسى وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهراً ثم رفعه إليه ثم ينزله إلى الأرض وهو في سن الكهولة. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا كان يوم القيامة يدعى بالأنبياء وأممها ثم يدعى بعيسى فيذكره نعمته عليه فيقر بها فيقول يا عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك الآية ثم يقول أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله فينكر أن يكون قال ذلك فيؤتى بالنصارى فيسئلون فيقولون نعم هو أمرنا بذلك فيطول شعر عيسى حتى يأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله مقدار ألف عام حتى يوقع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار ". (وإذ علمتك الكتاب) أي اذكر نعمتي عليك وقت تعليمي لك الكتاب أي جنس الكتاب أو المراد بالكتاب الخط (والحكمة) أي الفهم والإطلال على أسرار العلوم، وقيل جنس الحكمة وقيل هي الكلام المحكم (والتوراة والإنجيل) فعلى الأول يكون هذا من عطف الخاص على العام وتخصيصهما بالذكر لمزيد اختصاصه بهما أما التوراة فقد كان يحتج بها على اليهود في غالب ما يدور بينه وبينهم من الجدال كما هو مصرح بذلك في الإنجيل، وأما الإنجيل فلكونه نازلاً عليه من عند الله سبحانه. (وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير) أي تصور تصويراً مثل صورة الطير

(بإذني) لك بذلك وتيسيري له (فتنفخ فيها) أي في الهيئة المصورة (فتكون) هذه الهيئة (طيراً) متحركاً حياً كسائر الطيور (بإذني) وكان الخلق لهذا الطير معجزة لعيسى أكرمه الله تعالى بها، وتقدم في آل عمران أنه كان صور لهم صورة الخفاش وكان ذلك بطلبهم فراجعه إن شئت. (وتبريء الأكمه) أي تشفي الأعمى المطموس البصر (والأبرص) هو معروف ظاهر (بإذني) لك وتسهيله عليك وتيسيره لك، وقد تقدم تفسير هذا مطولاً في آل عمران فلا نعيده (وإذ تخرج الموتى) من قبورهم أحياء فيكون ذلك آية لك عظيمة، قيل أخرج سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية، وتكرير (بإذني) هنا في المواضع الأربعة بعد أربع جمل للاعتناء بأن ذلك كله من جهة الله ليس لعيسى عليه السلام فيه فعل إلا مجرد امتثاله لأمر الله سبحانه، وقال في آل عمران (بإذن الله) مرتين لأن هناك أخبار فناسب الإيجاز، وهنا مقام تذكير بالمنعمة والامتنان فناسب الإسهاب. (وإذ كففت) معناه دفعت وصرفت ومنعت (بني إسرائيل) أي اليهود (عنك) حين هموا بقتلك (إذ جئتهم بالبينات) أي المعجزات الواضحات والدلالات الباهرات التي وضع على يديه من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير وإبراء الأسقام والخبر بكثير من الغيوب، ولا أتى عيسى بهذه الدلالات البينات قصد اليهود بقتله فخلصه الله منهم ورفعه إلى السماء. (فقال الذين كفروا منهم) أي من اليهود (إن هذا إلا سحر مبين) أي ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين، ولا عظم ذلك في صدورهم وابتهروا منه لم يقدروا على جحده بالكلية بل نسبوه إلى السحر.

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112) قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)

111

(وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي) الوحي في كلام العرب معناه الإلهام أي ألهمت الحواريين وقذفت في قلوبهم وقيل معناه أمرتهم على ألسنة الرسل أن يؤمنوا بي بالتوحيد والإخلاص ويؤمنوا برسالة رسولي، والحواريون هم خلص أصحاب عيسى وخواصه. (قالوا آمنا) جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قالوا فقال: قالوا آمنا (واشهد) يا رب أو يا عيسى (بأننا مسلمون) أي مخلصون للإيمان، وإنما قدم ذكر الإيمان على الإسلام لأن الإيمان من أعمال القلوب، والإسلام هو الإنقياد والخضوع في الظاهر، والمعنى أنهم آمنوا بقلوبهم وانقادوا بظواهرهم.

112

(إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم) كلام مستأنف مسوق لبيان بعض ما جرى بينه وبين قومه منقطع عما قبله كما ينبئ عنه الإظهار في موضع الإضمار (هل يستطيع ربك) الخطاب لعيسى وقرئ هل تستطيع بالفوقية ونصب ربك وبالتحتية ورفع ربك. واستشكلت على الثانية بأنه قد وصف سبحانه الحواريين بأنهم قالوا آمنا وأشهد بأننا مسلمون والسؤال عن استطاعته لذلك ينافي ما حكوه عن أنفسهم، وأجيب بأن هذا كان في أول معرفتهم قبل أن تستحكم معرفتهم بالله ولهذا قال عيسى في الجواب عن هذا الاستفهام الصادر منهم اتقوا الله أي لا

تشكوا في قدرة الله أنهم ادعوا الإيمان والإسلام دعوى باطلة، ويرده أن الحواريين هم خلصاء عيسى وأنصاره كما قال: (من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله). وبهذا يظهر أن قول الزمخشري: إنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيد، وكأنه خرق للإجماع قال ابن عطية: ولا خلاف أحفظه في أنهم كانوا مؤمنين، وقيل إن ذلك صدر ممن كان معهم وقيل، إنهم لم يشكوا في استطاعة الباري سبحانه فإنهم كانوا مؤمنين عارفين بذلك، وإنما هو كقول الرجل هل يستطيع فلان أن يأتي مع علمه بأنه يستطيع ذلك ويقدر عليه، فالمعنى هل يفعل ذلك وهل يجيب إليه، وقيل: إنهم طلبوا الطمأنينة كما قال إبراهيم عليه السلام رب أرني كيف تحيي الموتى الآية، ويدل على هذا قولهم من بعد وتطمئن قلوبنا. وأما على القراءة الأولى فالمعنى هل تستطيع أن تسأل ربك قال الزجاج: المعنى هل تستدعي طاعة ربك فيما تسأله، فهو من باب واسأل القرية. عن عائشة قالت: كان الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك فإنما قالوا هل تستطيع أنت ربك أن تدعوه، ويؤيد هذا ما أخرجه الحاكم وصححه والطبراني وابن مردويه عن معاذ بن جبل أنه قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تستطيع ربك بالتاء يعني بالفوقية وعن ابن عباس أنه قرأها كذلك وبه قرأ علي وسعيد بن جبير ومجاهد. (أن ينزل علينا مائدة من السماء) المائدة الخوان إذا كان عليه الطعام فإن لم يكن عليه طعام فليس بمائدة هذا هو المشهور إلا أن الراغب قال المائدة الطبق الذي عليه الطعام وتقال أيضاً للطعام إلا أن هذا مخالف لما عليه المعظم، وهذه المسألة لها نظائر في اللغة، لا يقال للخوان مائدة إلا وعليه الطعام وإلا فهو خوان، ولا يقال كاس إلا وفيها خمر وإلا فهي قدح، ولا

يقال ذنوب وسجل إلا وفيه ماء وإلا فهو دلو، ولا يقال جراب إلا وهو مدبوغ وإلا فهو إهاب، ولا يقال قلم إلا وهو مبري وإلا فهو أنبوب. واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج: هي من ماد يميد إذا تحرك، وقال أبو عبيدة هي من ماده إذا أعطاه ورفده كأنها تميد من تقدم إليها، وبه قال قطرب وغيره وقيل فاعلة بمعنى مفعولة كعيشة راضية قاله أبو عبيدة وقيل غير ذلك، وأطال الكلام في تحقيقه سليمان الجمل فراجعه إن شئت. (قال) عيسى مجيباً للحواريين (اتقوا الله) من هذا السؤال وأمثاله (إن كنتم مؤمنين) أي صادقين في إيمانكم فإن شأن المؤمن ترك الاقتراح على ربه على هذه الصفة وقيل: إنه أمرهم بالتقوى ليكون ذلك ذريعة إلى حصول ما طلبوه.

113

(قالوا نريد أن نأكل منها) بينوا به الغرض من سؤالهم نزول المائدة أي نأكل منها فإن الجوع قد غلب علينا وقيل نأكل منها للتبرك بها لا أكل حاجة وليس سببه إزالة شبهة في قدرته تعالى على تنزيلها حتى يقدح ذلك في الإيمان. (وتطمئن قلوبنا) بكمال قدرة الله أو بأنك مرسل إلينا من عنده أو بأن الله قد أجابنا إلى ما سألناه وإن كنا مؤمنين به من قبل، فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما يوجب ازدياد الطمأنينة وقوة اليقين. (ونعلم) علماً يقينياً (أن قد صدقتنا) في نبوتك (ونكون عليها من الشاهدين) عند من لم يحضرها من بني إسرائيل أو من سائر الناس أو من الشاهدين لله بالوحدانية أو من الحاضرين دون السامعين.

114

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) ولما رأى عيسى ما حكوه عن أنفسهم من الغرض بنزول المائدة (قال عيسى ابن مريم) قيل: إنه اغتسل ولبس المسح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وبكى ثم دعا فقال (اللهم ربنا أنزل علينا مائدة) كائنة أو نازلة (من السماء تكون لنا عيداً) أي عائدة من الله علينا أو يكون يوم نزولها لنا عيداً، وقد كان نزولها يوم الأحد وهو يوم عيد لهم، والعيد يوم السرور، وهو واحد الأعياد. وقيل أصله من عاد يعود أي رجع فهو عود فقيل ليوم الفطر والأضحى عيدان لأنهما يعودان في كل سنة قاله ثعلب، وقال الخليل: العيد كل يوم جمع كأنهم عادوا إليه، قال ابن الأنباري: النحويون يقولون لأنه يعود بالفرح والسرور، وعيد العرب لأنه يعود بالفرح والحزن وكل ما عاد إليك في وقت فهو عيد، وقال الراغب: العيد حالة تعاود الإنسان والعائدة كل نفع يرجع إلى الإنسان بشيء. ومعنى (لأولنا وآخرنا) لمن في عصرنا ولمن يأتي بعدنا من ذرارينا وغيرهم، قال ابن عباس: معناه يأكل منها أولى الناس كما يأكل آخرهم (وآية منك) أي دلالة وحجة واضحة على كمال قدرتك وصحة إرسالك من أرسلته (وارزقنا) أي أعطنا هذه المائدة المطلوبة بينة، أو ارزقنا رزقاً نستعين به على عبادتك (وأنت خير الرازقين) بل لا رازق في الحقيقة غيرك ولا معطي سواك.

قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115) وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) فأجاب الله سبحانه سؤال عيسى عليه السلام

115

(قال الله إني منزلها) أي المائدة (عليكم) وقد اختلف أهل العلم هل نزلت عليهم المائدة أم لا فذهب الجمهور إلى الأول وهو الحق لقوله سبحانه: (إني منزلها عليكم) ووعده الحق وهو لا يخلف الميعاد، وقال مجاهد: ما نزلت وإنما ضرب مثل ضربه الله لخلقه نهياً لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه. وقال الحسن: وعدهم بالإجابة فلما قال: (فمن يكفر بعد) أي بعد نزولها (منكم فإني أعذبه عذاباً) أي تعذيباً قال الزجاج: يجوز أن يكون هذا العذاب معجلاً في الدنيا أو مؤخراً إلى الآخرة (لا أعذبه) أي لا أعذب مثل ذلك التعذيب (أحداً من العالمين) قيل المراد عالمي زمانهم، وقيل جميع العالمين، وفي هذا من التهديد والترهيب ما لا يقادر قدره. قيل لما سمعوا هذا الوعيد الشديد خافوا أن يكفر بعضهم فاستعفوا، وقالوا لا نريدها فلم تنزل وبه قال مجاهد والحسن، والصحيح الذي عليه جماهير الأمة ومشاهير الأئمة أنها قد نزلت. عن ابن عباس أنه كان يحدث عن عيسى بن مريم أنه قال لبني إسرائيل: هل لكم أن تصوموا لله ثلاثين يوماً ثم تسألوه فيعطيكم ما سألتم، فإن أجر العامل على من عمل له ففعلوا ثم قالوا: يا معلم الخير قلت لنا أن

أجر العامل على من عمل له، وأمرتنا أن نصوم ثلاثين يوماً ففعلنا، ولم نكن نعمل لأحد ثلاثين يوماً إلا أطعمنا فهل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء إلى قوله أحداً من العالمين، فأقبلت الملائكة تطير بمائدة من السماء عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة حتى وضعتها بين أيديهم فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم. وأخرج الترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمار بن ياسر قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " نزلت المائدة من السماء خبزاً ولحماً وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد فخانوا وادخروا ورفعوا لغد فمسخوا قردة وخنازير " (¬1)، وقد روي موقوفاً على عمار قال الترمذي: والوقف أصح. وعن ابن عباس قال: المائدة سمكة وأرغفة، وعنه قال: نزلت على عيسى والحواريين خوان عليه سمك وخبز يأكلون منه أينما تولوا إذا شاءوا، عن عبد الله بن عمرو قال: إن أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون. ¬

(¬1) الترمذي، كتاب التفسير، سورة 5 - 21.

116

(و) اذكر (إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله) ذهب جمهور المفسرين إلى أن هذا القول منه سبحانه هو يوم القيامة، والنكتة توبيخ عباد المسيح وأمه من النصارى. وقال السدي وقطرب: إنه قال له هذا القول عند رفعه إلى السماء لما قالت النصارى فيه ما قالت، والأول أولى. وقيل إذ هنا بمعنى إذا كقوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا) تعبيراً عن المستقبل بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه، وقد قيل في توجيه هذا الاستفهام منه تعالى إنه لقصد التوبيخ كما سبق وقيل لقصد تعريف المسيح بأن قومه غيروا بعده وادعوا عليه ما لم يقله. (قال سبحانك) تنزيهاً له سبحانه أي أنزهك تنزيهاً أشار به إلى أن

اتخاذهما إلهين تشريك لهما معك في الألوهية لا إفرادهما بذلك إذ لا شبهة في ألوهيتك وأنت منزه عن الشريك فضلاً أن يتخذ إلهان دونك على ما يشعر به ظاهر العبادة نبه عليه السعد التفتازاني. (ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق) أي ما ينبغي لي أن أدعي لنفسي ما ليس من حقها وقيل التقدير ما ليس يثبت لي بسبب حق، وقيل ما ليس مستحقاً لي، وعلى هذا الباء زائدة. ورد ذلك إلى علمه سبحانه فقال: (إن كنت قلته فقد علمته) وهذا هو غاية الأدب وإظهار المسكنة لعظمة الله تعالى وتفويض الأمر إلى علمه، وقد علم أنه لم يقله فثبت بذلك عدم القول به، وقيل التقدير أن تصح دعواي لما ذكر، وقدره الفارسي بقوله: إن أكن الآن قلته فيما مضى فقد تبين وظهر علمك به. (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) هذه الجملة في حكم التعليل لما قبلها أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وقال ابن عباس: المعنى تعلم ما في غيبي ولا أعلم ما في غيبك، وقيل تعلم ما أخفيه ولا أعلم ما تخفيه، وقيل تعلم ما أريد ولا أعلم ما تريد، وقيل تعلم ما كان مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منك في دار الآخرة وقيل تعلم ما أقول وأفعل ولا أعلم ما تقول وتفعل. وهذا الكلام من باب المشاكلة والمقابلة والإزدواج كما هو معروف عند علماء المعاني والبيان، وعليه حام الزمخشري، والنفس عبارة عن ذات الشيء يقال نفس الشيء وذاته بمعنى واحد، وقال الزجاج: النفس عبارة عن جملة الشيء وحقيقته يقول تعلم جميع حقيقة أمري ولا أعلم حقيقة أمرك، والأول أولى، وفيه دلالة على إطلاق لفظ النفس عليه سبحانه (إنك أنت علام الغيوب) تعلم ما كان وما سيكون وهذا تأكيد لما قبله.

117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به) هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم أي ما أمرتهم إلا بما أمرتني والاستثناء مفرغ (أن اعبدوا الله ربي وربكم) هذا تفسير لمعنى ما قلت لهم أي ما أمرتهم إلا أن وحدوا الله ولا تشركوا به شيئاً (وكنت عليهم شهيداً) أي حفيظاً ورقيباً أرعى أحوالهم وأمنعهم عن مخالفة أمرك (ما دمت) أي مدة دوامي (فيهم). (فلما توفيتني) قيل هذا يدل على أن الله سبحانه توفاه قبل أن يرفعه، وليس بشيء لأن الأخبار قد تضافرت بأنه لم يمت، وأنه باق في السماء على الحياة التي كان عليها في الدنيا حتى ينزل إلى الأرض آخر الزمان، وإنما المعنى فلما رفعتني إلى السماء وأخذتني وافياً بالرفع. قيل الوفاة في كتاب الله سبحانه قد جاءت على ثلاثة أوجه بمعنى الموت ومنه قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) وبمعنى النوم ومنه قوله تعالى: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي ينيمكم، وبمعنى الرفع ومنه (فلما توفيتني) وإذ قال الله يا عيسى إني متوفيك والتوفي يستعمل في أخذ الشيء وافياً أي كاملاً. (كنت أنت الرقيب) أصل المراقبة المراعاة أي كنت الحافظ لهم والعالم بهم والشاهد (عليهم وأنت على كل شيء شهيد) أي شاهد لما كان وما يكون أو أنت العالم بكل شيء فلا يعزب عن عملك شيء ومنه قولي لهم وقولهم بعدي.

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118) قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120)

118

(إن تعذبهم) (¬1) أي من أقام على الكفر منهم (فإنهم عبادك) أي تصنع بهم ما شئت وتحكم فيهم بما تريد لا اعتراض عليك (وإن تغفر لهم) أي لمن آمن منهم (فإنك أنت العزيز) أي القادر على ذلك (الحكيم) في أفعاله، قيل: قاله على وجه الاستعطاف كما يستعطف السيد بعبده، ولهذا لم يقل إن تعذبهم فإنهم عصوك. وقيل: قاله على وجه التسليم لأمر الله والانقياد له، ولهذا عدل عن الغفور الرحيم إلى العزيز الحكيم، قال ابن عباس: يقول عبيدك قد استوجبوا العذاب بمقالتهم وإن تغفر لهم أي من تركت منهم ومد في عمره حتى أهبط من السماء إلى الأرض لقتل الدجال فزالوا عن مقالتهم ووحدوك فإنك أنت العزيز الحكيم. ¬

(¬1) وقد روى أبو ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيام ليلةٍ بآيةٍ يرددها: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم). رواه أحمد في " المسند " 5/ 149 ولفظه عن أبي ذر قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة، فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) فلما أصبح قلت: يا رسول الله ما زلت تقرأ هذه الآية حتى أصبحت تركع بها وتسجد بها. قال: " سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي فأعطانيها، وهي نائلة إن شاء الله لمن لا يشرك بالله عز وجل شيئاً " ورجاله ثقات، خلا جسرة بنت دجاجة العامرية، فإنه لم يوثقها سوى العجلي وابن حبان، وقال البخاري. عند جسرة عجائب. انظر " تهذيب التهذيب " 12/ 406.

119

(قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم) كعيسى في الدنيا وقيل في الآخرة والأول أولى، عن ابن عباس هذا يوم ينفع الموحدين توحيدهم، والمراد بالصادقين النبيون والمؤمنون لأن الكفار لا ينفعهم صدقهم يوم القيامة وكذا صدق إبليس بقوله: إن الله وعدكم وعد الحق لكذبه في الدنيا التي هي دار العمل. (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً) قد تقدم تفسيره وهذا إشارة إلى ما يحصل لهم من الثواب الدائم الذي لا انقطاع له ولا انتهاء (رضي الله عنهم) بما عملوه من الطاعات الخالصة له (ورضوا عنه) بما

جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال، ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم وأعلى منازل الكرامة والرضا باب الله الأعظم ومحل استرواح العابدين، وسيأتي لهذا مزيد في سورة البينة. (ذلك) أي ما نالوه من دخول الجنة والخلود فيها أبداً ورضوان الله عنهم (الفوز العظيم) أي: إنهم فازوا بالجنة ونجوا من النار، والفوز الظفر بالمطلوب على أتم الأحوال.

120

(لله ملك السموات والأرض وما فيهن) جاء سبحانه بهذه الخاتمة تحقيقاً للحق وتنبيهاً على كذب النصارى، ودفعاً لما سبق من إثبات من أثبت الإلهية لعيسى عليه السلام وأمه وأخبر بأن ملك السموات والأرض له دون عيسى وأمه ودون سائر مخلوقاته. وقيل: المعنى أن له ملك السموات والأرض وما فيها من العقلاء وغيرهم يتصرف فيها كيف يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياء وإماتة أمراً ونهياً من غير أن يكون لشيء من الأشياء مدخل في ذلك، وهو الذي يعطي الجنات للمطيعين جعلنا الله تعالى منهم آمين (وهو على كل شيء) من المنع والإعطاء والإيجاد والإفناء (قدير) أي قادر، نسأله أن يوفقنا لمرضاته، ويجعلنا من الفائزين بجناته.

سورة الأنعام

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنعام وهي مائة وخمس أو ست وستون آيه قال الثعلبي: هي مكية إلا ست آيات نزلت بالمدينة وهي (وما قدروا الله حق قدره) إلي آخر ثلاث آيات وقل تعالوا آتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر ثلاث آيات قال ابن عطية وهي الآيات المحكمات أي في هذة السورة وقال القرطبي: هي مكية إلا آيتين هما (وما قدروا الله حق قدره) نزلت في مالك بن الصيف وكعب بن الأشرف اليهوديين. وقوله تعالى: (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) نزلت في ثابت ابن قيس. وأخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:نزلت سورة الأنعام ومعها موكب من الملائكة يسد ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتقديس، والأرض ترتج ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول سبحان الله العظيم سبحان الله العظيم (¬1). وعن ابن عباس وعلي أنها نزلت بمكة جملة واحدة ليلاً. وفي فضائل هذه السورة روايات عن جماعة من التابعين مرفوعة وغير مرفوعة قال القرطبي: قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور. وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة نها في معنى واحد من الحجة وأن تصرف ذلك بوجوه كثيرة. وعليها بنى المتكلمون أصول الدين. ¬

(¬1) ابن كثير 1/ 122.

بسم الله الرحمن الرحيم

1

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1) (الحمد لله) بدأ سبحانه هذه السورة بالحمد لله للدلالة على أن الحمد كله له وإن لم يحمدوه، وفيه تعليم اللفظ والمعنى مع تعريض الإستغناء ولإقامة الحجة على الذين هم بربهم يعدلون، والحمد اللغوي الوصف بالجميل ذكره الزمخشري في الفائق، وزاد صاحب المطالع وغيره كونه على جهة التعظيم والتبجيل أي ظاهراً وباطناً. وأما الحمد الاصطلاحي فهو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، قاله الكرخي، وقد تقدم في سورة الفاتحة ما يغني عن الإعادة له هنا. وقال أهل المعاني لفظه خبر ومعناه الأمر أي احمدوا الله، وإنما جاء بهذا النمط لأنه أبلغ في البيان من حيث إنه جمع الأمرين. ثم وصف نفسه بأنه هو (الذي خلق السموات والأرض) إخباراً عن قدرته الكاملة الموجبة لاستحقاقه لجميع المحامد، فإن من اخترع ذلك وأوجده هو الحقيق بإفراده بالثناء وتخصيصه بالحمد، والخلق يكون بمعنى الإختراع وبمعنى التقدير، وقد تقدم تحقيق ذلك، وجمع السموات لتعدد طباقها وإن بعضها فوق بعض، وقدمها على الأرض لشرفها لأنها متعبد الملائكة ولم يقع فيها معصية، ولتقدمها في الوجود، قاله القاضي لقوله تعالى: (والأرض بعد ذلك دحاها) فإنه صريح في أن بسط الأرض مؤخر عن تسوية السماء. والأرض وإن كانت سبعة عند الجمهور فليس بعضها فوق بعض بل بعضها موال لبعض وإنما خصهما بالذكر لأنهما أعظم المخلوقات فيما يرى العباد، فالسماء بغير عمد يرونها وفيه العبر والمنافع، والأرض مسكن الخلق وفيها أيضاً ذلك.

وعن كعب الأحبار هذه الآية أول آية في التوراة وآخر آية فيها قوله: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً) وفي لفظ هو آخر سورة هود، وقال ابن عباس: افتتح الله الخلق بالحمد وختمه به فقال وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين. (وجعل الظلمات والنور) ذكر سبحانه خلق الجواهر بقوله خلق السموات والأرض ثم ذكر الأعراض بقوله هذا لأن الجواهر لا تستغني عن الأعراض، واختلف أهل العلم في المعنى المراد بالظلمات والنور فقال جمهور المفسرين: المراد بالظلمات سواد الليل، وبالنور ضوء النهار وبه قال السدي، وقال الحسن: الكفر والإيمان، قال ابن عطية: وهذا خروج عن الظاهر انتهى. وقيل المراد بهما الجهل والعلم، وقيل الجنة والنار والأولى أن يقال إن الظلمات تشمل كل ما يطلق عليه اسم الظلمة، والنور يشمل كل ما يطلق عليه اسم النور، فيدخل تحت ذلك ظلمة الكفر ونور الإيمان (أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات). وأفرد النور لأنه جنس يشمل جميع أنواعه، وجمع الظلمات لكثرة أسبابها وتعدد أنواعها نظيره ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة الموضع المظلم يخالف كل واحد منهما صاحبه، والنور ضرب واحد لا يختلف كما تختلف الظلمات. قال النحاس: (جعل) ههنا بمعنى خلق، وإذا كانت بمعنى خلق لم تتعد إلا إلى مفعول واحد، وقال القرطبي: جعل هنا بمعنى خلق، لا يجوز غيره، قال ابن عطية: وعليه يتفق اللفظ والمعنى في النسق فيكون الجمع معطوفاً على الجمع والمفرد معطوفاً على المفرد، وتقديم الظلمات على النور لأنها الأصل، ولهذا كان النهار مسلوخاً عن الليل.

عن مجاهد قال: نزلت هذه الآية في الزنادقة قالوا إن الله لم يخلق الظلمة ولا الخنافس ولا العقارب ولا شيئاً قبيحاً، وإنما يخلق النور وكل شيء حسن فأنزلت فيهم هذه الآية وفيه أيضاً رد قول الثنوية بقدم النور والظلمة، وعن ابن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " (¬1) ذكره البغوي بغير سند. (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) " ثم " لاستبعاد ما صنعه الكفار من كونهم بربهم يعدلون مع ما تبين من أن الله سبحانه حقيق بالحمد على خلقه السموات والأرض والظلمات والنور، قاله الزمخشري، فإن هذا يقتضي الإيمان به وصرف الثناء الحسن إليه لا الكفر به واتخاذ شريك له. والباء متعلقة بيعدلون والتقديم للاهتمام ورعاية الفواصل وحذف المفعول لظهوره أي يعدلون به ما لا يقدر على شيء مما يقدر عليه، وهذا نهاية الحمق وغاية الرقاعة حيث يكون منه سبحانه وتعالى تلك النعم، ويكون من الكفرة الكفر. قال علي: نزلت هذه الآية يعني الحمد لله إلى قوله يعدلون في أهل الكتاب، وقال قتادة: هم أهل الشرك وعن السدي مثله، وقال مجاهد: يعدلون أي يشركون وعن زيد قال: الآلهة التي عبدوها عدلوها بالله وليس لله عدل ولا ند، وليس معه آلهة ولا اتخذ صاحبة ولا ولداً، وأصل العدل مساواة الشيء بالشيء، وقال النضر بن شميل: الباء بمعنى عن أي عن ربهم ينحرفون من العدول عن الشيء. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 122.

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (2) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4)

2

(هو الذي خلقكم من طين) في معناه قولان (أحدهما) وهو الأشهر وبه قال الجمهور أن المراد آدم عليه السلام، ومن لابتداء الغاية وأخرجه مخرج الخطاب للجميع لأنهم ولده ونسله (الثاني) أن يكون المراد جميع البشر باعتبار أن النطفة التي خلقوا منها مخلوقة من الطين، وإنما ذكر الله سبحانه خلق آدم وبنيه بعد خلق السموات والأرض إتباعاً للعالم الأصغر بالعالم الأكبر، والمطلوب بذكر هذه الأمور دفع كفر الكافرين بالبعث ورد جحودهم بما هو مشاهد لهم لا يمترون فيه. (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) جاء بكلمة ثم لما بين خلقهم وبين موتهم من التفاوت فهي للترتيب الزماني على أصلها، وقضى بمعنى أظهر، وهي صفة فعل وإن كان بمعنى كتب وقدر، فهي للترتيب في الذكر لأنها صفة ذات وذلك مقدم على خلقهم. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في تفسير الأجلين فقيل قضى أجلاً يعني الموت وأجل مسمى القيامة والوقوف عند الله، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وعكرمة وزيد بن أسلم وعطية والسدي وخصيف ومقاتل وغيرهم، وقيل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ وهو قريب من الأول. وقيل الأول مدة الدنيا والثاني عمر الإنسان إلى حين موته، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وقيل الأول قبض الأرواح في النوم، والثاني قبضها عند

الموت، وقيل الأول ما يعرف من أوقات الأهلة والبروج وما يشبه ذلك والثاني أجل الموت، وقيل الأول لمن مضى والثاني لمن بقي ولمن يأتي، وقيل إن الأول الأجل الذي هو محتوم، والثاني الزيادة في العمر لمن وصل رحمه فإن كان براً تقياً وصولاً لرحمه زيد في عمره وإن كان قاطعاً للرحم لم يزد له. ويرشد إلى هذا قوله تعالى: (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن صلة الرحم تزيد في العمر وورد عنه أن دخول البلاد التي قد فشا بها الطاعون والوباء من أسباب الموت، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: الأول أجل الدنيا، والثاني أجل الآخرة، وجاز الابتداء بالنكرة في قوله: (وأجل مسمى عنده) لأنها قد تخصصت بالصفة. (ثم أنتم تمترون) استبعاد لصدور الشك منهم مع وجود المقتضى لعدمه أي كيف تشكون في البعث مع مشاهدتكم في أنفسكم من الابتداء والانتهاء ما يذهب بذلك ويدفعه، فإن من خلقكم من طين وصيركم أحياء تعلمون وتعقلون، وخلق لكم هذه الحواس والأطراف ثم سلب ذلك عنكم فصرتم أمواتاً وعدتم إلى ما كنتم عليه من الجمادية لا يعجزه أن يبعثكم ويعيد هذه الأجسام كما كانت ويرد إليها الأرواح التي فارقتها بقدرته وبديع حكمته.

3

(وهو الله) أي هو المعبود بحق أو المالك أو المتصرف (في السموات وفي الأرض) كما تقول زيد الخليفة في الشرق والغرب أي حاكم أو متصرف فيهما كقوله: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) وهو المعروف بالإلهية فيهما أو هو الذي يقال له الله فيهما. قال الزجاج: هو متعلق بما تضمنه اسم الله، قال ابن عطية: هذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى، وإيضاحه أنه أراد أن يدل على خلقه وآيات قدرته وإحاطته واستيلائه ونحو هذه

الصفات، فجمع هذه كلها في قوله وهو الله الذي له هذه كلها في السموات وفي الأرض. كأنه قال وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما. وقيل المعنى: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السموات وفي الأرض فلا تخفى عليه خافية، وقال النحاس: وهذا من أحسن ما قيل فيه، قال الشيخ وما ذكره الزجاج وأوضحه ابن عطية صحيح من حيث المعنى لكن صناعة النحو لا تساعده عليه، وقال ابن جرير: هو الله في السموات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض. والأول أولى. وتكون جملة (يعلم سركم وجهركم) مقررة لمعنى الجملة الأولى لأن كونه سبحانه إلهاً في السماء والأرض يستلزم علمه بأسرار عباده وجهرهم وعلمه بما يكسبونه من الخير والشر، وجلب النفع ودفع الضرر، وقال السمين: في هذه الآية أقوال كثيرة لخصت جميعها في اثني عشر وجهاً ثم بينها، وذكر سليمان الجمل منها أربعة أوجه منها ما تقدم (ويعلم ما تكسبون) من خير أو شر، وهذا محمول على المكتسب لا على نفس الكسب، قاله الرازي.

4

(وما تأتيهم) أي أهل مكة (من آية من آيات ربهم) كلام مبتدأ لبيان بعض أسباب كفرهم وتمردهم وهو الإعراض عن آيات الله التي تأتيهم بالكلية، ومن في (من آية) مزيدة للإستغراق، وفي (من آيات ربهم) تبعيضية أي ما تأتيهم آية من الآيات التي هي بعض آيات ربهم، وإضافة الآيات إلى الرب لتفخيم شأنها المستتبع لتهويل ما اجترؤوا عليه في حقها. والمراد بها إما الآيات التنزيلية فإتيانها نزولها، وإما الآيات التكوينية الشاملة للمعجزات وغيرها من تعاجيب المصنوعات فإتيانها ظهورها لهم (إلا كانوا عنها معرضين) أي كانوا لها تاركين وبها مكذبين، والإعراض ترك النظر في الآيات التي يجب أن يستدلوا بها على توحيد الله.

فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)

5

(فقد كذبوا) ضمنه معنى استهزؤوا فعداه بالباء والظاهر كما قال السفاقسي: أن الفاء لتعقيب الإعراض بالتكذيب فهي عاطفة على الجملة قبلها، وجعلها الزمخشري جواب شرط مقدر أي إن كانوا معرضين عن الآيات فلا تعجب فقد كذبوا بما هو أعظم آية وأكبرها، وهو الحق لما جاءهم، وفيه تكلف وهذه المرتبة أزيد من الأولى لأن المعرض عن الشيء قد لا يكون مكذباً به بل قد يكون غافلاً عنه غير متعرض له، فإذا صار مكذباً فقد زاد على الإعراض قاله الكرخي. (بالحق لما جاءهم) قيل المراد بالحق هنا القرآن وقيل محمد - صلى الله عليه وسلم - (فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) أي سيعرفون أن هذا الشيء الذي استهزءوا به ليس بموضع للاستهزاء وذلك عند إرسال عذاب الله عليهم، كما يقال اصبر فسوف يأتيك الخبر، عند إرادة الوعيد والتهديد، وفي لفظ الإنباء ما يرشد إلى ذلك، فإنه لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع، وحملها على العقوبات الآجلة أو على ظهور الإسلام وعلو كلمته يأباه الآيات الآتية، قال ابن عطية: أي أنباء كونهم مستهزئين.

6

(ألم يروا) أي أهل مكة والرؤية بصرية والهمزة للإنكار، وهذا شروع في توبيخهم ببذل النصح لهم (كم أهلكنا من قبلهم) كم استفهامية أو خبرية، ومن لابتداء الغاية و (من قرن) تمييز، ومن للبيان، والقرن يطلق على أهل كل عصر سموا بذلك لاقترانهم. أي ألم يعرفوا بسماع الأخبار ومعاينة الآثار في أسفارهم للتجارة إلى

الشام في الصيف وإلى اليمن في الشتاء، كم أهلكنا من قبل خلقهم أو من قبل زمانهم أمة من الأمم الموجودة في عصر بعد عصر لتكذيبهم أنبياءهم مثل قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم الماضية والقرون الخالية. وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان فيكون ما في الآية على تقدير مضاف أي من أهل القرن الذين وجدوا فيه، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم " (¬1). (مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم) مكن له في الأرض جعل له مكاناً فيها ومكنه في الأرض أي أثبته فيها قاله الزمخشري، وقال أبو عبيدة مكناهم ومكنا لهم لغتان فصيحتان نحو نصحته ونصحت له، وبهذا قال أبو علي والجرجاني، والجملة مستأنفة كأنه وقيل: كيف ذلك؟ وقيل الجملة صفة لقرن، والأول أولى أي مكناهم تمكيناً لم نمكنه لكم. والمعنى أنا أعطينا القرون الذين هم قبلكم ما لم نعطكم من الدنيا وطول الأعمار وقوة الأبدان والبسطة في الأجسام والسعة في الأرزاق وقد أهلكناهم جميعاً، فإهلاككم وأنتم دونهم بالأولى، ذكر معناه أبو البقاء. وفيه التفات عن الغيبة في قوله: (ألم يروا) والالتفات له فوائد منها تطرية الكلام وصيانة السمع عن الزجر والملال لما جبلت علية النفوس من حب التنقلات والسآمة من الاستمرار على منوال واحد، هذه فائدته العامة ويختص كل موقع بنكت ولطائف باختلاف محله كما هو مقرر في علم البديع، ووجهه حث السامع وبعثه على الاستماع حيث أقبل المتكلم عليه وأعطاه فضل عنايته وخصصه بالمواجهة ذكره الكرخي. (وأرسلنا السماء عليهم مدراراً) يريد المطر الكثير عبر عنه بالسماء لأنه ينزل منها، والمدرار صيغة مبالغة تدل على الكثرة كمذكار للمرأة التي كثرت ¬

(¬1) مسلم 2535 - البخاري 1288.

ولادتها للذكور ومئناث للتي تلد الإناث، يقال در اللبن يدر إذا أقبل على الحالب بكثرة أي أرسلنا المطر متتابعاً في أوقات الحاجة إليه. (وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم) معناه من تحت أشجارهم ومنازلهم والمراد به كثرة البساتين أي أن الله وسع عليهم المنعم بعد التمكين لهم في الأرض فكفروها (فأهلكناهم) أي كل قرن من تلك القرون (بذنوبهم) ولم يغن ذلك عنهم شيئاً فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب، وهذا كما ترى آخر ما به الاستشهاد والاعتبار. وأما قوله: (وأنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرناً آخرين) فصاروا بدلاً من الهالكين، ففي هذا بيان لكمال قدرته سبحانه وقوة سلطانه وأنّه يهلك من يشاء ويوجد من يشاء، وأن ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئاً بل كل ما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى. وفي هذه الآية ما يوجب الاعتبار والموعظة بحال من مضى من الأمم السالفة والقرون الخالية فإنهم مع ما كانوا فيه من القوة وكثرة الأتباع وخصب العيش، أهلكوا بسبب الكفر والإثم فكيف حال من هو أضعف منهم خلقاً وأقل عدداً وعدداً، وهذا يوجب الانتباه من نوم الغفلة ورقدة الجهالة. والقرن لفظ يقع على معان كثيرة فيطلق على الجماعة من الناس ويطلق على المدة من الزمان قيل إطلاقه على هذين بطريق الاشتراك أو الحقيقة والمجاز، والراجح الثاني لأن المجاز خير من الاشتراك، وإذا قلنا بالراجح فالأظهر أن الحقيقة هي القوم. ثم اختلف في كمية القرن فالجمهور أنه مائة سنة وقيل مائة وعشرون وقيل ثمانون وقيل سبعون قاله الفراء وقيل ستون وقيل أربعون وقيل ثلاثون وقيل عشرون، وقيل هو المقدار الوسط من أعمار أهل ذلك الزمان واستحسن هذا بأن أهل الزمن القديم كانوا يعيشون أربعمائة سنة وثلثمائة وألفاً وأكثر وأقل.

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)

7

(ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس) في هذه الجملة شدة صلابتهم في الكفر، وأنهم لا يؤمنون ولو أنزل الله على رسوله كتاباً مكتوباً في قرطاس أي رق أو ورق بمرأى منهم ومشاهدة، قيل هما تفسير بالأخص. والقرطاس في اللغة أعم منهما وهو ما يكتب فيه وكسر القاف أشهر من ضمها والقرطس وزن جعفر لغة فيه، وفي القاموس مثلث القاف وكجعفر ودرهم: الكاغد، والكاغد بالدال المهملة وربما قيل بالمعجمة وهو معرب. وفي القاموس الكاغد القرطاس، وفي السمين هو الصحيفة يكتب فيها يكون من ورق وكاغد وغيرهما ولا يقال قرطاس إلا إذا كان مكتوباً وإلا فهو طرس وكاغد (¬1). (فلمسوه بأيديهم) حتى يجتمع لهم إدراك الحاستين حاسة البصر وحاسة اللمس، فهو أبلغ من عاينوه لأنه أنفى للشك لأن السحر يجري على المرئي لا ¬

(¬1) اختصر المؤلف رحمه الله كلام ابن قتيبة، وإليك نصه بتمامه من " غريب القرآن " 150: (ولو نزلنا عليك كتاباً في قرطاس) أي: صحيفة، وكذلك قوله: (تجعلونه قراطيس) أي: صحفاً. قال المرار. عفت المنازل غير مثل الأنقس ... بعد الزمان عرفته بالقرطس فوقفت تعترف الصحيفة بعدما ... عمس الكتاب وقد يرى لم يعمس والأنقس: جمع نقس، مثل قدح وأقدح وأقداح. أراد غير مثل النقس عرفته بالقرطاس، ثم قال: " فوقفت تعترف الصحيفة " فأعلمك أن القرطاس هو الصحيفة، ومنه يقال للرامي إذا أصاب: قرطس، إنما يراد أصاب الصحيفة.

على الملموس، ولأن الغالب أن اللمس بعد المعاينة. (لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) أي لقال الكفار هذا هو السحر، ولم يعلموا بما شاهدوا ولمسوا، وإذا كان هذا حالهم في المرئي المحسوس فكيف فيما هو مجرد وحي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بواسطة ملك لا يرونه ولا يحسونه، وفيه إظهار في مقام الإضمار.

8

(وقالوا لولا أنزل عليه ملك) هذه الجملة مشتملة على نوع آخر من أنواع جحدهم لنبوته - صلى الله عليه وسلم - وكفرهم بها أي قالوا هلا أنزل علينا ملكاً نراه ويكلمنا أنه نبي حق حتى نؤمن به ونتبعه كقولهم لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً. (ولو أنزلنا ملكاً) على الصفة التي اقترحوها بحيث يشاهدونه ويخاطبونه ويخاطبهم (لقضي الأمر) بهلاكهم أي لأهلكناهم إذا لم يؤمنوا عند نزوله ورؤيتهم له لأن مثل هذه الآية البينة وهي نزول الملك على تلك الصفة إذا لم يقع الإيمان بعدها فقد استحقوا الإهلاك والمعاجلة بالعقوبة، وهذه سنة الله في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا استوجبوا العذاب واستؤصلوا به. (ثم لا ينظرون) أي لا يمهلون بعد نزوله ومشاهدتهم له طرفة عين لتوبة أو معذرة بل يعجل لهم العذاب، وقيل المعنى أن الله سبحانه لو أنزل ملكاً مشاهداً لم تطق قواهم البشرية أن يبقوا بعد مشاهدته أحياء بل تزهق أرواحهم عند ذلك، فيبطل ما أرسل الله له رسله وأنزل به كتبه من هذا التكليف الذي كلف به عباده ليبلوهم أيهم أحسن عملاً.

9

(ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً) أي لو جعلنا الرسول إليهم أو إلى النبي ملكاً يشاهدونه ويخاطبونه لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل، لأنهم لا

يستطيعون أن يروا الملك على صورته التي خلقه الله عليها إلا بعد أن يتجسم بالأجسام الكثيفة المشابهة لأجسام بني آدم، لأن كل جنس يأنس بجنسه، فلو جعل الله سبحانه الرسول إلى البشر أو الرسول إلى رسوله ملكاً مشاهداً مخاطباً لنفروا منه ولم يأنسوا به ولدخلهم الرعب وحصل معهم من الخوف ما يمنعهم من كلامه ومشاهدته، هذا أقل حال فلا يتم المصلحة من الإرسال. ولذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس كما جاء جبريل عليه السلام إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورة دحية الكلبي، وكما جاء الملكان إلى داود عليه السلام في صورة رجلين، وكذلك إلى إبراهيم ولوط عليهما السلام. وعند أن يجعله الله رجلاً أي على صورة رجل من بني آدم ليسكنوا إليه ويأنسوا به سيقول الكافرون إنه ليس بملك وإنما هو بشر، ويعودون إلى مثل ما كانوا عليه. وفي إيثار (رجلاً) على (بشراً) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل لا بطريق قلب الحقيقة وتعيين لما يقع به التمثيل. (وللبسنا عليهم ما يلبسون) أي لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم أو على غيرهم قاله أبو البقاء لأنهم إذا رأوه في صورة إنسان قالوا هذا إنسان وليس بملك، فإن استدل لهم بأنه ملك كذبوه، قال الزجاج: المعنى للبسنا على رؤسائهم كما يلبسون على ضعفائهم، وكانوا يقولون لهم إنما محمد بشر وليس بينه وبينكم فرق فيلبسون عليهم بهذا ويشككونهم. فأعلم الله عز وجل أنه لو نزل ملكاً في صورة رجل لوجدوا سبيلاً إلى اللبس كما يفعلون، واللبس الخلط يقال لبست عليه الأمر ألبسه لبساً أي خلطته وأصله التستر بالثوب ونحوه وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكاً كأنه قيل لو فعلناه لفعلنا ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم.

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) ثم قال سبحانه مؤنساً لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ومسلياً له

10

(ولقد استهزئ برسل من قبلك) كما استهزؤوا بك يا محمد، وفيه تسلية له - صلى الله عليه وسلم - ووعيد أيضاً لأهل مكة كما أشار له بقوله: (فحاق بالذين سخروا منهم) يقال حاق الشيء يحييق حيقاً وحيوقاً وحيقاناً نزل أي فنزل بهم وأحاط بهم وحل (ما كانوا به يستهزئون) وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء، به وقيل هو الرسول وقيل العذاب.

11

(قل) يا محمد لهؤلاء المستهزئين (سيروا في الأرض أي سافروا فيها معتبرين ومتفكرين، وقيل هو سير الأقدام (ثم انظروا) بأعينكم آثار من كان قبلكم لتعرفوا ما حل بهم من العقوبة أو نظر فكرة وعبرة وهو بالبصيرة لا بالبصر. (كيف كان عاقبة المكذبين) بعدما كانوا فيه من النعيم العظيم الذي يفوق ما أنتم عليه فهذه ديارهم خربة وجناتهم مغبرة وأراضيهم مكفهرة، فإذا كانت عاقبتهم هذه العاقبة فأنتم بهم لاحقون وبعد هلاكهم هالكون، والعاقبة مصدر أي منتهى الشيء وما يصير إليه والعاقبة إذا اطلقت اختصت بالثواب وبالإضافة قد تستعمل في العقوبة فصح أن تكون استعارة كقوله فبشرهم بعذاب أليم.

12

(قل لمن ما في السموات والأرض) هذا احتجاج عليهم قاطع، وتبكيت لهم ساطع، لا يقدرون على التخلص منه أصلاً (ولمن) خبر مقدم والمبتدأ ما وهي بمعنى الذي، وجملة (قل لله) تقرير لهم وتنبيه على أنه المتعين للجواب بالاتفاق بحيث لا يتأتى لأحد أن يجيب بغيره كما نطق به قوله (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولُنّ الله). وإذا ثبت أن له ما في السموات والأرض إما باعترافهم أو بقيام الحجة عليهم فالله قادر على أن يعاجلهم بالعقوبة ولكنه (كتب على نفسه الرحمة) أي: وعد بها فضلاً منه وتكرماً لا أنه مستحق عليه وذكر النفس هنا عبارة عن تأكد وعده وارتفاع الوسائط دونه. وفي الكلام ترغيب للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وتسكين خواطرهم بأنه رحيم بعباده لا يعاجلهم بالعقوبة وأنه يقبل منهم الإنابة والتوبة، ومن رحمته لهم إرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الأدلة. وقد أخرج مسلم وأحمد وغيرهما عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " خلق الله يوم خلق السموات والأرض مائة رحمة منها رحمة يتراحم بها الخلق وتسعة وتسعون ليوم القيامة فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة " (¬1). وثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لما قضى الله الخلق وكتب كتاباً فوضعه عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي " (¬2) وقد روى من طرق أخرى بنحو هذا. قيل معنى الجملة القسم، وعلى هذا فقوله (ليجمعنكم) جوابه لما تضمنه معنى القسم وقال الزجاج: إنها بدل من الرحمة لأنه فسره بأنه أمهلكم ¬

(¬1) مسلم 2753. (¬2) صحيح الجامع الصغير 5090.

وأمد لكم في العمر والرزق مع كفركم، فهو تفسير للرحمة وقد ذكره الفراء أيضاً ورده ابن عطية وقال: هو جواب قسم محذوف أي والله ليجمعنكم. وقيل المعنى ليجمعنكم في القبور مبعوثين أو محشورين وقيل اللام بمعنى أن أي أن يجمعكم كما في قوله تعالى: (ليسجننه) أي أن يسجنوه وقيل زائدة وقيل: إن جملة ليجمعنكم مسوقة للترهيب بعد الترغيب وللوعيد بعد الوعد، أي إن أمهلكم برحمته فهو مجازيكم يجمعكم ثم يعاقب من يستحق عقوبته من العصاة. (إلى يوم القيامة) إلى بمعنى (في) وقيل المعنى في قبوركم إلى اليوم الذي أنكرتموه وهو يوم القيامة (لا ريب فيه) أي لا شك في اليوم أو في الجمع. (الذين خسروا أنفسهم) أي ليجمعن المشركين الذين غبنوا أنفسهم باتخاذهم الأصنام فعرضوا أنفسهم لسخط الله وأليم عقابه فكانوا كمن خسر شيئاً، وأصل الخسار الغبن يقال خسر الرجل إذا غبن في بيعه (فهم لا يؤمنون) لما سبق عليهم القضاء بالخسران فهو الذي حملهم على الامتناع من الإيمان بحيث لا سبيل لهم إليه أصلاً.

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16)

13

(وله) أي لله (ما سكن في الليل والنهار) خص الساكن بالذكر لأن ما يتصف بالسكون أكثر مما يتصف بالحركة وقيل المعنى ما سكن فيهما أو تحرك فاكتفى بأحد الضدين عن الآخر، وهذا من جملة الاحتجاج على الكفرة قال السدي: ما سكن أي استقر وثبت، ولم يذكر الزمخشري غيره وقال تعديته بفي كما في قوله وسكنتم في مساكن الذين ظلموا ورجح هذا التفسير ابن عطية. وقال ابن جرير: كل ما طلعت عليه الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، فيكون المراد منه جميع ما حصل في الأرض من الدواب والحيوانات والطير وغير ذلك مما في البر والبحر، وهذا يفيد الحصر والمعنى أن جميع الموجودات ملك لله تعالى لا لغيره (وهو السميع) لأقوالهم وأصواتهم (العليم) بسرائرهم وأحوالهم.

14

(قل أغير الله اتخذ ولياً) الاستفهام للإنكار قال لهم ذلك لما دعوه إلى عبادة الأصنام، ولما كان الإنكار لاتخاذ غير الله ولياً لا لاتخاذ الولي مطلقاً دخلت الهمزة على المفعول لا على الفعل والمراد بالولي هنا المعبود أي كيف اتخذ غير الله معبوداً بطريق الإستقلال أو الإشتراك. (فاطر السموات والأرض) أي خالقهما ومبدعهما (¬1) (وهو يطعم ولا يطعم) أي يرزق ولا يرزق وخص الإطعام دون غيره من ضروب الإنعام ¬

(¬1) ومنه ما روى البخاري (3/ 197) عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ " كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو -[113]- ينصرانه، أو يُمَجِّسانِهِ، كمثل البهيمة تنتج البهيمة، هل ترى فيها جدعاء " ورواه البخاري أيضاً (3/ 176): ومسلم في " صحيحه " (4/ 2047) بلفظ " ما من مولود إلا يولد على الفطرة " ثم يقول أبو هريرة: (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ... ) الآية. ورواه أحمد في " المسند " عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه. إما شاكراً، وإما كفوراً " وفي رواية لمسلم (4/ 2048) " ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة، حتى يعبر عنه لسانه " وفي رواية له أيضاً " حتى يبين عنه لسانه ".

لأن الحاجة إليه أمس. (قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم) أمره سبحانه بعدما تقدم من نفي اتخاذ غير الله ولياً أن يقول لهم ثانياً أنه مأمور بأن يكون أول من أسلم وجهه لله من قومه وأخلص من أمته، فهو من جملة أمته من حيث إنه مرسل لنفسه يعني يحب عليه الإيمان برسالة نفسه وبما جاء من الشريعة والأحكام كما أنه مرسل لغيره وهو أول من انقاد لهذا الدين، أو المعنى أول فريق أسلم وأفرد الضمير في أسلم باعتبار لفظ من، وقيل معنى أسلم استسلم لأمر الله. ثم نهاه عز وجل أن يكون من المشركين فقال: (ولا تكونن) أي وقيل لي ولا تكونن (من المشركين) أي في أمر من أمور الدين ومعناه أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك وقد جوز عطفه على الأمر.

15

(قل) أي جواباً ثالثاً (إني أخاف إن عصيت ربي) أي إن عصيته بعبادة غيره أو مخالفة أمره أو نهيه، والخوف توقع المكروه وقيل هو هنا بمعنى العلم أي اني أعلم إن عصيت ربي (عذاب يوم عظيم) وهو عذاب يوم القيامة.

16

(من يصرف عنه) قرأ أهل الحرمين يصرف على البناء للمفعول أي من يصرف عنه العذاب، وقرأ الكوفيون على البناء للفاعل فيكون الضمير لله، ومعنى (يومئذ) يوم العذاب العظيم (فقد رحمه) أي نجاه الله وأنعم عليه وأدخله الجنة (وذلك) أي فذلك يعني صرف العذاب أو الرحمة كل منهما (الفوز المبين) أي الظاهر الواضح.

وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)

17

(وإن يمسسك الله بضر) أي ينزل الله بك ضراً من فقر أو مرض أو شدة وبيه (فلا كاشف له إلا هو) أي فلا قادر على كشفه سواه (وإن يمسسك بخير) من رخاء أو عافية ونعمة، والخير اسم جامع لكل ما ينال الإنسان من لذة وفرح وسرور ونحو ذلك (فهو على كل شيء قدير) ومن جملة ذلك المس بالخير والشر، وهذا الخطاب وإن كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو عام لكل واحد. وعن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال لي: " يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف " (¬1)، أخرجه الترمذي وزاد فيه رزين تعرّف إلى الله في الرّخاء يعرفك في الشدة قال ابن الأثير: وقد جاء نحو هذا ومثله بطوله في مسند أحمد. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 7834.

18

(وهو القاهر فوق عباده) القهر الغلبة والقاهر الغالب وأقهر الرجل إذا صار مقهوراً ذليلاً، ومن الأول قوله: (وإنا فوقهم قاهرون) ومن الثاني (فأما

اليتيم فلا تقهر) قيل ومعنى فوق فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم لا فوقية المكان كما تقول السلطان فوق رعيته أي بالمنزلة والرفعة، وقيل هو صفة الاستعلاء الذي تفرد به سبحانه فهو على الذات وسمى الصفات وقال ابن جرير الطبري: معنى القاهر المتعبد خلقه العالي عليهم. وإنما قال فوق عباده لأنه تعالى وصف نفسه بقهره إياهم ومن صفة كل قاهر شيئاً أن يكون مستعلياً عليه انتهى، أي استعلاء يليق به وقيل هو القاهر مستعلياً أو غالباً ذكره أبو البقاء والمهدوي وفي القهر معنى زائدة ليس في القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد (وهو الحكيم) في أمره (الخبير) بأفعال عباده.

19

(قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم) الشيء يطلق على القديم والحادث والمحال والممكن، والمعنى أي شهيد أكبر شهادة فوضع شيء موضع شهيد، وقيل أن شيء هنا موضوع موضع اسم الله تعالى والمعنى الله أكبر شهادة أي إنفراده بالربوبية وقيام البراهين على توحيده أكبر شهادة وأعظم فهو شهيد بيني وبينكم. وقيل هو الجواب لأنه إذا كان الشهيد بينه وبينهم كان أكبر شهادة له - صلى الله عليه وسلم - وقيل: إنه قد تم الجواب عند قوله قل الله يعني الله أكبر شهادة ثم ابتدأ فقال شهيد أي هو شهيد بيني وبينكم. والمراد بشهادة الله إظهار المعجزة على يد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فإن حقيقة الشهادة ما بين به المدعى وهو كما يكون بالقول يكون بالفعل، ولا شك أن دلالة الفعل أقوى من دلالة القول لعروض الاحتمالات في الألفاظ دون الأفعال فإن دلالتها لا يعرض لها الاحتمال. وتكرير البين لتحقيق المقابلة. (وأوحى إلي) أي أوحى الله إلي (هذا القرآن) الذي تلوته عليكم (لأنذركم) أي لأجل أن أخوفكم (به) وأحذركم مخالفة أمر الله وهذا بمنزلة

التعليل لما قبله أي نزوله على شهادة من الله بأني رسوله، وقرئ أوحى على البنائين للفاعل والمفعول قال ابن عباس: لأنذركم به يعني أهل مكة (ومن بلغ) يعني من بلغ هذا القرآن من الناس فهو له نذير أي أنذر به كل من بلغ إليه موجود ومعدوم سيوجد في الأزمنة المستقبلة إلى يوم القيامة من العرب والعجم وغيرهم من سائر الأمم. وفي هذه الآية من الدلالة على شمول أحكام القرآن لمن سيوجد كشمولها لمن قد كان موجوداً وقت النزول ما لا يحتاج معه إلى تلك الخزعبلات المذكورة في علم أصول الفقه. وعن أنس قال: لما نزلت هذه الآية كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي وكل جبار يدعوهم إلى الله عز وجل، وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه. وأخرج أبو نعيم والخطيب وابن النجار عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من بلغه القرآن فكأنما شافهته به "، ثم قرأ هذه الآية، وعن محمد بن كعب القرظيّ قال: من بلغه القرآن فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي لفظ من بلغه القرآن حتى يفهمه ويعقله كان كمن عاين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه. وعن مجاهد قال: لأنذركم به يعني العرب ومن بلغ يعني العجم، قال السمين فيه ثلاثة أقوال (أحدها) لأنذر الذي بلغ القرآن (والثاني) لأنذر الذي بلغ الحلم (والثالث) لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " بلغوا عني ولو آية " (¬1) أخرجه البخاري وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ¬

(¬1) البخاري كتاب الأنبياء الباب 5 - الترمذي كتاب العلم الباب 12.

" نضر الله امرءاً سمع منا شيئاً فبلغه كما سمعه فرب مبلغ أوعى له من سامع " أخرجه الترمذي (¬1) وفي الباب أحاديث. وقال ابن عباس: تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم، أخرجه أبو داود موقوفاً، وقد امتثل بهذا الأمر عصابة أهل الحديث دون غيرهم كثر الله سوادهم ورفع عمادهم. (أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها والاستفهام للتوبيخ والتقريع على قراءة من قرأ بهمزتين على الأصل أو بقلب الثانية أي لا تنبغي ولا تصح منكم هذه الشهادة لأن المعبود واحد لا تعدد فيه، وأما من قرأ على الخبر فقد حقق عليهم شركهم، وإنما قال آلهة أخرى لأن الآلهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث كذا قال الفراء ومثله قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) وقال: فما بال القرون الأولى ولم يقل الأول ولا الأولين. (قل) فأنا (لا أشهد) بما تشهدون به أن معه آلهة أخرى بل أجحد ذلك وأنكره وذلك لكون هذه الشهادة باطلة ومثله فإن شهدوا فلا تشهد معهم (قل إنما هو إله واحد) لا شريك له وبذلك أشهد، وفي (ما) وجهان أظهرهما أنها كافة والثاني أنها موصولة قال أبو البقاء وهذا الوجه أليق بما قبله، قال السمين: ولا أدري ما وجه ذلك يعني الأولى هو الوجه الأول (وأني بريء مما تشركون) به وما موصولة أو مصدرية أي من الأصنام التي تجعلونها آلهة أو من إشراككم بالله. ¬

(¬1) ابن ماجة كتاب المقدمة الباب 18 وكتاب المناسك الباب 76.

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (22)

20

(الذين آتيناهم الكتاب) وهم علماء اليهود والنصارى الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والتعريف للجنس فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما (يعرفونه) أي يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال به جماعة من السلف وإليه ذهب الزجاج، وقيل يعرفون القرآن معرفة محققة بحيث لا يلتبس عليهم منه شيء وقيل يعود الضمير على التوحيد لدلالة قوله: (إنما هو إله واحد) أو على كتابهم أو على جميع ذلك وأفرد الضمير اعتباراً بالمعنى كأنه قيل يعرفون ما ذكرنا وقصصنا. (كما يعرفون أبناءهم) بيان لتحقق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك فيها فإن معرفة الآباء للأبناء هي البالغة إلى غاية الإيقان إجمالاً وتفصيلاً (الذين خسروا أنفسهم) أي أهلكوها وغبنوها وأوبقوها في نار جهنم بأنكارهم نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل المعنى أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم. ومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن الله جعل لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، ذكره الكرخي (فهم) بعنادهم وتمردهم (لا يؤمنون) بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البيضاوي: الفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم

فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والإنهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان.

21

(ومن) أي لا أحد (أظلم ممن افترى) أي اختلق فجمع بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل افتراؤه على الله بما هو باطل غير ثابت وتكذيبه ما هو ثابت بالحجة، هذا ما جرى عليه الكشاف وغيره من جمعه بين الأمرين، أو لأن المعنى لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف بمن جمع بينهما. (على الله كذباً) فزعم أن له شريكاً من خلقه وإلهاً يعبدونه كما قال المشركون من عباد الأصنام أو قال إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما كما قالت اليهود إن عزيراً ابن الله، وقالت النصارى أن له صاحبة وولداً. (أو كذب بآياته) التي يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة، قال عكرمة: قال النضر بن عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله هذه الآية (إنه) الضمير للشأن (لا يفلح الظالمون) القائلون على الله الكذب والمفترون عليه الباطل.

22

(ويوم نحشرهم جميعاً) منصوب بفعل مضمر بعده أي ويوم نحشرهم كان كيت وكيت وحذف ليكون أبلغ في التخويف أو التقدير أنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم، قاله محمد بن جرير وقيل التقدير أنظر كيف كذبوا وفيه بعد، وقيل اتقوا يوم نحشرهم، والأول أولى والضمير يعود على المفترين بالكذب، وقيل على الناس كلهم فيندرج هؤلاء فيهم والتوبيخ مختص بهم وقيل يعود على المشركين وأصنامهم. (ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤهم) الاستفهام للتقريع والتوبيخ للمشركين، وأضاف الشركاء إليهم لأنها لم تكن شركاء لله في الحقيقة بل لما سموها شركاء أضيفت إليهم وهي ما كانوا يعبدونه من دون الله أو مع الله (الذين كنتم تزعمون) أي تزعمونها شركاء، ووجه التوبيخ أن معبوداتهم غابت عنهم في تلك الحال أو كانت حاضرة، ولكن لا ينتفعون بها بوجه من الوجوه فكان وجودها كعدمها.

ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)

23

(ثم لم تكن فتنتهم) أي معذرتهم قاله ابن عباس: أي التي يتوهمون أن يتخلصوا بها أو حجتهم والفتنة التجربة من فتنت الذهب إذا خلصته، قال الزجاج: فيه معنى لطيف وذلك أن الرجل يفتتن بمحبوب ثم تصيبه فيه محنة فيتبرأ منه فيقال لم تكن فتنته إلا بذلك المحبوب، فكذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام ثم لما رأوا العذاب تبرؤوا منها، وقيل المراد بالفتنة هنا جوابهم وسماه فتنة لأنه لم يكن جوابهم إلا الجحود والتبري فكان هذا الجواب فتنة لكونه كذباً. (إلا أن قالوا) يعني المنافقين والمشركين قالوا: وهم في النار هلم فلنكذب فلعله أن ينفعنا والاستثناء مفرغ (والله ربنا ما كنا مشركين) قال القاضي: يكذبون ويحلفون عليه مع علمهم بأنه لا ينفع من فرط الحيرة والدهشة، قال الزجاج: تأويل هذه الآية أن الله عز وجل أخبر بقصص المشركين وافتتانهم، ثم أخبر أن فتنتهم لم تكن حين رأوا الحقائق إلا أن انتفوا من الشرك، ونظير هذا في اللغة أن ترى إنساناً يحب غاوياً فإذا وقع في هلكه تبرأ منه فتقول ما كانت محبتك إياه إلا أن تبرأت منه انتهى. فالمراد بالفتنة على هذا كفرهم أي لم تكن عاقبة كفرهم الذي افتخروا به وقاتلوا عليه إلا ما وقع منهم من الجحود والحلف على نفيه بقولهم والله الخ.

24

(انظر) يا محمد بعين البصيرة والتأمل إلى حال هؤلاء المشركين (كيف

كذبوا على أنفسهم) بإنكار ما وقع منهم في الدنيا من الشرك واعتذارهم بالباطل، وفي البيضاوي وحمله على كذبهم في الدنيا تعسف يخل بالنظم (وضل عنهم) أي زال وذهب وتلاشى وبطل (ما كانوا يفترون) أي ما يظنونه من أن الشركاء يقربونهم إلى الله، هذا على أن ما مصدرية وهو قول ابن عطية: أي ضل عنهم افتراؤهم، وقيل هي موصولة عبارة عن الآلهة أي فارقهم ما كانوا يعبدون من دون الله فلم يغنِ عنهم شيئاً. وهذا تعجيب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حالهم المختلفة، ودعواهم المتناقضة، وقيل لا يجوز أن يقع منهم كذب في الآخرة لأنها دار لا يجرى فيها غير الصدق، فالمعنى نفي شركهم عند أنفسهم وفي اعتقادهم. ويؤيد هذا قوله تعالى: (ولا يكتمون الله حديثاً).

25

(ومنهم من) هذا كلام مبتدأ لبيان ما كان يصنعه بعض المشركين في الدنيا، والضمير عائد إلى الذين أشركوا أي وبعض الذين أشركوا (يستمع إليك) حين تتلو القرآن قال مجاهد وهم قريش وقال هنا يستمع وفي يونس (يستمعون) بالجمع لأن ما هنا في قوم قليلين فنزلوا منزلة الواحد، وما في يونس في جميع الكفار فناسب الجمع فأعيد الضمير على معنى (من) وفي الأول على لفظها وإنما لم يجمع ثم في قوله ومنهم من ينظر إليك لأن الناظرين إلى المعجزات أقل من المستمعين للقرآن. (وجعلنا على قلوبهم أكنة) أي فعلنا ذلك بهم مجازاة على كفرهم، والأكنة الأغطية جمع كنان وهو الوعاء الجامع والغطاء الساتر كالأسنة والسنان كننت الشيء في كنة إذا جعلته فيها وأكننته أخفيته قال مجاهد في أكنة كالجعبة للنبل وجعل هنا للتصيير وبمعنى خلق أو ألقى، والجملة مستأنفة للإخبار بمضمونها أو حالية أي وقد جعلنا على قلوبهم أغطية كراهة (أن يفقهوه) أي القرآن أو لئلا يفقهوه.

(وفي آذانهم وقراً) أي صمماً وثقلاً يقال وقرت أذنه تقر أي صمت وقرئ وقر بكسر الواو أي جعل في آذانهم ما سدها عن استماع القول على التشبيه بوقر البعير والحمار وهو مقدار ما يطيق أن يحمله. والحاصل أن المادة تدل على الثقل والرزانة ومنه الوقار للتؤدة والسكينة، وذكر الوقر والأكنة تمثيل لفرط بعدهم عن فهم الحق وسماعه كأن قلوبهم لا تعقل وأسماعهم لا تدرك قال قتادة: يسمعون بآذانهم ولا يعون منه شيئاً كمثل البهيمة التي لا تستمع النداء ولا تدري ما يقال لها. (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) أي بشيء من الآيات التي يرونها من المعجزات ونحوها لعنادهم وتمردهم (حتى) هي الابتدائية التي تقع بعدها الجمل والمعنى أنهم بلغوا من الكفر والعناد إلى أنهم (إذا جاءوك يجادلونك) أي مجادلين مخاصمين لا مؤمنين بها ولم يكتفوا بمجرد عدم الإيمان بل (يقول الذين كفروا إن هذا) أي ما هذا القرآن (إلا أساطير الأولين) وقيل هي الجارة والمعنى حتى وقت مجيئهم مجادلين يقولون ذلك، وهذا غاية التكذيب ونهاية العناد. والأساطير قال الزجاج: واحدها أسطار، وقال الأخفش أسطورة، وقال أبو عبيدة: أسطارة وقال النحاس: أسطور، وقال القشيري: أسطير، وقيل هو جمع لا واحد له كعبابيد وأبابيل، وظاهر كلام الراغب أنه جمع سطر، والمعنى ما سطره الأولون في الكتب من القصص والأحاديث قال الجوهري الأساطير الأباطيل والترهات، وقال السدي أساجيع الأولين، وقال ابن عباس: أحديث الأولين، وقال قتادة: كذب الأولين وباطلهم.

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

26

(وهم ينهون عنه وينأون عنه) أن ينهى المشركون الناس عن الإيمان بالقرآن أو بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويبعدونهم في أنفسهم عنه، وقال ابن عباس: لا يلقونه ولا يدعون أحداً يأتيه، وعن محمد بن الحنفية قال: كفار مكة كانوا يدفعون الناس عنه ولا يجيبونه، وعن سعيد بن هلال قال: نزلت في عمومة النبي - صلى الله عليه وسلم - وكانوا عشرة فكانوا أشد الناس معه في العلانية وأشد الناس عليه في السر. وعن ابن عباس قال: ينهون عنه الناس أن يؤمنوا به وينأون عنه أي يتباعدون بأنفسهم فلا يؤمنون، وعنه قال: نزلت في أبي طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتباعد عما جاء به وعن القاسم بن المخيمرة وعطاء نحوه والأول أولى. (وإن) أي ما (يهلكون) بما يقع منهم من النهي والنأي (إلا أنفسهم) بتعريضها لعذاب الله وسخطه (و) الحال أنهم (ما يشعرون) بهذا البلاء الذي جلبوه على أنفسهم.

27

(ولو ترى) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من تتأتى منه الرؤية، وعبر عن المستقبل أي يوم القيامة بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه كما ذكره علماء المعاني (إذ وقفوا على النار) معناه حبسوا عليها يقال وقفته وقفاً ووقف وقوفاً وقيل معناه ادخلوها فيكون (على) بمعنى في، وقيل هي بمعنى الباء أي وقفوا بالنار أي بقربها معاينين لها، ومفعول ترى وجواب لو محذوف ليذهب السامع كل مذهب والتقدير لو تراهم إذ وقفوا على النار لرأيت منظراً هائلاً وحالاً

فظيعاً وأمراً عجيباً. (فقالوا يا ليتنا نرد) إلى الدنيا (ولا نكذب بآيات ربنا) أي الناطقة بأحوال النار وأهوالها الآمرة باتقائها إذ هي التي تخطر حينئذ ببالهم ويتحسرون على ما فرطوا في حقها أو بجميع آياته المنتظمة لتلك الآيات انتظاماً أولياً (ونكون من المؤمنين) (¬1) بها والعاملين بما فيها والأفعال الثلاثة داخلة تحت التمني أي تمنوا الرد، وأن لا يكذبوا، وأن يكونوا من المؤمنين برفع الأفعال الثلاثة كما هي قراءة الكسائي وأهل المدينة، وقرئ بنصب نكذب ونكون بإضمار أن بعد الواو على جواب التمني، واختار سيبويه القطع في ولا نكذب فيكون غير داخل في التمني، والتقدير ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب أي لا نكذب رددنا أو لم نرد، قال وهو مثل دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني. واستدل أبو عمرو بن العلاء على خروجه من التمني بقوله: (وإنهم لكاذبون) لأن الكذب في التمني لا يكون، وقرأ ابن عامر ونكون بالنصب وأدخل الفعلين الأولين في التمني، وقرأ أبي ولا نكذب بآيات ربنا أبداً. وقرأ ¬

(¬1) إن أبا طالب كان ينهى المشركين أن يؤذوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويتباعد عما جاء به، فنزلت فيه هذه الآية، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وهو قول عمرو بن دينار، وعطاء بن دينار، والقاسم ابن مخيمرة. وقال مقاتل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أبي طالب يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون بالنبي - صلى الله عليه وسلم - سوءاً، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم، فيقتلوه، فقال: ما لي عنه صبر؛ فقالوا: ندفع إليك من شبابنا من شئت مكان ابن أخيك؛ فقال أبو طالب: حين تروح الإبل، فإن حنت ناقة إلى غير فصيلها دفعته إليكم، وقال: والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا وعرضت ديناً لا محالة أنه ... من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً فنزلت فيه هذه الآية.

هو وابن مسعود فلا نكذب بالفاء والنصب، والفاء ينصب بها في جواب التمني كما ينصب بالواو كما قال الزجاج، وقال أكثر البصريين لا يجوز الجواب إلا بالفاء.

28

(بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل) هذا إضراب عما يدل عليه التمني من الوعد بالإيمان والتصديق أي لم يكن ذلك التمني منهم عن صدق نية وخلوص اعتقاد، بل هو بسبب آخر وهو أنه بدا لهم ما كانوا يجحدون من الشرك وعرفوا أنهم هالكون بشركهم فعدلوا إلى التمني والمواعيد الكاذبة، وقيل ما كانوا يخفون من النفاق والكفر بشهادة جوارحهم عليهم. وقيل ما كانوا يكتمون من أعمالهم القبيحة كما قال تعالى: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وقال المبرد: بدا لهم جزاء كفرهم الذي كانوا يخفونه وهو مثل القول الأول، وقيل المعنى أنه ظهر للذين اتبعوا الغواة ما كانوا يخفونه عنهم من أمر البعث والقيامة. (ولو ردوا) إلى الدنيا حسبما تمنوا (لعادوا لما نهوا عنه) من القبائح التي رأسها الشرك كما عاين إبليس ما عاين من آيات الله ثم عاند - عن قتادة قال: لو وصل الله لهم دنيا كدنياهم التي كانوا فيها لعادوا إلى أعمالهم السوء التي كانوا نهوا عنها، وقال ابن عباس: أخبر الله سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى أي ولو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى كما حيل بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. (وإنهم لكاذبون) أي متصفون بهذه الصفة لا ينفكون عنها بحال من الأحوال ولو شاهدوا ما شاهدوا، وقيل كاذبون فيما أخبروا به عن أنفسهم من الصدق والإيمان.

وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (30)

29

(وقالوا إن) ما (هي إلا حياتنا الدنيا) أي ليس لنا غير هذه التي نحن فيها (وما نحن بمبعوثين) بعد الموت ولم يكتفوا بمجرد الإخبار بذلك حتى أبرزوها محصورة في نفي وإثبات وهي ضمير مبهم يفسره خبره أي لا يعلم ما يراد به إلا بذكر خبره وهو من الضمائر التي يفسرها ما بعدها لفظاً ورتبة، قال السمين وهذا من شدة تمردهم وعنادهم حيث يقولون هذه المقالة على تقدير أنهم رجعوا إلى الدنيا بعد مشاهدتهم للبعث.

30

(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) قد تقدم تفسيره أي حبسوا على ما يكون من أمر ربهم فيهم، وقيل على بمعنى عند، وقال مقاتل: عرضوا على ربهم وجواب لو محذوف أي لشاهدت أمراً عظيماً، وقيل: إنه من باب المجاز لأنه كناية عن الحبس للتوبيخ كما يوقف العبد بين يدي سيده ليعاتبه، ذكر ذلك الزمخشري. والاستفهام في (قال أليس هذا بالحق) للتقريع والتوبيخ أي أليس هذا البعث الذي تنكرونه كائناً موجوداً وهذا الجزاء الذي تجحدونه حاضراً والجملة مستأنفة أو حالية كأنه قيل وقفوا عليه قائلاً لهم أليس الخ (قالوا بلى وربنا) اعترفوا بما أنكروا وأكدوا اعترافهم بالقسم (قال فذوقوا العذاب) الذي تشاهدونه وهو عذاب النار، وإنما خص لفظ الذوق لأنهم في حال يجدون ألم العذاب وجدان الذائق في شدة الإحساس (بما كنتم تكفرون) أي بسبب جحدكم وكفركم بالبعث بعد الموت أو بكل شيء مما أمرتم بالإيمان به في دار الدنيا.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31) وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32)

31

(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) هم الذين تقدم ذكرهم وحكيت أحوالهم والمراد تكذيبهم بالبعث وقيل تكذيبهم بالجزاء والأول أولى لأنهم الذين قالوا قريباً إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، وهذا الخسران هو فوت الثواب العظيم في دار النعيم المقيم، وحصول العذاب الأليم في دركات الجحيم. (حتى) غاية للتكذيب لا للخسران فإنه لا غاية له (إذا جاءتهم الساعة) القيامة وسميت ساعة لسرعة الحساب فيها أو لأنها تفجأ الناس (بغتة) أي فجأة في ساعة لا يعلمها أحد إلا الله، يقال بغتهم الأمر يبغتهم بغتاً وبغتة، قال سيبويه: وهي مصدر ولا يجوز أن يقاس عليه فلا يقال جاء فلان سرعة والبغت والبغتة مفاجأة الشيء بسرعة من غير اعتداد له ولا جعل بال منه، حتى لو استشعر الإنسان به ثم جاء بسرعة لا يقال فيه بغتة. والألف واللام في الساعة للغلبة كالنجم والثريا لأنها غلبت على يوم القيامة وقيل المراد بالساعة وقت مقدمات الموت فالكلام على حذف المضاف أي جاءتهم مقدمات الساعة وهي الموت وما فيه من الأهوال، وقيل وهذا التحسر وإن كان يعتريهم عند الموت لكن لما كان الموت من مبادي الساعة سمي باسمها ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم: " من مات فقد قامت قيامته " والأول أظهر. (قالوا) أي منكرو البعث وهم كفار قريش. ومن سلك سبيلهم في الكفر والاعتقاد (يا حسرتنا) أوقعوا النداء على الحسرة وليست بمنادى في الحقيقة ليدل ذلك على كثرة تحسرهم، والمعنى يا حسرتنا احضري فهذا أوانك

وكذا قال سيبويه في هذا النداء وأمثاله كقولهم يا للعجب ويا للرجال، وقيل هو تنبيه للناس على عظم ما يحل بهم من الحسرة كأنهم قالوا يا أيها الناس تنبهوا على ما نزل بنا من الحسرة، والحسرة الندم الشديد والتلهف والتحسر على الشيء الفائت والمراد تنبيه المخاطبين على وقوع الحسرة بهم. (على ما فرطنا فيها) أي على تفريطنا في الساعة أي في الاعتداد لها والاحتفال بشأنها والتصديق بها، ومعنى فرطنا ضيعنا وأصله التقدم يقال فرط فلان أي تقدم وسبق إلى الماء ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وأنا فرطكم على الحوض " (¬1) ومنه الفارط أي المتقدم فكأنهم أرادوا بقولهم على ما قدمنا من عجزنا عن التصديق بالساعة والاعتداد لها وقيل التفريط، التقصير في الشيء مع القدرة على فعله. وقال ابن جرير الطبري: إن الضمير في فرطنا فيها يرجع إلى الصفقة وذلك أنهم لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا في صفقتنا وإن لم تذكر في الكلام فهو دال عليها لأن الخسران لا يكون إلا فيها وقيل الضمير راجع إلى الحياة أي على ما فرطنا في حياتنا وقيل إلى الدنيا لأنها موضع التفريط في الأعمال الصالحة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والخطيب بسند صحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله يا حسرتنا قال: " الحسرة أن يرى أهل النار منازلهم من الجنة فتلك الحسرة ". (وهم يحملون أوزارهم) أي يقولون تلك المقالة والحال أنهم يحملون ذنوبهم وأثقال خطاياهم. والأوزار جمع وزر، يقال وزر يزر فهو وازر وموزور، وأصله من الوزر، قال أبو عبيدة: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيها ¬

(¬1) النسائي كتاب الطهارة باب 109.

المتاع احمل وزرك أي ثقلك ومنه الوزير لأنه يحمل أثقال ما يسند إليه من تدبير الولاية. والحاصل أن هذه المادة تدل على الرزانة والعظمة والمعنى أنها لزمتهم الآثام فصاروا مثقلين بها. (على ظهورهم) جعلها محمولة على الظهور تمثيل ومجاز عما يقاسونه من شدة العذاب وقيل المعنى أوزارهم لا تزايلهم، وقيل خص الظهر لأنه يطيق من الحمل ما لا يطيقه من سائر الأعضاء كالرأس والكاهل (ألا ساء ما يزرون) أي بئس ما يحملون، وقال قتادة يعملون وقال ابن عباس بئس الحمل حملوا.

32

(وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو) أي وما متاع الدنيا على حذف مضاف أو ما الدنيا من حيث هي إلا باطل وغرور لا بقاء بها، والقصد بالآية تكذيب الكفار في قولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا واللعب معروف وكذلك اللهو، وكل ما يشغلك فقد ألهاك، وقيل أصله الصرف عن الشيء ورد بأن اللهو بمعنى الصرف لامه ياء يقال لهيت عنه ولام اللهو واو يقال لهوت بكذا قال: ابن عباس يريد حياة أهل الشرك والنفاق، وقيل هذا عام في حياة المؤمن والكافر. وقيل: إن أمر الدنيا والعمل لها لعب ولهو فأما فعل الخير والعمل الصالح فهو من فعل الآخرة وإن كان وقوعه في الدنيا، وقيل غير ذلك، والأول أولى وقيل اللعب ما يشغل النفس عما تنتفع به، واللهو صرفها عن الجد إلى الهزل. (وللدار الآخرة) يعني الجنة التي هي محل الحياة الأخرى، وقرئ ولدار الآخرة بالإضافة وفيه تأويلات ذكرهما السمين، واللام فيه لام القسم وسميت آخرة لتأخرها عن الدنيا أي هي (خير) من الحياة الدنيا لأن منافعها خالصة عن المضار، ولذاتها غير متعقب: للآلام، بل مستمرة على الدوام (للذين يتقون) الشرك واللعب واللهو أو المعاصي، وفيه دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو (أفلا تعقلون) أن الآخرة خير من الدنيا فتعملون لها.

33

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون) هذا الكلام مبتدأ مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وإله وسلم عما ناله من الغم والحزن بتكذيب الكفار له، ودخول قد للتكثير فإنها قد تأتي لإفادته كما تأتي رب. والضمير في أنه للشأن. (فإنهم) الفاء للتعليل (لا يكذبونك) في السر لعلمهم أنك صادق. وقرئ مشدداً ومخففاً، ومعنى المشدد لا ينسبونك إلى الكذب ولا يردون عليك ما قلته في السر، لأنهم عرفوا أنك صادق، ومعنى المخفف أنهم لا يجدونك كذاباً يقال أكذبته وجدته كذاباً وأبخلته وجدته بخيلاً، وحكى الكسائي عن العرب أكذبت الرجل أخبرت أنه جاء بالكذب، وكذبته أخبرت أنه كاذب. وقال الزجاج: كذبته إذا قلت له كذبت، وأكذبته إذا أردت أن ما جاء به كذب. والمعنى أن تكذيبهم ليس يرجع إليك فإنهم يعترفون لك بالصدق ولكن تكذيبهم راجع إلى ما جئت به ولهذا قال: (ولكن الظالمين) وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة التوبيخ لهم والإزراء عليهم، ووصفهم بالظلم لبيان أن هذا الذي وقع منهم ظلم بين (بآيات الله) أي القرآن (يجحدون) في العلانية، كما قال تعالى (وجحدوا بها واستيقنته أنفسهم ظلما وعلوا) قال قتادة يعلمون أنك رسول الله ويجحدون. وعن أبي يزيد المدني أن أبا جهل قال: والله إني لأعلم أنه صادق، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف. والجحد والجحود نفي ما في القلب إثباته أو إثبات مت في القلب نفيه، وقيل الجحد إنكار المعرفة، فليس مرادفا للنفي من كل وجه

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

34

(ولقد كذبت رسل من قبلك) هذا من جملة التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك لأن عموم البلوى مما يهون أمرها بعض تهوين وتصدير الكلمة بالقسم لتأكيد التسلية أي: إن هذا الذي وقع من هؤلاء إليك ليس هو بأول ما صنعه الكفار مع من أرسله الله إليهم، بل قد وقع التكذيب لكثير من الرسل المرسلين من قبلك. (فصبروا على ما كذبوا به) أي على تكذيب قومهم إياهم (وأوذوا) أي وصبروا على أذاهم (حتى أتاهم نصرنا) بإهلاك من كذبهم، والظاهر أن هذه الغاية متعلقة بقوله فصبروا أي كان غاية صبرهم نصر الله إياهم. وفيه التفات من ضمير الغيبة إلى التكلم إذ قبله بآيات الله فلو جاء على ذلك لقيل نصره وفائدة الالتفات إسناد النصر إلى المتكلم المشعر بالعظمة أي فاقتد بهم ولا تحزن، واصبر كما صبروا حتى يأتيك نصرنا كما أتاهم فإنا لا نخلف الميعاد، ولكل أجل كتاب [إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا] [ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون] [كتب الله لأغلبن أنا ورسلي]. (ولا مبدل لكلمات الله) بل وعده كائن وأنت منصور على المكذبين ظاهر عليهم وقد كان ذلك ولله الحمد (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) ما

جاءك من تجرئ قومهم عليهم في الابتداء وتكذيبهم لهم ثم نصرهم عليهم في الانتهاء وأنت ستكون عاقبة هؤلاء المكذبين لك كعاقبة المكذبين للرسل فيرجعون إليك ويدخلون في الدين الذي تدعوهم إليه طوعاً أو كرهاً. وهذه جملة قسمية جيء بها لتحقيق ما منحوا من النصر، وتأكيد ما في ضمنه من الوعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لتقرير جميع ما ذكر من تكذيب الأمم وما ترتب عليه من الأمور، قال الأخفش: من هنا صلة أي زائدة، وقال غيره بل هي للتبعيض لأن الواصل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصص بعض الأنبياء وأخبارهم، وسيبويه لا يجيز زيادتها في الواجب.

35

(وإن كان كبر عليك إعراضهم) كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبر عليه إعراض قومه ويتعاظمه ويحزن له، فبين له الله سبحانه أن هذا الذي وقع منهم من توليهم عن الإجابة له والإعراض عما دعا إليه هو كائن لا محالة لما سبق في علم الله عز وجل، وليس في استطاعته وقدرته إصلاحهم وإجابتهم قبل أن يأذن الله بذلك. ثم علق ذلك بما هو محال فقال: (فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض) فتأتيهم بآية منه (أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية) منها فافعل، ولكنك لا تستطيع ذلك فدع الحزن ولا تذهب نفسك عليهم حسرات وما أنت عليهم بمصيطر، والنفق السرب والمنفذ ومنه النافقاء لجحر اليربوع ومنه المنافق وقد تقدم في البقرة ما يغني عن الإعادة، والسلم الدرج الذي يرتقي عليه وهو مذكر لا يؤنث وقال الفراء أنه يؤنث قال الزجاج: وهو مشتق من السلامة لأنه يسلك به إلى موضع الأمن وقيل المصعد وقيل السبب. ثم قيل: إن الخطاب وإن كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فالمراد به أمته لأنها كانت تضيق صدورهم بتمرد الكفرة وتصميمهم على كفرهم، ولا يشعرون أن لله

سبحانه في ذلك حكمة لا تبلغها العقول ولا تدركها الأفهام، فإن الله سبحانه لو جاء لرسوله- صلى الله عليه وسلم - بآية تضطرهم إلى الإيمان لم يبق للتكليف الذي هو الابتلاء والامتحان معنى (¬1). ولهذا قال: (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) ولكنه لم يشأ ذلك ولله الحكمة البالغة (فلا تكونن من الجاهلين) فإن شدة الحرص والحزن لإعراض الكفار عن الإجابة قبل أن يأذن الله بذلك هو صنيع أهل الجهل ولست منهم فدع الأمور مفوضة إلى عالم الغيب والشهادة فهو أعلم بما فيه المصلحة، ولا تحزن لعدم حصول ما يطلبونه من الآيات التي لو بدا لهم بعضها لكان إيمانهم بها اضطراراً لخروجه عن الحكمة التشريعية المؤسسة على الاختيار، وإنما نهاه عن هذه وغلظ له الخطاب تبعيداً له عن هذه الحالة. ¬

(¬1) روى البخاري في " صحيحه " (6/ 456) و (7/ 126) و (12/ 281) عن خباب بن الأرتّ رضي الله عنه قال: شكونا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: " كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ".

36

(إنما يستجيب) لك إلى ما تدعو إليه (الذين يسمعون) سماع تفهم بما تقتضيه العقول وتوجبه الأفهام، وهؤلاء ليسوا كذلك بل هم بمنزلة الموتى لا يسمعون ولا يعقلون لما جعلنا على قلوبهم من الأكنة وفي آذانهم من الوقر، ولهذا قال: (والموتى) شبههم بالأموات بجامع أنهم جميعاً لا يفهمون الصواب ولا يعقلون الحق (يبعثهم الله) يوم القيامة أي: إن هؤلاء لا يلجئهم الله إلى الإيمان وإن كان قادراً على ذلك كما يقدر على بعثه الموتى للحساب (ثم إليه ترجعون) فيجازي كلاًّ بما يليق به كما تقتضيه حكمته البالغة.

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

37

(وقالوا لولا نزّل عليه آية من ربه) هذا كان منهم تعنتاً ومكابرة حيث لم يعتدوا بما قد أنزله الله على رسوله من الآيات البينات التي من جملتها القرآن، وقد علموا أنهم قد عجزوا عن أن يأتوا بسورة مثله، ومرادهم بالآية هنا هي التي تضطرهم إلى الإيمان كنزول الملائكة بمرأى منهم ومسمع أو نتق الجبل كما وقع لبني إسرائيل فأمره الله سبحانه أن يجيبهم فقال. (قل إن الله قادر على أن ينزل) على رسوله (آية) تضطرهم إلى الإيمان ولكنه ما نزل ذلك لتظهر فائدة التكليف الذي هو الابتلاء والامتحان وأيضاً لو أنزل آية كما طلبوا لم يمهلهم بعد نزولها بل سيعاجلهم بالعقوبة إذا لم يؤمنوا قال الزجاج: طلبوا أن يجمعهم على الهدى (ولكن أكثرهم لا يعلمون) أن الله قادر على ذلك وأنه تركه لحكمة بالغة لا تبلغها عقولهم، وأن نزولها بلاء عليهم لعدم نفعهم ووجوب هلاكهم إن جحدوا كما هو سنة الله.

38

(وما من دابة) تقع على المذكر والمؤنث من دب يدب فهو داب إذا مشى مشياً فيه تقارب خطو وقد تقدم بيان ذلك في البقرة، وهذا كلام مستأنف مسوق لبيان كمال قدرته وشمول علمه وسعة تدبيره ليكون كالدليل على أنه قادر على تنزيل الآية، وإنما لم ينزلها محافظة على الحكم البالغة (في الأرض) إنما خص ما في الأرض بالذكر دون ما في السماء وإن كان ما في السماء مخلوقاً له لأن الاحتجاج بالمشاهد أظهر وأولى مما لا يشاهد. (ولا طائر يطير) يقال طار إذا أسرع قال أهل العلم جميع ما خلق الله

لا يخرج عن هاتين الحالتين إما أن يدب على الأرض أو يطير في الهواء حتى ألحقوا حيوان الماء بالطير، لأن الحيتان تسبح في الماء كما أن الطير يسبح في الهواء، وذكر (بجناحية) لدفع الإبهام لأن العرب تستعمل الطيران لغير الطير كقولهم طر في حاجتي أي أسرع. وقيل إن اعتدال الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران ومع عدم الاعتدال يميل فأعلمنا سبحانه أن الطيران بالجناحين، وقيل ذكر الجناحين للتأكيد كضرب بيده وأبصر بعينيه ونحو ذلك، والجناح أحد ناحيتي الطير الذي يتمكن به من الطيران في الهواء وأصله الميل إلى ناحية من النواحي، والمعنى ما من دابة من الدواب التي تدب في أي مكان من أمكنة الأرض ولا طائر يطير في أي ناحية من نواحيها. (إلا أمم أمثالكم) أي طوائف متخالفة وجماعات كل أمة منها مثلكم خلقهم الله كما خلقكم ورزقهم كما رزقكم، داخلة تحت علمه وتقديره وإحاطته بكل شيء وقيل أمثالكم في ذكر الله والدلالة عليه، وقيل أمثالكم في كونهم محشورين، روي ذلك عن أبي هريرة. وقال سفيان ابن عيينة: أي ما من صنف من الدواب والطير إلا في الناس شبه منه فمنهم من يعدو كالأسد، ومنهم من يشره كالخنزير، ومنهم من يعوي كالكلب، ومنهم من يزهو كالطاووس، وقيل أمثالكم في أن لها أسماء تعرف بها قاله مجاهد، وقال الزجاج: أمثالكم في الخلق والرزق والموت والبعث والاقتصاص والأولى أن تحمل المماثلة على كل ما يمكن وجود شبه فيه كائناً ما كان. وعن قتادة قال: الطير أمة والأنس أمة والجن أمة، وعن السدي قال: خلق أمثالكم وعن ابن جريج قال الذرة فما فوقها من ألوان ما خلق الله من

الدواب، ويدل على أن كل جنس من الدواب أمة ما روى عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم "، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (¬1). (ما فرطنا) أي ما أغفلنا ولا أهملنا ولا ضيعنا (في الكتاب من) مزيدة لاستغراق (شيء) والجملة اعتراضية مقررة لمضمون ما قبلها، والمراد بالكتاب اللوح المحفوظ فإن الله أثبت فيه جميع الحوادث، وعلى هذا فالعموم ظاهر، وقيل المراد به القرآن أي ما تركنا في القرآن من شيء من أمر الدين إما تفصيلاً أو إجمالاً، ومثله قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء) وقال: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم). ومن جملة ما أجمله في الكتاب العزيز قوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) فأمر في هذه الآية باتباع ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكل حكم سنه الرسول لأمته قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز بهذه الآية وبنحو قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) وبقوله: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة). (ثم إلى ربهم يحشرون) يعني الأمم المذكورة من الدواب والطير، وضميرها بصيغة جمع العقلاء لإجرائها مجراهم في وجوه المماثلة السابقة، وفيه دلالة على أنها تحشر كما يحشر بنو آدم وقد ذهب إلى هذا جمع من العلماء ومنهم أبو ذر وأبو هريرة والحسن وغيرهم، وذهب ابن عباس إلى أن حشرها موتها وبه قال الضحاك والأول أرجح للآية ولما صح في السنة المطهرة من أنه يقاد ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 5197.

يوم القيامة للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ولقول الله تعالى: (وإذا الوحوش حشرت). وذهبت طائفة من العلماء إلى أن المراد بالحشر المذكور في الآية حشر الكفار، وما تخلل كلام معترض قالوا وأما الحديث فالمقصود به التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، واستدلوا أيضاً بأن في هذا الحديث خارج الصحيح عن بعض الرواة زيادة ولفظه " حتى يقاد للشاة الجلحاء من القرناء وللحجر لما ركب على الحجر وللعود لما خدش العود " قالوا والجمادات لا يعقل خطابها ولا ثوابها ولا عقابها. وعن أبي هريرة قال: ما من دابة ولا طائر إلا سيحشر إلى يوم القيامة ثم يقتص لبعضها من بعض حتى يقتص للجلحاء منِ ذات القرن ثم يقال لها كوني تراباً فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً وإن شئتم فاقرأوا (ما من دابة في الأرض) الآية وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " (¬1). ¬

(¬1) الطبري 11/ 347، والحاكم 2/ 316 وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. وأورده ابن كثير في " تفسيره " 2/ 131 ثم قال: وقد روي هذا مرفوعاً في حديث الصور، وخرجه السيوطي في " الدر المنثور " 3/ 11 وزاد نسبته لأبي عبيد وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وروى مسلم في " صحيحه " 4/ 1997 عن أبي هريرة مرفوعاً " لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " والجلحاء: الشاة إذا لم تكن ذات قرن، والقرناء: الشاة الكبيرة القرن.

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (39) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40)

39

(والذين كذبوا بآياتنا) أي القرآن (صم وبكم) أي لا يسمعون بأسماعهم ولا ينطقون بألسنتهم، نزلهم بمنزلة من لا يسمع ولا ينطق لعدم قبولهم لما ينبغي قبوله من الحجج الواضحة والدلائل الصحيحة، وقال أبو علي: يجوز أن يكون صممهم وبكمهم في الآخرة. (في الظلمات) أي في ظلمات الكفر والجهل والحيرة والعناد والتقليد لا يهتدون لشيء مما فيه صلاحهم، والمعنى كائنين في الظلمات التي تمنع من إبصار المبصرات فضموا إلى الصمم والبكم عدم الانتفاع بالأبصار لتراكم الظلمة عليهم فكانت حواسهم كالمسلوبة التي لا ينتفع بها بحال، وقد تقدم في البقرة تحقيق المقام بما يغني عن الإعادة. ثم بين الله سبحانه أن الأمر بيده ما شاء فعل فقال: (من يشاءِ الله يضلله) أي أضله عن الإيمان (ومن يشاء) أن يهديه (يجعله على صراط مستقيم) أي على دين الإسلام لا يذهب به إلى غير الحق ولا يمشي فيه إلا إلى صوب الاستقامة، وفيه دليل على أن الهادي والمضل هو الله تعالى، وهذا عدل منه لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون.

40

(قل أرءيتكم) التاء هي الفاعل والكاف والميم عند البصريين للخطاب ولا حظَّ لهما في الإعراب وهو اختيار الزجاج وقال الكسائي: إن الفاعل هو التاء وإن أداة الخطاب اللاحقة في موضع المفعول الأول، وقال الفراء في موضع الفاعل والجملة استفهامية، والمعنى عند الكسائي أرأيتم أنفسكم، ورجح

صاحب الكشاف المذهب الأول، والمعنى أخبروني عن حالتكم العجيبة. واستعمال أرأيت في الأخبار مجاز، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سبباً للإخبار عنه أو الإبصار به طريقاً إلى الإحاطة به علماً وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخبر لاشتراكهما في الطلب ففيه مجازان. استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار، قاله الشهاب. وقد أطال السمين في بيان تركيب هذه الكلمة ومذاهب النحاة فيها إطالة كثيرة لا فائدة من ذكره ههنا. (إن أتاكم) كما أتى غيركم من الأمم (عذاب الله) من الغرق والخسف والمسخ والصواعق ونحو ذلك من العذاب قبل الموت (أو أتتكم الساعة) أي القيامة وقد ذكر سليمان الجمل في جواب هذا الشرط خمسة أوجه منها أنه محذوف تقديره فمن تدعون أو فأخبروني عنه أو فادعوه أو دعوتم الله، ودل عليه قوله: (أغير الله تدعون) هذا على طريقة التبكيت والتوبيخ أي أتدعون غير الله في هذه الحالة من الأصنام التي تعبدونها أم تدعون الله سبحانه لكشف ما حل بكم، قاله أبو حيان (إن كنتم صادقين) في دعواكم أن الأصنام تضر وتنفع وأنها آلهة كما تزعمون، وهذا تأكيد لذلك التوبيخ.

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)

41

(بل إياه تدعون) أي لا تدعون غيره بل إياه تخصون بالدعاء في كشف ما نزل بكم (فيكشف) عنكم (ما تدعون إليه) أي إلى كشفه من الضر ونحوه (إن شاء) أن يكشفه عنكم لا إذا لم يشأ ذلك (وتنسون) عند أن يأتيكم العذاب (ما تشركون) به تعالى أي ما تجعلونه شريكاً له من الأصنام ونحوها فلا تدعونها ولا ترجون كشف ما بكم منها بل تعرضون عنها إعراض الناسي، قاله الحسن وقال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وتتركون ما تشركون.

42

(ولقد أرسلنا) كلام مبتدأ مسوق لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم (إلى أمم) كائنة (من قبلك) رسلاً فكذبوهم. (فأخذناهم) أي عاقبناهم (بالبأساء والضراء) أي البؤس والضرر قال سعيد بن جبير: خوف السلطان وغلاء السعر، وقيل شدة الجوع، وقيل المكروه، وقيل الفقر الشديد، وأصله من البؤس وهو الشدة وقيل البأساء المصائب في الأموال، والضراء المصائب في الأبدان من الأمراض والأوجاع والزمانة، وبه قال الأكثر وهما صيغتا تأنيث لا مذكر لهما على أفعل كما هو القياس، فإنه لم يقل أضرر ولا أبأس صفة بل للتفضيل قاله الشهاب (لعلهم يتضرعون) أي يدعون الله بضراعة وهي الذل يقال ضرع فهو ضارع، وهذا الترجي بحسب عقول البشر.

43

(فلولا) أي فهلا (إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) لكنهم لم يتضرعوا مع قيام المقتضى له وهو الباساء والضراء، وهذا عتاب لهم على ترك الدعاء في كل الأحوال حتى عند نزول العذاب بهم لشدة تمردهم وغلوهم في الكفر، ويجوز أن يكون المعنى أنهم تضرعوا عند أن نزل بهم العذاب وذلك تضرع ضروري لم يصدر عن إخلاص فهو غير نافع لصاحبه، والأول أولى كما يدل عليه. (ولكن قست) أي صلبت وغلظت فلم تضرع ولم تخشع (قلوبهم) واستمرت على ما هي عليه من القساوة ولم تلن للإيمان، وهذا استدراك وقع بين الضدين قال أبو السعود: فهذا من أحسن مواقع الاستدراك. (وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) أي أغواهم بالتصميم على الكفر والاستمرار على المعاصي، والجملة استئنافية أخبر تعالى عنهم بذلك أو داخلة في حيز الاستدراك وهو الظاهر، وهذا رأي الزمخشري فإنه قال: لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا قسوة قلوبهم وإعجابهم بأعمالهم.

44

(فلما نسوا ما ذكروا به) أي تركوا ما وعظوا به وأعرضوا عنه لأن النسيان لو كان على حقيقته لم يؤاخذوا به إذ ليس هو من فعلهم، وبه قال ابن عباس وأبو علي الفارسي، قال ابن جريج: ما دعاهم الله إليه ورسله أبوه وردوه عليهم، والمعنى أنهم لما تركوا الاتعاظ بما ذكروا به من البأساء والضراء وأعرضوا عن ذلك (فتحنا) بالتخفيف والتشديد سبعيتان (عليهم أبواب كل شيء) أي استدرجناهم بفتح أبواب كل نوع من أنواع الخير عليهم، وبدلنا مكان البأساء الرخاء والسعة في الرزق والعيش، ومكان الضراء الصحة والسلامة في الأبدان والأجسام، قال مجاهد: يعني رخاء الدنيا وشرها، ونحوه عن قتادة. (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) من الخير والرزق على أنواعه والسعة والرخاء

والمعيشة والصحة وأعجبوا بذلك وظنوا أنهم إنما أعطوه لكون كفرهم الذي هم عليه حقاً وصواباً. وهذا فرح بطر وأشر كما فرح قارون لما أوتي من الدنيا (أخذناهم بغتة) وهم غير مترقبين لذلك والبغتة الأخذ على غرة من غير تقدمة أمارة وهي مصدر في موضع الحال لا يقاس عليه غيره عند سيبويه. قال محمد بن النصر الحارثي: أمهلوا عشرين سنة ولا يخفى أن هذا مخالف لمعنى البغتة لغة ومحتاج إلى نقل عن الشارع، وإلا فهو كلام لا طائل تحته، قال الحسن مكر بالقوم ورب الكعبة، وقال أهل المعاني: إنما أخذوا في حال الرخاء والسلامة ليكون أشد لتحسرهم على ما فاتهم من حال العافية والتصرف في ضروب اللذة فأخذناهم في آمن ما كانوا، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم. (فإذا) هي الفجائية قال سيبويه إنها ظرف مكان، وقال جماعة منهم الراسي إنها ظرف زمان ومذهب الكوفيين أنها حرف (هم مبلسون) أي مهلكون في مكان إقامتهم أو في زمانها قاله السدي، والمبلس الحزين الآيس من الخير لشدة ما نزل به من سوء الحال ومن ذلك اشتق اسم إبليس يقال أبلس الرجل إذا سكت وأبلست الناقة إذا لم ترع. والمعنى فإذا هم محزونون متحيرون آيسون من الفرح، قال ابن زيد: المبلس المجهود الكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه، والمبلس أشد من المستكين وقال الفراء: هو اليائس المنقطع رجاؤه، وقال أبو عبيدة: هو النادم الحزين، والإبلاس هو الإطراق من الحزن والندم. وعن عقب: بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيت الله يعطي العبد ما يحب وهو مقيم على معصيته فإنما ذلك استدراج " (¬1) ثم تلا يعني هذه الآية ذكره البغوي بلا سند، وأسنده الطبري وغيره. ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 4/ 145.

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46) قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)

45

(فقطع) بالبناء للمفعول وللفاعل وهو الله سبحانه وفيه التفات إلى غيبة (دابر القوم الذين ظلموا) الدابر الآخر يقال دبر القوم يدبرهم دابراً إذا كان آخرهم في المجيء قاله أبو عبيد، ومنه التدبير لأنه إحكام عواقب الأمور، والمعنى أنه قطع آخرهم أي استؤصلوا جميعاً حتى آخرهم فلم يبق منهم باقية قال قطرب يعني أنهم استؤصلوا وأهلكوا، وقيل الدابر الأصل يقال قطع الله دابره أي أصله، قاله الأصمعي. (والحمد لله رب العالمين) على نصر الرسل وإهلاك الكافرين قال الزجاج: حمد نفسه على أن قطع دابرهم واستأصل شأفتهم، وفيه تعليم للمؤمنين كيف يحمدونه عند نزول المنعم التي من أجلها إهلاك الظلمة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فإنهم أشد على عباد الله من كل شديد، اللهم أرح عبادك المؤمنين من ظلم الظالمين واقطع دابرهم وأبدلهم بالعدل الشامل لهم آمين.

46

(قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم) هذا تكرير للتوبيخ لقصد تأكيد الحجة عليهم، ووحد السمع لأنه مصدر يدل على الجمع بخلاف البصر فلهذا جمعه، والختم الطبع، وقد تقدم تحقيقه في البقرة والمراد أخذ المعاني القائمة بهذه الجوارح أو أخذ الجوارح أنفسها. (من إله غير الله يأتيكم به) الاستفهام للتوبيخ ووحد الضمير في (به)

مع أن المرجع متعدد على معنى فمن يأتيكم بذلك المأخوذ، وقيل الضمير راجع إلى أخذ هذه المذكورة وقيل إن الضمير بمنزلة اسم الإشارة أي من يأتيكم بذلك المذكور. (انظر كيف نصرف الآيات) أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنظر في تصريف الآيات الباهرات وعدم قبولهم لها تعجيباً له من ذلك، ويدخل معه غيره، والتصريف المجيء بها على جهات مختلفة من أسلوب إلى أسلوب، تارة إنذار، وتارة إعذار، وتارة ترغيب، وتارة ترهيب (ثم هم يصدفون) أي يعرضون قاله مجاهد، يقال صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفاً وصدوفاً. وقال ابن عباس: يعدلون عنها مكذبين لها، وهو محط التعجيب والعمدة فيه.

47

(قل أرأيتكم) أي أخبروني (إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة) تنازع أرأيت وأتاكم في عذاب الله فاعملنا الثاني وأضمرنا في الأول والمفعول الثاني جملة الاستفهام، وقد تقدم تفسير البغتة قريباً أنها الفجاءة قال الكسائي: بغتهم يبغتهم بغتاً وبغتة إذا أتاهم فجأة أي من دون تقديم مقدمات تدل على العذاب، والجهرة أن يأتي العذاب بعد ظهور مقدمات تدل عليه، هذا ما جرى عليه القاضي، وقيل البغتة إتيان العذاب ليلاً، والجهرة إتيان العذاب نهاراً كما في قوله تعالى (بياتاً أو نهاراً) وبه قال الحسن والأول أولى. (هل يهلك إلا القوم الظالمون) الاستفهام للنفي أي ما يهلك هلاك تعذيب وغضب وسخط إلا المشركون، وقال الزجاج: معناه هل يهلك إلا أنتم ومن أشبهكم والاستثناء مفرغ.

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (48) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49) قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)

48

(وما نرسل المرسلين) كلام مبتدأ لبيان الغرض من إرسال الرسل (إلا مبشرين) لمن أطاعهم بما أعد الله له من الجزاء العظيم (ومنذرين) لمن عصاهم بما له عند الله من العذاب الوبيل، وقيل مبشرين في الدنيا بسعة الرزق، وفي الآخرة بالثواب، ومنذرين مخوفين بالعقاب، وهما حالان مقدرتان أي ما نرسلهم إلا مقدرين تبشيرهم وإنذارهم. (فمن آمن) بما جاءت به الرسل (وأصلح) حال نفسه بفعل ما يدعونه إليه (فلا خوف عليهم) بوجه من الوجوه بلحوق العذاب (ولا هم يحزنون) بحال من الأحوال بفوات الثواب، وهذا حال من آمن وأصلح وأما حال المكذبين فبينه بقوله:

49

(والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب) أي يصيبهم (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم وخروجهم عن التصديق والطاعة، وقال ابن زيد: كل فسق في القرآن فمعناه الكذب.

50

(قل لا أقول لكم عندي خزائن الله) أمره الله سبحانه بأن يخبرهم لما كثر اقتراحهم عليه وتعنتهم بإنزال الآيات التي تضطرهم إلى الإيمان أنه لم يكن عنده خزائن الله حتى يأتيهم بما اقترحوه من الآيات، والمراد خزائن قدرته التي تشتمل على كل شيء من الأشياء، والخزائن جمع خزانة وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء وخزن الشيء أحرزه بحيث لا تناله الأيدي. (و) أمره أن يقول لهم أيضاً (لا) أدعي أني (أعلم الغيب) من

أفعاله حتى أخبركم به وأعرفكم بما سيكون في مستقبل الدهر (ولا أقول لكم إني ملك) من الملائكة حتى تكلفوني من الأفعال الخارقة للعادة ما لا يطيقه البشر كالرقي في السماء أو حتى تعدوا عدم اتصافي بصفاتهم قادحاً في أمري. والمعنى أني لا أدعي شيئاً من هذه الأشياء الثلاثة حتى تقترحوا عليّ ما هو من آثارها وأحكامها وتجعلوا عدم إجابتي إلى ذلك دليلاً على عدم صحة ما أدعيه من الرسالة التي لا تعلق لها بشيء مما ذكر قطعاً، بل إنما هي عبارة عن تلقي الوحي من جهة الله تعالى والعمل بمقتضاه فحسب كما سيأتي. وليس في هذا ما يدل على أن الملائكة أفضل من الأنبياء، وقد اشتغل بهذه المفاضلة قوم من أهل العلم ولا يترتب على ذلك فائدة دينية ولا دنيوية، بل الكلام في مثل هذا من الاشتغال بما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) وقد تمسك بذلك من لم يثبت اجتهاد الأنبياء عملاً بما يفيده القصر في هذه الآية والمسألة مدونة في الأصول والأدلة عليها معروفة، وقد صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أوتيت القرآن ومثله معه " (¬1). (قل هل يستوي الأعمى والبصير) هذا الاستفهام للإنكار والمراد أنه لا يستوي الضال والمهتدي أو المسلم والكافر أو العالم والجاهل أو من اتبع ما أوحي إليه ومن لم يتبعه، والكلام تمثيل، قال قتادة الأعمى الكافر الذي عمي عن حق الله وأمره ونعمه عليه، والبصير العبد المؤمن الذي أبصر بصراً نافعاً فوحد الله وحده وعمل بطاعة ربه وانتفع بما آتاه الله. (أفلا تتفكرون) في ذلك الكلام الحق حتى تعرفوا عدم الاستواء بينهما فإنه لا يلتبس على من له أدنى عقل وأقل تفكر. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 2640.

وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52) وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)

51

(وأنذر) الإنذار الإعلام مع تخويف. والضمير في (به) راجع إلى ما يوحى وقيل إلى الله وقيل إلى اليوم الآخر، وخص (الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) لأن الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف الكفر لجحوده به وإنكاره له، فإنه لا يؤثر فيه ذلك. وقيل ومعنى يخافون يعلمون ويتيقنون أنهم محشورون فيشمل كل من آمن بالبعث من المسلمين وأهل الذمة وبعض المشركين. وقيل معنى الخوف على حقيقته والمعنى أنه ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يذكره وإن لم يكن مصدقاً به في الأصل لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن من كان كذلك يكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع. (ليس لهم من دونه ولي) أي حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم (ولا شفيع) يشفع لهم من دون الله وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم وهم أهل الكتاب أو أن أصنامهم تشفع لهم وهم المشركون أو أن المشايخ يشفعون لمريديهم وهم المتصوفة لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله لقوله عز وجل: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) عن ابن مسعود قال مر الملأ من قريش على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك، أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا أنحن نكون

تبعاً لهؤلاء، اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل الله فيهم (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى قوله من الظالمين) وقد أخرج هذا السبب مطولاً ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة (لعلهم يتقون) ما نهيتهم عنه فيدخلون في زمرة أهل التقوى.

52

(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) الدعاء العبادة مطلقاً وقيل المحافظة على صلاة الجماعة، وقال ابن عباس: الصلاة المكتوبة، وقال مجاهد: هي الصبح والعصر، وقال سفيان: أي أهل الفقه، وقيل الذكر وقراءة القرآن وقيل المراد بالدعاء لله بجلب النفع ودفع الضرر، وقيل المراد بذكر الغداة والعشي الدوام على ذلك والاستمرار وقيل الصلوات الخمس وقيل هو على ظاهره أي لا تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم. (يريدون وجهه) أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته وتقييده به لتأكيد عليته للنهي، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد. (ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء) هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم. هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله: (ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) وطعن عندك في دينهم وحسبهم، فكيف وقد زكاهم الله عز وجل بالعبادة والاخلاص وهذا هو مثل قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقوله: (وأن ليس للإنسان إلا مع سعى) وقوله (إن حسابهم إلا على ربي). (فتطردهم) هو من تمام الاعتراض أي إذا كان الأمر كذلك فاقبل

عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل (فتكون) جواب للنهي أي فإن فعلت ذلك كنت (من الظالمين) وحاشاه عن وقوع ذلك وإنما هو من باب التعريض لئلا يفعل ذلك غيره - صلى الله عليه وسلم - من أهل الإسلام كقوله تعالى: (لئن اشركت ليحبطن عملك). أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد نزلت هذه الآية في ستة أنا وعبد الله بن مسعود وبلال ورجل من هذيل ورجلين لست اسميهما فقال المشركون للنبي - صلى الله عليه وسلم - اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا، فوقع في نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله أن يقع فحدث نفسه فأنزل الله هذه الآية، وقد روي في بيان السبب روايات موافقة لما ذكرنا في المعنى.

53

(وكذلك) أي مثل تلك الفتن العظيمة (فتنا بعضهم ببعض) أي ببعض الناس وابتلينا الغني بالفقير، والفقير بالغني، والشريف بالوضيع، فكل أحد مبتلى بضده، والفتنة الاختبار أي عاملناهم معاملة المختبرين (ليقولوا) اللام للصيرورة كقوله لدوا للموت وابنوا للخراب، وقوله [ليكون لهم عدواً وحزناً] وقيل: إنها لام كي وهو أظهر، وعليه أكثر المعربين والتقدير ومثل ذلك الفتون فتناً ليقول البعض الأول مشيراً إلى البعض الثاني. (أهؤلاء) الذين (من الله عليهم من بيننا) أي إكرمهم بإصابة الحق دوننا قال النحاس: وهذا من المشكل لأنه يقال كيف فتنوا ليقولوا هذا القول وهو إن كان على طريقة الإنكار فهو كفر، وأجاب بجوابين الأول أن ذلك واقع منهم على طريقة الاستفهام لا على سبيل الإنكار والثاني أنهم لما اختبروا بهذا كان عاقبة هذا القول منهم كقوله (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً) قال ابن عباس: قالوا ذلك استهزاء وسخرية وقال ابن جرير: لو كان لهم كرامة على الله ما أصابهم هذا الجهد. (أليس الله بأعلم) هذا الاستفهام للتقرير والمعنى أن مرجع الاستحقاق لنعم الله سبحانه هو الشكر وهو أعلم (بالشاكرين) له فما بالكم تعترضون بالجهل وتنكرون الفضل.

وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (54) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55)

54

(وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا) هم الذين نهاه الله عن طردهم وهم المستضعفون من المؤمنين (فقل سلام عليكم) أمره الله بأن يقول لهم هذا القول تطييباً لخاطرهم وإكراماً لهم، والسلام والسلامة بمعنى واحد فالمعنى سلمكم الله وجاز الابتداء به وإن كان نكرة لأنه دعاء والدعاء من المسوغات، قاله السمين. وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد نزول هذه الآية إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقيل إن هذا السلام هو من جهة الله أي: أبلغهم منا السلام، عن ماهان قال: أتى قوم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالوا إنا أصبنا ذنوباً عظاماً فما رد عليهم شيئاً فانصرفوا فأنزل الله هذه الآية فدعاهم فقرأها عليهم (¬1). وقيل: إن الآية على إطلاقها في كل مؤمن لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (كتب ربكم على نفسه الرحمة) أي أوجب ذلك إيجاب فضل وإحسان وقيل كتب ذلك في اللوح المحفوظ قيل هذا من جملة ما أمره الله سبحانه بإبلاغه إلى أولئك الذين أمره بإبلاغ السلام إليهم تبشيراً بسعة مغفرة الله ¬

(¬1) رواه الطبري في تفسيره 11/ 390/391 من طريق مجمع بن صمعان قال سمعت ماهان. وذكره السيوطي في الدر المنثور وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد. وماهان عابد ثقة قتله الحجاج سنة 83 هجرية.

وعظم رحمته لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. (أنه) أي الشأن (من عمل منكم سوءاً بجهالة) قيل المعنى أنه فعل فعل الجاهلين لأن من عمل ما يؤدي إلى الضرر في العاقبة مع علمه بذلك أو ظنه فقد فعل فِعْلَ أهل الجهل والسفه لا فعل أهل الحكمة والتدبير، وقيل المعنى أنه عمل ذلك وهو جاهل لما يتعلق به من المضرة والعقاب وما فاته من الثواب فتكون فائدة التقييد بالجهالة الإيذان بأن المؤمن لا يباشر ما يعلم أنه يؤدي إلى الضرر، قال مجاهد: كل من عمل ذنباً أو خطيئة فهو بها جاهل. (ثم تاب من بعده) أي من بعد عمله وارتكابه ذلك السوء (وأصلح) ما أفسده بالمعصية في المستقبل فراجع بالصواب وأخلص التوبة وعمل الطاعة (فإنه) أي فأمره أو فله أن الله (غفور رحيم) واختار الأول سيبويه والثاني أبو حاتم.

55

(وكذلك) أي مثل ذلك التفصيل (نفصل الآيات) أي أدلة حججنا وبراهيننا في تقرير كل حق ينكره أهل الباطل، والتفصيل بالتبيين وقيل: إن الله فصل لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين وبين لهم حكم كل طائفة (ولتستبين) الخطاب على الفوقية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أي: لتستبين يا محمد (سبيل المجرمين) وأما على التحتية فالفعل مسند إلى سبيل، وإذا استبان سبيل المجرمين فقد استبان سبيل المؤمنين قال ابن زيد: هم الذين يأمرونك بطرد هؤلاء.

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)

56

(قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون) أمره سبحانه أن يعود إلى مخاطبة الكفار ويخبرهم بأنه نهى عن عبادة ما يدعونه ويعبدونه (من دون الله قل لا اتبع أهواءكم) أمره سبحانه بأن يقول لهم لا أسلك المسلك الذي سلكتموه في دينكم من اتباع الأهواء والمشي على ما توجبه المقاصد الفاسدة التي يتسبب عنها الوقوع في الضلال، كرر الأمر مع قرب العهد اعتناء بالمأمور به وإيذاناً باختلاف القولين من حيث أن الأول حكاية لما هو من جهته تعالى وهو النهي، والثاني حكاية لما هو من جهته عليه السلام وهو الانتهاء عما ذكر من عبادة ما يعبدونه. (قد ضللت إذاً) أي إن اتبعت أهواءكم فيما طلبتموه من عبادة معبوداتكم وطرد من أردتم طرده، قال الجوهري: الضلال والضلالة ضد الرشاد وقد ضللت أضل، قال الله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال فهذه يعني المفتوحة لغة نجد وهي الفصيحة وأهل العالية تقول ضللت بالكسر أضل انتهى. (وما أنا من المهتدين) إن فعلت ذلك، وهذه الجملة الإسمية معطوفة على الجملة التي قبلها والمجيء بها إسمية عقب تلك الفعلية للدلالة على الدوام والثبات.

57

(قل إني على بينة) هي الحجة والبرهان أي: إني على برهان (من ربي) ويقين لا على هوى وشك، وقال أبو عمران الجوني: على ثقة وقيل على بيان

وبصيرة، وهذا تحقيق للحق الذي هو عليه إثر إبطال الباطل الذي هم عليه، أمره الله سبحانه بأن يبين لهم أن ما هو عليه من عبادة ربه هو عن حجة برهانية يقينية لا كما هم عليه من إتباع الشبه الداحضة والشكوك الفاسدة التي لا مستند لها إلا مجرد الأهوية الباطلة. (وكذبتم به) أي بالرب أو بالعذاب أو بالقرآن أو بالبينة، وتذكير الضمير باعتبار المعنى، وهذه الجملة إما حالية بتقدير قد أي والحال أن قد كذبتم به أو جملة مستأنفة مبنية لما هم عليه من التكذيب بما جاء به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الحجج الواضحة والبراهين البينة. (ما عندي ما تستعجلون به) أخبرهم بأنه لم يكن عنده ما يتعجلون به من العذاب فإنهم كانوا لفرط تكذيبهم يستعجلون نزوله استهزاء نحو قولهم: (أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً) وقولهم: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) وقولهم: (متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) وقيل كانوا يستعجلون بالآيات التي اقترحوها وطلبوها وقيل كانوا يستعجلون بقيام الساعة ومنه قوله تعالى: (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها). (إن) أي ما (الحكم) في شيء (إلا لله) سبحانه وحده ليس معه حاكم، ومن ذلك ما تستعجلون به من العذاب أو الآيات المقترحة والمراد الحكم الفاصل بين الحق والباطل (يقص) هو من القصص أي يقص القصص (الحق) أو من قص أثره أي يتبع الحق فيما يحكم به، وقرئ يقضي بالضاد المعجمة والياء من القضاء أي يقضي القضاء الحق بين عباده (وهو خير الفاصلين) بين الحق والباطل بما يقضي به بين عباده ويفصله لهم في كتابه.

قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58) وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59) ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم:

58

(قل لو أن عندي ما تستعجلون به) الاستعجال المطالبة بالشيء قبل وقته فلذلك كانت العجلة مذمومة، والإسراع تقديم الشيء في وقته فلذلك كانت السرعة محمودة والمعنى ما تطلبون تعجيله بأن يكون إنزاله بكم مقدور إليّ وفي وسعي. (لقضي الأمر بيني وبينكم) أي لقضى الله الأمر بيننا بأن ينزله الله سبحانه بكم بسؤالي له وطلبي ذلك أو لو كان العذاب عندي وفي قبضتي لأنزلته بكم وعند ذلك يقضى الأمر بيني وبينكم (والله أعلم بالظالمين) وبالوقت الذي ينزل فيه عذابهم وبما يقتضيه مشيئته من تأخيره استدراجاً لهم وإعذاراً إليهم.

59

(وعنده مفاتح الغيب) جمع مفتح بالفتح وهو المخزن أي عنده مخازن الغيب،، جعل للأمور الغيبية مخازن يخزن فيها على طريق الإستعارة أو جمع مفتح بكسر الميم وهو المفتاح جعل للأمور الغيبية مفاتح يتوصل بها إلى ما في المخازن منها على طريق الإستعارة أيضاً، ويؤيد أنها جمع مفتح بالكسر قراءة ابن السميقع (وعنده مفاتيح الغيب) فإنها جمع مفتاح والمعنى أن عنده خاصة مخازن الغيب أو المفاتح التي يتوصل بها إلى المخازن. (لا يعلمها إلا هو) جملة مؤكدة لمضمون الجملة الأولى وأنه لا علم لأحد من خلقه بشيء من الأمور الغيبية التي استأثر الله بعلمها، وهذا بيان لاختصاص المقدورات الغيبية به تعالى من حيث العلم إثر بيان اختصاص كلها

من حيث القدرة، ويندرج تحت هذه الآية علم ما يستعجله الكفار من العذاب كما يرشد إليه السياق إندراجاً أولياً. وفي هذه الآية الشريفة ما يدفع أباطيل الكهان والمنجمين والرمليين وغيرهم من المدعين ما ليس من شأنهم، ولا يدخل تحت قدرتهم ولا يحيط به علمهم، ولقد ابتلى الإسلام وأهله بقوم سوء من هذه الأجناس الضالة والأنواع المخذولة ولم يربحوا من أكاذيبهم وأباطيلهم بغير خطة السوء المذكورة في قول الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم: " من أتى كاهناً أو منجماً فقد كفر بما أنزل على محمد " (¬1). قال ابن مسعود: أوتي نبيكم كل شيء إلا مفاتيح الغيب. وقال ابن عباس: إنها الأقدار والأرزاق وقال الضحاك: خزائن الأرض وعلم نزول العذاب، وقال عطاء: هو ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وقيل هو انقضاء الآجال وعلم أحوال العباد من السعادة والشقاوة وخواتيم أعمالهم، وقيل هو علم ما لم يكن بعد أن يكون إذ يكون كيف يكون وما لا يكون إن لو كان كيف يكون، واللفظ أوسع من ذلك ويدخل فيه ما ذكروه دخولاً أولياً. وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله تعالى لا يعلم أحد ما يكون في غد إلا الله، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام إلا الله، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غداً، ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يدري أحد متى يجيء المطر " (¬2)، أخرجه البخاري وله ألفاظ وفي رواية ولا يعلم أحد متى تقوم الساعة إلا الله. (ويعلم ما في البر والبحر) خصهما بالذكر لأنهما من أعظم مخلوقات الله أي يعلم ما فيهما من حيوان وجماد علماً مفصلاً لا يخفى عليه منه شيء أو ¬

(¬1) أبو داود كتاب الطب باب 21. (¬2) صحيح الجامع الصغير 5760.

خصهما لكونهما أكثر ما يشاهده الناس ويتطلعون لعلم ما فيهما، وعلى هذا هو بيان لتعلق علمه بالمشاهدات إثر بيان تعلقه بالمغيبات، قال مجاهد: البر المفاوز والقفار، والبحر القرى والأمصار لا يحدث فيهما شيء إلا وهو يعلمه. وقال الجمهور: هو البر والبحر المعروفان لأن جميع الأرض إما بر، وإما بحر وفي كل واحد منهما من عجائب وغرائب ما يدل على عظيم قدرته وسعة علمه. (وما تسقط من ورقة) أي من ورق الشجر وما يبقى عليه وهو تخصيص بعد التعميم (إلا يعلمها) ويعلم زمان سقوطها ومكانه وقيل المراد بالورقة ما يكتب فيه الآجال والأرزاق، وحكى النقاش عن جعفر بن محمد أن الورقة يراد بها هنا السقط من أولاد بني آدم، قال ابن عطية: هذا قول جار على طريقة الرموز، ولا يصح عن جعفر بن محمد ولا ينبغي أن يلتفت إليه. (ولا حبة) كائنة (في ظلمات الأرض) أي في الأمكنة المظلمة وقيل في بطن الأرض قبل أن ينبت، وقيل هي الحبة في الصخرة التي في أسفل الأرضين (ولا رطب ولا يابس) بنوع دون نوع (إلا في كتاب مبين) هو اللوح المحفوظ فتكون هذه الجملة بدل اشتمال من (إلا يعلمها) وقيل هو عبارة عن علمه فتكون هذه الجملة بدل كل من تلك الجملة قاله الخطيب. وقال الزمخشري: هو كالتكرير لقوله: (إلا يعلمها) لأن معناهما واحد، قال الشيخ ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد، وحسن كونه فاصلاً.

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (60) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (61)

60

(وهو الذي يتوفاكم) ينيمكم (بالليل) فيقبض فيه نفوسكم التي بها تميزون، وليس ذلك موتاً حقيقة فهو مثل قوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) والتوفي استيفاء الشيء وتوفيت الشيء واستوفيته إذا أخذته أجمع، قيل إن في الجسد روحين، روح الحياة وهي لا تخرج إلا بالموت وروح التمييز وهي تخرج بالنوم فتفارق الجسد فتطوف بالعالم وترى المنامات ثم ترجع إلى الجسد عند تيقظه. وقيل غير ذلك، والأولى أن هذا الأمر لا يعرفه إلا الله سبحانه. وقد أخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " مع كل إنسان ملك إذا نام يأخذ نفسه، فإذا أذن الله في قبض روحه قبضها وإلا ردها إليه فذلك قوله تعالى يتوفاكم بالليل " (¬1). (ويعلم ما جرحتم بالنهار) أي ما كسبتم بجوارحكم من الخير والشر، والتقييد بالظرفين جرى على الغالب إذ الغالب أن النوم في الليل والكسب في النهار (ثم يبعثكم فيه) أي في النهار يعني اليقظة برد أرواحكم، قال القاضي: أطلق البعث ترشيحاً للتوفي، وقيل يبعثكم من القبور فيه أي في شأن ذلك الذي قطعتم فيه أعماركم من النوم بالليل والكسب بالنهار. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير هو الذي يتوفاكم بالليل ثم يبعثكم بالنهار ويعلم ما جرحتم فيه، وقيل ثم يبعثكم فيه أي في المنام، ومعنى ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 138.

الآية أن إمهاله تعالى للكفار ليس للغفلة عن كفرهم فإنه عالم بذلك ولكن: (ليقضى أجل مسمى) أي معين لكل فرد من أفراد العباد من حياة ورزق، وقال مجاهد هو الموت (ثم إليه مرجعكم) أي رجوعكم بعد الموت (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

61

(وهو القاهر فوق عباده) قيل المراد فوقية القدرة والرتبة كما يقال السلطان فوق الرعية أي العالي عليهم بقدرته لأن كل من قهر شيئاً وغلبه فهو مستعل عليه بالقهر، والمعنى أنه هو الغالب المتصرف في أمورهم لا غيره يفعل بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياء وإماتة وإثابة وتعذيباً إلى غير ذلك، وقيل هو صفة لله تعالى وهذا هو مذهب سلف الأمة وأئمتها يمرونها كما جاءت من غير تكييف ولا تأويل ولا تعطيل أي فوقية تليق بحاله وهو الحق، وقد تقدم بيانه في أول السورة. (ويرسل عليكم حفظة) أي ملائكة جعلهم الله حافظين لكم، ومنه قوله تعالى: (وإن عليكم لحافظين) والمعنى أنه يرسل عليكم من يحفظكم من الآفات ويحفظ أعمالكم، قال السدي: هم المعقبات من الملائكة يحفظونه ويحفظون عمله، والحفظة جمع حافظ مثل كتبة جمع كاتب، وعليكم متعلق بيرسل لما فيه من معنى الاستعلاء وتقديمه على حفظة ليفيد العناية بشأنه وأنه أمر حقيق بذلك، وقيل هو متعلق بحفظة. (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا) يحتمل أن تكون حتى للغاية ويحتمل أن تكون للابتداء، والمراد بمجيء الموت مجيء علامته، والرسل هم أعوان ملك الموت من الملائكة؛ قاله ابن عباس، ومعنى توفته استوفت روحه وقيل المراد ملك الموت وحده، وإنما ذكر بلفظ الجمع تعظيماً له. (وهم لا يفرطون) أي لا يقصرون ولا يضيعون وأصله من التقدم، وقال أبو عبيدة: لا يتوانون وقرئ لا يفرطون بالتخفيف أي لا يجاوزون الحد فيما أمروا به من الإكرام والإهانة.

ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63)

62

(ثم ردوا) الضمير راجع إلى أحد لأنه في معنى الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، والسر في الإفراد أولاً والجمع ثانياً وقوع التوفي على الإنفراد، والرد على الاجتماع أي ردوا بعد الحشر. (إلى الله) أي إلى حكمه وجزائه وبه قال جمهور المفسرين، ويحتمل أن يكون هذا الرد إلى الله بعد الموت فقد ورد في السنة المطهرة ما يفيد أن الملائكة يصعدون بأرواح الموتى من سماء إلى سماء حتى تنتهي بها إلى السماء السابعة، وفي رواية إلى السماء التي فيها الله، ثم ترد إلى عليين أو سجين. وفي الآية دليل على علوه تعالى من خلقه والله أعلم، وقيل ردوا أي الخلق أو الملائكة قال الكلبي: يقبض ملك الموت الروح من الجسد ثم يسلمها إلى ملائكة الرحمة أو العذاب ويصعدون بها إلى السماء حكاه القرطبي. (مولاهم) مالكهم الذي يلي أمورهم أو خالقهم ومعبودهم (الحق) صفة لاسم الله وقرئ الحق بالنصب على إضمار فعل أي أعني أو أمدح أو على المصدر، وإنما قال ذلك لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال بالباطل، والله مولاهم وسيدهم بالحق. (ألا له الحكم) أي لا حكم إلا له لا لغيره لا بحسب الظاهر ولا بحسب الحقيقة (وهو أسرع الحاسبين) لكونه لا يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من الفكر والروية والتدبر.

63

(قل) توبيخاً وتقريراً لهم بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية (من ينجيكم من ظلمات البر والبحر) المراد بظلماتهما شدائدهما الهائلة التي تبطل الحواس وتدهش العقول ولذلك استعير لهما الظلمات المبطلة لحاسة البصر، قال النحاس: والعرب تقول يوم مظلم إذا كان شديداً فإذا عظمت ذلك قالت يوم ذو كوكب أي اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته وفي ظهور الكواكب فيه لأنها لا تظهر إلا في الظلمة وقيل حمله على الحقيقة أولى. فظلمة البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى طريق الصواب. وظلمة البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضاً الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك، فالمقصود أنه عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيها إلا إلى الله تعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: (تدعونه تضرعاً وخفية) أي حال دعائكم له دعاء تضرع وخفية أو متضرعين ومخفين والمراد بالتضرع هنا دعاء الجهر قائلين (لئن أنجانا من هذه) الشدة التي نزلت بنا وهي الظلمات المذكورة (لنكونن من الشاكرين) له على ما أنعم به علينا من تخليصنا من هذه الشدائد، قال ابن عباس: أي من كرب البر والبحر، وإذا ضل الرجل الطريق دعا الله لئن أنجانا الآية.

قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (64) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66)

64

(قل الله ينجيكم) قرئ مشدداً ومخففاً وقراءة التشديد تفيد التكثير وقيل معناهما واحد والضمير في (منها) راجع إلى الظلمات (ومن كل كرب) بإعادة الجار وهو واجب عند البصريين، والكرب الغم الشديد يأخذ النفس ومنه رجل مكروب. (ثم أنتم) بعد أن أحسن الله إليكم بالخلاص من الشدائد وذهاب الكروب (تشركون) بعبادته تعالى شركاء لا ينفعونكم ولا يضرونكم ولا يقدرون على تخليصكم من كل ما ينزل بكم، فكيف وضعتم هذا الشرك، وضع ما وعدتم به عن أنفسكم من الشكر.

65

(قل) أمره الله سبحانه أن يقول لهم (هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً) أي الذي قدر على إنجائكم من تلك الشدائد ودفع عنكم تلك الكروب قادر على أن يعيدكم في شدة ومحنة وكرب يبعث عذابه عليكم من كل جانب (من فوقكم) كالمطر والصواعق والقذف والحجارة والريح والطوفان (أو من تحت أرجلكم) كالخسف والرجفة والزلازل والغرق وقيل من فوقكم يعني أمراء الظلمة وأئمة السوء ومن تحت أرجلكم السفلة وعبيد السوء قاله ابن عباس، وعن الضحاك نحوه. (أو يلبسكم شيعاً) من لبس الأمر إذا خلطه وقرئ بضم الياء أي يجعل ذلك لباساً لكم قيل والأصل أو يلبس عليكم أمركم فحذف أحد المفعولين مع حرف الجر كما في قوله تعالى: (وإذا كالوهم أو وزنوهم

يخسرون) والمعنى يجعلكم مختلطي الأهواء مختلفي النحل متفرقي الآراء وقيل يجعلكم فرقاً يقاتل بعضكم بعضاً. والشيع جمع شيعة أي الفرق وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة وأشياع، وأصله من التشيع وفي القاموس شيعة الرجل بالكسر أتباعه وأنصاره والفرقة على حده وتقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، وقد غلب هذا الاسم على كل من يتولى عليا (¬1) وأهل بيته حتى صار اسماً لهم خاصة، والجمع أشياع وشيع كعقب انتهى قال مجاهد يعني أهواء متفرقة وهو ما كان فيهم من الفتن والاختلاف. (ويذيق بعضكم بأس بعض) أي يصيب بعضكم بشدة بعض من قتل وأسر ونهب، وقال ابن زيد: هو الذي فيه الناس اليوم من الاختلاف والأهواء وسفك بعضهم دماء بعض (انظر كيف نصرف الآيات) أي نبين لهم الحجج والدلالات من وجوه مختلفة (لعلهم يفقهون) الحقيقة فيعودون إلى الحق الذي بيناه لهم ببيانات مختلفة متنوعة. أخرج البخاري وغيره عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعوذ بوجهك (أو من تحت أرجلكم) قال أعوذ بوجهك (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض) قال هذا أهون أو أيسر " (¬2). وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم في حديث طويل عن ثوبان وفيه: " وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً ¬

(¬1) أي مع الغلو فيه. (¬2) ابن كثير 2/ 139.

من غيرهم فأعطانيها وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " (¬1). وأخرج مسلم وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل ذات يوم من العالية حتى إذا مر بمسجد بني معاوية دخل فركع فيه ركعتين وصلينا معه ودعا ربه طويلاً ثم انصرف إلينا فقال: " سألت ربي ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالسنة (¬2) فأعطانيها وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها " (¬3). وأخرج أحمد والترمذي وحسّنه وابن أبي حاتم وابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أما إنها كائنة- ولم يأت تأويلها بعد " (¬4). والأحاديث في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 140. (¬2) أي بالقحط. (¬3) ابن كثير 2/ 140. (¬4) ابن كثير 2/ 140.

66

(وكذب به) الضمير راجع إلى القرآن أو إلى الوعيد المتضمن في هذه الآيات المتقدمة أو إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وفيه بعد، لأنه خوطب بالكاف عقيبه وادعاء الالتفات فيه أبعد، أو إلى العذاب، قاله الزمخشري: (قومك) المكذبون هم قريش وقيل كل معاند أي كذبوا به (وهو الحق) أي في كونه كتاباً منزلاً من عند الله أو لأنه واقع لا محالة. (قل لست عليكم بوكيل) أي بحفيظ على أعمالكم حتى أجازيكم عليها قيل وهذه الآية منسوخة بآية القتال وقيل ليست بمنسوخة إذ لم يكن أيمانهم في وسعه.

لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

67

(لكل نبأ مستقر) أي لكل شيء وقت يقع فيه والنبأ الشيء الذي ينبأ عنه، وقيل المعنى لكل عمل جزاء، وقال ابن عباس: لكل نبأ حقيقة قال الزجاج: يجوز أن يكون وعيداً لهم بما ينزل بهم في الدنيا، وقال الحسن: هذا وعيد من الله للكفار لأنهم كانوا لا يقرون بالبعث، قال السدي: فكان نبأ القوم استقر يوم بدر بما كان يعدهم من العذاب. (وسوف تعلمون) ذلك في الدنيا بحصوله ونزوله بكم، وقد علموا يوم بدر بحصول ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوعدهم به أو في الآخرة أو فيهما معاً، وسوف للتأكيد كما في قوله تعالى: (ولتعلمن نبأه بعد حين).

68

(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، والخوض أصله في اللغة هو الشروع في الماء والعبور فيه ثم استعمل في غمرات الأشياء التي هي مجاهل شبهها بغمرات الماء فاستعير من المحسوس للمعقول، وقيل هو مأخوذ من الخلط وكل شيء خضته فقد خلطته، ومنه خاض الماء بالعسل خلطه والمعنى وإذا رأيت الذين يخوضون في القرآن بالتكذيب والرد والاستهزاء. (فأعرض عنهم) أي فدعهم ولا تقعد معهم بسماع مثل هذا المنكر العظيم (حتى يخوضوا في حديث غيره) أي مغاير له، الضمير للآيات والتذكير باعتبار كونها قرآنا أو باعتبار كونها حديثاً فإن وصف الحديث بمغايرتها

يشير إلى اعتبارها بعنوان الحديثية، أمره الله سبحانه بالإعراض عن أهل المجالس التي يستهان فيها بآيات الله إلى غاية هي الخوض في غير ذلك. وفي هذه الآية موعظة عظيمة لمن يتسمح بمجالسة المبتدعة الذين يحرفون كلام الله ويتلاعبون بكتابه وسنة رسوله، ويردون ذلك إلى أهوائهم المضلة وتقليداتهم الفاسدة وبدعهم الكاسدة، فإنه إذا لم ينكر عليهم ويغير ما هم فيه فأقل الأحوال أن يترك مجالستهم وذلك يسير عليه غير عسير، وقد يجعلون حضوره معهم مع تنزهه عما يتلبسون به شبهة يشبهون بها على العامة فيكون في حضوره مفسدة زائدة على مجرد سماع المنكر. وقد شاهدنا من هذه المجالس الملعونة ما لا يأتي عليه الحصر، وقمنا في نصرة الحق ودفع الباطل بما قدرنا عليه وبلغت إليه طاقتنا، ومن عرف هذه الشريعة المطهرة حق معرفتها علم أن مجالسة أهل البدع المضلة فيها من المفسدة أضعاف أضعاف ما في مجالسة من يعصي الله بفعل شيء من المحرمات، ولا سيما لمن كان غير راسخ القدم في علم الكتاب والسنة، فإنه ربما ينفق عليه من كذباتهم وهذيانهم ما هو من البطلان بأوضح مكان، فينقدح في قلبه ما يصعب علاجه ويعسر دفعه فيعمل بذلك مدة عمره ويلقى الله به معتقداً أنه من الحق وهو من أبطل الباطل وأنكر المنكر. قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين بالجماعة ونهاهم عن الاختلاف والفرقة وأخبرهم إنما أهلك من كان قبلهم بالمراء والخصومات في دين الله، وعن أبي جعفر قال: لا تجالسوا أهل الخصومات فإنهم الذين يخوضون في آيات الله، وعن محمد بن علي قال: إن أصحاب الأهواء من الذين يخوضون في آيات الله. وقال مقاتل: كان المشركون بمكة إذا سمعوا القرآن من أصحاب النبي

- صلى الله عليه وسلم - خاضوا واستهزؤوا فقال المسلمون: لا يصلح لنا مجالستهم، نخاف أن نخرج حين نسمع قولهم ونجالسهم فأنزل الله هذه الآية، وقال السدي: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف ولا يصح. (وإما ينسينك الشيطان) فقعدت معهم (فلا تقعد بعد الذكرى) أي إذا ذكرت فقم عنهم ولا تقعد (مع القوم الظالمين) أي المشركين، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر نعياً عليهم أنهم بذلك الخوض واضعون للتكذيب والاستهزاء موضع التصديق والتعظيم راسخون في ذلك. قال مجاهد: نهى محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يقعد معهم إلا أن ينسى فإذا ذكر فليقم وذلك قول الله يعني هذه الآية، وعن ابن سيرين: أنه كان يرى أن هذه الآية نزلت في أهل الأهواء. وقرئ بتشديد السين والمعنى إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فلا تقعد إذا ذكرت مع الذين ظلموا أنفسهم بالاستهزاء بالآيات والتكذيب بها، قيل وهذا الخطاب وإن كان ظاهره للنبي - صلى الله عليه وسلم - فالمراد التعريض لأمته لتنزهه عن أن ينسيه الشيطان، وقيل لا وجه لهذا فالنسيان جائز عليه كما نطقت بذلك الأحاديث الصحيحة إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني، ونحو ذلك.

69

وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69) (وما على الذين يتقون) مجالسة الكفار عند خوضهم في آيات الله (من حسابهم) أي الكفار (من شيء) وقيل المعنى ما على الذين يتقون ما يقع منهم من الخوض في آيات الله في مجالستهم لهم من شيء، وعلى هذا التفسير ففي الآية الترخيص للمتقين في مجالسة الكفار إذا اضطروا إلى ذلك. قيل: وهذا الترخيص كان في أول الإسلام، وأن الوقت وقت تقية ثم نزل قوله تعالى: (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره) فنسخ ذلك، والحق أنها محكمة بإجماع أهل العلم خلافاً للكلبي كما تقدم في سورة النساء. عن عمر بن عبد العزيز: أنه أُتِيَ بقوم قعدوا على شراب معهم رجل صائم فضربه وقال: لا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره وقيل مجالستهم مباحة بشرط الوعظ والنهي عن المنكر. (ولكن ذكرى) قال الكسائي: المعنى ولكن هذه ذكرى، والمعنى على الاستدراك من النفي السابق أي ولكن عليهم الذكرى للكافرين بالموعظة والبيان لهم بأن ذلك لا يجوز، أما على التفسير الأول فلأن مجرد اتقاء مجالس هؤلاء الذين يخوضون في آيات الله لا يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما على التفسير الثاني فالترخيص في المجالسة لا يسقط التذكير، وفيه وجوه أخرى. (لعلهم يتقون) الخوض في آيات الله إذا وقعت منكم الذكرى لهم، وأما جعل الضمير للمتقين فبعيد جداً.

70

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) (وذر الذين اتخذوا دينهم) أي اترك هؤلاء الذين اتخذوا الدين الذي كان يحق عليهم العمل به والدخول فيه ودعوا إليه وهو دين الإسلام (لعباً ولهواً) حيث سخروا به واستهزؤوا فيه، فلا تعلق قلبك بهم فإنهم أهل تعنت وإن كنت مأموراً بإبلاغهم الحجة، وقيل هذه الآية منسوخة بآية القتال، وقيل المعنى أنهم اتخذوا دينهم الذي هم عليه لعباً ولهواً كما في فعلهم بالأنعام من تلك الجهالات والضلالات المتقدم ذكرها. وقيل المراد بالدين هنا العيد أي اتخذوا عيدهم لعباً ولهواً قال قتادة أي أكلاً وشرباً وكذا من جعل طريقته الخمر والزمر والرقص ونحوه، وفي البيضاوي بنوا أمر دينهم على التشهي وتدينوا بما لا يعود عليهم بنفع عاجلاً وآجلاً كعبادة الصنم وتحريم البحائر والسوائب، والمعنى أعرض عنهم ولا تبال بأفعالهم وأقوالهم، وقال مجاهد: هو مثل قوله: (ذرني ومن خلقت وحيداً) يعني أنه للتهديد، وعلى هذا تكون الآية محكمة. (وغرتهم الحياة الدنيا) حتى آثروها على الآخرة وأنكروا البعث وقالوا [إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمعوثين] (وذكر به) أي بالقرآن أو بالحساب أي لـ (أن) لا (تبسل نفس) الإبسال تسليم المرء نفسه للهلاك ومنه أبسلت ولدي أي رهنته في الدم، لأن عاقبته ذلك الهلاك، وأصل الإبسال والبسل في اللغة التحريم والمنع، يقال هذا عليك بسل أي حرام ممنوع، ومنه أسد باسل لأن فريسته لا تفلت منه أو لأنه ممتنع، والباسل الشجاع لامتناعه

من قرنه، وهذا بسيل عليك أي ممنوع. قال أبو عبيد: المتبسل الذي يسلم نفسه على الموت أو الضرب وإن استبسل أي أن يطرح نفسه في الحرب ويريد أن يقتل، فالمعنى وذكر به خشية أو مخافة أو كراهة أن تهلك نفس (بما كسبت) أي ترتهن وتسلم للهلكة وتحبس في جهنم وتحرم من الثواب بسبب ما كسبت من الآثام. وعن ابن عباس: أن تبسل أن تفضح وأبسلوا فضحوا وقال قتادة: تحبس في جهنم وقال الضحاك: تحرق بالنار وقال ابن زيد: تؤخذ به. (ليس لها) أي لتلك النفس التي هلكت (من دون الله) من لابتداء الغاية وقيل: إنها زائدة نقله ابن عطية وليس بشيء، والأول أظهر (ولي) قريب ناصر يلي أمرها (ولا شفيع) يشفع في الآخرة ويمنع عنها العذاب. (وإن تعدل كل عدل) العدل هنا الفدية والمعنى وإن بذلت تلك النفس التي سلمت للهلاك كل فدية (لا يؤخذ منها) ذلك العدل حتى تنجو به من الهلاك (أولئك) أي المتخذون دينهم لعباً ولهواً وهو مبتدأ، وخبره (الذين أبسلوا) أي أسلموا للهلاك (بما كسبوا) أي بجرائرهم. وجملة (لهم شراب من حميم) مستأنفة كأنه قيل كيف هؤلاء فقيل لهم شراب، الآية وهو الماء الحار البالغ نهاية الحرارة ومثله قوله تعالى: (يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم) وهو هنا شراب يشربونه فيقطع أمعاءهم (وعذاب أليم) مؤلم (بما كانوا يكفرون) أي بسبب كفرهم.

قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72)

71

(قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا) أمره الله سبحانه بأن يقول لهم هذه المقالة، والاستفهام للتوبيخ أي كيف ندعو من دون الله أصناماً لا تنفعنا بوجه من الوجوه إن أردنا منها نفعاً، ولا نخشى ضرها بوجه من الوجوه، ومن كان هكذا فلا يستحق للعبادة. (ونرد على أعقابنا) جمع عقب أي كيف ندعو من كان كذلك ونرجع إلى الضلالة التي أخرجنا الله منها، قال أبو عبيدة: يقال لمن رد عن حاجته ولم يظفر بها قد رد على عقبيه، وقال المبرد: تعقب بالشر بعد الخير، وأصله من المعاقبة والعقبى وهما ما كان تالياً للشيء واجباً أن يتبعه، ومنه (والعاقبة للمتقين) ومنه عقب الرجل ومنه العقوبة لأنها تالية للذنب. (بعد إذ هدانا الله) إلى دين الإسلام والتوحيد (كالذي استهوته الشياطين في الأرض) هوى يهوى إلى الشيء أسرع إليه، قال الزجاج: هو من هوى النفس أي زين له الشيطان هواه واستهوته الشياطين هوت به أي نرد حال كوننا مشبهين للذي استهوته الشياطين، أي ذهبت به مردة الجن فألقته في هوية من الأرض بعد أن كان بين الإنس، وعلى هذا أصله من الهوى وهو النزول من أعلى إلى أسفل. (حيران) أي حال كونه متحيراً تائهاً لا يدري كيف يصنع، والحيران

هو الذي لا يهتدي لجهة، وقد يقال حار يحار حيرة وحيرورة إذا تردد وبه سمي الماء المستنقع الذي لا منفذ له حائراً. (له أصحاب يدعونه إلى الهدى) صفة لحيران أو حال أي له رفقة يقولون له (ائتنا) فلا يجيبهم ولا يهتدي بهديهم وبقي حيران لا يدري أين يذهب. (قل) أمره سبحانه بأن يقول لهم (إن هدى الله) أي دينه الذي ارتضاه لعباده (هو الهدى) وما عداه باطل (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه). (وأمرنا لنسلم) هي لام العلة والمعلل هو الأمر أي أمرنا لأجل أن نسلم، قاله الزمخشري وقال الفراء: أمرنا بأن نسلم لأن العرب تقول أمرتك لتذهب وبأن تذهب بمعنى، وقال النحاس: سمعت ابن كيسان يقول هي لام الخفض وقيل زائدة. (لرب العالمين) لأنه هو الذي يستحق العبادة لا غيره

72

(و) أمرنا (أن أقيموا الصلاة) ويجوز أن يكون عطفاً على يدعونه أي يدعونه إلى الهدى ويدعونه أن أقيموا (واتقوه) لأن فيهما ما يقرب إليه. (وهو الذي إليه تحشرون) يوم القيامة فكيف تخالفون أمره مستأنفة موجبة لامتثال ما أمر به من الأمور الثلاثة.

73

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73) (وهو الذي خلق السموات والأرض) خلقاً (بالحق) أو حال كون الخلق بالحق فكيف تعبدون الأصنام المخلوقة أو إظهاراً للحق، وعلى هذا الباء بمعنى اللام وقيل كل ذلك بالحق وقيل خلقهما بكلامه الحق، وهو قوله كن وقيل بالحكمة أو محقاً لا هازلاً ولا عبثاً. (و) اذكروا أو اتقوا (يوم يقول) للسموات والأرض (كن) والمراد بالقول المذكور حقيقته أو المراد به التمثيل والتشبيه تقريباً للعقول، لأن سرعة قدرته تعالى أقل زمناً من زمن النطق بكن والأول أولى (فيكون) تام وفي فاعله أوجه. (أحدها) أنه ضمير جميع ما يخلقه الله تعالى يوم القيامة. (الثاني) أنه ضمير الصور المنفوخ فيه ودل عليه يوم ينفخ في الصور. (الثالث) أنه ضمير اليوم أي فيكون ذلك اليوم العظيم. (الرابع) أن الفاعل هو (قوله) و (الحق) صفته أي فيوجد قوله الحق ويكون الكلام على هذا قد تم على الحق. والمعنى قوله للشيء إذا أراده كن فيكون حق وصدق، وقيل المعنى لا يكون شيء من السموات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب، وقيل المعنى وأمره المتعلق بالأشياء الحق أي المشهود له بأنه حق وقيل المعنى قوله المتصف بالحق كائن يوم يقول، الآية وقرئ فنكون بالنون وهو إشارة إلى

سرعة الحساب وقرئ بالتحتية وهو الصواب. (وله الملك يوم ينفخ في الصور) أي له الملك في هذا اليوم وقيل هو بدل من اليوم الأول أخبر عن ملكه يومئذ وإن كان الملك له خالصاً في كل وقت في الدنيا والآخرة لأنه لا منازع له يومئذ يدعى الملك، والصور قرن ينفخ فيه النفخة الأولى للفناء والثانية للإنشاء، وهو لغة أهل اليمن، وكذا قال الجوهري: أن الصور القرن أي المستطيل وفيه جميع الأرواح وفيه ثقب بعددها فإذا نفخ خرجت كل روح من ثقبها ووصلت لجسدها فتحله الحياة. قال مجاهد: الصور كهيئة البوق وقرئ الصور جمع صورة والمراد الخلق وبه قال الحسن ومقاتل قال أبو عبيدة: وهذا وإن كان محتملاً يرد بما في الكتاب والسنة قال الله تعالى: (ثم نفخ فيه أخرى). وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وعبد بن حميد وابن المبارك عن عبد الله ابن عمرو قال سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصور فقال: " قرن ينفخ فيه " (¬1)، وأجمع عليه أهل السنة، والأحاديث الواردة في كيفية النفخ ثابتة في كتب الحديث لا حاجة لنا إلى إيرادها ههنا. (عالم الغيب والشهادة) صفة للذي خلق السموات والأرض أو هو يعلم ما غاب من عباده وما يشاهدونه فلا يغيب عن علمه شيء (وهو الحكيم) في جميع ما يصدر عنه (الخبير) بكل شيء. ¬

(¬1) رواه الإمام أحمد في " المسند " 10/ 10، 11، والترمذي: 3/ 295، وصححه، وأبو داود في " سننه " 4/ 326، ورواه الحاكم في " المستدرك " 2/ 436، 506 و 4/ 560، وصححه ووافقه الذهبي.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

74

(وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر) اختلف أهل العلم في لفظة آزر، قال الجوهري آزر اسم أعجمي وهو مشتق من آزر فلان فلاناً إذا عاونه فهو موازر قومه على عبادة الأصنام، وقال ابن فارس: أنه مشتق من القوة قال الجويني: في النكت من التفسير أنه ليس بين الناس اختلاف في أن اسم والد إبراهيم تارخ ضبطه بعضهم بالحاء المهملة وبعضهم بالخاء المعجمة، والذي في القرآن يدل على أن اسمه آزر، وقد تعقب في دعوى الاتفاق بما روي عن ابن اسحق والضحاك والكلبي أنه كان له اسمان آزر وتارخ وقال مقاتل: آزر لقب وتارخ اسم. وقال البخاري في تاريخه الكبير: إبراهيم بن آزر وهو في التوراة تارخ والله سماه آزر، وإن كان عند النسابين والمؤرخين اسمه تارخ ليعرف بذلك وكان من كوثى وهي قرية من سواد الكوفة. وقال سليمان التيمي: إن آزر سب وعتب ومعناه في كلامهم المعوج، وقال الضحاك: معنى آزر الشيخ الهرم بالفارسية، وهذا على مذهب من يجوز أن في القرآن ألفاظاً قليلة فارسية، وقال الفراء: هي صفة ذم بلغتهم كأنه قال يا مخطئ وروى مثله عن الزجاج وعن السدي قال اسم أبيه تارخ واسم الصنم آزر. وقال ابن عباس: الآزر الصنم وأبو إبراهيم اسمه يازر، وأمه اسمها مثلى، وامرأته اسمها سارة وسريته أم إسمعيل اسمها هاجر، وقال سعيد بن

المسيب ومجاهد: إما للتعيير له لكونه معبوده أو على حذف مضاف أي قال لأبيه عابد آزر أو أتعبد آزر على حذف الفعل. والصحيح أن آزر اسم لأبي إبراهيم لأن الله سماه به وعليه جرى جمهور المفسرين، وما نقل عن النسابين والمؤرخين أن اسمه تارخ ففيه نظر، لأنهم إنما نقلوه من أهل الكتاب ولا عبرة بنقلهم. وقد أخرج البخاري في أفراده من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " يلقى إبراهيم عليه السلام أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغبرة " (¬1)، الحديث وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - آزر أيضاً ولا قول لأحد مع قول الله تعالى ورسوله كائناً من كان. والمعنى أذكر إذ قال إبراهيم لآزر (أتتخذ أصناماً) جمع صنم وهو والتمثال والوثن بمعنى، وهو الذي يتخذ من خشب أو حجارة أو حديد أو ذهب أو فضة على صورة الإنسان أي أتجعلها (آلهة) لك تعبدها من دون الله الذي خلقك ورزقك (إني أراك) الرؤية إما علمية وإما بصرية، والجملة تعليل للإنكار والتوبيخ (وقومك) المتبعين لك في عبادة الأصنام (في ضلال) عن طريق الحق (مبين) واضح بين لأن هذه الأصنام لا تضر ولا تنفع. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 8014.

75

(وكذلك) أي مثل تلك الإراءة (نري إبراهيم) والجملة معترضة قيل كانت هذه الرؤية بعين البصر، وقيل بعين البصيرة ومعنى نرى أريناه حكاية حال ماضية أي أريناه ذلك، وقد كان آزر وقومه يعبدون الأصنام والكواكب والشمس والقمر، فأراد أن ينبههم على الخطأ وقيل: إنه ولد في سرب وجعل رزقه في أطراف أصابعه فكان يمصها، وسبب جعله في السرب أن النمرود رأى رؤيا أن ملكه يذهب على يد مولود فأمر بقتل كل مولود. (ملكوت السموات والأرض) أي ملكهما وزيدت التاء والواو للمبالغة

في الصفة ومثله الرغبوت والرهبوت، مبالغة في الرغبة والرهبة قيل أراد بملكوتهما ما فيهما من الخلق، وقيل عجائبهما وبدائعهما وقيل آياتهما، وقيل كشف الله عن ذلك حتى رأى إلى العرش وإلى أسفل الأرضين، وقيل رأى من ملكوتهما ما قصه الله في هذه الآية. قال ابن عباس: كشف ما بين السموات حتى نظر إليهن على صخرة والصخرة على حوت وهو الحوت الذي منه طعام الناس، والحوت في سلسلة والسلسة في خاتم العزة (¬1). وقال مجاهد: سلطانهما، وقيل المراد بملكوتهما الربوبية والإلهية أي نريه ذلك ونوفقه لمعرفته بطريق الاستدلال التي سلكها، قال قتادة: ملكوت السموات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار. وهذه الأقوال لا تقتضي أن تكون الإراءة بصرية إذ ليس المراد بإراءة ما ذكر من الأمور الحسية مجرد تمكينه عليه السلام من إبصارها ومشاهدتها في أنفسها، بل إطلاعه على حقائقها وتعريفها من حيث دلالتها على شؤونه عز وجل، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يدرك حساً كما ينبىء عنه اسم الإشارة المفصح عن كون المشار إليه أمراً بديعاً فإن الإراءة البصرية المعتادة بمعزل من تلك المثابة. (وليكون من الموقنين) أي ليستدل به ويكون من أهل اليقين عياناً كما أيقن بياناً واليقين عبارة عن علم يحصل بسبب التأمل بعد زوال الشبهة، قال ابن عباس: جلالَهُ الأمر سراً وعلانية فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، أو المعنى أريناه ذلك ليكون ممن يوقن علم كل شيء حساً وخبراً. ¬

(¬1) هذا لا يصح لأنه من عالم الغيب والغيب نقف فيه عند خبر المعصوم.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78)

76

(فلما جن عليه) أي ستره (الليل) بظلمته ومنه الجنة والمجن والجن كله من الستر أي واذكر إذ جن الليل، يقال جن الليل وأجن إذا أظلم وغطى كل شيء وهذه قصة أخرى غير قصة عرض الملكوت عليه (رأى كوكباً) قيل رأى من شق الصخرة الموضوعة على رأس السرب الذي كان فيه، وقيل رآه لما أخرجه أبوه من السرب وكان وقت غيبوبة الشمس، وقيل رأى المشتري وقيل الزهرة. (قال هذا ربي) جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال عند رؤية الكوكب قيل وكان هذا منه عند قصور النظر لأنه في زمن الطفولية وقيل كان بعد بلوغ إبراهيم، وعليه جمهور المحققين. ثم اختلف في تأويل هذه الآية فقيل أراد قيام الحجة على قومه كالحاكي لما هو عندهم وما يعتقدونه لأجل إلزامهم، وقيل معناه أهذا ربي؟ أنكر أن يكون مثل هذا رباً، ومثله قوله تعالى: (أفإن مت فهم الخالدون) أي أفهم الخالدون؟ وقيل المعنى وأنتم تقولون هذا ربي فأضمر القول وقيل المعنى على حذف مضاف أي هذا دليل ربي. (فلما أفل) أي غرب وغاب، والأفول غيبة النيرات (قال) إبراهيم (لا أحب الآفلين) يعني لا أحب رباً يغيب ويطلع فإن الغروب تغير من حال إلى حال، وهو دليل الحدوث فلم ينجع فيهم ذلك.

77

(فلما رأى القمر بازغاً) أي طالعاً منتشر الضوء يقال بزغ القمر إذا ابتدأ في الطلوع، والبزغ الشق كأنه يشق بنوره الظلمة (قال) لهم أ (هذا ربي) بزعمكم وقد تقدم الكلام فيه. (فلما أفل) أي غاب (قال لئن لم يهدني ربي) أي لئن لم يثبتني على الهداية ويوفقني للحجة، وليس المراد أنه لم يكن مهتدياً لأن الأنبياء لم يزالوا على الهداية من أول الفطرة، وفي الآية دليل على أن الهداية من الله تعالى لأن إبراهيم أضاف الهداية إليه سبحانه وتعالى (لأكونن من القوم الضالين) الذين لا يهتدون للحق فيظلمون أنفسهم ويحرمونها حظها من الخير.

78

(فلما رأى الشمس بازغة) الرؤية بصرية (قال هذا ربي) وإنما قال هذا مع كون الشمس مؤنثة لأن مراده هذا الطالع قاله الكسائي والأخفش، وقيل هذا الضوء وقيل الشخص وقيل لأن تأنيث الشمس غير حقيقي (هذا أكبر) أي مما تقدمه من الكوكب والقمر، وقيل أكبر جرماً وضوءاً ونفعاً فسعة جرم الشمس مائة وعشرون سنة كما قاله الغزالي. (فلما أفلت) أي غابت الشمس وقويت عليهم الحجة ولم يرجعوا (قال يا قوم إني بريء مما تشركون) أي من الأشياء التي تجعلونها شركاء لله وتعبدونها من الأصنام والأجرام المحدثة المحتاجة إلى محدث، قال بهذا لما ظهر له أن هذه الأشياء مخلوقة لا تنفع ولا تضر مستدلاً على ذلك بأفولها الذي هو دليل حدوثها.

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80)

79

(إني وجهت وجهي) أي قصدت بعبادتي وتوحيدي الله عز وجل، وذكر الوجه لأنه العضو الذي يعرف به الشخص، أو لأنه يطلق على الشخص كله كما تقدم (للذي فطر السموات والأرض) أي خلقهما وابتدعهما (حنيفاً) أي مائلاً إلى الدين الحق (وما أنا من المشركين) به، تبرأ من الشرك الذي كان عليه قومه.

80

(وحاجه قومه) أي وقعت منهم المحاججة له في توحيده بما يدل على ما يدعونه من أن ما يشركون به ويعبدونه من الأصنام آلهة فأجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام بما حكاه الله عنه أنه (قال أتحاجوني في الله) أي في كونه لا شريك له ولا ند له ولا ضد (وقد هدانِ) إلى توحيده وأنتم تريدون أن أكون مثلكم في الضلالة والجهالة وعدم الهداية. (ولا أخاف ما تشركون به) قال هذا لما خوفوه من آلهتهم بأنها ستغضب عليه وتصيبه بمكروه أي: إني لا أخاف ما هو مخلوق من مخلوقات الله لا يضر ولا ينفع، وإنما يكون الخوف ممن يقدر على النفع والضرر، والضمير في به يجوز رجوعه إلى الله وإلى معبوداتهم المدلول عليها بما في ما تشركون به. (إلا أن يشاء ربي شيئاً) أي إلا وقت مشيئة ربي بأن يلحقني شيئاً من الضرر بذنب عملته فالأمر إليه وذلك منه لا من معبوداتكم الباطلة التي لا تضر ولا تنفع، والمعنى على نفي حصول ضرر من معبوداتهم على كل حال،

وإثبات الضرر والنفع لله سبحانه وصدورهما حسب مشيئته، والاستثناء على هذا متصل لأنه من جنس الأول والمستثنى منه الزمان كما أشار إلى ذلك في الكشاف، وقيل منقطع بمعنى لكن وعليه جرى ابن عطية والحوفي وهو أحد قولي أبي البقاء والكواشي، وإليه نحا السيوطي، قال الحوفي تقديره لكن مشيئة الله إياي بضر أخافها. ثم علل ذلك بقوله (وسع ربى كل شيء علماً) يعني أن علمه محيط بكل شيء فلا يخرج شيء عن علمه قال أبو البقاء: لأن ما يسع الشيء فقد أحاط به، والعالم بالشيء محيط بعلمه فإذا شاء الخير كان حسب مشيئته، وإذا شاء إنزال شر بي كان حسب مشيئته ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. ثم قال لهم مكملاً للحجة عليهم ودافعاً لما خوفوه به (أفلا تتذكرون) أي تعتبرون أن هذه الأصنام جمادات لا تضر ولا تنفع، وأن النافع الضار هو الذي خلق السموات والأرض ومن فيهما.

81

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) (وكيف أخاف ما أشركتم) أي كيف أخاف ما لا يضر ولا ينفع ولا يخلق ولا يرزق ولا يبصر ولا يسمع ولا يقدر شيئاً استئناف مسوق لنفي الخوف عنه بالطريق الإلزامي بعد نفيه عنه بحسب الواقع ونفس الأمر بقوله سابقاً ولا أخاف ما تشركون به. (ولا تخافون أنكم أشركتم بالله) أي والحال أنكم لا تخافون ما صدر منكم من الشرك بالله وهو الضار النافع الخالق الرازق، أورد عليهم هذا الكلام الإلزامي الذي لا يجدون عنه مخلصاً ولا متحولاً، والاستفهام للإنكار عليهم والتقريع لهم. (ما لم ينزل به عليكم سلطاناً) أي ما ليس لكم فيه حجة وبرهان يعني لا تخافون أنكم جعلتم الأشياء التي لم ينزل بها عليكم سلطاناً شركاء لله، والمعنى أن الله سبحانه لم يأذن بجعلها شركاء له ولا نزل عليهم بإشراكها حجة يحتجون بها، فكيف عبدوها واتخذوها آلهة وجعلوها شركاء الله سبحانه. (فأي الفريقين أحق بالأمن) المراد فريق المؤمنين وفريق المشركين أي إذا كان الأمر على ما تقدم من أن معبودي هو الله المتصف بتلك الصفات، ومعبودكم هي تلك المخلوقات والجمادات، فكيف تخوفوني بها وكيف أخافها وهي بهذه المنزلة، ولا تخافون من إشراككم بالله سبحانه، وبعد هذا فأخبروني أي الفريقين أحق بالأمن من العذاب وعدم الخوف في يوم القيامة الموحد أم المشرك، ولم يقل أينا أحق أنا أم أنتم احترازاً عن تزكية نفسه، والمراد من الأحق الحقيق. (إن كنتم تعلمون) بحقيقة الحال وتعرفون البراهين الصحيحة وتميزونها عن الشبه الباطلة، ثم قال الله سبحانه قاضياً بينهم ومبيناً لهم:

الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

82

(الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي هم الأحق بالأمن من الذين أشركوا، وقيل من تمام قول إبراهيم، وقيل هو من قول قوم إبراهيم، أقوال للعلماء وعليها تترتب الأعاريب التي ذكرها السمين في هذا المقام لا نطول بذكرها، والمعنى لم يخلطوه بظلم والمراد بالظلم الشرك وقد فسره به أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وحذيفة بن اليمان وسلمان الفارسي وأبي بن كعب وابن عباس. وقد روي عن جماعة من التابعين مثل ذلك، ويغني عن الجميع في تفسير الآية ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا: أينا لم يظلم نفسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " (¬1). والعجب من صاحب الكشاف حيث يقول في تفسير هذه الآية وأبى تفسير الظلم بالكفر لفظ اللبس، وهو لا يدري أن الصادق المصدوق قد فسرها بهذا، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وفي زاده على البيضاوي وذهب المعتزلة إلى أن المراد بالظلم في الآية المعصية لا الشرك بناء على أن خلط أحد الشيئين بالآخر يقتضي اجتماعهما ولا ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 152 - 153.

يتصور خلط الإيمان بالشرك لأنهما ضدان لا يجتمعان، وهذه الشبهة ترد عليهم بأن يقال كما أن الإيمان لا يجامع الكفر فكذلك المعصية لا تجامع الإيمان عندكم لكونه إسماً لفعل الطاعات واجتناب المعاصي، فلا يكون مرتكب الكبيرة مؤمناً عندكم انتهى. والإشارة بقوله: (أولئك) إلى الموصول المتصف بما ذكر (لهم الأمن) يوم القيامة من عذاب النار، وفي الآية دليل على أن من مات لا يشرك بالله شيئاً كانت عاقبته الأمن من عذاب النار، والجملة وقدت خبراً عن اسم الإشارة هذا أوضح ما قيل مع احتمال غيره من الوجوه (وهم مهتدون) إلى الحق ثابتون عليه، وغيرهم على ضلال وجهل. والإشارة بقوله:

83

(وتلك حجتنا) إلى ما تقدم من الحجج التي أوردها إبراهيم عليهم، أي تلك البراهين التي جرت بين إبراهيم وبين قومه من قوله: (فلما جن عليه الليل) أو من قوله: (أتحاجوني) إلى قوله: (وهم مهتدون) وقال السمين من قوله: (وكذلك نرى إبراهيم) إلى قوله وما أنا من المشركين. (آتيناها إبراهيم) أي أعطيناها إياه وأرشدناه إليها حجة (على قومه نرفع درجات من نشاء) بالهداية والعلم والفهم والعقل والفضيلة والإرشاد إلى الحق وتلقين الحجة أو بما هو أعم من ذلك، وفيه نقض قول المعتزلة في الأصلح قال الضحاك: إن للعلماء درجات كدرجات الشهداء (إن ربك حكيم) في كل ما يصدر عنه (عليم) بحال عباده أن منهم من يستحق الرفع ومنهم من لا يستحقه، خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم على ما قاله السمين وأبو حيان.

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86)

84

(ووهبنا له إسحق) إبناً لصلبه (ويعقوب) ولد الولد أي وهبنا له ذلك جزاء على الاحتجاج في الدين وبذل النفس فيه، والمقصود من تلاوة هذه المنعم على محمد صلى الله عليه وآله وسلم تشريفه لأن شرف الوالد يسري إلى الولد، وجملة ما ذكر في هذه الآية ثمانية عشر رسولاً وبقي سبعة وهم آدم وإدريس وشعيب وصالح وهود وذو الكفل ومحمد فهؤلاء الخمسة والعشرون رسولاً هم الذين يجب الإيمان بهم تفصيلاً. (كلا) أي كل واحد منهما (هدينا) إلى سبيل الرشاد وطريق الحق والصواب الذي أوتيه إبراهيم فإنهما مقتديان به (ونوحاً هدينا) بين آدم ونوح ألف ومائة سنة، وعاش آدم تسعمائة وستين سنة ونوح ابن لمك وكان بين إدريس ونوح ألف سنة، وإبراهيم ولد على رأس ألفي سنة من آدم وبينه وبين نوح عشرة قرون، وعاش إبراهيم مائة وخمساً وسبعين سنة، وولده إسمعيل عاش مائة وثلاثين سنة، وكان له حين مات أبوه تسع وثمانون سنة. وأخوه إسحق ولد بعده بأربع عشرة سنة وعاش مائة وثمانين سنة. ويعقوب بن إسحاق عاش مائة وسبعاً واربعين، ويوسف بن يعقوب عاش مائة وعشرين سنة، وبينه وبين موسى أربعمائة سنة، وبين موسى وإبراهيم خمسمائة وخمس وستون سنة، وعاش موسى مائة وعشرين سنة، وبين موسى وداود خمسمائة وتسع وستون سنة وعاش مائة سنة، وولده

سليمان عاش نيفاً وخمسين سنة، وبينه وبين مولد النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ألف وسبعمائة سنة. وأيوب عاش ثلاثاً وستين سنة وكانت مدة بلائه سبع سنين، ويونس هو ابن متى وهي أمه ذكره السيوطي في التحبير في علم التفسير. (من قبل) أي من قبل إبراهيم بعشرة قرون، وأرشدناه للحق والصواب ومننا عليه بالهداية (ومن ذريته) أي من ذرية إبراهيم لأن مساق النظم الكريم لبيان شؤونه العظيمة من إيتاء الحجة ورفع الدرجات وهبة الأولاد الأنبياء وإبقاء هذه الكرامة في نسله إلى يوم القيامة، كل ذلك لإلزام من ينتمي إلى ملته عليه السلام من المشركين واليهود. وقال الفراء: من ذرية نوح واختاره ابن جرير والطبري والقشيري وابن عطية وجمهور المفسرين لأنه أقرب، ولأن يونس ولوطاً ليسا من ذرية إبراهيم، فلو كان الضمير له لاختص بالمعدودين في هذه الآية والتي بعدها، وأما المذكورون في الآية الثالثة فعطف على نوحاً وقال الزجاج: كلا القولين جائز لأن ذكرهما جميعاً قد جرى. (داود) هو ابن ميشا وكان ممن آتاه الله الملك والنبوة (وسليمان) كذلك وهو ابن داود (وأيوب) هو ابن اموص بن رازخ بن روم بن عيص بن إسحق بن إبراهيم (ويوسف) هو ابن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم (وموسى) هو ابن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب (وهرون) هو أخو موسى وكان أكبر منه بسنة، وإنما عد الله سبحانه هداية هؤلاء الأنبياء من النعم التي عددها إبراهيم لأن شرف الأبناء متصل بالآباء. (وكذلك) الجزاء (نجزي المحسنين)

85

(وزكريا) هو ابن آدن بن بركيا (ويحيى) هو ابن زكريا (وعيسى) هو ابن مريم بنت عمران (وإلياس) هو إدريس قاله ابن مسعود، وقال محمد بن إسحق: هو إلياس بن سنا بن

فنحاص ابن العيزار بن هرون بن عمران، وهذا هو الصحيح لأن أهل الأنساب قالوا إن إدريس جد نوح ولأن الله نسب إلياس في هذه الآية إلى نوح وجعله من ذريته، وقال الضحاك: إلياس من ولد إسمعيل. وقال القتيبي: هو من سبط يوشع بن نون، قال محمد بن كعب: الخال والد، والعم والد نسب الله عيسى إلى أخواله فقال: (ومن ذريته) حتى بلغ إلى قوله زكريا ويحيى وعيسى. أخرج أبو الشيخ والحاكم والبيهقي عن عبد الملك بن عمير قال: دخل يحيى بن يعمر على الحجاج فذكر الحسين رضي الله عنه فقال الحجاج: لم يكن من ذرية النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال يحيى: كذبت فقال: لتأتيني على ما قلت ببينة فتلا (ومن ذريته إلى قوله وعيسى) فأخبر الله أن عيسى من ذرية آدم بأمه فقال صدقت، وقد رويت هذه القضية بألفاظ وطرق، وفيه دليل على أن النسب يثبت من قبل الأم أيضاً لأنه جعله من ذرية نوح وهو لا يتصل به إلا بالأم. (كل من الصالحين) أي كل من ذكرنا وسمينا من أهل الصلاح

86

(وإسمعيل) هو ابن إبراهيم، وإنما أخر ذكره إلى هنا لأنه ذكر إسحق وذكر أولاده من بعده على نسق واحد. (واليسع) هو ابن أخطوب بن العجوز وقد توهم قوم أن اليسع هو إلياس وهو وهم فإن الله أفرد كل واحد منهما، وقال وهب اليسع صاحب إلياس وكانا قبل يحيى وعيسى وزكريا وقيل اليسع هو الخضر (ويونس) هو ابن متى (ولوطاً) هو ابن هاران أخي إبراهيم (وكُلّا فضلنا على العالمين) أي وكل واحد فضلناه بالنبوة على عالمي زمانه، والجملة معترضة. ويستدل بهذه الآية من يقول: إن الأنبياء أفضل من الملائكة لأن العالم اسم لكل موجود سوى الله فيدخل فيه الملك، وقد ذكر سبحانه هنا ثمانية عشر نبياً من غير ترتيب لا بحسب الفضل ولا بحسب الزمان لأن الواو لا تقتضي الترتيب.

وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90)

87

(ومن آبائهم) من للتبعيض لأن من آباء بعضهم من لم يكن مسلماً (وذرياتهم) أي بعضهم لأن عيسى ويحيى لم يكن لهما ولد وكان في ذرية بعضهم من هو كافر كابن نوح. (وإخوانهم واجتبيناهم) أي اخترناهم، الاجتباء الاصطفاء أو التخليص أو الاختيار مشتق من جبيت الماء في الحوض أي جمعته، فالاجتباء ضم الذي تجتبيه إلى خاصتك، والجابية الحوض (وهديناهم) أي أرشدناهم (إلى صراط مستقيم) أي إلى دين الحق.

88

(ذلك) الهداية والتفضيل والاجتباء المفهومة من الأفعال السابقة (هدى الله يهدي به) الله (من يشاء من عباده) وهم الذين وفقهم للخير واتباع الحق. (ولو اشركوا) أي هؤلاء المذكورون بعبادة غير الله (لحبط عنهم) الحبوط البطلان والذهاب، وقد تقدم تحقيقه في البقرة (ما كانوا يعملون) من الطاعات قبل ذلك لأن الله لا يقبل مع الشرك من الأعمال شيئاً.

89

(أولئك) أي الأنبياء المذكورون سابقاً (الذين آتيناهم الكتاب) أي جنس الكتاب ليصدق على كل ما أنزل على هؤلاء المذكورين، وليس لكل

منهم كتاب فالمراد بإيتاء الكتاب لكل منهم تفهيم ما فيه أعم من أن يكون ذلك بالإنزال عليه ابتداء أو بوراثة من قبله (والحكم) العلم (والنبوة) الرسالة أو ما هو أعم من ذلك (فإن يكفر بها) الضمير راجع إلى الحكم والنبوة والكتاب أو للنبوة فقط. و (هؤلاء) إشارة إلى كفار قريش بمكة المعاندين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فقد وكلنا بها قوماً) أي أرصدنا لها وأعددنا وألزمنا بالإيمان بها قوماً. (ليسوا بها بكافرين) وهم المهاجرون والأنصار، والباء زائدة، قال ابن عباس: فإن يكفر أهل مكة بالقرآن فقد وكلنا به أهل المدينة والأنصار، وقال قتادة: هم الأنبياء الثمانية عشر، وقال أبو رجاء العطاردي: هم الملائكة، وفيه بعد، لأن اسم القوم لا ينطبق إلا على بني آدم، وقيل هم الفرس، قال ابن زيد: كل من لم يكفر فهو منهم سواء كان ملكاً أو نبياً أو من الصحابة أو التابعين، والأولى أن المراد بهم الأنبياء المذكورون سابقاً لقوله فيما بعد:

90

(أولئك الذين هدى الله) فإن الإشارة إلى الأنبياء المذكورين لا إلى المهاجرين والأنصار إذ لا يصح أن يؤمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاقتداء بهداهم وتقديم (فبهداهم) على الفعل أي (اقتده) يفيد تخصيص هداهم بالاقتداء، قرىء اقتده بهاء السكت وقفاً ووصلاً، وهي حرف تجتلب للإستراحة عند الوقف فثبوتها وقفاً لا إشكال فيه، وأما ثبوتها وصلاً فاجراء له مجرى الوقف، وفي قراءة بحذفها وصلاً لحمزة والكسائي. والاقتداء طلب موافقة الغير في فعله، وقيل المعنى اصبر كما صبروا، وقيل اقتد بهم في التوحيد وإن كانت جزئيات الشرائع مختلفة، وقيل في جميع الأخلاق الحميدة والأفعال المرضية، والصفات الرفيعة الكاملة، وفيها دلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - مأمور بالاقتداء بمن قبله من الأنبياء فيما لم يرد عليه فيه نص.

أخرج البخاري والنسائي وغيرهما عن ابن عباس قال: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتدي بهداهم وكان يسجد في (ص) ولفظ ابن أبي حاتم عن مجاهد سألت ابن عباس عن السجدة التي في (ص) فقرأ هذه الآية وقال: أمر نبيكم أن يقتدى بداود عليه السلام (¬1). وقد احتج أهل العلم بهذه الآية على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل من جميع الأنبياء لما اجتمع فيه من هذه الخصال التي كانت متفرقة في جميعهم. (قل لا أسألكم عليه) أي على القرآن أو على التبليغ، فإن سياق الكلام يدل عليهما وإن لم يجر لهما ذكر (أجراً) عوضاً من جهتكم، قال ابن عباس: قل لهم يا محمد لا أسألكم على ما أدعوكم إليه عرضاً من عروض الدنيا وكان ذلك من جملة هداهم. (إن هو) أي ما القرآن (إلا ذكر للعالمين) أي موعظة وتذكير للخلق كافة الموجودين عند نزوله ومن سيوجد من بعد، وفيه دليل على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مبعوثاً إلى جميع الخلق من الجن والإنس وأن دعوته عمت جميع الخلائق. ¬

(¬1) وسيأتي تفصيله في تفسير سورة ص إن شاء الله.

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

91

(وما قدروا الله حق قدره) قدرت الشيء وقدرته عرفت مقداره وأصله الستر ثم استعمل في معرفة الشيء أي لم يعرفوه حق معرفته حيث أنكروا إرساله للرسل وإنزاله للكتب قاله الأخفش، وقيل المعنى وما قدروا نعم الله حق تقديرها، قال ابن عباس: هم الكفار لم يؤمنوا بقدرة الله، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير قد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، وقال مجاهد: قالها مشركو العرب، وعنه قال ما عظموا الله حق عظمته، وقال أبو العالية: ما وصفوا الله حق صفته، ويصح جميع ذلك في معناه (¬1). (إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء) قال ابن عباس: قالت اليهود ¬

(¬1) وروي أن مالك بن الصيف رأس اليهود، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أتجد فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ " قال: نعم، قال: " فأنت الحبر السمين ". فغضب، ثم قال: (ما أنزل الله على بشر من شي) فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس؛ وكذلك قال سعيد بن جبير، وعكرمة: نزلت في مالك بن الصيف. رجح هذا القول ابن كثير، وقال: إنه الأصح، لأن الآية مكية، واليهود ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا يبعدون إرسال رسول من البشر كما قال:. (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس) [يونس: 2]. وقال تعالى:. (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً) [الإسراء: 94، 95].

يا محمد أأنزل الله عليك كتاباً قال: نعم قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتاباً، وعن السدي قاله فنحاص اليهودي فنزلت، وعن عكرمة قال: نزلت في مالك بن الصيف وعن سعيد بن جبير نحوه، ولكن بأطول منه، والمعنى الذين قالوا ذلك ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه حق معرفته، إذ لو عرفوه لما قالوا هذه المقالة. ولما وقع منهم هذا الإنكار وهم من اليهود أمر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يورد عليهم حجة لا يطيقون دفعها فقال: (قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى). وهم يعترفون بذلك ويذعنون له، وكان في هذا من التبكيت لهم والتقريع ما لا يقادر قدره مع إلجائهم إلى الإعتراف بما أنكروه من وقوع إنزال الله على البشر وهم الأنبياء عليهم السلام، فبطل جحدهم وتبين فساد إنكارهم، وقيل: إن القائلين بهذه المقالة هم كفار قريش فيكون إلزامهم بإنزال الله الكتاب على موسى من جهة أنهم يعترفون بذلك ويعلمونه بالأخبار من اليهود وقد كانوا يصدقونهم. (نوراً وهدى للناس) أي التوراة ضياء من ظلمة الضلالة، وبيان يفرق بين الحق والباطل من دينهم، وذلك قبل أن تغير وتبدل (تجعلونه) بالتاء والياء أي الكتاب الذي جاء به موسى في (قراطيس) أو ذا قراطيس أو نزلوه منزلة القراطيس، وقد تقدم تفسير القرطاس أي يضعونه فيها ويكتبونه مقطعاً وورقات مفرقة ليتم لهم ما يريدونه من التحريف والتبديل والإبداء والإخفاء وكتم صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - المذكورة فيه، وهذا ذم لهم قال مجاهد هم اليهود. (تبدونها) أي القراطيس المكتوبة (وتخفون كثيراً) مما كتبوه في القراطيس ومما أخفوه أيضاً آية الرجم، وكانت مكتوبة عندهم في التوراة.

(وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم) الخطاب لليهود ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية مقررة لما قبلها والذي علموه هو الذي أخبرهم به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من الأمور التي أوحى الله إليه بها فإنها اشتملت على ما لم يعلموه من كتبهم ولا على لسان أنبيائهم ولا علمه أنبياؤهم، ويجوز أن تكون " ما " في ما لم تعلموا عبارة عما علموه من التوراة فيكون ذلك على وجه المن عليهم بإنزال التوراة. وقيل الخطاب للمشركين من قريش وغيرهم فتكون " ما " عبارة عما علموه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال الحسن: جعل لهم علم ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - فضيعوه ولم ينتفعوا به، وقال مجاهد: هذا خطاب للمسلمين يذكرهم النعمة فيما علمهم على لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -، والأول أولى، وقال قتادة: هم اليهود آتاهم علماً فلم يقتدوا به ولم يأخذوا به، ولم يعملوا، فذمهم الله في علمهم ذلك. ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عن ذلك الإلزام الذي ألزمهم به حيث قال: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى فقال: (قل) أنزله (الله) فإنهم لا يقدرون أن يناكروك، وقيل قل أنت الله الذي أنزله، والأول أولى. (ثم ذرهم في خوضهم) أي في باطلهم وكفرهم بالله حال كونهم (يلعبون) أي يصنعون صنع الصبيان الذين يلعبون، وقيل معناه يسخرون ويستهزئون، وفيه وعيد وتهديد بالمشركين وقيل هذا منسوخ بآية السيف، وفيه بعد ظاهر.

92

(وهذا كتاب أنزلناه) هذا من جملة الرد عليهم في قولهم: (ما أنزل الله على بشر من شيء) أخبرهم بأن الله أنزل التوراة وعقبه بقوله: (وهذا كتاب) أنزله الله من عنده على محمد - صلى الله عليه وسلم - فكيف تقولون ما أنزل الله على بشر

من شيء (مبارك) كثير البركة والخير دائم النفع، وأصل البركة النماء والزيادة (مصدق) أي كثير التصديق (الذي بين يديه) أي ما أنزله الله من الكتب من السماء على الأنبياء من قبله كالتوراة والإنجيل، فإنه يوافقها في الدعوة إلى الله وإلى توحيده وإن خالفها في بعض الأحكام. (ولتنذر أم القرى) خصها وهي مكة لكونها أعظم القرى شأناً، ولكونها أول بيت وضع للناس، ولكونها قبلة هذه الأمة ومحل حجهم، قال قتادة: بلغني أن الأرض دحيت من مكة ولهذا سميت بأم القرى وقيل لأنها سرة الأرض، والمراد بإنذارها إنذار أهلها وهو مستتبع لإنذار سائر أهل الأرض فهو على تقدير مضاف محذوف. (ومن حولها) يعني جميع البلاد والقرى شرقاً وغرباً، وفيه دليل على عموم رسالته - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل الأرض كافة. (والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به) أي أن من حق من صدق بالدار الآخرة أن يؤمن بهذا الكتاب ويصدقه ويعمل بما فيه، لأن التصديق بالآخرة يوجب قبول من دعا الناس إلى ما ينال به خيرها ويندفع بها ضرها. (وهم على صلاتهم يحافظون) خص المحافظة على الصلاة من بين سائر الواجبات لكونها عمادها وبمنزلة الرأس لها، وكونها أشرف العبادات بعد الإيمان بالله تعالى، فإذا كان العبد محافظاً عليها حافظ على جميع العبادات والطاعات، والمعنى يداومون عليها في أوقاتها، والحاصل أن الإيمان بالآخرة يحمل على الإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يحمل على المحافظة على الصلاة.

93

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) (ومن أظلم) هذه الجملة مقررة لمضمون ما تقدم من الاحتجاج عليهم بأن الله أنزل الكتب على رسله أي كيف تقولون ما أنزل الله على بشر من شيء وذلك يستلزم تكذيب الأنبياء عليهم السلام، ولا أحد أظلم وأعظم خطأً وأجهل فعلاً (ممن افترى على الله كذباً) فزعم أنه نبي وليس بنبي (أو قال أوحي إليّ ولم يوح إليه شيء) عطف خاص على عام، قاله أبو حيان أو عطف تفسير. والأحسن أنه من عطف المغاير باعتبار العنوان وتكون أو للتنويع، وقد صان الله أنبياءه عما يزعمون عليهم، وإنما هذا شأن الكذابين رؤوس الضلال كمسيلمة الكذاب، ادعى النبوة باليمامة من اليمن، والأسود العنسي صاحب صنعاء وسجاح. قال شرحبيل بن سعد: نزلت في عبد الله بن أبي سرح لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة فر إلى عثمان أخيه من الرضاعة فغيبه عنده حتى اطمأن أهل مكة ثم استأمن له، وقال ابن جريج: نزلت في مسيلمة الكذاب من ثمامة ونحوه ممن دعا إلى مثل ما دعا إليه، وقيل في مسيلمة بن حبيب من بني حنيفة وكان صاحب نير نجات وكهانة وسجع ادعى النبوة في اليمن. عن عكرمة قال: لما نزلت (والمرسلات عرفاً) قال النضر وهو من بني

عبد الدار والطاحنات طحناً والعاجنات عجناً قولاً كثيراً فأنزل الله هذه الآية. (ومن قال سأنزل) معطوف على من افترى أي ومن أظلم ممن افترى أو ممن قال أوحي إلي وممن قال سأنزل أي سآتي وأنظم وأجمع وأتكلم (مثل ما أنزل الله) وهم القائلون لو نشاء لقلنا مثل هذا، وقيل هو عبد الله ابن أبي سرح فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأملى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ثم أنشأناه خلقاً آخر) فقال عبد الله: (فتبارك الله أحسن الخالقين) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هكذا أنزل، فشك عبد الله حينئذ وقال لئن كان محمد صادقاً لقد أوحي إلي كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً لقد قلت كما قال، ثم ارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، ثم أسلم يوم الفتح كما هو معروف. قال أهل العلم: وقد دخل في حكم هذه الآية كل من افترى على الله كذباً في ذلك الزمان وبعده لأنه لا يمنع خصوص السبي من عموم الحكم. (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت) الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح له، والمراد كل ظالم ويدخل فيه الجاحدون لما أنزل الله والمدعون للنبوات افتراء على الله دخولاً أولياً وجواب لو محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً، والغمرات جمع غمرة وهي الشدة، وأصلها الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها، ومنه غمرة الماء، ثم استعملت في الشدائد ومنه غمرة الحرب قال الجوهري: والغمرة الشدة والجمع غمر مثل نوبة ونوب، قال ابن عباس: غمرات الموت سكراته. (والملائكة باسطوا أيديهم) بقبض أرواح الكفار كالمتقاضي الملظ الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف عليه في المطالبة من غير إمهال وتنفيس، قال ابن عباس: هذا ملك الموت عليه السلام، وقيل باسطوا أيديهم للعذاب وفي أيديهم مطارق الحديد، قاله الضحاك ومثله قوله تعالى: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم).

(أخرجوا أنفسكم) أي قائلين لهم تعنيفاً أخرجوا أنفسكم من هذه الغمرات التي وقعتم فيها أو أخرجوا أنفسكم من الدنيا وخلصوها من العذاب أو أخرجوا أنفسكم من أجسادكم وسلموها إلينا لنقبضها. (اليوم) أي اليوم الذي تقبض فيه أرواحكم أو أرادوا باليوم الوقت الذي يعذبون فيه الذي مبدؤه عذاب القبر. (تجزون عذاب الهون) أي الهوان الذي تصبرون به في إهانة وذلة بعدما كنتم فيه من الكبر والتعاظم. (بما كنتم تقولون على الله غير الحق) أي بسبب قولكم هذا من إنكار إنزال الله كتبه على رسله والإشراك به. (وكنتم عن آياته تستكبرون) أي عن التصديق لها والعمل بها فكان ما جوزيتم به عذاب الهون جزاء وفاقاً.

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94) إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)

94

(و) يقال لهم إذا بعثوا، والقائلون هم الملائكة وقيل هو قول الله تعالى: (لقد جئتمونا فرادى) قرئ بالتنوين وهي لغة بني تميم وبألف التأنيث للجمع وهو جمع فرد وفريد قاله الفراء، وقال ابن قتيبة: هو جمع فردان كسكران وسكارى، وقال الراغب: جمع فريد كأسير وأسارى، وقيل هو اسم جمع لأن فرداً لا يجمع على فرادى والمعنى جئتمونا منفردين واحداً واحداً كل واحد منفرد عن أهله وماله وولده وما كان يعبده من دون الله فلم ينتفع بشيء من ذلك. قال سعيد بن جبير: كيوم ولد يرد عليه كل شيء نقص منه يوم ولد، وعن عكرمة قال: قال النضر بن الحرث سوف تشفع لي اللات والعزى فنزلت هذه الآية. (كما خلقناكم أول مرة) أي على الصفة التي كنتم عليها عند خروجكم من بطون أمهاتكم حفاة عراة غًرْلاً يعني: خلقاً كما ولدتكم أمهاتكم في أول مرة في الدنيا ولا شيء عليكم ولا معكم. (وتركتم ما خولناكم) أي ما أعطيناكم من المال والولد والخدم في الدنيا، والخول ما أعطاه الله للإنسان من متاع الدنيا (وراء ظهوركم) أي تركتم ذلك خلفكم لم تأتونا بشيء منه ولا انتفعتم به بوجه من الوجوه.

(وما نرى معكم شفعاءكم الذين) عبدتموهم وقلتم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى و (زعمتم أنهم فيكم شركاء) لله يستحقون منكم العبادة كما يستحقها فإذا كان يوم القيامة وبخ الله المشركين وقرعهم بهذه الآية. ثم قال: (لقد تقطع بينكم) أي ما بينكم من الوصل وتواصلكم في الدنيا كما يدل عليه (وما نرى معكم شفعاءكم) وقيل لقد تقطع الأمر بينكم، وقرأ ابن مسعود لقد تقطع ما بينكم وقرئ بينكم برفع النون ومعناه وصلكم والبين من الأضداد يكون وصلاً ويكون هجراً (وضل عنكم ما كنتم تزعمون) في الدنيا من الشركاء والشرك وحيل بينكم وبينهم.

95

(إن الله فالق الحب) هذا شروع في تعداد عجائب صنعه تعالى، وذكر ما يعجز آلهتهم عن أدنى شيء منه والفلق الشق أي هو سبحانه شاق الحب فيخرج منه النبات (و) فالق (النوى) فيخرج منه الشجر الصاعد في الهواء، وقيل معناه الشق الذي فيه من أصل الخلقة وقيل معنى فالق خالق، وبه قال ابن عباس والضحاك ومقاتل، قال الواحدي: ذهبوا بفالق مذهب فاطر، وأنكر الطبري هذا وقال لا يعرف في كلام العرب فلق الله الشيء بمعنى خلق، ونقل الأزهري عن الزجاج جوازه والأول أولى. والحب هو الذي ليس فيه نوى كالحنطة والشعير والأرز وما أشبه ذلك، والنوى جمع نواة يطلق على كل ما فيه عجم كالتمر والمشمش والخوخ، والمعنى أنه إذا وقعت الحبة أو النواة في الأرض الرطبة ثم مر عليها زمان أظهر الله منهما ورقاً أخضر، ثم يخرج من ذلك الورق سنبلة يكون فيها الحب، ويظهر من النواة شجرة صاعدة في الهواء وعروقاً ضاربة في الأرض، فسبحان من أوجد جميع الأشياء بقدرته وإبداعه وخلقه، وتبارك الله أحسن الخالقين. (يخرج الحي من الميت) هذه الجملة خبر بعد خبر، وقيل هي جملة

مفسرة لما قبلها لأن معناها معناه، والأول أولى فإن معنى ذلك يخرج الحيوان من مثل النطفة والبيضة وهي ميتة (و) معنى (مخرج الميت من الحي) مخرج النطفة والبيضة وهي ميتة من الحي، وهذا قول الكلبي ومقاتل، وهذا عطف جملة إسمية على فعلية ولا ضير في ذلك. قال قتادة: يخرج النخلة من النواة والسنبلة من الحبة، ويخرج النواة من النخلة والحبة من السنبلة وقال مجاهد: الناس الأحياء تخرج من النطف والنطفة ميتة تخرج من الناس الأحياء، قال الطبري: من الأنعام والنبات كذلك أيضاً، وقال ابن عباس: يخرج المؤمن من الكافر، وبالعكس وبه قال الحسن، وقيل الطائع من العاصي وبالعكس، ولا مانع من حمل ذلك على الجميع بل اللفظ أوسع من ذلك، وقيل المراد من الحي ما ينمو من الحيوان والنبات وإن لم يكن فيه روح، والميت ما لا ينمو كالنطفة والحبة ولو كان أصل حيوان. (ذلكم) الإشارة إلى صانع ذلك الصنع العجيب المذكور سابقاً و (الله) خبره، والمعنى أن صانع هذا الصنع العجيب هو المستجمع لكل كمال والمفضل بكل أفضال، والمستحق لكل حمد وإجلال. (فأنى تؤفكون) أي فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان وعن الحق مع ما ترون من بديع صنعه وكمال قدرته، قال ابن عباس: فكيف تكذبون، وقال الحسن: أنى تصرفون، وفيه دليل أيضاً على صحة البعث بعد الموت لأن القادر على إخراج البدن من النطفة قادر على إخراجه من التراب للحساب.

فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97)

96

(فالق الإصباح) بكسر الهمزة مصدر أصبح وبه قال الجمهور، والظاهر أن الإصباح في الأصل مصدر سمي به الصبح وبفتحها جمع صبح، والصبح والصباح أول النهار، وكذا الإصباح قاله الزجاج والليث، والمعنى أنه شاق عمود الضياء عن ظلام الليل وسواده أو يكون المعنى فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش في آخر الليل الذي يلي الصبح، قاله الكشاف، أو فالق عمود الفجر إذا انصدع عن بياض النهار لأنه يبدو مختلطاً بالظلمة ثم يصير أبيض خالصاً، وقيل المعنى خالق الإصباح والصبح هو الضوء الذي يبدو أول النهار، قال ابن عباس: خلق الليل والنهار ويعني بالإصباح ضوء الشمس بالنهار، وضوء القمر بالليل، وقال إضاءة الفجر وقال قتادة فالق الصبح. (وجعل الليل سكناً) السكن محل السكون من سكن إليه إذا اطمأن إليه واستراح به، لأنه يسكن فيه الناس عن الحركة في معاشهم ويستريحون من التعب والنصب، قال قتادة: سكن فيه كل طير ودابة (والشمس والقمر حسباناً) أي الشمس والقمر مجعولان حسباناً معيناً قال الأخفش: الحسبان جمع حساب مثل شهبان وشهاب، وقال يعقوب، حسبان مصدر حسبت الشيء أحسبه حسباً وحسباناً والحساب الإسم، وقيل الحسبان بالضم مصدر حسب بالفتح والحسبان بالكسر مصدر حسب. والمعنى جعلهما محل حساب يتعلق به مصالح العباد وسيرهما على تقدير لا يزيد ولا ينقص ليدل عباده بذلك على عظيم قدرته وبديع صنعه، وقيل الحسبان الضياء وفي لغة أن الحسبان النار، ومنه قوله تعالى: (يرسل عليها حسباناً من السماء) وقال ابن عباس: يعني عدد الأيام والشهور والسنين، وقال

الكلبي: منازلهما بحساب لا يجاوزانه حتى ينتهيا إلى أقصاها لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما وسيرهما. (ذلك) الجعل المدلول عليه يجعل (تقدير العزيز) القاهر الغالب (العليم) كثير العلم ومن جملة معلوماته تسييرهما على هذا التدبير المحكم.

97

(وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) أي خلقها للاهتداء بها في ظلمات الليل عند المسير في البحر والبر، وإضافة الظلمات إلى البر والبحر لكونها ملابسة لهما أو المراد بالظلمات اشتباه طرقهما التي لا يهتدى فيها إلا بالنجوم، وهذه إحدى منافع النجوم التي خلقها الله لها ومنها ما ذكره الله في قوله: (وحفظاً من كل شيطان مارد) (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوماً للشياطين) ومن زعم غير هذه الفوائد فقد أعظم على الله الفرية. وقيل يستدلون بها أيضاً على القبلة على ما يريدون في النهار بحركة الشمس، وفي الليل بحركة الكواكب، وعن عمر بن الخطاب قال: تعلموا من النجوم ما تهتدون به في بركم وبحركم ثم أمسكوا فإنها والله ما خلقت إلا زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها، وعن قتادة نحوه. وأخرج ابن مردويه والخطيب عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا " (¬1)، وقد ورد في استحباب مراعاة الشمس والقمر لذكر الله سبحانه لا لغير ذلك أحاديث منها عند الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أحب عباد الله إلى الله الذين يراعون الشمس والقمر لذكر الله "، وعند ابن شاهين والطبراني والخطيب وأحمد عن ابن أبي أوفى وأبي الدرداء وأبي هريرة نحوه. ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 2455.

وأخرج الحاكم في تاريخه والديلمي بسند ضعيف عن أبي هريرة أيضاً قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ثلاثة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: التاجر الأمين والإمام المقتصد، وراعي الشمس بالنهار " (¬1)، وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن سلمان الفارسي قال: سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم الرجل الذي يراعي الشمس لمواقيت الصلاة. فهذه الأحاديث مقيدة بكون المراعاة لذكر الله والصلاة لا لغير ذلك، وقد جعل الله انقضاء وقت صلاة الفجر طلوع الشمس وأول صلاة الظهر زوالها، ووقت العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية، ووقت المغرب غروب الشمس، وورد في صلاة العشاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوقت مغيب القمر ليلة ثالث عشر، وبهما يعرف أوائل الشهور وأوساطها وأواخرها، فمن راعى الشمس والقمر لهذه الأمور فهو الذي أراده - صلى الله عليه وسلم - ومن راعاهما لغير ذلك فهو غير مراد بما ورد. وهكذا النجوم ورد النهي عن النظر فيها كما أخرجه ابن مردويه والخطيب عن علي قال: نهاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النظر في النجوم، وعن أبي هريرة عندهما وعند المرهبي مثله مرفوعاً، وأخرج الخطيب عن عائشة مرفوعاً مثله. وأخرج الطبراني والخطيب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وإذا ذكر القدر فأمسكوا وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا " (¬2)، وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من اقتبس علماً من النجوم اقتبس شعبة من السحر، زاد ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 2611. (¬2) صحيح الجامع الصغير 559.

ما زاد " (¬1). فهذه الأحاديث محمولة على النظر فيها لا عدا الاهتداء والتفكر والاعتبار وما ورد في جواز النظر في النجوم فهو مقيد بالاهتداء والتفكر والاعتبار كما يدل عليه حديث ابن عمر السابق، وعليه يحمل ما روي عن عكرمة أنه سأل رجلاً عن حساب النجوم، فجعل الرجل يتحرج أن يخبره فقال: سمعت ابن عباس يقول علم عجز الناس عنه ووددت أني علمته. وقد أخرج أبو داود والخطيب عن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثاً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " أما بعد فإن ناساً يزعمون أن كسوف هذه الشمس وكسوف هذا القمر، وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وأنهم قد كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعبر بها عباده لينظر ما يحدث لهم من توبة " (¬2). وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما في كسوف الشمس والقمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن يخوف الله بهما عباده ". (قد فصلنا الآيات) أي بيناها بياناً مفصلاً ليكون أبلغ في الاعتبار (لقوم يعلمون) إن ذلك مما يستدل به على وجود الصانع المختار وكمال قدرته وعظمته وبديع صنعته وعلمه وحكمته. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 595. (¬2) أحمد بن حنبل 5/ 16.

98

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) (وهو الذي أنشاكم من نفس واحدة) أي آدم عليه السلام كما تقدم، وهذا نوع آخر من بديع خلقه الدال على كمال قدرته، أخرج ابن مردويه عن أبي أمامة مرفوعاً أن الله نصب آدم بين يديه ثم ضرب كتفه اليسرى فخرجت ذريته من صلبه حتى ملأ الأرض، فهذا الحديث هو بمعنى ما في هذه الآية. (فمستقر) قرئ بكسر القاف وبفتحها أي فمنكم قار في الأرحام أو فلكم مقر، التقدير الأول على القراءة الأولى، والثاني على الثانية وقيل أي فمنكم مستقر على الأرض، أو فلكم مستقر على ظهرها (و) منكم (مستودع) في الرحم أو في باطن الأرض أو في أصلاب الرجال والدواب. قال ابن عباس: المستقر في أرحام الأمهات، والمستودع في أصلاب الآباء، ثم قرأ (ونقر في الأرحام ما نشاء) وروي عنه أنه قال بالعكس، يعني أن المستقر صلب الأب، والمستودع رحم الأم، وقال ابن مسعود: بالمستقر في الرحم إلى أن يولد، والمستودع في القبر إلى أن يبعث. وقال مجاهد: المستقر على ظهر الأرض في الدنيا، والمستودع عند الله في الآخرة، وقال الحسن: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وقيل المستقر في الرحم والمستودع في الأرض. قال القرطبي: وأكثر أهل التفسير يقولون المستقر ما كان في الرحم، والمستودع ما كان في الصلب، والفرق بينهما أن المستقر أقرب إلى الثبات من

المستودع، لأن المستقر من القرار والمستودع معرض للرد. وجعل الحصول في الرحم استقراراً، وفي الصلب استيداعاً لأن النطفة تبقى في صلب الآباء زماناً قصيراً والجنين يبقى في بطن الأم زماناً طويلاً، فكلما كان المكث في بطن الأم أكثر من المكث في صلب الأب حمل المستقر على الرحم والمستودع علي الصلب. وقيل المستقر من خلق، والمستودع من لم يخلق، وقيل المستودع في القبر والمستقر إما في الجنة أو النار لأن المقام فيهما يقتضي الخلود والتأييد، وقيل الاستيداع إشارة إلى كونهم في القبور إلى المبعث، ومما يدل على تفسير المستقر بالكون على الأرض قول الله تعالى: (ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين). (قد فصلنا الآيات) أي بينا الدلائل الدالة على التوحيد والبراهين الواضحة والحجج النيرة (لقوم يفقهون) غوامض الدقائق، ذكر سبحانه ههنا يفقهون وفيما قبله (يعلمون) لأن في إنشاء الأنفس من نفس واحدة وجعل بعضها مستقراً وبعضها مستودعاً من الغموض والدقة ما ليس في خلق النجوم للاهتداء فناسبه ذكر الفقه لإشعاره بمزيد تحقيق وإمعان فكر، وتدقيق نظر.

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)

99

(وهو الذي أنزل من السماء ماء) هذا نوع آخر من عجائب مخلوقاته، والماء هو ماء المطر قيل ينزل المطر من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. (فأخرجنا به) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم إظهاراً للعناية بشأن هذا المخلوق وما ترتب عليه، والضمير في به عائد إلى الماء أي بسببه، فالسبب واحد والمسببات كثيرة (نبات كل شيء) يعني كل صنف من أصناف النبات المختلفة، وقيل المعنى رزق كل شيء من الأنعام والبهائم والطير والوحوش وبني آدم وأقواتهم، والأول أولى. ثم فصل هذا الإجمال فقال: (فأخرجنا منه خضراً) قال الأخفش: أي أخضر، والخضر رطب البقول، وهو ما يتشعب من الأغصان الخارجة من الحبة، وقيل يريد القمح والشعير والذرة والأرز وسائر الحبوب وجميع الزروع والبقول. (نخرج منه حباً متراكباً) أي نخرج من تلك الأغصان الخضر حباً مركباً بعضه على بعض كما في السنابل، قال السدي: أي سنبل القمح والشعير والأرز والذرة وسائر الحبوب، وفي تقديم الزرع على النخل دليل على الأفضلية ولأن حاجة الناس إليه أكثر، لأنه القوت المألوف، والتعبير بالمضارع مع أن

المقام للماضي لاستحضار الصورة الغريبة. (ومن النخل) اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث قال تعالى: (كأنهم أعجاز نخل خاوية) وقال تعالى: (كأنهم أعجاز نخل منقعر). (من طلعها قنوان) قرئ بكسر القاف وفتحها باعتبار إختلاف اللغتين لغة قيس ولغة أهل الحجاز، والطلع الكفري قبل أن ينشق عن الإغريض، والإغريض يسمى طلعاً أيضاً وهو ما يكون في قلب الطلع، والطلع أول ما يبدو ويخرج من ثمر النخل كالكيزان يكون فيه العذق فإذا شق عنه كيزانه يسمى عذقاً، وهو القنو، وجمعه قنوان مثل صنو وصنوان، والفرق بين جمعه وتثنيته أن المثنى مكسور النون، والجمع على ما يقتضيه الإعراب، والقنو العذق، والمعنى أن القنوان أصله من الطلع والعذق هو عنقود النخل، وقيل القنوان الجمار أو العراجين. (دانية) قريبة ينالها القائم والقاعد، وقال مجاهد: متدلية، وقال الضحاك: قصار ملتصقة بالأرض أي دانية في المجتنى لانحنائها بثقل حملها أو لقصر ساقها قال الزجاج: المعنى منها دانية ومنها بعيدة فحذف ومثله (سرابيل تقيكم الحر) وخص الدانية بالذكر لأن الغرض من الآية بيان القدر والامتنان وذلك فيما يقرب تناوله أكثر. وقال ابن عباس: قصار النخل اللاصقة عذوقها بالأرض، وعنه قنوان الكبائس والدانية المنصوبة، وقال أيضاً تهدل العذوق من الطلع، وذكر الطلع مع النخل لأنه طعام وإدام دون سائر الأكمام، وتقديم النبات لتقدم القوت على الفاكهة. (وجنات) أي ولهم جنات، قاله النحاس وأجازه سيبويه والكسائي والفراء، وأما على النصب فالتقدير وأخرجنا به جنات أي بساتين كائنة (من

أعناب والزيتون والرمان) أي وأخرجنا شجرهما (مشتبهاً وغير متشابه) أي كل واحد منهما يشبه بعضه بعضاً في بعض أوصافه، ولا يشبهه في البعض الآخر. وقيل أن أحدهما يشبه الآخر في الورق باعتبار اشتماله على جميع الغصن وباعتبار حجمه، ولا يشبه أحدهما الآخر في الطعم، قال قتادة: متشابهاً ورقه مختلفاً ثمره لأن ورق الزيتون يشبه ورق الرمان، يقال مشتبه ومتشابه بمعنى كما يقال اشتبه وتشابه كذلك. وذكر سبحانه في هذه الآية أربعة أنواع من الشجر بعد ذكر الزرع لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفواكه، وإنما قدم النخلة على غيرها لأن ثمرتها تجري مجرى الغذاء وفيها من المنافع والخواص ما ليس في غيرها من الأشجار، وإنما ذكر العنب عقب النخلة لأنها من أشرف أنواع الفواكه، ثم ذكر عقبه الزيتون لما فيه من البركة والمنافع الكثيرة في الأكل وسائر وجوه الاستعمال، ثم ذكر عقبه الرمان لما فيه من الفوائد العظيمة لأنه فاكهة ودواء وقيل خص الزيتون والرمان لقرب منابتهما من العرب كما في قول الله تعالى: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت). (أنظروا إلى ثمره) أي ثمر كل واحد مما ذكر يعني رطبه وعنبه، قاله محمد بن كعب القرظي قرئ ثمره بفتح الثاء والميم وبضمهما وهو جمع ثمرة كشجرة وشجر، وخشبة وخشب (إذا أثمر) أي إذا أخرج ثمره كيف يخرجه ضعيفاً لا ينتفع به (وينعه) عن البراء قال: نضجه أي إدراكه كيف يعود شيئاً جامعاً لمنافع. أمرهم الله سبحانه بأن ينظروا نظر اعتبار إلى ثمره إذا أثمر وإلى ينعه إذا ينع كيف أخرج هذه الثمرة اللطيفة من هذه الشجرة الكثيفة ونقلها من حال

إلى حال، والثمر في اللغة جناء الشجر واليانع الناضج الذي قد أدرك وحان قطافه، قال ابن الأنباري: الينع جمع يانع كركب وراكب وقال الفراء: أينع أحمر. (إن في ذلكم) الإشارة إلى ما تقدم ذكره مجملاً ومفصلاً (لآيات) أي لآيات عظيمة أو كثيرة دالة على وجود القادر الحكيم ووحدته، فإن حدوث هاتيك الأجناس المختلفة والأنواع المتشعبة من أصل واحد وانتقالها من حال إلى حال على نمط بديع يحار في فهمها الألباب، لا يكاد يكون إلا بإحداث صانع يعلم تفاصيلها ويرجح ما تقتضيه حكمته من الوجوه الممكنة على غيره ولا يعوقه عن ذلك ضد يناويه أو ند يقاويه. (لقوم يؤمنون) بالله استدلالاً بما يشاهدونه من عجائب مخلوقاته التي قصها عليهم، وقيل معنى يؤمنون يصدقون يعني أن الذي يقدر على ذلك قادر على أن يحيي الموتى ولبعثهم.

100

(وجعلوا لله شركاء الجن) هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم، والمعنى أنهم جعلوا شركاء لله فعبدوهم كما عبدوه وعظموهم كما عظموه، قال الحسن: أي أطاعوا الجن في عبادة الأوثان، وقال الزجاج: أطاعوهم فيما سولت لهم من شركهم، وقيل المراد بالجن ههنا الملائكة لاجتنابهم أي استتارهم وهم الذين قالوا الملائكة بنات الله. وقيل نزلت في الزنادقة الذين قالوا أن الله تعالى وإبليس إخوان، فالله خالق الناس والدواب، وإبليس خالق الحيات والسباع والعقارب، روى ذلك عن الكلبي نقله ابن الجوزي عن ابن السائب والرازي عن ابن عباس، ويقرب من هذا قول المجوس فإنهم قالوا للعالم صانعان هما الرب سبحانه والشيطان وهكذا القائلون إن كل خير من النور وكل شر من الظلمة وهم المانوية.

ومعنى (وخلقهم) قد علموا أن الله خلقهم وخلق ما جعلوه شريكاً لله وهذا كالدليل القاطع على أن المخلوق لا يكون شريكاً لله، وكل ما في الكون محدث مخلوق فامتنع أن يكون شريكاً له في ملكه. (وخرقوا) بالتشديد على التكثير لأن المشركين ادعوا أن الملائكة بنات الله والنصارى ادعوا أن المسيح ابن الله، واليهود ادعوا أن عزيراً ابن الله فكثر ذلك من كفرهم فشدد الفعل لمطابقة المعنى، وقرئ بالتخفيف، وقرئ وحرفوا من التحريف أي زوروا قال أهل اللغة معنى خرقوا اختلقوا وافتعلوا وكذبوا، يقال اختلق الإفك واخترقه وخرقه، وأصله من خرق الثوب إذا شقه أي اشتقوا. (له بنين وبنات) كائنين (بغير علم) بل قالوا ذلك عن جهل خالص، وقيل بغير علم بحقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب بل رميا بقول عن عمى وجهالة من غير فكر وروية أو بغير علم بمرتبة ما قالوه وإنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره. ثم بعد حكاية هذا الضلال البين والبهت الفظيع من جعل الجن شركاء لله، وإثبات بنين وبنات له، نزه الله نفسه عن هذه الأقاويل الفاسدة فقال: (سبحانه) وقد تقدم الكلام في معنى سبحانه وفيه تنزيه الله عن كل ما لا يليق بجلاله (و) معنى (تعالى عما يصفون) تباعد وارتفع عن قولهم الباطل الذي وصفوه به.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)

101

(بديع السموات والأرض) أي مبتدعهما وقد جاء البديع بمعنى المبدع كالسميع بمعنى المسمع كثيراً، وقيل الأصل بديع سمواته وأرضه والإبداع عبارة عن تكوين الشيء على غير مثال سابق، والاستفهام في (أنى يكون له ولد) للإنكار والاستبعاد أي من كان هذا وصفه وهو أنه خالقهما ومبدع ما فيهما فكيف يكون له ولد، وهو من جملة مخلوقاته وكيف يتخذ ما يخلقه ولداً ثم بالغ في نفي الولد فقال: (ولم تكن له صاحبة) أي والحال أنه لم تكن له صاحبة، والصاحبة إذا لم توجد استحال وجود الولد (وخلق كل شيء) جملة مقررة لما قبلها لأن من كان خالقاً لكل شيء استحال منه أن يتخذ بعض مخلوقاته ولداً، وهذه الآية حجة قاطعة على فساد قول النصارى (وهو بكل شيء عليم) لا يخفى عليه من مخلوقاته خافية.

102

(ذلكم) أي المتصف بالأوصاف السابقة (الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء) أي مما سيكون كما خلق في الماضي فلا تكرار، يعني من كانت هذه صفاته فهو الحقيق بالعبادة (فاعبدوه) ولا تعبدوا غيره ممن ليس له من هذه الصفات العظيمة شيء (وهو على كل شيء وكيل) أي رقيب حفيظ.

103

(لا تدركه) أي لا تراه (الأبصار) جمع بصر وهو حاسة النظر أي القوة الباصرة، وقد يقال للعين من حيث إنها محلها أي الحاسة، وإدراك الشيء عبارة عن الوصول إليه والإحاطة به، قال الزجاج: أي لا يبلغ كنه حقيقته،

فالأبصار ترى الباري عز اسمه ولا تحيط به كما أن القلوب تعرفه ولا تحيط به، قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار، وقال ابن عباس: كلت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به، فالمنفى هو هذا الإدراك لا مجرد الرؤية فقد ثبتت الأحاديث المتواترة تواتراً لا شك فيه ولا شبهة ولا يجهله إلا من يجهل السنة المطهرة جهلاً عظيماً. والحاصل أنه لا متمسك فيه لمنكري الرؤية على الإطلاق. وأيضاً قد تقرر في علم البيان والميزان أن رفع الإيجاب الكلي سلب جزئي فالمعنى لا تدركه بعض الأبصار، وهي أبصار الكفار، هذا على تسليم أن نفي الإدراك يستلزم نفي الرؤية الخاصة، والآية من سلب العموم لا من عموم السلب، والأول يخلفه الجزئية، والتقدير لا تدركه كل الأبصار بل بعضها وهي أبصار المؤمنين، والمصير إلى أحد الوجهين متعين لما عرفناك من تواتر الرؤية في الآخرة واعتضادها بقوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة). وقد تشبث قوم من أهل البدع وهم الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية ولا يستتب ذلك كما تقدمت الإشارة إليه، على أن مورد الآية التمدح وهو يوجب ثبوت الرؤية إذ نفى إدراك ما تستحيل رؤيته لا تمدح فيه، لأن كل ما لا يرى لا يدرك وإنما التمدح بنفي الإدراك مع تحقق الرؤية فكانت الحجة لنا عليهم، ولو أمعنوا النظر فيها لاغتنموا التقصي عن عهدتها، ومن ينفي الرؤية يلزمه نفي كونه تعالى معلوماً موجوداً، والكلام في ذلك يطول جداً. وقد أطال الواحد المتكلم الحافظ ابن القيم رحمه الله في حادي الأرواح في إثبات الرؤية ورد المنكرين لها. والشوكاني في البغية في مسألة الرؤية بما لا

مزيد عليه، وعن ابن عباس ذلك نوره إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء، وفي لفظ إنما ذلك إذا تجلى بكيفيته لم يقم له بصر، وقال أيضاً لا يحيط بصر أحد بالله، وقال الحسن: لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو يرى في الآخرة، وعن إسمعيل ابن علبة مثله. (وهو يدرك الأبصار) أي يحيط بها ويبلغ كنهها لا يخفى عليه منها خافية أو يراها ولا تراه ولا يجوز في غيره أن يدرك البصر وهو لا يدركه، وخص الأبصار ليجانس ما قبله. قال الزجاج: في هذا دليل على أن الخلق لا يدركون الأبصار أي لا يعرفون كيفية حقيقة البصر وما الشيء الذي صار به الإنسان يبصر من عينيه دون أن يبصر من غيرهما من سائر أعضائه انتهى. (وهو اللطيف) أي الرفيق بعباده يقال لطف فلان بفلان أي رفق به. واللطف في العمل الرفق فيه واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا إذا برَّه، والملاطفة المبارَّة هكذا قال الجوهري وابن فارس، و (الخبير) المختبر لكل شيء بحيث لا يخفى عليه شيء، ويجوز أن يكون هذا من باب اللف والنشر المرتب أي لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير فيكون اللطيف مستعاراً من مقابل الكثيف، وهو الذي لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها قاله البيضاوي والأول أولى.

قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)

104

(قد جاءكم بصائر من ربكم) البصائر جمع بصيرة وهي في الأصل نور القلب الذي تبصر به النفس أي الروح كما أن البصر هو النور الذي تبصر به العين، والمراد بها هنا الحجة البينة والبرهان الواضح، وإطلاق البصائر عليها مجاز من إطلاق اسم المسبب على السبب، وهذا الكلام استئناف وارد على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال في آخره: (وما أنا عليكم بحفيظ)، ووصف البصائر بالمجيء تفخيماً لشأنها وجعلها بمنزلة الغائب المتوقع مجيئه كما يقال جاءت العافية وانصرف المرض وأقبلت السعود وأدبرت النحوس. (فمن أبصر فلنفسه) أي فمن تعقل الحجة وعرفها وأذعن لها فنفع ذلك لنفسه، لأنه ينجو بهذا الإبصار من عذاب النار (ومن عمي) عن الحجة ولم يتعقلها ولا أذعن لها (فعليها) أي فضرر ذلك على نفسه، لأنه يتعرض لغضب الله في الدنيا ويكون مصيره إلى النار، قال قتادة: فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فعليها. (وما أنا عليكم بحفيظ) أحصي عليكم أعمالكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربي وهو الحفيظ عليكم، قال الزجاج: نزل هذا قبل فرض القتال ثم أمر أن يمنعهم بالسيف من عبادة الأوثان.

105

(وكذلك نصرف الآيات) أي مثل ذلك التصريف البديع نصرفها في الوعد والوعيد والوعظ والتنبيه ليعتبروا (وليقولوا درست) أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وليقولوا درست أو ليقولوا درست صرفناها، وعلى هذا تكون اللام

للعاقبة أو للصيرورة، والمعنى ومثل ذلك التصريف نصرف الآيات وليقولوا درست فإنه لا احتفال بقولهم ولا اعتداد بهم، فيكون معناه الوعيد والتهديد لهم وعدم الإكتراث بقولهم، وقد أشار إلى مثل هذا الزجاج. وقال النحاس: وفي المعنى قول آخر حسن وهو أن يكون معنى نصرف الآيات نأتي بها آية بعد آية ليقولوا درست علينا فيذكرون الأول بالآخر، فهذا حقيقته، والذي قاله الزجاج مجاز، والجمهور على كسر اللام وهي لام كي، وجوز أبو البقاء فيها الوجهين. وفي درست قراآت دارست كفاعلت ودرست كفرحت ودرست كضربت، فعلى الأولى المعنى دارست أهل الكتاب ودارسوك أي ذاكرتهم وذاكروك، ويدل على هذا ما وقع في الكتاب العزيز من إخبار الله عنهم بقوله: (وأعانه عليه قوم آخرون) أي أعان اليهود النبي - صلى الله عليه وسلم - على القرآن ومثله قولهم [أساطيرالأولين اكتتبها فهي تملي عليه بكرة وأصيلاً]، وقولهم [إنما يعلمه بشر]. والمعنى على الثانية قدمت هذه الآيات وعفت وانقطعت وهو كقولهم أساطير الأولين، وعلى الثالثة مثل المعنى على الأول قال الأخفش: هي بمعنى دارست إلا أنه أبلغ، وقرأ المبرد: وليقولوا بإسكان اللام فيكون بمعنى التهديد أي وليقولوا ما شاءوا فإن الحق بين. وهذا اللفظ أصله درس يدرس دراسة فهو من الدرس وهو القراءة وقيل من درسته أي ذللته بكثرة القراءة، وأصله درس الطعام أي داسه والدياس الدراس بلغة أهل الشام، وقيل أصله من درست الثوب أدرسه درساً أي أخلقته ودرست المرأة درساً أي حاضت، ويقال: إن فرج المرأة يكنى أبا دراس وهو من الحيض، والدرس أيضاً الطريق الخفي، وحكى الأصمعي بعير لم يدرس أي لم يركب.

وقرأ جمع من الصحابة درس أي محمد الآيات وقريء درست أي الآيات على البناء للمفعول ودارست أي اليهود محمداً، قال ابن عباس: درست قرأت وتعلمت ودارست خاصمت جادلت تلوت. (ولنبينه) اللام فيه لام كي أي نصرف الآيات لكي نبينه، والضمير راجع إلى الآيات لأنها في معنى القرآن أو إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه معلوم من السياق أو إلى التبيين المدلول عليه بالفعل (لقوم يعلمون) الحق من الباطل، قال ابن عباس: يريد أولياءه الذين هداهم إلى سبيل الرشاد وقيل المعنى نصرف الآيات ليسعد بها قوم ويشقى بها آخرون، فمن أعرض عنها وقال للنبي - صلى الله عليه وسلم - درست فهو شقي، ومن تبين له الحق وفهم معناها وعمل بها فهو سعيد، وفي هذا دليل قاطع على أن الله جعل تصريف الآيات سبباً لضلالة قوم وشقاوتهم وسعادة قوم وهدايتهم.

106

(اتبع ما أوحي إليك من ربك) أمره الله باتباع ما أوحي إليه وأن لا يشغل خاطره بهم بل يشتغل باتباع ما أمره الله. وجملة (لا إله إلا هو) معترضة لقصد تأكيد إيجاب الإتباع، ثم أمره الله بالإعراض عنهم بعد أمره باتباع ما أوحي إليه فقال: (وأعرض عن المشركين) أي لا تلتفت إلى رأيهم ولا تحتفل بأقوالهم الباطلة التي من جملتها ما حكي عنهم آنفاً، وعلى هذا لا يجري فيها النسخ لأن المراد منه في الحال لا الدوام، وقيل هذا قبل نزول آية السيف قال السدي: هذا منسوخ نسخه القتال (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) والأول هو الأولى.

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107) وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (108)

107

(ولو شاء الله) عدم إشراكهم (ما أشركوا) أي لجعلهم مؤمنين وفيه أن الشرك بمشيئة الله سبحانه خلافاً للمعتزلة، والكلام في تقرير هذا على الوجه الذي يتعرف به أهل علم الكلام والميزان معروف فلا نطيل بإيراده، قال ابن عباس: يقول الله لو شئت لجمعتهم على الهدى أجمعين (وما جعلناك عليهم حفيظاً) أي رقيباً تمنعهم منا ومراعياً لأعمالهم مأخوذاً بإجرامهم (وما أنت عليهم بوكيل) أي قيم بما فيه نفعهم فتجلبه إليهم ليس عليك إلا إبلاغ الرسالة، قال قتادة: الوكيل الحفيظ.

108

(ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم) الموصول عبارة عن الآلهة التي كانت تعبدها الكفار، والمعنى لا تسب يا محمد آلهة هؤلاء الكفار التي يدعونها من دون الله فيتسبي عن ذلك سبهم لله عدواناً وتجاوزاً عن الحق وجهلاً منهم. وفي هذه الآية دليل على أن الداعي إلى الحق والناهي عن الباطل إذا خشي أن يتسبي عن ذلك ما هو أشد منه من انتهاك حرم، ومخالفة حق ووقوع في باطل أشد، كان الترك أولى به بل كان واجباً عليه. وما أنفع هذه الآية وأجل فائدتها لمن كان من الحاملين لحجج الله المتصدين لبيانها للناس إذا كان بين قوم من الصم البكم الذين إذا أمرهم بمعروف تركوه وتركوا غيره من المعروف، وإذا نهاهم عن منكر فعلوه وفعلوا غيره من المنكرات عناداً للحق وبغضاً لاتباع المحقين، وجرأة على الله سبحانه، فإن هؤلاء لا يؤثر فيهم إلا السيف، وهو الحكم العدل لمن عاند الشريعة المطهرة وجعل المخالفة لها والتجني على أهلها ديدنه وهجيراه كما يشاهد ذلك

في أهل البدع الذين إذا دعوا إلى حق وقعوا في كثير من الباطل، وإذا أرشدوا إلى السنة قابلوها بما لديهم من البدعة. فهؤلاء هم المتلاعبون بالدين المتهاونون بالشرائع وهم أشر من الزنادقة لأنهم يحتجون بالباطل وينتمون إلى البدع، ويتظهرون بذلك غير خائفين ولا وجلين والزنادقة قد ألجمتهم سيوف الإسلام وتحاماهم أهله، وقد ينفق كيدهم ويتم باطلهم وكفرهم نادراً على ضعيف من ضعفاء المسلمين مع تكتم وتحرز وخيفة ووجل. وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أن هذه الآية محكمة ثابتة غير منسوخة وهي أصل أصيل في سد الذرائع وقطع التطرق إلى الشبه، وقرئ عدوا بالضم وعدوا بالفتح ومعناهما واحد أي ظلماً وعدواناً، وعن ابن عباس قال: قالوا يا محمد- صلى الله عليه وسلم - لتنتهين عن سبك آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدواً بغير علم. وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ملعون من سب والديه، قالوا يا رسول الله وكيف يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه " (¬1). (كذلك) أي مثل ذلك التزيين (زينا لكل أمة) من أمر الكفار (عملهم) من الخير والشر والطاعة والمعصية بإحداث ما يمكنهم منه ويحملهم عليه توفيقاً وتخذيلاً، وفي هذه الآية رد على القدرية والمعتزلة حيث قالوا: لا يحسن من الله خلق الكفر وتزيينه. (ثم إلى ربهم مرجعهم) أي مصيرهم (فينبئهم بما كانوا يعملون) في الدنيا من المعاصي التي لم ينتهوا عنها ولا قبلوا من الأنبياء ما أرسلهم الله به إليهم وما تضمنته كتبه المنزلة عليهم. ¬

(¬1) البخاري كتاب الكسوف الباب 6.

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110)

109

(وأقسموا بالله) أي الكفار مطلقاً أو كفار قريش (جهد أيمانهم) أشدها أي أقسموا أشد أيمانهم التي بلغتها قدرتهم، وقد كانوا يعتقدون أن الله هو الإله الأعظم، فلهذا أقسموا به والجهد بفتح الجيم المشقة وبضمها الطاقة ومن أهل اللغة من يجعلهما بمعنى واحد. والمعنى أنهم اقترحوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - آية من الآيات التي كانوا يقترحونها وأقسموا (لئن جاءتهم آية) أي هذه الآية التي اقترحوها كما جاءت من قبلهم وهذا إخبار عنهم من الله لا حكاية لقولهم وإلا لقيل لئن جاءتنا قاله أبو حيان (ليؤمنن بها) وليس غرضهم بذلك الإيمان بل معظم قصدهم التهكم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتلاعب بآيات الله وعدم الاعتداد بما شاهدوا منها فأمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بقوله: (قل إنما الآيات) أي هذه الآية التي يقترحونها وغيرها (عند الله) وليس عندي من ذلك لشيء، فهو سبحانه إن أراد إنزالها أنزلها، وإن أراد أن لا ينزلها لم ينزلها لأن المعجزات الدالة على النبوات شرطها أن لا يقدر على تحصيلها أحد إلا الله تعالى. (وما يشعركم) أي وما يدريكم يعني أنتم لا تدرون ذلك، قال مجاهد وابن زيد: المخاطب بهذا المشركون، وقال الفراء وغيره: الخطاب للمؤمنين لأن المؤمنين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله لو نزلت الآية لعلهم يؤمنون فقال الله: وما يشعركم (أنها) قرئ بفتح الهمزة قال الخليل: أنها بمعنى لعلها وفي التنزيل (وما يدريك لعله يزكى) أي أنه يزكى، وحكى عن العرب ائت السوق أنك تشتري لنا شيئاً أي لعلك، وقد وردت أن في كلام العرب كثيراً

بمعنى لعل. (إذا جاءت لا يؤمنون) قال الكسائي والفراء: أن لا زائدة والمعنى وما يشعركم أنها أي الآيات إذا جاءت يؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله تعالى: (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون) وفي قوله: (ما منعك أن لا تسجد) وضعف الزجاج والنحاس وغيرهما زيادة لا وقالوا هو خطأ وغلط، وذكر النحاس وغيره أن في الكلام حذفاً والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون أو يؤمنون ثم حذف هذا المقدر لعلم السامع.

110

(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم) قيل يعني يوم القيامة على لهب النار وحر الجمر، والتقلب هو تحويل الشيء وتحريكه عن وجهه إلى وجه آخر، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير أنها إذا جاءت لا يؤمنون كما لم يؤمنوا ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ونذرهم. (كما لم يؤمنوا به) في الدنيا (أول مرة) يعني الآيات التي جاء بها موسى وغيره من الأنبياء أو جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المعجزات الباهرات. وقال ابن عباس: يعني لو ردوا من الآخرة إلى الدنيا نقلب أفئدتهم وأبصارهم عن الإيمان فلا يؤمنون به كما لم يؤمنوا به أول مرة قبل مماتهم (ونذرهم) أي نمهلهم ولا نعاقبهم في الدنيا، فعلى هذا بعض الآيات في الآخرة وبعضها في الدنيا وقيل المعنى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في الدنيا أي نحول بينهم وبين الإيمان لو جاءتهم تلك الآية كما حلنا بينهم وبين ما دعوتهم إليه أول مرة عند ظهور المعجزة. (في طغيانهم يعمهون) أي يتحيرون يقال عمه في طغيانه عمها من باب تعب إذا تردد متحيراً مأخوذ من قولهم أرض عمهاء إذا لم يكن فيها أمارات تدل على النجاة فهو عمه وأعمه، قال ابن عباس: لما جحد المشركون ما أنزل الله لم يثبت قلوبهم على شيء وردت عن كل أمر.

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

111

(ولو أننا أنزلنا إليهم الملائكة) أي لو آتيناهم ما طلبوه لا يؤمنون كما اقترحوه بقولهم لولا أنزل عليه ملك (وكلمهم الموتى) الذين يعرفونهم بعد إحيائنا لهم (وحشرنا عليهم كل شيء) مما سألوه من الآيات وأصناف المخلوقات كالسباع والطيور، والحشر الجمع (قبلاً) أي كفلاء وضمناء بما جئناهم به من الآيات البينات أو حال كون الكفار معاينين رائين للآيات والأصناف. قرئ قبلاً بضم القاف وقبلاً بكسرها أي مقابلة، قال المبرد: قبلاً بمعنى ناحية كما تقول لي قبل فلان مال، وبه قال أبو زيد وجماعة من أهل اللغة وعلى الأول ورد قوله تعالى: (أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً) أي يضمنون كذا قال الفراء وقال الأخفش: هو بمعنى قبيل قبيل أي جماعة جماعة. وحكى أبو زيد: لقيت فلاناً قبلاً ومقابلة وقبلاً كلها واحد بمعنى المواجهة فيكون على هذا الضم كالكسر وتستوي القراءتان، وهو قول أبي عبيدة والفراء والزجاج، ونقله الواحدي أيضاً عن جميع أهل اللغة، قال ابن عباس: قبلاً معاينة، وقال قتادة: فعاينوا ذلك معاينة، وقال مجاهد: قبلاً أفواجاً، وقيل القبيل الكفيل بصحة ما تقول. (ما كانوا ليؤمنوا) أي أهل الشقاء لما سبق في علم الله، واللام لام الجحود (إلا أن يشاء الله) أيمانهم أي إيمان أهل السعادة والذين سبق لهم في علمه أن يدخلوا في الإيمان فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن،

والاستثناء مفرغ، وبه قال ابن عباس وصححه الطبري، وقال أبو البقاء والحوفي الاستثناء منقطع وتبعه السيوطي لأن المشيئة ليست من جنس إرادتهم. واستبعده أبو حيان وجرى على أنه متصل وكذلك البيضاوي وكثير من المعربين كالسفاقسي قالوا: والمعنى ما كانوا ليؤمنوا في حال من الأحوال إلا في حال مشيئته أو في سائر الأزمان إلا في زمن مشيئته، وقيل هو استثناء من علة عامة أي ما كانوا ليؤمنوا لشيء من الأشياء إلا لمشيئة الله الإيمان وهو الأولى كما تقدم، وفي هذا رد على القدرية والمعتزلة في قولهم إن الله أراد الإيمان من جميع الكفار. (ولكن أكثرهم يجهلون) جهلاً يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب، وقال البيضاوي: أي يجهلون أنهم لو أوتوا بكل آية لم يؤمنوا فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون، ولذلك أسند الجهل إلى أكثرهم مع أن مطلق الجهل يعمهم أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أنهم لا يؤمنون فيتمنون نزول الآية طمعاً في إيمانهم انتهى.

112

(وكذلك) أي مثل هذا الجعل (جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن) هذا الكلام استئناف مسوق لتسلية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودفع ما حصل معه من الحزن بعدم إيمانهم، والمعنى كما ابتليناك بهؤلاء فقد ابتلينا الأنبياء من قبلك بقوم من الكفار فجعلنا لكل واحد منهم عدواً من كفار زمنهم وأن ذلك ليس مختصاً بك، والمراد بالشياطين المردة من الفريقين، والشيطان كل عات متمرد من الجن والإنس، وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة. قالوا وشياطين الإنس أشد تمرداً من شياطين الجن، وبه قال مالك بن دينار والإضافة بيانية أو من إضافة الصفة إلى الموصوف، والأصل الإنس والجن الشياطين، قال ابن عباس: إن للجن شياطين يضلونهم مثل شياطين الإنس يضلونهم فيلتقي شيطان الإنس وشيطان الجن فيقول هذا لهذا أضلله بكذا وأضلله بكذا، وعنه قال الجن هم الجان وليسوا شياطين، والشياطين ولد

إبليس وهم لا يموتون إلا مع إبليس، والجن يموتون، فمنهم المؤمن ومنهم الكافر. وقال ابن مسعود: الكهنة هم شياطين الإنس، وقيل الكل من ولد إبليس وأضيف الشياطين إلى الإنس على معنى أنهم يغوونهم ويضلونهم، وبهذا قال عكرمة والضحاك والكلبي والسدي. (يوحي بعضهم إلى بعض) أي حال كونهم يوسوس بعضهم لبعض، وقيل: إن الجملة مستأنفة لبيان حال العدو، وسمي وحياً لأنه إنما يكون خفية بينهم وجعل تمويههم (زخرف القول) لتزيينهم إياه والمزخرف المزين وزخارف الماء طرائقه، والزخرف هو الباطل من الكلام الذي قد زين ووشي بالكذب وكل شيء حسن مموه فهو زخرف يغرونهم بذلك (غروراً) هو الباطل. قال ابن عباس: شياطين الجن يوحون إلى شياطين الإنس، فإن الله يقول (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) ويحسن بعضهم لبعض القول ليتبعوهم في فتنتهم. وقد أخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يا أبا ذر تعوذ بالله من شر شياطين الجن والإنس، قال يا نبي الله وهل للإنس شياطين قال نعم شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً " (¬1). (ولو شاء ربك ما فعلوه) الضمير يرجع إلى ما ذكر سابقاً من الأمور التي جرت من الكفار في زمنه وزمن الأنبياء قبله أي لو شاء ربك عدم وقوع ما تقدم ذكره ما فعلوه وأوقعوه، وقيل ما فعلوا الإيحاء المدلول عليه بالفعل (فذرهم) أي دع الكفار واتركهم، وهذا الأمر للتهديد كقوله ذرني ومن خلقت وحيداً. (وما يفترون) إن كانت " ما " مصدرية فالتقدير اتركهم وإفتراءهم وإن كانت موصولة فالتقدير اتركهم والذي يفترونه، وهذا قبل الأمر بالقتال. ¬

(¬1) النسائي، كتاب الإستعاذة، باب 48 - أحمد بن حنبل 5/ 178 - 265.

وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113) أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)

113

(ولتصغى) اللام لام كي وقيل اللام للأمر وهو غلط فإنها لو كانت لام الأمر جزمت الفعل، والإصغاء الميل يقال صغوت أصغو وصغيت أصغي ويقال أصغيت الإناء إذا أملته ليجتمع ما فيه وأصله الميل إلى الشيء لغرض من الأغراض، ويقال صغت النجوم إذا مالت للغروب وأصغت الناقة إذا مالت برأسها. والضمير في (إليه) لزخرف القول أو لما ذكر سابقاً من زخرف القول وغيره أي أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم ولتصغي إليه (أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة) من الكفار والمعنى أن قلوب الكفار تميل إلى زخرف القول وباطله وتحبه وترضى به، وهو قوله (وليرضوه) لأنفسهم بعد الإصغاء إليه (وليقترفوا ما هم مقترفون) من الآثام والإقتراف والاكتساب، يقال خرج ليقترف لأهله أي ليكتسب لهم، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه، وقرفه إذا رماه بالرمية واقترف كذب، وأصله اقتطاع قطعة من الشيء أي ليكتسبوا من الأعمال الخبيثة ما هم مكتسبون. وترتيب هذه المفاعيل في غاية الفصاحة لأنه أولاً يكون الخداع فيكون الميل فيكون الرضا فيكون الفعل أي الإقتراف، فكل واحد مسبي عما قبله قاله أبو حيان.

114

(أفغير الله) كلام مستأنف وارد على إرادة القول والاستفهام للإنكار أي قل لهم يا محمد كيف أضل وأميل إلى زخارف الشياطين و (ابتغي) غير الله حكماً هو أبلغ من الحاكم كما تقرر في مثل هذه الصفة المشتقة، أمره الله سبحانه وتعالى أن ينكر عليهم ما طلبوه منه من أن يجعل بينهم وبينه حكماً من أحبار اليهود أو من أساقفة النصارى فيما اختلفوا فيه وإن الله هو الحكم العدل بينه وبينهم. (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب) أي القرآن (مفصلاً) مبيناً واضحاً مستوفياً لكل قضية على التفصيل (والذين آتيناهم الكتاب) أي المعهود إنزاله من التوراة والإنجيل والزبور، أخبر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن أهل الكتاب وإن أظهروا الجحود والمكابرة فإنهم (يعلمون أنه) أي القرآن (منزل من ربك) أي من عند الله مما دلتهم عليه كتب الله المنزلة كالتوراة والإنجيل من أنه رسول الله وأنه خاتم الأنبياء (بالحق) حال أي متلبساً بالحق الذي لا شك فيه ولا شبهة (فلا تكونن من الممترين) الشاكين فيه. نهاه الله عن أن يكون من الممترين في أن أهل الكتاب يعلمون بأن القرآن منزل من عند الله بالحق، وبه قال الزمخشري: أو نهاه عن مطلق الإمتراء ويكون ذلك تعريضاً لأمته عن أن يمتري أحد منهم، أو الخطاب لكل من يصلح له أي فلا يكونن أحد من الناس من الممترين، ولا يقدح في ذلك كون الخطاب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن خطابه خطاب لأمته.

115

(وتمت كلمة ربك) قرأ أهل الكوفة كلمة بالتوحيد والباقون بالجمع والمراد العبارات أو متعلقاتها من الوعد والوعيد، والمعنى أن الله قد أتم وعده ووعيده فظهر الحق وانطمس الباطل، وقيل المراد بالكلمة أو الكلمات القرآن أي لا أحد يقدر على تحريفه كما فعل بالتوراة فيكون هذا ضماناً له من الله بالحفظ أو لا نبي ولا كتاب بعده ينسخه، ومعنى تمت بلغت الغاية، وعن أنس

مرفوعاً قال: [لا إله إلا الله] أخرجه ابن مردويه وابن النجار. وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر بن عبد الله قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسجد الحرام يوم فتح مكة ومعه مخصرة ولكل قوم صنم يعبدونه فجعل يأتيها صنماً صنماً ويطعن في صدر الصنم بعصا ثم يعقره فكلما طعن صنماً اتبعه ضرباً بالقوس حتى يكسروه ويطرحوه خارجاً من المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: وتمت كلمات ربك الآية. (صدقاً وعدلاً) أي تمام صدق وعدل، قال أبو البقاء والطبري النصب على التمييز وتبعهما السيوطي، وقال ابن عطية: هو غير صواب وليس في ذلك إبهام وأعربه الكواشي حالاً من ربك أو مفعولاً له، قال قتادة: صدقاً فيما وعد وعدلاً فيما حكم، وقيل صدقاً فيما أخبر عن القرون الماضية والأمم الخالية، وعما هو كائن إلى قيام الساعة وعدلاً فيما حكم من الأمر والنهي والحلال والحرام وسائر الأحكام. (لا مبدل لكلماته) لا خلف فيها ولا مغير لما حكم به لما وصفها بالتمام وهو في كلامه تعالى يقتضي عدم قبول النقص والتغير، قال محمد بن كعب القرظي: لا تبديل لشيء قاله في الدنيا والأخرة كقوله: (ما يبدل القول لدي) وفيه دليل على أن السعيد لا ينقلب شقياً ولا الشقي ينقلب سعيداً فالسعيد من سعد من الأزل والشقي من شقي في الأزل (وهو السميع) لكل مسموع (العليم) بكل معلوم ومنه قول المتحاكمين.

وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119)

116

(وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) أخبره الله سبحانه بأنه إذا رام طاعة أكثر من فيها أضلوه لأن الحق لا يكون إلا بيد الأقلين وهم الطائفة التي لا تزال على الحق ولا يضرها خلاف من خالفها كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل المراد بالأكثر الكفار وبالأرض مكة أي أكثر أهل مكة. (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون إلا الظن الذي لا أصل له وهو ظنهم أن معبوداتهم تستحق العبادة وأنها تقربهم إلى الله (وإن هم إلا يخرصون) أي يحدسون ويقدرون، وأصل الخرص القطع ومنه خرص النخل يخرص إذا حرزه ليأخذ منه الزكاة فالخارص يقطع بما لا يجوز القطع به إذ لا يقين منه أي إذا كان هذا حال أكثر من في الأرض فالعلم الحقيقي هو عند الله فاتبع ما أمرك به ودع عنك طاعة غيره.

117

(إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أي بمن يهتدي إليه، قال بعض أهل العلم: إن أعلم في الموضعين بمعنى يعلم والوجه في هذا التأويل إن أفعل التفضيل لا ينصب الإسم الظاهر فتكون من منصوبة بالفعل الذي جعل أفعل التفضيل نائباً عنه، وقيل إن أفعل على بابه، والنصب بفعل مقدَّر، وقيل: إنها منصوبة بأفعل، أي إن ربك أعلم أيَّ الناس يضلُّ عن سبيله.

118

(فكلوا) في هذه الفاء وجهان (أحدهما) أنها جواب شرط مقدر قاله

الزمخشري (والثاني) أنها عاطفة على محذوف، قاله الواحدي وهو الظاهر (مما ذكر اسم الله عليه) عند ذبحه، لما تقدم ذكر ما يصنعه الكفار في الأنعام من تلك السنن الجاهلية أمر الله المسلمين بأن يأكلوا مما ذكر الاسم الشريف عليه. وقيل إنها نزلت في سبب خاص كما أخرج أبو داود والترمذي وحسنه والبزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا: إنا نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله فأنزل الله هذه الآية إلى قوله: (إنكم لمشركون) ولكن الإعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما ذكر الذابح عليه اسم الله حل إن كان مما أباح الله أكله وقال عطاء في هذه الآية الأمر بذكر الله على الشراب والذبح وكل مطعوم. والشرط في (إن كنتم) للتهييج والإلهاب (بآياته مؤمنين) أي بأحكامه من الأوامر والنواهي التي من جملتها الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه لا مما ذكر عليه اسم غيره فقط أو مع اسمه تعالى أو مات حتف أنفه، وهذا يدل على أن الخطاب للمسلمين وقيل كانوا يحرمون أصنافاً من النعم ويحلون الميتة فقيل أحلوا ما أحل الله وحرموا ما حرم الله، وعلى هذا الخطاب للمشركين والأول أولى.

119

(وما لكم أن لا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) الاستفهام للإنكار أي ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه بعد أن أذن لكم بذلك، وفيه تأكيد في إباحة ما ذبح على اسم الله دون غيره (وقد فصل لكم ما حرم عليكم) أي والحال أنه قد بين لكم بياناً مفصلاً يدفع الشك ويزيل الشبهة بقوله: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرماً) الآية وقال السيوطي يعني آية (حرمت عليكم الميتة) أي آية المائدة. وحينئذ في المقام إشكال أورده الرازي وحاصله أن سورة الأنعام مكية

وسورة المائدة مدنية من آخر القرآن نزولاً بالمدينة، وقوله: (وقد فصل لكم) يقتضي أن ذلك التفصيل قد تقدم على هذا المحل، والمدني متأخر عن المكي، فيمتنع كونها متقدمة ثم قال: بل الأولى أن يقال هو قوله بعد هذه الآية: (قل لا أجد) وهذه وإن كانت مذكورة بعدها بقليل إلا أن هذا القدر من التأخر لا يمنع أن يكون هو المراد انتهى. قلت وذكر المفسرون وجهاً آخر وهو أن الله علم أن سورة المائدة متقدمة على سورة الأنعام في الترتيب لا في النزول فبهذا الاعتبار حسنت الحوالة على ما في المائدة بقوله: (وقد فصل لكم) باعتبار تقدمه في الترتيب وإن كان متأخراً في النزول والله أعلم. ثم استثنى فقال: (إلا ما اضطررتم إليه) من جميع ما حرمه عليكم فإن الضرورة تحلل الحرام وقد تقدم تحقيقه في البقرة قال قتادة: ما اضطررتم إليه من الميتة والدم ولحم الخنزير والاستثناء كما قال الحوفي منقطع، وبه قال التفتازاني، وقال أبو البقاء: متصل من طريق المعنى لأنه وبخهم بترك الأكل مما سمي عليه، وذلك يتضمن إباحة الأكل مطلقاً، وحاصله أن الاستثناء من الجنس فهو متصل، وقال زكريا فيه: إنه لا يكون حينئذ استثناء متصلاً بل هو استثناء مفرغ من الظرف العام المقدر. (وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم) هم الكفار الذين كانوا يحرمون البحيرة السائبة ونحوهما فإنهم بهذه الأفعال المبنية على الجهل كانوا يضلون الناس فيتبعونهم ولا يعلمون أن ذلك جهل وضلالة لا يرجع إلى شيء من العلم، قال سعيد بن جبير: يعني من مشركي العرب ليضلون في أمر الذبائح (إن ربك هو أعلم بالمعتدين) أي بمن تعدى حدوده فأحل ما حرم وحرم ما أحل الله فيجازيهم على سوء صنيعهم.

وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

120

(وذروا ظاهر الإثم وباطنه) الظاهر ما كان يظهر كأفعال الجوارح، والباطن ما كان لا يظهر كأفعال القلب، وقيل ما أعلنتم وما أسررتم، وقيل الزنا الظاهر والزنا المكتوم، وقال ابن عباس: الظاهر نكاح الأمهات والبنات، والباطن هو الزنا، وقال سعيد بن جبير: الظاهر منه لا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء وحرمت عليكم أمهاتكم الآية، والباطن الزنا، وقال قتادة: علانيته وسره. وقال السدي: الظاهر الزواني في الحوانيت، وهن صواحب الرايات، والباطن المرأة يتخذها الرجل صديقة فيأتيها سراً، وقال ابن زيد: ظاهر الإثم التجرد من الثياب والتعري في الطواف، والباطن الزنا، وقيل هذا النهي عام في جميع المحرمات التي نهى الله عنها وهو الأولى، فإن الاعتبار بعموم اللفظ دون خصوص السبب، وبه قال ابن الإنباري، وإنما أضاف الظاهر والباطن إلى الإثم لأنه يتسبب عنهما. (إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون) توعد الكاسبين للإثم بالجزاء بسبي افترائهم على الله سبحانه.

121

(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) نهى الله سبحانه عن أكل ما لم يذكر اسمه الشريف عليه بعد أن أمر بالأكل مما ذكر اسم الله عليه، وفيه دليل على تحريم أكل ما لم يذكر اسم الله عليه، وقد اختلف أهل العلم في ذلك فذهب ابن عمر ونافع مولاه والشعبي وابن سيرين وهو رواية عن مالك وأحمد

ابن حنبل وبه قال أبو ثور وداود الظاهري أن ما لم يذكر اسم الله عليه من الذبائح حرام من غير فرق بين العامد والناسي لهذه الآية، ولقوله تعالى في آية الصيد: (فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه) ويزيد هذا الاستدلال تأكيداً قوله سبحانه في هذه الآية (وإنه لفسق). وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة الأمر بالتسمية في الصيد وغيره، وذهب الشافعي وأصحابه وهو رواية عن مالك وعن أحمد أن التسمية مستحبة لا واجبة وهو مروي عن ابن عباس وأبي هريرة وعطاء بن أبي رياح، وحمل الشافعي الآية على من ذبح لغير الله، وهو تخصيص للآية بغير مخصص، وقد روى أبو داود في المراسيل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " ذبيحة المسلم حلال ذكر الله أو لم يذكر " (¬1) وليس في هذا المرسل ما يصلح لتخصيص الآية. نعم حديث عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أن قوماً يأتوننا بلحمان لا ندري ذكر اسم الله عليه أم لا فقال: " سموا أنتم وكلوا " (¬2)، يفيد أن التسمية عند الأكل يجزى مع التباس وقوعها عند الذبح، وذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما وأبو حنيفة وأصحابه وإسحق بن راهويه أن التسمية إن تركت نسياناً لم يضر، وإن تركت عمداً لم يحل أكل الذبيحة، وهو مروي عن علي وابن عباس وسعيد بن المسيب وعطاء وطاووس والحسن البصري وأبى مالك وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد وربيعة. واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " المسلم إن نسي أن يسمي حين يذبح فليذكر اسم الله وليأكله " (¬3)، وهذا الحديث رفعه خطأ، وإنما هو من قول ابن عباس. ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 3039. (¬2) ابن كثير 2/ 169. (¬3) ابن كثير 2/ 170.

نعم يمكن الاستدلال لهذا المذهب بمثل قوله تعالى: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا) كما سبق تقريره بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". أما حديث أبي هريرة الذي أخرجه ابن عدي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرأيت الرجل هنا يذبح وينسى أن يسمي، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " اسم الله على كل مسلم " (¬1)، فهو حديث ضعيف قد ضعفه البيهقي وغيره. وقال ابن عباس الآية في تحريم الميتات وما في معناها من المنخنقة وغيرها، وقال عطاء إنها في تحريم الذبائح كانوا يذبحونها على اسم الأصنام. (و) الضمير في (إنه لفسق) يرجع إلى " ما " بتقدير مضاف ويجوز أن يرجع إلى مصدر تأكلوا، وقد تقدم تحقيق الفسق، والواو للاستئناف أو للحال، وقد استدل من حمل هذه الآية على ما ذبح لغير الله بقوله: (وإنه لفسق) ووجه الاستدلال أن الترك لا يكون فسقاً بل الفسق الذبح لغير الله، ويجاب عنه بأن إطلاق اسم الفسق على تارك ما فرضه الله عليه غير ممتنع شرعاً. (وإن الشياطين) أي إبليس وجنوده (ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون لهم بالوساوس المخالفة للحق المباينة للصواب (ليجادلوكم) أي قاصدين بذلك أن يجادلكم هؤلاء الأولياء بما يوسوسون لهم (وإن أطعتموهم) فيما يأمرونكم به وينهونكم عنه (إنكم لمشركون) مثلهم، قال الزجاج: فيه دليل على أن كل من أحل شيئاً مما حرم الله أو حرم شيئاً مما أحل الله فهو مشرك وإنما سمي مشركاً لأنه أثبت. حاكماً غير الله. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 169.

أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123)

122

(أو) الهمزة للإنكار والواو للعطف (من كان ميتاً فأحييناه) المراد بالميت هنا الكافر أحياه الله بالإسلام والهدى، وقيل معناه كان ميتاً حين كان نطفة فأحياه بنفخ الروح فيه، والأول أولى لأن السياق يشعر بذلك لكونه في تنفير المسلمين عن اتباع المشركين، وكثيراً ما تستعار الحياة للهداية وللعلم، والموت للكفر والجهل. (وجعلنا له نوراً) النور عبارة عن الهداية والإيمان، وقيل هو القرآن وقيل الحكمة، وقيل هو النور المذكور في قوله تعالى: (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) وقيل المراد به اليقين (يمشي) أي يستضيء (به في الناس) ويهتدي إلى قصد السبيل، والضمير في به راجع إلى النور (كمن مثله) أي صفته (في الظلمات) أي لا يستويان. وقيل مثل زائدة، والمعنى كمن في الظلمات كما تقول أنا أكرم من مثلك أي منك، ومثله فجزاء مثل ما قتل من النعم وليس كمثله شيء وقيل المعنى كمن مثله مثل من هو في الظلمات، والمعنى كمن هو خابط في ظلمة الكفر وظلمة الجهالة وظلمة عمى البصيرة. و (ليس بخارج منها) في محل نصب على الحال أي حال كونه ليس بخارج من تلك الظلمات بحال من الأحوال، وقيل المراد بهما حمزة وأبو جهل قاله ابن عباس، وعن زيد بن أسلم في الآية قال: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل بن هشام كانا ميتين في ضلالتهما فأحيا الله عمر بالإسلام وأعزه وأقر أبا جهل في ضلالته وموته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا

فقال: " اللهم أعز الإسلام بأبي جهل أو بعمر " (¬1). قال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل، وقال مقاتل: نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي جهل، والحق أن الآية عامة في حق كل مؤمن وكافر، وبه قال الحسن. (كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) المزين هو الله سبحانه ويدل عليه قوله: (زينا لهم أعمالهم) ولأن حصول الفعل يتوقف على حصول الدواعي وحصولها لا يكون إلا بخلق الله، فدل ذلك على أن المزين هو الله سبحانه، وقالت المعتزلة: المزين هو الشيطان ويرده ما تقدم. ¬

(¬1) المستدرك كتاب معرفة الصحابة 3/ 83.

123

(وكذلك) أي مثل ذلك الجعل بمكة (جعلنا في كل قرية أكابر) الأكابر جمع أكبر قيل هم الرؤساء والعظماء وخصهم بالذكر لأنهم أقدر على الفساد والغدر وترويج الباطل بين الناس من غيرهم، وإنما حصل ذلك لأجل رياستهم، وذلك سنة الله أنه جعل في كل قرية أتباع الرسل ضعفاءها وجعل فساقها أكابر (مجرميها) قال الواحدي في الآية تقديم وتأخير أي مجرميها أكابر، وإنما جعل المجرمين أكابر لأن ما فيهم من السعة أدعى لهم إلى المكر والكفر. (ليمكروا فيها) بالصد عن الإيمان، واللام على ظاهرها أو للعاقبة أو للعلة مجازاً، قال أبو عبيدة: المكر الخديعة والغدر والحيلة والفجور، وزاد بعضهم الغيبة والنميمة والأيمان الكاذبة وترويج الباطل، قال ابن عباس: ليقولوا فيها الكذب، عن عكرمة قال: نزلت في المستهزئين، وقيل المعنى ليتجبروا على الناس فيها ويعملوا بالمعاصي، دليله (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض). (وما يمكرون إلا بأنفسهم) المكر الحيلة في مخالفة الاستقامة وأصله الفتل، فالماكر يفتل عن الاستقامة أي يصرف عنها أي ما يحيق هذا المكر إلا بهم لأن وبال مكرهم عائد عليهم (وما يشعرون) بذلك لفرط جهلهم.

وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125)

124

(وإذا جاءتهم آية) من الآيات أي حجة بينة ودلالة واضحة على صدق محمد- صلى الله عليه وسلم - والمعنى إذا جاءت الأكابر آية (قالوا) هذه المقالة (لن نؤمن حتى نؤتي مثل ما أوتي رسل الله) وإنما قالوها حسداً منهم للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقيل المعنى إذا جاءتهم آية من القرآن تأمرهم باتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا لن نصدقك حتى يأتينا جبريل ويخبرنا بصدقك يريدون أنهم لا يؤمنون حتى يكونوا أنبياء متبوعين لا تابعين. وهذا نوع عجيب من جهالاتهم الغريبة وعجرفتهم العجيبة ونظيره (يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة) قال بعضهم يسن الوقف هنا ويستجاب الدعاء بين هاتين الجلالتين (قلت) لعل هذا من التجارب دون المأثورات. فأجاب الله عنهم بقوله: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) أي أن الله أعلم بمن يستحق أن يجعله رسولاً ويكون موضعاً لها وأميناً عليها، وقد اختار أن يجعلها في محمد - صلى الله عليه وسلم - صفيه وحبيبه، فدعوا طلب ما ليس من شأنكم، عن ابن جريج قال: قالوا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - حين دعاهم إلى ما دعاهم إليه من الحق: لو كان هذا حقاً لكان فينا من هو أحق أن يؤتى به من محمد، [وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم]. ثم توعدهم بقوله: (سيصيب الذين أجرموا صغار) أي ذل وهوان،

وأصله من الصغر كان الذل يصغر إلى المرء نفسه، وقيل الصغار هو الرضاء بالذل، روي ذلك عن ابن السكيت. (عند الله) أي في الآخرة يوم القيامة وقيل في الدنيا (وعذاب شديد) في الآخرة أو في الدارين من القتل والأسر وعذاب النار (بما كانوا يمكرون) أي بسبب مكرهم وحسدهم.

125

(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) الشرح الشق وأصله التوسعة وشرحت الأمر بينته وأوضحته، والمعنى من يرد الله هدايته للحق يوسع صدره حتى يقبله بصدر منشرح. أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد الرزاق والفريابي وابن أبي شيبة وعبد ابن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر المدايني رجل من بني هاشم، وليس هو محمد بن علي، قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية وقالوا كيف شرح صدره يا رسول الله قال: نور يقذف فيه فينشرح صدره له وينفسح له، قالوا فهل لذلك من أمارة يعرف بها قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت " (¬1)، وقد روي بطرق يقوي بعضها بعضاً والمتصل يقوي المرسل، فالمصير إلى هذا التفسير النبوي متعين. (ومن يرد أن يضله) يصرف اختياره إليه (يجعل صدره ضيقاً) بحيث ينبو عن قبول الحق فلا يكاد يدخله الإيمان، جعل بمعنى صير أو خلق أو سمى، وهذا الثالث ذهب إليه الفارسي وغيره من معتزلة النحاة، وضيقاً بالتشديد وقرئ بالتخفيف مثل هين ولين، وهما لغتان. (حرجاً) بالفتح جمع حرجة وهي شدة الضيق والحرجة الفيضة والجمع حريج وحرجات، ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه، وبالكسر معناه الضيق، كرر المعنى تأكيداً وحسن ذلك اختلاف اللفظ، وقال الجوهري: مكان ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 174.

حرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه الراعية، والحرج الإثم وقال الزجاج: الحرج أضيق الضيق فالمعنى يجعل صدره ضيقاً حتى لا يدخله الإيمان. وقال الكلبي: ليس للخير فيه منفذ، وقال ابن عباس: إذا سمع ذكر الله اشمأز قلبه، وإذا سمع ذكر الأصنام ارتاح إلى ذلك، وفي الآية دليل على أن جميع الأشياء بمشيئة الله وإرادته حتى إيمان المؤمن وكفر الكافر. (كأنما يصعد في السماء) قرئ بالتخفيف من الصعود شبه الكافر في ثقل الإيمان عليه بمن يتكلف ما لا يطيقه كصعود السماء، وقرئ يصاعد، وأصله يتصاعد وقرئ يصعد بالتشديد وأصله يتصعد ومعناه يتكلف ما لا يطيق مرة بعد مرة كما يتكلف من يريد الصعود إلى السماء المظلة أو إلى مكان مرتفع وعر كالعقبة، وقيل المعنى على جميع القراآت كاد قلبه يصعد إلى السماء نبواً عن الإسلام وتكبراً، وقيل ضاق عليه المذهب فلم يجد إلا أن يصعد إلى السماء، وليس يقدر على ذلك. وقيل هو المشقة وصعوبة الأمر، وقال ابن عباس: كما لا يستطيع ابن آدم أن يبلغ السماء كذلك لا يقدر على أن يدخل الإيمان والتوحيد قلبه حتى يدخله الله في قلبه، ومن أراد أن يضله يضيق عليه حتى يجعل الإسلام عنه ضيقاً والإسلام واسع، وذلك حيث يقول: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول ما جعل عليكم في الإسلام من ضيق. (كذلك) أي مثل ذلك الجعل الذي هو جعل الصدر ضيقاً حرجاً (يجعل الله الرجس) هو في اللغة النتن وقيل هو العذاب، وقيل هو الشيطان يسلطه الله (على الذين لا يؤمنون) قاله ابن عباس: وقيل هو ما لا خير فيه، قاله مجاهد، والمعنى الأول هو المشهور في لغة العرب وهو مستعار لما يحل بهم من العقوبة، ويصدق على جميع المعاني المذكورة، وقال الزجاج: الرجس في الدنيا اللعنة وفي الآخرة العذاب.

وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128)

126

(وهذا) أي ما أنت عليه يا محمد ومن معك من المؤمنين (صراط ربك) أي دينه (مستقيماً) لا اعوجاج فيه، وقال ابن مسعود: يعني القرآن لأنه يؤدي من تبعه وعمل به إلى طريق الاستقامة والسداد، وقيل الإشارة إلى ما تقدم مما يدل على التوفيق والخذلان، أي هذا هو عادة الله في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء. (قد فصلنا الآيات) أي بيناها وأوضحناها (لقوم يذكرون) أي لمن يذكر ما فيها ويتفهم معانيها وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن تبعهم بإحسان.

127

(لهم دار السلام) أي لهؤلاء المتذكرين الجنة لأنها دار السلام من كل مكروه، وبه قال جمهور المفسرين، أو دار الرب السلام مدخرة لهم (عند ربهم) يوصلهم إليها، قال قتادة: دار السلام الجنة، وقال جابر بن زيد: السلام هو الله وقال السدي والحسن: الله هو السلام وداره الجنة، وقيل المراد بالسلام التحية أي دارها وهي الجنة والمعنى متقارب. (وهو وليهم) أي ناصرهم ومتولي إيصال الخير إليهم (بما كانوا يعملون) أي بسبب أعمالهم الصالحة التي كانوا يتقربون بها إليه في الدنيا.

128

(و) اذكر (يوم نحشرهم) أي الخلق (جميعاً) في القيامة أو المعنى يوم الحشر نقول: (يا معشر الجن) المراد بهم الشياطين والمعشر الجماعة والجمع معاشر (قد استكثرتم من الإنس) أي من الاستمتاع بهم كقوله (ربنا استمتع

بعضنا ببعض) وقيل استكثرتم من إغوائهم وإضلالهم حتى صاروا في حكم الأتباع لكم فحشرناهم معكم، ومثله قولهم استكثر الأمير من الجنود، والمراد التوبيخ والتقريع، وعلى الأول فالمراد بالاستمتاع التلذذ من الجن بطاعة الإنس لهم ودخولهم فيما يريدون منهم. (وقال أولياؤهم من الإنس) لعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين وهم الإنس دون المضلين وهم الجن للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلاً. (ربنا استمتع بعضنا ببعض) أما استمتاع الجن بالإنس فهو ما تقدم من تلذذهم باتباعهم لهم، وأما استمتاع الإنس بالجن فحيث قبلوا منهم تحسين المعاصي فوقعوا فيها وتلذذوا بها، فذلك هو استلذاذهم بالجن. وقيل استمتاع الإنس بالجن أنه كان إذا مر الرجل بواد في سفره وخاف على نفسه قال: أعوذ برب هذا الوادي من جميع ما أحذر، يعني ربه من الجن، ومنه قوله تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) وقيل استمتاع الجن بالإنس أنهم كانوا يصدقونهم فيما يقولون من الأخبار الغيبية الباطلة، واستمتاع الإنس بالجن أنهم كانوا يتلذذون بما يلقونه إليهم من الأكاذيب والأراجيف والسحر وينالون بذلك شيئاً من حظوظ الدنيا كالكهان. (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) أي يوم القيامة اعترافاً منهم بالوصول إلى ما وعدهم الله به مما كانوا يكذبون به، قال الحسن والسدي: الأجل الموت، وقيل هو وقت البعث والحساب يوم القيامة، وهذا تحسر منهم على حالهم أي أن ذلك الاستمتاع كان إلى أجل معين محدود، ثم ذهب وبقيت الحسرة والندامة. ولما قالوا هذه المقالة أجاب الله عليهم و (قال النار مثواكم) أي موضع مقركم ومقامكم، والمثوى المقام، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر (خالدين فيها) أي مقيمين في نار جهنم أبداً (إلا ما شاء الله) المعنى الذي تقتضيه لغة

العرب في التركيب أنهم يخلدون في النار في كل الأوقات إلا في الوقت الذي يشاء الله عدم بقائهم فيها، وعليه جرى السيوطي تبعاً لشيخه المحلي في سورة الصافات، وهو مخالف في ذلك لقوله تعالى: (يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها). والعجب منه أنه اختار هذا التفسير مع أنه في كتابه الدر المنثور قال: إن السلف على أن الكفار لا يخرجون من النار أصلاً، قاله القاري، وقال الزجاج: إن الاستثناء يرجع إلى يوم القيامة أي خالدين في النار إلا ما شاء الله من مقدار حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في الحساب إلى حين دخولهم إلى النار، وهو تعسف لأن الاستثناء هو من الخلود الدائم ولا يصدق على من لم يدخل النار. وقيل الاستثناء راجع إلى النار أي إلا ما شاء الله من تعذيبهم بغيرها في بعض الأوقات كالزمهرير، وبه فسر النسفي والشهاب وزاده الآية. وقيل الاستثناء لأهل الإيمان و (ما) بمعنى من أي إلا من شاء الله إيمانه فإنه لا يدخل النار، وبه قال ابن عباس كما حكاه الجمهور، وبه قال الكرخي، وقيل المعنى إلا ما شاء الله من كونهم في الدنيا بغير عذاب. وكل هذه التأويلات متكلفة والذي ألجأ إليها ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من خلود الكفار في النار أبداً، ولكن لا تعارض بين عام وخاص لا سيما بعد وروده في القرآن مكرراً كما سيأتي في سورة هود (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) ولعله يأتي هنالك إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق. قال ابن عباس: في هذه الآية إنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه أن لا ينزل لهم جنة ولا ناراً، وقد أوضح المقام الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه حادي الأرواح فليرجع إليه. (إن ربك حكيم) أي في تدبير خلقه وتصريفه إياهم في مشيئته من حال إلى حال وغير ذلك من أفعاله (عليم) بعواقب أمور خلقه وما هم إليه صائرون.

وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)

129

(وكذلك) أي مثل ما جعلنا ما بين الجن والإنس ما سلف (نولي بعض الظالمين بعضاً) أي نجعل بعضهم يتولى البعض فيكونون بعضهم أولياء بعض ثم يتبرأ بعضهم من البعض، فمعنى نولي على هذا نجعله ولياً له، وقال عبد الرحمن ابن زيد: معناه نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس، وروي عنه أنه فسر هذه الآية بأن المعنى نسلط بعض الظلمة على بعض فنهلكه ونذله فيكون في الآية على هذا تهديد للظلمة بأن من لم يمتنع من ظلمه منهم سلط الله عليه ظالماً آخر. وقال فضيل بن عياض: إذا رأيت ظالماً ينتقم من ظالم فقف وانظر متعجباً وقيل معنى نولي نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر، وقال قتادة: المعنى المؤمن ولي المؤمن حيث كان وأين كان، والكافر ولي الكافر حيث كان وأين كان، وقال ابن عباس في الآية: أن الله إذا أراد بقوم خيراً ولي عليهم خيارهم وإذا أراد بقوم شراً ولى عليهم شرارهم. (بما كانوا يكسبون) الباء للسببية أي بسبب كسبهم الذنوب ولينا بعضهم بعضاً قال قتادة: يولي الله بعض الظالمين بعضاً في الدنيا، ويتبع بعضهم بعضاً في النار من الموالاة، وقال الأعمش سمعتهم يقولون إذا فسد الزمان أمر عليهم شرارهم.

130

(يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) أي يوم نحشرهم لنقول لهم ألم يأتكم، وهو شروع في حكاية ما سيكون في الحشر من توبيخ المعشرين بما يتعلق بخاصة أنفسهم إثر حكاية توبيخ الجن بإغواء الإنس وإضلالهم إياهم.

وظاهره أن الله يبعث في الدنيا إلى الجن رسلاً منهم كما يبعث إلى الإنس رسلاً منهم، وبه قال الضحاك، وقيل معنى منكم أي ممن هو مجانس لكم في الخلق والتكليف والقصد بالمخاطبة فإن الجن والإنس متحدون في ذلك وإن كان الرسل من الإنس خاصة فهم من جنس الجن من تلك الحيثية، وبه قال أكثر أهل العلم وابن عباس. وقيل: إنه من باب تغليب الإنس على الجن كما يغلب الذكر على الأنثى، وبه قال الفراء والزجاج، وقيل المراد بالرسل إلى الجن ههنا النذر منهم كما في قوله (ولوا إلى قومهم منذرين) عن مجاهد قال: ليس في الجن رسل إنما الرسالة في الإنس، والنذارة في الجن، ونحو ذلك قال ابن جريج وأبو عبيدة، وقيل التقدير رسل من أحدكم يعني من جنس الإنس. والحاصل أن الخطاب للإنس وإن تناولهما اللفظ فالمراد أحدهما كقوله تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما يخرج من الملح دون العذب، وقال تعالى: (وجعل القمر فيهن نوراً) وإنما هو في سماء واحدة. (يقصون عليكم آياتي) أي يقرأون كتبي الدالة على توحيدي وتصديق رسلي ويتلونها مع التوضيح والتبيين، والقاص من يأتي بالقصة، وقد تقدم بيان معنى القص (وينذرونكم لقاء يومكم هذا) وهو يوم القيامة، يقول الله ذلك لهم تقريعاً وتوبيخاً. (قالوا) أي كفار الإنس والجن (شهدنا على أنفسنا) هذا إقرار منهم بأن حجة الله لازمة لهم بإرسال رسله إليهم، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر (وغرتهم الحياة الدنيا) جملة معترضة أي لذاتها ومالوا إليها فكانت عاقبة أمرهم أن اضطروا إلى الشهادة عليهم بالكفر.

(وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين) هذه شهادة أخرى منهم على أنفسهم بالكفر في الدنيا بالرسل المرسلين إليهم والآيات التي جاؤوا بها، وقد تقدم ما يفيد أن مثل هذه الآية المصرحة بإقرارهم بالكفر على أنفسهم ومثل قولهم: (والله ربنا ما كنا مشركين) محمول على أنهم يقرون في بعض مواطن يوم القيامة، وينكرون في بعض آخر، لطول ذلك اليوم واضطراب القلوب فيه، وطيشان العقول وانغلاق الأفهام وتبلد الأذهان.

131

(ذلك) إشارة إلى شهادتهم على أنفسهم أو إلى إرسال الرسل إليهم (أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون) المعنى أن الله أرسل الرسل إلى عباده، لأنه لم يهلك من عصاه بالكفر من القرى والحال أنهم غافلون عن الأعذار والإنذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب، بل إنما يهلكهم بعد إرسال الرسل إليهم وارتفاع الغفلة عنهم بإنذار الأنبياء لهم كقوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً). وقيل المعنى ما كان الله مهلك أهل القرى بظلم منه فهو سبحانه يتعالى عن الظلم، بل إنما يهلكهم بعد أن يستحقوا ذلك وترتفع الغفلة عنهم بإرسال الأنبياء وقيل المعنى أن الله لا يهلك أهل القرى بسبب ظلم من يظلم منهم مع كون الآخرين غافلين عن ذلك فهو مثل قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132) وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133) إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (134)

132

(ولكل) من الجن والإنس، وقيل من المؤمنين خاصة، وقيل من الكفار خاصة لأنها جاءت عقيب خطاب الكفار إلا أنه يبعده قوله: (درجات) أي متفاوتة، وقد يقال أن المراد بها هنا المراتب وإن غلب استعمالها في الخير (مما عملوا) فيجازيهم بأعمالهم كما قال في آية أخرى (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون). وفيه دليل على أن المطيع من الجن في الجنة والعاصي في النار، قال الضحاك: الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، وعن ليث ابن أبي سليم قال: مسلمو الجن لا يدخلون الجنة ولا النار، وذلك أن الله أخرج أباهم من الجنة فلا يعيده ولا يعيد ولده. وعن ابن عباس قال: الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم وخلق في النار كلهم وخلقان في الجنة والنار، فأما الذين في الجنة كلهم فالملائكة، وأما الذين في النار كلهم فالشياطين، وأما الذين في الجنة والنار فالإنس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب (وما ربك بغافل عما يعملون) من أعمال الخير والشر والغفلة ذهاب الشيء عنك لاشتغالك بغيره، قيل هذا مختص بأهل الكفر والمعاصي، ففيه وعيد وتهديد لهم، والأولى شموله لكل المعلومات على التفصيل التام.

133

(وربك الغني) عن خلقه لا يحتاج إليهم ولا إلى عبادتهم لا ينفعه إيمانهم ولا يضره كفرهم ومع كونه غنياً عنهم فهو (ذو الرحمة) لا يكون غناؤه

عنهم مانعاً من رحمته لهم، وما أحسن هذا الكلام الرباني وأبلغه وما أقوى الاقتران بين الغنى والرحمة في هذا المقام، فإن الرحمة لهم مع الغنى عنهم هي غاية التفضل والتطول، ومن جملة رحمته إرسال الرسل للخلق وإبقاؤهم بلا استئصال بالهلاك فهذا الوصف يناسب سابق الكلام ولا حقه. (إن يشا يذهبكم) أيها العباد العصاة فيستأصلكم بالعذاب المفضي إلى الهلاك، وقيل الخطاب لأهل مكة ففيه وعيد وتهديد لهم، والعموم أولى ويدخل فيه أهل مكة دخولاً أولياً (ويستخلف) أي ينشئ ويوجد (من بعدكم) أي بعد إهلاككم (ما يشاء) من خلقه ممن هم أطوع له وأسرع إلى امتثال أحكامه منكم (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) أي من نسل قوم لم يكونوا على مثل صفتكم بل كانوا طائعين، قيل هم أهل سفينة نوح وذريتهم من بعدهم من القرون إلى زمنكم. قال الواحدي والزمخشري: ولكنه سبحانه لم يشأ ذلك فلم يهلكهم ولا استخلف غيرهم رحمة لهم ولطفاً بهم، وقال الرازي: المراد منه خلق ثالث أو رابع، واختلفوا فيه فقيل خلقاً آخر من أمثال الجن والإنس. قال القاضي: وهو الوجه الأقرب فكأنه نبه أن قدرته ليست مقصورة على جنس دون جنس، وقال الطبري: المعنى كما أحدثكم وابتدعكم من بعد خلق آخرين كانوا قبلكم، (والذرية الأصل) والنسل قاله أبان ابن عثمان.

134

(إنما توعدون) من مجيء الساعة والبعث والحساب والمجازاة (لآت) لا محالة عن قريب فإن الله لا يخلف الميعاد (وما أنتم بمعجزين) أي بفائتين عما هو نازل بكم وواقع عليكم، يقال أعجزني فلان أي فاتني وغلبني، وقال ابن عباس: أي سابقين، وقيل هاربين منه وهو مدرككم لا محالة. والمراد بيان دوام انتفاء الإعجاز لا بيان انتفاء دوامه فإن الجملة الاسمية كما تدل على دوام الثبوت كذلك تدل بمعونة المقام إذا دخل عليها حرف النفي على دوام الانتفاء لا على انتفاء الدوام كما حقق في موضعه قاله الكرخي.

135

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135) (قل يا قوم) من كفار قريش (اعملوا على مكانتكم) المكانة الطريقة أي اثبتوا على ما أنتم عليه فإني غير مبال بكم ولا مكترث بكفركم، وقيل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى قدرتكم واستطاعتكم وإمكانكم، قاله الزجاج، وقال ابن عباس: على ناحيتكم وجهتكم. والمقصود من هذا الأمر الوعيد والتهديد والمبالغة في الزجر عما هم عليه، فهو كقوله: (اعملوا ما شئتم) فلا يرد ما يقال كيف يأمركم بالثبات على الكفر. (إني عامل) على مكانتي أي ثابت على ما أنا عليه (فسوف) لتأكيد مضمون الجملة وهذه الجملة تعليل لما قبلها. (تعلمون) أي تعرفون عند نزول العذاب بكم أو غداً يوم القيامة. (من تكون له عاقبة الدار) وهي العاقبة المحمودة التي يحمد صاحبها عليها أي من له النصر في دار الدنيا ومن له وراثة الأرض ومن له الدار الآخرة، ومن هو على الحق ومن هو على الباطل، نحن أم أنتم، وفيه مع الإنذار إنصاف في المقال وتنبيه على كمال وثوق المنذر بأمره.

136

وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (136) (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيباً) هذا بيان نوع آخر من أنواع كفرهم وجهلهم وإيثارهم لآلهتهم على الله سبحانه أي جعلوا لله سبحانه مما خلق من حرثهم ونتاج دوابهم وهي الإبل والبقر والغنم نصيباً ولآلهتهم نصيباً من ذلك أي قسماً يصرفونه في سدنتها والقائمين بخدمتها، فإذا ذهب ما لآلهتهم بأنفاقه في ذلك عوضوا عنه ما جعلوه لله قالوا الله غني عن ذلك. وعن ابن عباس قال: جعلوا لله من ثمارهم ومائهم نصيباً وللشيطان والأوثان نصيباً فإن سقط من ثمره ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه وإن سقط مما جعلوه للشيطان في نصيب الله ردوه إلى نصيب الشيطان، وإن انفجر من سقي ما جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه وإن انفجر من سقي ما جعلوه للشيطان في نصيب الله نزحوه، فهذا ما جعلوا لله من الحرث وسقي الماء وأما ما جعلوه للشيطان من الأنعام فهو قول الله (ما جعل الله من بحيرة) الآية. وقال مجاهد: جعلوا لله جزءاً ولشركائهم جزءاً فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه وقالوا الله عن هذا غني، وما ذهبت به الريح من أجزاء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه، والأنعام التي سمى الله البحيرة والسائبة. (فقالوا هذا لله بزعمهم) الزعم الكذب وقرئ بضم الزاي وبفتحها وهما لغتان وإنما نسبوا للكذب في هذه المقالة مع أن كل شيء لله لأن هذا الجعل لم يأمرهم الله به فهو مجرد اختراع منهم، قال الأزهري: وأكثر ما يكون الزعم فيما يشك فيه ولا يتحقق قال بعضهم هو كناية عن الكذب.

وقال المرزوقي: أكثر ما يستعمل فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، وقال ابن القوطية: زعم زعماً قال خبراً لا يدري أحق هو أو باطل، قال الخطابي: ولهذا قيل: زعموا مطية الكذب وزعم غير مزعم، قال غير مقول صالح وادعى ما لا يمكن. (وهذا لشركائنا) أي الأصنام (فما كان لشركائهم) أي ما جعلوه لها من الحرث والأنعام (فلا يصل إلى الله) أي إلى المصارف التي شرع الله الصرف فيها كالصدقة وصلة الرحم وقراء الضيف (وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم) أي يجعلونه لآلهتهم وينفقونه في مصالحها (ساء ما يحكمون) أي حكمهم في إيثارهم آلهتهم على الله سبحانه ورجحان جانب الأصنام على جانب الله تعالى في الرعاية والحفاظة، وهذا سفه منهم. وقيل معنى الآية أنهم كانوا إذا ذبحوا ما جعلوه لله ذكروا عليه اسم أصنامهم، وإذا ذبحوا ما لأصنامهم لم يذكروا عليه اسم الله فهذا معنى الوصول إلى الله والوصول إلى شركائهم (¬1). ¬

(¬1) وكانوا إذا زكا ما لله، ولم يزك ما لشركائهم، ردوا الزاكي على أصنامهم، وقالوا: هذه أحوج، والله غني؛ وإذا زكا ما للأصنام، ولم يترك ما لله، أقروه على ما به. قال المفسرون: وكانوا يصرفون ما جعلوا لله إلى الضيفان والمساكين. فمعنى قوله: (فلا يصل إلى الله) أي: إلى هؤلاء ويصرفون نصيب آلهتهم في الزرع إلى النفقة على خُدامها. نصيبها في الأنعام، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كان للنفقة عليها أيضاً والثاني: أنهم كانوا يتقربون به، فيذبحونه لها. والثالث: أنه البحيرة، والسائبة- والوصيلة، والحام.

وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137) وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (138)

137

(وكذلك) أي ومثل ذلك التزيين الذي زينه الشيطان لهم في قسمة أموالهم بين الله وبين شركائهم (زين لكثير من المشركين قتل أولادهم) قال الفراء والزجاج: (شركاؤهم) ههنا هم الذين كانوا يخدمون الأوثان وقيل هم الغواة من الناس، وقيل هم الشياطين، وأشار بهذا إلى الوأد وهو دفن البنات مخافة السباء والحاجة، وقيل كان الرجل يحلف بالله لئن ولد له كذا من المذكور لينحرن أحدهم كما فعله عبد المطلب. قرئ زين بالبناء للفاعل ونصب قتل ورفع شركاؤهم على أنه فاعل زين، وقرئ بضم الزاي، ورفع قتل وخفض أولاد ورفع شركاؤهم بإضمار فعل دل عليه زين كأنه لما قيل زين لهم الخ قيل من زينه فقيل زينه شركاؤهم وقرئ بضم الزاي ورفع قتل ونصب أولاد وخفض شركاؤهم بإضافة القتل إليه مفصولاً بين المصدر وما هو مضاف إليه بالمفعول. قال النحاس: إن هذه القراءة لا تجوز في كلام ولا في شعر وهي بعيدة، وفي القرآن أبعد، وقال ابن حمدان النحوي: هي زلة عالم لم يجز اتباعه، وقال قوم ممن انتصر لهذه القراءة إنها إذا ثبتت بالتواتر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي فصيحة لا قبيحة، قالوا وقد ورد ذلك في كلام العرب وفي مصحف عثمان شركائهم بالياء.

قلت دعوى التواتر باطلة بإجماع القراء المعتبرين كما بين الشوكاني ذلك في رسالة مستقلة فمن قرأ بما يخالف الوجه النحوي فهو رد عليه، ولا يصح الاستدلال لصحة هذه القراءة بما ورد من الفصل في النظم، فإن ضرورة الشعر لا يقاس عليها. وفي الآية قراءة رابعة وهي جر الأولاد والشركاء، ووجه ذلك أن الشركاء بدل من الأولاد لكونهم شركاءهم في النسب والميراث. (ليردوهم) من الإرداء وهو الإهلاك أي فعلوا ذلك التزيين لإهلاكهم (وليلبسوا عليهم دينهم) أي يخلطوه عليهم، قال ابن عباس: ليدخلوا عليهم الشك في دينهم، وكانوا على دين إسمعيل فرجعوا عنه بتلبيس الشياطين (ولو شاء الله) عدم فعلهم (ما فعلوه) أي ذلك الفعل الذي زين لهم من تحريم الحرث والأنعام وقتل الأولاد، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وإذا كان ذلك بمشيئة الله (فذرهم وما يفترون) أي فدعهم وافتراءهم فذلك لا يضر، والفاء فاء الفصيحة.

138

(وقالوا هذه أنعام وحرث حجر) هذا بيان نوع آخر من جهالاتهم وضلالاتهم، وهذه إشارة إلى ما جعلوه لآلهتهم، والتأنيث باعتبار الخبر وهو قوله: (أنعام) فهو وحرث خبر عن اسم الإشارة، والحجر بكسر أوله وسكون ثانيه، وقرئ بضم الحاء والجيم وبفتح الحاء وإسكان الجيم، وقرئ حرج بتقديم الراء على الجيم من الحرج وهو الضيق، والحجر على اختلاف القراآت فيه هو مصدر بمعنى محجور كذبح وطحن بمعنى مذبوح ومطحون، يستوي فيه الواحد والكثير، والمذكر والمؤنث وأصله المنع، فمعنى الآية هذه أنعام وحرث ممنوعة يعنون أنها لأصنامهم، قال مجاهد: يعني بالأنعام البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، قال ابن عباس: الحجر ما حرموا من الوصيلة وقال قتادة والسدي حجر أي حرام.

(لا يطعمها إلا من نشاء) وهم خدام الأصنام والرجال دون النساء (بزعمهم) لا حجة لهم فيه فجعلوا نصيب الآلهة أقساماً ثلاثة الأول ما ذكره بقوله حجر، والثاني ما ذكره بقوله: (وأنعام حرمت ظهورها) أي البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، حموا ظهورها عن الركوب وقيل: إن هذا القسم أيضاً مما جعلوه لآلهتهم (و) القسم الثالث (أنعام لا يذكرون اسم الله عليها) عند الذبح وهي ما ذبحوا لآلهتهم فإنهم يذبحونها باسم أصنامهم لا باسم الله وقيل: إن المراد لا يحجون عليها ولا يركبونها لفعل الخير. (افتراء عليه) أي اختلاقاً وكذباً على الله سبحانه، نصب على العلة والجار متعلق به والتقدير قالوا ما تقدم لأجل الافتراء على الباري، وهو مذهب سيبويه، وهذا أظهر، وقال الزجاج: هو مصدر على غير المصدر لأن قوله المحكى عنهم افتراء فهو نظير قعد القرفصاء، وقيل: إنه مصدر عامله من لفظه مقدر أي افتروا ذلك افتراء، وقيل قالوا ذلك حال افترائهم وهي تشبه الحال المؤكدة. (سيجزيهم بما كانوا يفترون) أي بافترائهم أو بالذي يفترونه، وفيه وعيد وتهديد لهم.

وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (139) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (140) ثم بين الله سبحانه نوعاً آخر من جهالاتهم فقال:

139

(وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) يعنون أجنة البحائر والسوائب وقيل هو اللبن (خالصة لذكورنا) أي حلال لهم، والهاء في خالصة للمبالغة في الخلوص كعلامة ونسابة، قاله الكسائي والأخفش، وقال الفراء: تأنيثها لتأنيث الأنعام ورد بأن ما في بطون الأنعام غير الأنعام، وتعقب هذا الرد بأن ما في بطونهما أنعام وهي الأجنة، " وما " عبارة عنها فيكون تأنيث خالصة باعتبار المعنى. (ومحرم على) جنس (أزواجنا) وهي النساء فيدخل في ذلك البنات والأخوات ونحوهن وتذكير محرم باعتبار لفظ ما (وإن يكن) أي الذي في بطون الأنعام (ميتة فهم فيه) أي في الذي في البطون (شركاء) يأكل منه الذكور والإناث (سيجزيهم) الله (وصفهم) أي بوصفهم الكذب على الله، وقيل المعنى سيجزيهم جزاء وصفهم (إنه حكيم عليم) فلأجل حكمته وعلمه لا يترك جزاءهم الذي هو من مقتضيات الحكمة. ثم بين الله سبحانه نوعاً آخر من جهالاتهم فقال:

140

(قد خسر الذين قتلوا أولادهم) أي بناتهم بالوأد الذي كانوا يفعلونه (سفهاً) أي لأجل السفه وهو الطيش والخفة لا لحجة عقلية ولا شرعية، قال عكرمة: نزلت فيمن كان يئد البنات من مضر وربيعة وقال قتادة: هذا صنع أهل الجاهلية، وكان أحدهم يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة ويغذو كلبه (بغير علم) يهتدون به (وحرموا ما رزقهم الله) من الأنعام التي سموها بحائر وسوائب (افتراء على الله) أي للافتراء عليه أو افتروا افتراء عليه.

141

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) (قد ضلوا) عن طريق الصواب والرشاد بهذه الأفعال (وما كانوا مهتدين) إلى الحق ولا هم من أهل الاستعداد لذلك، قال ابن عباس: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام (قد خسر الذين) الآية أخرجه البخاري. (وهو الذي أنشأ) أي خلق (جنات) بساتين، وهذا تذكير لهم ببديع قدرة الله وعظيم صنعه (معروشات) مرفوعات ممسوكات على الأعمدة (وغير معروشات) غير مرفوعات عليها، وقيل المعروشات ما انبسط على وجه الأرض مما يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ، وغير العروشات ما قام على ساق مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. وقال الضحاك: كلاهما في الكرم خاصة لأن منه ما يعرش ومنه ما لا يعرش بل يبقى على وجه الأرض منبسطاً، وقيل العروشات ما أنبته الناس وغرسوه، وغير العروشات ما نبت في البراري والجبال من الثمار، قاله ابن عباس، وقال قتادة: معروشات بالعيدان والقصب، وغير معروشات الضاحي، وأصل العرش في اللغة شيء مسقف يجعل عليه الكرم وجمعه عروش يقال عرشت الكرم أعرشه عرشاً وعرشته تعريشاً إذا جعلته كهيئة السقف، واعترش العنب العريش إذ علاه وركبه. (و) أنشأ (النخل والزرع) وهو جميع الحبوب التي تقتات وتدخر، وخصهما بالذكر مع دخولهما في الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات حال كونه (مختلفاً أكله) أي أكل كل واحد منهما في الطعم والجودة

والرداءة، والمراد بالأكل المأكول أي مختلف المأكول من كل منهما في الهيئة والطعم. قال الزجاج: وهذه مسألة مشكلة في النحو، يعني انتصاب مختلفاً على الحال لأنه يقال قد أنشاها ولم يختلف أكلها، فالجواب أن الله سبحانه أنشأها مقدراً فيها الاختلاف، وهذه هي الحال المقدرة المشهورة عند النحاة المدونه في كتب النحو، وقال مختلفاً أكله ولم يقل أكلهما اكتفاء بإعادة الذكر على أحدهما كقوله: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) أو الضمير بمنزلة اسم الإشارة أي أكل ذلك. (و) أنشأ (الزيتون والرمان) حال كونهما (متشابها) ورقهما في المنظر (وغير متشابه) في المطعم وقد تقدم الكلام على تفسير هذا (كلوا من ثمره) أي من ثمر كل واحد منهما أو من ثمر ذلك (إذا أثمر) أي إذا حصل فيه الثمر وإن لم يدرك ويبلغ حد الحصاد، وهذا أمر إباحة وبه تمسك بعضهم فقال الأمر قد يرد لغير الوجوب، لأن هذه الصيغة مفيدة لدفع الحرج وقيل المقصود منه إباحة الأكل قبل إخراج الواجب، وقيل المعنى ليعلم أن المقصود من خلق هذه الأشياء هو الأكل، وقيل ليعلم أن أول وقت الإباحة وقت إطلاع الشجر الثمر ولا يتوهم إنه لا يباح إلا إذا أدرك. (وآتوا حقه يوم حصاده) أي جذاذه وقطعه، قرئ بفتح الحاء وكسرها وهما لغتان في المصدر كقولهم جذاذ وجذاذ وقطاف وقطاف، قال سيبويه: جاءوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثال فعال، وربما قالوا فيه فعال يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر، فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، والحصد ليس فيه دلالة على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحصاد والحصاد. وقد اختلف أهل العلم هل الآية محكمة أو منسوخة أو محمولة على

الندب، فذهب ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير إلى أنها محكمة، وأنه يجب على المالك يوم الحصاد أن يعطي من حضر من المساكين القبضة والضغث ونحوهما، وذهب أنس بن مالك وابن عباس ومحمد بن الحنفية والحسن والنخعي وطاووس وأبو الشعثاء وقتادة والضحاك وابن جريج وجابر بن زيد وسعيد بن المسيب إلى أنها منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير. ويؤيده أن هذه الآية مكية، وآية الزكاة مدنية في السنة الثانية بعد الهجرة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم من السلف والخلف، قال ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن. وقالت طائفة من العلماء أن الآية محمولة على الندب لا على الوجوب، وأخرج ابن المنذر والنحاس وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية قال: " ما سقط من السنبل " وقال ابن عمر كانوا يعطون من اعتراهم شيئاً سوى الصدقة، وعن مجاهد قال: إذا حصدت فحضرك المساكين فأطرح لهم من السنبل. وقال ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيضعونه في المسجد فيجيء السائل فيضربه بالعصا فيسقط منه فهو قوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) وقال حماد بن أبي سليمان في الآية: كانوا يطعمون منه رطباً، وأخرج أحمد وأبو داود في سننه من حديث جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر من كل حادي عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المسجد للمساكين وإسناده جيد، وقال ابن عباس: أيضاً نسخها العشر ونصف العشر وعن السدي نحوه، وقال الشعبي: إن في المال حقاً سوى الزكاة وعن أبي العالية قال ما كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة. وقال علي بن الحسن وعطاء ومجاهد وحماد: هو إطعام من حضر وترك ما سقط من الزرع والتمر، وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقاً يؤمر بإخراجه في

ابتداء الإسلام ثم صار منسوخاً بإيجاب العشر، واختاره الطبري وصححه واختار الأول الواحدي والرازي، وقيل المعنى وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التصفية. ثم إنهم تبادروا وأسرفوا فأنزل الله (ولا تسرفوا) أي في التصدق بإعطاء كله، وأصل الإسراف في اللغة الخطأ والإسراف في النفقة التبذير، وقال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلاً، قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء. قال الزجاج: وعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئاً فقد أسرف، لأنه قد صح في الحديث ابدأ بمن تعول، وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة أي لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة. وعلى هذين القولين المراد بالإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول في البذل والإعطاء، والثاني في الإمساك والبخل، وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام، وقال الزهري: لا تنفقوا في معصية الله، وقال ابن زيد: هو خطاب للولاة يقول لهم لا تأخذوا فوق حقكم من رب المال، وقيل المعنى لا تأخذوا الشيء بغير حقه وتضعونه في غير مستحقه. (إنه لا يحب المسرفين) اعتراض وفيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه الله فهو من أهل النار، وعن ابن جريج قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جد نخلا فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليس له تمرة فأنزل الله هذه الآية وعن مجاهد قال: لو أنفقت مثل أبي قيس ذهباً في طاعة الله لم يكن إسرافاً ولو أنفقت صاعاً في معصية الله كان إسرافاً، وللسلف في هذا مقالات طويلة.

142

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) (و) أنشأ لكم (من الأنعام) شروع في تفصيل حال الأنعام وإبطال ما تقولوا في شأنها بالتحريم والتحليل (حمولة وفرشاً) الحمولة هي كل ما يحمل عليها واختصت بالإبل فهي فعولة بمعنى فاعلة، والفرش ما يتخذ من الوبر والصوف والشعر فراشاً يفرشه الناس، وقيل الحمولة الإبل، والفرش الغنم، وقيل هي كل ما حمل عليه من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، والفرش الغنم، وهذا لا يتم إلا على فرض صحة إطلاق اسم الأنعام على جميع هذه المذكورات. قال ابن مسعود: الفرش صغار الإبل التي لا تحمل، وبه قال ابن عباس: وزاد الحمولة ما حمل عليه والفرش ما أكل منه، قال أبو العالية: الفرش الضأن والمعز قيل سمي فرشاً لأنه يفرش للذبح ولأنه قريب من الأرض لصغره، قال الزجاج: أجمع أهل اللغة على أن الفرش صغار الإبل، قال أبو زيد: يحتمل أن يكون تسمية بالمصدر لأن الفرش في الأصل مصدر والفرش لفظ مشترك بين معان كثيرة منها ما تقدم ومنها متاع البيت والفضاء الواسع واتساع خف البعير قليلاً والأرض الملساء ونبات يلتصق بالأرض. (كلوا مما رزقكم الله) من الثمار والزرع والأنعام وأحلها لكم (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي طرقه وآثاره كما فعل المشركون وأهل الجاهلية من تحريم ما لم يحرمه الله وتحليل ما لم يحلله (إنه) أي الشيطان (لكم عدو مبين) مظهر للعداوة ومكاشف بها.

143

ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) ثم بين الحمولة والفرش فقال: (ثمانية أزواج) اختلف في انتصاب ثمانية على ماذا قال الكسائي بفعل مضمر أي وأنشأ ثمانية أصناف، وقال الأخفش سعيد: هو منصوب على البدل من حمولة وفرشاً، وقال الأخفش: على هو منصوب بكلوا أي كلوا لحم ثمانية، وقيل منصوب على أنه بدل من ما في (مما رزقكم الله). والزوج خلاف الفرد يقال: زوج أو فرد كما يقال شفع أو وتر، يعني ثمانية أفراد، وإنما سمي الفرد زوجاً في هذه الآية لأن كل واحد من الذكر والأنثى زوج بالنسبة إلى الآخر، ويقع لفظ الزوج على الواحد فيقال هما زوج وهو زوج وتقول اشتريت زوجي حمام أي ذكراً وانثى والحاصل أن الواحد إذا كان منفرداً سواء كان ذكراً أو أنثى قيل له فرد، وإن كان الذكر مع أنثى من جنسه قيل لهما زوج ولكل واحد منهما على إنفراده زوج، ويقال لهما أيضاً زوجان ومنه قوله تعالى: (وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى). (من الضأن) أي ذوات الصوف من الغنم وهو جمع ضائن ويقال للأنثى ضائنة والجمع ضوائن، وقيل هو جمع لا واحد، وقيل اسم جمع، وقيل في جمعه ضئين كعبد وعبيد، قال النحاس: الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان. (اثنين) أي الذكر والأنثى يعني الكبش والنعجة (ومن المعز اثنين) أي الذكر والأنثى يعني التيس والعنز، فالتيس للذكر والعنز للأنثى إذا أتى عليها حول والمعز من الغنم خلاف الضأن وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس لا واحد من لفظه، وواحد المعز ماعز مثل صحب

وصاحب، وركب وراكب، وتجر وتاجر، والجمع معزى والأنثى ماعزة، واثنين بدل من ثمانية أزواج صرح به أبو البقاء، وهو ظاهر قول الزمخشري. والمراد من هذه الآية أن الله سبحانه بين حال الأنعام وتفاصيلها إلى الأقسام المذكورة توضيحاً للامتنان بها على عباده، ودفعاً لما كانت الجاهلية تزعمه من تحليل بعضها وتحريم بعض، تقولاً على الله سبحانه وافتراء عليه. عن ابن عباس قال: الأزواج الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعز، أخرجه البيهقي وابن جرير وغيرهما، وليت شعري ما فائدة نقل هذا الكلام عن ابن عباس من مثل هؤلاء الأئمة فإنه لا يتعلق به فائدة، وكون الأزواج الثمانية هي المذكورة هو هكذا في الآية مصرحاً به تصريحاً لا لبس فيه. قال أبو السعود: وهذه الأزواج الأربعة تفصيل للفرش، ولعل تقديمها في التفصيل مع تأخر أصلها في الإجمال لكون هذين النوعين عرضة للأكل الذي هو معظم ما يتعلق به الحل والحرمة وهو السر في الاقتصار على الأمر به في قوله تعالى: (كلوا مما رزقكم الله) من غير تعرض للانتفاع بالحمل والركوب وغير ذلك مما حرموه في السائبة وأخواتها. (قل) يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى الله (آلذكرين حرم أم الأنثيين) منهما (أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) منهما المراد بالذكرين الكبش والتيس، وبالأنثيين النعجة والعنز، وانتصاب الذكرين بحرم، والأنثيين معطوف عليه منصوب بناصبه والهمزة للإنكار، والمعنى الإنكار على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها، وقولهم ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، أي قل لهم إن كان حرم المذكور، فكل ذكر حرام وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين يعني من الضأن والمعز فكل مولود حرام ذكراً كان أو أنثى وكلها مولود فيستلزم أن كلها حرام. (نبئوني) أي أخبروني (بعلم) لا بجهل عن كيفية تحريم ذلك وفسروا

144

وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) لي ما حرمتم والمراد من هذا التبكيت لهم والتعجيز وإلزام الحجة لأنه يعلم أنه لا علم عندهم (إن كنتم صادقين) في أن الله حرم ذلك عليكم. وهكذا الكلام في قوله: (ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين) هذه أربعة أزواج أخر بقية الثمانية، قال الشوكاني: وينبغي أن ينظر في وجه تقديم المعز والضأن على الإبل والبقر مع كون الإبل والبقر أكثر نفعاً وأكبر أجساماً وأعود فائدة لا سيما في الحمولة والفرش اللذين وقع الإبدال منهما على ما هو الوجه الأوضح في إعراب ثمانية. (قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين) قال ليث بن أبي سليم: الجاموس والبختي من الأزواج الثمانية. وفي هاتين الآيتين تقريع وتوبيخ من الله لأهل الجاهلية بتحريمهم ما لم يحرمه الله، وذكر الرازي وجهين آخرين في معنى هذه الآية ونسبهما إلى نفسه فقال: إن هذا الكلام ما ورد على سبيل الاستدلال على بطلان قولهم بل هو استفهام على سبيل الإنكار، يعني أنكم لا تقرون بنبوة نبي ولا تعترفون بشريعة شارع فكيف تحكمون بأن هذا يحل وهذا يحرم. والوجه الثاني أنكم حكمتم بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام مخصوصاً بالإبل فالله تعالى بين أن النعم عبارة عن هذه الأنواع الأربعة، وهي الضأن والمعز والبقر والإبل، فَلِمَ لم تحكموا بهذه الأحكام في هذه الأنواع الثلاثة وهي

الضأن والمعز والبقر فكيف خصصتم الإبل بهذا الحكم دون هذه الأنواع الثلاثة انتهى؟. (أم) هي المنقطعة بمعنى بل، والاستفهام للإنكار أي بل (كنتم شهداء) حاضرين مشاهدين (إذ) أي وقت أن (وصاكم الله) في زعمكم (بهذا) التحريم والمراد التبكيت والإلزام بالحجة كما سلف قبله (فمن) أي لا أحد (أظلم ممن افترى على الله كذباً) فحرم شيئاً لم يحرمه الله ونسب ذلك إليه افتراء عليه كما فعله كبراء المشركين (ليضل) اللام للعلة أي لأجل أن يضل (الناس بغير علم) أي بجهل أو افتراء عليه جاهلاً بصدور التحريم، وإنما وصفوا بعدم العلم بذلك مع أنهم عالمون بعدم صدوره عنه إيذاناً بخروجهم في الظلم عن حدود النهايات. (إن الله لا يهدي القوم الظالمين) على العموم وهؤلاء المذكورون في السياق داخلون في ذلك دخولاً أولياً، ويدخل في هذا الوعيد كل من كان على طريقهم أو ابتدع شيئاً لم يأمر الله به ولا رسوله ونسب ذلك إلى الله، لأن اللفظ عام فلا وجه للتخصيص، فكل من أدخل في دين الله ما ليس فيه فهو داخل في هذا الوعيد.

145

قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) (قل لا أجد فيما أوحي إلي) أي القرآن وفيه إيذان بأن مناط الحل والحرمة هو النقل لا محض العقل، ومعنى (محرماً على طاعم) أي أيُّ طاعم كان من ذكر أو أنثى، فهذا رد لقولهم: (ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا). وفي (يطعمه) زيادة تأكيد وتقرير لما قبله، قال طاووس: إن أهل الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويحلون أشياء فنزلت هذه الآية، وقال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً فبعث الله نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية وقال: ما خلا هذا فهو حلال، وعن الشعبي أنه سئل عن لحم الفيل والأسد فتلا هذه الآية. والمعنى أمره الله سبحانه بأن يخبرهم أنه لا يجد في شيء مما أوحي إليه محرماً غير هذه المذكورات، فدل ذلك على انحصار المحرمات فيها لولا أنها مكية، وقد نزل بعدها بالمدينة سورة المائدة وزيد فيها على هذه المحرمات المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحريم كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير وتحريم الحمر الأهلية والكلاب ونحو ذلك وأحاديثها مستوفاة في كتب الحديث. وبالجملة فهذا العموم إن كان بالنسبة إلى ما يؤكل من الحيوانات كما يدل عليه السياق ويفيده الإستثناء فيضم إليه كل ما ورد بعده في الكتاب أو

السنة مما يدل على تحريم شيء من الحيوانات، وإن كان هذا العموم هو بالنسبة إلى كل شيء حرمه الله من حيوان وغيره فإنه يضم إليه كل ما ورد بعده مما فيه تحريم شيء من الأشياء. وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وعائشة أنه لا حرام إلا ما ذكره الله في هذه الآية، وروي ذلك عن مالك وهو قول ساقط ومذهب في غاية الضعف لاستلزامه لإهمال غيرها مما نزل بعدها من القرآن وإهمال ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قاله بعد نزول هذه الآية بلا سبب يقتضي ذلك ولا موجب يوجبه. أخرج البخاري وأبو داود وابن المنذر عن عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد إنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن أبى ذلك البحر ابن عباس وقرأ (قل لا أجد) الآية. وأقول وإن أبى ذلك البحر ابن عباس فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والتمسك بقول صحابي في مقابلة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سوء الاختيار وعدم الإنصاف. (إلا) منقطع قاله المكي والسيوطي، وظاهر كلام الزمخشري أنه متصل، وإليه نحا السمين (أن يكون) ذلك الشيء المحرم أو ذلك الطعام أو العين أو الجثة أو النفس (ميتة) وقرئ يكون بالتحتية والفوقية، وميتة بالرفع على أن كان تامة والمراد بالميتة هنا ما مات بنفسه لأجل عطف قوله (أو فسقاً) فإنه من أفراد الميتة شرعاً. وأخرج أحمد والبخاري والنسائي وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه

عن ابن عباس أن شاة لسودة بنت زمعة ماتت فقالت يا رسول الله ماتت فلانة تعني الشاة فقال: فلولا أخذتم مسكها (¬1) قالت: يا رسول الله أنأخذ مسك شاة قد ماتت فقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قل لا أجد) الآية وأنتم لا تطعمونه وإنما تدبغونه حتى تستنفعوا به، الحديث، ومثل هذا حديث شاة ميمونة ومثله حديث " إنما حرم من الميتة أكلها " وهما في الصحيح (¬2). (أو دماً مسفوحاً) أي جارياً سائلاً مصبوباً وغير المسفوح معفو عنه كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم، وقد حكى القرطبي الإجماع على هذا، والسفح الصب وقيل السيلان وهو قريب من الأول، وسفح يستعمل قاصراً ومتعدياً، يقال سفح زيد دمعه ودمه أي إهراقه، وسفح هو إلا أن الفرق بينهما وقع باختلاف المصدر ففي المتعدي، يقال سفح وفي اللازم يقال سفوح، ومن المتعدي قوله تعالى: (أو دماً مسفوحاً) فإن اسم المفعول التام لا يبنى إلا من متعد، ومن اللازم ما أنشده أبو عبيدة لكثير عزة. أقول ودمعي واكف عند رسمها ... عليك سلام الله والدمع يسفح قال ابن عباس: مسفوحاً أي مهراقاً، كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أو أو دجوا الدابة وأخذوا الدم فأكلوه قال هو دم مسفوح، ومسفوحاً على قراءة العامة معطوف على ميتة وقيل معطوف على المستثنى وهو أن يكون. ¬

(¬1) جلدها. (¬2) روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم عن أبي ثعلبة قال. " حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الحمر الأهلية " وزاد أحمد " ولحم كل ذي ناب من السباع " وقد صح النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية من حديث البراء بن عازب، وابن عمر، وأبي هريرة، وزاهر الأسلمي، وابن أبي أوفى. وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن عباس قال: " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير " وروى مسلم في " صحيحه " 3/ 1534 عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " كل ذي ناب من السباع حرام ". ابن كثير، 2/ 184.

(أو لحم خنزير) ظاهر تخصيص اللحم أنه لا يحرم الانتفاع منه بما عدا اللحم، والضمير في (فإنه) راجع إلى الخنزير أو اللحم لأنه المحدث عنه وإن كان غيره من باقي أجزائه أولى بالتحريم، فلذلك خص اللحم بالذكر لكونه معظم المقصود من الحيوان فغيره أولى (رجس) أي نجس، وقد تقدم تحقيقه (أو فسقاً) عطف على لحم خنزير، وما بينهما اعتراض مقرر لحرمته (أهل لغير الله به) صفة فسقاً أي ذبح على الأصنام، ورفع الصوت على ذبحه باسم غير الله، وسمي فسقاً لتوغله في باب الفسق. وقيل يجوز أن يكون فسقاً مفعولاً له لأهل أي أهل به لغير الله فسقاً على عطف أهل على يكون وهو تكلف لا حاجة إليه، وقيل ذا فسق أي معصية فهذا من قبيل المبالغة على حد زيد عدل، وفي زاده جعل العين المحرمة عين الفسق مبالغة في كون تناولها فسقاً، وقيل إنه منصوب عطفاً على محل المستثنى أي إلا أن يكون ميتة أو إلا فسقاً. (فمن اضطر) أي فمن أصابته ضرورة داعية إلى أكل شيء مما ذكر حال كونه (غير باغ) على مضطر آخر مثله تارك لمواساته أو على المسلمين (ولا عاد) متجاوز قدر حاجته من تناوله أو عليهم بقطع الطريق (فإن ربك غفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة فلا يؤاخذ المضطر بما دعت إليه ضرورته، وقد تقدم تفسيره في البقرة فلا نعيده.

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (146) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147)

146

(وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) قدم الظرف على الفعل للدلالة على أن هذا التحريم مختص بهم لا يجاوزهم إلى غيرهم وهم اليهود، ذكر الله ما حرمه عليهم عقب ذكر ما حرمه على المسلمين، والظفر واحد الأظفار، ويجمع أيضاً على أظافير، وزاد الفراء في جمع ظفر أظافر وأظافرة، وذو الظفر ما له أصبع من دابة أو طائر، ويدخل فيه الحافر والخف والمخلب، فيتناول الإبل والبقر والغنم والنعام والأوز والبط، وكل ما له مخلب من الطير وحافر من الدواب، وتسمية الحافر والخف ظفراً مجاز. والأولى حمل الظفر على ما يصدق عليه اسم الظفر في لغة العرب لأن هذا التعميم يأباه ما سيأتي من قوله: (ومن البقر والغنم) فإن كان في لغة العرب بحيث يقال على البقر والغنم كان ذكرهما من بعد تخصيصاً آخر، حرم الله ذلك عليهم عقوبة لهم على ما وقعوا فيه من الظلم كما قال تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم). عن ابن عباس قال: هو الذي ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير يعني مشقوقها كالبعير والنعامة ونحو ذلك من الدواب، وقال مجاهد: هو كل شيء لم ينفرج قوائمه من البهائم، وما انفرج أكلته اليهود، قال انفرجت قوائم الدجاج والعصافير فيهود تأكله، ولم ينفرج خف البعير ولا النعامة ولا قائمة الوزينة فلا تأكلها اليهود ولا تأكل حمار الوحش، وفي الظفر لغات خمس ذكرها السمين أعلاها بضم الظاء والفاء وهي قراءة العامة.

(ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) لا غير هذا المذكورات كلحمها والشحوم يدخل فيها الثروب وشحم الكلية وقيل الثروب جمع ثرب وهو الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش والأمعاء كما في القاموس، والمراد بها هنا ما على الكرش فقط كما فسر به القرطبي، ولا يراد ما على الأمعاء وتفسيره بما على الأمعاء نظراً لمعناها اللغوي. (إلا ما حملت ظهورهما) أي ما علق بالظهر والجنب من داخل بطونهما من الشحم، استثنى الله سبحانه من الشحوم هذا الشحم فإنه لم يحرمه عليهم، وقال السدي وأبو صالح: الإلية مما حملت ظهورهما وهذا مختص بالغنم لأن البقر ليس لها إلية. (أو) حملت (الحوايا) أي الأمعاء وهي المباعر التي يجتمع فيها البعر، فما حملته هذه من الشحم غير حرام عليهم، وبه قال جمهور المفسرين وهو قول ابن عباس، وواحدها حاوية مثل ضاربة وضوارب وقيل: واحدهما حاوِياء، مثل قاصعاء وقواصع وقيل حوية كسفينة وسفائن، قال الفارسي: يصح أن يكون جمعاً لكل من الثلاثة، وقال أبو عبيدة: الحوايا ما تحوي من البطن أي استدار وهي متحوية أي مستديرة وقيل الحوايا خزائن اللبن وهي تتصل بالمباعر وقيل الأمعاء التي عليها الشحوم. (أو ما اختلط بعظم) فإنه غير محرم، قال الكسائي والفراء وثعلب معطوف على ما في (ما حملت) وقيل على الشحوم ولا وجه لهذا التكلف ولا موجب له، لأنه يكون المعنى أن الله حرم عليهم إحدى هذه المذكورات، والمراد بما اختلط ما لصق بالعظام من الشحوم في جميع مواضع الحيوان من الجنب والرأس والعين، ومنه الإلية فإنها لاصقة بعجب الذنب. عن ابن عباس قال: ما اختلط من شحم الإلية بالعصعص فهو حلال،

وكل شحم القوائم والجنب والرأس والعين والأذن يقولون قد اختلط ذلك بعظم فهو حلال لهم، إنما حرم عليهم الثرب وشحم الكلية. (ذلك) التحريم المدلول عليه بحرمنا، وقيل الإشارة إلى الجزاء المدلول عليه بقوله (جزيناهم) وهو تحريم ما حرمه الله عليهم (ببغيهم) أي بسبب بغيهم وظلمهم كما سبق في سورة النساء من قوله (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله) إلى أن قال (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات) فكانوا كلما ارتكبوا معصية من هذه المعاصي عوقبوا بتحريم شيء مما أحلهم، وهم ينكرون ذلك ويدعون أنها لم تزل محرمة على الأمم قبلهم. (وإنا لصادقون) في كل ما نخبر به، ومن جملة ذلك هذا الخبر وهو موجود عندهم في التوراة ونصها حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، وكل دابة ليست مشقوقة الحافر وكل حوت ليس فيه شقاشق أي بياض انتهى.

147

(فإن كذبوك) أي اليهود فيما وصفت من تحريم الله عليهم تلك الأشياء وقيل الضمير يعود إلى المشركين الذين قسموا الأنعام إلى تلك الأقسام وحللوا بعضها وحرموا بعضها (فقل ربكم ذو رحمة واسعة) للمطيعين، ومن رحمته حلمه عنكم وعدم معالجته لكم بالعقوبة في الدنيا فلا تغتروا بذلك فإنه إمهال لا إهمال، وفيه أيضاً تلطف بدعائهم إلى الإيمان وهو وإن أمهلكم ورحمكم فإنه (ولا يرد بأسه) أي عذابه ونقمته (عن القوم المجرمين) إذا أنزله بهم واستحقوا المعالجة بالعقوبة. وقيل المراد لا يرد بأسه في الآخرة والأول أولى، فإنه سبحانه قد عاجلهم بعقوبات منها تحريم الطيبات عليهم في الدنيا، والمجرمون هم اليهود أو الكفار، وإنما قال ذلك نفياً للاغترار بسعة رحمته في الاجتراء على معصيته، ولئلا يغتروا برجاء رحمته عن خوف نقمته، وذلك أبلغ في التهديد.

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149)

148

(سيقول الذين أشركوا) أخبر الله عن المشركين أنهم سيقولون هذه المقالة وقد وقع مقتضاه كما حكى عنهم في سورة النحل بقوله تعالى: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا) الخ وهم كفار قريش أو جميع المشركين يريدون أنه (لو شاء الله) عدم شركهم وعدم تحريمهم. (ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) أي ما أشركوا هم ولا آباؤهم ولا حرموا شيئاً من الأنعام كالبحيرة ونحوها، وظنوا أن هذا القول يخلصهم عن الحجة التي ألزمهم بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن ما فعلوه حق، ولو لم يكن حقاً لأرسل الله إلى آبائهم الذين ماتوا على الشرك وعلى تحريم ما لم يحرمه الله رسلاً يأمرونهم بترك الشرك وبترك التحريم لما لم يحرمه الله والتحليل لما لم يحلله. (كذلك) أي مثل ما كذب هؤلاء (كذب الذين من قبلهم) من كفار الأمم الخالية ومن المشركين أنبياء الله (حتى ذاقوا بأسنا) أي استمروا على التكذيب حتى ذاقوا عذابنا الذي أنزلناه بهم، وقد تمسك القدرية والمعتزلة بهذه الآية ولا دليل لهم في ذلك على مذهب الجبر والاعتزال، لأن أمر الله بمعزل عن مشيئته وإرادته ولا يلزم من ثبوت المشيئة دفع دعوة الأنبياء عليهم السلام. (قل هل عندكم من علم) أمره الله أن يقول لهم هل عندكم دليل صحيح يعد من العلم النافع وحجة وكتاب يوجب اليقين بأن الله راض بذلك

(فتخرجوه لنا) لننظر فيه ونتدبره، والمقصود من هذا التبكيت لهم لأنه قد علم أنه لا علم عندهم يصلح للحجة ويقوم به البرهان. ثم أوضح لهم أنهم ليسوا على شيء من العلم فقال: (إن تتبعون إلا الظن) الذي هو محل الخطأ ومكان الجهل (وإن أنتم إلا تخرصون) أي تتوهمون مجرد توهم فقط كما يتوهم الخارص وتقولون على الله الباطل وقد سبق تحقيقه.

149

(قل فلله الحجة البالغة) على الناس أي التي تنقطع عندها معاذيرهم وتبطل شبههم وظنونهم وتوهماتهم، والمراد بها الكتب المنزلة والرسل المرسلة، وما جاؤوا به من المعجزات، قال الربيع بن أنس: لا حجة لأحد عصى الله أو أشرك به على الله، بل له الحجة التامة على عباده، وقال عكرمة: الحجة السلطان. (فلو شاء) هدايتكم جميعاً إلى الحجة البالغة (لهداكم أجمعين) ولكنه لم يشأ ذلك ومثله قوله: (ولو شاء الله ما أشركوا، وما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله) ومثله كثير فالمنتفى في الخارج مشيئة هداية الكل، وإلا فقد هدى بعضهم. وعن ابن عباس أنه قيل له: إن أناساً يقولون ليس الشر بقدر، فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية والعجز والكيس من القدر، وقال علي بن زيد انقطعت حجة القدرية عند هذه الآية قل فلله الحجة إلى قوله أجمعين.

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149) قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150)

150

(قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا) أمره الله سبحانه أن يقول لهؤلاء المشركين هاتوهم وأحضروهم، قال السدي: أروني شهداءكم وهلم اسم فعل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع عند أهل الحجاز وأهل نجد يقولون هلما هلمي هلموا فينطقون به كما ينطقون بسائر الأفعال وبلغة أهل الحجاز نزل القرآن ومنه قوله تعالى: (والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) والأصل عند الخليل ها ضمت إليها لم. وقال غيره أصلها هل زيدت عليه الميم، وفي كتاب العين للخليل أن أصلها هل أؤم أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم لها، وهذا أيضاً من باب التبكيت لهم حيث يأمرهم بإحضار الشهود على أن الله حرم تلك الأشياء مع علمه أنه لا شهود لهم لتلزمهم الحجة، ويظهر ضلالهم، وأنه لا متمسك لهم سوى تقليدهم، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة إليهم الدالة على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم. (فإن شهدوا) لهم بغير علم بل مجازفة وتعصباً (فلا تشهد معهم) أي فلا تصدقهم ولا تسلم لهم (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا) فإنهم رأس المكذبين بها (و) لا تتبع أهواء (الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) أي يجعلون له عدلاً من مخلوقاته كالأوثان ويشركون.

151

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) (قل تعالوا) أي تقدموا، قال ابن الشجري: إن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً فقيل له: تعال أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي، وهكذا، قال الزمخشري في الكشاف إنه من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم. (أتل ما حرم ربكم) أتل جواب الأمر، وما موصولة في محل نصب به والمراد من تلاوة ما حرم الله تلاوة الآيات المشتملة عليه، ويجوز أن يكون (ما) مصدرية أي أتل تحريم ربكم والمعنى ما اشتمل على التحريم، قيل ويجوز أن تكون (ما) استفهامية أي أتل أي شيء حرم ربكم؟ على جعل التلاوة بمعنى القول وهو ضعيف جداً، (عليكم) إن تعلق بأتل فالمعنى أتل عليكم الذي حرم ربكم وهو اختيار الكوفيين، وإن تعلق بحرم فالمعنى أتل الذي حرم ربكم عليكم وهو اختيار البصريين، وهذا أولى لأن المقام مقام بيان ما هو محرم عليهم لا مقام بيان ما هو محرم مطلقاً. (أن لا تشركوا به شيئاً) إن مفسرة لفعل التلاوة المعلق بما حرم ولا ناهية وهذا وجه ظاهر لأمور من جملتها أن في إخراج المفسر على صورة النهي مبالغة في بيان التحريم وهو اختيار الفراء، وقيل (أن) ناصبة ومحلها النصب بعليكم على أنه للإغراء، وقيل النصب على البدلية مما حرم، والمعنى على الإغراء الزموا نفي الإشراك وعدمه. وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف لتفكيك

التركيب عن ظاهره ولأنه لا يتبادر إلى الذهن، وقيل التقدير لئلا تشركوا وهذا منقول عن أبي اسحق وقيل تقديره أوصيكم أن لا تشركوا وهو أيضاً مذهب أبي اسحق، وقيل (إن) في محل رفع أي المحرم أن لا تشركوا وهذا يحوج إلى زيادة لا لئلا يفسد المعنى، وقيل تقديره عليكم عدم الإشراك وهو مذهب أبي بكر بن الأنباري، وقيل استقر عليكم عدم الإشراك وهو ظاهر قول ابن الأنباري. وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا (قل تعالوا) إلى ثلاث آيات، ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهم شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه " (¬1). وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب الأحبار قال: أول ما أنزل في التوراة عشر آيات وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام (قل تعالوا) إلى آخرها. وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله ابن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ (قل تعالوا) الخ فقال كعب والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات انتهى. قلت هي الوصايا العشر التي في التوراة، أولها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك إله غيري، ومنها أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور، ولا تشته بنت قريبك ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيء مما لقريبك. ¬

(¬1) ابن كثير، 2/ 187.

فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة، وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم، وأهل الإنجيل في أول إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت، قال أبو السعود: وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار. (و) أحسنوا (بالوالدين إحساناً) هو البر بهما وامتثال أمرهما ونهيهما، وقد تقدم الكلام على هذا، ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر. (ولا تقتلوا أولادكم) لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد عليهما وهو أن لا يقتلوهم (من) أجل (إملاق) هو الفقر فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرخ أن الإملاق الجوع بلغة لخم. وذكر منذر بن سعيد البلوطي أن الإملاق الإنفاق يقال أملق ماله بمعنى أنفقه، وقيل الإملاق الإسراف يقال أملق أي أسرف في نفسه، قاله محمد بن نعيم اليزيدي، والإملاق الإفساد أيضاً قاله شمر، يقال أملق ما عنده الدهر أي أفسده، وقال قتادة: الإملاق الفاقة، يقال أملق افتقر واحتاج، وهو الذي أطبق عليه أئمة اللغة والتفسير ههنا. وقال هنا من " إملاق " وفي الإسراء " خشية إملاق " قال بعضهم لأن هذا في الفقر الناجز فيكون خطاباً للآباء الفقراء، وما في الإسراء في المتوقع فيكون خطاباً للآباء الأغنياء فلعلهم كان فقراؤهم يقتلون أولادهم وأغنياؤهم كذلك، وقيل هذا التقديم للتفنن في البلاغة والأول أولى لأن إفادة معنى جديد أولى من إدعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد. (نحن نرزقكم وإياهم) هذا تعليل للنهي قبله، وكان ظاهر السياق أن يقدم ويقال نحن نرزقهم وإياكم كما في آية الإسراء لأن الكلام في الأولاد، ولكن قدم هنا خطاب الآباء ليكون كالدليل على ما بعده.

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) (ولا تقربوا الفواحش) أي المعاصي ومنه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة، والأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره، ولا وجه لتخصيصه بنوع من الفواحش وإن كان السبي خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (ما ظهر) أي ما أعلن به (منها) واطلع عليه الناس (وما بطن) ما أسر ولم يطلع عليه إلا الله أي علانيتها وسرها، قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه بالعلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية. (ولا تقتلوا النفس) اللام للجنس أي لا تقتلوا شيئاً من الأنفس (التي حرم الله) قتلها (إلا بالحق) أي إلا بما يوجبه الحق والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا في حال الحق أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصاً وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردة ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيماً لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر. (ذلكم) إشارة إلى جميع ما تقدم مما تلاه عليهم قاله أبو حيان. إلى الأمور الخمسة (وصاكم) أي أمركم (به) وأوجبه عليكم وفيه من

اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإحسان. ولما كان العقل هو مناط التكليف قال: (لعلكم تعقلون) أي لكي تفهموا ما في هذه التكاليف من الفوائد النافعة في الدين والدنيا فتعملوا بها.

152

(ولا تقربوا مال الميتيم) أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه (إلا بالتي) أي الخصلة التي (هي أحسن) من غيرها وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته وتثميره وتحصيل الربح له فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله، والاستثناء مفرغ، وقيل المراد بالتي هي أحسن التجارة. (حتى) أي إلى غاية هي أن (يبلغ) اليتيم (أشده) فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه وقيل بالعكس وقيل هو اسم مفرد لفظاً ومعنى، وقيل هو جمع، وعلى هذا فمفرده شدة كنعمة أو شد كفلس وأفلس أو شد كصر وأصر، أقوال ثلاثة في مفرده وأصله من شد النهار أي ارتفع قال سيبويه واحده شدة. قال الجوهري: وهو حسن في المعنى لأنه يقال أبلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل، وقيل الأشد استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال. واختلف أهل العلم في الأشد فقال أهل المدينة بلوغه وإيناس رشده، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو البلوغ، وقيل إنه انتهاء الكهولة، والأولى في تحقيقه أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء لا مسلك أهل السفه والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فجعل بلوغ النكاح وهو بلوغ سن التكليف مقيداً بإيناس الرشد، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا.

قال الشعبي ومالك: الأشد الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيآت وقال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته، وقال أبو حنيفة: خمس وعشرون سنة، وقال الكلبي: هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين وقيل إلى ستين، وقال الضحاك: عشرون سنة، وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال مجاهد: ثلاث وثلاثون سنة، وهذه الأقوال إنما هي في نهاية الأشد لا في ابتدائه والمختار في تفسيره ما ذكرناه. (وأوفوا الكيل والميزان) وهما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل مصدر ثم أطلق على الآلة، والميزان في الأصل مفعال من الوزن، ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس (بالقسط) أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء وترك البخس. (لا نكلف نفساً إلا وسعها) أي طاقتها في كل تكليف من التكاليف ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في الحديث ومع ذلك يضمن ما أخطأ فيه كما في كتب الفروع. (وإذا قلتم) بقول في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل (فاعدلوا) فيه وتحروا الصواب ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو، بل سووا بين الناس فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به (ولو كان) الضمير راجع إلى ما يفيده (وإذا قلتم) فإنه لا بد للقول من مقول فيه أو مقول له أو مقول عليه أي ولو كان المقول فيه أو له أو عليه (ذا قربى) أي صاحب قرابة لكم، وقيل إن المعنى ولو كان الحق على مثل قراباتكم، والأول أولى، ومثل هذه الآية قوله: (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).

(وبعهد الله) أي بكل عهد عهده الله إليكم (أوفوا) ومن جملة ما عهده إليكم ما تلاه عليكم رسوله بأمره في هذا المقام، ويجوز أن يراد به كل عهد ولو كان بين المخلوقين لأن الله سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوغاً لإضافته إليه. (ذلكم) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الأمور الأربعة (وصاكم) أي أمركم (به) أمراً مؤكداً (لعلكم تذكرون) أي تتعظون بذلك فتأخذون ما أمركم به. ولما كانت الخمسة المذكورة قبل قوله: (لعلكم تعقلون) من الأمور الظاهرة الجلية مما يجب تعقلها وتفهمها ختمت بقوله لعلكم تعقلون، ولما كانت هذه الأربعة خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والذكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله: (لعلكم تذكرون) قاله أبو حيان.

153

(وأن) بالفتح على تقدير (اتل) قاله الفراء والكسائي، وقيل على تقدير الباء وقيل على تقدير اللام، قاله الخليل وسيبويه كما في قوله سبحانه (وأن المساجد لله) وبالكسر استئنافاً (هذا) أي الذي ذكر في هذه الآيات من الأوامر والنواهي، قاله مقاتل، وقيل الإشارة إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة. (صراطي) وفي مصحف ابن مسعود وهذا صراط ربكم وفي مصحف أُبيّ ربك، والصراط الطريق وهو طريق دين الإسلام (مستقيماً) مستوياً لا اعوجاج فيه، وقد تشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار (فاتبعوه) أمرهم باتباع جملته وتفصيله. (ولا تتبعوا السبل) نهاهم عن اتباع سائر السبل أي الأديان المتباينة طرقها والأهواء المضلة، والبدع المختلدة (فتفرق بكم عن سبيله) أي فتميل بكم عن سبيل

الله المستقيم الذي هو دين الإسلام، قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، وهذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد. قال قتادة: اعلموا أن السبيل سبيل واحد جماعة الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس استبدع سبلاً متفرقة جماعة الضلالة ومصيرها إلا النار. وأخرج أحمد وابن حميد والبزار والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال: خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطاً بيده ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ هذه الآية " (¬1). وقال ابن عباس: السبل الضلالات (¬2) وعنه هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، ومن عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وقال ابن مسعود: من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد - صلى الله عليه وسلم - فليقرأ هؤلاء الآيات، أخرجه الترمذي وحسنه. (ذلكم) أي ما تقدم ذكره (وصاكم) أكد عليكم الوصية (به لعلكم تتقون) ما نهاكم عنه من الطرق المختلفة والسبل المضلة. ¬

(¬1) المستدرك كتاب التفسير 2/ 239. (¬2) رواه الإمام أحمد 4/ 182 و 4/ 183 والحاكم 1/ 73.

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)

154

(ثم آتينا موسى الكتاب) أي التوراة وهذا كلام مسوق لتقرير الوصية التي وصى الله بها عباده، وقد استشكل العطف بثم مع كون قصة موسى وإيتاء الكتاب قبل المعطوف عليه وهو ذلك وصاكم به، فقيل " ثم " هنا بمعنى الواو من غير اعتبار مهلة ولا ترتيب، وبذلك قال بعض النحويين. قلت وهذه استراحة، وقيل تقديره ثم كنا قد آتينا قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن القشيري، وقيل المعنى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ثم أتل إيتاء موسى الكتاب، قاله الزجاج: وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته، وقيل: إن ثم للتراخي في الأخبار وقيل غير ذلك. (تماماً) النصب على الحال أو المصدر أو على أنه مفعول لأجله (على الذي أحسن) قبوله والقيام به كائناً من كان، وقال الحسن ومجاهد: كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تماماً على المحسنين المؤمنين، وقيل المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزولها عليه، وقيل تماماً على الذي أحسن به الله عز وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها، وقيل تماماً على إحسان موسى بطاعة الله عز وجل قاله الفراء، وقال أبو صخر: تماماً لا كان قد أحسن إليه، وقال ابن زيد: تماماً لنعمته عليهم وإحسانه إليهم. (وتفصيلاً) أي لأجل تفصيل (لكل شيء) يحتاج إليه من شرائع

الدين وأحكامه (وهدى) من الضلالة (ورحمة) منا عليهم وضمير (لعلهم) راجع إلى بني إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى (بلقاء ربهم يؤمنون) قال ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.

155

(وهذا) القرآن (كتاب أنزلناه) قدم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقاً بها (مبارك) كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية (فاتبعوه) يا أهل مكة بالعمل بما فيه فإنه لما كان من عند الله وكان مشتملاً على البركة كان اتباعه متحتماً عليكم (واتقوا) مخالفته والتكذيب بما فيه (لعلكم) إن قبلتموه ولم تخالفوه (ترحمون) برحمة الله سبحانه.

156

(أن تقولوا) قال الكوفيون: أنزلناه لئلا تقولوا، وقال البصريون كراهة أن تقولوا، وقال الفراء والكسائي: واتقوا أن تقولوا يا أهل مكة (إنما أنزل الكتاب) أي التوراة والإنجيل. (على طائفتين من قبلنا) هم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب، وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا من بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام، وفيه دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب إذ لو كانوا منهم لكانوا ثلاث طوائف، قاله ابن الكمال. (وإن) مخففه واسمها محذوف أي إنا (كنا عن دراستهم) أي تلاوة كتبهم بلغاتهم (لغافلين) أي لا ندري ما فيها ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم والغفلة عن معناهما.

157

أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157) (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب) كما أنزل على الطائفتين من قبلنا (لكنا أهدى منهم) إلى الحق الذي طلبه الله أو إلى ما فيه من الأحكام التي هي المقصد الأقصى، فإن هذه المقالة من كفار العرب والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم وإنزال القرآن عليه، ولهذا قال: (فقد جاءكم بينة من ربكم) أي كتاب بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين وأنزله الله على نبيكم وهو منكم يا معشر العرب فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة ولا تعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة فقد أسفر الصبح لذي عينين. (وهدى ورحمة) أي جاءكم البينة الواضحة والهدى الذي يهتدى به كل من له رغبة في الاهتداء ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها، ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله والصدوف والإنصراف عنها وصرف من أراد الإقبال إليها. (فمن) الاستفهام للإنكار أي لا أحد (أظلم ممن كذب بآيات الله) التي هي رحمة وهدى للناس (وصدف) أي صرف الناس (عنها) فضل بإنصرافه عنها وأضل بصرف غيره عن الإقبال إليها، وصدف لازم وقد يستعمل متعدياً كما هنا، في القاموس صدف عنه يصدف أعرض وصدف فلاناً صرفه كأصدفه عن كذا أماله عنه. (سنجزي الذين يصدفون) ينصرفون (عن آياتنا سوء العذاب) أي العذاب السيء من إضافة الصفة إلى الموصوف (بما كانوا يصدفون) أي بسبب إعراضهم أو صدهم أو تكذيبهم بآيات الله ومعنى يصدفون يعرضون، قاله

158

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158) ابن عباس وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدم تحقيق معنى هذا اللفظ وفي هذه الآية تبكيت لهم عظيم. (هل ينظرون) أي لما أقمنا عليهم الحجة وأنزلنا الكتاب على رسولنا المرسل إليهم فلم ينفعهم ذلك ولم يرجعوا به عن غوايتهم فما بقي بعد هذا (إلا) أنهم ينتظرون (أن تأتيهم الملائكة) لقبض أرواحهم وعند ذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو أن تأتيها الملائكة بالعذاب (أو يأتي ربك) يا محمد كما اقترحوه بقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) وقيل معناه يأتي أمر ربك بإهلاكهم، وقد جاء في القرآن حذف المضاف كثيراً كقوله: (واسأل القرية) وقوله: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي حب العجل. وقيل إتيان الله مجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه كقوله: وجاء ربك والملك صفاً صفاً قاله ابن مسعود وقتادة ومقاتل، وقال: يأتي في ظلل من الغمام وقيل كيفية الإتيان من التشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله فيجب إمرارها بلا تكييف ولا تعطيل. (أو يأتي بعض آيات ربك) الدالة على الساعة قال جمهور المفسرين هو طلوع الشمس من مغربها ويدل عليه ما أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله بعض آيات ربك قال:

" طلوع الشمس من مغربها " (¬1) قال الترمذي غريب، وروي موقوفاً. فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب التقديم له متحتم الأخذ به، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسها إيمانها، ثم قرأ الآية " (¬2)، وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي ذر مرفوعاً نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه أيضاً. (يوم يأتي بعض آيات ربك) التي اقترحوها وهي التي تضطرهم إلى الإيمان، أو ما هو أعم من ذلك فيدخل فيه ما ينتظرونه، وقيل الآيات هي علامات القيامة المذكورة في الأحاديث الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي التي إذا جاءت (لا ينفع نفسها إيمانها). والكبرى منها عشرة وهي: الدجال والدابة وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، والدخان وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر، والبحث مستوفى في كتابنا حجج الكرامة في آثار يوم القيامة. (لم تكن آمنت من قبل) أي قبل إتيان بعض الآيات، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعضها فإيمانها ينفعها (أو كسبت في إيمانها خيراً) أي لا ينفع نفساً إيمانها عند حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن آمنت من قبل أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب في إيمانها خيراً، فحصل من هذا أنه لا ينفع ¬

(¬1) البخاري كتاب الفتن الباب 25 - أبو داود كتاب الجهاد الباب 2. (¬2) مسلم 157 - بخاري 73.

إلا الجمع بين الإيمان من قبل مجيء بعض الآيات مع كسب الخير في الإيمان، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيراً في إيمانه أو كسب خيراً ولم يؤمن فإن ذلك غير نافع. قال السدى: يقول كسبت في تصديقها عملاً صالحاً فهؤلاء أهل القبلة، وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيراً فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها وإن عملت قبل الآية خيراً ثم عملت بعد الآية خيراً قبل منها، وقال مقاتل: يعني المسلم الذي يعمل في إيمانه خيراً وكان قبل الآية مقيماً على الكبائر. أقول ووجه الإشكال في هذه الآية الكريمة هو أن عدم الإيمان السابق يستلزم عدم كسب الخير فيه بلا شك ولا شبهة إذ لا خير لمن لا إيمان له، فيكون على هذا ذكره تكراراً إن كان حرف التخيير على بابه من دون تأويل، وأيضاً عدم الإيمان مستقل في إيجابه للخلود في النار فيكون ذكر عدم الثاني لغواً، وكذلك وجود الإيمان مع كسب الخير فيه مستقل في إيجابه للخلوص عن النار وعدم الخلود فيها فيكون ذكر الأول أعني الإيمان بمجرده لغواً. فهذا وجه الإشكال في الآية باعتبار حرف التخيير المقتضى لكفاية أحد الأمرين على إنفراده وقد ذكروا في التخلص عن هذا الإشكال وجوها. أحدها: أنه يتحقق النفع بأيهما كان، ولا يخفاك أن هذا تدفعه الأدلة الواردة بعدم الانتفاع بالإيمان من دون عمل. والوجه الثاني: أنه لا ينفع إلا تحقق الأمرين جميعاً الإيمان وكسب الخير فيه، وهذا أيضاً يدفعه المعنى العربي والإعرابي فإنه لو كان هو المراد لقال: لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً. الوجه الثالث: أن ذكر الشق الثاني من شقي الترديد لقصد بيان النفع

الزائد وتحرّي الأفضل والأكمل، وهذا أيضاً فيه خروج عما يوجبه معنى الترديد الذي يقتضيه حرفه الموضوع له. الوجه الرابع: أن يراد الكلام مردداً على هذه الصفة المقصود به التعريض بحال الكفار المفرطين في الأمرين جميعاً، وهذا أيضاً خروج عن مقصود الآية بتأويل بعيد جداً لم يدل عليه دليل. الوجه الخامس: أن الآية من باب اللف التقديري أي لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ورد بأن معنى اللف التقديري على أن يكون المقدر من مهمات الكلام ومقتضيات المقام فترك ذكره تعويلاً على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه، وليس هذا من ذاك. الوجه السادس: أنهما معاً شرطان في النفع وأن العدول إلى هذه العبارة لقصد المبالغة في شأن كل واحد منهما بأنه صالح للاستقلال بالنفع في الجملة، ولا يخفي أن هذا مجرد دعوى لا دليل عليها، وإخراج للترديد عن مفاده الذي تقتضيه لغة. الوجه السابع: أن ظاهر الآية المقتضى لمجرد نفع الإيمان يعارض بالأدلة الصحيحة الثابتة كتاباً وسنة أنه لا ينفع الإيمان إلا مع العمل وهذا هو الوجه القوي، والتقرير السوي، والاستدلال الواضح، والترجيح الراجح لسلامته عن التكلفات والتعسفات في معنى الآية وعن الإهمال لما فيها من الترديد الواضح بين شِقَّي الإيمان المجرد والإيمان مع العمل. ولا ينافي هذا ما ورد من الأدلة على نفع الإيمان المجرد فإنها مقيدة بالأدلة الدالة على وجوب العمل بما شرعه الله لعباده من أصول الشرائع وفروعها، فاشدد يديك على هذا ولا تلتفت إلى ما وقع من التدقيقات الزائفة والدعاوي الداحضة، فإن ذلك لا حامل عليه ولا موجب له إلا المحاماة على المذهب

وتقويمها، وجعل نصوص الله سبحانه تابعة لها، وتأويل ما خالفها حتى كأنها هي الشريعة المحكمة التي يرد إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ومن العجب أن محققي المفسرين وكبارهم مع ما في هذه الآية الكريمة من الإشكال المقتضى لتوسيع دائرة المقال اكتفوا في الكلام عليها بالنزر الحقير والبحث اليسير، حتى إن الرازي مع تطويله للمباحث في غالب تفسيره، اقتصر في تفسيره على قوله. والمعنى أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف فلم ينفع الإيمان نفساً ما آمنت وما كسبت في إيمانها خيراً قبل ذلك انتهى بحروفه. فانظر هذا الذي اقتصر عليه واجعله موعظة لك فإنه إنما يكون تفسير الآية لو كانت هكذا: لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً، من دون حرف التخيير، وهكذا الزمخشري قبله فإنه اقتصر في تفسير الآية على ما لا يسمن ولا يغني من جوع، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق. (قل) أمره الله سبحانه أن يقول لهم (انتظروا) ما تريدون إتيانه وما وعدتم به من مجيء الآيات، وهذا أمر تهديد على حد (اعملوا ما شئتم) وذلك أنهم لا ينتظرون ما ذكر لإنكارهم للبعث وما بعده (إنا منتظرون) وهو يقوي ما قيل في تفسير (يوم يأتي بعض آيات ربك) إنها الآيات التي اقترحوها من إتيان الملائكة أو إتيان العذاب لهم من قبل كما تقدم بيانه. قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك الوقت، والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبداً، وقيل المراد بهذه الآية الكف عن القتال فتكون الآية منسوخة بآية القتال. وعلى القول الأول تكون محمكة.

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

159

(إن الذين فرقوا) أي تركوا (دينهم) وخرجوا عنه باختلافهم فيه، والمعنى أنهم جعلوا دينهم متفرقاً فأخذوا ببعضه وتركوا بعضه، قيل المراد بهم اليهود، قاله مجاهد، وقيل اليهود والنصارى، وبه قال ابن عباس وقتادة والسدي والضحاك. وقد ورد في معنى هذا في اليهود قوله تعالى (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة) وقبل المراد بهم المشركون، عبد بعضهم الأصنام وبعضهم الملائكة وبعضهم الكواكب، فكان هذا هو تفريق دينهم. وقال أبو هريرة: هم أهل الضلالة من هذه الأمة، وقيل الآية عامة في جميع الكفار وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر به الله، وهذا هو الصواب لأن اللفظ يفيد العموم فيدخل فيه طوائف أهل الكتاب وطوائف المشركين وغيرهم ممن ابتدع من أهل الإسلام. وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والحكيم الترمذي والشيرازي في الألقاب عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الآية قال " هم أهل البدع والأهواء من هذه الأمة " (¬1) وفي إسناده عبد بن كثير وهو متروك الحديث ولم يرفعه غيره ومن عداه وقفوه على أبي هريرة، وعن أبي أمامة قال هم الحرورية، وروي عنه مرفوعاً ولا يصح رفعه. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 196.

وعن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: " يا عائش إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة ليست لهم توبة وهم مني براء " (¬1)، رواه الطبري والبيهقي وأبو نعيم وغيرهم. قال ابن كثير هو غريب لا يصح رفعه. فعلى هذا يكون المراد من هذه الآية الحث على أن تكون كلمة المسلمين واحدة وأن لا يتفرقوا في الدين ولا يبتدعوا البدع المضلة. وروى أبو داود والترمذي عن معاوية قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين إثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة " (¬2) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي " أخرجه الترمذي (¬3). (وكانوا شيعاً) أي فِرقاً وأحزاباً فيصدق على كل قوم كان أمرهم في الدين واحداً مجتمعاً ثم اتبع كل جماعة منهم رأي كبير من كبرائهم يخالف الصواب ويباين الحق. (لست منهم) أي من تفرقهم أو من السؤال عن سبب تفرقهم والبحث عن موجب تحزبهم (في شيء) من الأشياء فلا يلزمك من ذلك شيء ولا تخاطب به إنما عليك البلاغ، وهو مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم " من غشنا فليس منا " أي نحن برآء منه (¬4). ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 196. (¬2) صحيح الجامع الصغير 2638. (¬3) صحيح الجامع الصغير 5219. (¬4) صحيح الجامع الصغير 6283.

وقال الفراء: لست من عقابهم في شيء وإنما عليك الإنذار، وقيل لست في قتال الكفار، وعلى هذا تكون الآية منسوخة بآية القتال والأول أولى .. (إنما أمرهم) يعني في الجزاء والمكافأة (إلى الله) فيه تسلية له - صلى الله عليه وسلم - أي هو مجاز لهم بما تقتضيه مشيئته، والحصر بإنما هو في حكم التعليل لما قبله والتأكيد له (ثم) هو (ينبئهم) يوم القيامة ويخبرهم بما ينزل بهم من المجازاة (بما كانوا يفعلون) من الأعمال التي تخالف ما شرعه الله لهم وأوجبه عليهم. ولما توعد سبحانه المخالفين له بما توعد، بين عقب ذلك مقدار جزاء العاملين بما أمرهم به الممتثلين لما شرعه لهم بأن

160

(من جاء بالحسنة) الواحدة من الحسنات، عن ابن مسعود أي قال لا إله إلا الله، وعن ابن عباس وأبي هريرة مثله وعن سعيد بن جبير قال: لا نزلت هذه الآية قال رجل من المسلمين يا رسول الله لا إله إلا الله حسنة قال " نعم أفضل الحسنات "، أخرجه عبد بن حميد. وهذا مرسل لا ندري كيف إسناده إلى سعيد. (فله) من الجزاء يوم القيامة (عشر) حسنات (أمثالها) فأقيمت الصفة مقام الموصوف، وقد ثبت هذا التضعيف في السنة بأحاديث كثيرة، وهذا هو أقل ما يستحقه عامل الحسنة، وقد وردت الزيادة على هذا عموماً وخصوصاً ففي القرآن [كمثل حبة أنبتت سبع سنابل الآية]، وورد في بعض الحسنات أن فاعلها يجازى عليها بغير حساب، وورد في السنة المطهرة تضعيف الجزاء إلى سبعين وإلى سبعمائة وإلى ألوف مؤلفة. وفضل الله واسع وعطاؤه جم، وقد قدمنا تحقيق هذا في موضعين من هذا التفسير فليرجع إليهما. (ومن جاء بالسيئة) أي بالأعمال السيئة (فلا يجزى إلا مثلها) من دون زيادة عليها أي على قدرها في الخفة والعظم إن جوزي، فالمشرك يجازى على سيئة الشرك بخلوده في النار، وفاعل المعصية من المسلمين يجازى عليها بمثلها مما ورد

تقديره من العقوبات كما ورد بذلك كثير من الأحاديث المصرحة بأن من عمل كذا فعليه كذا، وما لم يرد لعقوبته تقدير من الذنوب فعلينا أن نقول يجازيه الله بمثله وإن لم نقف على حقيقة ما يجازى به، وهذا إن لم يتب، أما إذا تاب أو غلبت حسناته سيئاته أو تغمده الله برحمته وتفضل عليه بمغفرته فلا مجازاة، وأدلة الكتاب والسنة مصرحة بهذا تصريحاً لا يبقى بعده ريب لمرتاب. (وهم) أي المحسنون والمسيئون (لا يظلمون) بنقص المثوبات ولا بزيادة العقوبات والأولى في هذه الآية أن اللفظ عام في كل حسنة يعملها العبد أو سيئة وإعطاء الثواب لعامل الحسنة فضل من الله، وجزاء السيئة بمثلها عدل منه سبحانه.

161

(قل) لما بين سبحانه أن الكفار تفرقوا فرقاً وتحزبوا أحزاباً أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم (إنني هداني ربي) أي أرشدني بما أوحاه إلي (إلى صراط مستقيم) هو ملة إبراهيم عليه السلام. (ديناً قيماً) بكسر القاف والتخفيف وفتح الياء وبفتح القاف وكسر الياء المشددة وهما لغتان، ومعناه الدين المستقيم الذي لا عوج فيه. (ملة إبراهيم حنيفاً) مائلاً إلى الحق، وفي القاموس الحنيف كأمير الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه وكل من حج أو كان على دين إبراهيم، وتحنف عمل عمل الحنيفية أو اختتن أو اعتزل عبادة الأصنام، وإليه مال انتهى وقد تقدم تحقيقه. (وما كان من المشركين) جملة معترضة مقررة لما قبلها، وفيه رد على كفار قريش لأنهم يزعمون أنهم على دين إبراهيم فأخبر سبحانه أنه لم يكن ممن يعبد الأصنام.

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164)

162

(قل إن صلاتي) قيل القول الأول إشارة إلى أصول الدين وهذا إلى فروعها وإليه نحا أبو السعود وغيره، وهذا غير ظاهر لأن كون الصلاة وما بعدها لله من قبيل الأصول لا الفروع كما لا يخفى، والمراد بالصلاة جنسها فيدخل فيه جميع أنواعها وقيل صلاة الليل وقيل صلاة العيد وقيل الصلاة المفروضة والأول أولى. (ونسكي) النسك جمع نسيكة وهي الذبيحة كذا قال مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير وغيرهم أي ذبيحتي في الحج والعمرة، وقال الحسن ديني، وقال قتادة ضحيتي وقال الزجاج عبادتي من قولهم نسك فلان ناسك إذا تعبد، وبه قال جماعة من أهل العلم ونقل الواحدي عن ابن الأعرابي قال النسك سبائك الفضة كل سبيكة منها نسيكة، وقيل للمتعبِّد ناسك لأنه صفى نفسه كالسبيكة انتهى، ولا يخلو هذا من تكلف وبعد. (ومحياي ومماتي) أي ما أعمله في هاتين الحالتين من أعمال الخير، ومنها في الممات الوصية بالصدقات وأنواع القربات وقيل نفس الحياة ونفس الموت (لله رب العالمين) أي خالصة أو مخلوقة له.

163

(لا شريك له) في العبادة والخلق والقضاء والقدر، وسائر أفعاله لا يشاركه فيها أحد من خلقه (وبذلك) أي بالتوحيد أو بمأ أفاده قوله لله من

الإخلاص في الطاعة وجعلها لله وحده (أمرت وأنا أول المسلمين) أي المنقادين من هذه الأمة قاله قتادة. وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه والببهقي عن عمران بن حصين قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك بأول قطرة تقطر من دمها كل ذنب عملته وقولي إن صلاتي " إلى " وأنا أول المسلمين، قلت يا رسول الله هذا لك ولأهل بيتك خاصة فأهل ذلك أنتم أم للمسلمين عامة قال لا بل المسلمين عامة " (¬1). ¬

(¬1) المستدرك كتاب الأضاحي 4/ 222.

164

(قل أغير الله) الاستفهام للإنكار وهو جواب على المشركين لما دعوه إلى عبادة غيره سبحانه أي كيف (أبغي) غير الله (رباً) مستقلاً وأترك عبادة الله أو شريكاً لله فأعبدهما معاً (وهو) أي والحال أنه (رب كل شيء) والذي تدعونني إلى عبادته هو من جملة من هو مربوب له مخلوق مثلي، لا يقدر على نفع ولا ضرر، فكيف يكون المملوك شريكاً لمالكه، وفي هذا الكلام من التقريع والتوبيخ لهم ما لا يقادر قدره. (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) أي لا تؤخذ بما أتت من الذنب وارتكبت من المعصية سواها فكل نفس كسبها للشر عليها لا يتعداها إلى غيرها. وهو مثل قوله تعالى (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) وقوله (لتجزى كل نفس بما تسعى) (ولا تزر) تحمل نفس (وازرة) حاملة (وزر) حمل (أخرى) ولا تؤاخذ نفس آثمة بإثم أخرى (¬1). ¬

(¬1) روى أبو داود عن أبي رمته قال: انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي: " ابنك هذا "؟ قال: أي وَرَبِّ الكعبة. قال: " حقاً ". قال: اشهد به، قال: أقسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكاً منها ثبت شبهى في أبي، ومن حَلِف أبي عليّ. ثم قال: " أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه ". وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وَلَا تَزِر ُوَازِرَهُ وِزْر َأخرى).

وأصل الوزر الثقل، ومنه قوله تعالى (ووضعنا عنك وزرك) وهو هنا الذنب، قال ابن عباس لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم، وفيه رد لما كانت عليه الجاهلية من مؤاخذة القريب بذنب قريبه. والواحد من القبيلة بذنب الآخر، وقد قيل: إن المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها لقوله تعالى (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ومثله قول زينب بنت جحش يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون قال نعم إذا كثر الخبث " (¬1). والأولى حمل الآية على ظاهرها، أعني العموم وما ورد من المؤاخذة بذنب الغير كالدية التي تحملها العاقلة ونحو ذلك فيكون في حكم المخصص لهذا العموم ويقر في موضعه، ولا يعارض هذه الآية قوله تعالى (وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم) فإن المراد بالأثقال التي مع أثقالهم هي أثقال الذين يضلونهم كما في الآية الأخرى (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم). (ثم إلى ربكم مرجعكم) يوم القيامة (فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون) في الدنيا من الأديان والملل وعند ذلك يظهر حق المحقين وباطل المبطلين. ¬

(¬1) مسلم 2880 - البخاري 1582.

165

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) جمع خليفة أي جعلكم خلفاء الأمم الماضية والقرون السابقة أو المراد أنه يخلف بعضهم بعضاً أو أن هذا النوع الإنساني خلفاء الله في أرضه؛ قال السدي: أهلك القرون الأولى فاستخلفنا فيها بعدهم والإضافة على معنى في. (ورفع بعضكم فوق بعض درجات) في الخلق والرزق والقوة والضعف والعلم والعقل والجهل والحسن والقبح والغنى والفقر والشرف والوضع، وهذا التفاوت بين الخلق في الدرجات ليس لأجل العجز أو الجهل أو البخل، فإن الله سبحانه منزه عن صفات النقص. وإنما هو (ليبلوكم فيما أتاكم) أي ليختبركم في تلك الأمور، ويعاملكم معاملة المبتلى والمختبر، وهو أعلم بأحوال عباده منهم أو ليبلي بعضكم ببعض كقوله تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة). ثم خوفهم فقال (إن ربك سريع العقاب) لأعدائه بإهلاكهم في الدنيا، وإنما وصف العقاب بالسرعة وإن كان في الآخرة لأن كل آت قريب كما قال (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب). ثم رغب من يستحق الترغيب من المسلمين فقال (وإنه لغفور رحيم) أي كثير الغفران لأوليائه عظيم الرحمة بجميع خلقه.

سورة الأعراف

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأعراف هي مكية إلا ثمان آيات، وهي قوله: (واسألهم عن القرية إلى قوله وإذ نتقنا الجبل فوقهم) قاله ابن عباس وابن الزبير، وبه قال الحسن ومجاهد وعكرمة وعطاء وجابر بن زيد، وقال قتادة: آية من الأعراف مدنية وهي (واسألهم عن القرية) وسائرها مكية، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بها في المغرب يفرقها في الركعتين وآياتها مائتان وست آيات.

بسم الله الرحمن الرحيم المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)

1

(المص) قال ابن عباس: معناه أنا الله أفصل، وعنه أن هذا ونحوه من فواتح السور قسم أقسم الله به، وهي اسم من أسماء الله تعالى، وقال السدي هو المصور، وقال محمد بن كعب القرظي هو الله الرحمن الصمد، وقال الضحاك أنا الله الصادق، وقيل غير ذلك. ولا يخفى عليك أن هذا كله قول بالظن، وتفسير بالحدس، ولا حجة في شيء من ذلك؛ والحق ما قدمناه في فاتحة سورة البقرة والله أعلم بمراده وهو سره في كتابه العزيز.

2

(كتاب أنزل إليك) أي: هو كتاب وقال الكسائي أي هذا كتاب يعني القرآن أي القدر الذي كان قد نزل منه وقت نزول هذه الآية (فلا يكن في صدرك حرج منه) الحرج الضيق أي ضيق من إبلاغه إلى الناس مخافة أن يكذبوك ويؤذوك فإن الله حافظك وناصرك، وقيل المراد لا يضيق صدرك حيث لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا لك فإنما عليك البلاغ. وقال مجاهد وقتادة الحرج هنا الشك لأن الشاك ضيق الصدر أي لا تشك في أنه منزل من عند الله. وعلى هذا يكون النهي له صلى الله عليه وآله وسلم من باب التعريض، والمراد أمته أي لا يشك أحد منهم في ذلك، والضمير في (منه) راجع إلى الكتاب فعلى الأول التقدير من إبلاغه، وعلى الثاني التقدير من إنزاله. (لتنذر به) أي لتنذر الناس بالكتاب الذي أنزلناه إليك، وهو متعلق بأنزل أي أنزل إليك لإنذارك للناس به أو متعلق بالنهي، لأن انتفاء الشك في

كونه منزلاً من عند الله أو انتفاء الخوف من قومه يقويه على الإنذار ويشجعه لأن المتيقن يقدم على بصيرة ويباشر بقوة نفس، وصاحب اليقين جسور متوكل على ربه. (وذكرى للمؤمنين) قال البصريون وذكر به ذكرى، أو المعنى للإنذار وللذكرى، وقال أبو إسحاق الزجاج وهو ذكرى، وتخصيصه بالمؤمنين لأنهم الذين ينجع فيهم ذلك، وفيه إشارة إلى تخصيص الإنذار بالكافرين.

3

(اتبعوا) كلام مستأنف خوطب به كافة المكلفين (ما أنزل إليكم من ربكم) يعني الكتاب ومثله السنة لقوله (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا) ونحوها من الآيات، قاله الزجاج وقيل هو أمر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته، وقيل هو أمر للأمة بعد أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتبليغ وهو منزل إليهم بواسطة إنزاله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الرازي قوله (ما أنزل إليكم) يتناول الكتاب والسنة، وإنما قال أنزل إليكم مع أنه أنزل على الرسول لأنه منزل على الكل بمعنى أنه خطاب للكل. ولفظ البيضاوي يعم القرآن والسنة لقوله سبحانه (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) انتهى وقال الحسن يا ابن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم والله ما نزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيم أنزلت وما معناها. وقيل هو خطاب للكفار أي اتبعوا أيها المشركون ما أنزل إليكم من ربكم واتركوا ما أنتم عليه من الكفر والشرك ويدل عليه قوله (ولا تتبعوا من دونه أولياء) والأول أولى وهو نهي للأمة أن يتبعوا أولياء من دون لله يعبدونهم ويجعلونهم شركاء لله من الشياطين والكهان. وقال الزمخشري لا تتولوا أحداً من شياطين الإنس والجن ليحملوكم على

الأهواء والبدع، فالضمير في (دونه) يرجع إلى رب " ويجوز أن يرجع إلى (ما) في ما أنزل إليكم أي لا تتبعوا من دون كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أولياء تقلدونهم في دينكم كما كان يفعله أهل الجاهلية من طاعة الرؤساء فيما يحللونه لهم ويحرمونه عليهم. وقرأ مالك بن دينار (ولا تبتغوا) من الابتغاء، قال الرازي هذه الآية تدل على أن تخصيص عموم القرآن بالقياس لا يجوز لأن عموم القرآن منزل من عند الله، والله تعالى أوجب متابعته فوجب العمل بعموم القرآن، ولما وجب العمل به امتنع العمل بالقياس. وإلا لزم التناقض انتهى، والبحث في ذلك يطول وله موضع غير هذا. (قليلاً ما) مزيد للتوكيد أي تذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً (تذكرون). ثم شرح الله في إنذارهم بما حصل للأمم الماضية بسبب إعراضهم عن الحق فقال

4

(وكم من قرية) كم هي الخبرية المفيدة للتكثير، ولم ترد في القرآن إلا هكذا ويجب لها الصدر لكونها على صورة الاستفهامية، والقرية موضع اجتماع الناس أي كم من قرية من القرى الكثيرة (أهلكناها) نفسها بإهلاك أهلها أو أهلكنا أهلها والمراد أردنا إهلاكها. وقوله (فجاءها بأسنا) معطوف على أهلكنا بتقدير الإرادة كما مر، لأن ترتيب مجيء البأس على الإهلاك لا يصح إلا بهذا التقدير إذ الإهلاك هو نفس مجيء البأس، وقال الفراء: إن الفاء بمعنى الواو فلا يلزم التقدير، والمعنى أهلكناها وجاءها بأسنا، والواو لمطلق الجمع لا ترتيب فيها. وقيل: إن الإهلاك واقع لبعض أهل القرية فيكون المعنى وكم من قرية أهلكنا بعض أهلها فجاءها بأسنا فأهلكنا الجميع، وقيل المعنى وكم من قرية حكمنا بإهلاكها فجاءها بأسنا، وقيل أهلكناها بإرسال ملائكة العذاب إليها

فجاءها بأسنا، والبأس العذاب، وحكي عن الفراء أنه إذا كان معنى الفعلين واحداً أو كالواحد قدمت أيهما شئت فيكون المعنى وكم من قرية جاءها بأسنا فأهلكناها مثل دنا فقرب وقرب فدنا. (بياتاً) أي ليلاً لأن البيات فيه أو مصدر واقع موقع الحال، يقال بات يبيت بيتاً وبياتاً أي بائتين. (أو هم قائلون) أي قائلين، و (أو) في هذا الموضع للتفصيل لا للشك كأنه قيل أتاهم بأسنا تارة ليلاً كقوم لوط، وتارة وقت القيلولة كقوم شعيب، وهل يحتاج إلى تقدير واو حال قبل هذه الجملة أم لا؟ خلاف بين النحويين فقدره بعضهم. ورجحه الزجاج وبه قال أبو بكر والقيلولة هي نوم نصف النهار. وقيل هي مجرد الاستراحة في ذلك الوقت لشدة الحر من دون نوم، وخص الوقتين لأنهما وقت السكون والدعة فمجيء العذاب فيهما أشد وأفظع وأزجر وأردع عن الاغترار بأسباب الأمن والراحة. والمعنى جاءها عذابنا غفلة وهم غير متوقعين له ليلاً وهم نائمون أو نهاراً وهم قائلون وقت الظهيرة أي جاءهم البأس على غير تقدم أمارة لهم على وقت نزوله، وفيه وعيد وتخويف للكفار كأنه قيل لهم لا تغتروا بأسباب الأمن والراحة فإن عذاب الله إذا نزل نزل دفعة واحدة.

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)

5

(فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) الدعوى الدعاء أي فما كان دعاءهم واستغاثتهم بربهم عند نزول العذاب إلا اعترافهم بالظلم على أنفسهم، ومثله (آخر دعواهم) قال سيبويه: تقول العرب اللهم أشركنا في صالح دعوى المؤمنين ومنه قوله (دعواهم فيها سبحانك اللهم) وحكاه الخليل أيضاً وقيل الدعوى هنا بمعنى الإدعاء، والمعنى ما كانوا يدعونه لدينهم وينتحلونه إلا اعترافهم ببطلانه وفساده.

6

(فلنسألن الذين أرسل إليهم) هذا وعيد شديد وبيان لعذابهم الأخروي إثر بيان عذابهم الدنيوي، غير أنه قد تعرض لبيان مبادي أحوال المكلفين جميعاً لكونه داخلاً في التهويل والسؤال للقوم الذين أرسل إليهم الرسل من الأمم السالفة للتقريع والتوبيخ، واللام للقسم أي لنسألنهم عما أجابوا به رسلهم عند دعوتهم. والفاء لترتيب الأحوال الأخروية على الأحوال الدنيوية. (ولنسألن المرسلين) أي الأنبياء الذين بعثهم الله أي يسألهم عما أجاب به أممهم عليهم، ومن أطاع منهم ومن عصى، وقيل المعنى فلنسألن الذين أرسل إليهم يعني الأنبياء ولنسألن المرسلين يعني الملائكة، قال ابن عباس: يسأل الله الناس عما أجابوا به المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا عنه، ونحوه عن السدي. ولا يعارض هذا قول الله سبحانه (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون) لما قدمنا غير مرة أن في الآخرة مواطن ففي موطن يسألون وفي موطن لا يسألون

وهكذا سائر ما ورد مما ظاهره التعارض بأن أثبت تارة ونفى أخرى بالنسبة إلى يوم القيامة فإنه محمول على تعدد المواقف مع طول ذلك اليوم طولاً عظيماً.

7

(فلنقصن عليهم) أي على الرسل والمرسل إليهم لما سكتوا ما وقع بينهم عند الدعوة لهم منهم (بعلم) لا بجهل أي عالمين بما يسرون وما يعلنون (وما كنا غائبين) عن إبلاع الرسل والأمم الخالية في حال من الأحوال حتى يخفى علينا شيء مما وقع بينهم ومما عملوا، قال ابن عباس: يوضع الكتاب يوم القيامة فيتكلم بما كانوا يعملون.

8

(والوزن يومئذ الحق) أي الوزن في هذا اليوم العدل الذي لا جور فيه، أو المعنى الوزن العدل كائن أو استقر في هذا اليوم، واختلف أهل العلم في كيفية هذا الوزن فقيل المراد به وزن صحائف أعمال العباد بالميزان وزناً حقيقياً وهذا هو الصحيح، وهو الذي قامت عليه الأدلة. وقيل توزن نفس الأعمال وإن كانت إعراضاً فإن الله يقلبها يوم القيامة أجساماً كما جاء في الخبر الصحيح " أن البقرة وآل عمران تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيابتان أو فرقان من طير صواف " وكذلك ثبت في الصحيح أنه يأتي القرآن في صورة شاب شاحب اللون ونحو ذلك. وقيل إن الوزن هو نفس الأشخاص العاملين وقيل الوزن والميزان بمعنى العدل والقضاء وذكرهما من باب ضرب المثل كما تقول هذا الكلام في وزن هذا قاله مجاهد، وقال الزجاج: هذا شائع من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان. قال القشيري: وقد أحسن الزجاج فيما قال إذ يحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، ثم قال: وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً انتهى.

والحق هو القول الأول، وأما المستبعدون لحمل هذه الظواهر على حقائقها فلم يأتوا في استبعادهم بشيء من الشرع يرجع إليه، بل غاية ما تشبثوا به مجرد الاستبعادات العقلية، وليس في ذلك حجة على أحد، فهذا إذا لم تقبله عقولهم فقد قبلته عقول قوم هي أقوى من عقولهم من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاءت البدع كالليل المظلم وقال كل ما شاء وتركوا الشرع خلف ظهورهم، وليتهم جاؤوا بأحكام عقلية يتفق العقلاء عليها ويتحد قبولهم لها بل كل فريق يدعي على العقل ما يطابق هواه ويوافق ما يذهب إليه ومن هو تابع له فتتناقض عقولهم على حسب ما تناقضت مذاهبهم. يعرف هذا كل منصف، ومن أنكره فليصف فهمه وعقله عن شوائب التعصب والتمذهب فإنه إن فعل ذلك أسفر الصبح لعينيه. وقد ورد ذكر الوزن والميزان في مواضع من القرآن كقوله (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً) وقوله (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) وقوله (إن الله لا يظلم مثقال ذرة) وقوله (وأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية). والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً مذكورة في كتب السنة المطهرة، وما في الكتاب والسنة يغني عن غيرهما فلا يلتفت إلى تأويل أحد أو تحريفه مع قول الله تعالى ورسوله الصادق المصدوق، والصباح يغني عن المصباح. (فمن ثقلت موازينه) بالحسنات فضلاً من الله، الفاء للتفصيل والموازين جمع ميزان وثقل الموازين هذا يكون بثقل ما وضع فيها من صحائف الأعمال وقيل: إن الموازين جمع موزون أي فمن رجحت أعماله الموزونة والأول أولى، وظاهر جمع الموازين المضافة إلى العامل أن لكل واحد من العاملين موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله.

وقيل هو ميزان واحد عبر عنه بلفظ الجمع كما يقال: خرج فلان إلى مكة على البغال وقيل إنما جمعه لأن الميزان يشتمل على الكفتين والشاهين واللسان ولا يتم الوزن إلا باجتماع ذلك كله. (فأولئك) إشارة إلى (من) والجمع باعتبار معناه كما رجع إليه ضمير موازينه باعتبار لفظه (هم المفلحون) أي الناجون غداً والفائزون بثواب الله وجزائه ومثله الكلام في قوله

9

(ومن خفت) بالسيئات عدلاً (موازينه) والمراد موازين أعماله وهم الكفار بدليل قوله (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي غبنوا حظوظها من جزيل ثواب الله وكرامته، والباء في (بما كانوا) سببية (بآياتنا يظلمون) أي يكذبون ويجحدونها. وهذا الوزن للمسلمين عند الأكثر، وأما الكفار فتحبط أعمالهم على أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) وقيل إنها توزن أيضاً وإن لم تكن راجحة ليخفف بها لهم العذاب عنهم، وهو ظاهر النظم، وبقي من تساوت حسناته وسيآته مسكوتاً عنه وهم أهل الاعراف على قول، وقد يدرج في القسم الأول لقوله (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم) وعسى من الله تحقيق كما صرحوا به. وللحافظ تأليف مستقل في الميزان قال فيه: إنهم اختلفوا في تعدد الميزان وعدمه والصحيح الثاني والوزن بعد الحساب وأعمال الكفرة يخفف بها عذابهم كما ورد في حق أبي طالب، وهو الصحيح كما قاله القرطبي، وقال السخاوي المعتمد أنه مخصوص بأبي طالب والمعتمد ما قاله القرطبي فلا وجه للتردد فيه. أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة فينشر له تسعة وتسعون سجلاً كل سجل منها مد البصر، فيقول أتنكر من هذا شيئاً أظلمك كتبتي الحافظون، فيقول لا يا رب فيقول أفَلَكَ عذر أو حسنة فيهاب الرجل

فيقول لا يا رب، فيقول بلى إن لك عندنا حسنة وأنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فيقول يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات، فيقال إنك لا تظلم فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " (¬1). وقد صححه أيضاً الترمذي وإسناده عند أحمد (حسن). ولنعم ما قيل: مهما تفكرت في ذنوبي ... خفت على قلبي احتراقه لكنه ينطفي لهيبي ... بذكر ما جاء في البطاقة والسجل الكتاب، وقيل: إنه معرب وأصل معناه الكاتب وسجل عليه بكذا شهره ورسمه، قاله الزمخشري في شرح مقاماته. وفي مسلم: نظرت إلى مد بصري مكان مد البصر قال النووي كذا هو في جميع النسخ وهو صحيح ومعناه منتهى بصري، وأنكره بعض أهل اللغة وقال الصواب مدى بصري وليس بمنكر بل هما لغتان والمدى أشهر انتهى. وقوله بطاقة بكسر الباء رقعة صغيرة وتطلق على حمام تعلق في جناحه، وليس مولدة كما قيل فإنها وردت في هذا الحديث وغيره، وفي فقه اللغة إنها معربة من الرومية، وفي المحكم الرقعة الصغيرة تكون في الثوب وفيها رقم ثمنه، حكاه شمر، وقال لأنها بطاقة من الثوب قيل وهو خطأ لأنه يقتضي أن الباء حرف جر، والصحيح ما تقدم كما حكاه الهروي. ويؤيده ما أخرجه البخاري مرفوعاً " كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان هما كلمتا الشهادة " قال الخفاجي ولك أن تقول المراد بها كلمة التوحيد فتأمل. والكفة بفتح فتشديد كل مستدير، وبه سميت كفة الميزان المعروفة. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة " (¬2). ¬

(¬1) المستدرك كتاب الدعاء 1/ 529. (¬2) مسلم 2785 - البخاري 2023.

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11)

10

(ولقد مكناكم في الأرض) أي جعلنا لكم فيها مكاناً وأقدرناكم على التصرف فيها، وقيل المراد من التمكين التمليك (وجعلنا لكم فيها معايش) أي هيأنا لكم فيها أسباب المعاش. والمعايش جمع معيشة وهي ما يعاش به من المطعوم والمشروب وما تكون به الحياة، وفي القاموس العيش الحياة وأيضاً الطعام وما يعاش به والخبز، والمتعيش من له بلغة من العيش. وقال الزجاج: المعيشة ما يتوصلون به إلى العيش وهو يعم جميع وجوه المنافع التي تحصل به الأرزاق من الزرع والثمار، وما يتحصل من المكاسب والأرباح في أنواع التجارات والصنائع، وكل ذلك بتمكينه سبحانه لعباده وإنعامه عليهم (قليلاً ما تشكرون) الكلام فيه كالكلام فيما تقدم قريباً، وحقيقة الشكر تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها.

11

(ولقد خلقناكم ثم صورناكم) هذا ذكر نعمة أخرى عظيمة من نعم الله تعالى على عبيده والمعنى خلقناكم نطفاً ثم صورناكم بعد ذلك بالتخطيط وشق الحواس، وقيل العنى: خلقنا آدم من تراب ثم صورناكم في ظهره، وذكره بلفظ الجمع لأنه أبو البشر، وقيل (ثم صورناكم) راجع إليه ويدل عليه قوله تعالى (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم) فإن ترتيب هذا القول على الخلق والتصوير يفيد أن المخلوق المصور آدم عليه السلام. وقال ابن عباس: خلقوا في أصلاب الرجال وصوروا في أرحام النساء، وعنه قال خلقوا في ظهر آدم وصوروا في الأرحام، وعنه أيضاً أما خلقناكم فآدم وأما صورناكم فذريته، وقال الأخفش ثم بمعنى الواو، وقيل المعنى:

خلقناكم من ظهر آدم ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق، قال النحاس وهذا أحسن الأقوال. قال أبو السعود: وإنما نسب الخلق والتصوير إلى المخاطبين مع أن المراد خلق آدم وتصويره إعطاء لمقام الامتنان حقه وتأكيداً لوجوب الشكر عليهم بالرمز إلى أن لهم حظاً من خلقه وتصويره لأنهما من الأمور السارية إلى ذريته جميعاً. وقال القاري: نزل خلقه منزلة خلق الكل وتصويرهم لأنه أبو البشر، وقيل المعنى ولقد خلقنا الأرواح أولاً ثم صورنا الأشباح. (ثم) أي بعد إكمال خلقه، وفي السمين اختلف الناس في (ثم) في هذين الموضعين فمنهم من لم يلتزم فيها ترتيباً وجعلها بمنزلة الواو. ومنهم من قال هي للترتيب في الأخبار لا في الزمان، ولا طائل تحت هذا، ومنهم من قال هي للترتيب الزماني، وهذا هو موضوعها الأصلي ومنهم من قال الأولى للترتيب الزماني والثانية للترتيب الإخباري انتهى. (قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) أي أمرناهم بذلك فامتثلوا الأمر (فسجدوا) أي فعلوا السجود بعد الأمر قبل دخول الجنة وكان السجود يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر، وأول من سجد جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم عزرائيل ثم الملائكة المقربون. (إلا إبليس) قيل الاستثناء متصل بتغليب الملائكة على إبليس لأنه كان منفرداً بينهم، أو كما قيل إن من الملائكة جنساً يقال لهم الجن وقيل غير ذلك، وقد تقدم تحقيقه في البقرة (لم يكن من الساجدين) جملة مبينة لما فهم من معنى الاستثناء ومن جعل الاستثناء منقطعاً قال معناه لكن إبليس لم يكن من الساجدين لآدم عليه السلام.

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

12

(قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) جملة مستأنفة كأنه قيل فماذا قال له الله، ولا زائدة للتوكيد بدليل قوله تعالى في سورة ص (ما منعك أن تسجد) قاله الكسائي والفراء والزجاج، وقيل: إن منع بمعنى قال والتقدير من قال لك أن لا تسجد قاله أحمد بن يحيى، حكاه الواحدي وحكاه أبو بكر عن الفراء وقيل منع بمعنى دعا أي ما دعاك إلا أن لا تسجد قاله القاضي حكاه الرازي. وقيل في الكلام حذف والتقدير ما منعك من الطاعة وأحوجك إلا أن لا تسجد في وقت أن أمرتك قاله الطبري. وقد استدل به على أن الأمر للفور. والبحث مقرر في علم الأصول؛ والاستفهام ما منعك للتقريع والتوبيخ وإلا فهو سبحانه عالم بذلك، وقال هنا ما منعك وفي سورة الحجر (قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين) وقال في سورة ص (أن تسجد لما خلقت بيدي) واختلاف العبارات عند الحكاية يدل على أن اللعين قد أدرج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأمر ومفارقة الجماعة والاستكبار مع تحقير آدم، وقد وبخ على كل واحدة منها لكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اكتفاء بما ذكر في موطن آخر، وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة والإسراء والكهف وطه. (قال) إبليس (أنا خير منه) إنما قال هذا ولم يقل منعني كذا لأن في هذه الجملة التي جاء بها مستأنفة ما يدل على المانع وهو اعتقاده أنه أفضل منه، والفاضل لا يفعل مثل ذلك للمفضول مع ما تفيده هذه الجملة من إنكار أن يؤمر مثله بالسجود لمثله. ثم علل ما ادعاه من الخيرية بقوله (خلقتني من نار وخلقته من طين)

اعتقاداً منه أن عنصر النار أفضل من عنصر الطين لأنها جسم نوراني. وقد أخطأ عدو الله فإن عنصر الطين أفضل من عنصر النار من جهة رزانته وسكونه وطول بقائه، وفيه الأناة والصبر والحلم والحياء والتثبت، والنار خفيفة مضطربة سريعة النفاذ وفيها الطيش والارتفاع والحدة. ومع هذا فهو موجود في الجنة دونها وهي عذاب دونه، وهو محتاج إليه ليتحيز فيه وهو مسجد وطهور، والتراب عدة الممالك، والنار عدة المهالك، والنار مظنة الخيانة والإفناء والطين مئنة الأمانة والإنماء، والطين يطفئ النار ويتلفها والنار لا تتلفه، وهذه فضائل غفل عنها اللعين حتى زل بفاسد من القياس. وقال النسفي: والقياس مردود عند وجود النص. وقياس إبليس عناد للأمر المنصوص خارج عن الصواب انتهى. ولولا سبق شقاوته وصدق كلمة الله عليه لكان له بالملائكة المطيعين لهذا الأمر أسوة وقدوة فعنصرهم النوري أشرف من عنصره الناري. عن عكرمة قال: خلق إبليس من نار العزة، وقد ثبت في الصحيح من حديث عائشة قالت: " قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار وخلق آدم مما وصفه لكم، " (¬1) وقال ابن سيرين: ما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس. وأصل هذا القياس الذي قاسه إبليس أنه رأى النار أفضل من الطين وأقوى ولم يدر أن الفضل ليس بالأصل والجوهر بل بالطاعة وقبول الأمر، فالمؤمن الحبشي خير من الكافر القرشي وقد خص الله آدم بأشياء لم يخص بها غيره وهو أنه خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وعلمه أسماء كل شيء وأورثه الإجتباء والتوبة والهداية إلى غير ذلك للعناية التي سبقت له في القدم، وأورث إبليس كبره اللعنة والطرد للشقاوة التي سبقت له في الأزل. وقال الحسن في الآية أول من قاس إبليس، وإسناده صحيح إلى ¬

(¬1) مسلم، 2996.

الحسن أخرجه ابن جرير، وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال الله له أسجد لآدم فقال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (¬1)، قال جعفر فمن قاس أمر الدين برأيه قرنه الله يوم القيامة بإبليس لأنه اتبعه بالقياس، وينبغي أن ينظر في إسناد هذا الحديث فما أظنه يصح رفعه وهو لا يشبه كلام النبوة. ¬

(¬1) الدارمي، كتاب القدمة، الباب 22.

13

(قال فاهبط منها) جملة استئنافية كالتي قبلها والفاء لترتيب الأمر بالهبوط على مخالفته للأمر أي اهبط من السماء التي هي محل المطيعين من الملائكة الذين لا يعصون الله فيما أمرهم إلى الأرض التي هي مقر من يعصي ويطيع فإن السماء لا تصلح لمن يتكبر ويعصي أمر ربه مثلك، وقيل اهبط من الجنة والهبوط النزول والإنحدار من فوق إلى أسفل على سبيل القهر والهوان والاستخفاف ومن التفاسير الباطلة ما قيل: أن معنى أهبط منها أي أخرج من صورتك النارية التي افتخرت بها إلى صورة مظلمة مشوهة، وقيل المراد هبوطه من زمرة الملائكة. (فما يكون لك أن تتكبر فيها) أي في الجنة لأنه لا ينبغي أن يسكن في الجنة أو السماء متكبر مخالف لأمر الله عز وجل، ولا يتوهم أنه يجوز أن يتكبر في غيرها لأن التقدير ما يكون لك أن تتكبر فيها ولا في غيرها وعلى هذا لا مفهوم لها. وجملة (فاخرج) لتأكيد الأمر بالهبوط متفرع على علته، وجملة (إنك من الصاغرين) تعليل للأمر بالخروج أي: إنك من أهل الصغار والهوان على الله وعلى صالحي عباده يذمك كل إنسان، ويلعنك كل لسان لتكبرك، وبه علم أن الصغار لازم للاستكبار فكل من تردى برداء الاستكبار عوقب بلبس رداء الهوان والصغار، ومن لبس رداء التواضع ألبسه الله رداء الترفع، وقال الزجاج: استكبر عدو الله إبليس فابتلاه الله بالصغار والذلة والصغار بالفتح الذل والضيم وكذا الصغر والصاغر الذليل والراضي بالضيم.

قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)

14

(قال أنظرني إلى يوم يبعثون) جملة استئنافية أي أمهلني إلى يوم البعث وكأنه طلب أن لا يموت لأن يوم البعث لا موت بعده والضمير في يبعثون لآدم وذريته أي يبعثون من قبورهم بالنفخة الثانية عند قيام الساعة

15

(قال) أي أجابه الله بقوله (إنك من المنظرين) أي المهملين المؤخرين ثم تعاقب بما قضاه الله عليك وأنزله بك في دركات النار. وقد بين الله مدة النظر والمهلة في سورة الحجر فقال تعالى (إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم) وذلك هو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم، قيل الحكمة في إنظاره ابتلاء العباد ليعرف من يطيعه ممن يعصيه.

16

(قال فبما أغويتني) الجملة مستأنفة والباء للسببية، وبه قال الزمخشري، وقيل قسمية وهو الظاهر كقوله (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) أي فبإغوائك إياي، والإغواء الإيقاع في الغي، وقيل الباء بمعنى مع والمعنى فمع إغوائك إياي وقيل (ما) في فبما أغويتني للاستفهام والمعنى فبأي شيء أغويتني والأول أولى. ومراده بهذا الإغواء الذي جعله سبباً لما سيفعله مع العباد وهو ترك السجود منه وأن ذلك كان بإغواء الله له حتى اختار الضلالة على الهدى، وقيل أراد به اللعنة التي لعنه الله بها أي فيما لعنتني فأهلكتني ومنه (فسوف يلقون غياً) أي هلاكاً.

وقال ابن الأعرابي: يقال غوى الرجل يغوى غياً إذا فسد عليه أمره أو فسد هو في نفسه ومنه عمى آدم ربه فغوى أي فسد عيشه في الجنة، وغرض اللعين بهذا أخذ ثأره منهم لأنه لما طرد ومقت بسببهم على ما تقدم أحب أن ينتقم منهم أخذاً بالثأر. (لأقعدن لهم) أي لأجهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسبب تركي للسجود لأبيهم (صراطك المستقيم) هو الطريق الموصل إلى الجنة، وقال ابن عباس: طريق مكة يعني أمنعهم من الهجرة، وعن ابن مسعود مثله، وقيل هو طريق الإسلام، وقيل المراد الحج والأول أولى لأنه يعم الجميع والمعنى لأردن بني آدم عن عبادتك وطاعتك ولأغوينهم ولأضلنهم.

17

(ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم) ذكر الجهات الأربع لأنها هي التي يأتي منها العدو عدوه ولهذا ترك ذكر جهة الفوق والتحت، وعدى الفعل إلى الجهتين الأوليين بمن وإلى الآخريين بعن لأن الغالب فيمن يأتي من قدام وخلف أن يكون متوجهاً إلى ما يأتيه بكلية بدنه والغالب فيمن يأتي من جهة اليمين والشمال أن يكون منحرفاً فناسب في الأوليين التعدية بحرف الابتداء وفي الأخريين بحرف المجاوزة. وهو تمثيل الوسوسة وتسويله بمن يأتي حقيقة، وفيه إشارة إلى نوع تباعد منه في هاتين الجهتين لقعود ملك اليمين وملك اليسار فيهما، وهو ينفر من الملائكة، وقيل المراد من بين أيديهم من دنياهم، ومن خلفهم من آخرتهم، وعن أيمانهم من جهة حسناتهم، وعن شمائلهم من جهة سيآتهم، استحسنه النحاس. قال ابن عباس: أسن لهم المعاصي وأخفي عليهم للباطل، وعنه قال: من بين أيديهم من قبل الآخرة فأشككهم فيها، ومن خلفهم من قبل الدنيا فأرغبهم فيها وعن أيمانهم أشبه عليهم أمر دينهم وعن شمائلهم أشهي لهم المعاصي.

وقال الحكم بن عتبة من بين أيديهم أي من قبل الدنيا فأزينها لهم، ومن خلفهم من قبل الآخرة فأثبطهم عنها، وعن أيمانهم من قبل الحق فأصدهم عنه وعن شمائلهم من قبل الباطل فأزينه لهم. وقال قتادة: أتاك إبليس يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله تعالى، ونحوه عن ابن عباس ولفظه ولا يستطيع أن يأتي من فوقهم لئلا يحول بين العبد وبين رحمة الله تعالى، قيل ولا يأتي أيضاً من تحتهم إما لأنه متكبر يحب العلو وإما لأن الإتيان منها ينفر ويفزع المأتي وهو يحب تأليفه لا تنفيره فلا يأتي إلا من الجهات الأربع. قال مجاهد: يأتيهم من الجهات الأربع من حيث لا يبصرون وقيل من بين أيديهم فيما بقي من أعمارهم فلا يقدمون فيه طاعة، ومن خلفهم فيما مضى من أعمارهم فلا يتوبون " عما أسلفوا فيه من معصية، وعن أيمانهم من قبل الغنى فلا ينفقون ولا يشكرون وعن شمائلهم من قبل الفقر فلا يمتنعون فيه من محظور نالوه. وعن شقيق البلخي ما من صباح إلا قعد لي الشيطان على أربع مراصد من بين يدي فيقول لا تخف فإن الله غفور رحيم فأقرأ (وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً) ومن خلفي فيخوفني الضيعة على مخلفي أي وقوع أولادي في الفقر فأقرأ (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وعن يميني فيأتيني من قبل الثناء فأقرأ (والعاقبة للمتقين) وعن شمالي فيأتيني من قبل الشهوات فأقرأ (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال النسفي: ولم يقل من فوقهم ومن تحتهم لمكان الرحمة والسجدة. وقيل إن ذكر هذه الجهات الأربع إنما أريد به التأكيد والمبالغة في إلقاء

الوسوسة في قلب ابن آدم وأنه لا يقصر في ذلك، والمعنى يأتيهم من جميع الوجوه الممكنة لجميع الاعتبارات. (و) عند أن أفعل ذلك (لا تجد) يا رب (أكثرهم شاكرين) موحدين لتأثير وسوستي فيهم وإغوائي لهم، وهذا قاله على الظن فأصاب لقوله تعالى (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه) لما رأى منهم أن مبدأ الشر متعدد ومبدأ الخير واحد، وقيل: إنه سمع ذلك من الملائكة فقاله، وقيل رآه مكتوباً في اللوح المحفوظ والأول أولى وقيل شاكرين مؤمنين وقيل عبر بالشكر عن الطاعة أو هو على الحقيقة، وأنهم لم يشكروا الله بسبب الإغواء.

18

(قال اخرج منها) أي من السماء أو من الجنة أو من بين الملائكة كما تقدم وقال له ذلك حين طرده عن بابه وأبعده عن جنابه (مذءوماً) من ذأمه يذأمه إذا ذمه وعابه ومقته وقيل المذءوم المنفى والذام العيب بهمز ولا يهمز، وحكى ابن الأنباري فيه ذيماً، وقال الليث الذام الاحتقار، وقيل الذم قاله ابن قتيبة (مدحوراً) أي مطروداً والدحر الطرد والإبعاد يقال دحره يدحره دحراً ودحورا ومنه [ويقذفون من كل جانب دحوراً] وقال ابن عباس: صغيراً ممقوتاً، وقال قتادة: لعيناً مقيتاً، وقال الكلبي: ملوماً مقصياً من الجنة ومن كل خير والمعاني متقاربة. (لمن) بفتح اللام على أنها لام القسم وتسمى هذه اللام موطئة لأنها وطأت الجواب للقسم المحذوف أي مهدته له، وتسمى أيضاً المؤذنة لأنها تؤذن بأن الجواب بعدها مبني على قسم قبلها لا على الشرط (تبعك منهم) أي من بني آدم وجواب القسم (لأملأن جهنم) وقيل اللام الأولى للتأكيد والابتداء وهذه لام القسم والأول أولى، وفي هذا الجواب من التهديد ما لا يقادر قدره (منكم أجمعين) أي منك ومنهم، وفيه تغليب الحاضر وهو إبليس على الغائب وهو الناس.

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

19

(و) قلنا (يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة) قال له هذا القول بعد إخراج إبليس من الجنة أو من السماء أو من بين الملائكة والمعنى اتخذها مسكناً وتخصيص الخطاب بآدم للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به. واختلفوا في خلق حواء فقال ابن إسحق خلقت قبل دخول آدم الجنة وهو ظاهر هذه الآية وقيل بعد دخول الجنة وقيل الخطاب للمعدوم لوجوده في علم الله. (فكلا من حيث) أي من أي نوع من أنواع الجنة (شئتما) أكله ومثله ما تقدم من قوله تعالى (وكلا منها رغداً حيث شئتما) وقال أبو السعود حيث ظرف مكان أي فكلا من ثمارها في أي مكان شئتما الأكل فيه، وقال هناك بالواو وهنا بالفاء. قال الرازي: إن الواو تفيد الجمع المطلق والفاء تفيد الجمع على سبيل التعقيب، فالمفهوم من الفاء نوع داخل تحت المفهوم من الواو، ولا منافاة بينهما ففي البقرة ذكر الجنس وهنا ذكر النوع. (ولا تقربا هذه الشجرة) تقدم الكلام على هذا في البقرة مستوفى (فتكونا) أي فتصيرا (من الظالمين) لأنفسكما أي العاصين لله تعالى.

20

(فوسوس لهما الشيطان) الوسوسة الصوت الخفى وحديث النفس يقال وسوست إليه نفسه وسوسة ووسواساً بكسر الواو، والوسوسة بالفتح الاسم مثل الزلزلة والزلزال، ويقال لهمس الصائد والكلاب وأصوات الحلى وسواس والوسواس اسم الشيطان. ومعنى وسوس له وسوس إليه أو فعل الوسوسة لأجله، قال

الحسن: كان يوسوس في الأرض إلى السماء ثم الجنة بالقوة القوية التي جعلها الله تعالى له. وقال أبو مسلم الأصبهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت في الأرض، وقيل غير ذلك مما لا طائل تحت ذكره، والذي يقوله بعض الناس: إن إبليس دخل في جوف الحية وهي دخلت به إلى الجنة فهو قصة ركيكة. (ليبدي) أي ليظهر (لهما) اللام للعاقبة كما في قوله (ليكون لهم عدواً وحزناً) وقيل هي لام كي أي فعل ذلك ليتعقبه الإبداء أو لكي يقع الإبداء، ويصح أن تكون للعلة والغرض لجواز أن يكون ظهور سؤآتهما زيادة على وقوعهما في المعصية. (ما ووري) أي ستر وغطى، فوعل من المواراة (عنهما من سؤآتهما) سمي الفرج منهما سوأة لأن ظهوره وانكشافه يسوء صاحبه ويحزنه أراد الشيطان أن يسوءهما بظهور ما كان مستوراً عنهما من عوراتهما فإنهما كانا لا يريان عوراتهما ولا يراها أحدهما من الأخر، قيل إنما بدت لهما لا لغيرهما وكان عليهما نور يمنع من رؤيتهما فلما أصابا الخطيئة نزع عنهما، وفي الآية دليل على أن كشف العورة من المنكرات المحرمات وأنه لم يزل مستقبحاً في الطباع والعقول. (وقال) الشيطان لآدم وحواء (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة) أي عن الأكل منها (إلا) كراهة (أن تكونا) هكذا قاله البصريون وقال الكوفيون: التقدير لئلا تكونا والاستثناء مفرغ وهو مفعول من أجله (ملكين) من الملائكة تعلمان الخير والشر وتستغنيان عن الغذاء (أو تكونا من الخالدين) في الجنة أو من الذين لا يموتون قال ابن عباس: فإن أخطأ كما أن تكونا ملكين لم يخطئكما أن تكونا من الخالدين فلا تموتان فيها أبداً.

قال النحاس: فضل الملائكة على جميع الخلق في غير موضع من القرآن فمنها هذا ومنها ولا أقول إني ملك ومنها ولا الملائكة المقربون. وقال ابن فورك: لا حجة في هذه الآية لأنه يحتمل أن يراد ملكين في أن لا يكون لهما شهوة في الطعام. وقيل لطول أعمارهم لا لأنهم أفضل منه حتى يلتحق بهم في الفضل فذلك بمعزل عن الدلالة على أفضلية الملائكة عليه، فليس في الآية دليل عليها وبنحوه قال أبو السعود. وقد اختلف الناس في هذه المسألة اختلافاً كثيراً وأطالوا الكلام في غير طائل، وليست هذه المسألة مما كلفنا الله بعلمه فالكلام فيها لا يعنينا. وقرئ ملكين وأنكر أبو عمرو بن العلاء هذه القراءة وقال ولم يكن قبل آدم ملك فيصيرا ملكين، وقد احتج من قرأ بالكسر بقوله تعالى (هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) قال أبو عبيدة: هذه حجة بينة لقراءة الكسر ولكن الناس على تركها فلهذا تركناها. قال النحاس: هذه قراءة شاذة وأنكر على أبي عبيدة هذا الكلام وجعله من الخطأ الفاحش، قال وهل يجوز أن يتوهم على آدم عليه السلام أنه يصل إلى أكثر من ملك الجنة وهي غاية الطالبين، وأنما معنى وملك لا يبلى المقام في ملك الجنة والخلود فيه.

21

(وقاسمهما) أي حلف لهما يقال أقسم إقساماً أي حلف وصيغة المفاعلة وإن كانت في الأصل تدل على المشاركة فقد جاءت كثيراً لغير ذلك وقد قدمنا تحقيق هذا في المائدة والمراد بها هنا المبالغة في صدور الإقسام لهما من إبليس. (إني لكما لمن الناصحين) في ذلك قيل: أنهما أقسما له بالقبول كما أقسم لهما على المناصحة، قال قتادة: حلف لهما بالله حتى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما.

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

22

(فدلاهما بغرور) أي مناهما، والتدلية والإدلاء إرسال الشيء من أعلى إلى أسفل يقال أدلى دلوه أرسلها والمعنى أنه أهبطهما بذلك من الرتبة العلية إلى الأكل من الشجرة أو من السماء إلى الأرض، وقيل معناه أوقعهما في الهلاك وقيل خدعهما، وقيل دلاهما من الدالة وهي الجرأة أي جرأهما على المعصية فخرجا من الجنة. (فلما ذاقا) أي طعما الشجرة (بدت) ظهرت (لهما سؤآتهما) عوراتهما أي ظهر لكل منهما قبله وقبل الآخر ودبره بسبب زوال ما كان ساتراً لها وهو تقلص النور الذي كان عليها، قال ابن عباس تهافت عنهما لباسهما حتى أبصر كل واحد منهما ما ووري عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك. وقال قتادة: كان لباسهما ظفراً كله فقشط عنهما أي غطاء على الجسد من جنس الأظفار فنزع عنهما وبقيت الأظفار في اليدين والرجلين تذكرة وزينة وانتفاعاً. وقبل كان من ثياب الجنة وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس يتبادر فيه. وقال مجاهد: كان لباسهما التقوى وقد تقدم في البقرة وفيه دليل على أنهما تناولا اليسير من ذلك قصداً إلى معرفة طعمه لأن الذوق يدل على الأكل اليسير. (وطفقا) طفق يفعل كذا شرع يفعل كذا، وحكى الأخفش طفق يطفق مثل ضرب يضرب أي شرعا أو جعلا وأقبلا (يخصفان عليهما من ورق الجنة) قيل من التين، وقيل من الموز، قرأ الزهري يخصفان من أخصف، وقرأ

الجمهور يخصفان من خصف، والمعنى أنهما أخذا يقطعان الورق ويلزقانه بعورتهما ليستراها من خصف المنعل إذا جعله طبقة فوق طبقة. عن عكرمة قال: كان لباس كل دابة منها ولباس الإنسان الظفر فأدركت آدم التوبة عند ظفره، وقال ابن عباس: كان لباس آدم وحواء كالظفر فلما أكلا من الشجرة لم يبق عليهما إلا مثل الظفر وطفقا ينزعان ورق التين فيجعلانه على سؤآتهما، وعنه قال لما سكن آدم الجنة كساه سربالاً من الظفر فلما أصاب الخطيئة سلبه السربال فبقي في أطراف أصابعه. وعن أنس بن مالك قال: كان لباس آدم في الجنة الياقوت فلما عصى قلص فصار الظفر، وقال مجاهد: يخصفان يرقعان كهيئة الثوب، وفي الآية دليل على أن كشف العورة من ابن آدم قبيح، ألا ترى أنهما بادرا إلى ستر العورة لما تقرر في عقلهما من قبح كشفها. (وناداهما ربهما) قائلاً لهما (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) التي نهيتكما عن أكلها، وهذا عتاب من الله تعالى لهما وتوبيخ حيث لم يحذرا ما حذرهما منه والاستفهام للتقرير (وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) أي مظهر للعداوة بترك السجود حسداً وبغياً كما قال في سورة طه فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك الآية، قال السدي: قال آدم إنه حلف لي بك ولم أكن أعلم أن أحداً من خلقك يحلف بك إلا صادقاً.

23

(قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) جملة مستأنفة مبنية على تقدير سؤال، كأنه قيل فماذا قالا وهذا اعتراف منهما بالذنب وأنهما ظلما أنفسهما بما وقع منهما من المخالفة ثم قالا (وإن لم تغفر لنا) أي تستر علينا ذنبنا (وترحمنا) أي تتفضل علينا برحمتك (لنكونن من الخاسرين) أي الهالكين، قال الحسن: هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه، وعن الضحاك مثله وقد استدل بهذا على صدور الذنب من الأنبياء وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى.

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

24

(قال اهبطوا) استئناف كالتي قبلها والخطاب لآدم وحواء وذريتهما أو لهما ولإبليس قاله الرازي، وقيل لهم وللحية قاله الطبري وبه قال السدي: والمعنى اهبطوا من السماء إلى الأرض (بعضكم لبعض عدو) أي متعادين يعاديهما إبليس ويعادياه (ولكم في الأرض مستقر) أي موضع استقرار وهو المكان الذي يعيش فيه الإنسان وقال ابن عباس: يعني القبور (و) لكم فيها (متاع) تتمتعون به في الدنيا وتنتفعون به من المطعم والمشرب ونحوهما (إلى حين) إلى وقت موتكم وقيل إلى انقطاع الدنيا وقال ابن عباس إلى يوم القيامة.

25

(قال فيها) أي في الأرض (تحيون وفيها تموتون) استئناف كالتي قبلها وأعيد إما للإيذان ببعد اتصال ما بعده بما قبله وإما لإظهار الاعتناء بمضمون ما بعده (ومنها تخرجون) إلى دار الآخرة، ومثله قوله تعالى: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى) قيل الخطاب لآدم وذريته وإبليس وأولاده وقد سبق شرح هذه القصة مستوفى في البقرة فارجع إليه.

26

(يا بني آدم) هذا تذكير ببعض النعم لأجل امتثال ما هو المقصود الآتي بقوله لا يفتننكم الخ (قد أنزلنا عليكم لباساً) عبر سبحانه بالإنزال عن الخلق أي خلقنا لكم لباساً، وقيل رزقناكم لباساً، وقيل أنزل المطر من السماء وهو سبب نبات اللباس فكأنه أنزله عليهم، وقيل جميع بركات الأرض تنسب إلى السماء وإلى الإنزال كما قال تعالى وأنزلنا الحديد. (يواري سؤآتكم) التي أظهرها إبليس حتى اضطررتم إلى لزق الأوراق

فأنتم مستغنون عن ذلك باللباس وقال مجاهد: كان ناس من العرب يطوفون بالبيت عراة والسوأة العورة كما سلف والكلام في قدرها وما يجب ستره منها مبين في كتب الفروع. (وريشا) وقرئ رياشا جمع ريش وهو اللباس قال الفراء: ريش ورياش كما يقال لبس ولباس، وريش الطائر ما ستره الله به وهو لباسه وزينته كالثياب للإنسان، وقيل المراد بالريش هنا الخصب ورفاهية العيش، قال القرطبي: والذي عليه أكثر أهل اللغة أن الريش ما ستر من لباس أو معيشة. وعن أبي عبيدة وهبت له دابة وريشها أي ما عليها من اللباس. وقيل المراد بالريش هنا لباس الزينة لذكره بعد قوله لباساً وعطفه عليه، قاله الزمخشري، وقال مجاهد والضحاك والسدي: ريشاً أي المال، وعن عروة بن الزبير مثله، وقال ابن عباس: المال واللباس والعيش والنعيم والإيمان، وقال ابن زيد: الريش الجمال، وقيل الأثاث وما ظهر مما يلبس أو يفرش. (ولباس التقوى) أي الناشئ عنها أو الناشئة عنه والإضافة قريبة من كونها بيانية أي لباس الورع واتقاء معاصي الله وهو الورع نفسه والخشية من الله تعالى، وقيل لباس التقوى الحياء وقيل الإسلام وقيل العمل الصالح، وقيل هو لباس الصوف والخشن من الثياب لما فيه من التواضع لله، وقيل هو الدرع والمغفر الذي يلبسه من يجاهد في سبيل الله، وقيل هو ستر العورة في الصلاة، وقال عثمان: هو السمت الحسن، وقال الكلبي: هو العفاف والأول أولى. وهو يصدق على كل ما فيه تقوى الله فيندرج تحته جميع ما ذكر من الأقوال ومثل هذه الاستعارة كثيرة الوقوع في كلام العرب. (ذلك) أي لباس التقوى هو (خير) أي خير لباس وأجمل زينة لأنه يستر من فضائح الأخرة، وقيل الإيمان والعمل خير من اللباس والريش قاله ابن عباس وأنشدوا في المعنى: إذا أنت لم تلبس ثياباً من التقى ... عريت وإن وارى القميص قميص

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) (ذلك) أي الإنزال المدلول عليه بأنزلنا (من آيات الله) الدالة على أن له خالقاً (لعلهم يذكرون) نعمته فيشكرونها وفيه التفات عن الخطاب، وكان مقتضى المقام لعلكم. ثم كرر الله سبحانه النداء لبني آدم تحذيراً لهم من الشيطان فقال

27

(يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان) أي لا يوقعنكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعكم من دخول الجنة فالنهي وإن كان للشيطان فهو في الحقيقة لبني آدم بأن لا يفتتنوا بفتنته ويتأثروا لذلك كما في قولك لا أرينك هنا (كما أخرج) أي: كما فتن. (أبويكم) بأن أخرجهما (من الجنة) أو لا يفتننكم فتنة مثل إخراج أبويكم أو لا يخرجنكم بفتنته إخراجاً مثل إخراجه أبويكم. (ينزع عنهما لباسهما) قد تقدم تفسيرها وأضاف نزعه إلى الشيطان وإن لم يباشر ذلك لأنه كان بسبب وسوسته فأسند إليه، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة التي وقعت فيما مضى، والنزع الجذب للشئ بقوة عن مقره ومنه (تنزغ الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر) ومنه نزع القوس ويستعمل في الأعراض ومنه نزع العداوة والمحبة من القلب ونزع فلان كذا سلبه، ومنه والنازعات غرقاً لأنها تقلع أرواح الكفرة بشدة ومنه المنازعة وهي المخاصمة والنزع عن الشيء الكف عنه والنزوع الاشتياق الشديد ومنه نزع إلى وطنه.

واختلفوا في اللباس فقيل الظفر وقيل النور وقيل التقوى، وقيل كان من ثياب الجنة، وهذا أقرب لأن إطلاق اللباس ينصرف إليه، ولأن النزع لا يكون إلا بعد اللبس. (ليريهما سؤآتهما) اللام لام كي وقد تقدم تفسيره أيضاً، والضمير في (إنه) فيه وجهان الظاهر منهما أنه للشيطان، والثاني أن يكون ضمير الشأن، وبه قال الزمخشري ولا حاجة تدعو إلى ذلك. (يراكم هو وقبيله) هذه الجملة تعليل لما قبلها مع ما يتضمنه من المبالغة في تحذيرهم منه، لأن من كان بهذه المثابة كان عظيم الكيد، وكان حقيقاً بأن يحترس منه أبلغ احتراس، والقبيل جمع قبيلة وهي الجماعة المجتمعة التي يقابل بعضهم بعضاً. وقال الليث: كل جيل من جن أو إنس قبيل، وقيل أعوانه من الشياطين وجنوده، وقال مجاهد: الجن والشياطين، وقال ابن زيد: قبيله نسله والقبيلة الجماعة من أب واحد، فليست القبيلة تأنيث القبيل لهذه المغايرة، وقيل الجماعة ثلاثة فصاعداً من قوم شتى، قاله أبو عبيدة والجمع قبل بضمتين والقبيلة لغة فيه، وقبائل الرأس القطع المتصل بعضها ببعض وبها سميت قبائل العرب. (من حيث لا ترونهم) أي إذا كانوا على صورهم الأصلية، أما إذا تصوروا في غيرها فترونهم كما وقع كثيراً، ومن ابتدائية أي رؤية مبتدأة من مكان لا ترونهم فيه، وقيل خلق الله في عيون الجن إدراكاً يرون به الإنس، ولم يخلق هذا في عيون الإنس. وقالت المعتزلة: الوجه في هذا رقة أجسام الجن ولطافتها وكثافة أجسام الإنس.

وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على أن رؤية الشيطان غير ممكنة وليس في الآية ما يدل على ذلك وغاية ما فيها أنه يرانا من حيث لا نراه، وليس فيها أنا لا نراه أبداً فإن انتفاء الرؤية منا له في وقت رؤيته لنا لا يستلزم انتفاءها مطلقاً. قال مالك بن دينار: إن عدواً يراكم ولا ترونه، كأن في الكلام حذفاً تقديره: جدير بأن يحذر ويتقى: مصحح، والحق جواز رؤيتهم كما هو ظاهر الأحاديث الصحيحة، وتكون الآية مخصوصة بها فيكونون مرئيين في بعض الأحيان لبعض الناس دون بعض، وحكى الواحدي وابن الجوزي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وجعلت صدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه الله تعالى " (¬1) كما قال تعالى (الذي يوسوس في صدور الناس) فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم وقال مجاهد قال إبليس جعل لنا أربع نرى ولا نرى ونخرج من تحت الثرى ويعود شيخنا شاباً. (إنا جعلنا) أي صيرنا (الشياطين أولياء) أي أعواناً وقرناء (للذين لا يؤمنون) من عباده وهم الكفار. ¬

(¬1) مسلم/2175 أن صفية زوج النبي أخبرته (علي بن حسين) أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان فتحدثت عنه ساعة ثم قامت تنقل وقام النبي صلى الله عليه وسلم يقلبها وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد فمر رجلان من الأنصار فلما رأيا النبي أسرعا فقال النبي على رسلكما إنها صفية بنت حي فقال سلمان الله يا رسول الله فقال رسول الله: " إن الشيطان ...

28

(وإذا فعلوا) أي العرب (فاحشة) هي ما يبالغ في فحشه وقبحه من الذنوب، قال أكثر المفسرين هو طواف المشركين بالبيت عراة وبه قال ابن عباس والسدي ومحمد بن كعب، وقيل هي الشرك قاله عطاء، والظاهر أنها تصدق على ما هو أعم من الأمرين جميعاً، والمعنى أنهم إذا فعلوا ذنباً قبيحاً

مبالغاً في القبح اعتذروا عن ذلك بعذرين: الأول (قالوا وجدنا عليها آباءنا) أي: أنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم وتقليداً لما وجدوهم مستمرين على فعل تلك الفاحشة، والثاني (والله أمرنا بها) أي إنهم مأمورون بذلك من جهة الله سبحانه، وكلا العذرين في غاية البطلان والفساد لأن وجود آبائهم على القبيح لا يسوغ لهم فعله بل ذلك محض تقليد باطل لا أصل له والأمر من الله سبحانه لهم لم يكن بالفحشاء بل أمرهم باتباع الأنبياء والعمل بالكتب المنزلة، ونهاهم عن مخالفتهما ومما نهاهم عنه فعل الفواحش. ولهذا رد الله سبحانه عليهم بأن أمر نبيه صلى الله عليه وسلم فقال (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) فكيف تدعون ذلك عليه قال قتادة: والله ما أكرم الله عبداً قط على معصيته ولا رضيها له ولا أمره بها، ولكن رضي لكم طاعته ونهاكم عن معصيته، والحاصل أن الأمرين باطلان لأن الأول تقليد للرجال والثاني افتراء على ذي الجلال. وفي الجمل: رد عليهم في المقالة الثانية ولم يتعرض لرد الأولى لوضوح فسادها لما هو معلوم أن تقليد مثل الآباء ليس بحجة. ثم أنكر عليهم ما أضافوه إليه فقال (أتقولون على الله ما لا تعلمون) وهو من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم وفيه من التقريع والتوبيخ أمر عظيم، فإن القول بالجهل إذا كان قبيحاً في كل شيء فكيف إذا كان في التقول على الله. وفي هذه الآية الشريفة لأعظم زاجر، وأبلغ واعظ للمقلدة الذين يتبعون

آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر لا بأهل الحق فإنهم القائلون (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) والقائلون وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها. والمقلد لولا اغتراره بكونه وجد أباه على ذلك المذهب مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به وأنه الحق لم يبق عليه، وهذه الخصلة هي التي بقي بها اليهودي على اليهودية والنصراني على النصرانية، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية أو البدعة وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن دين الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت، والقصور الخالص. فيا من نشأ على مذهب من هذه المذاهب الإسلامية أنا لك النذير المبالغ في التحذير من أن تقول هذه المقالة وتستمر على الضلالة فقد اختلط الشر بالخير، والصحيح بالسقيم، وفاسد الرأي بصحيح الرواية ولم يبعث الله إلى هذه الأمة إلا نبياً واحداً أمرهم باتباعه ونهاهم عن مخالفته فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) ولو كان محض رأي أئمة المذاهب وأتباعهم حجة على العباد لكان لهذه الأمة رسل كثيرون متعددون بعدد أهل الرأي المكلفون للناس بما لم يكلفهم الله به. وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق اختيار المقلد لآراء الرجال مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم ووجود آلة الفهم لديهم وملكة العقل عندهم.

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)

29

(قل أمر ربي بالقسط) أي العدل وبه قال مجاهد والسدي، وفيه أن الله سبحانه يأمر بالعدل لا كما زعموه من أن الله أمرهم بالفحشاء وقيل القسط هنا هو لا إله إلا الله قاله ابن عباس، وقيل في الكلام حذف أي قل أمر ربي بالقسط فأطيعوه. (وأقيموا) عطف على المحذوف المقدر وقيل عطف على معنى بالقسط (وجوهكم عند كل مسجد) أي توجهوا إليه في صلاتكم إلى القبلة في أي مسجد كنتم أو اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها في كل وقت سجود، أو في كل مكان سجود على أن المراد بالسجود الصلاة قال مجاهد إلى الكعبة حيث صليتم في كنيسة أو غيرها وقيل اجعلوا سجودكم لله خالصاً، وقيل غير ذلك والأول أولى. (وادعوه مخلصين له الدين) أي اعبدوه حال كونكم مخلصين الدعاء أو العبادة له لا لغيره وقيل وحدوه ولا تشركوا به (كما بدأكم تعودون) قال السمين تقديره تعودون عوداً مثل ما بدأكم وقيل تقديره تخرجون خروجاً مثل ما بدأكم ذكرهما مكي، والأول أليق بلفظ الآية الكريمة. قال الزجاج: كما أنشأكم في ابتداء الخلق وأوجدكم بعد العدم كذلك يعيدكم فالتشبيه في نفس الإحياء والخلق لا في الكيفية والترتيب، فيكون المقصود الاحتجاج على منكري البعث فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

وقيل كما أخرجكم من بطون أمهاتكم تعودون إليه كذلك ليس معكم شيء فيكون مثل قوله تعالى (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) وقيل كما بدأكم من تراب تعودون إلى التراب وقال مجاهد تعودون أي شقي وسعيد. وقال ابن عباس: إن الله بدأ خلق بني آدم مؤمناً وكافراً كما قال (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن) ثم يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمناً وكافراً، وعن جابر قال: يبعثون على ما كانوا عليه، المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه، وقال الحسن ومجاهد: المعنى كما خلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئاً فأحياكم ثم يميتكم كذلك تعودون أحياء يوم القيامة. ويدل له ما روى عن ابن عباس: قال قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بموعظة فقال: " أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله عز وجل حفاة عراة غرلاً كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين " أخرجه البخاري ومسلم (¬1). ¬

(¬1) مسلم 2860 - البخاري 1585.

30

(فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة) أي تعودون فريقين سعداء وأشقياء، وفي القاموس الفرقة بالكسر الطائفة من الناس. والجمع فرق. والفريق كالأمير أكثر منها والجمع أفرقاء وأفرقة وفروق، والفريق الذي هداه الله هم المؤمنون بالله المتبعون لأنبيائه، والفريق الذي حقت عليه الضلالة هم الكفار. عن جابر أنه ذكر القدرية فقال: قاتلهم الله أليس قد قال الله سبحانه (فريقاً هدى) الآية وفيه دليل على أن الهدى والضلالة من الله، وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله

خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل " (¬1) أخرجه الترمذي. (إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله) تعليل لقوله وفريقاً حق عليهم الضلالة أي ذلك بسبب أنهم أطاعوا الشياطين في معصية الله. (و) مع هذا فإنهم (يحسبون أنهم مهتدون) ولم يعترفوا على أنفسهم بالضلالة، وهذا أشد في تمردهم وعنادهم. والآية حجة على أهل الاعتزال في كون الهداية والإضلال إلى الله ذي الجلال، وفيه دليل أيضاً على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق، والجاحد والمعاند في الكفر سواء، ودلت هذه الآية على أن مجرد الظن والحسبان لا يكفي في صحة الدين بل لا بد من الجزم والقطع، لأنه تعالى ذم الكفار بأنهم يحسبون كونهم مهتدين، ولولا أن هذا الحسبان مذموم لما ذمهم بذلك. ودلت أيضاً على أن كل من شرع في باطل فهو مستحق للذم سواء حسب كونه هدى أو لم يحسب ذلك قاله الكرخي. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1760. وأخرجه الآجري في الشريعة/175 وابن حبان 1812 والحاكم 1/ 30 وأحمد 2/ 176 و 167 من طرق أخرى والترمذي 2/ 107 كذلك وله طرق أخرى عن ابن الديلمي.

31

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) هذا خطاب لجميع بني آدم وإن كان وارداً على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والزينة ما يتزين به الناس من الملبوس، أمروا بالتزيين عند الحضور إلى المساجد للصلاة والطواف. وقد استدل بالآية على وجوب ستر العورة في الصلاة وإليه ذهب جمهور أهل العلم بل سترها واجب في كل حال من الأحوال وإن كان الرجل خالياً كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة قال ابن عباس: إن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله فنزلت هذه الآية وعنه قال: كان الرجال يطوفون بالبيت عراة فأمرهم الله بالزينة والزينة اللباس وما يواري السوأة وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع قال مجاهد: ما يواري عوراتكم ولو عباءة؛ وقيل الزينة المشط والطيب فيستحب التزين والتعطر كما يجب التستر والتطهر والأول أولى. وأخرج ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " خذوا زينة الصلاة قالوا وما زينة الصلاة؟ قال البسوا نعالكم فصلوا فيها "، وأخرج العقيلي وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله خذوا زينتكم عند كل مسجد قال: " صلوا في نعالكم ". والأحاديث في مشروعية الصلاة في النعل كثيرة جداً، وأما كون ذلك هو تفسير الآية كما روى في هذين الحديثين فلا أدري كيف إسنادهما، وقد ورد النهي عن أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وهو في

الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة. (وكلوا واشربوا) ما شئتم (ولا تسرفوا) أي بتحريم الحلال أو بالتعدي إلى الحرام أو بالإفراط في الطعام، أمر الله سبحانه عباده بالأكل والشرب ونهاهم عن الإسراف فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب، وتاركه بالمرة قاتل لنفسه، وهو من أهل النار كما صح في الأحاديث الصحيحة والمقل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه من طاعة أو سعي على نفسه وعلى من يعول، مخالف لما أمر الله به وأرشد إليه، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه والتبذير، مخالف لما شرعه الله لعباده واقع في النهي القرآني. وهكذا من حرم حلالاً أو حلل حراماً فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين ومن الإسراف الأكل لا لحاجة وفي وقت شبع، قال ابن عباس: أحل الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً أو مخيلة قال علي بن الحسين بن واقد، قد جمع الله الطب كله في نصف آية يعني هذه الآية، وفيه دليل على أن جميع المطعومات والمشروبات حلال إلا ما خصه الشرع بدليل في التحريم، لأن الأصل في جميع الأشياء الإباحة إلا مما حظره الشارع، وثبت تحريمه بدليل منفصل. (إنه لا يحب المسرفين) في الطعام والشراب واللباس، وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن ماجه وابن مردويه والبيهقي في الشعب من طريق عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا في غير مخيلة ولا سرف، فإن الله سبحانه يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (¬1). وفي الآية وعيد وتهديد لمن أسرف في هذه الأشياء لأن محبة الله عبارة عن رضاه عن العبد وإيصال الثواب إليه، وإذا لم يحبه علم أنه ليس براض عنه فدلت الآية على الوعيد الشديد في الإسراف في المأكول والمشروب والملبوس، وما أحق بهذا الوعيد أهل الدول من الفساق والفجار. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4381.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)

32

(قل) إنكاراً على هؤلاء الجهلة من العرب الذين يطوفون بالبيت عراة والذين يحرمون على أنفسهم في أيام الحج اللحم والدسم (من حرم زينة الله) الزينة ما يتزين به الإنسان من ملبوس أو غيره من الأشياء المباحة كالمعادن التي لم يرد نهي عن التزين بها والجواهر ونحوها وقيل الملبوس خاصة، ولا وجه له. بل هو من جملة ما تشمله الآية. فلا حرج على من لبس الثياب الجيدة الغالية القيمة إذا لم تكن مما حرمه الله ولا حرج على من تزين بشيء من الأشياء التي لها مدخل في الزينة ولم يمنع منها مانع شرعي، ومن زعم أن ذلك يخالف الزهد فقد غلط غلطاً بيناً وقد قدمنا في هذا ما يكفي. قال الرازي: إنه يتناول جميع الزينة فيدخل تحته جميع أنواع الملبوس والحلى، ولولا أن النص ورد بتحريم استعمال الذهب والحرير على الرجال لدخلا في هذا العموم. (التي أخرج لعباده) أي أصلها يعني القطن والكتان من الأرض والقز من الدود، واللحاء من الشجر، والحرير والصوف من الحيوان والدروع والجواهر من المعادن، قال ابن عباس: كانت قريش تطوف بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون فأنزل الله هذه الآية وأمروا بالثياب أن يلبسوها. (والطيبات من الرزق) أي وهكذا الطيبات المستلذات من المطاعم

والمشارب والمآكل ونحوها مما يأكله الناس، فإنه لا زهد في ترك الطيب منها، ولهذا جاءت الآية هذه معنونة بالاستفهام المتضمن للإنكار على من حرم ذلك على نفسه أو حرمه على غيره. وما أحسن ما قال ابن جرير الطبري: ولقد أخطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان مع وجود السبيل إليه من حله، ومن أكل البقول والعدس واختاره على خبز البر، ومن ترك أكل اللحم خوفاً من عارض الشهوة. وقد قدمنا نقل مثل هذا عنه مطولاً، والطيبات المستلذات من الطعام، وقال ابن عباس: الودك واللحم والسمن، وقيل اللحم والدسم الذي كانوا يحرمونه على أنفسهم أيام الحج يعظمون بذلك حجهم، فرد الله عليهم بقوله هذا، وقال قتادة: المراد ما كان أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب. وقيل إن الآية على العموم فيدخل تحته كل ما يستلذ ويشتهي من سائر المطعومات إلا ما نهى عنه وورد النص بتحريمه، وهو الحق كما تقدم، وقيل هو اسم عام لما طاب كسباً ومطعماً قال أبو السعود: وفيه دليل على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواع التجملات الإباحة لأن الاستفهام في (من) إنكاري انتهى ونحوه في البيضاوي. (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) أي: إنها لهم بالأصالة والاستحقاق وإن شاركهم الكفار فيها ما داموا في الحياة (خالصة يوم القيامة) أي مختصة بهم والتقدير قل هي للذين آمنوا غير خالصة في الحياة الدنيا خالصة للمؤمنين يوم القيامة فهي لهم أصالة وللكفار تبعاً لقوله (ومن كفر فأمتعه قليلاً ثم أضطره إلى عذاب النار). قال ابن عباس في الآية: يعني شارك المسلمون الكفار في الطيبات في

الحياة الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامها ولبسوا من جياد ثيابها، ونكحوا من صالحي نسائهم، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء، وقيل خالصة من التكدير والتنغيص والغم لأنه قد يقع لهم ذلك في الدنيا والأول أولى. (كذلك) أي مثل هذا التفضل والتبيين (نفصل الآيات) المشتملة على التحليل والتحريم (لقوم يعلمون) أني أنا الله وحدي لا شريك لي فأحلوا حلالي وحرموا حرامي.

33

(قل) للمشركين الذين يتجردون من ثيابهم في الطواف والذين يحرمون أكل الطيبات إن الله لم يحرم ما تحرمونه بل أحله و (إنما حرم ربي الفواحش) من الأفعال والأقوال جمع فاحشة أي كل معصية وقد تقدم تفسيرها (ما ظهر منها وما بطن) أي ما أعلن منها وما أسر، يعني جهرها وسرها، وقيل هي خاصة بفواحش الزنا، ولا وجه لذلك، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " قال لا أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه "، أخرجه البخاري ومسلم (¬1). (والإثم) هو يتناول كل معصية يتسبي عنها الإثم، وهو عطف عام على خاص لمزيد الاعتناء بها، وقيل هو الخمر خاصة، وقد أنكره جماعة من أهل العلم، قال النحاس: فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك وحقيقته أنه جميع المعاصي. ¬

(¬1) رواه مسلم/2760 وله برواية أخرى. ليس أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك مدح نفسه وليس أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش (ما ظهر منها وما بطن) وليس أحد أحب إليه العذر من الله. ورواه البخاري 2003.

قال الفراء: الإثم ما دون الحق والاستطالة على الناس انتهى، وليس في إطلاق الإثم على الخمر ما يدل على اختصاصه به فهو أحد المعاني التي يصدق عليها قال في الصحاح وقد سمي الخمر إثماً وقال الحسن وعطاء: الإثم من أسماء الخمر، وقال ابن سيده صاحب المحكم: وعندي أن تسمية الخمر بالإثم صحيح لأن شربها إثم، وأنكر أبو بكر بن الأنباري تسمية الخمر بالإثم قال: لأن العرب ما سمته إثماً قط في جاهلية ولا إسلام ولكن قد يكون الخمر داخلاً تحت الإثم لقوله: (قل فيهما إثم كبير). وقيل: الإثم صغائر الذنوب والفواحش كبائرها وقيل الإثم اسم لما لا يجب فيه الحد والفاحشة ما يجب فيه الحد من الذنوب، وهذا القول قريب من الأول وقيل الإثم في أصل اللغة الذنب فيدخل فيه الكبائر والصغائر، وقيل الفاحشة الكبيرة والإثم مطلق الذنب كبيراً كان أو صغيراً، وأولى هذه الأقوال أولها. (والبغي بغير الحق) أي الظلم المجاوز للحد والاستطالة على الناس، وأفرده بالذكر بعد دخوله فيما قبله لكونه ذنباً عظيماً كقوله (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) وإذا طلب ماله بالحق خرج من أن يكون بغير الحق. (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً) أي وأن تجعلوا لله شريكاً لم ينزل عليكم به حجة وتسووا به في العبادة والمراد التهكم بالمشركين لأن الله لا ينزل برهاناً بأن يكون غيره شريكاً له (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) بحقيقته وأن الله قاله، وهذا مثل ما كانوا ينسبون إلى الله سبحانه من التحليلات أو التحريمات التي لم يأذن بها.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)

34

(ولكل أمة) من الأمم المهلكة (أجل) أي وقت معين محدود ينزل فيه عذابهم من الله أو يميتهم فيه، ويجوز أن تحمل الآية على ما هو أعم من الأمرين جميعاً. (فإذا جاء أجلهم) أى إذا جاء أجل كل أمة من الأمم كان ما قدره عليهم واقعاً في ذلك الأجل، قيل المراد بالأجل وقت نزول العذاب، وقيل أجل الحياة والعمر، وعلى هذا لكل واحد أجل لا ينفع فيه تقديم ولا تأخير، والأجل يطلق على كل من مدة العمر بتمامها وعلى الجزء الأخير منها وأجل الشيء مدته ووقته الذي يحل فيه، وهو مصدر أجل الشيء أجلاً من باب تعب وأجل أجولاً من باب قعد لغة وأجلته تأجيلاً جعلت له أجلاً، والآجال جمع أجل مثل سبب وأسباب. (لا يستأخرون ساعة) خص الساعة بالذكر لأنها أقل أسماء الأوقات في العرف وقد استدل بالآية الجمهور على أن كل ميت يموت بأجله وإن كان موته بالقتل أو التردي أو نحو ذلك، والبحث في ذلك طويل جداً. ومثل هذه الآية قوله تعالى (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) وكان الحسن يقول: ما أحمق هؤلاء القوم يقولون اللهم أطل عمره والله يقول (فإذا جاء أجلهم) الآية. عن ابن السيب قال: لما طعن عمر قال كعب لو دعا الله لأخر في أجله، فقيل له أليس قد قال الله فإذا جاء أجلهم الآية فقال كعب وقد قال الله وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب.

(ولا يستقدمون) مستأنف معناه الإخبار بأنهم لا يسبقون أجلهم المضروب لهم بل لا بد من استيفائهم إياه كما إنهم لا يتأخرون عنه أقل زمان، وقال الحوفي وغيره إنه معطوف على (لا يستأخرون) وهذا لا يجوز وقال الواحدي، المعنى لا يستأخرون عن آجالهم إذا انقضت ولا يستقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء. قلت هذا بناء منه على أنه معطوف على (لا يستأخرون) وهو ظاهر أقوال المفسرين وبالأول قال التفتازاني والكرخي، وقال أبو السعود: معطوف على الجواب لكن لا لبيان انتفاء التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر بل للمبالغة في انتفاء التأخر بنظمه في سلك المستحيل عقلاً. وقال القاري: حاصل كلام القاضي أن هذا بمنزلة المثل أي لا يقصد من مجموع الكلام إلا أن الوقت تقرر لا يتغير ولا يتبدل انتهى. أقول قد طال الكلام من أهل العلم على ما يظهر في بادئ الرأي من التعارض بين هذه الآيات الشريفة وهي قوله تعالى (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) وقوله تعالى (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) فقيل إنها معارضة لقوله عز وجل (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب) وقوله سبحانه (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) وقوله سبحانه (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده). فذهب الجمهور إلى أن العمر لا يزيد ولا ينقص استدلالاً بالآيات المتقدمة وبالأحاديث الصحيحة كحديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن أحدكم يجمع خلقه في أربعين يوماً ثم يكون علقة ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكاً ويؤمر بأربع كلمات، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد " وهو في الصحيحين وغيرهما وما ورد

في معناه من الأحاديث الصحيحة (¬1). وأجابوا عن قوله عز وجل (يمحو الله ما يشاء ويثبت) بأن المعنى يمحو ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، وجملة الناسخ والمنسوخ عنده في أم الكتاب. ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية بغير مخصص. وأيضاً يقال لهم: إن القلم قد جرى بما هو كائن إلى يوم القيامة كما في الأحاديث الصحيحة ومن جملة ذلك الشرائع والفرائض فهي مثل العمر إذا جاز فيها المحو والإثبات جاز في العمر المحو والإثبات. وقيل المراد بالآية محو ما في ديوان الحفظة مما ليس بحسنة ولا سيئة لأنهم مأمورون بكتب كل ما ينطق به الإنسان، ويجاب عنه بمثل الجواب الأول. وقيل يغفر الله ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفر، ويجاب عنه بمثل الجواب السابق. وقيل يمحو ما يشاء من القرون كقوله (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون) وكقوله تعالى (ثم أنشأنا من بعدهم قرنآ آخرين) فنمحو قرناً ونثبت قرناً، ويجاب عنه أيضاً بمثل ما تقدم. وقيل هو الذي يعمل بطاعة الله ثم يعمل بمعصية الله ثم يتوب فيمحوه الله من ديوان السيئات ويثبته في ديوان الحسنات. وقيل يمحو ما يشاء يعني الدنيا ويثبت الآخرة، وقيل غير ذلك وكل هذه الأجوبة دعاوى مجردة ولا شك أن آية المحو والإثبات عامة لكل ما يشاءه الله سبحانه فلا يجوز تخصيصها إلا بمخصص، وإلا كان ذلك من التقول على الله عز وجل بما لم يقل، وقد توعد الله تعالى على ذلك وقرنه بالشرك فقال (قل إنما ¬

(¬1) مسلم 2643 - البخاري 1514.

حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون). وأجابوا عن قوله تعالى (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب) بأن المراد بالمعمر الطويل العمر والمراد بالناقص القصير العمر، وفي هذا نظر لأن الضمير في قوله (ولا ينقص من عمره) يعود إلى قوله (من معمر) والمعنى على هذا وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمر ذلك المعمر إلا في كتاب، هذا ظاهر معنى النظم القرآني. وأما التأويل المذكور فإنما يتم على إرجاع الضمير المذكور إلى غير ما هو المرجع في الآية وذلك لا وجود له في النظم. وقيل: إن معنى ما يعمر من معمر ما يستقبله من عمره ومعنى لا ينقص من عمره ما قد مضى، وهذا أيضاً خلاف الظاهر لأن هذا ليس بنقص من نفس العمر والنقص يقابل الزيادة وههنا جعله مقابلاً للبقية من العمر، وليس ذلك بصحيح. وقيل المعنى (وما يعمر من معمر) من بلغ سن الهرم ولا ينقص من عمره أي من عمر آخر غير هذا الذي بلغ سن الهرم عن عمر هذا الذي بلغ سن الهرم ويجاب عنه بما تقدم. وقيل المعمر من يبلغ عمره ستين سنة والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين، وقيل غير ذلك من التأويلات التي يردها اللفظ ويدفعها. وأجابوا عن قوله سبحانه (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) بأن المراد بالأجل الأول النوم والثاني الوفاة، وقيل الأول ما قد انقضى عن عمر كل أحد والثاني ما بقي من عمر كل أحد، وقيل الأول أجل الموت والثاني ما بين موته إلى بعثته، وقيل غير ذلك مما فيه مخالفة للنظم القرآني. وقال جمع من أهل العلم: إن العمر يزيد وينقص واستدلوا بالآيات

المتقدمة فإن المحو والإثبات عامان يتناولان العمر والرزق والسعادة والشقاوة وغير ذلك وقد ثبت عن جماعة من السلف والصحابة ومن بعدهم أنهم كانوا يقولون في أدعيتهم اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني منهم، وإن كنت كتبتني من أهل الشقاوة فأمحني وأثبتني في أهل السعادة، ولم يأت القائلون بمنع زيادة العمر ونقصانه ونحو ذلك بما يخصص هذا العموم. وهكذا يدل على هذا المعنى الآية الثانية فإن معناها أنه لا يطول عمر الإنسان ولا ينقص إلا وهو في كتاب أي في اللوح المحفوظ، وهكذا يدل قوله تعالى (ثم قضى أجلاً وأجل مسمى عنده) أن للإنسان أجلين يقضي الله سبحانه بما يشاء منهما من زيادة أو نقص. ويدل على ذلك أيضاً ما في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من الصحابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن صلة الرحم تزيد في العمر، وفي لفظ في الصحيحين: " من أحب أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " (¬1) وفي لفظ " من أحب أن يمد الله في عمره وأجله ويبسط له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه " (1). وفي لفظ صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار. ومن أعظم الأدلة ما ورد في الكتاب العزيز من الأمر للعباد بالدعاء كقوله عز وجل (أدعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) وقوله (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) وقوله (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) وقوله (واسألوا الله من فضله) والأحاديث المشتملة على الأمر بالدعاء متواترة وفيها أن الدعاء يدفع البلاء ويرد القضاء كما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه قال " اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء ¬

(¬1) مسلم 2558.

وشماتة الأعداء " (¬1). وثبت في حديث قنوت الموتر أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: " وقني شر ما قضيت " (¬2)، فلو كان الدعاء لا يفيد شيئاً وأنه ليس للإنسان إلا ما قد سبق في القضاء الأزلي لكان أمره عز وجل لغواً لا فائدة فيه، وكذلك وعده بالإجابة للعباد الداعين له، وهكذا يكون ما ثبت في الأحاديث المتواترة المشتملة على الأمر بالدعاء وأنه عبادة لغواً لا فائدة فيه. وهكذا يكون إستعاذته صلى الله عليه وسلم من سوء القضاء لغواً لا فائدة فيه، وهكذا يكون قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " وقني شر ما قضيت " (2) لغواً لا فائدة فيه. وهكذا يكون أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالتداوي وأن الله سبحانه ما أنزل من داء إلا وجعل له دواء لغواً لا فائدة فيه مع ثبوت الأمر بالتداوي في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم -. فإن قلت فعلام يحمل ما تقدم من الآيات القاضية بأن الأجل لا يتقدم ولا يتأخر. قلت قد أجاب عن ذلك بعض السلف وتبعه بعض الخلف بأن هذه الآية مختصة بالأجل إذا حضر فإنه لا يتقدم ولا يتأخر عند حضوره، ويؤيد هذا أنها مقيدة بذلك فإنه قال (إذا جاء أجلهم) ومثل هذا التقييد المذكور في هذه الآية قوله عز وجل (ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها) وقوله سبحانه (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر). فقد أمكن الجمع بحمل هذه الآيات على هذا المعنى، فإذا حضر الأجل لم يتأخر ولا يتقدم، وفي غير هذه الحالة يجوز أن يؤخره الله بالدعاء أو بصلة الرحم أو بفعل الخير، ويجوز أن يقدمه لمن عمل شراً أو قطع ما أمر الله به أن ¬

(¬1) مسلم 2707 - البخاري 2401. (¬2) أبو داود كتاب الوتر باب 5.

يوصل أو انتهك محارم الله سبحانه. فإن قلت فعلام يحمل قوله عز وجل (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها) وقوله سبحانه (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وكذلك سائر ما ورد في هذا المعنى. قلت هذه أولاً معارضة بمثلها وذلك قوله عزو وجل (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) ومثل ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح القدسي: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد شراً فلا يلومن إلا نفسه (¬1). وثانياً بإمكان الجمع بحمل مثل قوله (إلا في كتاب) وقوله (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) على عدم التسبيب من العبد بأسباب الخير من الدعاء وسائر أفعال الخير، وحمل ما ورد فيما يخالف ذلك على وقوع التسبيب بأسباب الخير الموجبة بحسن القضاء واندفاع شره، وعلى وقوع التسبيب بأسباب الشر المقتضية لإصابة المكروه ووقوعه على العبد. وهكذا يكون الجمع بين الأحاديث الواردة بسبق القضاء، وأنه قد فرغ من تقدير الأجل والرزق والسعادة والشقاوة، وبين الأحاديث الواردة في صلة الرحم بأنها تزيد في العمر، وكذلك سائر أعمال الخير وكذلك الدعاء، فيحمل أحاديث الفراغ من القضاء على عدم تسبب العبد بأسباب الخير والشر، وتحمل الأحاديث الآخرة على أنه قد وقع من العبد التسبيب بأسباب الخير من الدعاء والعمل الصالح وصلة الرحم أو التسبب بأسباب الشر. فإن قلت قد تقرر بالأدلة من الكتاب والسنة بأن عمله عز وجل أزلي وأنه قد سبق في كل شيء ولا يصح أن يقدر وقوع غير ما قد علمه، وإلا انقلب العلم جهلاً وذلك لا يجوز إجماعاً. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4221.

قلت: علمه عز وجل سابق أزلي وقد علم ما يكون قبل أن يكون، ولا خلاف بين أهل الحق من هذه الحيثية ولكنه غلا قوم فأبطلوا فائدة ما ثبت في الكتاب والسنة من الإرشاد إلى الدعاء وأنه يرد القضاء وما ورد من الاستعاذة منه - صلى الله عليه وسلم - من سوء القضاء، وما ورد من أنه يصاب العبد بذنبه وبما كسبت يده ونحو ذلك مما جاءت به الأدلة الصحيحة، وجعلوه مخالفاً لسبق العلم ورتبوا عليه أنه يلزم انقلاب العلم جهلاً. والأمر أوسع من هذا، والذي جاءنا بسبق العلم وأزليته هو الذي جاءنا بالأمر بالدعاء والأمر بالدواء وعرفنا بأن صلة الرحم تزيد في العمر، وأن الأعمال الصالحة تزيد فيه أيضاً وأن أعمال الشر تمحقه، وأن العبد يصاب بذنبه كما يصل إلى الخير ويندفع عنه الشر بكسب الخير والتلبس بأسبابه فأعمال بعض ما ورد في الكتاب والسنة وإهمال البعض الآخر ليس كما ينبغي، فإن الكل ثابت عن الله عز وجل وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم -، والكل شريعة واضحة وطريقة مستقيمة، والجمع ممكن بما لا إهمال فيه بشيء من الأدلة. وبيانه أن الله سبحانه كما علم أن العبد يكون له من العمر كذا أو من الرزق كذا أو هو من أهل السعادة أو الشقاوة، قد علم أنه إذا وصل رحمه زاد له في الأجل كذا أو بسط له من الرزق كذا أو صار من أهل السعادة بعد أن كان من أهل الشقاوة أو صار من أهل الشقاوة بعد أن كان من أهل السعادة، وهكذا قد علم ما يقتضيه للعبد كما علم أنه إذا دعاه واستغاث به والتجأ إليه صرف عنه الشر، ودفع عنه المكروه. وليس في ذلك خلف ولا مخالفة لسبق العلم بل فيه تقييد المسببات بأسبابها، كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء وقدر حصول الزرع بالبذر. فهل يقول عاقل بأن ربط هذه المسببات بأسبابها يقتضي خلاف العلم السابق أو ينافيه بوجه من الوجوه.

فلو قال قائل: أنا لا آكل ولا أشرب بل انتظر القضاء فإن قدر الله لي ذلك كان وإن لم يقدر لم يكن، أو قال قائل انا لا أزرع الزرع ولا أغرس الشجر وأنتظر القضاء، فإن قدر الله ذلك كان وإن لم يقدره لم يكن، أو قال قائل: أنا لا أجامع زوجتي أو أمتي لتحصل لي منهما الذرية بل إن قدر الله كان وإن لم يقدره لم يكن. لكان هذا مخالفاً لما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما جاءت به كتبه وما كان عليه صلحاء الأمة وعلماؤها، بل يكون مخالفاً لما عليه هذا النوع الإنساني من أبينا آدم إلى الآن، بل مخالفاً لما عليه جميع أنواع الحيوانات في البر والبحر. فكيف ينكر وصول العبد إلى الخير بدعائه أو بعمله الصالح فإن هذا من الأسباب التي ربط الله مسبباتها بها وعلمها قبل أن تكون، فعلمه على كل تقدير أزلي في المسببات والأسباب، ولا يشك من له اطلاع على كتاب الله عز وجل ما اشتمل عليه من ترتيب حصول المسببات على أسبابها كما في قوله: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيآتكم) وقوله (فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً يرسل السماء عليكم مدراراً ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً) وقوله (لئن شكرتم لأزيدنكم) وقوله (واتقوا الله ويعلمكم الله) وقوله (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون). وكم يعد العاد من أمثال هذه الآيات القرآنية وما ورد موردها من الأحاديث النبوية وهل ينكر هؤلاء الغلاة مثل هذا ويجعلونه مخالفاً لسبق العلم مبايناً لأزليته، فإن قالوا: نعم فقد أنكروا ما في كتاب الله عز وجل من فاتحته إلى خاتمته، وما في السنة المطهرة من أولها إلى آخرها بل أنكروا أحكام الدنيا والآخرة لأنها كلها مسببات مترتبة على أسبابها وجزاآت معلقة بشروطها ومن بلغ إلى هذا الحد في الغباوة وعدم تعقل الحجة لم يستحق المناظرة ولا ينبغي

معه الكلام فيما يتعلق بالدين بل ينبغي إلزامه بإهمال أسباب ما فيه صلاح معاشه وأمر دنياه حتى ينتعش من غفلته ويستيقظ من نومته ويرجع عن ضلالته وجهالته، والهداية تبري الحول والقوة ولا خير إلا خيره. ثم يقال لهم هذه الأدعية الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دواوين الإسلام وما يلتحق بها من كتب السنة المطهرة قد علم كل من له علم أنها كثيرة جداً بحيث لا يحيط بأكثرها إلا مؤلف بسيط ومصنف حافل، وفيها تارة استجلاب الخير وفي أخرى استدفاع الشر وتارة متعلقة بأمور الدنيا وتارة بأمور الآخرة ومن ذلك تعليمه - صلى الله عليه وسلم - لأمته ما يدعون به في صلاتهم وعقب صلاتهم وفي صيامهم وفي ليلهم ونهارهم، وعند نزول الشدائد بهم وعند وصول نعم الله إليهم. هل كان هذا كله منه - صلى الله عليه وسلم - لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير جالبة لما فيه مصلحة دافعة لما فيه مفسدة، فإن قالوا: نعم قلنا لهم فحينئذ لا خلاف بيننا وبينكم فإن هذا الاعتراف يدفع عنا وعنكم معرة الإختلاف، ويريحنا ويريحكم من التطويل بالكلام على ما أردتموه وأردناه. وإن قالوا: ليس ذلك لفائدة عائدة عليه وعلى أمته بالخير جالبة لما فيه مصلحة دافعة لما فيه مفسدة، فهم أجهل من دوابهم وليس للمحاجة لهم فائدة ولا في المناظرة معهم نفع. يا عجباً كل العجب، أما بلغهم ما كان عليه أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أول نبوته إلى أن قبضه الله من الدعاء لربه والإلحاح عليه ورفع يديه عند الدعاء حتى يبدو بياض إبطيه وحتى يسقط رداؤه كما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - في يوم بدر، فهل يقول عاقل فضلاً عن عالم أن هذا الدعاء منه فعله - صلى الله عليه وسلم - وهو يعلم أنه لا فائدة فيه، وأنه قد سبق العلم بما هو كائن وأن هذا السبق يرفع فائدة ذلك

ويقتضي عدم النفع به. ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - أعلم بربه وبقضائه وقدره وبأزليته وسبق علمه بما يكون في بريته، فلو كان الدعاء منه ومن أمته لا يفيد شيئاً ولا ينفع نفعاً لم يفعله ولا أرشد إليه الناس وأمرهم به، فإن ذلك نوع من العبث الذي تنزه عنه كل عاقل فضلاً عن خير البشر وسيد ولد آدم. ثم يقال لهم إذا كان القضاء دافعاً لا محالة وأنه لا يدفعه شيء من الدعاء والالتجاء والإلحاح والاستعانة فكيف لم يتأدب - صلى الله عليه وسلم - مع ربه، فإنه قد صح عنه أنه استعاذ بالله سبحانه من سوء القضاء كما عرفناك وقال: " وقني شر ما قضيت "، فكيف يقول هؤلاء الغلاة في الجواب عن هذا وعلى أي محمل يحملونه؟ ثم ليت شعري علام يحملون أمره سبحانه وتعالى لعباده بدعائه بقوله (ادعوني استجب لكم) ثم عقب ذلك بقوله (إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) أي عن دعائي كما صرح بذلك أئمة التفسير. فكيف يأمر عباده بالدعاء أولاً ثم يجعل تركه استكباراً منهم، ثم يرغبهم إلى الدعاء ويخبرهم أنه قريب من الداعي مجيب لدعوته بقوله (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) ثم يقول معنوناً لكلامه الكريم بحرف يدل على الاستفهام الإنكاري والتقريع والتوبيخ (أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء) ثم يأمرهم بسؤاله من فضله بقوله: (واسألوا الله من فضله). فإن قالوا إن هذا الدعاء الذي أمرنا الله به وأرشدنا إليه وجعل تركه استكباراً وتوعد عليه بدخول النار مع الذل ورغب عباده إلى دعائه وعرفهم أنه

قريب وأنه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وأنكر عليهم أن يعتقدوا أن غيره يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ما نزل به من السوء، وأمرهم أن يسألوه من فضله ويطلبوا ما عنده من الخير. أن كل ذلك لا فائدة فيه للعبد وأنه لا ينال إلا ما قد جرى به القضاء وسبق به العلم، فقد نسبوا إلى الرب عز وجل ما لا يجوز عليه ولا تحل نسبته إليه، فإنه لا يأمر العبد إلا بما فيه فائدة يعتد بها ولا يرغبه إلا فيما يحصل له به الخير ولا يرهبه إلا عما يكون به عليه الضير ولا يعده إلا بما هو حق يترتب عليه فائدة فهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد ولا يأمرهم بسؤاله من فضله إلا وهناك فائدة تحصل بالدعاء ويكون سببه التفضل عليهم ورفع ما هم فيه من الضر وكشف ما حل بهم من السوء. هذا معلوم لا يشك فيه، إلا من لا يعقل حجج الله ولا يفهم كلامه ولا يدري بخير ولا شر، ولا نفع ولا ضر. ومن بلغ به الجهل إلى هذه الغاية فهو حقيق بأن لا يخاطب، وقمين بأن لا يناظر، فإن هذا المسكين المنخبط في جهله المتقلب في ضلاله قد وقع فيما هو أعظم خطراً من هذا وأكثر ضرراً منه، وذلك بأن يقال له إذا كان دعاء الكفار إلى الإسلام ومقاتلتهم على الكفر وغزوهم إلى مقر ديارهم لا يأتي بفائدة ولا يعود على القائمين به من الرسل وأتباعهم وسائر المجاهدين من العباد بفائدة، وأنه ليس هناك إلا ما قد سبق من علم الله عز وجل وأنه سيدخل في الإسلام ويهتدي إلى الدين من قد علم سبحانه منه ذلك سواء قوتل أو لم يقاتل وسواء دعى إلى الحق أو لم يدع إليه. كانا هذا القتال الصادر من رسل الله وأتباعهم ضائعاً ليس فيه إلا تحصيل الحاصل وتكوين ما هو كائن فعلوا أو تركوا وحينئذ يكون الأمر بذلك

عبثاً، تعالى الله عز وجل عن ذلك. وهكذا ما شرعه الله لعباده من الشرائع على لسان أنبيائه وأنزل بها كتبه يقال مثل هذا فإنه إذا كان ما قد حصل في سابق علمه عز وجل كائناً سواء بعث الله إلى عباده رسله وأنزل إليهم كتبه أو لم يفعل ذلك كان عبثاً يتعالى الرب سبحانه ويتنزه عن أن ينسب إليه. فإن قالوا: إن الله سبحانه قد سبق علمه بكل ذلك ولكنه قيده وشرطه بشروط وعلقه بأسباب فعلم مثلاً أن الكافر يسلم ويدخل في الدين بعد دعائه إلى الإسلام أو مقاتلته على ذلك، وأن العباد يعمل منهم من يعمل بما تعبدهم الله به بعد بعثة رسله إليهم وإنزال كتبه عليهم. قلنا لهم: فعليكم أن تقولوا هكذا في الدعاء وفي أعمال الخير وفي صلة الرحم ولا نطلب منكم إلا هذا، ولا نريد منكم غيره وحينئذ قد دخلتم إلى الوفاق من طريق قريبة، فعلام هذا الجدال الطويل العريض واللجاج الكبير الكثير فأنا لا نقول إلا أن الله سبحانه قد علم في سابق علمه أن فلاناً يطول عمره إذا وصل رحمه. وأن فلاناً يحصل له من الخير كذا ويندفع عنه من الشر كذا إذا دعا ربه وأن هذه المسببات مترتبة على حصول أسبابها، وهذه المشروطات مقيدة بحصول شروطها. وحينئذ فارجعوا إلى ما قدمنا ذكره من الجمع بين ما تقدم من الأدلة واستريحوا من التعب، فإنه لم يبق بيننا وبينكم خلاف من هذه الحيثية، وقد كان الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وأبي وائل وعبد الله بن عمر يدعون الله عز وجل بأن يثبتهم في أهل السعادة إن كانوا قد كتبوا من أهل الشقاوة كما قدمنا، وهم أعلم بالله سبحانه وبما يجب له ويجوز عليه. وقال كعب الأحبار حين طعن عمر وحضرته الوفاة: والله لو دعا الله

عمر أن يؤخر أجله لأخره فقيل له إن ربه عز وجل يقول (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) فقال هذا إذا حضر الأجل فأما قبل ذلك فيجوز أن يزاد وينقص، وقرأ قوله تعالى (وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب). ثم قد علمنا من أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم سيما الصالحين منهم أنهم يدعون الله عز وجل فيستجيب لهم ويحصل لهم ما طلبوه من المطالب المختلفة بعد أن كانوا فاقدين لها، ومنهم من يدعو لمريض قد أشرف على الموت بأن يشفيه الله فيعافى في الحال، ومنهم من يدعو على فاجر بأن يهلكه الله فيهلك في الحال. ومن شك في شيء من هذا فليطالع الكتب الصحيحة في أخبار الصالحين كحلية أبي نعيم وصفوة الصفوة لابن الجوزي، ورسالة القشيري فإنه يجد من هذا القبيل ما ينشرح له صدره ويثلج به قلبه، بل لكل إنسان إذا حقق حال نفسه ونظر في دعائه لربه عند عروض الشدائد وإجابته له وتفريجه عنه ما يغنيه عن البحث عن حال غيره إذا كان من المعتبرين المفكرين. وهذا نبي الله المسيح عيسى بن مريم عليه السلام كان يحيي الموتى بإذن الله ويشفي المرضى بدعائه، وهذا معلوم عنه حسبما أخبرنا الله سبحانه في كتابه الكريم، وفي الإنجيل من القصص المتضمنة لإحياء الموتى منه وشفاء المرضى بدعائه ما يعرفه من اطلع عليه. وبالجملة فهؤلاء الغلاة الذين قالوا إنه لا يقع من الله عز وجل إلا ما قد سبق به القلم وأن ذلك لا يتحول ولا يتبدل ولا يؤثر فيه دعاء ولا عمل صالح، قد خالفوا ما قدمنا من آيات الكتاب العزيز ومن الأحاديث النبوية الصحيحة من غير ملجئ إلى ذلك، فقد أمكن الجمع بما قدمناه وهو متعين،

وتقديم الجمع على الترجيح متفق عليه، وهو الحق. وقد قابل هؤلاء بضد قولهم القدرية وهم معبد الجهني وأصحابه فإنهم قالوا: إن الأمر أنف أي مستأنف وقالوا: إن الله لا يعلم بالجزئيات إلا عند وقوعها تعالى الله عن ذلك، وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وإجماع المسلمين. وقد تبرأ من مقالة معبد هذه وأصحابه من أدركهم من الصحابة منهم ابن عمر كما ثبت ذلك في الصحيح وقد غلط من ينسب مقالتهم هذه إلى المعتزلة فإنه لم يقل بها أحد منهم قط وكتبهم مصرحة بهذا ناطقة به، ولا حاجة لنا إلى نقل مقالات الرجال فقد قدمنا من أدلة الكتاب والسنة والجمع بينهما ما يكفي المنصف ويريحه من الأبحاث الطويلة العريضة الواقعة في هذه المسألة، ومن الإلزامات التي ألزم بها بعض القائلين البعض الآخر، ودين الله سبحانه بين المفرط والغالي وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق.

35

(يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي) " إن " هي الشرطية وما زائدة للتوكيد، والقصص قد تقدم معناه والمعنى إن أتاكم رسل كائنون منكم ومن جنسكم يخبرونكم بأحكامي ويبينونها لكم، وقيل المراد بالرسل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذكره بلفظ الجمع للتعظيم، والخطاب لأهل مكة ومن يلحق بهم، وقيل أراد جميع الرسل، والخطاب عام في كل بني آدم وهو ظاهر الآية. (فمن اتقى) الشرك ومعاصي الله (وأصلح) حال نفسه باتباع الرسل وإجابتهم (فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) يوم القيامة وقد تقدم تفسيره مراراً.

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)

36

(والذين كذبوا بآياتنا) التي يقصها عليهم رسلنا (واستكبروا عنها) أي عن إجابتها والعمل بما فيها في (أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لا يخرجون منها أبداً بسبب كفرهم بتكذيب الآيات والرسل.

37

(فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً) أي من أعظم ظلماً ممن يقول على الله ما لم يقله أو يجعل له شريكاً من خلقه وهو منزه عنه (أو كذب بآياته) أي بالقرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -. (أولئك) الإشارة إلى المكذبين المستكبرين (ينالهم نصيبهم من الكتاب) أي مما كتب الله لهم من خير وشر، وقيل ينالهم من العذاب بقدر كفرهم، وقيل نصيبهم من الشقاوة والسعادة. وقال مجاهد: ما سبق من الكتاب،، وقال محمد بن كعب: رزقه وأجله وعمله وصححه الطبري، وقال الرازي: وإنما حصل الاختلاف لأن لفظ النصيب محتمل لكل الوجوه، وقيل: الكتاب هنا القرآن لأن عذاب الكفار مذكور فيه، وقيل هو اللوح المحفوظ (¬1). ¬

(¬1) وذكر القرطبي عن الحسن بن علي الحلواني قال أملى عليّ علي بن المديني قال: سألت عبد الرحمن ابن مهدي عن القدر قال: كل شيء بقدر والطاعة والمعصية بقدر.

(حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم) أي إلى غاية هي هذه، والمراد بالرسل هنا ملك الموت وأعوانه أو الملائكة والموكلون بإدخالهم النار، ففي المقام قولان ذكرهما الخازن وقيل حتى هنا هي التي للابتداء ولكن لا يخفى أن كونها لابتداء الكلام بعدها لا ينافي كونها غاية لما قبلها. والاستفهام في قوله (قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله) للتقريع والتوبيخ لا سؤال استعلام أي أين الآلهة التي كنتم تدعونها من دون الله وتعبدونها ليدفعوا عنكم ما نزل بكم؟ وقيل: إن هذا يكون في الآخرة. (قالوا) استئنافية بتقدير سؤال وقعت هي جواباً عنه كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا (ضلوا عنا) أي ذهبوا عنا وغابوا فلا ندري أين هم. قال الكرخي: وهو جواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ. وذلك أن السؤال إنما وقع عن المكان، ولو جاء الجواب على نسق السؤال لقيل هم في المكان الفلاني، وإنما المعنى ما فعل معبودكم ومن كنتم تدعونه فأجابوا بأنهم ضلوا عنا وغابوا فلم نرهم مع شدة احتياجنا إليهم في هذا الوقت فلم ينفعونا وقت الاحتياج إليهم (وشهدوا على أنفسهم) عند الموت (أنهم كانوا كافرين) أي أقروا على أنفسهم بالكفر.

38

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم) القائل هو الله عز وجل، و " في " بمعنى مع أي مع أمم وقيل هي على بابها والمعنى ادخلوا في جملتهم وغمارهم وعدادهم، وقيل هو قول مالك خازن النار، والظاهر أن هذه الحال منتظرة إذ مصيرهم في غمار الأمم إنما هو بعد تمام الدخول، وذلك لأن الأمم المذكورة قد سبقتهم في الدخول فلا يصيرون في غمارها إلا بعد الدخول. والمراد بالأمم الخالية (من الجن والإنس) هم الكفار من الطائفتين من الأمم الماضية وأهل الملل (في النار) أي التي هي مستقركم ومأواكم (كلما دخلت أمة) من الأمم الماضية النار (لعنت أختها) أي الأمة الأخرى التي سبقتها إلى النار، وجعلت أختاً لها باعتبار الدين أو الضلالة أو الكون في النار. ْقال السدي: يلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، والنصارى النصارى، والصابئون الصابئين، والمجوس المجوس، تلعن الآخرة الأولى. (حتى إذا اداركوا فيها جميعاً) التدارك التلاحق والتتابع والاجتماع في النار (قالت أخراهم) دخولاً (لأولاهم) أي لأجلهم يعني قال آخر كل أمة لأولها واللام للتعليل ولا يجوز أن تكون للتبليغ. قال الزمخشري: لأن خطابهم مع الله لا معهم، وقد بسط القول قبله في ذلك الزجاج وقيل هي للتبليغ وخطابهم معهم بدليل قوله (فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون).

قال السدي: قالت أخراهم الذين كانوا في آخر الزمان لأولاهم الذين شرعوا لهم في ذلك الدين، وقيل أخراهم أي سفلتهم وأتباعهم لأولاهم لرؤسائهم وكبارهم قاله مقاتل وهذا أولى كما يدل عليه. (ربنا هؤلاء أضلونا) عن الهدى فإن المضلين هم الرؤساء، ويجوز أن يراد أنهم أضلوهم لأنهم اتبعوهم واقتدوا هم بدينهم من بعدهم فيصح الوجه الأول لأن أخراهم تبعت دين أولاهم. (فآتهم عذاباً ضعفاً من النار) الضعف الزائد على مثله مرة أو مرات، ومثله قوله تعالى (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً) وقيل الضعف هنا الأفاعي والحيات، وقال أبو عبيدة الضعف مثل الشيء مرة واحدة. قال الزهري: والذي قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاري كلامهم وأما كتاب الله فهو عربي مبين فيرد تفسيره إلى موضوع كلام العرب، والضعف في كلامهم ما زاد، وليس بمقصور على مثلين بل أقل الضعف محصور وهو المثل وأكثره غير محصور، وقال الزجاج: ضعفاً أي مضاعفاً يعني تضعيف الشيء وزيادته إلى ما لا ينتهي. (قال لكل) أي لكل طائفة منكم (ضعف) من العذاب أما القادة فبكفرهم وتضليلهم، وأما الإتباع فبكفرهم وتقليدهم قاله الكرخي (ولكن لا تعلمون) بما لكل فريق من نوع العذاب (¬1). ¬

(¬1) زاد المسير 3/ 195.

وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)

39

(وقالت أولاهم لآخراهم) أي قال السابقون للاحقين أو المتبوعين للتابعين مشافهة ومخاطبة لها (فما كان لكم علينا) في الدنيا (من فضل) بل نحن وأنتم سواء في الكفر بالله واستحقاق عذابه وقد ضللتم كما ضللنا فهذا رد لقول الطائفة الأخرى (هؤلاء أضلونا) قال مجاهد (من فضل) تخفيف من العذاب. (فذوقوا العذاب) النار كما ذقناه (بما كنتم تكسبون) من معاصي الله والكفر به والقائل لهذا القول القادة للأتباع أو الأمة الأولى للأخرى أو الله سبحانه.

40

(إن الذين كذبوا بآياتنا) ولم يصدقوا بها ولم يتبعوا رسلنا (واستكبروا عنها) أي عن الإيمان والتصديق بها (لا تفتح لهم أبواب السماء) يعني أنها لا تفتح لأرواحهم إذا ماتوا وهي تفتح لأرواح المؤمنين ويصعد بروحهم إلى السماء السابعة، وقد دل على هذا المعنى وأنه المراد من الآية ما جاء في الأحاديث الصحيحة أن الملائكة إذا انتهوا بروح الكفار إلى السماء الدنيا يستفتحون فلا تفتح لهم أبواب السماء، وقيل لا تفتح أبواب السماء لأدعيتهم إذا دعوا قاله مجاهد والنخعي، وقيل لأعمالهم أي لا تقبل بل ترد عليهم فيضرب بها في وجوههم. وقيل المعنى أنها لا تفتح لهم أبواب الجنة يدخلونها لأن الجنة في السماء وعلى هذا العطف بجملة ولا يدخلون الجنة الآتية يكون من عطف التفسير، ولا مانع من حمل الآية على ما يعم الأرواح والدعاء والأعمال، ولا ينافيه ورود ما ورد من أنها لا تفتح أبواب السماء لواحد من هذه فإن ذلك لا يدل على

عدم فتحها لغيره مما يدخل تحت عموم الآية. (ولا يدخلون الجنة) أي هؤلاء الكفار المكذبون المستكبرون لا يدخلونها بحال من الأحوال ولهذا علقه بالمستحيل وقال (حتى يلج الجمل في سم الخياط) الولوج الدخول بشدة وخص الجمل بالذكر من بين سائر الحيوانات لكونه يضرب به المثل في كبر الذات وعظم الجرم عند العرب، فجسمه من أعظم الأجسام، وخص سم الخياط وهو ثقب الإبرة بالذكر لكونه غاية في الضيق وأضيق المنافذ، وهو لا يحل فيه أبداً فثبت أن الموقوف على المحال محال، فوجب بهذا الاعتبار أن دخول الكفار الجنة مأيوس منه قطعاً، والجمل الذكر من الإبل، والجمع جمال وأجمال وجمالات، وإنما يسمى جملاً إذا أربع. وقرأ ابن عباس الجمل بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو حبل السفينة الذي يقال له القلس وهو حبال مجموعة قاله ثعلب، وقيل الحبل الغليظ من القنب، وقيل الحبل الذي يصعد به في النخل. وقرأ ابن مسعود حتى يلج الجمل الأصغر، وقرئ سم بالحركات الثلاث لكن السبعة على الفتح والضم لغة لأهل العالية والكسر لغة لبني تميم وجمعه سمام، وكل ثقب ضيق فهو سم، وقيل كل ثقب في البدن أو أنف أو أذن فهو سم وجمعه سموم، والسم القاتل سمي بذلك للطفه وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، وهو في الأصل مصدر ثم أريد به معنى الفاعل لدخوله باطن البدن والسم ثقب لطيف ومنه ثقب الإبرة. والخياط ما يخاط به يقال خياط ومخيط قاله الفراء، والمراد به الإبرة في هذه الآية، قال بعض أهل المعاني: لما علق الله دخولهم الجنة بولوج الجمل في سم الخياط وهو خرق الإبرة كان ذلك نفياً لدخولهم الجنة على التأبيد، وذلك أن العرب إذا علقت ما يجوز كونه بما لا يجوز كونه استحال كون ذلك الجائز، وهذا كقولك لا آتيك حتى يشيب الغراب ويبيض القار. (وكذلك نجزي المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع نجزي جنس من أجرم وقد تقدم تحقيقه.

لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

41

(لهم) أي للذين كذبوا واستكبروا فهذا بيان لجزاء آخر لهم غير الجزاء السابق (من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) المهاد الفراش والغواش جمع غاشية أي نيران تحيط بهم من تحتهم وتغشاهم من فوقهم كالأغطية قاله ابن عباس: الغواش اللحف، وبه قال القرظي والضحاك والسدي. (وكذلك نجزي الظالمين) أي مثل ذلك الجزاء العظيم نجزي من اتصف بصفة الظلم وذكر الجرم في حرمان الجنة والظلم في دخول النار تنبيهاً على أن الظلم أعظم الإجرام.

42

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم من وحي الله وتنزيله عليه من شرائع دينه وعملوا بما أمرهم به وأطاعوه في ذلك وتجنبوا ما نهاهم عنه. (لا نكلف نفساً إلا وسعها) أي لا نكلف العباد إلا بما يدخل تحت وسعهم ويقدرون عليه ولا نكلفهم ما لا يدخل تحت وسعهم، وهذه الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، ومثله (لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها) قال الزجاج: الوسع ما يقدر عليه ولا يعجز عنه، وغلط من قال أن الوسع بذلك المجهود. (أولئك) إشارة إلى الموصول مبتدأ وخبره (أصحاب الجنة هم فيها خالدون)

43

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) (ونزعنا ما في صدورهم من غل) هذا من جملة ما ينعم الله به على أهل الجنة أن ينزع ما في قلوبهم من غل بعضهم على بعض حتى تصفو قلوبهم ويود بعضهم بعضاًَ، فإن الغل لو بقي في صدورهم كما كان في الدنيا لكان في ذلك تنغيص لنعم الجنة لأن المتشاحنين لا يطيب لأحدهما عيش مع وجود الآخر. والمعنى خلقناهم في الجنة على هذه الحالة وليس المراد إنهم دخلوا الجنة بما ذكر ثم نزع منهم فيها بل المراد أنهم دخلوها مطهرين منه، قاله أبو حيان والغل الحقد الكامن في الصدور، وقيل نزع الغل في الجنة أن لا يحسد بعضهم بعضاً في تفاضل المنازل قال علي بن أبي طالب: فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية. (تجري من تحتهم الأنهار) أي من تحت قصورهم قد تقدم تفسيره مراراً (وقالوا) عند الاستقرار في منازلهم (الحمد لله الذي هدانا لهذا) الجزاء العظيم وهو الخلود في الجنة ونزع الغل من صدورهم والهداية هذه لهذا هي الهداية المسببة من الإيمان والعمل الصالح في الدنيا (وما كنا لنهتدي) نطيق لهذا الأمر جملة موضحة واللام لتوكيد النفي (لولا أن هدانا الله) جملة مستأنفة أو حالية. أخرج النسائي وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل أهل النار يرى منزله من الجنة يقول لو هدانا الله

فتكون حسرة عليهم، وكل أهل الجنة يرى منزله من النار فيقول لولا أن هدانا الله فهذا شكرهم (¬1). (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) اللام لام القسم قالوا هذا لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الجزاء العظيم اغتباطاً بما صاروا فيه بسبب ما تقدم منهم من تصديق الرسل وظهور صدق ما أخبروهم به في الدنيا من أن جزاء الإيمان والعمل الصالح هو هذا الذي صاروا فيه. (ونودوا أن تلكم الجنة) أي وقع النداء لهؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات فقيل لهم ذلك، والمنادي هو الله وقيل الملائكة وقيل هذا النداء يكون في الجنة. عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة نادى مناد إن لكم أن تحيوا ولا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وان لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً فذلك قوله عز وجل يعني هذه الآية أخرجه مسلم (¬2). (اورثتموها) أعطيتموها بدلاً من أهل النار، وهو حال من الجنة، وسماها ميراثاً لأنها لا تستحق بالعمل بل هي محض فضل الله وعده على الطاعات كالميراث من الميت ليس بعوض عن شيء بل هو صلة خالصة حصلت لكم بلا تعب (بما كنتم تعملون) أي أورثتم منازلها بعملكم قال في الكشاف بسبب أعمالكم لا بالتفضل كما تقول المبطلة انتهى. أقول يا مسكين هذا قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما صح عنه: سددوا وقاربوا ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 4390. (¬2) مسلم 2850.

واعلموا أنه لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته (¬1)، والتصريح بسبب لا يستلزم نفي سبب آخر، ولولا التفضل من الله سبحانه وتعالى على العامل بإقداره على العمل لم يكن عمل أصلاً، فلو لم يكن التفضل إلا بهذا الإقدار لكان القائلون به محقة لا مبطلة. وفي التنزيل (ذلك الفضل من الله) وفيه (فسيدخلهم في رحمة منه وفضل) وفي فتح الباري المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل والقبول إنما يحصل من الله تفضلاً. وفي القرطبي وبالجملة فالجنة ومنازلها لا تنال إلا برحمته فإذا دخلوها بأعمالهم فقد ورثوها برحمته ودخلوها برحمته إذ أعمالهم رحمة منه لهم وتفضل منه عليهم انتهى (¬2). ¬

(¬1) روى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يخلص المؤمنون من النار، فيحبسون على قنطرة بين الجنه والنار، حتى إذا هذبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة. فوالذى نفسي بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا " رواه " البخاري " 5/ 70، و11/ 346 " بشرح الفتح "، و " الطبرى " 14/ 38 قال الحافظ 11/ 346: قوله: " والذى نفس محمد بيده " هذا ظاهره أنه مرفوع كله، وكذا في سائر الروايات، إلا في رواية عفان عند الطبرى، قال: فإنه جعل هذا من كلام قتادة، فقال بعد قوله: " في دخول الجنه " قال: وقال قتادة: " والذي نفسى بيده لأحدهم أهدى ... " الخ وفي رواية شعيب ابن إسحاق بعد قوله: " في دخول الجنة " قال: فوالذى نفسي بيده ... الخ فأبهم القائل، فعلى رواية عفان يكون هو قتادة، وعلى رواية غيره يكون هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وزاد محمد بن المنهال عند الإسماعيلى: قال قتادة: كان يقال: ما يشبه بهم إلا أهل الجمعة إذا انصرفوا من جمعتهم، وهكذا عند عبد الوهاب وروح. وفي رواية بشر ابن خالد وعفان جميعاً عند الطبرى قال: وقال بعضهم .. فذكره، وكذا في رواية شعيب بن إسحاق، ويونس ابن محمد، والقائل: وقال بعضهم: هو قتادة، ولم أقف على تسمية القائل. (¬2) مسلم 2818 - البخاري 2427.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45)

44

(ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) بعد استقرار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، يقول أهل الجنة يا أهل النار، وهذه المناداة لم تكن لقصد الأخبار لهم مما نادوهم به بل لقصد تبكيتهم وإيقاع الحسرة في قلوبهم (أن قد وجدنا) هو نفس النداء أي إنا قد وصلنا إلى (ما وعدنا ربنا حقاً) أي ما وعدنا الله به من النعيم على ألسنة رسله (فهل وجدتم) أي وصلتم إلى (ما وعد) به (ربكم حقاً) أي من العذاب الأليم، والاستفهام هو للتقريع والتوبيخ. (قالوا نعم) وجدنا ذلك حقاً، وظاهر الآية يفيد العموم، والجمع إذا قابل الجمع يوزع الفرد على الفرد فكل فريق من أهل الجنة ينادي من كان يعرفه من الكفار في دار الدنيا (فأذن مؤذن) أي فنادى مناد (بينهم) أي بين الفريقين قيل المنادي هو من الملائكة، وقيل إنه إسرافيل ذكره الواحدي، وأخرج ابن أبي شيبة وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما وقف على قليب بدر تلا هذه الآية (أن لعنة الله على الظالمين) أي يقول المؤذن هذا القول. ثم فسر الظالمين من هم فقال

45

(الذين يصدون عن سبيل الله) الصد المنع أي يمنعون الناس عن سلوك سبيل الحق (ويبغونها عوجاً) أي يطلبون إعوجاجها أي ينفرون الناس عنها ويقدحون في استقامتها بقولهم إنها غير حق وإن الحق ما هم فيه، والعوج بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصباً بالفتح ما كان في المنتصب كالرمح والحائط (وهم بالآخرة كافرون) أي جاحدون منكرون لها.

46

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) (وبينهما حجاب) أي حاجز بين الفريقين أو بين الجنة والنار والحجاب هو السور المذكور في قوله تعالى (فضرب بينهم بسور) (وعلى الأعراف) جمع عرف وهو كل مرتفع من الأرض وهي هنا شرفات السور المضروب بينهم، ومنه عرف الفرس، وعرف الديك لارتفاعه على ما سواه من الجسد، سمي بذلك لأنه بسبب ارتفاعه صار أعرف وأبين مما انخفض، والأعراف في اللغة المكان المرتفع. وهذا الكلام خارج مخرج المدح كما في قوله (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) عن حذيفة قال: الأعراف سور بين الجنة والنار وبه قال مجاهد، وقال ابن عباس: هو الشيء المشرف، وقال سعيد بن جبير: الأعراف جبال بين الجنة والنار فهم على إعرافها أي على ذراها. وقيل: إنها تلّ بينهما حبس عليه ناس من أهل الذنوب، وعن ابن جريج قال: زعموا أنه الصراط، وقال ابن عباس أيضاً: سور له عرف كعرف الديك وقيل الأعراف هو نفس الحجاب عبر عنه تارة بالحجاب وتارة بالأعراف قاله الواحدي، ولم يذكر غيره ولذلك عرف الأعراف لأنه عنى به الحجاب. وقال القرطبي: الأعراف جبل أحد يوضع هناك، وذكر الزهراوي حديثاً فيه ما ذكر (رجال) من أفاضل المسلمين أو من آخرهم دخولاً في الجنة أو من لم يرض عنه أحد أبويه. وقد اختلف العلماء في أصحاب الأعراف من هم، على ثلاثة عشر قولاً

ذكر الخازن منها ثمانية وزاد عليه القرطبي خمسة فقيل هم الشهداء ذكره القشيري وشرحبيل بن سعد، وقيل هم فضلاء المؤمنين فرغوا من شغل أنفسهم وتفرغوا لمطالعة أحوال الناس، ذكره مجاهد وقيل هم قوم أنبياء ذكره الزجاج وحكاه ابن الأنباري. وقيل هم قوم استوت حسناتهم وسيآتهم قاله ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وابن عباس والشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل هم العباس وحمزة وعلي وجعفر الطيار يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسوادها، حكى ذلك عن ابن عباس وقيل هم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم وهم في كل أمة، واختار هذا القول النحاس، وقال هو من أحسن ما قيل فيهم وقيل هم أولاد الزنا روى ذلك القشيري عن ابن عباس. وقيل هم أطفال المشركين وقال مجاهد هم قوم صالحون فقهاء علماء، وقيل هم ملائكة موكلون بهذا السور يميزون الكافرين عن المؤمنين قبل إدخالهم الجنة والنار، ذكره أبو مجلز وضعفه الطبري وقال: إن لفظ الرجال في لسان العرب لا يطلق إلا على المذكور من بني آدم دون إناثهم ودون سائر الخلق. وفي هذه الأقوال ما يدل على أن أصحاب الأعراف دون أهل الجنة في الدرجات وإن كانوا يدخلون الجنة برحمة الله تعالى، وفيها ما يدل على أنهم أفضل من أهل الجنة وأعلى منهم منزلة، وليس في الباب ما يقطع به من نص جلي وبرهان نير. وقال حذيفة: أصحاب الأعراف قوم كانت لهم أعمال أنجاهم الله بها من النار وهم آخر من يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار، وقيل هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم.

وذكر ابن الجوزي أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم، ورواه عن إبراهيم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن أبي زرعة بن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم آخر من يفصل بينهم من العباد فإذا فرغ رب العالمين من الفصل بين العباد قال: أنتم قوم أخرجتكم حسناتكم من النار، ولم تدخلوا الجنة فأنتم عتقائي فارعوا من الجنة حيث شئتم، قال ابن كثير وهذا مرسل حسن (¬1). وأخرج البيهقي في البعث عن حذيفة أراه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يجمع الناس يوم القيامة فيؤمر بأهل الجنة إلى الجنة، ويؤمر بأهل النار إلى النار ثم يقال لأصحاب الأعراف ما تنتظرون؟ قالوا ننتظر أمرك فيقال لهم إن حسناتكم تجاوزت بكم النار أن تدخلوها، وحالت بينكم وبين الجنة خطاياكم فادخلوا بمغفرتي ورحمتي. وعن عبد الرحمن المزني قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أصحاب الأعراف فقال: هم قوم قتلوا في سبيل الله في معصية آبائهم فمنعهم من النار قتلهم في سبيل الله، ومنعهم من الجنة معصيتهم آباءهم (¬2) أخرجه البيهقي والطبراني وسعيد بن منصور وابن منيع وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم، وروي بطرق عن جماعة من الصحابة نحوه مرفوعاً فإن ثبت الرفع فالمصير إليه متعين ولا قول لأحد بعده والله أعلم. (يعرفون كلاًّ بسيماهم) السيما العلامة أي يعرفون كلاًّ من أهل الجنة والنار بعلاماتهم كبياض الوجوه وسوادها أو مواضع الوضوء من المؤمنين أو علامة ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 216. (¬2) ابن كثير 2/ 216.

يجعلها الله لكل فريق في ذلك الموقف يعرف رجال الأعراف بها السعداء من الأشقياء، قال السدي: إنما سمي الأعراف لأن أصحابه يعرفون الناس أي زيادة على معرفتهم بكونهم في الجنة وكونهم في النار (¬1). (ونادوا) أي نادى رجال الأعراف (أصحاب الجنة) حين رأوهم (أن سلام عليكم) أي نادوهم بقولهم هذا تحية لهم وإكراماً وتبشيراً أو أخبروهم بسلامتهم من العذاب والآفات (لم يدخلوها) أي لم يدخل الجنة أصحاب الأعراف ولا محل له لأنه استئناف (وهم يطمعون) أي والحال يطمعون في دخولها، وأنهم قيل معنى يطمعون يعلمون أنهم يدخلونها وذلك معروف عند أهل اللغة أي طمع بمعنى علم ذكره النحاس، وهذا القول أعني كونهم أهل الأعراف مروي عن جماعة منهم ابن عباس وابن مسعود، وقال أبو مجلز: هم أهل الجنة أي إن أهل الأعراف قالوا لهم سلام عليكم حال كون أهل الجنة لم يدخلوها، والحال أنهم يطمعون في دخولها، قال الحسن ما جعل الله ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم. ¬

(¬1) قال القرطبي: روى القشيري عن ابن عباس في قوله عز وجل: " وعلى الأعراف رجال " قال: الأعراف موضع عالٍ على الصراط، عليه العباس وحمزة وعلي بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين، رضي الله عنهم، يعرفون محبيهم ببياض الوجوه ومبغضيهم بسواد الوجوه. وحكى الزهراوي أنهم عدول القيامة الذين يشهدون على الناس بأعمالهم، وهم في كل أمة. واختار هذا القول النحاس، وقال: وهو من أحسن ما قيل فيه؛ فهم على السور بين الجنة والنار. وقال الزجاج: هم قوم أنبياء. وقيل: هم قوم كانت لهم صغائر لم تكفر عنهم بالآلام والمصائب في الدنيا وليست لهم كبائر فيحبسون عن الجنة لينالهم بذلك غم فيقع في مقابلة صغائرهم. وتمنى سالم مولى أبي حذيفة أن يكون من أصحاب الأعراف؛ لأن مذهبه أنهم مذنبون. وقيل: هم أولاد الزنى.

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)

47

(وإذا صرفت أبصارهم) أي أبصار أهل الأعراف لا عن قصد لأن المكروه لا ينظر إليه الإنسان قصداً في العادة (تلقاء أصحاب النار) أي وجاههم وحيالهم، وأصل معنى تلقاء جهة اللقاء وهي جهة المقابلة ولم يأت مصدر على تفعال بكسر أوله غير مصدرين أحدهما هذا والآخر تبيان، وما عداهما بالفتح وزاد بعضهم الزلزال. (قالوا) أي أهل الأعراف إذا نظروا إليهم وإلى سواد وجوههم وما هم فيه من العذاب (ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) سألوا الله أن لا يجعلهم منهم.

48

(ونادى أصحاب الأعراف رجالاً) من الكفار كانوا عظماء في الدنيا (يعرفونهم بسيماهم) أي بعلاماتهم (قالوا ما أغنى عنكم جمعكم) الذي كنتم تجمعون من الأموال والعدد في الدنيا للصد عن سبيل الله، والاستفهام للتقريع والتوبيخ (و) ما أغنى عنكم (ما كنتم تستكبرون) أي استكباركم عن الإيمان شيئاً.

49

(أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) هذا من كلام أصحاب الأعراف أي قالوا للكفار مشيرين إلى المسلمين الذين صاروا إلى الجنة هذه المقالة، وقد كان الكفار يقسمون في الدنيا عند رؤيتهم لضعفاء المسلمين بهذا القسم، وهذا تبكيت للكفار وتحسير لهم (أدخلوا الجنة) بفضلي ورحمتي (لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون) هذا تمام كلام أصحاب الأعراف أي قالوا للمسلمين أدخلوا الجنة فقد انتفى عنكم الخوف والحزن بعد الدخول.

50

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله) من الطعام قاله السدي والإفاضة التوسعة، يقال أفاض عليه نعمة ويتضمن أفيضوا معنى القوا وأو بمعنى الواو لقوله حرمهما أو هي على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين إما تخييراً أو إباحة أو غير ذلك مما يليق بهما. وعلى هذا تقديره حرم كلاً منهما أو كليهما كما سيأتي، والمعنى طلبوا منهم أن يواسوهم بشيء من الماء أو بشيء مما رزقهم الله من غيره من الأشربة والأطعمة. (قالوا) أي فأجابوا بقولهم (إن الله حرمهما) أي حرم الماء وما رزقنا (على الكافرين) ومنعهما فلا نواسيكم بشيء مما حرمه عليكم، والتحريم مستعمل في لازمه لانقطاع التكليف حينئذ، قيل إن هذا النداء كان من أهل النار بعد دخول أهل الأعراف الجنة. قال ابن عباس: ينادي الرجل أخاه فيقول يا أخي اغثني فإني قد احترقت فأفض علي من الماء فيقال أجبه فيقول إن الله حرمهما على الكافرين، وقال ابن زيد: يستسقونهم ويستطعمونهم وإن الله حرمهما أي طعام الجنة وشرابها وهو تحريم منع (¬1). ¬

(¬1) في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال. وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ فقال: الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة " أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله "؟. وروى أبو داود أن سعداً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: " الماء ". وفي رواية: فحفر بئراً فقال: " هذه لأم سعد "، وعن أنس قال، قال سعد: يارسول الله، إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: " نعم وعليك بالماء ".

51

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) (الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا) قد تقدم تفسير اللهو واللعب والغرر، وقال ابن عباس: هم المستهزئون وذلك أنهم كانوا إذا دعوا إلى الإيمان سخروا ممن دعاهم إليه وهزئوا به استهزاء بالله عز وجل، وقيل هو ما زين لهم الشيطان من تحريم البحائر والسوائب والماء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الذميمة التي كانوا يفعلونها في الجاهلية، وقيل معنى دينهم عيدهم اتخذوه لهواً ولعباً لا يذكرون الله فيه. (فاليوم ننساهم) أي نتركهم في النار، وقال مجاهد: نؤخرهم جياعاً عطاشاً والمعنى نفعل بهم فعل الناسي بالمنسى من عدم الاعتناء بهم وتركهم في النار تركاً كلياً، والفاء فصيحة وكثر مثل هذه الاستعارة في القرآن لأن تعليم المعاني التي في عالم الغيب لا يمكن أن يعبر عنها إلا بما يماثلها من عالم الشهادة. (كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي كما تركوا العمل للقاء هذا اليوم قاله ابن عباس ومجاهد والسدي وقال ابن عباس أيضاً: نسيهم من الخير ولم ينسهم من الشر، وسمى جزاء نسيانهم بالنسيان مجازاً لأن الله لا ينسى شيئاً. (وما كانوا بآياتنا يجحدون) أي ينكرونهما.

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)

52

(ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم) أي عالمين بتفصيله حال كونه (هدى ورحمة لقوم يؤمنون) المراد بالكتاب الجنس إن كان الضمير للكفار جميعاً، وإن كان للمعاصرين للنبي صلى لله عليه وآله وسلم فالمراد به القرآن، والتفصيل التبيين أي ما بيناه بالأخبار والوعد والوعيد، وكذا بقية الأنواع التسعة التي نظمها بعضهم في قوله: حلال حرام محكم متشابه ... بشير نذير قصة عظة مثل وقال السمين المراد بتفصيله إيضاح الحق من الباطل أو تنزيله في فصول مختلفة كقوله (وقرآناً فرقناه) وقرئ فضلناه من التفضيل أي على غيره من الكتب السماوية.

53

(هل ينظرون) النظر الانتظار أي ما ينتظرون أهل مكة (إلا تأويله) أي ما وعدوا به في الكتاب من العقاب الذي يؤل الأمر إليه، وقيل تأويله جزاؤه، وقيل عاقبة ما فيه والمعنى متقارب. (يوم يأتي تأويله) وهو يوم القيامة (يقول الذين نسوه) أي التأويل وتركوا العمل بالقرآن (من قبل) أي قبل أن يأتي تأويله (قد جاءت رسل ربنا بالحق) الذي أرسلهم الله به إلينا (فهل لنا من شفعاء) استفهام ومعناه التمني، ومن زائدة (فيشفعوا لنا) جواب الاستفهام والمعنى هل لنا شفعاء يخلصونا مما نحن فيه من العذاب.

(أو) هل (نرد) إلى الدنيا (فنعمل) صالحاً (غير الذي كنا نعمل) من المعاصي فبدل الكفر بالإيمان والتوحيد والمعاصي بالطاعة والإنابة فيقال لهم في جواب الاستفهامين (قد خسروا أنفسهم) أي صاروا إلى الهلاك ولم ينتفعوا بها فكانت بلاء عليهم ومحنة لهم فكأنهم خسروها كما يخسر التاجر رأس ماله وقيل خسروا النعيم وحظ الأنفس. (وضل عنهم ما كانوا يفترون) أي افتراءهم أو الذي كانوا يفترونه من دعوى الشريك والمعنى أنه بطل كذبهم الذي كانوا يقولونه في الدنيا أو غاب عنهم ما كانوا يجعلونه شريكاً لله فلم ينفعهم ولا حضر معهم وعلموا أنهم كانوا في دعواهم كاذبين.

54

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض) هذا نوع من بديع صنع الله وجليل قدرته وتفرده بالإيجاد الذي يوجب على العباد توحيده وعبادته وأصل الخلق في اللغة التقدير، ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل سبق ولا ابتداء تقدم، فمعنى الآية أنشأ خلقهما وقدر أحوالهما (في ستة أيام) اليوم عبارة عن مقدار من الزمان وهو من طلوع الشمس إلى غروبها. قيل هذه الأيام من أيام الدنيا وقيل من أيام الآخرة، قال ابن عباس: كل يوم مقداره ألف سنة وبه قال الجمهور وهذه الأيام الستة أولها الأحد وآخرها الجمعة، وبه قال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار والضحاك ومجاهد واختاره ابن جرير والطبري وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور. وقال سعيد بن جبير تعليماً لخلقه التثبت كما في الحديث التأني من الله والعجلة من الشيطان أو خلقها لكون كل شيء له عنده أجل، وفي آية أخرى (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) وحديث: خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء الخ رواه مسلم والحاكم عن ابن عباس (¬1). لكن يشكل على هذا التوزيع أنه لم يكن ثم أيام لعدم الشمس والقمر حينئذ ولا يتعين الأحد ولا غيره من الأيام إلا بوجودها بالفعل، ذكره سليمان ¬

(¬1) مسلم/2789.

الجمل. وقال والجواب بقوله (أي في قدرها) لا يدفع هذا الإشكال كما لا يخفى. (ثم استوى على العرش) قد اختلف العلماء في معنى هذا على أربعة عشر قولاً وأحقها وأولاها بالصواب مذهب السلف الصالح أنه استوى سبحانه عليه بلا كيف بل على الوجه الذي يليق به مع تنزهه عما لا يجوز عليه. والاستواء في لغة العرب هو العلو والاستقرار، قال الجوهري: استوى على ظهر دابته أي استقر واستوى إلى السماء أي صعد، واستوى أي استولى وظهر وبه قال المعتزلة وجماعة من المتكلمين: واستوى الرجل أي انتهى شبابه واستوى أي: اتسق واعتدل. وحكي عن أبي عبيدة أن معنى استوى هنا علا وارتفع، وللشوكاني رسالة مستقلة في إثبات إجراء الصفات على ظواهرها منها صفة الاستواء، ولشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني والحافظ الإمام محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزي إلمام تام بمسألة الاستواء هذه وإثبات الفوقية والعلو له تعالى على خلقه ولهما في ذلك رسائل مستقلة ما بين مطولة منها ومختصرة، وكتاب العلو للحافظ الذهبي فيه جميع ما ورد في ذلك من الآيات والأحاديث وغيرها، وقد أوضحت هذا المقام في كتابي الانتقاد الرجيح في شرح الاعتقاد الصحيح. وعن أم سلمة قالت: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإقرار به إيمان والجحود له كفر، أخرجه ابن مردويه وعن مالك بن أنس نحوه وزاد والسؤال عنه بدعة، قال النسفي وتفسير العرش بالسرير والاستواء بالاستقرار كما تقوله المشبهة باطل انتهى. وأقول يا مسكين أما شعرت أن العرش في اللغة هو السرير، والاستواء هو الاستقرار وبه فسره حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس كما في البخاري

وليس في ذلك تشبيه أصلاً إنما التشبيه في بيان الكيفية بل الإنكار عن ذلك تعطيل يخالف مذهب سلف الأمة وأئمتها، وهو إمرار الصفات كما جاءت وإجراؤها على ظواهرها بلا تكييف ولا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، ويعالج التشبيه بكلمة إجمالية ليس كمثله شيء. والعرش قال الجوهري هو سرير الملك، وقيل هو ما علا فأظل، وسمي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً لعلوه ويكنى عن العز والسلطان والمملكة بالعرش على الاستعارة والمجاز. ويطلق على معان أخر منها عرش البيت سقفه وعرش البئر طيها بالخشب وعرش السماك أربعة كواكب صغار. وعبارة الخفاجي العرش هو فلك الأفلاك إما حقيقة لأنه بمعنى المرتفع أو استعارة من عرش الملك وهو سريره ومنه ورفع أبويه على العرش، أو بمعنى الملك بضم الميم وسكون اللام، ومنه ثل عرشه إذا انتقض ملكه واختل انتهى. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة صفة عرش الرحمن وإحاطته بالسموات والأرض وما بينهما وما عليهما وهو المراد هنا، قال الراغب: وعرش الله عز وجل مما لا يعلمه البشر إلا بالاسم على الحقيقة، وليس هو كما تذهب إليه أوهام العامة فإنه لو كان كذلك لكان حاملاً له، تعالى الله عن ذلك وليس كما قال قوم إنه الفلك الأعلى والكرسي فلك الكواكب. قيل والمراد به هنا هو الجسم النوراني المرتفع على كل الأجسام المحيطة بكلها. (يغشي الليل النهار) أي يجعل الليل كالغشاء للنهار فيغطي بظلمته ضياءه قرئ يغشي بالتشديد والتخفيف وهما لغتان، يقال أغشى يغشي غشي يغشي والتغشية في الأصل إلباس الشيء الشيء، ولم يذكر في هذه الآية يغشي

الليل بالنهار اكتفاء بأحد الأمرين عن الآخر كقوله (سرابيل تقيكم الحر) أو لدلالة الحال عليه أو لأن اللفظ يحتملهما بجعل الليل مفعولاً أولاً والنهار مفعولاً ثانياً أو بالعكس. وذكر في آية أخرى يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ذكره الكرخي، والتقدير استوى على العرش مغشياً الليل النهار. والآية الكريمة من باب أعطيت زيداً عمراً لأن كلا من الليل والنهار يصلح أن يكون غاشياً ومغشياً فوجب جعل الليل هو الفاعل المعنوي، والنهار هو الفعول من غير عكس. (يطلبه حثيثاً) أي حال كون الليل طالباً للنهار طلباً لا يفتر عنه بحال، والحث الحمل على فعل الشيء كالحض عليه والاستعجال والسرعة، يقال ولى حثيثاً أي مسرعاً، والحث والحض أخوان يقال حثثت فلاناً فاحتث فهو حثيث ومحثوث وفعله من باب رد. قال الرازي: إنه سبحانه وصف هذه الحركة بالسرعة الشديدة وذلك أن تعاقب الليل والنهار إنما يحصل بحركة الفلك الأعظم وتلك الحركة أشد الحركات سرعة، فإن الإنسان إذ كان في أشد عدوه بمقدار رفع رجله ووضعها يتحرك الفلك الأعظم ثلاثة آلاف ميل وهي ألف فرسخ. ولهذا قال يطلبه حثيثاً لسرعته وحركته أي يعقبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما بشيء، والجملة حال من الليل لأنه هو المحدث عنه أي يغشي النهار طالباً له أو من النهار أي مطلوباً أو من كل منهما وعليه الجلال. (والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره) أي خلقها حال كونها

مسخرات والإخبار عن هذه بالتسخير وهو التذليل لما يراد منها من طلوع وغروب وسير ورجوع إذ ليس هن قادرات بأنفسهن، وإنما يتصرفن على إرادة المدبر لهن على ما أراد منهن. (ألا) أداة استفتاح و (له) خبر مقدم والمبتدأ (الخلق والأمر) إخبار منه سبحانه لعباده بأنهما له، والخلق المخلوق والأمر كلامه، وهو كن في قوله (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) أو المراد بالأمر ما يأمر به على التفصيل والتصرف في مخلوقاته. قال سفيان بن عيينة: الخلق ما دون العرش والأمر فوق ذلك. واستخرج من هذا المعنى أن كلام الله ليس بمخلوق لأنه فرق بين الخلق والأمر ومن جعل الأمر الذي هو كلامه من جملة ما خلقه فقد كفر. وفي الآية دليل على أنه لا خالق إلا الله ففيه رد على من يقول إن للشمس والقمر والكواكب تأثيرات في هذا العالم فأخبر أنه هو الخالق المدبر لهذا العالم لا هن وله الأمر المطلق. وليس لأحد أمر غيره، فهو الآمر والناهي الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا اعتراض لأحد من خلقه عليه. (تبارك الله رب العالمين) أي كثرت بركته واتسعت. ومنه بورك الشيء وبورك فيه كذا قال ابن عرفة، وقال الأزهري معناه تعالى وتعاظم، وقيل تمجد وارتفع، وختم الآية بالثناء عليه لأنه هو المستحق للمدح المطلق، وقال ابن عباس: معناها جاء بكل بركة، وقيل تقدس وقيل باسمه يتبرك في كل شيء، وقيل معناه ثبت ودام. وفي الجمل تبارك فعل ماض لا يتصرف أي لم يجىء منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل، وقال الزجاج: تبارك من البركة، وهي الكثرة في كل خير.

55

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) (أدعوا ربكم تضرعاً وخفية) أمرهم الله سبحانه بالدعاء وقيد ذلك بكون الداعي متضرعاً بدعائه مخفياً له أي متضرعين بالدعاء مخفين له. أو ادعوه دعاء تضرع ودعاء خفية، وقيل الدعاء هنا بمعنى العبادة والأول أولى. والتضرع من الضراعة وهي الذلة والخشوع والاستكانة، والخفية الإسرار به فإن ذلك أقطع لعرق الرياء وأحسم لمادة ما يخالف الإخلاص، وقال الزجاج: تضرعاً يعني تملقاً، وقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفاً وقال تعالى (إذ نادى ربه نداء خفياً). وعن أبي موسى الأشعري قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل الناس يجهرون بالتكبير فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيها الناس أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته (¬1) والحديث أخرجه الشيخان. ثم علل ذلك بقوله (إنه لا يحب المعتدين) أي المجاوزين لما أمروا به في الدعاء بالتشدق ورفع الصوت وفي كل شيء، فمن جاوز ما أمره الله به في شيء من الأشياء فقد اعتدى، وتدخل المجاوزة في الدعاء في هذا العموم دخولاً أولياً، ومن الاعتداء في الدعاء أن يسأل الداعي ما ليس له كالخلود في الدنيا أو إدراك ما هو محال في نفسه، أو يطلب الوصول إلى منازل الأنبياء في الآخرة أو يرفع صوته بالدعاء صارخاً به. ¬

(¬1) مسلم/2704 - البخاري/1423. قال النووي: أرفقوا بأنفسكم واخْفضُوا أصواتكم.

56

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) (ولا تفسدوا في الأرض) نهاهم الله سبحانه عن الفساد في الأرض بوجه من الوجوه قليلاً كان أو كثيراً، ومنه قتل الناس وتخريب منازلهم وقطع أشجارهم وتغوير أنهارهم، ومن الفساد في الأرض الكفر بالله والوقوع في معاصيه (بعد إصلاحها) أي بعد أن أصلحها الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب وتقرير الشرائع قاله الحسن والسدي والضحاك والكلبي، وقيل بعد إصلاح الله إياها بالمطر والخصب. (وادعوه خوفاً وطمعاً) فيه أنه يشرع للداعي أن يكون عند دعائه خائفاً وجلاً طامعاً في إجابة الله لدعائه، فإنه إذا كان عند الدعاء جامعاً بين الخوف والرجاء ظهر بمطلوبه، قال القرطبي: أمرنا الله تعالى بأن يكون العبد وقت الدعاء في حال ترقب وتخوف وأمل في الله حتى يكون الخوف والرجاء للإنسان كالجناحين للطائر يحملانه في طريق استقامته، وإذا انفرد أحدهما هلك الإنسان فيدعو الإنسان خوفاً من عقابه وطمعاً في ثوابه. والخوف الانزعاج في الباطن من المضار التي لا يؤمن من وقوعها وقيل توقع مكروه فيما بعد والطمع توقع حصول الأمر المحبوب في المستقبل قال ابن جريج: معناه خوف العدل وطمع الفضل وقيل خوفاً من الرياء وطمعاً في الإجابة. قال بعض أهل العلم: ينبغي للعبد أن يغلب الخوف حال حياته فإذا جاء الموت غلب الرجاء قال صلى الله عليه وآله وسلم: لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى، أخرجه مسلم (¬1)، والآية الأولى في بيان شرط ¬

(¬1) مسلم/2877.

صحة الدعاء والثانية في بيان فائدة الدعاء. (إن رحمة الله قريب من المحسنين) هذا إخبار من الله سبحانه بأن رحمته قريبة من عباده المحسنين بأي نوع من الأنواع كان إحسانهم، وفي هذا ترغيب للعباد إلى الخير وتنشيط لهم، فإن قرب هذه الرحمة التي يكون بها الفوز بكل مطلب مقصود لكل عبد من عباد الله. وقد اختلف أئمة اللغة والإعراب في وجه تذكير خبر رحمة الله حيث قال (قريب) ولم يقل قريبة فقال الزجاج: إن الرحمة مؤولة بالرحم لكونها بمعنى العفو والغفران، ورجح هذا التأويل النحاس. وقال النضر بن شميل الرحمة مصدر بمعنى الترحم، وحق المصدر التذكير، وقال الأخفش: أراد: بالرحمة هنا المطر وتذكير بعض المؤنث جائز. وقال أبو عبيدة: المعنى مكان قريب. قال علي بن سليمان الأخفش: وهذا خطأ ولو كان كما قال لكان قريب منصوباً، وقال الفراء: إن القريب إذا كان بمعنى المسافة فيذكر ويؤنث وإن كان بمعنى النسب فيؤنث بلا اختلاف بينهم، وروي عن الفراء أنه قال: في النسب قريبة فلان وفي غير النسب يجوز التذكير والتأنيث يقال دارك منا قريب، وفلانة منا قريب، قال الله تعالى: (وما يدريك لعل الساعة تكون قريباً). وروي عن الزجاج أنه خطأ الفراء فيما قاله وقال: إن سبيل الذكر والمؤنث أن يجريا على أفعالهما، وقيل: إنه لما كان تأنيث الرحمة غير حقيقي جاز في خبرها التذكير، ذكر معناه الجوهري، وأصل الرحمة تقتضي الإحسان إلى المرحوم وتستعمل تارة في مجرد الرقة وتارة في الإحسان المجرد عن الرقة. وإذا وصف بها الباري يراد بها الإحسان فقط. وقيل هي إرادة إيصال الخير والنعمة على عباده، فعلى الأول تكون الرحمة من صفات الأفعال وعلى الثاني من صفات الذات، قال سعيد بن جبير: الرحمة ههنا الثواب فرجع النعت إلى المعنى دون اللفظ.

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

57

(و) قوله (هو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) يتضمن ذكر نعمة من النعم التي أنعم بها على عباده مع ما في ذلك من الدلالة على وحدانيته وثبوت إلهيته، ورياح جمع ريح وأصل ريح روح وقرئ " نشراً " بضم النون والشين جمع ناشر على معنى النسب أي ذات نشر، وقرئ بضم النون وإسكان الشين وبفتح النون وإسكان الشين. ومعنى هذه القراآت يرجع إلى النشر الذي هو خلاف الطي، فكأن الريح مع سكونها كانت مطوية ثم ترسل من طيها فتصير كالمنفتحة، وقال أبو عبيدة: معناه متفرقة في وجوهها على معنى ينشرها ههنا وههنا. وقيل هي الريح الطيبة الهبوب تهب من كل ناحية. وقيل يقال أنشر الله الريح بمعنى أحياها، وقال الفراء: النشر الريح اللينة التي تنشر السحاب، وقال ابن الأنباري: هي المنتشرة الواسعة الهبوب، وقرئ بشراً بالموحدة وإسكان الشين جمع بشير أي الرياح تبشر بالمطر ومثله قوله تعالى (وهو الذي يرسل الرياح مبشرات) والمراد بالرحمة المطر أي قدام رحمته. والمعنى أنه يرسل الرياح ناشرات أو مبشرات بين يدي المطر، والريح هو الهواء المتحرك يمنة ويسرة وجمعه الرياح وهي أربعة، الصباء وهي الشرقية تثير السحاب، والدبور وهي الغربية تفرقه، والشمال تجمعه وهي التي تهب من تحت القطب الشمالي، والجنوب تدرسه وهي قبلية. عن ابن عمر: أن الرياح ثمان أربع منها عذاب وهي القاصف

والعاصف والصرصر والعقيم، وأربع منها رحمة وهي الناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات قال كعب: لو حبس الله الريح عن عباده ثلاثة أيام لأنتن أكثر أهل الأرض. (حتى) غاية لقوله يرسل (إذا أقلت سحاباً ثقالاً) حقيقة أقله جعله قليلاً أو وجده قليلاً ثم استعمل بمعنى حمله، لأن الحامل يستقل ما يحمله، ومنه المقل بمعنى الحامل، واشتقاق لإقلال من القلة فإن من يرفع شيئاً يراه قليلاً يقال أقل فلان الشيء حمله ورفعه، والسحاب اسم جنس جمعي يذكر ويؤنث تصح مراعات لفظه ومراعاة معناه، وهو الغيم فيه ماء أو لا سمي سحاباً لانسحابه في الهواء، والمعنى إذا حملت الرياح سحاباً ثقالاً بالماء الذي صارت تحمله. (سقناه) أي السحاب وفيه التفات عن الغيبة في قوله هو الذي يرسل (لبلد ميت) أي مجدب ليس فيه نبات لعدم الماء، يقال سقته لبلد كذا وإلى بلد كذا، وقيل لأجل بلد ميت، قاله الزمخشري، وجعلها لام العلة ولا يظهر بل هي لام التبليغ كقولك قلت لك. قال أبو حبان: فرق بين قولك سقت لك مالاً، وسقت لأجلك فإن الأول معناه أوصلته لك وبلغتكه، والثاني لا يلزم منه وصوله إليك، والبلد هو الموضع العامر من الأرض، وقال الأزهري: عامر أو غير عامر خال أو مسكون، والطائفة منها بلدة والجمع بلاد، وزاد غيره والمفازة تسمى بلدة لكونها مسكن الوحش والجن، والبلد يذكر ويؤنث والجمع بلدان. (فأنزلنا به الماء) أي بالبلد الذي سقناه لأجله قاله الزجاج وابن الأنباري وهذا هو الظاهر، وقيل أنزلنا بالسحاب الماء الذي تحمله أو فأنزلنا بالريح المرسلة بين يدي المطر الماء، وقيل: إن الباء هنا بمعنى من أي فأنزلنا منه

الماء، وقيل: إنها سببية أي فأنزلنا الماء بسبب السحاب، وقيل يعود على السوق المفهوم من الفعل أي بسبب سوق السحاب وهو ضعيف لعود الضمير على غير مذكور مع إمكان عوده على المذكور. (فأخرجنا به) أي بالماء أو بذلك البلد الميت، والأول أولى بل لا ينبغي أن يعدل عنه (من كل الثمرات) أي من جميع أنواعها، ومن تبعيضيه أو ابتدائية (كذلك) أي مثل إخراج الثمرات (نخرج الموتى) من القبور يوم حشرهم بعد فنائهم ودروس آثارهم، والتشبيه في مطلق الإخراج من العدم. وهذا رد على منكري البعث ومحصله أن من قدر على إخراج الثمر الرطب من الخشب اليابس، قادر على إحياء الموتى من قبورهم (لعلكم تذكرون) فتعلمون عظيم قدرة الله وبديع صنعته، وتؤمنون بأنه قادر على بعثكم كما قدر على إخراج الثمرات التي تشاهدونها، والخطاب لمنكري البعث.

58

(والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه) أي التربة الطيبة السهلة السمحة يخرج نباتها بإذن الله وتيسيره خروجاً حسناً تاماً وافياً، وخص خروج نبات الطيب بقوله (بإذن ربه) على سبيل المدح والتشريف وإن كان كل من النباتين يخرج بإذنه تعالى، قاله أبو حيان في النهر، والمعنى بمشيئته وعبر به عن كثرة النبات وحسنه وغزارة نفعه لأنه أوقعه في مقابلة قوله: (والذي خبث) أي والتربة الخبيثة السبخة (لا يخرج) نباتها (إلا نكداً) أي قليلاً لا خير فيه، وقيل عسراً بمشقة وكلفة، يقال نكد نكداً من باب تعب فهو نكد تعسر، ونكد العيش نكداً اشتد وعسر، وفي القاموس ونكد عيشهم كفرح اشتد وعسر، والبئر قل ماؤها ونكد زيد حاجة عمرو كنصر منعه إياها، ورجل نكد شؤم عسر، وقوم أنكاد ومناكيد والنكد بالضم قلة العطاء ويفتح.

وقيل معنى الآية التشبيه، شبه تعالى السريع الفهم بالبلد الطيب، والبليد بالبلد الخبيث ذكره النحاس، وقيل هذا مثل للقلوب فشبه القلب القابل للوعظ بالبلد الطيب، والنابي عنه بالبلد الخبيث قاله الحسن، وقيل هو مثل لقلب المؤمن والمنافق قاله قتادة، وقيل هو مثل للطيب والخبيث من بني آدم قاله مجاهد. عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله تعالى بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأً، فذلك من فقه في دين الله عز وجل ونفعه ما بعثني الله تعالى به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم يقبل هدى الله تعالى الذي أرسلت به " (¬1) أخرجاه في الصحيحين، وليس في هذا ما يدل على أنه السبب في نزول الآية. (كذلك) أي مثل ذلك التصريف (نصرف الآيات لقوم يشكرون) الله ويعترفون بنعمته وينتفعون بسماع القرآن. ¬

(¬1) مسلم/2282 - البخاري/68. ومعناه أن الناس مثل الأرض. النوع الأول: من الناس: يبلغه الهدى والعلم فيحفظه فيحيى قلبه ويعمل به ويعلمه غيره فينتفع وينفع. والنوع الثاني: من الناس: لهم قلوب حافظة ولكن ليست لهم أفهام ثاقبة ولا رسوخ لهم في العلم يستنبطون به المعاني والأحكام وليس عندهم اجتهاد في الطاعة والعمل به فهم يحفظونه حتى يأتي طالب محتاج متعطش لما عندهم من العلم أهل للنفع والانتفاع فأخذه منهم فينتفع به فهؤلاء نفعوا بم أبلغهم. النوع الثالث: ليس لهم قلوب حافظة ولا أفهام واعية ..

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60)

59

(لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) لما بين الله سبحانه كمال قدرته وبديع صنعته في الآيات السابقة ذكر هنا أقاصيص الأمم وما فيها من تحذير الكفار ووعيدهم لتنبيه هذه الأمة على الصواب، وأن لا يقتدوا بمن خالف الحق من الأمم السالفة، واللام جواب قسم محذوف أي والله لقد أرسلنا نوح ابن لمك بن متوشلخ. ومعنى أرسلنا بعثنا، وكان نوح نجاراً بعثه الله وهو ابن أربعين سنة، وقيل خمسين سنة، وقيل مائتين وخمسين سنة، وقيل ابن مائة سنة وهو أول الرسل إلى أهل الأرض بعد آدم. أخرج أبو حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه وابن عساكر عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: [أول نبي أرسل نوح] قال يزيد الرقاشي إنما سمي نوحاً لطول ما ناح على نفسه (¬1)، وكان اسمه عبد الغفار بن لمك، واختلف في سبب نوحه فقيل لدعوته على قومه بالهلاك. وقيل لمراجعته ربه في شأن ابنه كنعان وقيل لأنه مر بكلب مجذوم فقال له إخسأ يا قبيح، فأوحى الله تعالى إليه أعبتني أم عبت الكلب. وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون في حد واحد وقد يقيم الرجل بين الأجانب فيسميهم قومه مجازاً للمجاورة، وفي التنزيل (قال يا قوم اتبعوا ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 2582. رواه الديلمي 1/ 1/9 وابن عساكر 17/ 326/2 ومسلم 1/ 327 والترمذي/2436 برواية " يا نوح أنت أول الرسل على الأرض " وقال حديث حسن صحيح.

المرسلين) وكان مقيماً بينهم ولم يكن منهم، وقيل كانوا قومه قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، وقد تقدم ذكر نوح في آل عمران فأغنى عن الإعادة هنا. وما قيل: إن إدريس قبل نوح فقال ابن العربي: إنه وهم، قال المازري: فإن صح ما ذكره المؤرخون كان محمولاً على أن إدريس كان نبياً غير مرسل. (فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) أي اعبدوه لأنه لم يكن لكم إله غيره حتى يستحق منكم أن يكون معبوداً (إني أخاف عليكم) إن عبدتم غيره (عذاب يوم عظيم) جملة متضمنة لتعليل الأمر بالعبادة والمراد عذاب يوم القيامة أو عذاب الطوفان، وإنما قال أخاف على الشك وإن كان على يقين وجزم من حلول العذاب بهم إن لم يؤمنوا به لأنه لم يعرف وقت نزول العذاب بهم أيعاجلهم أم يتأخر عنهم العذاب إلى يوم القيامة.

60

(قال الملأ من قومه) الملأ أشراف القوم ورؤساؤهم، وقيل هم الرجال سموا بذلك لملأتهم بما يلتمس عندهم من المعروف وجودة الرأي أو لأنهم يملؤون العيون أبهة، والصدور هيبة، والجمع إملاء مثل سبب وأسباب وقد تقدم بيانه في البقرة. (إنا لنراك في ضلال مبين) الضلال العدول عن طريق الحق والذهاب عنه يقال ضل الرجل الطريق وضل عنه يضل من باب ضرب ضلالاً وضلالة زل عنه فلم يهتد إليه فهو ضال هذه لغة نجد، وهي الفصحى، وبها جاء القرآن في قوله: [إن ضللت فإنما أضل على نفسي]، وفي لغة لأهل العالية من باب تعب. والأصل في الضلال الغيبة ومنه قيل للحيوان الضائع ضالة بالهاء للمذكر والمؤنث، والجمع الضوال مثل دابة ودواب أي إنا لنراك في دعائك إلى عبادة الله وحده في ضلال عن طريق الحق وخطأ وزوال عنه بين، والرؤية قلبية.

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62)

61

(قال يا قوم ليس بي ضلالة) كما تزعمون، وهي أعم من الضلال فنفيها أبلغ من نفيه (ولكني رسول) جاءت لكن هنا أحسن مجيء لأنها بين نقيضين لأن الإنسان لا يخلو من أحد شيئين، ضلال وهدى، والرسالة لا تجامع الضلال. و (من رب العالمين) صفة لرسول، ومن لابتداء الغاية المجازية أي أرسلني لسوق الخير إليكم ودفع الشر عنكم، نفى عن نفسه الضلالة وأثبت لها ما هو أعلى منصب وأشرف رفعة وهو أنه رسول الله إليهم.

62

(أبلغكم رسالات ربي) جمع الرسالة لاختلاف أوقاتها ولتنوع معانيها أو لأن المراد بها المرسل به، وهو يتعدد أي ما أرسله الله به إليهم مما أوحاه إليه (وأنصح لكم) يقال نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام دلالة على المبالغة في امحاض النصح، قال الأصمعي: الناصح الخالص من الغل وكل شيء خالص فقد نصح، فمعنى أنصح هنا أخلص النية لكم عن شوائب الفساد والاسم النصيحة، وقيل النصح تحري قول أو فعل فيه صلاح للغير، وقيل إرادة الخير لغيرك مما تريده لنفسك أو النهاية في صدق العناية. (و) جملة (أعلم من الله ما لا تعلمون) مقررة لرسالته ومبينة لمزيد علمه وأنه يختص بعلم الأشياء التي لا يعلمونها بإخبار الله له بذلك، ومنها قدرته الباهرة وشدة بطشه على أعدائه، وإن بأسه لا يرد عن القوم المجرمين.

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)

63

(أوعجبتم) الاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قبل استبعدتم أو أكذبتم أو أنكرتم وعجبتم من (أن جاءكم ذكر) أي وحي ورسالة أو موعظة (من ربكم) والمراد به الكتاب الذي أنزل على نوح وقبل المعجزة التي جاء بها نوح، والأول أولى (على) لسان (رجل منكم) أي من جنسكم تعرفونه ولم يكن ذلك على لسان من لا تعرفونه أو لا تعرفون لغته، وقيل على بمعنى مع، قال الفراء. (لينذركم) به علة للمجيء (ولتتقوا) ما يخالفه. علة ثانية مرتبه على العلة قبلها (ولعلكم ترحمون) بسبب ما يفيده الإنذار لكم، والتقوى منكم من التعرض لرحمة الله سبحانه لكم ورضوانه عنكم. وهي علة ثالثة مرتبة على التي قبلها، وهذا الترتيب في آية من الحسن لأن المقصود من الإرسال الإنذار ومن الإنذار التقوى ومن التقوى الفوز بالرحمة.

64

(فكذبوه) أي فبعد ذلك كذبوه ولم يعملوا بما جاء به من الإنذار، واستمروا على تكذيبه في دعوى النبوة وما نزل عليه من الوحي الذي بلغه إليهم (فأنجيناه) من الطوفان والغرق (والذين معه) من المؤمنين به المستقرين معه، قيل كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأة؛ وقيل كانوا تسعة. أبناؤه الثلاثة وستة من غيرهم (في الفلك) أي السفينة؛ روي أنه اتخذها في سنتين وركبها في عاشر رجب ونزل منها في عاشر محرم؛ والفلك واحد وجمع تذكر وتؤنث.

(وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا) أي استمروا على ذلك ولم يرجعوا إلى التوبة (إنهم كانوا قوماً عمين) عن الحق وفهمه قاله مجاهد أي لكونهم عمي القلب لا ينجع فيهم الموعظة ولا يفيدهم التذكير، قال ابن عباس عمين كفاراً. قال الزجاج: عموا عن الحق والإيمان يقال رجل عم في البصيرة؛ وأعمى في البصر، قاله الليث: وقيل هما بمعنى، وقال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الغرق، وعمين جمع عم صفة مشبهة لكن تصرف فيه بحذف لامه كقاض إذا جمع فأصله عميين. قال بعضهم: عم فيه دلالة على ثبوت الصفة واستقرارها كفرح وضيق، ولو أريد الحدوث لقيل عام كما يقال فارح وضائق، وقد قرئ عامين حكاها الزمخشري

65

(و) أرسلنا (إلى) قوم (عاد) وهو من ولد سام بن نوح قيل هو عاد بن عوص بن أرم بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وهي عاد الأولى. وعاد الثانية قوم صالح، وهم ثمود، وبينهما مائة سنة (أخاهم) أي واحداً من قبيلتهم أو صاحبهم، وسماه أخاً لكونه ابن آدم مثلهم، قاله الزجاج والعرب تسمى صاحب القوم أخاهم (هوداً) هو ابن عبد الله بن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص المذكور قاله السيوطي في التحبير. وقال ابن إسحق: هو هود بن شالخ المذكور. والأول أولى واشتهر في ألسنة النحاة أن هوداً عربي وفيه نظر لأن الظاهر من كلام سيبويه لما عده مع نوحٍ ولوط أنه أعجمي. وكان بينه وبين نوح ثمانمائة سنة، وعاش أربعمائة وأربعاً وستين سنة. وصرح هنا بتعيين المرسل إليهم دون ما سبق في نوح وما سيأتي في لوط لأن المرسل إليهم إذا كان لهم اسم قد اشتهروا به ذكروا به وإلا فلا. وقد امتازت عاد وثمود ومدين بأسماء مشهورة.

قال الربيع بن خثيم: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشام مثل الذر، وقيل كانت منازل عاد بالأحقاف باليمن، والأحقاف الرمل الذي عند عمان وحضرموت. وقال وهب: كان الرجل من عاد ستين ذراعاً بذراعهم، وكان هامة الرجل مثل القبة العظيمة وكان عين الرجل لتفرخ فيها السباع. وكذلك مناخرهم. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً طولاً، وعن ابن عباس: كان الرجل منهم ثمانين باعاً، وكانت البرة فيهم ككيلة البقرة والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر. ولا تخلو هذه الأقاويل عن ضعف وبعد. (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) ولم يقل هنا فقال كما قال في قصة نوح لأن الفاء تدل على التعقيب وكان نوح مواظباً على دعوة قومه غير متوان فيها، وكان هود دون نوح في المبالغة في الدعاء، وقيل هذا على تقدير سؤال سائل قال فما قال لهم هود فقيل قال يا قوم. (أفلا تتقون) استبعاد وإنكار أي أفلا تخافون ما نزل بكم من العذاب. وقال في سورة هود أفلا تعقلون، ولعله خاطبهم بكل منهما وقد اكتفى بحكاية كل منهما في موطن عن حكايته في موطن آخر كما لم يذكر ههنا ما ذكر هناك من قوله (إن أنتم إلا مفترون) وقس على ذلك حال بقية ما ذكر وما لم يذكر من أجزاء القصة، بل حال نظائره في سائر القصص لا سيما في المحاورات الجارية في الأوقات المتعددة والله أعلم قاله أبو السعود.

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

66

(قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة) هي الخفة والحمق، وقد تقدم بيانه في البقرة نسبوه إلى الخفة والطيش وقلة العقل والجهالة ولم يكتفوا بذلك حتى قالوا (وإنا لنظنك من الكاذبين) مؤكدين لظنهم كذبه فيما ادعاه من الرسالة.

67

(قال يا قوم ليس بي سفاهة) كما تدعون (ولكني رسول من رب العالمين) إليكم، استدرك على ما قبله باعتبار ما يستلزمه من كونه في الغاية القصوى من الرشد، فإن الرسالة من جهة رب العالمين موجبة لذلك فكأنه قيل ليس بي شيء مما تنسبوني إليه ولكني في غاية من الرشد والصدق، ولم يصرح بنفي الكذب اكتفاء بما في حيز الاستدراك، ومن لابتداء الغاية، وقد تقدم بيان معنى هذا قريباً وكذا سبق تفسير قوله.

68

(أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح) فيما آمركم به من عبادة الله وترك عبادة ما سواه (أمين) هو المعروف بالأمانة والثقة على ما ائتمن عليه وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها، وفي إجابة الأنبياء من ينسبهم إلى السفاهة والضلال بما أجابوه به من الكلام الصادر عن الحلم والإغضاء وترك المقابلة بما قالوا لهم مع علمهم بأن خصومهم أضل الناس وأسفههم، أدب حسن وخلق عظيم وتعليم من الله لعباده كيف يخاطبون السفهاء وكيف يغضون عنهم ويسبلون أذيال حلمهم على ما يكون منهم. ونحوه قوله تعالى (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً).

وأتى هود بالجملة الاسمية ونوح بالفعلية حيث قال: وأنصح لكم وذلك لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة وكان نوح يكرر في دعائهم ليلاً ونهاراً من غير تراخ. فناسب التعبير بالفعل وأما هود فلم يكن كذلك بل كان يدعوهم وقتاً دون وقت، فلهذا عبر بالاسمية.

69

(أوعجبتم) من (أن جاءكم ذكر من ربكم على) لسان (رجل منكم لينذركم) بأس ربكم ويخوفكم عقابه، وقد سبق تفسيره (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) أي جعلهم سكان الأرض التي كانوا فيها أذكرهم الله نعمة من نعمه عليهم أو جعلهم ملوكاً. جعل الذكر للوقت والمراد ما كان فيه من الاستخلاف على الأرض لقصد المبالغة، لأن الشيء إذا كان وقته مستحقاً للذكر فهو مستحق له بالأولى. (وزادكم في الخلق بسطة) أي طولاً في الخلق وعظم جسم وقوة زيادة على ما كان عليه آباؤهم في الأبدان، وقيل بسطة أي شدة قاله ابن عباس، وعن أبي هريرة قال: كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من الحجارة لو اجتمع خمسمائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. قال السدي والكلبي: كانت قامة الطويل منهم مائة ذراع، وقامة القصير ستين، وقيل سبعين ذراعاً وقد ورد عن السلف حكايات عن عظم أجرام قوم عاد وفيها كما تقدم. (فاذكروا آلاء الله) أي نعمه عليكم جمع إلى بكسر الهمزة وسكون اللام كحمل وأحمال أو إلى بضم الهمزة وسكون اللام كقفل وأقفال، أو إلى بكسر الهمزة وفتح اللام كضلع وأضلاع وعنب وأعناب أو إلى بفتحهما كقفا وأقفاء ومن جملتها نعمة الاستخلاف في الأرض والبسطة في الخلق وغير ذلك مما أنعم به عليهم، وكرر التذكير لزيادة التقرير (لعلكم تفلحون) إن تذكرتم ذلك لأن الذكر للنعمة سبب باعث على شكرها ومن شكر فقد أفلح.

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)

70

(قالوا) في جواب نصحه لهم (أجئتنا لنعبد الله وحده) هذا استنكار منهم لدعائه إلى عبادة الله وحده دون معبوداتهم التي جعلوها شركاء لله، وإنما كان هذا مستنكر عندهم لأنهم وجدوا آباءهم على خلاف ما دعاهم إليه فلذا قالوا (ونذر ما كان يعبد آباؤنا) أي نترك الذي كانوا يعبدونه من الأصنام وهذا داخل في جملة ما استنكروه وهكذا يقول المقلدة لأهل الاتباع، والمبتدعة لأهل السنة. (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين) هذا استعجال منهم للعذاب الذي كان هود يعدهم به لشدة تمردهم على الله ونكوصهم عن طريق الحق وبعدهم عن اتباع الصواب.

71

(قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب) جعل ما هو متوقع كالواقع تنبيهاً على تحقق وقوعه كما ذكر أئمة المعاني والبيان، وقيل معنى وقع وجب والرجس العذاب، وقيل السخط، وقيل هو هنا الرين على القلب بزيادة الكفر. ثم استنكر ما وقع منهم من المجادلة فقال (أتجادلونني في أسماء) يعني أسماء الأصنام التي كانوا يعبدونها جعلها أسماء عارية لأن مسمياتها لا حقيقة لها بل تسميتها بالآلهة باطل، فكأنها معدومة لم توجد بل الموجود أسماؤها فقط، والاستفهام على سبيل الإنكار. (سميتموها) أي سميتم بها معبوداتكم من جهة أنفسكم (أنتم

فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وآباؤكم) ولا حقيقة لذلك (ما نزل الله بها من سلطان) أي حجة تحتجون بها على ما تدعونه لها من الدعاوي الباطلة، ثم توعدهم بأشد وعيد فقال (فانتظروا إني معكم من المنتظرين) أي فانتظروا ما طلبتموه من العذاب وهو واقع بكم لا محالة ونازل عليكم بلا شك.

72

(فأنجيناه والذين معه برحمة منا) أخبر الله سبحانه أنه نجى هودا ومن معه من المؤمنين به من العذاب النازل بمن كفر به ولم يقبل رسالته فالمعية مجاز عن المتابعة. أخرج ابن عساكر: لما أرسل الله الريح على عاد اعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين عليهم الجلود وتلتذ به الأنفس وأنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض وتدمغه بالحجارة. (وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) الدابر الأصل أو الكائن خلف الشيء وهو الآخر، وإذا قطع الآخر فقد قطع ما قبله فحصل الاستئصال أي الاستيعاب بالقطع، وقد تقدم تحقيق معناه، والمعنى استأصلنا هؤلاء القوم الجامعين بين التكذيب بآياتنا وعدم الإيمان، وأراد بالآيات المعجزات الدالة على صدقه. وعن أبي هريرة قال كان عمر هود أربعمائة سنة واثنتين وسبعين سنة، وعن علي بن أبي طالب قال: قبر هود بحضرموت في كثيب أحمر عند رأسه

سدرة، وعن عثمان بن أبي العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبر هود، وقال عبد الرحمن ابن شبابة: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبياً، وأن قبر هود وصالح وشعيب وإسمعيل في تلك البقعة. ويروى أن كل نبي من الأنبياء إذا هلك قومه جاء هو والصالحون من قومه معه إلى مكة يعبدون الله حتى يموتوا بها، والله أعلم بصحة ذلك. (وما كانوا مؤمنين) مصدقين بالله ولا برسوله هود عليه السلام، وقد أطال القوم في بيان قصة قومه وهلاكهم، وإجمال القرآن يغني عن تفصيل لا يسند.

73

(وإلى ثمود أخاهم صالحاً) ثمود قبيلة سموا باسم أبيهم وهو ثمود بن عاد ابن رام بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح وصالح هو ابن عبيد بن اسف ابن ماسح بن عبيد بن حاذر بن ثمود، وكانت مساكن ثمود " الحجر " بين الحجاز والشام إلى وادي القرى وما حوله، قال أبو عمرو بن العلاء: سميت ثمود لقلة مائها، والثمد الماء القليل، وكان صالح أخاهم في النسب، لا في الدين وكان بينه وبين هود مائة سنة، وعاش صالح مائتين وثمانين سنة كما في التحبير. (قال يا قوم اعبدوا الله) أي وحدوه ولا تشركوا به شيئاً (ما لكم من إله غيره) يستحق أن يعبد سواه وقد تقدم تفسيره في قصة نوح (قد جاءتكم بينة من ربكم) أي معجزة ظاهرة وبرهان جلي وهي إخراج الناقة من الحجر الصلد، عن أبي الطفيل قال: قالت ثمود لصالح: ائتنا بآية إن كنت من الصادقين،

قال: أخرجوا فخرجوا إلى هضبة (¬1) من الأرض فإذا هي تمخض كما تمخض الحامل ثم أنها انفرجت فخرجت الناقة من وسطها فقال لهم صالح. (هذه ناقة الله لكم آية) وليس هذا أول خطاب لهم بل بعد ما نصحهم كما قص في سورة هود من قوله (هو أنشاكم من الأرض واستعمركم فيها) الآيات، وهذه الآية مشتملة على بيان البينة المذكورة، وفي إضافة الناقة إلى الله تشريف لها وتكريم، وكونها آية على صدق صالح أنها خرجت من صخرة في الجبل لا من ذكر ولا أنثى، وكمال خلقها من غير حمل ولا تدريج وقيل غير ذلك. (فذروها تأكل في أرض الله) تفريع على كونها آية من آيات الله فإن ذلك يوجب عدم التعرض لها أي دعوها فهي ناقة الله والأرض أرضه، فلا تمنعوها مما ليس لكم ولا تملكونه. (ولا تمسوها بسوء) أي لا تتعرضوا لها بوجه من الوجوه التي تسوءها، نهى عن المس الذي هو مقدمة الإصابة بالسوء الشامل لأنواع الأذى (فيأخذكم عذاب أليم) أي شديد الألم بسبب عقرها وأذاها ومنعها من الرعي. ¬

(¬1) الهضبة الجبل المنبسط على وجه الأرض إ هـ منه.

74

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد) أي استخلفكم في الأرض أو جعلكم ملوكاً فيها كما تقدم في قصة هود (وبوأكم في الأرض) أي جعل لكم فيها مباءة وهي المنزل الذي تسكنونه أي اسكنكم وأنزلكم في أرض الحجر بكسر الحاء (تتخذون من سهولها قصوراً) أي من سهولة الأرض وهي ترابها تتخذون منه اللبن والآجر ونحو ذلك فتبنون به القصور، وإنما سميت بذلك لقصور الفقراء عن تحصيلها وحبسهم عن نيلها. (وتنحتون) أي تشقون والنحت نجر الشيء الصلب. وفي القاموس نحته ينحته براه والنحاتة البراية والمنحت ما ينحت به (الجبال بيوتاً) تسكنون فيها، وقد كانوا لقوتهم وصلابة أبدانهم ينحتون الصخور فيتخذون فيها كهوفاً يسكنون فيها، لأن الأبنية والسقوف كانت تفنى قبل فناء أعمارهم، قال الضحاك: كان الواحد منهم يعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة وكذا كان قوم هود، وقيل كانوا يسكنون السهول في الصيف والجبال في الشتاء، وهذا يدل على أنهم كانوا متنعمين مترفهين (¬1). (فاذكروا آلاء الله) عليكم واشكروه عليها (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) العثى والعثو لغتان، قال قتادة معناه لا تفسدو والعثو: أشد الفساد، وقيل أراد به عقر الناقة، وقيل هو على ظاهره فيدخل فيه النهي عن جميع أنواع الفساد، وقد تقدم تحقيقه في البقرة بما غنى عن الإعادة. ¬

(¬1) قال وهب بن منبه كان الرجل منهم يبني البنيان. فتمر عليه مائة سنة فيخرب ثم يجدده وهكذا حتى اتخذوا من الجبال بيوتاً.

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76)

75

(قال الملأ الذين استكبروا من قومه) أي الرؤساء المتكبرون من قوم صالح الذين تعظموا عن الإيمان به، والسين زائدة (للذين استضعفوا) أي المساكين الذين استضعفهم المستكبرون، واللام للتبليغ (لمن آمن منهم) بدل من الموصول بإعادة العامل بدل الكل إن كان ضمير منهم لقومه وبدل البعض إن كان للذين على أن المستضعفين من لم يؤمن، والأول هو الوجه إذ لا داعي إلى توجيه الخطاب أولاً إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبة مع المؤمنين منهم، على أن الاستضعاف مختص بالمؤمنين: أي قالوا للمؤمنين الذين استضعفوهم واسترذلوهم. (أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه) إليكم قالوا هذا على طريق الاستهزاء والسخرية (قالوا إنا بما أَرسل به مؤمنون) أجابوهم بأنهم مؤمنون برسالته مع كون سؤال المستكبرين لهم إنما هو عن العلم منهم هل تعلمون برسالته أم لا، مسارعة إلى إظهار ما لهم من الإيمان وتنبيهاً على أن كونه مرسلاً أمر واضح مكشوف لا يحتاج إلى السؤال عنه.

76

(قال الذين استكبروا) عن أمر الله والإيمان به وبرسوله صالح تمرداً وعناداً (إنا بالذي آمنتم به كافرون) أي جاحدون، وهذه الجمل المعنونة بقال مستأنفة لأنها جوابات عن سؤالات مقدرة ولم يقولوا إنا بما أرسل به كافرون إظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم.

77

فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) (فعقروا الناقة) العقر الجرح (¬1)، وقيل قطع عضو يؤثر في تلف النفس، يقال عقرت الفرس إذا ضربت قوائمه بالسيف، وقيل أصل العقر كسر عرقوب البعير ثم قيل للنحر عقر، لأن العقر سبب النحر في الغالب وأسند العقر إلى الجميع مع كون العاقر واحداً منهم لأنهم راضون بذلك موافقون عليه وقال عاقر الناقة لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين، فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون أترضين فتقول نعم، والصبي حتى رضوا أجمعين فعقروها. وفيه من تهويل الأمر وتفظيعه بحيث أصابت غائلته الكل ما لا يخفى. قد اختلف في عاقر الناقة ما كان اسمه فقيل قدار بن سالف، وكان رجلاً أحمر أزرق يزعمون أنه ابن زانية، ولم يكن لسالف ولكنه ولد على فراشه وكان عزيزاً منيعاً في قومه، وقيل غير ذلك، وفر ولد الناقة هارباً فانفتحت له الصخرة التي خرجت منها أمه فدخلها وانطبقت عليه، وقيل: إنهم أدركوه وذبحوه. (وعتوا عن أمر ربهم) أي استكبروا يقال عتا يعتو عتواً استكبر وتعتى فلان إذا لم يطع والليل العاتي الشديد الظلمة والمراد بالأمر الحكم (وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا) من العذاب (إن كنت من المرسلين) هذا استعجال منهم للنقمة وطلب منهم لنزول العذاب وحلول البلية بهم قالوا ذلك استهزاء به وتعجيزاً له. ¬

(¬1) روى ابن ماجه 2/ 934 عن عمرو بن عبسة: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي الجهاد أفضل قال: من أهرق دمه وعقر جواده وإسناده ضعيف.

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79)

78

(فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة الشديدة العظيمة قال الزجاج والفراء، يقال رجف الشيء يرجف رجفاناً، وأصله حركة مع صوت ومنه يوم ترجف الراجفة، وقيل كانت صيحة شديدة خلعت قلوبهم، قاله مجاهد والسدي وقيل: إنه أخذتهم الزلزلة من تحتهم والصيحة من فوقهم حتى هلكوا، وعلى هذا في الآية كفاية وقد وقع التصريح بها في آية أخرى فكان عذابهم بالرجفة والصيحة فذكر في كل موضع واحدة منهما. (فأصبحوا في دارهم) أي بلدهم وأرضهم (جاثمين) أي لاصقين بالأرض على ركبهم ووجوههم كما يجثم الطائر، وأصل الجثوم للأرنب وشبهها، وقيل الجثوم للناس والطير بمنزلة البروك للبعير، وجثوم الطير هو وقوعه لاطئاً بالأرض في حال نومه وسكونه بالليل، والمراد أنهم أصبحوا في دورهم ميتين لا حراك بهم.

79

(فتولى عنهم) صالح عند اليأس من إجابتهم وقيل بعد أن ماتوا وهلكوا (وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) يحتمل أنه قال لهم هذه المقالة بعد موتهم على طريق الحكاية الماضية كما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من التكلم لأهل قليب بدر بعد موتهم، أو قالها لهم عند نزول العذاب بهم، وكأنه كان مشاهداً لذلك فتحسر على ما فاتهم من الإيمان والسلامة من العذاب. وقيل إنما خاطبهم بذلك ليكون عبرة لمن يأتي من بعدهم فينزجر عن مثل تلك الطريقة التي كانوا عليها، ثم أبان عن نفسه أنه لم يأل جهداً في إبلاغهم

الرسالة ومحض النصح، ولكن أبوا ذلك فلم يقبلوا منه فحق عليهم العذاب ونزل بهم ما كذبوا به واستعجلوه. عن قتادة أن صالحاً قال لهم حين عقروا الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام، ثم قال لهم: آية هلاككم أن تصبح وجوهكم غدا مصفرة، واليوم الثاني محمرة، واليوم الثالث مسودة، فأصبحت كذلك فلما كان اليوم الثالث أيقنوا بالهلاك فتكفنوا وتحنطوا ثم أخذتهم الصيحة فأهمدتهم. وأخرج أحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بالحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم (¬1) وأصل الحديث في الصحيحين من غير وجه. وفي لفظ لأحمد من هذا الحديث قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على تبوك نزل بهم الحجر عند بيوت ثمود، قيل وكانت الفرقة المؤمنة من قوم صالح أربعة آلاف خرج بهم صالح إلى حضر موت فلما دخلوها مات صالح فسمي حضر موت، ثم بنوا أربعة آلاف مدينة وسموها حاضوراء، وقال قوم توفي صالح بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة وأقام في قومه عشرين سنة. ¬

(¬1) مسلم 2980 - البخاري 284.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81)

80

(و) اذكر (لوطاً إذ قال لقومه) أي وقت أن قال لقومه، قال الفراء: لوط مشتق من قولهم هذا أليط بقلبي أي ألصق، وقال الزجاج: ومن زعم أنه من لطت الحوض إذا ملسته بالطين فقد غلط لأن الأسماء العجمية لا تشتق، وقال سيبويه: نوح ولوط أسماء أعجمية إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت. ولوط هو ابن هاران بن تارخ فهو ابن أخي إبراهيم، وليس من أنبياء بني إسرائيل وكانا ببابل بالعراق فهاجرا إلى الشام فنزل إبراهيم أرض فلسطين، ونزل لوط بالأردن وهي قرية بالشام وبعثه الله إلى أمة يقال لها سذوم بالذال المعجمة وهي بلد بحمص. (أتأتون) الخصلة (الفاحشة) الخسيسة المتمادية في الفحش والقبح وهي أدبار الرجال قاله ابن عباس قال ذلك إنكاراً عليهم وتوبيخاً لهم (ما سبقكم بها من أحد من العالمين) أي لم يفعلها أحد من قبلكم، فإن اللواط لم يكن في أمة من الأمم قبل هذه الأمة، والباء للسببية وقال الزمخشري: للتعدية ومن مزيدة للتوكيد للعموم في النفي، وأنه مستغرق لما دخل عليه، والجملة مسوق لتأكيد النكير عليهم والتوبيخ لهم، قال عمرو بن دينار: ما نزى ذكر على ذكر في الدنيا إلا ما كان من قوم لوط.

81

(إنكم لتأتون الرجال) في أدبارهم هذا توبيخ آخر أشنع مما سبق لتأكيده بأن وباللام واسمية الجملة (شهوة) أي تشتهونهم شهوة أو لأجل الاشتهاء أو مشتهين، يقال شهى يشهى شهوة وشها يشهو شهوة، قال ابن عباس: إنما كان

بدأ عمل قوم لوط أن إبليس جاءهم في هيئة صبي أجمل صبي رآه الناس فدعاهم إلى نفسه فنكحوه ثم جسروا على ذلك. قرئ إن بهمزة مكسورة وبهمزتين على الاستفهام المقتضى للتوبيخ والتقريع، واختار الأولى أبو عبيد والكسائي وغيرهما والثانية الخليل وسيبويه، وفيه أنه لا غرض لهم بإتيان هذه الفاحشة إلا مجرد قضاء الشهوة من غير أن يكون لهم في ذلك غرض يوافق العقل فهم في هذا كالبهائم التي ينزو بعضها على بعض لما يتقاضاه من الشهوة. (من دون النساء) أي متجاوزين في فعلكم هذا للنساء اللاتي هن محل لقضاء الشهوة وموضع لطلب اللذة (بل أنتم قوم مسرفون) أي مجاوزون الحلال إلى الحرام يعني من فروج النساء إلى أدبار الرجال. أضرب عن الإنكار المتقدم إلى الإخبار بما هم عليه من الإسراف الذي تسبب عنه إتيان هذه الفاحشة الفظيعة، والمشهور أنه إضراب انتقالي من قصة إلى قصة، وقيل بل للإضراب عن شيء محذوف، قال أبو البقاء: تقديره ما عدلتم بل أنتم الخ وقال الكرماني بل أنتم رد لجواب زعموا أن يكون لهم عذر أي لا عذر لكم بل أنتم.

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)

82

(وما كان جواب قومه) الواقعين في هذه الفاحشة عما أنكره عليهم منها والمستكبرين منهم المتصدين للحل والعقد (إلا أن قالوا) استثناء مفرغ (أخرجوهم) أي لوطاً وأتباعه (من قريتكم) من سذوم بوزن رسول وهي من قرى حمص بالشام، ولم يكن لهم جواب إلا هذا القول المبائن للإنصاف المخالف لما طلبه منهم، وأنكره عليهم. (إنهم أناس يتطهرون) أي يتنزهون من أدبار الرجال والنساء والتطهر تعليل لما أمروا به من الإخراج ووصفهم بالتطهر يمكن أن يكون على حقيقته، وأنهم أرادوا أن هؤلاء يتنزهون عن الوقوع في هذه الفاحشة فلا يساكنوننا في قريتنا، ويحتمل أنهم قالوا ذلك على طريق السخرية والاستهزاء، وقيل أن البعد عن المعاصي والآثام يسمى طهارة فمن تباعد عنهما فقد تطهر.

83

(فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين) أخبر سبحانه أنه أنجى لوطاً وأهله المؤمنين به، وقيل المراد بأهله المتصلون به بسبب النسب أو المراد ابنتاه، واستثنى امرأته من الأهل لكونها لم تؤمن به، والمعنى أنها كانت من الباقين في عذاب الله لأنها كانت كافرة، يقال غبر الشيء إذا مضى وغبر إذا بقي فهو من الأضداد وحكى ابن فارس في المجمل عن قوم أنهم قالوا الماضي عابر بالمهملة، والباقي غابر بالمعجمة. وقال الزجاج: من الغائبين عن النجاة، وقال أبو عبيد: المعنى من المعمرين وكانت قد هرمت وأتى عليها دهر طويل ثم هلكت، وأكثر أهل اللغة على أن الغابر الباقي، قال سعيد بن أبي عروبة: كان قوم لوط أربعة آلاف ولم يقل من الغابرات لأنها هلكت مع الرجال ..

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)

84

(وأمطرنا عليهم مطراً) قيل أمطر بمعنى أرسل المطر وقال أبو عبيد: مطر في الرحمة وأمطر في العذاب وهذا مردود بقوله تعالى (هذا عارض ممطرنا) فإنهم إنما عنوا بذلك الرحمة وهو من أمطر رباعياً ومطر وأمطر بمعنى واحد، والمعنى هنا أن الله أمطر عليه حجارة من سجيل قد عجنت بالكبريت والنار. (فانظر كيف كان عاقبة المجرمين) هذا خطاب لكل من يصلح له ولمحمد صلى الله عليه وسلم قاله الأصفهاني في تفسيره، وسيأتي في هود قصة لوط بأبين مما هنا، قال مجاهد: نزل جبريل فأدخل جناحه تحت مداين قوم لوط فاقتلعها ورفعها إلى السماء ثم قلبها فجعل أعلاها أسفلها ثم اتبعوا بالحجارة.

85

(و) أرسلنا (إلى مدين) اسم قبيلة وقيل اسم بلد والأول أولى، وسميت القبيلة باسم أبيهم وهو مدين بن إبراهيم كما يقال بكر وتميم، وقيل مدين اسم الماء الذي كانوا عليه، وقيل مشترك بينهما. (أخاهم شعيباً) وهو شعيب بن ميكائيل بن يشجب بن مدين بن إبراهيم قاله عطاء وابن إسحاق وغيرهما، وقال الشرفي بن القطامي أنه شعيب بن عيفاء ابن ثويب بن مدين بن إبراهيم، وزعم ابن سمعان أنه شعيب بن حرة بن يشجب بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم، وقال ابن إسحق: هو شعيب ابن مكيل بن شجر بن مدين بن إبراهيم، وأم مكيل بنت لوط، وقيل هو شعيب ابن شيرون بن مدين، وقال قتادة: هو شعيب بن صفوان بن عيفاء بن

ثابت ابن مدين. عن عكرمة والسدي قالا ما بعث الله نبياً مرتين إلا شعيباً مرة إلى مدين، فأخذتهم الصيحة، ومرة إلى أصحاب الأيكة فأخذهم الله بعذاب يوم الظلة وكان شعيب أعمى، وكان يقال له خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه. وكان قومه أهل كفر وبخس في المكيال والميزان. (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) قد سبق شرحه في قصة نوح (قد جاءتكم بينة من ربكم) قد تبين تفسيره أيضاً ولم يتبين هذه المعجزة في القرآن العظيم كأكثر معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم. وقيل أن المراد بها نفسه، وقيل أن المراد بها قوله (فأوفوا الكيل والميزان) وقيل غير ذلك وأمرهم بإبقاء الكيل والميزان لأنهم كانوا أهل معاملة بالكيل والوزن وكانوا لا يوفونهما. وذكر الكيل الذي هو المصدر وعطف عليه الميزان الذي هو اسم للآلة واختلف في توجيه ذلك فقيل المراد بالكيل المكيال فيناسب عطف الميزان عليه، وقيل المراد بالميزان الوزن فيناسب الكيل والمعنى أتموهما وأعطوا الناس حقوقهم. (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) البخس النقص وهو يكون بالتعييب للسلعة أو التزهيد فيها أو المخادعة لصاحبها والاحتيال عليه، وكل ذلك من أكل أموال الناس بالباطل، وظاهر الآية أنهم كانوا يبخسون في كل الأشياء، وقيل كانوا مكاسين يمكسون كل ما دخل إلى أسواقهم، وقال ابن عباس: لا تبخسوا أي لا تظلموا الناس وبه قال قتادة. (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) أي بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل وإقامة العدل، قيل كانت الأرض قبل أن يبعث الله شعيباً رسولاً تعمل فيها المعاصي وتستحل فيها المحارم، وتسفك فيها الدماء فذلك فسادها، فلما بعث الله شعيباً ودعاهم إلى الله صلحت الأرض، وكل نبي يبعث إلى قوم فهو صلاحهم ويدخل تحته قليل الفساد وكثيره ودقيقه وجليله. (ذلكم) إشارة إلى العمل بما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه (خير لكم)

وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) المراد بالخيرية هنا الزيادة المطلقة لأنه لا خير في عدم إيفاء الكيل والوزن وفي بخس الناس وفي الفساد في الأرض أصلاً (إن كنتم مؤمنين) أي مصدقين بما أقول ومريدين الإيمان فبادروا إليه.

86

(ولا تقعدوا) لهم (بكل صراط) محسوس (توعدون) الصراط الطريق قيل كانوا يقعدون في الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وغيرهم وقيل المراد القعود على طرق الدين ومنع من أراد سلوكها، وليس المراد به القعود على الطرق حقيقة ويؤيده (وتصدون عن سبيل الله من آمن به) كما سيأتي. وقيل المراد بالآية النهي عن قطع الطريق وأخذ السلب وكان ذلك من فعلهم وقيل: إنهم كانوا عشارين يأخذون الجباية في الطرق من أموال الناس فنهوا عن ذلك، والقول الأول أقربها إلى الصواب مع أنه لا مانع من حمل النهي على جميع هذه الأقوال المذكورة والمعنى لا تقعدوا بكل طريق موعدين لأهله ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس كل مذهب. (وتصدون عن سبيل الله) أي صادين عنه باغين لها عوجاً والمراد بالصد عنه صد الناس عن الطريق الذي قعدوا عليه ومنعهم من الوصول إلى شعيب

فإن سلوك الناس في ذلك السبيل للوصول إلى نبي الله هو سلوك سبيل الله (¬1). والضمير في (من آمن به) يرجح إلى الله أو إلى السبيل أو إلى كل صراط أو إلى شعيب (وتبغونها عوجاً) أي تطلبون سبيل الله أن تكون معوجة غير مستقيمة، وقيل معناه تلتمسون لها الزيغ والضلال ولا تستقيمون على طريق الهدى والرشاد، وقد سبق الكلام على العوج، وقال الزجاج: كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام. (واذكروا) نعمته عليكم (إذ كنتم) أي عددكم أو مالكم أو قوتكم (قليلاً فكثركم) بالنسل والقوة والغناء (وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين) قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية حين عتوا على ربهم وعصوا رسله فإن الله أهلكهم وأنزل بهم من العقوبات ما ذهب بهم ومحا أثرهم. وأقربهم إليكم قوم لوط فانظروا كيف أنزل الله عليهم حجارة من السماء. ¬

(¬1) وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا مثل لقوم من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه -ثم تلا- " (ولا تقعدوا بكل صراطٍ توعدون) الآية.

87

(وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به) إليكم من الأحكام التي شرعها الله لكم (وطائفة) منكم (لم يؤمنوا) به (فاصبروا) أي انتظروا (حتى يحكم الله بيننا) وبينكم (وهو خير الحاكمين) أي أعدلهم، هذا من باب التهديد والوعيد الشديد لهم، وليس هو من باب الأمر بالصبر على الكفر وحكم الله بين الفريقين هو نصر المحقين على المبطلين ومثله قوله تعالى (فتربصوا إنا معكم متربصون) أو هو أمر للمؤمنين بالصبر على ما يحل بهم من أذى الكفار حتى ينصرهم الله عليهم، وقيل للفريقين وهذا هو الظاهر.

88

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) (قال الملأ الذين استكبروا) أي الأشراف المستكبرون عن الإيمان (من قومه) استئناف بياني كأنه قيل فماذا قالوا بعد سماعهم هذه المواعظ من شعيب (لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا) لم يكتفوا بترك الإيمان والتمرد عن الإجابة إلى ما دعاهم اليه، بل جاوزوا ذلك بغياً وبطراً وأشراً إلى توعد نبيهم ومن آمن به بالإخراج من قريتهم أو عودهم في ملتهم الكفرية أي لا بد من أحد الأمرين إما الإخراج أو العود. ومقصودهم الأصلي هو العود، وإنما ذكر النفي والإجلاء لمحض القسر والإلجاء كما يفصح عنه عدم تعرضه لجواب الإخراج على ما هو ظاهر النظم، وتوسيط النداء باسمه العلمي بين المعطوفين لزيادة التقرير والتهديد الناشئة عن غاية الوقاحة والطغيان أي والله لنخرجنك وأتباعك، وإنما لم يقولوا أو لنعيدنكم على طريقة ما قبله لما أن مرادهم العود بطريق الاختيار وصورة الطواعية. وكلمة " عاد " لها في لسانهم استعمالان (أحدهما) وهو الأصل أنه الرجوع إلى ما كان عليه من الحال الأول (والثاني) استعمالها بمعنى صار، قال السمين: واستشكلوا على كونها بمعناها الأصلي أن شعيباً لم يكن قط على دينهم ولا في ملتهم فكيف يحسن أن يقال أو لتعودن أي ترجعن إلى حالتكم الأولى والخطاب له ولأتباعه. وقد أجيب عن ذلك بثلاثة أوجه (أحدها) أن هذا القول من رؤسائهم قصدوا به التلبيس على العوام والإيهام لهم أنه كان على دينهم وعلى ملتهم. الثاني: أن يراد بعوده رجوعه إلى حاله قبل بعثته من السكوت لأنه قبل

أن يبعث إليهم كان يخفي إيمانه وهو ساكت عنهم، بريء من معبوداتهم غير الله. الثالث: تغليب الجماعة على الواحد لأنهم لما أصحبوه مع قومه في الإخراج حكموا عليه وعليهم بالعود إلى الملة تغليباً لهم عليه. وأما إذا جعلناهم بمعنى صار فلا إشكال في ذلك إذ المعنى لتصيرن في ملتنا بعد أن لم تكونوا، وفي ملتنا حال على الأول، خبر على الثاني، وعدى عاد بفي الظرفية تنبيهاً على أن الملة صارت لهم بمنزلة الوعاء المحيط بهم انتهى. والأولى ما قال الزجاج يجوز أن يكون العود بمعنى الابتداء يقال عاد إلى من فلان مكروه أي صار وإن لم يكن سبقه مكروه قبل ذلك فلا يرد ما يقال كيف يكون شعيب على ملتهم الكفرية من قبل أن يبعثه الله رسولاً، ويحتاج إلى الجواب بتغليب قومة المتبعين له عليه في الخطاب بالعود إلى ملتهم والقرية هي مدين وبينها وبين مصر ثمانية مراحل. (قال أو لو كنا كارهين) الهمزة لإنكار وقوع ما طلبوه من الإخراج أو العود أي أتعيدوننا في ملتكم حال كراهتنا للعود إليها، أو أتخرجوننا من قريتكم في حال كراهتنا للخروج منها، أو في حال كراهتنا للأمرين جميعاً، والمعنى أنه ليس لكم أن تكرهونا على أحد الأمرين ولا يصلح لكم ذلك، فإن المكره لا اختيار له ولا تعد موافقته مكرهاً موافقة ولا عوده إلى ملتكم مكرهاً عوداً. وبهذا التقرير يندفع ما استشكله كثير من المفسرين في هذا المقام حتى تسبب عن ذلك تطويل ذيول الكلام.

89

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) (قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم) التي هي الشرك، والجملة استئناف إخبار فيه معنى التعجب قاله الزمخشري كأنه قيل ما أكذبنا على الله إن عدنا في الكفر أو أنه جواب قسم محذوف، والتقدير: والله لقد افترينا وجعله ابن عطية احتمالاً (بعد إذ نجانا الله منها) بالإيمان فلا يكون منا عود إليها أصلاً. (وما يكون) أي ما يصح (لنا) ولا يستقيم ولا ينبغي (أن نعود فيها) بحال من الأحوال (إلا أن يشاء الله) أي إلا في حال ووقت مشيئة الله عودنا فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الزجاج: أي إلا بمشيئة الله عز وجل قال وهذا قول أهل السنة، والمعنى أنه لا يكون منا العود إلى الكفر إلا أن يشاء الله ذلك، فالاستثناء منقطع وقيل إن الاستثناء هنا على جهة التسليم لله عز وجل كما في قوله وما توفيقي إلا بالله. وقيل هو كقولهم لا أكلمك حتى يبيض الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط والغراب لا يبيض والجمل لا يلج، فهو من باب التعليق بالمحال ولم تزل الأنبياء والأكابر يخافون العاقبة وانقلاب الأمر، ألا ترى إلى قول الخليل (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) وكان نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كثيراً ما يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " (¬1) وقيل المعنى وما يكون لنا أن نعود فيها ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير/7865.

أي القرية بعد أن كرهتم مجاورتنا لكم إلا أن يشاء الله عودنا إليها. (وسع ربنا كل شيء علماً) أي أحاط علمه بكل المعلومات فلا يخرج عنه منها شيء (على الله توكلنا) أي عليه نعتمد وإليه نستند في أن يثبتنا على الإيمان ويحول بيننا وبين الكفر وأهله ويتم علينا نعمته ويعصمنا من نقمته. (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين) إعراض عن مكالمتهم لما ظهر له من شدة عنادهم بحيث لا يتصور منهم الإيمان، وإقبال على الله بالدعاء لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كل من الفريقين أي أحكم بيننا بالحق، والفتاحة بالضم الحكومة، وحكمه سبحانه لا يكون إلا بنصر المحقين على المبطلين كما أخبرنا به في غير موضع من كتابه، وكأنهم طلبوا نزول العذاب بالكافرين وحلول نقمة الله بهم. قال الفراء: إن أهل عمان يسمون القاضي الفاتح والفتاح، وقال غيره من أهل اللغة هي لغة مراد، وهذا قول قتادة والسدي وابن جريح وجمهور المفسرين وقيل لغة حمير، وقال الزجاج: العنى ربنا أظهر أمرنا حتى ينفتح بيننا وبين قومنا وينكشف، وعلى هذا افتح مجاز بمعنى أظهر وبين. ومنه فتح المشكل لبيانه وحله تشبيهاً له بفتح الباب وإزالة الأغلاق حتى يوصل إلى ما خلفه.

90

(وقال الملأ الذين كفروا من قومه) يحتمل أن يكون هؤلاء هم الذين استكبروا ويحتمل أن يكونوا غيرهم من طوائف الكفار الذين أرسل إليهم شعيب (لئن اتبعتم شعيباً) أي دخلتم في دينه وتركتم دينكم (إنكم إذاً لخاسرون) في الدين أو الدنيا وخسرانهم هلاكهم أو ما يخسرونه بسبب إيفاء الكيل والوزن وترك الطفيف الذي كانوا يعاملون الناس به وهو جواب القسم الموطأ له باللام قاله الزمخشري.

وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92)

91

(فأخذتهم الرجفة) أي الزلزلة وقيل الصيحة كما في قوله (وأخذت الذين ظلموا الصيحة) ولعلها كانت في مبادئ الرجفة فأسند هلاكهم إلى السبب القريب تارة وإلى البعيد أخرى (فأصبحوا في دارهم جاثمين) باركين على الركب ميتين، قد تقدم تفسيره في قصة صالح، قال قتادة: بعث الله شعيباً إلى أصحاب الأيكة وإلى مدين فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أهل مدين فأخذتهم الرجفة صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا جميعاً، وروي أن الله تعالى حبس عنهم الريح سبعة أيام ثم سلط عليهم الحر حتى هلكوا.

92

(الذين كذبوا شعيباً كأن لم يغنوا فيها) جملة مبينة لما حل بهم من النقمة يقال غنيت بالمكان إذا أقمت به، وغنى القوم في دارهم أي طال مقامهم فيها، والمغنى المنزل، والجمع المغاني، وهي المنازل التي بها أهلها، والمعنى كأن لم يقيموا في دارهم أصلاً ولم ينزلوها يوماً من الدهر، فإن الله سبحانه استأصلهم بالعذاب وقيل المعنى كان لم يعيشوا فيها متنعمين مستغنين، يقال غني الرجل إذا استغنى وهو من الغنى الذي هو ضد الفقر والأول أولى. (الذين كذبوا شعيباً كانوا هم الخاسرين) هذه الجملة مستأنفة كالأولى متضمنة لبيان خسران القوم المكذبين، وإعادة الموصول والصلة كما هي لزيادة التقرير والإيذان بأن ما ذكر في حيز الصلة هو الذي استوجب العقوبتين.

93

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) (فتولى) أي فأعرض (عنهم) شعيب شاخصاً من بين أظهرهم لما شاهد نزول العذاب بهم (وقال) أي قبل نزول العذاب أو بعده على قولين سبقا في قصة صالح عليه السلام (يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي) التي أرسلني بها إليكم (ونصحت لكم) ببيان ما فيه سلامة دينكم ودنياكم (فكيف آسى) أي أحزن (على قوم كافرين) بالله مصرين على كفرهم متمردين عن الإجابة، والأسى شدة الحزن أسى على ذلك فهو آس. قال شعيب: هذه المقالة تحسراً على عدم الإيمان ثم سلى نفسه بأنه كيف يقع منه الأسى على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم بالله وعدم قبولهم لما جاء به رسوله أو أراد لقد أعذرت لكم في الإبلاغ والتحذير فلم تسمعوا قولي ولم تقبلوا نصحي فكيف أحزن عليكم، يعني أنكم لستم مستحقين لأن يحزن عليكم والأول أولى. عن ابن عباس قال: في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما قبر إسمعيل وقبر شعيب فقبر إسمعيل في الحجر، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود وعن وهب بن منبه أن شعيباً مات بمكة ومن معه من المؤمنين فقبورهم في غربي الكعبة بين دار الندوة وبين باب بني سهم. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم عن أبي إسحق قال: ذكر لي يعقوب بن أبي مسلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذكر شعيباً قال " ذاك خطيب الأنبياء " لحسن مراجعته قومه فيما يريدهم به فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلادهم وعتوا على الله أخذهم عذاب يوم الظلة " (¬1). ¬

(¬1) المستدرك كتاب التاريخ 2/ 568.

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)

94

(وما أرسلنا) لما فصل الله سبحانه أحوال بعض الأنبياء مع أممهم وهم المذكورون سابقاً أجمل حال سائر الأمم المرسل اليها، والمعنى ما أرسلنا في حال من الأحوال (في قرية) من القرى (من) مزيدة لتوكيد النفي (نبي) من الأنبياء فكذبه أهلها (إلا أخذنا أهلها) استثناء مفرغ من أعم الأحوال (بالبأساء) أي البؤس وشدة الفقر (والضراء) أي وبالضر. وقال الزجاج: البأساء كل ما نالهم من الشدة في أموالهم والضراء كل ما نالهم من الأمراض، وقيل البأساء الشدة وضيق العيش، والضراء سوء الحال، وقد تقدم تفسيرهما (لعلهم يضرعون) أي لكي يتضرعوا ويتذللوا فيدعوا ما هم عليه من الاستكبار وتكذيب الأنبياء، وفيه تخويف وتحذير لكفار قريش وغيرهم من الكفار لينزجروا عما هم عليه من الكفر والتكذيب.

95

(ثم) أي بعد الأخذ لأهل القرى (بدلنا) هم (مكان السيئة) التي أصبناهم بها من البلاء والامتحان الخصلة (الحسنة) فصاروا في خير وسعة وأمن وصحة، وقال ابن عباس أي مكان الشدة الرخاء قال أهل اللغة السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة كل ما يستحسنه الطبع والعقل، فأخبر الله في هذه الآية بأنه يؤاخذ أهل المعاصي والكفر تارة بالشدة وتارة بالرخاء على سبيل الاستدراج. (حتى عفوا) يقال عفا النبات إذا كثر وتكاثف ومنه إعفاء اللحى، واللحى بالضم والكسر كما في كتاب العين، وعفا درس فهو من الأضداد والمراد هنا أنهم كثروا عدداً وعُدداً.

(وقالوا) عند أن صاروا في الرخاء بعد الشدة (قد مس آباءنا الضراء والسراء) أي إن هذا الذي مسنا من البأساء والضراء ثم من الرخاء والخصب من بعد هو أمر وقع لآبائنا قبلنا مثله، فمسّهم من البأساء والضراء ما مسنا ومن النعمة والخير ما نلناه، ومرادهم أن هذه العادة الجارية في السلف والخلف، وإن ذلك ليس من الله سبحانه ابتلاء لهم واختباراً لما عندهم. وفي هذا من شدة عنادهم وقوة تمردهم وعتوهم ما لا يخفى، ولهذا عاجلهم الله بالعقوبة ولم يمهلهم كما قال (فأخذناهم بغتة) أي فجأة عقب أن قالوا هذه المقالة من دون تراخ ولا إمهال ليكون ذلك أعظم لحسرتهم، والمراد من ذكر هذه القصة أن يعتبر من سمعها فينزجر (وهم لا يشعرون) بذلك العذاب النازل بهم ولا يترقبونه.

96

(ولو أن أهل القرى) التي أرسلنا إليها رسلنا، ويجوز أن تكون اللام للجنس والمراد لو أن أهل القرى أين كانوا وفي أي بلد سكنوا (آمنوا) بالرسل المرسلين إليهم (واتقوا) ما صمموا عليه من الكفر ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح (لفتحنا عليهم) أي يسرنا لهم (بركات من السماء والأرض) أي خيرهما كما يحصل التيسير للأبواب المغلقة بفتح أبوابها قيل المراد بخير السماء المطر وبخير الأرض النبات والثمار. والأولى حمل ما في الآية على ما هو أعم من ذلك من الخيرات والأنعام والأرزاق والأمن والسلامة من الآفات وجميع ما فيهما وكل ذلك من فضل الله وإحسانه، وأصل البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء ويسمى المطر بركة السماء لثبوت البركة فيه، وكذا ثبوت البركة في نبات الأرض لأنه نشأ من بركات السماء وهي المطر، وقال البغوي: أصل البركة المواظبة على الشيء أي رفعنا عنهم القحط والجدب وتابعنا عليهم المطر والنبات. (ولكن كذبوا) بالآيات والأنبياء ولم يؤمنوا بهم ولا اتقوا وقد اكتفى بذكر الأول لاستلزامه للثاني (فأخذناهم) بأنواع العذاب (بما كانوا يكسبون) أي

أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100) بسبب ما كسبوا من الكفر والذنوب الموجبة لعذابهم ومن جملتها قولهم قد مس آباءنا الآية.

97

(أفأمن) الاستفهام للتقريع والتوبيخ وهو مثل (أفحكم الجاهلية يبغون) والفاء للعطف على أخذناهم بغتة وما بينهما اعتراض، والمعنى أبعد ذلك الأخذ أمن أهل القرى، ذكره أبو السعود، وبه قال الزمخشري. قال الشيخ: وهذا رجوع عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجماعة، وذلك أن مذهبه في الهمزة الداخلة على حرف العطف تقدير معطوف عليه بين الهمزة وحرف العطف، ومذهب الجماعة أن حرف العطف في نية التقديم، وإنما تأخر وتقدمت عليه الهمزة لقوة تصدرها في أول الكلام، والزمخشري هنا لم يقدر بينهما معطوفاً عليه بل جعل ما بعد الفاء معطوفاً على ما قبلها من الجمل وهو قوله (فأخذناهم بغتة) ذكره السمين. (أهل القرى) المذكورة قبله وقيل المراد بالقرى مكة وما حولها لتكذيبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والعموم أولى (أن يأتيهم بأسنا بياتاً) أي وقت بيات وهو الليل (وهم نائمون) غافلون عنه

98

(أو أمن أهل القرى) إنكار بعد إنكار للمبالغة في التوبيخ (أن يأتيهم بأسنا ضحى) أي نهاراً والضحى ضحوة النهار أي صدره وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت. وفي السمين الضحى اشتداد الشمس وامتداد النهار يقال ضحى وضحاء إذا ضممته قصرته، وإذا فتحته مددته، وقال بعضهم الضحى بالضم والقصر لأول ارتفاع الشمس، والضحاء بالفتح والمد لقوة ارتفاعها قبل الزوال،

والضحى مؤنث انتهى (وهم يلعبون) أي حال كونهم مشتغلين بما لا يعود عليهم بفائدة.

99

(أفأمنوا مكر الله) الاستفهام للتقريع والتوبيخ وإنكار ما هم عليه من أمان ما لم يؤمن من مكر الله بهم وعقوبته لهم، وفي تكرير هذا الاستفهام زيادة تقرير لإنكار ما أنكره عليهم، وقيل مكر الله استدراجه إياهم بما أنعم عليهم من الدنيا والنعمة والصحة، والأولى حمل الآية على ما هو أعم من ذلك. ثم بين حال من أمن مكر الله فقال (فلا يأمن مكر الله) المكر الاحتيال والخديعة والمراد بمكر الله هنا فعل ما يعاقب به الكفرة على كفرهم، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة على ذنبهم، فإن العرب تسمى العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نص في قوله (ومكروا ومكر الله) قاله ابن عطية. قلت وهو تأويل حسن وأنه من باب المقابلة أيضاً والفاء في قوله (فلا يأمن) للتنبيه على أن العذاب يعقب أمن مكر الله (إلا القوم الخاسرون) أي الذين أفرطوا في الخسران ووقعوا في وعيده الشديد حتى صاروا إلى النار، قال الشبلي: مكره بهم تركه إياهم على ما هم عليه.

100

(أولم يهد) أي أو لم يبين فالهداية هنا بمعنى التبيين، ولهذا عديت باللام (للّذين يرثون الأرض من بعد) إهلاك (أهلها) أي المشركين، قاله السدي وقيل المراد بهم أهل مكة وما حولها أي الذين كانوا من قبلهم فورثوها عنهم وخلفوهم فيها (أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم) أي أن الشأن هو هذا والمعنى عاقبناهم بسبب كفرهم فأهلكنا الوارثين كما أهلكنا الموروثين. (ونطبع) نختم (على قلوبهم) مستأنفة ولا يصح عطفه على أصبناهم لأنهم ممن طبع الله على قلبه لعدم قبولهم للإيمان (فهم لا يسمعون) أي إخبار الأمم المهلكة فضلاً عن التدبر والتفكر فيها والاعتبار بها والاغتنام بما في تضاعيفها من الهداية أي صاروا بسبب الطبع على قلوبهم لا يسمعون ما يتلوه عليهم من أرسله الله إليهم من المواعظ والأعذار والإنذار سماع تدبر.

تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

101

(تلك) مبتدأ مشار بها إلى ما بعدها و (القرى) خبرها أي التي أهلكناها وهي قرى قوم نوح وهود وثمود وصالح ولوط وشعيب المقدم ذكرها (نقص) حال أي قاصين وهذا كقوله تعالى (هذا بعلي شيخاً) في كونه مبتدأ خبراً وحالاً قاله الزمخشري (عليك من أنبائها) أي أخبارها وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين وتحذير للكافرين من قريش وغيرهم. ومن للتبعيض لأنه إنما قص عليه صلى الله عليه وآله وسلم ما فيه عظة وانزجار دون غيرهما ولها أنباء غيرها لم يقصها عليه، وإنما قص عليه أنباء أهل هذه القرى لأنهم اغتروا بطول الإمهال مع كثرة النعم، فتوهموا أنهم على الحق فذكرها الله لقوم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليحترزوا عن مثل تلك الأعمال. (ولقد) لام قسم (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي المعجزات الباهرات كما سبق بيانه في قصص الأنبياء المذكورين قبل هذا (فما كانوا ليؤمنوا) عند مجيء الرسل اللام زائدة لتوكيد النفي (بما كذبوا) به (من قبل) أي قبل مجيئهم أو فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل في حال من الأحوال ولا في وقت من الأوقات بما كذبوا به قبل مجيئهم بل هم مستمرون على الكفر متشبثون بأذيال الطغيان دائماً ولم ينجح فيهم مجيء الرسل ولا ظهر له أثر بل حالهم عند مجيئهم كحالهم قبله. وقيل المعنى فما كانوا ليؤمنوا بعد هلاكهم بما كذبوا به لو أحييناهم

كقوله: (ولو ردوا لعادوا) قاله مجاهد وقيل سألوا المعجزات فلما رأوها لم يؤمنوا بما كذبوا به من قبل رؤيتها، والأول أولى. ومعنى تكذيبهم قبل مجيء الرسل أنهم كانوا في الجاهلية يكذبون بكل ما سمعوا به من إرسال الرسل وإنزال الكتب. وقال أبي بن كعب: كان في علم الله يوم أقروا له بالميثاق حين أخرجهم من ظهر آدم من يكذب به ممن يصدق به، وهو معنى قول ابن عباس والسدي آمنوا كرهاً يوم أخذ الميثاق، وقال الطبري: وأولى الأقوال قول أبي بن كعب والربيع ابن أنس وذلك أن من سبق في علم الله أنه لا يؤمن به فلا يؤمن أبداً. (كذلك) أي مثل ذلك الطبع الشديد على قلوب أهل القرى المنتفى عنهم الإيمان (يطبع الله على قلوب الكافرين) الجائين بعدهم فلا ينجع فيهم بعد ذلك وعظ ولا تذكير ولا ترغيب ولا ترهيب.

102

(وما وجدنا لأكثرهم من عهد) الضمير يرجع إلى أهل القرى المذكورين سابقاً أي عهد يحافظون عليه ويتمسكون به، بل دأبهم نقض العهود في كل حال، وقيل الضمير يرجع إلى الناس على العموم أي ما وجدنا لأكثر الناس من عهد وقيل المراد بالعهد هو المأخوذ عليهم في عالم الذر، وقيل الضمير يرجع إلى الكفار على العموم من غير تقييد بأهل القرى أي لأكثر منهم لا عهد ولا وفاء والقليل منهم قد يفي بعهده ويحافظ عليه قال ابن عباس: ذاك أن الله إنما أهلك القرى لأنهم لم يكونوا حفظوا ما وصاهم به (وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) أي وإن الشأن هذا والمعنى خارجين عن الطاعة خروجاً شديداً.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)

103

(ثم بعثنا) أي أرسلنا (من بعدهم) أي بعد نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وقيل ضمير " هم " راجع إلى الأمم السالفة أي من بعد إهلاكهم (موسى) قال ابن عباس: إنما سمي موسى لأنه القي بين ماء وشجر فالماء بالقبطية مو والشجر سا وعاش من العمر مائة وعشرين سنة وبينه وبين يوسف أربعمائة سنة وبين موسى وإبراهيم سبعمائة سنة كما ذكره في التحبير. (بآياتنا) أي حججنا وأدلتنا على صدقه مثل اليد والعصا ونحو ذلك مما جاء به موسى، وهذا يدل على أن النبي لا بد له من آية يتميز بها عن غيره، وإلا لم يكن قبول قوله أولاً من قبول قول غيره. (إلى فرعون) هو لقب لكل من يملك أرض مصر بعد العمالقة مثل ما كان يسمى ملك الفرس كسرى، وملك الروم قيصر، وملك الحبشة النجاشي، وكان اسم فرعون الذي أرسل إليه موسى " الوليد بن مصعب بن الربان " وكان ملك القبط وكنيته أبو مرة، وقيل أبو العباس وكان قبله فرعون آخر وهو أخوه واسمه قابوس ولم يذكر في القرآن. وعن مجاهد أن فرعون كان فارسياً من أهل اصطخر، وعن ابن لهيعة أنه كان من أبناء مصر، وعن ابن المنكدر قال: عاش فرعون ثلاثمائة سنة، عن علي

ابن أبي طلحة: أن فرعون كان قبطياً ولد زنا، طوله سبعة أشبار، وعن الحسن قال: كان علجاً من همدان، وعن إبراهيم بن مقسم قال: مكث فرعون أربعمائة سنة لم يصدع له رأس. (وملئه) أي أشراف قومه وتخصيصه بالذكر مع عموم الرسالة لهم ولغيرهم لأن من عداهم كالأتباع لهم (فظلموا) أي فكفروا (بها) أطلق الظلم على الكفر لكون كفرهم بالآيات التي جاء بها موسى كان كفراً بالغاً لوجود ما يوجب الإيمان من المعجزات العظيمة التي جاءهم بها، أو المعنى ظلموا الناس بسببها لما صدوهم عن الإيمان بها أو ظلموا أنفسهم بسببها. (فانظر كيف كان عاقبة المفسدين) أي انظر بعين العقل والبصيرة كيف فعلنا بالمكذبين بالآيات الكافرين بها وكيف أهلكناهم، وجعلهم مفسدين لأن تكذيبهم وكفرهم من أقبح أنواع الفساد.

104

(وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين) أخبره بأنه مرسل من الله إليه وجعل ذلك عنواناً لكلامه معه لأن من كان مرسلاً من جهة من هو رب العالين أجمعين فهو حقيق بالقبول لما جاء به كما يقول من أرسله الملك في حاجة إلى رعيته. أنا رسول الملك إليكم ثم يحكي ما أرسل به إليهم فإن في ذلك من تربية المهابة وإدخال الروعة ما لا يقادر قدره.

105

(حقيق) جدير (على أن) أي بأن (لا أقول على الله إلا) القول (الحق) قيل في توجيه هذه القراءة إن على بمعنى الباء كما سبق. ويؤيده قراءة أبي والأعمش فإنهم قرآ (حقيق بأن لا أقول) وقيل إن حقيق مضمن معنى حريص وقيل إنه لما كان لازماً للحق كان الحق لازماً له فقول الحق حقيق عليه، وهو حقيق على قول الحق.

وقيل: إنه أغرق في وصف نفسه في ذلك المقام حين جعل نفسه حقيقة على قول الحق كأنه وجب على الحق أن يكون موسى هو قائله، وقرئ على أي واجب على ولازم لي أن لا أقول فيما أبلغكم عن الله إلا القول الحق، وقرئ (حقيق أن لا أقول) بإسقاط على ومعناها واضح والاستثناء مفرغ. ثم قال بعد هذا (قد جئتكم ببينة من ربكم) أي بما يتبين به صدقي وإني رسول من رب العالمين، والمراد بها معجزته وهي العصا واليد البيضاء. وقد طوى هنا ذكر ما دار بينهما من المحاورة كما في موضع آخر أنه قال فرعون (فمن ربكما يا موسى) ثم قال بعد جواب موسى (وما رب العالمين) الآيات الحاكية لما دار بينهما. (فأرسل معي بني إسرائيل) أمره أن يدعهم يذهبون معه ويرجعون إلى أوطانهم وهي الأرض المقدسة وقد كانوا بأنين لديه مستعبدين ممنوعين من الرجوع إلى وطنهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. وكان سبب سكناهم بمصر مع أن أباهم كان بالأرض المقدسة أن الأسباط أولاد يعقوب جاؤوا مصر إلى أخيهم يوسف فمكثوا وتناسلوا في مصر، فلما توفي يوسف غلب فرعون على نسل الأسباط واستعبدهم واستعملهم في الأعمال الشاقة، فأحب موسى أن يخلصهم من هذا الأسر ويذهب بهم إلى أرض الشام التي هي وطن آبائهم فأنقذهم الله بموسى وكان بين اليوم الذي دخل يوسف عليه السلام مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام.

قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) فلما قال ذلك

106

(قال) له فرعون (إن كنت جئت بآية) من عند الله كما تزعم (فأت بها) حتى نشاهدها وننظر فيها (إن كنت من الصادقين) في هذه الدعوى التي جئت بها.

107

(فألقى عصاه) أي وضعها على الأرض (فإذا هي ثعبان مبين) أي فانقلبت ثعباناً يعني حية عظيمة من ذكور الحيات ظاهراً واضحاً لا لبس فيه في تلك الحال، ووصفها في آية أخرى بأنها جان والجان الحية الصغيرة، والجمع بين هذين الوصفين أنها كانت في عظم الجثة كالثعبان العظيم، وفي خفة الحركة كالحية الصغيرة وهي الجان. قال قتادة: ذكر لنا أن تلك العصا عصا آدم أعطاه إياها ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فتخرج له رزقه ويهش بها على غنمه فإذا هي حية تكاد تساوره. وعن ابن عباس قال: لقد دخل موسى على فرعون وعليه رزمانقه من صوف ما تجاوز مرفقيه فاستأذن على فرعون فقال أدخلوه فدخل فقال إن إلهي أرسلني إليك فقال للقوم حوله ما علمت لكم من إله غيري، خذوه قال إني قد جئتك بآية قال فأت بها فألقى عصاه فصارت ثعباناً بين لحييه ما بين السقف إلى الأرض، وعصا موسى اسمها ما شاء، قال السدي: فاتحة فمها واضعة لحيها الأسفل في الأرض، والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك، وصاح يا موسى خذها وأنا أؤمن بربك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فصارت عصا.

108

(ونزع يده) اليمنى أي أخرجها وأظهرها من جيبه أو من تحت إبطه وفي التنزيل (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء) والنزع عبارة عن إخراج الشيء عن مكأنه (فإذا هي بيضاء للناظرين) أي تتلألأ نوراً يظهر لكل مبصر، قال ابن عباس: أخرجها مثل البرق تلتمع الأبصار فخروا على وجوههم، وقيل لها شعاع غلب نور الشمس، وأخذ موسى عصاه ثم خرج ليس أحد من الناس إلا نفر منه وكان موسى آدم اللون (¬1). ¬

(¬1) قال القرطبي: " كان موسى أسمر شديد السمرة، ثم أعاد يده إلى جيبه فعادت إلى لونها الأول. قال ابن عباس: كان ليده نور ساطع يضيء ما بين السماء والأرض. وقيل: كانت تخرج يده بيضاء كالثلج تَلوُح، فإذا ردها عادت إلى مثل سائر بدنه.

109

(قال الملأ من قوم فرعون) أي الأشراف لما شاهدوا إنقلاب العصا حية ومصير يده بيضاء من غير سوء (إن هذا) أي موسى (لساحر عليم) أي كثير العلم بالسحر يأخذ بعين الناس حتى يخيل لهم أن العصا صارت حية ويرى الشيء بخلاف ما هو عليه، ولا ينافي نسبة هذا القول إلى الملأ هنا وإلى فرعون في سورة الشعراء فكلهم قد قالوه فكان ذلك مصححاً لنسبته إليهم تارة وإليه أخرى.

110

(يريد أن يخرجكم) أيها القبط (من أرضكم) وهي أرض مصر وهذا من كلام الملأ (فماذا تأمرون) هو من كلام فرعون قاله للملأ لما قالوا بما تقدم، أي بأي شيء تأمرونني وتشيرون أن نفعل به، وقيل هو من كلام الملأ أي قالوا لفرعون فبأي شيء تأمرنا وخاطبوه بما يخاطب به الجماعة تعظيماً له كما يخاطب الرؤساء أتباعهم.

قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وكون هذا من كلام فرعون هو الأولى بدليل ما بعده وهو

111

(قالوا أرجه) أي أخره وفيه ست قراآت في المشهور المتواتر ثلاث مع الهمز وثلاث مع عدمه والإرجاء في اللغة التأخير. وقيل معناه احبسه. وهو ضعيف وقيل هو من رجا يرجو أي أطعمه ودعه يرجوك حكاه النحاس عن المبرد. (و) أرج (أخاه وأرسل في المدائن حاشرين) أي أرسل جماعة حاشرين في المدائن التي فيها السحرة والمدائن جمع مدينة واشتقاقها من مدن بالمكان أي أقام به يعني مدائن صعيد مصر، ومعنى حاشرين جامعين يعني رجالاً يحشرون إليك السحرة من جميع مدائن الصعيد

112

(يأتوك) أي هؤلاء الذين أرسلت يعني الشرط (بكل ساحر) وقرئ سحار أي الماهر في السحر قيل الساحر من يكون سحره وقتاً دون وقت، والسحار من يدوم سحره ويعمل في كل وقت (عليم) أي كثير العلم بصناعة السحر.

113

(وجاء السحرة فرعون) قد اختلفت كلمة السلف في عددهم فقال ابن عباس: كانوا سبعين رجلاً أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وقيل كانوا اثنين وسبعين اثنان من القبط وسبعون من بني إسرائيل قاله مقاتل، وقال الكلبي: كان الذين يعلمونهم رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وقال كعب الأحبار: كانوا اثني عشر ألفاً، وقيل خمسة عشر ألفاً، قاله ابن اسحق وقيل سبعة عشر ألفاً وقيل

تسعة عشر ألفاً وقيل ثلاثين ألفاً وقيل سبعين ألفاً، قاله عكرمة وقيل ثمانين ألفاً، قاله محمد بن المنكدر وقيل ثلاثمائة ألف وقيل تسعمائة ألف (¬1). (قالوا إن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين) الأجر الجائزة والعطاء والجعل، الزموا فرعون أن يجعل لهم جعلاً أن غلبوا موسى بسحرهم وقرئ (أئن لنا) على الاستفهام للتقرير أي استفهموا فرعون عن الجعل الذي سيجعله لهم على الغلبة وعلى القراءة الأولى كأنهم قاطعون بالجعل وأنه لا بد لهم منه. ¬

(¬1) اختلفوا في عدد السحرة على ثلاثة عشر قولاً: أحدها: اثنان وسبعون، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني؛ اثنان وسبعون ألفاً، روي عن ابن عباس أيضاً، وبه قال مقاتل. والثالث: سبعون، روي عن ابن عباس أيضاً. والرابع: اثنا عشر ألفاً، قاله كعب. والخامس: سبعون ألفاً، قاله عطاء، وكذلك قال وهب في رواية، إلا أنه قال: فاختار منهم سبعة آلاف. والسادس: سبعمائة. وروى عبد النعم بن إدريس عن أبيه عن وهب أنه قال: كان عدد السحرة الذين عارضوا موسى سبعين ألفاً متخيرين من سبعمائة ألف، ثم إن فرعون اختار من السبعين ألف سبعمائة.

114

(قال نعم) لكم الأجر (وإنكم) مع هذا الأجر المطلوب منكم (لمن المقربين) لدينا قال الكلبي تكونون أول من يدخل علي وآخر من يخرج من عندي. وفي الخطيب والآية تدل على أن كل الخلق كانوا عالمين بأن فرعون كان عبداً ذليلاً مهيناً عاجزاً وإلا لما احتاج إلى الاستعانة بالسحرة. وتدل أيضاً على أن السحرة ما كانوا قادرين على قلب الأعيان، وإلا لما احتاجوا إلى طلب الأجر والمال من فرعون لأنهم لو قدروا على قلب الأعيان لقلبوا التراب ذهباً ولنقلوا ملك فرعون لأنفسهم، ولجعلوا أنفسهم ملوك العالم ورؤساءهم، والمقصود من هذه الآيات تنبيه الإنسان لهذه الدقائق وأن لا يغتر بكلمات أهل الأباطيل والأكاذيب لها.

115

(قالوا) أي السحرة (يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون نحن الملقين) يعني أنهم خيروا موسى بين أن يبتدئ بإلقاء ما يلقيه عليهم أو يبتدئوه هم بذلك تأدباً معه وثقة من أنفسهم بأنهم غالبون وإن تأخروا قال الكسائي والفراء إما أن تفعل الإلقاء أو نفعله نحن.

116

(قال ألقوا) اختار أن يكون المتقدمين عليه بإلقاء ما يلقونه غير مبال بهم ولا هائب لما جاءوا به، قال الفراء في الكلام حذف والمعنى قال لهم موسى إنكم

لن تغلبوا ربكم ولن تبطلوا أيامه، وقيل هو تهديد أي ابتدئوا بالإلقاء فستنظرون ما يحل بكم من الافتضاح. والموجب لهذين التأويلين عند من قال بهما أنه لا يجوز لموسى أن يأمرهم بالسحر، وقيل إنما أمرهم لتظهر معجزته لأنهم إذا لم يلقوا قبله لم تظهر معجزته، والأول أولى. (فلما ألقوا) حبالهم وعصيهم قال ابن عباس حبالاً غلاظاً وخشباً طوالاً فأقبلت يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (سحروا أعين الناس) أي قلبوها وغيروها عن صحة إدراكها بما جاءوا به من التمويه والتخييل الذي يفعله المشعوذون وأهل الخفة، وهذا هو الفرق بين السحر الذي هو فعل البشر وبين معجزة الأنبياء التي هي فعل الله. وذلك لأن السحر قلب الأعين وصرفها عن إدراك الشيء، والعجزة قلب نفس الشيء عن حقيقته كقلب عصا موسى حية تسعى. (واسترهبوهم) أي أدخلوا الرهبة في قلوبهم إدخالاً شديداً بما فعلوه من السحر، واستفعل هنا بمعنى افعل أي أرهبوهم وهو قريب من قولهم: قر واستقر وعظم واستعظم، وهذا رأي المبرد وقيل السين على بابها أي استدعوا رهبة الناس منهم وهو رأى الزجاج (وجاءوا بسحر عظيم) في أعين الناظرين وإن كان لا حقيقة له في الواقع، وكانت تلك الواقعة في إسكندرية قاله الخطيب والخازن.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119)

117

(وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك) أمره سبحانه عند أن جاء السحرة بما جاءوا به من السحر على لسان جبريل أن يلقي عصاه، وصريح السياق يقتضي أن إلقاء العصا وانقلابها حية وقع مرتين بحضرة فرعون (الأولى) كانت سبباً في جمع السحرة (والثانية) بحضرتهم فالأولى ذكرت سابقاً بقوله (فألقى عصاه) والثانية هي المذكورة هنا ووقع انقلابها حية أيضاً مرة أخرى قبل هاتين المرتين ولم يكن هناك حاضراً أحد غير موسى وقد ذكرت هذه المرة في سورة طه في قوله (إذ رأى ناراً) إلى قوله (ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى). (فإذا هي) أي العصا (تلقف) من لقف يلقف وقيل من تلقف يتلقف يقال لقفت الشيء وتلقفته إذا أخذته أو بلعته بسرعة. وقال أبو حاتم بلغني في بعض القراآت تلقم بالميم والتشديد (ما يأفكون) أصل الإفك قلب الشيء عن وجهه، ومنه قيل للكذاب أفاك لأنه يقلب الكلام عن وجهه الصحيح إلى الباطل، أفك يأفك إفكاً من باب ضرب وأفكته صرفته وكل أمر صرف عن وجهه فقد أفك، وسماه إفكاً لأنه لا حقيقة له في الواقع بل هو كذب وزور وتمويه وشعوذة. قال ابن زيد: كان اجتماعهم بالإسكندرية فيقال بلغ ذنب الحية من وراء البحر ثم فتحت فاها ثمانين ذراعاً فإذا هي تبتلع كل شيء أتوا به من السحر.

118

(فوقع الحق) أي ظهر وتبين بما جاء به موسى (وبطل ما كانوا يعملون) من سحرهم أي تبين بطلانه

119

(فغلبوا) أي السحرة (هنالك) أي في الموقف الذي أظهروا فيه سحرهم وهذا هو الظاهر (وانقلبوا) من ذلك الموقف (صاغرين) أذلاء مقهورين.

وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)

120

(وألقى السحرة ساجدين) أي خروا كأنما ألقاهم ملق على هيئة السجود أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا أنفسهم، قال السدي: ألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم، فلما رأوا ذلك سجدوا، وعن قتادة نحوه، قال ابن عباس: لما رأت السحرة ما رأت عرفت أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر فخروا سجداً قيل كانت مع السحرة حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى كلها آمنوا به وخروا ساجدين.

121

(قالوا آمنا) وإنما قالوا هذه المقالة وصرحوا بأنهم آمنوا (برب العالمين) ثم لم يكتفوا بذلك حتى قالوا

122

(رب موسى وهرون) لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرين بإلهيته أن السجود له قال الأوزاعي: لما خر السحرة سجداً رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها، وقدموا موسى في الذكر وإن كان هرون أسن منه لكبره في الرتبة أو لأنه وقع فاصلة هنا. ولذلك قال في سورة طه (رب هرون وموسى) لوقوع موسى فاصلة أو لكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين فنسب فعل البعض إلى المجموع في سورة وفعل بعض آخر إلى المجموع في أخرى.

123

(قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم) والاستفهام للإنكار والتوبيخ والقراآت هنا أربع كلها سبعية ذكرها السمين، أنكر فرعون على السحرة إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم بذلك وقال (إن هذا لمكر مكرتموه) أي حيلة احتلتموها أنتم وموسى على مواطأة بينكم سابقة، ومعنى (في المدينة) أن هذه الحيلة

والمواطأة كاذت بينكم وأنتم بمدينة مصر قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء (لتخرجوا منها) أي من مدينة مصر (أهلها) من القبط وتستولوا عليها وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل. وهاتان شبهتان ألقاهما إلى أسماع عوام القبط تثبيتاً لهم على ما هم عليه وتهييجاً لعداوتهم لموسى، ثم هددهم بقوله (فسوف تعلمون) عاقبة صنعكم هذا وسوء مغبته ليريهم أن له قوة. ثم لم يكتف بهذا الوعيد والتهديد المجمل بل فصله فقال

124

(لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف) أي الرجل اليمنى واليد اليسرى أو الرجل اليسرى واليد اليمنى، قال ابن عباس: هو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف وقال قتادة: أي يداً من ههنا ورجلاً من ههنا. ثم لم يكتف عدو الله بهذا بل جاوزه إلى غيره فقال (ثم لأصلبنكم في جذوع النخل) على شاطئ نيل مصر أي أجعلكم عليها مصلوبين زيادة تنكل بهم وإفراطاً في تعذيبهم. قال ابن عباس: أول من صلب فرعون، وجيء هنا ثم وفي السورتين ولأصلبنكم بالواو لأن الواو صالحة للمهلة فلا تنافي بين الآيات (أجمعين) تأكيد أتى به دون كل وإن كان الأكثر سبقه بكل، وجاء بجملة قسمية تأكيداً لما يفعله يقال صلبه يصلبه ويصلبه وهما لغتان في المضارع.

125

(قالوا إنا إلى ربنا منقلبون) أي إنك وإن فعلت بنا هذا الفعل فبعده يوم الجزاء سيجازيك الله بصنعك ويحسن إلينا بما أصابنا في ذاته، فتوعدوه بعذاب الله في الآخرة لما توعدهم بعذاب الدنيا، ويحتمل أن يكون المعنى إنا إليه لمنقلبون بالموت أي لا بد لنا من الموت، ولا يضرنا كونه بسبب منك.

وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

126

(وما تنقم) بكسر القاف وقرئ بفتحها، قال الأخفش هي لغة يقال نقمت الأمر أنكرته أي لست تعيب علينا وتنكر (منا) قال عطاء أي ما لنا عندك من ذنب تعذبنا عليه، وقيل ما تكره منا وما تطعن علينا وتقدح فينا (إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا) مع أن هذا هو الشرف العظيم والخير الكامل، وأصل المفاخر، ومثله لا يكون موضعاً للعيب ومكاناً للإنكار. بل هو حقيق بالثناء الحسن والاستحسان البالغ فلا نعدل عنه أصلاً طلباً لمرضاتك، والاستثناء مفرغ. ثم تركوا خطابه وقطعوا الكلام معه والتفتوا إلى خطاب الجناب العليّ مفوضين الأمر إليه طالبين منه عز وجل أن يثبتهم على هذه المحنة بالصبر قائلين (ربنا أفرغ علينا صبراً) الإفراغ الصب أي أصببه كاملاً تاماً حتى يفيض علينا ويغمرنا، ولهذا أتى بلفظ التكثير يعني صبراً وأي صبر عظيم يصب صباً ذريعاً كما يفرغ الماء فراغاً، طلبوا أبلغ أنواع الصبر استعداداً منهم لما سينزل بهم من العذاب من عدو الله وتوطيناً لأنفسهم على التصلب في الحق وثبوت القدم على الإيمان. ثم قالوا (وتوفنا) إليك (مسلمين) أي ثابتين على الإسلام غير محرفين ولا مبدلين ولا مفتونين بالوعيد. ولقد كان ما هم عليه من السحر والمهارة في علمه مع كونه شراً محضاً سبباً للفوز بالسعادة لأنهم علموا أن هذا الذي جاء به موسى خارج عن طوق البشر، وأنه من فعل الله سبحانه، فوصلوا بالشر إلى

الخير، ولم يحصل من غيرهم ممن لا يعرف هذا العلم من أتباع فرعون ما حصل منهم من الإذعان والاعتراف والإيمان. وإذا كانت المهارة في علم الشر قد تأتي بمثل هذه الفائدة، فما بالك بالمهارة في علم الخير، اللهم انفعنا بما علمتنا وثبت أقدامنا على الحق وأفرغ علينا سجال الصبر وتوفنا مسلمين آمين قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة وفي آخر النهار شهداء، قيل فعل بهم فرعون ما توعدهم به وقيل لم يقدر عليه لقوله تعالى (أنتما ومن اتبعكما الغالبون).

127

(وقال الملأ من قوم فرعون أتذر) الاستفهام منهم للإنكار عليه أي أتترك (موسى وقومه ليفسدوا في الأرض) أي في مصر بإيقاع الفرقة وتشتيت الشمل (ويذرك) بياء الغيبة ونصب الراء هذه قراءة العامة، وفيها وجهان أظهرهما أنه على العطف على ليفسدوا، والثاني أنه منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب في جوابه بعد الفاء. والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى وقومه مفسدين، وبين تركهم إياك وعادة آلهتك، أي لا يمكن وقع ذلك وقرئ برفع الراء وفيها ثلاثة أوجه أظهرها أنه نسق على أتذر أي اتطلق له ذلك، والثاني أنه استئناف أخبار ذلك، الثالث أنه حال ولا بد من إضمار مبتدأ أي وهو يذرك، وقرئ بالجزم إما على التخفيف بالسكون لنقل الضمة أو على ما قيل في (وأكن من الصالحين) في توجيه الجزم، وقرئ بالنون والرفع والمعنى أنهم أخبروا عن أنفسهم بأنهم سيذرونك. ْ (وآلهتك) اختلف المفسرون في معناها لكون فرعون كان يدعي الربوبية كما في قوله (ما علمت لكم من إله غيري) وقوله (أنا ربكم الأعلى) فقيل ومعنى آلهتك طاعتك وقيل معناه عبادتك، ويؤيده قراءة علي وابن عباس والضحاك:

وإلاهتك وفي حرف أبي ليفسدوا في الأرض وقد تركوك أن يعبدوك وقيل إنه كان يعبد بقرة، وقيل كان يعبد النجوم وقيل كان له أصنام يعبدها قومه تقرباً إليه فنسبت إليه، ولهذا قال (أنا ربكم الأعلى) قاله الزجاج، وقيل كان يعبد الشمس والكواكب. والأقرب أن يقال: إن فرعون كان دهرياً منكراً لوجود الصانع فكان يقول مدبر هذا العالم السفلي هو الكواكب فاتخذ أصناماً على صورتها وكان يعبدها ويأمر بعبادتها، وكان يقول في نفسه إنه هو المطاع والمخدوم في الأرض فلهذا قال أنا ربكم الأعلى. قال سعيد بن جبير ومحمد بن المنكدر: كان ملك فرعون أربعمائة سنة وعاش ستمائة وعشرين سنة لم ير مكروهاً قط ولو كان حصل له في تلك المدة جوع يوم أو حمى ليلة أو وجع ساعة لما ادعى الربوبية. (قال) فرعون مجيباً لهم ومثبتاً لقلوبهم على الكفر (سنقتل) قرىء بالتشديد والتخفيف (أبناءهم ونستحي نساءهم) أي نتركهن في الحياة ولم يقل سنقتل موسى لأنه يعلم أنه لا يقدر عليه، قيل كان ترك القتل في بني إسرائيل بعد ما ولد موسى فلما جاء موسى بالرسالة وكان من أمره ما كان أعاد فيهم القتل. (وإنا فوقهم قاهرون) أي مستعلون عليهم بالقهر والغلبة وهم تحت قهرنا وبين أيدينا، ما شئنا أن نفعله بهم فعلناه ففعلوا بهم ذلك، فشكا بنو إسرائيل.

قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)

128

(قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا) أي لما بلغ موسى ما قاله فرعون أمر قومه بالاستعانة بالله والصبر على المحنة ثم أخبرهم (إن الأرض لله) يعني أرض مصر وإن كانت الأرض كلها لله أو أراد جنس الأرض، والأول أولى (يورثها من يشاء من عباده) هو وعد من موسى لقومه بالنصر على فرعون وقومه وإن الله سيورثهم أرضهم وديارهم (والعاقبة) المحمودة في الدنيا والآخرة وعاقبة كل شيء آخره وقيل أراد الجنة (للمتقين) من عباده وهم موسى ومن معه.

129

(قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) وذلك بقتل فرعون أبناءنا عند مولدك لما أخبر بأنه سيولد مولود يكون زوال ملكه على يده، وبقتل أبنائنا الآن، وقيل المعنى أوذينا من قبل أن يأتينا بالرسالة باستعمالنا في الأعمال الشاقة بغير جعل كضرب اللبن ونقل التراب ونحو ذلك،، ومن بعد ما جئنا بما صرنا فيه الآن من الخوف على أنفسنا وأولادنا وأهلنا وقيل إن الأذى من قبل ومن بعد واحد وهو قبض الجزية منهم. (قال) موسى مجيباً لهم (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) مستأنفة كالتي قبلها وعدهم بإهلاك الله لعدوهم وهو فرعون وقومه (ويستخلفكم في الأرض) هو تصريح بما رمز إليه سابقاً من أن الأرض لله، وقد حقق الله رجاءه وملكوا مصر في زمان داود وسليمان وفتحوا بيت المقدس مع يوشع بن نون، وأهلك

فرعون وقومه بالغرق وأنجاهم (فينظر كيف تعملون) فيها من الأعمال أي من الإصلاح والإفساد بعد أن يمن عليكم بإهلاك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فيجازيكم بما عملتم من خير وشر. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إن بنا أهل البيت يفتح ويختم، ولا بد أن تقع دولة لبني هاشم فانظروا فيمن يكون من بني هاشم، وفيهم نزلت (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) الآية، وينبغي أن ينظر في صحة هذا عن ابن عباس فالآية نازلة في بني إسرائيل واقعة في هذه القصة الحاكية لما جرى بين موسى وفرعون لا في بني هاشم.

130

(ولقد أخذنا) لام قسم أي والله لقد ابتلينا وهذا شروع في تفصيل مبادئ هلاكهم وتصدير الجملة بالقسم لإظهار الاعتناء بمضمونها (آل فرعون) أي قومه (بالسنين) أي الجدب والقحط، وهذا معروف عند أهل اللغة يقولون إصابتهم سنة أي جدب سنة، ويقال أسنتوا كما يقال أجدبوا، وفي الحديث اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِنِي يوسف وهن سبع سنين، والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم. والمعنى أخذناهم بالجوع سنة بعد سنة، وأكثر العرب يعربون السنين إعراب الجمع المذكر السالم ومنهم من يعربه إعراب المفرد ويجري الحركات على النون، قاله أبو زيد وحكى الفراء عن بني عامر أنهم يقولون أقمت عنده سنياً مصروفاً قال وبنو تميم لا يصرفونه، قال ابن مسعود: السنين الجوع، وقال مجاهد: الجوائح، قال ابن عباس: لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يبس كل شيء لهم وذهبت مواشيهم حتى يبس نيل مصر. واجتمعوا إلى فرعون فقالوا إن كنت كما تزعم فأتنا في نيل مصر بماء قال، غدوة يصبحكم الماء فلما خرجوا من عنده قال أي شيء صنعت إن لم

أقدر على أن أجري في نيل مصر ماء غدوة كذبوني، فلما كان جوف الليل قام فاغتسل ولبس مدرعة صوف، ثم خرج حافياً حتى أتى نيل مصر فقال اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء فاملأه ماء فما علم إلا بخرير الماء يقبل فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله بهم من الهلكة (¬1). (ونقص من الثمرات) بسبب عدم نزول المطر وكثرة العاهات وإتلاف الغلات بالآفات قال قتادة: أما السنون فلأهل البوادي، وأما نقص الثمرات فلأهل الأمصار، والمعنى أخذناهم بها (لعلهم يذكرون) يتعظون ويرجعون عن غوايتهم. ¬

(¬1) وفي رواية ابن الجوزي قال: (3/ 247): روى الضحاك عن ابن عباس قال: يبس لهم كل شيء، وذهبت مواشيهم، حتى يبس نيل مصر، فاجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت رباً كما تزعم، فاملأ لنا نيل مصر، فقال غُدوة يصبحكم الماء، فلما خرجوا من عنده، قال: أي شيء صنعت؟ أنا أقدر أن أجيء بالماء في نيل مصر غدوة أصبح، فيكذبوني؟! فلما كان جوف الليل، اغتسل، ثم لبس مدرعة من صوف، ثم خرج حافياً حتى أتى بطن نيل مصر فقام في بطنه، فقال: اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء، فاملأه، فما علم إلا بخرير الماء لما أراد الله به من الهلكة. قلت: وهذا الحديث بعيد الصحة، لأن الرجل كان دهرياً لا يثبت إلهاً. ولو صح، كان إقراره بذلك كإقرار إبليس، وتبقى مخالفته عناداً.

131

فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) ثم بين أنهم عند نزول العذاب وتلك المحن عليهم والشدة لم يزدادوا إلا تمرداً وكفراً كلما قال تعالى (فإذا جاءتهم الحسنة) أي الخصلة الحسنة من الخصب بكثرة المطر وصلاح الثمار ورخاء الأسعار والسعة والعافية والسلامة من الآفات (قالوا لنا هذه) أي أعطيناها باستحقاق وهي مختصة بنا ونحن أهلها على العادة التي جرت لنا في سعة الأرزاق وصحة الأبدان، ولم يروا ذلك من فضل الله فيشكروه على إنعامه. (وإن تصبهم) خصلة (سيئة) من الجدب والقحط، وكثرة الأمراض ونحوها من البلاء قيل ووجه تعريف الحسنة أنها كثيرة الوقوع وتعلق الإرادة بإحداثها، ووجه تنكير السيئة ندرة وقوعها وعدم القصد لها إلا بالتبع. هذا من محاسن علم المعاني، قال مجاهد: الحسنة العافية والرخاء والسيئة بلاء وعقوبة (يطيروا) يتشاءموا (بموسى ومن معه) من المؤمنين به، وقد كانت العرب تتطير بأشياء من الطيور والحيوانات، ثم استعمل بعد ذلك في كل من تشاءم بشيء في قول جميع المفسرين، ومثل هذا قوله تعالى (وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك). (ألا) التصدير بكلمة التنبيه لإبراز كمال العناية بمضمونه و (إنما) أداة حصر (طائرهم) أي سبب خيرهم وشرهم بجميع ما ينالهم من خصب وقحط (عند الله) يأتيهم به ليس بسبب موسى ومن معه، وكان هذا الجواب على نمط ما يعتقدونه وبما يفهمونه ولهذا عبر بالطائر عن الخير والشر الذي يجري بقدر الله وحكمته ومشيئته (ولكن أكثرهم لا يعلمون) بهذا بل ينسبون الخير والشر إلى غير الله جهلاً منهم والحق أن الكل من الله.

وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)

132

(وقالوا) بعد ما رأوا من شأن العصا والسنين ونقص الثمار (مهما) اسم شرط (تأتنا به) من عند ربك (من آية) بيان لمهما، وسموها آية استهزاء بموسى كما يفيده ما بعده وهو (لتسحرنا بها) أي لتصرفنا عما نحن عليه كما يفعل السحرة بسحرهم، وضمير به عائد إلى مهما وضمير بها عائد إلى آية وقيل: إنهما عائدان إلى مهما وتذكير الأول باعتبار اللفظ وتأنيث الثاني باعتبار المعنى. (فما نحن لك بمؤمنين) أخبروا عن أنفسهم أنهم لا يؤمنون بشيء مما يجيء به من الآيات التي هي في زعمهم من السحر. فعند ذلك نزلت بهم العقوبة من الله عز وجل المبينة بقوله

133

(فأرسلنا عليهم الطوفان) وهو المطر الشديد قال الأخفش: واحده طوفانة وقيل هو مصدر كالرجحان والنقصان فلا واحد له، وقيل الطوفان الموت. روته عائشة عنه صلى الله عليه وآله وسلم أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما قال ابن كثير وهو حديث غريب وبه قال مجاهد وعطاء. وقال النحاس: الطوفان في اللغة ما كان مهلكاً من موت أو سيل أي ما يطيف بهم فهلكهم، أو قال ابن عباس: الطوفان أمر ربك، ثم قرأ (فطاف عليها طائف من ربك) وقال مجاهد: هو الماء والطاعون وقال وهب: هو الطاعون بلغة أهل اليمن. وقال أبو قلابة: الطوفان هو الجدري، وهم أول من عذبوا به ثم

بقي في الأرض، وقال مقاتل: الماء طفا فوق حروثهم وذلك أنهم مطروا ثمانية أيام من السبت إلى السبت في ظلمة شديدة لا يرون شمساً ولا قمراً ولا يقدر أحد أن يخرج من داره، وقيل دخل الماء في بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمن جلس غرق ولم تدخل بيوت بني إسرائيل قطرة، قال ابن عباس: مطروا دائماً بالليل والنهار ثمانية أيام. (والجراد) جمع جرادة الذكر والأنثى فيه سواء قال أهل اللغة: هو مشتق من الجرد قالوا والاشتقاق في أسماء الأجناس قليل جداً يقال أرض جرداء أي ملساء وثوب أجرد إذا ذهب وبره، والمراد به هنا هو الحيوان المعروف أرسله الله لأكل زروعهم فأكلها وأكل ثمارهم وسقوف بيوتهم وثيابهم وأمتعتهم، وابتلى الجراد بالجوع فكان لا يشبع وامتلأت دور القبط منه ولم يصب بني إسرائيل من ذلك شيء. (والقمل) بضم القاف وفتح الميم المشددة، وقرأ الحسن القمل بفتح القاف وسكون الميم قيل هي الدباء قاله مجاهد وقتادة والسدي والكلبي، والدباء الجراد قبل أن تطير، وقال عطاء: إنه القمل المعروف فأكل ما أبقاه الجراد ولحس الأرض وقيل هي السوس الذي يخرج من الحنطة قاله ابن عباس، وقيل البراغيث وقيل دواب سود صغار، وقيل ضرب من القردان وقيل الجعلان. قال النحاس: يجوز أن تكون هذه الأشياء كلها أرسلت عليهم، وقد فسر عطاء الخراساني القمل بالقمل، قال ابن عباس: القمل الجراد الذي له أجنحة، وقال أبو عبيدة هو الحمنان، وهو ضرب من القراد وأقام عليهم من السبت إلى السبت. (والضفادع) جمع ضفدع وهو الحيوان المعروف الذي يكون في الماء وكانت

تقع في طعامهم وشرابهم حتى إذا تكلم الرجل تقع في فيه وأقامت عليهم ثمانية أيام قال ابن عباس: كانت الضفادع برية فلما أرسلها على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي تغلي وفي التنانير وهي تفور، ومكث موسى في آل فرعون بعد ما غلب السحرة أربعين سنة يريهم الآيات والجراد والقمل والضفادع. (والدم) روى أنه سأل عليهم النيل دماً قاله مجاهد، وقيل هو الرعاف قاله زيد بن أسلم وقيل مياههم انقلبت دماً فما يستقون من بئر ولا نهر إلا وجدوه دماً عبيطاً أحمر، قال ابن عباس: يمكث فيهم سبتاً إلى سبت ثم يرفع عنهم شهراً. (آيات) حال من الخمسة المذكورة (مفصلات) أي مبينات يتبع بعضها بعضاً لتكون لله الحجة عليهم، والمعنى أرسلنا عليهم هذه الأشياء حال كونها آيات ظاهرات لا يشكل على عاقل أنها من آيات الله أو مفرقات بين كل آيتين شهر، وكان امتداد كل واحدة أسبوعاً يمتحن فيه أحوالهم، وينظر أيقبلون الحجة والدليل أو يستمرون على الخلاف والتقليد. (فاستكبروا) أي ترفعوا عن الإيمان بالله (وكانوا قوماً مجرمين) لا يهتدون إلى حق ولا ينزعون عن باطل (¬1). ¬

(¬1) قال ابن عباس: جاءهم الطوفان، فكان الرجل لا يقدر أن يخرج إلى ضيعته، حتى خافوا الغرق، فقالوا: يا موسى ادع لنا ربك يكشفه عنا، ونؤمن بك، ونرسل معك بني إسرائيل؛ فدعا لهم، فكشفه الله عنهم، وأنبت لهم شيئاً لم ينبته قبل ذلك، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل ما أنبتت الأرض، فقالوا: ادع لنا ربك، فدعا، فكشف الله عنهم، فأحرزوا زروعهم في البيوت، فأرسل الله عليهم القُمل، فكان الرجل يخرج بطحين عشرة أجربة إلى الرحى، فلا يرى منها ثلاثة أقفزة، فسألوه، فدعا لهم، فكُشف عنهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الضفادع، ولم يكن شيء أشد منها، كانت تجيء إلى القدور وهي تغلي وتفور، فتلقي أنفسها فيها، فتفسد طعامهم -[442]- وتطفئ نيرانهم، وكانت الضفادع برية، فأورثها الله تعالى برد الماء والثرى إلى يوم القيامة، فسألوه، فدعا لهم، فلم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فجرت أنهارهم وقُلبُهم دماً، فلم يقدروا على الماء العذب، وبنو إسرائيل في الماء العذب، فإذا دخل الرجل منهم يستقي من أنهار بني إسرائيل صار ما دخل فيه دماً، والماء من بين يديه ومن خلفه صافٍ عذب لا يقدر عليه، فقال فرعون: أقسم بإلهي يا موسى لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فدعا موسى، فذهب الدم وعذب ماؤهم، فقالوا: والله لا نؤمن ولا نرسل معك بني إسرائيل.

134

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) (ولما وقع عليهم الرجز) أي العذاب بهذه الأمور التي أرسلها الله عليهم، وقيل كان هذا الرجز طاعوناً مات به من القبط في يوم واحد سبعون ألفاً، قاله سعيد بن جبير، وعلى هذا هو العذاب السادس بعد الآيات الخمس التي تقدمت، وعن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه "، أخرجه الشيخان. (¬1) (قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك) أي بما أوصاك أو استودعك من العلم أو بما اختصك به من النبوة أو بما نبأك أو بما عهد إليك أن تدعوه فيجيبك. والباء متعلقة بادع على معنى أسعفنا إلى ما نطلب من الدعاء بحق ما عندك من عهد الله أو أدع لنا متوسلاً إليه بعهده عندك، وقيل إن الباء للقسم وجوابه لنؤمنن الآتي أقسمنا بعهد الله عندك. (لئن كشفت عن الرجز لنؤمنن لك) أي لنصدقن بما جئت به ¬

(¬1) مسلم 2218 - البخاري 1631.

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) (ولنرسلن معك بني إسرائيل) أي لنخلينهم حتى يذهبوا حيث شاءوا، وقد كانوا حابسين لبني إسرائيل عندهم يمتهنونهم في الأعمال فوعدوه بإرسالهم معه.

135

(فلما كشفنا عنهم الرجز) بدعوة موسى عليه السلام (إلا أجل هم بالغوه) أي الأجل المضروب لإهلاكهم بالغرق لا رفعاً مطلقاً (إذا هم ينكثون) أي ينقضون ما عقدوه على أنفسهم، وإذا هي الفجائية أي فاجأوا النكث وبادروه، وأصل النكث من نكث الصوف ليغزله ثانياً فاستعير لنقض العهد بعد إحكامه وإبرامه، قاله زاده.

136

(فانتقمنا) أي أردنا الإنتقام (منهم) لما نكثوا بسبب ما تقدم لهم من الذنوب المتعددة وأصل الانتقام في اللغة سلب النعمة بالعذاب، وقيل هو ضد الأنعام كما أن العقاب ضد الثواب (فأغرقناهم في اليم) أي في البحر، قيل هو الذي لا يدرك قعره وقيل هو لجته وأوسطه، قال الأزهري: اليم معروف لفظة سريانية عربتها العرب ويقع على البحر الملح والعذب، والمراد به نيل مصر وهو عذب. (بأنهم كذبوا بآياتنا) تعليل للإغراق (وكانوا عنها غافلين) أي عن النقمة المدلول عليها بإنتقمنا أو عن الآيات التي لم يؤمنوا بها بل كذبوا بها فكأنهم في تكذيبهم بمنزلة الغافلين عنها والثاني أولى لأن الجملتين تعليل للإغراق والمراد بالغفلة عدم التدبر، وهذا مؤاخذ به فسقط ما يقال إن الغفلة لا مؤاخذة بها، وقد تستعمل الغفلة في ترك الشيء إهمالاً وإعراضاً، في القاموس غفل عنه غفولاً تركه وسها عنه.

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)

137

(وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) يعني بني إسرائيل الذين كانوا يذلون ويمتهنون بالخدمة لفرعون وقومه (مشارق الأرض) هي مصر والشام (ومغاربها) المراد جهات مشرقها وجهات مغربها، وهي التي كانت لفرعون وقومه من القبط فملكها بنو إسرائيل بعد الفراعنة والعمالقة وتصرفوا فيها شرقاً وغرباً كيف شاءوا. وقال الزجاج: المراد جميع الأرض ونواحيها لأن داود وسليمان كانا من بني إسرائيل وقد ملكا الأرض، وقيل أراد الأرض المقدسة وهو بيت المقدس وما يليه من الشرق والغرب. (التي باركنا فيها) بإخراج الزرع والثمار منها على أتم ما يكون وأنفع ما ينفق، قال الحسن هي الشام، وعن قتادة وزيد بن أسلم نحوه، وقال عبد الله بن شوذب: هي فلسطين، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضل الشام أحاديث ليس هذا موضع ذكرها. (وتمت) أي مضت واستمرت على التمام (كلمة ربك) هي قوله تعالى (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) وهذا وعد من الله سبحانه بالنصر والظفر بالأعداء والاستيلاء على

أملاكهم فتمامه مجاز عن إنجازه، و (الحسنى) صفة للكلمة وهي تأنيث الأحسن (على بني إسرائيل بما صبروا) أي تمام هذه الكلمة عليهم بسبب صبرهم على ما أصيبوا به من فرعون وقومه، وقال مجاهد: تمام الكلمة ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وإهلاك عدوهم وما ورثهم منها. (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه) التدمير الإهلاك أي أهلكنا ما كانوا يصنعون في أرض مصر من العمارات وبناء القصور. وفيه أربعة أوجه من الإعراب، ذكرها السمين (وما كانوا يعرشون) من الجنات والثمار والأعناب، قاله الحسن. ومنه قوله تعالى (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) وقيل يسقفون من ذلك البنيان، وقيل المعنى ما كانوا يرفعون من الأبنية المشيدة في السماء. يقال عرش يعرش أي بنى يبني. قال مجاهد: ما كانوا يبنون من البيوت والقصور، وهذا آخر قصة فرعون وقومه.

138

(وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) هذا شروع في بيان ما فعله بنو إسرائيل بعد الفراغ مما فعله فرعون وقومه، ومعنى جاوزنا جزناه بهم وقطعنا، يقال جاز الوادي وجاوزه إذا قطعه وخلفه وراء ظهره وهو كقوله (وإذ فرقنا بكم البحر) قال الكلبىِ: عبر موسى البحر يوم عاشوراء بعد مهلك فرعون وقومه فصامه شكراً لله تعالى. (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) يقال عكف يعكف ويعكف بالضم والكسر بمعنى أقام على الشيء ولزمه، والمصدر منهما عكوف، قيل هؤلاء القوم الذي أتاهم بنو إسرائيل هم من لحم وجذام كانوا نازلين بالرقة يعني ساحل البحر كانت أصنامهم تماثيل بقر من نحاس، فلما كان عجل السامري شبه لهم أنه من تلك البقر، فذلك كان أول شأن العجل لتكون لله عليهم الحجة فينتقم منهم بعد ذلك. وقيل كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم.

(قالوا) أي بنو إسرائيل عند مشاهدتهم لتلك التماثيل (يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة) أي صنماً نعبده كائناً كالذي لهؤلاء القوم، قال البغوي: لم يكن ذلك شكاً من بني إسرائيل في توحيد الله وإنما المعنى اجعل لنا شيئاً نعظمه ونتقرب بتعظيمه إلى الله، وظنوا أن ذلك لا يضر، وفيه بعد وقيل: إنهم توهموا أنه يجوز عبادة غير الله فحملهم جهلهم على ما قالوا، قال الكرخي: وعلى كل فالقائل للقول المذكور بعضهم لا كلهم إذ كان من جملة من معه السبعون الذين اختارهم موسى للميقات ويبعد منهم مثل هذا القول. (قال) أي أجاب عليهم موسى (إنكم قوم تجهلون) وصفهم بالجهل لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله ولكن هؤلاء القوم أعني بني إسرائيل أشد خلق الله عناداً وجهلاً وتلوناً، وقد سلف في سورة البقرة بيان ما جرى منهم من ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل حنين فمررنا بسدرة فقلت يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - الله أكبر هذا قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم " (¬1). ¬

(¬1) أحمد بن حنبل 5/ 218.

إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) ثم قال لهم موسى

139

(إن هؤلاء) يعني القوم العاكفين على الأصنام (متبر) التبار الهلاك وكل إناء منكسر فهو متبر أي: إن هؤلاء هالك (ما هم فيه) مدمر مكسر. والذي فيه هو عبادة الأصنام، أخبرهم بأن هذا الدين الباطل الذي هؤلاء القوم عليه هالك مدمر لا يتم منه شيء، وقال ابن عباس: متبر خسران (وباطل ما كانوا يعملون) أي ذاهب مضمحل جميع ما كانوا يعملونه من الأعمال مع عبادتهم للأصنام. قال في الكشاف وفي إيقاع هؤلاء إسماً لإنّ وتقديم خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها وسم لعبدة الأصنام بأنهم هم المعرضون للتبار، وأنه لا يعدوهم البتة وأنه لهم ضربة لازب ليحذرهم عاقبة ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبوا.

140

(قال أغير الله أبغيكم إلهاً) الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي كيف أطلب لكم غير الله إلهاً تعبدونه وقد شاهدتم من آياته العظام ما يكفي منه البعض والمعنى أن هذا الذي طلبتم لا يكون أبداً وإدخال الهمزة على الغير للإشعار بأن المنكر هو كون المبغي غير الله إلهاً (وهو فضلكم على العالمين) من أهل عصركم وهم القبط بما أنعم به عليكم من إهلاك عدوكم، واستخلافكم في الأرض وإخراجكم من الذل والهوان إلى العز والرفعة فكيف تقابلون هذه النعم بطلب عبادة غيره.

141

(وإذْ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب) أي اذكروا وقت

إنجائنا لكم من آل فرعون بعد أن كانوا مالكين لكم يستعبدونكم فيما يريدونه منكم ويمتهنونكم بأنواع الامتهان، هذا على أن هذا الكلام محكي عن موسى، وأما إذا كان في حكم الخطاب لليهود الموجودين في عصر محمد فهو بمعنى اذكروا إذ أنجينا أسلافكم حال كونهم يسومونكم سوء العذاب ويجوز أن تكون مستأنفة لبيان ما كانوا فيه مما أنجاهم منه. (يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم) مفسرة للجملة التي قبلها أو بدل منها وقد سبق بيان ذلك (وفي ذلكم) أي هذا العذاب الذي كنتم فيه (بلاء) عليكم نعمة أو محنة (من ربكم عظيم) وقد تقدم تفسيرها في البقرة والفائدة في ذكرها في هذا الموضع أنه تعالى هو الذي أنعم عليكم بهذه النعمة فكيف يليق بكم الاشتغال بعبادة غيره حتى تقولوا اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة.

نهاية الجزء الرابع تم الجزء الرابع من كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن ويليه الجزء الخامس بأذن الله وأوله: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

فتحُ البيان في مقاصد القرآن تفسِير سَلفي أثري خالٍ منَ الإِسرَائيليّاتِ والجَدليَّاتِ المذهبية والكلامية يغني عَن جميع التفاسِير وَلا تغني جميعُهَا عَنه تأليف: السيد الإمام العلامة الملك المؤيد من الله الباري آبي الطيب صديق بن حسن بن علي الحسين القنوجي النجاري 1248 - 1307 هـ عني بطبعهِ وقدّم له وراجعه: خادم العلم عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري الجزء الخامس المَكتبة العصريَّة صَيدَا - بَيروت

جَمِيع الحُقُوق محفُوظَة 1412 هـ - 1992 م شركة أبناء شريف الأنصاري للطباعة والنشر والتوزيع المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر الدار النموذجية ــ المكتبة العصرية بَيروت - صَ. ب 8355 - تلكس LE 20437 SCS صَيدَا - صَ. ب 221 - تلكس LE 29198

فتح البيان في مقاصد القرآن

الجزء الخامس بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة الجزء الخامس يبدأ من قوله تعالى سورة الأعراف - 142 إلى قوله تعالى: الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)

142

وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة) نكلمه عند انتهائها بأن يصومها وهي ذو القعدة لإعطاء التوراة (وأتممناها) أي المواعدة المفهومة من واعدنا أو ثلاثين ليلة قاله الحوفي والأول أولى (بعشر) ليال من ذي الحجة للتقرب قاله ابن عباس ومجاهد، وفي مصحف أُبَي وتمّمناها بالتضعيف وحذف تمييز بعشر لدلالة الكلام عليه. (فتّم ميقات ربّه) الميقات هو الوقت الذي قدر أن يعمل فيه عمل من الأعمال، ولهذا قيل: مواقيت الحج أي وقت وعده بكلامه إياه (أربعين ليلة) هذا من جملة ما كرم الله به موسى عليه السلام وشرفه. ولقد أجمل ذكر الأربعين في البقرة وذكره هنا على التفصيل وضرب هذه المدة موعداً لمناجاة موسى ومكالمته، قاله مجاهد وابن عباس، قيل وكان التكليم في يوم النحر، والفائدة في (أربعين ليلة) مع العلم بأن الثلاثين والعشر أربعون لئلا يتوهم أن المراد أتممنا الثلاثين بعشر منها فبين أن العشر غير الثلاثين، وفي نصب أربعين ثلاثة أوجه (أحدها) أنه حال قاله الزمخشري أي تم بالغاً هذا العدد (الثاني) على المفعول به (الثالث) على الظرف قاله ابن عطية وفيه ضعف. (وقال موسى لأخيه هرون) عند ذهابه إلى الجبل للمناجاة (اخلفني في قومي) أي كن خليفتي فيهم (وأصلح) أمر بني إسرائيل بحسن سياستهم والرفق بهم وتفقد أحوالهم واحملهم على عبادة الله تعالى (ولا تتّبع سبيل المفسدين) أي لا تسلك سبيل العاصين ولا تكن عوناً للظالمين، قال ابن عباس: إن موسى قال لقومه: إن ربي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلّف هرون فيكم، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشراً فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله، فلما مضى ثلاثون ليلة كان السامري قد أبصر جبريل فأخذ من أثر الفرس قبضة من تراب، ثم ذكر قصة السامري.

143

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) (ولما جاء موسى لميقاتنا) اللام للاختصاص أي كان مجيئه مختصاً بالميقات المذكور بمعنى أنه جاء في الوقت الموعود، وكان يوم الخميس وكان يوم عرفة وأعطاه التوراة صبيحة يوم الجمعة يوم النحر (وكلمه ربه) أي اسمعه كلامه من غير واسطة ولا كيفية وأزال الحجاب بين موسى وبين كلامه فسمعه وليس المراد أنه أنشأ كلاماً سمعه لأن كلام الله قديم ولم نر في التفاسير هنا بيان ما فهمه موسى من ذلك الكلام. أخرج البزار وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء. والصفات من حديث جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما كلم الله موسى يوم الطور كلّمه بغير الكلام الذي كلمه به يوم ناداه فقال له موسى: يا رب أهذا كلامك الذي كلمتني به؟ قال يا موسى إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأقوى من ذلك، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا يا موسى صف لنا كلام الرحمن فقال لا تستطيعونه ألم تروا إلى أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموه فذاك قريب منه ولبس به "، وفيه دليل على كلام الله مع موسى. قال الزمخشري: تكليمه أن يخلق الكلام منطوقاً به في بعض الأجرام كما خلقه محفوظاً في الألواح انتهى وإليه ذهب المعتزلة وهو مذهب فاسد يرده الكتاب والسنة وأين للشجر وذلك الجرم أن يقول إنني أنا الله الآية.

وذهب الحنابلة ومن وافقهم من أهل الحديث أن كلامه تعالى حروف وأصوات مقطعة وأنه قديم وهو الحق وقد نطق به السنة المطهرة، وقال جمهور المتكلمين: إن كلامه صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات وأرادوا به الكلام النفسي. ولا توجد له رائحة في السنة المطهرة، وكذا ما ذكره الشيخ في التأويلات: أن موسى سمع صوتاً دالاً على كلام الله وهو ظاهر البطلان لمخالفة نص القرآن. وقد سكت جمع من السلف والخلف عن الخوض في تأويل صفة كلام الله تعالى. وقالوا إنه متكلم بكلام قديم يليق بذاته بحرف وصوت لا يشبه كلام المخلوق ليس كمثله شيء وله المثل الأعلى. ولما سمع موسى كلام ربه عز وجل اشتاق إلى رؤيته وسأله بقوله (قال ربي أرني) أي أرني نفسك قاله الزجاج وقال ابن عباس: أعطني وأرني فعل أمر مبني على حذف الياء، والمعنى مكني من رؤيتك وهيئني لها فإن فعلت بي ذلك (أنظر إليك) فتغاير الشرط والجزاء، وبالجملة فقد سأله النظر إليه اشتياقاً إلى رؤيته لما أسمعه كلامه. وسؤال موسى للرؤية يدل على أنها جائزة عنده في الجملة، ولو كانت مستحيلة عنده لما سألها. (قال لن تراني) جملة مستأنفة لكونها جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل فما قال الله؟ والمعنى: لن تراني بعين فانية بالسؤال بل بعين باقية بالعطاء والنوال أو أنه لا يراه هذا الوقت الذي طلب رؤيته فيه أو أنه لا يرى ما دام الرائي حياً في دار الدنيا، وأما رؤيته في الآخرة فقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواتراً لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة. ومنهج الحق واضح، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه وأدرك عليه أباه وأهل بلده مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة

المطهرة يوقع في التعصب، والمتعصب وإن كان بصره صحيحاً فبصيرته عمياء وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق غفلة منه وجهلاً بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقّي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم. وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجاً وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية منه. يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهج الحق له واضح ولم يقل لن أُرى ليكون نفياً للجواز ولو لم يكن مرئياً لأخبر بأنه ليس بمرئي، إذ الحالة حالة الحاجة إلى البيان، وقد تمسك أهل البدع والخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة بظاهر هذه الآية وقالوا لن للتأبيد والدوام، وهذا غلط إذ ليس يشهد لما قالوه نص عن أهل اللغة العربية ولم يقل به أحد منهم. والكتاب والسنة على خلاف ذلك فقد قال تعالى في حق اليهود (ولن يتمنوه أبداً) مع أنهم يتمنون الموت يوم القيامة كما قال تعالى (ونادوا يا مالك لِيقْض علينا ربك) وقوله (يا ليتها كانت القاضية) والسنة أكثر من أن تحمى وعبّر بلن تراني دون لن تنظر إليَّ مع أنه المطابق لقوله (أنظر إليك) لأن الرؤية هي المقصودة والنظر مقدمتها وقد يحصل دونها. وأما المطابقة في الاستدراك بقوله (ولكن انظر إلى الجبل) فواضحة لأن المقصود منه تعظيم أمر الرؤية. ومعناه أنك لا تثبت لرؤيتي ولا يثبت لها ما هو أعظم منك جرماً وصلابة وقوة وهو الجبل فانظر إليه (فإن استقر مكانه) وبقي على حاله ولم يتزلزل عند رؤيتي له (فسوف تراني) أي تثبت لرؤيتي، وإن ضعف عن ذلك فأنت منه أضعف، ولا طاقة لك، فهذا الكلام بمنزلة

ضرب المثل لموسى عليه السلام بالجبل، وقيل هو من باب التعليق بالمحال، وعلى تسليم هذا فهو في الرؤية في الدنيا لما قدمنا. وقد تمسك بهذه الآية كلا طائفتي المعتزلة والأشعرية، فالمعتزلة استدلوا بقوله لن تراني كما تقدم وبأمره بأن ينظر إلى الجبل. والأشعرية قالوا: إن تعليق الرؤية باستقرار الجبل يدل على أنها جائزة غير ممتنعة، ولا يخفاك أن الرؤية الأخروية هي بمعزل عن هذا كله والخلاف بينهم هو فيها لا في الرؤية في الدنيا فقد كان الخلاف فيها في زمن الصحابة وكلامهم فيها معروف. (فلما تجلّى ربّه) تجلى معناه ظهر من قولك جلوت العروس أي أبرزتها وجلوت السيف: خلّصته من الصّدأ. وتجلى الشيء: انكشف، والمعنى فلما ظهر ربه، وقيل المتجلي هو أمره وقدرته، قاله قطرب وغيره (للجبل جعله دكاً) الدك مصدر بمعنى المفعول أي جعله مدكوكاً مدقوقاً فصار تراباً، هذه قراءة أهل المدينة وأهل البصرة والدك والدق أخوان وهو تفتيت الشيء وسحقه، وقيل تسويته بالأرض. وقرأ أهل الكوفة دكاء على التأنيث والجمع دكّاوات كحمراء وحمراوات وهي اسم للرابية الناشزة من الأرض أو للأرض المستوية. فالمعنى أن الجبل صار صغيراً كالرابية أو أرضاً مستوية. قال الكسائي: الدوك الجبال العراض واحدها أدك والدكاوات جمع دكاء وهي روابٍ من طين ليست بالغلاظ، والدكادك ما التبد من الأرض فلم يرتفع وناقة دكّاء لا سنام لها، قال سهل بن سعد الساعدي: دكاً يعني مستوياً بالأرض وقيل تراباً، وقيل ساخ حتى وقع في البحر. وقال عطية العوفي: صار رملاً هائلاً، وقال الكلبي: يعني كسر جبالاً صغاراً، قيل واسم الجبل زبير، قال الضحاك: أظهر الله من نوره مثل منخر

الثور، وقال ابن سلام وكعب: ما تجلى إلا مثل سم الخياط، وقال السدي: إلا قدر الخنصر. وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وغيرهم عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية جعله دكاً قال: " هكذا وأشار بأصبعيه ووضع إبهامه على أنملة الخنصر، وفي لفظ على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل وخر موسى صعقاً، وفي لفظ فساخ الجبل في الأرض فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة (¬1). وهذا الحديث صحيح على شرط مسلم، وقال ابن عباس: هذا الجبل هو الطور وما تجلى منه إلا قدر الخنصر جعله تراباً، وقال سهل بن سعد: أظهر نوراً قدر الدرهم من سبعين ألف حجاب، وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لما تجلى الله للجبل صارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة أحد وورقان ورضوى، وبمكة حراء وثبير وثور " (¬2)، أخرجه أبو الشيخ وأبو نعيم في الحلية وابن أبي حاتم وغيرهم وفي لفظ سبعة أجبل في اليمن اثنان حضور وصبر. (وخرَّ موسى) أي سقط، والخرور السقوط وقيده الراغب بسقوط يسمع له خرير، والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو (صعقاً) أي مغشياً عليه لهول ما رأى، مأخوذ من الصاعقة، والمعنى أنه صار حاله لما غشي عليه كحال من يغشى عليه عند إصابة الصاعقة له، يقال صعق الرجل فهو صعق ومصعوق إذا أصابته الصاعقة. قال الكلبي: صعق موسى يوم الخميس وهو يوم عرفة وأعطى التوراة ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 244. (¬2) ابن كثير 2/ 245.

يوم الجمعة يوم النحر، قال ابن عباس: فلم يزل صعقاً ما شاء الله، وقال قتادة: ميتاً والأول أولى لقوله (فلما أفاق) والميت لا إفاقة له، إنما يقال أفاق من غشيته والإفاقة رجوع الفهم والعقل إلى الإنسان بعد جنون أو سكر أو نحوهما ومنه إفاقة المريض وهي رجوع قوته وإفاقة الحلب هي رجوع الدر إلى الضّرْع. قال الواقدي: لما خر موسى صعقاً قالت الملائكة ما لابن عمران وسؤال الرؤية فلما أفاق وعرف أنه سأل أمراً عظيماً لا ينبغي له (قال سبحانك) أي أنزهك تنزيهاً من أن أسأل شيئاً لم تأذن لي به أو عن أن تُرى في الدنيا أو من النقائص كلها (تبت إليك) عن العود إلى مثل هذا السؤال. قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن هذه التوبة ما كانت عن معصية فإن الأنبياء معصومون وقيل هي توبته من قتله للقبطي، ذكره القشيري ولا وجه له في مثل هذا المقام، وقيل لما كانت الرؤية مخصوصة بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم فمنعها قال تبت إليك يعني من سؤال ما ليس لي، وما أبعده والأول أولى (¬1). (وأنا أول المؤمنين) بك قبل قومي الموجودين في هذا العصر المعترفين بعظمتك وجلالك وبأنك لا ترى في الدنيا مع جوازها (1). ¬

(¬1) وفي الحديث الصحيح من حديث أبي هريرة وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تُخَيِّروا بين الأنبياء فإن الناس يَصعَقون يوم القيامة فأرفع رأسي فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أصعق فيمن صعق فأفاق قبلي أو حُوسب بصعقته الأولى ". أو قال " كفته صعقته الأولى ". وذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن كعب قال: إن الله تبارك وتعالى قسّم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما. ذكره القرطبي 7/ 280.

قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)

144

(قال يا موسى إني اصطفيتك) جملة مستأنفة والتي قبلها متضمنة لإكرام موسى واختصاصه بما اختصه الله به، والاصطفاء الاختيار والاجتباء أي اخترتك (على الناس) المعاصرين لك (برسالاتي) كأنه نظر إلى أن الرسالة هي على ضروب فجمع لاختلاف الأنواع وقرئ بالإفراد (وبكلامي) المراد به هنا التكليم، امتن الله سبحانه عليه بهذين النوعين العظيمين من أنواع الإكرام وهما الرسالة والتكليم من غير واسطة. (فخذ ما آتيتك) أمره بأن يأخذ ما آتاه أي أعطاه من هذا الشرف الكريم والفضل الجسيم (وكن) أمره بأن يكون (من الشاكرين) على هذا العطاء العظيم والإكرام الجليل.

145

(وكتبنا له في الألواح من كل شيء) مما يحتاج إليه بنو إسرائيل في دينهم ودنياهم، وقال السدي: من كل شيء أمروا به ونهوا عنه، وعن مجاهد مثله. وقد اختلف السلف في المكتوب في الألواح اختلافاً كثيراً، ولا مانع من حمل المكتوب على جميع ذلك لعدم التنافي، وهذه الألواح هي التوراة قيل كانت من زمردة خضراء، وقيل من ياقوتة حمراء، وقيل من زبرجدة خضراء وقيل من صخرة صماء، وقيل من خشب نزلت من السماء. وقد اختلف في عدد الألواح وفي مقدار طولها وعرضها، والألواح جمع

لوح وسمي لوحاً لكونه تلوح فيه المعاني، وأسند الله سبحانه الكتابة إلى نفسه تشريفاً للمكتوب في الألواح وهي مكتوبة بأمره سبحانه، وقيل هي كتابة خلقها الله في الألواح. وفي الحديث " خلق الله تعالى آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس شجرة طوبى بيده وفي لفظ غرس الفردوس بيده "، رواه الدارمي وابن النجار وغيرهما عن عبد الله بن الحرث والمحفوظ أنه موقوف وفيه أبو معشر متكلم فيه. قال ابن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده العرش والقلم وعدن وآدم، وعن ميسرة أن الله لم يمس شيئاً من خلقه غير ثلاث خلق آدم بيده وكتب التوراة بيده وغرس جنة عدن بيده ونحوه عن كعب، رواهما الدارمي، وعن علي بن أبي طالب قال: كتب الله الألواح لموسى وهو يسمع صريف الأقلام في اللوح، وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: الألواح التي أنزلت على موسى كانت من سدر الجنة كان طول اللوح اثني عشر ذراعاً " أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه. وعن سعيد بن جبير قال: كانوا يقولون كانت الألواح من ياقوتة حمراء، وأنا أقول إنما كانت من زمرد وكتابتها الذهب كتبها الله بيده فسمع أهل السموات صريف الأقلام. أقول: رحم الله سعيداً ما كان أغناه عن هذا الذي قاله من جهة نفسه فمثله لا يقال بالرأي ولا بالحدس، والذي يغلب به الظن: أن كثيراً من السلف رحمهم الله كانوا يسألون اليهود عن هذه الأمور فلهذا اختلفت واضطربت الأقوال فيها فهذا يقول من خشب، وهذا يقول من ياقوت وهذا

يقول من زمرد، وهذا يقول من زبرجد، وهذا يقول من برد وهذا يقول من حجر (¬1). (موعظة) لمن يتعظ بها من بني إسرائيل وغيرهم، وحقيقة الموعظة التذكير والتحذير مما يخاف عاقبته (وتفصيلاً لكل شيء) أي للأحكام المحتاجة إلى التفصيل وتبياناً لكل شيء من الأمر والنهي والحلال والحرام، قيل أنزل التوراة وهي سبعون وقر بعير لم يقرأها كلها إلا أربعة نفر موسى ويوشع وعزير وعيسى. (فخذها) أي الألواح وقيل: الضمير عائد إلى الرسالات أو إلى كل شيء أو إلى التوراة قيل: وهذا الأمر على إضمار القول أي قلنا له خذها (بقّوة) أي بجد ونشاط وقال ابن عباس: بحزم، وقال الربيع بن أنس: بطاعة وقال السدي: باجتهاد وقيل: بقوة قلب وصحة عزيمة ونية صادقة. (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) أي بأحسن ما فيها مما أجره أكثر من غيره وهو مثل قوله تعالى (اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم) وقوله (فيتبعون أحسنه) ومن الأحسن الصبر على الغير والعفو عنه والعمل بالعزيمة دون الرخصة وبالفريضة دون النافلة وفعل المأمور وترك المنهى عنه وقال ابن عباس: يحلُّوا حلالها ويحرِّموا حرامها ويتدبروا أمثالها ويقفوا عند متشابهها وكان موسى أشدَّ عبادة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به. وقيل: الحسن يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح والأحسن الأخذ بالأشد والأشق على النفس، وقيل: أحسن بمعنى حسن وكلها حسن. ¬

(¬1) وأسند أبو نعيم الحافظ عن عمرو بن دينار قال: بلغني أن موسى بن عمران نبي الله صلى الله عليه وسلم صام أربعين ليلة فلما ألقى الألواح تكسرت، فصام مثلها فردت إليه.

(سأريكم دار الفاسقين) أي الكفار قاله ابن عباس وهي أرض مصر التي كانت لفرعون وقومه قاله عطية العوفي وقيل منازل عاد وثمود قال الكلبي: قيل هي جهنم قاله الحسن، وعطاء وقيل منازل الكفار من الجبابرة والعمالقة ليعتبروا بها قاله السدي، وقال قتادة: سأدخلكم الشام فأريكم منازل القرون الماضية، وقيل الدار الهلاك والمعنى سأريكم هلاك الفاسقين، وقد تقدم تحقيق معنى الفسق، وقال مجاهد: سأريكم مصيرهم في الآخرة وقال قتادة: منازلهم في الدنيا. ومعنى الإراءة: الإدخال بطريق الإرث، ويؤيده قراءة من قرأ (سأورثكم) بالثاء المثلثة كما في قوله (وأورثنا) القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها، قاله أبو السعود، وهذه القراءة ترد القول بأنها جهنم. والعجب من السيوطي بعد هذا الخلاف المقرر كيف يرده بدعوى التصحيف والتحريف فإنه قد ذكر في حسن المحاضرة ما نصه: اشتهر على ألسنة كثير من الناس أنها مصر، وقد أخرج ابن الصلاح وغيره من الحفاظ أن ذلك خلط نشأ عن تصحيف، وإنما الوارد عن مجاهد وغيره من مفسري السلف في قوله تعالى (سأريكم) الخ قال مصيرهم فصحفت انتهى، وجمهور المفسرين على أن بني إسرائيل بعد ذهابهم إلى الشام رجعوا إلى مصر وملكوا أرض القبط وأموالهم وبه قال القرطبي والكرخي وهو قول الحسن وقيل إنهم لم يعودوا إلى مصر، وهو قول ضعيف جداً.

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)

146

(سأصرف عن آياتي الذين يتكبَّرون في الأرض) قيل معناه سأمنعهم فهم كتابي أي أنزع عنهم فهم القرآن، قاله سفيان بن عيينة، وقال السدي: عن أن يتفكروا في آياتي، وقال ابن جريج عن التفكر في خلق السموات والأرض والآيات التي فيهما، وقيل سأصرفهم عن الإيمان بها والتصديق بما فيها وقيل عن نفعها مجازاة على تكبرهم كما في قوله (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) وقيل سأطبع على قلوبهم حتى لا يتفكروا فيها ولا يعتبروا بها. واختلف في تفسير الآيات فقيل هي المعجزات التسع التي أعطاها الله لموسى. وقيل: الكتب المنزلة وقيل خلق العالم ولا مانع من حمل الآيات على جميع ذلك، وحمل الصرف على جميع المعاني المذكورة، والتكبر: إظهار كبر النفس على غيرها فهو صفة ذم في حق العباد أي يفتعلون الكبر ويرون أنهّم أفضل من غيرهم فلذلك قال (بغير الحق) أي يتكبرون بما ليس بحق أو متلبسين بغير الحق. (وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها) أي سأصرف عن آياتي المتكبرين التاركين للإيمان بما يرونه من الآيات ويدخل تحت كل آية الآيات المنزلة والآيات التكوينية والمعجزات أي لا يؤمنون بآية من الآيات كائنة ما كانت. (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً) معطوفة على ما قبلها داخلة

في حكمه وكذلك (وإن يروا سبيل الغي يتَّخذوه سبيلاً) والمعنى: أنهم إذا وجدوا سبيلاً من سبل الرشد يعني طريق الحق والهدى والسداد والصواب تركوه وتجنبوه، وإن رأوا سبيلاً من سبل الغي والضلال سلكوه واختاروه لأنفسهم. قال أبو عبيدة: فرق أبو عمرو بين الرُّشد والرَّشد فقال الرشد الصلاح والرَّشد في الدين وقال النحاس: سيبويه يذهب إلى أن الرُّشد والرَّشد كالسُّخط والسَّخط وهما لغتان وأصل الرُّشْد في اللغة أن يظفر الإنسان بما يريد وهو ضد الخيبة. (ذلك) إشارة إلى ما ذكر من تكبرهم وعدم الإيمان بالآيات وتجنب سبيل الرشد وسلوك سبيل الغي وهو مبتدأ خبره قوله سبحانه (بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) أي بسبب تكذيبهم بالآيات وغفلتهم عنها.

147

(والذين كذبوا بآياتنا ولقاء) الدار (الآخرة) يعني لقاءهم لها أو لقاءهم ما وعدوا به فيها ذكرهما الزمخشري (حبطت أعمالهم) الحباط البطلان أي بطل ما عملوه في الدنيا مما صورته صورة الطاعة كالصدقة والصلة وإن كانوا في حال كفرهم لا طاعات لهم كأن لم تكن، ويحتمل أن يراد: أنها تبطل بعد ما كانت مرجوة النفع على تقدير إسلامهم لما في الحديث الصحيح [أسلمت على ما أسلفت من خير]. (هل يجزون إلا ما) أي بما (كانوا يعملون) أو على ما كانوا أو جزاء ما كانوا، قدره الواحدي وقال هنا: لا بد منه قال السمين وهو واضح، لأن نفس ما كانوا يعملونه لا يجزونه إنما يجزون بمقابلة أعمالهم من الكفر بالله والتكذيب بآياته وتنكب سبيل الحق وسلوك سبيل الغي.

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

148

(واتخذ قوم موسى من بعده) أي من بعد خروجه إلى الطور وذهابه إلى المناجاة (من) للتبعيض أو للابتداء أو للبيان (حليّهم) التي استعاروها من قوم فرعون للعيد ليتزينوا به حين هموا بالخروج من مصر، وإضافتها إليهم لأنها كانت في أيديهم أو لأنها بقيت عندهم إلى أن هلك فرعون وقومه فصارت ملكاً لهم، والحلي بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء جمع حلى وبه قرأ أهل المدينة وأهل البصرة. وقرأ أهل الكوفة وحمزة والكسائي إلا عاصماً بكسر الحاء بالاتباع أي باتباع الحاء للام كدلي وهو ظاهر، وقرأ يعقوب بفتح الحاء وتخفيف الياء قال النحاس: جمع حَلي وحَليّ وحُلى مثل ثَدي وثَديّ وثُدى. (عجلاً) أي اتخذوا عجلاً إلهاً و (جسداً) بدل من عجلاً أو وصف له يعني: اتخذوا من ذلك الحلي وهو الذهب والفضة عجلاً (له خُوار) أي صوت البقر، هذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة وجمهور المفسرين، والخوار: الصياح يقال: خار يخور خواراً إذا صاح، وكذلك خار يخار ونسب اتخاذ العجل إلى القوم جميعاً مع أنه اتخذه السامري وحده لكونه واحداً منهم وهم راضون بفعله. روي أنه لما وعد موسى قومه ثلاثين ليلة فأبطأ عليهم في العشر المزيدة قال السامري لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حلياً من حلى آل فرعون الذي استعرتموه منهم لتتزينوا به في العيد وخرجتم وهو معكم، وقد

أغرق الله أهله من القبط فهاتوه فدفعوه إليه فاتخذ منه العجل المذكور. قال قتادة: فجعله جسداً لحماً ودماً له خوار قال عكرمة: صوت، وقيل كان جسداً لا روح فيه وكان يسمع منه صوت من خفق الريح والأول أولى لأنه كان يخور قال وهب: كان يسمع منه الحوار ولا يتحرك، وقال السدي: كان يخور ويمشي وقرأ علي وأبو السماك له جؤار بالجيم والهمزة وهو الصوت الشديد. (ألم يروا أنه لا يكلمهم) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي: ألم يعتبروا بأن هذا الذي اتخذوه إلهاً لا يقدر على تكليمهم فضلاً عن أن يقدر على جلب نفع لهم أو دفع ضر عنهم (ولا يهديهم سبيلاً) أي طريقاً واضحة يسلكونها وعلى كلا التقديرين لا يصلح لأن يعبد (اتخذوه) إلهاً، وأعيد تأكيداً (وكانوا ظالمين) لأنفسهم في اتخاذه إلهاً أو في كل شيء ومن جملة ذلك الاتخاذ.

149

(ولماَّ سقط في أيديهم) أي ندموا وتحيروا بعد عود موسى من الميقات، يقال للنادم المتحير: قد سقط في يده قال الأخفش: يقال سقط وأسقط، ونقله أيضاً الفراء والزجاج إلا أن الفراء قال: سقط أي الثلاثي أكثر وأجود. وهذه اللفظة تستعمل في الندم والتحير، وقد اضطربت أقوال أهل اللغة في أصلها، قال الواحدي: قد بان من أقوال المفسرين وأهل اللغة أن سقط في يده ندم وأنه يستعمل في صفة النادم، فأما القول في أصله ومأخذه فلم أر لأحد من أئمة اللغة شيئاً أرتضيه فيه إلا ما ذكره الزجاج فإنه قال: إنه بمعنى ندموا. وقال أبو عبيدة: يقال لمن ندم على أمر وعجز عنه سقط في يده، وقال الزمخشري: معناه لما اشتد ندمهم، ومن قال: سقط على البناء للفاعل فالمعنى عنده: سقط الندم وأصله أن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غماً

فتصير يده مسقوطاً فيها لأن فاه قد وقع فيها، وفي الجمل سقط فعل ماض مبني للمجهول وأصله سقطت أفواههم على أيديهم، فـ (في) بمعنى (على) وذلك من شدة الندم فإن العادة أن الإنسان إذا ندم بقلبه على شيء عض بفمه على أصابعه فسقوط الأفواه على الأيدي لازم للندم فأطلق اسم اللازم وأريد الملزوم على سبيل الكناية. وهذا التركيب لم تعرفه العرب إلا بعد نزول القرآن، ولم يوجد ذلك في أشعارهم والسقوط: عبارة عن النزول من أعلى إلى أسفل، وقال الأزهري والزجاج والنحاس وغيرهم: معنى سقط في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال حصل في يده مكروه وإن كان محالاً أن يكون في اليد تشبيهاً لما يحصل في القلب والنفس بما يحصل في اليد لأن مباشرة الأشياء في الغالب باليد، قال تعالى (ذلك بما قدمت يداك). وأيضاً الندم وإن حلَّ القلب فأثره يظهر في اليد لأن النادم يعض يده ويضرب إحدى يديه على الأخرى، قال تعالى (فأصبح يقلب كفّيه على ما أنفق فيها) ومنه: (ويوم يعض الظالم على يديه) أي من الندم وأيضاً النادم يضع ذقنه في يده. (ورأوا) أي تبينوا وتيقنوا (أنهم قد ضلوا) باتخاذهم العجل وأنهم قد ابتلوا بمعصية الله سبحانه في عبادتهم العجل (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكوننَّ من الخاسرين) وفي هذا الكلام منهم ما يفيد الاستغاثة بالله والتضرع والابتهال في السؤال والاعتراف بعظم ما أقدموا عليه من الذنب، والندم على ما صدر منهم والرَّغب إلى الله في إقالة عثرتهم واعترافهم على أنفسهم بالخسران إن لم يغفر لهم ربهم ويتب عليهم ويتجاوز عنهم ويرحمهم، وسيأتي في سورة طه إن شاء الله ما يدل على أن هذا الكلام المحكي عنهم هنا وقع بعد رجوع موسى، وإنما قدم هنا على رجوعه لقصد حكاية ما صدر عنهم من القول والفعل في موضع واحد.

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151)

150

(ولماّ رجع موسى إلى قومه غضبان أسفاً) هذا بيان لما وقع من موسى بعد رجوعه، والأسف: شديد الغضب قاله محمد بن كعب، وقيل هو منزلة وراء الغضب أشد منه، قاله أبو الدرداء، وقال ابن عباس والسدي: الأسف الحزن والأسيف الحزين، قال الواحدي: والقولان متقاربان لأن الغضب من الحزن والحزن من الغضب، فإذا جاءك ما تكره ممن هو دونك غضبت وإذا جاءك ما تكره ممن هو فوقك حزنت فتسمى إحدى هاتين الحالتين حزناً والأخرى غضباً يقال: هو أسف وأسيف وأسفان وأسوف. قال ابن جرير الطبري: أخبره الله قبل رجوعه بأنهم قد فتنوا، وأن السّامري قد أضلهم فلذلك رجع وهو غضبان أسفاً. (قال بئسما خلفتموني من بعدي) هذ ذم من موسى لقومه أي بئس العمل ما عملتموه من بعد غيبتي عنكم وفراقي إياكم، يقال: خلفه بخير، وخلفه بشر، استنكر عليهم ما فعلوه وذمهم لكونهم قد شاهدوا من الآيات ما يوجب بعضه الإنزجار، والإيمان بالله وحده، ولكن هذا شأن بني إسرائيل في تلوُّن حالهم واضطراب أفعالهم. ثم قال منكراً عليهم (أعجلتم أمر ربكم) العجلة التقدم بالشيء قبل وقته يقال: عجلت الشيء سبقته وأعجلت الرجل حملته على العجلة، ولذلك صارت مذمومة والسرعة غير مذمومة لأن معناها عمل الشيء في أول وقته،

والمعنى أعجلتم عن انتظار أمر ربكم أي ميعاده الذي وعدنيه وهو الأربعون ففعلتم ما فعلتم، قاله الحسن وقيل معناه تعجلتم سخط ربكم وقيل معناه أعجلتم وأسبقتم بعبادة العجل قبل أن يأتيكم أمر ربكم، قاله الكلبي، وقيل معنى أعجلتم تركتم والأول أولى. (وألقى الألواح) التي فيها التوراة أي طرحها لما اعتراه من شدة الغضب والأسف وفرط الزجر حمية للدين حين أشرف على قومه وهم عاكفون على عبادة العجل، قال ابن عباس: لما ألقى موسى الألواح تكسرت فرفعت إلا سدسها. وعنه كما أخرج أبو الشيخ رفع الله منها ستة أسباعها وبقي سبع، وقال مجاهد: لما ألقاها موسى ذهب التفصيل يعني أخبار الغيب، وبقي الهدى أي ما فيه المواعظ والأحكام، عن ابن جريج قال: كانت تسعة رفع منها لوحان وبقي سبعة وفي زاده: المراد بإلقائها أنه وضعها في موضع ليتفرغ لما قصده من مكالمة قومه لا رغبة عنها فلما عاد إليها أخذها بعينها. (وأخذ برأس أخيه) هارون أو بشعر رأسه ولحيته حال كونه (يجره) إليه من شدة غضبه لا هواناً به قال ابن الأنباري: مد يده إلى رأسه لشدة وجده عليه وفعل به ذلك لكونه لم ينكر على السامري ولا غير ما رآه من عبادة بني إسرائيل للعجل. (قال) هارون معتذراً منه يا (ابن أم) إنما قال هذا مع كونه أخاه لأبيه وأمه لأنها كلمة لين ورفق وعطف، ولأن حق الأم أعظم وأحق بالمراعاة وقد قاست فيه المخاوف والشدائد مع أنها كما قيل كانت مؤمنة، وقال الزجاج: قيل كان هارون أخا موسى لأمه لا لأبيه، قال أبو السعود: وكان أكبر منه بثلاث سنين وكان حمولاً ولذلك كان أحب إلى بني إسرائيل.

(إنّ القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) أي إني لم أطق تغيير ما فعلوه لهذين الأمرين استضعافهم لي ومقاربتهم لقتلي، مع إني لم آل جهداً في كفهم بالوعظ والإنذار. (فلا تشمت بي الأعداء) الشماتة: أصلها الفرح ببلية من تعاديه ويعاديك يقال: شمت فلان بفلان إذا سر بمكروه نزل به، والمعنى لا تسر الأعداء بما تفعل بي من المكروه، وفي المصباح شمت به يشمت من باب سلم إذا فرح بمصيبة نزلت به، والاسم الشماتة وأشمت الله العدو به ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: " اللهم إني أعوذ بك من سوء القضاء ودرك الشقاء وجهد البلاء وشماتة الأعداء "، وهو في الصحيح (¬1). قيل: والمعنى لا تفعل بي ما يكون سبباً للشماتة منهم، وقال مجاهد ومالك ابن دينار: لا يكون ذلك منهم لفعل تفعله بي، وقال ابن جني: والمعنى فلا تشمت بي أنت يارب، وما أبعد هذا المعنى عن الصواب، وأبعد تأويلها عن وجوه الإعراب. (ولا تجعلني مع القوم الظَّالمين) أي لا تجعلني بغضبك في عداد القوم الذين عبدوا العجل أو لا تعتقد أني منهم مع براءتي منهم ومن ظلمهم. ¬

(¬1) مسلم 2707 - البخاري 2401.

151

(قال رب اغفر لي ولأخي) طلب المغفرة له أولاً ولأخيه ثانياً ليزيل عن أخيه ما خافه من الشماتة فكأنه قد ندم مما فعله بأخيه، وأظهر أنه لا وجه له وطلب المغفرة من الله مما فرط منه في جانبه ثم طلب المغفرة لأخيه إن كان قد وقع منه تقصير فيما يجب عليه من الإنكار عليهم وتغيير ما وقع منهم (وأدخلنا في رحمتك) التي وسعت كل شيء (وأنت أرحم الراحمين) فيه ترغيب في الدعاء لأن من هو أرحم الراحمين تؤمل منه الرحمة، وفيه تقوية لطمع الداعي في نجاح طلبته.

إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154)

152

(إن الذين اتَّخذوا العجل) إلهاً عبدوه من دون الله (سينالهم غضب من ربهم) الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب (وذلَّة في الحياة الدنيا) الذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله: (ضربت عليهم الذّلة) وقيل هي إخراجهم من ديارهم، والأولى أن يقيدَّ الغضب والذلة بالدنيا لقوله: (في الحياة الدنيا) وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلهاً لا لمن بعدهم من ذراريهم، ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم وبه يصيرون أذلاء وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم وبه يصيرون أذلاء. وأما ما نال ذراريهم من الذل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما قال ابن عباس وعطية العوفي فلا يصح تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي، وهو لم يتعذر هنا، وقال ابن جريج: إن هذا الغضب والذلة لمن مات منهم على عبادة العجل ولمن فر من القتل، وهذا الذي قاله وإن كان له وجه لكن جميع المفسرين على خلاف ذلك. (وكذلك) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء (نجزي المفترين) أن نفعل بهم، عن أيوب قال هو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله، وقال سفيان بن عيينة: هذا في كل مبتدع إلى يوم القيامة، وقال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا وهو يجد ما فوق رأسه ذلة ثم قرأ هذه الآية قال: والمبتدع مفتر في دين الله اهـ.

والافتراء الكذب، فمن افترى على الله سيناله غضب وذلة في الحياة الدنيا وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه وإن فيه ذلة بأي نوع كان، ولا فرية أعظم من قول السامري: هذا إلهكم وإله موسى.

153

(والذين عملوا السَّيئات) أي سيئة كانت حتى الكفر وما دونه ومن جملتها عبادة العجل (ثم تابوا من بعدها) أي من بعد عملها (وآمنوا) بالله (إن ربك) أيها التائب أو يا محمد (من بعدها) أي من بعد هذه التوبة أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله (لغفور رحيم) أي كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم. وفي الآية دليل على أن السيئات بأسرها صغيرها وكبيرها مشتركة في التوبة وأن الله تعالى يغفرها جميعاً بفضله ورحمته، وهذا من أعظم البشائر للمذنبين التائبين.

154

(ولما سكت) وقرئ أسكت (عن موسى الغضب) أصل السكوت السكون والإمساك عن الشيء يقال جرى الوادي ثلاثاً ثم سكت أي مسك وسكن عن الجري، وقيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس أخيك فترك الإغراء وسكت. وقيل هذا الكلام فيه قلب، والأصل سكت موسى عن الغضب كقولهم أدخلت الأصبع الخاتم والخاتم الأصبع، وأدخلت القلنسوة رأسي، ورأسي القلنسوة، والأول أولى، وبه قال أهل اللغة والتفسير وفيه مبالغة وبلاغة من حيث إنه جعل الغضب الحامل له على ما فعل كالآمر به والمغري عليه، حتى عبر عن سكونه بالسكوت. (أخذ الألواح) التي ألقاها عند الغضب، قال الرازي: وظاهر هذا

يدل على أن الألواح لم تتكسر ولم يرفع من التوراة شيء (وفي نسختها) فعله بمعنى مفعولة كالخطبة، والنسخ: نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر، ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة وللمنقول نسخة أيضاً، قال القشيري: والمعنى أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة، وقيل المعنى وفيما نسخ له منها أي من اللوح المحفوظ وقيل المعنى وفيما كتب له فيها فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه، وهذا كما يقال انسخ ما يقول فلان أي اثبته في كتابك. (هدى) أي ما يهتدون به من الأحكام (ورحمة) أي ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة، قال مجاهد: ولم يذكر التفصيل ههنا وقال ابن عباس: هدى من الضلالة ورحمة من العذاب (للَّذين هم) أي كائنة لهم أو لأجلهم واللام في (لربهم) للتقوية للفعل، وقد صرح الكسائي بأنها زائدة وقال الأخفش: هي لام الأجل، وقال المبرد: التقدير للذين هم رهبتهم لربهم (يرهبون) أي يخافون منه سبحانه (¬1). ¬

(¬1) قيل: هذا من تمام كلام موسى عليه السلام؛ أخبر الله عز وجل به عنه، وتمّ الكلام. ثم قال الله تعالى: " وَكَذَلِكَ نجْزِي اْلمُفْتَرينَ "، وكان هذا القول من موسى عليه السلام قبل أن يتوب القوم بقتلهم أنفسهم، فإنهم لما تابوا وعفا الله عنهم بعد أن جرى القتل العظيم- كما تقدم بيانه في " البقرة " أجرهم أن من مات قتيلاً فهو شهيد، ومن بقي حياً فهو مغفور له. وقيل: كان ثم طائفة أشربوا في قلوبهم العجل، أي حبه، فلم يتوبوا، فهم المعنيون بقوله: " إن الذين اتخذوا العجل ". وقيل: أراد من مات منهم قبل رجوع موسى من الميقات، وقيل: أراد أولادهم. وهو ما جرى على قُريظة والنضير، أي سينال أولادهم. والله أعلم. (وكذلك نجزي المفترين) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين. ذكره القرطبي في 7/ 292.

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

155

(واختار موسى قومه سبعين رجلاً) هذا شروع في بيان ما كان من موسى ومن القوم الذين اختارهم، والأختيار افتعال من الخيار، يقال اختار الشيء إذا أخذ خيره وخياره، والمعنى اختار من قومه فحذف كلمة من وذلك شائع في العربية لدلالة الكلام عليه قيل اختار من كل سبط من قومه ستة نفر فكانوا اثنين وسبعين، فقال ليتخلف منكم رجلان فتشاحنوا فقال لمن قعد منكم مثل أجر من خرج فقعد يوشع بن نون وكالب بن يوفنا وذهب معه الباقون. وروي أنه لم يصب إلا ستين شيخاً فأوحى الله إليه أن يختار من الشبان عشرة فاختارهم فأصبحوا شيوخاً فأمرهم موسى أن يصوموا ويطهروا ثيابهم ثم خرج بهم إلى طور سيناء ذكره الخطيب وقيل غير ذلك. (لميقاتنا) أي للوقت الذي وقتناه له بعد أن وقع من قومه ما وقع، والميقات الكلام الذي تقدم ذكره لأن الله أمره أن يأتي إلى الطور في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه سبحانه من عبادة العجل، كذا قيل وقال مجاهد: المعنى لتمام الموعد، وقيل هذا الميقات غير ميقات الكلام السابق في قوله: (وواعدنا موسى) فهذا بعد ميقات الكلام ولم يبينوا مدة هذا. وقال ابن عباس: أمره الله أن يختار سبعين رجلاً فاختارهم وبرز بهم

ليدعو ربهم فكان فيما دعوا لله أن قالوا اللهم أعطنا ما لم تعط أحداً من قبلنا ولا تعطه أحداً بعدنا فكره الله ذلك من دعائهم فأخذتهم الرجفة كما قال: (فلما أخذتهم الرجفة) هي في اللغة الزلزلة الشديدة قيل إنهم زلزلوا حتى ماتوا يوماً وليلة وقال وهب لم تكن موتاً ولكن أخذتهم الرِّعدة وقلقوا ورجفوا حتى كادت أن تبين مفاصلهم. ومعظم الروايات أنهم ماتوا قال مجاهد: ماتوا ثم أحياهم الله تعالى وسبب أخذ الرجفة لهم ما حكى الله عنهم من قولهم: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة) على ما تقدم في البقرة وقيل هؤلاء السبعون غير من قالوا أرنا الله جهرة بل أخذتهم الرجفة بسبب عدم انتهائهم عن عبادة العجل، وقيل إنهم قوم لم يرضوا بعبادة العجل ولا نهوا السامري ومن معه عن عبادته فأخذتهم الرجفة بسبب سكوتهم. فلما رأى موسى أخذ الرجفة لهم (قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل) المعنى لو شئت إهلاكنا لأهلكتنا بذنوبنا قبل هذا الوقت وقال ذلك اعترافاً منه عليه السلام بالذنب وتلهفاً على ما فرط من قومه (وإياي) معهم وذلك أنه خاف أن يتهمه بنو إسرائيل على السبعين ولم يصدقوا بأنهم ماتوا. (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) الاستفهام للجحد أي لست ممن يفعل ذلك قاله ثقة منه برحمة الله، والمقصود منه الاستعطاف والتضرع، قاله ابن الأنباري وقيل معناه الدعاء والطلب أي لا تهلكنا قاله المبرد، وقيل قد علم موسى أنه لا يهلك أحد بذنب غيره ولكنه كقول عيسى " عليه السلام إن تعذبهم فإنهم عبادك وقيل المراد بالسفهاء السبعون، والمعنى أتهلك بني إسرائيل بما فعل هؤلاء السفهاء في قولهم أرنا الله جهرة، وقيل المراد بهم السامري وأصحابه. (إن هي) قال الواحدي: الكناية في هي تعود إلى الفتنة كما تقول إن

هو إلا زيد (إلا فتنتك) التي تختبر بها من شئت وتمتحن بها من أردت، ولعله عليه السلام استفاد هذا من قوله سبحانه: (إنا قد فتنا قومك من بعدك) قال أبو العالية: بليَّتك وقال ابن عباس: مشيئتك (تضل بها) أي بهذه الفتنة (من تشاء) من عبادك (وتهدي) بها (من تشاء) منهم ومثله (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) قال الواحدي: وهذه الآية من الحجج الظاهرة على القدرية التي لا يبقى لهم معها عذر. ثم رجع إلى الاستعطاف والدعاء فقال: (أنت ولينا) أي المتولي لأمورنا وهذا يفيد الحصر أي لا ناصر ولا حافظ إلا أنت (فاغفر لنا) ما أذنبناه (وارحمنا) برحمتك التي وسعت كل شيء (وأنت خير الغافرين) للذنوب.

156

(واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة) بتوفيقنا للأعمال الصالحة أو تفضل علينا بإفاضة النعم من الحياة الطيبة والعافية وسعة الرزق (و) اكتب لنا (في الآخرة) الجنة بما تجازينا به أو بما تتفضل به علينا من النعيم في الآخرة (إنا هدنا) تعليل لما قبلها من سؤال المغفرة والرحمة والحسنة في الدنيا وفي الآخرة أي إنا تبنا (إليك) ورجعنا عن الغواية التي وقعت من بني إسرائيل، والهود التوبة، وقد تقدم في البقرة وبه قال جميع المفسرين قيل وبه سميت اليهود، وكان اسم مدح قبل نسخ شريعتهم ثم صار اسم ذم وهو لازم لهم، وأصل الهود الرجوع برفق والمهادنة المصالحة قال عكرمة فكتب الرحمة يومئذ لهذه الأمة. وقال أبو وجزة السعدي: وكان من أعلم الناس بالعربية: لا والله ما أعلمها في كلام العرب هدنا قيل فكيف؟ قال: هدنا بكسر الهاء يقول ملنا. (قال عذابي أصيب به من أشاء) قيل المراد بالعذاب هنا الرجفة، وقيل

أمره سبحانه لهم بأن يقتلوا أنفسهم أي ليس هذا إليك يا موسى بل ما شئت كان وما لم أشأ لم يكن، والظاهر أن العذاب هنا يندرج تحته كل عذاب ويدخل فيه عذاب هؤلاء دخولاً أولياً، وقيل المراد من أشاء من المستحقين للعذاب أو من أشاء أن أضله وأسلبه التوفيق ليس لأحد عليّ اعتراض لأن الكل ملكي وعبيدي. (ورحمتي وسعت كل شيء) من المكلفين وغيرهم، قيل هذا من العام الذي أريد به الخاص فرحمة الله عمت البر والفاجر في الدنيا، وهي للمؤمنين خاصة في الآخرة، قاله الحسن وقتادة، وقال جمع من المفسرين: لما نزلت هذه الآية تطاول إبليس إليها قال وأنا من ذلك الشيء فنزعها الله من إبليس قاله السدي وابن جريج، وعن قتادة نحوه فقال: (فسأكتبها للذين يتقون) الذنوب أو الشرك قاله ابن عباس (ويؤتون الزكاة) المفروضة عليهم (والذين هم بآياتنا يؤمنون) أي يصدقون ويذعنون لها، فأيس إبليس، وقالت اليهود نحن نتقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله من اليهود وأثبتها لهذه الأمة. وأخرج مسلم وغيره عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إن لله مائة رحمة فمنها رحمة يتراحم بها الخلق وبها تعطف الوحوش على أولادها وأخر تسعة وتسعين إلى يوم القيامة " (¬1)، وعن ابن عباس قال سأل موسى ربه مسألة فأعطاها محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وأعطى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم كل شيء سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه في هذه الآية. ¬

(¬1) وفي رواية لمسلم: إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس، والبهائم والهوام، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة مسلم (2752) البخاري 2320. وفي رواية خلق الله مائة رحمة، فوضع واحدة بين خلقه وخبأ عنده مائة إلا واحدة.

157

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) ثم بين سبحانه هؤلاء الذين كتب لهم هذه الرحمة ببيان أوضح مما قبله وأصرح فقال: (الذين يتبعون) قال الرازي: هم من بني إسرائيل خاصة وقال الجمهور: هم جميع الأمة سواء كانوا منهم أو من غيرهم (الرسول النبي الأمي) هو محمد صلى الله عليه وآله وسلم بإجماع المفسرين فخرجت اليهود والنصارى وسائر الملل، والأمي إما نسبة إلى الأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب ولا تقرأ، وهم العرب قاله الزجاج أو نسبة إلى الأم والمعنى أنه باق على حالته التي ولد عليها لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وقيل نسبة إلى أم القرى، وهي مكة والأول أولى. وكونه أمياً من أكبر معجزاته وأعظمها، قال السيد الغبريني المقري شارح البردة: إن كونه أمياً معجزة له كما قرروه حتى لا يرتاب أحد في كلام الله، يرد عليه إنه لو ثم قيل عليه لم خلق أفصح الناس ولم يخلق غير فصيح حتى يعلم أن ما يتلوه من الكلام المعجز ببلاغته ليس كلامه. قال الشهاب في الريحانة قوله هذا ليس بشيء لأن الامية سابقة في أكثر فصحاء العرب وهم في غناء عن الكتابة، وأما عدم الفصاحة فلكنة وعيب عظيم منزه عنه عال مقامه، وطاهر فطرته وجوهر جبلته، وهذا البحث مما لا تراه في غير كتابنا هذا. وقال في حاشية البيضاوي قيل إنه منسوب إلى الأم بفتح الهمزة بمعنى

القصد لأنه المقصود وضم الهمزة من تغيير النسب، ويؤيده قراءة يعقوب بفتح الهمزة انتهى. قال أبو السعود: أي الذي لم يمارس القراءة والكتابة وقد جمع مع ذلك علوم الأولين والآخرين انتهى، وهل صدر عنه ذلك في كتابه صلح الحديبية كما هو ظاهر الحديث المشهور أو إنه لم يكتب وإنما أسند إليه مجازاً، وقيل إنه صدر عنه ذلك على سبيل المعجزة وتفصيله في فتح الباري. (الذي يجدونه) يعني اليهود والنصارى أي يجدون نعته (مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل) وهما مرجعهم في الدين وهذا الكلام منه سبحانه مع موسى هو قبل نزول الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون. قال الرازي: وهذا يدل على أن نعته وصحة نبوته مكتوب فيهما لأن ذلك لو لم يكن مكتوباً لكان ذكر هذا الكلام من أعظم المنفرات لليهود والنصارى عن قبول قوله لأن الإصرار على الكذب والبهتان من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب نقصان حاله وينفر الناس عن قبول قوله، فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك المنعت كان مذكوراً في التوراة والإنجيل، وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته انتهى وسيأتي الكلام على ذلك في آخر هذه الآية إن شاء الله تعالى مستوفى. أخرج ابن سعد والبخاري وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن عطاء ابن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا لا إله إلا الله ويفتح به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً. وروي نحو هذا مع اختلاف في بعض الألفاظ وزيادة ونقص في بعض

عن جماعة، وذكر الخميسي في تاريخه أن لفظ محمد مذكور في التوراة باللغة السريانية بلفظ المنحمنا، ومعنى هذا اللفظ في تلك اللغة هو معنى لفظ محمد وهو الذي يحمده الناس كثيراً وذكر أن لفظ أحمد مذكور في الإنجيل بهذا اللفظ العربي الذي هو أحمد. (يأمرهم بالمعروف) أي بكل ما تعرفه القلوب ولا تنكره من الأشياء التي هي من مكارم الأخلاق (وينهاهم عن المنكر) أي عما تنكره القلوب ولا تعرفه وهو ما كان من مساوئ الأخلاق، قال عطاء: يأمرهم بخلع الأنداد وصلة الأرحام، وينهاهم عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام. (ويحل لهم الطيبات) أي المستلذات التي تستطيبها الأنفس، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل، وقيل ما حرم عليهم من الأشياء التي حرمت عليهم بسبب ذنوبهم من لحوم الإبل وشحوم الغنم والمعز والبقر، وقيل ما كانوا يحرمونه على أنفسهم في الجاهلية من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي. (ويحرم عليهم الخبائث) أي المستخبثات كالحشرات والخنازير والربا والرشوة وقال ابن عباس يريد الميتة والدم ولحم الخنزير وقيل هو كل ما يستخبثه الطبع أو تستقذره النفس فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل. (ويضع عنهم إصرهم) الإصر الثقل أي يضع عنهم التكاليف الشاقة الثقيلة أو العهد الذي أخذ عليهم أن يعملوا بما في التوراة من الأحكام وقد تقدم بيانه في البقرة (والأغلال التي كانت عليهم) الأغلال مستعارة للتكاليف الشاقة التي كانوا قد كلفوها، وذلك مثل قتل النفس في التوبة وقطع الأعضاء الخاطئة وقرض النجاسة عن البدن والثوب بالمقراض، وتعيين القصاص في القتل وتحريم أخذ الدية وترك العمل في السبت، وإن صلاتهم لا تجوز إلا في الكنائس إلى غير ذلك.

(فالذين آمنوا به) أي بمحمد - صلى الله عليه وسلم - واتبعوه فيما جاء به من الشرائع (وعزروه) أي عظموه ووقروه قاله الأخفش وقيل معناه منعوه من عدوه وأصل العزر المنع (ونصروه) أي قاموا بنصره على من يعاديه (واتبعوا النور الذي أنزل معه) أي القرآن الذي أنزل عليه مع نبوته وقيل المعنى واتبعوا القرآن المنزل إليه مع اتباعه بالعمل بسنته مما يأمر به وينهي عنه أو اتبعوا القرآن مصاحبين له في اتباعه. (أولئك) إشارة إلى المتصفين بهذه الأوصاف (هم المفلحون) أي الناجون الفائزون بالخير والفلاح والهداية لا غيرهم من الأمم. وهذه الآية فيها دلالة واضحة وحجة نيرة على كون ذكر نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثابتاً في الكتب القديمة، فلنذكر ههنا ما يوافقها منها فأقول. قال أهل الكتاب يجب على النبي أن يكون منصوصاً عليه فيما قبله من الكتب، ومحمد لم يكن منصوصاً عليه فليس بنبي، أما الصغرى فلأنه لو لم يكن منصوصاً عليه لأشكل على الأمة معرفته، وأما الكبرى فلعدم وجود النص. والجواب عنه بمنع الصغرى لأنه لا يجب أن يكون منصوصاً عليه في سجل من قبله لأن شرط صدق النبوة الإتيان بالخارقة، ولو كان شرطه النص لامتنع الاستعجاز وعليه أهل التحقيق فيبطل القياس، وبمنع الكبرى لأن محمداً - صلى الله عليه وسلم - قد نص عليه موسى ويوشع وداود وسليمان وأشعيا وارميا وملاخيا وزكريا وعيسى عليهم السلام فيكون نبياً. ومن البراهين على إثبات نبوته - صلى الله عليه وسلم - ما ورد في الأعمال من كتاب الاستثناء " وسيقيم لكم الرب إلهكم من إخوتكم نبياً مثلي فاسمعوا جميع ما يأمركم به فإن كل نفس لا تسمع أمر ذلك النبي تستأصل من بين القوم ". وهذا هو الدليل الذي تمسك به جماعة من المسلمين على نبوته - صلى الله عليه وسلم - وأثبتوا

دلالته على ذلك بعشرة وجوه ذكرت في محلها، وفسره النصارى في شأن المسيح وزعموا أنه هو الذي وعد به موسى لأنه تولد في دار يوسف بن يعقوب بن متان من زوجته مريم بنت عمران، وهذا التفسير بديهي البطلان إذ لو كان المراد به نبياً من بني إسرائيل لكان الأولى به يوشع بن نون أو أشمويل أو العزير أو داود أو سليمان أو أشعيا أو غيره من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، ولكنه تعالى فرزه عن بني إسرائيل بقوله: " من إخوتكم " نظراً إلى أنهم نفس إسحق فتكون إخوتهم بنو إسمعيل بلا مناقشة. وهذا حوار مطرد عند اليهود والعرب كما قال: " سيأتي المنقذ من صهيون ويخرج النفاق من يعقوب " أي من بني يعقوب إلى غير ذلك. وإلا فأقول إن عيسى ابن مريم بن إسرائيل وإسرائيل أخ لنفسه ينتج أن عيسى بن مريم ابن أخ لنفسه، وليس الأمر كذلك أما الصغرى فلاعتراف النصارى بأن المسيح من أولاد داود ولا شك أن داود من أولاد إسرائيل وولد الولد ولد، وأما الكبرى فلما ظهر من هذا النص من أن أخ الإنسان عبارة عن نفسه. وأجيب بمنع الصغرى لأن الأخوين لفظان متباينان لا يصدق أحدهما على مفهوم الآخر وإلا يلزم ترادف المتباينين وهو باطل، ولا يرد عليه مثل البيع لأن العمدة في اللغة السماع ولم ينقل عن أحد فيكون المنصوص عليه محمداً- صلى الله عليه وسلم - بلا مناقشة بدليل قوله: " فاسمعوا جميع ما يأمركم به " الخ لأن عيسى عليه السلام لم يأت في دعوته بقهر يجبر به القوم لأن دعوته كانت على سبيل الترغيب لا غير. وإلا فليكن المسيح هو المنصوص عليه، وحينئذ أقول كل نصراني يسلم أو يتهود يجب عليه القتل وكل نصرانية تزني يجب عليها الرجم لقوله: (كل نفس) الخ لكن النصراني إذا ارتد والنصرانية إذا زنت لا يحدا، فالمسيح ليس بمنصوص عليه في هذا المقام، أما المقدم فلوضوح النص في قوله: (كل نفس

لا تسمع) الخ لأنه أمر بالاستقامة على الدين والإحصان وإلا فليس بنبي، وأما التالي فلعدم إجراء الحدود في ملته الم تر أن النصراني يسلم ويتهود ويتبرهم ولا يجب عليه حد، وأنه ربما ينقض جميع سنن الإنجيل وأحكامه ويرتكب ما يخالفهما ولا ينكر عليه أحد. وهذا بخلاف ملة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإن عدم امتثال بعض أوامره يوجب هرق الدم وإزهاق الأنفس فيكون هو المنصوص عليه بهذا النص، وهذا هو معنى قوله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله). وفي إنجيل متى وفي كتاب أشعيا هذا هو عبدي الذي انتخبت ومحبوبي الذي رضيت عليه فسأحل روحي عليه وسيظهر للعوام الدينونة ولن يصرخ ولن يصيح ولن يسمع صوته في الأزقة أحد، ولن يكسر قصبة مرضوضة ولن يطفئ ذبالة مدخنة حتى يخرج الدينونة المنصرة ويتكل على اسمه العوام انتهى، وهذا نص صريح على إثبات نبوة نبينا - صلى الله عليه وسلم -. وأما استدلال النصارى بهذا على كون المسيح ابن الله وخاتم الأنبياء فلا دلالة لها عليه إذ الجزاء فيه اتكال العوام عليه، وقد صلب أو رفع ولم يتكل عليه العوام، وقد مضى من ارتفاعه أو صلبه إلى زمان تحرير هذه السطور 1879 سنة ولم يجتمع عليه من العوام أحد إلا اليونانيون والأرمن والجروج والفرنج وبعض الحبش، وهذا ليس بإجماع لأن أقل مراتب الإجماع أعظم النصفين، وقد يظهر لك بالنظر في الجغرافيا أن النصارى أقل من عشر غيرهم فينتقض الإجماع. وأما حلول الروح عليه وإظهاره الدينونة للعوام واتصافه بهذه الصفات المرضية فلا دلالة لها على كونه ابن الله وخاتم الأنبياء، لأن نزول الروح مما يختص بالأخيار وإظهار الدينونة مما يختص بالملوك، ولا شك أن روح القدس قد حلت عليه، وأنه قد أخبرنا بالدينونة العظمى التي هي محمد صلى الله عليه

وآله وسلم، لكنه يدل على أن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله وهو ممنوع. وأما إظهار الدينونة واتكال العوام عليه، فليس كما أوله النصارى، بل إنما المراد بالإظهار الإخبار، وباتكال العوام عليه، اتكالهم على ذلك الإخبار لا غير، وإلا لفسد المعنى لأن حلول الروح عليه وإظهاره الدينونة للعوام وعدم صراخه وصياحه إلى آخره مقيد بأخبار الدينونة للنصرة واتكال العوام على اسمه ووقوع المشروط عين إطلاق الشرط فما يكون بعد ذلك. فإن قلت سيكون سلطاناً شديداً منعته لعدم وقوعه وعدم إدعاء النصارى به، وإن قلت شيطاناً عنيداً منعته لتقدس ذاته وإنكار النصارى له. ولأني أقول إن كان عيسى بن مريم هو المخصوص بهذا النص فبعد إخراج الدينونة للنصرة واتكال العوام على اسمه لا بد أن ترفع عنه روح الله التي حلت عليه، لكن المسيح هو المقصود بهذا النص ينتج أن روح الله قد رفعت عنه، والتالي باطل فالمقدم مثله. أما بطلان التالي فلأن روح الله لا ترتفع عن أنبيائه، وأما بطلان المقدم فلصدق استثناء نقيضه. إذا علمت ذلك فاعلم أيدك الله بروحه القدسية أن خلاصة هذا النص أنه تعالى قد أخبر بأن عيسى عليه السلام هو نبيه الذي انتخب في ذلك الزمان ومحبوبه الذي رضي عليه في تلك الأيام، ووعد أنه سيحل عليه روحه، وسيظهر الدينونة أي القضاء للعوام أي يخبر بها ووصفه بالسكوت وعدم المكابرة ردعاً لليهود لأنهم يقولون أن المسيح ملك عظيم الشأن وقيد ذلك بإخراج الدينونة للنصرة التي هي محمد - صلى الله عليه وسلم -. وفي بعض التراجم " حتى يخرج الحكم بالغلبة " عوض " يخرج الدينونة للنصرة " وهما مترادفتان لأنه هو الذي نصر دين الله وباتكال العوام على اسمه أي عليه يعني على إخباره يريد بذلك أن العوام سيتكلون على إخباره حين

ظهور محمد - صلى الله عليه وسلم - فيؤمنون به، فتكون هذه الأمور غاية بعثته عليه السلام وبعد نفوذها يؤوب إلى مآبه الأصلي سواء كان بالصلب ثم الرفع أو بالرفع بغير الصلب، فتفكر في هذا المقام فإنه دقيق وأمعن نظرك فيه. وفي كتاب يهودا وكتاب زكريا أن الرب قد جاء أو سيجيء بربوات مقدسة ليقضي على جميع الناس، ويوبخ المنافقين لجميع أعمال نفاقهم التي نافقوا بها وجميع الأقوال الصعبة التي تكلم بها عليه الخاطئون انتهى. ودلالة هذا النص على إنبعاث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بديهية لا تحتاج إلى نظر لانحصار جميع هذه الصفات في ذاته المقدسة لكونه مبعوثاً بالسيف أي بالجهاد ولوثوبه بربوات صناديد العرب ولقضائه على جميع الناس ولتوبيخه أهل النفاق، ولا تقل أنه لم يقض على جميع الناس لما صرحت لك فيما قبل هذا بأن الإجماع عبارة عن أعظم النصفين. وأما استدلال النصارى بهذه الدلالة على ربوبية المسيح نقلاً عن صحيفة زكريا فلا شك في صحة النقل إلا أنه لا دلالة فيه على ما ادعوه مطلقاً ولا على ثبوته بل ولا دلالة له عليه بوجه من الوجوه، لأن المنصوص عليه بالإتيان بهذه الربوات المقدسة والقضاء على جميع الناس وتوبيخ المنافقين ينبغي أن يقوم بالأمر لجد الحديد الأخضر، ولا دلالة لشيء من هذه الصفات على المسيح عليه السلام لأنه لم يأت إلا في زي بعض الزهاد المتخلقين بالمسوح والرماد. وإلا فإن كان المسيح هو المقصود بهذا النص فلا شك أنه قد قهر اليهود وصلب بيلاطوس النبتي لكن المسيح هو المقصود بهذا النص فيكون كذلك والتالي باطل فالمقدم مثله، أما بطلان التالي فلعدم وقوع ذلك ولإنكار النصارى إياه، وأما بطلان المقدم فلصدق استثناء نقيضه، وكيف يجوز العقل احتياج الإله في الإنتقام من الأعداء إلى الجند والسلاح. فإن قيل أنه ليس بإله لكنه ابن الله، قلت لا أسلم عدم الألوهية لأن

جميع النصارى قد اتفقوا في تفسير هذا النص بالألوهية قوله من الأعمال " فاحتاطوا على أنفسكم وعلى الرعية التي أقامكم الروح القدس عليها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بخالص دمه " مع أن الضمير يرجع إلى عيسى المذكور باللفظ وإلى الروح القدس الذي هو عبارة عن نفس المسيح، فتأمل فيه. ومع قطع النظر عن هذا كله إذا كان ابن الله يجب على أبيه أن يذب عنه. وفي مرقص وفي متى ثم طفق يضرب لهم الأمثال ويقول اغترس رجل كرماً وحوطه بحائط وبحث فيه معصرة وبنى برجاً وآجره للفلاحين وسافر، ولما جاء الموسم أرسل إلى الفلاحين خادماً لينال من ثمرة الكرم شيئاً فأخذوه وضربوه وردوه خائباً فأرسل إليهم خادماً ثانياً فرجموه وشجوه وردوه محقراً ثم أرسل ثالثاً فقتلوه وكثيرين آخرين ضربوا بعضهم وقتلوا بعضاً وكان قد بقي له ابن وحيد هو محبوبه فأرسله إليهم آخر الأمر وقال أنهم سيكرمون ابني فقال الفلاحون فيما بينهم أن هذا هو الوارث فهلموا بنا نقتله فيصير الميراث لنا فأخذوه وقتلوه وأخرجوه خارج الكرم فماذا يفعل رب الكرم، نعم إنه سيأتي ويهلك الفلاحين ويسلم الكرم إلى آخرين ألم تقرأوا هذا المرقوم قوله إن الحجرة التي رفض البناؤون صارت رأس الزاوية هذا هو ما وقع عند الرب وهو في نظركم عجيب انتهى. وهذا من أعظم الدلائل الواردة في الإنجيل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وقد تغافل عنه النصارى وأولوه بتأويل باطل. وتقرير ذلك أن هذا أول الفصل وهو جملة استئنافية، فالغارس فيه هو الباري تعالى شأنه، والمغرسة الدنيا، والكرم بنو آدم، والحائط الناموس، والمعصرة الأحكام الناموسية، والبرج الأنبياء، والفلاحون الذين بلغتهم الدعوة، فأول الرسل موسى بن عمران عليه السلام، وثانيهم يوشع بن نون،

وثالثهم يحيى بن زكريا، والمجهولون المتوسطون، من موسى إلى زمان عيسى عليهما السلام، والولد الوحيد عيسى عليه السلام. وناهيك به من مثل لطيف نبه وأنبأ فيه عيسى على نفسه أيضاً والآخرون الذين يسلم إليهم الكرم هم العرب. فإن قلت لم كنى في الأول بالأنبياء وههنا بالأمة، قلت تبجيلاً له - صلى الله عليه وسلم - وإكراماً لأمته إذ هم أفضل الأمم وتصديقاً لقوله سبحانه: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) الآية وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " على كلام فيه، وفيه من عظمة شأنه وسمو مكانه ما لا يخفى بل ما يفوق على شأن جميع الأنبياء فتأمّله. ثم انظر إلى حسن أداء المثل فكأنه عليه السلام قد سئل عن ذلك فقال إنه من أولاد إسماعيل، فأجيب بأنه هل يبعث من أولاد الفتاة نبي، فقال عليه السلام ألم تقرأوا ما قال أشعياء في قوله إن الحجرة التي رفض الخ فإن كذبتموني فما تفعلون بقول نبيكم أشعياء " فهذا الذي أنتم تستحقرونه يكون في الدرجة العليا لأنه هو قضاء الرب وهو الوفاء لعهده الذي عاهد به إبراهيم عليه السلام في بابت إسماعيل حيث قال في التكوين قوله: " وأما إسماعيل فإني قد سمعت دعاءك له وها أنذا قد باركت فيه وجعلته مثمراً وسأكثره تكثيراً وسيلد اثني عشر ملكاً وسأصيرهم أمة عظيمة ". وأما ما ذهب إليه اليهود والنصارى من أن المراد بالملوك الإثني عشر أولاد إسماعيل الإثنا عشر فهو باطل لأنهم لم يتملكوا، ولم يدعوا الملكية، والحق أنه في شأن الأئمة الإثني عشر من قريش كما ورد في ذلك الحديث وعهده الذي عاهد به هاجر في كتاب الخليقة حيث قال فقال لها أي هاجر ملك الرب إنك حاملة وستلدين إبناً تسميه إسماعيل لأن الله قد سمع اضطرابك وسيكون بدوياًْ وتكون يده معارضة لجميع الناس ويد جميع الناس معارضة له.

وهذا في غاية اللطافة والعموم، وفي كتاب متى وكتاب أشعيا وفي المزامير أن تلك الحجرة التي رفض البناؤون صارت رأس الزاوية هذا هو عمل الرب وهو في أعيننا عجيب اهـ. ولا شك أن هذا النص يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأنه من ولد إسماعيل وهو المرفوض قبل وجود موسى ورأس الزاوية هو ملتقى الخطين فيكون هو الخاتم لأن طرفي الخطين يذهبان إلا حيث ما يذهبان إليه، ولا حاجة لتعيين ابتدائها فيكون ملتقى الخطين هو منتهاهما وهذا هو محمد- صلى الله عليه وسلم - الذي ختم الله به فيلق رسله. وقوله هذا هو عمل الرب الخ جواب سؤال مقدر تقديره هل يمكن أن تستقر الحجرة المرفوضة رأس الزاوية وهل يجوز أن يقوم من أولاد الجارية المصرية هاجر نبي، فيكون الجواب هذا هو عمل الرب الخ وسياقه في أشعياء قوله: " هذا ما يقول الرب الإله ها أنا ذا قد ألقيت في صهيون حجرة أساس الإبل زاوية وأساس محقق لا يخجل من يعتقد بها. فقوله: " هذا " للتحضيض والترغيب في الاستماع، وما مفرد في معنى الكل ويقول في معنى القول، فيكون المعنى هذا كل قول الرب الإله وصفة الرب للتعظيم والتخويف، ها أنا ذا إلى قوله حجرة أساس الإضافة بمعنى اللام الإبل زاوية بدل من الأساس، وأساس محقق بدل من البدل، لا يخجل من يعتقد بها غاية إلقائها، فيكون معنى قول أشعياء إن هذا هو قول الرب فمن يعتقد به وينتظر وقوعه ويؤمن به لن يخجلن والمراد به نفس النص. ومعنى قول متى أن تلك الحجرة يعني إسماعيل التي رفض البناؤون إبراهيم وسارة والجمع للحوار العبراني أو للتفخيم، والمضي في رفض لغبور الفعل فيه صارت للتأكيد رأساً للزاوية خاتماً للرسل. ووجه المطابقة أن كلام أشعياء يدل على الإخبار، وكلام متى يدل على التحقيق، جعلني الله ممن يسلك سواء الطريق.

وذهب النصارى إلى تأويل هذا النص في شأن عيسى عليه السلام على عادتهم وقالوا إن اليهود كانوا يحتقرونه فيكون النص في شأنه وهو باطل لأن تأكيد التعريف يفيد العهد الذهني وليس في بني إسرائيل محتقر ولا مرفوض من حيث إنه من بني إسرائيل، وعيسى ابن مريم من بني إسرائيل فلا دلالة للنص عليه مع أن العهد الخارجي المشار إليه في أيام موسى يجب أن يكون غابراً، والفعل ماض فيجب مضي العهد، وإن كان المسيح بن مريم قد رفضه اليهود في أيام موسى أو قبل أيامه فهو المنصوص عليه لكنه لم يكن كذلك فلن يكون كذلك. ولا شك أن النص دال على ما ذكرناه من نبوة محمد خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم برمته. وفي رومية ويوشع سأدعو الذين ليسوا من شيعتي لي شيعة والتي ليست بمحبوبتي لي محبوبة اهـ. واختلس النصارى هذا النص على عادتهم وأولوه في شأن اتباع المسيح وقالوا إنه لم يأت إلا لاستدعاء العوام مع أنه خلاف لما تواتر عليه النص، فمنه ما ورد في متى " إني لم أرسل إلا لغنم بيت إسرائيل الضالة فجاءت الامرأة وسجدت له وقالت أعني يا رب فقال لها وهو يحاورها إنه لا يجوز أن يؤخذ خبز الأولاد ويلقى للكلاب ". وما ورد في متى لما أرسل الحواريين للدعوة حيث قال: " بل سيروا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة " إلى غير ذلك. وتقرير الأول أن امرأة سريانية أتت إليه تلتمسه أن يبرئ بنتها فقال لها: إني لم أرسل إلا لأبرئ بني إسرائيل الذين هم أحباء الله، ولا يجوز لأحد أن يأخذ خبز الأولاد ويلقى أمام الكلاب، فإذا كان بمحض الإبراء والوعظ

ليس بمأمور أن يبرئ أو يعظ غير اليهود فكيف تكون نبوته عامة. وأما استدلالهم بما ذكره في رومية فلا دلالة له أيضاً على الخصوصية لأن موضوع هذا الفصل ممانعة اليهود لليونانيين عن التنصر، فاستدل بولوس على جواز ذلك بإضافة الإختيار إلى المختار الحقيقي حيث قال: " فمن أنت أيها الإنسان حتى تجيب الله تعالى لعل الجبلة تقول لجابلها لم صنعتني هكذا أو لعل الفخار لا سلطان له على الطين حتى يعمل من كتلة واحدة إناء للكرامة وإناء للإهانة الخ. فذكر ذلك استدلالاً على جواز اضطباع العوام استحساناً لأن الجواز غير الوجوب بخلاف نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإنه قد أوجب عليه دعوة الثقلين وعليه الإجماع، ولو كانت علة مجيء عيسى دعوة العوام لما احتاج إلى الاستدلال فينتقض. ويدل على محمد نفسه - صلى الله عليه وسلم - بالضرورة لأنه لم يكن من بني إسرائيل فلم يكن من شيعة الرب الخاصة ولما لم يكن من شيعته الخاصة فلم يكن له محبوباً فيكون الباري تعالى قد تبرع بارساله وهو أبلغ وأظهر للقدرة لأن اليهود كانوا يتفاخرون على العرب لما ورد في متى من سفر الخروج لأنهم من أولاد إسحاق وهو ابن سارة ومحمد صلى الله عليه وسلم من أولاد إسماعيل وهو ابن هاجر جارية سارة لكن الواجب تعالى رغم أنفهم به وصيره له محبوباً وشيعته له شيعة. وإن لم يكن كذلك فنقول إن كان اليونانيون هم الذين رفضتهم سارة لما حكمت على إبراهيم عليه السلام أن يخرجهم إلى البر وطردتهم من بيتها لما حملت جاريتها المصرية هاجر من إبراهيم، فهذا النص صادق عليهم لكن اليونانيين ليسوا بالذين طردتهم سارة فلا يصدق عليهم النص. أما المقدم فلادعاء اليهود بأن بني إسماعيل ليسوا من شيعة الرب وهم المرفوضون، ولا وجه

للعموم لأن غير استيلاء الخصم لا يشق مشقة استيلاء الخصم، وأما التالي فلأن هذا النص لا يصدق إلا على من يصدق عليه المقدم لأن التعريف يفيد العهد الذهني. وفي رومية والاستثناء إني سأعيركم بأمة أخرى وأغيظكم بأمة لا فهم لها انتهى. استدل النصارى بهذا النص على عموم نبوة المسيح وقالوا إنه خاص في شأن اليونانيين والرومانيين وهو باطل لأنهم كانوا أعلم من اليهود في جميع الفنون. وتقريره في هذا الفصل أن بُولُس كان يعظ اليهود ويعترض عليهم لما تنفروا من تنصر اليونانيين والرومانيين ويقول إنهم لم يميزوا الكتب ولم يمعنوا النظر في النواميس حيث قال الله تعالى على لسان موسى: " إني سأعيركم " الخ فهذا لا دلالة له على عمومية نبوته البتة إذ لا دلالة له على دعوة كلا الفريقين، لكنه تنبيه لليهود حتى يرتدعوا عما كانوا عليه من الغرور ويذكروا هذا النص ويحذروا يوم يعيرهم الله بأمة أخرى ويغيظهم بأمة لا فهم لها والمراد بهم العرب أولاد هاجر. والبرهان على ذلك أنهم كانوا أميين لأنهم هم الذين لا فهم لهم ولا علم، وسياق النص في الاستثناء قوله: " إنهم قد عيروني بلا إله وأغاظوني بعبثهم فسأعيرهم بلا فئة وسأغيظهم بأمة لا فهم لها " قوله: " عيروني بلا إله أي بعبادة الأوثان لما اتخذوا العجل، وأغاظوني بعبثهم أي العبث الصادر منهم لما قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فأنا سأعيرهم بلا فئة يريد بها أولاد هاجر المصرية يعني بني إسرائيل، وأغيظهم بأمة لا فهم لها لأنهم كانوا في تلك الأيام لا يتعاطون شيئاً من العلوم العقلية ولا النقلية ما سوى علم الشعر والمنازل وليسا بشيء ".

وإلا فأقول إن كان اليونانيون في زمان موسى جهالاً لا دخل لهم في شيء من العلوم بحيث إن اليهود كانوا يستحقرونهم بالنظر إلى جهالتهم فهذا النص صادق عليهم لكن اليونانيين في زمان موسى كانوا أعلم من اليهود في جميع الأحوال، فلا يكون هذا النص صادقاً عليم، أما المقدم فلأن النصارى يدعون ذلك وأما التالي فلأنه لا شك في أن اليونانيين كانوا أعلم من اليهود في جميع العلوم سيما الإلهيات إلا علم فقه اليهود وليس بشيء. والدليل على ذلك ما حققه داود جانز في كتابه الذي سماه صحيح داود قوله: شرع سطريوس الحكيم في تعليم المساحة في مصر أيام مطيطوس أول ملوك بابل سنة 28 ومن تاريخ الخليقة ولاطينوس اللاطيني علم الطبيعيات وبحث عن كائنات الجو زمان سقزينس 15 من ملوك بابل سنة 2365 وأرقيلوس الحكيم اليوناني بحث عن حركات الأفلاك هو وولداه سردينوس وقرسيقوس عهد أمينوس 19 من ملوك بابل سنة 2475 وكانت ولادة موسى سنة 2368 ولم يزل اليونانيون يزدادون بسطة في الملك والعلم حتى ظهور رب الجنود- صلى الله عليه وسلم -، ومن الذين ظهروا أيام بني إسرائيل مرقورياس علم الموسيقى سنة 2626 ولوسيوس قيصراً بحث في حركة الشمس مع فيلقوس الحكيم سنة 2825 وكان فيلقوس فاضلاً مرتاضاً في علم النجوم وأبقراط أو بقراط الطبيب الحاذق وإبنه أوقليدس المهندس، وأفلاطون الحكيم بحثوا عن أكثر فنون الحكمة النظرية عهد مردخان واستير سنة 341 (¬1) واسكندر ابن قبلقوس أو داراب وأستاذه لقوما خشيوس بحثاً عن أكثر فنون الحكمة سنة 2442 أيام العزير عليه السلام إلى غير ذلك. فعلى هذا يكون محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو المكنى عنه به وأمته المهدية هي المشار إليها. ¬

(¬1) قوله سنة 341 كذا بالأصل، وكذا جميع الأعداد في هذه الصحيفة هي كذلك في الأصل وحرر إهـ مصححه.

وفي رومية وأشعياء قوله: إني قد وجدت عند من لم يطلبني وظهرت عند من لم يسأل عني انتهى. أول النصارى هذا النص الصريح في حق اليونانيين الذين اتبعوا عيسى عليه السلام في زمان الفترة وقالوا إنهم لم يطلبوا معرفة الله تعالى قبل المسيح فيختص النص بهم وسياقه في رومية يظهر لك مما قبله ولا دلالة له عليهم لأنه لا يصدق إلا على مفهوم ما قبله، ومع تسليمه كيف يجوز العقل أن اليونانيين لم يطلبوا معرفة الواجب تعالى مع أنهم هم أول من دون الإلهيات وبحث في وحدة الواجب تعالى. إذا تحقق ذلك فاعلم أن هذا النص يخص العرب فقط ولا يدخل فيه ولا فيما قبله من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أحد لأنهم هم الأميون البله الذين لم يكونوا يفهمون ما الواجب بل ولا الممكن قبل بعثته عليه السلام، وأما قول لبيدة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل فلمداخلة اليهود والنصارى أو بالنظر إلى الناموس الطبيعي لأن جميع الأمم الذين لم تبلغ إليهم دعوة الأنبياء لا بد لهم من ناموس يتمسكون به. ومن المعلوم أن الأبكم مع عدم إطلاعه على شيء من هذه الأشياء إذا اشتبه أو اضطر ينظر إلى السماء وكذلك البهائم الوحشية إذا أصابها الجدب، وساقه في أشعياء قوله: إني قد أصبت عند من لم يسأل عني ووجدت عند من لم يطلبني وقلت لأمة لم تدع باسمي أنظري إلي أنظري إلي لأني قد أظهرت يدي طوال النهار إلى فئة طاغية سالكة في سبيل سيئ ممتثله لأهوائها وفئة أي فئة تغيظني أمام وجهي وتقرب قرابينها في البساتين وتبخر في مباخر الشياطين التي

تسكن المقابر وتأكل لحم الخنازير ومرق النجاسة في أوانيها. فمن قوله أصبت قوله أنظري إلي، إشارة إلى انحراف الناموس إلى العرب واصطفائه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ومن قوله لأني إلى قوله ممتثلة لأهوائها إشارة إلى اليهود، ومن قوله وفئة إلى قوله في أوانيهم إشارة ظاهرة في حق النصارى. إذا فهمت فاعلم أن هذا النص لا يمكن أن يستدل به على غير ما ذكرته لك لأنه هو موضوعه ولا يجوز الاستدلال بالتأويلات التضمينية أو الاستلزامية فيما لم تكن قرينتهما موجودة سيما إذا كانت قرينة المطابقة فيه ظاهرة، وفقني الله وإياك لاقتفاء سنة نبيه المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير. وفي لوقا وأشعياء صوت صارخ في البرية أعدوا طرق الرب وهيئوا سبله فإن كل واد سيمتلئ وكل جبل وأكمة ستضع وتعتدل المعوجات وتلين الصعبات ويشاهد خلاص الله كل ذي جسد انتهى. وهذا من أوضح البراهين الواردة في شأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد تغافل اليهود والنصارى عنه فأوله اليهود في شأن مسيحهم الموهوم، وأوله النصارى في حق إلههم المعلوم، والحق أنه لا يدل على ذلك. أما إنه لا يدل على المسيح الموهوم فلأن سياقه في أشعياء قوله سلوا شيعتي سلوهم قال إلهكم سلوا أورشليم وقولوا لها إن تعبها قد تم وخطيئتها قد غفرت لأنه قد وقع عليها من يد الرب لخطيئتها ضعفان من العذاب، وهذا صوت صارخ يقول في الهدية هيئوا طريق الرب ووطئوا لأجل إلهنا في البادية سبيلاً مرتفعاً فإن كل واد سيرتفع، وكل جبل وأكمة ستتضع وسيعتدل المعوج وستلين الصعبات وسيظهر مجد الله ويشاهده كل ذي جسم لأن فم الله نطق

به، فقال الصوت اصرخ فقال بماذا أصرخ فإن جميع الأجسام كلأ وكل مجدها كزهر الحقل فالكلأ يذبل والزهر يسقط لأن روح الرب يرف عليه، ولا شك أن الملأ كلأ فيجف الكلأ ويسقط الزهر وكلمة الله تمكث إلى الأبد. فمن قوله: " سلوا إلى من العذاب " ظاهر الدلالة على أن الواجب تعالى يقول لنبيه أن يسلى ويخبر أمته بما هو مزمع الوقوع وباستقامة دعائم أورشليم في آخر الزمان، وفي قوله ضعفان من العذاب إشارة إلى أنها كانت قد أخطأت فانتقم الله منها بما حدث عليها من الذل بعد المسيح عليه السلام في أيام تسلط الروم والنصارى عليها إلى زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم وبعد محمد - صلى الله عليه وسلم - أيام تسلط العرب عليها وهي أيامنا هذه إلى زمان ظهور القائم إن شاء الله تعالى، وبعد ذلك تستقيم دعائمها وتعمر رسومها. وقد ذكر بعض أهل العلم أن المهدي سينطلق إلى أورشليم ويصلي فيها ويجتمع هناك بالمسيح عليه السلام عند نزوله، ومن قوله: " هذا صوت صارخ إلى قوله نطق به " إشارة إلى يحيى بن زكريا عليه السلام لما كان يعظ بهذه الجملة على شاطيء شط الأردن وقوله: " وطئوا له في البادية سبيلاً مرتفعاً لا يدل على غير السبيل المستقيم من مكة إلى أورشليم البتة لأن أورشليم ليست في البادية وقوله فإن كل واد يريد به الجهال كأهل السواحل والارتفاع عبارة عن الصعود على ذروة طود الإيمان، وكل جبل وأكمة يشير به إلى الجبابرة من الفرس والروم، والاتضاع الانقياد إلى أوامر الدين الحنيف وسيعتدل المعوج إشارة إلى اليونانيين وحكماء الهند بقبول الشريعة الغراء لانحراف طبائعهم عن - رضي الله عنه - الانعطاف إلى اتباع النواميس الإلهية. وقوله تلين الصعاب، كناية عن العرب لأنهم هم أقوى الناس جناناً، وأبعدهم إيماناً، وإلى ذلك إشار بقوله: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) الخ وقوله: " وسيشاهد مجد الله " أي المهدي والسين للاستقبال البعيد، والمعنى أنه إذا كملت جميع هذه الأمور، وبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - يظهر المهدي.

وقوله لأن فم الرب قد نطق به إشارة إلى وجوب وقوعه، ومن قوله: فقال الصوت اصرخ الخ ضرب من شديد التأكيد لوجوب وقوعه، فلا دلالة لشيء منه على مسيح اليهود الموهوم، اللهم إلا أن يريدوا بالمسيح نفس المهدي، فحينئذ يلزمهم الإعتراف بنبوة عيسى ومحمد - صلى الله عليه وسلم -. وأما إنه لا يدل على عيسى بن مريم فلأن سياقه في أشعياء قد مر بيانه ولا محتمل له غيره، ولأن لوقا لم يذكره مستدلاً به عليه، ولا قرينة هناك يؤول إليها الضمير، بل إنه جملة مستأنفة في أول الإصحاح، ومضمون الإصحاح على الإجمال أن لوقا أخبر أنه في زمان كذا جاء يحيى بن زكريا إلى البرية يصرخ ويقول كذا. وهذا لا يدل على المسيح بن مريم بوجه من الوجوه، ولكنه يدل على بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيام المهدي لأن الجملة مستأنفة والقاعدة في المستأنفات أن تحمل على ما يناسبها فيكون ما ذكره لوقا ضرباً من التأكيد لكلام أشعياء عليه السلام لا غير. فعليك أن تتأمل في هذا البرهان فإنه في غاية اللطافة. وفي متى ثم ضرب لهم مثلاً آخر وقال إن ملكوت الله تماثل حبة خردل أخذها رجل وزرعها في مزرعته وهي أصغر جميع الحبوب، فلما نمت صارت أعظم النباتات وأصبحت شجرة تأتي إليها طيور الجو، وتسكن في أغصانها انتهى. وسياق هذا المثل أن المسيح كان جالساً على ساحل البحر فاجتمع عنده القوم فأخذ يضرب لهم الأمثال ومن جملتها هذا المثل، وقد أوله النصارى في حق من يكون محباً للمسيح مواظباً على عمل الخير، وهل فيه يا للرجال على هذا المعنى الضعيف دلالة ولا شك أنه من الأمثال التي كان يضربها المسيح عليه السلام في شأن محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وتأويل المثل أن الزارع هو الواجب تعالى والمزرعة الدنيا وحبة خردل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهي أصغر جميع الحبوب على بادئ الرأي لأن جميع الأمم كانوا يستهزئون بالعرب لكونهم من أهل البادية وعدم رواج العلم في أماكنهم وعدم تنعمهم باللذات الجسمانية، واليهود كانوا يستحقرونهم لكونهم من أولاد هاجر، فقوله: " هي أصغر الحبوب " جملة حالية فلما نمت أي بلغ إلى رشده واستوفى من درجة الرسالة العامة أشُدَّه صارت أعظم النباتات أي صار أشرف الرسل وأكملهم لبقاء ملته إلى قيام القيامة، ولأنه لم يقلد ما قبله من الرسل الرِّسالة العامة اصبحت أي صارت شجرة تأتي إليها طيور الجو جملة حالية وقعت صفة الشجرة والمراد بطيور الجو الأمم الذين لم يقلدوا بغير الناموس وتسكن في أغصانها أي تطمئن تحت أحكام شريعته صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه أحد عشر نصاً يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ولا يقدر أحد من أهل الكتاب على إنكار وجوده فيهما، والبراهين على إثبات نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - في الكتب القديمة السماوية من التوراة والإنجيل والزبور كثيرة جداً لا يسع بسطها هذا المقام، فإن شئت الاطلاع عليها فارجع إليها وإلى ما نقله الإسلاميون عنها في كتب الرد على النصارى. وهذه الأدلة كلها لها دلالة صريحة على ما نطق به القرآن الكريم في هذه الآية أعني يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل وفي أمثالها وهذا مع تحريف تلك الكتب لفظاً أو معنى أو بكليهما. وأما البشارات التي وردت في حقه - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه وتعالى مشيراً إلى ذلك في قوله نقلاً عن عيسى بن مريم عليه السلام: (ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد) فهي كثيرة جداًَ ايضاً سنذكر بعضه تحت الآية الكريمة المذكورة إن شاء الله.

158

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً) لما تقدم ذكر أوصاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المكتوبة في التوراة والإنجيل، أمره سبحانه أن يقول هذا القول المقتضى لعموم رسالته إلى الناس والجن جميعاً لا كما كان غيره من الرسل عليهم السلام، فإنهم كانوا يبعثون إلى قومهم خاصة، قال ابن عباس: بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم إلى الأسود والأحمر، والأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا المعنى مشهورة فلا نطيل بذكرها. (الذي له ملك السموات والأرض) ملكاً وعبيداً وتصرفاً وقوله (لا إله إلا هو) بدل من الصلة مقرر لمضمونها مبين لها لأن من ملك السموات والأرض وما فيهما هو الإله على الحقيقة، وهكذا من كان (يحيي ويميت) هو المستحق بتفرده بالربوبية ونفي الشركاء عنه، والجملة سيقت لبيان اختصاصه بالإلهية لأنه لا يقدر على الإحياء والإماته غيره، قاله الزمخشري وذكره السمين فلذا قال: (فآمنوا) والأمر بالإيمان (بالله ورسوله) متفرع على ما قبله وفي العدول عن المضمر إلى الاسم الظاهر بلاغة (النبي الأمي) هما وصفان لرسوله وكذلك (الذي يؤمن بالله وكلماته) وصف له والمراد بالكلمات ما أنزله الله عليه وعلى الأنبياء من قبله أو آياته أو عيسى قاله مجاهد والسدي أو القرآن فقط قاله قتادة والعموم أولى. وجملة (واتبعوه) مقررة لجملة فآمنوا به، والاتباع يعم الأقوال والأفعال والاعتقاد والأعمال (لعلكم تهتدون) علة للأمر بالإيمان والاتباع.

وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159) وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

159

(ومن قوم موسى أمة) لما قص الله سبحانه علينا ما وقع من السامري وأصحابه وما حصل من بني إسرائيل من التزلزل في الدين، قص علينا سبحانه أن من قومه أمة مخالفة لأولئك الذين تقدم ذكرهم ووصفهم بأنهم (يهدون) أي يدعون الناس إلى الهداية حال كونهم متلبسين (بالحق) أو يهتدون به ويستقيمون عليه ويعملون به ويرشدون إليه (وبه يعدلون) بين الناس في الحكم أي بالحق يحكمون وبالعدل يأخذون ويعطون وبه يتصفون. واختلفوا في هؤلاء فقيل هم القوم الذين بقوا على الدين الحق الذي جاء به موسى قبل التحريف والتبديل ودعوا الناس إليه، وقال الكلبي والضحاك والربيع: هم قوم خلف الصين بأقصى الشرق على نهر يسمى نهر الأردن ليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل، ويصحون في النهار ويزرعون ولا يصل إليهم أحد منا وهم على الحق إلى آخر القصة، وما أبعدها عن الصحة وأقربها إلى الوضع، وقد ابتلى بذكرها جمع من المفسرين الذين ليس لهم معرفة بعلم الحديث. وقيل هم الذين آمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - والقرآن. وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال موسى: يا رب أجد أمة أنا جيلهم في قلوبهم قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد، قال: يا رب

أجد أمة يصلون الخمس تكون كفارات لما بينهن، قال: تلك أمة تكون بعدك أمة أحمد، قال: يا رب أجد أمة يعطون صدقات أموالهم ثم ترجع فيهم فيأكلون قال: تلك أمة بعدك أمة أحمد قال: يا رب اجعلني من أمة أحمد - صلى الله عليه وسلم -، فأنزل الله كهيئة المرضية لموسى (ومن قوم موسى أمة) الآية.

160

(وقطعناهم) الضمير يرجع إلى قوم موسى المتقدم ذكرهم لا إلى هؤلاء الأمة منهم الذين يهدون بالحق، والمعنى صيرناهم (اثنتي عشرة أسباطاً) أي قطعاً متفرقة وفرقناهم معدودين بهذا العدد وميزنا بعضهم من بعض. وهذا من جملة ما قصه الله علينا من النعم التي أنعم بها على بني إسرائيل وأنه ميز بعضهم من بعض حتى صاروا أسباطاً كل سبط معروف على انفراده، لكل سبط نقيب كما في قوله تعالى: (وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً). والأسباط جمع سبط وهو ولد الولد صاروا اثني عشر أمة من اثني عشر ولداً، وأراد بالأسباط القبائل ولهذا أنث العدد، والمراد أولاد يعقوب لأن يعقوب هو إسرائيل وأولاده الأسباط وقد تقدم تحقيق معنى الأسباط في البقرة. وسماهم (أمماً) لأن كل سبط كان جماعة كثيرة العدد وكانوا مختلفي الآراء يؤم بعضهم غير ما يؤم الآخر. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: افترقت بنو إسرائيل بعد موسى إحدى وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة وافترقت النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، ولتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا فرقة، فأما اليهود فإن الله يقول: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو، وأما النصارى فإن الله يقول: (منهم أمة مقتصدة) فهذه التي تنجو، وأما نحن فيقول: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فهذه التي تنجو من هذه

الأمة، وقد قدمنا أن زيادة كلها في النار لم تصح لا مرفوعة ولا موقوفة. (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه) أي وقت استسقائهم له لما أصابهم العطش في التيه (أن) تفسير لفعل الإيحاء (اضرب بعصاك الحجر) الذي فر بثوبه فضربه (فانبجست) الانبجاس الانفجار أي فانفجرت وقيل عرفت (منه اثنتا عشرة عيناً) بعدد الأسباط لكل سبط عين يشربون منها. (قد علم كل أناس) اسم جمع واحده إنسان وقيل جمع تكسير له والإنسان اسم جنس يقع على الذكر والأنثى والواحد والجمع، والأناس بالضم مشتق من الإنس وقد تحذف همزته تخفيفاً على غير قياس فيصير ناساً (مشربهم) والمعنى علم كل سبط منهم بالعلم الضروري الذي خلقه الله في كُلٍّ: العين المختصة به التي يشرب منها لا يدخل سبط على سبط في مشربهم، وقد تقدم في البقرة ما فيه كفاية مغنية عن الإعادة. (وظللنا عليهم الغمام) أي جعلناه ظللاً عليهم في التيه يسير بسيرهم ويقيم بإقامتهم ويقيهم حرَّ الشمس (وأنزلنا عليهم) في التيه (المن والسلوى) أي الترنجبين والسُّمانى طعاماً لهم وقيل السلوى جنس من الطير وقد تقدم تحقيقه في البقرة (كلوا من طيبات ما رزقناكم) أي وقلنا لهم كلوا من المستلذات التي رزقناكم (وما ظلمونا) بما وقع منهم من المخالفة وكفران النعم وعدم تقديرها حق قدرها (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) أي كان ظلمهم مختصاً بهم مقصوراً عليهم لا يجاوزهم إلى غيرهم (¬1). ¬

(¬1) ذكره القرطبي 6/ 112: وقال الربيع والسدي وغيرهما: إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبّارين والسبر لقوتهم ومنعتهم، فساروا ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما اطلعوا عليه فيها حتى ينظر في الغزو إليهم، فاطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة -على ما يأتي- وظنوا أنهم لا قبل لهم بها؛ فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل، وأن يعلموا به موسى عليه السلام، فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم، ومن وثقوه على سرهم؛ ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل.

161

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) (وإذ قيل) أي اذكر وقت أن قيل (لهم) هذا القول وهو (اسكنوا هذه القرية) أي بيت المقدس أو أريحاء، وقيل غير ذلك مما تقدم بيانه وفي البقرة (ادخلوا هذه القرية) ولا منافاة بينهما لأن كل ساكن في موضع لا بد له من الدخول إليه (وكلوا منها) أي من المأكولات الموجودة فيها من الثمار والزروع والحبوب والبقول (حيث) أي في أي مكان (شئتم) من أمكنتها لا مانع لكم من الأكل فيه. وقال في البقرة فكلوا بالفاء لأن الدخول حالة مقتضية للأكل عقبه فحسن دخول الفاء للتعقيب، والسكنى حالة استمرار والأكل حاصل متى شاءوا ولم يقل رغداً هنا كما قال في البقرة لأن الأكل عقب الدخول ألذ وأكمل، ومع السكنى ليس كذلك. (وقولوا حطة) أي حط عنا ذنوبنا وقد تقدم تفسيرها في البقرة (وادخلوا الباب) أي باب القرية المتقدمة حال كونكم (سجداً) أمروا بأن يجمعوا بين قولهم حطة وبين الدخول ساجدين، فلا يقال كيف قدم الأمر بالقول هنا على الدخول وأخره في البقرة وقد تقدم معنى السجود الذي أمروا به (نغفر لكم خطيآتكم) أي ذنوبكم ولم نؤاخذكم بها، وإنما قال هنا خطياتكم وفي البقرة خطاياكم لأن المقصود غفران ذنوبهم سواء كانت قليلة أو كثيرة إذا أتوا بالدعاء والتضرع (وسنزيد المحسنين) على المغفرة للخطايا بما نتفضل به عليهم من النعم، وقال في البقرة (وسنزيد) بالواو لأن هنا استئنافاً على تقدير قول القائل وماذا بعد الغفران فقيل له سنزيد.

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162) وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)

162

(فبدّل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم) يعني أمروا أن يقولوا حطة فقالوا حنطة في شعيرة فكان ذلك تبديلهم، وتغييرهم ودخلوا يزحفون على أستاههم وأدبارهم، وقد تقدم بيان ذلك في البقرة، لكن ألفاظ هذه الآية تخالف الآية المذكورة في سورة البقرة من وجوه ثمانية ذكرها الخطيب وقد أشرنا إليها فيما تقدم. (فأرسلنا عليهم رجزاً من السماء) أي عذاباً كائناً منها وهو الطاعون ومات به منهم في وقت واحد سبعون ألفاً، وقال في البقرة (أنزلنا) ولا منافاة بينهما لأنهما لا يكونان إلا من أعلى إلى أسفل (بما كانوا يظلمون) أي بسبب ظلمهم، وقال في البقرة: (بما كانوا يفسقون) والجمع بينهما أنهم لما ظلموا أنفسهم بما غيروا وبدلوا فسقوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله تعالى.

163

(و) اذكر إذ قيل لهم و (اسألهم عن القرية) هذا سؤال تقريع وتوبيخ، والمراد من سؤال القرية سؤال أهلها أي اسألهم عن هذا الحادث الذي حدث لهم فيها المخالف لما أمرهم الله به، والأولى عدم تقدير المضاف كما سيأتي تحقيقه في سورة يوسف إن شاء الله تعالى. وفي ضمن هذا السؤال فائدة جليلة وهي تعريف اليهود بأن ذلك مما يعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن اطلاعه عليه لا يكون إلا بإخبار له

من الله سبحانه فيكون دليلاً على صدقه. واختلف أهل التفسير أي قرية هي؟ فقيل: أيلة قاله علي وقيل: مدين، وقيل: إيلياء، وقيل قرية بين مصر والمدينة والمغرب قاله ابن عباس، وقيل: بين مدين والطور على شاطيء البحر، وقال الزهري: هي طبرية الشام، وقال وهب: هي ما بين مدين وعيوني، وقيل قرية من قرى ساحل الشام. (التي كانت حاضرة البحر) أي التي كانت بقرب بحر القلزم يقال: كنت بحضرة الدار أي بقربها، والمعنى سل يا محمد صلى الله عليه وسلم هؤلاء اليهود الموجودين الذين هم جيرانك عن قصة أهل القرية المذكورة (إذ يعدون) أي يتجاوزون حدود الله بالصيد، وقرئ بتشديد الدال من الإعداد للآلة (في) يوم (السبت) الذي نهوا عن الاصطياد فيه، والسبت هو اليوم المعروف، وأصله السكون يقال سبت إذا سكن وسبت اليهود تركوا العمل في سبتهم، والجمع أسبت وسبوت وأسبات. (إذ تأتيهم حيتانهم) جمع حوت وأضيفت إليهم لمزيد اختصاص لهم بما كان منها على هذه الصفة من الإتيان (يوم سبتهم) دون ما عداه قال الضحاك: تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضاً (شرعاً) جمع شارع أي: ظاهرة على الماء قريباً من الساحل، وقيل: رافعة رؤوسها، وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابها كالكباش البيض، قال في الكشاف يقال شرع علينا فلان إذا دنا وأشرف علينا وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا انتهى. (ويوم لا يسبتون) أي لا يفعلون ولا يراعون أمر السبت وذلك عند خروج يوم السبت، والمعنى لا سبت ولا مراعاة (لا تأتيهم) الحيتان كما كانت تأتيهم في يوم السبت (كذلك) أي مثل ذلك البلاء العظيم والاختبار الشديد (نبلوهم بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم.

164

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) (وإذ قالت أمة منهم) أي جماعة من صلحاء أهل القرية لآخرين ممن كان يجتهد في وعظ المتعدين في السبت حين أيسوا من قبولهم للموعظة وإقلاعهم عن المعصية (لم تعظون قوماً الله مهلكهم) أي مستأصل لهم بالعقوبة (أو معذبهم عذاباً شديداً) بما انتهكوا من الحرمة وفعلوا من المعصية، وقيل إن الجماعة القائلة لم تعظون قوماً هم العصاة الفاعلون للصيد في يوم السبت، قالوا ذلك للواعظين لهم حين وعظوهم، والمعنى إذا علمتم أن الله مهلكنا كما تزعمون فلم تعظوننا. (قالوا) أي قال الواعظون للجماعة القائلين لهم لم تعظون وهم طائفة من صلحاء القرية على الوجه الأول أو الفاعلون على الثاني أي فعلنا ذلك (معذرة) أي لأجل المعذرة أو موعظتنا معذرة على قراءة الرفع (إلى ربكم) حتى لا يؤاخذنا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين أوجبهما علينا ولرجاء أن يتعظوا فيتقوا، ويقلعوا عما هم فيه من المعصية. قال جمهور المفسرين إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق: فرقة عصت وصادت، وكانت نحو سبعين ألفا، وفرقة اعتزلت فلم تنه ولم تعص، وفرقة اعتزلت ونهت ولم تعص، فقالت الطائفة التي لم تنه ولم تعص للفرقة الناهية لم تعظون [قوماً] يريدون الفرقة العاصية [الله مهلكهم] أو معذبهم، قالوا ذلك على غلبة الظن لما جرت به عادة الله من إهلاك العصاة أو تعذيبهم من دون استئصال بالهلاك فقالت الناهية موعظتنا معذرة إلى الله (ولعلهم يتقون) ولو كانوا فرقتين فقط ناهية غير عاصية وعاصية لقال لعلكم تتقون.

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (167)

165

(فلما نسوا ما ذكروا به) أي لما ترك العصاة من أهل القرية ما ذكرهم به الصالحون الناهون عن المنكر ترك الناسي للشيء المعرض عنه كلية الإعراض (أنجينا الذين ينهون عن السوء) أي الذين فعلوا النهي ولم يتركوه (وأخذنا الذين ظلموا) وهم العصاة المعتدون في السبت (بعذاب بئيس) أي شديد وجيع من: بؤس الشيء بأساً إذا اشتد، وفيه إحدى عشرة قراءة للسبعة وغيرهم (بما كانوا يفسقون) أي بسبب فسقهم واعتدائهم وخروجهم عن طاعتنا. قال ابن عباس: نجت الفرقة الساكتة، وقال يمان بن رباب: نجت الطائفتان وأهلك الذين أخذوا الحيتان وبه قال الحسن، وقال ابن زيد: نجت الناهية وهلكت الفرقتان، وهذه الآية أشد آية في ترك النهي عن المنكر.

166

(فلما عتوا عما نهوا عنه) أي تجاوزوا الحد في معصية الله سبحانه وأبوا أن يرجعوا عنها تمرداً وتكبراً (قلنا لهم كونوا) أي أمرناهم أمراً تكوينياً لا أمراً قولياً يعني مسخناهم (قردة) قيل إنه سبحانه عذبهم أولاً بسبب المعصية فلما لم يقلعوا مسخهم الله قردة، وقيل: إن قوله: فلما عتوا تكرير لقوله فلما نسوا ما ذكروا به للتأكيد والتقرير، وأن المسخ هو العذاب البئيس (خاسئين) الخاسىء الصاغر الذليل أو المباعد المطرود، يقال خسأته فخسئ أي باعدته فتباعد. قال قتادة: لما عتوا عما نهوا عنه مسخهم الله فصيرهم قردة تتعاوى بعدما كانوا رجالاً ونساء، قيل صار شبان القوم قردة والمشيخة خنازير، وبقوا ثلاثة

أيام ينظر الناس أليهم ثم هلكوا جميعاً. واعلم أن ظاهر النظم القرآني هو أنه لم ينج من العذاب إلا الفرقة الناهية التي لم تعص لقوله أنجينا الذين ينهون عن السوء وأنه لم يعذب بالمسخ إلا الطائفة العاصية لقوله: (فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) فإن كان الطوائف منهم ثلاثاً كما تقدم فالطائفة التي لم تنه ولم تعص يحتمل أنها ممسوخة مع الطائفة العاصية لأنها قد ظلمت نفسها بالسكوت عن النهي وعتت عما نهاها الله عنه من ترك النهي عن المنكر، ويحتمل أنها لم تمسخ لأنها وإن كانت ظالمة لنفسها عاتية عن أمر ربها ونهيه لكنها لم تظلم نفسها بهذه المعصية الخاصة وهي صيد الحوت في يوم السبت ولا عتت عن نهيه لها عن الصيد. وأما إذا كانت الطائفة الثالثة ناهية كالثانية فهما في الحقيقة طائفة واحدة لاجتماعهما في النهي والاعتزال والنجاة من المسخ، وإنما جعلت طائفة مستقلة لأنها قد جرت المقاولة بينها وبين الطائفة الأخرى من الناهين المعتزلين.

167

(وإذ تأذن ربك) أي واسألهم وقت تأذن ربك، تأذن تفعل من الإيذان وهو الإعلام، قال أبو علي الفارسي: آذن بالمد أعلم وأذّن بالتشديد نادى، وقال قوم كلاهما بمعنى أعلم كما يقال أيقن وتيقن، وقيل معناه قال ربك وقيل حكم ربك، وقيل آلى ربك، وقال الزمخشري: عزم ربك، وقيل معناة حتم وأوجب والمعنى واسألهم وقت أن وقع الإعلام لهم من ربك. وقيل في هذا الفعل معنى القسم كعلم الله وشهد الله، ولذلك أجيب كما يجاب به القسم حيث قال: (ليبعثن) أي ليرسلن (عليهم) ويسلطن كقوله: بعثنا عليهم عباداً لنا أولي بأس شديد (إلى يوم القيامة) غاية لقوله: (من يسومهم) يذيقهم (سوء العذاب) مما يبعثه الله عليهم، وقد كانوا

أقمأهم الله هكذا أذلاء مستضعفين معذبين بأيدي أهل الملل. وهكذا هم في هذه الملة الإسلامية في كل قطر من أقطار الأرض في الذلّة المضروبة عليهم والعذاب والصغار يسلمون الجزية لحقن دمائهم ويمتهنهم المسلمون فيما فيه ذلة من الأعمال التي يتنزه عنها غيرهم من طوائف الكفار. وعن ابن عباس قال: يسومهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأمته سوء العذاب أي الجزية والخراج، وقيل هو بختنصر وسنحاريب وملوك الروم، وهذا نص في أن العذاب، إنما يحصل لهم مستمراً إلى يوم القيامة، ولهذا فسر هذا العذاب بالإهانة والذلة وأخذ الجزية منهم فإذا أفضوا إلى الآخرة كان عذابهم أشد وأعظم (¬1). ثم علل ذلك بقوله: (إن ربك لسريع العقاب) لمن أقام على الكفر يعاجل به في الدنيا كما وقع لهؤلاء (وإنه لغفور رحيم) أي كثير الغفران والرحمة لمن آمن منهم ودخل في دين الإسلام. ¬

(¬1) عن سعيد بن جابر، قال: ولم يجب الخراج بنى قط إلا موسى، جباه ثلاث عشرة سنة، ثم أمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال السدي: بعث الله عليهم العرب يأخذون منهم الجزية ويقتلونهم.

168

وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) (وقطعناهم في الأرض أمماً) أي فرقناهم في جوانبها أو شتتنا أمرهم فلم تجتمع لهم كلمة، قال ابن عباس: هم اليهود بسطهم الله في الأرض فليس فيها بقعة إلا وفيها عصابة منهم وطائفة، وقيل المعنى وجعلنا كل فرقة منهم في قطر بحيث لا تخلو ناحية من الأرض منهم حتى لا تكون لهم شوكة، قاله أبو السعود فلا توجد بلدة كلها يهود، ولا لهم قلعة ولا سلطان بل هم متفرقون في كل الأماكن. (منهم الصالحون) قيل: هم الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن مات قبل البعثة المحمدية غير مبدل، قال الطبري: وصفهم بذلك قبل ارتدادهم عن دينهم وكفرهم بربهم ويدل له قوله الآتي: فخلف من بعدهم خلف، وقيل: هم الذين سكنوا وراء الصين ولا يصح كما تقدم بيانه. (ومنهم دون ذلك) أي دون هذا الوصف الذي اتصفت به الطائفة الأولى وهو الصلاح والتقدير: ومنهم أناس أو قوم دون ذلك والمراد بهؤلاء من لم يؤمن بل انهمك في المخالفة لما أمره الله به. (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) أي امتحناهم جميعاً الصالح وغيره بالخير والشر، قال ابن عباس: الحسنات: الرخاء والعافية، والسيئات: البلاء والعقوبة أو الخصب والجدب (لعلهم يرجعون) أي رجاء أن يرجعوا عما هم فيه من الكفر والمعاصي.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170)

169

(فخلف من بعدهم خلف) المراد بهم أولاد الذين قطعهم الله في الأرض قال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد الواحد والجمع سواء، والخلف بفتح اللام البدل ولداً كان أو غيره، وقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح وبالسكون الطالح ومنه قيل للرديء من الكلام خلف بالسكون، وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر والمعنى جاء من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف والخلف القرن الذي يجيء بعد قرن كان قبله. (ورثوا الكتاب) أي: التوراة من أسلافهم يقرأونها ولا يعملون بها، والمراد بإرثه: انتقاله إليهم ووقوعه في أيديهم (يأخذون عرض هذا الأدنى) أخبر الله عنهم بأنهم يأخذون ما يعرض لهم من متاع الدنيا لشدة حرصهم وقوة نهمتهم، والعرض بفتح الراء جميع متاع الدنيا كما يقال: الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، والعرض بسكون الراء جميع المال سوى الدراهم والدنانير، والأدنى مأخوذ من الدنو وهو القرب أي يأخذون عرض هذا الشيء الأدنى وهو الدنيا يتعجلون مصالحها بالرشا وما هو مجعول لهم من السحت في مقابلة تحريفهم لكلمات الله وتهوينهم للعمل بأحكام التوراة وكتمهم لما يكتمونه منها. وقيل إن الأدنى مأخوذ من الدناءة والسقوط أي أنهم يأخذون عرض الشيء الدنيء الساقط التافه الخسيس الحقير، والمعنى متقارب لأن الدنيا بأسرها

حقيرة فانية والراغب فيها أحقر منها. وعن ابن عباس أنه سئل عن هذه الآية فقال: أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها ويتبعون رخص القرآن ويقولون سيغفر لنا ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، وقال مجاهد: هم النصارى يأخذون عرض هذا الأدنى ما أشرف لهم شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً يشتهونه أخذوه ويتمنون المغفرة، وإن يجدوا مثله يأخذوه كما سيأتي. (ويقولون سيغفر لنا) أي ويعللون أنفسهم بالمغفرة مع تماديهم في الضلالة وعدم رجوعهم إلى الحق، ويتمنون على الله الأماني الباطلة الكاذبة والمراد بهذا الكلام التقريع والتوبيخ لهم، عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني " (¬1)، أخرجه الترمذي، وكان اليهود يقدمون على الذنوب ويقولون سيغفر لنا. وهذا هو التمني بعينه والحال أنهم (إن يأتهم) كما يؤخذ من الكشاف، وقال السفاقسي أنه مستأنف (عرض مثله يأخذوه) أي مثل الذي كانوا يأخذونه أخذوه غير مبالين بالعقوبة ولا خائفين من التبعة، وقيل الضمير في يأتهم: ليهود المدينة أي: وإن يأت هؤلاء اليهود الذين هم في عصر محمد صلى الله عليه وآله وسلم عرض مثل العرض الذي كان يأخذه أسلافهم أخذوه كما أخذ أسلافهم. (ألم يؤخذ عليهم) أي على هؤلاء المرتشين في أحكامهم، والاستفهام للتقريع والتوبيخ أو للتقرير، فالمعنى أخذ عليهم الميثاق لأن القصد منه إثبات ما بعد النفي (ميثاق الكتاب) أي التوراة (أن لا يقولوا على الله إلا الحق) فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون إليها ولا يتوبون ¬

(¬1) المستدرك كتاب الإيمان 1/ 57.

منها قاله ابن عباس. (و) الحال أنهم قد (درسوا ما فيه) أي الكتاب وعلموه ولم يأتوه بجهالة فكان الترك منهم عن علم لا عن جهل، وذلك أشد ذنباً وأعظم جرماً وقيل معناه: محوه بترك العمل به وإلْفهم له من قولهم درست الريح الآثار إذا محتها (والدار الآخرة خير) من ذلك العرض الذي أخذوه وآثروه عليها وارتشوا في الأحكام (للذين يتقون) الله ويخافون عقابه ويجتنبون معاصيه (أفلا تعقلون) فتعلمون بهذا وتفهمونه، وفي هذا الالتفات من التوبيخ والتقريع ما لا يقادر قدره.

170

(والذين يمسكون بالكتاب) قرأ الجمهور بالتشديد من مسَّك بالشيء وتمسك به أي استمسكوا بالكتاب وهو التوراة وقرئ بالتخفيف من أمسك مسك، والمعنى أن طائفة من أهل الكتاب لا يتمسكون بالكتاب ولا يعملون بما فيه مع كونهم قد درسوه وعرفوه وهم من تقدم ذكرهم، وطائفة يتمسكون بالكتاب أي التوراة ويعملون بما فيه ويرجعون إليه في أمر دينهم فهم المحسنون الذين لا يضيع أجرهم عند الله وقال عطاء: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. (وأقاموا الصلاة) أي داموا على إقامتها في مواقيتها، قال الحسن: هي لأهل الإيمان منهم كعبد الله بن سلام وأصحابه وقال مجاهدة، هي لليهود والنصارى وإنما وقع التنصيص على الصلاة مع كونها داخلة في سائر العبادات التي يفعلها المتمسكون بالتوراة لأنها رأس العبادات وأعظمها وعماد الدين وناهية عن الفحشاء والمنكر وكان ذلك وجهاً لتخصيصها بالذكر، وقيل لأنها تقام في أوقات مخصوصة والتمسك بالكتاب مستمر فذكرت لهذا وفيه نظر، فإن كل عبادة في الغالب تختص بوقت معين (إنا لا نضيع أجر المصلحين) الجملة خبر الذين وفيه وضع الظاهر موضع المضمر.

وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171) وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

171

(وإذ) أي اسألهم إذ والغرض من هذا إلزام اليهود والرد عليهم في قولهم: إن بني إسرائيل لم يصدر منهم مخالفة في الحق (نتقنا) النتق اختلفت فيه عبارات أهل اللغة فقال أبو عبيدة: هو قلع الشيء من موضعه والرمي به ومنه نتق ما في الجراب إذا نفضه فرمى ما فيه، وامرأة ناتق ومنتاق إذا كانت كثيرة الولادة، وفي الحديث: " عليكم بزواج الأبكار فإنهن أنتق أرحاماً وأطيب أفواهاً، وأرضى باليسير " (¬1)، وقيل النتق الجذب بشدة ومنه نتقت السقاء إذا جذبته بشدة لتقلع الزبدة من فمه، وقال الفراء: هو الرفع، وقال ابن قتيبة هو الزعزعة وبه فسر مجاهد. وكل هذه معان متقاربة أي رفعنا (الجبل) من أصله وهو الطور الذي سمع موسى عليه كلام ربه وأعطي الألواح وقيل هو جبل من جبال فلسطين وقيل هو الجبل عند بيت المقدس وكان ارتفاعه على قدر قامتهم، فكان محاذياً لرؤوسهم كالسقيفة (فوقهم كأنه) لارتفاعه (ظلة) أي سحابة تظلهم وهي اسم لكل ما أظل، وقال البيضاوي: كأنه سقيفة وهي كل ما أظلك وقرىء طلة بالطاء من أطل عليه إذا أشرف. (وظنوا) قيل الظن هنا بمعنى العلم وقيل هو على بابه (أنه) أي الجبل (واقع بهم) أي ساقط عليهم (خذوا) أي قلنا لهم خذوا (ما آتيناكم بقوة) هي الجد والعزيمة أي أخذاً كائناً بقوة واجتهاد، قال ابن عباس: أي خذوا ما ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 3932.

آتيناكم وإلا أرسلته عليكم ورفعته الملائكة فوق رؤسهم فكانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا سمعنا وعصينا. وعنه قال: إني لأعلم لم يسجد اليهود إلا على حرف قال الله وإذ نتقنا الجبل قال لتأخذن أمري أو لأرمينكم به فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم وكانت سجدة رضيها الله سبحانه فاتخذوها سنة، وقال قتادة في الآية انتزعه الله من أصله ثم جعله فوق رؤوسهم فسجد كل واحد منهم على خده وحاجبه الأيسر وجعل ينظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفاً أن يسقط عليه، ولذلك لا تسجد اليهود إلا على شق وجوههم الأيسر. (واذكروا ما فيه) من الأحكام التي شرعها الله لكم ولا تنسوها (لعلكم تتقون) أي رجاء أن تتقوا ما نهيتم عنه وتعملوا بما أمرتم به، وقد تقدم تفسير ما هنا في البقرة مستوفى فلا نعيده.

172

(وإذ أخذ ربك من بني آدم) وكذا من آدم فالأخذ منه لازم للأخذ منهم لأن الأخذ منهم بعد الأخذ منه، ففي الآية الاكتفاء باللازم عن الملزوم (من ظهورهم) بدل اشتمال مما قبله بإعادة الجار، قاله الكواشي، والذي في الكشاف أنه بدل بعض من كل، قال الحلبي: وهو الظاهر وإيثار الأخذ على الإخراج للاعتناء بشأن المأخوذ لما فيه من الإنباء عن اختيار الاصطفاء وهو السبي في إسناده إلى الرب بطريق الالتفات مع ما فيه من التمهيد للاستفهام الآتي وإضافته إلى ضميره عليه السلام للتشريف. (ذريتهم) هي تقع على الواحد والجمع، واستدل بهذا على أن المراد بالمأخوذين هنا هم ذرية بني آدم أخرجهم الله من أصلابهم نسلاً بعد نسل على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فلذلك قال من ظهورهم ولم يقل من ظهر آدم لما علم أنهم كلهم بنو آدم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من المفسرين وقالوا معنى (وأشهدهم على أنفسهم) دلهم بخلقه على أنه خالقهم فقامت هذه الدلالة مقام الإشهاد فتكون هذه الآية من باب التمثيل كما في قوله تعالى فقال لها

وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين وبه قال الشيخ أبو منصور والزجاج والزمخشري. وقيل المعنى أن الله سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد وأنه جعل فيها من المعرفة ما فهمت به خطابه سبحانه، وقيل المراد ببني آدم هنا نفسه كما وقع في غير هذا الموضع، والمعنى أن الله سبحانه لما خلق آدم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد وهؤلاء هم عالم الذر وهذا هو الحق الذي لا ينبغي العدول عنه ولا المصير إلى غيره لثبوته مرفوعاً إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وموقوفاً على غير واحد من الصحابة ولا ملجئ للمصير إلى المجاز، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وقد ذكر البيضاوي والنسفي القولين وكذا الرازي وأبو السعود وغيرهما من المفسرين الذين مستهم الفلسفة، والحق ما ذكرناه وإليه ذهب جمهور المفسرين. وقد أخرج مالك في الموطأ وأحمد في المسند وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان في صحيحه وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الاسماء والصفات والضياء في المختارة عن مسلم بن يسار الجهني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عنها فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله ففيم العمل فقال: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال

أهل النار فيدخله النار " (¬1). ومسلم بن يسار (¬2) لم يسمع من عمر، وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وعمر بن الخطاب رجلاً قال البغوي: قلت ذكر الطبري في بعض طرق هذا الحديث الرجل فقال عن مسلم بن يسار عن يعمر بن ربيعة عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحوه، وفي الباب عن أبي هريرة يرفعه عند الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وفيه قصة إعطاء آدم ابنه داود أربعين سنة من عمره. واختلف الناس في كيفية الاستخراج على أقوال لا مستند لها والحق وجوب اعتقاد إخراجها من ظهر آدم كما شاء الله تعالى كما ورد في الصحيح، قال المقبلي في الأبحاث المسددة ولا يبعد دعوى التواتر المعنوي في الأحاديث والروايات الواردة في ذلك، وقال بعضهم الظاهر أنه استخرجهم أحياء لأنه سماهم ذرية والذرية هم الأحياء لقوله: (أنا حملنا ذريتهم في الفلك) قال ابن عباس: إن أول ما أهبط الله آدم إلى الأرض أهبطه بدهناء أرض الهند فمسح ظهره فأخرج منه كل نسمة هو بارئها إلى يوم القيامة ثم أخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم أي أشهد كل واحد منهم. (ألست بربكم) أي قائلاً هذا فهو على إرادة القول، وفي هذه الآية رد على أهل المعاني في قولهم: إن الإغراق غير مقبول ما لم يقارن كاد، ونحو هذا مما شهد به الذوق السليم وزكّى شهادته الطبع المستقيم. قال الشهاب في الريحانة: وهذا وإن سلمه علماء المعاني والبيان إلا أنه محتاج إلى الإيضاح والبيان فإنه يعترض عليه بما يعارضه ويكدره ورود ما يناقضه كقوله عز وجل هذا. فإنه بمعناه إذ إخراج الذرية من الظهور قبل الخلق والظهور وأخذ المواثيق والعهود مما يقتضي الترغيب والترهيب، وهذا على سبيل ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 1602. (¬2) راوي الحديث عن عمر.

التحقيق دون التخييل والتقدير. وقد ذكر هذا في حديث الصحيحين المعلوم عند علماء الحديث ولهم فيه طريقان مشهوران وهو مما خفي على كثير من العلماء ولهم فيه كلام محتاج للإيضاح فأقول لعلماء التفسير فيه طريقان. (الأول) إنه من المتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وعلى هذا لا يبقى فيه إشكال، ولا للبحث عنه مجال. (الثاني) إن له معنى جليلاً قام عليه أقوى برهان ودليل، فمنهم من ذهب إلى أنه استعارة وتمثيل نزّل فيه وضوح الأدلة القائمة على توحيده تعالى وصحة أحكام الشريعة المركوزة في الفطرة السليمة منزلة بروزهم في الخارج، وأخذ العهود منزلة اتباع ما ذكر وتسليمه والعمل بمقتضاه، فلا يرد عليه شيء مما ذكر. ونحن نقول: إن الأمر الذي وقع فيه المبالغة لا يخلو إما أن يقع بعد زمان بعيد كالساعة أو لا يقع، وهو إما محال متعذر الوقوع له نظائر ومشابه أو لا، الأول مقبول لتنزيل المتحقق الوقوع منزلة الواقع، وكذا الثاني لإمكان أن يراد مجاز أو كناية والأخير هو محل الكلام، والذي عليه أهل المعاني أنه مردود ما لم يقترن به مسوغ مثل كاد ونحوها، والآية ليست من هذا القبيل لإسنادها لله الذي أبرز المعدومات من أرحام العدم، ولا يقتضي قدرته شيء في القدم، فما علينا إلا الإيمان بذلك، وما لم تصل له أفهامنا نكله إليه ونسأله أن يهدينا للوقوف عليه، وكفى هذا الاحتمال في مثل هذه الحال، وما بعد الهدى إلا الضلال انتهى. (قالوا بلى شهدنا) أي على أنفسنا بأنك ربنا، واختلفوا في الإجابة هذه كيف كانت هل كانوا أحياء فأجابوا بلسان المقال، أو أجابوه بلسان الحال

والظاهر الأول ونكل علم كيفيتها إلى الله سبحانه، وكان هذا القول على وفق السؤال لأنه تعالى سألهم عن تربيتهم ولم يسألهم عن إلههم فقالوا بلى فلما انتهوا إلى زمان التكليف وظهر ما قضى الله في سابق علمه لكل أحد منهم من وافق ومنهم من خالف قاله أبو طاهر القزويني. وقيل تجلى للكفار بالهيبة وللمؤمنين بالرحمة، فقال كلهم بلى، قيل وكان ذلك قبل دخول آدم الجنة بين مكة والطائف قاله الكلبي، وقيل بعد الهبوط منها، وقال علي في الجنة وقيل بسرانديب من أرض الهند، وهو الموضع الذي هبط آدم فيه من الجنة، وكل ذلك محتمل، ولا يضرنا الجهل بالمكان بعد صحة الاعتقاد بأخذ العهد والله أعلم. أخرج أحمد والنسائي وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمان يوم عرفة فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه كالذر، ثم كلمهم فقال: ألست بربكم إلى قوله .. المبطلون "، وإسناده لا مطعن فيه (¬1). وأخرج عبد بن حميد والحكيم الترمذي والطبراني وأبو الشيخ عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " لما خلق الله الخلق وقضى القضية وأخذ ميثاق النبيين وعرشه على الماء فأخذ أهل اليمين بيمينه وأخذ أهل الشمال بيده الأخرى وكلتا يدي الرحمن يمين فقال يا أصحاب اليمين فاستجابوا له، فقالوا لبيك ربنا وسعديك قال ألست بربكم قالوا بلى، الحديث ". والأحاديث في هذا الباب كثيرة بعضها مقيد بتفسير هذه الآية وبعضها مطلق يشتمل على ذكر إخراج ذرية آدم من ظهره وأخذ العهد عليهم كما في ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 1697.

حديث أنس مرفوعاً في الصحيحين وغيرهما، وأما المروي عن الصحابة في تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من صلبه في عالم الذر وأخذ العهد عليهم وإشهادهم على أنفسهم فهي كثيرة جداً، وقد روي عن جماعة ممن بعد الصحابة تفسير هذه الآية بإخراج ذرية آدم من ظهره، وفيما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسيرها مما قدمنا ذكره ما يغني عن التطويل. وقال أهل الكلام والنظر قولهم: بلى شهدنا على المجاز لا على الحقيقة، وهو خلاف مذهب جمهور المفسرين من السلف، قال ابن الأنباري: مذهب أصحاب الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن الله أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم صور كالذر وأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم، وأنهم مصنوعه، فاعترفوا بذلك وقبلوه وذلك بعد أن ركب فيهم عقولاً عرفوا بها ما عرض عليهم كما جعل للجبال عقولاً حتى خوطبوا بقوله: (يا جبال أوّبي معه) وكما جعل للبعير عقلاً حتى سجد للنبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك الشجرة حتى سمعت لأمره وانقادت. وقولهم: شهدنا إقرار له بالربوبية وكلام مستأنف وقيل شهدنا على أنفسنا بهذا الإقرار وليس في الآية ما يدل على بطلان ما ورد في الأحاديث، وقد ورد الحديث بثبوت ذلك وصحته فوجب المصير إليه والأخذ به جميعاً بينهما، وحكى الواحدي عن صاحب النظم أنه قال ليس بين قوله - صلى الله عليه وسلم - إن الله مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وبين الآية اختلاف بحمد الله تعالى لأنه تعالى إذا أخرجهم من ظهر آدم فقد أخرجهم من ظهور ذريته، لأن ذرية آدم كذرية بعضهم من بعض. فإن قيل إذا سبق لنا عهد وميثاق مثل هذا فلأي شيء لا نذكره اليوم، والجواب على ما ذكره سليمان الجمل إننا لم نتذكر هذا العهد لأن تلك البنية قد انقضت وتغيرت أحوالها بمرور الدهور عليها في أصلاب الأباء وأرحام

الأمهات وتطور الأطوار الواردة عليها من العلقة والمضغة واللحم والعظم، وهذا كله مما يوجب النسيان. وكان علي بن أبي طالب يقول إني لأذكر العهد الذي عهد إليّ ربي، وكذا كان سهل بن عبد الله التستري يقول اهـ. قلت: وكذا روي عن الشيخ نظام الدين الدهلوي المعروف بسلطان الأولياء ثم ابتدأهم بالخطاب على ألسنة الرسل وأصحاب الشرائع فقام ذلك مقام الذكر، ولو لم ينسوه لانتفت المحنة والتكليف، ولم يبلغنا في كون تلك الذرات مصورة بصورة الإنسان دليل، والأقرب للعقول عدم الاحتياج إلى كونها بصورة الإنسان إذ السمع والنطق لا يفتقران إلى الصورة بل يقتضيان محلا حياً لا غير، ويحتمل أن يكونوا مصورين بصورة الإنسان لقوله تعالى: (من ظهورهم ذرياتهم) ولم يقل ذراتهم ولفظ الذرية يقع على المصورين. والحكمة في أخذ الميثاق منهم إقامة الحجة على من لم يوف بذلك العهد، والظاهر أنه لما ردهم إلى ظهره قبض أرواحهم، وأما أن الأرواح أين رجعت بعد رد الذرات إلى ظهره فهذه مسألة غامضة لا يتطرق إليها النظر العقلي بأكثر من أن يقال رجعت لما كانت عليه قبل حلولها في الذرات. وورد أن كتاب العهد والميثاق مودع في باطن الحجر الأسود، ذكره الشعراني في رسالته [القواعد الكشفية في الصفات الإلهية] وذكر فيها على هذه الآية اثني عشر سؤالاً وأجاب عنها، والحق عندي إن كل ما لم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة فإطواؤه على غرة أولى وترك الخوض فيه أحرى. (أن تقولوا) أي كراهة أن أو لئلا تقولوا (يوم القيامة إنا كنا عن هذا) أي عن كون الله ربنا وحده لا شريك له (غافلين).

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175)

173

(أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا) أي فعلنا ذلك كراهة أن تعتذروا بالغفلة أو تنسبوا الشرك إلى آبائكم دونكم وأو لمنع الخلو دون الجمع فقد يعتذرون بمجموع الأمرين (من قبل) أي قبل زماننا (وكنا ذرية من بعدهم) أي أتباعاً لهم فاقتدينا بهم في الشرك لا نهتدي إلى الحق ولا نعرف الصواب (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) من آبائنا ولا ذنب لنا لجهلنا وعجزنا عن النظر واقتفائنا آثار سلفنا. بيَن الله سبحانه في هذه الآية الحكمة التي لأجلها أخرجهم من ظهر آدم وأشهدهم على أنفسهم وأنه فعل ذلك بهم لئلا يقولوا هذه المقالة يوم القيامة ويعتلوا بهذه العلة الباطلة ويعتذروا بهذه المعذرة الساقطة ففي هذه الآية قطع لعذر الكفار فلا يمكنهم أن يحتجوا بمثل ذلك. وقال أهل النظر: المراد منه مجرد نصب الدلائل وإظهارها للعقول، والحق هو الأول والمعنى لا يمكنهم الاحتجاج بذلك مع إشهادهم على أنفسهم بالتوحيد والتذكير له على لسان صاحب المعجزة قائم مقام ذكره في النفوس.

174

(وكذلك) أي مثل ذلك التفصيل البليغ (نفصل الآيات) لهم ليتدبروها (ولعلهم يرجعون) إلى الحق ويتركون ما هم عليه من الباطل وقيل يرجعون إلى الميثاق الأول فيذكرونه ويعملون بموجبه ومقتضاه والمآل واحد.

175

(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا) وهي علوم الكتب القديمة والتصرف بالاسم الأعظم فكان يدعو به حيث شاء فيجاب بعين ما طلب في

الحال، وإيراد هذه القصة منه سبحانه وتذكير أهل الكتاب بها لأنها كانت مذكورة عندهم في التوراة. وقد اختلف في هذا الذي أوتي الآيات فقيل هو بلعم بن باعوراء، قاله ابن عباس، وفي لفظ بلعام بن باعر الذي أوتي الإسم الأعظم، كان في بني إسرائيل وبه قال مجاهد، وكان قد حفظ بعض الكتب المنزلة. وقيل كان قد أوتي النبوة، وكان مجاب الدعوة بعثه الله إلى مدين يدعوهم إلى الأيمان فأعطوه الأعطية الواسعة فاتبع دينهم وترك ما بعث به فلما أقبل موسى في بني إسرائيل لقتال الجبارين، سأل الجبارون بلعم بن باعوراء أن يدعو على موسى فقام ليدعو عليه فتحول لسانه بالدعاء على أصحابه فقيل له في ذلك فقال لا أقدر على أكثر مما تسمعون، واندلع لسانه على صدره فقال: قد ذهبت مني الآن الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والخديعة والحيلة وسأمكر لكم وإني أرى أن تخرجوا إليهم فتياتكم فإن الله يبغض الزنا فإن وقعوا فيه هلكوا فوقع بنو إسرائيل في الزنا فأرسل الله عليهم الطاعون فمات منهم سبعون ألفاً. وقيل إن هذا الرجل اسمه باعم وهو من بني إسرائيل، وقيل من الكنعانيين من بلد الجبارين وقال مقاتل: هو من مدينة البلقاء وقال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن آبن، والقصة ذكرها جماعة من المفسرين وفيها أن موسى دعا على بلعام بأن ينزع عنه الإسم الأعظم والإيمان. ولا يصح ذلك من غير نظر فيه ولا بحث. وقيل المراد به أمية بن أبي الصلت الثقفي، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولاً في ذلك فلما أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسده

وكفر به، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم، وقيل: هو أبو عامر بن صيفي، وكان يلبس المسوح في الجاهلية فكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم -. وكانت الأنصار تقول هو ابن الراهب الذي بنى له مسجد الشقاق، وقيل: نزلت في البسوس رجل من بني إسرائيل قاله ابن عباس وقيل: نزلت في منافقي أهل الكتاب قاله الحسن وابن كيسان وقيل نزلت في قريش آتاهم الله آياته التي أنزلها على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا بها، وقيل: نزلت في اليهود والنصارى انتظروا خروج محمد صلى الله عليه وآله وسلم فكفروا به. وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى ولم يقبله، قيل والمراد بالآيات اسم الله الأكبر قاله ابن عباس، وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئاً إلا أعطاه قال السدي: كان يعلم اسم الله الأعظم، وقيل إنه أوتي كتاباً وقيل إن الله آتاه حجة وأدلة (¬1). (فانسلخ منها) كما تنسلخ الحية والشاة عن جلدها فلم يبق له بها اتصال، وقال ابن عباس: نزع منه العلم والإنسلاخ التعري من الشيء، وليس في الآية قلب إذ لا ضرورة تدعو إليه وإن زعمه بعضهم وأن أصله فانسلخت منه. (فأتبعه الشيطان) عند انسلاخه عن الآيات أي لحقه فأدركه وصار قريناً له أو فأتبعه خطواته وصيره تابعاً لنفسه وقيل أتبعه بمعنى استتبعه (فكان من الغاوين) أي المتمكنين في الغواية وهم الكفار. ¬

(¬1) راجع فقه اسم الله الأعظم في زاد المسير 3/ 288.

وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177) مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (178)

176

(ولو شئنا) رفعه بما آتيناه من الآيات (لرفعناه بها) أي بسببها إلى منازل العلماء ولكن لم نشأ ذلك لانسلاخه عنها وتركه للعمل بها، وقيل: المعنى لو شئنا لأمتناه قبل أن يعصي فرفعناه إلى الجنة بها أي بالعمل بها قاله ابن عباس وقال مجاهد وعطاء: لرفعنا عنه الكفر وعصمناه بالآيات. (ولكنه أخلد) أصل الإخلاد اللزوم يقال أخلد فلان بالمكان إذا أقام به ولزمه، والمعنى هنا أنه مال وسكن إلى الدنيا ورغب فيها ورضي بها واطمأن وآثرها على الآخرة (إلى الأرض) هي هنا عبارة عن الدنيا لأن بها المفاوز والقفار والمدن والضياع والمعادن والنبات، ومنها يستخرج ما يعاش به في الدنيا فالدنيا كلها هي الأرض. (واتبع هواه) أي ما يهواه وترك العمل بما يقتضيه العلم الذي علمه الله وهو حطام الدنيا وقيل كان هواه مع الكفار وقيل: اتبع رضاء زوجته وكانت هي التي حملته على الإنسلاخ من آيات الله، وهذه الآية من أشد الآيات على العلماء الذين يريدون بعلمهم الدنيا وشهوات النفس ويتبعون الهوى. (فمثله كمثل الكلب) أي وصار لما انسلخ عن الآيات ولم يعمل بها منحطاً إلى أسفل رتبة مشابهاً لأخس الحيوانات في الدناءة مماثلاً له في أقبح أوصافه (إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) أي في كلتا حالتي قصد

الإنسان له وتركه هو لاهث سواء زجر أو ترك، طرد أو لم يطرد، شد عليه أو لم يشد، وليس بعد هذا في الخسة والدناءة شيء. والمعنى مثله كمثل الكلب حال كونه متصفاً بهذه الصفة أي: إن هذا المنسلخ عن الآيات لا يرعوي عن المعصية في جميع أحواله سواء وعظه الواعظ وذكره المذكر وزجره الزاجر أو لم يقع شيء من ذلك، قال القتيبي: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش إلا الكلب فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة وحال الري وحال العطش فضربه الله مثلاً لمن كذب بآياته فقال إن وعظته ضل وإن تركته ضل فهو كالكلب إن تركته لهث وإن طردته لهث كقوله تعالى: (وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون). واللهث: إخراج اللسان لتعب أو عطش أو غير ذلك قاله الجوهري قيل معنى الآية إنك إذا حملت على الكلب نبح وولى هارباً وإن تركته شد عليك ونبح فيتعب نفسه مقبلاً عليك ومدبراً عنك فيعتريه عند ذلك ما يعتريه عند العطش من إخراج اللسان، يقال لهث الكلب يلهث إذا أدلع لسانه. (ذلك) أي التمثيل بتلك الحالة الخسيسة (مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا) من اليهود بعد أن علموا بها وعرفوها فحرفوا وبدلوا وكتموا صفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذبوا بها، وقيل عم هذا المثل جميع من كذب بآيات الله وجحدها وهو الحق لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (فاقصص القصص) الذي هو صفة الرجل المنسلخ عن الآيات عليهم فإن مثل المذكور كمثل هؤلاء القوم المكذبين من اليهود الذين نقص عليهم (لعلهم يتفكرون) في ذلك ويعملون فيه إفهامهم فينزجرون عن الضلال ويقبلون على الصواب، وقيل هذا المثل لكفار مكة ولا وجه لتخصيصه بفرد دون فرد والأولى هو العموم.

177

(ساء مثلاً) هذه الجملة متضمنة لبيان حال هؤلاء القوم البالغة في القبح إلى الغاية يقال ساء الشيء قبح فهو لازم وساءه يسوءه مساءة فهو متعد وهو من أفعال الذم كبئس والمخصوص بالذم (القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون) أي ما ظلموا بالتكذيب إلا أنفسهم لا يتعداها ظلمهم إلى غيرها ولا يتجاوزها، وقيل المعنى أنهم جمعوا بين التكذيب بآيات الله وظلم أنفسهم وهذا أفيد.

178

(من يهدي الله) أي يرشده إلى دينه أو يتول هدايته (فهو المهتدي) لما أمر به وشرعه لعباده (ومن يضلل) أي يتول ضلالته (فأولئك هم الخاسرون) الكاملون في الخسران من هداه فلا مضل له ومن أضله فلا هادي له ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. أخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن مردوية والبيهقي في الأسماء والصفات عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ثم يقول: من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، أصدق الحديث كتاب الله وأحسن الهدى هدى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم يقول بعثت أنا والساعة كهاتين (¬1). فلو كان الهدى من الله البيان كما قالت المعتزلة لاستوى الكافر والمؤمن إذ البيان ثابت في حقهما فدل أنه من الله التوفيق والعصمة والمعونة ولو كان ذلك للكافر لاهتدى كما اهتدى المؤمن. ¬

(¬1) مسلم/867.

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)

179

(ولقد ذرأنا لجهنم) أي خلقنا للتعذيب بها خلقاً (كثيراً من) طائفتي (الجن والإنس) جعلهم سبحانه للنار بعدله وبعمل أهلها يعملون وقد علم ما هم عاملون قبل كونهم كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن النجار عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله لما ذرأ لجهنم من ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم، وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم (¬1)، أخرجه مسلم. (لهم قلوب لا يفقهون بها) شيئاً من أمور الآخرة، جعل سبحانه قلوبهم لما كانت غير فاقهة لما فيه نفعهم ورشادهم غير فاقهة مطلقاً، وإن كانت تفقه في غير ما فيه النفع والرشاد فهو كالعدم والفقه في اللغة الفهم والعلم بالشيء يقال فقه الرجل فهو فقيه إذا فهم، وهكذا معنى (ولهم أعين لا يبصرون بها) طريق الهدى والحق (ولهم آذان لا يسمعون بها) الحق فإن الذي انتفى من الأعين هو إبصار ما فيه الهداية بالتفكر والاعتبار وإن كانت مبصرة في غير ذلك، والذي انتفى من الآذان هو سماع المواعظ النافعة والشرائع التي اشتملت عليها الكتب المنزلة وما جاءت به رسل الله عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا يسمعون غير ذلك. ¬

(¬1) مسلم/2662.

(أولئك) المتصفون بهذه الأوصاف (كالأنعام) أي البهائم في انتفاء انتفاعهم بهذه المشاعر مع وجودها فيهم، والعرب تقول مثل ذلك لمن ترك استعمال بعض جوارحه فيما لا يصلح له ثم جعلهم شراً من الأنعام فقال: (بل هم أضل) أي حكم عليهم بأنهم أضل منها لأنها تدرك بهذه الأمور ما ينفعها ويضرها فتنتفع بما ينفع وتجتنب ما يضر وهؤلاء لا يميزون بين ما ينفع وما يضر باعتبار ما طلبه الله منهم وكلفهم به بل يقدمون على النار معاندة (أولئك هم الغافلون) حكم عليهم بالغفلة الكاملة لما هم عليه من عدم التمييز الذي هو من شأن من له عقل وبصر وسمع.

180

(ولله الأسماء) ذكر ذلك في أربع سور في القرآن: أولها هذه السورة، وثانيها في آخر بني إسرائيل، وثالثها في أول طه، ورابعها في آخر الحشر، وهذه الآية مشتملة على الإخبار من الله سبحانه بما له من الأسماء على الجملة دون التفصيل، و (الحسنى) تأنيث الأحسن أي التي هي أحسن الأسماء لدلالتها على أحسن مسمى وأشرف مدلول، وقيل الحسنى مصدر وصف به كالرجعى وأفرده كما أفرد وصف ما لا يعقل. وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وأبو عوانة وابن جبير وابن أبي حاتم والطبراني وابن مسنده وابن مردويه وأبي نعيم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة أنه وتر يحب الوتر (¬1)، وفي لفظ ابن مردويه وأبي نعيم من دعا بها استجاب الله دعاءه، وزاد الترمذي في سننه بعد قوله يحب الوتر هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، إلى قوله الصبور، وهي معروفة، هكذا أخرج الترمذي هذه الزيادة عن أبي هريرة مرفوعة وقال هذا حديث غريب، وقد روي من غير وجه ¬

(¬1) مسلم/2677.

عن أبي هريرة ولا يعلم في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. قال ابن كثير في تفسيره والذي عول عليه جماعة من الحفاظ أن سرد الأسماء مدرج في هذا الحديث وأنهم جمعوها من القرآن، ثم قال: ليعلم أن الأسماء الحسنى ليست منحصرة في التسعة والتسعين بدليل ما رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: [ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، الحديث .. ] وقد أخرجه أبو حاتم وابن حبان في صحيحه بمثله انتهى (¬1). وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات قال النووي: اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود أن من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء انتهى. قال ابن حزم جاءت في إحصائها يعني الأسماء الحسنى أحاديث مضطربة لا يصح منها شيء أصلاً وقد أخرجها بهذا العدد الذي أخرجه الترمذي ابن مردويه وأبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فذكراه ولا أدري كيف إسناده. وعن أبي جعفر محمد بن الصادق قال: هي في القرآن ثم سردها سورة فسورة. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 269.

وقد ذكر ابن حجر في التلخيص أنّه تتبعها من الكتاب العزيز إلى أن حررها منه تسعة وتسعين ثم سردها ويؤيد هذا ما أخرجه أبو نعيم عن ابن عباس وابن عمر قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لله تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة وهي في القرآن. وقد أطال أهل العلم الكلام على الأسماء الحسنى حتى أن ابن العربي في شرح الترمذي حكى عن بعض أهل العلم أنه جمع من الكتاب والسنة من أسماء الله ألف اسم، ومعنى أحصاها حفظها، قاله البخاري وبه قال أكثر المحققين ويعضده الرواية الأخرى من حفظها دخل الجنة، وقيل العدد أي عدها في الدعاء بها وقيل المعنى من أطاقها وأحسن المراعاة لها وقيل أحضر بباله عند ذكرها معناها وتفكر في مدلولها والأول أولى، وقد ذكر الرازي في هذا المقام بحثاً في أن الإسم عين المسمى أو غيره وهو مما لم يكلف الله به عباده. وفي قوله: (فادعوه بها) دليل على أن أسماء الله سبحانه توقيفية لا اصطلاحية والمعنى سموه به وأجروها عليه واستعملوها فيه دعاء ونداء وغير ذلك فلا تسموه بغيرها مما لم يرد إطلاقه عليه تعالى، أمرهم بأن يدعوه بها عند الحاجة فإنه إذا دعي بأحسن أسمائه كان ذلك من أسباب الإجابة. (وذروا الذين يلحدون) الإلحاد الميل والانحراف وترك القصد، يقال لحد الرجل في الدين وألحد إذا مال، ومنه اللحد في القبر لأنه في ناحيته قال ابن عباس: الإلحاد التكذيب، وقال عطاء: هو المضاهاة، وقال الأعمش: يدخلون فيها ما ليس منها وقال قتادة: يشركون. والإلحاد (في أسمائه) سبحانه يكون على ثلاثة أوجه. إما بالتغيير كما فعله المشركون فإنهم أخذوا اسم اللات من الله والعزى من العزيز ومناة من المنان قاله ابن عباس ومجاهد.

أو بالزيادة عليها بأن يخترعوا أسماء من عندهم لم يأذن الله بها قال أهل المعاني: هو تسميته بما لم يسم به نفسه ولم يرد فيه نص من كتاب ولا سنة، لأن أسماءه كلها توقيفية فلا يجوز فيها غير ما ورد في الشرع بل يدعوه بأسمائه التي وردت في الكتاب والسنة على وجه التعظيم (¬1). أو بالنقصان منها بأن يدعوه ببعضها دون بعض ولا يسميه باسم لا يعرف معناه ولا باسم فيه من الغرابة والمعنى أتركوهم لا تحاجوهم ولا تعرضوا لهم. وعلى هذا المعنى فالآية منسوخة بآيات القتال وقيل معناه الوعيد كقوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيداً) وقوله: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا) وهذا أولى لقوله: (سيجزون ما كانوا يعملون) فإنه وعيد لهم بنزول العقوبة وتحذير للمسلمين أن يفعلوا كفعلهم. وقد ذكر مقاتل وغيره من المفسرين أن هذه الآية نزلت في رجل من المسلمين كان يقول: في صلاته يا رحمن يا رحيم فقال رجل من المشركين: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يدعو ربين اثنين حكى ذلك القرطبي (¬2). ¬

(¬1) قال ابن العربي: " فحذار منها، ولا يدعون أحدكم إلا بما في كتاب الله والكتب الخمسة، وهي البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي. فهذه الكتب التي يدور الإسلام عليها، وقد دخل فيها ما في الموطأ الذي هو أصل التصانيف، وذروا ما سواها، ولا يقولن أحدكم اختار دعاء كذا وكذا، فإن الله قد اختار له وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله صلى الله عليه وسلم. (ذكره القرطبي في 7/ 321). (¬2) وقد روى مقاتل: أن رجلاً دعا الله في صلاته ودعا الرحمن فقال أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون رباً واحداً فما بال هذا يداعونني فنزلت الآية.

وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182)

181

(وممن خلقنا) أي من جملة من خلقه الله (أمة) وعصابة وجماعة (يهدون) الناس متلبسين (بالحق) أو يهدونهم بما عرفوه من الحق (وبه) أي بالحق (يعدلون) بينهم قيل هم من هذه الأمة وهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان قاله ابن عباس. وعن الكلبي هم من آمن من أهل الكتاب وقيل هم العلماء والدعاة إلى الدين وقيل إنهم الفرقة الذين لا يزالون على الحق ظاهرين كما ورد في الحديث الصحيح عن معاوية قال وهو يخطب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك (¬1) أخرجه البخاري ومسلم. وعن ابن جريج قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذه أمتي يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون، وعن قتادة قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إذا قرأها: هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها ومن قوم موسى أمة الآية (¬2). وعن الربيع في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إن من أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم متى نزل أخرجه ابن أبي حاتم. ¬

(¬1) مسلم/1037 البخاري/62. (¬2) ابن كثير 1/ 269.

وفي الآية دليل على أنه لا يخلو زمان من قائم بالحق يعمل به ويهدي إليه قيل وفيه دلالة على أن إجماع كل عصر حجه، والبحث في ذلك مفصل في الأصول. ثم لما بين حال هذه الأمة الصالحة بين حال من يخالفهم فقال:

182

(والذين كذبوا بآياتنا) يريد به جميع المكذبين بآيات الله وهم الكفار وقيل المراد بهم أهل مكة والأول أولى، لأن صيغة العموم تتناول الكل إلا ما دل الدليل على خروجه منه (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) الاستدراج هو الأخذ بالتدريج منزلة بعد منزلة والدرج كف الشيء يقال أدرجته ودرجته ومنه إدراج الميت في أكفانه وقيل هو من الدرجة فالاستدراج أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبي إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب طواه شيئاً بعد شيء، ودرج القوم مات بعضهم في إثر بعض. والمعنى سنستدنيهم قليلاً قليلاً إلى ما يهلكهم وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها فينهمكون في الغواية ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلهْ والزلفة. قال الأزهري: سنأخذهم قليلاً قليلاً من حيث لا يحتسبون، وقال السدي سنأخذهم من حيث لا يعلمون، قال عذاب بدر: وعن يحيى بن المنى قال كلما أحدثوا ذنباً جددنا لهم نعمة تنسيهم الاستغفار، وبه قال الضحاك وقال سفيان: نسبغ عليهم النعمة ونمنعهم شكرها، وعن ثابت البناني أنه سئل عن الاستدراج فقال: ذلك مكر الله بالعباد المضيعين، قال الكلبى: نزين أعمالهم ثم نهلكهم بها روي أن عمر بن الخطاب لما حمل إليه كنوز كسرى، قال: اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً فإني سمعتك تقول سنستدرجهم من حيث لا يعلمون.

وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186)

183

(وأملي) الإملاء الإمهال والتطويل أي أطيل (لهم) المدة وأمهلهم ليتمادوا في الكفر والمعاصي وأؤخر عنهم العقوبة (إن كيدي متين) جملة مقررة لما قبلها من الاستدراج والإملاء ومؤكدة له والكيد المكر والمتين الشديد القوي وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب لأنه أقوى ما في الحيوان وقد متن بالضم يمتن متانة أي قوي. والمعنى أن أخذي أو مكري شديد لا يطاق قال ابن عباس: كيد الله العذاب والنقمة قال في الكشاف سماه كيداً لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان، وفي الآية دليل على مسألة القضاء والقدر، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

184

(أو لم يتفكروا) الإستفهام للإنكار عليهم حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفيما جاء به (ما بصاحبهم من جنة) ما للاستفهام الإنكاري والجنة مصدر أي وقع منهم التكذيب ولم يتفكروا أي شيء من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون؟ فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلاً وقولهم زوراً وبهتاناً. وقيل أي ليس بصاحبهم شيء مما يدعونه من الجنون فيكون هذا رداً لقولهم: [يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون] ويكون الكلام قد تم عند قوله (أو لم يتفكروا) والوقف عليه من الأوقاف الحسنة.

عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قام على الصفا فدعا قريشاً فخذاً فخذاً يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل: إن صاحبكم هذا لمجنون، بات يصوت حتى أصبح فأنزل الله هذه الآية (¬1). وإنما نسبوه إلى الجنون وهو بريء منه لأنه صلى الله عليه وآله وسلم خالفهم في الأقوال والأفعال لأنه كان معرضاً عن الدنيا ولذاتها مقبلاً على الآخرة ونعيمها مشتغلاً بالدعاء إلى الله وإنذار بأسه ونقمته ليلاً ونهاراً من غير ملال ولا ضجر فعند ذلك نسبوه إلى جنون فبرأه الله من الجنون وقال (إن هو إلا نذير مبين) أي بين الإنذار والجملة مقررة لمضمون ما قبلها ومبينة لحقيقة حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ¬

(¬1) رواه الطبري 13/ 289 وابن كثير 2/ 270.

185

(أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) الاستفهام للإنكار والتوبيخ والتقريع ولقصد التعجب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية. وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم، وقد تقدم بيانه، والمعنى أن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به بل هم متبادرون في ضلالتهم خائضون في غوايتهم لا يعملون فكراً، ولا يمعنون نظراً. (وما خلق الله) أي ولم ينظروا فيما خلق (من شيء) من الأشياء كائناً ما كان فإن في جميع مخلوقاته عبرة للمعتبرين وهو عظة للمتفكرين سواء كانت

من جلائل مصنوعاته كملكوت السموات والأرض أو من دقائقها من سائر مخلوقاته (وأن) أي أولم ينظروا في أن الشأن والحديث (عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) فيموتون عن قريب، والمعنى أنهم إذا كانوا يجوزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به، وافتعل هنا بمعنى الفعل المجرد أي قرب وقت أجلهم (¬1). (فبأي حديث بعده) الضمير للقرآن وقيل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل للأجل المذكور قبله وقيل الضمير يرجع إلى ما تقدم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة أي بأي حديث بعد هذا المتقدم بيانه (يؤمنون) وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره، والجملة الاستفهامية سيقت للتعجب أي إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يؤمنون بغيره. وجملة ¬

(¬1) قلت: هذا هو الصحيح في الباب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ". وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف (ذكر صفة كمال الإيمان) اجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام -وهو بالغ صحيح العقل- أنه مسلم. (ذكره القرطبي 7/ 331).

186

(من يضلل الله فلا هادي له) مقررة لما قبلها أي هذه الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ممن أضله الله ومن يضلله فلا يوجد له من يهديه إلى الحق وينزعه عن الضلالة البتة (ويذرهم في طغيانهم يعمهون) أي يتحيرون وقيل يترددون ولا يهتدون سبيلاً.

187

يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) (يسئلونك) استئناف مسوق لبيان بعض أحكام ضلالهم وطغيانهم والسائلون هم اليهود وقيل قريش (عن الساعة) أي القيامة وهي من الأسماء الغالبة وإطلاقها على القيامة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها أو لأنها ساعة عند الله مع طولها في نفسها (أيان) ظرف زمان مبنى على الفتح ومعناه متى واشتقاقه من أي وقيل من أين (مرساها) أي أي وقت ارساؤها واستقرارها وحصولها وكأنه شبهها بالسفينة القائمة في البحر مأخوذ من أرساها الله أي أثبتها. وقرئ بفتح الميم من رست أي ثبتت ومنه وقدور راسيات ومنه رسى الجبل، والمعنى متى يثبتها ويوقعها ويرسيها الله،؟ وقال الطيبي: الرسو إنما يستعمل في الأجسام الثقيلة وإطلاقه على الساعة تشبيه للمعاني بالأجسام، وقال ابن عباس: منتهاها أي وقوعها، قال: والساعة الوقت الذي تموت فيه الخلائق، وظاهر الآية أن السؤال عن نفس الساعة، وظاهر أيان مرساها أن السؤال عن وقتها فحصل من الجميع أن السؤال المذكور هو عن الساعة باعتبار وقوعها في الوقت المعين لذلك. ثم أمره الله سبحانه بأن يجيب عنهم بقوله: (قل إنما علمها) أي علم وقت ارسائها باعتبار وقوعها (عند ربي) قد استأثر به لا يعلمها غيره ولا يهتدي إليها سواه ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية (لا يجليها) التجلية إظهار الشيء يقال جلى لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه أي لا يظهرها ولا يكشف عنها، وقال مجاهد: لا يأتي بها، وقال السدِّي: لا

يرسلها (لوقتها إلا هو) سبحانه بالذات من غير أن يشعر به أحد من المخلوقين. وفي استئثار الله سبحانه بعلم الساعة حكمة عظيمة وتدبير بليغ كسائر الأشياء التي أخفاها الله واستأثر بعلمها، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها مبينة لاستمرار تلك الحالة إلى حين قيامها. (ثقلت في السموات والأرض) أي عظمت على أهلهما وشقت على العالم العلوي والسفلي، قيل معنى ذلك أنه لما خفي علمها على أهل السموات والأرض كانت ثقيلة لأن كل ما خفي علمه ثقيل على القلوب، وقيل المعنى لا تطيقها السموات والأرض لعظمها لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب، وقيل عظم وصفها عليهم، وقيل ثقلت المسألة عنها. وقال ابن عباس: يعني ليس شيء من الخلق إلا يصيبه من ضرر يوم القيامة وقيل ثقلت لأن فيها فناءهم وموتهم وذلك ثقيل على الأفئدة، وقيل كل من أهلها من الملائكة والثقلين أهمه شأن الساعة ويتمنى أن يتجلى له علمها ويشق عليه خفاؤها وثقل عليه، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها أيضاً. (لا تأتيكم) الساعة (إلا بغتة) أي فجأة على حين غفلة من الخلق، وقد ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة صحيحة هي معروفة وهذه الجملة كالتي قبلها في التقرير. (يسئلونك كأنك حفي عنها) استئناف مسوق لبيان خطئهم في توجيه السؤال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء على زعمهم أنه عالم بالمسؤول عنه، قال ابن فارس: الحفي العالم بالشيء والحفي المستقصي في السؤال يقال

أحفى في المسئلة وفي الطلب فهو محف وحفي على التكثير مثل مخضب وخضيب، والمعنى يسألونك عن الساعة كأنك عالم بها أو كأنك مستقص للسؤال عنها ومستكثر منه ومتطلع إلى علم مجيئها وعن بمعنى الباء. وقيل المعنى كأنك حفي بهم، والأول هو معنى النظم القرآني على مقتضى المسلك العربي، قال ابن عباس: يقول كان بينك وبينهم مودة وكأنك صديق لهم. (قل إنما علمها عند الله) أمره الله سبحانه بأن يكرر ما أجاب به عليهم سابقاً لتقرير الحكم وتأكيده، قال في المدارك: وعلى هذا تكرير العلماء في كتبهم لا يخلو عن فائدة انتهى. وقيل ليس بتكرير بل أحدهما معناه استئثار الله بهذا وعدم علم خلقه به لم يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل، والآخر الاستئثار بكنهها نفسها وثقلها وشدائدها. (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) أن علمها عند الله وأنه استأثر به حتى لا يسألوا عنه وقيل لا يعلمون السبب الذي لأجله أخفي علم وقت قيامها عن الخلق (¬1). ¬

(¬1) روى البخاري 13/ 77 عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " لتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها " وهو جزء من حديث طويل، يدل على أن الساعة تأتي بغتة. وقوله: " يليط حوضه " بفتح أوله من الثلاثي، وبضمه من الرباعي، والمعنى: يصلحه بالطين والمدر، فيسد شقوقه، ليملأه ويسقي منه دوابه.

قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)

188

(قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً) قال ابن جرير: يعني الهدى والضلالة وهذه الجملة متضمنة لتأكيد ما تقدم من عدم علمه بالساعة أيان تكون ومتى تقع لأنه إذا كان لا يقدر على جلب نفع له أو دفع ضر عنه. (إلا ما شاء الله) سبحانه من النفع له والدفع عنه، فبالأولى أن لا يقدر على علم ما استأثر الله بعلمه، وفي هذا من إظهار العبودية والإقرار بالعجز عن الأمور التي ليست من شأن العبيد، والاعتراف بالضعف عن انتحال ما ليس له صلى الله عليه وآله وسلم ما فيه أعظم زاجر، وأبلغ واعظ لمن يدعي لنفسه ما ليس من شأنها وينتحل علم الغيب بالنجامة أو الرمل أو الطرق بالحصى أو الزجر. قال النسفي: أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر كالمماليك إلا ما شاء مالكي من النفع لي والدفع عني، والاستثناء منقطع، وبه قال ابن عطية وهو أبلغ في إظهار العجز. ثم أكد هذا وقرره بقوله: (ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير) أي لو كنت أعلم جنس الغيب لتعرضت لما فيه الخير فجلبته إلى نفسي وتوقيت ما فيه السوء حتى لا يمسني، ولكني عبد لا أدري ما عند ربي ولا ما قضاه فيّ وقدره لي، فكيف أدري غير ذلك وأتكلف علمه، وقيل المعنى لو

كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته، وقيل لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب، وقيل لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه، وقيل لو كنت أعلم وقت الموت لاستكثرت من العمل الصالح، وقيل لو كنت أعلم وقت الخصب والجدب لاعتددت من الخصب للجدب وقيل غير ذلك والأولى حمل الآية على العموم فيندرج هذه الأمور وغيرها تحتها. (وما مسنى السوء) كلام مستأنف أي ليس لي ما تزعمون من الجنون، والأولى أنه متصل بما قبله والمعنى لو علمت الغيب ما مسني السوء ولحذرت عنه كما قدمنا ذلك وقال ابن جريج: لا يصيبني الفقر، وقال ابن زيد: لاجتنبت ما يكون من الشر قبل أن يكون، وقال الكرخي: أي ما مسني سوء يمكن التفصي عنه بالتوقي عن موجباته والمدافعة بموانعه لا سوء ما فإن منه ما لا مدفع له. (إن أنا إلا نذير وبشير) أي ما أنا إلا مبلغ عن الله أحكامه (لقوم يؤمنون) أي كتب في الأزل أنهم يؤمنون فإنهم المنتفعون به فلا ينافي كونه بشيراً ونذيراً للناس كافة، واللام في لقوم من باب التنازع، فعند البصريين تتعلق ببشير، وعند الكوفيين بنذير، وقيل نذير بالنار للكافرين وبشير بالجنة للمؤمنين. وعلى هذا متعلق النذارة محذوف والذي أخبر به صلى الله عليه وآله وسلم عن المغيبات، وقد جاءت بها أحاديث في الصحيح فهو من قبيل المعجزات. ومن قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك على سبيل التواضع والأدب فقد أبعد النجعة بل قاله صلى الله عليه وآله وسلم معتقداً

بذلك، وأن الله هو المستأثر بعلم الغيب والمعجزات مخصصة من هذا العموم كما قال تعالى: (إلا من ارتضى من رسول).

189

(هو الذي خلقكم) خطاب لأهل مكة (من نفس واحدة) أي آدم قاله جمهور المفسرين والتأنيث باعتبار لفظ النفس وهذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نعم الله على عباده وعدم مكافأتهم لها بما يجب من الشكر والاعتراف بالعبودية وأنه المتفرد بالإلهية. (وجعل منها) أي من هذه النفس وقيل من جنسها كما في قوله تعالى: (جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) والأول أولى (زوجها) وهي حواء خلقها من ضلع من أضلاعه (ليسكن) علة للجعل أي لأجل أن يأنس (إليها) ويطمئن بها فإن الجنس بجنسه أسكن وإليه آنس، وكان هذا في الجنة كما وردت بذلك الأخبار ثم ابتدأ سبحانه بحالة أخرى كانت بينهما في الدنيا بعد هبوطهما فقال: (فلما تغشاها) أي آدم زوجه والتغشي كناية عن الوقاع أي فلما جامعها كنى به عن الجماع أحسن كناية لأن الغشيان إتيان الرجل المرأة وقد غشيها وتغشاها إذا علاها وتجللها (حملت حملاً خفيفاً) أي علقت به بعد الجماع، والمشهور أن الحمل بالفتح ما كان في بطن أو على شجرة، والحمل بالكسر خلافه وقد حكى في كل منهما الكسر والفتح وهو هنا إما مصدر فينتصب انتصاب المفعول المطلق أو الجنين المحمول فيكون مفعولاً به، ووصفه بالخفة لأنه عند إلقاء النطفة أخف منه عند كونه علقة، وعند كونه علقة أخف منه عند كونه مضغة، وعند كونه مضغة أخف مما بعده، وقيل إنه خف عليها هذا الحمل من ابتدائه إلى انتهائه ولم تجد منه ثقلاً كما تجده الحوامل من النساء لقوله: (فمرت به) أي استمرت بذلك الحمل تقوم وتقعد وتمضي في

حوائجها، لا تجد به ثقلاً ولا مشقة ولا كلفة، وقرئ فمرت به بالتخفيف أي فجزعت لذلك، وقرئ فمارت به من المور وهو المجيء والذهاب، قال سمرة: حملاً خفيفاً لم يستبن فمرت به لما استبان حملها، وقال ابن عباس: فمرت به أي شكت أحملت أم لا. وعن الحسن سئل عن قوله فمرت به قال: لو كنت عربياً لعرفتها إنما هي استمرت بالحمل، وعن السدي قال: حملاً خفيفاً هي النطفة فمرت به أي استمرت به، وبه قال ابن عباس وعن ميمون بن مهران قال: استخفته والوجه الأول أولى لقوله: (فلما أثقلت) فإن معناه فلما صارت ذات ثقل لكبر الولد في بطنها (دعوا الله) جواب لما أي دعا آدم وحواء (ربهما) ومالك أمرهما (لئن آتيتنا) ولداً (صالحاً) عن أبي صالح قال: أشفقا أن يكون بهيمة فقالا لئن آتيتنا بشراً سوياً، وعن مجاهد نحوه، وعن الحسن قال: غلاماً سوياً أي متسوي الأعضاء خالياً من العوج والعرج وغير ذلك، وقيل ولداً ذكراً لأن المذكورة من الصلاح (لنكونن من الشاكرين) لك على هذه النعمة، وفي هذا الدعاء دليل على أنهما قد علما أن ما حدث في بطن حواء من أثر ذلك الجماع هو من جنسهما وعلما بثبوت النسل المتأثر عن ذلك السبب (¬1). ¬

(¬1) قال: " الطبري " 13/ 307 - 308: والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عن آدم وحواء أنهما دعوا الله ربهما بحمل حواء، وأقسما لئن أعطاهما ما في بطن حواء صالحاً، ليكونان لله من الشاكرين، والصلاح قد يشمل معاني كثيرة، منها الصلاح في استواء الخلق، ومنها الصلاح في الدين، والصلاح في العقل والتدبير، وإذ كان ذلك كذلك ولا خبر عن الرسول يوجب الحجة بأن ذلك على بعض معاني الصلاح دون بعض، ولا فيه من العقل دليل، وجب أن يعم كما عمه الله فيقال: إنهما قالا: لئن آتيتنا صالحاً بجميع معاني الصلاح.

190

فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) (فلما آتاهما صالحاً) أي ما طلباه من الولد الصالح وأجاب دعاءهما (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قرأ سائر أهل الكوفة بالجمع وقرأ أهل المدينة شركاً على التوحيد، وأنكره الأخفش، وأجيب عنه بأنها صحت على حذف المضاف أي جعلا له ذا شرك أو ذوي شرك، وقال أبو عبيدة: معناه حظاً ونصيباً. قال كثير من المفسرين: أنه جاء إبليس إلى حواء " قال لها: إن ولدت ولداً فسميه باسمي فقالت: وما اسمك؟ قال: الحرث ولو سمى لها نفسه لعرفته فسمته عبد الحرث فكان هذا شركاً في التسمية ولم يكن شركاً في العبادة، ولكن قصدت بتسميتها الولد بعبد الحرث أن الحرث سبب لنجاة الولد، فمعاتبتها على ذلك من حيث إنها نظرت إلى السبب دون المسبب. وقد روي هذا بطرق وألفاظ عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، ويدل له حديث سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحرث فإنه يعيش فسمته عبد الحرث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره، أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه (¬1). وفيه دليل على أن الجاعل شركاً فيما آتاهما هو حواء دون آدم وقوله جعلا له شركاء بصيغة التثنية لا ينافي ذلك لأنه قد يسند فعل الواحد إلى اثنين بل ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 274.

إلى جماعة وهو شائع في كلام العرب، وفي الكتاب العزيز من ذلك الكثير الطيب. قال تعالى: (فتلقى آدم من ربه كلمات) ثم قال في هذه السورة (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا) وقال: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) والمراد به الزوج فقط قاله الفراء، وإنما ذكرهما جميعاً لاقترانهما وقال تعالى: (نسيا حوتهما) وإنما الناسي يوشع دون موسى، وقال تعالى: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما يخرج من أحدهما وهو المالح، وقال تعالى: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) وإنما الرسل من الإنس دون الجن لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح هذا التركيب وقال تعالى: (ألقيا في جهنم) والخطاب لواحد دون اثنين وفي الحديث المرفوع: " إذا سافرتما فأذنا " (¬1) والمراد أحدهما وقال امرؤ القيس. قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وقد أكثر الشعراء من قولهم خليليّ والمراد بهما الواحد دون الاثنين. وعلى هذا فمعنى الآية الكريمة جعل أحدهما له شركاء وهو حواء. وإذا عرفت هذا علمت أن المصير إلى هذا التأويل الذي ذكرناه متعين وقد عاضده الكتاب والسنة وكلام العرب والحديث المتقدم ليس فيه إلا ذكر حواء. وقد استشكل هذه الآية جمع من أهل العلم لأن ظاهرها صريح في وقوع الإشراك من آدم عليه السلام، والأنبياء معصومون عن الشرك ثم اضطروا إلى التفصي منِ هذا الإشكال فذهب كلٌّ إلى مذهب واختلفت أقوالهم في تأويلها اختلافاً كثيراً حتى أنكر هذه القصة جماعة من المفسرين منهم الرازي ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 602.

وأبو السعود وغيرهما، وقال السدي: هذا فصل من آية آدم خاصة في آلهة العرب وعن أبي مالك نحوه. وقال الحسن: هذا في الكفار يدعون الله فإذا آتاهما صالحا هوّدا ونصرا وقال ابن كيسان: هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد الشمس وعبد الدار ونحو ذلك، وقيل هم اليهود والنصارى خاصة. قال الحسن: كان هذا في بعض أهل الملل وليس بآدم، وقيل هذا خطاب لقريش الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهم آل قصي وحسنه الزمخشري، وقال هذا تفسير حسن لا إشكال فيه، وقيل معناها على حذف المضاف أي جعل أولادهما شركاء ويدل له ضمير الجمع في قوله الآتي: (عما يشركون) وإياه ذكر النسفي والقفال وارتضاه الرازي وقال: هذا جواب في غاية الصحة والسداد وبه قال جماعة من المفسرين. وقيل: خطاب كل واحد من الخلق بقوله خلقكم وجعل من جنسه زوجة، قال البغوي: وهذا قول حسن لولا قول السلف بخلافه، وقيل إن هذه القصة لم تصح وإنما عمى من كان في ظهر آدم من ذريته وكان آدم أنموذج التقدير فظهرت ورئيت خطايا بني آدم في ذاته كما ترى الصورة في المرآة لأن ظهره كان كالسفينة لسائر أولاده. وقيل معنى من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد فجعل منها أي من جنسها زوجها فلما تغشاها يعني جنس الذكر جنس الأنثى وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين، وقيل إن فاعل تغشاها ضمير راجع إلى أحدهم، والمعنى خلق الله الناس من آدم وكان بدء خلقهم أن خلق من آدم زوجته ليسكن إليها فحصل منهما النسل، ثم رجع إلى أول الكلام وهو أن الله خلقهم فلم يشكروا له ولم يؤدوا حقه، وذلك أن أحدهم لما تغشى امرأته فحملت حملاً خفيفاً فحصل بسبب ذلك

الاختصار غموض في الآية وأصل الكلام عام وكانت حواء من جملة ذلك، فلا يجب صدق جميع خصوصيات الآيات عليها وإنما يجب وجود أصل القصة. وقد يؤخذ هذا الوجه من قوله تعالى في موضع آخر (الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) وبهذا قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث الدهلوي رحمه الله. وهذه الأقوال كلها متقاربة في المعنى متخالفة في المبنى، ولا يخلو كل واحد منها من بعد وضعف وتكلف بوجوه. الأول إن الحديث المرفوع المتقدم يدفعه وليس في واحد من تلك الأقوال قول مرفوع حتى يعتمد عليه ويصار إليه، بل هي تفاسير بالآراء المنهى عنها المتوعد عليها. الثاني أن فيه انخرام نظم الكلام سياقاً وسباقاً (الثالث) أن الحديث صرح بأن صاحبة القصة هي حواء وقوله جعل منها زوجها إنما هو لحواء دون غيرها فالقصة ثابتة ولا وجه لإنكارها بالرأي المحض (الرابع) أن الحديث ليس فيه إلا ذكر حواء وكان هذا شركاً منها في التسمية ولم يكن شركاً في العبادة، وقيل والشرك في التسمية أهون. قلت: وفيه بعد ظاهر لأن الله تعالى ساق آيات التشنيع عليها وهو شرك وإن لم يكن في العبادة وما قيل إنهما إنما قصدت أن الحرث كان سبب نجاة الولد كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه فهو خطأ لأن الأعلام كما يقصد بها المعاني العلمية كذلك قد يلاحظ معها المعاني الأصلية بالتبعية كما صرح به أهل المعاني، وكان اسم أبي بكر الصديق في الجاهلية عبد الكعبة، واسم أبي هريرة عبد الشمس فغيرهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسماهما صديقاً وعبد الرحمن.

وما قيل أنها سمته بعبد الحرث بإذن من آدم فهذا يحتاج إلى دليل يدل عليه ويصح وأنى له الدليل ولعلها سمته بغير إذن منه ثم تابت من ذلك. والحاصل أن ما وقع إنما وقع من حواء لا من آدم عليه السلام ولم يشرك آدم قط، وعلى هذا فليس في الآية اشكال، والذهاب إلى ما ذكرناه متعين تبعاً للكتاب والحديث وصوناً لجانب النبوة عن الشرك بالله تعالى، والذي ذكروه في تأويل هذه الآية الكريمة يرده كله ظاهر الكتاب والسنة كما تقدم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل والله أعلم. وما ذكرنا من صحة إطلاق المثنى على المفرد هو شائع في كلام العرب ولكنهم لم يذهبوا إليه في هذه الآية، ولم يخطر ذلك ببالهم مع كونه ظاهر الأمر وواضحه ومع أنهم ذكروه وذهبوا إليه في غير هذا الموضع في غير واحد من مواضع في القرآن والحديث وغيرهما، وهذا عجيب منهم غاية العجب. (فتعالى الله عما يشركون) هذا ابتداء كلام مستأنف أراد به إشراك أهل مكة وقيل معطوف على (خلقكم) وما بينهما اعتراض، وقيل أراد به حواء لأنه يجوز إطلاق الجمع على الواحد، وقيل يعود على آدم وحواء وإبليس والأول أولى وبه قال السمين، وليس لها تعلق بقصة آدم وحواء أصلاً ولو كانت القصة واحدة لقال عما يشركان. قال ابن الجزري في كتابه النفيس: قد يأتي العرب بكلمة إلى جانب كلمة كأنها معها وفي القرآن يريد أن يخرجكم من أرضكم، هذا قول الملأ قال فرعون: فماذا تأمرون، انتهى. فالضمير في يشركون يعود على الكفار، والكلام قد تم قبله.

أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195)

191

(أيشركون ما لا يخلق شيئاً) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف يجعل أهل مكة لله شريكاً لا يخلق شيئاً ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع ضر عنهم (وهم يخلقون) الضمير راجع إلى الشركاء أي وهؤلاء الذي جعلوهم شركاء من الأصنام والشياطين مخلوقون وجمعهم جمع العقلاء لاعتقاد من جعلهم شركاء أنهم كذلك.

192

(ولا يستطيعون لهم) أي لمن جعلهم شركاء (نصراً) إن طلبوه منهم (ولا أنفسهم ينصرون) إن حصل عليهم شيء من جهة غيرهم ومن عجز عن نصر نفسه فهو عن نصر غيره أعجز.

193

(وإن تدعوهم إلى الهدى) هذا خطاب للمشركين بطريق الالتفات المنبئ عن مزيد الاعتناء بأمر التوبيخ والتبكيت، وبيان لعجزهم عما هو أدنى من النصر المنفي عنهم وأيسر، وهو مجرد الدلالة على المطلوب من غير تحصيله للطالب أي وأن تدعوا هؤلاء الشركاء إلى الهدى والرشاد بأن تطلبوا منهم أن يهدوكم ويرشدوكم (لا يتبعوكم) ولا يجيبوكم إلى ذلك وهو دون ما تطلبونه منهم من جلب النفع ودفع الضر والنصر على الأعداء. قال الأخفش: معناه وإن تدعوهم أي الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم

وقيل يجوز أن يكون الخطاب للمؤمنين والضمير المنصوب للمشركين ممن سبق في علم الله أنه لا يؤمن، والمعنى وإن تدعوا أيها المؤمنون المشركين لا يتبعوكم وقرئ لا يتبعوكم مشدداً ومخففاً وهما لغتان وقال بعض أهل اللغة: اتبعه مخففاً إذا مضى خلفه ولم يدركه واتبعه مشدداً إذا مضى خلفه فأدركه. (سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها أي دعاؤكم لهم عند الشدائد وعدمه سواء لا فرق بينهما لأنهم لا ينفعون ولا يضرون، ولا يسمعون ولا يجيبون، وقال (أم أنتم صامتون) مكان أو صمتم لما في الجملة الاسمية من المبالغة في عدم إفادة الدعاء ببيان مساواته للسكوت الدائم المستمر، وقال محمد بن يحيى: إنما جاء بالاسمية لكونها رأس آية يعني لمطابقة ولا أنفسهم ينصرون وما قبله.

194

(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) أخبرهم سبحانه بأن هؤلاء الذين جعلتموهم آلهة هم عباداً لله كما أنتم عباد له مع أنكم أكمل منهم لأنكم أحياء تنطقون وتمشون وتسمعون وتبصرون، وهذه الأصنام ليست كذلك ولكنها مثلكم في كونها مملوكة لله مسخرة لأمره، وهذا تقريع لهم بالغ وتوبيخ لهم عظيم، قال مقاتل: إنها الملائكة والخطاب مع قوم كانوا يعبدونها، والأول أولى وإنما وصفها بأنها عباد مع أنها جماد تنزيلاً لها منزلة العقلاء على وفق معتقدهم ولذلك قال: (فادعوهم فليستجيبوا لكم) مقررة لمضمون ما قبلها من أنهم إن دعوهم إلى الهدى لا يتبعوهم وأنهم لا يستطيعون شيئاً أي ادعوا هؤلاء الشركاء فإن كانوا كما تزعمون فليستجيبوا لكم، وإنما ورد هذا اللفظ في معرض الاستهزاء بالمشركين (إن كنتم صادقين) فيما تدعونه لهم من قدرتهم على النفع والضرر وأنها آلهة.

ثم بين غاية عجزهم وفضل عابديهم عليهم فقال:

195

(ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها) الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي هؤلاء الذين جعلتموهم شركاء ليس لهم شيء من الآلات التي هي ثابتة لكم فضلاً عن أن يكونوا قادرين على ما تطلبونه منهم فإنهم كما ترون هذه الأصنام التي تعكفون على عبادتها ليست لهم أرجل يمشون بها في نفع أنفسهم، فضلاً عن أن يمشوا في نفعكم، وليس لهم أيد يبطشون بها كما يبطش غيرهم من الأحياء، وليس لهم أعين يبصرون بها كما تبصرون. وليس لهم آذان يسمعون بها كما تسمعون، فكيف تدعون من هم على هذه الصفة من سلب الأدوات وبهذه المنزلة من العجز. وأم في هذه المواضع هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة كما ذكره أئمة النحو والإضراب المفاد ببل انتقال من توبيخ إلى توبيخ آخر، والبطش هو الأخذ بقوة وعنف. ثم لما بين لهم حال هذه الأصنام وتعاور وجوه العجز والنقص لها من كل باب أمره الله بأن يقول لهم (قل ادعوا شركاءكم) الذين تزعمون أن لهم قدوة على النفع والضرر واستعينوا بهم في عداوتي حتى يتبين عجزها (ثم كيدون) أنتم وهم جميعاً بما شئتم من وجوه الكيد (فلا تنظرون) أي فلا تمهلوني ولا تؤخروا إنزال الضرر بي من جهتها والكيد المكر، وليس بعد هذا التحدي لهم والتعجيز لأصنامهم شيء.

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196) وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (197) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198) خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) ثم قال: قل لهم

196

(إن ولييَ الله الذي نزل الكتاب) أي كيف أخاف هذه الأصنام التي هذه صفتها ولي وليّ ألجأ إليه وأستنصر به وهو الله عز وجل، وهذه الجملة تعليل لعدم المبالاة بها وولي الشيء هو الذي يحفظه ويقوم بنصرته وممنع منه الضرر والكتاب هو القرآن أي أوحى إلي وأعزني برسالته (وهو) الذي (يتولى الصالحين) أي يحفظهم وينصرهم ويحول بينهم وبين أعدائهم والصالحون هم الذين لا يعدلون بالله شيئاً ولا يعصونه وفي هذا مدح للصلحاء وأن من سنته نصرهم.

197

(والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون) كرر سبحانه هذا لمزيد التأكيد والتقرير ولما في تكرار التوبيخ والتقريع، من الإهانة للمشركين والتنقص بهم وإظهار سخف عقولهم، وركاكة أحلامهم وقيل الأولى على جهة التقريع والتوبيخ، والأخرى على جهة الفرق بين من تجوز له العبادة وبين هذه الأصنام وبالجملة هو من تمام التعليل لعدم مبالاته بهم المفهوم من السوق فهماً جلياً.

198

(وإن تدعوهم) أي المشركين قاله الحسن وقيل أي الأصنام (إلى الهدى لا يسمعوا) دعاءكم لأن آذانهم قد صمت عن سماع الحق فضلاً عن المساعدة والإمداد، وهذا أبلغ من نفي الاتباع (وتراهم) الرؤية بصرية (ينظرون إليك) أي يقابلونك كالناظر.

(وهم) أي حال كونهم (لا يبصرون) جملة مبتدأة لبيان عجزهم عن الإبصار بعد بيان عجزهم عن السمع وبه يتم التعليل فلا تكرار أصلاً أو جملة حالية والمراد الأصنام أي أنهم يشبهون الناظرين ولا أعين لهم يبصرون بها قيل كانوا يجعلون للأصنام أعيناً من جواهر مصنوعة فكانوا بذلك في هيئة الناظرين ولا يبصرون. وقيل المراد بذلك المشركون أخبر الله عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم وإن أبصروا بها غير ما فيه نفعهم.

199

(خذ العفو) لما عدد الله سبحانه من أحوال المشركين ما عدده وتسفيه رأيهم وضلال سعيهم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يأخذ العفو من أخلاقهم، يقال أخذت حقي عفواً أي سهلاً. وهذا نوع من التيسير الذي كان يأمر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الصحيح أنه كان يقول: " يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا " (¬1)، والمراد بالعفو هنا ضد الجهد وقيل الفضل وما جاء بلا كلفة والعفو التساهل في كل شيء وقيل المراد خذ العفو من صدقاتهم ولا تشدد عليهم فيها وتأخذ ما يشق عليهم وكان هذا قبل نزول فريضة الزكاة، عن عبد الله بن الزبير قال: ما نزلت هذه الآية إلا في أخلاق الناس، رواه البخاري قال مجاهد: خذ العفو من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تجسيس. (وأمر بالعرف) أي بالمعروف وقرئ بالعرف بضمتين وهما لغتان والعرف والمعروف والعارفة كل خصلة حسنة ترتضيهما العقول وتطمئن إليها النفوس وكل ما يعرفه الشارع، وقال عطاء: وأمر بقول لا إله إلا الله والعموم أولى. (وأعرض عن الجاهلين) أي إذا أقمت الحجه عليهم في أمرهم بالمعروف فلم يفعلوا فأعرض عنهم ولا تمارهم ولا تسافههم مكافأة لما يصدر ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 7942.

منهم من المراء والسفاهة، وقيل وهذه الآية هي من جملة ما نسخ بآية السيف قاله عطاء وابن زيد. وقيل هي محكمة قاله مجاهد وقتادة وقيل أول هذه الآية وآخرها منسوخ وأوسطها محكم، قال الشعبي: لما أنزل الله هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا يا جبريل قال: لا أدري حتى أسأل العالم فذهب ثم رجع فقال: إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك أخرجه ابن جرير وابن المنذر وغيرهما (¬1)، وعن قيس بن سعد بن عبادة قال: لما نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حمزة بن عبد المطلب قال: والله لأمثلن بسبعين منهم فجاءه جبريل بهذه الآية أخرجه ابن مردويه. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 277.

200

(وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) النزغ الوسوسة وكذا الغز والنخس والنسغ، قال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون ومن الشيطان أدنى وسوسة، وأصل النزغ الفساد يقال نزغ بيتاً أي أفسد، وقيل النزغ الإغواء والمعنى متقارب، أمر الله سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم - إذا أدرك شيئاً من وسوسة الشيطان أن يستعيذ بالله ويلجأ إليه في دفعه عنه، وقيل: إنه لما نزل قوله خذ العفو قال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف يا رب بالغضب (¬1)، فنزلت هذه الآية وفي الآية استعارة تبعية حيث شبه الإغراء على المعاصي بالنزغ واستعير النزغ للإغراء ثم اشتق منه ينزغنك. وجملة (إنه سميع عليم) علة لأمره بالاستعاذة أي استعذ به والتجىء إليه فإنه يسمع ذلك منك ويعلم به، وقيل الخطاب لكل أحد والأول أولى، والكلام خرج مخرج التقدير والفرض فلا يقال: لو كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوماً لم يكن للشيطان عليه سبيل حتى ينزغ في قلبه ويحتاج إلى الاستعاذة. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 278.

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)

201

(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا) مقررة لمضمون ما قبلها أي: إن شأن الذين يتقون الله وحالهم هو التذكر لما أمر الله به من الاستعاذة والالتجاء إليه عند أن يمسهم طائف من الشيطان وإن كان يسيراً وقرئ طيف مخففاً ومشدداً قال النحاس: كلام العرب في مثل هذا طيف بالتخفيف على أنه مصدر من طاف يطيف، وقال الكسائي هو مخفف مثل ميت وميت. قال النحاس: ومعناه في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم وكذا معنى طائف وقيل معنيان مختلفان فالأول التخيل، والثاني الشيطان نفسه فالأول من طاف الخيال يطوف طيفاً، ولم يقولوا من هذا طائف، قال السهيلي: لأنه تخيل لا حقيقة له وأما قوله (فطاف عليهم طائف من ربك) فلا يقال فيه طيف لأنه اسم فاعل حقيقة. قال الزجاج: طفت عليهم أطوف وطاف الخيال يطيف، وسميت الوسوسة والجنون والغضب طيفاً لأنها لمة من الشيطان تشبه لمة الخيال. وذكر في الآية الأولى النزغ وهو أخف من الطيف لأن حالة الشيطان مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أضعف من حاله مع غيرهم، وقال ابن عباس: الطيف الغضب، وقرأ سعيد بن جبير تذكروا بتشديد الذال قال النحاس: ولا وجه له في العربية، وقال السدي: تذكروا أي إذا زلوا تابوا، وقيل معناه عرفوا ما حصل لهم من وسوسة الشيطان وكيده، وقال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب فيذكر الله فيكظم، وقال مجاهد: هو الرجل يلم بالذنب فيذكر الله فيقوم ويدعه. (فإذا هم) بسبب التذكر (مبصرون) أي منتهون عن المعصية آخذون

بأمر الله عاصون للشيطان، قاله ابن عباس وقيل على بصيرة، وقيل: إنهم يبصرون مواقع الخطأ بالتذكر والتفكير وقيل مبصرون الحق من غيره فيرجعون.

202

(وإخوانهم يمدونهم) قيل المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلّال الإنس، على أن الضمير في إخوانهم يعود إلى الشيطان المذكور سابقاً والمراد به الجنس فجاز إرجاع ضمير الجمع إليه، والمعنى تمدهم الشياطين (في الغي) وتكون مدداً لهم، وهذا التأويل هو قول الجمهور وعليه عامة المفسرين، قال الزمخشري: هو أوجه لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا. وقيل المعنى الشياطين الذين هم إخوان الجاهلين أو غير المتقين يمدون الجاهلين، أو غير المتقين في الغي، وهذا تفسير قتادة، وقيل المعنى وإخوان الشياطين في الغي وهو الجهل بخلاف الأخوة في الله تعالى يمدونهم أي بطاعتهم لهم وقبولهم منهم. قال ابن عباس في الآية: هم الجن يوحون إلى أوليائهم من الإنس، وسميت الفجار من الإنس إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم ويقتدون بهم، وقال الزجاج: المعنى والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصراً ولا أنفسهم ينصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي لأن الكفار إخوان الشياطين. وعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير، قال الكلبي: لكل كافر أخ من الشياطين يطيل له في الإغواء حتى يستمر عليه، وقيل يزيدونهم من الضلالة يقال مد وأمد وهما لغتان قال مكي ومد أكثر، وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة: إنه يقال إذا كثّر شيء شيئاً بنفسه مده وإذا كثره بغيره قيل أمده نحو يمددكم ربكم، وقيل يقال مددت في الشر، وأمددت في الخير. (ثم لا يقصرون) الإقصار الانتهاء عن الشيء وقال ابن عباس: لا يسأمون والمعنى: لا يقصر الشياطين في مدّ الكفار في الغي ولا يكفون عن الضلالة ولا يتركونها والكافر لا يتذكر ولا يرعوي، وقال ابن عباس: لا الإنس يمسكون عما يعملون من السيئات ولا الشياطين تمسك عنهم، وعلى هذا يحمل قوله لا يقصرون على فعل الإنس والشياطين جميعاً.

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)

203

(وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ) أى أهل مكة (بِآيَةٍ) مما اقترحوا (قَالُوا لَوْلَا) هلا (اجتبيتها) يقال اجتبى الشئ جباه لنفسه أى جمعه أي هلا جمعتها افتعالاً لها من عند نفسك، وقيل لولا أحدثتها لولا تلقيتها فأنشأتها، قاله ابن عباس، وقيل المعنى اختلقتها يقال اجتبيت الكلام انتحلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك، كانوا يقولون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تراخى الوحي هذه المقالة فأمره الله بأن يجيب عليهم بقوله. (قل) لست ممن يأتي بالآيات من قبل نفسه ويقترح المعجزات كما تزعمون بل (إنما أتبع ما يوحي إليّ من ربي) فما أوحاه إليّ وأنزله عليّ أبلغته إليكم. (هذا) أي القرآن المنزل علي هو (بصائر من ربكم) يتبصر بها من قبلها جمع بصيرة وقيل البصائر الحجج والبراهين، وقال الزجاج الطرق ولما كان القرآن سبباً لبصائر العقول، أطلق عليه اسم البصائر فهو من باب تسمية السبب باسم المسبب والبصيرة الحجة، والاستبصار في الشيء، قال الأخفش: جعله هو البصيرة كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك. (وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) أي هو بصائر وهدى يهتدي به المؤمنون ورحمة لهم، وذلك أن الناس متفاوتون في درجات العلوم فمنهم من بلغ الغاية في علم التوحيد حتى صار كالمشاهد، وهم أصحاب عين اليقين، ومنهم من بلغ درجة الاستدلال والنظر وهم أصحاب علم اليقين، ومنهم المسلم المستسلم وهم عامة المؤمنين وأصحاب حق اليقين.

فالقرآن للأولين بصائر وللمستدلين هدى ولعامة المؤمنين رحمة، وقال أبو السعود كون القرآن بمنزلة البصائر للقلوب متحقق بالنسبة إلى الكل، وبه تقوم الحجة على الجميع، وأما كونه هدى ورحمة فمختص بالمؤمنين به إذ هم المقتبسون من أنواره والمغتنمون بآثاره والجملة من تمام القول المأمور به انتهى.

204

(وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) يحتمل أنه من عند الله مستأنف ويحتمل أنه من جملة المقول المأمور به، أمرهم الله سبحانه بالاستماع للقرآن والإنصات له عند قراءته لينتفعوا به ويتدبروا ما فيه من الحكم والمصالح وقال أبو البقاء: الضمير لله بمعنى لأجله وفيه بعد. قيل هذا الأمر خاص بوقت الصلاة عند قراءة الإمام ولا يخفاك أن اللفظ أوسع من هذا والعام لا يقتصر على سببه فيكون الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل حالة وعلى أي صفة مما يجب على السامع، وقيل هذا خاص بقراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم للقرآن دون غيره ولا وجه لذلك، وظاهر الأمر الوجوب، وهو قول الحسن وأهل الظاهر وقيل الندب والاستحباب. قال أبو هريرة: نزلت في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة وفي لفظ عنه أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم فأمروا بالسكوت، وإليه ذهب جمهور المفسرين كما في المعالم والكشاف وأنوار التنزيل وحاشية الكمالين وغيرها، وقال ابن عباس: يعني في الصلاة المفروضة وعن محمد بن كعب القرظي ومجاهد وعبد الله بن مغفل وابن مسعود نحوه. وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف، وصرحوا بأن هذه الآية نزلت في قراءة الصلاة من الإمام، وعن الحسن قال: عند الصلاة المكتوبة وعند الذكر، وعن ابن عباس في الصلاة وحين ينزل الوحي، وقيل نزلت في السكوت عند الخطبة يوم الجمعة، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء واختاره جماعة وفيه بعد، لأن الآية مكية، والجمعة إنما وجبت بالمدينة والأول أولى، وقال ابن عباس في الجمعة والعيدين.

وقال الرازي: إنه خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج بكونه معجزاً على صدق نبوته، وعند هذا يسقط احتجاج الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه، ثم ذكر ما يقوى أن حمل الآية على ما ذكر أولى بوجوه. وقال لو حملنا الآية على منع المأموم من القراءة خلف الإمام فسد النظم واختل الترتيب فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى، وهذه الآية لا دلالة فيها على هذه الحالة انتهى. وأشار القاضي إلى أن احتجاجهم بهذه الآية ضعيف، وقال بعض محشيه: أي مردود بخبر الصحيحين لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب انتهى. أقول: رواه الجماعة عن عبادة بن الصامت وفي لفظ: " لا تجزى صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، " (¬1) رواه الدارقطني وقال إسناده صحيح وصححه ابن القطان ولها شاهد من حديث أبي هريرة بهذا اللفظ مرفوعاً، أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ولأحمد بلفظ: " لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن " وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي وعن أبي قتادة عند أبي داود والنسائي وعن ابن عمر وجابر عند ابن ماجة، وعن علي عند البيهقي وعن عائشة وأبي هريرة. والحديث يدل على تعيين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لا يجزي غيرها، وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء والتابعين ومن بعدهم وهو مذهب العترة لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا الكمال لأن الصحة أقرب المجازين، والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب وتوجُّه النفي إلى الذات ههنا ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها ¬

(¬1) الدارقطني كتاب الصلاة 1/ 322.

الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية، وإذا كان المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات. ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية لكان المتعين توجه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال لأنها أقرب المجازين، ولأن الرواية المتقدمة مصرحة بالإجزاء فيتعين تقديره. وإذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط صحة الصلاة لا من واجباتها فقط لأن عدمها يستلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط، وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن، قاله النووي: والصواب ما قاله الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءتها لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطاً في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا يتم الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) فالفرض قراءة ما تيسر، وتعين الفاتحة إنما ثبت بالحديث فيكون واجباً يأثم من يتركه وتجزى الصلاة بدونه. وهذا تأويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع لا يجزى كذا ولا يقبل كذا ولا يصح كذا ويقول المتمسكون بهذا الرأي يجزى ويقبل ويصح، ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي والكلام في ذلك تعقباً ورداً يطول جداً وقد قضى الوطر منه الشوكاني في نيل الأوطار فراجعه. ومن أدلتهم حديث أبي سعيد بلفظ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها (¬1)، قال ابن سيد الناس لا ندري بهذا اللفظ من أين جاء، وقد صح ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 7389.

عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال: أمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، ورواته ثقات، وقال ابن سيد الناس إسناده صحيح ورجاله ثقات وصححه الحافظ أيضاً. ومن أدلتهم حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ: لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قاله النسائي، وقال أحمد ليس بقوي في الحديث، وقال ابن عدي يكتب حديثه في الضعفاء. وأيضاً قد روى أبو داود هذا الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة فما زاد، ورواه أحمد وليست الرواية الأولى بأولى من هذه. وأيضاً أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها. وقد نسب القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح إلى الجمهور، ورواه ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن علي وجابر وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور، قال وإليه ذهب أحمد وداود، وبه قال مالك إلا في الناسي. واستدلوا أيضاً على ذلك بما وقع عند الجماعة واللفظ للبخاري من قوله صلى الله عليه وآله وسلم للمسيء: ثم افعل ذلك في صلاتك كلها، بعد أن أمره بالقراءة وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسيء صلاته أنه قال في آخره: ثم افعل ذلك في كل ركعة. وهذا الدليل إذا ضممته إلى قوله في حديث المسيء ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم حملته على الفاتحة لما تقدم انتهض ذلك للاستدلال به على وجوب الفاتحة في كل ركعة وكان قرينة لحمل قوله في حديث المسيء " ثم كذلك في كل صلاتك فافعل " على المجاز

وهو الركعة وكذلك حمل لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب عليه (¬1). ويؤيد وجوب الفاتحة في كل ركعة حديث أبي سعيد عند ابن ماجه بلفظ لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها، قال الحافظ وإسناده ضعيف (¬2)، وحديث أبي سعيد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، رواه إسمعيل بن سعيد الشاكنجي صاحب الإمام أحمد. وظاهر هذه الأدلة وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم وبين سر الإمام وجهره. ومن جملة المؤيدات لذلك ما أخرجه مالك في الموطأ والترمذي وصححه عن جابر موقوفاً قال: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام، وما أخرجه أحمد وابن ماجة عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج (¬3)، ومثله عن أبي هريرة عند ابن ماجة من طريق محمد بن إسحق وفيه مقال مشهور، ولكنه يشهد لصحته حديث أبي هريرة عند الجماعة إلا البخاري بلفظ: من صلى صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج (¬4)، ولا يقال إن الخداج معناه النقص. وهو لا يستلزم البطلان لأن الأصل أن الصلاة الناقصة لا تسمى صلاة حقيقة. وأما حديث أبي هريرة مرفوعاً: وإذا قرأ فأنصتوا، رواه الخمسة إلا الترمذي وقال مسلم هو صحيح فهو عام لا يحتج به على خاص. وأما حديث عبد الله بن شداد مرفوعاً: من كان له إمام فقراءة الإمام له ¬

(¬1) مسلم 397 - البخاري 461. (¬2) ضعيف الجامع الصغير 6313. (¬3) صحيح الجامع الصغير 6224. (¬4) مسلم 395.

قراءة رواه الدارقطني (¬1)، فقال في المنتقى وقد روي مسنداً من طرق كلها ضعاف والصحيح أنه مرسل انتهى، قال الدارقطني وهو الصواب، وقال الحافظ هو مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة، وقال في الفتح إنه ضعيف عند جميع الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني، وهو عام أيضاً لأن القراءة مصدر مضاف وهو من صيغ العموم وحديث عبادة في هذا الباب خاص فلا معارضة، وقال في شرح المنتقى هو حديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج به انتهى. وأما قوله تعالى: (فاستمعوا له وأنصتوا) فقد مر الجواب عنه وهو أيضاً عام وحديث عبادة خاص، ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة والآتية القاضية بوجوب قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمؤتم لأن البراءة عن عهدتها إنما تحصل بناقل صحيح لا بمثل هذه العمومات التي اقترنت بما يجب تقديمه عليها. وعن عبادة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرف قال: إني أراكم تقرأون وراء إمامكم قال قلنا يا رسول الله أي والله قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن فأنه لا صلاة لمن لا يقرأ بها رواه أبو داود والترمذي، وفي لفظ فلا تقرأوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن (¬2)، رواه أبو داود والنسائي والدارقطني، وقال رجاله كلهم ثقات. وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا يقرأن أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن (¬3)، رواه الدارقطني، وقال رجاله كلهم ثقات، وأخرجه أيضاً أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي من ¬

(¬1) الدارقطني كتاب الصلاة 1/ 403. (¬2) الدارقطني كتاب الصلاة 1/ 319. (¬3) الدارقطني كتاب الصلاة 1/ 320.

طريق ابن إسحق قال حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة، وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول. ومن شواهد ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد ابن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لعلكم تقرأون والإمام يقرأ قالوا إنا لنفعل، قال: لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب، قال الحافظ: إسناده حسن ورواه ابن حبان من طريق أيوب بن أبي قلابة عن أنس، وليست بمحفوظة ومحمد ابن إسحق قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة تدليسه، وتابعه من تقدم. قال الشوكاني: والحديث استدل به من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو الحق وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهراً لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه، ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتقرأون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه وأخرجه أيضاً الطبراني في الأوسط والبيهقي وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلاً. وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفاً فقال رجل نعم يا رسول الله، فقال إني أقول ما لي أنازع القرآن (¬1) قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال حديث حسن، وأخرجه أيضاً مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وابن ماجة وابن حبان. ¬

(¬1) صحيح الجامع الصغير 6913.

وقوله: " فانتهى الناس عن القراءة " مدرج في الخبر كما بينه الخطيب، واتفق عليه البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب ابن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم. قال النووي: وهذا مما لا خلاف فيه بينهم والاستدلال به على عدم قراءة المؤتم خلف الإمام خارج عن محل النزاع، لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف الإمام سراً والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره، وأيضاً لو سلم دخول ذلك في المنازعة لكان هذا الاستفهام الذي للإنكار عاماً لجميع القرآن أو مطلقاً في جميعه وحديث عبادة خاص أو مقيد. وقد أجاب المهدي في البحر عن حديث عبادة بأنه معارض بهذا الحديث وهي من معارضة العام بالخاص وهو لا يعارضه، أما على قول من قال من أهل الأصول إنه يبنى العام على الخاص مطلقاً وهو الحق فظاهر، وأما على قول من قال إن العام المتأخر عن الخاص ناسخ له وإنما يخصص المقارن والمتأخر بمدة لا يتسع فكذلك أيضاً لأن عبادة روى العام والخاص في حديثه، فهو من التخصيص بالمقارن فلا يعارض بالمقام على جميع الأقوال. وأما الاحتجاج بحديث جابر فلم يصل إلا وراء الإمام فهو مع كونه غير مرفوع: مفهوم لا يعارض بمثله منطوق حديث عبادة. وإذا تقرر لك هذا فقد عرفت مما سبق وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة وأدلة أهل الخلاف عمومات، وحديث عبادة خاص وبناء الخاص على العام واجب كما تقرر في الأصول، وهذا لا محيص عنه. والآية الكريمة وما على نحوها من القرآن والحديث لا دلالة فيها على المقصود فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو ركعة من الركعات بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة، ومن هنا يتبين

لك أيضاً ضعف ما ذهب إليه الجمهور من أن من أدرك الإمام راكعاً دخل معه واعتد تلك الركعة وإن لم يدرك شيئاً من القراءة. وحاصل الكلام أنه لا محيد عن تحتم المصير إلى القول بالفرضية بل القول بالشرطية. وقد اختلف أهل العلم في قراءتها هل تكون عند سكتات الإمام أو عند قراءته، وظاهر الأحاديث أنها تقرأ عند قراءة الإمام وفعلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط لأنه يجوز عند أهل الخلاف فيكون فاعل ذلك آخذاً بالإجماع وأما اعتياد قراءتها حال قراءة الإمام للفاتحة فقط أو حال قراءته للسورة فقط فليس عليه دليل بل الكل جائز وسنة. نعم قراءتها حال قراءة الإمام للفاتحة مناسب من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذي هو بعد التوجه، وتمام الكلام على هذا المرام في كتابنا هداية السائل إلى أدلة المسائل وغيره فراجعه. قال الشوكاني: واختلف في القراءة خلف الإمام سراً وجهراً وقد وردت السنة المطهرة بقراءة سورة الفاتحة خلفه مخرجة في الصحيحين وغيرهما فالآية في غير الفاتحة وقد جاءنا بها من جاء بالقرآن، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل (¬1). (لعلكم ترحمون) أي تنالون الرحمة وتفوزون بها بامتثال أمر الله سبحانه. ¬

(¬1) ذكر السيوطي في الدر 3/ 155. عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في الصلاة المكتوبة. فقرأ أصحابه وراءه رافعين صوتهم فنزلت هذه الآية.

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

205

(واذكر ربك في نفسك) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه غيره من أمته لأنه عام لسائر المكلفين قيل المراد بالذكر هنا ما هو أعم من القرآن وغيره من الأذكار التي يذكر الله بها وقال النحاس: لم يختلف في معنى هذا الذكر أنه الدعاء وقيل هو خاص بالقرآن أي اقرأ القرآن بتأمل وتدبر أمره. أن يذكره في نفسه سراً فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى حسن التفكر وأدعى للقبول. (تضرعاً وخيفة) أي متضرعاً وخائفاً أو متضرعين وخائفين أو ذوي تضرع وخيفة والخيفة الخوف قاله الجوهري وحكى الفراء أنه يقال في جمع خيفة خيف (ودون الجهر) أي دون المجهور به يعني متضرعاً وخائفاً ومتكلماًً بكلام هو دون الجهر (من القول) وفوق السر يعني قصداً بينهما (بالغدو والآصال) أي أوقات الغدوات وأوقات الأصائل، والغدو جمع غدوة بضم الغين وسكون الدال وهي من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس والآصال جمع أصيل قاله الزجاج والأخفش مثل يمين وأيمان. وقيل الأصال جمع أصل والأصل جمع أصيل، فهو على هذا جمع الجمع قاله الفراء وليس للقلة وليس جمعاً لأصيل لأن فعيلاً لا يجمع على أفعال، وقيل إنه جمع لأصل مفرداً كعنق، قال الجوهري: الأصيل الوقت من بعد العصر إلى المغرب وجمعه أصل وآصال وأصائل كأنه جمع أصيلة ويجمع أيضاً على أصلان مثل بعير وبعران. وقرأ أبو مجلز واسمه لاحق بن حميد السدوسي البصري وهي شاذة

والإيصال وهو مصدر آصل إذا دخل في الأصيل وهو مطابق للغدو في الإفراد والمصدرية، قال قتادة: الغدو صلاة الصبح والآصال الصلاة بالعشي وعن أبي صخر قال الآصال ما بين الظهر والعصر، وقال ابن زيد: بالبكر والعشي وقال مجاهد: الغدو آخر الفجر صلاة الصبح والآصال آخر العشي صلاة العصر. وخص هذين الوقتين لشرفهما ولأن الإنسان يقوم بالغداة من النوم الذي هو أخو الموت فاستحب له أن يستقبل حالة الانتباه من النوم بالذكر ليكون أول أعماله ذكر الله عز وجل، وأما وقت الآصال وهو أخر النهار فإن الإنسان يريد أن يستقبل النوم الذي هو أخو الموت فيستحب له أن يشغله بالذكر لأنها حالة تشبه الموت ولعله لا يقوم من تلك النومة فيكون موته على ذكر الله عز وجل. وقيل إن أعمال العباد تصعد أول النهار وآخره فيصعد عمل الليل عند صلاة الفجر، ويصعد عمل النهار بعد العصر إلى الغروب، فاستحب له الذكر في هذين الوقتين ليكون ابتداء عمله بالذكر واختتامه به، وقيل غير ذلك والمراد دوام الذكر لله. (ولا تكن من الغافلين) عن ذكر الله وعما يقربك إلى الله.

206

(إن الذين عند ربك) المراد بهم الملائكة قال القرطبي: بالإجماع قال الزجاج: وقال عند ربك والله عز وجل بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده فالمراد بالعندية القرب من الله بالزلفى والرضا لا المكانية أو المراد عند عرش ربك قاله الشهاب، والمراد بقوله والله بكل مكان أي علمه وقدرته وهو بائن من خلقه مستوي على عرشه كما وصف به نفسه في غير موضع من الكتاب العزيز. وقال القرطبي: يعني أنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله وقيل إنهم

رسل الله كما يقال عند الخليفة جيش كبير، وقيل هذا على جهة التشريف والتكريم لهم وأنهم بالمكان المكرم وهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة. (لا يستكبرون عن عبادته) أي لا يتعظمون عنها لأنهم عبيده ومعنى (ويسبحونه) يعظمونه وينزهونه عن كل شين (وله يسجدون) أي يخصونه بعبادة السجود التي هي أشرف عباده، وقيل المراد بالسجود الخضوع والذلة، وفي ذكر الملأ الأعلى تعريض لبني آدم، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن والأحاديث والآثار عن الصحابة في سجود التلاوة وعدد المواضع التي يسجد فيها وكيفية السجود وما يقال فيه مستوفاة في كتب الحديث والفقه فلا نطول بإيراد ذلك هنا (¬1). ¬

(¬1) وقيل: سبب نزول هذه الآية أن كفار مكة قالوا: أنسجد لما تأمرنا؟ فنزلت هذه الآية تخبر أن الملائكة وهم أكبر شأناً منكم، لا يتكبرون عن عبادة الله. وقد روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي ويقول: يا ويله، أُمر هذا بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فعصيت فلي النار ". رواه مسلم 1/ 87، وابن ماجة 1/ 334 عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأورده السيوطي في " الدر " 3/ 158 وزاد نسبته للبيهقي.

سورة الأنفال

سورة الأنفال بسم الله الرحمن الرحيم صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية لم يستثنوا منها شيئاً. وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء وعبد الله بن الزبير وزيد ابن ثابت. وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في بدر. وفي لفظ تلك سورة بدر. قال القرطبي وعنه: هي مدنية إلا سبع آيات من قوله: (واذ يمكر بك الذين كفروا) إلى آخرها. يعني فإنها مكيه. " قلت " وإن كانت في شأن الواقعة التي وقعت بمكة فلا يلزم أن تكون كذلك فالآيات نزلت بالمدينة تذكيراً بما وقع في مكة. فهذا القول ضعيف والأول هو الأصح. وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب كما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب.

بسم الله الرحمن الرحيم يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)

1

(يسألونك) يا محمد (عن الأنفال) جمع نفل محركاً وهو الغنيمة أي الغنائم لمن هي، وبه قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر، وأصل النفل الزيادة وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرماً على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهدين من أجر الجهاد. ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين والابتغاء ونبت معروف، والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب والنافلة ولد الولد لأنه زيادة على الولد. وهو سؤال استفتاء لأن هذا أول تشريع الغنيمة، وفاعل السؤال من حضر بدراً، وقال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب، وعن بمعنى من، وهذا لا ضرورة تدعو إليه، وقيل صلة ويؤيده قراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وغيرهم بدون عن، والصحيح أنها على إرادة حرف الجر. وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة في غنائم يوم بدر، فقال الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا رِدْءاً لكم تحت الرايات، ولو انكشفتم أي انهزمتم لفئتم أي لرجعتم إلينا، فنزع الله ما غنموه من أيديهم وجعله لله والرسول فقال: (قل) لهم (الأنفال لله والرسول) أي حكمها مختص بهما يقسمها بينكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر الله سبحانه حيث شاء، وليس لكم حكم في ذلك، فقسمها صلى الله عليه

وسلم بينهم على السواء، رواه الحاكم في المستدرك. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) فهي على هذا منسوخة، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن زيد: محكمة مجملة، وقد بين الله مصارفها في آية الخمس، وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس. (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) أي نفس ما بينكم، والذي بينهم هو الوصلة الإسلامية، فالبين هنا بمعنى الاتصال كما في قوله: (لقد تقطع بينكم) والبين يطلق على الضدين الاتصال والفراق، وذات هذا البين هي حاله أي الأمور التي تحققه بالمودة وترك النزاع (وأطيعوا الله ورسوله) أمرهم بالتقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، وقال: امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة (إن كنتم مؤمنين) بالله جوابه كما ذهب إليه أبو العباس المبرد وغيره أطيعوا الله السابق، إذ يجوز عندهم تقديم الجواب على الشرط، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه وهو أنه محذوف لدلالة ما قبله عليه. وفيه من التهييج والإلهاب والتنشيط للمخاطبين والحث لهم على المسارعة إلى الامتثال ما لا يخفى مع كونهم في تلك الحال على الإيمان فكأنه قال إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله لأن هذه الأمور الثلاثة لا يكمل الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلاً لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لهما ليس بمؤمن، قال عطاء: طاعة الله والرسول اتباع الكتاب والسنة. أخرجه ابن أبي حاتم.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

2

(إنما المؤمنون) جملة مستأنفة مسوقة لبيان من أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ذكر من الخلال الثلاث، وفيه مزيد ترغيب لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة، أي إنما الكاملون في الإيمان المخلصون فيه. (الذين إذا ذكر الله) أي وعيده (وجلت) أي فزعت وخضعت وخافت ورقت (قلوبهم) لذكر الله استعظاماً له وتهيباً من جلاله، والوجل الخوف والفزع، يقال وجل بالكسر في الماضي يوجل بالفتح، وقرئ كوعد يعد ويقال بإثبات الواو في المضارع، والمراد أن حصول الخوف من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله، فالحصر باعتبار كمال الإيمان لا باعتبار أصل الإيمان. قال جماعة من المفسرين: هذه الآية متضمنة للتحريض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمر به من قسمة الغنائم، ولا يخفاك أن هذا وأن صح إدراجه تحت معنى الآية من جهة أن وجل القلوب عند الذكر وزيادة الإيمان عند تلاوة آيات الله يستلزمان امتثال ما أمر به سبحانه. من كون الأنفال لله والرسول. ولكن الظاهر أن مقصود الآية هو إثبات هذه المزية لمن كمل إيمانه من غير تقييد بحال دون حال، ولا بوقت دون وقت، ولا بواقعة دون واقعة. وعن ابن عباس: وجلت فرقت، وقال المنافقون: لا يدخل قلوبهم شيء

من ذكر الله عند أداء فرائضه ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون على الله ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) فأدوا فرائضه. وعن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر ابن حوشب أما تجد قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك، وقال ثابت البناني: قال فلان إني لأعلم متى يستجاب لي، قالوا: ومن أين لك؟ قال: إذا اقشعر جلدي ووجل قلبي وفاضت عيناي فذلك حين يستجاب لي. وعن عائشة قالت: ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك، وعن السدي قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فيجل قلبه، فإن قيل، قال: هنا وجلت قلوبهم وقال في آية أخرى (وتطمئن قلوبهم) فكيف الجمع بينهما، قلت: الاطمئنان بذكره بصفات الجمال، والوجل إنما هو بذكر وعيده. (وإذا تليت عليهم آياته) المراد من التلاوة الآيات المنزلة أو التعبير عن بديع صنعته وكمال قدرته في آياته التكوينية بذكر خلقها البديع وعجائبها التي يخشع عند ذكرها المؤمنون (زادتهم ايماناً) أي تصديقاً، قاله ابن عباس، وعن الربيع بن أنس قال خشية، والمراد بزيادة الإيمان هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانفلاح الخاطر عند تلاوة الآيات. وقيل المراد بها زيادة العمل لأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه، والآية صريحة في زيادة الإيمان، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان (¬1)، أخرجه الشيخان. وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى، وإذا كان كذلك كان قابلاً للزيادة والنقصان، قال الواحدي عن عامة أهل العلم: إن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد، قال الكرخي: إن نفس التصديق يقبل القوة وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمة. ويؤيد ذلك قول عليّ رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، وكذا من قام عليه دليل واحد ومن قامت عليه أدلة كثيرة لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وعليه يحمل ما نقل عن الشافعي من أنه يقبل الزيادة والنقص، فلا يرد كيف قال ذلك مع أن حقيقة الإيمان عند الأكثر لا تزيد ولا تنقص كالإلهية والوحدانية اهـ. وقيل المعنى أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد وتصديق جديد فكان ذلك زيادة في إيمانهم. (وعلى ربهم يتوكلون) التوكل على الله تفويض الأمر إليه في جميع الأمور قال ابن عباس: لا يرجون غيره، وعلى بمعنى الباء ويتوكلون بمعنى يثقون، وتقديم المعمول للحصر، وقال السمين التقديم يفيد الأختصاص أي عليه لا على غيره والجملة في محل الحال أو مستأنفة أو معطوفة على الصلة. ¬

(¬1) مسلم/59 - البخاري/31.

3

(الذين يقيمون الصلاة) المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها، ومن في (ومما) للتبعيض (رزقناهم ينفقون) ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج والجهاد وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والقربات، وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل الخير وأساسه.

4

أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) (أولئك) أي المتصفون بالأوصاف المتقدمة (هم المؤمنون) أي الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلى درجاته وأقصى غاياته (حقاً) أي حق ذلك حقاً أو ايماناً حقاً يعني يقيناً لا شك في إيمانهم وصدقاً لا ريب فيه، قال ابن عباس: برئوا من الكفر، وحقاً أي خالصاً وقيل التقدير حقاً لهم درجات، وهذا إنما يجوز على رأي ضعيف أعني تقديم المصدر المؤكد لمضمون جملة عليها. وقد استدل بظاهر هذه الآية أبو حنيفة ومن قال بقوله أنه يجوز أن يقول أنا مؤمن حقاً ولا يجوز الاستثناء، وأجيب عنه بأن الاستثناء ليس على طريق الشك بل للتبرك كقوله: وأنا إن شاء الله بكم لاحقون مع العلم القطعي أنه لاحق بهم أو المراد صرف الاستثناء إلى الخاتمة، والنزاع عند التحقيق لفظي كما تقرر في موطنه، وإنما حكم سبحانه بكونهم مؤمنين حقاً في هذه الآية إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة كما يفيده لفظة إنما لأنها للحصر. (لهم درجات) يعني فضائل ورحمة، قاله سعيد بن جبير، وعن مجاهد قال: أعمال رفيعة، وقال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الأسفل فضل أحد عليه، ذكر ما أعد لمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف من الكرامة فقال لهم منازل خير وكرامة وشرف في الجنة كائنة (عند ربهم) وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم وتعظيم وتفخيم. (ومغفرة) لذنوبهم، وعن ابن زيد قال: بترك الذنوب (ورزق كريم) دائم مستمر يكرمهم الله به من واسع فضله وفائض جوده، وعن ابن زيد قال: هو الأعمال الصالحة، وعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا سمعتم الله يقول: (ورزق كريم) فهي الجنة.

5

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) (كما أخرجك ربك) قال الزجاج: أي الأنفال ثابتة لك مثل إخراج ربك، وبه قال المبرد، والمعنى امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئاً قال: بقي أكثر الناس بغير شيء، فموضع الكاف نصب، وقال أبو عبيدة: هو قسم أي والذي أخرجك فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى الذي. وقال الأخفش: المعنى أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك، وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك، وقيل الكاف كاف التشبيه على سبيل المجازاة، وقيل بمعنى على أي امض على الذي أخرجك فإنه حق، وقيل بمعنى إذ أي اذكر يا محمد إذ أخرجك. وقيل هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ذكره صاحب الكشاف، وقال السمين فيه عشرون وجهاً، (الثاني) منها أن تقديره أصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. (الثالث) تقديره وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك (الرابع) تقديره يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك (السادس عشر) منها تقديره قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقاً (السابع عشر) أن التشبيه وقع بين إخراجين اهـ. (من بيتك) أي المدينة أو بيتك الذي بها (بالحق) أي إخراجاً متلبساً بالحق لا شبهة فيه وقال مجاهد كما أخرجك ربك من بيتك بالحق كذلك

يجادلونك في خروج القتال، وعن السدى قال: خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، وقيل المراد إخراجه من مكة إلى المدينة للهجرة، والأول أولى، وبه قال جمهور المفسرين. وقيل هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له فأنجز وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك، ذكره النحاس واختاره، وفي الجمل أي أخرجك من المدينة لتأخذ العير التي مع أبي سفيان أي فتغنمها فأصل خروج النبي والمؤمنين لأجل أن يغنموا القافلة فلم تكن في خروجهم كراهة وإنما عرضت لهم الكراهة بعد الخروج قريب بدر لما أخبروا أن العير نجت منهم وأن قريشاً أتوا إلى بدر. وأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يمضون إلى قتال قريش الذين خرجوا ليذبوا المسلمين عن القافلة فكره المسلمون القتال لا عصياناً بل بالطبع، حيث خرجوا من غير استعداد للقتال لا بعدد ولا بعدة، وإنما كان أصل خروجهم لأخذ الغنيمة لقوله: (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون) حال مقدرة لما علمت أن الكراهة لم تقارن الخروج وقيل أي كما أخرجك في حال كراهتهم لذلك لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين إما العير أو النفير، رغبوا في العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال وكرهوه لقلة عددهم وسلاحهم وكثرة عدوهم وسلاحهم، وفي (لكارهون) مراعاة معنى الفريق.

يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)

6

(يجادلونك) ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين وفات العير وأمرهم بقتال النفير ولم يكن معهم كثير أهبة لذلك شق عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة وأكملنا الأهبة، والجملة مستأنفة أو حال ثانية أي أخرجك حال مجادلتهم أو حال من الضمير في (لكارهون) أي لكارهون في حال الجدال، والضمير يجوز أن يعود على الكفار وجدالهم ظاهر، والظاهر أنه يعود على الفريق المتقدم. (في الحق) أي في القتال (بعد ما تبين) لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله، أو بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم بالظفر بإحدى الطائفتين وأن العير إذا فاتت ظفروا بالنفير (كأنما يساقون إلى الموت) أي حال كونهم في شدة فزعهم من القتال يشبهون حال من يساق بالعنف والصغار ليقتل (وهم ينظرون) يعني إلى الموت كمن هو مشاهد لأسباب قتله ناظر إليها بعينه لا يشك فيها، والجامع بينهما الكراهة في كل.

7

(وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين) أي واذكروا وقت وعد الله إياكم وأمرهم بتذكر الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث لقصد المبالغة، والطائفتان هما فرقة أبي سفيان مع العير، وفرقة أبي جهل مع النفير. (أنها) أي إحدى الطائفتين مسخرة (لكم) وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر وغنيمة لا يطيقون لكم دفعاً، ولا يملكون لأنفسهم منكم ضراً ولا نفعاً، وفي هذه الجملة تذكير لهم بنعمة من

النعم التي أنعم الله بها عليهم. (وتودون) أي تريدون وتتمنون، معطوف على يعدكم من جملة الحوادث التي أمروا بذكر وقتها (أن غير ذات الشوكة) من الطائفتين وهي طائفة العير التي ليس فيها قتال ولا شوكة (تكون لكم) دون ذات الشوكة وهي طائفة النفير، قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد، والشوكة السلاح والنبت الذي له حد، ومنه رجل شائك السلاح أي حديد السلاح ثم يقلب فيقال شاكي السلاح فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك. والمعنى: وتودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح وهي طائفة العير لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها، قال الضحاك: وهي عير أبي سفيان، ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صرف عنهم. (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) وهو من جملة ما أمروا بذكر وقته أي ويريد الله غير ما تريدون وهو أن يحق الحق بإظهاره لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم وراموا دفعكم بها، والمراد بالكلمات الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم منه بالظفر بها، وقيل الكلمات عداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه، وقيل أسباب النصر مثل نزول الملائكة وأوامره لهم بالإمداد. (ويقطع دابر الكافرين) الدابر الآخر، وقطعه عبارة عن الاستئصال، والمعنى ويستأصلهم جميعاً حتى لا يبقى منهم أحد.

لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)

8

(ليحق الحق ويبطل الباطل) هذه الجملة علة لما يريده الله أي أراد ذلك أو يريده ليظهر الحق ويرفعه وهو الإسلام، ويبطل الباطل، ويضعه وهو الكفر، أو فعل ذلك ليحق الحق. وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين، وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك، والعلة المقتضية له والمصلحة المترتبة عليه، وقيل لا يقال فيه تحصيل الحاصل إذ المراد بالحق الإيمان، وبالباطل الشرك وقيل المراد بالأول تثبيت ما وعد به في هذه الواقعة من النصرة والظفر بالأعداء، وبالثاني تقوية الدين وإظهار الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم، ومن قهر الكافرين مع كثرتهم كان سبباً لإعزاز الدين وقوته ولهذا قرنه بقوله ويبطل الباطل. (ولو كره) أن يحق الحق ويبطل الباطل (المجرمون) أي المشركون من قريش أو جميع طوائف الكفار، ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث والسير والتواريخ مستوفاة فلا نطيل بذكرها.

9

(إذ تستغيثون ربكم) أي اذكروا وقت استغاثتكم، تذكير لهم بنعمة أخرى والمقام للماضي، وإنما عبر بالمضارع حكاية للحال الماضية أي إذ تستغيثون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر، والاستغاثة طلب الغوث يقال استغاثني فلان فأغثته والاسم الغياث. والمعنى أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال الطائفة ذات الشوكة

وهم النفير كما أمرهم الله بذلك وأراده منهم، ورأوا كثرة عدد النفير وقلة عددهم استغاثوا بالله سبحانه، وهو معنى قول الأزهري، وقيل المستغيث هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أن عدد المشركين يوم بدر ألف، وعدد المسلمين ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى ذلك استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض "، فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبية ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل هذه الآية (¬1). (فاستجاب لكم) عطف على (تستغيثون) داخل معه في التذكير وهو وإن كان مستقبلاً فهو بمعنى الماضي ولهذا عطف عليه استجاب (أني) أي بأني (ممدكم) بوعدي إياكم بالإمداد وذلك لأنه وقت الإجابة لم يحصل الإمداد بالفعل لأن الدعاء واستجابته كانا قبل وقوع القتال. (بألف من الملائكة مردفين) قرئ بكسر الدال وفتحها وهما واضحتان لأنه يروى في التفسير أنه كان وراء كل ملك ملك رديفاً له، فقراءة الفتح تشعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم وقراءة الكسر تشعر بأن الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصح التعبير باسم الفاعل تارة واسم المفعول أخرى. وجعل أبو البقاء مفعول مردفين بالكسر محذوفاً أي مردفين أمثالهم، ويجوز أن يكون معنى الإرداف المجيء بعد الأوائل أي جعلوا ردفاً للأوائل، قاله السمين. ¬

(¬1) مسلم/1763.

وقد قيل أن ردف وأردف بمعنى واحد، وأنكره أبو عبيدة قال لقوله تعالى: (تتبعها الرادفة) ولم يقل المردفة، قال ابن عباس: مردفين متتابعين، وعنه قال: المدد، وعنه قال: وراء كل ملك ملك، وعن الشعبي قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين وكانوا أربعة آلاف وهم مدد المسلمين في ثغورهم. وقال مجاهد: مردفين مجدين، وقال قتادة: متتابعين أمدهم الله بألف ثم بثلاثة ثم أكملهم خمسة آلاف، وعن علي قال: نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وعن مجاهد قال: ما أمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذكر الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف إلا بشرى، قال في الجمل: لم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل كما وقع في حنين.

10

(وما جعله الله) أي الإمداد المدلول عليه بقوله أني ممدكم (إلا بشرى) أي بشارة لكم بنصره وهو استثناء مفرغ أي ما جعل إمدادكم بشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر (ولتطمئن به) أي بالإمداد (قلوبكم) وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم ولتثبت قلوبهم يعني بنزول الملائكة، قال قتادة: وذكر لنا أن عمر قال أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم. (وما النصر إلا من عند الله) لا من عند غيره ليس للملائكة في ذلك أثر فهو الناصر على الحقيقة وليسوا إلا سبباً من أسباب النصر التي سببها الله لكم وأمدكم بها، وفيه تنبيه على أن الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله في جميع أحواله ولا يثق بغيره فإن الله تعالى بيده الظفر والإعانة (إن الله عزيز) لا يغالب (حكيم) في كل أفعاله.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)

11

(إذ يغشيكم) الفاعل هو الله وفيه ثلاث قراآت سبعية يغشاكم كيلقاكم من غشيه: إذا أتاه وأصابه، ويغشيكم من أغشاه أي أنزله بكم وأوقعه عليكم، ويغشيكم من غشاه تغشية غطاه، وقيل الفاعل (النعاس أمنة منه) وهو النوم الخفيف والأكثر على الأول وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها عليهم، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدو والمهابة لجانبه، سكن الله قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها. قيل وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان. أحدهما: أنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. والثاني: أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم، وقيل أن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران. عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح، قال مجاهد: أمنة منه أي أمنا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم. وقال قتادة: رحمة منه أمنة من العدو، وعنه قال: النعاس في الرأس والنوم في القلب، وعنه قال: كان النعاس أمنة من الله وكان النعاس نعاسين يوم بدر ويوم أحد، وقال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، وقيل أن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة.

(وينزل عليكم من السماء ماء) هذا المطر كان بعد النعاس وقيل قبله، وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم فأنزل الله المطر ليلة بدر. والذي في سيرة ابن إسحق وغيره أن المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر وأنه منع قريشاً من السبق إلى الماء مطر عظيم، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شد لهم دهس الوادى وأعانهم على المسير، وقال مجاهد: المطر أنزله الله عليهم قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار والتبدت به الأرض وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهساً وأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. (ليطهركم به) أي ليرفع عنكم الأحداث والجنابة، عن ابن عباس: أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمأ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وقد قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء، وهذا المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي وهو ضعيف جداً. (ويذهب عنكم رجز الشيطان) أي وسوسته لكم بما كان قد سبق إلى قلوبكم من الخواطر التي منها الخوف والفشل حتى كانت حالكم حال من يساق إلى الموت، والرجز في الأصل العذاب الشديد، وأريد به هنا نفس وسوسة الشيطان مجازاً لمشقتها على أهل الإيمان كما قيل كل ما اشتدت مشقته على النفوس فهو رجز. (وليربط على قلوبكم) بالنصر واليقين فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب، والربط في اللغة الشد، وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه عليه، قيل لفظة على صلة كذا في الوسيط وقيل للإستعلاء أي أن القلوب

امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها ذكره الواحدي. (ويثبت به) أي بالماء الذي أنزله الله عند الحاجة اليه، وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل (الأقدام) أي أقدامكم في مواطن القتال ومعارك الجدال، وقال قتادة: كان الوادي دهاساً فلما مطروا اشتدت الرملة وسهل المشي عليه لأن العادة أن المشي في الرمل عسر فإذا نزل عليه الماء وجمد سهل المشي ولم يبق فيه غبار يشوش على الماشي فيه.

12

(إذ يوحي ربك) أي اذكر يا محمد وقت إيحاء ربك لأنه لا يقف على ذلك سواه وقيل يثبت الأقدام وقت الوحي، وليس لهذا التقييد معنى، وقيل العامل فيه ليربط، ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء (إلى الملائكة) الذين أمد بهم المسلمين (أني معكم) بالنصر والمعونة. عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال لي أبي: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليسير سيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحترق به. (فثبتوا الذين آمنوا) أي بشروهم بالنصر والظفر أو ثبتوهم على القتال بالحضور معهم وتكثير سوادهم، أو قووا قلوبهم، وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. واختلفوا في كيفية هذه التقوية والتثبيت فقيل كما أن الشيطان له قوة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير، ويسمى ما يلقي الشيطان وسوسة، وما يلقي الملك لمة وإلهاماً فهذا هو التثبيت. (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب) أي الخوف فلا يكون لهم ثبات، وقد تقدم بيان معنى القاء الرعب في آل عمران، وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين حيث ألقى الرعب في قلوب الكفار، قيل هذه الجملة تفسير

لقوله أني معكم وكانت الملائكة لا تعرف قتال بني آدم فعلمهم الله ذلك بقوله: (فاضربوا فوق الأعناق) المراد بها أنفسها، قاله عطية، وفوق زائدة قاله الأخفش وغيره. وقال محمد بن يزيد: وهذا عند الجمهور خطأ لأن فوق يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها، وقيل المراد الرؤوس قال عكرمة: وهذا ليس بجيد لأن فوق لا يتصرف، وزعم بعضهم أنه يتصرف، وأنك تقول فوق رأسك برفع فوق وهو ظاهر قول الزمخشري، وقال أبو عبيدة إنها بمعنى (على) تقديره فاضربوهم على الأعناق وهو قريب من الأول. وقال ابن قتيبة: هي بمعنى (دون) قال ابن عطية: وهذا خطأ بين، وغلط فاحش وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: (بعوضة فما فوقها) أي فما دونها، وليست فوق هنا بمعنى دون، وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر، وعن الضحاك قال: اضربوا الرقاب وقيل المراد بفوق الأعناق أعاليها لأنها المفاصل التي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع، قاله في الكشاف، قيل هذا أمر للملائكة فيكون متصلاً بما قبله، وقيل للمؤمنين فيكون منقطعاً عما قبله، وعلى الأول قيل هو تفسير لقوله فثبتوا الذين آمنوا. (واضربوا منهم كل بنان) أي كل مفصل، قال الزجاج: واحد البنان بنانة وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء، والبنان مشتق من قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة، وقيل المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو عبارة عن الثبات في الحرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال ابن فارس: البنان الأصابع، وقال عطية: كل مفصل بنانة، وقال ابن عباس: الأطراف، وقال أبو الهيثم: البنان المفاصل قيل أمرهم الله بضرب أعلى الجسد، وهو الرأس وفيه هلاك الإنسان، وبضرب أضعف الأعضاء وهو البنان، وفيه تعطيل حركة الإنسان فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)

13

(ذلك) إشارة إلى ما وقع عليهم من القتل والأسر ودخل في قلوبهم من الرعب (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي بسبب مشاقتهم، والمشاقة المخالفة وأصلها من المجانبة وكذا الشقاق أصله أن يصير كل واحد من الخصمين في شق كأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين وجانبهم، وهذا مجاز معناه أنهم شاقوا أولياء الله وهم المؤمنون أو شاقوا دين الله وقد تقدم تحقيق ذلك. (ومن يشاقق الله) أي يخالفه ويجانبه (ورسوله فإن الله شديد العقاب) له يعاقبه بسبب ما وقع منه من الشقاق يعني أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم من القتل والأسر شيء قليل فيما أعد الله لهم من العقاب يوم القيامة، والشرطية تكملة لما قبلها وتكرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني، كأنه قيل ذلك العقاب الشديد بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله وكل من يشاقق الله ورسوله كائناً من كان فله بذلك عقاب شديد، فإذا لهم بسبب مشاقتهم عقاب شديد قاله أبو السعود

14

(ذلكم) إشارة إلى ما تقدم من العقاب والعذاب بالقتل والأسر، وفيه أوجه منها العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم (الثاني) ذلكم العقاب (فذوقوه) الخطاب هنا للكافرين، كما أن الخطاب في قوله ذلكم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب، وأشار بالذوق إلى أن عذاب الدنيا عاجل يسير بالإضافة إلى المؤجل. (وأنّ للكافرين عذاب النار) معطوفة على ما قبلها فتكون الإشارة على هذا إلى العقاب العاجل الذي أصيبوا به، ويكون ذلك إشارة إلى العقاب

الآجل الذي أعده الله لهم في الآخرة، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما، وفي (أن) وجوه خمسة ذكرها السمين.

15

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً) الزحف الدنو قليلاً قليلاً وأصله الإندفاع على الآلية ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفاً، والتزاحف التداني والتقارب، يقال زحف إلى العدو زحفاً وازدحف القوم أي مشى بعضهم إلى بعض، ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف، أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار أو حال كون الكفار زاحفين إليكم أو متزاحفين على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأن الجيش إذا كثر والتحم بعضهم ببعض يتراءى أن سيره بطيء وإن كان في نفس الأمر سريعاً فالمقصود من هذه الحال بعد كون المراد التشبيه ما يلزم هذه المشابهة وهو الكثرة أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون. (فلا تولوهم الأدبار) أي ظهوركم منهزمين منهم، فإن المنهزم يولي ظهره ودبره. نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال وظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا في حالة التحريف والتحيز. وقد روي عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي بصرة وعكرمة ونافع والحسن وقتادة وزيد بن أبي حبيب والضحاك أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض، وبه قال أبو حنيفة، قالوا ويؤيده قوله:

16

(ومن يولهم يومئذ دبره) فإنه إشارة إلى يوم بدر، وقيل أن هذه

الآية منسوخة بآية الضعف. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة وأن الفرار من الزحف محرم، ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر وأجيب عن قول الأولين بأن الإشارة في (يومئذ) إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق. ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف بل هذه الآية مقيدة بها فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله في آية الضعف. ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها فقد كان في المدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، لأنه صلى الله عليه وسلم ومن خرج معه لم يكونوا يرون في الابتداء أنه سيكون قتال. ويؤيد هذا ورود الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث: اجتنبوا السبع الموبقات وفيه " والتولي يوم الزحف " ونحوه من الأحاديث، وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه، وورد عن جماعة من الصحابة أن التولي يوم الزحف من الكبائر. قال ابن عطية: والإدبار جمع دبر، والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. قلت ويطلق الدبر على مقابل القبل وعلى الظهر وهو المراد هنا، والمقصود ملزوم تولية الظهر وهو الانهزام، وهذا من باب التعريض حيث ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها فأتى بلفظ الدبر دون الظهر لذلك، وبعض أهل علم البيان يسمي هذا النوع كناية وليس بشيء.

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) (ومنِ يولهم يومئذ) أي يوم لقيتموهم (دبره إلا متحرفاً لقتال) أي منعطفاً ومائلاً إليه، والنصب على الحال أو الاستثناء من ضمير المؤمنين أي ومن يولهم إلا رجلاً منهم متحرفاً، واللام للتعليل أي لأجل قتال أي لأجل التمكن منه، والتحرف الزوال عن جهة الاستواء والمراد به هنا التحريف من جانب إلى جانب في المعركة طلباً لمكائد الحرب وخدعاً للعدو، كمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدو، فيكر عليه ويتمكن منه ونحو ذلك من مكائد الحرب، فإن الحرب خدعة. (أو متحيزاً إلى فئة) أي منضماً وصائراً إلى جماعة من المسلمين غير الجماعة المقابلة للعدو أي رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل لأنه من حاز يحوز فبناء متفعل منه متحوز، والتحيز والتحوز الإنضمام وتحوزت الحية انطوت، وحزت الشيء ضممته والحوزة ما يضم الأشياء. (فقد باء) أي من ينهزم ويفر من الزحف إلا في هاتين الحالتين فقد رجع (بغضب) كائن (من الله ومأواه جهنم) أي المكان الذي يأوي إليه هو النار ففراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه وأعظم عقوبة، والمأوى ما يأوي إليه الإنسان (وبئس المصير) ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة.

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)

17

(فلم تقتلوهم) أي إذا عرفتم ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة وإيقاع الرعب في قلوبهم فلم تقتلوهم بقوتكم (ولكن الله قتلهم) بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر، قال الزمخشري الفاء في (فلم) جواب شرط محذوف أي وإن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم، وقال الشيخ: وليست جواباً بل لربط الكلام بعضه ببعض. (وما رميت إذ رميت) اختلف المفسرون في هذا الرمي على أقوال فروي عن مالك أن المراد به ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حنين فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي، فأصابت كل واحد منهم، وقيل المراد به الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف بالحربة في عنقه فانهزم ومات منها، وقيل المراد به السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذه الأقوال ضعيفة فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر، وأيضاً المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق أنه وقع على صورة غير هذه الصورة والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره: أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في يوم بدر، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين فأصابت كل واحد منهم، ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه.

وقال ثعلب المعنى وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا (ولكن الله رمى) أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول رمى الله لك أي أعانك وأظفرك وصنع لك، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز، قال محمد بن يزيد المبرد: المعنى وما رميت بقوتك إذ رميت ولكنك بقوة الله رميت. وقيل المعنى أن الرمية بتلك القبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، هكذا في الكشاف. وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله خلقاً لا كما تقوله الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل للعبد ثم نفاه عنه وأثبته لنفسه، فصح هذا النفي والإثبات، قال الكرخي: نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد حقيقة هو الله تعالى، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة. قال مجاهد: هذا لمحمد- صلى الله عليه وسلم - حين حصب الكفار، وقال قتادة: رماهم يوم بدر بالحصباء، وعن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه فانهزمنا فذلك قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت) الآية وعن جابر نحوه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ناولني قبضة من حصباء فناوله فرمى بها في وجوه القوم فما بقي أحد من القوم إلا

امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت هذه الآية، وقال ابن المسيب: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حربته في يده فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه، وفي ذلك أنزل الله (وما رميت إذ رميت) وعن الزهري نحوه وإسناده صحيح إليهما. قال ابن كثير: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جداً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بقوس فرمى بها الحصن فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه فأنزل الله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (¬1). (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً) البلاء يستعمل في الخير والشر على حد (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) والمراد هنا الخير والنعمة، وعليه أجمع المفسرين والمعنى ولينعم على المؤمنين بالغنيمة إنعاماً جميلاً أي للإنعام عليكم بنعمه الجليلة فعل ذلك لا لغيره. وقيل التقدير لكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين، وقال عروة ابن الزبير: أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة هؤلاء ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته (إن الله سميع) لدعائهم (عليم) بأحوالهم. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 296.

18

(ذلكم) أي البلاء الحسن والقتل والرمي (وأن الله موهن كيد الكافرين) أي إن الغرض منه بما وقع مما حكته الآيات السابقة إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين.

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)

19

(إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) الاستفتاح طلب النصر، وقد اختلف في المخاطبين بالآية من هم فقيل إنها خطاب للكفار تهكماً بهم لأنهم الذين وقع بهم الهلاك والذلة، والمعنى أن تستنصروا الله على محمد فقد جاءكم النصر وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا الله أن ينصر أحق الطائفتين وأعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين بالنصر والظفر، وهو في نفس الأمر دعاء عليهم وإن أرادوا به الدعاء على محمد وحزبه - صلى الله عليه وسلم -، فتهكم الله بهم وسمى ما حل بهم من الهلاك نصراً. ومعنى بقية الآية على هذا القول (وإن تنتهوا) عما كنتم عليه من الكفر والعداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فهو) أي الانتهاء (خير لكم وإن تعودوا) إلى ما كنتم عليه من الكفر والعداوة (نعد) بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر، وقال قتادة: نعد لكم بالقتل والأسر. (ولن تغني عنكم فئتكم) أي جماعتكم (شيئاً ولو كثرت) أي لا تغني عنكم في حال من الأحوال ولو في حال كثرتها، ثم قال (وإن) بالكسر استئنافاً وبفتحها على تقدير اللام (الله مع المؤمنين) أي محمد وأصحابه قاله السدي ومن كان الله معه فهو المنصور ومن كان الله عليه فهو المخذول. وقيل أن الآية خطاب للمؤمنين والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر في يوم بدر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم وفداء

الأسرى قبل الإذن لكم بذلك وعن التكاسل في القتال والرغبة عما يختاره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم كما في قوله (لولا كتاب من الله سبق) الآية. ولا يخفى أنه يأبى هذا القول معنى (ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً) ويأباه أيضاً أن الله مع المؤمنين وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف. وقيل أن الخطاب في أن تستفتحوا للمؤمنين وفيما بعده للكافرين، ولا يخفى ما في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في الكلام على نمط واحد إلى طائفتين مختلفتين.

20

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله في أمر الجهاد لأن فيه بذل المال والنفس، (ولا تولوا) نهاهم عن التولي عن رسوله، فالضمير في (عنه) عائد إلى الرسول لأن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي من طاعة الله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) ويحتمل أن يكون راجعاً إلى الله وإلى رسوله كما في قوله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وقيل راجع إلى الأمر الذي دل عليه أطيعوا. هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب للمؤمنين وبه قال الجمهور وقيل أنه خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط قال ابن عطية: وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جداً لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وأبعد من هذا من قال الخطاب لبني إسرائيل فإنه أجنبي من الآية (وأنتم تسمعون) ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين والقرآن والمواعظ وتصدقون بها ولستم كالصم البكم.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)

21

(ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا) وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل (وهم لا يسمعون) سماع تدبر واتعاظ أي فهم كالذي لم يسمع أصلاً لأنه لم ينتفع بما سمعه، وهذه صفة المنافقين أو المشركين

22

(إن شر الدواب) أي ما دب على وجه الأرض وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدمياً، وفي المصباح الدابة كل حيوان في الأرض مميزاً أو غير مميز. (عند الله) أي في حكمه (الصم البكم) أي الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق (الذين لا يعقلون) ما فيه النفع لهم فيأتونه وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه فهم شر الدواب عند الله لأنها تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ويضرها، قال ابن عباس: هم نفر من قريش من بني عبد الدار، وعن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث وقومه.

23

(ولو علم الله فيهم) أي في هؤلاء الصم والبكم (خيراً) أي خير (لأسمعهم) سماعاً ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين، قال الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه، وقيل لأسمعهم كلام الموتى

الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال عروة بن الزبير: لأسمعهم أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ولكن القلوب خالفت ذلك منهم. (ولو أسمعهم) فرضاً وقد علم أن لا خير لهم (لتولوا) عنه ولم ينتفعوا بما يسمعون من المواعظ والدلائل ولم يستقيموا (وهم معرضون) عن قبوله عناداً وجحوداً لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون.

24

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول) الأمر هنا بالاستجابة مؤكد لما سبق من الأمر بالطاعة والاستجابة الطاعة، قال أبو عبيدة: معنى استجيبوا (أجيبوا) والسين والتاء زائدتان وإن كان استجاب يتعدى باللام وأجاب بنفسه كما في قوله (يا قومنا أجيبوا داعي الله) وقد يتعدى استجاب بنفسه. (إذا دعاكم) وحد الضمير هنا كما وحده في قوله: (ولا تولوا عنه) لان استجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، وقد تقدم وجه ذلك (لما يحيييكم) أي استجيبوا لما يحيييكم إذا دعاكم، ولا مانع من أن تكون اللام متعلقة بدعا أي إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم الشريعة، لأن العلم حياة، كما أن الجهل موت. لا تعجبنّ الجهولَ حلّته ... فذاك ميت وثوبه كفن قال الجمهور من المفسرين: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ففيه الحياة الأبدية والنعمة السرمدية، وقيل المراد الجهاد فإنه سبب الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يغُز غزا، قاله ابن إسحق، وقال السدي: هو الإيمان لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال مجاهد: هو الحق. وقيل هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وعن قتادة

قال: هذا هو القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة، وقال عروة ابن الزبير: للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بَعْد الضعف ومنعكم بها من العذاب بعد القهر منهم لكم. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) الحديث (¬1). وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على أبي بن كعب وهو يصلي فقال: يا أُبَيّ فالتفت أبي ولم يجبه، الحديث وفيه فقال: إني كنت في الصلاة فقال: أفلم تجد فيما أوحى الله إلى (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)؟ قال: بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى، أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذه الإجابة مختصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر وقيل لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير فله أن يقطع صلاته والأول أولى. ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه، فيجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائناً ما كان، ويدع ما خالفه من الآراء وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة وترك التقليد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائناً ما كان. ¬

(¬1) ابن كثير 2/ 297.

(واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قيل معناه بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها بزوال القلوب التي تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم وقيل معناه أنه خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمناً ويبدل عدوهم من الأمن خوفاً، واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئته عز وجل. ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على هذه المعاني، وقال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ومجاهد، وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإذنه وإرادته. قيل وهذا القول هو الذي دلت عليه البراهين العقلية لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواع وإرادات، وتلك الإرادات لا بد لها من فاعل مختار وهو الله تعالى، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو الله، فالمعنى أنه يحول بين المرء وخواطر قلبه أو وإدراك قلبه بمعنى أنه يمنعه من حصول مراده أو يمنعه من الإدراك والفهم. وفي الشهاب أصل الحول كما قال الراغب: تغير الشيء وانفصاله عن غيره وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول، وباعتبار الانفصال قيل حال بينهما كذا، فحقيقة كون الله يحول بين المرء وقلبه أنه يفصل بينهما، ومعناه الحقيقي غير متصور في حقه فهو مجاز عن غاية القرب من العبد لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما وانفصال أحدهما عن الآخر، وهو إما استعارة تبعية فمعنى يحول يقرب أو تمثيلية. وقيل أن الأنسب أن يكون مجازاً مركباً مرسلاً لاستعماله في لازم معناه

وهو القرب وليس ببعيد، وقال أبو السعود: تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل إدراك المنية فإنها حائلة بين المرء وقلبه، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه بحيث يفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً وما أشبه ذلك من الأمور العارضة المفوتة للفرصة اهـ. وقال الربيع بن أنس: علمه يحول، وقال مجاهد: يحول حتى يتركه لا يعقل، وعن الحسن قال: في القرب منه، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك (¬1) أخرجه مسلم، وفي الباب أحاديث. (وأنه إليه تحشرون) أي وأنكم محشورون إليه وهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً، قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت همزة إنه لكان صواباً، ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية. وهذا الحديث من أحاديث الصفات يجب إمراره على ما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وكذا هذه الآية وكونه من الصفات يرد تأويلها بالتمثيل. ¬

(¬1) مسلم 2654. وروى الترمذي 2/ 36 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: " نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

25

(واتقوا) خطاب للمؤمنين مطلقاً صلحائهم وغيرهم (فتنة) المراد بها العذاب الدنيوي كالقحط والغلاء، وتسلط الظلمة وغير ذلك أي اتقوا سبب فتنة (لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أي اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح، ولا يختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، وفي (لا) وجهان (أحدهما) أنها ناهية والنهي في الصورة للمصيبة، وفي العنى للمخاطبين (والثاني) أنها نافية والجملة صفة لفتنة. وهذا واضح من هذه الجهة إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ولا طلب ولا شرط وفيه خلاف. وقد اختلف النحاة في هذه النون المؤكدة في تصيبن فقال الفراء: هو جواب الأمر بلفظ النهي، ومثله قوله تعالى: (ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم) أي إن تدخلوا، وقال المبرد: أنه نهي بعد أمر، والمعنى النهي للظالمين أي لا يقربن الظلم ومثله ما روي عن سيبويه لا أريتك ههنا أي لا تكن ههنا فإن من كان ههنا رأيته وقال الجرجاني: نهي في موضع وصف لفتنة. وقيل (لا تصيبن) جواب قسم محذوف، والجملة القسمية صفة لفتنة أي فتنة والله لا تصيبن ودخول النون أيضاً قليل لأنه منفي، قال الزبير: الفتنة البلاء والأمر الذي هو كائن. وعن الحسن قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير، وعن الضحاك قال: نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وعن السدي

قال: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر فتصيب الظالم والصالح عامة، وعن مجاهد والضحاك وقتادة مثله. روى البغوي بسنده عن عدي بن عدي قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة (¬1). والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي بن عميرة الكندي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها (¬2). وأخرج أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا (¬3). وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضاً. وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأً أو معاذاً فليعذ به (¬4). ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 1675. (¬2) أبو داوود كتاب الملاحم باب 17. (¬3) أبو داوود كتاب الملاحم باب 17. (¬4) مسلم 2887.

قال الكرخي: واستشكل هذا بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وأجيب بأن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فالواجب على كل من رآه أن يغيره إذا كان قادراً على ذلك فإذا سكت فكلهم عصاة هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله بحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة اهـ. وعلامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارهاً له إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن بهذه الحالة فهو راض بالمنكر فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار، هكذا قرره القسطلاني على البخاري. (واعلموا أن الله شديد العقاب) ومن شدة عقابه أنه يصيب بالعذاب من لم يباشر أسبابه، وقد وردت الآيات القرآنية بأنه لا يصاب أحد إلا بذنبه ولا يعذب إلا بجنايته، فيمكن حمل ما في هذه الآية على العقوبات التي تكون بتسليط العباد بعضهم على بعض، ويمكن أن تكون هذه الآية خاصة بالعقوبات العامة والله أعلم. وممكن أن يقال إن الذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون الإصابة المتعدية للظالم إلى غيره مختصة بمن ترك ما يجب عليه عند ظهور الظلم، وعن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب (1).

26

(واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) الخطاب للنبي وللمهاجرين بتذكير نعمة الله عليهم بالحماية من أعدائهم حيث آواهم في المدينة ونصرهم ببدر وهذه الآية نزلت بعد بدر أي اذكروا وقت قلتكم، والأرض هي أرض مكة وأطلقها في الآية لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها أو لأن حالهم كان

في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولهذا عبر عنهم بالناس في قوله. (تخافون أن يتخطفكم الناس) والخطف الأخذ بسرعة والمراد بالناس مشركو قريش وكفار مكة، وقال عكرمة: كفار العرب وقيل فارس والروم، قاله وهب (فآواكم) يقال أوى إليه بالمد والقصر بمعنى الضم إليه، والمعنى ضمكم الله إلى المدينة أو إلى الأنصار. (وأيدكم بنصره) أي وقواكم بالنصر في مواطن الحرب التي منها يوم بدر، أو قواكم بالملائكة يوم بدر (ورزقكم من الطيبات) التي من جملتها الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم (لعلكم تشكرون) أي إرادة أن تشكروا هذه النعم التي أنعم الله بها عليكم. وقال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً وأشقاه عيشاً وأجوعه بطناً وأعراه جلوداً وأبينه ضلالة، من عاش عاش شقياً، ومن مات منهم ردّي في النار يؤكلون ولا يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلاً من حاضري الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل (¬1). ¬

(¬1) روى البخاري 5/ 94 - 216 عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديههم نجوا ونجوا جميعاً ".

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)

27

(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) الخون أصله كما في الكشاف النقص كما أن الوفاء التمام، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان، وقيل معناه الغدر وإخفاء الشيء ومنه قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين). نهاهم الله عن أن يخونوه بترك شيء مما افترضه عليهم أو يخونوا رسوله بترك شيء مما آمنهم الله عليه أو بترك شيء مما سنه لهم، أو يخونوا شيئاً من الأمانات التي ائتمنوا عليها، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من منع الحق، مأخوذة من الأمن، قال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سننه وارتكاب معصيته. وقال المغيرة بن شعبة: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، وقال يزيد بن أبي حبيب: هو الإخلال بالسلاح في المغازي، ولعل مرادهما أن هذا مما يندرج تحت عمومها. قال جابر بن عبد الله: إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه بمكان كذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله هذه الآية. وعن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت هذه الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر فأشار إلى حلقه أنه الذبح فنزلت، وعن

الزهري: نحوه بأطول منه، وعن الكلبي والسدي نحوه. ولما اشتد الحصار ببني قريظة أطاعوا وانقادوا أن ينزلوا على ما يحكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحكم فيهم سعد بن معاذ وقال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة (¬1). وفي رواية محمد بن صالح: لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات، والقصة بطولها في المواهب اللدنية (وأنتم تعلمون) أن ذلك الفعل خيانة فتفعلون الخيانة عن عمد، أو أنتم من أهل العلم لا من أهل الجهل. ثم قال: ¬

(¬1) ذكره القرطبي في 7/ 394 روى أنها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قُريظة بالذبح. قال أبو لُبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله؛ فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شدّ نفسه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت، أو يتوب الله عليّ. الخبر مشهور. مسلم 1768.

28

(واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) لأنهم سبب الوقوع في كثير من الذنوب وصادة عن أمور الآخرة فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى. عن ابن مسعود قال: ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة، لأن الله يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن، وقال ابن زيد: فتنة الاختبار اختبرهم، وقرأ [ونبلوكم بالشر والخير فتنة] (وأن الله عنده أجر عظيم) فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم ليحصل لكم ما عنده من الأجر المذكور.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)

29

(يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) جعل سبحانه التقوى شرطاً في الجعل المذكور مع سبق علمه بأنهم يتقون جرياً على ما يخاطب به الناس بعضهم بعضاً، والتقوى اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه، والفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل، والمعنى أنه يجعل لهم من ثبات القلوب وثقوب البصائر وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس، وقيل الفرقان المخرج من الشبهات والنجاة من كل ما يخافونه، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال الفراء: المراد بالفرقان الفتح والنصر، قال ابن إسحاق الفرقان الفصل بين الحق والباطل وبمثله قال ابن زيد، وقال السدي: الفرقان النجاة ويؤيد تفسير الفرقان بالمخرج والنجاة قوله: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) وبه قال مجاهد ومالك بن أنس. (ويكفر عنكم سيئاتكم) أي يسترها حتى تكون غير ظاهرة (ويغفر لكم) ما اقترفتم من الذنوب، وقد قيل إن المراد بالسيئات الصغائر وبالذنوب التي تغفر الكبائر، وقيل المعنى أنه يغفر لهم ما تقدم من الذنوب وما تأخر (والله ذو الفضل العظيم) فهو المتفضل على عباده بتكفير السيئات ومغفرة الذنوب.

30

(وإذ يمكر بك الذين كفروا) أي واذكر يا محمد وقت مكر الكافرين

بك، ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها عليه وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم له بمكة لأن هذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، والسورة مدنية. وقال عكرمة: هذه الآية مكية، والمكر الاحتيال في إيصال الضرر للغير. (ليثبتوك) أي يثخنوك بالجراحات كما قال ثعلب وأبو حاتم وغيرهما، وقيل المعنى ليحبسوك يقال أثبته إذا حبسه، وقيل ليوثقوك لأن كل من شد شيئاً وأوثقه فقد أثبته لأنه لا يقدر على الحركة، وهذا أشار لرأي أبي البختري ومنه فشدوا الوثاق، وقرأ الشعبي: ليبيتوك من البيات. (أو يقتلوك) أي كلهم قتلة رجل واحد كما أشار عليهم أبو جهل (أو يخرجوك) منفياً من مكة التي هي بلدك وبلد أهلك، وهذا أشار لرأي هشام ابن عمرو، كذا في شرح المواهب، عن ابن عباس قال: تشاورت قريش بمكة ليلة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات عليّ على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار، فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوه علياً رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا، فقال: لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وروى البيهقي وغيره عنه بأطول مما هنا وفيها ذكر الشيخ النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش غلاماً ويعطوا كل واحد منهم سيفاً ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في

القبائل، فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي فتفرقوا على ذلك. (ويمكرون) بك (ويمكر الله) بهم، والمكر التدبير في الأمر في خفية، والمعنى أنهم يخفون ما يعدونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المكائد فيجازيهم الله على ذلك ويرد كيدهم في نحورهم بأن يخرجهم إلى بدر، ويقلل المسلمين في أعينهم حتى يحملوا عليهم فيقتلوا، وسمى ما يقع منه تعالى مكراً مشاكلة كما في نظائره، والمشاكلة تزيده حسناً، على حسن، وقيل استعارة تبعية وقيل مجاز مرسل بعلاقة السببية، وقيل استعارة تمثيلية. (والله خير) المجازين لمكر (الماكرين) بمثل فعلهم فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون فيكون ذلك أشد ضرراً عليهم وأعظم بلاء من مكرهم، ووضع خير موضع أقوى، فيه تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله.

31

(وإذا تتلى عليهم آياتنا) التي تأتيهم بها وتتلوها عليهم (قالوا) تعنتاً وتمرداً وبعداً عن الحق (قد سمعنا) ما تتلوه علينا (لو نشاء لقلنا مثل هذا) الذي تلوته علينا أي مثل هذا القرآن وهو التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: (لقلنا) في قوله: (مثل هذا) كما يستفاد من الخازن، قيل إنهم قالوا هذا توهماً منهم أنهم يقدرون على ذلك لأنهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه ثم قالوا عناداً وتمرداً. (إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ما يسطره الوراقون من أخبار الأولين وقد تقدم بيانه مستوفى، وعن السدي أنها نزلت في النضر بن الحرث وكان يختلف إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار، وأحاديث العجم، فلما جاء مكة ووجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوحى إليه قال: (قد سمعنا) الآية.

وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

32

(و) اذكر (إذ قالوا اللهم إن كان هذا) أي القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - (هو الحق) قرئ بالنصب وهو خبر الكون وبالرفع على الخبر، وبه قرأ الأعمش وزيد ابن علي، وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع الحق على خبر هو والجملة خبر لكان، قال الأخفش: ولا أعلم أحداً بهذا الجائز (قلت) قد ظهر من قرأ به وهما رجلان جليلان قاله السمين. (من عندك فأمطر) قال أبو عبيدة: يقال أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة وقال في الكشاف: قد كثر الإمطار في معنى العذاب، والإمطار استعارة أو مجاز عن الإنزال أي أنزل (علينا حجارة) فائدة توصيف الحجارة بقوله (من السماء) الدلالة على أن المراد بالحجارة السجيل، وهو حجارة مسومة أي معلمة معدة لتعذيب قوم من العصاة. (أو ائتنا بعذاب أليم) قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار، سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء أو غيرها من أنواع العذاب الشديدة فأجاب الله عليهم بقوله.

33

(وما كان الله ليعذبهم وأنت) يا محمد (فيهم) موجود فإنك ما دمت فيهم بأرض مكة فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال، قال السيوطي: لأن العذاب إذا نزل عم، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها. أخرج البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال

أبو جهل ابن هشام " اللهم إن كان هذا هو الحق " الآية فنزلت (وما كان الله ليعذبهم) وعن قتادة أنها نزلت في أبي جهل، وعن سعيد بن جبير أنها نزلت في النضر بن الحرث، وعن مجاهد وعطاء نحوه، قال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر، قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثة من قريش صبراً طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحرث، وفيه نزل سأل سائل بعذاب واقع. (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك فنزلت أي (وما كان الله معذبهم) في حال كونهم مستغفرين، قال ابن عباس: كان فيهم أمانان النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. وأخرج الترمذي وضعفه عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنزل الله عليّ أمانين لأمتي (وما كان الله ليعذبهم) الآية فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار (¬1)، وقيل معنى الآية لو كانوا ممن يؤمنون بالله ويستغفرونه لم يعذبهم، وقيل أن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم أي وما كان الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده. وقيل المعنى وفي أصلابهم من يستغفر الله، وقيل هذا دعاء لهم إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، وقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون يعني لو أسلموا لما عذبوا، قال أهل المعاني دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب، والأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مطلق الاستغفار كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث. ¬

(¬1) ضعيف الجامع الصغير 1341.

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)

34

(وما لهم أن لا يعذبهم الله) لما بين سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار ذكر بعد ذلك أن هؤلاء أعني كفار مكة مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح والمعنى أى شيء لهم يمنع من تعذيبهم، قيل هذا العذاب هو القتل والأسر يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة. (وهم) أي والحال أنهم (يصدون) الناس (عن المسجد الحرام) كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من البيت (وما كانوا أولياءه) كما زعموا أي مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهذا كالرد لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت والحرم، وأن أمرهم مفوض إليهم، ثم قال مبيناً لمن له ذلك (إن أولياؤه إلا المتقون) أي من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي، وعن مجاهد قال: من كانوا حيث كانوا. (ولكن أكثرهم) أى أكثر الناس (لا يعلمون) ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.

35

(وما كان صلاتهم عند البيت) أى ما كان شيء مما يعدونه صلاة وعبادة (إلا مُكاء وتصدية) أي إلا هذين الفعلين، والمكاء الصفير من مكأ يمكؤ مكاء ومكوأ، ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح، وقيل المكاء هو الصفير على لحن

طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء، والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق، وقيل المكاء الضرب بالأيدي والتصدية الصياح، وقيل المكاء أدخالهم أصابعهم في أفواههم والتصدية الصفير. وقيل التصدية صدهم عن البيت. ومعنى الآية أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة، فوضعوا ذلك موضع الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة، وعن عكرمة قال: " كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال فالمكاء مثل نفخ البوق والتصدية طوافهم على الشمال. وقال السمين: التصدية فيها قولان " أحدهما " أنها من الصدى وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة الخالية الصلبة، يقال منه صدى يصدي تصدية، والمراد بها هنا ما يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى، وقيل مأخوذ من التصدد وهو الضجيج والصياح والتصفيق، ويدل عليه قراءة [إذا قومك منه يصدون] بالكسر أى يضجون ويلغطون " والثاني " أنها من الصد وهو المنع، ويؤيده قراءة يصدون بالضم أي يمنعون انتهى، والمكاء الصفير وهو الصوت الخالي عن الحروف. والمعنى أنهم فوتوا ما حقهم أن يشتغلوا به في هذا المكان من الصلاة وشغلوه بهذا اللعب والخراف والهوس، واستثنى المكاء والتصدية مع أنهما ليسا من جنس الصلاة تقريعاً للمشركين بتركهم ما أمروا به في المسجد الحرام، فإن ما لا يدخل تحت الشيء قد يستثنى منه لمصلحة وغرض كقصد المدح والذم؛ فعلى هذا يكون التقدير وما كان موضع صلاتهم أي عوضها إلا مكاء وتصدية. (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديداً لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم، والمراد به عذاب الدنيا كيوم بدر، وعذاب الآخرة، قال الضحاك: يعني أهل بدر عذبهم الله بالقتل والأسر.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)

36

(إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) لما فرغ سبحانه من شرح حال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية، والمعنى أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمع الجيوش لذلك، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش. وعن ابن عباس قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعن مجاهد وسعيد بن جبير نحوه. وعن الحكم بن عتيبة قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الأوقية يومئذ أربعين واثنين مثقالاً من ذهب. ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز فقال (فسينفقونها) أى سيقع منهم هذا الإنفاق وسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة وعدم الظفر بالمقصود فحصلت المغايرة (ثم تكون) أي عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم (عليهم حسرة) كأن ذات الأموال تنقلب حسرة وتصير ندماً لفوات ما قصدوه بها (ثم) آخر الأمر (يُغلبون) في الدنيا كما وعد الله في مثل قوله (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) ومعنى ثم في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل الأموال وعدم حصول المقصود من المباينة. ثم قال (والذين كفروا) أي استمروا على الكفر لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقاً من أسلم وحسن إسلامه (إلى جهنم يحشرون) أي يساقون إليها لا إلى غيرها.

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) ثم بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل فقال:

37

(ليميز الله الخبيث) وهم الكافرون (من الطيب) وهم المؤمنون، قال ابن عباس: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وقيل العمل الخبيث من العمل الطيب، وقيل الإنفاق في طريق الشيطان وسبيل الرحمن، وقيل الخبيث والطيب صفة للمال، والتقدير (ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، من الطيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته صلى الله عليه وسلم، فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها، كما في قوله تعالى: (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم). قال في الكشاف: واللام على هذا متعلقة بقوله: ثم تكون عليهم حسرة، وعلى الأول بيحشرون، انتهى. وعن شمر بن عطية قال: يميز يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم. (ويجعل الخبيث) أي يجعل فريق الكفار الخبيث (بعضه على بعض) أي فوق بعض (فيركمه) الركوم عبارة عن الجمع والضم، أي يجمع بعضهم إلى بعض ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم، يقال ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه، وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه. (جميعاً) حال من الهاء في يركمه أو توكيد لها (فيجعله) أي الخبيث فيه مراعاة اللفظ (في جهنم أولئك) أي الفريق الخبيث (هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران، فيه مراعاة المعنى لأن الضمير راجع على الخبيث.

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)

38

(قل للذين كفروا) كأبي سفيان وأصحابه واللام للتبليغ (إن ينتهوا) الخ أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا المعنى، سواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف ابن مسعود تنتهوا بالتاء لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، وقال في الكشاف: هي لام العلة، أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل إن تنتهوا يغفر لكم. والمعنى إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام (يغفر لهم ما قد سلف) لهم من العداوة اهـ. وقيل معناه إن ينتهوا عن الكفر، قال ابن عطية: والحامل على ذلك جواب الشرط بيغفر لهم ما قد سلف، ومغفرة ما قد سلف لا يكون إلا لمنته عن الكفر وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يحبّ ما قبله. وأخرج أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي قال: مالك؟ فقلت أردت أن أشترط، قال تشترط ماذا؟ قلت: أن تستغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله (¬1). ¬

(¬1) مسلم 121.

وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها (¬1)، قال يحيى بن معاذ الرازي التوحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، فكيف يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. (وإن يعودوا) إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه، ويكون العود بمعنى الاستمرار، وفي الجمل العود يشعر بسبق التلبس بالشيء الذي حصل العود اليه، فالمعنى وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ويرجعوا إلى الكفر وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجواب الشرط محذوف تقديره ننتقم منهم بالعقاب والعذاب. وقوله: (فقد مضت سنة الأولين) تعليل للمحذوف ولا يصلح للجوابية كما لا يخفي أي سبقت واستقرت سنة الله في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه. وهذه العبارة مشتملة على الوعيد والتهديد والتمثيل بمن أهلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله، أي قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب فليتوقعوا مثل ذلك. عن مجاهد قال: فقد مضت سنة الأولين في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بما مضى في الأمم المتقدمة من عذاب من قاتل الأنبياء وصمم على الكفر، وقال السدي ومحمد ابن إسحاق: المراد بالآية يوم بدر، وترسم سنت هذه بالتاء المجرورة وكذا الثلاثة التي في فاطر، وكذا التي في آخر غافر والإضافة على معنى في. ¬

(¬1) الإمام أحمد 4/ 199.

39

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي شرك قاله ابن عباس، وقيل بلاء

قاله الحسن، وقد فسرها جمهور السلف بالكفر، وقال محمد بن إسحق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا المعنى حتى لا يفتن مسلم عن دينه، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة مستوفى، والجملة معطوفة على " قل للذين " لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعاً. (ويكون الدين كله) أي الطاعة والعبادة كلها (لله) خالصة دون غيره وقال قتادة: حتى يقال لا إله إلا الله عليه قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه دعا، وقيل يضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده والمعاني متقاربة. (فإن انتهَوا) عما ذكر من الشرك وافتتان المؤمنين وإيذائهم (فإن الله بما يعملون) بالتحتية باتفاق السبعة، وقرأ بالفوقية يعقوب من العشرة (بصير) لا يخفى عليه ما وقع منهم من انتهاء فيجازيهم به.

40

(وإن تولَّوا) عما أمروا به من الانتهاء أو عن الإيمان، وجوابه محذوف أي فلا تخشوا بأسهم (فاعلموا) أيها المؤمنون (إن الله مولاكم) أي ناصركم عليهم ومتولي أموركم (نعم المولى) هو (ونعم النصير) فمن والاه فاز ومن نصره غلب (¬1). ¬

(¬1) روى مسلم في " صحيحه " 1/ 111 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر ". وروى مسلم أيضاً في " صحيحه " 1/ 112 من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ".

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)

41

(واعلموا أنما) " ما " موصولة وكان القياس فصلها في الرسم من " أن " لكن ثبت وصلها في خط المصحف الإمام، وثبت فصلها أيضاً في بعضها على القياس كما ذكره ابن الجزري في قوله: " وخلف الأنفال ونحل وقعا ". (غنمتم) لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة، ذكر حكم الغنيمة، والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم، وقد يستعمل في كل ما ينال بسعي. وأما معنى الغنيمة في الشرع فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله أنما غنمتم مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد هذا اللفظ بهذا النوع. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: (يسألونك عن الأنفال) وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: (يسألونك عن الأنفال) نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر وقيل أنها يعني قوله: (يسألونك عن الأنفال) محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة حكاه الماوردي عن كثير من المالكية. وقالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين،

وكان أبو عبيدة يقول افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة عنوة ومنَّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً. وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين وكيفيتها كثيرة جداً. قال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال) الآية ناسخ لقوله: (واعلموا أنما غنمتم) الآية بل قال الجمهور أن قوله: (واعلموا أنما غنمتم) ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها قال: وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا يعطي الغنائم قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه، فقال لهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيوتكم (¬1) كما في مسلم وغيره، وليس لغيره أن يقول هذا القول بل ذلك خاص به، وقوله: (أنما غنمتم) يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة قليلاً كان أو كثيراً. و (من شيء) بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع من عموم الآية الأسارى فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، وكذلك سَلَب المقتول إذا نادى به الإمام قيل وكذلك الأرض المغنومة، ورد بأنه لا إجماع على الأرض. (فأن) أي فحق أو فواجب أن (لله خمسه وللرسول) وقد اختلف ¬

(¬1) مسلم 1059.

العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة. القول الأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة. فيجعل السدس للكعبة وهو الذي لله. والثاني: لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث: لذوي القربى. والرابع: لليتامى. والخامس: للمساكين. والسادس: لابن السبيل. القول الثاني: قاله أبو العالية والربيع أنها تقسم الغنيمة على خمسة فيعزل منها سهم واحد، ويقسم أربعة على الغانمين ثم يضرب يده في السهم الذي عزله فما قبضه من شيء جعله للكعبة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة للرسول ومن بعده في الآية. القول الثالث: روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: الخمس لنا فقيل له أن الله يقول: (واليتامى والمساكين وابن السبيل) فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. والقول الرابع: قول الشافعي: أن الخمس يقسم على خمسة وأن سهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية. القول الخامس: قول أبي حنيفة: أنه يقسم الخمس على ثلاثة اليتامى

والمساكين وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه قال ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي. القول السادس: قول مالك: أنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي: وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فانه لم يقسمه أخماس ولا أثلاثاً، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه. وقال الزجاج: محتجاً لهذا القول قال الله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته يضعه رسول الله فيهم مع سهمهم مع الناس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم يضعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن شاء وحيث شاء ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة الأسهم ولرسول الله سهم مع سهام الناس. وعن ابن بريدة قال: الذي لله لنبيه والذي للرسول لأزواجه، وعن

محمد ابن الحنفية في قوله: (فأن لله خمسه) قال: هذا مفتاح كلام لله الدنيا والآخرة وللرسول ولذي القربى، فاختلفوا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين السهمين قال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال قائل: منهم سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل منهم سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - للخليفة بعده. واجتمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وأبو الحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي عن محمد بن الحنفية. وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن " عباس قال: (فأن لله خمسه) مفتاح كلام أي على سبيل التبرك، وإنما أضافه لنفسه لأنه هو الحاكم فيه فيقسمه كيف شاء وليس المراد منه أن سهماً منه لله مفرداً لأن لله ما في السموات وما في الأرض، وبه قال الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم النخعي قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد، وذكر الله للتعظيم فجعل هذين السهمين في الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم وجعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهمين ولراكبه سهماً وللراجل سهماً. وعنه رضي الله عنه قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس فربع لله وللرسول ولذي القربى يعني قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم - من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضعيف الفقير

الذي ينزل بالمسلمين، أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. (ولذي القربى) قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى أن سهماً من خمس الخمس لذوي القربى، وقد اختلف العلماء فيهم على أقوال الأول أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف، واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلاً يا بني فلان يا بني فلان. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس وبني نوفل منه شيء وإن كانوا أخوة لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه وهو في الصحيح (¬1). وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر عن جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب، قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا فإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب، فقال: إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام (¬2)، وقد أخرجه مسلم في صحيحه. وقيل هم بنو هاشم خاصة وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم وهو مروي عن علي بن الحسين ومجاهد، وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: آل محمد الذين أعطوا الخمس آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. ¬

(¬1) رواه ابن ماجه كتاب الجهاد باب 46 بلفظ: " إنما أرى بني هاشم بني المطلب شيئاً واحداً ". (¬2) روى الإمام أحمد نظيره في مسنده 4/ 81.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيء واحد من المغنم يصطفيه لنفسه إما خادم وإما فرس، ثم يصيب بعد ذلك من الخمس، وعن علي وصححه الحاكم قال: ولاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وعمر رضي الله عنهما. واختلفوا في سهمهم هل هو ثابت اليوم أم لا فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت فيعطى فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ الانثيين، وبه قال مالك والشافعي، وقيل إنه غير ثابت وسقط سهمه وسهمهم بوفاته، وصار الكل مصروفاً إلى الثلاثة الباقية وبه قال أبو حنيفة وأصحاب الرأي. وحجة الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى وكذا الخلفاء بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعطونهم ولا يفضلون فقيراً على غني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس مع كثرة غناه وكذا الخلفاء بعده، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد. (واليتامى والمساكين وابن السبيل) قد تقدم بيان سهمهم قريباً والمراد باليتيم هنا هو الصغير المسلم الذي لا أب له فيعطى مع الحاجة إليه، والمساكين هم أهل الفاقة من المسلمين، وابن السبيل هو المسافر البعيد عن ماله المنقطع في سفره، فهذا مصرف خمس الغنيمة، ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانمين الحاضرين في الواقعة الحائزين للغنيمة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد لحديث ابن عمر في الصحيح، وبه قال أكثر أهل العلم وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم والحديث يرد عليه، وظاهر الآية يدل على أنه لا فرق بين العقار والمنقول، وعند أبي حنيفة يخير الإمام في العقار بين قسمه ووقفه على المصالح، ومن قتل من المسلمين مشركاً

استحق سلبه من رأس الغنيمة لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ومن قتل قتيلاً فله سلبه " (¬1)، أخرجه الشيخان وغيرهما، ويجوز تنفيل بعض الجيش من الغنيمة. (إن كنتم آمنتم بالله) قال الزجاج: عن فرقة أن المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله وقالت فرقة أخرى أن " إن " متعلقة بقوله: (واعلموا أنما غنمتم) قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله واعلموا يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق إن بقوله واعلموا على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وأسلموا الأمر لله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. وقال في الكشاف: إنه متعلق بمحذوف يدل عليه واعلموا بمعنى إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم العلم المجرد ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر اهـ. (وما أنزلنا على عبدنا) أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم (يوم الفرقان) يوم بدر، وبدر ماء بين مكة والمدينة وسمي يومه يوم الفرقان لأن الله فرق بين أهل الحق بإظهاره وأهل الباطل بإخماده. (يوم التقى الجمعان) أي الفريقان من المسلمين والكافرين، عن علي ابن أبي طالب قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم (والله على كل شيء قدير) ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على الفريق الأكثر. ¬

(¬1) مسلم 1715.

إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)

42

(إذ) أي اذكروا أيها المسلمون إذ (أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى) قرئ بضم العين في الموضعين وكذا بالفتح والكسر وقرئ بهما أيضاً وهي لغات بمعنى واحد، وهذا هو قول جمهور اللغويين، والعدوة شط الوادي وشفيره وحافته سميت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها أي منعته، وقال أبو عمرو: هي المكان المرتفع، والدنيا تأنيث الأدنى من دنا يدنو أي القربى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى من قصا يقصو، ويقال القصيا والأصل الواو وهي لغة أهل الحجاز، والمعنى وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة والباء بمعنى في كقولك زيد بمكة. (والركب أسفل منكم) أي والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه مما يلي البحر، وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلاً منكم، وقيل الواو للعطف، والركب اسم جمع لراكب أو جمع له وهم العشرة فصاعداً، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، وقد يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب والجمع أركب وركوب كذا قال ابن فارس وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة. والمراد بالركب هنا ركب أبي سفيان وهي المراد بالعير فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة

القصوى، والركب أسفل منهم، الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم، فامتن الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه. (ولو تواعدتم) أي أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال وأعلم كل منكم الآخر للخروج له (لاختلفتم في الميعاد) أي لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالوعد وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالميعاد معناه التواعد والميعاد المواعدة ووقتها ومكانها كما في القاموس. (ولكن) جمع الله بينكم في هذا الموطن بغير ميعاد (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) أي حقيقاً بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها ولم يكن في حسبان الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة. (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة) أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش من يعيش عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه، لئلا تبقى لأحد على الله حجة، وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة، وهو معنى قول ابن إسحق وقتادة (وأن الله لسميع) بكفر الكافرين وإيمان المؤمنين (عليم) بهما لا يخفى عليه خافية.

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)

43

(إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر) المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلاً فقص ذلك على أصحابه، فكان ذللك سبباً لثباتهم، قاله مجاهد ولو رآهم في منامه كثيراً لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا، والمضارع بمعنى الماضي لأن نزول الآية كان بعد الإراءة. (ولكن الله سلّم) وعصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، قال ابن عباس: (سلّم) أي أتم يقول سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم، وقيل عنى بالمنام محل النوم وهي العين أي في موضع منامك وهو عينك، روي ذلك عن الحسن، قال الزجاج: هذا مذهب حسن، ولكن الأول أسوغ في العربية لقوله:

44

(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم) فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء وتلك رؤية النوم.

(إنه عليم بذات الصدور) أي بما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع، وقيل بما فيه من الحب لله عز وجل، قاله ابن عباس. (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً) أي واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلاً حتى قال القائل من المسلمين لآخر أتراهم سبعين قال هم نحو المائة، قال ابن مسعود: حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه قال: كنا ألفاً. (ويقللكم في أعينهم) أي وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال والتحام الحرب، فلما شرعوا فيه كثر الله المسلمين في أعين المشركين كما قال في آل عمران (يرونهم مثليهم رأي العين) ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلاً أقدموا على القتال غير خائفين ثم يرونهم كثيراً فيفشلون وتكون الدائرة عليهم ويحل بهم عذاب الله وسوط عقابه. (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) في علمه، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ليلف بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والأنعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته، وقيل المراد بالأمر إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله، وإذلال كلمة الشرك وخذلان أهله، والمعاني متقاربة (وإلى الله ترجع) أي تصير (الأمور) كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء.

45

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة) اللقاء الحرب والفئة الجماعة ولا واحد لها من لفظها ويجمع على فئات، وقد تجمع بالواو والنون جبراً لما نقص منها أي إذا حاربتم جماعة من المشركين (فاثبتوا) لهم ولا تجبنوا عنهم، وهذا

لا ينافي الرخصة المتقدمة في قوله: (إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف أو التحيز. (واذكروا الله كثيراً) عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد، وقيل المعنى اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان. قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر. قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا يردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً (¬1)، وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره الصوت عند القتال (¬2). (لعلكم تفلحون) أي كونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفر ¬

(¬1) المستدرك كتاب الجهاد 2/ 113. (¬2) المستدرك كتاب الجهاد 2/ 116.

46

(وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا) أمرهم بطاعة الله فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه ونهاهم عن التنازع، وهو الاختلاف في الرأي فإن ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب، وأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال (وجادلهم بالتي هي أحسن) بل هي مأمور بها بشروط

منها قصد إظهار الحق على لسان أي الخصمين وعلامته أن يفرح لظهوره على لسان خصمه. (وتذهب ريحكم) الريح القوة والنصر كما يقال الريح لفلان إذا كان غالباً في الأمر، وقيل الريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، والمختار أن الريح يطلق ويراد به القوة والغلبة والرحمة والنصرة والدولة، قال في الخازن: الريح هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد، وقال قتادة وابن زيد: هي ريح النصر ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدو ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور (¬1). (واصبروا إن الله مع الصابرين) أمرهم بالصبر على شدائد الحرب وأخبرهم بأنه مع الصابرين بالنصر والعون في كل أمر ينبغي الصبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرة ¬

(¬1) مسلم 900.

47

(ولا تكونوا) في البطر والاستكبار (كالذين خرجوا من ديارهم) أي مكة (بطراً) أي فخراً وأشراً (ورئاء الناس) فيصيبكم مثل ما أصابهم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء وهم قريش فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان ومعهم القيان (¬1) والمعازف فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت فلم يرجعوا بل قالوا لا بد لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر وتغني لهم القيان وتسمع العرب بمخرجهم فكان ذلك منهم بطراً وأشراً وطلباً للثناء من الناس والتمدح إليهم، والفخر عندهم، وهو الرياء. قيل والبطر في اللغة التقوِّي بنعم الله على معاصيه أي خرجوا بطرين مرائين أو خرجوا للبطر والرياء، قال الزجاج البطر الطغيان في النعمة وترك ¬

(¬1) المغنيات.

شكرها وجعلها وسيلة إلى ما لا يرضاه الله، والرياء إظهار الجميل مع إبطان القبيح، وقيل معناهما الفخر بالنعمة ومقابلتها بالتكبر والخيلاء والفخر بها، والرياء مصدر راءى كقاتل قتالاً. وظاهر النظم الكريم أن قوله بطراً متعلق بخرجوا وهو لا يوافق الواقع لأن خروجهم كان لغرض مهم، وهو المنع عن عيرهم ولهذا جعله السيوطي متعلقاً بمحذوف وقدر لخرجوا علة أخرى حيث قال خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها بطراً، فجعله علة لهذا المقدر وهو قوله ولم يرجعوا والمعنى عليه واضح ولم يسلك هذا المسلك غيره ممن رأيناه من المفسرين. وعن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك "، وقال: جاءت من مكة أفلاذها وقد احتج بهذه الآية الشيخ عبد العزيز الدهلوي على أنه لا يجوز طوف البلد للعروس بركوب الخيل وغيرها كما اعتاده أهل الهند في عقود مناكحاتهم. (ويصدون عن سبيل الله) عطف على بطراً إن جعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جعل مفعولاً له لكن على تأويل المصدر يعني صادين عن دين الله أو للصد عنه، والصد إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ويجوز أن يكون ويصدون معطوفاً على يخرجون والمعنى يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد، ونكتة التعبير بالاسم أولاً ثم الفعل أن البطر والرثاء كانا دأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة قاله الشهاب (والله بما يعملون محيط) لا يخفى عليه من أعمالهم خافية، فهو مجازيهم عليها.

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

48

(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) أي واذكر يا محمد تزيين الشيطان لهم أعمالهم بأن شجعهم وقواهم لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر وهم قبيلة كنانة قريبة من قريش وبينها وبينهم الحروب الكثيرة، والتزيين التحسين، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم يوم بدر في جند من الشياطين معه، قال ابن عباس: رأيته في صورة رجل من رجال بني مدلج سراقة بن مالك بن جعشم سيد تلك الناحية، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم. (وقال) لهم (لا غالب لكم اليوم من الناس) أي كنانة وغيرها (وإني جار) أي مجير ومعين وناصر (لكم) من كل عدو أو من بني كنانة، ومعنى الجار هنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار، وقيل المعنى أنه ألقى في روعهم هذه المقالة وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون. (فلما تراءت) التقت (الفئتان) أي فئة المسلمين والمشركين ورأى الملائكة وكان يده في يد الحرث بن هشام (ونكص) أي رجع (على عقبيه) هارباً أي رجع القهقرى يمشي إلى ظهره، وقيل معنى نكص هاهنا بطل كيده وذهب ما خيله. (وقال إني بريء منكم) أي من جواركم وحفظكم ونصركم والذب عنكم وتبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله: (إني أرى ما لا ترون) من الملائكة ثم علل بعلة أخرى فقال (إني أخاف الله) قيل خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا

الوقعة، وقيل أن دعوى الخوف كذب منه ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين فاعتل بذلك (والله شديد العقاب) يحتمل أن يكون من تمام كلام إبليس بسطاً للعذر ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً من جهة الله سبحانه تهديداً لإبليس (¬1). ¬

(¬1) قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة، آخذاً بيد الحارث بن هشام؛ فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفراراً من غير قتال؛ فقال: (إِني أرى ما لا ترون)؛ فلما هُزم المشركون، قالوا: هَزَمَ الناس سراقة؛ فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدو الله في قوله: (إني أرى ما لا ترون)، ذُكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، فعلم أنه لا يد له بالملائكة، وكذب عدو الله في قوله: (إني أخاف الله)، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم.

49

(إذ يقول المنافقون) قيل هم الذين أظهروا الايمان وأبطنوا الكفر وكانوا بالمدينة وهو ابتداء كلام منقطع عما قبله (والذين في قلوبهم مرض) هم الشاكون من غير نفاق الكائنون بمكة لم يقو إسلامهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام، وعن الحسن قال: مرضى القلوب هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، وقال الكلبي: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا المسلمين وافقوا المنافقين في قولهم. (غر هؤلاء) المسلمين (دينهم) حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش، وعن الشعبي نحوه، وقيل هم المشركون ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها وأنهم هم والمنافقون من أهل المدينة قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد، وضعف من العدد. فأجاب الله عليهم بقوله: (ومن يتوكل على الله) يثق به (فإن الله عزيز) لا يغلبه غالب ولا يذل من توكل عليه (حكيم) له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول.

وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

50

(ولو ترى) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له كما تقدم تحقيقه في غير موضع، والرؤية بصرية والمعنى لو رأيت (إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) لأن لو يقلب المضارع ماضياً) أي ولو ترى الكافرين وقت توفي الملائكة لهم قيل أراد بالذين كفروا من يقتل يوم بدر. وقيل هي فيمن قتل ببدر، وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمراً عظيماً (يضربون وجوههم) أي جهة الأمام (وأدبارهم) أي جهة الخلف يعني أستاههم كنى عنها بالأدبار، وقيل ظهورهم بمقامع من حديد، وهذا نص في أن ملائكة الموت عند قبضها لروح الكافر تضربه بما ذكر وتقول له ما ذكر وإن كنا محجوبين عن رؤية ذلك وسماعه. واختلفوا في وقت هذا الضرب، فقيل يكون عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط من نار كما يفيده ذكر التوفي، وقيل هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار، قال ابن جريج: يريد ما أقبل من أجسادهم وأدبر يعني يضربون جميع أجسادهم، قيل كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم على المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم، قيل كان معهم مقامع من حديد محماة بالنار يضربون بها الكفار فتلتهب النار في جراحاتهم. (و) يقول لهم خزنة جهنم عند القتل (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق وقال ابن عباس: تقول لهم الملائكة ذلك بعد الموت، وقال الحسن: هذا يوم القيامة، والذوق قد يكون محسوساً وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالفم.

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

51

(ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الضرب والحريق والعذاب والقتل (بما قدمت أيديكم) أي واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي واقترفتم من الذنوب، هذا من جملة قول الملائكة، عبر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها (وأن الله ليس بظلام للعبيد) أي والأمر انه لا يظلمهم أو ذلك العذاب بسبب المعاصي وبسبب أن الله ليس بذي ظلم لهم فيعذبهم بغير ذنب، لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وأوضح لهم السبيل وهداهم النجدين كما قال سبحانه: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها،

52

(كدأب) لما ذكر سبحانه ما أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل، يقال فلان يدأب في كذا إذا داوم عليه وأتعب نفسه فيه، ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها، أي دأب هؤلاء في كفرهم مثل دأب (آل فرعون والذين من قبلهم) والمعنى أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر من الأمم الماضية المكذبة فيما فعلوا وفعل بهم. (كفروا بآيات الله) مفسرة لدأب آل فرعون وبيان لفعلهم أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بها (فأخذهم الله بذنوبهم) هذا بيان لما فعل بهم أي فتسبب عن كفرهم أخذ الله سبحانه لهم، والراد بذنوبهم معاصيهم المترتبة على كفرهم، فالباء للملابسة أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها (إن الله قوي) على ما يريده (شديد العقاب) جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ

53

(ذلك) أي العقاب الذي أنزله الله بهم (بأن الله لم يك) مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفاً أي ما كان (مغيراً نعمة أنعمها على قوم) المراد بالنعمة هو محمد - صلى الله عليه وسلم - أنعم بها على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله الله إلى الأنصار، قاله السدي والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم من عذاب الله أي أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير النعمة التي ينعم بها عليهم مبدلاً لها بالنقمة. (حتى يغيروا ما بأنفسهم) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمص (¬1) إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه، وهذا يعم الحال المرضية والقبيحة، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها، هذا حاصل ما في الكشاف، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين، فإن الله فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومنّ عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه والعمل به من شكرها وقبولها. وجملة (وأن الله سميع عليم) معطوفة على ما قبلها داخلة معها في التعليل، أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيراً وبسبب أن الله سميع يسمع ما ¬

(¬1) الغمص كفران النعمة إ. هـ منه.

يقولونه، وعليم يعلم ما يفعلونه. ثم كرر ما تقدم فقال:

54

(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم) لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بانه كان بالإغراق، وقيل أن الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم، والثاني باعتبار ما فعل بهم وقيل المراد بالأول كفرهم بالله وبالثاني تكذيبهم الأنبياء، وقيل الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم والثاني إخبار عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف. وفي قوله: (كذبوا بآيات ربهم) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق والكلام في (فأهلكناهم بذنوبهم) كالكلام المتقدم في (فأخذهم الله بذنوبهم) قيل المعنى أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ، فكذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف. (وأغرقنا آل فرعون) أي قومه معه معطوف على أهلكناهم عطف الخاص على العام لفظاعته وكونه من أشد أنواع الإهلاك (وكل كانوا ظالمين) حكم على كلا الطائفتين من آل فرعون والذين من قبلهم ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم بما تسببوا به لعذاب الله من الكفر بالله وآياته ورسله بالظلم لغيرهم كما كان يجري منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم وبالتكذيب لأنبيائهم، وجمع الضمير في (كانوا) وفي ظالمين مراعاة لعنى (كل) هو لأن كلاًّ متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ومعناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل ولو روعي اللفظ فقط فقيل وكل كان ظالماً لم تتفق الفواصل، قاله السمين.

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

55

(إن شر الدواب عند الله الذين كفروا) أي شر ما يدب على وجه الأرض في حكم الله وقضائه المصرون على الكفر المتمادون في الضلال، وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم، ومع ذلك هم شر من جميع أفرادها حسبما نطق به قوله تعالى: (إن هم إلا كالانعام بل هم أضل) عن سعيد بن جبير قال: نزلت في ستة رهط من اليهود فيهم ابن تابوت ولهذا قال: (فهم لا يؤمنون) أي هذا شأنهم لا يؤمنون أبداً ولا يرجعون عن الغواية أصلاً، وهذا حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه وتسجيل عليهم بكونهم من أهل الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف أصلاً. جيء به على وجه الاعتراض لا أنه عطف على كفروا داخل معه في حيز الصلة التي لا حكم فيها بالفعل، قاله أبو السعود

56

(الذين عاهدت منهم) أي أخذت منهم عهدهم أن لا يعينوا المشركين أي كفار مكة قيل من في (منهم) هو صلة أي عاهدتهم وقيل للتبعيض أي الذين عاهدتهم، وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف منهم. (ثم ينقضون عهدهم) الذي عاهدتهم، وعطف المستقبل على الماضي للدلالة على استمرار النقض منهم، وهؤلاء هم قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك (في كل مرة) من مرات المعاهدة فنقصوا وأعانوهم بالسلاح وقالوا نسينا العهد ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا الكفار عليه يوم الخندق (وهم) أي والحال أنهم (لا يتقون) الله في النقض والغدر، ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون أسبابه.

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشدة والغلظة عليهم فقال:

57

(فإما تثقفنهم في الحرب) أي فإما تصادفنهم في ثقاف وتلقاهم في حالة تقدر عليهم فيها وتتمكن من غلبهم وتظفر بهم يقال ثقفت الشيء ثقفاً من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف وبه سمي حي من اليمن، والثقاف في أصل اللغة ما يشد به القناة ونحوها يقال فلان ثقف أي سريع الوجود لما يحاوله. (فشرِّد بهم) أي ففرق بقتلهم والتنكيل بهم والعقوبة لهم (من خلفهم) من المحاربين لك من أهل الشرك كفار مكة حتى يهابوا جانبك ويكفوا عن حربك مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء أو يخافك من وراءهم من أهل مكة واليمن والتشريد التفريق مع الاضطراب والإزعاج، وقال أبو عبيدة: شرد بهم سمّع بهم وقال الزجاج: افعل بهم فعلاً من القتل تفرق به من خلفهم، يقال شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها، ومنه شرد البعير إذا فارق صاحبه. وقرأ ابن مسعود بالذال، قال قطرب: التشريذ هو التنكيل، وبالمهملة هو التفريق، وقال المهدوي: الذال المعجمة لا وجه لها ولا يعرف في اللغة (لعلهم) أي الذين خلفهم (يذكرون) أي يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك، قاله السدي.

58

(وإما تخافن من قوم خيانة) أي غشاً ونقضاً للعهد من القوم المعاهدين

بأمارة تلوح لك وهم قريظة والنضير (فانبذ) أي فاطرح (إليهم) هو العهد الذي بينك وبينهم، والنبذ الطرح، وهذا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم فشبه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وأثبت النبذ له تخييلاً ومفعوله محذوف وهو عهدهم، قاله الشهاب. (على سواء) أي طريقة مستوية والمعنى أنه يخبرهم إخباراً ظاهراً مكشوفاً بالنقض ولا يناجزهم الحرب بغتة، وقيل معنى على سواء على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم أو تستوي أنت وهم فيه لئلا يتهموك بالغدر، قال الكسائي: السواء العدل، وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله: (في سواء الجحيم). وقيل معنى على سواء على جهر لا على سر، والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه، قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله: (فشرد بهم من خلفهم) ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة (إن الله لا يحب الخائنين) تعليل لما قبلها يحتمل أن تكون تحذيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة.

59

(ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) أي فاتوا عذابه وخلصوا ونجوا منه وانهزموا يوم بدر وأفلتوا من أن يظفر بهم، وعلى القراءة بالفوقية يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قراءة واضحة قاله أبو السعود، وقال الخفاجي: وهي ظاهرة، وقد زعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن قراءة من قرأ يحسبن بالتحتية لحن لا يحل القراءة بها لأنه لم يات ليحسبن بمفعول وهو يحتاج لمفعولين.

قال النحاس: وهذا تحامل شديد، ومعنى هذه القراءة ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدم إلا أن قراءة التاء أبين، قال الخفاخي: وأما القراءة بالياء للغيبة فضعفها الزمخشري، وقال إنها غير نيرة، وقد ردوا عليه ذلك بوجهين: الأول: أن حمزة وحفصاً وابن عامر وغيرهم قرأوا بها. الثاني: أن قوله أنها غير نيرة ليس كما زعم فإنها أنور من الشمس في وسط النهار لأن فاعل يحسبن ضمير أي لا يحسبن هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو الحاسب أو من خلفهم أو أحد لأنه معلوم من الكلام فلا يرد عليه أنه لم يسبق له ذكر، وأما حذف الفاعل فلا يخطر بالبال كما توهم، وعليه فمفعولاه (الذين كفروا سبقوا) وقيل الفعل مسند إلى الذين كفروا، والمفعول الأول محذوف وسبقوا هو الثاني أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين انتهى. (إنهم لا يعجزون) هو تعليل لما قبلها أي أنهم بهذا السبق لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم والانتقام منهم، وقيل المراد بهذه الآية من أفلت من وقعة بدر من المشركين والمعنى أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بعذاب النار، وفيه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن فاته من المشركين ولم ينتقم منهم فأعلمه الله أنهم لا يعجزونه (¬1). ¬

(¬1) روى مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ " لكل غادر لواءٌ يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة " قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة.

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

60

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أمر سبحانه بإعداد القوة للأعداء الناقضي العهد كما يقتضيه السياق أو للكفار مطلقاً كما يقتضيه ما بعده، والأعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه، ومن لبيان الجنس، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب على العدو، ومن ذلك السلاح والقسيّ. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي قالها ثلاث مرات " (¬1)، وقيل هي الحصون والمعاقل، والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعين. وعن ابن عباس: القوة الرمي والسيوف والسلاح، وقال ابن الزبير: أمرهم بإعداد الخيل، وعن عكرمة قال: القوة ذكور الخيل والرباط الأناث، وعن مجاهد مثله، وعن ابن المسيب قال: القوة السهم إلى الفرس فما دونه، وقال عكرمة: الحصون وقيل كل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور بإعدادها، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ألا إن القوة الرمي لا ينفى كون غير الرمي ليس من القوة فهو كقوله: (الحج عرفة) (¬2) وقوله: (الندم توبة) (¬3) فهذا لا ¬

(¬1) مسلم 1917. (¬2) صحيح الجامع الصغير 3167. (¬3) الإمام أحمد 1/ 376.

ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود وأجله، فكذا هنا بحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد العدو بجميع ما يمكن من الآلات كالرمي بالنبل والنشاب والسيف والدرع وتعليم الفروسية، كل ذلك مأمور به لأنه من فروض الكفايات. (ومن رباط الخيل) قال أبو حاتم: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو، قال في الكشاف: الرباط اسم للخيل التي ترتبط في سبيل الله، ويجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال اهـ والرباط ما تربط به القربة وغيرها والجمع ربط مثل كتاب وكتب ويقال للمصاب ربط الله على قلبه بالصبر كما يقال أفرغ الله عليه الصبر أي ألهمه، والرباط الذي يبنى للفقراء مولد ويجمع في القياس على ربط بضمتين ورباطات والرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها. وربط الخيل للجهاد من أعظم ما يستعان به، قال ابن محيريز: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشتات والغارات، وقيل ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو، وقيل لفظ الخيل عام يتناول الفحول والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل الله. ومن فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب جعل عطف الخيل من عطف الخاص على العام، وقد ورد في استحباب الرمي وما فيه من الأجر، واستحباب اتخاذ الخيل وإعدادها وكثرة ثواب صاحبها أحاديث كثيرة لا يسع المقام بسطها وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات. (ترهبون به عدو الله وعدوكم) الترهيب التخويف والضمير في به راجع

إلى ما في ما استطعتم أو إلى المصدر المفهوم من (وأعدوا) وهو الإعداد فقوله ترهبون إما حال من فاعل (أعدوا) أو من مفعوله أي حصلوا لهم هذا حال كونكم مرهبين أو أعدوه مرهباً به، وجاز نسبته لكل منهما لأن في الجملة ضميريهما، والمراد بعدو الله وعدوهم هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب. (وآخرين من دونهم) معطوف على عدو الله وعدوكم ومعنى من دونهم من غيرهم، قيل هم اليهود، وقيل فارس والروم، وقيل المنافقون وفيه بعد، وقيل كفار الجن، قاله الحسن ورجحه ابن جرير الطبري وهو أبعد، وقيل المراد كل من لا تعرف عداوته، قاله السهيلي وقيل هم بنو قريظة خاصة، وقيل غير ذلك والأولى الوقف في تعيينهم لقوله. (لا تعلمونهم) أي لا تعرفونهم بأعيانهم، ومن عينهم قال: أي لا تعلمون بواطنهم وما انطووا عليه من النفاق، والعلم فيه قولان. أحدهما: أنه متعدّ لواحد لأنه بمعنى المعرفة ولذلك تعدى لواحد. والثاني: أنه على بابه فيتعدى لاثنين والثاني محذوف أي لا تعلمونهم فازعين أو محاربين. وهذان القولان لا يجوز أن يجريا في قوله: (والله يعلمهم) بل يجب أن يقال إنه المتعدي إلى اثنين وأن ثانيهما محذوف للفرق بين العلم والمعرفة بوجوه (منها) أن المعرفة تستدعي سبق جهل ومنها أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق الوصف بالمعرفة على الله تعالى، وهذا لا يرد لأنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف عليه، وإنما فيها إطلاق

اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان (¬1). (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله) وأي في الجهاد وإن كان يسيراً حقيراً، وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخيرات والطاعات ويدخل فيه نفقة الغزو، دخولاً أولياً (يوف إليكم) أجره وجزاؤه في الآخرة فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قررناه سابقاً، ويعجل لكم عوضه في الدنيا (وأنتم لا تظلمون) في شيء من هذه النفقة التي تنفقونها في سبيل الله أي من ثوابها بل يصير ذلك إليكم وافياً وافراً كاملاً وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً (أني لا أضيع عمل عامل منكم). والتعبير عنه بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة الثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلماً لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى. ¬

(¬1) ذكره ابن كثير في " تفسيره " 2/ 322 من رواية ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله ابن غريب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في قول الله تعالى: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم). قال: " هم الجن " ثم قال: ورواه الطبراني عن يزيد بن عبد الله بن غريب به وزاد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل " وقال: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.

61

(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) أي إن مالوا إلى الصالحة فاقبل منهم الصلح ومل إلى الصالحة، والجنوح اليل، يقال جنح الرجل إلى الرجل مال إليه ومنه قيل للأضالع الجوانح لأنها مالت إلى الحشوة، وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير، ويقال جنح الليل أقبل. قال النضر بن شميل: جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له، والجنوح الاتباع أيضاً لتضمنه الميل والجناح من ذلك لميلانه إلى الطائر، والسلم

الصلح، قرئ بالكسر والفتح وهما قراءتان سبعيتان، وقرئ فاجنح بضم النون وبالفتح والأولى لغة قيس والثانية لغة تميم قال ابن جني: ولغة قيس هي القياس، والسلم يذكر ويؤنث كما يؤنث الحرب إذ هي مؤولة بالخصلة أو الفعلة. وعن مجاهد قال: وإن جنحوا يعني قريظة وعن ابن عباس قال: السلم الطاعة. وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة، فقيل هي منسوخة بقوله: (فاقتلوا المشركي) قاله ابن عباس. وقيل ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم فتكون خاصة بأهل الكتاب، قاله مجاهد وقيل إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه. وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى: (ولا تهنوا) وتدعوا إلى السلم (وأنتم الأعلون) والله معكم وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك، فإنه جائز كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وهذا كله مبني على أن المراد بالصلح هو عقد الجزية، أما لو أريد غيره من العقود التي تفيدهم الأمن وهي الهدنة والأمان فلا نسخ مطلقاً إذ يصح عقدهما لكل كافر، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه. (وتوكل على الله) في جنوحك للسلم ولا تخف من مكرهم وفوض أمرك إليه فيما عقدته معهم ليكون ذلك عوناً لك في جميع أحوالك (إنه) سبحانه (هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يفعلون.

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

62

(وإن يريدوا أن يخدعوك) بالصلح وهم مضمرون الغدر والخدع وجواب الشرط محذوف أي فصالحهم ولا تخش. منهم (فإن) أي لأن (حسبك الله) أي كافيك بنصره ومعونته ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر ودفع خديعتهم. (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) تعليلية أي لا تخف من خدعهم ومكرهم، فإن الله الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين المهاجرون والأنصار. فإن قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول وبالمؤمنين؛ قلت التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير معلومة، وبأسباب ظاهرة معلومة، فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد بقوله: (وهو الذي أيدك بنصره) لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله: (وبالمؤمنين) لأن أسبابه ظاهرة بوسائط معلومة وهم المؤمنون، والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم لنصره. ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال:

63

(وألّف بين قلوبهم) وظاهره العموم وإن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان بينهم عصبية شديدة وأنفة عظيمة وانطواء على الضغينة من أدق شيء وحروب عظيمة وفتن

من منذ مائة وعشرين سنة، لا يكاد يأتلف منهم قلبان، فألف الله بين قلوبهم بالايمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانقلبت تلك الحالة واستجمعت كلمتهم، وزالت حمية الجاهلية، وأبدلت تلك الضغائن بالمحبة لله وفي الله، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعواناً يقاتلون عنه ويحمونه، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وصار ذلك معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة باهرة دالة على صدقه. وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضاً ولا يحترم ماله ولا دمه حتى جاء الإسلام فصاروا يداً واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية والأنفة والحمية الجاهلية. (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم) مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جمِيع ما في الأرض لم يتم له طلبه من التأليف لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جداً. (ولكنّ الله ألّف بينهم) بعظيم قدرته وبديع صنعه، وفيه دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء (إنه عزيز) لا يغالبه مغالب ولا يستعصي عليه أمر من الأمور (حكيم) في تدبيره ونفوذ أمره ونهيه. وعن ابن مسعود قال: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله، وهذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفيه رد على الرافضة حيث اعتقدوا في الصحابة ما يخالف تأليف الله تعالى بينهم، وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله أنا الله وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي (¬1) وذلك قوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين والله أعلم. ¬

(¬1) من أين جاء هذا لأبي هريرة وهو غيب؛ هذا لا يصح.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

64

(يا أيها النبي حسبك الله) في كل شيء وعند كل مهم، ليس هذا تكريراً لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة الخدع وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله فتلك كفاية خاصة، وفي هذه كفاية عامة غير مقيدة، أي حسبك الله في كل حال فيما بينك وبين الكفرة من الحراب. والواو في قوله: (ومن اتبعك من المؤمنين) يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الجليل والعلم الشريف على أنه في محل الرفع، والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون أي كافيك الله وكافيك المؤمنون. قال علي المهايمي في تفسيره تبصير الرحمن: حسبك الله وإن لم يكن معك أحد وإن نظرت إلى السببية حسبك من اتبعك من المؤمنين وإن لم يألفهم من لم يتم اتباعهم لك فإن لمتابعتك أثراً عظيماً في سببية النصر انتهى. وقال أبو السعود والقاضي: الجملة في محل النصب على أنه مفعول معه أي كفاك وكفى اتباعك الله ناصراً كقوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك عضب مهند انتهى. واختاره النحاس، وقال الفراء: أنه يقدر نصبه على موضع الكاف واختاره ابن عطية ورده السفاقسي بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم وكونه مفعولاً معه، ذكره الزجاج. وقال أبو حيان: أنه مخالف لكلام سيبويه فإنه جعل زيداً في قولهم حسبك وزيداً درهم منصوباً بفعل مقدر أي وكفى زيداً درهم وهو من عطف الجمل عنده لا يضرنا، وذكره الفراء في تفسيره، وقيل في محل الجر عطفاً على الضمير أي اسم الله تعالى أي كافيك وكافي المؤمنين الله لأن عطف الظاهر على

المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع عند البصيريين كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون وحجة المانعين أنه كجزء الكلمة فلا يعطف عليه. قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك بل المستعمل أن تقول حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو كان قوله: (ومن اتبعك) مجروراً لقيل حسبك الله وحسب من اتبعك، وبه قال الشعبي. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رضي الله عنه: أي وحده حسبك وحسب المؤمنين الذين اتبعوك، ومن قال أن المعنى أن الله والمؤمنين حسبك فقد ضل بل قوله من جنس الكفر، فإن الله وحيده هو حسب كل عبد مؤمن، والحسب الكافي كما قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) وقال تعالى (وقالوا حسبنا الله) ولم يقل ورسوله وقالوا إنا إلى الله راغبون ولم يقل هنا وإلى رسوله اهـ. وضعف في الهدي النبوي رفعه عطفاً اسم الله وقال إنما هو عطف على الكاف فإن المعنى عليه، قال الخفاجي: وإلا وجه له فإن الفراء والكسائي رجحاه وما قبله وما بعده يؤيده اهـ. قلت وليس كما ينبغي فتأمل. وقيل يجوز أن يكون التقدير ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر. وعبارة البغوي في المعالم، اختلفوا في محل (من) فقال أكثر المفسرين محله خفض عطفاً على الكاف في قوله حسبك معناه حسبك الله وحسب من اتبعك اهـ. قال الزهري: نزلت في الأنصار، وقيم في جميع المهاجرين والأنصار، وقال سعيد بن جبير: لما أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت هذه الآية، وعن ابن عباس نحوه. قال الشيخ معين الدين في جامع البيان: اعترض عليه بأن الأنفال كلها مدنية وإسلام عمر قبل الهجرة فلا يصح هذا اهـ. لكن قال الخازن وسليمان الجمل إن هذه الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

65

(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) أي حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة المبالغة في الحث على الشيء بكثرة الترغيب وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو الهلاك وهو كالتحضيض مأخوذ من الحرض وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به. ثم بشرهم تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار فقال: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) أي فيهم قوة وشجاعة فالمقاومة مدارها على العدد مع مراعاة المعنى لا على العدد وحده كما هو مقرر في الفروع، وفي البحر انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر وحذف نظيره من الثانية وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة وحذفه من الأولى وهو غاية الفصاحة. وقال الخفاجي: ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: (والله مع الصابرين) ومبالغة في شدة المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله.

قلت هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما، وقوله: (والله مع الصابرين) إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتماً لأن من كان الله معه لا يغلب، وبقي فيها لطائف فلله در التنزيل ما أحلى ماء فصاحته وأنضر رونق بلاغته. ثم زاد هذا إيضاحاً مفيداً لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد بل هي جارية في كل عدد فقال: (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا) وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلاً كانوا أو كثيراً لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال. وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين بل مثل نصفهم بل مثلهم، وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر عند اللقاء. وقيل أن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن)، (والمطلقات يتربصن) فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن يثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم. وفي الخطيب حاصل هذه العبارة المطولة أن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى تلك. أجيب بأن هذا إيماء ورد على وفق الواقعة فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين. (بأنهم قوم لا يفقهون) أي أن هذا الغلب بسبب جهلهم بالله وباليوم

الآخر وعدم فقههم، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة، ولا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله المؤمنون، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان، وإثارة ثائرة البغي والعدوان، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال:

66

(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً) عن قتال عشرة أمثالكم، قرئ بضم الضاد وفتحها (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) منهم (وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. قال سفيان وابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب المائة للمائتين والألف للألفين أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو (بإذن الله) وتسهيله وتيسيره وإرادته لا بقوتهم وجلادتهم، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين فقال: (والله مع الصابرين) بعونه، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه. وعن النصر باذى: إن هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يقول بك أصول وبك أجول، ومن كان كذا لا يثقل عليه شيء حتى يخفف، وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا ولا يتعلق بذلك كثير فائدة.

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

67

(ما كان) أي ما صح وما استقام (لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) هذا حكم آخر من أحكام الجهاد، والأسرى جمع أسير مثل قتلى وقتيل وجرحى وجريح، ويقال في جمع أسير أسارى وهو مأخوذ من الإسار وهو القيد لأنهم كانوا يشدون به الأسير فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقيد أسيراً. وقال أبو عمرو بن العلاء الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً، والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه تقول العرب أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ فيه فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك، وقيل معنى الإثخان التمكن وقيل هو القوة، وقيل الثخانة هي الغلظة والصلابة فاستعمل هنا في لازم المعنى الأصلي وهو القوة اللازمة وأثخن في الأرض إثخاناً سار إلى العدو وأوسعهم قتلاً وأثخنته أوهنته بالجراحة وأضعفته. وعن ابن عباس: حتى يثخن حتى يظهر على الأرض، وعن مجاهد قال: الإثخان هو القتل أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال فإما مناً بعد وإما فداء كما يأتي في سورة القتال. قال الرازي: أن هذا الكلام يوهم أن قوله فإما مناً بعد وإما فداء يزيل

حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء انتهى. وقال غيره: لا تظهر دعوى النسخ من أصلها إذ النهي الضمني كما هنا مقيد بالإثخان أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته، وما في سورة القتال من التخيير محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال، فلا تعارض بين الآيتين إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا. (تريدون عرض الدنيا) الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد بعرض الدنيا نفعها ومتاعها بما قبضوا من الفداء، وسمى عرضاً لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابلة الجواهر، قال قتادة: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف درهم، وقيل كان الفداء لكل أسير أربعين أوقيه والأوقية أربعون درهما فيكون مجموع ذلك ألفاً وستمائة درهم، وعن عكرمة قال عرض الدنيا الخراج. (والله يريد) لكم (الدار الآخرة) بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل، والمراد بالارادة هنا الرضاء وعبر بها للمشاكلة فلا يرد أن الآية تدل على عدم وقوع مراد الله وهو خلاف مذهب أهل السنة، قاله الشهاب: (والله عزيز) لا يغالب (حكيم) في أفعاله، وقد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء واشتغل المفسرون برده وجوابه وما أقل فائدة ذلك (¬1). ¬

(¬1) سبق لنا تعليق في هذا الموضوع ص 361 ج 2.

68

(لولا كتاب) أي حكم مكتوب ومثبت في اللوح المحفوظ ومن الله سبق هو اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو على أقوال: الأول: أنه ما سبق في علم الله من أنه سيحصل لهذه الأمة الغنائم والأسرى بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم.

والثاني: أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر كما في الحديث الصحيح " إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " (¬1). القول الثالث: هو أنه لا يعذبهم ورسول الله فيهم كما قال تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). القول الرابع: أنه لا يعذب أحداً بذنب فعله جاهلاً لكونه ذنباً. القول الخامس: أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس: إنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها. (لمسكم) أي لحل بكم (فيما) أي لأجل ما (أخذتم) من الفداء (عذاب عظيم) وهذا عتاب له صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء وليس عتاباً على فعل محرم تنزيهاً لمنصب النبوة عن ذلك. وقد أخرج أحمد عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الفه عليه وآله وسلم ثم عاد فقال: مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال: نرى أن تعفو عنهم وإن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل الله ولولا كتاب من الله سبق) الآية "، وفي الباب روايات كثيرة بطرق عديدة بألفاظ مختلفة (¬2). ¬

(¬1) مسلم 2494 - البخاري/1429. (¬2) الإمام أحمد 3/ 243.

وفي بعضها عند أحمد والترمذي وحسنه عن ابن مسعود فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: (من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) الحديث (¬1). روي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزل ¬

(¬1) مسند الإمام أحمد 1/ 383.

69

(فكلوا) فالفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا (مما غنمتم) أو المعنى اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره، وقيل أن " ما " عبارة عن الفداء أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم أكلاً، ويأباه سياق النظم الكريم وسباقه. (حلالاً طيباً) أي أكلاً حلالاً أو النصب على الحال، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا وذلك بأن رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا " (¬1) أخرجه البخاري ومسلم (واتقوا الله) فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به (إن الله غفور) لما فرط منكم (رحيم) بكم فلذلك رخص لكم في اخذ الفداء في مستقبل الزمان. ¬

(¬1) البخاري كتاب الخمس باب 8.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

70

(يا أيها النبي) خاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أي (قل لمن) أي لهؤلاء الذين (في أيديكم من الأسرى) أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء (إن يعلم الله في قلوبكم خيراً) من حسن إيمان وصلاح نية وخلوص طوية (يؤتكم خيراً مما أخذ منكم) من الفداء أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقاً خيراً منه وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة (ويغفر لكم) ذنوبكم (والله غفور رحيم) شأنه المغفرة لعباده والرحمة بهم. وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص (¬1) وبعثت فيه بقلادة، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها (¬2). وقال العباس (¬3) إني كنت مسلماً يا رسول الله قال: الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحرث وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ونزلت (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الأية (¬4)، الحديث مختصراً والروايات ¬

(¬1) زوجها. (¬2) المستدرك كتاب زينب بنت خديجة 4/ 45. (¬3) عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر إسلامه. (¬4) الإمام أحمد 1/ 353.

في هذا الباب كثيرة (¬1). قال العباس: فأبدلني الله خيراً مما أخذ مني، عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية، وأعطاني زمزم وأنا أنتظر المغفرة. ولما ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيراً ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال: ¬

(¬1) قال مقاتل: إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها، رحيم بكم إذ أحلها لكم. فجعل رسول الله ينهييه عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت يوم بدر على القبض، وقسمها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب. وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أضعفوا على العباس الفداء " فأخذوا منه ثمانين) وقية، وكان فداء كل أسير أربعين أوقية. فقال العباس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشاً بكفي. فقال له: " أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل "؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: " إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث، فهو لك ولولدك " فقال: ابن أخي، من أخبرك؟ فقال: " الله أخبرني "، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم؛ وأمر ابني أخيه فأسلما. وفيهم نزلت: (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية.

71

(وإن يريدوا خيانتك) بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة، بل هو مماكرة ومخادعة فليس ذلك بمستبعد منهم فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه (فقد خانوا الله من قبل) أي من قبل أن يظفر بهم فكفروا به وقاتلوا رسوله (فأمكن منهم) بأن نصرك عليهم في يوم بدر فقتلت منهم من قتلت وأسرت من أسرت (والله عليم) بما في ضمائرهم (حكيم) في أفعاله بهم.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

72

(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله وأجابة لداعيه، وسبقوا للهجرة بأن هاجروا قبل العام السادس عام الحديبية بدليل قوله فيما يأتي (والذين آمنوا من بعد) بأن هاجروا بعد عام الحديبية وقبل الفتح. (والذين آووا) هم الأنصار آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين وأسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (ونصروا) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصول الأول والآخر وخبره الجملة المذكورة بعده (بعضهم أولياء بعض) في النصرة والمعونة، وقيل في الميراث وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. (والذين آمنوا ولم يهاجروا) من مكة بل أقاموا بها (مالكم من ولايتهم) بفتح الواو وكسرها أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم (من شيء) ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم فلا إرث بينكم وبينهم

(حتى يهاجروا) إلى المدينة فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة. (وإن استنصروكم في الدين) أي هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين (فعليكم) أي فواجب عليكم (النصر) قال الزجاج: ويجوز النصر بالنصب على الإغراء أثبت للقسمين الأوّلين النصرة والإرث ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة. (إلا) أن يستنصروكم (على قوم بينكم وبينهم ميثاق) عهد فلا تنصرونهم عليهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته وهي عشر سنين (والله بما تعملون بصير) تحذير عن تعدي حد الشرع الشريف.

73

(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) أي بعضهم ينصر بعضاً ويتولاه في أموره أو يرثه إذا مات، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والموازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب. (إلا تفعلوه) الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور وترك موالاة الكافرين (تكن) أي تقع (فتنة في الأرض) إن لم تفعلوا ذلك وهي قوة الكفار (وفساد كبير) أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا وهو ضعف المسلمين.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ثم بين سبحانه حكماً آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار فقال:

74

(والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً) أي صدقاً من غير ريب دون من آمن وسكن دار الشرك، وفي الحديث المتفق على صحته بل المتواتر " المرء مع من أحب " (¬1) ونصب حقاً على المصدر المؤكد أو تقديره إيماناً حقاً، قاله في جامع البيان. وقال أبو السعود: كلام مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم اهـ. والحاصل أنهم هم الكاملون في الإيمان لأنهم حققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن، والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة. ثم أخبر سبحانه أن (لهم) منه (مغفرة) لذنوبهم في الآخرة (و) لهم في الدنيا (رزق كريم) خالص عن الكدر طيب مستلذ لا تبعة له ولا منة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسيمتهم فقال: ¬

(¬1) مسلم 2640 - البخاري 2357.

75

(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم) اختلف في قوله: (من بعد) فقيل من بعد الحديبية وبيعة الرضوان. قال القرطبي: وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى، والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة اهـ. وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل من بعد غزوة بدر، وقال الخازن: الأصح أن المراد بهم أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح. (فأولئك منكم) أي مثلكم في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم، لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن الله تعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم معهم، وذلك معرض المدح والشرف، ولولا أن الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق. قال في الجمل: ولم ينبهوا هنا على حكم التوارث بالهجرة الثانية هل هو ثابت كما في الهجرة الأولى أو في ثابت لانحطاط رتبة أهل الهجرة الثانية عن رتبة أهل الهجرة الأولى إلا ما رأيته في الخطيب ونصه فأولئك منكم أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم مالكم وعليهم ما عليكم من المواريث والغنائم وغيرهما (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) بين سبحانه بأن ذوي القرابات بعضهم أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث فيتناول كل قرابة، وقيل المراد بهم هنا العصبات قالوا: ومنه قول العرب وصلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم، ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات.

وقد استدل بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي الأرحام وهم من ليس بعصبة ولا ذوي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه. وقد قيل أن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدم من قوله: (بعضهم أولياء بعض) وما بعده بالتوارث وأما من فسرها بالنصرة والمعونة فيجعل هذه الآية إخباراً منه سبحانه وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض (في كتاب الله) أي في حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن وهو أن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن، وكذا إعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي للعصبات، وبهذا أجاب الشافعي أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، ويدخل في هذه الأولوية الميراث دخولاً أولياً لوجود سببه. أعني القرابة. (إن الله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه شيء من الأشياء كائناً ما كان ومن جملة ذلك ما تضمنته هذه الآيات من التوارث بمقتضى الإيمان والهجرة ولو بدون قرابة الذي قد نسخ، والتوارث بمقتضى القرابة ولو بدون مشاركة في الهجرة أو النصرة والله سبحانه وتعالى أعلم (¬1). ¬

(¬1) ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الخال وارث ". وروي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال: " لا أدري حتى يأتيني جبريل " ثم قال: " أين السائل عن ميراث العمة والخالة "؛ قال: فأتى الرجل فقال: " سارني جبريل أنه لا شيء لهما ". قال الدارقطني: لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل. ورُوي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه: هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة؛ قال لا. قال: إني لأعلم خلق الله كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب.

سورة براءة

بسم الله الرحمن الرحيم سورة براءة هي مائة وثلاثون آية، وقيل مائة وسبع وعشرون آية، ولها أسماء منها سورة التوبة لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب أهـ وتسمى الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها (ومنهم، ومنهم) حتى كادت أن لا تدع أحداً، وتسمى البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة البحث، وتسمى أيضاً بأسماء أخر كالمقشقشة لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه، والمخزية لكونها أخزت المنافقين والمثيرة لأنها تثير أسرارهم، والحافرة لكونها تحفر عنها، والمنكلة لما فيها من التنكيل لهم والمدمدمة لأنها تدمدم عليهم أي تهلكهم، قال الخفاجي: وأسماؤها كلها بصيغة الفاعل إلا البحوث بفتح الباء فإنه صيغة مبالغة بمعنى اسم الفاعل أهـ.

قلت: وإلا البراءة والتوبة وسورة العذاب، وهي مدنية، قال القرطبي: باتفاق وعن ابن عباس قال: نزلت بعد فتح مكة، وعنه قال نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير وقتادة نحوه، وعن البراء قال: آخر سورة نزلت تامة براءة، رواه البخاري. وقد اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أولها على أقوال منها ما روي عن المبرد وغيره أنه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسمله، فلما نزلت براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فقرأها عليهم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب في نقض العهد من ترك التسمية. وعن علي قال: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، أشار إلى وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها دون غيرها، قال الخفاجي: وللسلف فيه أقوال ثلاثة أصحها هذا أهـ. قلت: وروي نحوه عن سفيان بن عيينة، وروي عن مالك بن أنس وابن عجلان وابن جبير أنها كانت تعدل سورة البقرة أو قريباً منها وأنه لما سقط أولها سقطت البسملة. ومن جملة الأقوال في سقوطها أنهم لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلفت الصحابة، فقال بعضهم براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت البسملة لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معاً، قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما وقول من جعلهما سورة واحدة أظهر لأنهما جميعاً نزلتا في القتال ومجموعهما مائتان وخمس آيات ويعدان جميعاً سابعة السبع الطوال. ومنها ما قال السيوطي: أنه لم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم. اهـ.

وعن عثمان: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، أخرجه الترمذي وحسنه. والصحيح أنها لم تكتب لأن جبريل ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري قال أبو السعود: واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضاً من سورة الأنفال، وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعاً بوصف الرحمة، كما روي عن ابن عيينة رضي الله عنه: لا الاشتباه في استقلالها وعدمه، كما يحكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولا رعاية ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من الاختلاف في ذلك. على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن، وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية، وإن مناط إثباتها في المصاحف، وتركها إنما هو رأي