كشاف القناع عن متن الإقناع
البهوتي
مقدمة الكتاب
[مُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَحَ صُدُورَنَا بِالْهِدَايَةِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَوَفَّقَنَا لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَمَا شَرَعَهُ مِنْ بَدِيعِ مُحْكَمِ الْأَحْكَامِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى جَزِيلِ الْإِنْعَامِ، وَأَشْكُرُهُ أَنْ عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ فَأَتْقَنَ وَأَحْكَمَ أَيَّ إحْكَامٍ
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْأَنَامِ، وَالْهَادِي إلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ وَإِيضَاحِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْكِرَامِ - صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ لَا يَعْتَرِيهِمَا نَقْصٌ وَلَا انْثِلَامٌ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَجَلَّ الْعُلُومِ قَدْرًا، وَأَعْلَاهَا فَخْرًا، وَأَبْلَغَهَا فَضِيلَةً، وَأَنْجَحَهَا وَسِيلَةً، عِلْمُ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ وَمَعْرِفَةُ أَحْكَامِهِ، وَالِاطِّلَاعُ عَلَى سِرِّ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَتْ إعَانَةُ قَاصِدِهِ وَتَيْسِيرُ مَوَارِدِهِ لِرَائِدِهِ، وَمُعَاوَنَتِهِ عَلَى تَذْكَارِ لَفْظِهِ وَمَعَانِيهِ، وَفَهْمِ عِبَارَاتِهِ وَمَبَانِيهِ. وَلَمَّا رَأَيْتُ الْكِتَابَ الْمَوْسُومَ بِالْإِقْنَاعِ تَأْلِيفُ الشَّيْخِ الْإِمَامِ، وَالْحَبْرِ الْعُمْدَةِ الْعَلَّامِ، شَرَفِ الدِّينِ أَبِي النَّجَا مُوسَى بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمِ بْنِ عِيسَى بْنِ سَالِمٍ الْمُقَدَّمِيِّ الْحَجَّاوِيِّ ثُمَّ الصَّالِحِيِّ الدِّمَشْقِيِّ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ وَأَسْكَنَهُ الْغُرُفَاتِ الْعُلْيَا مِنْ جِنَانِهِ، فِي غَايَةِ حُسْنِ الْوِقَاعِ، وَعِظَمِ النَّفْعِ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِمِثَالِهِ، وَلَا نَسَجَ نَاسِجٌ عَلَى مِنْوَالِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى شَرْحٍ يُسْفِرُ عَنْ وُجُوهِ مُحَذَّرَاتِهِ النِّقَابَ، وَيُبْرِزُ مِنْ خَفِيِّ مَكْنُونَاتِهِ بِمَا وَرَاءَ الْحِجَابِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى وَشَمَّرْتُ عَنْ سَاعِدِ الِاجْتِهَادِ، وَطَلَبْتُ مِنْ اللَّهِ الْعِنَايَةَ وَالرَّشَادَ، وَكُنْتُ أَوَدُّ لَوْ رَأَيْتُ لِي سَابِقًا أَكُونُ وَرَاءَهُ مُصَلِّيًا، وَلَمْ أَكُنْ فِي حَلَبَةِ رِهَانِهِ مُجَلِّيًا، إذْ لَسْتُ لِذَلِكَ كُفُؤًا بِلَا مِرَا وَالْفَهْمُ لِقُصُورِهِ يُقَدِّمُ رِجْلًا وَيُؤَخِّرُ أُخْرَى، وَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُمِدَّنِي بِذَارِفِ لُطْفِهِ
وَوَافِرِ عَطْفِهِ، وَسَمَّيْتُهُ (كَشَّافَ الْقِنَاعِ عَنْ الْإِقْنَاعِ) . وَاَللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ، وَأَنْ يُعَامِلَنَا بِفَضْلِهِ، وَمَزَجْتُهُ بِشَرْحِهِ حَتَّى صَارَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ لَا يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا إلَّا صَاحِبُ بَصَرٍ أَوْ بَصِيرَةٍ، لِحَلِّ مَا قَدْ يَكُونُ مِنْ التَّرَاكِيبِ الْعَسِيرَةِ وَتَتَبَّعْتُ أُصُولَهُ الَّتِي أَخَذَ مِنْهَا كَالْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَمَا تَيَسَّرَ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوحِ تِلْكَ الْكُتُبِ وَحَوَاشِيهَا، كَالشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَالْمُبْدِعِ وَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهَا مِمَّا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوُقُوفِ عَلَيْهِ كَمَا سَتَرَاهُ، خُصُوصًا شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِعِ، فَتَعْوِيلِي فِي الْغَالِبِ عَلَيْهِمَا، وَرُبَّمَا عَزَوْتُ بَعْضَ الْأَقْوَالِ لِقَائِلِهَا خُرُوجًا مِنْ عُهْدَتِهَا. وَذَكَرْتُ مَا أَهْمَلَهُ مِنْ الْقُيُودِ، وَغَالِبَ عِلَلِ الْأَحْكَامِ وَأَدِلَّتِهَا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِصَارِ غَيْرِ الْمَرْدُودِ وَبَيَّنْتُ الْمُعْتَمَدَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَعَارَضَ كَلَامُهُ فِيهَا، وَمَا خَالَفَ فِيهِ الْمُنْتَهَى مُتَعَرِّضًا لِذِكْرِ الْخِلَافِ فِيهَا لِيُعْلَمَ مُسْتَنَدُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّه تَعَالَى مِمَّا يَقَعُ لِي مِنْ الْخَلَلِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْمَسْطُورَةِ وَأَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ يُرِيدُ أَنْ يُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ وَيَأْبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُتِّمَ نُورَهُ وَمَنْ عَثَرَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا طَغَى بِهِ الْقَلَمُ أَوْ زَلَّتْ بِهِ الْقَدَمُ فَلْيَدْرَأْ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ، وَيُحْضِرْ بِقَلْبِهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ مَحِلَّ النِّسْيَانِ، وَأَنَّ الصَّفْحَ عَنْ عَثَرَاتِ الضِّعَافِ مِنْ شِيَمِ الْأَشْرَافِ، وَأَنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وَمَا تَوْفِيقِي إلَّا بِاَللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) تَأَسِّيًا بِالْكِتَابِ، وَعَمَلًا بِحَدِيثِ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَبْتَرُ» أَيْ ذَاهِبُ الْبَرَكَةِ رَوَاهُ الْخَطِيبُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِهِ الْجَامِعِ، وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ. وَالْبَاءُ فِي الْبَسْمَلَةِ لِلْمُصَاحَبَةِ أَوْ الِاسْتِعَانَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وَتَقْدِيرُهُ فِعْلًا أَوْلَى، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَمَلِ لِلْأَفْعَالِ وَخَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ أَمَسُّ بِالْمَقَامِ، وَمُؤَخَّرًا لِإِفَادَةِ الِاخْتِصَاصِ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْوُجُودِ وَأَدْخَلُ فِي التَّعْظِيمِ وَلَا يَرِدُ {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] لِكَوْنِهِ مَقَامَ أَمْرٍ بِجَعْلِ الْفِعْلِ مَقْرُونًا بِاسْمِ اللَّهِ، فَتَقْدِيمُهُ أَيْ الْفِعْلُ لِكَوْنِهَا أَوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ، عَلَى أَنَّ فِي الْكَشَّافِ أَنَّ مَعْنَاهُ: اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِسْمِ - رَبِّكَ أَيْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ثُمَّ اقْرَأْ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: مُفْتَتِحًا بِسْمِ اللَّهِ اقْرَأْ وَكَفَى بِهِ شَاهِدًا عَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مَأْمُورٌ بِهَا فِي ابْتِدَاءِ كُلِّ قِرَاءَةٍ إذْ هُوَ أَمْرٌ بِإِيجَادِ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا بِدُونِ تَعَلُّقِهِ بِمَقْرُوءٍ دُونَ مَقْرُوءٍ، فَتَكُونُ مَأْمُورًا بِهَا فِي ابْتِدَاءٍ غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا وَكُسِرَتْ الْبَاءُ وَإِنْ كَانَ حَقُّ
الْحُرُوفِ الْمُفْرَدَةِ الْفَتْحَ - لِلُزُومِهَا الْحَرْفِيَّةَ وَالْجَرَّ، وَلِتَشَابُهِ حَرَكَتِهَا عَمَلَهَا وَحُذِفَتْ الْأَلْفُ مِنْ اسْمِ اللَّهِ دُونَ اسْمِ رَبِّكَ وَنَحْوِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَعُوِّضَ عَنْهَا تَطْوِيلُ الْبَاءِ. وَاَللَّهُ أَصْلُهُ إلَهٌ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ وَعُوِّضَ عَنْهَا اللَّامُ، وَإِلَهٌ اسْمٌ لِكُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ ثُمَّ غَلَبَ عَلَى مَفْهُومِ كُلِّيٍّ هُوَ الْمَعْبُودُ بِحَقٍّ وَاَللَّهُ عَلَمٌ خَاصٌّ لِذَاتٍ مُعَيَّنٍ هُوَ الْمَعْبُودُ بِالْحَقِّ إذْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِهِ تَعَالَى. قَالَ تَعَالَى {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 65] وَمِنْ ثَمَّ كَانَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ تَوْحِيدًا، أَيْ لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا ذَلِكَ الْوَاحِدَ الْحَقَّ، فَهُوَ مِنْ الْأَعْلَامِ الْخَاصَّةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ وَمِنْ الْأَعْلَامِ الْغَالِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّ أَصْلَهُ إلَهٌ. قَالَهُ الدُّلَجِيُّ فِي شَرْحِ الشِّفَاءِ وَالرَّحْمَنُ خَاصٌّ لَفْظًا إذْ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى وَمَا شَذَّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، عَامٌّ مَعْنًى؛ لِأَنَّهُ صِفَةٌ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ وَالْإِنْعَامِ بِجَلَائِلِ النِّعَمِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَهُوَ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لَا مَوْصُوفًا وَكَوْنُهُ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى دُونَ الذَّاتِ مِنْ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ الرَّحِيمُ عَامٌّ لَفْظًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ تَعَالَى، وَهُمَا صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ رَحِمَ بِجَعْلِهِ لَازِمًا بِنَقْلِهِ إلَى بَابِ فَعُلَ بِضَمِّ ثَانِيهِ، إذْ لَا تُشْتَقُّ مِنْ مُتَعَدٍّ وَالرَّحْمَةُ عَطْفٌ، أَيْ تَعَطُّفٌ وَشَفَقَةٌ وَمَيْلٌ رُوحَانِيٌّ لَا جُسْمَانِيٌّ. وَمِنْ ثَمَّ جُعِلَ الْإِنْعَامُ مُسَبَّبًا عَنْ الْعَطْفِ وَالرِّقَّةِ لَا عَنْ الِانْحِنَاءِ الْجُسْمَانِيِّ، وَكِلَاهُمَا فِي حَقِّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَهُوَ مَجَازٌ إمَّا عَنْ نَفْسِ الْإِنْعَامِ فَيَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ أَوْ عَنْ إرَادَتِهِ فَيَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ وَإِمَّا تَمْثِيلٌ لِلْغَائِبِ، أَيْ تَمَكُّنُهُ تَعَالَى مِنْ الْإِنْعَامِ بِالشَّاهِدِ، أَيْ تَمَكُّنُ الْمَلِكِ مِنْ مُلْكِهِ فَتُفْرَضُ حَالُهُ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ التَّمَكُّنِ مِنْهُ بِحَالِ مَلِكٍ عَطَفَ عَلَى رَعِيَّتِهِ وَرَقَّ لَهُمْ فَعَمَّهُمْ مَعْرُوفُهُ فَأُطْلِقَا عَلَيْهِ تَعَالَى عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ التَّمْثِيلِيَّةِ وَقَدَّمَ الرَّحْمَنُ؛ لِأَنَّهُ عَلَمٌ أَوْ كَالْعَلَمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ أَوْ لِأَنَّ الرَّحِيمَ ذُكِرَ كَالتَّتِمَّةِ وَالرَّدِيفِ لِلرَّحْمَنِ، لِئَلَّا يُتَوَهَّمُ كَوْنُ دَقَائِقِ الرَّحْمَةِ لِغَيْرِهِ تَعَالَى. (الْحَمْدُ لِلَّهِ) أَيْ الْوَصْفُ بِالْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ ثَابِتٌ لَهُ تَعَالَى وَالْحَمْدُ عُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُنْعِمٌ عَلَى الْحَامِدِ أَوْ غَيْرِهِ بَدَأَ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ أَقْطَعُ» . وَفِي رِوَايَةٍ «بِحَمْدِ اللَّهِ» وَفِي رِوَايَةٍ «بِالْحَمْدِ» وَفِي
رِوَايَةٍ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: رَوَيْنَا كُلَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي كِتَابِ الْأَرْبَعِينَ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيِّ وَرَوَيْنَاهُ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الصَّحَابِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَالْمَشْهُورُ رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُهُ هَذَا حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمَا وَالنَّسَائِيُّ فِي عَمَلُ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَأَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ الْمُخْرَجِ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ. وَرُوِيَ مَوْصُولًا وَمُرْسَلًا وَرِوَايَةُ الْمَوْصُولِ إسْنَادُهَا جَيِّدٌ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ» مَعْنَاهُ لَهُ حَالٌ يُهْتَمُّ بِهِ وَمَعْنَى أَقْطَعُ أَيْ نَاقِصٌ قَلِيلُ الْبَرَكَةِ وَأَجْذَمُ وَهُوَ بِجِيمٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ، يُقَالُ جَذِمَ يَجْذَمُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: تُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ لِكُلِّ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ وَمُزَوِّجٍ وَمُتَزَوِّجٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ انْتَهَى. وَفِي لَفْظٍ «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» رَوَاهُ الرَّهَاوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدَّمَ الْبَسْمَلَةَ عَلَى الْحَمْدَلَةِ عَمَلًا بِالْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالْإِجْمَاعِ، فَوَقَعَ الِابْتِدَاءُ بِهَا حَقِيقَةً وَبِالْحَمْدَلَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا. إذْ الِابْتِدَاءُ أَمْرٌ عُرْفِيٌّ يُعْتَبَرُ مُمْتَدًّا مِنْ الْأَخْذِ فِي التَّأْلِيفِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ خَبَرَيْهِمَا وَأَصْلُ الْحَمْدِ النَّصْبُ لِأَنَّهُ مِنْ مَصَادِر شَاعَ اسْتِعْمَالُهَا مَنْصُوبَةً بِإِضْمَارِ أَفْعَالِهَا وَعُدِلَ إلَى رَفْعِهِ كَمَا فِي سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ، وَأَلْ فِي الْحَمْدُ لِلْجِنْسِ أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ أَوْ الْعَهْدِ، وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أَوْ الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ التَّعْلِيلِ، أَيْ جَمِيعُ الْمَحَامِدِ مَمْلُوكَةٌ أَوْ مُسْتَحَقَّةٌ أَوْ ثَابِتَةٌ لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى. (الَّذِي فَقَّهَ) أَيْ فَهَّمَ (مَنْ أَرَادَ) أَيْ اللَّهُ تَعَالَى (بِهِ خَيْرًا) هُوَ ضِدُّ الشَّرِّ (فِي الدِّينِ) مُتَعَلِّقٌ بِفَقَّهَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَغَيْرِهِمَا مَرْفُوعًا «مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» أَيْ يُفَهِّمْهُ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ، إمَّا بِتَصَوُّرِهَا وَالْحُكْمِ عَلَيْهَا وَإِمَّا بِاسْتِنْبَاطِهَا مِنْ أَدِلَّتِهَا كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا وُهِبَ لَهُ وَالدِّينُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمِلَّةِ وَالْإِسْلَامِ وَالْعَادَةِ وَالسِّيرَةِ وَالْحِسَابِ وَالْقَهْرِ وَالْقَضَاءِ وَالْحُكْمِ وَالطَّاعَةِ وَالْحَالِ وَالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْجَزَاءِ وَالرَّأْيِ وَالسِّيَاسَةِ، وَدَانَ عَصَى وَأَطَاعَ وَذَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ. (وَشَرَعَ) أَيْ بَيَّنَ (أَحْكَامٌ) جَمْعُ: حُكْمٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الْقَضَاءُ
وَالْحِكْمَةُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: خِطَابُ اللَّهِ الْمُفِيدُ فَائِدَةً شَرْعِيَّةً (الْحَلَالِ) وَهُوَ لُغَةً وَشَرْعًا ضِدُّ الْحَرَامِ فَيَعُمُّ الْوَاجِبَ وَالْمَنْدُوبَ وَالْمَكْرُوهَ وَالْمُبَاحَ (وَالْحَرَامِ) وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعًا مَا يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ امْتِثَالًا وَيُعَاقَبُ عَلَى فِعْلِهِ. وَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ: فَرْعِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْخَطَأِ فِي اعْتِقَادِ مُقْتَضَاهُ، وَلَا فِي الْعَمَلِ بِهِ قَدْحٌ فِي الدِّينِ وَلَا وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ وَالنِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَأَصْلِيٌّ هُوَ بِخِلَافِهِ (فِي كِتَابِهِ) أَيْ كَلَامِهِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُعْجِزِ بِنَفْسِهِ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُمَّ سَائِرَ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْأَحْكَامِ كَالتَّوْرَاةِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَةُ (الْمُبِينِ) أَيْ الْمُشْتَمِلِ عَلَى بَيَانِ مَا لِلنَّاسِ حَاجَةٌ إلَيْهِ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَالْإِبَانَةُ وَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهَا بِهِ وَمَا ثَبَتَ مِنْ الْأَحْكَامِ بِالسُّنَّةِ أَوْ الْإِجْمَاعِ أَوْ الْقِيَاسِ أَوْ الِاسْتِصْحَابِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْكِتَابِ؛ لِأَنَّ حُجَّتَهُ إنَّمَا ثَبَتَتْ بِهِ، كَمَا بُيِّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ فَجَمِيعُ الْأَحْكَامِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ أَصَالَةً. قَالَ تَعَالَى {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا بِوَاسِطَةِ سُنَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَ تَعَالَى {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] . (وَأَعَزَّ الْعِلْمَ) أَيْ شَرَّفَهُ وَالْعِزُّ ضِدُّ الذُّلِّ تَقُولُ مِنْهُ عَزَّ يَعِزُّ عِزًّا بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِيهِمَا وَعَزَازَةً أَيْ قَوِيَ بَعْد ذِلَّةٍ وَأَعَزَّهُ اللَّهُ. وَفِي الْمَثَلِ: " إذَا عَزَّ أَخُوكَ فَهُنْ ". وَفِي الْمَثَل أَيْضًا: " مَنْ عَزَّ بَزَّ " أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ، وَالِاسْمُ الْعِزَّةُ وَهِيَ الْغَلَبَةُ وَالْقُوَّةُ (وَرَفَعَ) الرَّفْعُ ضِدُّ الْوَضْعِ وَبَابُهُ قَطَعَ وَرَفَعَ فُلَانٌ عَلَى الْعَامِلِ رَفِيعَةً وَهُوَ مَا يَرْفَعُهُ مِنْ قِصَّتِهِ وَيُبَلِّغُهَا. وَفِي الْحَدِيثِ «كُلُّ رَافِعَةٍ رُفِعَتْ إلَيْنَا مِنْ الْبَلَاغِ» أَيْ كُلُّ جَمَاعَةٍ مُبَلِّغَةٍ تُبَلِّغُ عَنَّا «فَلْتُبَلِّغْ أَنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ» وَالرَّفْعُ تَقْرِيبُكَ الشَّيْءَ وقَوْله تَعَالَى {وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ} [الواقعة: 34] قَالُوا: مُقَرَّبَةٌ لَهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ رَفَعْتُهُ إلَى السُّلْطَانِ وَمَصْدَرُهُ الرُّفْعَانُ بِالضَّمِّ (أَهْلَهُ) أَيْ حَمَلَتَهُ (الْعَامِلِينَ بِهِ) أَيْ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ كَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، فَ " الـ " فِي الْعِلْمِ لِلْعَهْدِ الشَّرْعِيِّ أَوْ لِلْجِنْسِ وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْحَرَامِ، عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْجِهَادِ. (الْمُتَّقِينَ) أَيْ الَّذِينَ وَقَوْا أَنْفُسَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَالتَّقْوَى مَرَاتِبُ: تَوَقِّي الْعَذَابِ الْمُخَلِّدَ بِالتَّبَرُّؤِ مِنْ الشِّرْكِ. قَالَ تَعَالَى {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26] وَتَوَقِّي مَا يُؤَثِّمُ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ حَتَّى الصَّغَائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ
وَهُوَ الْمُتَعَارَفُ بِالتَّقْوَى فِي الشَّرْعِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا} [الأعراف: 96] وَتَوَقِّي مَا يَشْغَلُ السِّرَّ عَنْ الْحَقِّ وَالتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِشَرَاشِرِهِ وَهُوَ التَّقْوَى الْحَقِيقِيُّ الْمَطْلُوبُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] وَإِعْزَازُ الْعِلْمِ وَرَفْعُ أَمْرِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ. قَالَ تَعَالَى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11] وَقَالَ {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] . وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِينَ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَقَالَ «لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي خَيْرٍ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ عَلَى الْأَصَحِّ. (أَحْمَدُهُ) أَيْ أَصِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، لِأَنَّ الْمُضَارِعَ الْمُثْبَتَ يُشْعِرُ بِالِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ، وَفِيهِ مُوَافَقَةٌ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالْمَحْمُودِ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّ آلَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ فِي حَقِّنَا دَائِمًا كَذَلِكَ نَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا تَزَالُ تَتَجَدَّدُ، أَوَّلًا بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وَثَانِيًا بِالْفِعْلِيَّةِ اقْتِدَاءً بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَفِي خَبَرِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ» (حَمْدًا يَفُوقُ حَمْدَ الْحَامِدِينَ) مَصْدَرٌ مُبَيِّنٌ لِنَوْعِ الْحَمْدِ لِوَصْفِهِ بِالْجُمْلَةِ بَعْدَهُ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ الْحَمْدِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَقَوْلِ مَنْ قَالَ حَمْدًا يُوَافِي نِعَمَهُ وَيُكَافِئُ مَزِيدَهُ إذْ الْعَبْدُ لَا يُمْكِنُهُ الْإِتْيَانُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، وَعَدَدَ الرِّمَالِ وَالتُّرَابِ وَالْحَصَى وَالْقَطْرِ وَعَدَدَ أَنْفَاسِ الْخَلَائِقِ وَعَدَدَ مَا خَلَقَ اللَّهُ وَمَا هُوَ خَالِقٌ فَهَذَا إخْبَارٌ عَمَّا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْحَمْدِ لَا عَمَّا يَقَعُ مِنْ الْعَبْدِ مِنْ الْحَمْدِ، أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي عُدَّةِ الصَّابِرِينَ. (وَأَشْكُرُهُ) أَيْ
اللَّهَ تَعَالَى (عَلَى نِعَمِهِ) جَمْعُ نِعْمَةٍ وَالْإِنْعَامُ الْإِعْطَاءُ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: أَنْعَمَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَأَنْعَمَ بِهَا: عَطِيَّتُهُ وَالشُّكْرُ لُغَةً الْحَمْدُ عُرْفًا وَاصْطِلَاحًا صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ لِمَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ. قَالَ تَعَالَى {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] فَبَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ وَأَخُصُّ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرِدِ وَهُوَ اللِّسَانُ وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ جِهَةِ الْمَوْرِدِ وَأَخُصُّ مِنْ جِهَةِ الْمُتَعَلَّقِ وَالنِّسْبَةُ بَيْنَ بَاقِي الْأَقْسَامِ تَظْهَرُ لِلْمُتَأَمِّلِ (الَّتِي لَا تُحْصَى) . قَالَ تَعَالَى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سُبْحَانَكَ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ (وَإِيَّاهُ أَسْتَعِينُ) أَيْ أَطْلُبُ الْمَعُونَةَ مِنْهُ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدِيرُ وَغَيْرَهُ الْعَاجِزُ (وَأَسْتَغْفِرُهُ) أَيْ أَطْلُبُ مِنْهُ الْمَغْفِرَةَ أَيْ السَّتْرَ عَمَّا فَرَطَ (وَأَتُوبُ) أَيْ أَرْجِعُ (إلَيْهِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) الرَّجَّاعِينَ إلَيْهِ مِمَّا فَرَطَ مِنْهُمْ مِنْ الذُّنُوبِ. (وَأَشْهَدُ) أَيْ أَعْلَمُ (أَنْ لَا إلَهَ) أَيْ مَعْبُودَ بِحَقٍّ فِي الْوُجُودِ (إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ مُنْفَرِدًا فِي ذَاتِهِ (لَا شَرِيكَ لَهُ) فِي ذَاتِهِ وَلَا صِفَاتِهِ وَلَا أَفْعَالِهِ (وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد: 19] (وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ) الْخَاضِعِينَ الْمُنْقَادِينَ لِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَابِلِينَ لِأَمْرِهِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ فِي بَابِ الرِّدَّةِ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا) سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الْمَحْمُودَةِ وَهُوَ عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ التَّحْمِيدِ مُشْتَقٌّ كَأَحْمَدَ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى الْحَمِيدِ، وَأَسْمَاؤُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَثِيرَةٌ أَفْرَدَ لَهَا الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرٍ كِتَابًا فِي تَارِيخِهِ بَعْضُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِهِمَا مِنْهَا أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ وَالْحَاشِرُ وَالْعَاقِبُ وَالْمُقَفِّي وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَالْفَاتِحُ. وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفُ اسْمٍ، وَلِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلْفُ اسْمٍ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَمَّا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى فَهَذَا الْعَدَدُ حَقِيرٌ فِيهَا وَأَمَّا أَسْمَاءُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ أُحْصِهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ الْوُرُودِ الظَّاهِرِ بِصِيغَةِ الْأَسْمَاءِ الْبَيِّنَةِ، فَوَعَيْتُ مِنْهَا أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ اسْمًا ثُمَّ ذَكَرَهَا مُفَصَّلَةً مَشْرُوحَةً فَاسْتَوْعَبَ وَأَجَادَ (عَبْدُهُ) . قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشْرَفَ وَلَا اسْمٌ أَتَمَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْوَصْفِ بِالْعُبُودِيَّةِ قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: وَلِهَذَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْعُبُودِيَّةِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ حِينَ دَعَا الْخَلْقَ
إلَى تَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ. قَالَ تَعَالَى {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19] وَحِينَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا - الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 23 - 1] . وَحِينَ أَسْرَى بِهِ إلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1] قَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَدْعُنِي إلَّا بِيَا عَبْدَهَا ... فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي وَلَهُ أَحَدَ عَشَرَ جَمْعًا أَشَارَ إلَيْهَا ابْنُ مَالِكٍ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ عِبَادٌ عَبِيدٌ جَمْعُ عُبُدٍ وَأَعْبُدٌ ... أَعَابِدُ مَعْبُودًا مَعْبَدَةٌ عُبُدُ كَذَلِكَ عُبْدَانُ وَعِبْدَانُ أُثْبِتَا ... كَذَاك الْعُبْدَى وَامْدُدْ إنْ شِئْتَ أَنْ تَمُدَّ. (وَرَسُولُهُ) إلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَالرَّسُولُ إنْسَانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ أَخَصُّ مِنْ النَّبِيِّ (الَّذِي مَهَّدَ) يُقَالُ: مَهَّدَ الْفِرَاشَ: بَسَطَهُ وَوَطَّأَهُ، وَبَابُهُ قَطَعَ وَتَمْهِيدُ الْأُمُورِ تَسْوِيَتُهَا وَإِصْلَاحُهَا (قَوَاعِدَ الشَّرْعِ) جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ أَمْرٌ كُلِّيٌّ مُنْطَبِقٌ عَلَى جُزْئِيَّاتٍ مَوْضُوعَةٍ وَالشَّرْعُ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ (وَبَيَّنَهَا أَحْسَنَ تَبْيِينٍ) أَيْ أَوْضَحَهُ وَأَكْمَلَهُ، لِأَنَّهُ الْمَخْصُوصُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ (- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) . الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الرَّحْمَةُ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ وَاخْتَارَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَإِرَادَةُ إكْرَامِهِ بِرَفْعِ ذِكْرِهِ وَمَنْزِلَتِهِ وَتَقْرِيبِهِ، وَإِنَّ صَلَاتَنَا نَحْنُ عَلَيْهِ سُؤَالُنَا لِلَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ، وَرُدَّ قَوْلُ مَنْ قَالَ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ رَحْمَتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ مِنْ خَمْسَةَ عَشْرَ وَجْهًا. وَقَالَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّةَ مِنَّا، وَالْحَلِيمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَاللَّخْمِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. (وَعَلَى آلِهِ) أَيْ أَتْبَاعِهِ عَلَى دِينِهِ وَقِيلَ مُؤْمِنُو بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ: أَهْلُهُ وَالصَّوَابُ جَوَازُ إضَافَتِهِ لِلضَّمِيرِ خِلَافًا لِلْكِسَائِيِّ وَالنَّحَّاسِ وَالزُّبَيْدِيِّ فَمَنَعُوهَا لِتَوَغُّلِهِ فِي الْإِبْهَامِ (وَصَحْبِهِ) نَقَلَ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّ مَنْ صَحِبَهُ
سَنَةً أَوْ شَهْرًا أَوْ يَوْمًا أَوْ سَاعَةً أَوْ رَآهُ فَهُوَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، نَقَلَهُ عَنْهُمْ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا رَدًّا عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ يُوَالُونَ الْآلُ دُونَ الصَّحْبِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ يُوَالُونَهُمَا وَقَدَّمَ الْآلُ لِلْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ فِي حَدِيثِ كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ (أَجْمَعِينَ) تَأْكِيدٌ لِلْآلِ وَالصَّحْبِ لِإِفَادَةِ الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ (وَتَابِعِيهِمْ) أَيْ تَابِعِي الصَّحْبِ، يُقَالُ: تَبَعَهُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَسَلَّمَ إذَا مَشَى خَلْفَهُ وَأَمَرَ بِهِ فَمَضَى مَعَهُ (بِإِحْسَانٍ) فِي الِاعْتِقَادِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ (إلَى يَوْمِ الدِّينِ) أَيْ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ (وَسَلَّمَ) مِنْ السَّلَامِ، وَهُوَ التَّحِيَّةُ أَوْ السَّلَامَةِ مِنْ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ (تَسْلِيمًا) مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ. (أَمَّا بَعْدُ) يُؤْتَى بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إلَى آخَرَ اسْتِحْبَابًا فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهَا فِي خُطَبِهِ وَشِبْهِهَا نَقَلَهُ عَنْهُ خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا ذُكِرَ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ. وَذَكَرَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْمُحَرَّر أَنَّ الْحَافِظَ عَبْدَ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيَّ رَوَاهُ فِي الْأَرْبَعِينَ الَّتِي لَهُ عَنْ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا وَقِيلَ إنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيهِ دَاوُد وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِهَا فَقِيلَ: دَاوُد - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقِيلَ: يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَقِيلَ: يَعْرُبُ بْنُ قَحْطَانَ وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَقِيلَ: قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ وَقِيلَ: سَحْبَانُ بْنُ وَائِلٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوَّلِيَّةِ الْمَحْضَةِ، وَالْبَقِيَّةُ غَيْرُ الثَّانِي بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً ثُمَّ يُجْمَعُ بَيْنَهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَائِلِ وَالثَّانِي ضَعِيفٌ جِدًّا فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْجَمْعِ وَالْمَعْرُوفُ بِنَاءُ بَعْدُ عَلَى الضَّمِّ وَأَجَازَ بَعْضُهُمْ تَنْوِينَهَا مَرْفُوعَةً وَمَنْصُوبَةً وَالْفَتْحُ بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَهِيَ ظَرْفُ زَمَانٍ وَرُبَّمَا اُسْتُعْمِلَتْ ظَرْفَ مَكَان وَأَمَّا حَرْفُ تَفْصِيلٍ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ (فَهَذَا) إشَارَةٌ إلَى مَا اسْتَحْضَرَهُ فِي ذِهْنِهِ وَأَقَامَهُ مَقَامَ الْمَلْفُوظِ الْمَقْرُوءِ الْمَوْجُودِ بِالْعِيَانِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْخُطْبَةُ قَبْلَ التَّأْلِيفِ أَوْ بَعْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُسَمَّى الْكِتَابِ الْأَلْفَاظُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي (كِتَابٌ) أَيْ مَكْتُوبٌ جَامِعٌ. (فِي الْفِقْهِ) وَهُوَ لُغَةً الْفَهْمُ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَعُرْفًا مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْقُوَّةِ الْقَرِيبَةِ أَوْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ نَفْسِهَا، وَالْفَقِيهُ: مَنْ عَرَفَ جُمْلَةً غَالِبَةً كَذَلِكَ بِالِاسْتِدْلَالِ وَمَوْضُوعُهُ: أَفْعَالُ الْعِبَادِ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ
الشَّرْعِيَّةِ بِهَا وَمَسَائِلُهُ: مَا يُذْكَرُ فِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِهِ. (عَلَى مَذْهَبِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ مَفْعَلٌ مِنْ ذَهَبَ يَذْهَبُ إذَا مَضَى بِمَعْنَى الذَّهَابِ أَوْ مَكَانِهِ أَوْ زَمَانِهِ، ثُمَّ نُقِلَ إلَى مَا قَالَهُ الْمُجْتَهِدُ بِدَلِيلٍ وَمَاتَ قَائِلًا بِهِ وَكَذَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَاهُ (إمَامِ الْأُمَّةِ) أَيْ قُدْوَتِهِمْ (وَمُجْلِي) أَيْ كَاشِفِ وَمُذْهِبِ (دُجَى) جَمْعُ دُجْيَةٍ وَهِيَ الظُّلْمَةُ (الْمُشْكِلَاتِ) جَمْعُ مُشْكِلَةٍ مِنْ أَشْكَلَ الْأَمْرُ إذَا الْتَبَسَ كَشَكُلَ وَشَكَّلَ، وَشَكَّلَ الْكِتَابَ أَيْ أَزَالَ إشْكَالَهُ (الْمُدْلَهِمَّةِ) أَيْ الشَّدِيدَةِ الِالْتِبَاسِ، مِنْ ادْلَهَمَّ الظَّلَامُ أَيْ كَثُفَ وَاسْوَدَّ، وَلَيْلَةٌ مُدْلَهِمَّةٌ أَيْ مُظْلِمَةٌ (الزَّاهِدِ) مِنْ الزُّهْدِ، وَهُوَ الْإِعْرَاضُ بِالْقَلْبِ عَنْ الدُّنْيَا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ الزُّهْدُ قِصَرُ الْأَمَلِ وَالْإِيَاسُ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَقَسَّمَهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ذَكَرْتُهَا فِي الْحَاشِيَةِ (الرَّبَّانِيِّ) أَيْ الْمُتَأَلِّهِ الْعَارِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} [آل عمران: 79] (وَالصِّدِّيقِ) الْبَالِغِ فِي الصِّدْقِ وَهُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ (الثَّانِي) لُقِّبَ بِهِ، لِنُصْرَتِهِ لِلسُّنَّةِ وَصَبْرِهِ عَلَى الْمِحْنَةِ، كَصَبْرِ الصِّدِّيقِ الْأَوَّلِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ أَيَّدَ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِرَجُلَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَوْمَ الرِّدَّةِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْمِحْنَةِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: لَوْلَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَبَذْلُهُ نَفْسَهُ لِمَا بَذَلَهَا لَهُ لَذَهَبَ الْإِسْلَامُ. وَعَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ ضُرِبَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَبَا نَصْرٍ لَوْ أَنَّكَ خَرَجْتَ فَقُلْتَ إنِّي عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَقَالَ بِشْرٌ أَتُرِيدُونَ أَنْ أَقُومَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ؟ إنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَامَ مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ نَقَلَهُ فِي الْمَطْلَعِ (أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ) بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ مَازِنِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ، ابْنِ أَفَصَى بِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، ابْنِ دَعْمِي بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ (الشَّيْبَانِيِّ) الْمَرْوَزِيِّ الْبَغْدَادِيِّ فَكَذَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ وَابْنُ طَاهِرٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَشَيْبَانُ حَيٌّ مِنْ بَكْرٍ وَهُمَا شَيْبَانَانِ أَحَدُهُمَا شَيْبَانُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَالْآخَرُ: شَيْبَانُ بْنُ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ انْتَهَى حَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ بِمَرْوَ. وَوُلِدَ بِبَغْدَادَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ وَدَخَلَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَالشَّامَ وَالْيَمَنَ وَالْكُوفَةَ وَالْبَصْرَةَ وَالْجَزِيرَةَ. وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ يَوْمَ
الْجُمُعَةِ ثَانِي عَشْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَالْمَشْهُورُ الْآخَرُ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَأَسْلَمَ يَوْمَ مَوْتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَفَضَائِلُهُ كَثِيرَةٌ وَمَنَاقِبُهُ شَهِيرَةٌ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ الْمُسْنَدُ ثَلَاثُونَ أَلْفًا، وَالتَّفْسِيرُ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ أَلْفًا، وَالنَّاسِخُ الْمَنْسُوخُ وَالتَّارِيخُ، وَالْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّر فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَجَوَابَاتُ الْقُرْآنِ، وَالْمَنَاسِكُ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى إنَّمَا اخْتَرْنَا مَذْهَبَ أَحْمَدَ عَلَى مَذْهَبِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ أَسَنُّ مِنْهُ وَأَقْدَمُ هِجْرَةً مِثْلُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِمُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْقِيَاسَ الْجَلِيَّ فَإِنَّهُ كَانَ إمَامًا فِي الْقُرْآنِ، وَلَهُ فِيهِ التَّفْسِيرَ الْعَظِيمَ وَكَتَبَ مِنْ عِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ مَا أَطَّلَعَ بِهِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -) أَيْ أَثَابَهُ (وَأَرْضَاهُ) أَيْ أَحَلَّ بِهِ رِضْوَانَهُ الَّذِي لَا سُخْطَ بَعْدَهُ (وَجَعَلَ جَنَّةَ الْفِرْدَوْسِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ: هُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْجَنَّةِ، وَأَصْلُهُ الْبُسْتَانُ الَّذِي يَجْمَعُ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ، وَإِضَافَةُ الْجَنَّةِ إلَيْهِ كَشَجَرِ أَرَاكٍ (مَأْوَاهُ) أَيْ مَكَانُ إقَامَتِهِ. (اجْتَهَدْتُ) أَيْ بَذَلْتُ وُسْعِي (فِي تَحْرِيرِ نُقُولِهِ) أَيْ تَهْذِيبِ مَسَائِلِهِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ الْإِمَامِ أَوْ الْأَصْحَابِ (وَاخْتِصَارِهَا) أَيْ النُّقُولِ. وَفِي نُسْخَةٍ بِخَطِّهِ: وَاخْتِصَارِهِ: أَيْ الْكِتَابِ وَالِاخْتِصَارُ: تَجْرِيدُ اللَّفْظِ الْيَسِيرِ مِنْ اللَّفْظِ الْكَثِيرِ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى، وَالْإِيجَازُ تَجْرِيدُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ رِعَايَةِ اللَّفْظِ (لِعَدَمِ) أَيْ لِأَجْلِ عَدَمِ (تَطْوِيلِهِ) لِقُصُورِ الْهِمَمِ وَكَثْرَةِ الْمَوَانِعِ (مُجَرِّدًا) هَذَا الْكِتَابَ (غَالِبًا عَنْ دَلِيلِهِ) وَهُوَ لُغَةُ الْمُرْشِدِ حَقِيقَةً، وَمَا بِهِ الْإِرْشَادُ مَجَازًا وَعُرْفًا: مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ (وَ) مُجَرَّدًا غَالِبًا عَنْ (تَعْلِيلِهِ) أَيْ ذِكْرِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، وَالْعِلَّةُ لُغَةً عَرْضٌ يُوجِبُ خُرُوجَ الْبَدَنِ الْحَيَوَانِيِّ عَنْ الِاعْتِدَالِ الطَّبِيعِيِّ، وَشَرْعًا: مَا أَوْجَبَ حُكْمًا شَرْعِيًّا لَا مَحَالَةَ أَوْ حِكْمَةُ الْحُكْمِ أَوْ مُقْتَضِيهِ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الدَّلِيلِ، إذْ كُلُّ تَعْلِيلٍ دَلِيلٌ وَلَا عَكْسَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا (عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ) مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْخِلَافِ طَلَبًا لِلِاخْتِصَارِ وَكَذَلِكَ صَنَعْتُ فِي شَرْحِهِ وَالْقَوْلُ يَعُمُّ مَا كَانَ رِوَايَةً عَنْ الْإِمَامِ أَوْ وَجْهًا لِلْأَصْحَابِ. (وَهُوَ) أَيْ الْقَوْلُ الْوَاحِدُ الَّذِي يَذْكُرُهُ وَيُحْذَفُ غَيْرُهُ هُوَ (مَا رَجَّحَهُ أَهْلُ التَّرْجِيحِ) مِنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ (مِنْهُمْ الْعَلَّامَةُ) الْجَامِعُ بَيْنَ عِلْمَيْ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ (الْقَاضِي) الْإِمَامُ الْفَقِيهُ الْأُصُولِيُّ الْمُحَدِّثُ النَّحْوِيُّ الْفَرْضِيُّ الْمُقْرِئُ (عَلَاءُ الدِّينِ) عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ السَّعْدِيُّ الْمِرْدَاوِيُّ ثُمَّ الصَّالِحِيُّ الْمُجْتَهِدُ فِي التَّصْحِيحِ، أَيْ تَصْحِيحِ الْمَذْهَبِ (فِي كُتُبِهِ
لم يؤلف الإمام أحمد في الفقه كتابا
الْإِنْصَافِ) فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِنْ الْخِلَافِ أَرْبَعُ مُجَلَّدَاتٍ (وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ) مُجَلَّدٌ وَاحِدٌ مُفِيدٌ بَعْدَ الْإِنْصَافِ (وَالتَّنْقِيحِ) مُجَلَّدٌ بَدِيعٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَى نَظِيرِهِ وَلَهُ أَيْضًا تَحْرِيرُ الْمَنْقُولِ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ وَشَرَحَهُ فِي مُجَلَّدَيْنِ وَمَوْلِدٌ وَكِتَابٌ فِي الْأَدْعِيَةِ، وَشَرَعَ فِي شَرْحِ الطُّوفِيِّ. وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ سَادِسَ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَمَانِمِائَةٍ وَأَمَّا صَاحِبُ الْفُرُوعِ فَهُوَ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ الْمَقْدِسِيُّ تِلْمِيذُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، قَالَ فِي حَقِّهِ ابْنُ الْقَيِّمِ مَعَ مُعَاصَرَتِهِ لَهُ: مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ بِالْفِقْهِ مِنْ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ مُفْلِحٍ، وَنَاهِيكَ بِكِتَابِهِ هَذَا الْجَامِعِ تُوُفِّيَ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ ثَانِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ. (وَرُبَّمَا ذَكَرْتُ بَعْضَ الْخِلَافِ) فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ (لِقُوَّتِهِ) تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ وَلِتَعْلَمَ رُتْبَتَهُ (وَرُبَّمَا عَزَوْتُ) أَيْ نَسَبْتُ (حُكْمًا إلَى قَائِلِهِ) مِنْ الْعُلَمَاءِ (خُرُوجًا مِنْ تَبِعَتِهِ) . قَالَ فِي الْقَامُوسِ: كَفَرِحَةٍ وَكِتَابَةٍ: الشَّيْءُ الَّذِي فِيهِ بُغْيَةٌ، شِبْهُ ظَلَامَةٍ وَنَحْوِهَا انْتَهَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ: التَّبِعَةُ مَا اُتُّبِعَ بِهِ وَقَدْ يَكُونُ عَزْوَ الْقَوْلِ لِقَائِلِهِ ارْتِضَاءً لَهُ وَمُوَافَقَةً كَمَا هُوَ شَأْنُ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ (وَرُبَّمَا أَطْلَقْتُ الْخِلَافَ) فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ (لِعَدَمِ) وُقُوفِي عَلَى (مُصَحِّحٍ) لَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ. (وَمُرَادِي بِالشَّيْخِ) حَيْثُ أَطْلَقْتُهُ (شَيْخُ الْإِسْلَامِ) بِلَا رَيْبَ (بَحْرُ الْعُلُومِ) النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ (أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ) تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَجْدُ الدِّينِ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الْخَضِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَضِرِ بْنِ عَلِيِّ (بْنِ تَيْمِيَّةَ) الْحَرَّانِيِّ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ عَاشِرَ - وَقِيلَ ثَانِيَ عَشَرَ - رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَسِتّمِائَةٍ، وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ عَشْرَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعمِائَةٍ كَانَ إمَامًا مُفْرَدًا أَثْنَى عَلَيْهِ الْأَعْلَامُ مِنْ مُعَاصِرِيهِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَامْتُحِنَ بِمِحَنٍ وَخَاضَ فِيهِ أَقْوَامٌ حَسَدًا، وَنَسَبُوهُ لِلْبِدَعِ وَالتَّجْسِيمِ، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ بَرِيءٌ، وَكَانَ يُرَجِّحُ مَذْهَبَ السَّلَفِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَأَيَّدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِ، وَقَدْ أَلَّفَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَنَفَعَنَا بِهِ. [لَمْ يُؤَلِّفْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْفِقْهِ كِتَابًا] " تَتِمَّةٌ " إذَا أَطْلَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ كَصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَالِاخْتِيَارَاتِ وَغَيْرِهِمْ الشَّيْخَ أَرَادُوا بِهِ الشَّيْخَ الْعَلَّامَةَ مُوَفَّقَ الدِّينِ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيَّ، وَإِذَا قِيلَ الشَّيْخَانِ فَالْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَإِذَا قِيلَ الشَّارِحُ فَهُوَ الشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو الْفَرَجِ
عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيِّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي الْمُوَفَّقِ وَتِلْمِيذُهُ، وَإِذَا أُطْلِقَ الْقَاضِي فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ خَلَفِ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَّاءُ وَإِذَا قِيلَ وَعَنْهُ، أَيْ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَقَوْلُهُمْ نَصًّا: مَعْنَاهُ لِنِسْبَتِهِ إلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (وَعَلَى اللَّهِ) لَا عَلَى غَيْرِهِ. (أَعْتَمِدُ) أَيْ أَتَّكِلُ (وَمِنْهُ) دُونَ مَا سِوَاهُ (الْمَعُونَةُ) أَيْ الْإِعَانَةُ (أَسْتَمِدُّ) أَيْ أَطْلُبُ الْمَدَدَ (هُوَ رَبِّي) دُونَ غَيْرِهِ وَرَبُّ كُلِّ شَيْءٍ مَالِكُهُ، وَالرَّبُّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى وَلَا يُقَالُ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِالْإِضَافَةِ وَقَدْ قَالُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِلْمَلِكِ (لَا إلَهَ إلَّا هُوَ) قَالَ تَعَالَى {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] . (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ) أَيْ فَوَّضْتُ أَمْرِي إلَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ (وَإِلَيْهِ مَتَابٌ) أَيْ تَوْبَتِي وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَفَّقَهُ لِلتَّوْبَةِ مُقَدِّمَة لَمْ يُؤَلِّفْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْفِقْهِ كِتَابًا وَإِنَّمَا أَخَذَ أَصْحَابُهُ مَذْهَبَهُ مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَغَيْرِ ذَاكَ، وَإِذَا نُقِلَ عَنْ الْإِمَامِ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ. وَفِي الْأَصَحِّ وَلَوْ بِحَمْلِ عَامٍّ عَلَى خَاصٍّ وَمُطْلَقٍ عَلَى مُقَيَّدٍ فَهُمَا مَذْهَبُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَعُلِمَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ الثَّانِي لَا غَيْرَ صَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الْأَدِلَّةِ أَوْ قَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَيَخُصُّ عَامُّ كَلَامِهِ بِخَاصَّةٍ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَصَحِّ وَالْمَقِيسُ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبُهُ فِي الْأَشْهَرِ. وَقَوْلُهُ: لَا يَنْبَغِي أَوْ لَا يَصْلُحُ، أَوْ أَسْتَقْبِحُهُ، أَوْ هُوَ قَبِيحٌ، أَوْ لَا أَرَاهُ: لِلتَّحْرِيمِ، لَكِنْ حَمَلَ بَعْضُهُمْ لَا يَنْبَغِي: فِي مَوَاضِعَ مِنْ كَلَامِهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَوْلُهُ: أَكْرَهُ أَوْ لَا يُعْجِبُنِي، أَوْ لَا أُحِبُّهُ، أَوْ لَا أَسْتَحْسِنُهُ: لِلنَّدْبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَوْلُهُ لِلسَّائِلِ: يَفْعَل كَذَا احْتِيَاطًا لِلْوُجُوبِ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَآدَابِ الْمُفْتِي: الْأَوْلَى النَّظَرُ إلَى الْقَرَائِنِ فِي الْكُلِّ فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ تَحْرِيمٍ أَوْ كَرَاهَةٍ أَوْ إبَاحَةٍ حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ
كتاب الطهارة
تَقَدَّمَتْ أَوْ تَأَخَّرَتْ أَوْ تَوَسَّطَتْ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى وَأُحِبُّ كَذَا، أَوْ يُعْجِبُنِي أَوْ أَعْجَبُ إلَيَّ: لِلنَّدْبِ وَقَوْلُهُ: أَخْشَى، أَوْ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ، أَوْ أَنْ لَا يَجُوزَ أَوْ لَا يَجُوزُ وَأَجْبُنُ عَنْهُ مَذْهَبُهُ كَقُوَّةِ كَلَامٍ لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى وَقَوْلُ أَحَدِ صَحْبِهِ فِي تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ رَأْيِهِ وَمَفْهُومِ كَلَامِهِ وَفِعْلِهِ مَذْهَبُهُ فِي الْأَصَحّ كَإِجَابَتِهِ فِي شَيْءٍ بِدَلِيلٍ وَالْأَشْهَرُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ أَوْ قَوْلُ فَقِيهٍ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَقْرُبُ إلَى الصَّوَابِ، وَيُعَضِّدُهُ مَنْعُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ اتِّبَاعِ آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَا انْفَرَدَ بِهِ وَاحِدٌ وَقَوَّى دَلِيلَهُ، أَوْ صَحَّحَ الْإِمَامُ خَبَرًا، أَوْ حَسَّنَهُ أَوْ دَوَّنَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ فَهُوَ مَذْهَبُهُ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ ذَكَرَ قَوْلَيْنِ وَحَسَّنَ أَحَدَهُمَا أَوْ عَلَّلَهُ: فَهُوَ مَذْهَبُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ فَرَّعَ عَلَى أَحَدِهِمَا. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَالْمَذْهَبُ لَا يَكُونُ بِالِاحْتِمَالِ وَإِلَّا فَمَذْهَبُهُ أَقْرَبُهُمَا مِنْ الدَّلِيلِ وَإِذَا أَفْتَى بِحُكْمٍ فَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ فَسَكَتَ وَنَحْوُهُ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا، قَدَّمَهُ فِي تَهْذِيبِ الْأَجْوِبَةِ وَتَابَعَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَوْلَى وَمَا عَلَّلَهُ بِعِلَّةٍ تُوجَدُ فِي مَسَائِلَ فَمَذْهَبُهُ فِيهَا كَالْمُعَلَّلَةِ، وَيُلْحَقُ مَا تَوَقَّفَ فِيهِ بِمَا يُشْبِهُهُ وَإِنْ اشْتَبَهَتْ مَسْأَلَتَانِ أَوْ أَكْثَرُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ. فَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: الْأَوْلَى الْعَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَنْ هُوَ أَصْلَحُ لَهُ وَالْأَظْهَرُ عَنْهُ هُنَا التَّخْيِيرُ. (فَائِدَةٌ) اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ التَّرْجِيحَ إذَا اُخْتُلِفَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ قَالَ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ إمَامٌ يُقْتَدَى بِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنْ كَانَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ فَهُوَ مَقِيسٌ عَلَى قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ وَنُصُوصِهِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. [كِتَابُ الطَّهَارَةِ] بَدَأَ بِذَلِكَ اقْتِدَاءً بِالْأَئِمَّةِ، كَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ آكَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ الصَّلَاةُ، وَالطَّهَارَةُ شَرْطُهَا، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ وَهِيَ تَكُونُ بِالْمَاءِ وَالتُّرَابِ
وَالْمَاءُ هُوَ الْأَصْلُ وَبَدَأَ بِرُبْعِ الْعِبَادَاتِ اهْتِمَامًا بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَقَدَّمُوا الْمُعَامَلَاتِ عَلَى النِّكَاحِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْمُعَامَلَاتِ - وَهُوَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَنَحْوُهُمَا - ضَرُورِيٌّ يَسْتَوِي فِيهِ الْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ وَشَهْوَتُهُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى شَهْوَةِ النِّكَاحِ. وَقَدَّمُوا النِّكَاحَ عَلَى الْجِنَايَاتِ وَالْمُخَاصَمَاتِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ فِي الْغَالِبِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَالْكِتَابُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَكْتُوبِ كَالْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، يُقَالُ: كَتَبَ كَتْبًا وَكِتَابًا وَكِتَابَةً، وَمَعْنَاهَا: الْجَمْعُ يُقَالُ: كَتَبْتُ الْبَغْلَةَ إذَا جَمَعَتْ: بَيْنَ شَفْرَتِهَا بِحَلْقَةٍ أَوْ سَيْرٍ. قَالَ سَالِمُ بْنُ دَارَةَ: لَا تَأْمَنَنَّ فَزَارِيًّا خَلَوْتَ بِهِ ... عَلَى قُلُوصِكَ وَاكْتُبْهَا بِأَسْيَارِ أَيْ وَاجْمَعْ بَيْنَ شَفْرَيْهَا وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ وَهِيَ الْجَيْشُ. وَالْكِتَابَةُ بِالْقَلَمِ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَاتِ وَالْحُرُوفِ وَأَمَّا الْكُثْبَةُ بِالْمُثَلَّثَةِ فَالرَّمْلُ الْمُجْتَمَعُ وَاعْتُرِضَ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْكِتَابَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَتْبِ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ لَا يُشْتَقُّ مِنْ مِثْلِهِ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمَصْدَرَ فِي نَحْوِ ذَلِكَ وَأُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ الْمَكْتُوبُ لِلطَّهَارَةِ أَوْ الْمَكْتُوبُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الِاشْتِقَاقُ الْأَكْبَرُ، وَهُوَ اشْتِقَاقُ الشَّيْءِ لِمَا يُنَاسِبُهُ مُطْلَقًا، كَالْبَيْعِ مُشْتَقٌّ مِنْ الْبَاعِ أَيْ مَأْخُوذٌ مِنْهُ وَإِنَّ الْمَصْدَرَ الْمَزِيدَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْمَصْدَرِ الْمُجَرَّدِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. وَكِتَابُ الطَّهَارَةِ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا كِتَابُ الطَّهَارَةِ، أَوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أَوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَكَذَا تُقَدَّرُ فِي نَظَائِرِهِ الْآتِيَةِ (وَهِيَ) أَيْ الطَّهَارَةُ لُغَةً النَّظَافَةُ وَالنَّزَاهَةُ عَنْ الْأَقْذَارِ حِسِّيَّةً كَانَتْ أَوْ مَعْنَوِيَّةً، وَمِنْهُ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ قَالَ لَا بَأْسَ، طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ» أَيْ مُطَهِّرٌ مِنْ الذُّنُوبِ، وَالطَّهَارَةُ مَصْدَرُ طَهُرَ يَطْهُرُ بِضَمِّ الْهَاءِ فِيهِمَا وَهُوَ فِعْلٌ لَازِمٌ لَا يَتَعَدَّى إلَّا بِالتَّضْعِيفِ فَيُقَال طَهَّرْتُ الثَّوْبَ، وَمَصْدَرُ
أقسام الماء
طَهَرَ بِفَتْحِ الْهَاءِ الطُّهْرُ، كَحَكَمَ حُكْمًا. وَشَرْعًا: (ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ) أَكْبَرَ كَانَ أَوْ أَصْغَرَ أَيْ زَوَالُ الْوَصْفِ الْمَانِعِ مِنْ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ أَوْ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَعَبَّرَ بِالِارْتِفَاعِ لِيُطَابِقَ بَيْنَ الْمُفَسِّرِ وَالْمُفَسَّرِ، وَلَمْ يُعَبَّرْ بِالرَّفْعِ - كَمَا عَبَّرَ بِهِ جَمْعٌ؛ لِأَنَّهُ تَعْرِيفٌ لِلتَّطْهِيرِ لَا الطَّهَارَةِ، وَلَكِنْ سَهَّلَهُ كَوْنُ الطَّهَارَةِ أَثَرَهُ وَنَاشِئَةً عَنْهُ وَسُمِّيَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ طَهَارَةً لِكَوْنِهِ يُنَقِّي الذُّنُوبَ وَالْآثَامَ كَمَا فِي الْإِخْبَارِ (وَمَا فِي مَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى ارْتِفَاعِ الْحَدَثِ كَالْحَاصِلِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ؛ لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَالْحَاصِلُ بِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ الْمُسْتَحَبَّيْنِ وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَزَوَالُ النَّجَسِ) سَوَاءٌ كَانَتْ إزَالَتُهُ بِفِعْلِ فَاعِلٍ كَغَسْلِ الْمُتَنَجِّسِ، أَوْ بِنَفْسِهِ كَزَوَالِ تَغَيُّرِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَانْقِلَابِ الْخَمْرَةِ خَلًّا (أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ) أَيْ الْحَدَثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَالنَّجَسُ، إمَّا بِالتُّرَابِ كَالتَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ بِبَدَنٍ، أَوْ عَنْ غُسْلِ مَيِّتٍ أَوْ عَنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ مَسْنُونٍ وَإِمَّا بِالْأَحْجَارِ نَحْوهَا فِي الْخَارِجِ مِنْ سَبِيلٍ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ وَأَوْ فِي كَلَامِهِ لِلتَّنْوِيعِ وَهَذَا الْحَدُّ أَجْوَدُ مَا قِيلَ فِي الطَّهَارَةِ وَقَدْ عُرِفَتْ بِحُدُودٍ كَثِيرَةٍ وَكُلُّهَا مُنْتَقَدَةٌ،. وَمَا حَذَفَهُ مِنْ عِبَارَةِ التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى لَيْسَ مِنْ الْحَدِّ بَلْ مِنْ الْمَحْدُودِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى التَّنْقِيحِ، وَقَوْلُهُ أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِمَا: أَوْ ارْتِفَاعُ حُكْمِهِمَا: لِمَا قَدَّمْتُهُ فِي تَفْسِيرِهِ، وَحَيْثُ أُطْلِقَ لَفْظُ الطَّهَارَةِ فِي كَلَامِ الشَّارِعِ، إنَّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ، حَيْثُ لَا صَارِفَ، وَكَذَا كُلُّ مَالَهُ مَوْضُوعٌ شَرْعِيٌّ وَلُغَوِيٌّ كَالصَّلَاةِ فَكِتَابُ الطَّهَارَةِ هُوَ الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مِنْ بَيَانِ مَا يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَمَا يُتَطَهَّرُ لَهُ، وَمَا يَجِبُ أَنْ يُتَطَهَّرَ مِنْهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. [أَقْسَامُ الْمَاءِ] (وَأَقْسَامُ الْمَاءِ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَجُوزَ الْوُضُوءُ بِهِ أَوْ لَا فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّهُورُ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَجُوزَ شُرْبُهُ أَوْ لَا، فَإِنْ جَازَ فَهُوَ الطَّاهِرُ، وَإِلَّا فَهُوَ النَّجَسُ، أَوْ تَقُولُ: إمَّا أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا فِي اسْتِعْمَالِهِ أَوْ لَا، الثَّانِي النَّجِسُ وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُطَهِّرًا لِغَيْرِهِ أَوْ لَا الْأَوَّلُ الطَّهُورُ، وَالثَّانِي الطَّاهِرُ وَزَادَ ابْنُ رُوَيْنَ الْمَشْكُوكُ فِيهِ وَطَرِيقَةُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ يَنْقَسِمُ إلَى طَاهِرٍ وَنَجِسٍ وَقَالَ إثْبَاتُ قِسْمٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ الْمَاءُ الطَّهُور] الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مَاءٌ (طَهُورٌ) قَدَّمَهُ لِمَزِيَّتِهِ بِالصِّفَتَيْنِ وَهُوَ الطَّاهِرُ فِي ذَاتِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ، فَلِهَذَا قَالَ (بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ) مِثْلُ الْغَسُولِ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ فَهُوَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّيَةِ. قَالَ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11]
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَلَوْ أَرَادَ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةً عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ. وَرَوَى مَالِكٌ وَالْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيّ عَنْ الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ» وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنَى الْمُطَهِّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَوَابًا لِلْقَوْمِ حِين سَأَلُوهُ عَنْ الْوُضُوءِ، بِهِ، إذْ لَيْسَ كُلّ طَاهِرٍ مُطَهِّرًا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21] فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْ مُطَهِّرًا مِنْ الْغِلِّ وَالْغِشِّ قَالَ فِي الشَّرْحِ. وَالنِّزَاعُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَفْظِيٌّ وَقَدْ ذَكَرْتُ بَقِيَّةَ كَلَامِهِ فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَفَصْلُ الْخِطَابِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ صِيغَةَ التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ أَمْرٌ مُجْمَلٌ يُرَادُ بِهِ النَّحْوِيُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ الْعَرَبُ بَيْنَ فَاعِلٍ وَفَعُولٍ، وَالْفِقْهِيُّ: الْحُكْمِيُّ وَقَدْ فَرَّقَ الشَّرْعُ فِيهِ بَيْنَ طَاهِرٍ وَطَهُورٍ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: فَائِدَةُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُزَالُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ غَيْرَ الْمَاءِ عِنْدَنَا، وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْ الْحَنَفِيَّةُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا تُدْفَعُ النَّجَاسَةُ عَنْ نَفْسِهَا وَالْمَاءُ يَدْفَعُهَا لِكَوْنِهِ مُطَهِّرًا قَالَ وَلَيْسَ طَهُورٌ مَعْدُولًا عَنْ طَاهِرٍ حَتَّى يَلْزَمَ مُوَافَقَتُهُ لَهُ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ، بَلْ هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْآلَاتِ كَالسُّحُورِ وَالْوَجُورِ اهـ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْخِلَافَ مَعْنَوِيٌّ لَا لَفْظِيٌّ وَالطُّهُورُ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمَصْدَرُ قَالَهُ الْيَزِيدِيُّ وَحُكِيَ الضَّمُّ فِيهِمَا وَالْفَتْحُ فِيهِمَا (لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ) وَمَا فِي مَعْنَاهُ غَيْرُهُ (وَلَا يُزِيلُ النَّجَسَ الطَّارِئَ غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْمَاءِ الطَّهُورِ. وَأَمَّا التَّيَمُّمُ فَمُبِيحٌ لَا رَافِعٌ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ، وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ وَنَحْوُهُ فِي الِاسْتِجْمَارِ مُزِيلٌ لِلْحُكْمِ فَقَطْ (وَهُوَ) أَيْ الْمَاءُ الطَّهُورُ (الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ) أَيْ صِفَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا مِنْ حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ عُذُوبَةٍ أَوْ مُلُوحَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (حَقِيقَةً) بِأَنْ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (أَوْ حُكْمًا) كَالْمُتَغَيِّرِ بِمُكْثٍ أَوْ طُحْلُبٍ وَالْمُتَصَاعِدِ مِنْ بُخَارَاتِ الْحَمَّامِ ثُمَّ يَقْطُرُ وَالْمَاءُ الطَّهُورُ مَا نَزَلَ مِنْ السَّمَاءِ كَالْمَطَرِ وَذَوْبِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ} [الأنفال: 11] . وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ» رَوَاهُ
مُسْلِمٌ وَمَاءُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ وَالْآبَارِ (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ الطَّهُورِ (مَاءُ الْبَحْرِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (وَ) مِنْ الطَّهُورِ (مَا اُسْتُهْلِكَ فِيهِ مَائِعٌ طَاهِرٌ) بِحَيْثُ لَمْ يُغَيِّرْ كَثِيرًا مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي أَقْسَامِ الطَّاهِرِ (أَوْ) اُسْتُهْلِكَ فِيهِ (مَاءٌ مُسْتَعْمَلٌ يَسِيرٌ) وَلَمْ يُغَيِّرْهُ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْلُبُهُ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ أَشْبَهَ الْبَاقِي عَلَى خِلْقَتِهِ (فَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ الطَّهُورُ لَا يَكْفِي) لِلطَّهَارَةِ (قَبْلَ الْخَلْطِ) ؛ لِأَنَّ الْمَائِعَ اُسْتُهْلِكَ فِي الْمَاءِ فَسَقَطَ حُكْمُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ يَكْفِيهِ فَزَادَهُ مَائِعًا وَتَوَضَّأَ مِنْهُ وَبَقِيَ الْقَدْرُ الْمَائِعُ وَعَنْهُ لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ وَحَمَلَهُ ابْنُ عَقِيلٍ عَلَى أَنَّ الْمَائِعَ لَمْ يُسْتَهْلَكْ وَفَرَضَ الْخِلَافَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفُرُوعِ فِي زَوَالِ طَهُورِيَّةِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ، وَرَدَّهُ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ بِرَدٍّ حَسَنٍ. (وَمِنْهُ) أَيْ الطَّهُورِ غَيْرِ الْمَكْرُوهِ مَاءٌ (مُشَمَّسٌ) مُطْلَقًا. وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ وَقَدْ سَخَّنَتْ مَاءً فِي الشَّمْسِ «لَا تَفْعَلِي فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ» . قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ مَوْضُوعًا وَكَذَا حَدِيثُ أَنَسٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الَّذِي سُخِّنَ بِالشَّمْسِ فَإِنَّهُ يُعْدِي مِنْ الْبَرَصِ» . قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: غَيْرُ صَحِيحٍ وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ إجْمَاعُ أَهْلِ الطِّبِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَرَصِ وَأَنَّهُ لَوْ أَثَّرَ لَمَا اُخْتُلِفَ بِالْقَصْدِ وَعَدَمِهِ، وَلَمَا اخْتَصَّ تَسْخِينُهُ فِي الْأَوَانِي الْمُنْطَبِعَةِ دُونَ غَيْرِهَا. (وَ) مِنْهُ (مُتَرَوِّحٌ بِرِيحِ مَيْتَةٍ إلَى جَانِبِهِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَغَيُّرُ مُجَاوَرَةٍ. (وَ) مِنْهُ (مُسَخَّنٌ بِطَاهِرٍ) كَالْحَطَبِ نَصًّا لِعُمُومِ الرُّخْصَةِ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ مَاءٌ فِي قُمْقُمٍ فَيَغْتَسِلُ بِهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ ابْن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِل بِالْحَمِيمِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ دَخَلُوا الْحَمَّامَ وَرَخَّصُوا فِيهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، قَالَ: وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ عَلَّلَ بِخَوْفِ مُشَاهَدَةِ الْعَوْرَةِ أَوْ قَصْدِ التَّنْعِيمِ بِهِ. (وَ) مِنْهُ (مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثِهِ) أَيْ الْمَاءِ الْآجِنِ الَّذِي تَغَيَّرَ بِطُولِ إقَامَتِهِ فِي مَقَرِّهِ بَاقٍ عَلَى إطْلَاقِهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «تَوَضَّأَ بِمَاءٍ آجِنٍ» ؛ وَلِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ غَيْرِ مُخَالَطَةٍ أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ مَنْ يُحْفَظُ قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ سِوَى ابْنِ سِيرِينَ فَإِنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ. (أَوْ) أَيْ وَمِنْ الطَّهُورِ مُتَغَيِّرٌ (بِطَاهِرٍ يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَنَابِتٍ فِيهِ) أَيْ فِي
الْمَاءِ (وَ) كَ (وَرَقِ شَجَرٍ) يَسْقُطُ فِي الْمَاءِ بِنَفْسِهِ (وَ) كَ (طُحْلُبٍ وَ) كَ (سَمَكٍ وَنَحْوِهِ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ وَجَرَادٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً) كَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَقْرَبِ وَالصَّرَاصِيرِ، إنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ كُنُفٍ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ أَشْبَهَ الْمُتَغَيِّرَ بِتِبْنٍ أَوْ عِيدَانَ. (وَ) مِنْ الْمُتَغَيِّرِ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ الْمُتَغَيِّرُ فِي (آنِيَةِ أُدْمٍ) أَيْ جِلْدٍ (وَ) آنِيَةِ (نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَحَدِيدٍ (وَ) مُتَغَيِّرٌ بِ (مَقَرٍّ وَمَمَرٍّ) مِنْ كِبْرِيتٍ وَنَحْوِهِ (فَكُلُّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ (كَمَاءِ الْحَمَّامِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الصَّحَابَةَ دَخَلُوا الْحَمَّامَ وَرَخَّصُوا فِيهِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ وَقُودُهَا نَجِسًا. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لِأَنَّ الرُّخْصَةَ فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ تَشْمَلُ الْمَوْقُودَ بِالطَّاهِرِ وَالنَّجِسِ (وَإِنْ غَيَّرَهُ) أَيْ الْمَاءَ طَاهِرٌ (غَيْرُ مُمَازَجٍ كَدُهْنٍ وَقَطِرَانَ وَزِفْتٍ وَشَمْعٍ) فَطَهُورٌ، لِأَنَّ تَغَيُّرَهُ عَنْ مُجَاوَرَةِ مَكْرُوهٍ لِلِاخْتِلَافِ فِي سَلْبِهِ الطَّهُورِيَّةَ، لَكِنَّ الْقَطِرَانَ قَسَّمَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قِسْمَيْنِ مَا لَا يُمَازِجُ وَالْكَلَامُ فِيهِ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الدُّهْنِ، وَمَا يُمَازِجُ الْمَاءَ فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ الْمُمَازِجَةِ وَلَمْ أَرَهُ لِأَصْحَابِنَا لَكِنَّ كَلَامَهُمْ يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَقِطَعُ كَافُورٍ وَعُودٌ قَمَارِيٌّ) بِفَتْحِ الْقَاف مَنْسُوب إلَى قَمَارٍ مَوْضِعٌ بِبِلَادِ الْهِنْدِ. (وَ) قِطَعُ (عَنْبَرٍ إذَا لَمْ يُسْتَهْلَكْ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَتَحَلَّلْ فِيهِ) فَطَهُورٌ مَكْرُوهٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ إذَا اُسْتُهْلِكَ فِي الْمَاءِ أَوْ انْمَاعَ فِيهِ وَذَابَ وَغَيَّرَ كَثِيرًا مِنْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ أَنَّهُ يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ لِمُمَازَجَتِهِ لَهُ. وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: مَفْهُومُ كَلَامِهِ، فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إنْ تَحَلَّلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَطَاهِرٌ وَإِلَّا فَطَهُورٌ، فَلَوْ خَالَطَ الْمَاءَ بِأَنْ دَقَّ أَوْ انْمَاعَ فَأَقْوَالٌ اهـ وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ. (أَوْ) غَيَّرَهُ (مِلْحٌ مَائِيٌّ) فَطَهُورٌ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُرْسَلُ عَلَى السِّبَاخِ فَيَصِيرُ مِلْحًا لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ بِهِ مُنْعَقِدٌ مِنْ الْمَاءِ، أَشْبَهَ ذَوْبَ الثَّلْجِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْمِلْحَ الْمَائِيَّ لَوْ انْعَقَدَ مِنْ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ فَحُكْمُهُ كَبَاقِي الطَّاهِرَاتِ وَإِنَّ الْمِلْحَ الْمَعْدِنِيَّ كَذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الثَّانِيَةِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ خَلِيطٌ مُسْتَغْنٍ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ مِنْ الْمَاءِ، أَشْبَهَ الزَّعْفَرَانَ. (أَوْ سُخِّنَ بِمَغْصُوبٍ) فَطَهُورٌ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ مُطْلَقٌ لَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ مَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ، مَكْرُوهٌ لِاسْتِعْمَالِ الْمَغْصُوبِ فِيهِ (أَوْ اشْتَدَّ حَرُّهُ) فَطَهُورٌ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، مَكْرُوهٌ؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ كَمَالَ الطَّهَارَةِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ عَنْ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْحَمِيمِ إنْ ثَبَتَ، لِكَوْنِهِ مُؤْذِيًا أَوْ يَمْنَعُ الْإِسْبَاغَ. (أَوْ) اشْتَدَّ (بَرْدُهُ فَطَهُورٌ مَكْرُوهٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا مُسَخَّنٌ بِنَجَاسَةٍ) وَإِنْ بَرَدَ كَمَا فِي الرِّعَايَةِ فَيُكْرَهُ مُطْلَقًا لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ دُخَانِهَا وَصُعُودِهِ بِأَجْزَاءٍ لَطِيفَةٍ مِنْهَا وَإِنْ تَحَقَّقَ وُصُولُ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ وَكَانَ يَسِيرًا نَجُسَ كَمَا فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ (إنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ) أَيْ إلَى
الْمُسَخَّنِ بِالنَّجَاسَةِ، فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ تَعَيَّنَ وَزَالَتْ الْكَرَاهَةُ لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَكُونُ مَكْرُوهًا قُلْتُ وَكَذَا حُكْمُ كُلِّ مَكْرُوهٍ اُحْتِيجَ إلَيْهِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. (وَيُكْرَهُ إيقَادُ النَّجَسِ) فِي تَسْخِينِ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَعَدِّيهِ إلَى الْمُسَخَّنِ فَيُنَجِّسُهُ (وَ) كَذَا (مَاءُ بِئْرٍ فِي مَقْبَرَةٍ) فَيُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا فِي أَكْلٍ وَغَيْرِهِ وَكَرِهَ الْإِمَامُ بَقْلَ الْمَقْبَرَةِ وَشَوْكَهَا (وَ) كَذَا (مَاءٌ) فِي (بِئْرٍ فِي مَوْضِعِ غَصْبٍ أَوْ) مَاءُ بِئْرٍ (حَفْرُهَا) غَصْبٌ (أَوْ أُجْرَتُهُ) أَيْ الْحَفْرُ (غَصْبٌ) فَيُكْرَهُ الْمَاءُ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ غَصْبٍ مُحَرَّمٍ (وَ) وَكَذَا (مَا ظُنَّ تَنْجِيسُهُ) فَيُكْرَهُ، بِخِلَافِ مَا شُكَّ فِي نَجَاسَتِهِ فَلَا يُكْرَهُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الشَّرْحِ. (وَ) كَذَا يُكْرَهُ (اسْتِعْمَالُ مَاءِ زَمْزَمَ فِي إزَالَةِ النَّجَسِ فَقَطْ) تَشْرِيفًا لَهُ، وَلَا يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْحَدَثِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ «ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَمَا رَوَى عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ رَأَيْتُ الْعَبَّاسَ قَائِمًا يَقُولُ: أَلَا لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ، وَلَكِنَّهُ لِكُلِّ شَارِبٍ حِلٌّ وَبِلٌّ. وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ ذَلِكَ حِينَ احْتَفَرَهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَضِيقُ عَلَى الشَّرَابِ، وَكَوْنُهُ مِنْ مَنْبَعٍ شَرِيفٍ لَا يَمْنَعُ مِنْهُ كَعَيْنِ سُلْوَانَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ لَهُ انْفَرَدَ بِهَا، وَهِيَ كَوْنُهُ يَقْتَاتُ بِهِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَبُو ذَرٍّ فِي بَدْءِ إسْلَامِهِ (وَلَا يُكْرَهُ مَا جَرَى عَلَى الْكَعْبَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَفِي الْمُبْدِعِ وَصَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ. (فَهَذَا كُلُّهُ يَرْفَعُ الْأَحْدَاثَ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ (جَمْعُ حَدَثٍ وَهُوَ مَا) أَيْ وَصْفٌ يَقُومُ بِالْبَدَنِ (أَوْجَبَ وُضُوءًا) أَيْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْوُضُوءِ وَيُسَمَّى أَصْغَرَ (أَوْ) أَوْجَبَ (غُسْلًا) وَيُسَمَّى أَكْبَرَ وَ (أَوْ) لِمَنْعِ الْخُلُوِّ لَا الْجَمْعِ؛ لِأَنَّ مَا أَوْجَبَ الْغُسْلَ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ غَيْرَ الْمَوْتِ وَيُطْلَقُ الْحَدَثُ عَلَى نَفْسِ الْخَارِجِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَدَثُ وَالْأَحْدَاثُ مَا اقْتَضَى وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا أَوْ هُمَا، أَوْ اسْتِنْجَاءً أَوْ اسْتِجْمَارًا أَوْ مَسْحًا أَوْ تَيَمُّمًا قَصْدًا، كَوَطْءٍ وَبَوْلٍ وَنَحْوِهِمَا، غَالِبًا وَاتِّفَاقًا كَحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا وَاحْتِلَامِ نَائِمٍ وَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَخُرُوجِ رِيحٍ مِنْهُمْ غَالِبًا (إلَّا حَدَثَ رَجُلٍ وَخُنْثَى) بَالِغٍ فَلَا يَرْتَفِعُ (بِمَاءٍ) قَلِيلٍ (خَلَتْ بِهِ امْرَأَةٌ) مُكَلَّفَةٌ لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ عَنْ حَدَثٍ (وَيَأْتِي) فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مُفَصَّلًا. (وَالْحَدَثُ لَيْسَ بِنَجَاسَةٍ،
بَلْ مَعْنًى يَقُومُ بِالْبَدَنِ تُمْنَعُ مَعَهُ الصَّلَاةُ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ شَرْطٌ لَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ (وَ) يُمْنَعُ مَعَهُ (الطَّوَافُ) بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ، وَيُمْنَعُ مَعَهُ أَيْضًا مَسُّ الْمُصْحَفِ وَيُمْنَعُ أَيْضًا قِرَاءَةُ آيَةٍ فَأَكْثَرَ إنْ كَانَ أَكْبَرَ (وَالْمُحْدِثُ لَيْسَ نَجِسًا) مِنْ حَيْثُ كَوْنِهِ مُحْدِثًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَيْسَ بِنَجَاسَةٍ (فَلَا تَفْسُدُ الصَّلَاةُ بِحَمْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَجَسًا (وَهُوَ) أَيْ الْمُحْدِثُ (مَنْ لَزِمَهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا) كَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (وُضُوءٌ أَوْ غُسْلٌ) مَعَ الْقُدْرَةِ أَوْ لَزِمَهُ لِذَلِكَ (أَوْ تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ) مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ مُفَصَّلًا (وَالطَّاهِرُ) شَرْعًا (ضِدُّ النَّجِسِ وَالْمُحْدِثُ) إذْ الطَّهَارَةُ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ وَزَوَالُ النَّجَسِ كَمَا تَقَدَّمَ فَالطَّاهِرُ الْخَالِي مِنْهُمَا. (وَيُزِيلُ الْأَنْجَاسَ الطَّارِئَةَ) مَعْطُوفٌ عَلَى: بِرَفْعِ الْأَحْدَاثِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُبُّوا عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» وَالْأَنْجَاسُ (جَمْعُ نَجَسٍ وَهُوَ) لُغَةً مَا يَسْتَقْذِرُهُ ذُو الطَّبْعِ السَّلِيمِ وَعُرْفًا (كُلُّ عَيْنٍ حَرُمَ تَنَاوُلُهَا) لِذَاتِهَا (مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ إمْكَانِ التَّنَاوُلِ، خَرَجَ بِهِ مَا لَا يُمْكِنُ تَنَاوُلُهُ كَالصِّوَانِ؛ لِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ الْمُمْتَنَعِ مُسْتَحِيلٌ (لَا لِحُرْمَتِهَا) مُخْرِجٌ لِصَيْدِ الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ (وَلَا لِاسْتِقْذَارِهَا) كَالْبُزَاقِ وَالْمُخَاطِ فَالْمَنْعُ مِنْهُ لِاسْتِقْذَارِهِ لَا لِنَجَاسَتِهِ (وَلَا لِضَرَرٍ بِهَا فِي بَدَنٍ) احْتِرَازٌ عَنْ السُّمِّيَّاتِ مِنْ النَّبَاتِ (أَوْ) ضَرَرٍ بِهَا فِي (عَقْلٍ) . خَرَجَ بِهِ نَحْوُ الْبَنْجِ (قَالَهُ فِي الْمُطْلِعِ وَهِيَ) أَيْ النَّجَاسَةُ الْمُعَرَّفَةُ فِي كَلَامِهِ (النَّجَاسَةُ الْعَيْنِيَّةُ وَلَا تَطْهُرُ بِحَالٍ) لَا بِغُسْلٍ وَلَا بِاسْتِحَالَةٍ، قُلْتُ فَلَا يَرِدُ نَحْوُ الْخَمْرَةِ وَالْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ،؛ لِأَنَّهُ عَيْنٌ حُرِّمَ تَنَاوُلُهَا لَكِنْ لِمَا طَرَأَ كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ (وَإِذَا طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى مَحِلٍّ طَاهِرٍ فَنَجَّسَتْهُ) لِبَلَلِهِمَا أَوْ لِبَلَلِ أَحَدِهِمَا (وَلَوْ بِانْقِلَابِ) الطَّاهِرِ (بِنَفْسِهِ كَعَصِيرٍ تَخَمَّرَ) وَمَتَى صَارَ نُطْفَةً (فَمُتَنَجِّسٍ وَنَجَاسَتُهُ حُكْمِيَّةٌ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهَا) كَانْقِلَابِ الْخَمْرَةِ بِنَفْسِهَا خَلًّا وَصَيْرُورَةِ النُّطْفَةِ حَيَوَانًا طَاهِرًا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ. (وَلَا يُبَاحُ مَاءُ آبَارِ دِيَارِ ثَمُودَ غَيْرَ بِئْرِ النَّاقَةِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ النَّاسَ نَزَلُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحِجْرِ أَرْضِ ثَمُودَ فَاسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَعَجَنُوا بِهِ الْعَجِينَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُهْرِيقُوا مَا اسْتَقَوْا مِنْ آبَارِهَا وَيَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَمْرَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النَّاقَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ الْبِئْرُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي يَرِدُهَا الْحَاجُّ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ انْتَهَى) . قَالَ فِي الْهَدْيِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِئْرُ النَّاقَةِ اسْتَمَرَّ عِلْمُ النَّاسِ بِهَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلَى وَقْتِنَا هَذَا، فَلَا تَرِدْ الرُّكُوبُ بِئْرًا غَيْرَهَا وَهِيَ مَطْوِيَّةٌ مُحْكَمَةُ الْبِنَاءِ
فصل في القسم الثاني الماء الطاهر غير المطهر
وَاسِعَةُ الْأَرْجَاءِ آثَارُ الْعَفْوِ عَلَيْهَا بَادِيَةٌ لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا. (فَظَاهِرُهُ) أَيْ ظَاهِرُ الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ مَاءِ غَيْرِ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ دِيَارِ ثَمُودَ (لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ) أَيْ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ (بِهِ) لِتَحْرِيمِ اسْتِعْمَالِهِ (كَمَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ) مَاءٍ (ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ) فِي الْبَيْعِ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ بِذَلِكَ وَلَا الْغُسْلُ بِهِ، لِحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِمَاءٍ مَغْصُوبٍ، كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ انْتَهَى قُلْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا كَمَا يَأْتِي فِي الصَّلَاةِ، وَإِلَّا صَحَّتْ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ إذَنْ (فَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ) أَيْ مَعَ مَاءٍ غَيْرِ بِئْرِ النَّاقَةِ مِنْ دِيَارِ ثَمُودَ وَمَعَ الْمَغْصُوبِ وَمَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ (لِعَدَمِ غَيْرِهِ) مِنْ الْمُبَاحِ وَلَا يَسْتَعْمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ شَرْعًا، فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ حِسًّا. (وَيُكْرَهُ مَاءُ بِئْرِ ذَرْوَانَ) وَهِيَ الَّتِي أُلْقِيَ فِيهَا سِحْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ الْآنَ مَطْمُومَةٌ تُلْقَى فِيهَا الْقُمَامَةُ وَالْعَذِرَاتُ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَ) يُكْرَهُ مَاءُ (بِئْرِ بَرَهُوتَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالرَّاءِ وَيُقَالُ بَرَهُوتَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ. رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ شَرُّ بِئْرٍ عَلَى الْأَرْضِ بَرَهُوتَ وَهِيَ بِئْرٌ عَمِيقَةٌ بِحَضْرَمَوْتَ لَا يُسْتَطَاعُ النُّزُولُ إلَى قَعْرِهَا أَخْرَجَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي تَجْتَمِعُ فِيهَا أَرْوَاحُ الْفُجَّارِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. [فَصْل فِي الْقِسْمُ الثَّانِي الْمَاءِ الطَّاهِر غَيْرُ الْمُطَهِّر] (الْفَصْلُ الثَّانِي) هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْحَجْزِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وَمِنْهُ فَصْلُ الرَّبِيعِ؛ لِأَنَّهُ يَحْجِزُ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَهُوَ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ حَاجِزٌ بَيْنَ أَجْنَاسِ الْمَسَائِلِ وَأَنْوَاعِهَا الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ أَقْسَامِ الْمَاءِ طَاهِرٌ غَيْرُ مُطَهِّرٍ وَهُوَ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا الْمُسْتَخْرَجُ بِالْعِلَاجِ (كَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَاءِ الزَّهْرِ وَالْخِلَافِ وَالْبِطِّيخِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ (وَطَهُورٌ خَالَطَهُ طَاهِرٌ فَغَيَّرَهُ) أَيْ غَيَّرَ اسْمَهُ حَتَّى صَارَ صِبْغًا أَوْ خَلًّا. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فَيَصِيرُ طَاهِرًا غَيْرَ مُطَهِّرٍ إلَّا النَّبِيذَ إذَا اشْتَدَّ أَوْ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَصُيِّرَ نَجِسًا، وَيَأْتِي فِي بَابِ حَدِّ الْمُسْكِرِ (فِي غَيْرِ مَحِلِّ التَّطْهِيرِ وَ) إنْ كَانَ التَّغَيُّرُ (فِي مَحِلِّهِ) أَيْ التَّطْهِيرِ فَهُوَ طَهُورٌ
كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ الْمَاءُ بِزَعْفَرَانٍ فِي مَحِلِّ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ فَهُوَ طَهُورٌ مَا دَامَ فِي مَحِلِّ التَّطْهِيرِ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ (أَوْ غَلَبَ) الطَّاهِرُ (عَلَى أَجْزَائِهِ) أَيْ الطَّهُورِ. بِأَنْ تَكُونَ أَجْزَاءُ الْمُخَالِطِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ حَتَّى يُقَالَ، إذَا كَانَ الْمُخَالِطُ خَلًّا: هَذَا خَلٌّ فِيهِ مَاءٌ فَيَكُونُ الْخَلُّ أَغْلَبَ وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ أَكْثَرَ لَقِيلَ: مَاءٌ فِيهِ خَلٌّ (أَوْ طُبِخَ) الطَّاهِرُ (فِيهِ) أَيْ فِي الطَّهُورِ (فَغَيَّرَهُ) كَمَاءِ الْبَاقِلَّا وَالْحِمَّصِ فَطَاهِرٌ فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ كَمَا لَوْ صُلِقَ فِيهِ بِيضٌ فَطَهُورٌ وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الطَّهُورِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ (أَوْ وُضِعَ فِيهِ) أَيْ الطَّهُورِ (مَا يَشُقُّ صَوْنُهُ عَنْهُ قَصْدًا) بِأَنْ وَضَعَ آدَمِيٌّ عَاقِلٌ طُحْلُبًا أَوْ وَرَقَ شَجَرٍ وَنَحْوِهِ بِمَاءٍ فَتَغَيَّرَ بِهِ عَنْ مُمَازِجِهِ (أَوْ) خُلِطَ فِيهِ (مِلْحٌ مَعْدِنِيٌّ فَغَيَّرَهُ) فَطَاهِرٌ (؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ) وَإِنَّمَا يُقَالُ مَاءُ كَذَا، بِالْإِضَافَةِ اللَّازِمَةِ، بِخِلَافِ مَاءِ الْبَحْرِ وَالْحَمَّامِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمَةٍ (وَ) لِذَلِكَ (لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً فَشَرِبَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءِ مَاءٍ فَاشْتَرَاهُ لَمْ يَلْزَمْ - الْمُوَكَّلُ) ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَيَلْزَمُ الْوَكِيلُ الشِّرَاءَ إنْ عَلِمَ الْحَالَ، وَإِلَّا فَلَهُ الرَّدُّ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي الْوَكَالَةِ. (وَيَسْلُبُهُ) أَيْ الْمَاءُ (الطَّهُورِيَّةَ إذَا خُلِطَ يَسِيرُهُ) أَيْ الطَّهُورُ، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يُؤَثِّرْ خَلْطُهُ وَصَارَ الْكُلُّ طَهُورًا، كَالنَّجَسِ وَأَوْلَى (بِمُسْتَعْمِلٍ) فِي رَفْعِ حَدَثٍ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، أَوْ إزَالَةِ نَجَاسَةٍ مِنْ آخِرِ غَسْلَةٍ زَالَتْ بِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَا تُغَيَّرُ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ الْمُسْتَعْمِلِ فِي ذَلِكَ، كَاَلَّذِي غُسِّلَ بِهِ الْمَيِّتُ، لِأَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا عَنْ حَدَثٍ وَاَلَّذِي غُمِسَ أَوْ غُسِلَ بِهِ يَدُ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ (بِحَيْثُ لَوْ خَالَفَهُ) أَيْ لَوْ فُرِضَ بِشَيْءٍ يُخَالِفُهُ (فِي الصِّفَةِ) كَاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ الْيَسِيرِ الطَّهُورِ، فَيَصِيرُ طَاهِرًا (وَلَوْ بَلَغَا) أَيْ الطَّهُورُ وَالطَّاهِرُ (قُلَّتَيْنِ) كَالطَّاهِرِ مِنْ غَيْرِ الْمَاءِ إذَا خَالَطَ الطَّهُورَ (وَيُقَدَّرُ الْمُخَالِفُ بِالْوَسَطِ. قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ (يُقَدَّرُ) الْمُخَالِفُ (خَلًّا) . قَالَ الْمَجْدُ: وَلَقَدْ نَحْكُمُ، إذْ الْخَلُّ لَيْسَ بِأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى قُلْتُ لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ وَسَطًا، فَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْوَسَطِ لَا لَهُ بِخُصُوصِهِ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِيهُمَا فِيهِ، كُلُّ وَاحِدٍ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: أَبْقِ لِي» فَظَاهِرُ حَالِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ يَمْنَعُ مِنْ اعْتِبَارهِ بِالْخَلِّ، لِسُرْعَةِ نُفُوذِهِ وَسِرَايَتِهِ،
فَيُؤَثِّرُ قَلِيلُهُ فِي الْمَاءِ وَالْحَدِيثُ دَلَّ عَلَى الْعَفْوِ عَنْ الْيَسِيرِ مُطْلَقًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُرْجَعَ فِي ذَلِكَ إلَى الْعُرْفِ، فَمَا عَدَّ كَثِيرًا مَنَعَ وَإِلَّا فَلَا. وَإِنْ شُكَّ فِي كَثْرَتِهِ لَمْ يَمْنَعْ عَمَلًا بِالْأَصْلِ (أَوْ كَانَا) أَيْ الْمَخْلُوطَانِ (مُسْتَعْمَلَيْنِ فَبَلَغَا) بِالْخَلْطِ (قُلَّتَيْنِ) فَهُمَا بَاقِيَانِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدُوسٍ (أَوْ غَيَّرَ) الطَّاهِرُ الْمُخَالِطُ لِلطَّهُورِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وَلَوْ مُسْتَعْمَلًا (أَحَدَ أَوْصَافِهِ) بِأَنْ غَيَّرَ (لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ) غَيَّرَ (كَثِيرًا مِنْ صِفَةٍ) مِنْ صِفَاتِهِ، كَلَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ، فَيَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَاءٍ مُطْلَقٍ، وَلِأَنَّ الْكَثِيرَ بِمَنْزِلَةِ الْكُلِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ غَيَّرَ كُلَّ الصِّفَةِ وَ (لَا) يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ إنْ غَيَّرَ الطَّاهِرُ الْمُخَالِطُ (يَسِيرًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. (وَلَوْ) كَانَ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ مِنْ صِفَةٍ (فِي غَيْرِ الرَّائِحَةِ) كَالطَّعْمِ أَوْ اللَّوْنِ، لِمَا رَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّغَيُّرُ الْيَسِيرُ مِنْ صِفَاتِهِ الثَّلَاثِ أَثَّرَ وَكَذَا مِنْ صِفَتَيْنِ، عَلَى ظَاهِرِ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ الْيَسِيرُ مِنْ صِفَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ يَعْدِلُ الْكَثِيرَ مِنْ صِفَةٍ وَاحِدَةٍ. (وَلَا) يُسْلَبُ الطَّهُورُ طَهُورِيَّتَهُ إذَا خُلِطَ (بِتُرَابٍ) طَهُورٍ (وَلَوْ وُضِعَ قَصْدًا) ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ مُطَهِّرٌ كَالْمَاءِ، فَإِنْ كَانَ مُسْتَعْمَلًا فَكَبَاقِي الطَّاهِرَاتِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ تَعْلِيلُهُمْ (مَا لَمْ يَصِرْ) الْمَاءُ الْمَخْلُوطُ بِتُرَابٍ طَهُورٍ (طِينًا) فَلَا تَصِحُّ الطَّهَارَةُ بِهِ لِعَدَمِ إسْبَاغِهِ وَسَيَلَانِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ (فَإِنْ صُفِّيَ مِنْ التُّرَابِ فَطَهُورٌ) مُطَهِّرٌ لِزَوَالِ الْمَانِعِ (وَلَا) يَصِيرُ الْمَاءُ طَاهِرًا بِتَغَيُّرِهِ (بِمَا ذُكِرَ فِي أَقْسَامِ الطَّهُورِ) كَالْمُتَغَيِّرِ بِطُولِ الْمُكْثِ أَوْ رِيحِ مَيْتَةٍ بِجَانِبِهِ، أَوْ بِمَا يَشُقُّ صَوْنُ الْمَاءِ عَنْهُ كَطُحْلُبِ وَوَرَقِ شَجَرٍ أَوْ فِي مَقَرِّهِ أَوْ مَمَرّهِ وَنَحْوِهِ، أَوْ بِمُجَاوَرَةِ مَيْتَةٍ أَوْ بِمَا لَا يُمَازِجُهُ، كَعُودِ قَمَارِيٍّ وَقِطَعِ كَافُورٍ وَدُهْنٍ وَشَمْعٍ وَنَحْوِهِ. (وَيَسْلُبُهُ) أَيْ الطَّهُورُ الطَّهُورِيَّةَ (اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ الْيَسِيرُ (فِي رَفْعِ حَدَثٍ) أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ، فَهُوَ طَاهِرٌ،؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَبَّ عَلَى جَابِرٍ مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، غَيْرُ مُطَهِّرٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَوْلَا أَنَّهُ يُفِيدُ مَعْنًى لَمْ يَنْهَ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَزَالَ بِهِ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَزَالَ بِهِ النَّجَاسَةَ، أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي عِبَادَةٍ عَلَى وَجْهِ الْإِتْلَافِ، أَشْبَهَ الرَّقَبَةَ فِي الْكَفَّارَةِ. وَفِي أُخْرَى مُطَهِّرٌ اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْمَاءُ لَا يَجْنُبُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ
وَفِي ثَالِثَةٍ: نَجِسٌ كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، وَعَلَيْهَا يُعْفَى عَمَّا قَطَرَ عَلَى بَدَنِ الْمُتَطَهِّرِ وَثَوْبِهِ. (وَ) يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ اسْتِعْمَالُهُ فِي (غُسْلِ مَيِّتٍ إنْ كَانَ) الطَّهُورُ (يَسِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَفِيهِ مَا سَبَقَ وَ (لَا يُسْلَبُ) الطَّهُورِيَّةَ بِاسْتِعْمَالِهِ فِيمَا ذُكِرَ إنْ كَانَ (كَثِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَهَذَا أَوْلَى (وَإِنْ غَسَلَ) بِهِ (رَأْسَهُ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ) فَطَهُورٌ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِجْزَاءِ الْغُسْلِ عَنْ الْمَسْحِ،؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فَلَا يَكُونُ وَاجِبًا صَحَّحَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي آخِرِ الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَقِيَاسُهُ: مَا غُسِلَ بِهِ نَحْوُ خُفٍّ بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ (أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ مُسْتَحَبَّةٍ، كَالتَّجْدِيدِ وَغُسْلِ الْجُمُعَةِ) وَالْعِيدَيْنِ (وَالْغَسْلَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ) فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ إذَا عَمَّتْ الْأُولَى فَطَهُورٌ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا وَلَمْ يُزِلْ نَجَسًا أَشْبَهَ التَّبَرُّدَ (أَوْ) اُسْتُعْمِلَ (فِي غَسْلِ ذِمِّيَّةٍ) أَوْ كَافِرَةٍ غَيْرَهَا (لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَنَابَةٍ) وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: أَوْ غُسْلُ كَافِرٍ، وَهِيَ أَعَمُّ (فَطَهُورٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثًا لِفَقْدِ شَرْطِهِ (مَكْرُوهٌ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ وَظَاهِرُ الْمُنْتَهَى كَالتَّنْقِيحِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَالْإِنْصَافِ وَغَيْرِهَا: عَدَمُ الْكَرَاهَةِ، لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مُتَوَجِّهٌ. (وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ) الطَّهُورُ (فِي) طَهَارَةٍ (غَيْرِ مُسْتَحَبَّةٍ كَالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ وَالثَّامِنَةِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ) بَعْدَ زَوَالِهَا (وَ) الْمُسْتَعْمَلُ فِي (التَّبَرُّدِ وَالتَّنْظِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَطَهُورٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ) لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. (وَلَوْ اشْتَرَى مَاءً فَبَانَ أَنَّهُ قَدْ تُوُضِّئَ بِهِ فَعَيْبٌ لِاسْتِقْذَارِهِ عُرْفًا) قُلْتُ وَكَذَا لَوْ بَانَ أَنَّهُ اُغْتُسِلَ بِهِ، أَوْ أَزَالَ بِهِ نَجَاسَةً وَكَانَ مِنْ الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ مَعَ زَوَالِهَا، وَعَدَمِ التَّغَيُّرِ، أَوْ غُسْلِ مَيِّتٍ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ أَوْ الْغَسْلُ مُسْتَحَبًّا. (وَيَسْلُبُهُ) أَيْ الْيَسِيرُ الطَّهُورِيَّةَ (إذَا غَمَسَ غَيْرُ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَكَافِرٍ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ، وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا أَوْ جَاهِلًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ (يَدَهُ كُلُّهَا) إلَى الْكُوعِ وَ (لَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرُ الْيَدِ كَالْوَجْهِ وَالرِّجْلِ (وَاخْتَارَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ رَزِينَ فِي شَرْحِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَقَدَّمَهُ فِي الْإِفَادَاتِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ (أَنَّ غَمْسَ بَعْضِهَا كَغَمْسِ كُلِّهَا) . وَالْمَذْهَبُ مَا قَدَّمَهُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ - لَكِنْ لَوْ نَوَى غَسْلَ يَدَيْهِ وَغَسَلَ بَعْضَ يَدِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةٍ وَاجِبَةٍ (فِي مَاءٍ يَسِيرٍ) لَا كَثِيرٍ (أَوْ حَصَلَ) الْيَسِيرُ (فِيهَا) أَيْ فِي يَدِ غَيْرِ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ وَكَافِرٍ (كُلُّهَا مِنْ غَيْرِ غَمْسٍ وَلَوْ بَاتَتْ) الْيَدُ (مَكْتُوفَةً أَوْ فِي، جِرَابٍ وَنَحْوِهِ) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ (قَائِمًا مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) لَا نَهَارٍ خِلَافًا لِلْحَسَنِ (نَاقِضٌ، لِوُضُوءٍ) لَوْ كَانَ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ مِنْ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ. (قَبْلَ غَسْلِهَا) أَيْ الْيَدِ (ثَلَاثًا كَامِلَةً)
لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَغْسِلْ يَدَيْهِ» وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ «مِنْ اللَّيْلِ» وَهُوَ تَعَبُّدِيٌّ فَيَجِبُ، وَإِنْ شُدَّتْ يَدَاهُ أَوْ جُعِلَتْ فِي جِرَابٍ وَنَحْوِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْغَمْسُ أَوْ الْحُصُولُ (بَعْد نِيَّةِ غَسْلِهَا أَوْ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ النِّيَّةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (لَكِنْ إنْ لَمْ يَجِدُ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَا غَمَسَ فِيهِ الْقَائِمُ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَدَهُ أَوْ حَصَلَ فِي كُلِّهَا (اسْتَعْمَلَهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّ الْقَائِلَ بِطَهُورِيَّتِهِ أَكْثَرُ مِنْ الْقَائِلِ بِطَهَارَتِهِ (فَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ) وَيَسْتَعْمِلُهُ (ثُمَّ يَتَيَمَّمُ) لِيَقَعَ التَّيَمُّمُ بَعْدَ عَدَمِ الْمَاءِ بِيَقِينٍ وُجُوبًا؛ لِأَنَّ حَدَثَهُ لَمْ يَرْتَفِعْ؛ لِأَنَّهُ بِمَاءٍ طَاهِرٍ غَيْرِ مُطَهِّرٍ قَلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ عَنْ خَبَثٍ اسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ إنْ كَانَتْ بِالْبَدَنِ. (وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ الْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ (فِي شُرْبٍ وَغَيْرِهِ) كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ، وَأَوْلَى لِطَهَارَتِهِ قُلْت وَمِثْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مَا غَسَلَ بِهِ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ لِخُرُوجِ مَذْيٍ دُونَهُ (وَلَا يُؤَثِّرُ غَمْسُهَا) أَيْ يَدُ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ (فِي مَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ) كَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ وَالزَّيْتِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ نَجِسَةٍ لَكِنْ يُكْرَهُ غَمْسُهَا فِي مَائِعٍ، وَأَكْلُ شَيْءٍ رَطْبٍ بِهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَوْ اسْتَيْقَظَ مَحْبُوسٌ مِنْ نَوْمِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَهُوَ) أَيْ الِاسْتِيقَاظُ (مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ أَمْ نَهَارٍ لَمْ يَلْزَمْهُ غَسْلُ يَدَيْهِ؟) ؛ لِأَنَّا لَا نُوجِبُ بِالشَّكِّ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْمُوجِبُ. (وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ فِي إنَاءٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الصَّبِّ مِنْهُ) كَحَوْضٍ مَبْنِيٍّ (بَلْ) يَقْدِرُ (عَلَى الِاغْتِرَافِ) مِنْهُ (وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَغْتَرِفُ بِهِ وَيَدَاهُ نَجِسَتَانِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ بِفِيهِ) إنْ أَمْكَنَهُ (وَيَصُبُّ عَلَى يَدَيْهِ نَصًّا) حَتَّى يُطَهِّرَهُمَا (أَوْ يَبُلُّ ثَوْبًا أَوْ غَيْرَهُ فِيهِ) أَيْ الْمَاءُ (وَيَصُبُّهُ عَلَى يَدَيْهِ) حَتَّى يُطَهِّرَهُمَا إنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) ذَلِكَ (تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَ بِئْرًا وَلَمْ يَجِد آلَةً يَسْتَقِي بِهَا مِنْهَا فَإِنْ لَمْ تَكُونَا نَجِسَتَيْنِ لَكِنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ فَفِي الشَّرْحِ مَنْ قَالَ أَنَّ غَمْسَهُمَا لَا يُؤَثِّرُ، قَالَ يَتَوَضَّأُ وَمَنْ جَعَلَهُ مُؤَثِّرًا قَالَ يَتَوَضَّأُ وَيَتَيَمَّمُ مَعَهُ انْتَهَى وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ غَمْسَ الْبَعْضِ كَالْكُلِّ وَإِلَّا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَغْتَرِفُ بِبَعْضِ يَدِهِ، وَيَغْسِلهُمَا ثَلَاثًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِلَا تَيَمُّمٍ. (وَإِنْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (بِانْغِمَاسِهِ كُلِّهِ أَوْ) انْغِمَاسِ (بَعْضِهِ) مِنْ يَدٍ أَوْ غَيْرِهَا (فِي مَاءٍ قَلِيلٍ) لَا كَثِيرٍ (رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ رَفْعُ حَدَثِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ بِذَلِكَ. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: قَالَ أَصْحَابُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ يَقَعُ مِنْهُ أَيْ فِي الْمَاءِ، فَيَحْصُلُ غَسْلُ مَا سِوَاهُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ فَلَا يُجْزِئُهُ (وَصَارَ) الْمَاءُ (مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ جُزْءٍ انْفَصَلَ) مِنْ الْمُنْغَمِسِ
وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ لَاقِي وَهُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَالْمَاءُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ جُزْءٍ انْفَصَلَ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ الْوَارِدَ عَلَى مَحِلِّ التَّطْهِيرِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ بِمُجَرَّدِ الْإِصَابَةِ وَلَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِانْفِصَالِهِ فَلِهَذَا قَالَ (كَ) الْمَاءِ (الْمُتَرَدِّدِ عَلَى الْمَحِلِّ) أَيْ مَحِلِّ التَّطْهِيرِ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِانْفِصَالِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: مَا دَامَ الْمَاءُ يَجْرِي عَلَى بَدَنِ الْمُغْتَسِلِ وَعُضْوِ الْمُتَوَضِّئِ عَلَى وَجْهِ الِاتِّصَالِ فَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ، حَتَّى يَنْفَصِلَ فَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ عُضْوٍ إلَى عُضْوٍ لَا يَتَّصِلُ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَعْصِرَ الْجُنُبُ شَعْرَ رَأْسِهِ عَلَى لُمْعَةٍ مِنْ بَدَنِهِ، أَوْ يَمْسَحَ الْمُحْدِثُ رَأْسَهُ بِبَلَلِ يَدِهِ بَعْدَ غَسْلِهَا فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَمَا لَوْ انْفَصَلَ إلَى غَيْرِ مَحِلِّ التَّطْهِيرِ، وَالْأُخْرَى لَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ وَهُوَ أَصَحُّ انْتَهَى. لَكِنْ صَحَّحَ الْأُولَى فِي الْإِنْصَافِ، وَمَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَذَكَرَ الْخَلَّالُ أَنَّ رِوَايَةَ الْإِجْزَاءِ رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْهَا وَاسْتَقَرَّ قَوْلُهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئُ (وَكَذَا نِيَّتُهُ) أَيْ الْجُنُبِ (بَعْدَ غَمْسِهِ) أَيْ انْغِمَاسِهِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ رَاكِدًا كَانَ أَوْ جَارِيًا. قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الطَّهَارَةَ حَتَّى انْغَمَسَ بِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ يَرْتَفِعُ مِنْهُ فَيَحْصُلُ غَسْلُ مَا سِوَاهُ بِمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ انْتَهَى فَقَطَعَ بِأَنَّهُ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا بِأَوَّلِ جُزْءٍ انْفَصَلَ، وَعَزَاهُ إلَى الْأَصْحَابِ، فَيُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذَا هَكَذَا. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَقَالَ الْمَجْدُ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ عَقِبَ نِيَّتِهِ، لِوُصُولِ الطَّهُورِ إلَى جَمِيعِ مَحِلِّهِ بِشَرْطِهِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ فَلَا تَعُودُ الْجَنَابَةُ بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا بَعْدُ وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْمَسْأَلَةَ فِي الْحَاشِيَةِ (وَلَا أَثَرَ لِغَمْسِهِ) أَيْ الْجُنُبِ بَدَنَهُ أَوْ بَعْضَهُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ (بِلَا نِيَّةِ رَفْعِ حَدَثٍ كَمَنْ نَوَى التَّبَرُّدَ أَوْ) نَوَى (إزَالَةَ الْغُبَارِ، أَوْ) نَوَى (الِاغْتِرَافَ، أَوْ فَعَلَهُ عَبَثًا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَانِعًا. (وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ الرَّاكِدُ كَثِيرًا كُرِهَ أَنْ يَغْتَسِلَ فِيهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ وَهُوَ جُنُبٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ) أَيْ الْجُنُبِ (قَبْلَ انْفِصَالِهِ عَنْهُ) أَيْ الْمَاءِ لِوُصُولِ الطَّهُورِ إلَى مَحِلِّهِ بِشَرْطِهِ (وَيَسْلُبُهُ) أَيْ الْمَاءَ (الطَّهُورِيَّةَ اغْتِرَافُهُ) أَيْ الْجُنُبِ (بِيَدِهِ أَوْ فَمِهِ أَوْ وَضْعِ رِجْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا) مِنْ أَعْضَائِهِ (فِي) مَاءٍ (قَلِيلٍ بَعْدَ نِيَّةِ غُسْلٍ وَاجِبٍ) لِاسْتِعْمَالِهِ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ أَوَّلِ جُزْءٍ يُلَاقِي مِنْ الْغَمُوسِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجُزْءَ غَيْرُ مَعْلُومٍ. (وَلَوْ اغْتَرَفَ الْمُتَوَضِّئُ بِيَدِهِ بَعْدَ غَسْلِ وَجْهِهِ) لَا قَبْلَهُ لِاعْتِبَارِ التَّرْتِيبِ (مِنْ) مَاءٍ (قَلِيلٍ) لَا كَثِيرٍ (وَنَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْقَلِيلِ (سَلَبَهُ) ذَلِكَ الْفِعْلُ (الطَّهُورِيَّةَ) ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي رَفْعِ حَدَثٍ (كَالْجُنُبِ)
وَلَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُ الْيَدِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ) الْمُتَوَضِّئُ (غَسْلَهَا فِيهِ) أَيْ فِي الْقَلِيلِ (فَطَهُورٌ) وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الِاغْتِرَافَ، بِخِلَافِ الْجُنُبِ (لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ (وَيَصِيرُ الْمَاءُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ) الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى (مُسْتَعْمَلًا بِانْتِقَالِهِ مِنْ عُضْوٍ إلَى) عُضْوٍ (آخَرَ بَعْدَ زَوَالِ اتِّصَالِهِ) عَنْ الْعُضْوِ (لَا بِتَرَدُّدِهِ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْمُتَّصِلَةِ) ؛ لِأَنَّ بَدَنَ الْجُنُبِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، فَانْتِقَالُ الْمَاءِ مِنْ عُضْوٍ إلَى آخَرَ كَتَرَدُّدِهِ عَلَى عُضْوٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْمُحْدِثِ، فَإِنَّهَا مُتَغَايِرَةٌ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ لِغَسْلِهَا التَّرْتِيبُ. (وَإِنْ غُسِلَتْ بِهِ) أَيْ الطَّهُورُ (نَجَاسَةٌ فَانْفَصَلَ مُتَغَيِّرًا بِهَا) فَنَجِسٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى لَوْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ» . وَالْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ (أَوْ) انْفَصَلَ غَيْرُ مُتَغَيِّرٍ (قَبْلَ زَوَالِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ، كَالْمُنْفَصِلِ مِنْ السَّادِسَةِ فَمَا دُونَهَا (وَهُوَ يَسِيرٌ فَنَجِسٌ) ؛ لِأَنَّهُ مُلَاقٍ لِنَجَاسَةٍ لَمْ يُطَهِّرْهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ وَرَدَتْ عَلَيْهِ (وَإِنْ انْفَصَلَ) الْقَلِيلُ (غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ بَعْدَ زَوَالِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ كَالْمُنْفَصِلِ (عَنْ مَحِلِّ طُهْرٍ، أَرْضًا كَانَ) الْمَحِلُّ (أَوْ غَيْرَهَا فَطَهُورٌ، إنْ كَانَ قُلَّتَيْنِ) فَأَكْثَرَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» وَعَدَمُ سَلْبِ الطَّهُورِيَّةِ أَوْلَى (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ دُونَ قُلَّتَيْنِ (فَطَاهِرٌ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ ذَنُوبٌ مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْلَا أَنَّهُ يَطْهُرُ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ، أَنْ تُنَشَّفَ أَعْيَانُ الْبَوْلِ أَوْ لَا لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ نُشَافِهْ وَعَدَمِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ عَقِبَ الْبَوْلِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرُ الْأَرْضِ يُقَاسُ عَلَيْهَا،؛ وَلِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ، وَهُوَ طَاهِرٌ بِالْإِجْمَاعِ. (وَإِنْ خَلَتْ امْرَأَةٌ) مُكَلَّفَةٌ (وَلَوْ كَافِرَةٌ) حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ (لَا) إنْ خَلَتْ بِهِ (مُمَيِّزَةٌ) أَوْ مُرَاهِقَةٌ (أَوْ خُنْثَى مُشْكِلٌ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا (بِمَاءٍ) مُتَعَلِّقٌ بِخَلَتْ (لَا) إنْ خَلَتْ (بِتُرَابٍ تَيَمَّمَتْ بِهِ) فَلَا تُؤَثِّرْ خَلَوْتُهَا بِهِ لِعَدَمِ النَّصِّ (دُونَ قُلَّتَيْنِ) صِفَةٌ لِمَاءٍ (لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) لَا لِبَعْضِ طَهَارَةٍ (عَنْ حَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ (لَا) عَنْ (خَبَثٍ وَشُرْبٍ وَطُهْرٍ مُسْتَحَبٍّ فَطَهُورٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مَا يَسْلُبُهُ ذَلِكَ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ (وَلَا يَرْفَعُ حَدَثَ رَجُلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَخْلُ بِهِ، كَمَا أَنَّ الْأُوَلَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا خَلَتْ بِهِ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْمُنَجَّا
وَوَجْهُ الْمَنْعِ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ " تَوَضَّأْ أَنْتَ هَهُنَا وَهِيَ هَهُنَا فَإِذَا خَلَتْ بِهِ فَلَا تَقْرَبَنَّهُ " رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (تَنْبِيه) عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الطَّهَارَةُ بِهِ، فَعُمُومُهُ يَتَنَاوَلُ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، وَالْوُضُوءَ وَالْغُسْلَ الْمُسْتَحَبَّيْنِ وَغُسْلَ الْمَيِّتِ (وَلَا) يَرْفَعُ أَيْضًا مَا خَلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ حَدَثَ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) احْتِيَاطٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَإِنْ قُلْتَ فَهَلَّا أَثَّرَتْ خَلْوَةُ الْخُنْثَى بِهِ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً قُلْتُ لَا نَمْنَعُ بِالِاحْتِمَالِ، كَمَا لَا نُنَجِّسُ بِالشَّكِّ. وَهُنَا الْمَنْعُ تَحَقَّقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَمَنَعْنَاهُ مِنْهُ كَمَنْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ (تَعَبُّدًا) أَيْ الْمَنْعُ لِلرَّجُلِ وَالْخُنْثَى مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ التَّعَبُّدِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَدِيثِ مَعَ عَدَمِ عَقْلِ الْمَعْنَى فِيهِ فَلَيْسَ مُعَلَّلًا بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ وَلَا غَيْرِهِ. (وَلَهَا) أَيْ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي خَلَتْ بِالْمَاءِ الطَّهَارَةُ بِهِ (وَلَا امْرَأَةً أُخْرَى) غَيْرَهَا الطَّهَارَةُ بِهِ (وَلِصَبِيٍّ) مُمَيِّزٍ أَوْ مُرَاهِقٍ (الطَّهَارَةُ بِهِ مِنْ حَدَثٍ وَخَبَثٍ، وَلِرَجُلٍ) الطَّهَارَةُ بِهِ (مِنْ خَبَثٍ) قُلْتُ وَغَسْلُ ذَكَرِهِ وَأُنْثَيَيْهِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيَ وَلَمْ يُصِبْهُمَا، لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ، مَعَ عَدَمِ عَقْلِ مَعْنَاهُ فَلَمْ يُقَسْ عَلَيْهِ. وَإِذَا لَمْ يَجِدْ الرَّجُلُ غَيْرَ مَا خَلَتْ بِهِ الْمُكَلَّفَةُ اسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ تَيَمَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا غُمِسَتْ فِيهِ يَدُ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ وَأَوْلَى، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَلَهَا) أَيْ الْمَرْأَةُ (الطَّهَارَةُ بِمَا خَلَا بِهِ) الرَّجُلُ وَلَوْ قَلِيلًا لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَتَزُولُ الْخَلْوَةُ إذَا شَاهَدَهَا عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ، أَوْ شَارَكَهَا فِيهِ زَوْجُهَا أَوْ مَنْ تَزُول بِهِ خَلْوَةُ النِّكَاحِ) قُلْتُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ أَعْمَى (مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ أَوْ مُمَيِّزٍ وَلَوْ كَانَ الْمَشَاهِدُ) لَهَا (كَافِرًا) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ مُمَيِّزٍ (وَيَأْتِي) خَلْوَةُ النِّكَاحِ فِيمَا يُقَرَّرَ الصَّدَاقُ. (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ وَامْرَأَتُهُ) مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ (أَوْ) أَنْ (يَغْتَسِلَا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْتَسَلَ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِيهُمَا فِيهِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ أَبْقِ لِي» (وَجَمِيعُ الْمِيَاهِ الْمُتَعَصِّرَةِ مِنْ النَّبَاتَاتِ الطَّاهِرَةِ وَكُلُّ طَاهِرٍ) مِنْ الْأَقْسَامِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا (يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالطَّبْخُ بِهِ وَالْعَجْنُ) بِهِ (وَنَحْوُهُ) كَالتَّبَرُّدِ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ} [الأعراف: 157] (وَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُهُ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَ) لَا فِي (إزَالَةِ النَّجَسِ وَلَا فِي طَهَارَةٍ مَنْدُوبَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ.
فصل في القسم الثالث من أقسام المياه الماء نجس
(وَالْمَاءُ النَّجِسُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ بِحَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَالنَّجَسُ خَبِيثٌ (إلَّا لِضَرُورَةِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ طَهُورٌ وَلَا طَاهِرٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: 173] (أَوْ) لِضَرُورَةٍ مِنْ (عَطَشِ مَعْصُومٍ مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ تُؤْكَلُ) كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ (أَوْ لَا) كَالْحُمُرِ وَالْبِغَالِ. (وَلَكِنْ لَا تُحْلَبُ) ذَاتُ اللَّبَنِ إذَا سُقِيَتْ النَّجَسَ (قَرِيبًا) قُلْتُ بَلْ بَعْدَ أَنْ تُسْقَى طَاهِرًا يَسْتَهْلِكُ النَّجَسَ، كَمَا فِي الزَّرْعِ إذَا سُمِّدَ بِنَجَسٍ (أَوْ لِطَفْء حَرِيقٍ مُتْلِفٍ) لِدَفْعِ ضَرُورَةٍ (وَيَجُوزُ بَلُّ التُّرَابِ بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ النَّجِسِ (وَجَعْلُهُ) أَيْ التُّرَابُ (طِينًا يُطَيَّنُ بِهِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى تَنْجِيسُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُطَيَّنَ بِهِ نَحْوُ مَسْجِدٍ (وَمَتَى تَغَيَّرَ الْمَاءُ) الطَّهُورُ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (بِطَاهِرٍ ثُمَّ زَالَ تَغَيُّرُهُ) بِنَفْسِهِ أَوْ ضُمَّ شَيْءٌ إلَيْهِ (عَادَتْ طَهُورِيَّتُهُ) ؛ لِأَنَّ السَّلْبَ لِلتَّغَيُّرِ وَقَدْ زَالَ، فَعَادَ إلَى أَصْلِهِ وَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُ بَعْضِهِ عَادَتْ طَهُورِيَّتُهُ مَا زَالَ تَغَيُّرُهُ (فَإِنْ تَغَيَّرَ بِهِ بَعْضُهُ فَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ) مِنْهُ (طَهُورٌ) عَلَى أَصْلِهِ لِعَدَمِ مَا يُزِيلُهُ عَنْهُ. [فَصْل فِي الْقِسْم الثَّالِثُ مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ الْمَاءُ نَجَسٌ] الْقِسْمُ (الثَّالِثُ) مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاهِ (نَجَسٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا وَسُكُونِهَا، وَهُوَ لُغَةً الْمُسْتَقْذَرُ ضِدُّ الطَّاهِرِ، يُقَالُ: نَجِسَ يَنْجَسُ كَعَلِمَ يَعْلَمُ وَشَرِفَ يَشْرَفُ (وَهُوَ) هُنَا (مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ قَلَّ التَّغَيُّرُ أَوْ كَثُرَ (فِي غَيْرِ مَحِلِّ التَّطْهِيرِ) فَيَنْجَسُ إجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (وَ) الْمُتَغَيِّرُ بِنَجَاسَةٍ (فِي مَحِلِّهِ) أَيْ مَحِلِّ التَّطْهِيرِ (طَهُورٌ) إنْ كَانَ الْمَاءُ (وَارِدًا) عَلَى مَحِلِّ التَّطْهِيرِ لِضَرُورَةِ التَّطْهِيرِ إذْ لَوْ قُلْنَا فَيَنْجَسُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ لَمْ يُمْكِنْ تَطْهِيرُ نَجِسٍ بِمَاءٍ قَلِيلٍ فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ مَوْرُودًا، بِأَنْ غُمِسَ الْمُتَنَجِّسُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ، تَنَجَّسَ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ. وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا وَتَغَيَّرَ تَنَجَّسَ وَإِلَّا فَلَا (فَإِنْ تَغَيَّرَ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضِ الْمَاءِ الْكَثِيرِ (فَالْمُتَغَيِّرُ نَجِسٌ) لِلتَّغَيُّرِ (وَمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهُ) فَهُوَ (فَطَهُورٌ إنْ كَانَ كَثِيرًا) لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَوَقَعَ فِي جَانِبٍ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَتَغَيَّرَ بِهَا، نَظَرْتَ فِيمَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَإِنْ
نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ فَالْجَمِيعُ نَجَسٌ لِأَنَّ الْمُتَغَيِّرَ نَجَسٌ بِالتَّغَيُّرِ وَالْبَاقِي يَنْجَسُ بِالْمُلَاقَاةِ انْتَهَى. وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَقَطْ وَغَيَّرَتْ النَّجَاسَةُ مِنْهُ قَدْرًا يُعْفَى عَنْهُ فِي نَقْصِ الْقُلَّتَيْنِ كَالرَّطْلِ وَالرَّطْلَيْنِ فَالْبَاقِي طَهُورٌ لِأَنَّهُ قُلَّتَانِ (وَلَهُ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ مَا لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ (وَلَوْ مَعَ قِيَامِ النَّجَاسَةِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ (وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (قَلِيلٌ) لِأَنَّ تَبَاعُدَ الْأَقْطَارِ وَتَقَارُبَهَا لَا عِبْرَةَ بِهِ، إنَّمَا الْعِبْرَةُ بِكَوْنِ غَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا وَيُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمُلَاصِقِ لِلنَّجَاسَةِ إذَا كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّرْ بِالنَّجَاسَةِ كَثِيرًا فَهُوَ (نَجَسٌ) لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ (فَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْمَاءُ الَّذِي خَلَطَتْهُ النَّجَاسَةُ وَهُوَ يَسِيرٌ فَ) هُوَ (نَجَسٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ: إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» . وَفِي رِوَايَةٍ «لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَسُئِلَ عَنْهُ ابْنُ مَعِينٍ فَقَالَ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيَكْفِي شَاهِدًا عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ نُجُومَ أَهْلِ الْحَدِيثِ صَحَّحُوهُ ، وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ بِإِرَاقَةِ الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ التَّغَيُّرَ. وَعَنْهُ لَا يَنْجَسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْمُنَجَّا وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وِفَاقًا لِمَالِكٍ لِحَدِيثِ بِئْرِ بُضَاعَةَ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَى رِيحِهِ وَطَعْمِهِ وَلَوْنِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَجَوَابُهُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيَنْجَسُ الْقَلِيلُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ. (وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ لَا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ) أَيْ الْبَصَرُ كَالَّتِي بِأَرْجُلِ الذُّبَابِ خِلَافًا لِعُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَسَوَاءٌ (مَضَى زَمَنٌ تَسْرِي فِيهِ) النَّجَاسَةُ (أَمْ لَا) لِأَنَّ النَّجَاسَةَ بِالْمُلَاقَاةِ لَا بِالِاسْتِهْلَاكِ (وَمَا انْتَضَحَ مِنْ) مَاءٍ (قَلِيلٍ لِسُقُوطِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (فِيهِ نَجَسٌ) لِأَنَّهُ بَعْضُ الْمُتَّصِلِ بِالنَّجَاسَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا انْتَضَحَ مِنْ كَثِيرٍ طَهُورٌ (وَالْمَاءُ الْجَارِي كَالرَّاكِدِ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (إنْ بَلَغَ مَجْمُوعُهُ) أَيْ الْجَارِي (قُلَّتَيْنِ دَفَعَ) . (النَّجَاسَةَ إنْ لَمْ تُغَيِّرْهُ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ قُلَّتَيْنِ تَنَجَّسَ مَجْمُوعُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاةِ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (فَلَا اعْتِبَارَ بِالْجِرْيَةِ) وَهِيَ مَا أَحَاطَ بِالنَّجَاسَةِ فَوْقَهَا وَتَحْتَهَا وَيَمْنَةً وَيَسْرَةً. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ وَمَا انْتَشَرَتْ إلَيْهِ عَادَةً أَمَامَهَا وَوَرَاءَهَا، وَعَنْهُ كُلُّ جِرْيَةٍ مِنْ جَارٍ كَمُنْفَرِدٍ فَمَتَى امْتَدَّتْ نَجَاسَةٌ بِجَارٍ فَكُلُّ جِرْيَةٍ نَجَاسَةٌ مُفْرَدَةٌ فَيُفْضِي إلَى تَنْجِيسِ نَهْرٍ كَبِيرٍ بِنَجَاسَةٍ قَلِيلَةٍ لَا كَثِيرَةٍ لِقِلَّةِ مَا يُحَاذِي الْقَلِيلَةَ. إذْ لَوْ فَرَضْنَا كَلْبًا فِي جَانِبِ نَهْرٍ وَشَعْرَةٌ مِنْهُ فِي
جَانِبِهِ الْآخَرِ لَكَانَ مَا يُحَاذِيهَا لَا يَبْلُغُ قُلَّتَيْنِ لِقِلَّتِهِ فَيَنْجَسُ وَمَا يُحَاذِي الْكَلْبَ يَبْلُغُ قِلَالًا فَلَا يَنْجَسُ وَهَذَا ظَاهِرُ الْفَسَادِ وَالتَّفْرِيعُ عَلَى الْأَوَّلِ. (فَلَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ) الْمُتَنَجِّسُ (فِي مَاءٍ جَارٍ فَهِيَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَوْ مَرَّ عَلَيْهِ جِرْيَاتٌ) كَمَا لَوْ حَرَّكَهُ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الرَّاكِدِ (وَكَذَا لَوْ كَانَ) الْمُتَنَجِّسُ (ثَوْبًا وَنَحْوَهُ) مِمَّا يَتَشَرَّبُ النَّجَاسَةَ (وَعَصَرَهُ عَقِبَ كُلِّ جِرْيَةٍ) كَمَا لَوْ عَصَرَهُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ فَغَسْلَةٌ يُبْنَى عَلَيْهَا. (وَلَوْ انْغَمَسَ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَاءِ الْجَارِي (لِمُحْدِثٍ حَدَثًا أَصْغَرَ لِلْوُضُوءِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتِّبًا نَصًّا كَالرَّاكِدِ وَلَوْ مَرَّ عَلَيْهِ أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَقِفُ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَاءِ وَهُوَ جَارٍ (فَوَقَفَ) فِيهِ (حَنِثَ) هَكَذَا فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ وَيَأْتِي فِي بَابِ التَّأْوِيلِ فَالْحَلِفُ لَا يَحْنَثُ بِلَا نِيَّةٍ وَلَا قَصْدٍ وَلَا سَبَبٍ. (وَيَنْجَسُ كُلُّ مَائِعٍ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (كَزَيْتٍ وَلَبَنٍ وَسَمْنٍ) وَخَلٍّ وَعَسَلٍ بِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا لِحَدِيثِ الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ وَعَنْهُ حُكْمُهُ كَالْمَاءِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَ) يَنْجَسُ (كُلُّ طَاهِرٍ كَمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ بِالْعِلَاجِ (بِمُلَاقَاةِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ مَعْفُوًّا عَنْهَا) كَيَسِيرِ الدَّمِ (وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا) قِيَاسًا عَلَى السَّمْنِ (وَإِنْ وَقَعَتْ) نَجَاسَةٌ (فِي مُسْتَعْمَلٍ فِي رَفْعِ حَدَثٍ أَوْ) وَقَعَتْ (فِي طَاهِرٍ غَيْرَهُ مِنْ الْمَاءِ) كَالْمُسْتَعْمَلِ فِي غُسْلِ مَيِّتٍ أَوْ غَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ وَكَالطَّهُورِ الَّذِي تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِطَاهِرٍ (لَمْ يَنْجَسْ كَثِيرُهُمَا بِدُونِ تَغَيُّرٍ كَالطَّهُورِ) . قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْصُوصِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَابْنِ عُبَيْدَانَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ مُنَجَّا فِي نِهَايَتِهِ وَغَيْرُهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَنْجَسَ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ عَنْ الْأَوَّلِ فِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ وَابْنُ تَمِيمٍ انْتَهَى وَقَطَعَ بِالثَّانِي فِي التَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَوَجْهُ الْأَوَّلِ عُمُومُ حَدِيثِ «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ» . وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ فَأَشْبَهَ الْخَلَّ (إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ بَوْلَ آدَمِيٍّ) كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا وَظَاهِرُهُ لَوْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ (أَوْ عَذِرَتَهُ الْمَائِعَةَ أَوْ الرَّطْبَةَ أَوْ يَابِسَةً فَذَابَتْ نَصًّا وَأَمْكَنَ نَزْحُهُ) أَيْ الْكَثِيرُ الطَّهُورُ أَوْ الطَّاهِرُ مِنْ الْمَاءِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ (بِلَا مَشَقَّةٍ) عَظِيمَةٍ نَزَحَهُ (فَيَنْجَسُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْمَرُّوذِيِّ وَأَبِي طَالِبٍ وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ وَالشَّرِيفُ وَالْقَاضِي وَابْنُ عَبْدُوسٍ، وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ» هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ مُسْلِمٌ «ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ» وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ وَهُوَ خَاصٌّ فِي الْبَوْلِ
وَخَبَرُ الْقُلَّتَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ فَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا: وَالْعَذِرَةُ الْمَائِعَةُ كَالْبَوْلِ بَلْ أَفْحَشُ، وَالرَّطْبَةُ وَالْيَابِسَةُ إذَا ذَابَتْ كَذَلِكَ. وَفِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: وَالْأَوْلَى التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرَّطْبَةِ وَالْمَائِعَةِ (وَعَنْهُ لَا يَنْجَسُ) الْكَثِيرُ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ وَلَا عَذِرَتِهِ إنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ (وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ) الْأَصْحَابِ (الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ) اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهَا السَّامِرِيُّ. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمْ لِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ وَلِأَنَّ نَجَاسَةَ الْآدَمِيِّ لَا تَزِيدُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَلْبِ وَهُوَ لَا يُنَجِّسُ الْقُلَّتَيْنِ فَهَذَا أَوْلَى وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» إلَى آخِرِهِ لَا بُدَّ مِنْ تَخْصِيصِهِ فَتَخْصِيصُهُ بِخَبَرِ الْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ كَمَصَانِعِ طَرِيقِ مَكَّةَ لَا يُنَجَّسُ بِالْبَوْلِ وَلَا بِغَيْرِهِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ (وَإِذَا انْضَمَّ حَسَبَ الْإِمْكَانِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالسِّينِ (عُرْفًا وَلَوْ لَمْ يَتَّصِلْ الصَّبُّ إلَى مَاءٍ نَجِسٍ مَاءٌ طَهُورٌ كَثِيرٌ) طَهَّرَهُ أَيْ صَيَّرَهُ طَهُورًا لِأَنَّ الْكَثِيرَ يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّا اتَّصَلَ بِهِ وَلَا يُنَجَّسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِإِضَافَةِ يَسِيرٍ إلَيْهِ وَلَوْ زَالَ بِهِ التَّغَيُّرُ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَذَا عَنْ غَيْرِهِ خِلَافًا لِصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ. (أَوْ جَرَى إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَاءِ النَّجِسِ مَاءٌ طَهُورٌ كَثِيرٌ (مِنْ سَاقِيَةٍ أَوْ نَبَعَ) بِفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ الْمَاءُ الطَّهُورُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمُتَنَجِّسِ (طَهَّرَهُ أَيْ صَارَ) الْمُتَنَجِّسُ (طَهُورًا إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ تَغَيُّرٌ) قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (إنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا بِغَيْرِ بَوْلِ آدَمِيٍّ أَوْ عَذِرَتِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُتَّصِلَ يَدْفَعُ تِلْكَ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَدَفَعَهَا عَنْ غَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مُتَغَيِّرًا لَمْ يَطْهُرْ حَتَّى يَزُولَ تَغَيُّرُهُ (وَإِنْ كَانَ) تَنَجَّسَ (بِأَحَدِهِمَا) أَيْ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ عَذِرَتِهِ (وَلَمْ يَتَغَيَّرْ) بِأَنْ لَمْ يَشُقَّ نَزْحُهُ (فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ) بِنَاءً عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَالْمُتَوَسِّطِينَ. وَأَمَّا قَوْلُ الْمُتَأَخِّرِينَ فَظَاهِرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَغَيَّرَ) الْمَاءُ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ عَذِرَتِهِ (وَكَانَ مِمَّا يَشُقُّ نَزْحُهُ فَتَطْهِيرُهُ بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ مَعَ زَوَالِ التَّغَيُّرِ) لِأَنَّ عِلَّةَ التَّنَجُّسِ التَّغَيُّرُ وَقَدْ زَالَ (أَوْ بِنَزْحٍ يَبْقَى بَعْدَهُ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ) مَعَ زَوَالِ التَّغَيُّرِ قَلَّ الْمَنْزُوحُ أَوْ كَثُرَ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ، فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ تَطْهِيرُ الْمَاءِ بِالنَّزْحِ لَا يَزِيدُ عَلَى تَحْرِيكِهِ لِأَنَّ التَّنْقِيصَ وَالتَّقْلِيلَ يُنَافِي مَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ مِنْ الْكَثْرَةِ (أَوْ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِمُكْثِهِ) كَالْخَمْرِ تَنْقَلِبُ خَلًّا. (وَإِنْ كَانَ) الْمُتَنَجِّسُ بِبَوْلِ الْآدَمِيِّ أَوْ عَذِرَتَهُ (مِمَّا لَا يَشُقُّ نَزْحُهُ فَ) تَطْهِيرُهُ (بِإِضَافَةِ مَا يَشُقُّ نَزْحُهُ عُرْفًا كَمَصَانِعِ طَرِيقِ مَكَّةَ مَعَ زَوَالِ تَغَيُّرِهِ إنْ كَانَ) فِيهِ تَغَيُّرٌ لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَنْزُوحُ طَهُورٌ مَا لَمْ يَكُنْ مُتَغَيِّرًا أَوْ تَكُنْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ) حَيْثُ زَالَ التَّغَيُّرُ
بِهِ وَبَقِيَ بَعْدَهُ قُلَّتَانِ، لِأَنَّهُ بَعْضُ الْبَاقِي فَكَانَ طَهُورًا كَاَلَّذِي انْفَصَلَ مِنْهُ وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنْفَصِلُ مِنْ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بَعْدَ طَهَارَةِ الْمَحِلِّ طَاهِرًا لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْمُنْفَصِلَ عَنْ الْمَحِلِّ حُكْمَ الْمَاءِ الْبَاقِي فِي الْمَحِلِّ وَإِذَا حُكِمَ بِطَهَارَةِ الْمَحِلِّ كَانَ الْبَلَلُ الْبَاقِي فِي الْمَحِلِّ طَاهِرًا، فَكَذَلِكَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ بَعْضُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَنْزُوحُ مُتَغَيِّرًا أَوْ كَانَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ فِيهِ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ فَنَجِسٌ. قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَالْمُرَادُ آخِرُ مَا نُزِحَ الْمَاءُ وَزَالَ مَعَهُ التَّغَيُّرُ وَلَمْ يُضِفْ إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمَنْزُوحِ الَّذِي لَمْ يَزُلْ التَّغَيُّرُ بِنَزْحِهِ (وَلَا يَجِبُ غَسْلُ جَوَانِبِ بِئْرٍ) ضَيِّقَةً كَانَتْ أَوْ وَاسِعَةً (نُزِحَتْ) لِنَجَاسَةٍ حَصَلَتْ بِهَا (وَ) لَا غَسْلُ (أَرْضِهَا) لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، بِخِلَافِ رَأْسِهَا قُلْتُ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يَجِبُ غَسْلُ آلَةِ النَّزْحِ، لَكِنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ الْمَنْزُوحُ طَهُورٌ كَمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْآلَةَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا ذَلِكَ لِلْحَرَجِ وَإِلَّا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ النَّجِسُ كَثِيرًا فَزَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ صَارَ طَهُورًا إنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا بِغَيْرِ الْبَوْلِ وَالْعَذِرَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَمْ يَكُنْ مُجْتَمِعًا مِنْ) مَاءٍ (مُتَنَجِّسٍ) كَمَاءٍ مِنْ الْمِيَاهِ الَّتِي جُمِعَتْ (دُونَ قُلَّتَيْنِ كَاجْتِمَاعِ قُلَّةٍ نَجِسَةٍ إلَى مِثْلِهَا) فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ طَهُرَ لِزَوَالِ عِلَّةِ النَّجَاسَةِ وَهِيَ التَّغَيُّرُ، كَمَا لَوْ أُضِيفَ إلَيْهِ مَاءٌ كَثِيرٌ وَزَالَ بِهِ تَغَيُّرُهُ (فَإِنْ كَانَ) مُجْتَمِعًا مِنْ مُتَنَجِّسٍ كُلٌّ مِنْهُ دُون قُلَّتَيْنِ (فَ) هُوَ (نَجِسٌ) وَلَوْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ، وَلَا يَطْهُرُ إلَّا بِإِضَافَةِ كَثِيرٍ (وَكَكَمَالِهِمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ (بِبَوْلٍ أَوْ نَجَاسَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ الْبَوْلِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِإِضَافَةِ كَثِيرٍ. (وَكَذَا إنْ اجْتَمَعَ مِنْ نَجَسٍ وَطَهُورٍ وَطَاهِرٍ قُلَّتَانِ وَلَا تَغَيُّرَ فَكُلُّهُ نَجَسٌ) ؛ لِأَنَّ الطَّهُورَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَكَذَا عَنْ غَيْرِهِ بَلْ أَوْلَى. (وَتَطْهِيرُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ وَمَاءٌ) نَجَسٌ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا (كُوثِرَ بِمَاءٍ يَسِيرٍ بِالْإِضَافَةِ) أَيْ بِإِضَافَةِ مَا يَدْفَعُ تِلْكَ النَّجَاسَةَ لَوْ وَقَعَتْ فِيهِ ابْتِدَاءٍ عَنْ نَفْسِهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ إضَافَةِ يَسِيرٍ وَدُونَ زَوَالِ التَّغَيُّرِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَزْحٍ (إنْ كُوثِرَ) هَذَا الْمَاءُ الْمَذْكُورُ (بِمَاءٍ يَسِيرٍ) لَمْ يَطْهُرْ (أَوْ كَانَ) الْمُتَنَجِّسُ (كَثِيرًا فَأُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ) أَيْ مَاءٌ يَسِيرٌ (أَوْ) أُضِيفَ إلَيْهِ (غَيْرُ الْمَاءِ) مِنْ تُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ (لَمْ يَطْهُرْ) بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى.
فصل الكثير قلتان فصاعدا
[فَصْلٌ الْكَثِيرُ قُلَّتَانِ فَصَاعِدًا] ) ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْقُلَّتَيْنِ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى دَفْعِهِمَا النَّجَاسَةَ عَنْ أَنْفُسِهِمَا، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ مَا لَمْ يَبْلُغْهُمَا فَلِذَلِكَ جَعَلْنَاهُمَا حَدًّا لِلْكَثِيرِ، وَهُمَا تَثْنِيَةُ قُلَّةٍ وَهِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا ارْتَفَعَ وَعَلَا وَمِنْهُ قُلَّةُ الْجَبَلِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْجَرَّةُ الْكَبِيرَةُ وَسُمِّيَتْ قُلَّةً لِارْتِفَاعِهَا وَعُلُوِّهَا، أَوْ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ يُقِلُّهَا بِيَدِهِ أَوْ يَرْفَعُهَا وَالتَّحْدِيدُ وَقَعَ بِقِلَالِ هَجَرَ قَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ لِمَا رَوَى الْخَطَّابِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا «إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ» . وَفِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ «ثُمَّ رُفِعْتُ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهَا مَشْهُورَةُ الصِّفَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ، لَا تَخْتَلِفُ كَالصِّيعَانِ. (وَالْيَسِيرُ دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ (وَهُمَا) أَيْ الْقُلَّتَانِ (خَمْسُمِائَةِ رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ) لِقَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ ابْنِ جُرَيْجٍ رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا وَالِاحْتِيَاطُ إثْبَاتُ الشَّيْءِ وَجَعْلُهُ نِصْفًا، لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مُنَكَّرٍ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُهُمَا خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ وَالْقِرْبَةُ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ عِرَاقِيَّةٍ بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِتَحْدِيدِ الْمَاءِ بِالْقِرَبِ (تَقْرِيبًا فَيُعْفَى عَنْ نَقْصٍ يَسِيرٍ كَرِطْلٍ أَوْ رَطْلَيْنِ) عِرَاقِيَّةٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا جُعِلَ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَعَلَى هَذَا مَنْ وَجَدَ نَجَاسَةً فِي مَاءٍ فَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقَارِبٌ لِلْقُلَّتَيْنِ تَوَضَّأَ مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا (وَ) الْقُلَّتَانِ (أَرْبَعُمِائَةِ) رَطْلٍ (وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ رَطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) أَيْ الرَّطْلُ الْمِصْرِيُّ (مِنْ الْبُلْدَانِ) كَالْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ. (وَ) الْقُلَّتَانِ (مِائَةٌ وَسَبْعَةُ أَرْطَالٍ وَسُبْعُ رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) مِنْ الْبُلْدَانِ كَصَيْدَا وَعَكَّةَ وَصَفَدَ (وَتِسْعَةٌ وَثَمَانُونَ رَطْلًا وَسُبْعَا رَطْلٍ حَلَبِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) كَالْبَيْرُوتِيِّ (وَثَمَانُونَ رَطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ وَنِصْفُ سُبْعِ رِطْلٍ قُدُسِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) كَالنَّابُلُسِيِّ (وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ رَطْلًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ رَطْلٍ بَعْلِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي وَزْنِهِ مِنْ الْبِلَادِ (وَمِسَاحَتُهُمَا) أَيْ الْقُلَّتَيْنِ (مُرَبَّعًا ذِرَاعٌ وَرُبْعٌ طُولًا، وَذِرَاعٌ وَرُبْعٌ عِرْضًا وَذِرَاعٌ وَرُبْعٌ عُمْقًا) فِي مُسْتَوًى مِنْ الْأَرْضِ وَنَحْوِهَا. (وَ) مِسَاحَتُهُمَا (مُدَوَّرًا ذِرَاعٌ طُولًا وَذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ عُمْقًا وَالْمُرَادُ) بِالذِّرَاعِ فِيمَا تَقَدَّمَ (ذِرَاعُ الْيَدِ) أَيْ يَدُ الْآدَمِيِّ الْمُعْتَدِلِ، وَهُوَ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ
إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً. قَالَ الْقَمُولِيُّ الشَّافِعِيُّ وَذُكِرَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ شِبْرَانِ، وَهُوَ تَقْرِيبٌ زَادَ غَيْرُهُ وَالشِّبْرُ ثَلَاثُ قَبَضَاتٍ وَالْقَبْضَةُ أَرْبَعُ أَصَابِعَ وَالْإِصْبَعُ سِتُّ شَعِيرَاتٍ بُطُونِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ. قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: حَرَّرْتُ ذَلِكَ فَيَسَعُ كُلُّ قِيرَاطٍ عَشْرَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثَيْ رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ انْتَهَى. وَالْمُرَادُ كُلُّ قِيرَاطٍ مِنْ الذِّرَاعِ مِنْ الرُّبْعِ وَذَلِكَ بِأَنْ تَضْرِبَ الْبَسْطَ فِي الْبَسْطِ وَالْمُخْرَجَ فِي الْمُخْرَجِ، وَتَقْسِمَ حَاصِلَ الْبَسْطِ عَلَى حَاصِلِ الْمُخْرَجِ يُخْرَجُ ذَرْعُهُ فَتَحْفَظُ قَرَارِيطَهُ وَتَقْسِمُ عَلَيْهَا الْخَمْسَمِائَةِ، فَبَسْطُ الذِّرَاعِ وَالرُّبْعُ خَمْسَةٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ ثَلَاثًا طُولًا وَعَرْضًا وَعُمْقًا فَإِذَا ضَرَبْتَ خَمْسَةً فِي خَمْسَةٍ وَالْخَارِجَ فِي خَمْسَةٍ بَلَغَ مِائَةً وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ وَالْمُخْرَجُ أَرْبَعَةٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ أَيْضًا ثَلَاثًا فَإِذَا ضَرَبْتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ بَلَغَ أَرْبَعَةً وَسِتِّينَ وَهِيَ سِهَامُ الذِّرَاعِ فَتَقْسِمُ عَلَيْهَا الْحَاصِلَ الْأُوَلَ يَخْرُجْ ذِرَاعٌ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَثْمَانِ ثُمُنِ ذِرَاعٍ. فَإِذَا بَسَطْتَ ذَلِكَ قَرَارِيطَ وَجَدْتَهُ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ قِيرَاطًا إلَّا ثُمُنَ قِيرَاطٍ فَاقْسِمْ عَلَيْهَا الْخَمْسَمِائَةِ يَخْرُجْ مَا ذُكِرَ وَبِذَلِكَ يَتَّضِحُ لَكَ عَدَمُ اتِّجَاهِ اعْتِرَاضِ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْمُنَقِّحِ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ (وَالرَّطْلُ الْعِرَاقِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) وَالرَّطْلُ الْبَعْلِيُّ تِسْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْقُدْسِيُّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْحَلَبِيُّ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَالدِّمَشْقِيُّ سِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ وَالْمِصْرِيُّ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَكُلُّ رِطْلٍ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً لَا تَخْتَلِفُ فِي سَائِرِ الْبِلَادِ، وَأُوقِيَّةُ الْعِرَاقِيِّ عَشْرَةُ دَرَاهِمَ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَأُوقِيَّةُ الْمِصْرِيِّ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأُوقِيَّةُ الدِّمَشْقِيِّ خَمْسُونَ دِرْهَمًا وَأُوقِيَّةُ الْحَلَبِيِّ سِتُّونَ دِرْهَمًا، وَأُوقِيَّةُ الْقُدْسِيِّ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ دِرْهَمًا، وَثُلُثَا دِرْهَمٍ وَأُوقِيَّةُ الْبَعْلِيِّ خَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا. (وَهُوَ) أَيْ الرَّطْلُ الْعِرَاقِيُّ (سُبْعُ الْقُدْسِيِّ وَثُمُنُ سُبْعِهِ) ؛ لِأَنَّ سُبْعَ الْقُدْسِيِّ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا وَسُبْعَا دِرْهَمٍ (وَسُبْعُ الْحَلَبِيِّ وَرُبْعُ سُبُعِهِ) ؛ لِأَنَّ سُبْعَهُ مِائَةٌ وَدِرْهَمَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَسُبْعُ الدِّمَشْقِيِّ وَنِصْفُ سُبْعِهِ) ؛ لِأَنَّ سُبْعَهُ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ (وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ الْمِصْرِيِّ وَرُبْعُ سُبْعِهِ) لِأَنَّ سُبْعَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ. (وَسُبْعُ الْبَعْلِيِّ، وَهُوَ) أَيْ الرِّطْلُ الْعِرَاقِيُّ (بِالْمَثَاقِيلِ تِسْعُونَ مِثْقَالًا وَمَجْمُوعُ الْقُلَّتَيْنِ بِالدَّرَاهِمِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ أَلْفًا وَمِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ حَيْثُ أُطْلِقَ (فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الْقُلَّتَيْنِ بِأَيِّ رِطْلٍ فَاعْرِفْ عَدَدَ دَرَاهِمِهِ) أَيْ دَرَاهِمِ ذَلِكَ الرِّطْلِ الَّذِي أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ الْقُلَّتَيْنِ بِهِ (ثُمَّ اطْرَحْهُ) أَيْ عَدَدَ دَرَاهِمِهِ (مِنْ دَرَاهِمِ الْقُلَّتَيْنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى حَتَّى لَا يَبْقَى
فصل الشك في نجاسة الماء أو غيره
مِنْهَا) أَيْ مِنْ دَرَاهِمِ الْقُلَّتَيْنِ (شَيْءٌ) أَوْ يَبْقَى أَقَلُّ مِنْ دَرَاهِمِ الرِّطْلِ. (وَاحْفَظْ الْأَرْطَالَ الْمَطْرُوحَةَ فَمَا كَانَ) أَيْ وُجِدَ مِنْ عَدَدِ الطَّرُوحَاتِ (فَهُوَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ بِالرِّطْلِ الَّذِي طُرِحَتْ بِهِ) إنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ دَرَاهِمِ الرِّطْلِ (وَإِنْ بَقِيَ) مِنْ دَرَاهِمِ الْقُلَّتَيْنِ (أَقَلُّ مِنْ) دَرَاهِمِ الـ (رِّطْلِ) الَّذِي طُرِحَتْ بِهِ (فَانْسُبْهُ مِنْهُ ثُمَّ اجْمَعْهُ إلَى الْمَحْفُوظِ) فَمَا كَانَ فَهُوَ مِقْدَارُ الْقُلَّتَيْنِ. [فَصْلٌ الشَّكَّ فِي نَجَاسَةِ الْمَاء أَوْ غَيْرِهِ] فَصْلٌ (وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَثَوْبٍ أَوْ إنَاءٍ (وَلَوْ) كَانَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَةِ مَاءٍ (مَعَ تَغَيُّرِ) الْمَاءِ بَنَى عَلَى أَصْلِهِ، لِحَدِيثِ «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» وَالتَّغَيُّرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِمُكْثِهِ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ) شَكَّ فِي (طَهَارَتِهِ) وَقَدْ تَيَقَّنَ نَجَاسَتَهُ قَبْلَ ذَلِكَ (بَنَى عَلَى أَصْلِهِ) الَّذِي كَانَ مُتَيَقَّنًا قَبْلَ طُرُوءِ الشَّكِّ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَانَ عَلَى حَالٍ فَانْتِقَالُهُ عَنْهَا يَفْتَقِرُ إلَى عَدَمِهَا وَوُجُودُ الْأُخْرَى وَبَقَاؤُهَا وَبَقَاءُ الْأُولَى لَا يَفْتَقِرُ إلَّا إلَى مُجَرَّدِ الْبَقَاءِ، فَيَكُونُ أَيْسَرَ مِنْ الْحَدِيثِ وَأَكْثَرَ، وَالْأَصْلُ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمِّ الْأَغْلَبِ. (وَلَا يَلْزَمُهُ السُّؤَالُ) عَمَّا لَمْ يَتَيَقَّنْ نَجَاسَتَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ (وَيَلْزَمُ مَنْ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ إعْلَامُ مَنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَهُ) فِي طَهَارَةٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (إنْ شُرِطَتْ إزَالَتُهَا) أَيْ تِلْكَ النَّجَاسَةُ (لِلصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ فَيَجِبُ بِشُرُوطِهِ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ إنْ لَمْ تُشْتَرَطْ إزَالَتُهَا لِلصَّلَاةِ كَيَسِيرِ الدَّمِ وَمَا تَنَجَّسَ بِهِ لَمْ يَجِبْ إعْلَامُهُ لِأَنَّ عِبَادَتَهُ لَا تَفْسُدُ بِاسْتِعْمَالِهِ فِي غَيْرِ طَهَارَةٍ وَهَذَا أَحَدُ احْتِمَالَاتٍ ثَلَاثَةٍ أَطْلَقَهَا فِي الْفُرُوعِ، وَضَعَّفَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَصَوَّبَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا وَقَالَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. (وَإِنْ احْتَمَلَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِشَيْءٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَاءِ (مِنْ نَجَسٍ أَوْ غَيْرِهِ عَمِلَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ مَا حَصَلَ فِي الْمَاءِ وَأَمْكَنَ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِهِ سَبَبٌ فَيُحَالُ الْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ مَا سِوَاهُ وَإِنْ لَمْ يُحْتَمَلْ تَغَيُّرُ الْمَاءِ بِمَا وَقَعَ فِيهِ لِكَثْرَةِ الْمَاءِ وَقِلَّةِ السَّاقِطِ فِيهِ لَمْ يُؤَثِّرْ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ هُنَا سَبَبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَقَعْ فِيهِ شَيْءٌ، وَلَوْ كَانَ بِئْرُ الْمَاءِ مُلَاصِقًا لِبِئْرٍ فِيهَا بَوْلٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ وَشَكَّ فِي وُصُولِهِ إلَى الْمَاءِ فَالْمَاءُ طَاهِرٌ بِالْأَصْلِ وَإِنْ أَحَبَّ عِلْمَ حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَلْيَطْرَحْ فِي الْبِئْرِ النَّجِسَةِ نِفْطًا فَإِنْ وَجَدَ رَائِحَتَهُ فِي الْمَاءِ عَلِمَ وُصُولَهُ
إلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ وَجَدَهُ مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُ سَبَبٌ آخَرُ فَهُوَ نَجَسٌ لِمَا سَبَقَ وَلَوْ وُجِدَ مُتَغَيِّرًا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ تَغَيُّرِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ نَجَاسَتُهُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ احْتَمَلَهُمَا) أَيْ التَّغَيُّرُ بِالطَّاهِرِ وَالنَّجَسِ (فَهُوَ طَاهِرٌ) أَيْ مُطَهِّرٌ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ خُرُوجِهِ عَنْهُ. وَإِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ وَفِيهِ نَجَاسَةٌ فَغُرِفَ مِنْهُ بِإِنَاءٍ فَاَلَّذِي فِي الْإِنَاءِ طَاهِرٌ وَالْبَاقِي نَجَسٌ، إنْ كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا يُخْرِجُهُ عَنْ التَّقْرِيبِ وَإِنْ ارْتَفَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الدَّلْوِ فَالْمَاءُ الَّذِي فِي الْإِنَاءِ نَجَسٌ وَالْبَاقِي طَاهِرٌ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ (وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ مُكَلَّفٌ وَلَوْ) كَانَ (امْرَأَةً وَقِنًّا) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ. (وَلَوْ) كَانَ الْمُخْبِرُ (مَسْتُورَ الْحَالِ) لِأَنَّهُ خَبَرٌ لَا شَهَادَةٌ (أَوْ) كَانَ (ضَرِيرًا؛ لِأَنَّ لِلضَّرِيرِ طَرِيقًا إلَى الْعِلْمِ بِذَلِكَ) أَيْ بِالنَّجَاسَةِ (بِالْخَبَرِ وَالْحِسِّ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ أَخْبَرَهُ عَدْلٌ بِنَجَاسَةٍ أَوْ أَحَسَّ بِنَجَاسَةٍ بِحَاسَّةٍ غَيْرِ الْبَصَرِ (لَا) إنْ أَخْبَرَهُ (كَافِرٌ وَفَاسِقٌ) ظَاهِرُ الْفِسْقِ (وَمَجْنُونٌ وَغَيْرُ بَالِغٍ) وَلَوْ مُمَيِّزًا (بِنَجَاسَتِهِ) أَيْ الْمَاءِ أَوْ غَيْرِهِ. (قَبِلَ) أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ قَبُولُ خَبَرِهِ وَالْعَمَلُ بِهِ فَيَكُفَّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ لِعِلْمِهِ بِنَجَاسَتِهِ (إنْ عَيَّنَ) الْمُخْبِرُ (السَّبَبَ) فَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ نَجِسًا عِنْدَ الْمُخْبِرِ دُونَ الْمُخْبَرِ، لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي سَبَبِ نَجَاسَةِ الْمَاءِ وَقَدْ يَكُونُ إخْبَارُهُ بِنَجَاسَتِهِ عَلَى وَجْهِ التَّوَهُّمِ كَالْوَسْوَاسِ فَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ التَّعْيِينُ وَإِنْ كَانَ الْمُخْبِرُ فَقِيهًا مُوَافِقًا، كَمَا نُقِلَ عَنْ إمْلَاءِ الْتَقِي الْفَتُوحِيِّ وَلَا يَلْزَمُ السُّؤَالُ عَنْ السَّبَبِ، قَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ قُلْتُ وَكَذَا إذَا أَخْبَرَهُ بِمَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ، فَيَعْمَلُ الْمُخْبَرُ بِمَذْهَبِهِ فِيهِ. (فَإِنْ أَخْبَرَهُ) الْعَدْلُ الْمُكَلَّفُ (أَنَّ كَلْبًا وَلَغَ) مِنْ بَابِ نَفَعَ، أَيْ شَرِبَ بِأَطْرَافِ لِسَانِهِ (فِي هَذَا الْإِنَاءِ وَلَمْ يَلِغْ فِي هَذَا) الْإِنَاءِ. (وَقَالَ) عَدْلٌ مُكَلَّفٌ (آخَرُ) أَيْ غَيْرُ الْأَوَّلِ (لَمْ يَلِغْ فِي الْأَوَّلِ، وَإِنَّمَا وَلَغَ فِي الثَّانِي قَبِلَ) الْمُخْبَرُ وُجُوبًا (قَوْلَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِثْبَاتِ دُونَ النَّفْيِ وَوَجَبَ اجْتِنَابُهُمَا) أَيْ الْإِنَاءَيْنِ (لِأَنَّهُ يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا لِكَوْنِهِمَا) أَيْ الْوُلُوغَيْنِ (فِي وَقْتَيْنِ) مُخْتَلِفَيْنِ اطَّلَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَدْلَيْنِ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ (أَوْ عَيَّنَا كَلْبَيْنِ) بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا وَلَغَ فِيهِ هَذَا الْكَلْبُ دُونَ هَذَا الْكَلْبِ وَعَاكَسَهُ الْآخَرُ فَيَقْبَلُ خَبَرُهُمَا وَيَكُفُّ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُثْبِتٌ لِمَا نَفَاهُ الْآخَرُ وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ؛ لِأَنَّ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ. (وَإِنْ عَيَّنَا كَلْبًا وَاحِدًا وَ) عَيَّنَا (وَقْتًا لَا يُمْكِنُ شُرْبُهُ فِيهِ مِنْهُمَا تَعَارَضَا وَسَقَطَ قَوْلُهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صِدْقُهُمَا، وَلَا مُرَجِّحُ لِأَحَدِهِمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا
(وَيُبَاحُ اسْتِعْمَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يَرْفَعُهُ. (فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا شَرِبَ مِنْ هَذَا الْإِنَاءِ وَقَالَ الْآخَرُ لَمْ يَشْرَبْ) مِنْهُ (قُدِّمَ قَوْلُ الْمُثْبِتِ) لِمَا سَبَقَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْمُثْبِتُ (لَمْ يَتَحَقَّقْ شُرْبَهُ، مِثْلُ الضَّرِيرِ الَّذِي يُخْبِرُ عَنْ حِسِّهِ فَيُقَدَّمُ قَوْلَ الْبَصِيرِ) لِرُجْحَانِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَاسْتِصْحَابِهِ بِالْأَصْلِ الطَّهَارَةَ. (وَإِنْ) عَلِمَ نَجَاسَةَ الْمَاءِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ وَ (شَكَّ هَلْ كَانَ وُضُوءُهُ قَبْلَ نَجَاسَةِ الْمَاءِ أَوْ بَعْدَهَا لَمْ يُعِدْ) أَيْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لَكِنْ يُقَالُ: شَكُّهُ فِي الْقَدْرِ الزَّائِدِ، كَشَكِّهِ مُطْلَقًا فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُعِيدَ إلَّا مَا تَيَقَّنَهُ بِمَاءٍ نَجِسٍ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، كَشَكِّهِ فِي شَرْطِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا وَعَلَى هَذَا لَا يَغْسِلُ ثِيَابَهُ وَآنِيَتَهُ وَنَصُّ أَحْمَدَ يَلْزَمُهُ انْتَهَى وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ النَّجَاسَةَ كَانَتْ قَبْلَ وُضُوئِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَكَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ أَوْ كَانَ قُلَّتَيْنِ فَنَقَصَ بِالِاسْتِعْمَالِ أَعَادَ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ نَقْصُ الْمَاءِ. (وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ مَاءٍ وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ) وَلَمْ تُغَيِّرْهُ (فَهُوَ نَجِسٌ) ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ كَوْنُهُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ. (أَوْ) شَكَّ (فِي نَجَاسَةِ عَظْمٍ) وَقَعَ فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَهُوَ طَاهِرٌ) اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ. (أَوْ) شَكَّ (فِي) طَهَارَةِ (رَوْثَةٍ) وَقَعَتْ فِي مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَطَاهِرَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ نَقَلَهُ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ فِيمَنْ وَطِئَ رَوْثَةً، فَرَخَّصَ فِيهِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا هِيَ. (أَوْ) شَكَّ (فِي جَفَافِ نَجَاسَةٍ عَلَى ذُبَابٍ أَوْ غَيْرِهِ فَيُحْكَمُ بِعَدَمِ الْجَفَافِ) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (أَوْ) شَكَّ (فِي وُلُوغِ كَلْبٍ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي إنَاءٍ ثُمَّ) وُجِدَ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْفُرُوعِ: وَثَمَّ أَيْ هُنَاكَ - وُجِدَ (بِفِيهِ رُطُوبَةٌ فَلَا يَنْجَسُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُلُوغِ. (وَإِنْ أَصَابَهُ مَاءُ مِيزَابٍ وَلَا أَمَارَةَ) عَلَى نَجَاسَتِهِ (كُرِهَ سُؤَالُهُ) عَنْهُ لِقَوْلِ عُمَرَ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا (فَلَا يَلْزَمُ جَوَابُهُ) وَأَوْجَبَهُ الْأَزِجِي إنْ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ. (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَهُورٌ مُبَاحٌ بِنَجَسٍ أَوْ) اشْتَبَهَ طَهُورٌ مُبَاحٌ (بِمُحَرَّمٍ لَمْ يُتَحَرَّ وَلَوْ زَادَ عَدَدُ الطَّهُورِ) أَوْ الْمُبَاحِ، خِلَافًا لِأَبِي عَلِيٍّ النَّجَّادِ لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الْمُبَاحُ بِالْمَحْظُورِ فِي مَوْضِعٍ لَا تُبِيحُهُ الضَّرُورَةُ، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ بِأَجْنَبِيَّاتٍ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا بَوْلًا؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ لَا مَدْخَلَ لَهُ فِي التَّطْهِيرِ (أَوْ) أَيْ وَلَوْ (كَانَ النَّجِسُ غَيْرَ بَوْلٍ) فَلَا يُتَحَرَّى وَإِذَا عُلِمَ النَّجَسُ اُسْتُحِبَّ إرَاقَتُهُ، لِيُزِيلَ الشَّكَّ عَنْ نَفْسِهِ (وَوَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمَا) أَيْ الْمُشْتَبِهَيْنِ احْتِيَاطًا لِلْحَظْرِ (كَمَيْتَةٍ) اشْتَبَهَتْ (بِمُذَكَّاةٍ لَا مَيْتَةٍ فِي لَحْمِ مِصْرٍ أَوْ قَرْيَةٍ) قَالَ أَحْمَدُ أَمَّا شَاتَانِ لَا يَجُوزُ التَّحَرِّي، فَأَمَّا إذَا كَثُرَتْ فَهَذَا غَيْرُ هَذَا. وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ لَا أَدْرِي (وَيَتَيَمَّمُ) مَنْ عَدِمَ طَهُورَ
غَيْرِ الْمُشْتَبَهِ (مِنْ غَيْرِ إعْدَامِهِمَا وَلَا خَلْطِهِمَا) خِلَافًا لِلْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ حُكْمًا (لَكِنْ إنْ أَمْكَنَ تَطْهِيرُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ) بِأَنْ يَكُونَ الطَّهُورُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ وَعِنْدَهُ إنَاءٌ يَسَعُهُمَا (لَزِمَ الْخَلْطُ) لِيَتَمَكَّنَ بِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ. (وَإِنْ عَلِمَ النَّجَسَ بَعْدَ تَيَمُّمِهِ وَصَلَاتِهِ فَلَا إعَادَةَ) كَمَنْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ أَنْ صَلَّى وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَ فِي الصَّلَاةِ وَجَبَ الْقَطْعُ وَالطَّهَارَةُ وَالِاسْتِئْنَافُ، وَكَذَا الطَّوَافُ (وَإِنْ تَوَضَّأَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَبَانَ أَنَّهُ الطَّهُورُ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ) كَمَا لَوْ صَلَّى قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ دُخُولَ الْوَقْتِ فَصَادَفَهُ، وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ تَحَرَّى أَوْ لَا، خِلَافًا لِلْإِنْصَافِ، حَيْثُ قَالَ مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ وَعَارَضَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَيَلْزَمُ التَّحَرِّي لِ) حَاجَةِ (أَكْلٍ وَشُرْبٍ) لِأَنَّهُ حَالُ ضَرُورَةٍ (وَلَا يَلْزَمُهُ غَسْلُ فَمِهِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إذَا وَجَدَ طَهُورًا اسْتِصْحَابًا لِأَصْلِ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا لَوْ تَطَهَّرَ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا يَلْزَمُ غَسْلُ أَعْضَائِهِ وَثِيَابِهِ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ يَجِبُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ بِلَا تَحَرٍّ. (وَلَا يَتَحَرَّى) مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ (مَعَ وُجُودِ غَيْرِ مُشْتَبَهٍ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَإِنْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ أَعَادَ مَا صَلَّاهُ) مِنْ الْفَرْضِ لِبُطْلَانِهِ (حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَتَهُ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (وَمَا جَرَى مِنْ الْمَاءِ عَلَى الْمَقَابِرِ فَطَهُورٌ إنْ لَمْ تَكُنْ نُبِشَتْ) لِلْحُكْمِ بِطَهَارَتِهَا إذَنْ (وَإِنْ كَانَتْ) الْمَقَابِرُ (قَدْ تَقَلَّبَ تُرَابُهَا فَإِنْ كَانَتْ أَتَتْ عَلَيْهَا الْأَمْطَارُ طَهُرَتْ. قَالَهُ فِي النَّظْمِ) ؛ لِأَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ لَا يُعْتَبَرُ لَهَا نِيَّةٌ، وَالْأَرْضُ تَطْهُرُ بِالْمُكَاثَرَةِ بِالْمَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَتَتْ عَلَيْهَا الْأَمْطَارُ (فَهُوَ نَجَسٌ إنْ تَغَيَّرَ بِهَا) أَيْ بِالنَّجَاسَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) لَمْ يَتَغَيَّرْ، لَكِنْ (كَانَ قَلِيلًا) فَيَنْجَسُ لِمُلَاقَاتِهِ النَّجَاسَةَ قُلْتُ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ أَنَّهُ طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَحِلِّ التَّطْهِيرِ فَلَا يَنْجَسُ بِالْمُلَاقَاةِ، وَالْمُنْفَصِلُ عَنْ الْأَرْضِ بَعْدَ زَوَالِ النَّجَاسَةِ طَاهِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي فَيُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ مَوْجُودَةً. (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ غَيْرِ الْمَاءِ كَالْمَائِعَاتِ) مِنْ خَلٍّ وَلَبَنٍ وَعَسَلٍ (وَنَحْوِهَا حُرِّمَ التَّحَرِّي بِلَا ضَرُورَةَ) وَيَجُوزُ مَعَهَا، وَحَيْثُ جَازَ التَّحَرِّي عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ شَيْءٌ تَنَاوَلَ مِنْ أَحَدِهِمَا لِلضَّرُورَةِ. (وَإِنْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ) غَيْرُ مُطَهِّرٍ (بِطَهُورٍ لَمْ يُتَحَرَّ) أَيْ لَمْ يَجْتَهِدْ فِي الطَّهُورِ مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ اشْتَبَهَ الطَّهُورُ بِالنَّجِسِ (وَتَوَضَّأَ مِنْهُمَا وُضُوءًا وَاحِدًا، مِنْ هَذَا غُرْفَةً وَمِنْ هَذَا غُرْفَةً يَعُمُّ بِكُلِّ غُرْفَةٍ الْمَحِلَّ) مِنْ مَحَالِّ الْوُضُوءِ لِيُؤَدِّيَ الْفَرْضَ بِيَقِينٍ وَيَجُوزُ لَهُ هَذَا (وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ طَهُورٌ بِيَقِينٍ) لِأَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ
مَاءٍ طَهُورٍ بِيَقِينٍ (وَصَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً) أَيْ فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ مَرَّتَيْنِ (وَلَوْ تَوَضَّأَ مِنْ وَاحِدٍ) مِنْهُمَا (فَقَطْ ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ مُصِيبٌ أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ وُضُوئِهِ قُلْتُ وَالْغُسْلُ فِيمَا تَقَدَّمَ كَالْوُضُوءِ وَكَذَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ. (وَلَوْ احْتَاجَ إلَى شُرْبٍ تَحَرَّى وَشَرِبَ الطَّاهِرَ عِنْدَهُ) أَيْ مَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ الطَّاهِرُ (وَتَوَضَّأَ بِالطَّهُورِ ثُمَّ تَيَمَّمَ مَعَهُ احْتِيَاطًا، إنْ لَمْ يَجِدْ طَهُورًا غَيْرَ مُشْتَبَهٍ) لِيَحْصُلَ لَهُ الْيَقِينُ. (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ ثِيَابٌ طَاهِرَةٌ مُبَاحَةٌ بِ) ثِيَابٍ (نَجِسَةٍ) أَوْ بِثِيَابٍ (مُحَرَّمَةٍ وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ثَوْبٌ طَاهِرٌ) بِيَقِينٍ (أَوْ) ثَوْبٌ (مُبَاحٌ بِيَقِينٍ لَمْ يَتَحَرَّ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي اشْتِبَاهِ الطَّهُورِ بِالنَّجِسِ (وَصَلَّى فِي كُلّ ثَوْبٍ صَلَاةً وَاحِدَةً) يُكَرِّرُهَا (بِعَدَدِ) الثِّيَابِ (النَّجِسَةِ أَوْ الْمُحَرَّمَةِ، وَزَادَ) عَلَى عَدَدِ النَّجِسَةِ أَوْ الْمُحَرَّمَةِ (صَلَاةً) لِيُصَلِّيَ فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ يَقِينًا (يَنْوِي بِكُلِّ صَلَاةٍ الْفَرْضَ) احْتِيَاطًا، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَفَرَّقَ أَحْمَدُ بَيْنَ مَا هُنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْأَوَانِي بِأَنَّ الْمَاءَ يَلْصَقُ بِبَدَنِهِ فَيَنْجَسُ بِهِ، وَأَنَّهُ يُبَاحُ صَلَاتُهُ فِيهِ عِنْدَ الْعَدَمِ، بِخِلَافِ الْمَاءِ النَّجِسِ. قَالَ الْقَاضِي؛ وَلِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَكْثُرُ الِاشْتِبَاهُ فِيهَا، وَالتَّفْرِيطَ هُنَا حَصَلَ، مِنْهُ بِخِلَافِهَا؛ وَلِأَنَّ لَهَا أَدِلَّةً تَدُلُّ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الثِّيَابِ وَقَوْلُهُ: يَنْوِي بِكُلِّ صَلَاةٍ الْفَرْضَ، يَعْنِي لِأَنَّهَا مُعَادَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَكْفِي نِيَّتُهَا ظُهْرًا مَثَلًا، إذْ لَا تَتَعَيَّنُ الْفَرِيضَةُ كَمَا يَأْتِي فِي بَابِ النِّيَّةِ. (وَإِنْ جَهِلَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ (عَدَدَهَا) أَيْ عَدَدَ النَّجِسَةِ أَوْ الْمُحَرَّمَةِ (صَلَّى) فَرِيضَةً فِي كُلِّ ثَوْبٍ مِنْهَا فَيُصَلِّي فِي ثَوْبٍ بَعْدَ آخَرَ (حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ طَاهِرٍ أَوْ مُبَاحٍ) يَنْوِي بِكُلِّ صَلَاةٍ الْفَرْضَ كَمَا تَقَدَّمَ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْوَاجِبِ بِيَقِينٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَثُرَتْ؛ لِأَنَّهُ يَنْدُرُ جِدًّا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَتَحَرَّى فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ وَإِنْ اشْتَبَهَ مُبَاحٌ بِمَكْرُوهٍ اجْتَهَدَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيمَا شَاءَ بِدُونِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ ثَوْبٍ صَلَاةً وَإِنْ صَلَّى بِهِمَا مَعًا كُرِهَ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. (وَكَذَا حُكْمُ الْأَمْكِنَةِ الضَّيِّقَةِ) إذَا تَنَجَّسَ بَعْضُهَا وَاشْتَبَهَتْ وَلَا بُقْعَةَ طَاهِرَةً بِيَقِينٍ فَإِذَا تَنَجَّسَتْ زَاوِيَةٌ مِنْ بَيْتٍ وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ مِنْهُ وَمَا يَفْرِشُهُ عَلَيْهِ صَلَّى الْفَرْضَ مَرَّتَيْنِ فِي زَاوِيَتَيْنِ وَإِنْ تَنَجَّسَ زَاوِيَتَانِ صَلَّى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثِ زَوَايَا، وَهَكَذَا (وَيُصَلِّي فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ) كَصَحْرَاءَ وَحَوْشٍ كَبِيرٍ تَنَجَّسَ بَعْضُهُ وَاشْتَبَهَ (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الثِّيَابُ) أَوْ الْبُقْعَةُ الضَّيِّقَةُ (الطَّاهِرَةُ بِالنَّجِسَةِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ الطَّاهِرُ الْمُتَيَقَّنُ. (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ) أَوْ نَحْوُهَا مِنْ مَحَارِمِهِ (بِأَجْنَبِيَّةٍ أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ لَمْ يَتَحَرَّ لِلنِّكَاحِ) أَيْ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّحَرِّي لِلنِّكَاحِ مِنْهُنَّ
باب الآنية
(وَكَفَّ عَنْهُنَّ) احْتِيَاطًا لِلْحَظْرِ. (وَ) إنْ اشْتَبَهَتْ أُخْتُهُ وَنَحْوُهَا (فِي قَبِيلَةٍ كَبِيرَةٍ وَ) فِي (بَلْدَةٍ كَبِيرَةٍ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ، فَ (لَهُ النِّكَاحُ) مِنْهُنَّ (مِنْ غَيْرِ تَحَرٍّ) أَيْ وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَتَحَرَّى وَنَظِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْمَيْتَةِ وَالْمُذَكَّاةِ. (وَلَا مَدْخَلَ لِلتَّحَرِّي فِي الْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ) فَإِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً مِنْ نِسَائِهِ أَوْ أَعْتَقَ وَاحِدَةً مِنْ إمَائِهِ ثُمَّ نَسِيَهَا، أَوْ كَانَتْ ابْتِدَاءً مُبْهَمَةً أَقْرَعَ بَيْنَهُنَّ، كَمَا يَأْتِي وَلَا تَحَرِّي وَالتَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادُ وَالتَّوَخِّي مُتَقَارِبَةٌ وَمَعْنَاهَا بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي طَلَبِ الْمَقْصُودِ وَلَمَّا كَانَ الْمَاءُ جَوْهَرًا سَيَّالًا احْتَاجَ إلَى بَيَانِ أَحْكَامِ أَوَانِيهِ عَقِبَهُ، فَقَالَ. [بَابُ الْآنِيَةِ] ِ) الْبَابُ مَعْرُوفٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الضَّعْفِ، وَهُوَ مَا يُدْخَلُ مِنْهُ إلَى الْمَقْصُودِ وَيُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْوَابٍ وَفِي الِازْدِوَاجِ عَلَى أَبْوِبَةٍ (وَهِيَ) أَيْ الْآنِيَةُ لُغَةً وَعُرْفًا (الْأَوْعِيَةُ) وَهِيَ ظُرُوفُ الْمَاءِ وَنَحْوُهَا وَالْآنِيَةُ جَمْعُ إنَاءٍ كَسِقَاءٍ وَأَسْقِيَةٍ، وَوِعَاءٍ وَأَوْعِيَةٍ وَجَمْعُ الْآنِيَةِ: أَوَانٍ وَالْأَصْلُ أَأَنِيٌ أُبْدِلَتْ الْهَمْزَةُ الثَّانِيَةُ وَاوًا، كَرَاهِيَةَ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ كَآدَمَ وَأَوَادِمَ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْأُدْمَةِ أَوْ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ وَهُوَ وَجْهُهَا (كُلُّ إنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ وَلَوْ كَانَ ثَمِينًا كَجَوْهَرٍ وَنَحْوِهِ) كَالْبِلَّوْرِ وَالْيَاقُوتِ وَالزُّمُرُّدِ، وَغَيْرِ الثَّمِينِ كَالْخَشَبِ وَالزُّجَاجِ وَالْجُلُودِ وَالصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ. لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ قَالَ «أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْرَجْنَا لَهُ مَاءً فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَفْنَةٍ وَمِنْ تَوْرِ حِجَارَةٍ وَمِنْ إدَاوَةٍ وَمِنْ قِرْبَةٍ فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهَا لِفِعْلِهِ، مَا فِي مَعْنَاهَا قِيَاسًا لِأَنَّهُ مِثْلُهَا وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُحَرِّمَةَ لِلنَّقْدَيْنِ مَفْقُودَةٌ فِي الثَّمِينِ، لِكَوْنِهِ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّ إبَاحَتَهُ لَا تُفْضِي إلَى اسْتِعْمَالِهِ لِقِلَّتِهِ بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ فَإِنَّهُمَا فِي مَظِنَّةِ الْكَثْرَةِ، فَيُفْضِي إلَى الِاسْتِعْمَالِ وَكَثْرَةُ أَثْمَانِهَا لَا تَصْلُحُ
جَامِعًا كَمَا فِي الثِّيَابِ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الْحَرِيرُ وَإِنْ قَلَّ ثَمَنُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِنْ بَلَغَ ثَمَنُهُ أَضْعَافَ ثَمَنِ الْحَرِيرِ وَكَذَلِكَ يُبَاحُ فَصُّ الْخَاتَمِ جَوْهَرَةٌ، وَلَوْ بَلَغَ ثَمَنُهَا مَهْمَا بَلَغَ وَيُحَرَّمُ ذَهَبًا وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا عَظْمَ آدَمِيٍّ وَجِلْدَهُ) فَيُحَرَّمُ اتِّخَاذُ إنَاءٍ مِنْهُ وَاسْتِعْمَالُهُ لِحُرْمَتِهِ (وَ) إلَّا (إنَاءً مَغْصُوبًا) فَيُحَرَّمُ لِحَقِّ مَالِكِهِ (وَ) إلَّا (إنَاءً ثَمَنُهُ) الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ فَيَحْرُمُ لِحَقِّ مَالِكِهِ. (وَ) إلَّا (آنِيَةَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَمُضَبَّبًا بِهِمَا) أَوْ بِأَحَدِهِمَا (فَيَحْرُمُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاتِّخَاذِ وَالِاسْتِعْمَالِ أَمَّا تَحْرِيمُ الِاتِّخَاذِ؛ فَلِأَنَّ مَا حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ مُطْلَقًا حُرِّمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ، كَالْمَلَاهِي وَأَمَّا ثِيَابُ الْحَرِيرِ فَإِنَّهَا لَا تُحَرَّمُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهَا تَبَعًا لِلنِّسَاءِ وَتُبَاحُ التِّجَارَةُ فِيهَا. وَأَمَّا تَحْرِيمُ الِاسْتِعْمَالِ فَلِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» وَرَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَالْجَرْجَرَةُ: هِيَ صَوْتُ وُقُوعِ الْمَاءِ بِانْحِدَارِهِ فِي الْجَوْفِ وَغَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي مَعْنَاهُمَا؛ لِأَنَّ ذِكْرَهُمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا يَتَقَيَّدُ الْحُكْمُ بِهِ (عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى) وَالْخُنْثَى مُكَلَّفًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بِمَعْنَى أَنَّ وَلِيَّهُ يَأْثَمُ بِفِعْلِ ذَلِكَ لَهُ، لِعُمُومِ الْإِخْبَارِ وَعَدَمِ الْمُخَصِّصِ. وَإِنَّمَا أُبِيحَ التَّحَلِّي لِلنِّسَاءِ لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِأَجْلِ التَّزَيُّنِ لِلزَّوْجِ وَمَا حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْآنِيَةِ مِنْهُ حُرِّمَ اتِّخَاذُ الْآلَةُ مِنْهُ (وَلَوْ) كَانَتْ (مِيلًا) بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَهُوَ مَا يُكْتَحَل بِهِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْمِيلِ فِي تَحْرِيمِ اتِّخَاذِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَظْمِ الْآدَمِيِّ وَجِلْدِهِ (قِنْدِيلٌ وَمُسْعَطٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ إنَاءٌ يُجْعَلُ فِيهِ السَّعُوطُ، وَهُوَ مِنْ النَّوَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ بِالضَّمِّ وَقِيَاسُهَا الْكَسْرُ لِأَنَّهُ اسْمُ آلَةٍ (وَمِجْمَرَةٌ وَمِدْخَنَةٌ وَسَرِيرٌ وَكُرْسِيٌّ وَخُفَّانِ وَنَعْلَانِ وَمَشْرَبَةٌ وَمِلْعَقَةٌ وَأَبْوَابٌ وَرُفُوفٌ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا تُعْجِبنِي الْحَلْقَةُ وَنَصَّ) . أَحْمَدُ (أَنَّهَا) أَيْ الْحَلْقَةُ (مِنْ الْآنِيَةِ) أَيْ مِثْلُهَا فِي الْحُكْمِ فَتُحَرَّمُ مُطْلَقًا وَعِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ هِيَ كَالضَّبَّةِ، فَيَكُونُ فِيهَا التَّفْصِيلُ الْآتِي نَظَرًا إلَى أَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْبَابِ. (وَيَحْرُمُ) اتِّخَاذُ وَاسْتِعْمَالُ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ (مُمَوَّهٍ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ يُذَابَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ وَيُلْقَى فِيهِ الْإِنَاءُ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ نَحْوِهِ، فَيَكْتَسِبُ مِنْهُ لَوْنَهُ. (وَ) يَحْرُمُ اتِّخَاذُ وَاسْتِعْمَالُ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ
مُطَعَّمٍ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ يُحْفَرَ فِي إنَاءٍ مِنْ خَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ حَفْرًا وَيُوضَعَ فِيهَا قِطَعُ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ عَلَى قَدْرِهَا. (وَ) يَحْرُمُ اتِّخَاذُ وَاسْتِعْمَالُ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ (مَطْلِيٍّ) بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ يُجْعَلَ الذَّهَبُ أَوْ الْفِضَّةُ كَالْوَرِقِ وَيُطْلَى بِهِ الْحَدِيدُ وَنَحْوُهُ وَكَثِيرٌ فَسَّرَ الطِّلَاءَ بِالتَّمْوِيهِ. (وَ) يَحْرُمُ اتِّخَاذُ وَاسْتِعْمَالُ إنَاءٍ وَنَحْوِهِ (مُكَفَّتٍ وَنَحْوِهِ) كَالْمَنْقُوشِ (مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا وَالتَّكْفِيتُ أَنْ يُبْرَدَ الْإِنَاءُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى يَصِيرَ فِيهِ شِبْهُ الْمَجَارِي فِي غَايَةِ الدِّقَّةِ ثُمَّ يُوضَعُ فِيهَا شَرِيطٌ دَقِيقٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يُدَقُّ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْصَقَ، كَمَا يُصْنَعُ بِالْمَرْكَبِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ «شَرِبَ مِنْ إنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مِنْ إنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي لِأَجْلِهَا حُرِّمَ الْخَالِصُ، وَهِيَ الْخُيَلَاءُ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقُ النَّقْدَيْنِ مَوْجُودَةٌ فِي الْمُمَوَّهِ وَنَحْوِهِ وَقِيلَ: إنْ كَانَ لَوْ حُكَّ لَاجْتَمَعَ مِنْهُ شَيْءٌ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا. (وَتَصِحُّ الطَّهَارَةُ) وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا أَوْ غَيْرَهُمَا (مِنْهَا) أَيْ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَظْمِ الْآدَمِيِّ وَجِلْدِهِ، بِأَنْ يَغْتَرِفَ مِنْهَا بِيَدِهِ. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (بِهَا) أَيْ بِالْآنِيَةِ الْمَذْكُورَةِ، بِأَنْ يَغْتَرِفَ الْمَاءَ بِهَا. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (فِيهَا) بِأَنْ يَتَّخِذَ إنَاءً مُحَرَّمًا عَلَى مَا سَبَقَ يَسَعُ قُلَّتَيْنِ وَيَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضَّأُ دَاخِلَهُ. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ (إلَيْهَا بِأَنْ يَجْعَلَهَا مَصَبًّا لِفَضْلِ طَهَارَتِهِ، فَيَقَعُ فِيهَا الْمَاءُ الْمُنْفَصِلُ عَنْ الْعُضْوِ) بَعْدَ غَسْلِهِ. (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (مِنْ إنَاءٍ مَغْصُوبٍ أَوْ) مِنْ إنَاءٍ (ثَمَنُهُ) وَلَوْ مُعَيَّنًا (حَرَامٌ) وَبِهِ وَفِيهِ وَإِلَيْهِ. وَالْمَسْرُوقُ وَنَحْوُهُ كَالْمَغْصُوبِ (وَ) تَصِحُّ الطَّهَارَةُ أَيْضًا (فِي مَكَان مَغْصُوبٍ) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِنَاءَ وَالْمَكَانَ لَيْسَ شَرْطًا لِلطَّهَارَةِ فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَى خَارِجٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى وَفِي يَدِهِ خَاتَمُ ذَهَبٍ وَأَيْضًا أَفْعَالُ الصَّلَاةِ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ فَتُحَرَّمُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا (إلَّا) الْمُضَبَّبَ بِ (ضَبَّةٍ يَسِيرَةٍ عُرْفًا) أَيْ فِي عُرْفِ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ تَحْدِيدُهَا (مِنْ فِضَّةٍ لِحَاجَةٍ، كَتَشْعِيبِ قَدَحٍ) احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ فَيَجُوزُ تَشْعِيبُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ. لِحَدِيثِ أَنَسٍ «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سَرَفٌ وَلَا خُيَلَاءُ بِخِلَافِ الْكَبِيرَةِ وَاَلَّتِي لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ ضَبَّةَ الذَّهَبِ حَرَامٌ مُطْلَقًا (وَهِيَ) أَيْ الْحَاجَةُ (أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهَا) أَيْ الضَّبَّةِ (غَرَضٌ غَيْرُ زِينَةٍ) بِأَنْ تَدْعُوَ الْحَاجَةُ إلَى فِعْلِهَا، لَا أَنْ لَا تَنْدَفِعَ بِغَيْرِهَا، فَتَجُوزُ الضَّبَّةُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَ انْكِسَارِ الْقَدَحِ
وَنَحْوِهِ. (وَلَوْ وَجَدَ غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ الضَّبَّةِ الْيَسِيرَةِ مِنْ الْفِضَّةِ؛ لِأَنَّ احْتِيَاجَهُ إلَى كَوْنِهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِأَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهُمَا ضَرُورَةً وَهِيَ تُبِيحُ الْمُنْفَرِدَ (وَتُبَاحُ مُبَاشَرَتُهَا) أَيْ الضَّبَّةِ الْجَائِزَةِ (لِحَاجَةِ) تَدْعُو إلَى مُبَاشَرَتِهَا، كَانْدِفَاقِ الْمَاءِ بِدُونِ ذَلِكَ وَنَحْوِهِ (وَ) مُبَاشَرَتِهَا (بِدُونِهَا) أَيْ بِدُونِ الْحَاجَةِ (تُكْرَهُ) ؛ لِأَنَّ فِيهَا اسْتِعْمَالًا لِلْفِضَّةِ بِلَا حَاجَةٍ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا تُحَرَّمُ لِإِبَاحَةِ الِاتِّخَاذِ. (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ كُلُّهُمْ) أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ (وَأَوَانِيهِمْ) أَيْ أَوَانِي الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ (طَاهِرَةٌ إنْ جُهِلَ حَالُهَا، حَتَّى مَا وَلِيَ عَوْرَاتِهِمْ) مِنْ الثِّيَابِ كَالسَّرَاوِيلِ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ وَلَكِنْ مَا لَاقَى عَوْرَاتِهِمْ كَالسَّرَاوِيلِ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ إذَا صَلَّى فِيهِ (كَمَا لَوْ عَلِمْتَ طَهَارَتَهَا، وَكَذَا) حُكْمُ (مَا صَبَغُوهُ) أَيْ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ (أَوْ نَسَجُوهُ، وَ) . كَذَا (آنِيَةُ مُدْمِنِي الْخَمْرِ) وَثِيَابُهُمْ (وَ) آنِيَةُ (مَنْ لَابَسَ النَّجَاسَةَ كَثِيرًا وَثِيَابُهُمْ) طَاهِرَةٌ (وَبَدَنُ الْكَافِرِ، وَلَوْ مَنْ لَا تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ) طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِجِمَاعِ الْكِتَابِيَّةِ غَيْرُ مَا يَجِبُ بِنِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ وقَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28] أَيْ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ أَوْ نَحْوُهُ مِمَّا أُجِيبَ بِهِ عَنْهُ (وَطَعَامُهُ) أَيْ الْكَافِرُ (وَمَاؤُهُ طَاهِرٌ مُبَاحٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] . (وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الْمُرْضِعَةِ وَ) ثِيَابِ (الْحَائِضِ وَ) ثِيَابِ (الصَّبِيِّ) وَنَحْوِهِمْ كَمُدْمِنِي الْخَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهَا (مَعَ الْكَرَاهَةِ) احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قَدَّمَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَعَنْهُ لَا يُكْرَهُ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ فِي ثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَالْمُرَبِّيَاتِ وَفِي ثَوْبِ الْمَرْأَةِ الَّتِي تَحِيضُ فِيهِ، إذَا لَمْ تَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُنَا وَالتَّوَقِّي لِذَلِكَ أَوْلَى، لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فِيهِ (مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا) فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا كَثِيَابِ الْمُسْلِمِينَ. (وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ فِي حُبِّ الصَّبَّاغِ، مُسْلِمًا كَانَ) الصَّبَّاغُ (أَوْ كَافِرًا نَصًّا) قِيلَ لِأَحْمَدَ عَنْ صَبْغِ الْيَهُودِ بِالْبَوْلِ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي هَذَا سَوَاءٌ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ هَذَا، وَلَا يُبْحَثُ عَنْهُ فَإِنْ عَلِمْتَ فَلَا تُصَلِّ فِيهِ حَتَّى تَغْسِلَهُ (وَإِنْ عَلِمْتَ نَجَاسَتَهُ طَهُرَ بِالْغَسْلِ) الْمُعْتَبَرِ
(وَلَوْ بَقِيَ اللَّوْنُ) بِحَالِهِ وَسَأَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ عَنْ اللَّحْمِ يُشْتَرَى مِنْ الْقَصَّابِ قَالَ يُغْسَلُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: بِدْعَةٌ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ «نَهَانَا اللَّهُ عَنْ التَّعَمُّقِ وَالتَّكَلُّفِ» وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ «نُهِينَا عَنْ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَمُّقِ» . (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَيْتَةٍ نَجِسٌ بِمَوْتِهَا بِدَبْغِهِ) هَذَا قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَائِشَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَكِيمٍ قَالَ «أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُرْ التَّوْقِيتَ غَيْرُ أَبِي دَاوُد وَأَحْمَدَ وَقَالَ مَا أَصَحَّ إسْنَادَهُ وَقَالَ أَيْضًا: حَدِيثُ ابْنِ حَكِيمٍ أَصَحُّهَا. وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيّ «كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» وَهُوَ دَالٌّ عَلَى سَبْقِ الرُّخْصَةِ وَأَنَّهُ مُتَأَخِّرٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْآخِرِ مِنْ أَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَا يُقَالُ: هُوَ مُرْسَلٌ، لِكَوْنِهِ مِنْ كِتَابٍ لَا يُعْرَفُ حَامِلُهُ؛ لِأَنَّ كُتُبَهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَلَفْظِهِ. وَلِهَذَا كَانَ يَبْعَثُ كُتُبَهُ إلَى النَّوَاحِي بِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ فَإِنْ قِيلَ الْإِهَابُ اسْمٌ لِلْجِلْدِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَقَالَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أُجِيبَ: بِمَنْعِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ فِي الِانْتِفَاعِ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ، وَلَا هُوَ مِنْ عَادَةِ النَّاسِ. (تَتِمَّةٌ) : قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: الْمُرَادُ بِالْمَيْتَةِ مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ قُتِلَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ، إمَّا فِي الْفَاعِلِ أَوْ الْمَفْعُولِ فَمَا ذُبِحَ لِلصَّنَمِ أَوْ فِي الْإِحْرَامِ أَوْ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ الْحُلْقُومُ مَيْتَةٌ، وَكَذَا ذَبْحُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ وَلَا الطَّهَارَةَ اهـ وَالْمَوْتُ عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّا مِنْ شَأْنِهِ الْحَيَاةُ قَالَهُ فِي الْمُطَوَّلِ. وَقَالَ السَّيِّدُ: عَدَمُ الْحَيَاةِ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهَا وَهُوَ الْأَظْهَرُ (وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ) أَيْ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ مِنْ مَيْتَةٍ طَاهِرَةٍ فِي الْحَيَاةِ فَقَطْ (فِي يَابِسٍ بَعْدَ دَبْغِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَجَدَ شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «أَلَا أَخَذُوا إهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَمَّا فَتَحُوا فَارِسَ انْتَفَعُوا بِسُرُوجِهِمْ وَأَسْلِحَتِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ مَيْتَةً وَنَجَاسَتُهُ لَا تَمْنَعُ الِانْتِفَاعَ بِهِ كَالِاصْطِيَادِ بِالْكَلْبِ وَرُكُوبِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ قَبْلَ الدَّبْغِ مُطْلَقًا لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: فَأَمَّا قَبْلَ الدَّبْغِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ قَوْلًا وَاحِدًا وَ (لَا) الِانْتِفَاعُ بِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ (فِي مَائِعٍ) مِنْ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَعَدِّي النَّجَاسَةِ. (قَالَ)
أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ (بْنُ عَقِيلٍ وَلَوْ لَمْ يُنَجِّسْ الْمَاءَ بِأَنْ كَانَ) جِلْدُ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغُ (يَسَعُ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ) قَالَ لِأَنَّهَا نَجِسَةُ الْعَيْنِ أَشْبَهَتْ جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَجَوَّزَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَنْ (فَ) عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بَعْدَ الدَّبْغِ فِي يَابِسٍ (يُبَاحُ الدَّبْغُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُبَاحُ دَبْغُهُ عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ، فِي الْيَابِسِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ أَقْرُبُ إلَى التَّحْرِيمِ إذْ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَبَثٌ. (وَيَحْرُمُ بَيْعَهُ) أَيْ جِلْدُ الْمَيْتَةِ (بَعْدَ الدَّبْغِ) وَإِنْ قُلْنَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي يَابِسٍ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ مَيْتَةٍ فَلَا يَكُونُ قَابِلًا لِلْعِوَضِ، عَمَلًا بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ ثَمَنِهِ وَبَيْعِهِ (كَ) مَا يَحْرُمُ بَيْعِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ النَّجِسِ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الدَّبْغِ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ (يَطْهُرُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ جُلُودِ الْمَيْتَةِ (جِلْدُ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ) مِنْ إبِلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ وَظِبَاءٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ جِلْدًا لِحَيَوَانٍ (غَيْرِ مَأْكُولٍ) كَالْهِرِّ وَمَا دُونَهُ خِلْقَةً. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ أَخِيرًا طَهَارَتَهُ (وهـ ش م ر) عَنْهُ مَأْكُولُ اللَّحْمِ اخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِعَدَمِ رَفْعِ التَّوَاتُرِ بِالْآحَادِ. وَخَالَفَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ يُؤَيِّدُهُ نَقْلُ الْجَمَاعَةِ: لَا يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ إلَّا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بَشِيرٍ كُنْتُ أَذْهَبُ إلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْتُ السَّنَةَ كُلَّهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْقَاضِي وَعِنْدِي أَنَّ أَحْمَدَ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ خَطَّابٍ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ خَطَّابٍ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَبَيَانُ رُجُوعِهِ عَنْهَا بِخِلَافِ رِوَايَتَيْ الدِّبَاغِ (فَ) عَلَى رِوَايَةِ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ (يُشْتَرَط غَسْلُهُ) أَيْ الْجِلْدِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدِّبَاغِ، كَمَا لَوْ أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ سِوَى آلَةِ الدَّبْغِ (وَيُحَرَّمُ أَكْلُهُ لَا بَيْعُهُ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ الْمَيْتَةِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: 3] يَحْرُمُ بَيْعُهُ عَلَى رِوَايَةِ طَهَارَتِهِ كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ. (وَلَا يَطْهُرُ جِلْدُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَيَاتِهِ) كَالْكَلْبِ (بِذَكَاتِهِ كَ) مَا لَا يَطْهُرُ (لَحْمُهُ) بِهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحِلًّا لِلذَّكَاةِ فَهُوَ مَيْتَةٌ (فَلَا يَجُوزُ ذَبْحُهُ لِذَلِكَ) أَيْ لِجِلْدِهِ أَوْ لَحْمِهِ، لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَإِضَاعَةٌ لِمَا قَدْ يُنْتَفَعُ بِهِ (وَلَا) يَجُوزُ ذَبْحُهُ أَيْضًا (لِغَيْرِهِ) كَلِإِرَاحَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ (فِي النَّزْعِ) وَكَذَا الْآدَمِيُّ بَلْ أَوْلَى وَلَوْ وَصَلَ إلَى حَالَةٍ لَا يَعِيشُ فِيهَا عَادَةً أَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ أَشَدَّ تَأْلِيمًا لَهُ وَقَدْ
عَمَّتْ بِذَلِكَ الْبَلْوَى. (وَلَا يَحْصُلُ الدَّبْغُ بِنَجِسٍ) كَالِاسْتِجْمَارِ وَفِي الرِّعَايَةِ: بَلَى وَيُغْسَلُ بَعْدَهُ (وَلَا) يَحْصُلُ الدَّبْغُ (بِغَيْرِ مُنَشِّفٍ لِلرُّطُوبَةِ مُنَقٍّ لِلْخَبَثِ بِحَيْثُ لَوْ نُقِعَ الْجِلْدُ بَعْدَهُ فِي الْمَاءِ فَسَدَ) كَالشَّبِّ وَالْقَرْظِ لِأَنَّهُ مُحَصَّلٌ بِهِ مَقْصُودُ الدِّبَاغِ (وَلَا بِتَشْمِيسِ) الْجِلْدِ (وَلَا بِتَتْرِيبٍ) هـ (وَلَا بِرِيحٍ) لِمَا سَبَقَ (وَجَعْلُ الْمُصْرَانِ وَتَرًا دِبَاغٌ وَكَذَا) جَعْلُ (الْكَرِشِ) وَتَرًا دِبَاغٌ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِيهِ وَلَا يَفْتَقِرُ الدَّبْغُ إلَى فِعْلٍ فَلَوْ وَقَعَ جِلْدٌ فِي مَدْبَغَةٍ فَانْدَبَغَ كَفَى لِأَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ فَأَشْبَهَ الْمَطَرَ يَنْزِلُ عَلَى الْأَرْضِ النَّجِسَةِ. (وَيَحْرُمُ افْتِرَاشُ جُلُودِ السِّبَاعِ) مِنْ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ إذَا كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْ الْهِرِّ خِلْقَةً (مَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا) قَبْلَ الدِّبَاغِ وَبَعْدَهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ» وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ فَيَجُوزُ بَعْدَ دَبْغِهَا، كَجِلْدِ الْهِرِّ وَمَا دُونَهُ خِلْقَةً وَاللُّبْسُ كَالِافْتِرَاشِ. لِحَدِيثِ «الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ لِبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرَّكُوبِ عَلَيْهَا، قَالَ نَعَمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَوْلُهُمْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَيُكْرَهُ لِبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي نَجَاسَتِهِ، أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ لَا مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهِ، كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ: مَعَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا. (وَيُكْرَهُ الْخَرْزُ بِشَعْرِ خِنْزِيرٍ) لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لِلْعَيْنِ النَّجِسَةِ، وَلَا يَسْلَمُ مِنْ التَّنْجِيسِ بِهَا غَالِبًا (وَيَجِبُ غَسْلُ مَا خُرِزَ بِهِ رَطْبًا) لِتَنْجِيسِهِ (وَيُبَاحُ) اسْتِعْمَالُ (مُنْخُلٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (مِنْ شَعْرٍ نَجِسٍ فِي يَابِسٍ) لِعَدَمِ تَعَدِّي نَجَاسَتِهِ، كَرُكُوبِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِهِ فِي رَطْبٍ. (وَيُكْرَهُ الِانْتِفَاعُ بِالنَّجَاسَاتِ) أَيْ فِي الْجُمْلَةِ، فَلَا يَرُدُّ مَا تَقَدَّمَتْ إبَاحَتُهُ أَوْ تَحْرِيمُهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَنْجَسَ ثُمَّ قَالَ وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِتَجْوِيزِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ الِانْتِفَاعَ بِالنَّجَاسَةِ لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ مَعَ الْمُلَابَسَةِ لِذَلِكَ عَادَةً وَسَأَلَهُ الْفَضْلُ عَنْ غَسْلِ الصَّائِغِ الْفِضَّةَ بِالْخَمْرِ: هَلْ يَجُوزُ؟ قَالَ هَذَا غِشٌّ لِأَنَّهَا تُبَيَّضُ بِهِ. (وَجِلْدُ الثَّعْلَبِ كَلَحْمِهِ) عَلَى الْخِلَافِ فِيهِ وَالْمَذْهَبُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا يُدْبَغُ جِلْدُهُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ (وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ) نَجِسٌ لِأَنَّهُ مَائِعٌ لَاقَى وِعَاءً نَجِسًا فَتَنَجَّسَ (وَإِنْفَحَتُهَا) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ الْفَاءُ: شَيْءٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ الرَّاضِعِ أَصْفَرُ فَيُصَرُّ فِي صُوفَةٍ فَيَغْلُظُ كَالْجُبْنِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ: نَجِسَةٌ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَجِلْدَتُهَا) أَيْ جِلْدَةُ إنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ (وَعَظْمُهَا) أَيْ الْمَيْتَةُ (وَقَرْنُهَا وَظُفُرُهَا وَعَصَبُهَا وَحَافِرُهَا وَأُصُولُ شَعْرِهَا) إذَا نُتِفَ. (وَ) أُصُولُ
باب الاستطابة وآداب التخلي
(رِيشِهَا إذَا نُتِفَ وَهُوَ رَطْبٌ أَوْ يَابِسٌ: نَجِسٌ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَ سَائِرَهَا وَلِأَنَّ أُصُولَ الشَّعْرِ، وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنْ اللَّحْمِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلَا رِيشًا (وَصُوفُ مَيْتَةٍ طَاهِرَةٍ فِي الْحَيَاةِ) كَالْغَنَمِ طَاهِرٌ (وَشَعْرُهَا وَوَبَرُهَا وَرِيشُهَا) طَاهِرٌ (وَلَوْ) كَانَتْ غَيْرَ (مَأْكُولَةٍ كَهِرٍّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ) كَابْنِ عِرْسٍ وَالْفَأْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِلِامْتِنَانِ فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ تَتِمَّةٌ حُرِّمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ نَتْفُ ذَلِكَ مِنْ حَيٍّ لِإِيلَامِهِ وَكَرِهَهُ فِي النِّهَايَةِ. (وَعَظْمُ سَمَكٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ حَيَوَانَاتِ الْبَحْرِ الْمَأْكُولَةِ طَاهِرٌ كَلَحْمِهِ. (وَبَاطِنُ بَيْضَةٍ مَأْكُولٌ صَلُبَ قِشْرُهَا طَاهِرٌ وَلَوْ سُلِقَتْ فِي نَجَاسَةٍ لَمْ تَحْرُمْ) لِأَنَّهَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَتْ وَلَدَ الْمَيْتَةِ إذَا خَرَجَ حَيًّا وَكَرَاهِيَةُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ مَحْمُولَةٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذَارًا لَهَا وَيَطْهُرُ ظَاهِرُهَا بِالْغَسْلِ؛ لِأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ دُخُولَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا. (وَمَا أُبِينَ) أَيْ انْفَصَلَ (مِنْ حَيٍّ مِنْ قَرْنٍ وَأَلْيَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَحَافِرٍ وَجِلْدٍ (فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ) طَهَارَةً أَوْ نَجَاسَةً لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا يُقْطَعُ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَدَخَلَ فِي كَلَامِهِ مَا يَتَسَاقَطَ مِنْ قُرُونِ الْوُعُولِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الطَّرِيدَةُ وَتَأْتِي وَالْوَلَدُ وَالْبَيْضَةُ إذَا صَلُبَ قِشْرُهَا وَالصُّوفُ وَنَحْوُهُ مِمَّا تَقَدَّمَ، وَالْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ وَيَأْتِي. (وَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ) مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَتِهِ (لِحُرْمَتِهِ) أَيْ احْتِرَامِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وَكَذَا عَظْمُهُ وَسَائِرُ أَجْزَائِهِ (وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ لِطَهَارَتِهِ) قُلْتُ لَعَلَّ مَحِلَّهُ إذَا لَمْ يُتَّخَذْ مِنْهُ مَا يَسْتُرُ بِهِ عَوْرَتَهُ فَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَصِحَّ كَمَنْ صَلَّى فِي حَرِيرٍ وَأَوْلَى (وَالْمِسْكُ وَجِلْدَتُهُ) طَاهِرَانِ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ بِطَبْعِهِ، أَشْبَهَ الْوَلَدَ (وَدُودُ الْقَزِّ) وَبَزْرُهُ (وَدُودُ الطَّعَامِ) الطَّاهِرِ (وَلُعَابُ الْأَطْفَالِ) طَاهِرٌ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَامِلَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ» قُلْتُ ظَاهِرُهُ وَلَوْ تُعُقِّبَ قَيْئًا وَلَمْ تُغْسَلْ أَفْوَاهُهُمْ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ كَالْهِرِّ إذَا أَكَلَ نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَ مِنْ مَاءٍ (وَمَا سَالَ مِنْ فَمٍ عِنْدَ نَوْمٍ طَاهِرٌ) كَالْعِرْقِ وَالرِّيقِ. [بَابُ الِاسْتِطَابَةِ وَآدَابِ التَّخَلِّي]
الِاسْتِطَابَةُ، وَالِاسْتِنْجَاءُ، وَالِاسْتِجْمَارُ: عِبَارَةٌ عَنْ إزَالَةِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَنْ مَخْرَجِهِ فَالِاسْتِطَابَةُ وَالِاسْتِنْجَاءُ يَكُونَانِ تَارَةً بِالْمَاءِ، وَتَارَةً بِالْأَحْجَارِ وَالِاسْتِجْمَارُ مُخْتَصٌّ بِالْأَحْجَارِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجِمَارِ وَهِيَ الْحَصَى الصِّغَارُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَاسْتَطَابَ اسْتَنْجَى كَأَطَابَ انْتَهَى سُمِّيَ اسْتِطَابَةً؛ لِأَنَّ نَفْسَهُ تَطِيبُ بِإِزَالَةِ الْخَبَثِ، وَاسْتِنْجَاءً مِنْ نَجَوْتَ الشَّجَرَةَ وَأَنْجَيْتَهَا إذَا قَطَعْتَهَا، كَأَنَّهُ يَقْطَعُ الْأَذَى عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ النَّجْوَةِ وَهِيَ مَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ وَكَانَ الرَّجُلُ إذَا أَرَادَ قَضَاءَ حَاجَتِهِ يَسْتَتِرُ بِنَجْوَةٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، هُوَ أَصَحُّ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: أَوَّلُ مَنْ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَالْمُرَادُ بِآدَابِ التَّخَلِّي مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ حَالَ الدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ) بِالْمَدِّ أَيْ الْمَكَانَ الْمُعَدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ (بِسْمِ اللَّهِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ «سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ لَيْسَ: إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ ثُمَّ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ) أَيْ أَلْجَأُ إلَيْك مِنْ (الْخُبُثِ) بِإِسْكَانِ الْبَاءِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ الشُّيُوخِ وَفَسَّرَهُ بِالشَّرِّ (وَالْخَبَائِثَ) بِالشَّيَاطِينِ فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ الشَّرِّ وَأَهْلِهِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ بِضَمِّ الْبَاءُ فَهُوَ جَمْعُ خَبِيثٍ، وَالْخَبَائِثُ جَمْعُ خَبِيثَةٍ، فَكَأَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ ذُكْرَانِ الشَّيَاطِينِ وَإِنَاثِهِمْ وَقِيلَ: الْخُبْثُ الْكُفْرُ، وَالْخَبَائِثُ الشَّيَاطِينُ. وَلَمْ يَزِدْ فِي الْغُنْيَةِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَى الْبُخَارِيُّ «إذَا أَرَادَ دُخُولَهُ» وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «أَعُوذُ بِاَللَّهِ» انْتَهَى. وَرَوَى أَبُو أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «لَا يَعْجَزُ أَحَدُكُمَا إذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الرِّجْسِ النَّجِسِ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْوَجِيزِ. وَجَمَعَ بَيْنَ الْخَبَرَيْنِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُقْنِعِ وَالْبُلْغَةِ وَالْمُنْتَهَى (وَيُكْرَهُ دُخُولُهُ) أَيْ الْخَلَاءِ (بِمَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ، لِحَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ
إلَّا أَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ نَقْشَ خَاتَمِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؛ وَلِأَنَّ الْخَلَاءَ مَوْضِعُ الْقَاذُورَاتِ، فَشُرِعَ تَعْظِيمُ اسْمِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ عَنْهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى دُخُولِهِ بِهِ، بِأَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَحْفَظُهُ وَخَافَ ضِيَاعَهُ فَلَا بَأْسَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: حَيْثُ أَخْفَاهُ (لَا دَرَاهِمَ وَنَحْوَهَا) كَدَنَانِيرَ عَلَيْهَا اسْمُ اللَّهِ (فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِدُخُولِهِ بِهَا (نَصًّا) قَالَ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ الْخَلَاءَ وَمَعَهُ الدَّرَاهِمُ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: أَنَّ إزَالَةَ ذَلِكَ أَفْضَلُ. (وَمِثْلُهَا) أَيْ الدَّرَاهِمُ (حُرُزٌ) فَلَا بَأْسَ بِالدُّخُولِ بِهَا قِيَاسًا عَلَى الدَّرَاهِمِ. قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَأَوْلَى، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ اسْتِثْنَاءِ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا تَبِعَ فِيهِ الْفُرُوعَ وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَنَّ حَمْلَ الدَّرَاهِمِ وَنَحْوِهَا كَغَيْرِهَا فِي الْكَرَاهَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ رَجَبٍ ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْخَوَاتِيمِ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَى كَرَاهَةِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ هَانِئٍ، وَقَالَ فِي الدَّرَاهِمِ: إذَا كَانَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ أَوْ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يُكْرَهُ أَنْ يُدْخَلَ اسْمُ اللَّهِ الْخَلَاءَ (لَكِنْ يَجْعَلُ فَصَّ خَاتَمٍ) احْتَاجَ إلَى دُخُولِ الْخَلَاءِ بِهِ (فِي بَاطِنِ كَفِّهِ الْيُمْنَى) إذَا كَانَ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، لِئَلَّا يُلَاقِي النَّجَاسَةَ أَوْ يُقَابِلُهَا. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَوَجَّهُ إلَى اسْمِ الرَّسُولِ كَذَلِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالْبُنْيَانِ (وَيَحْرُمُ) دُخُولُ الْخَلَاءِ (بِمُصْحَفٍ إلَّا لِحَاجَةٍ) . قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَا شَكَّ فِي تَحْرِيمِهِ قَطْعًا، وَلَا يَتَوَقَّفُ فِي هَذَا عَاقِلٌ قُلْتُ وَبَعْضُ الْمُصْحَفِ كَالْمُصْحَفِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْتَعِلَ) عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا دَخَلَ الْمِرْفَقَ لَبِسَ حِذَاءَهُ وَغَطَّى رَأْسَهُ» رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ مُرْسَلًا (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا أَنْ (يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى دُخُولًا) أَيْ فِي دُخُولِ الْخَلَاءِ،. (وَ) أَنْ يُقَدِّمَ (يَمِينَ) رِجْلَيْهِ (خُرُوجًا) مِنْهُ لِمَا رَوَى الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ اُبْتُلِيَ بِالْفَقْرِ وَلِأَنَّ الْيُسْرَى لِلْأَذَى وَالْيُمْنَى لِمَا سِوَاهُ، لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ إلَى الْأَمَاكِنِ الطَّيِّبَةِ، وَأَحَقُّ بِالتَّأْخِيرِ عَنْ الْأَذَى وَمَحَلِّهِ. (وَ) الَّذِي يُرِيدُ قَضَاءَ حَاجَتِهِ (فِي غَيْرِ الْبُنْيَانِ) أَنْ (يُقَدِّمَ يُسْرَاهُ) أَيْ يُسْرَى رِجْلَيْهِ (إلَى مَوْضِعِ جُلُوسِهِ وَ) يُقَدِّمَ (يُمْنَاهُ عِنْدَ مُنْصَرِفِهِ) مِنْهُ (مَعَ) إتْيَانِهِ بِ (مَا تَقَدَّمَ) عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ،؛ لِأَنَّ
مَوْضِعَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الصَّحْرَاءِ فِي مَعْنَى الْمَوْضِعِ الْمُعَدِّ لِذَلِكَ فِي الْبُنْيَانِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْخَلَاءِ فِي تَقْدِيمِ الْيُسْرَى دُخُولًا وَالْيُمْنَى خُرُوجًا (حَمَّام وَمُغْتَسَلٌ وَنَحْوُهُمَا) مَنْ أَمَاكِنِ الْأَذَى كَالْمَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ، وَكَذَا خَلْعُ نَعْلٍ وَنَحْوِهِ (عَكْسُ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ وَنَعْلٍ) أَيْ انْتِعَالٍ (وَنَحْوِهِ) كَخُفٍّ وَسُرْمُوزَةٍ (وَقَمِيصٍ وَنَحْوِهِ) كَقَبَاءٍ، فَيُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى فِي اللُّبْسِ، وَيُقَدِّمُ الْيُسْرَى فِي الْخَلْعِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ) عِنْدَ قَضَاءِ حَاجَتِهِ (عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ) رِجْلَهُ (الْيُمْنَى) بِأَنْ يَضَعَ أَصَابِعَهَا عَلَى الْأَرْضِ وَيَرْفَعَ قَدَمَهَا، لِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَتَّكِئَ عَلَى الْيُسْرَى، وَنَنْصِبَ الْيُمْنَى» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَلِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِخُرُوجِ الْخَارِجِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُغَطِّيَ رَأْسَهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ غَطَّى رَأْسَهُ وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ غَطَّى رَأْسَهُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مَنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ، وَكَانَ يُتَّهَمُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ (وَلَا يَرْفَعُهُ إلَى رَأْسِهِ) لِأَنَّهُ مَحِلٌّ يَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ فَتَعْبَثُ بِهِ، فَلِذَلِكَ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ. (وَيُسَنُّ) لِمَنْ أَرَادَ قَضَاءَ الْحَاجَةِ (فِي فَضَاءٍ: بُعْدُهُ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا أَرَادَ الْبَرَازَ انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ (اسْتِتَارُهُ عَنْ نَاظِرٍ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مَنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَتِرْ بِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ «كَانَ أَحَبَّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَاجَتِهِ هَدَفٌ أَوْ حَائِشُ نَخْلٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ جَمَاعَةُ النَّخْلِ لَا وَاحِدَ لَهُ مَنْ لَفْظِهِ. (وَ) يُسَنُّ (طَلَبُهُ مَكَانًا رِخْوًا) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ وَالْكَسْرُ أَشْهَرُ، أَيْ لَيِّنًا هَشًّا (لِبَوْلِهِ) لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَالَ، ثُمَّ قَالَ «إذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي التَّبْصِرَةِ: وَيَقْصِدُ مَكَانًا عُلُوًّا اهـ أَيْ لِيَنْحَدِرَ عَنْهُ الْبَوْلُ (وَلَصْقُ ذَكَرِهِ بِصُلْبٍ) بِضَمِّ الصَّادِ أَيْ شَدِيدٍ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا رَخْوًا، لِأَنَّهُ يَأْمَنُ بِذَلِكَ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْلِ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَعُدَّ أَحْجَارَ الِاسْتِجْمَارِ قَبْلَ جُلُوسِهِ) لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ
لِحَدِيثِ «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ، فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُكْرَهُ رَفْعُ ثَوْبِهِ إنْ بَالَ قَاعِدًا قَبْلَ دُنُوِّهِ مَنْ الْأَرْضِ بِلَا حَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد مَنْ طَرِيقِ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ وَقَدْ سَمَّاهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ: الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَا يَرْفَعُ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مَنْ الْأَرْضِ» ؛ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَسْتَرُ لَهُ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْفَعُ ثَوْبَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا (فَإِذَا قَامَ أَسْبَلَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْتِصَابِهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّهُ يَجِبُ إنْ كَانَ ثَمَّ مَنْ يَنْظُرُهُ. (وَ) يُكْرَهُ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ (اسْتِقْبَالَ شَمْسٍ وَقَمَرٍ) بِلَا حَائِلٍ، لِمَا فِيهِمَا مَنْ نُورِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَعَهُمَا مَلَائِكَةً وَأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مَكْتُوبَةٌ عَلَيْهَا (وَ) يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ (مَهَبِّ رِيحٍ بِلَا حَائِلٍ) خَشْيَةَ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ الْبَوْلُ فَيُنَجِّسُهُ (وَمَسُّ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ فِي كُلِّ حَالِ) سَوَاءٌ حَالَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ يَرْفَعُهُ «لَا يُمْسِكَنَّ أُحُدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ بِبَوْلِهِ، وَلَا يَتَمَسَّحْ مِنْ الْخَلَاءِ بِيَمِينِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَغَيْرُ حَالِ الْبَوْلِ مِثْلُهُ وَأَوْلَى، لِأَنَّ وَقْتَ الْبَوْلِ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مَسِّ الذَّكَرِ، فَإِذَا نَهَى عَنْ إمْسَاكِهِ بِالْيَمِينِ وَقْتَ الْحَاجَةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِحَالِ الْبَوْلِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ. (وَكَذَا) يُكْرَهُ فِي كُلِّ حَالٍ (مَسُّ فَرْجٍ أُبِيحَ لَهُ مَسُّهُ) بِيَمِينِهِ، كَفَرْجِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَمَنْ دُونَ سَبْعٍ، قِيَاسًا عَلَى فَرْجِهِ تَشْرِيفًا لِلْيُمْنَى. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (اسْتِجْمَارُهُ) بِيَمِينِهِ (وَاسْتِنْجَاؤُهُ بِهَا لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ) كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَسَارُهُ أَوْ شُلَّتْ (أَوْ حَاجَةٍ) كَجِرَاحَةٍ بِيَسَارِهِ، لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ وَتَقَدَّمَ، وَحَدِيثِ سَلْمَانَ قَالَ «نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ كَذَا، وَأَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. " تَتِمَّةٌ " إنْ عَجَزَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِيَدِهِ وَأَمْكَنَهُ بِرِجْلِهِ أَوْ غَيْرِهَا فَعَلَ، وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَهُ بِمَنْ يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ لَزِمَهُ، وَإِلَّا تَمَسَّحَ بِأَرْضٍ أَوْ خَشَبَةٍ مَا أَمْكَنَ، فَإِنْ عَجَزَ صَلَّى عَلَى حَسْبِ حَالِهِ، وَإِنْ قَدَرَ بَعْدُ عَلَى شَيْءٍ مَنْ ذَلِكَ لَمْ يُعِدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي بُغْيَتِهِ بِمَعْنَاهُ قُلْت بَلْ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ يَقْدِرُ عَلَيْهَا لَزِمَهُ، وَلَوْ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهُ نَظَرُهُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ كَمَا يَأْتِي فِي الْمَرِيضِ وَأَوْلَى. (فَإِنْ كَانَ اسْتِجْمَارُهُ مِنْ غَائِطٍ أَخَذَ الْحَجَرَ بِيَسَارِهِ فَمَسَحَ بِهِ) دُبُرَهُ ثَلَاثَ مَسْحَاتٍ مُنَقِّيَاتٍ أَوْ أَكْثَرَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَإِنْ كَانَ) اسْتِجْمَارُهُ (مِنْ بَوْلٍ أَمْسَكَ ذَكَرَهُ بِشِمَالِهِ وَمَسَحَهُ) أَيْ ذَكَرَهُ عَلَى الْحَجَرِ الْكَبِيرِ، وَلَا يُمْسِكهُ بِيَمِينِهِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ صَغِيرًا
أَمْسَكَهُ بَيْنَ عَقِبَيْهِ أَوْ بَيْنَ إبْهَامَيْ قَدَمَيْهِ وَمَسَحَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ (إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ لِإِغْنَائِهِ عَنْ إمْسَاكِهِ بِيَمِينِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ، كَجَالِسٍ فِي الْأَخْلِيَةِ الْمَبْنِيَّةِ (أَمْسَكَ الْحَجَرَ بِيَمِينِهِ) لِلْحَاجَةِ (وَمَسَحَ بِيَسَارِهِ الذَّكَرَ عَلَيْهِ) فَتَكُونُ الْيَسَارُ هِيَ الْمُتَحَرِّكَةُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِنْجَاؤُهُ بِيَمِينِهِ لِحَاجَةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَمِينُهُ أَوْلَى مِنْ يَسَارِ غَيْرِهِ. (وَإِنْ اسْتَطَابَ بِهَا) أَيْ بِيَمِينِهِ وَلَا ضَرُورَةَ وَلَا حَاجَةَ (أَجْزَأَهُ) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ نَهْيُ تَأْدِيبٍ لَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ (وَتُبَاحُ الْمَعُونَةُ بِهَا) أَيْ بِالْيَمِينِ (فِي الْمَاءِ) إذَا اسْتَنْجَى بِهِ، بِأَنْ يَصُبَّ بِهَا الْمَاءَ عَلَى يَسَارِهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ غَالِبًا. (وَيُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي شَقٍّ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَاحِدُ الشُّقُوقِ (وَ) فِي (سَرَبٌ) بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ، عِبَارَةٌ عَنْ الثُّقْبِ، وَهُوَ مَا يَتَّخِذُهُ الدَّبِيبُ وَالْهَوَامُّ بَيْتًا فِي الْأَرْضِ لِمَا رَوَى قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُبَالَ فِي الْجُحْرِ» قَالُوا لِقَتَادَةَ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْبَوْلِ فِي الْجُحْرِ؟ قَالَ يُقَالُ إنَّهَا مَسَاكِنُ الْجِنِّ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَالَ بِجُحْرٍ بِالشَّامِ ثُمَّ اسْتَلْقَى مَيِّتًا، فَسُمِعَ مِنْ بِئْرٍ بِالْمَدِينَةِ قَائِلٌ يَقُولُ: نَحْنُ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ الْمَوْصِلِيُّ ... وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ فَحَفِظُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَوَجَدُوهُ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ سَعْدٌ وَلِأَنَّهُ يُخَافُ أَنْ يَخْرُجَ بِبَوْلِهِ دَابَّةٌ تُؤْذِيهِ أَوْ تَرُدُّهُ عَلَيْهِ فَتُنَجِّسُهُ، وَمِثْلُ السِّرْبِ مَا يُشْبِهُهُ (وَلَوْ) كَانَ (فَمَ بَالُوعَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي (مَاءٍ رَاكِدٍ) لِخَبَرِ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» وَتَقَدَّمَ (وَ) يُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي (قَلِيلٍ جَارٍ) لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ وَيُنَجِّسُهُ، وَلَعَلَّهُمْ لَمْ يُحَرِّمُوهُ لِأَنَّ الْمَاءَ غَيْرُ مُتَمَوَّلٍ عَادَةً أَوْ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِالْإِضَافَةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُكْرَهُ بَوْلُهُ (فِي إنَاءٍ بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ مِنْ نَحْوِ مَرَضٍ، فَإِنْ كَانَتْ لَمْ يُكْرَهُ، لِقَوْلِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ عَنْ أُمِّهَا «كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدَحٌ مَنْ عَيْدَانٍ يَبُولُ فِيهِ، وَيَضَعُهُ تَحْتَ السَّرِيرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَالْعَيْدَانُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ طِوَالُ النَّخْلِ. (وَ) يُكْرَهُ بَوْلُهُ فِي (نَارٍ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ السُّقْمَ، وَ) فِي (رَمَادٍ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَ) فِي (مَوْضِعٍ صُلْبٍ) إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ مَكَانًا رِخْوًا وَلَصَقَ ذَكَرَهُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُكْرَهُ بَوْلُهُ (فِي مُسْتَحَمٍّ غَيْرِ مُقَيَّرٍ أَوْ مُبَلَّطٍ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمَ، أَوْ يَبُولَ
فِي مُغْتَسَلِهِ» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (فَإِنْ بَالَ فِي) الْمُسْتَحَمِّ (الْمُقَيَّرِ أَوْ الْمُبَلَّطِ) أَوْ الْمُجَصَّصِ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ أَرْسَلَ عَلَيْهِ الْمَاءَ قَبْلَ اغْتِسَالِهِ فِيهِ) قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إنْ صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَجَرَى فِي الْبَالُوعَةِ (فَلَا بَأْسَ) لِلْأَمْنِ، مِنْ التَّلْوِيثِ، وَمِثْلُهُ مَكَانُ الْوُضُوءِ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ) عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ أَوْ أَرْضٍ مُتَنَجِّسَةٍ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ (أَوْ) أَيْ (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ أَوْ يَسْتَنْجِيَ عَلَى مَوْضِعِ بَوْلِهِ أَوْ) عَلَى (أَرْضٍ مُتَنَجِّسَةٍ لِئَلَّا يَتَنَجَّسَ) بِالرَّشَاشِ السَّاقِطِ عَلَيْهَا (وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةَ فِي فَضَاءٍ بِاسْتِنْجَاءٍ أَوْ اسْتِجْمَارٍ) تَشْرِيفًا لَهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِ كَغَيْرِهِ لَا يُكْرَهُ اسْتِدْبَارُهَا إذَنْ. (وَ) يُكْرَهُ (كَلَامُهُ فِي الْخَلَاءِ، وَلَوْ سَلَامًا أَوْ رَدُّ سَلَامٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ يُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ» (وَيَجِبُ) الْكَلَامُ عَلَى مَنْ فِي الْخَلَاءِ كَغَيْرِهِ (لِتَحْذِيرِ مَعْصُومٍ عَنْ هَلَكَةٍ كَأَعْمَى وَغَافِلٍ) يُحَذِّرُهُ عَنْ بِئْرٍ أَوْ حَيَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا،؛ لِأَنَّ مُرَاعَاةَ حِفْظِ الْمَعْصُومِ أَهَمُّ. (وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُتَخَلِّي، فَلَا يَجِبُ رَدُّهُ، وَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ (فَإِنْ عَطَسَ) الْمُتَخَلِّي (أَوْ سَمِعَ أَذَانًا حَمِدَ اللَّهَ) عَقِبَ الْعُطَاسِ بِقَلْبِهِ (وَأَجَابَ) الْمُؤَذِّنَ (بِقَلْبِهِ) دُونَ لِسَانِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَغَيْرُهُ وَيَأْتِي فِي الْأَذَانِ، وَيَقْضِي مُتَخَلٍّ وَمُصَلٍّ. (وَ) يُكْرَهُ (ذِكْرُ اللَّهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْخَلَاءِ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا) يُكْرَهُ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الْخَلَاءِ (بِقَلْبِهِ) دُونَ لِسَانِهِ (وَتَحْرُمُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ، وَهُوَ) مُتَوَجِّهٌ (عَلَى حَاجَتِهِ) جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ النَّظْمِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَمَّامِ، لِمَظِنَّةِ نَجَاسَتِهِ وَكَرَاهَةِ ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ خَارِجُ الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَفِي الْغُنْيَةِ لَا يَتَكَلَّمُ، وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى التَّسْمِيَةِ وَالتَّعَوُّذِ. (وَ) يَحْرُمُ (لُبْثُهُ) فِي الْخَلَاءِ (فَوْقَ حَاجَتِهِ) لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ حَمَّامٍ، أَوْ بِحَضْرَةِ مَلَكٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ لَا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَهُوَ) أَيْ لُبْثُهُ فَوْقَ حَاجَتِهِ (مُضِرٌّ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ) قِيلَ إنَّهُ يُدْمِي الْكَبِدَ، وَيُورِثُ الْبَاسُورَ (وَكَشْفُ عَوْرَةٍ بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ. (وَ) يَحْرُمُ (بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ؟ قَالَ الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ فِي ظِلِّهِمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يَحْرُمُ (تَغَوُّطُهُ فِي مَاءٍ) قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ لِأَنَّهُ يُقَذِّرُهُ وَيَمْنَعُ النَّاسَ الِانْتِفَاعَ بِهِ، وَ. (لَا) يَحْرُمُ التَّغَوُّطُ فِي (الْبَحْرِ) لِأَنَّهُ لَا تُعَكِّرُهُ الْجِيَفُ.
(وَلَا) يَحْرُمُ تَغَوُّطُهُ فِي مَا أُعِدَّ لِذَلِكَ (كَ) النَّهْرِ (الْجَارِي فِي الْمَطَاهِرِ) بِدِمَشْقَ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ عَادَةً. (وَيَحْرُمُ بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ عَلَى مَا نُهِيَ عَنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهِ كَرَوْثٍ وَعَظْمٍ، وَعَلَى مَا يَتَّصِلُ بِحَيَوَانٍ، كَذَنَبِهِ وَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَ) عَلَى (يَدِ الْمُسْتَجْمِرِ وَعَلَى مَا لَهُ حُرْمَةٌ كَمَطْعُومٍ) لِآدَمِيٍّ أَوْ بَهِيمَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ الِاسْتِجْمَارِ بِهَا فِي التَّقْذِيرِ فَيَكُونُ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ. (وَ) يَحْرُمُ تَغَوُّطُهُ وَبَوْلُهُ (عَلَى قُبُورِ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ قُبُورِهِمْ (وَيَأْتِي آخِرَ الْجَنَائِزِ) مُوَضَّحًا. (وَ) يَحْرُمُ الْبَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ (عَلَى عَلَفِ دَابَّةٍ وَغَيْرِهَا) وَهَذَا دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: كَمَطْعُومٍ. (وَ) يَحْرُمُ بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ فِي (ظِلٍّ نَافِعٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِضَافَةُ الظِّلِّ إلَيْهِمْ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ (وَمِثْلُهُ مُتَشَمَّسُ) النَّاسِ (زَمَنَ الشِّتَاءِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (وَ) مِثْلُهُ (مُتَحَدَّثُ النَّاسِ) إنْ لَمْ يَكُنْ بِنَحْوِ غِيبَةٍ وَإِلَّا فَيُفَرِّقُهُمْ بِمَا اسْتَطَاعَ. (وَ) يَحْرُمُ بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ (تَحْتَ شَجَرَةٍ عَلَيْهَا ثَمَرَةٌ مَقْصُودَةٌ) مَأْكُولَةٌ أَوَّلًا لِأَنَّهُ يُفْسِدُهَا وَتَعَافُهَا الْأَنْفُسُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا جَازَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا ظِلٌّ نَافِعٌ؛ لِأَنَّ أَثَرَ ذَلِكَ يَزُولُ بِمَجِيءِ الْأَمْطَارِ إلَى مَجِيءِ الثَّمَرَةِ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَحْتَ الْأَشْجَارِ وَالنَّخْلِ بِأَنَّ الْأَرْضَ تَبْلَعُ فَضْلَتَهُ. (وَ) يَحْرُمُ بَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ فِي (مَوْرِدِ مَاءٍ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَ الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يَحْرُمُ (اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارُهَا) حَالَ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (فِي فَضَاءٍ) لِقَوْلِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَتَيْتُمْ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا: وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ؛ وَلِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ أَشْرَفُ الْجِهَاتِ فَصِينَتْ عَنْ ذَلِكَ. وَ (لَا) يَحْرُمُ اسْتِقْبَالُهَا، وَلَا اسْتِدْبَارُهَا فِي (بُنْيَانٍ) لِمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ مَرْوَانَ الْأَصْفَرَ قَالَ رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إلَيْهَا فَقُلْت: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَلَيْسَ قَدْ نَهَى عَنْ هَذَا فَقَالَ: إنَّمَا نَهَى عَنْ هَذَا فِي الْفَضَاءِ، أَمَّا إذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَالْحَسَنُ وَإِنْ كَانَ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ فَقَدْ قَوَّاهُ جَمَاعَةٌ. وَرَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ فَهَذَا تَفْسِيرٌ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْعَامِّ، فَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْي عَلَى الْفَضَاءِ، وَأَحَادِيثُ الرُّخْصَةِ عَلَى الْبُنْيَانِ (وَيَكْفِي انْحِرَافُهُ) عَنْ الْجِهَةِ نَقَلَهُ أَبُو دَاوُد وَمَعْنَاهُ فِي الْخِلَافِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَجْدِ وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ لَا يَكْفِي (وَ) يَكْفِي (حَائِلٌ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْحَائِلُ (كَمُؤَخَّرَةِ رَحْلٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ
فصل إذا انقطع بوله استحب له مسح ذكره بيده
الْهَمْزَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُثَقِّلُ الْخَاءَ، وَهِيَ الْخَشَبَةُ الَّتِي يَسْتَنِدُ إلَيْهَا الرَّاكِبُ (وَيَكْفِي الِاسْتِتَارُ بِدَابَّةٍ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ وَتَقَدَّمَ (وَ) بِ (جِدَارٍ وَجَبَلٍ وَنَحْوِهِ) كَشَجَرَةٍ (وَ) يَكْفِي (إرْخَاءُ ذَيْلِهِ) لِحُصُولِ التَّسَتُّرُ بِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ (لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ السُّتْرَةِ (كَمَا لَوْ كَانَ فِي بَيْتٍ) فَإِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مَنْ جِدَارِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ لَا يُعْتَبَرُ قُرْبُهُ مِنْهَا. بَلْ قُلْنَا يُعْتَبَرُ، فَ (كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ) ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ كَسُتْرَةِ صَلَاةٍ يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَآخِرَةِ الرَّحْلِ لِسِتْرِ أَسَافِلِهِ وَقَدْ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (بِحَيْثُ تُسْتَرُ أَسَافِلَهُ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْ عَدَمِ الْمُوَاجَهَةِ. (وَلَا يُكْرَهُ الْبَوْلُ قَائِمًا وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) (إنْ أَمِنَ تَلَوُّثًا وَنَاظِرًا) لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا» وَالسُّبَاطَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُلْقَى فِيهِ الْقُمَامَةُ وَالْأَوْسَاخُ. (وَلَا) يُكْرَهُ (التَّوَجُّهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) فِي ظَاهِرِ نَقْلِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي الْخِلَافِ وَجَعْلُ النَّهْيِ حِينَ كَانَ قِبْلَةً وَلَا يُسَمَّى بَعْدَ النَّسْخِ قِبْلَةً وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي النَّسْخِ بَقَاءَ حُرْمَتِهِ وَظَاهِرُ نَقْلِ حَنْبَلٍ فِيهِ يُكْرَهُ " تَتِمَّةٌ " وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ: أَبُولُ وَلَا يَقُولُ أُرِيقُ الْمَاءَ وَفِي النَّهْيِ خَبَرٌ ضَعِيفٌ بَلْ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ لِجَوَازِهِ. [فَصْلٌ إذَا انْقَطَعَ بَوْلُهُ اُسْتُحِبَّ لَهُ مَسْحُ ذَكَرِهِ بِيَدِهِ] فَصْلٌ (فَإِذَا انْقَطَعَ بَوْلُهُ اُسْتُحِبَّ) لَهُ (مَسْحُ ذَكَرِهِ بِيَدِهِ الْيُسْرَى مَنْ حَلْقَةِ الدُّبُرِ إلَى رَأْسِهِ) أَيْ الذَّكَرِ (ثَلَاثًا) لِئَلَّا يَبْقَى شَيْءٌ مِنْ الْبَلَلِ فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ الْوُسْطَى تَحْتَ الذَّكَرِ وَالْإِبْهَامَ فَوْقَهُ ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إلَى رَأْسِ الذَّكَرِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (نَتْرُهُ) بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ الذَّكَرِ (ثَلَاثًا) قَالَ الْقَامُوسُ اسْتَنْتَرَ مِنْ بَوْلِهِ اجْتَذَبَهُ وَاسْتَخْرَجَ بَقِيتَهُ مَنْ الذَّكَرِ عِنْدَ الِاسْتِنْجَاءِ حَرِيصًا عَلَيْهِ مُهْتَمًّا بِهِ انْتَهَى. وَإِذَا اسْتَنْجَى فِي دُبُرِهِ اسْتَرْخَى قَلِيلًا وَيُوَاصِلُ صَبَّ، الْمَاءِ حَتَّى يُنَقَّى وَيُنَظَّفَ (وَالْأَوْلَى) . وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَسُنَّ (أَنْ يَبْدَأَ ذَكَرٌ بِقُبُلٍ) لِئَلَّا تَتَلَوَّثُ يَدُهُ إذَا بَدَأَ بِالدُّبْرِ لِأَنَّ قُبُلَهُ بَارِزٌ. (وَ) أَنْ تَبْدَأَ (بِكْرٌ بِقُبُلٍ) إلْحَاقًا لَهَا بِالذَّكَرِ لِوُجُودِ عُذْرَتِهَا (وَتُخَيَّرُ ثَيِّبٌ) فِي الْبُدَاءَةِ بِالْقُبُلِ أَوْ الدُّبُرِ. (وَيُكْرَهُ بَصْقُهُ عَلَى بَوْلِهِ لِلْوَسْوَاسِ) أَيْ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّهُ يُوَرِّثُ الْوَسْوَاسَ (ثُمَّ يَتَحَوَّلُ لِلِاسْتِنْجَاءِ إنْ خَافَ تَلَوُّثًا)
تَبَاعُدًا عَنْ النَّجَاسَةِ (ثُمَّ يَسْتَجْمِرُ) بِالْحَجَرِ أَوْ نَحْوِهِ (ثُمَّ يَسْتَنْجِي) بِالْمَاءِ (مُرَتَّبًا نَدْبًا) . لِقَوْلِ عَائِشَةَ لِلنِّسَاءِ «مُرْنَ أَزْوَاجَكُنَّ أَنْ يُتْبِعُوا الْحِجَارَةَ الْمَاءَ، فَإِنِّي أَسْتَحْيِيهِمْ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِنْهَاءِ، لِأَنَّ الْحَجَرَ يُزِيلُ عَيْنَ النَّجَاسَةِ، فَلَا تُبَاشِرُهَا يَدُهُ وَالْمَاءُ يُزِيلُ مَا بَقِيَ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ بَدَأَ بِالْمَاءِ وَثَنَّى بِالْحَجَرِ (كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ نَصًّا لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ إلَّا التَّقْذِيرُ. (وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فِي فَرْجٍ وَاسْتَنْجَى فِي) فَرْجٍ (آخَرَ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ (وَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ فِي قُبُلَيْ خُنْثَى مُشْكِلٌ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلِيّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْلُومٍ وَالِاسْتِجْمَارُ لَا يُجْزِئُ فِي فَرْجٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ. (وَلَا) يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ (فِي مَخْرَجٍ غَيْرِ فَرْجٍ) أَيْ لَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَانْفَتَحَ آخَرُ لَمْ يَجُزْ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ، لِأَنَّهُ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى سَائِرِ النَّاسَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ أَحْكَامُ الْفَرْجِ؛ وَلِأَنَّ لَمْسَهُ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ شَيْءٌ مَنْ أَحْكَامِ الْوَطْءِ أَشْبَهَ سَائِرَ الْبَدَنِ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمُسْتَنْجِي (دَلْكُ يَدِهِ بِالْأَرْضِ الطَّاهِرَةِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ) لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ ذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَجْزِيهِ أَحَدُهُمَا) أَيْ الِاسْتِجْمَارُ أَوْ الِاسْتِنْجَاءُ، فَيَكْفِي الِاسْتِجْمَارُ وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِي عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَالْمَاءُ أَفْضَلُ) مِنْ الْحَجَرِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ الْعَيْنَ وَالْأَثَرَ وَمَا حُكِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا أَنْكَرَا الِاسْتِنْجَاءَ بِالْمَاءِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، وَلَا يَرَى الْأَحْجَارَ مُجْزِئَةً، لِأَنَّهُمَا شَاهَدَا مَنْ النَّاسَ مُحَافَظَةً عَلَيْهِ. فَخَافَا التَّعَمُّقَ فِي الدِّينِ (وَجَمْعُهُمَا) أَيْ الْحَجَرُ وَالْمَاءُ مُرَتَّبًا كَمَا مَرَّ (أَفْضَلُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمَاءِ وَحْدَهُ، لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ. (وَفِي التَّنْقِيحِ: الْمَاءُ أَفْضَلُ كَجَمْعِهِمَا، وَهُوَ) أَيْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمَاءِ وَجَمْعِهِمَا (سَهْوٌ) وَأَجَابَ التَّقِيُّ الْفَتُوحِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْغَرَضُ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا الْغَرَضُ تَشْبِيهُ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، أَوْ الْمَعْنَى كَمَا أَنَّ جَمْعَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْمَاءِ فَلَا سَهْوَ (إلَّا أَنْ يَعْدُو) أَيْ يَتَجَاوَزُ (الْخَارِجُ مَوْضِعَ الْعَادَةِ) كَأَنْ يَنْتَشِرَ الْخَارِجُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الصَّفْحَةِ، أَوْ يَمْتَدَّ إلَى الْحَشَفَةِ امْتِدَادًا غَيْرَ مُعْتَادٍ (فَلَا يُجْزِئُ إلَّا الْمَاءُ لِلْمُتَعَدِّي فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ فِي الْمَحِلِّ الْمُعْتَادِ رُخْصَةٌ لِلْمَشَقَّةِ فِي غَسْلِهِ، لِتَكَرُّرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، فَمَا لَا يَتَكَرَّرُ لَا يُجْزِي فِيهِ إلَّا الْمَاءُ. وَيُجْزِئُ الْحَجَرُ فِي الَّذِي فِي مَحِلِّ الْمَادَّةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ (كَتَنْجِيسِ مَخْرَجٍ بِغَيْرِ خَارِجٍ) مِنْهُ فَلَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا الْمَاءُ
وَكَذَا لَوْ جَفَّ الْخَارِجُ قَبْلَ الِاسْتِجْمَارِ (وَ) كَ (اسْتِجْمَارٍ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ) كَرَوْثٍ وَعَظْمٍ، فَلَا يُجْزِئُ بَعْدَهُ إلَّا الْمَاءُ. (وَإِنْ خَرَجَتْ أَجْزَاءُ الْحُقْنَةِ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَلَا يُجْزِئُ فِيهَا الِاسْتِجْمَارُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ فَيُعَايَا بِهَا (وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى الثَّيِّبُ وَالْبِكْرُ فِي ذَلِكَ) أَيْ مَا يُجْزِئُ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ وَمَا لَا يُجْزِئُ عَلَى مَا سَبَقَ سَوَاءٌ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (فَلَوْ تَعَدَّى بَوْلُ الثَّيِّبِ إلَى مَخْرَجِ الْحَيْضِ أَجْزَأَ فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ) كَثِيرًا صَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَاخْتَارَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ. وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ هَذَا إذَا قُلْنَا يَجِبُ تَطْهِيرُ بَاطِنِ فَرْجِهَا عَلَى مَا اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ، فَتَكُونُ كَالْبِكْرِ قَوْلًا وَاحِدًا وَقَدَّمَ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ كَالْمُنْتَشِرِ عَنْ الْمَخْرَجِ (وَلَوْ شَكَّ فِي تَعَدِّي الْخَارِجِ لَمْ يَجِبْ الْغَسْلُ) وَأَجْزَأَهُ الِاسْتِجْمَارُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدِّي (وَالْأَوْلَى الْغَسْلُ) احْتِيَاطًا. قَالَ عَلِيٌّ إنَّكُمْ كُنْتُمْ تَبْعَرُونَ بَعْرًا وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ تَثْلِطُونَ ثَلَطًا، فَأَتْبِعُوا الْمَاءَ الْأَحْجَارَ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا يَمْنَعُ الْقِيَامُ الِاسْتِجْمَارَ مَا لَمْ يَتَعَدَّ الْخَارِجُ) مَوْضِعَ الْعَادَةِ (فَإِذَا خَرَجَ) مَنْ نَحْوِ الْخَلَاءِ (سُنَّ قَوْلُهُ: غُفْرَانَكَ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مَنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ أَيْ أَسْأَلُكَ غُفْرَانَكَ وَالْغَفْرُ السِّتْرُ، وَسِرُّهُ أَنَّهُ لَمَّا خَلَصَ مَنْ النَّجْوِ الْمُثْقِلِ لِلْبَدَنِ سَأَلَ الْخَلَاصَ مِمَّا يُثْقِلُ الْقَلْبَ، وَهُوَ الذَّنْبُ لِتَكْمُلَ الرَّاحَةُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا خَرَجَ مَنْ الْخَلَاءِ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الْأَذَى وَعَافَانِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْأَكْثَرُ. وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ إذَا خَرَجَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذَاقَنِي لَذَّتَهُ، وَأَبْقَى فِي مَنْفَعَتَهُ، وَأَذْهَبَ عَنِّي أَذَاهُ (وَيَتَنَحْنَحُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ زَادَ بَعْضُهُمْ. (وَيَمْشِي خُطُوَاتٍ) وَعَنْ أَحْمَدَ نَحْوُ ذَلِكَ (إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِلِاسْتِبْرَاءِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنَزُّهِ مَنْ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ كَمَا فِي الْخَبَرِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ذَلِكَ كُلُّهُ بِدْعَةٌ وَلَا يَجِبُ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ وَذُكِرَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قَوْلًا يُكْرَهُ تَنَحْنُحُهُ وَمَشْيُهُ وَلَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ وَسْوَاسٌ. (قَالَ الْمُوَفَّقُ) وَغَيْرُهُ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْكُثَ) بَعْدَ بَوْلِهِ (قَلِيلًا قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ حَتَّى يَنْقَطِعَ أَثَرُ الْبَوْلِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ مَا أَمْكَنَ مِنْ دَاخِلِ فَرْجِ ثَيِّبٍ مِنْ نَجَاسَةٍ وَجَنَابَةٍ، فَلَا تُدْخِلُ
فصل الاستجمار بكل طاهر جامد
يَدَهَا وَلَا إصْبَعَهَا) فِي فَرْجِهَا (بَلْ) تَغْسِلُ (مَا ظَهَرَ لِأَنَّهُ) أَيْ دَاخِلَ الْفَرْجِ (فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ) عِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِ (فَيُنْتَقَضُ وُضُوءُهَا بِخُرُوجِ مَا احْتَشَّتْهُ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ وَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِوُصُولِ إصْبَعِهَا) إلَيْهِ لَا بِوُصُولِ (حَيْضٍ إلَيْهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ بَاطِنٌ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُمَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ وَذَكَرَهُ فِي الْمُطْلِعِ عَنْ أَصْحَابِنَا فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ غَيْرُ وُجُوبِ الْغَسْلِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. وَإِنْ قُلْنَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ لِلْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ (وَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ الصَّائِمَةِ غَسْلُهُ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَدَاخِلُ الدُّبُرِ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لِإِفْسَادِ الصَّوْمِ بِنَحْوِ الْحُقْنَةِ، وَلَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَتِهِ، وَكَذَا حَشَفَةُ أَقْلَف غَيْرِ مَفْتُوقٍ) لَا يَجِبُ غَسْلُ نَجَاسَتِهِ، وَلَا جَنَابَةَ مَا تَحْتَهَا (وَيُغْسَلَانِ) أَيْ نَجَاسَةُ الْحَشَفَةِ وَجَنَابَتِهَا (مِنْ مَفْتُوقٍ) لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ اسْتَنْجَى) بِالْمَاءِ (أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ) أَيْ مَا يُحَاذِيهِ مَنْ ثَوْبِهِ (وَسَرَاوِيلِهِ) قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إذَا تَوَضَّأْتَ فَانْضَحْ» حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِ (مَنْ اسْتَجْمَرَ) وَمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ فَقَالَ أَحْمَدُ لَا تَلْتَفِتْ حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَالْهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ مَنْ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَمْ يَرَ أَحْمَدُ حَشْوَ الذَّكَرِ فِي ظَاهِرِ مَا نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ فَصَلَّى ثُمَّ أَخْرَجَهُ فَوَجَدَ بَلَلًا فَلَا بَأْسَ مَا لَمْ يَظْهَرْ خَارِجًا، وَكَرِهَ الصَّلَاةَ فِيمَا أَصَابَهُ الِاسْتِجْمَارُ حَتَّى يَغْسِلَهُ، وَنَقَلَ صَالِحٌ أَوْ يَمْسَحُهُ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْلٌ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ جَامِدٍ] فَصْلٌ (وَيَصِحُّ الِاسْتِجْمَارُ بِكُلِّ طَاهِرٍ جَامِدٍ مُبَاحٍ مُنَقٍّ كَالْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَالْخِرَقِ) ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ «فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ بِثَلَاثَةِ أَعْوَادٍ، أَوْ بِثَلَاثِ حَثَيَاتٍ مِنْ تُرَابٍ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ رُوِيَ مَرْفُوعًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الِاسْتِطَابَةِ فَقَالَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ» فَلَوْلَا أَنَّهُ أَرَادَ الْحَجَرَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَثْنِ الرَّجِيعَ وَلِمُشَارَكَةِ غَيْرِ الْحَجَرِ الْحَجَرَ فِي الْإِزَالَةِ. وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِجْمَارُ بِنَجَسٍ،؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ «جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَجْمِرَ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ،
وَقَالَ هَذَا رِكْسٌ» يَعْنِي نَجَسًا، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَهَذَا تَعْلِيلٌ مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَلَا بِغَيْرِ جَامِدٍ كَالرِّخْوَةِ وَالنَّدَى لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ، فَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ كَالْأَمْلَسِ مَنْ زُجَاجٍ وَنَحْوِهِ (وَلَا) ب (الْمَغْصُوبِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِجْمَارَ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا تُسْتَبَاحُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ (وَالْإِنْقَاءُ بِأَحْجَارٍ وَنَحْوِهَا) كَخَشَبٍ، وَخِرَقٍ (إزَالَةُ الْعَيْنِ) الْخَارِجَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ (حَتَّى لَا يَبْقَى إلَّا أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إلَّا الْمَاءُ وَ) الْإِنْقَاءُ (بِمَاءٍ حَتَّى خُشُونَةَ الْمَحِلِّ) أَيْ عَوْدِهِ (كَمَا كَانَ) لِزَوَالِ لُزُوجَةِ النَّجَاسَةِ وَآثَارِهَا مَعَ الْإِتْيَانِ بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ (إلَّا الرَّوْثَ وَالْعِظَامَ) فَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِمَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَا تَسْتَنْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إخْوَانِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) (إلَّا الطَّعَامَ وَلَوْ لِبَهِيمَةٍ) فَلَا يُجْزِئُ الِاسْتِجْمَارُ بِهِ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّلَ الْمَنْعَ مَنْ الرَّوْثِ وَالْعَظْمِ بِأَنَّهُ زَادُ الْجِنِّ، فَزَادُنَا وَزَادُ بَهَائِمِنَا أَوْلَى (وَ) إلَّا (مَا لَهُ حُرْمَةٌ كَمَا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ) قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّارِحُ (وَكُتُبِ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ، الشَّرِيعَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِحُرْمَتِهَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ (وَكُتُبٌ مُبَاحَةٌ) احْتِرَامًا لَهَا (وَ) إلَّا (مَا حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَغْصُوبِ (وَ) إلَّا (مُتَّصِلًا بِحَيَوَانٍ) كَيَدِهِ وَجِلْدِهِ وَصُوفِهِ؛ لِأَنَّ الْحَيَوَانَ لَهُ حُرْمَةٌ، وَلِهَذَا مَنَعْنَا مَالِكَهُ مَنْ إطْعَامِهِ النَّجَاسَةَ (وَ) إلَّا (جِلْدَ سَمَكٍ وَجِلْدَ حَيَوَانٍ مُذْكَى) كَحَالِ اتِّصَالِهِ (وَ) إلَّا (حَشِيشًا رَطْبًا) لِأَنَّهُ زَادُ الْبَهَائِمِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْقَاءُ (فَيَحْرُمُ وَلَا يُجْزِئُ) الِاسْتِجْمَارُ بِجَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُتَنَجِّسَ مَنْ نَحْوِ حَجَرٍ إذَا اسْتَعْمَلَهُ لِتَخْفِيفِ النَّجَاسَةِ لِيُتْبِعهُ الْمَاءَ لَا يَحْرُمُ. وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ مَا يَشْمَلُهُ (فَإِنْ اسْتَجْمَرَ بَعَدَهُ بِمُبَاحٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ وَوَجَبَ الْمَاءُ (أَوْ اسْتَنْجَى بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ) كَالْخَلِّ (لَمْ يُجْزِئْهُ) الِاسْتِجْمَارُ (وَتَعَيَّنَ الْمَاءُ) كَمَا لَوْ اسْتَجْمَرَ بِنَجَسٍ (وَإِنْ اسْتَجْمَرَ بِغَيْرِ مُنَقٍّ) كَزُجَاجٍ (أَجْزَأَ الِاسْتِجْمَارُ بَعَدَهُ بِمُنَقٍّ) كَحَجَرٍ لِبَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ فَتَزُولُ بِالْمُنَقِّي بِخِلَافِ مَا قَبْلُ (وَلَا يُجْزِئُ) فِي الِاسْتِجْمَارِ (أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ مَسْحَاتٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِقَوْلٍ سَلْمَانَ «نَهَانَا يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مَنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إمَّا بِحَجَرٍ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدَدُ الْمَسْحَاتِ لَا الْأَحْجَارُ، بِدَلِيلِ التَّعْدِيَةِ إلَى مَا فِي مَعْنَى الْحِجَارَةِ (أَوْ بِثَلَاثَةِ) أَحْجَارٍ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (تَعُمُّ كُلُّ مَسْحَةٍ الْمُسَرِّبَةَ) أَيْ الدُّبُرَ (وَالصَّفْحَتَيْنِ) لِأَنَّهَا إنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَسْحَةً، بَلْ بَعْضُهَا (مَعَ الْإِنْقَاءِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ. (وَلَوْ اسْتَجْمَرَ ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ
بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ لِكُلِّ حَجَرٍ ثَلَاثُ شُعَبٍ) (اسْتَجْمَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِشُعْبَةٍ مِنْ كُلِّ حَجَرٍ) أَجْزَأَهُمْ لِحُصُولِ الْمَعْنَى (أَوْ اسْتَجْمَرَ إنْسَانٌ بِحَجَرٍ ثُمَّ غَسَلَهُ) وَجَفَّفَهُ سَرِيعًا (أَوْ كَسَرَ مَا تَنَجَّسَ مِنْهُ ثُمَّ اسْتَجْمَرَ بِهِ ثَانِيًا ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ) أَيْ الْغَسْلَ أَوْ الْكَسْرَ (وَاسْتَجْمَرَ بِهِ ثَالِثًا أَجْزَاهُ، لِحُصُولِ الْمَعْنَى وَالْإِنْقَاءِ) بِثَلَاثِ مَسْحَاتٍ بِمُنَقٍّ طَاهِرٍ (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) بِثَلَاثِ مَسْحَاتٍ (زَادَ حَتَّى يُنَقَّى) ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ فَيَجِبُ التَّكْرَارُ إلَى أَنْ تَزُولَ. (وَيُسَنُّ قَطْعُهُ عَلَى وَتْرٍ إنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ) فَإِنْ أَنْقَى بِرَابِعَةٍ زَادَ خَامِسَةً وَإِنْ أَنْقَى بِسَادِسَةٍ زَادَ سَابِعَةً وَهَكَذَا، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِذَا أَتَى بِالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ) كَالسَّبْعِ فِي الْمَاءِ وَالثَّلَاثِ فِي الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ (اكْتَفَى فِي زَوَالِ النَّجَاسَةِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ) ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا (وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ نَجَسٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ) فِي مَحَلِّهِ لِلْمَشَقَّةِ. (وَيَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ أَوْ الِاسْتِجْمَارُ مِنْ كُلِّ خَارِجٍ) مَنْ السَّبِيلَيْنِ مُعْتَادٍ، كَالْبَوْلِ أَوْ لَا كَالْمَذْيِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5] لِأَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مَكَان وَمَحَلٍّ مِنْ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إذَا ذَهَبَ أَحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ إنَّهَا تُجْزِئُ وَلَفْظُ الْإِجْزَاءِ ظَاهِرٌ فِيمَا يَجِبُ (إلَّا الرِّيحَ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فَلَيْسَ مِنَّا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي الرِّيحِ اسْتِنْجَاءٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِهِ (وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَلَا تُنَجِّسُ مَاءً يَسِيرًا) لَاقَتْهُ خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: لِأَنَّهَا عَرَضٌ بِإِجْمَاعِ الْأُصُولِيِّينَ وَعُورِضَ بِأَنَّ لِلرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ الدُّبُرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ قَائِمَةٌ بِهَا، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِ الرَّائِحَةِ عَرَضًا فَلَوْ كَانَتْ الرِّيحُ أَيْضًا عَرَضًا لَزِمَ قِيَامُ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ. (وَ) إلَّا (الطَّاهِرُ) كَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ الْعَارِي عَنْ الدَّمِ (وَ) إلَّا (غَيْرُ الْمُلَوَّثِ) كَالْبَعْرِ النَّاشِفِ،؛ لِأَنَّ الِاسْتِنْجَاءَ إنَّمَا شُرِعَ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَلَا نَجَاسَةَ هُنَا، وَكَيْفَ يُسْتَنْجَى أَوْ يُسْتَجْمَرُ مِنْ طَاهِرٍ وَكَيْفَ يَحْصُلُ الْإِنْقَاءُ بِالْأَحْجَارِ فِي غَيْرِ الْمُلَوَّثِ، وَصَحَّحَ فِي الْإِنْصَافِ وُجُوبَ الِاسْتِجْمَارِ مِنْهُمَا، لَكِنْ خَالَفَهُ فِي التَّنْقِيحِ (فَإِنْ تَوَضَّأَ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِنْجَاءُ (أَوْ تَيَمَّمَ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ أَوْ تَيَمُّمُهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ الْمِقْدَادِ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ» وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ يُبْطِلُهَا الْحَدَثُ
باب السواك وغيره
فَاشْتُرِطَ تَقْدِيمُ الِاسْتِنْجَاءِ عَلَيْهِ كَالتَّيَمُّمِ. (وَإِنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ أَوْ) كَانَتْ (عَلَيْهِمَا غَيْرُ خَارِجَةٍ مِنْهُمَا صَحَّ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ قَبْلَ زَوَالِهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ غَيْرُ الْخَارِجَةِ مَنْ السَّبِيلَيْنِ لَمْ تَكُنْ مُوجِبَةً لِلطَّهَارَتَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ فَلَمْ تُجْعَلْ إحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى بِخِلَافِ الْخَارِجَةِ مِنْهُمَا. (وَيَحْرُمُ مَنْعُ الْمُحْتَاجِ إلَى الطَّهَارَةِ) بِتَشْدِيدِ الْهَاءِ، أَيْ الْمِيضَأَةِ الْمُعَدَّةِ لِلتَّطْهِيرِ وَالْحَشِّ. (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ وُقِفَتْ عَلَى طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ وَلَوْ) كَانَتْ (فِي مِلْكِهِ) لِأَنَّهَا بِمُوجِبِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ مَبْذُولَةً لِلْمُحْتَاجِ وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْوَاقِفَ صَرَّحَ بِالْمَنْعِ، فَإِنَّمَا يَسُوغُ مَعَ الِاسْتِغْنَاءِ. (وَقَالَ) الشَّيْخُ (إنْ كَانَ فِي دُخُولِ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَطْهَرَةَ الْمُسْلِمِينَ تَضْيِيقٌ أَوْ تَنْجِيسٌ أَوْ إفْسَادُ مَاءٍ وَنَحْوُهُ وَجَبَ مَنْعُهُمْ) قُلْت وَمَثَلُهُمْ مَنْ يَقْصِدُ مِنْ الرَّافِضَةِ الْإِفْسَادَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرَرٌ وَلَهُمْ) أَيْ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ (مَا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ مَطْهَرَةِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ لَهُمْ مُزَاحَمَتُهُمْ) . [بَابُ السِّوَاكِ وَغَيْرِهِ] ِ مِنْ الْخِتَانِ وَالطِّيبِ وَالِاسْتِحْدَادِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَأْتِي مُفَصَّلًا وَأَوَّلُ مَنْ اسْتَاكَ إبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (السِّوَاكُ) بِكَسْرِ السِّينِ جَمْعُهُ سُوُكٌ، بِضَمِّ السِّينِ وَالْوَاوِ وَيُخَفَّفُ بِإِسْكَانِ الْوَاوِ وَرُبَّمَا بِهَمْزٍ فَيُقَالُ: سُؤُكٌ، قَالَهُ الدِّينَوَرِيُّ وَهُوَ مُذَكَّرٌ نَقَلَهَا الْأَزْهَرِيُّ عَنْ الْعَرَبِ قَالَ وَغَلَطَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ: إنَّهُ يُؤَنَّثُ وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ إنَّهُمَا لُغَتَانِ (وَالْمِسْوَاكُ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (اسْمٌ لِلْعُودِ الَّذِي يُتَسَوَّكُ بِهِ، وَيُطْلَقُ السِّوَاكُ عَلَى الْفِعْلِ) وَهُوَ الِاسْتِيَاكُ. (قَالَهُ الشَّيْخُ وَالتَّسَوُّكُ الْفِعْلُ) يُقَالُ: سَاكَ فَاهُ يُسَوِّكُهُ سَوْكًا وَهُوَ شَرْعًا اسْتِعْمَالُ عُودٍ فِي الْأَسْنَانِ لِإِذْهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحْوِهِ، مُشْتَقٌّ مِنْ التَّسَاوُكِ وَهُوَ التَّمَايُلُ وَالتَّرَدُّدُ؛ لِأَنَّ الْمُتَسَوِّكَ يُرَدِّدُ الْعُودَ فِي فَمِهِ وَيُحَرِّكُهُ، يُقَال: جَاءَتْ الْإِبِلُ تَسَاوَكَ، إذَا كَانَتْ أَعْنَاقُهَا تَضْطَرِبُ مِنْ الْهُزَالِ (وَهُوَ) أَيْ التَّسَوُّكُ (عَلَى أَسْنَانِهِ وَلِسَانِهِ وَلِثَتِهِ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ خَفِيفَةٍ، فَإِنْ سَقَطَتْ أَسْنَانُهُ اسْتَاكَ عَلَى لِثَتِهِ وَلِسَانِهِ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْإِفَادَاتِ. (مَسْنُونٌ كُلُّ وَقْتٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِحَثِّ الشَّارِعِ وَمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ وَتَرْغِيبِهِ وَنَدْبِهِ إلَيْهِ يُوَضِّحُهُ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ عُمَرَ (لِغَيْرِ صَائِمٍ) وَأَمَّا الصَّائِمُ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي (سِوَاكٌ مُتَعَلِّقٌ) بِمَسْنُونٍ أَيْ عُودٍ (يَابِسٍ) مُنَدَّى (وَرَطْبٍ) أَيْ أَخْضَرَ. (وَ) يُسَنُّ التَّسَوُّكُ (لِصَائِمٍ بِيَابِسٍ قَبْلَ الزَّوَالِ) لِقَوْلِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى مَا قَبْلَ الزَّوَالِ، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ» (وَيُبَاحُ) السِّوَاكُ (لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (بِ) عُودٍ (رَطْبٍ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ لِمَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْيَابِسِ. (وَيُكْرَهُ) التَّسَوُّكُ (لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الزَّوَالِ (بِيَابِسٍ وَرَطْبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ رِيحِ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ إنَّمَا يَظْهَرُ غَالِبًا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَوَجَبَ اخْتِصَاصُ الْحُكْمِ بِهِ وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمُوَاصِلِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ قِيلَ لِمَ وَصَفَ دَمَ الشَّهِيدِ بِرِيحِ الْمِسْكِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَخَلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ بِأَنَّهُ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّوْمِ أُجِيبَ بِأَنَّ الدَّمَ نَجَسٌ: وَغَايَتُهُ أَنْ يُرْفَعَ إلَى أَنْ يَصِيرَ طَاهِرًا بِخِلَافِ الْخَلُوفِ. (وَعَنْهُ يُسَنُّ) التَّسَوُّكُ (لَهُ) أَيْ لِلصَّائِمِ (مُطْلَقًا) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ بِالْيَابِسِ وَالرَّطْبِ، (اخْتَارَهُ) الشَّيْخُ وَجَمْعٌ (وَهُوَ أَظْهَرُ دَلِيلًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَكَانَ) التَّسَوُّكُ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقِيلَ: لَا اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ: حَدِيثُ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمَرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . (وَيَتَأَكَّدُ) التَّسَوُّكُ (عِنْدَ) كُلِّ (صَلَاةٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ يَعْنِي أَمْرَ إيجَابٍ لِحَدِيثِ أَحْمَدَ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ» . قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ أَوْ لَمْ يَشُقَّ (وَ) يَتَأَكَّدُ عِنْدَ (انْتِبَاهٍ مِنْ نَوْمِ) لَيْلٍ
أَوْ نَهَارٍ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلَّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يُشَوِّصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي يَغْسِلُهُ، يُقَالُ: شَاصَهُ وَمَاصَهُ، إذَا غَسَلَهُ (وَ) عِنْدَ (تَغَيُّرِ رَائِحَةِ فَمٍ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ السِّوَاكَ مَشْرُوعٌ لِتَطْيِيبِ الْفَمِ، وَإِزَالَةِ رَائِحَتِهِ فَتَأَكَّدَ عِنْدَ تَغَيُّرِهِ (وَعِنْدَ وُضُوءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَا الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. (وَ) عِنْدَ (قِرَاءَةِ) قُرْآنٍ تَطْيِيبًا لِلْفَمِ، لِئَلَّا يَتَأَذَّى الْمَلَكُ حِينَ يَضَعُ فَاهُ عَلَى فِيهِ لِتَلَقُّفِ الْقِرَاءَةِ. (وَ) عِنْدَ (دُخُولِ مَسْجِدٍ وَمَنْزِلٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْمَسْجِدُ كَالْمَنْزِلِ أَوْ أَوْلَى (وَ) عِنْدَ (إطَالَةِ السُّكُوتِ وَخُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَغَيُّرِ الْفَمِ (وَ) عِنْدَ (اصْفِرَارِ الْأَسْنَانِ) لِإِزَالَتِهِ. وَيُسْتَاكُ (عَرْضًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَسْنَانِ) لِمَا فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد «إذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا» . وَلِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «كَانَ يَسْتَاكُ عَرْضًا» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ وَضَعَّفَهُ وَلِأَنَّ الِاسْتِيَاكَ طُولًا قَدْ يُدْمِي اللِّثَةَ وَيُفْسِدُ الْأَسْنَانَ وَقِيلَ: الشَّيْطَانُ يَسْتَاكُ طُولًا. وَفِي الشَّرْحِ: إنْ اسْتَاكَ عَلَى لِسَانِهِ أَوْ حَلْقِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ طُولًا لِخَبَرِ أَبِي مُوسَى رَوَاهُ أَحْمَدُ (يَبْدَأُ) الْمُتَسَوِّكُ (بِجَانِبِ فَمِهِ الْأَيْمَنِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي تَنَعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطَهُورِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مِنْ ثَنَايَاهُ) أَيْ ثَنَايَا الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (إلَى أَضْرَاسِهِ) قَالَهُ فِي الْمَطْلَعِ وَقَالَهُ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ فِي قِطْعَتِهِ عَلَى الْوَجِيزِ يَبْدَأُ مِنْ أَضْرَاسِ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (بِيَسَارِهِ) نَقَلَهُ حَرْبٌ كَانْتِشَارِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا عَلِمْتُ إمَامًا خَالَفَ فِيهِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِيَمِينِهِ يَسْتَاكُ بِيَمِينِهِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُحِبُّ التَّيَامُنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي طَهُورِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَسِوَاكِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَبْدَأ بِشِقِّ فَمِهِ الْأَيْمَنِ فِي السِّوَاكِ (بِعُودٍ لَيِّنٍ) يَابِسًا كَانَ أَوْ رَطْبًا، وَالْيَابِسُ أَوْلَى إذَا نَدِيَ (مُنَقٍّ) لِلْفَمِ (لَا يَجْرَحُهُ وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَتَفَتَّتُ فِيهِ) وَيُكْرَهُ بِمَا يَجْرَحُهُ أَوْ يَضُرُّهُ. أَوْ يَتَفَتَّتُ فِيهِ لِأَنَّهُ مُضَادٌّ لِغَرَضِ السِّوَاكِ (مِنْ أَرَاكٍ أَوْ عُرْجُونٍ أَوْ زَيْتُونٍ أَوْ غَيْرِهَا) وَاقْتَصَرَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ: لَا يَعْدِلُ عَنْ الْأَرَاكِ وَالزَّيْتُونِ وَالْعُرْجُونِ إلَّا لِتَعَذُّرِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالُ
فصل الامتشاط والادهان في بدن وشعر غبا
أَنَّ الْأَرَاكَ أَوْلَى قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَيَتَوَجَّهُ إنْ أَزَالَ أَكْثَرَ (قَدْ نُدِّيَ بِمَاءٍ) إنْ كَانَ يَابِسًا (وَبِمَاءِ وَرْدٍ أَجْوَدُ) مِنْ غَيْرِهِ (وَيَغْسِلُهُ) أَيْ السِّوَاكَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ مَاءِ الْوَرْدِ الَّذِي نُدِّيَ بِهِ (وَيُسَنُّ تَيَامُنُهُ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ) لِخَبَرِ عَائِشَةَ غَيْرَ مَا مَرَّ اسْتِثْنَاؤُهُ. (فَإِنْ اسْتَاكَ بِغَيْرِ عُودٍ كَأُصْبُعٍ أَوْ خِرْقَةٍ لَمْ يُصِبْ السُّنَّةَ) ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَرِدْ بِهِ، وَلَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ الْإِنْقَاءُ الْحَاصِلُ بِالْعُودِ وَذَكَرَ فِي الْوَجِيزِ يُجْزِئُ الْإِصْبُعُ، لَحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «يُجْزِئُ فِي السِّوَاكِ الْإِصْبُعُ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَافِظُ الضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ وَقَالَ لَا أَرَى بِإِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ بَأْسًا. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ يُصِيبُ مِنْ السُّنَّةِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ مِنْ الْإِنْقَاءِ وَذَكَرَ أَنَّهُ الصَّحِيحُ. (وَيُكْرَهُ) السِّوَاكُ (بِرَيْحَانٍ وَهُوَ الْآسُ) قِيلَ إنَّهُ يَضُرُّ بِلَحْمِ الْفَمِ (وَبِرُمَّانٍ وَبِعُودٍ ذَكِيِّ الرَّائِحَةِ وَطُرَفَاءَ وَقَصَبٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ كُلِّ مَا يَضُرُّ أَوْ يَجْرَحُ (وَكَذَا التَّخَلُّلُ بِهَا وَبِالْخُوصِ) لِحَدِيثِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «لَا تُخَلِّلُوا بِعُودِ الرَّيْحَانِ وَلَا الرُّمَّانِ فَإِنَّهُمَا يُحَرِّكَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَزْدِيُّ وَلِأَنَّ الْقَصَبَ وَنَحْوَهُ وَبِالْخُوصِ رُبَّمَا جَرَحَهُ (وَلَا يَتَسَوَّكُ وَلَا يَتَخَلَّلُ بِمَا يَجْهَلُهُ، لِئَلَّا يَكُونُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَسَوَّكَ بِالْعُودِ الْوَاحِدِ اثْنَانِ فَصَاعِدًا) لِخَبَرِ عَائِشَةَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ، وَيَقُولُ إذَا اسْتَاكَ: اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي وَمَحِّصْ ذُنُوبِي قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: وَيَنْوِي بِهِ الْإِتْيَانَ بِالسُّنَّةِ (وَلَا يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الْخَاصِّ لِلْكَرَاهَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ دُخُولِهِ (وَيَأْتِي آخَرَ الِاعْتِكَافِ) . [فَصْلُ الِامْتِشَاطِ وَالِادِّهَانِ فِي بَدَنٍ وَشَعْرٍ غِبًّا] فَصْلُ (وَيُسَنُّ الِامْتِشَاطُ وَالِادِّهَانُ فِي بَدَنٍ وَشَعْرٍ غِبًّا يَوْمًا) يَفْعَلُهُ (وَيَوْمًا) يَتْرُكُهُ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «نَهَى عَنْ التَّرَجُّلِ إلَّا غِبًّا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالتَّرَجُّلُ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَدُهْنُهُ، وَاللِّحْيَةُ كَالرَّأْسِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَيَفْعَلُهُ كُلَّ يَوْمَ لِحَاجَةٍ لِخَبَرِ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَفْعَلُ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْبَدَنِ كَالْغُسْلِ بِمَاءٍ حَارٍّ بِبَلَدٍ رَطْبٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَرْجِيلُ الشَّعْرِ وَهُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَإِنَّ مِثْلَهُ نَوْعُ الْمَأْكَلِ وَالْمَلْبَسِ، فَإِنَّهُمْ لَمَّا فَتَحُوا الْأَمْصَارَ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِنْ
قُوتِ بَلَدِهِ وَيَلْبَسُ مِنْ لِبَاسِ بَلَدِهِ، مَنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدُوا قُوتَ الْمَدِينَةِ وَلِبَاسِهَا قَالَ فَالِاقْتِدَاءُ بِهِ تَارَةً يَكُونُ فِي نَوْعِ الْفِعْلِ، وَتَارَةً فِي جِنْسِهِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْفِعْلَ لِمَعْنًى يَعُمُّ ذَلِكَ النَّوْعَ وَغَيْرَهُ لَا لِمَعْنًى يَخُصُّهُ فَيَكُونُ الْمَشْرُوعُ هُوَ الْأَمْرُ الْعَامُّ قَالَ وَهَذَا لَيْسَ مَخْصُوصًا بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ أَصْحَابِهِ بَلْ وَبِكَثِيرٍ لِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ. (وَ) يُسَنُّ (الِاكْتِحَالُ كُلَّ لَيْلَةِ بِإِثْمِدٍ مُطَيَّبٍ بِمِسْكٍ وَتْرًا فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةً) قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ كُلَّ لَيْلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ وَكَانَ يَكْتَحِلُ فِي كُلِّ عَيْنٍ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُسَنُّ (اتِّخَاذُ الشَّعْرِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ، إلَّا أَنْ يَشُقَّ إكْرَامُهُ وَلِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ هُوَ سُنَّةٌ، وَلَوْ نَقْوَى عَلَيْهِ اتَّخَذْنَاهُ وَلَكِنْ لَهُ كُلْفَةٌ وَمُؤْنَةٌ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَغْسِلَهُ وَيُسَرِّحَهُ مُتَيَامِنًا، وَيَفْرُقَهُ، وَيَكُونُ لِلرَّجُلِ إلَى أُذُنَيْهِ، وَيَنْتَهِي إلَى مَنْكِبَيْهِ) كَشَعْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - (وَلَا بَأْسَ بِزِيَادَةٍ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، وَجَعْلِهِ ذُؤَابَةً) بِضَمِّ الذَّالِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ الضَّفِيرَةُ مِنْ الشَّعْرِ، إذَا كَانَتْ مُرْسَلَةً فَإِنْ كَانَتْ مَلْوِيَّةً فَهِيَ عَقِيصَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ قَالَ أَحْمَدُ أَبُو عُبَيْدَةَ كَانَ لَهُ عَقِيصَتَانِ، وَكَذَا عُثْمَانُ. (وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ) بِأَنْ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ فِي الْمَذْهَبِ مَا لَمْ يُسْتَهْجَنْ طُولُهَا (وَيَحْرُمُ حَلْقُهَا) ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُ مَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ) وَنَصُّهُ لَا بَأْسَ بِأَخْذِهِ (وَلَا أَخْذُ مَا تَحْتَ حَلْقِهِ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ إنَّمَا فَعَلَهُ إذَا حَجَّ أَوْ اعْتَمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَأَخَذَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مِنْ حَاجِبَيْهِ وَعَارِضَيْهِ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ. تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْهَدْي: كَانَ هَدْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَلْقِ رَأْسِهِ تَرْكَهُ كُلَّهُ أَوْ حَلْقَهُ كُلَّهُ وَلَمْ يَكُنْ يَحْلِقُ بَعْضَهُ وَيَدَعُ بَعْضَهُ قَالَ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ حَلْقُهُ إلَّا فِي نُسُكٍ. (وَيُسَنُّ حَفُّ الشَّارِبِ أَوْ قَصُّ طَرَفِهِ، وَحَفُّهُ أَوْلَى نَصًّا) قَالَ فِي النِّهَايَةِ: إحْفَاءُ الشَّوَارِبِ أَنْ تُبَالِغَ فِي قَصِّهَا وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ الْإِحْفَاءُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ الِاسْتِقْصَاءُ وَمِنْهُ حَتَّى أَحْفُوهُ بِالْمَسْأَلَةِ. (وَ) يُسَنُّ (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْفِطْرَةُ خَمْسٌ الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مُخَالِفًا) فِي قَصِّ أَظْفَارِهِ (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى ثُمَّ الْوُسْطَى) مِنْ الْيُمْنَى (ثُمَّ الْإِبْهَامُ) مِنْهَا (ثُمَّ الْبِنْصِرِ ثُمَّ السَّبَّابَةُ ثُمَّ إبْهَامُ الْيُسْرَى ثُمَّ الْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرُ، ثُمَّ
السَّبَّابَةُ ثُمَّ الْبِنْصِر) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَرُوِيَ فِي حَدِيثِ «مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا لَمْ يَرَ فِي عَيْنَيْهِ رَمَدًا» وَفَسَّرَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِمَا ذُكِرَ اهـ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَمَا اُشْتُهِرَ مِنْ قَصِّهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَبْيَاتَ الْمَشْهُورَةَ وَقَالَ هَذَا لَا يَجُوزُ اعْتِقَادُ اسْتِحْبَابِهِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحْبَابَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ وَلَيْسَ اسْتِسْهَالُ ذَلِكَ بِصَوَابٍ اهـ. وَمَنْ تَعَوَّدَ الْقَصَّ وَفِي الْقَلْمِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ كَانَ الْقَصُّ فِي حَقِّهِ كَالْقَلْمِ، كَمَا يَأْتِي فِي حَلْقِ الْإِبِطِ (وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهَا) أَيْ الْأَظْفَارِ (بَعْدَ قَصِّهَا، تَكْمِيلًا لِلنَّظَافَةِ) وَقِيلَ: إنَّ الْحَكَّ بِهَا قَبْلَ غَسْلِهَا يَضُرُّ بِالْبَدَنِ (وَيَكُونُ ذَلِكَ) أَيْ حَفُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ وَكَذَا الِاسْتِحْدَادُ وَنَتْفُ الْإِبِطِ (يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ) وَقِيلَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقِيلَ يُخَيَّرُ (وَيُسَنُّ أَنْ لَا يَحِيفَ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَظْفَارِ (فِي الْغَزْوِ لِأَنَّهُ قَدْ يَحْتَاجُ إلَى حَلِّ حَبْلٍ أَوْ شَيْءٍ) قَالَ أَحْمَدُ قَالَ عُمَرُ وَفِّرُوا الْأَظْفَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ فَإِنَّهُ سِلَاحٌ. وَقَالَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نُحْفِيَ الْأَظْفَارَ فِي الْجِهَادِ فَإِنَّ الْقُوَّةَ الْأَظْفَارُ» . (وَ) يُسَنُّ (نَتْفُ الْإِبِطِ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنْ شَقَّ حَلَقَهُ أَوْ تَنَوَّرَ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَ) يُسَنُّ (حَلْقُ الْعَانَةِ) وَهُوَ الِاسْتِحْدَادُ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَهُ قِصَّةٌ وَإِزَالَتُهُ بِمَا شَاءُوا) لَهُ (وَالتَّنْوِيرُ فِي الْعَانَةِ وَغَيْرِهَا، فَعَلَهُ أَحْمَدُ) وَكَذَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدْ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّ قَتَادَةَ قَالَ مَا اطَّلَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا قَالَ أَحْمَدُ. وَسَكَتُوا عَنْ شَعْرِ الْأَنْفِ فَظَاهِرُهُ بَقَاؤُهُ وَيُتَوَجَّهُ أَخْذُهُ إذَا فَحُشَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ) أَيْ التَّنْوِيرِ قَالَهُ الْآمِدِيُّ، لِأَنَّهُ يُضْعِفُ حَرَكَةَ الْجِمَاعِ. (وَيُدْفَنُ الدَّمُ وَالشَّعْرُ وَالظُّفْرُ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مِثْلَةَ بِنْتِ مِشْرَحٍ الْأَشْعَرِيَّةِ قَالَتْ رَأَيْت أَبِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ وَيَدْفِنُهَا وَيَقُولُ: رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُعْجِبُهُ دَفْنُ الدَّمِ» وَقَالَ مُهَنَّا سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَيَدْفِنُهُ أَمْ يُلْقِيهِ؟ قَالَ يَدْفِنُهُ قُلْت بَلَغَكَ فِيهِ شَيْءٌ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ (وَيَفْعَلُ كُلَّ أُسْبُوعٍ) لِمَا رَوَى الْبَغَوِيّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْخُذُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ كُلَّ جُمُعَةٍ» . (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) قِيلَ لَهُ فِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ: حَلْقُ الْعَانَةِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ كَمْ يُتْرَكُ؟ قَالَ أَرْبَعِينَ لِلْحَدِيثِ، فَأَمَّا الشَّارِبُ فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ وَحْشًا. (وَيُكْرَهُ نَتْفُ الشَّيْبِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ نَتْفِ الشَّيْبِ، وَقَالَ إنَّهُ نُورُ الْإِسْلَامِ» . وَعَنْ طَارِقِ بْنِ حَبِيبٍ «أَنَّ حَجَّامًا أَخَذَ مَنْ شَارِبِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَأَى شَيْبَةً فِي لِحْيَتِهِ فَأَهْوَى إلَيْهَا لِيَأْخُذَهَا فَأَمْسَكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ، وَقَالَ مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ وَأَوَّلُ مَنْ شَابَ إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَهُوَ ابْنُ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَة قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَيُسَنُّ خِضَابُهُ) لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ جَاءَ بِأَبِيهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيْضَاءَ «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: غَيِّرْهَا وَجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (بِحِنَّاءٍ وَكَتَمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ أَحْسَنَ مَا غَيَّرْتُمْ بِهِ هَذَا الشَّيْبَ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَالْكَتَمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالتَّاءِ نَبَاتٌ بِالْيَمَنِ يُخْرِجُ الصَّبْغَ أَسْوَدَ يَمِيلُ إلَى الْحُمْرَةِ وَصَبْغُ الْحِنَّاءِ أَحْمَرُ فَالصَّبْغُ بِهِمَا مَعًا يَخْرُجُ بَيْنَ السَّوَادِ وَالْحُمْرَةِ (وَلَا بَأْسَ) بِالْخِضَابِ (بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ) لِقَوْلِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ كَانَ خِضَابُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ. (وَيُكْرَهُ بِسَوَادٍ) لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَالْغُنْيَةِ فِي غَيْرِ حَرْبٍ (فَإِنْ حَصَلَ بِهِ) أَيْ بِالْخِضَابِ بِسَوَادٍ (تَدْلِيسٌ فِي بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ حَرُمَ) لِحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَيُسَنُّ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ وَقَوْلُهُ: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي وَحَرِّمْ وَجْهِي عَلَى النَّارِ» ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْخَلْقُ الْأَوْلُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الصُّورَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالثَّانِي: بِضَمِّهَا الصُّورَةُ الْبَاطِنَةُ. (وَ) يُسَنُّ (التَّطَيُّبُ) لِخَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ الْحِنَّاءُ وَالتَّعَطُّرُ وَالسِّوَاكُ وَالنِّكَاحُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ (بِمَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ) كَبَخُورِ الْعَنْبَرِ وَالْعُودِ (وَلِلْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا عَكْسُهُ) وَهُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى
رِيحُهُ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ لِأَثَرٍ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (لِأَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا مِمَّا يَنُمُّ عَلَيْهَا) بِإِظْهَارِ جَمَالِهَا (مَنْ ضَرْبِهَا بِرِجْلِهَا لِيُعْلَمَ مَا تُخْفِي مِنْ زِينَتِهَا) قَالَ تَعَالَى {وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور: 31] لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْفَسَادِ مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ (وَمِنْ نَعْلِ صَرَّارَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) مِمَّا يَظْهَرُ مِنْ الزِّينَةِ (وَفِي بَيْتِهَا تَتَطَيَّبُ بِمَا شَاءَتْ) مِمَّا يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ. (وَيُكْرَهُ حَلْقُ رَأْسِهَا وَقَصُّهُ مَنْ غَيْرِ عُذْرٍ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا» فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ كَقُرُوحٍ لَمْ يُكْرَهُ (وَيَحْرُمُ) حَلْقُهَا رَأْسَهَا (لِمُصِيبَةٍ) كَلَطْمِ خَدٍّ وَشَقِّ ثَوْبٍ. (وَيُسَنُّ تَخْمِيرُ الْإِنَاءِ وَلَوْ) بِ (أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَوْكِ سِقَاكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرْ إنَاءَكَ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْآدَابِ: ظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ مَا يُخَمَّرُ بِهِ، لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ «فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا أَنْ يَعْرِضَ عَلَى إنَائِهِ عُودًا» وَحِكْمَةُ وَضْعِ الْعُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَيَعْتَادَ تَخْمِيرَهُ وَلَا يَنْسَاهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرَدِّ دَبِيبٍ بِحِبَالِهِ أَوْ بِمُرُورِهِ عَلَيْهِ (وَإِيكَاءُ السِّقَاءِ) أَيْ رَبْطُ فَمِهِ (إذَا أَمْسَى) لِلْخَبَرِ (وَإِغْلَاقُ الْبَابِ وَإِطْفَاءُ الْمِصْبَاحِ) عِنْدَ الرُّقَادِ إذَا خِيفَ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فَأَمَّا إنْ جَعَلَ الْمِصْبَاحَ فِي شَيْءٍ مُعَلَّقٍ أَوْ عَلَى شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ الْفَوَاسِقُ وَالْهَوَامُّ التَّسَلُّقُ فِيهِ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَ) إطْفَاءُ (الْجَمْرِ عِنْدَ الرُّقَادِ مَعَ ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ فِيهِنَّ) أَيْ فِي التَّخْمِيرِ وَالْإِيكَاءِ وَالْإِغْلَاقِ وَالْإِطْفَاءِ لِلْخَبَرِ. (وَ) يُسَنُّ (نَظَرُهُ فِي وَصِيَّتِهِ وَنَفْضُ فِرَاشِهِ) عِنْدَ إرَادَتِهِ النَّوْمَ لِلْخَبَرِ (وَوَضْعُ يَدِهِ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَجْعَلُ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) لِلْخَبَرِ (وَيَتُوبُ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى وَالتَّوْبَةُ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ عَلَى الْفَوْرِ، لَكِنَّهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحْوَجُ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ} [الزمر: 42] الْآيَةَ (وَيَقُولُ مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ «بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ» وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الم السَّجْدَةُ، وَتَبَارَكَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَعْفَرٍ. وَرَوَى الْإِمَامُ
أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْخَلَّالُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ (وَيُقِلُّ الْخُرُوجَ إذَا هَدَأَتْ الرِّجْلُ) لِأَنَّ لِلَّهِ دَوَابَّ يَنْشُرُهَا إذَنْ مَنْ جِنٍّ وَهَوَامٍّ كَمَا فِي الْخَبَرِ. (يُكْرَهُ النَّوْمُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ عَلَيْهِ تَحْجِيرٌ) لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَخَشْيَةَ أَنْ يَتَدَحْرَجَ فَيَسْقُطُ عَنْهُ. (وَ) يُكْرَهُ (نَوْمُهُ عَلَى بَطْنِهِ وَعَلَى قَفَاهُ، إنْ خَافَ انْكِشَافَ عَوْرَتِهِ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى النَّوْمُ عَلَى الْقَفَا رَدِيءٌ، يَضُرُّ الْإِكْثَارُ مِنْهُ بِالْبَصَرِ وَبِالْمَنِيِّ وَإِنْ اسْتَلْقَى لِلرَّاحَةِ بِلَا نَوْمٍ لَمْ يَضُرَّ وَأَرْدَأُ مِنْ ذَلِكَ النَّوْمُ مُنْبَطِحًا عَلَى وَجْهِهِ. (وَ) يُكْرَهُ نَوْمُهُ (بَعْدَ الْعَصْرِ) لِحَدِيثِ «مَنْ نَامَ بَعْدَ الْعَصْرِ فَاخْتَلَّ عَقْلُهُ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ عَنْ عَائِشَةَ (وَ) نَوْمُهُ بَعْدَ (الْفَجْرِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ قَسْمِ الْأَرْزَاقِ، كَمَا فِي الْخَبَرِ. (وَ) نَوْمُهُ (تَحْتَ السَّمَاءِ مُتَجَرِّدًا) مِنْ ثِيَابِهِ وَالْمُرَادُ مَعَ سِتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) نَوْمُهُ (بَيْنَ قَوْمٍ مُسْتَيْقِظِينَ) لِأَنَّهُ خِلَافُ الْمُرُوءَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (نَوْمُهُ وَحْدَهُ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْوَحْدَةِ وَأَنْ يَبِيتَ الرَّجُلُ وَحْدَهُ» . (وَ) يُكْرَهُ (سَفَرُهُ وَحْدَهُ) لِخَبَرٍ «الْوَاحِدُ شَيْطَانٌ» (وَنَوْمُهُ وَجُلُوسُهُ بَيْنَ الظِّلِّ وَالشَّمْسِ) لِنَهْيِهِ عَنْهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي الْخَبَرِ: أَنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ. (وَ) يُكْرَهُ (رَكُوبُ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ) لِأَنَّهُ مُخَاطَرَةٌ (قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي طِبِّهِ النَّوْمُ فِي الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ يُحَرِّكُ الدَّاءَ الدَّفِينَ وَالنَّوْمُ فِي الْقَمَرِ يَحِلُّ الْأَلْوَانَ إلَى الصُّفْرَةِ وَيُثْقِلُ الرَّأْسَ) اهـ. (وَتُسْتَحَبُّ الْقَائِلَةُ) أَيْ الِاسْتِرَاحَةُ وَسَطَ النَّهَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ذَلِكَ نَوْمٌ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} [الفرقان: 24] مَعَ أَنَّهُ لَا نَوْمَ فِي الْجَنَّةِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (النَّوْمُ نِصْفَ النَّهَارِ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي يَنَامُ نِصْفَ النَّهَارِ شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا، لَا يَدَعُهَا وَيَأْخُذُنِي بِهَا. وَفِي الْآدَابِ: الْقَائِلَةُ النَّوْمُ فِي الظَّهِيرَةِ ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا هُوَ عَطْفُ تَفْسِيرٍ. (وَلَا يُكْرَهُ) لِذَكَرٍ (حَلْقُ رَأْسِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ نُسُكٍ وَحَاجَةٍ كَقَصِّهِ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ عَلَى إبَاحَةِ الْحَلْقِ وَكَفَى بِهَذَا حُجَّةً وَحَرَّمَ بَعْضُهُمْ حَلْقَهُ عَلَى مُرِيدٍ لِشَيْخِهِ لِأَنَّهُ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ لِغَيْرِ اللَّهِ. (وَيُكْرَهُ الْقَزْعُ وَهُوَ حَلْقُ بَعْضِ) شَعْرِ (الرَّأْسِ) (وَتَرْكُ بَعْضِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْقَزَعِ وَقَالَ احْلِقْهُ كُلَّهُ أَوْ دَعْهُ كُلَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَيَدْخُلُ فِي الْقَزْعِ حَلْقُ مَوَاضِعَ مِنْ جَوَانِبِ رَأْسِهِ وَتَرْكُ الْبَاقِي، مَأْخُوذٌ مِنْ قَزْعِ السَّحَابِ، وَهُوَ تَقَطُّعُهُ، وَأَنْ يَحْلِقَ وَسَطَهُ وَيَتْرُكَ جَوَانِبَهُ كَمَا تَفْعَلُهُ شَمَامِسَةُ النَّصَارَى وَحَلْقُ جَوَانِبِهِ وَتَرْكُ وَسَطِهِ
كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ السَّفَلَةِ، وَأَنْ يَحْلِقَ مُقَدَّمَهُ وَيَتْرُكُ مُؤَخِّرَهُ. (وَ) يُكْرَهُ (حَلْقُ الْقَفَا) بِالْقَصْرِ (مُنْفَرِدًا عَنْ الرَّأْسِ، إذَا لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِ لِحِجَامَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) قَالَ الْمَرْوَزِيُّ، سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَلْقِ الْقَفَا: فَقَالَ هُوَ مِنْ فِعْلِ الْمَجُوسِ وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَالَ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْلِقَ قَفَاهُ فِي الْحِجَامَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْقَفَا (مُؤَخِّرُ الْعُنُقِ) وَعُلِمَ مَنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ حَلْقُهُ مَعَ الرَّأْسِ، أَوْ مُنْفَرِدًا لِحَاجَةٍ إلَيْهِ. (وَيَجِبُ خِتَانُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي الْحَدِيثِ «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ بَعْدَ مَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ وَقَالَ تَعَالَى {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النحل: 123] وَلِأَنَّهُ مِنْ شِعَارِ الْمُسْلِمِينَ، فَكَانَ وَاجِبًا كَسَائِرِ شِعَارِهِمْ. وَقَالَ أَحْمَدُ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُشَدِّدُ فِي أَمْرِهِ حَتَّى قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَلَاةَ. وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الْغُسْلُ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ، وَلِأَنَّ هُنَاكَ فُضْلَةً فَوَجَبَ إزَالَتُهَا كَالرَّجُلِ، وَقْتَ وُجُوبِهِ (عِنْدَ بُلُوغٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلتَّكْلِيفِ (مَا لَمْ يَخَفْ عَلَى نَفْسِهِ) فَيَسْقُطُ وُجُوبُهُ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: فَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوْفَ الْمُسْقِطَ لِلْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مُسْقِطٌ لِلْخِتَانِ وَحَيْثُ تَقَرَّرَ وُجُوبُ الْخِتَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى (فَخَتْنُ ذَكَرِ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَفَرْجِهِ) احْتِيَاطًا (وَلِلرَّجُلِ إجْبَارُ زَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ عَلَيْهِ) كَالصَّلَاةِ (وَ) الْخِتَانُ (زَمَنَ صِغَرٍ أَفْضَلُ إلَى التَّمْيِيزِ) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ بَرْءًا لِيَنْشَأَ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ وَخِتَانُ الذَّكَرِ (بِأَخْذِ جِلْدَةِ حَشَفَةِ ذَكَرٍ) وَيُقَالُ لَهَا الْقُلْفَةُ وَالْغُرْلَةُ (فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى) أَخْذِ (أَكْثَرِهَا جَازَ) نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ وَجَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ (وَ) خَفْضُ الْجَارِيَةِ (أَخْذُ جِلْدَةِ أُنْثَى فَوْقَ مَحِلِّ الْإِيلَاجِ تُشْبِهُ عُرْفَ الدِّيكِ) . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (لَا تُؤْخَذَ كُلُّهَا مِنْ امْرَأَةٍ نَصًّا) لِلْخَبَرِ وَلِأَنَّهُ يُضْعِفُ شَهْوَتَهَا (يُكْرَهُ) خِتَانُ (يَوْمَ سَابِعٍ) لِلتَّشَبُّهِ بِالْيَهُودِ (وَ) يُكْرَهُ الْخِتَانُ (مِنْ) حِينِ (الْوِلَادَةِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى يُومِ السَّابِعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ كَرَاهَةَ الْأَكْثَرِ. (وَإِنْ أَمَرَهُ بِهِ) أَيْ بِالْخِتَانِ (وَلِيُّ الْأَمْرِ فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ الْمَوْتُ مِنْ الْخِتَانِ فَتَلِفَ) بِسَبَبِهِ ضَمِنَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ (أَوْ أَمَرَهُ) وَلِيُّ الْأَمْرِ (بِهِ وَزَعَمَ الْأَطِبَّاءُ أَنَّهُ يُتْلِفُهُ أَوْ ظُنَّ تَلَفُهُ ضَمِنَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ. وَفِي الْفُصُولِ: إنْ فَعَلَهُ فِي شِدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ فِي مَرَضٍ
يُخَافُ مِنْ مِثْلِهِ الْمَوْتُ مِنْ الْخِتَانِ فَحُكْمُهُ كَالْحَدِّ فِي ذَلِكَ، يَضْمَنُ وَهُوَ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، فِيهِ الرِّوَايَتَانِ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَخْتِنَ نَفْسَهُ إنْ قَوِيَ عَلَيْهِ وَأَحْسَنَهُ) لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ أَنَّ إبْرَاهِيمَ خَتَنَ نَفْسَهُ. (وَإِنْ تَرَكَ الْخِتَانَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ فَسَقَ، قَالَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) لِإِصْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ الذَّنْبِ. (وَمَنْ وُلِدَ وَلَا قُلْفَةَ لَهُ سَقَطَ وُجُوبُهُ) وَيُكْرَهُ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى مَحِلِّ الْخِتَانِ إذَنْ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ فَتُنَزِّهُ الشَّرِيعَةُ عَنْهُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ. (وَلَا تُقْطَعُ أُصْبُعٌ زَائِدَةٌ نَصًّا) نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ. (وَيُكْرَهُ ثَقْبُ أُذُنِ صَبِيٍّ لَا جَارِيَةَ نَصًّا) لِحَاجَتِهَا لِلتَّزَيُّنِ، بِخِلَافِهِ. (وَيُحَرَّمُ نَمْصٌ) وَهُوَ نَتْفُ الشَّعْرِ مِنْ الْوَجْهِ (وَوَشْرٌ) أَيْ بَرْدُ الْأَسْنَانِ لِتُحَدَّدَ وَتُفَلَّجَ وَتُحَسَّنَ (وَوَشْمٌ) وَهُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حَشْوُهُ كُحْلًا (وَوَصْلُ شَعْرٍ بِشَعْرٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ» . وَفِي خَبَرٍ آخَرَ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة» أَيْ الْفَاعِلَةَ وَالْمَفْعُولَ بِهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا. وَاللَّعْنَةُ عَلَى الشَّيْءِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ،؛ لِأَنَّ فَاعِلَ الْمُبَاحِ لَا تَجُوزُ لَعْنَتُهُ (وَلَوْ) كَانَ وَصْلُ الْمَرْأَةِ شَعْرهَا (بِشَعْرِ بَهِيمَةٍ أَوْ إذْنِ زَوْجٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ) مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَوْصُولِ شَعْرهَا بِشَعْرٍ (إنْ كَانَ نَجِسًا) لِحَمْلِهَا النَّجَاسَةَ، مَعَ قُدْرَتِهَا عَلَى اجْتِنَابِهَا وَتَصِحُّ إنْ كَانَ طَاهِرًا، وَإِنْ قُلْنَا بِالتَّحْرِيمِ. لِأَنَّهُ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ، كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةٍ حَرِيرٍ (وَلَا بَأْسَ بِمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِشَدِّ الشَّعْرِ) لِلْحَاجَةِ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ أَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعْرٍ. وَقَالَ «سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَى عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِسَاؤُهُمْ» فَخَصَّ الَّتِي تَصِلُهُ بِالشَّعْرِ فَيُمْكِنُ جَعْلُ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلَّفْظِ الْعَامِّ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِل الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا الشَّعْرَ وَالْقَرَامِلَ وَلَا الصُّوفَ لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَصِلَ الْمَرْأَةُ بِرَأْسِهَا شَيْئًا» . قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُحَرَّمَ إنَّمَا هُوَ وَصْلُ الشَّعْرِ بِالشَّعْرِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّدْلِيسِ، وَاسْتِعْمَالِ الشَّعْرِ الْمُخْتَلَفِ فِي نَجَاسَتِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ لَا يَحْرُمُ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَحُصُولُ الْمَصْلَحَةِ مِنْ تَحْسِينِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ وَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ النَّهْي عَلَى الْكَرَاهَةِ (وَأَبَاحَ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ النَّمْصَ وَحْدَهُ، وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى التَّدْلِيسِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ (شِعَارُ
باب الوضوء
الْفَاجِرَاتِ) . وَفِي الْغُنْيَةِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَجُوزُ بِطَلَبِ زَوْجٍ (وَيَحْرُمُ نَظَرُ شَعْرِ أَجْنَبِيَّةٍ) كَسَائِرِ بَدَنِهَا (لَا) الشَّعْرِ (الْبَائِنِ) الْمُنْفَصِلِ مِنْهَا (وَلَهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (حَلْقُ الْوَجْهِ وَحَفُّهُ نَصًّا) وَالْمُحَرَّمُ إنَّمَا هُوَ نَتْفُ شَعْرِ وَجْهِهَا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) لَهَا (تَحْسِينُهُ وَتَحْمِيرُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ تَزْيِينٌ لَهُ. (وَيُكْرَهُ حَفُّهُ) أَيْ الْوَجْهِ (لِرَجُلٍ) نُصَّ عَلَيْهِ (وَكَذَا التَّحْذِيفُ وَهُوَ إرْسَالُ الشَّعْرِ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالنَّزْعَةِ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا كَرِهَهُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ (لَا لَهَا) أَيْ لَا يُكْرَهُ التَّحْذِيفُ لَهَا لِأَنَّهُ مِنْ زِينَتِهَا. (وَيُكْرَهُ النَّقْشُ وَالتَّكْتِيبُ وَالتَّطْرِيفُ، وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي رُءُوسِ الْأَصَابِعِ وَهُوَ الْقُمُوعُ) رَوَاهُ الْمَرْوَزِيُّ عَنْ عَمْرٍو بِمَعْنَاهُ، عَنْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا (بَلْ تَغْمِسُ يَدِهَا فِي الْخِضَابِ غَمْسًا نَصًّا) قَالَ فِي الْإِفْصَاحِ كَرِهَ الْعُلَمَاءُ أَنْ تُسَوِّدَ شَيْئًا بَلْ تُخَضِّبُ بِأَحْمَرَ، وَكَرِهُوا النَّقْشَ قَالَ أَحْمَدُ لِتَغْمِسَ يَدِهَا غَمْسًا. (وَيُكْرَهُ كَسْبُ الْمَاشِطَةِ) كَكَسْبِ الْحَمَّامِيِّ. (وَيَحْرُمُ التَّدْلِيسُ) لِحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَ) يَحْرُمُ (التَّشَبُّهُ) مِنْ النِّسَاءِ (بِالْمُرْدَانِ) كَعَكْسِهِ وَيَأْتِي دَلِيلُهُ فِي سِتْرِ الْعَوْرَةِ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَ) يَوْمَ (الْأَرْبِعَاءِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ السَّبْتِ أَوْ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ يَعْنِي مَرَضًا فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى (وَتَوَقَّفَ) أَحْمَدُ (فِي) الْحِجَامَةِ يَوْمَ (الْجُمُعَةِ) قَالَ الْقَاضِي كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِأَخْبَارٍ ضَعِيفَةٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ قَالَ حَنْبَلٌ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَحْتَجِمُ أَيَّ وَقْتٍ هَاجَ بِهِ الدَّمُ، وَأَيَّ سَاعَةٍ كَانَتْ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ (وَالْفَصْدُ فِي مَعْنَاهَا) أَيْ الْحِجَامَةِ (وَهِيَ أَنْفَعُ مِنْهُ فِي بَلَدٍ حَارٍ) كَالْحِجَازِ (وَمَا فِي مَعْنَى الْحِجَامَةِ كَالتَّشْرِيطِ وَالْفَصْدِ بِالْعَكْسِ) أَيْ أَنْفَعُ مِنْهَا بِبَلَدٍ بَارِدٍ كَالشَّامِ. [بَابُ الْوُضُوءِ] ُ) مِنْ الْوَضَاءَةِ، وَهِيَ النَّظَافَةُ، وَهُوَ بِالضَّمِّ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَبِالْفَتْحِ اسْمٌ لِلْمَاءِ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ فِيهِمَا، وَقِيلَ بِالضَّمِّ فِيهِمَا، وَهُوَ أَضْعَفُهَا (وَهُوَ شَرْعًا اسْتِعْمَالُ مَاءٍ طَهُورٍ فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ) وَهِيَ الْوَجْهُ وَالْيَدَانِ وَالرَّأْسُ وَالرِّجْلَانِ (عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) فِي الشَّرْعِ، بِأَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مَعَ بَاقِي الْفُرُوضِ
وَالشُّرُوطِ وَمَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ وَسُمِّيَ وُضُوءًا لِتَنْظِيفِهِ الْمُتَوَضِّئِ وَتَحْسِينِهِ وَالْحِكْمَةُ فِي غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ غَيْرِهَا أَنَّهَا أَسْرَعُ مَا يَتَحَرَّكُ مِنْ الْبَدَنِ لِلْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِغَسْلِهَا ظَاهِرًا، تَنْبِيهًا عَلَى طَهَارَتِهَا الْبَاطِنَةِ وَرَتَّبَ غَسْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِ سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ فِي الْمُخَالَفَةِ فَأَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ وَفِيهِ الْفَمُ وَالْأَنْفُ، فَابْتُدِئَ بِالْمَضْمَضَةِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ وَأَشَدُّهَا حَرَكَةً إذْ غَيْرُهُ رُبَّمَا سَلِمَ وَهُوَ كَثِيرُ الْعَطَبِ قَلِيلُ السَّلَامَةِ غَالِبًا ثُمَّ بِالْأَنْفِ لِيَتُوبَ عَمَّا يُشَمُّ بِهِ بِالْوَجْهِ لِيَتُوبَ عَمَّا نَظَرَ ثُمَّ بِالْيَدَيْنِ لِتَتُوبَ عَنْ الْبَطْشِ، ثُمَّ خَصَّ الرَّأْسَ بِالْمَسْحِ لِأَنَّهُ مُجَاوِرٌ لِمَا تَقَعُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ، ثُمَّ بِالْأُذُنِ لِأَجْلِ السَّمَاعِ، ثُمَّ بِالرِّجْلِ لِأَجْلِ الْمَشْيِ، ثُمَّ أَرْشَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى تَجْدِيدِ الْإِيمَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. (وَفُرُوضُهُ) أَيْ الْوُضُوءُ جَمْعُ فَرْضٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَزُّ وَالْقَطْعِ وَشَرْعًا مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ وَعُوقِبَ تَارِكُهُ (سِتَّةٌ غَسْلُ الْوَجْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى، {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] . وَ (غَسْلُ الْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَمَسْحُ الرَّأْسِ وَغَسْلُ الرِّجْلَيْنِ إلَى الْكَعْبَيْنِ) لِبَقِيَّةِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَهُوَ وَاضِحٌ عَلَى النَّصْبِ وَأَمَّا الْجَرُّ فَقِيلَ بِالْجِوَازِ وَالْوَاوُ تَأْبَاهُ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ الْمَسْحُ عِنْدَ الْعَرَبِ غَسْلٌ وَمَسْحٌ، فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهَا تَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْمُجْمَلِ، وَصِحَاحُ الْأَحَادِيثِ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ فِي وُجُوبِ غَسْلِهَا، وَقِيلَ: لَمَّا كَانَتْ الْأَرْجُلُ فِي مَظِنَّةِ الْإِسْرَافِ فِي الْمَاءِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ مَذْمُومٌ عَطَفَهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ لَا لِتُمْسَحَ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى مِقْدَارِ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ قِيلَ إلَى الْكَعْبَيْنِ دَفْعًا لِظَنِّ ظَانٍّ أَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ لَمْ يُضْرَبْ لَهُ غَايَةٌ فِي الشَّرْعِ. وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُول اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَأَنْ تُقْطَعَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَمْسَحَ الْقَدَمَيْنِ وَهَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ لَابِسِ الْخُفِّ وَإِمَّا لَابِسُهُ فَغَسْلُهُمَا لَيْسَ فَرْضًا مُتَعَيِّنًا فِي حَقِّهِ. (وَالتَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَدْخَلَ الْمَمْسُوحَ بَيْنَ الْمَغْسُولَاتِ، وَلَا يُعْلَمُ لِهَذَا فَائِدَةٌ غَيْرُ التَّرْتِيبِ: وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ الْوَاجِبِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَتَّبَ الْوُضُوءَ، وَقَالَ «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ فَكَانَ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرًا فِيهِ كَالصَّلَاةِ يَجِبُ فِيهَا الرُّكُوعُ قَبْلَ السُّجُودِ وَلَوْ كَانَ التَّنْكِيسُ جَائِزًا لَفَعَلَهُ وَلَوْ مَرَّةً لِتَبْيِينِ الْجَوَازِ فَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا لَمْ يَصِحَّ وَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ مَا أُبَالِي إذَا تَمَّمْتُ وُضُوئِي
بِأَيْ أَعْضَائِي بَدَأْتُ قَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا عَنَى بِهِ الْيُسْرَى قَبْلَ الْيُمْنَى لِأَنَّ مَخْرَجَهُمَا فِي الْكِتَابِ وَاحِدٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيًّا سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ إنَّ أَحَدَنَا يَسْتَعْجِلُ فَيَغْسِلُ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فَقَالَ لَا حَتَّى يَكُونُ كَمَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ أَنْ تَبْدَأَ بِرِجْلَيْكَ قَبْلَ يَدَيْكَ فِي الْوُضُوءِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى لَا يُعْرَفُ لَهُ أَصْلٌ. (وَالْمُوَالَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرْطٌ وَالثَّانِي جَوَابٌ وَإِذَا وُجِدَ الشَّرْطُ وَهُوَ الْقِيَامُ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ عَنْهُ جَوَابُهُ وَهُوَ غَسْلُ الْأَعْضَاءِ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي وَفِي ظَهْرِ قَدَمِهِ لُمْعَةٌ قَدْرُ الدِّرْهَمِ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَزَادَ وَالصَّلَاةَ، وَهَذَا صَحِيحٌ وَفِيهِ بَقِيَّةٌ وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْمُوَالَاةُ لَأَجْزَأَهُ غَسْلُ اللُّمْعَةِ فَقَطْ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوَالِيًا وَإِنَّمَا لَمْ يُشْتَرَطُ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ الْمَغْسُولَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ. (وَسَبَبُ وُجُوبِهِ) أَيْ الْوُضُوءِ (الْحَدَثُ) فَيَجِبُ بِالْحَدَثِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَفِي الِانْتِصَارِ بِإِرَادَةِ الصَّلَاةِ بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيُّ لَا تَجِبُ الطَّهَارَةُ قَبْلَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ لِوُجُوبِ الصَّلَاةِ إذَنْ وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي غُسْلٍ قَالَ شَيْخُنَا وَهُوَ لَفْظِيٌّ اهـ وَحَدِيثُ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ» (وَيَحِلُّ) الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ (جَمِيعَ الْبَدَنِ كَجَنَابَةٍ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ الْمُحْدِثَ لَا يَحِلُّ لَهُ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِعُضْوٍ غَسَلَهُ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يُتِمَّ وُضُوءَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ وَجْهُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ فُرِضَتْ قَبْلَ التَّيَمُّمِ) ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اُفْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ الصَّلَاةُ وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ قَالَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ بِمَكَّةَ صَلَاةً إلَّا بِوُضُوءٍ قَالَ وَهَذَا مِمَّا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا مُعَانِدٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ جِبْرِيلَ آتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ» خَرَّجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَغَيْرُهُ لِأَجْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ رَشِيدُ بْنُ سَعْدٍ فَرَوَاهُ قَالَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ الْحَلَبِيُّ اعْلَمْ أَنَّ الْوُضُوءَ أَوَّلُ مَا فُرِضَ مَعَ الصَّلَاةِ اهـ. وَكَذَلِكَ فِي الْمُبْدِعِ وَكَانَ فَرْضُهُ مَعَ فَرْضِ الصَّلَاةِ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَآيَةُ الْمَائِدَةِ مُقَرِّرَةٌ
لَا مُؤَسِّسَةٌ. (وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ) وُضُوءًا كَانَتْ أَوْ غُسْلًا (وَلِتَيَمُّمٍ) وَلَوْ مَسْنُونًا أَوْ عَنْ نَجَاسَةِ بِبَدَنٍ (وَ) لِ (غُسْلٍ وَتَجْدِيدِ وُضُوءٍ مُسْتَحَبِّينَ وَلِغَسْلِ يَدَيْ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ وَيَأْتِي وَلِغُسْلِ مَيِّتٍ) ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ مَأْمُورٌ بِهِ وَلِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» أَيْ لَا عَمَلٌ جَائِزٌ وَلَا فَاضِلٌ وَلِأَنَّ النَّصَّ دَلَّ عَلَى الثَّوَابِ فِي كُلِّ وُضُوءٍ وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ النِّيَّةَ لِلتَّمْيِيزِ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَمِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ لِأَنَّ مَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ الشَّارِعِ فَهُوَ عِبَادَةٌ كَصَلَاةٍ وَغَيْرِهَا وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْفَخْرِ إسْمَاعِيلَ وَأَبِي الْبَقَاءِ وَغَيْرِهِمَا الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ قِيلَ لِأَبِي الْبَقَاءِ الْإِسْلَامُ وَالنِّيَّةُ عِبَادَتَانِ وَلَا يَفْتَقِرَانِ إلَى نِيَّةٍ فَقَالَ الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ لِصُدُورِهِ مِنْ الْكَافِرِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا سَلَّمْنَا لَكِنْ الضَّرُورَةُ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إلَّا مِنْ كَافِرٍ وَأَمَّا النِّيَّةُ فَلِقَطْعِ التَّسَلْسُلِ وَنِيَّةُ الصَّلَاةِ تَضَمَّنَتْ السِّتْرَ وَاسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ لِوُجُودِهِمَا فِيهَا حَقِيقَةً وَلِهَذَا يَحْنَثُ بِالِاسْتِدَامَةِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. (إلَّا طَهَارَةٌ) أَيْ غُسْلُ (ذِمِّيَّةٍ) أَيْ كِتَابِيَّةٍ وَلَوْ حَرْبِيَّةٍ (لِحَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَجَنَابَةٍ) فَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ لِلْعُذْرِ (وَ) إلَّا غُسْلُ (مُسْلِمَةٍ) انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا (مُمْتَنِعَةٍ) مِنْ الْغُسْلِ (فَتُغْسَلُ قَهْرًا) لِحَقِّ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ (وَلَا نِيَّة) مُعْتَبَرَة هُنَا (لِلْعُذْرِ) كَالْمُمْتَنِعِ مِنْ زَكَاةٍ (وَلَا تُصَلِّي بِهِ) ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقِيَاسُ ذَلِكَ مَنْعُهَا مَنْ الطَّوَافِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُشْتَرَطُ لَهُ الْغُسْلُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ وَطْؤُهَا لِحَقِّ زَوْجِهَا فِيهِ فَلَا تَسْتَبِيحُ بِهِ الْعِبَادَةَ الْمُشْتَرَطَ لَهَا الْغُسْلُ وَإِنَّمَا لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَنْوِيَ عَنْهَا لِعَدَمِ تَعَذُّرِهَا مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَيِّتَةِ وَإِلَّا غُسْلُ (مَجْنُونَةٍ مِنْ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كِتَابِيَّةً) حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَا تُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْهَا لِتَعَذُّرِهَا. (وَ) لَكِنْ (يَنْوِيهِ عَنْهَا) مَنْ يُغَسِّلُهَا كَالْمَيِّتَةِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي لَا نِيَّةَ كَالْكَافِرَةِ لِعَدَمِ تَعَذُّرِهَا مَآلًا بِخِلَافِ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّهَا تُعِيدُهُ إذَا أَفَاقَتْ وَأَسْلَمَتْ اهـ قُلْت وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهَا لَا تُعِيدُهُ عَلَى الْأَوَّلِ لِقِيَامِ نِيَّةِ الْغَاسِلِ مَقَامَ نِيَّتِهَا (وَلَا ثَوَابَ فِي غَيْرِ مَنْوِيٍّ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ إجْمَاعًا. (وَيُشْتَرَطُ لِوُضُوءٍ أَيْضًا عَقْلٌ وَتَمْيِيزٌ) لِتَتَأَتَّى، النِّيَّةُ (وَإِسْلَامٌ) كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ) عَنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَانْقِطَاعُ نَاقِضٍ) سَوَاءٌ كَانَ خَارِجًا أَوْ غَيْرَهُ (وَاسْتِنْجَاءٌ أَوْ اسْتِجْمَارٌ قَبْلَهُ وَتَقَدَّمَ) بِدَلِيلِهِ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ غَيْرُ الْمَاءِ الطَّهُورِ. (وَإِبَاحَتُهُ) أَيْ الْمَاءِ لِحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ وَتَقَدَّمَ (وَدُخُولُ الْوَقْتِ عَلَى مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ
لِفَرْضِهِ) أَيْ فَرْضِ ذَلِكَ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ تَوَضَّأَ لِفَائِتَةٍ أَوْ طَوَافٍ أَوْ نَافِلَةٍ صَحَّ مَتَى أَرَادَهُ فَهَذِهِ عَشْرَةُ شُرُوطٍ لِلْوُضُوءِ يُشَارِكُهُ الْغُسْلُ مِنْهَا فِي ثَمَانِيَةٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ اسْتِطْرَادًا بِقَوْلِهِ. (وَيُشْتَرَطُ لِغُسْلٍ نِيَّةٌ) كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا مُكَرَّرٌ مَعَهُ (وَإِسْلَامٌ سِوَى مَا تَقَدَّمَ وَعَقْلٌ) سِوَى مَا تَقَدَّمَ (وَتَمْيِيزٌ وَفَرَاغٌ مُوجِبُ غُسْلٍ وَإِزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ) عَنْ الْبَدَنِ (وَطَهُورِيَّةُ مَاءٍ وَإِبَاحَتُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ سُبِّلَ مَاءٌ لِلشُّرْبِ لَمْ يَجُزْ التَّطْهِيرُ مِنْهُ) فِي حَدَثٍ وَلَا نَجَسِ بِبَدَنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ مِنْهُ (وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ) ،. (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةٌ لِطَهَارَةِ الْخَبَثِ) بِبَدَنٍ كَانَتْ أَوْ بِثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ لِأَنَّهَا مَنْ قَبِيلِ الْمَتْرُوكِ (وَمَحَلُّهَا) أَيْ النِّيَّةِ (الْقَلْبُ) لِأَنَّهَا مِنْ عَمَلِهِ (فَلَا يَضُرُّ سَبْقُ لِسَانِهِ بِخِلَافِ قَصْدِهِ) كَمَا لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ الْوُضُوءَ، فَقَالَ: نَوَيْتُ الصَّوْمَ، وَلَوْ تَلَفَّظَ بِغَيْرِ قَصْدٍ لَمْ يُعْتَبَرْ (وَلَا) يَضُرُّ (إبْطَالُهَا) أَيْ النِّيَّةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِأَنَّهُ قَدْ تَمَّ صَحِيحًا وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُفْسِدُهُ مِمَّا عُدَّ مُفْسِدًا (وَلَا) يَضُرُّ (إبْطَالُ الطَّهَارَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ) مِنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَضُرُّ (شَكُّهُ فِيهَا) أَيْ فِي النِّيَّةِ بَعْدَ فَرَاغِ الطَّهَارَةِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (أَوْ) شَكُّهُ (فِي الطَّهَارَةِ) أَيْ فِي غَسْلِ عُضْوٍ أَوْ مَسْحِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الطَّهَارَةِ (نَصًّا) كَشَكِّهِ فِي وُجُودِ الْحَدَثِ مَعَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ شَكَّ فِي النِّيَّةِ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ (لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا (وَكَذَا إنْ شَكَّ فِي غَسْلِ عُضْوٍ) فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ (أَوْ) شَكَّ فِي (مَسْحِ رَأْسِهِ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ لَزِمَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا شَكَّ فِيهِ ثُمَّ بِمَا بَعْدَهُ،؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ كَمَا لَوْ شَكَّ فِي رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَهْمًا، كَوَسْوَاسٍ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَمَتَى عَلِمَ أَنَّهُ جَاءَ لِيَتَوَضَّأَ أَوْ أَرَادَ فِعْلَ الْوُضُوءِ مُقَارِنًا لَهُ أَوْ سَابِقًا عَلَيْهِ قَرِيبًا مِنْهُ فَقَدْ وُجِدَتْ النِّيَّةُ (فَإِنْ أَبْطَلَهَا) أَيْ النِّيَّةَ (فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ بَطَلَ مَا مَضَى مِنْهَا) أَيْ مِنْ الطَّهَارَةِ، كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَإِنْ أَرَادَ الْإِتْمَامَ اسْتَأْنَفَ. (وَلَوْ فَرَّقَهَا) أَيْ النِّيَّةَ (عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ) بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ (صَحَّ) وُضُوءُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ. (وَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى صَلَاتَهُ) الْمَفْرُوضَةَ عَلَيْهِ (ثُمَّ أَحْدَثَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى) صَلَاةً (أُخْرَى، ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ وَاجِبًا) أَيْ فَرْضًا أَوْ شَرْطًا، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ (فِي أَحَدِ الْوُضُوءَيْنِ لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ) لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَتْرُوكَ مِنْهُ هُوَ الْوُضُوءُ الثَّانِي (وَ) لَزِمَهُ إعَادَةُ (الصَّلَاتَيْنِ) احْتِيَاطًا لِتَبْرَأَ ذِمَّتُهُ بِيَقِينٍ، وَلَوْ كَانَ الْوُضُوءُ الثَّانِي تَجْدِيدًا لَمْ يَلْزَمْ إلَّا
إعَادَةُ الصَّلَاةِ الْأُولَى لِأَنَّ الطَّهَارَةَ الْأُولَى إنْ كَانَتْ صَحِيحَةً فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَبْطُلْ بِالتَّجْدِيدِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ فَقَدْ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ بِالتَّجْدِيدِ. (وَإِنْ جَعَلَ الْمَاءَ فِي فِيهِ يَنْوِي ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ) أَوْ كَانَ مُتَذَكِّرًا ابْتِدَاءً لَكِنْ لَمْ يَنْوِ سِوَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ (فَنَوَى ارْتِفَاعَ الْحَدَثَيْنِ) وَالْمَاءُ فِي فِيهِ (ارْتَفَعَا) لِأَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا دَامَ فِي مَحِلِّ التَّطْهِيرِ حَتَّى يَنْفَصِلَ (وَلَوْ لَبِثَ الْمَاءُ فِي فِيهِ حَتَّى تَغَيَّرَ مَنْ رِيقِهِ لَمْ يَمْنَعْ) رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، لِأَنَّهُ تَغَيَّرَ فِي مَحِلِّ التَّطْهِيرِ، فَلَا يَسْلُبُهُ الطَّهُورِيَّةَ. (وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ وَ) غَسَلَ (بَعْضَهَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ ثُمَّ أَعَادَ) فِعْلَ (مَا نَوَى بِهِ التَّبَرُّدَ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ لِوُجُودِ الْغُسْلِ بِالنِّيَّةِ مَعَ الْمُوَالَاةِ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ بِحَيْثُ تَفُوتُ الْمُوَالَاةُ بَطَلَ لِفَوَاتِهَا. (وَالتَّلَفُّظُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (وَبِمَا نَوَاهُ) مِنْ وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ أَوْ تَيَمُّمٍ (هُنَا) أَيْ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ. (وَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ: بِدْعَةٌ) قَالَهُ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ، وَقَالَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَصْحَابُهُ. وَفِي الْهَدْيِ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ: نَوَيْت ارْتِفَاعَ الْحَدَثِ وَلَا اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ لَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مَنْ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ. (وَاسْتَحَبَّهُ) أَيْ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ (سِرًّا مَعَ الْقَلْبِ كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ) لِيُوَافِقَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا سِرًّا وَهُوَ الْمَذْهَبُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عُبَيْدَانَ، وَالتَّلْخِيصُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ قَالَ الزَّرْكَشِيّ هُوَ أَوْلَى عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اهـ وَكَذَا قَالَ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَمَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَجَمَعٍ مُحَقِّقِينَ خِلَافُهُ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَهُوَ الصَّوَابُ (إلَّا فِي إحْرَامٍ، وَيَأْتِي) فِي مَحَلِّهِ. (وَفِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ) وَتَبَعَهُمَا فِي الْمُنْتَهَى (يُسَنُّ النُّطْقُ بِهَا سِرًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (فَجَعَلَاهُ سُنَّةً وَهُوَ سَهْوٌ) عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَسْنُونِ وَالْمُسْتَحَبِّ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ وَاضِحٌ وَعَلَى فَرْضِ أَنْ لَا يَكُونَ هُوَ الصَّحِيحَ فَلَا يَنْبَغِي نِسْبَتُهُمَا إلَى السَّهْوِ لِجَلَالَتِهِمَا وَتَحْقِيقِهِمَا لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ. (وَيُكْرَهُ الْجَهْرُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (وَتَكْرَارُهَا) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الْجَهْرُ بِهَا وَتَكْرِيرُهَا، بَلْ مَنْ اعْتَادَهُ يَنْبَغِي تَأْدِيبُهُ، وَكَذَا بَقِيَّةُ الْعِبَادَاتِ، وَقَالَ الْجَاهِرُ بِهَا مُسْتَحِقٌّ لِلتَّعْزِيرِ بَعْدَ تَعْرِيفِهِ لَا سِيَّمَا إذَا آذَى بِهِ أَوْ كَرَّرَهُ، وَقَالَ الْجَهْرُ بِلَفْظِ النِّيَّةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ
أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ، وَإِنْ اعْتَقَدَهُ دِينًا خَرَجَ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجِبُ نَهْيُهُ وَيُعْزَلُ عَنْ الْإِمَامَةِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَمَرَ بِعَزْلِ إمَامٍ لِأَجْلِ بُصَاقِهِ فِي الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي. (وَهِيَ) أَيْ النِّيَّةُ (قَصْدُ رَفْعِ الْحَدَثِ، أَوْ) قَصْدُ (الطَّهَارَةِ لِمَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهَا) بِأَنْ يَقْصِدَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ أَوْ مَسِّ الْمُصْحَفِ وَنَحْوِهِ (حَتَّى وَلَوْ نَوَى مَعَ) رَفْعِ (الْحَدَثِ) إزَالَةَ (النَّجَاسَةِ أَوْ التَّبَرُّدَ أَوْ التَّنْظِيفَ أَوْ التَّعْلِيمَ) فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي النِّيَّةِ، كَمَنْ نَوَى مَعَ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ، أَوْ مَعَ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ وَنَحْوَهُ، لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الثَّوَابَ عَلَى مُقْتَضَى مَا يَأْتِي فِي بَابِ النِّيَّةِ (لَكِنْ يَنْوِي مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ (الِاسْتِبَاحَةَ) دُونَ رَفْعِ الْحَدَثِ لِمُنَافَاةِ وُجُودِ نِيَّةِ رَفْعِهِ، وَسَوَاءٌ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَوْ طُرُوءِ حَدَثٍ آخَرَ (وَيُرْتَفَعُ حَدَثُهُ) عَلَى الصَّحِيحِ قَدَّمَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. قَالَ الْمَجْدُ: هَذِهِ الطَّهَارَةُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ الَّذِي أَوْجَبَهَا وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ طَهَارَةُ الْمُسْتَحَاضَةِ لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالنَّفْسُ تَمِيلُ إلَيْهِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. (وَلَا يَحْتَاجُ) مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ (إلَى تَعْيِينِ نِيَّةِ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ تَرْفَعُ الْحَدَثَ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ. (فَإِنْ نَوَى) الْمُتَوَضِّئُ بِوُضُوئِهِ (مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ كَ) إنْ نَوَى الْوُضُوءَ لِ (قِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَأَذَانٍ وَنَوْمٍ وَرَفْعِ شَكٍّ) فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ (وَغَضَبٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشَّيْطَانِ وَالشَّيْطَانُ مِنْ النَّارِ وَالْمَاءُ يُطْفِئُ النَّارَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (وَكَلَامٍ مُحَرَّمٍ كَغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِعْلِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ نَصًّا) كَوُقُوفٍ وَرَمْيِ جِمَارٍ (غَيْرَ طَوَافٍ) فَإِنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ لَهُ كَالصَّلَاةِ (وَكَجُلُوسٍ بِمَسْجِدٍ) . وَفِي الْمُغْنِي (وَأَكْلٍ وَفِي النِّهَايَةِ وَزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَقِيلَ وَدُخُولِ مَسْجِدٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقِيلَ: وَحَدِيثٍ وَتَدْرِيسِ عِلْمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَة أَيْضًا (وَ) يَأْتِي (فِي الْغُسْلِ تَتِمَّتُهُ، أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ إنْ سُنَّ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (نَاسِيًا حَدَثَهُ) ارْتَفَعَ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهُ فِعْلُ هَذَا وَهُوَ غَيْرُ مُحْدِثٍ وَقَدْ نَوَى ذَلِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَقَالَ لَوْ قَصَدَ أَنْ لَا يَزَالَ عَلَى طَهَارَةٍ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ، لِأَنَّهَا شَرْعِيَّةٌ وَقَوْلُهُ نَاسِيًا حَدَثَهُ، أَيْ حَالَ نِيَّتِهِ لِلتَّجْدِيدِ وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ. وَإِنْ اُحْتُمِلَ
عَوْدُهُ لِلْمَسَائِلِ الثَّلَاثِ قَالَهُ الشِّهَابُ الْفَتُوحِيُّ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَالِمًا بِحَدَثِهِ لَمْ يَرْتَفِعْ لِتَلَاعُبِهِ (أَوْ) نَوَى اسْتِبَاحَةَ (صَلَاةٍ بِعَيْنِهَا لَا يَسْتَبِيحُ غَيْرَهَا ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ (وَلَغَا تَخْصِيصَهُ) لِأَنَّ مِنْ لَازِمِ رَفْعِ الْحَدَثِ اسْتِبَاحَةُ جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ (وَيُسَنُّ التَّجْدِيدُ إنْ صَلَّى بَيْنَهُمَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا (فَلَا) يُسَنُّ التَّجْدِيدُ فَلَوْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُصَلِّ وَأَحْدَثَ فَنَسِيَ حَدَثَهُ وَنَوَى التَّجْدِيدَ وَتَوَضَّأَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً (وَيُسَنُّ) التَّجْدِيدُ (لِكُلِّ صَلَاةٍ) أَرَادَهَا وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ نَفْلًا. وَ (لَا) يُسَنُّ (تَجْدِيدُ) (تَيَمُّمٍ وَغُسْلٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا) كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (أَجْزَأَ عَنْ) الْغُسْلِ (الْوَاجِبِ) لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، إنْ كَانَ نَاسِيًا لِلْحَدَثِ الَّذِي أَوْجَبَهُ ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ: وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِمَا فِيمَا سَبَقَ أَوْ نَوَى التَّجْدِيدَ نَاسِيًا حَدَثَهُ، خُصُوصًا وَقَدْ جَعَلُوا تِلْكَ أَصْلًا لِهَذِهِ فَقَاسُوهَا عَلَيْهَا (وَكَذَا عَكْسُهُ) . فَإِنْ نَوَى غُسْلًا وَاجِبًا أَجْزَأَ عَنْ الْمَسْنُونِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ الْوَاجِبَ وَالْمَسْنُونَ (حَصَلَا) أَيْ حَصَلَ لَهُ ثَوَابُهُمَا وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا لَيْسَ فِيهِمَا إلَّا ثَوَابُ مَا نَوَاهُ، وَإِنْ أَجْزَأَ عَنْ الْآخَرِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَيْسَ مَعْنَى الْإِجْزَاءِ هُنَا سُقُوطَ الطَّلَبِ: بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْوَاجِبِ غُسْلًا ثُمَّ لِلْمَسْنُونِ غُسْلًا آخَرَ) لِأَنَّهُ أَكْمَلُ. (وَإِنْ نَوَى طَهَارَةً مُطْلَقَةً) بِأَنْ نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ لَا لِرَفْعِ حَدَثٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ نَحْوِهَا لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ لَهُ. (أَوْ) نَوَى (وُضُوءًا مُطْلَقًا) لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ الْوَضَاءَةِ وَهِيَ النَّظَافَةُ تَارَةً يَكُونُ عَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً فَلَا بُدَّ مَنْ تَمْيِيزِهِ بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا. (أَوْ) نَوَى (الْغُسْلَ وَحْدَهُ) أَيْ نَوَى الْغُسْلَ وَأَطْلَقَ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ لَا الْأَصْغَرُ وَلَا الْأَكْبَرُ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ: لَا خِلَافَ أَنَّ الْجُنُبَ إذَا نَوَى الْغُسْلَ وَحْدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ عِبَادَةً وَتَارَةً يَكُونُ غَيْرَ عِبَادَةٍ فَلَا يَرْتَفِعُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ انْتَهَى. وَكَذَا إنْ نَوَى الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ إلَّا إنْ نَوَاهُ وَيَأْتِي فِي الْغُسْلِ. (أَوْ) نَوَى الْغُسْلَ (لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ؛ لِأَنَّ الْمُرُورَ فِيهِ لَا تُشْرَعُ لَهُ الطَّهَارَةُ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى بِطَهَارَتِهِ لُبْسَ ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى إنْ نَوَى الْجُنُبُ الْغُسْلَ الْوَاجِبَ لِمُرُورِهِ فِي الْمَسْجِدِ
لَمْ يُرْفَعْ حَدَثُهُ الْأَصْغَرُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَصَدَ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ. (وَإِنْ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ مُتَنَوِّعَةٌ وَلَوْ) كَانَتْ (مُتَفَرِّقَةً) فِي أَوْقَاتٍ (تُوجِبُ وُضُوءًا) كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالرِّيحِ وَالنَّوْمِ (أَوْ) تُوجِبُ (غُسْلًا) كَالْجِمَاعِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ (فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا ارْتَفَعَ هُوَ) أَيْ الَّذِي نَوَى رَفْعَهُ. (وَ) ارْتَفَعَ (سَائِرُهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَحْدَاثَ تَتَدَاخَلُ فَإِذَا نَوَى بَعْضَهَا غَيْرَ مُقَيَّدٍ ارْتَفَعَ جَمِيعُهَا كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَأَطْلَقَ (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا) أَيْ الْأَحْدَاثِ (وَنَوَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهُ قَدْ تَطَهَّرَ بِنِيَّةِ بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَحْدَاثِ فَلَمْ يَرْتَفِعْ سِوَى مَا نَوَاهُ وَإِلَّا لَزِمَ حُصُولُ مَا لَمْ يَنْوِهِ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَدَثُ نَوْمٍ فَغَلِطَ وَنَوَى رَفْعَ حَدَثِ بَوْلٍ ارْتَفَعَ حَدَثُهُ) لِتَدَاخُلِ الْأَحْدَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهَا) أَيْ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ أَوَّلِ وَاجِبٍ) فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ وَاجِبَاتِهَا فَيُعْتَبَرُ كَوْنُهَا كُلُّهَا بَعْدَ النِّيَّةِ فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبَاتِ قَبْلَ النِّيَّةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ. (وَهُوَ) أَيْ أَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ (التَّسْمِيَةُ) لِحَدِيثِ «لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» ؛ لِأَنَّ مَنْ ذَكَرَهَا فِي الْأَثْنَاءِ إنَّمَا ذَكَرَهَا عَلَى الْبَعْضِ لَا عَلَى الْكُلِّ. (وَيُسْتَحَبُّ) الْإِتْيَانُ بِالنِّيَّةِ (عِنْدَ مَسْنُونَاتِهَا) أَيْ الطَّهَارَةِ (إنْ وُجِدَ) ذَلِكَ الْمَسْنُونُ (قَبْلَ وَاجِبٍ كَغَسْلِ الْيَدَيْنِ لِغَيْرِ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ) إنْ وُجِدَ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ لِتَشْمَلَ النِّيَّةُ مَفْرُوضَ الطَّهَارَةِ وَمَسْنُونَهَا فَيُثَابُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا (فَإِنْ غَسَلَهُمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (بِغَيْرِ نِيَّةٍ فَكَمَنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» فَتُسْتَحَبُّ إعَادَةُ غَسْلِهِمَا بَعْدَ النِّيَّةِ. (وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ النِّيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ كَصَلَاةٍ) وَزَكَاةٍ (وَلَا يُبْطِلُهَا) أَيْ النِّيَّةَ (عَمَلٌ يَسِيرٌ) قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الطَّهَارَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ كَثُرَ بَطَلَتْ وَاحْتَاجَ إلَى اسْتِئْنَافِهَا (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) بِقَلْبِهِ بِأَنْ يَكُونَ مُسْتَحْضِرًا لَهَا فِي جَمِيعِ الطَّهَارَةِ لِتَكُونَ أَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُقْتَرِنَةً بِالنِّيَّةِ وَالذِّكْرِ بِضَمِّ الذَّالِ وَكَسْرِهَا قَالَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي مُثَلَّثَتِهِ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ الذِّكْرُ بِاللِّسَانِ ضِدُّ الْإِنْصَاتِ وَذَالُهُ مَكْسُورَةٌ وَبِالْقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيَانِ وَذَالُهُ مَضْمُومَةٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ هُمَا لُغَتَانِ (وَلَا بُدَّ مِنْ اسْتِصْحَابِ حُكْمِهَا بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا) فَإِنْ عَزَبَتْ عَنْ خَاطِره لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي الطَّهَارَةِ: كَمَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الصَّلَاةِ وَمَحَلُّهُ إنْ لَمْ يَنْوِ بِالْغُسْلِ نَحْوَ تَنْظِيفٍ أَوْ تَبَرُّدٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ
فصل ينوي الوضوء للصلاة ونحوها
[فَصْلٌ يَنْوِيَ الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا] فَصْلٌ (صِفَةُ الْوُضُوءِ) الْكَامِلِ (أَنْ يَنْوِيَ) الْوُضُوءَ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا أَوْ رَفْعَ الْحَدَثِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ فِي كُلِّ طَاعَةٍ إلَّا لِدَلِيلٍ (ثُمَّ يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا) فَلَوْ قَالَ بِسْمِ الرَّحْمَنِ أَوْ الْقُدُّوسِ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ لَهُ لِمَا يَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ التَّسْمِيَةُ (وَاجِبَةٌ فِي وُضُوءٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ وَلَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ مَنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَعْنِي حَدِيثَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: أَيُّ حَدِيثٍ أَصَحُّ فِي التَّسْمِيَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ وَمَحَلُّهَا اللِّسَانُ لِأَنَّهَا ذِكْرٌ وَوَقْتُهَا عِنْدَ أَوَّلِ الْوَاجِبَاتِ وُجُوبًا، وَأَوَّلِ الْمَسْنُونَاتِ اسْتِحْبَابًا كَالنِّيَّةِ (وَ) هِيَ وَاجِبَةٌ أَيْضًا فِي (غُسْلٍ وَتَيَمُّمٍ) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (وَتَسْقُطُ) فِي الثَّلَاثَةِ (سَهْوًا) نَصًّا لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَغَايَرُ أَفْعَالُهَا، فَكَانَ مِنْ وَاجِبَاتِهَا مَا يَسْقُطُ سَهْوًا كَالصَّلَاةِ قُلْت مُقْتَضَى قِيَاسِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ سُقُوطُهَا جَهْلًا، خِلَافًا لِمَا بَحْثُهُ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ، قِيَاسًا عَلَى الذَّكَاةِ وَالظَّاهِرُ إجْزَاؤُهَا بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ. وَلَوْ مِمَّنْ يُحْسِنُهَا كَالذَّكَاةِ إذْ لَا فَرْقُ (وَإِنْ ذَكَرَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ أَثْنَاءِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّمِ (سَمَّى وَبَنَى) لِأَنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَفِي بَعْضِهَا أَوْلَى قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: هَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي وَالشَّارِحِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَالْمُسْتَوْعِبُ وَالرِّعَايَةُ الصُّغْرَى وَرَوْضَةُ الْفِقْهِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرُ. وَحَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الشِّيرَازِيِّ وَابْنِ عَبْدُوسٍ انْتَهَى وَشَارِحُ الْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ يُوسُفَ الْمِرْدَاوِيُّ فِي كِتَابِهِ: نِهَايَةِ الْحُكْمِ الْمَشْرُوعِ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَالْعَسْكَرِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُبْهِجِ وَغَيْرُهُمْ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ: وَحَكَاهُ عَنْ الْفُرُوعِ وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُ انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ مَشَى عَلَيْهِ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى قَالَ لَكِنْ إنْ ذَكَرَهَا فِي بَعْضِهِ ابْتِدَاءً قَالَ فِي شَرْحِهِ: لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى جَمِيعِهِ. فَوَجَبَ كَمَا لَوْ ذَكَرَهَا فِي أَوَّلِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ التَّسْمِيَةَ (عَمْدًا) لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ؛
لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) تَرَكَهَا عَمْدًا (حَتَّى غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ) الْمَفْرُوضَةِ أَوْ حَتَّى مَسَحَهَا بِالتُّرَابِ فِي التَّيَمُّمِ وَلَمْ (يَسْتَأْنِفْ) مَا فَعَلَهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ (لَمْ تَصِحَّ طَهَارَتُهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى طَهَارَتِهِ، بَلْ عَلَى بَعْضِهَا (وَالْأَخْرَسُ يُشِيرُ بِهَا) وَكَذَا الْمُعْتَقَلُ لِسَانُهُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَتَكْفِي إشَارَةُ أَخْرَس وَنَحْوِهِ بِهَا وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْإِشَارَةِ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُوجِبُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ آكَدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْقٌ، نَحْوُ أَنْ يُقَالَ: الْإِشَارَةُ إلَى التَّبَرُّكِ مُمْكِنَةٌ كَرَفْعِ رَأْسِهِ إلَى السَّمَاءِ بِخِلَافِ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى السَّمَاءِ. (ثُمَّ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلَوْ تَيَقَّنَ طَهَارَتَهُمَا) ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَذَكَرُوا أَنَّهُ غَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثًا وَلِأَنَّهُمَا آلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْأَعْضَاءِ فَفِي غَسْلِهِمَا احْتِيَاطٌ لِجَمِيعِ الْوُضُوءِ (وَهُوَ سُنَّةٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ (لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ) أَيْ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ ذَلِكَ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَائِمًا أَوْ كَانَ نَائِمًا بِالنَّهَارِ أَوْ بِاللَّيْلِ نَوْمًا لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ كَالْيَسِيرِ مِنْ جَالِسٍ وَقَائِمٍ (فَإِنْ كَانَ) قَائِمًا (مِنْهُ) أَيْ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ كَالْيَسِيرِ (فَ) غَسْلُهُمَا ثَلَاثًا (وَاجِبٌ تَعَبُّدًا) كَغُسْلِ الْمَيِّتِ لِحَدِيثِ «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ» وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الطَّهَارَةِ وَلِكَوْنِ غَسْلِهِمَا وَاجِبًا تَعَبُّدًا وَجَبَ وَلَوْ بَاتَتَا مَكْتُوفَتَيْنِ أَوْ فِي جِرَابٍ وَنَحْوِهِ (وَيَسْقُطُ) غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ (سَهْوًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إذَا نَسِيَ غَسْلَهُمَا سَقَطَ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ وَإِنْ وَجَبَتْ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُ وَلَوْ تَذَكَّرَ فِي الْأَثْنَاءِ. بَلْ وَلَا يَغْسِلُهُمَا بَعْدُ، بِخِلَافِ التَّسْمِيَةِ فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا مِنْهُ تَنْبِيهٌ نَقَلَ أَبُو تَمِيمٍ عَنْ النُّكَتِ أَنَّ غَسْلَ الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ وَكَذَا حَكَاهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَغَيْرِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ أَيْضًا وَلَمْ يُوجَدْ فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِمَّنْ تَأَخَّرَ عَنْ هَؤُلَاءِ مَا يُخَالِفُهُ وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ قَالَهُ شَيْخُنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْبُهُوتِيُّ. وَيَسْقُطُ غَسْلُ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بِشُرُوعِهِ فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَرْجِعُ لِغَسْلِهِمَا قَالَهُ شَيْخُنَا مَنْصُورٌ (وَتُعْتَبَرُ لَهُ) أَيْ لِغَسْلِ يَدَيْ الْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ النَّاقِضِ لِلْوُضُوءِ (نِيَّةٌ وَتَسْمِيَةٌ)
كَالْوُضُوءِ وَتَسْقُطُ التَّسْمِيَةُ سَهْوًا كَالْوُضُوءِ (وَلَا يُجْزِئُ عَنْ نِيَّةِ غَسْلِهِمَا نِيَّةُ الْوُضُوءِ) وَلَا نِيَّةُ الْغُسْلِ (لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ لَا مِنْ الْوُضُوءِ وَ) الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا طَهَارَةٌ مُفْرَدَةٌ أَنَّهُ (يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْوُضُوءِ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ) وَلَوْ كَانَتْ مِنْهُ لَمْ تَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ (وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى فِي هَذَا الْغَسْلِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِيمَا سَبَقَ: وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ. (وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَسِيرٌ فِي مَطْمُورَةٍ أَوْ) اسْتَيْقَظَ (أَعْمَى) أَوْ (نَحْوُهُ) كَأَرْمَد (مِنْ نَوْمٍ لَا يَدْرِي أَنْوَمُ لَيْلٍ) هُوَ (أَوْ) نَوْمُ (نَهَارٍ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُمَا) لِأَنَّهُ شَكٌّ فِي الْمُوجِبِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَغَسْلُهُمَا لِمَعْنًى فِيهِمَا) غَيْرُ مَعْقُولٍ لَنَا (فَلَوْ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ وَلَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ وَفَسَدَ الْمَاءُ) . وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ أَدْخَلَ كَفَّيْهِ فِيهِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ الْمَاءَ يَصِيرُ غَيْرَ مُطَهِّرٍ وَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ مِنْ مَاءٍ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ أَوْ مِنْ مَاءٍ قَلِيلٍ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ، بِأَنْ صَبَّ عَلَى وَجْهِهِ بِإِنَاءٍ، أَوْ صَمَدَ لِأُنْبُوبٍ، فَجَرَى عَلَى وَجْهِهِ فَوُضُوءُهُ صَحِيحٌ وَكَذَا فِي الشَّرْحِ: لَوْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ بِغَمْسِ أَعْضَائِهِ فِيهِ، وَلَمْ يَنْوِ غَسْلَ الْيَدَيْنِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ غَسْلِ الْيَدِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ لَهُ. (وَتُسَنَّ بُدَاءَتُهُ قَبْلَ غَسْلِ وَجْهِهِ بِمَضْمَضَةٍ بِيَمِينِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَدَعَا بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا ثُمَّ غَرَفَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ رَفَعَهَا إلَى فِيهِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَاسْتَنْثَرَ بِيَسَارِهِ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْوُضُوءِ ثُمَّ قَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ لَنَا كَمَا تَوَضَّأْتُ لَكُمْ» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَ) يُسَنُّ (تَسَوُّكُهُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا. (ثُمَّ بِاسْتِنْشَاقٍ بِيَمِينِهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، إنْ شَاءَ مِنْ غَرْفَةٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِكَفٍّ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ «هَذَا وُضُوءُ نَبِيِّكُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ يَفْصِلُ وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا بِثَلَاثِ غَرْفَاتٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ مِنْ سِتِّ) غَرْفَاتٍ، لِحَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَوُضُوءُهُ كَانَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فَلَزِمَ كَوْنُهَا مِنْ سِتٍّ. (وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) اسْتِحْبَابًا وَحَدِيثُ طَلْحَةَ
الْمَذْكُورُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ (وَتَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ، أَشْبَهَا سَائِرَهُ (وَكَذَا) يَجِبُ (التَّرْتِيبُ) بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ كَمَا سَبَقَ وَ (لَا) يَجِبُ التَّرْتِيبُ (بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ) لِأَنَّهُمَا مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْوَجْهِ فَمُعْتَبَرَةٌ (وَيُسَنُّ اسْتِنْثَارُهُ بِيَسَارِهِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّثْرَةِ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ أَوْ هُوَ (وَ) تُسَنُّ. (مُبَالَغَةٌ فِيهِمَا لِغَيْرِ صَائِمٍ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْوُضُوءِ «قَالَ أَسْبِغْ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (وَتُكْرَهُ) الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لَهُ) أَيْ الصَّائِمِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ (وَ) تُسَنُّ (مُبَالَغَةٌ فِي سَائِرِ) أَيْ بَاقِي (الْأَعْضَاءِ) لِلصَّائِمِ وَغَيْرِهِ (ف) الْمُبَالَغَةُ (فِي مَضْمَضَةٍ إدَارَةُ الْمَاءِ فِي جَمِيعِ الْفَمِ، وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي الِاسْتِنْشَاقِ: جَذْبُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِنَفَسٍ إلَى أَقْصَى الْأَنْفِ وَالْوَاجِبُ) فِي الْمَضْمَضَةِ (أَدْنَى إدَارَة) لِلْمَاءِ فِي فَمِهِ. (وَ) الْوَاجِبُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ (جَذْبُ الْمَاءِ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ) وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أَقْصَاهُ (فَلَا يَكْفِي) فِي الْمَضْمَضَةِ (وَضْعُ الْمَاءِ فِي فِيهِ بِدُونِ إدَارَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَكَذَا لَا يَكْفِي فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَضْعُهُ فِي أَنْفِهِ بِدُونِ جَذْبٍ إلَى بَاطِنِ الْأَنْفِ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِنْشَاقًا (ثُمَّ) بَعْدَ إدَارَةِ الْمَاءِ فِي فِيهِ (لَهُ بَلْعُهُ وَلَفْظُهُ) أَيْ طَرْحُهُ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ قَدْ حَصَلَ (وَلَا يَجْعَلُ الْمَضْمَضَةَ أَوَّلًا) أَيْ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ إدَارَةٍ فِي فَمِهِ (وُجُورًا، وَلَا) يَجْعَلُ (الِاسْتِنْشَاقَ) ابْتِدَاءً (سَعُوطًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى مَضْمَضَةً وَلَا اسْتِنْشَاقًا (وَالْمُبَالَغَةُ فِي غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (دَلْكُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبُو عَنْهَا الْمَاءُ) أَيْ لَا يَطْمَئِنُّ عَلَيْهَا (وَعَرْكُهَا بِهِ) أَيْ الْمَاءِ
فصل يغسل وجهه
[فَصْلٌ يَغْسِلُ وَجْهَهُ] فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ) لِلنَّصِّ، فَيَأْخُذُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا أَوْ يَغْتَرِفُ بِيَمِينِهِ وَيَضُمُّ إلَيْهَا الْأُخْرَى وَيَغْسِلُ بِهِمَا (ثَلَاثًا) لِأَنَّ السُّنَّةَ قَدْ اسْتَفَاضَتْ بِهِ، خُصُوصًا حَدِيثُ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ وَحَدُّ الْوَجْهِ (مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا) فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَقْرَعِ، الَّذِي يَنْبُتُ شَعْرُهُ فِي بَعْضِ جَبْهَتِهِ، وَلَا بِالْأَجْلَحِ الَّذِي انْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ (مَعَ مَا انْحَدَرَ مِنْ اللَّحْيَيْنِ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا (وَالذَّقَنِ) وَهُوَ مَجْمَعُ اللَّحْيَيْنِ، بِفَتْحِ الذَّالِ وَالْقَافِ (طُولًا) أَيْ مِنْ جِهَةِ الطُّولِ (وَ) حَدُّ الْوَجْهِ (مِنْ الْأُذُنِ إلَى الْأُذُنِ عَرْضًا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصُلُ بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَالْأُذُنَانِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ (فَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ الْوَجْهِ (عِذَارٌ وَهُوَ الشَّعْرُ النَّابِتُ عَلَى الْعَظْمِ النَّاتِئِ) أَيْ الْمُرْتَفِعُ (الْمَسَامِتِ) أَيْ الْمُحَاذِي (صِمَاخَ الْأُذُنِ) بِكَسْرِ الصَّادِ، وَهُوَ خَرْقُهَا، وَكَذَا الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْعِذَارِ وَالْأُذُنِ مِنْ الْوَجْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْخِرَقِيُّ. لِأَنَّهُ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ وَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ مِنْ الْوَجْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِقَوْلِهِ هَذَا (وَعَارِضٌ هُوَ مَا تَحْتَ الْعِذَارِ إلَى الذَّقَنِ وَلَا يَدْخُلُ) فِي الْوَجْهِ صُدْغُ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ الشَّعْرُ الَّذِي بَعْدَ انْتِهَاءِ الْعِذَارِ يُحَاذِي رَأْسَ الْأُذُنِ وَيَنْزِلُ عَنْهُ قَلِيلًا) وَهُوَ مِنْ الرَّأْسِ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الرَّبِيعِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ غَسَلَ مَعَ الْوَجْهِ (وَلَا) يَدْخُلُ أَيْضًا فِي الْوَجْهِ (تَحْذِيفٌ، وَهُوَ الشَّعْرُ الْخَارِجُ إلَى طَرَفَيْ الْجَبِينِ فِي جَانِبَيْ الْوَجْهِ بَيْنَ النَّزْعَةِ وَمُنْتَهَى الْعِذَارِ، وَلَا النَّزْعَتَانِ وَهُمَا مَا انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْهُ مِنْ فَوْقِ الرَّأْسِ، وَهُمَا جَانِبَا مُقَدَّمِهِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَوْدُ: مُعْظَمُ شَعْرِ الرَّأْسِ مِمَّا يَلِي الْأُذُنَ وَنَاحِيَةِ الرَّأْسِ (بَلْ جَمِيعُ ذَلِكَ مِنْ الرَّأْسِ، فَيُمْسَحُ مَعَهُ) أَمَّا الصُّدْغُ فَلِمَا تَقَدَّمْ. أَمَّا التَّحْذِيفُ: فَلِأَنَّهُ شَعْرٌ مُتَّصِلٌ بِشَعْرِ الرَّأْسِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّهِ، أَشْبَهَ الصُّدْغَ وَأَمَّا النَّزْعَتَانِ: فَلِأَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِمَا الْمُوَاجَهَةُ، وَلِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ مَا تَرَأَّسَ وَعَلَا وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: فَلَا تَنْكِحِي إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنَا ... أَغَمَّ الْقَفَا وَالْوَجْهِ لَيْسَ بِأَنْزَعَا
فَالْإِضَافَةُ لِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ، كَمَا فِي «سَجَدَ وَجْهِي لَلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ» مَعَ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ الْوَجْهِ، بَلْ مُجَاوِرَتَانِ لَهُ وَكَذَا النَّزْعَتَانِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ (بَلْ وَلَا يُسَنُّ غَسْلُ دَاخِلِ عَيْنٍ لِحَدَثٍ) أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَفْعَلْهُ وَلَا أَمَرَ بِهِ (وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ، بَلْ يُكْرَهُ) لِأَنَّهُ مُضِرٌّ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ عَمِيَ مِنْ كَثْرَةِ إدْخَالِ الْمَاءِ فِي عَيْنَيْهِ (وَلَا يَجِبُ) غَسْلُ دَاخِلِ الْعَيْنِ (مِنْ) نَجَاسَةٍ فِيهَا أَيْ فِي الْعَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ فَيُعْفَى عَنْهَا فِي الصَّلَاةِ. (وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْ الْوَجْهِ) لِدُخُولِهِمَا فِي حَدِّهِ (فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي الطَّهَارَتَيْنِ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى) فَلَا يَسْقُطُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ الْوُضُوءِ الَّذِي لَا بُدَّ» مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ» . وَفِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتَ فَتَمَضْمَضْ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَقْصِي، ذَكَرَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلَّ عَلَى وُجُوبِهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَيْهِمَا، وَيُفْطِرُ بِعَوْدِ الْقَيْءِ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِمَا وَيَجِبُ غَسْلُهُمَا مِنْ النَّجَاسَةِ (وَيُسَمَّيَانِ) أَيْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (فَرَضِينَ) لِأَنَّ الْفَرْضَ وَالْوَاجِبَ مُتَرَادِفَانِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ هُمَا وَاجِبَانِ لَا فَرْضَانِ (وَلَا يَسْقُطَانِ سَهْوًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَجِبُ غَسْلُ اللِّحْيَةِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَمَا خَرَجَ عَنْ حَدِّ الْوَجْهِ مِنْهَا) مِنْ الشَّعْرِ الْمُسْتَرْسِلِ (طُولًا وَعَرْضًا) لِأَنَّ اللِّحْيَةَ تُشَارِكُ الْوَجْهَ فِي مَعْنَى التَّوَجُّهِ وَالْمُوَاجَهَةِ وَخَرَجَ مَا نَزَلَ مَنْ الرَّأْسِ عَنْهُ لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ السَّاتِرِ لِلْبَشْرَةِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ اللِّحْيَةِ (بِأَخْذِ كَفٍّ مِنْ مَاءٍ يَضَعُهُ مِنْ تَحْتِهَا بِأَصَابِعِهِ مُشْتَبِكَةً فِيهَا) أَيْ اللِّحْيَةِ (أَوْ) يَضَعُهُ. (مِنْ جَانِبَيْهَا وَيُعْرِكُهَا) لِحَدِيثِ «عُثْمَانَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَخَلَّلَ لِحْيَتَهُ حِينَ غَسَلَ وَجْهَهُ ثُمَّ قَالَ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي فَعَلْت» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ (وَكَذَا عَنْفَقَةٌ وَشَارِبٌ وَحَاجِبَانِ وَلِحْيَةُ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى) إذَا كَانَ كَثِيفًا (وَيُجْزِئُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ) كَلِحْيَةِ الذَّكَرِ (وَيُسَنُّ غُسْلُ بَاطِنِهِ) أَيْ بَاطِنِ ذَلِكَ الشَّعْرِ غَيْرِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَالشَّافِعِي. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) لِأَسَارِيرِهِ وَدَوَاخِلِهِ وَخَوَارِجِهِ وَشُعُورِهِ
فصل يغسل يديه إلى المرفقين
قَالَهُ أَحْمَدُ وَكَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ الْمَاءَ ثُمَّ يَصُبُّهُ ثُمَّ يَغْسِلُ وَجْهَهُ وَقَالَ هَذَا مَسْحٌ وَلَيْسَ بِغَسْلٍ (وَالْخَفِيفُ) مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ كُلِّهَا وَهُوَ الَّذِي يَصِفُ الْبَشَرَةَ (يَجِبُ غَسْلُهُ وَ) غَسْلُ (مَا تَحْتَهُ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَسْتُرُهُ شَعْرُهُ يُشْبِهُ مَا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ وَيَجِبُ غَسْلُ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْمَحَلِّ فَإِنْ كَانَ فِي شَعْرِهِ كَثِيفٌ وَخَفِيفٌ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ عِنْدَ غَسْلِهَا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ السَّابِقِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ نَصًّا) . [فَصْلٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمَرْفِقَيْنِ] فَصْلٌ ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِلنَّصِّ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (حَتَّى أَظْفَارَهُ) وَإِنْ طَالَتْ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِيَدِهِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَتَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَلَا يَضُرُّ وَسَخٌ يَسِيرٌ تَحْتَهَا، وَلَوْ مَنَعَ مِنْ وُصُولِ الْمَاءِ) لِأَنَّهُ مِمَّا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ عَادَةً فَلَوْ لَمْ يَصِحَّ الْوُضُوءُ مَعَهُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (وَأَلْحَقَ الشَّيْخُ بِهِ) أَيْ بِالْوَسَخِ الْيَسِيرِ تَحْتَ الْأَظْفَارِ (كُلَّ يَسِيرٍ مَنَعَ) وُصُولَ الْمَاءِ (حَيْثُ كَانَ) أَيْ وُجِدَ (مِنْ الْبَدَنِ، كَدَمٍ وَعَجِينٍ وَنَحْوِهِمَا، وَاخْتَارَهُ) قِيَاسًا عَلَى مَا تَحْتَ الظُّفْرِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ تَحْتَ ظُفْرٍ وَنَحْوِهِ. فَيَدْخُلُ فِيهِ الشُّقُوقُ فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ (وَيَجِبُ غَسْلُ أُصْبُعٍ زَائِدَةٍ وَ) غَسْلُ (يَدٍ) زَائِدَةٍ (أَصْلُهَا فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِأَنَّهَا بِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَتْ الثُّؤْلُولَ. (أَوْ) أَيْ وَيَجِبُ غَسْلُ يَدٍ زَائِدَةٍ أَصْلُهَا فِي (غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَلَمْ تَتَمَيَّزْ) الزَّائِدَةُ مِنْهُمَا، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ، كَمَا لَوْ تَنَجَّسَتْ إحْدَى يَدَيْهِ وَجَهِلَهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الزَّائِدَةُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، بَلْ كَانَتْ مُدَلَّاةً مِنْ الْعَضُدِ وَتَمَيَّزَتْ (فَلَا) يَجِبُ غَسْلُهَا، طَوِيلَةً كَانَتْ أَوْ قَصِيرَةً. لِأَنَّهَا غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي مُسَمَّى الْيَدِ (وَيَجِبُ إدْخَالُ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْغَسْلِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَوَضَّأَ أَمَرَّ الْمَاءَ عَلَى مَرْفِقَيْهِ» وَهَذَا بَيَانٌ لِلْغَسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وإلَى تَكُونُ بِمَعْنَى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52] {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} [النساء: 2] فَبَيَّنَ
فصل يمسح جميع ظاهر رأسه
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا كَذَلِكَ أَوْ يُقَالُ: الْيَدُ حَقِيقَةً إلَى الْمَنْكِبِ، وَإِلَى أَخْرَجَتْ مَا عَدَا الْمَرْفِقَ (فَإِنْ خُلِقَتَا) أَيْ الْيَدَانِ (بِلَا مَرْفِقَيْنِ غَسَلَ إلَى قَدْرهِمَا) أَيْ الْمَرْفِقَيْنِ (مِنْ غَالِبِ النَّاسِ) إلْحَاقًا لِلنَّادِرِ بِالْغَالِبِ. (فَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ كُشِطَتْ (جِلْدَةٌ مِنْ الْعَضُدِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الذِّرَاعِ وَجَبَ غَسْلُهَا كَالْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ) أَيْ ارْتَفَعَتْ بَعْدَ كَشْطِهَا (مِنْ الذِّرَاعِ حَتَّى تَدَلَّتْ مِنْ الْعَضُدِ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهَا وَإِنْ طَالَتْ) لِأَنَّهَا صَارَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ (وَإِنْ تَقَلَّصَتْ مِنْ أَحَدِ الْمَحَلَّيْنِ وَالْتَحَمَ رَأْسُهَا بِ) الْمَحَلِّ (الْآخَرِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ ظَاهِرِهَا وَالْمُتَجَافِي مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُحَاذِي لِمَحِلِّ الْفَرْضِ (مِنْ بَاطِنِهَا وَ) غَسَلَ (مَا تَحْتَهُ، لِأَنَّهَا كَالنَّابِتَةِ فِي الْمَحِلَّيْنِ) دُونَ مَا لَمْ يُحَاذِ مَحِلَّ الْفَرْضِ. [فَصْلٌ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ] فَصْلٌ (ثُمَّ يَمْسَحُ جَمِيعَ ظَاهِرِ رَأْسِهِ) مِنْ مَنَابِتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ غَالِبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْوَجْهِ إلَى قَفَاهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِمِسْحِ الرَّأْسِ وَبِمَسْحِ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَهُوَ يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ فِيهِ فَكَذَا هُنَا إذْ لَا فَرْقَ، وَلِأَنَّهُ مَسَحَ جَمِيعَهُ، وَفِعْلُهُ وَقَعَ بَيَانًا لِلْآيَةِ، وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ، أَيْ إلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ فَكَأَنَّهُ قَالَ أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِرُءُوسِكُمْ، أَيْ الْمَسْحَ بِالْمَاءِ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ثَمَّ شَيْءٌ يُلْصَقُ، كَمَا يُقَالُ: مَسَحْتُ رَأْسَ الْيَتِيمِ. وَأَمَّا دَعْوَى أَنَّ الْبَاءَ إذَا وَلِيَتْ فِعْلًا مُتَعَدِّيًا أَفَادَتْ التَّبْعِيضَ فِي مَجْرُورِهَا لُغَةً فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ وَلِإِنْكَارِ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلْت ابْنَ دُرَيْدٍ وَابْنَ عَرَفَةَ عَنْ الْبَاءِ: تُبَعِّضُ؟ فَقَالَا: لَا نَعْرِفُهُ فِي اللُّغَةِ وَقَالَ ابْنُ بَرْهَانٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْبَاءَ تُبَعِّضُ، فَقَدْ جَاءَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ بِمَا لَا يَعْرِفُونَهُ. وَقَوْلُهُ {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان: 6] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ شَرِبْنَ بِمَاءِ الْبَحْرِ فَمِنْ بَابِ التَّضْمِينِ كَأَنَّهُ قِيلَ يُرْوَى وَمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعَ الْعِمَامَةِ، كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ وَالرَّأْسُ (مِنْ حَدِّ الْوَجْهِ) أَيْ مَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ الْمُعْتَادِ (إلَى مَا يُسَمَّى
قَفَا) وَيَكُونُ مَسْحُ رَأْسٍ (بِمَاءٍ جَدِيدٍ غَيْرِ مَا فَضَلَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ مُغَايِرٌ لِلْيَدَيْنِ (وَكَيْفَمَا مَسَحَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَوْ) مَسَحَهُ (بِأُصْبُعٍ وَخِرْقَةٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا) كَحَجَرٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْجُمْهُورِ: أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ اسْتِيعَابُ ظَاهِرِهِ كُلِّهِ (وَعَفَا بَعْضُهُمْ) وَهُوَ صَاحِبُ الْمُبْهِجِ وَالْمُتَرْجِمُ (عَنْ تَرْكِ يَسِيرٍ مِنْهُ لِلْمَشَقَّةِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالظَّاهِرُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، وَأَنَّ الْمَرْأَةَ يَجْزِيهَا مَسْحُ مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، قَالَ الْخَلَّالُ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهَا إنْ مَسَحَتْ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا أَجْزَأَهَا؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ مُقَدَّمَ رَأْسِهَا ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِ) أَيْ الرَّأْسِ (أَنْ يَبْدَأَ بِيَدَيْهِ مَبْلُولَتَيْنِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، فَيَضَعُ طَرَفَ إحْدَى سَبَّابَتَيْهِ عَلَى طَرَفِ الْأُخْرَى، وَيَضَعُ الْإِبْهَامَيْنِ عَلَى الصُّدْغَيْنِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إلَى مُقَدَّمِهِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ فِي وَصْفِ وُضُوءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فَمَسَحَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ خَافَ أَنْ يَنْتَشِرَ شَعْرُهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ وَعَنْهُ لَا يَرُدُّهُمَا إنْ انْتَشَرَ شَعْرُهُ انْتَهَى وَجَزَمَ بِالثَّانِيَةِ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ، رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً (بِمَاءٍ وَاحِدٍ) فَلَا يَأْخُذُ لِلرَّدِّ مَاءً آخَرَ لِعَدَمِ وُرُودِهِ. (وَلَوْ وَضَعَ يَدَهُ مَبْلُولَةً عَلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ) لَمْ يُجْزِئْهُ (أَوْ وَضَعَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (خِرْقَةً مَبْلُولَةً) وَلَمْ يُمِرَّهَا عَلَيْهِ (أَوْ بَلَّهَا) أَيْ الْخِرْقَةَ (وَهِيَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى رَأْسِهِ (وَلَمْ يَمْسَحْ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَسْحِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَيُجْزِئُهُ غَسْلُهُ) أَيْ الرَّأْسِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ (بَدَلًا عَنْ مَسْحِهِ إنْ أَمَرَّ يَدَهُ) لِوُجُوبِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، مَا لَمْ يَكُنْ جُنُبًا وَيَنْغَمِسْ فِي مَاءٍ نَاوِيًا الطَّهَارَتَيْنِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ. (وَكَذَا إنْ أَصَابَهُ) أَيْ الرَّأْسَ (مَاءٌ وَأَمَرَّ يَدَهُ) عَلَيْهِ، لِوُجُودِ الْمَسْحِ، فَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا نَزَلَ عَنْ الرَّأْسِ مِنْ الشَّعْرِ) لِعَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الرَّأْسَ فِي التَّرَؤُّسِ (وَلَا يُجْزِئُ مَسْحُهُ عَنْ الرَّأْسِ، سَوَاءٌ رَدَّهُ فَعَقَدَهُ فَوْقَ رَأْسِهِ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَزَلَ الشَّعْرُ عَنْ مَنْبَتِهِ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِ، أَجْزَأَهُ وَلَوْ كَانَ الَّذِي تَحْتَ النَّازِلِ مَحْلُوقًا) كَمَا لَوْ كَانَ بَعْضُ شَعْرِهِ فَوْقَ بَعْضِهِ. (وَإِنْ خَضَّبَهُ) أَيْ رَأْسَهُ (بِمَا يَسْتُرهُ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَمَا لَوْ مَسَحَ عَلَى خِرْقَةٍ فَوْقَ رَأْسِهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَرْطَ الْوُضُوءِ إزَالَةُ مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ (وَلَوْ
مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ حَلَقَهُ) لَمْ يُؤَثِّرْ (أَوْ غَسَلَ عُضْوًا ثُمَّ قَطَعَ مِنْهُ جُزْءًا أَوْ جِلْدَةً لَمْ يُؤَثِّرْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبَدَلٍ عَمَّا تَحْتَهُ) بِخِلَافِ الْجَبِيرَةِ وَالْخُفِّ وَلَكِنْ رَأَيْت عَنْ ابْنِ رَجَبٍ اسْتَحَبَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ إذَا حَلَقَ رَأْسَهُ أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ قَصَّ شَارِبَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَنْ يَمَسَّهُ بِالْمَاءِ وَلَمْ يُوجِبْهُ وَحُكِيَ وُجُوبُهُ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَلْحَقَهُ بِخَلْعِ الْخُفِّ بَعْدَ مَسْحِهِ. (وَإِنْ تَطَهَّرَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ أَوْ قَطْعِ جُزْءٍ أَوْ جِلْدَةٍ مِنْ عُضْوٍ (غَسَلَ) أَوْ مَسَحَ (مَا ظَهَرَ) لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لَهُ دُونَ الذَّاهِبِ (وَإِنْ حَصَلَ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ شَقٌّ أَوْ ثُقْبٌ لَزِمَ غَسْلُهُ) فِي الطَّهَارَتَيْنِ لِأَنَّهُ صَارَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَيَنْبَغِي التَّيَقُّظُ لِثُقْبِ الْأُذُنِ فِي الْغُسْلِ وَأَمَّا فِي الْوُضُوءِ فَلَا يَجِبُ مَسْحُهُ، كَالْمُسْتَتِرِ بِالشَّعْرِ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ (وَالْوَاجِبُ مَسْحُ ظَاهِرِ شَعْرِ الرَّأْسِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ تَحْتَ الشَّعْرِ فَمَسَحَ الْبَشَرَةَ فَقَطْ) أَيْ دُونَ ظَاهِرِ الشَّعْرِ (لَمْ يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى غَسْلِ بَاطِنِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ) وَلَمْ يَغْسِلْ ظَاهِرَهَا. (وَإِنْ فَقَدَ شَعْرَهُ مَسَحَ بَشَرَتَهُ) لِأَنَّهَا ظَاهِرُ رَأْسِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ فَقَدَ بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ شَعْرِ الرَّأْسِ (مَسَحَهُمَا) أَيْ مَسَحَ مَا بَقِيَ مِنْ الشَّعْرِ وَبَشْرَةِ مَا فَقَدَ مِنْ شَعْرِهِ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَا لَوْ نَزَلَ شَعْرُ مَا لَمْ يَحْلِقْ عَلَى مَا حَلَقَ وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى ظَاهِرِهِ. (وَيَجِبُ مَسْحُ أُذُنَيْهِ ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا، لِأَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «الْأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ (وَيُسَنُّ) مَسْحُهُمَا (بِمَاءٍ جَدِيدٍ بَعْدَ) مَسْحِ (رَأْسِهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ «رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَوَضَّأُ فَأَخَذَ لِأُذُنَيْهِ مَاءً خِلَافَ الَّذِي لَرَأْسِهِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. (وَالْبَيَاضُ فَوْقَهُمَا) أَيْ فَوْقَ الْأُذُنَيْنِ (دُونَ الشَّعْرِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرَّأْسِ (أَيْضًا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (فَيَجِبُ مَسْحُهُ مَعَ الرَّأْسِ) وَكَيْفَ مَسَحَ الْأُذُنَيْنِ أَجْزَأَ، كَالرَّأْسِ (وَالْمَسْنُونُ فِي مَسْحِهِمَا أَنْ يُدْخِلَ سَبَّابَتَيْهِ فِي صِمَاخَيْهِمَا وَيَمْسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا) لِمَا فِي النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ وَظَاهِرَهَا بِإِبْهَامَيْهِ» (وَلَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْ) الْأُذُنَيْنِ (بِالْغَضَارِيفِ) لِأَنَّ الرَّأْسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ لَا يَجِبُ مَسْحُ مَا اسْتَتَرَ مِنْهُ بِالشَّعْرِ فَالْأُذُنُ أَوْلَى وَالْغُضْرُوفُ دَاخِلٌ فَوْقَ الْأُذُنِ أَيْ أَعْلَاهَا وَمُسْتَدَارُ سَمْعِهَا. (وَلَا يُسْتَحَبُّ مَسْحُ عُنُقٍ) لِعَدَمِ ثُبُوتِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ فِي الْغُنْيَةِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ وَأَبُو الْبَقَاءِ وَابْنُ الصَّيْرَفِيِّ وَابْنُ رَزِينٍ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَلَا) يُسْتَحَبُّ (تَكْرَارُ مَسْحِ رَأْسٍ وَأُذُنٍ) قَالَ
فصل يغسل رجليه
التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ الرَّأْسَ وَاحِدَةً وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد أَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَسْحَ الرَّأْسِ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوءَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالُوا فِيهَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا، كَمَا ذَكَرُوا فِي غَيْرِهِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: أَحَادِيثُهُمْ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ صَرِيحٌ لَا يُقَالُ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ مَرَّةً وَاحِدَةً، لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَثَلَاثًا لِيُبَيِّنَ الْفَضِيلَةَ، كَمَا فَعَلَ فِي الْغُسْلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي هَذَا طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طُهُورُهُ عَلَى الدَّوَامِ. [فَصْلٌ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ] فَصْلٌ (ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ (ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ (إلَى الْكَعْبَيْنِ) أَيْ: كُلُّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَلَوْ أَرَادَ كِعَابَ جَمِيعِ الْأَرْجُلِ لَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة: 6] ؛ لِأَنَّ مُقَابَلَةَ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ تَقْتَضِي تَوْزِيعَ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ، كَقَوْلِهِ: رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ وَنَحْوِهِ (وَهُمَا) أَيْ: الْكَعْبَانِ (الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي جَانِبَيْ رِجْلِهِ) قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ كَانَ أَحَدُنَا يُلْصِقُ كَعْبَهُ بِكَعْبِ صَاحِبِهِ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلَوْ كَانَ مِشْطُ الْقَدَمِ لَمْ يَسْتَقِمْ (وَيَجِبُ إدْخَالُهُمَا فِي الْغَسْلِ) لِمَا سَبَقَ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ وَجَبَ غَسْلُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ (أَصْلًا) بِأَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ دُونِ الْمِرْفَقِ، أَوْ رِجْلُهُ مِنْ دُونِ الْكَعْبِ (أَوْ تَبَعًا كَرَأْسِ عَضُدِ) يَدٍ قُطِعَتْ عَنْ مَفْصِلِ الْمِرْفَقِ. (وَ) رَأْسِ (سَاقٍ) قُطِعَتْ مِنْ مَفْصِلِ كَعْبٍ (وَكَذَا يَتَيَمَّمُ) إذَا قُطِعَتْ يَدُهُ، وَجَبَ مَسْحُ مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ أَصْلًا أَوْ تَبَعًا (فَإِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ) مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ بِأَنْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْمِرْفَقِ أَوْ الرِّجْلُ مِنْ فَوْقِ الْكَعْبِ (سَقَطَ) ذَلِكَ الْفَرْضُ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ مَحَلَّ الْقَطْعِ بِالْمَاءِ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الْعُضْوُ عَنْ طَهَارَةٍ
وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ الْيَدُ مِنْ فَوْقِ الْكُوعِ لَمْ يُسْتَحَبَّ مَسْحُ مَحَلِّ الْقَطْعِ بِالتُّرَابِ (وَإِذَا وَجَدَ الْأَقْطَعُ وَنَحْوُهُ) كَالْأَشَلِّ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يُوَضِّئَ نَفْسَهُ (مَنْ يُوَضِّئُهُ) أَوْ يُغَسِّلُهُ (بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ وَقَدَرَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إضْرَارٍ) بِنَفْسِهِ أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (لَزِمَهُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الصَّحِيحِ. (وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُيَمِّمُهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُوَضِّئُهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) كَالصَّحِيحِ يَقْدِرُ عَلَى التَّيَمُّمِ دُونَ الْوُضُوءِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يُوَضِّئُهُ وَلَا مَنْ يُيَمِّمُهُ، بِأَنْ عَجَزَ عَنْ الْأُجْرَةِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مَنْ يَسْتَأْجِرُهُ (صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَكَذَا إنْ لَمْ يَجِدْهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ يَسِيرَةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي التَّيَمُّمِ (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) كَفَاقِدٍ لِطَهُورَيْنِ (وَاسْتِنْجَاء مِثْلِهِ) أَيْ: مِثْل الْوُضُوءِ، فَكَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِتَطْهِيرِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ لَا وَيَتَيَمَّمُ (وَيُسَنُّ تَخْلِيلُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ وَتَخْلِيلُ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) لِمَا رَوَى لَقِيطُ بْنُ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ فِي حَالِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ (بِخِنْصَرِهِ) لِخَبَرِ الْمُسْتَوْرِدِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ الْيُسْرَى؛ لِأَنَّهَا مُعَدَّةٌ لِإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ. ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَيَبْدَأُ بِخِنْصَرِ يُمْنَى) إلَى إبْهَامِهَا (وَيُسْرَى بِالْعَكْسِ) يَبْدَأُ مِنْ إبْهَامِهَا إلَى خِنْصَرِهَا (لِلتَّيَامُنِ) أَيْ: لِيَحْصُلَ التَّيَامُنُ فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَ يَدَيْهِ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ أَوْ بَعْضُهَا مُلْتَصِقَةً سَقَطَ (وَ) يُسَنُّ (الْغَسْلُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ (وَيَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى) الْغَسْلَةِ (الْوَاحِدَةِ، وَ) الْغَسْلَتَانِ (الثِّنْتَانِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوَاحِدَةِ. (وَالثَّلَاثُ أَفْضَلُ) مِنْ الثِّنْتَيْنِ، وَمِنْ الْوَاحِدَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ هَذَا وَظِيفَةُ الْوُضُوءِ - أَوْ قَالَ هَذَا وُضُوءُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْهُ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً، ثُمَّ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَقَالَ هَذَا وُضُوءٌ مَنْ تَوَضَّأَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنْ الْأَجْرِ وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَقَالَ هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْمُرْسَلِينَ قَبْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا - فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَتَكَلَّمَ مُسْلِمٌ عَلَى قَوْلِهِ أَوْ نَقَصَ وَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى نُقْصَانِ الْعُضْوِ وَاسْتَحْسَنَهُ الذَّهَبِيُّ. (وَإِنْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضٍ) بِأَنْ غَسَلَ عُضْوًا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَآخَرَ ثَلَاثًا (لَمْ يُكْرَهُ) كَمَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ مُتَسَاوِيًا
(وَيَعْمَلُ فِي عَدَدِهَا) أَيْ: الْغَسَلَاتِ (إذَا شَكَّ) فِيهِ (بِالْأَقَلِّ) كَرَكَعَاتِ الصَّلَاةِ، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِتْيَانِ بِالْمَشْكُوكِ فِيهِ (وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الثَّلَاثِ لِحَدِيثِ عَمْرٍو الْمُتَقَدِّمِ. (وَ) يُكْرَهُ (الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ) وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ لِمَا يَأْتِي فِي الْغُسْلِ (وَيُسَنُّ مُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ) بِالْغُسْلِ، لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَهُ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ سَمِعْت خَلِيلِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءُ» . (وَلَا يُسَنُّ الْكَلَامُ عَلَى الْوُضُوءِ، بَلْ يُكْرَهُ) قَالَهُ جَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ (وَالْمُرَادُ بِالْكَرَاهِيَةِ تَرْكُ الْأَوْلَى) وِفَاقًا لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرَهُ لَمْ يَذْكُرُوهُ فِيمَا يُكْرَهُ. وَيُسَنُّ (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْأَذْكَارُ الَّتِي تَقُولُهَا الْعَامَّةُ عَلَى الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ لَا أَصْلَ لَهَا) . وَفِي نَسْخٍ لَهُ: أَيْ: لِلْإِتْيَانِ بِهَا (عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفِيهِ حَدِيثٌ كُذِبَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى) قَالَ النَّوَوِيُّ: وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَ فِي الْمُحَرَّرِ إذْ لَا أَصْلَ لَهُ وَكَذَا قَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَيْ: لَمْ يَجِئْ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا قَالَ فِي الْأَذْكَارِ وَالتَّنْقِيحِ لَهُ، وَالرَّافِعِيُّ قَالَ وَرَدَ فِيهِ الْأَثَرُ عَنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ. قَالَ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ: وَفَاتَهُمَا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طُرُقٍ فِي تَارِيخِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً، لِلْعَمَلِ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيفِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ انْتَهَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يَقُولُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ مَا وَرَدَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، لِضَعْفِهِ جِدًّا، مَعَ أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَوْ شُرِعَ لَتَكَرَّرَ مِنْهُ وَلَنُقِلَ عَنْهُ انْتَهَى وَقَوْلُهُ: مَا وَرَدَ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي التَّارِيخِ «إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ: اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهِي يَوْمَ تَبْيَضُّ الْوُجُوهِ وَذِرَاعَيْهِ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كِتَابِي بِيَمِينِي وَرَأْسَهُ: اللَّهُمَّ غَشِّنَا بِرَحْمَتِك وَجَنِّبْنَا عَذَابَك، وَرِجْلَيْهِ: اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَدَمِي يَوْمَ تَزِلُّ الْأَقْدَامُ» نَقَلَهُ عَنْهُ السُّيُوطِيّ
فصل الترتيب والموالاة
فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ. (قَالَ أَبُو الْفَرَجِ) أَطْلَقَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ يُبَيِّنْ هَلْ هُوَ الشِّيرَازِيُّ أَوْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ؟ . (يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَرَدُّهُ) أَيْ: وَيُكْرَهُ رَدُّ الْمُتَوَضِّئِ السَّلَامَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ لَا يُكْرَهُ رَدُّ مُتَخَلٍّ، وَهُوَ سَهْوٌ. (وَفِي الْفُرُوعِ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ وَلَا الرَّدُّ) وَإِنْ كَانَ الرَّدُّ عَلَى طُهْرٍ أَكْمَلُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ سَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ قُلْت أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ» وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ لَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ عُضْوٍ. [فَصْلٌ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ] فَصْلٌ (وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ فَرْضَانِ) فِي الْوُضُوءِ، لِمَا تَقَدَّمَ (لَا مَعَ غُسْلٍ) أَيْ: بِأَنْ نَوَى بِغُسْلِهِ رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ فَيَسْقُطُ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ صَارَ لِلْأَكْبَرِ، لِإِدْرَاجِ الْأَصْغَرِ فِيهِ، كَانْدِرَاجِ الْعُمْرَةِ فِي حَجِّ الْقَارِنِ (وَلَا يَسْقُطَانِ) أَيْ: التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ (سَهْوًا وَلَا جَهْلًا، كَبَقِيَّةِ الْفُرُوضِ، فَيَجِبُ التَّرْتِيبُ) بَيْنَ الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ (عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى) فِي كِتَابِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ نَكَسَ وُضُوءَهُ، فَبَدَأَ بِشَيْءٍ مِنْ أَعْضَائِهِ قَبْلَ وَجْهِهِ، لَمْ يُحْتَسَبْ بِمَا غَسَلَهُ) مِنْ الْأَعْضَاءِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْوَجْهِ، لِفَوَاتِ التَّرْتِيبِ (وَإِنْ بَدَأَ بِرِجْلَيْهِ وَخَتَمَ بِوَجْهِهِ، لَمْ يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ تَوَضَّأَ مَنْكُوسًا) يَخْتِمُ بِوَجْهِهِ. وَيَبْدَأُ بِرِجْلَيْهِ (أَرْبَعَ مَرَّاتٍ صَحَّ وُضُوءُهُ إذَا كَانَ مُتَقَارِبًا يَحْصُلُ لَهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ) فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الْمَرَّةِ الْأُولَى غَسْلُ الْوَجْهِ، وَمِنْ الثَّانِيَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ، وَمِنْ الثَّالِثَةِ مَسْحُ الرَّأْسِ وَمِنْ الرَّابِعَةِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، وَعَلِمْت مَا فِي كَلَامِهِ مِنْ التَّغَلُّبِ (وَإِنْ غَسَلَ أَعْضَاءَهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمْ يَصِحَّ) وُضُوءُهُ، وَكَذَا لَوْ وَضَّأَهُ أَرْبَعَةٌ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ التَّرْتِيبُ لَا عَدَمُ التَّنْكِيسِ وَلَمْ يُوجَدْ التَّرْتِيبُ. (وَلَوْ انْغَمَسَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ رَاكِدٍ أَوْ جَارٍ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لَمْ يَرْتَفِعْ) حَدَثُهُ (وَلَوْ مَكَثَ فِيهِ قَدْرًا يَسَعُ التَّرْتِيبَ) أَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجَارِي أَرْبَعُ جِرْيَاتٍ، قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: لَمْ يُفَرِّقْ
فصل سنن الوضوء
أَحْمَدُ بَيْنَهُمَا، أَيْ: بَيْنَ الْجَارِي وَالرَّاكِدِ (حَتَّى يَخْرُجَ مُرَتَّبًا نَصًّا، فَيُخْرِجُ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ) ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ مِنْ غَيْرِ إمْرَارِ يَدٍ غَيْرُ كَافٍ، وَتَقَدَّمَ (ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ الْمَاءِ) قُلْت خُرُوجُهُ مِنْهُ بَعْدُ لَيْسَ قَيْدًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ يَرْتَفِعُ عَنْ رِجْلَيْهِ، وَلَوْ كَانَتَا فِي الْمَاءِ قَبْلَ انْفِصَالِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَالْمُوَالَاةُ) مَصْدَرُ وَالَى الشَّيْءَ يُوَالِيهِ إذَا تَابَعَهُ وَالْمُرَادُ هُنَا: (أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشُفَ) الْعُضْوُ (الَّذِي قَبْلَهُ يَلِيهِ) . بِأَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ الْيَدَيْنِ حَتَّى يَجِفَّ الْوَجْهُ، وَلَا مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى تَجِفَّ الْيَدَانِ وَلَا غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ حَتَّى تَجِفَّ الرَّأْسُ لَوْ كَانَتْ مَغْسُولَةً، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ مَسْحَ الرَّأْسِ حَتَّى جَفَّ الْوَجْهُ دُونَ الْيَدَيْنِ لَمْ يُؤَثِّرْ، وَيُتِمَّهُ صَحِيحًا (فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ (أَوْ قَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْمُعْتَدِلِ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْمُعْتَدِلِ، مِنْ زَمَنٍ حَارٍّ أَوْ بَارِدٍ. (وَلَا يَضُرُّ جَفَافٌ لِاشْتِغَالِهِ بِسُنَّةٍ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (كَتَخْلِيلِ) لِحْيَةٍ أَوْ أَصَابِعَ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إسْبَاغٍ) أَيْ: إبْلَاغِ الْمَاءِ مَوَاضِعَ الطَّهَارَةِ (وَ) كَاشْتِغَالِهِ ب (إزَالَةِ شَكٍّ وَوَسْوَسَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ الطَّهَارَةِ (وَيَضُرُّ) أَيْ: يُفَوِّتُ الْمُوَالَاةَ إنْ جَفَّ الْعُضْوُ ل (إسْرَافٍ وَإِزَالَةِ وَسَخٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلِّ جَبِيرَةٍ (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) بِأَنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، وَلَا يَضُرُّ إنْ كَانَتْ إزَالَةُ الْوَسَخِ وَنَحْوُهُ (لَهَا) أَيْ: لِلطَّهَارَةِ، بِأَنْ كَانَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَفْعَالِ الطَّهَارَةِ، بِخِلَافِ مَا قَبْلُ (وَتَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي إزَالَةِ نَجَاسَةٍ) بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَا بِهَا، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْوَسَخِ (وَ) تَضُرُّ الْإِطَالَةُ فِي (تَحْصِيلِ مَاءٍ) وَلَوْ لِلطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا. [فَصْلٌ سُنَنُ الْوُضُوءِ] فَصْلٌ (وَجُمْلَةُ سُنَنِ الْوُضُوءِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالسِّوَاكُ) عِنْدَ الْمَضْمَضَةِ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ (وَغَسْلُ الْكَفَّيْنِ ثَلَاثًا لِغَيْرِ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ) نَاقِضٍ لِوُضُوءٍ، وَيَجِبُ ذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى (وَالْبُدَاءَةُ قَبْلَ غَسْلِ الْوَجْهِ بِالْمَضْمَضَةِ، ثُمَّ الِاسْتِنْشَاقِ) وَكَوْنُهُمَا بِيَمِينِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ وَعَدَمُ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا (وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ (لِغَيْرِ صَائِمٍ) وَتُكْرَه لَهُ، وَتَقَدَّمَ (وَ) الْمُبَالَغَةُ (فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ لِصَائِمٍ وَغَيْرِهِ وَالِاسْتِنْثَارُ) وَكَوْنُهُ بِيَسَارِهِ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُكْرَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَنْتَثِرَ وَيُنَقِّيَ أَنْفَهُ وَوَسَخَهُ وَدَرَنَهُ وَيَخْلَعَ نَعْلَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَسَارِهِ، مُطْلَقًا،
وَتَنَاوُلُ الشَّيْءِ مِنْ يَدِ غَيْرِهِ بِالْيَمِينِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْمُسْتَحَبَّاتِ لِلْخَبَرِ وَلَا يُكْرَهُ بِيَسَارِهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَقَالَ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُنَاوِلَ إنْسَانًا تَوْقِيعًا أَوْ كِتَابًا فَلْيَقْصِدْ يَمِينَهُ. (وَ) مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ (تَخْلِيلُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ) وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ وَكَيْفِيَّتُهُ (وَتَخْلِيلُ الشُّعُورِ) أَيْ: شُعُورِ اللِّحْيَةِ (الْكَثِيفَةِ فِي الْوَجْهِ، وَالتَّيَامُنُ حَتَّى بَيْنَ الْكَفَّيْنِ لِلْقَائِمِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ، وَبَيْنَ الْأُذُنَيْنِ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيّ. وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: يَمْسَحُهُمَا مَعًا، وَمَسْحُهُمَا) أَيْ: الْأُذُنَيْنِ (بَعْدَ الرَّأْسِ بِمَاءٍ جَدِيدٍ، وَمُجَاوَزَةُ مَوْضِعِ الْفَرْضِ، وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ) . وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: الْأُولَى فَرِيضَةٌ وَالثَّانِيَةُ فَضِيلَةٌ وَالثَّالِثَةُ سُنَّةٌ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ:. وَإِذَا قِيلَ لَكَ: أَيُّ مَوْضِعٍ تُقَدَّمُ فِيهِ الْفَضِيلَةُ عَلَى السُّنَّةِ فَقُلْ: هُنَا (وَتُقَدَّمُ النِّيَّةُ عَلَى مَسْنُونَاتِهِ) إذَا وُجِدَتْ قَبْلَ الْوَاجِبِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (إلَى آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ الْوُضُوءِ (وَغَسْلُ بَاطِنِ الشُّعُورِ الْكَثِيفَةِ) فِي الْوَجْهِ، غَيْرِ اللِّحْيَةِ فَيُخَلِّلُهَا فَقَطْ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ (وَأَنْ يَزِيدَ فِي مَاءِ الْوَجْهِ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَقَوْلُ مَا وَرَدَ بَعْدَ الْوُضُوءِ، وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ. (وَأَنْ يَتَوَلَّى وُضُوءَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَنَةٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَكِلُ طُهُورَهُ إلَى أَحَدٍ وَلَا صَدَقَتَهُ الَّتِي يَتَصَدَّقَ بِهَا إلَى أَحَدٍ يَكُونُ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَتُبَاحُ مُعَاوَنَةُ الْمُتَطَهِّرِ) مُتَوَضِّئًا كَانَ أَوْ مُغْتَسِلًا (كَتَقْرِيبِ مَاءِ الْغُسْلِ، أَوْ) مَاءِ (الْوُضُوءِ إلَيْهِ أَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ «أَفْرَغَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وَضُوئِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «صَبَبْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَاءَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فِي الْوُضُوءِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُبَاحُ لِلْمُتَطَهِّرِ (تَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ) لِمَا رَوَى سَلْمَانُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ ثُمَّ قَلَبَ جُبَّةً كَانَتْ عَلَيْهِ فَمَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الصَّغِيرِ (وَتَرْكُهُمَا) أَيْ: تَرْكُ الْمُعِينِ وَالتَّنْشِيفِ (أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهِمَا، أَمَّا تَرْكُ الْمُعِينِ فَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ السَّابِقِ، وَأَمَّا تَرْكُ التَّنْشِيفِ فَلِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ، قَالَتْ: فَأَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَلَمْ يُرِدْهَا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَرْكُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُبَاحَ وَأَيْضًا هَذِهِ قَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ تَرَكَ الْمِنْدِيلَ لِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَانُوا لَا يَرَوْنَ بِالْمِنْدِيلِ بَأْسًا وَلَكِنْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَادَةَ وَلِأَنَّهُ إزَالَةٌ
لِلْمَاءِ عَنْ بَدَنِهِ، أَشْبَهَ نَفْضَ يَدَيْهِ. (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمَعِينِ عَنْ يَسَارِهِ) لِيَسْهُلَ تَنَاوُلُ الْمَاءِ عِنْدَ الصَّبِّ (كَإِنَاءِ وُضُوئِهِ الضَّيِّقِ الرَّأْسِ) لِيَصُبَّ بِيَسَارِهِ عَلَى يَمِينِهِ (وَإِنْ كَانَ) إنَاءُ وُضُوئِهِ (وَاسِعًا يَغْتَرِفُ مِنْهُ بِالْيَدِ، فَعَنْ يَمِينِهِ) لِيَغْتَرِفَ مِنْهُ بِهَا. (وَلَوْ وَضَّأَهُ) أَوْ غَسَلَ لَهُ بَدَنَهُ مِنْ نَحْوِ جَنَابَةٍ (أَوْ يَمَّمَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كِتَابِيٌّ) أَوْ غَيْرُهُ (بِإِذْنِهِ) أَيْ: بِإِذْنِ الْمَفْعُولِ بِهِ قُلْتُ وَكَذَا تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ، بِأَنْ نَاوَلَهُ أَعْضَاءَهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ (بِأَنْ غَسَلَ لَهُ الْأَعْضَاءَ، أَوْ يَمَّمَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ كُرِهَ، وَصَحَّ) وُضُوءُهُ وَغُسْلُهُ وَتَيَمُّمُهُ لِوُجُودِ الْغُسْلِ وَالْمَسْحِ، وَإِنَّمَا كُرِهَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الصِّحَّةِ (وَيَنْوِيهِ الْمُتَوَضِّئُ) وَالْمُغْتَسِلُ (وَالْمُتَيَمِّمُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمُخَاطَبُ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَوْ نَوَاهُ الْفَاعِلُ. (فَإِنْ أُكْرِهَ مَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ) لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ انْتَهَى قُلْت وَالثَّانِي أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَعُودُ لِخَارِجٍ؛ لِأَنَّ صَبَّ الْمَاءِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطَّهَارَةِ (أَوْ) أُكْرِهَ مَنْ (يُوَضِّئُهُ عَلَى وُضُوئِهِ لَمْ يَصِحَّ) وَكَذَا لَوْ أُكْرِهَ مَنْ يُغَسِّلُهُ أَوْ يُيَمِّمُهُ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى لَا إنْ أُكْرِهَ فَاعِلٌ (وَإِنْ أُكْرِهَ الْمُتَوَضِّئُ عَلَى الْوُضُوءِ أَوْ) أُكْرِهَ إنْسَانٌ (عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْوُضُوءِ (مِنْ الْعِبَادَاتِ) كَالْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَفَعَلَهَا) الْمُكْرَهُ (لِدَاعِي الشَّرْعِ) بِأَنْ نَوَى بِهَا التَّقَرُّبَ إلَيْهِ تَعَالَى (لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ صَحَّتْ) لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ فَعَلَهَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ (فَلَا) تَصِحُّ لِعَدَمِ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ. (وَيُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءُ) عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا يُكْرَهُ نَفْضُ الْمَاءِ بِيَدَيْهِ عَنْ بَدَنِهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَيُكْرَهُ نَفْضُ يَدِهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ اهـ. وَقَالَ فِي غَايَةِ الْمَطْلَبِ هَلْ يُبَاحُ نَفْضُ يَدِهِ أَوْ يُكْرَهُ؟ وَجْهَانِ، الْأَصَحُّ لَا يُكْرَهُ اهـ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ يُكْرَهَانِ، أَيْ: الْمُعَاوَنَةُ وَالتَّنْشِيفُ، كَنَفْضِ يَدِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «إذَا تَوَضَّأْتُمْ فَلَا تَنْفُضُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّهَا مَرَاوِحُ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ الْمَعْمَرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْبُحْتُرِيِّ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ، وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا لَا يُكْرَهُ، وَهُوَ أَظْهَرُ وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. (وَ) تُكْرَهُ (إرَاقَةُ مَاءِ الْوُضُوءِ وَ) مَاءِ (الْغُسْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَكَان يُدَاسُ فِيهِ كَالطَّرِيقِ تَنْزِيهًا لِلْمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ (وَيُبَاحُ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِ أَحَدًا وَلَمْ يُؤْذِ الْمَسْجِدَ) ؛ لِأَنَّ الْمُنْفَصِلَ مِنْهُ طَاهِرٌ (وَيَحْرُمُ فِيهِ الِاسْتِنْجَاءُ وَالرِّيحُ) وَالْبَوْلُ، وَلَوْ بِقَارُورَةٍ؛ لِأَنَّ هَوَاءَ الْمَسْجِدِ
كَقَرَارِهِ (وَتُكْرَهُ إرَاقَةُ مَاءٍ غَمَسَ فِيهِ يَدَهُ قَائِمٌ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ غَسْلَهُمَا مُعَلَّلٌ بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ. (قَالَ الشَّيْخُ وَلَا يُغَسَّلُ فِيهِ مَيِّتٌ) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَنْجِيسِهِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِهِ وَصَوْنُ الْمَسْجِدِ عَنْ النَّجَاسَاتِ وَاجِبٌ (وَقَالَ يَجُوزُ عَمَلُ مَكَان فِيهِ لِلْوُضُوءِ لِلْمَصْلَحَةِ بِلَا مَحْذُورٍ) كَقُرْبِ جِدَارٍ أَوْ بِحَيْثُ يُؤْذِي الْمُصَلِّينَ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ إذَنْ. وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: إذَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِرْكَةٌ يُغْلَقُ عَلَيْهَا بَابُ الْمَسْجِدِ لَكِنْ يُمْشَى حَوْلَهَا دُونَ أَنْ يُصَلَّى حَوْلَهَا، هَلْ يَحْرُمُ الْبَوْلُ عِنْدَهَا وَالِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ بِغَيْرِ الِاسْتِجْمَارِ بِالْحَجَرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ الْجَوَابُ: هَذَا يُشْبِهُ الْبَوْلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْقَارُورَةِ قَالَ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ هَذَا إذَا فُعِلَ لِلْحَاجَةِ فَقَرِيبٌ، وَأَمَّا اتِّخَاذُ ذَلِكَ مَبَالًا أَوْ مُسْتَنْجًى فَلَا. (وَلَا يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ إنَاءٍ نُحَاسٍ وَنَحْوِهِ) كَحَدِيدٍ وَرَصَاصٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْآنِيَةِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تَوَضَّأَ مِنْ تَوْرِ نُحَاسٍ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ (مِنْ إنَاءٍ بَعْضُهُ نَجِسٌ) بِحَيْثُ يَأْمَنُ التَّلْوِيثَ (وَلَا) يُكْرَهُ طُهْرُهُ مِنْ (مَاءٍ بَاتَ مَكْشُوفًا وَمِنْ مُغَطًّى أَوْلَى) قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَمِنْ مُغَطًّى أَفْضَلُ، وَاحْتَجَّ بِنُزُولِ الْوَبَاءِ فِيهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ يَخْتَصُّ الشُّرْبُ أَوْ يَعُمُّ؟ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى حَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ وَلَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ» . (وَيُسَنُّ عَقِبَ فَرَاغِهِ مِنْ الْوُضُوءِ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ وَقَوْلُ «أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكِ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مَنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» ) لِحَدِيثِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ قَالَ «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيَهْلَغُ، أَوْ فَيُسْبِغُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إلَّا فُتِّحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ فِيهِ «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهِّرِينَ» وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السَّمَاءِ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ» لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ فَقَالَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِطَابَعٍ ثُمَّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَمْ تُكْسَرْ
إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. قَالَ السَّامِرِيُّ: وَيَقْرَأ سُورَةَ الْقَدْرِ ثَلَاثًا وَالْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَغَيْرِهِمَا بِالِاسْتِغْفَارِ، كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ النَّصْرِ: أَنَّ الْعِبَادَ مُقَصِّرُونَ عَنْ الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ كَمَا يَنْبَغِي وَعَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَإِنَّمَا يُؤَدُّونَهَا عَلَى قَدْرِ مَا يُطِيقُونَهُ، فَالْعَارِفُ يَعْرِفُ أَنَّ قَدْرَ الْحَقِّ أَعْلَى وَأَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ يَسْتَحِي مِنْ عَمَلِهِ وَيَسْتَغْفِرُ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِيهِ كَمَا يَسْتَغْفِرُ غَيْرُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ وَغَفَلَاتِهِ، قَالَ وَالِاسْتِغْفَارُ يَرِدُ مُجَرَّدًا وَمَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ، فَإِنْ وَرَدَ مُجَرَّدًا دَخَلَ فِيهِ طَلَبُ وِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمَاضِي بِالدُّعَاءِ وَالنَّدَمِ عَلَيْهِ، وَوِقَايَةِ شَرِّ الذَّنْبِ الْمُتَوَقَّعِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْإِقْلَاعِ عَنْهُ وَهَذَا الِاسْتِغْفَارُ الَّذِي يَمْنَعُ الْإِصْرَارَ وَالْعُقُوبَةَ وَإِنْ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالتَّوْبَةِ اخْتَصَّ بِالنَّوْعِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ لَمْ يَصْحَبْهُ النَّدَمُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي بَلْ كَانَ سُؤَالًا مُجَرَّدًا فَهُوَ دُعَاءٌ مَحْضٌ وَإِنْ صَحِبَهُ نَدَمٌ فَهُوَ تَوْبَةٌ وَالْعَزْمُ عَلَى الْإِقْلَاعِ مِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ (وَكَذَا) يَقُولُ ذَلِكَ (بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ ذَلِكَ بَعْدَ الْغُسْلِ وَلَمْ يَذْكُرُوهُ. " خَاتِمَةٌ ": اُخْتُلِفَ فِي الْوُضُوءِ هَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِهَا، مُسْتَدِلِّينَ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ» . وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِهَا وَإِنَّمَا الْمَخْصُوصُ بِهَا الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ فَقَطْ وَاحْتَجُّوا بِالْحَدِيثِ الْآخَرِ «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي» وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِضَعْفِهِ، وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا بِالْأَنْبِيَاءِ دُونَ أُمَمِهِمْ، لَا بِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَرُدَّ بِأَنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ، فَفِي قِصَّةِ جُرَيْجٍ الرَّاهِبِ لَمَّا رَمَوْهُ بِالْمَرْأَةِ أَنَّهُ تَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ قَالَ لِلْغُلَامِ مَنْ أَبُوك قَالَ هَذَا الرَّاعِي وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ إبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا مَرَّ عَلَى الْجَبَّارِ وَمَعَهُ سَارَةُ أَنَّهَا لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى الْجَبَّارِ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ وَدَعَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
باب مسح الخفين وسائر الحوائل
[بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ] (بَابُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ) أَعْقَبَهُ لِلْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ أَوْ مَسْحِ مَا تَحْتَهُ فِيهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَسْحُ الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ غَيْرَ الْجَبِيرَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي (رُخْصَةٌ) وَهِيَ لُغَةً السُّهُولَةُ، وَشَرْعًا مَا ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لِمُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَعَنْهُ عَزِيمَةٌ وَهِيَ لُغَةً الْقَصْدُ الْمُؤَكَّدُ، وَشَرْعًا حُكْمٌ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ خَالٍ عَنْ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ وَالرُّخْصَةُ وَالْعَزِيمَةُ وَصْفَانِ لِلْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْ فَوَائِدِهِمَا الْمَسْحَ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَتَعْيِينَ الْمَسْحِ عَلَى لَابِسِهِ قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. (وَ) الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ (أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ) ؛ لِأَنَّهُ وَأَصْحَابَهُ إنَّمَا طَلَبُوا الْأَفْضَلَ وَفِيهِ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (وَيَرْفَعُ) مَسْحُ الْحَائِلِ (الْحَدَثَ) عَمَّا تَحْتَهُ (نَصًّا) وَإِنْ كَانَ مُؤَقَّتًا؛ لِأَنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِالْمَسْحِ فَضْلٌ لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ بِهِ لِوُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِالْغَسْلِ (إلَّا أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (لِيَمْسَحَ) عَلَيْهِ كَمَا كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ، إذَا كَانَتَا مَكْشُوفَتَيْنِ، وَيَمْسَحُ قَدَمَيْهِ إذَا كَانَ لَابِسًا لِلْخُفِّ، فَالْأَفْضَلُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِحَالِ قَدَمِهِ، كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَ (كَالسَّفَرِ، لِيَتَرَخَّصَ) فَإِنَّهُ لَا يُطْلَبُ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَأْتِي لَوْ سَافَرَ لِيَنْظُرَ جُرْمًا (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ) أَيْ: الْخُفِّ. (مَعَ مُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَكْرُوهَةٌ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ، فَكَذَلِكَ اللُّبْسُ الَّذِي يُرَادُ لِلصَّلَاةِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ. وَرُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبُولَ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَبِسَهُمَا عِنْدَ غَلَبَةِ النُّعَاسِ وَالصَّلَاةُ إنَّمَا كُرِهَتْ لِلْحَاقِنِ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَ قَلْبِهِ بِمُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ يَذْهَبُ بِخُشُوعِ الصَّلَاةِ، وَيَمْنَعُ الْإِتْيَانَ بِهَا عَلَى الْكَمَالِ، وَيَحْمِلُهُ عَلَى الْعَجَلَةِ وَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ فِي اللُّبْسِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى خُفٍّ) فِي رِجْلَيْهِ لِثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ الصَّرِيحَةِ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ رَوَى الْمَسْحَ سَبْعُونَ نَفْسًا، فِعْلًا مِنْهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ فِي قَلْبِي مِنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ شَيْءٌ، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمِنْ أُمَّهَاتِهَا حَدِيثُ جَرِيرٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ» . قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْأَمْرُ الْوَارِدُ فِيهَا بِغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ نَاسِخًا لِلْمَسْحِ، كَمَا صَارَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ وَقَدْ اسْتَنْبَطَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ وَأَرْجُلِكُمْ بِالْجَرِّ، وَحَمْلِ قِرَاءَةِ النَّصْبِ عَلَى الْغُسْلِ، لِئَلَّا تَخْلُوَ إحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَنْ فَائِدَةٍ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جُرْمُوقٍ) وَهُوَ (خُفٌّ قَصِيرٌ) لِمَا رَوَى بِلَالٌ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَلَى الْمُوقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ بِلَالٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «امْسَحُوا عَلَى النَّصِيفِ وَالْمُوقِ» ، أَيْ: الْجُرْمُوقِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ مِثَالُ الْخُفِّ، يُلْبَسُ فَوْقَهُ لَا سِيَّمَا فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ كَذَا كُلُّ كَلِمَةٍ فِيهَا جِيمٌ وَقَافٌ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا عَلَى (جَوْرَبٍ صَفِيقٍ مِنْ صُوفٍ أَوْ غَيْرِهِ) قَالَ الزَّرْكَشِيّ: هُوَ غِشَاءٌ مِنْ صُوفٍ يُتَّخَذُ لِلدِّفْءِ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَعَلَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ عَلَى هَيْئَةِ الْخُفِّ مِنْ غَيْرِ الْجِلْدِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يُرْوَى إبَاحَةُ الْمَسْحِ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ عَنْ تِسْعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَبِلَالٍ وَابْنِ أَبِي أَوْفَى وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ نُعِلَا أَوْ لَمْ يُنْعَلَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ. (وَإِنْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (غَيْرَ مُجَلَّدٍ أَوْ) مُنْعَلٍ (أَوْ كَانَ) الْجَوْرَبُ (مِنْ خِرَقٍ) وَأَمْكَنَتْ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنْ يُنْعَلَا؛ لِأَنَّهُمَا لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِمَا فَهُمَا كَالرُّقْعَتَيْنِ وَلَنَا حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ وَالنَّعْلَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا كَانَا غَيْرَ مَنْعُولَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا كَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ النَّعْلَيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ: مَسَحَ عَلَى الْخُفِّ وَنَعْلِهِ وَلِأَنَّهُ قَوْلُ مَنْ ذَكَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَوَارِبُ فِي مَعْنَى الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَتَكَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ بَعْضُهُمْ قَالَ أَبُو دَاوُد كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُحَدِّثُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ، عَنْ الْمُغِيرَةِ الْخُفَّيْنِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهَذَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا، لِجَوَازِ رِوَايَةِ اللَّفْظَيْنِ، فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (حَتَّى لِزَمِنٍ) لَا يُمْكِنُهُ الْمَشْيُ لِعَاهَةٍ لِلْعُمُومِ. (وَمَنْ لَهُ
رِجْلٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يَبْقَ مِنْ فَرْضِ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى شَيْءٌ) فَلَبِسَ مَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ فِي الْبَاقِيَةِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ لِفَرْضِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ لَبِسَ خُفًّا فِي إحْدَى رِجْلَيْهِ مَعَ بَقَاءِ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضِهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ، وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ بَعْضَهَا، وَأَرَادَ الْمَسْحَ عَلَيْهِ وَغَسَلَ الْأُخْرَى أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَجِبُ غَسْلُ مَا فِي الْخُفِّ تَبَعًا لِلَّتِي غَسَلَهَا لِئَلَّا يَجْمَعَ بَيْنَ الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ. (وَ) حَتَّى (لِمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا) ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْعُذْرِ أَحَقُّ بِالتَّرَخُّصِ مِنْ غَيْرِهِ وَطَهَارَتُهَا كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا، بَلْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ (إلَّا لِمُحْرِمٍ لَبِسَهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ لِحَاجَةٍ) كَعَدَمِ النَّعْلَيْنِ، فَلَا يَمْسَحُ عَلَيْهِمَا كَمَا لَوْ لَبِسَتْ الْمَرْأَةُ الْعِمَامَةَ لِحَاجَةِ بَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ وَهُوَ أَظْهَرُ. قَالَ الْمُنَقِّحُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ، لِإِطْلَاقِهِمْ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَلَمْ يَسْتَثْنُوا أَحَدًا وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ إلَّا فِي الْفُرُوعِ وَعِنْدَهُ تَحْقِيقٌ انْتَهَى قُلْتُ قَدْ يُقَالُ: قَوْلُ الْأَصْحَابِ فِي اشْتِرَاطِ الْمَسْحِ إبَاحَةَ الْخُفِّ مُطْلَقًا يَمْنَعُ قَوْلَهُ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْخُفَّ لَا يُبَاحُ لِلْمُحْرِمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ لِلْحَاجَةِ، فَهُوَ كَخُفٍّ مِنْ حَرِيرٍ لِضَرُورَةٍ. (وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى عَمَائِمِ ذُكُورٍ) لِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ أُمَيَّةَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْعِمَامَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» وَبِهِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عُمَرَ مَنْ لَمْ يُطَهِّرْهُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلَا طَهَّرَهُ اللَّهُ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى (جَبَائِرَ، جَمْعُ جَبِيرَةٍ وَهِيَ أَخْشَابٌ أَوْ نَحْوُهَا تُرْبَطُ عَلَى الْكَسْرِ أَوْ نَحْوِهِ) كَالْجُرْحِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَفَاؤُلًا، لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَاحِبِ الشَّجَّةِ «إنَّمَا يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْضُدَ أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً وَيَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَ) يَصِحُّ الْمَسْحُ أَيْضًا (عَلَى خُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَمْسَحُ عَلَى خِمَارِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «امْسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ وَالْخِمَارِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ سَاتِرٌ
يَشُقُّ نَزْعُهُ أَشْبَهَ الْعِمَامَةَ الْمُحَنَّكَةَ. وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْوِقَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَهِيَ كَطَاقِيَّةِ الرَّجُلِ وَ (لَا) عَلَى (الْقَلَانِسِ) جَمْعُ قَلَنْسُوَةٍ أَوْ قَلَنْسِيَةٍ (وَهِيَ مُبَطَّنَاتٌ تُتَّخَذُ لِلنَّوْمِ وَ) لَا عَلَى (الدَّنِيَّاتِ) وَهِيَ (قَلَانِسُ كِبَارٌ أَيْضًا كَانَتْ الْقُضَاةُ تَلْبَسُهَا) قَدِيمًا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هِيَ عَلَى هَيْئَةِ مَا تَتَّخِذُهُ الصُّوفِيَّةُ الْآنَ، وَوَجْهُ عَدَمِ الْمَسْحِ عَلَيْهَا: أَنَّهُ لَا يَشُقُّ نَزْعُهَا فَلَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كَالْكَلْوَتَةِ. (وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَسَائِرِ الْحَوَائِلِ (أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَالَ هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ: وَأَيْضًا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (وَلَوْ مَسَحَ فِيهَا) أَيْ: الطَّهَارَةِ (عَلَى خُفٍّ) بِأَنْ لَبِسَ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً فَلَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا (أَوْ) مَسَحَ فِي الطَّهَارَةِ عَلَى (عِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ) أَيْ: لَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ لَبِسَ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً ثُمَّ أَحْدَثَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَبِسَ خُفًّا جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ تَرْفَعُ الْحَدَثَ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَسَلَ الْكُلَّ. (أَوْ غَسَلَ صَحِيحًا وَتَيَمَّمَ لِجُرْحٍ) ثُمَّ لَبِسَ حَائِلًا، جَازَ لَهُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَهُ طَهَارَةٌ كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (فَلَا يَمْسَحُ عَلَى خُفٍّ) وَلَا جُرْمُوقٍ وَلَا جَوْرَبٍ وَلَا عِمَامَةٍ وَلَا خِمَارٍ وَلَا جَبِيرَةٍ (لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا (وَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (خَلَعَ) الْخُفَّ (ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى) لِتَكْمُلَ الطَّهَارَةُ. (وَلَوْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً) قَبْلَ غَسْلِ الْأُخْرَى (ثُمَّ غَسَلَ) الرِّجْلَ (الْأُخْرَى وَأَدْخَلَهَا) خُفَّهَا (لَمْ يَمْسَحْ) ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُ لِلْخُفَّيْنِ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (فَإِنْ خَلَعَ الْأُولَى ثُمَّ لَبِسَهَا) مَعَ بَقَاءِ طَهَارَتِهِ (جَازَ) لَهُ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ لُبْسَهُمَا بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ (وَإِنْ تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَ لُبْسِهِ) الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (أَوْ) تَطَهَّرَ ثُمَّ أَحْدَثَ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ لُبْسِهِ الْخُفَّ أَوْ نَحْوَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ عَلَى طَهَارَةٍ (قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الْقَدَمُ إلَى مَوْضِعِهَا) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ؛ لِأَنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْ فِي مَقَرِّهَا وَهُوَ مُحْدِثٌ فَصَارَ كَمَا لَوْ بَدَأَ اللُّبْسَ وَهُوَ مُحْدِثٌ. (أَوْ
لَبِسَهُ) أَيْ: الْخُفَّ وَنَحْوَهُ (مُحْدِثًا ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ (أَوْ) لَبِسَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّهَارَةِ (قَبْلَ كَمَالِ طَهَارَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُمَا) أَيْ: الرِّجْلَيْنِ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْمَسْحُ (أَوْ نَوَى جُنُبٌ وَنَحْوُهُ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (رَفْعَ حَدَثِهِ، ثُمَّ غَسَلَهُمَا، وَأَدْخَلَهُمَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ لَمْ يَجُزْ) لَهُ (الْمَسْحُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْبَسْهُ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ. (وَإِنْ) غَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَ (مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ لَبِسَ الْعِمَامَةَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَلَعَ) الْعِمَامَةَ (ثُمَّ) لَبِسَهَا لِيُوجَدَ شَرْطُ الْمَسْحِ كَالْخُفِّ (وَلَوْ شَدَّ الْجَبِيرَةَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ) بِالْمَاءِ (نَزَعَ) الْجَبِيرَةَ إذَا تَطَهَّرَ لِيَغْسِلَ مَا تَحْتَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ تَقَدُّمَ الطَّهَارَةِ عَلَى شَدِّهَا شَرْطٌ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي وَالشَّرِيفِ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبْدُوسٍ. وَقَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ أَشْبَهَ الْخُفَّ وَعَنْهُ لَا يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَابْنُ عَقِيلٍ وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ فِيهِ وَالْمُوَفَّقُ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِلْأَخْبَارِ وَلِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ خَافَ) مِنْ نَزْعِهَا تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا تَيَمَّمَ لِغَسْلِ مَا تَحْتَهَا؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ يُخَافُ الضَّرَرُ، بِاسْتِعْمَالِهِ الْمَاءَ فِيهِ فَجَازَ (التَّيَمُّمُ) لَهُ، كَجُرْحٍ غَيْرِ مَشْدُودٍ (فَلَوْ عَمَّتْ) الْجَبِيرَةُ (مَحَلَّ الْفَرْضِ) فِي التَّيَمُّمِ، بِأَنْ عَمَّتْ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ. (كَفَى مَسْحُهَا بِالْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ التَّيَمُّمِ وَالْمَسْحِ بَدَلٌ عَنْ الْغَسْلِ فَإِذَا تَعَذَّرَ أَحَدُهُمَا وَجَبَ الْآخَرُ (وَيَمْسَحُ مُقِيمٌ، وَلَوْ عَاصِيًا بِإِقَامَةٍ، كَمَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ بِسَفَرٍ فَأَبَى) أَنْ يُسَافِرَ: يَوْمًا وَلَيْلَةً. (وَ) يَمْسَحُ (عَاصٍ بِسَفَرِهِ) بَعِيدًا كَانَ أَوْ قَرِيبًا (يَوْمًا وَلَيْلَةً) وَكَذَا مُسَافِرٌ دُونَ الْمَسَافَةِ،؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ. (وَ) يَمْسَحُ (مُسَافِرٌ سَفَرَ قَصْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ) لِمَا رَوَى شُرَيْحُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ وَيَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ فَإِنْ خَافَ أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ نَصَّ عَلَيْهِ وَيَمْسَحُ الْمُدَّةَ الْمَذْكُورَةَ لَابِسُ الْخُفَّيْنِ (وَلَوْ مُسْتَحَاضَةٌ وَنَحْوُهَا) كَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ أَوْ نَحْوُهُ، لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ (مِنْ وَقْتِ حَدَثٍ بَعْدَ لُبْسٍ إلَى مِثْلِهِ) مِنْ الثَّانِي أَوْ الرَّابِع لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ
اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا كُنَّا مُسَافِرِينَ أَوْ سَفَرًا: أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَنَوْمٍ وَبَوْلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ: أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ مِنْ الْغَائِطِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ فَاعْتُبِرَ لَهَا أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ. (فَلَوْ مَضَتْ الْمُدَّةُ) بِأَنْ مَضَى مِنْ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إنْ كَانَ مُسَافِرًا (وَلَمْ يَمْسَحْ فِيهَا) عَلَى الْخُفِّ أَوْ نَحْوِهِ (خَلَعَ) لِفَرَاغِ مُدَّتِهِ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ فَلَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ، فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ ثُمَّ أَحْدَثَ اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ وَهَذَا التَّوْقِيتُ السَّابِقُ مُفَصَّلًا فِي غَيْرِ الْجَبِيرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَ) يَمْسَحُ عَلَى (جَبِيرَةٍ إلَى حَلِّهَا) ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا وَالضَّرُورَةُ تَدْعُو إلَى مَسْحِهَا إلَى حَلِّهَا فَقَدَّرَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ وَبُرْؤُهَا كَحَلِّهَا بَلْ أَوْلَى. (وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا ثُمَّ أَقَامَ أَتَمَّ بَقِيَّةَ مَسْحِ مُقِيمٍ، إنْ كَانَتْ) أَيْ: وُجِدَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ مِنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ مَضَى بَعْدَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَأَكْثَرُ ثُمَّ أَقَامَ (خَلَعَ) الْخُفَّ وَنَحْوَهُ لِانْقِطَاعِ السَّفَرِ فَلَوْ تَلَبَّسَ بِصَلَاةٍ فِي سَفِينَةٍ فَدَخَلَتْ الْإِقَامَةُ فِي أَثْنَائِهَا بَعْدَ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَبْطَلَتْ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ انْتَهَى وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ. (وَإِنْ مَسَحَ مُقِيمٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ سَافَرَ) أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ، تَغْلِيبًا لِلْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (أَوْ شَكَّ هَلْ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْغَسْلُ وَالْمَسْحُ رُخْصَةٌ فَإِذَا وَقَعَ الشَّكُّ فِي شَرْطِهَا رُدَّ إلَى الْأَصْلِ وَسَوَاءٌ شَكَّ هَلْ أَوَّلُ مَسْحِهِ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ، أَوْ عَلِمَ أَوَّلَ الْمُدَّةِ، أَوْ شَكَّ هَلْ كَانَ مَسْحُهُ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا. (وَإِنْ شَكَّ) الْمَاسِحُ (فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا، مَا دَامَ الشَّكُّ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ جُوِّزَتْ بِشَرْطٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ بَقَاءُ شَرْطِهَا رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) أَيْ: مَسَحَ مَعَ الشَّكِّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ (فَبَانَ بَقَاؤُهَا صَحَّ وُضُوءُهُ) وَلَا يُصَلِّي بِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ بَقَاؤُهَا فَإِنْ صَلَّى مَعَ الشَّكِّ أَعَادَ. (وَمَنْ أَحْدَثَ) فِي الْحَضَرِ (ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ) ؛ لِأَنَّهُ ابْتَدَأَ الْمَسْحَ مُسَافِرًا (وَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إلَّا عَلَى مَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ) وَهُوَ الْقَدَمُ كُلُّهُ، وَإِلَّا فَحُكْمُ مَا اسْتَتَرَ الْمَسْحُ، وَمَا ظَهَرَ الْغَسْلُ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ الْغَسْلُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَ) مِنْ شَرْطِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ أَيْضًا: أَنْ (يَثْبُتَ بِنَفْسِهِ) إذْ الرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي الْخُفِّ الْمُعْتَادِ، وَمَا لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى مَا يَسْقُطُ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ (أَوْ) أَنْ
يَثْبُتَ (بِنَعْلَيْنِ ف) لَوْ ثَبَتَ الْجَوْرَبَانِ بِالنَّعْلَيْنِ فَإِنَّهُ (يَصِحُّ) الْمَسْحُ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمُدَّةِ (إلَى خَلْعِهِمَا) وَيَجِبُ أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ، وَسُيُورِ النَّعْلَيْنِ قَدْرَ الْوَاجِبِ، قَالَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قَالَ فِي الصُّغْرَى وَالْحَاوِيَيْنِ: مَسَحَهُمَا، وَقِيلَ: يُجْزِي مَسْحُ الْجَوْرَبِ وَحْدَهُ. وَقِيلَ: أَوْ النَّعْلِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ إجْزَاءُ الْمَسْحِ عَلَى أَحَدِهِمَا قَدْرَ الْوَاجِبِ قُلْتُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَذْهَبَ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَ (لَا) يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى خُفٍّ يَثْبُتُ (بِشَدِّهِ) فَقَطْ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ ثَبَتَ) الْخُفُّ وَنَحْوُهُ (بِنَفْسِهِ لَكِنْ بِبُدُوِّ بَعْضِهِ لَوْلَا شَدُّهُ أَوْ شَرْجُهُ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ عُرًى (كَالزُّرْبُولِ الَّذِي لَهُ سَاقٌ) (فَيَدْخُلُ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ فَيَسْتَتِرُ بِذَلِكَ مَحَلُّ الْفَرْضِ) (وَنَحْوِهِ صَحَّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ أَشْبَهَ غَيْرَ ذِي الشَّرْجِ. (وَمِنْ شَرْطِهِ) أَيْ: الْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (أَيْضًا إبَاحَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رُخْصَةٌ، فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمَعْصِيَةِ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ (مَغْصُوبٍ، وَ) لَا (حَرِيرٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ، كَمَنْ هُوَ فِي بَلَدِ ثَلْجٍ، وَخَافَ سُقُوطَ أَصَابِعِهِ) بِخَلْعِ الْخُفِّ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْحَرِيرِ فَلَا يَسْتَبِيحُ الْمَسْحَ عَلَيْهِ،؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي الْأَصْلِ وَهَذِهِ ضَرُورَةٌ نَادِرَةٌ. (فَإِنْ صَلَّى) وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهِ إذَنْ (أَعَادَ الطَّهَارَةَ وَالصَّلَاةَ) لِبُطْلَانِهِمَا (وَيَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى) خُفٍّ وَنَحْوِهِ (حَرِيرٍ لِأُنْثَى فَقَطْ) دُونَ خُنْثَى وَذَكَرٍ لِإِبَاحَتِهِ لَهَا دُونَهُمَا وَلَوْ صَغِيرَيْنِ (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا) فِي مَسْحِ الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (إمْكَانُ الْمَشْيِ فِيهِ) أَيْ: الْمَمْسُوحِ مِنْ خُفٍّ وَنَحْوِهِ عُرْفًا. (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ الْجُلُودُ وَاللُّبُودُ وَالْخَشَبُ وَالزُّجَاجُ وَالْحَدِيدُ وَنَحْوُهَا) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ يُمْكِنُ الْمَشْيُ فِيهِ أَشْبَهَ الْجُلُودَ (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (طَهَارَةُ عَيْنِهِ) لِأَنَّ نَجِسَ الْعَيْنِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (فَلَا يَصِحُّ) الْمَسْحُ (عَلَى نَجِسٍ وَلَوْ فِي ضَرُورَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَرِيرِ (فَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا) أَيْ: الضَّرُورَةِ (لِلرِّجْلَيْنِ) أَيْ: لَا بُدَّ عَنْ غَسْلِهِمَا. وَكَذَا لَوْ كَانَ النَّجِسُ عِمَامَةً أَوْ جَبِيرَةً وَتَضَرَّرَ بِنَزْعِهَا يَتَيَمَّمُ لِمَا تَحْتَهَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَيَتَيَمَّمُ مَعَهَا لِمَسْتُورٍ (وَلَا يَمْسَحُ) عَلَى النَّجِسِ (وَيُعِيدُ) مَا صَلَّى بِهِ؛ لِأَنَّهُ حَامِلٌ لِلنَّجَاسَةِ (وَلَوْ مَسَحَ عَلَى خُفٍّ طَاهِرِ الْعَيْنِ لَكِنْ بِبَاطِنِهِ أَوْ قَدَمِهِ نَجَاسَةً لَا يُمْكِنُ إزَالَتُهَا إلَّا بِنَزْعِهِ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ. (وَيَسْتَبِيحُ بِذَلِكَ مَسَّ الْمُصْحَفِ وَيَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُزِيلُ) بِهِ (النَّجَاسَةَ وَغَيْرَ ذَلِكَ) كَالطَّوَافِ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ قَبْلَ الِاسْتِنْجَاءِ وَفَرَّقَ الْمَجْدُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَحَلِّ
هُنَاكَ لَمَّا أَوْجَبَتْ الطَّهَارَتَيْنِ جَعَلَتْ إحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى وَهَذَا مَعْدُومٌ هُنَا (وَيُشْتَرَطُ) فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ أَيْضًا (أَنْ لَا يَصِفَ الْقَدَمَ لِصَفَائِهِ كَالزُّجَاجِ الرَّقِيقِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ. وَكَذَا مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ لِخِفَّتِهِ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (خَرْقٌ أَوْ غَيْرُهُ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ، وَلَوْ مِنْ مَوْضِعِ الْخَرْزِ، لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ سَتْرِهِ مَحَلَّ الْفَرْضِ (فَإِنْ انْضَمَّ الْخَرْقُ وَنَحْوُهُ بِلُبْسِهِ جَازَ الْمَسْحُ) لِحُصُولِ الشَّرْطِ وَهُوَ سَتْرُ مَحَلِّ الْفَرْضِ وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَكُونَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ مَحَلُّ الْفَرْضِ. (وَإِنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيْهِ آخَرَ وَكَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (صَحِيحَيْنِ مَسَحَ أَيَّهُمَا شَاءَ) ف (إنْ شَاءَ) مَسَحَ (الْفَوْقَانِيَّ) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ، أَشْبَهَ الْمُنْفَرِدَ (وَإِنْ شَاءَ) مَسَحَ (التَّحْتَانِيَّ، بِأَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْفَوْقَانِيِّ فَيَمْسَحَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَحَلٌّ لِلْمَسْحِ فَجَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ كَمَا يَجُوزُ غَسْلُ قَدَمَيْهِ فِي الْخُفِّ، مَعَ جَوَازِ الْمَسْحِ عَلَيْهِ. (وَلَوْ لَبِسَ أَحَدَ الْجُرْمُوقَيْنِ فِي أَحَدِ الرِّجْلَيْنِ) فَوْقَ خُفِّهَا (دُونَ) الرِّجْلِ (الْأُخْرَى) فَلَمْ يَلْبَسْ فِيهَا جَوْرَبًا، بَلْ الْخُفَّ فَقَطْ (جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْجَوْرَبِ الَّذِي لَبِسَهُ فَوْقَ الْخُفِّ وَعَلَى الْخُفِّ (الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى) ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِهِ وَبِالْخُفِّ الَّذِي فِي الرِّجْلِ الْأُخْرَى، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ شَيْءٌ (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أَيْ: الْخُفَّيْنِ اللَّذَيْنِ لَبِسَ أَحَدَهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (صَحِيحًا) وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (جَازَ الْمَسْحُ عَلَى الْفَوْقَانِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمَا كَخُفٍّ وَاحِدٍ وَكَذَا إنْ لَبِسَ عَلَى صَحِيحٍ مُخَرَّقًا نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَا يَجُوزُ) الْمَسْحُ (عَلَى) الْخُفِّ (التَّحْتَانِيِّ) إذَا كَانَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ صَحِيحًا وَالْآخَرُ مُفَتَّقًا (إلَّا أَنْ يَكُونَ) التَّحْتَانِيُّ (هُوَ الصَّحِيحُ) فَيَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سَاتِرٌ بِنَفْسِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْفَوْقَانِيُّ هُوَ الصَّحِيحُ فَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ إذَنْ عَلَى التَّحْتَانِيِّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ بِنَفْسِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَكُلٌّ مِنْ الْخُفِّ الْفَوْقَانِيِّ وَالتَّحْتَانِيِّ بَدَلٌ مُسْتَقِلٌّ مِنْ الْغَسْلِ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَإِنْ كَانَا) أَيْ: الْخُفَّانِ (مُخَرَّقَيْنِ) وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ (وَسَتَرَا) مَحَلَّ الْفَرْضِ (لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ) عَلَيْهِمَا وَلَا عَلَى أَحَدِهِمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ صَالِحٍ لِلْمَسْحِ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا لَوْ لَبِسَ مُخَرَّقًا فَوْقَ لِفَافَةٍ (وَإِنْ نَزَعَ الْفَوْقَانِيَّ قَبْلَ مَسْحِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ) كَمَا لَوْ انْفَرَدَ. (وَإِنْ) تَوَضَّأَ وَلَبِسَ خُفًّا ثُمَّ (أَحْدَثَ ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الْآخَرَ) لَمْ يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَبِسَهُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ بَلْ عَلَى الْأَسْفَلِ (أَوْ مَسَحَ) الْخُفَّ (الْأَوَّلَ) بَعْدَ حَدَثِهِ (ثُمَّ لَبِسَ) الْخُفَّ (الثَّانِيَ) وَلَوْ عَلَى طَهَارَةٍ (لَمْ
يَجُزْ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْخُفَّ الْمَمْسُوحَ بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهُ وَالْبَدَلُ لَا يَكُونُ لَهُ بَدَلٌ آخَرُ (بَلْ عَلَى الْأَسْفَلِ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ. (وَإِنْ) لَبِسَ خُفًّا عَلَى آخَرَ قَبْلَ الْحَدَثِ وَمَسَحَ الْأَعْلَى، ثُمَّ (نَزَعَ الْمَمْسُوحَ الْأَعْلَى لَزِمَهُ نَزْعُ التَّحْتَانِيِّ) وَإِعَادَةُ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمَسْحِ وَنَزْعُهُ كَنَزْعِهِمَا وَالرُّخْصَةُ تَعَلَّقَتْ بِهِمَا، فَصَارَ كَانْكِشَافِ الْقَدَمِ (وَقَشْطُ ظِهَارَةِ الْخُفِّ) بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ ضِدُّ الْبِطَانَةِ (بَعْدَ الْمَسْحِ عَلَيْهِ لَا تُؤَثِّرُ) فِي الْوُضُوءِ لِبَقَاءِ سَتْرِ مَحَلِّ الْفَرْضِ. (وَيَمْسَحُ) خُفًّا (صَحِيحًا) لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ (عَلَى لِفَافَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ خُفٌّ سَاتِرٌ لِمَحَلِّ الْفَرْضِ أَشْبَهَ مَا لَوْ انْفَرَدَ، وَلَا يَمْسَحُ خُفًّا (مُخَرَّقًا) لَبِسَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى لِفَافَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتُرُ مَحَلَّ الْفَرْضِ، كَمَا لَوْ انْفَرَدَ (وَلَا) يَمْسَحُ (لَفَائِفَ وَحْدَهَا) وَهِيَ خِرَقٌ تُشَدُّ عَلَى الرِّجْلِ تَحْتَهَا نَعْلٌ أَوْ لَا، وَلَوْ مَعَ مَشَقَّةٍ فِي الْأَصَحِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَيَجِبُ مَسْحُ أَكْثَرِ أَعْلَى خُفٍّ وَنَحْوِهِ) كَجَوْرَبٍ وَجُرْمُوقٍ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَلَا يُسَنُّ اسْتِيعَابُهُ مَرَّةً فَلَا يَجِبُ تَكْرَارُهُ، بَلْ وَلَا يُسَنُّ (دُونَ أَسْفَلِهِ) أَيْ: الْخُفِّ (وَعَقِبِهِ، فَلَا يُجْزِي مَسْحُهُمَا) عَنْ مَسْحِ ظَاهِرِهِ (بَلْ وَلَا يُسَنُّ) مَسْحُهُمَا مَعَ مَسْحِ ظَاهِرِهِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْيِ لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ فَبَيَّنَ أَنَّ الرَّأْيَ وَإِنْ اقْتَضَى مَسْحَ أَسْفَلِهِ، إلَّا أَنَّ السُّنَّةَ أَحَقُّ أَنْ تُتَّبَعَ؛ لِأَنَّ أَسْفَلَهُ مَظِنَّةُ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَكَثْرَةِ الْوَسَخِ، فَمَسْحُهُ يُفْضِي إلَى تَلَوُّثِ الْيَدِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ» فَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ: مِنْ وَجْهٍ ضَعِيفٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ مَعْلُولٌ: وَقَالَ سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا - أَيْ: الْبُخَارِيَّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. (وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الْمَرَّةِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ (فَيَضَعُ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ ثُمَّ يُمِرُّهُمَا عَلَى مِشْطَيْ قَدَمَيْهِ إلَى سَاقَيْهِ) هَذَا صِفَةُ الْمَسْحِ الْمَسْنُونِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى خُفِّهِ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ مَسَحَ إلَى أَعْلَاهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً» (فَإِنْ بَدَأَ) فِي الْمَسْحِ مِنْ سَاقِهِ (إلَى أَصَابِعِهِ أَجْزَأَهُ) قَالَ أَحْمَدُ كَيْفَمَا فَعَلْتَ فَهُوَ جَائِزٌ. (وَيُسَنُّ مَسْحُ) الرِّجْلِ (الْيُمْنَى ب) الْيَدِ (الْيُمْنَى) (وَ) الرِّجْلُ (الْيُسْرَى
ب) الْيَدِ (الْيُسْرَى) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ السَّابِقِ. (وَفِي التَّلْخِيصِ وَالتَّرْغِيبِ: يُسَنُّ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى) وَحَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْبُلْغَةِ، وَقَالَ حَدِيثُ الْمُغِيرَةِ السَّابِقُ لَيْسَ فِيهِ تَقْدِيمٌ. (وَحُكْمُ مَسْحِهِ بِإِصْبَعٍ أَوْ إصْبَعَيْنِ إذَا كَرَّرَ الْمَسْحَ بِهَا) أَيْ: بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْإِصْبَعِ أَوْ الْإِصْبَعَيْنِ (حَتَّى يَصِيرَ الْمَسْحُ) بِهَا (مِثْلَ الْمَسْحِ بِأَصَابِعِهِ) حُكْمَ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْإِجْزَاءِ (أَوْ) أَيْ: وَحُكْمُ الْمَسْحِ (بِحَائِلٍ كَخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَخَشَبَةٍ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْإِجْزَاءِ (وَ) حُكْمُ (غَسْلِهِ حُكْمُ مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فَيُجْزِي إنْ مَسَحَهُ مَعَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا (وَيُكْرَهُ غَسْلُهُ) أَيْ: الْخُفِّ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُ. (وَيَصِحُّ) أَيْ: يَجِبُ (مَسْحُ دَوَائِرِ عِمَامَةٍ) أَمَّا صِحَّةُ الْمَسْحِ عَلَى الْعِمَامَةِ فَلِمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْوَاجِبِ مَسْحَ أَكْثَرِهَا: فَلِأَنَّهَا مَمْسُوحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ، فَأَجْزَأَ فِيهَا ذَلِكَ كَالْخُفِّ، وَاخْتَصَّ ذَلِكَ بِأَكْوَارِهَا وَهِيَ دَوَائِرُهَا (دُونَ وَسَطِهَا) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ أَسْفَلَ الْخُفِّ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ (إذَا كَانَتْ مُبَاحَةً) بِأَنْ لَا تَكُونَ مُحَرَّمَةً كَمَغْصُوبَةٍ أَوْ حَرِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخُفِّ، وَأَنْ تَكُونَ (مُحَنَّكَةً) وَهِيَ الَّتِي يُدَارُ مِنْهَا تَحْتَ الْحَنَكِ كَوْر بِفَتْحِ الْكَافِ - أَوْ كَوْرَانِ سَوَاءٌ كَانَ لَهَا ذُؤَابَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهَا عِمَامَةُ الْعَرَبِ وَيَشُقُّ نَزْعُهَا. وَهِيَ أَكْثَرُ سَتْرًا (أَوْ) تَكُونَ (ذَاتَ ذُؤَابَةٍ) بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ - وَهِيَ طَرَفُ الْعِمَامَةِ الْمُرْخَى، وَأَصْلُهَا النَّاصِيَةُ أَوْ مَنْبَتُهَا مِنْ الرَّأْسِ وَشَعْرٌ فِي أَعْلَى نَاصِيَةِ الْفَرَسِ؛ لِأَنَّ إرْخَاءَ الذُّؤَابَةِ مِنْ السُّنَّةِ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ يَنْبَغِي أَنْ يُرْخِيَ خَلْفَهُ مِنْ عِمَامَتِهِ كَمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمُّ وَيُرْخِيهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «عَمَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ الرَّحْمَنِ بِعِمَامَةٍ سَوْدَاءَ وَأَرْخَاهَا مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ أَرْبَعِ أَصَابِعَ» وَلِأَنَّهَا لَا تُشْبِهُ عَمَائِمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ (كَبِيرَةً كَانَتْ الْعِمَامَةُ أَوْ صَغِيرَةً) وَأَنْ تَكُونَ (لِذَكَرٍ) كَبِيرٍ أَوْ صَغِيرٍ (لَا أُنْثَى) كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ؛ لِأَنَّهَا مَنْهِيَّةٌ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ، فَلَا تَمْسَحُ أُنْثَى عَلَى عِمَامَةٍ. (وَلَوْ لَبِسَتْهَا لِضَرُورَةِ بَرْدٍ وَغَيْرِهِ) وَكَذَا خُنْثَى وَيَصِحُّ مَسْحُ الذَّكَرِ عَلَى الْعِمَامَةِ غَيْرِ الصَّمَّاءِ (بِشَرْطِ سَتْرِهَا لِمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) كَمُقَدَّمِ الرَّأْسِ وَالْأُذُنَيْنِ وَجَوَانِبِ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ بِخِلَافِ خَرْقِ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ،؛ لِأَنَّ هَذَا مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، وَيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَلَا يَجِبُ أَنْ يُمْسَحَ مَعَهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ (مَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعِمَامَةَ نَابَتْ عَنْ الرَّأْسِ، فَانْتَقَلَ الْفَرْضُ إلَيْهَا وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا، وَفِي نُسَخٍ بَلْ يُسَنُّ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَسَحَ
بِنَاصِيَتِهِ» فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الصَّمَّاءِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ عِمَامَةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَشُقُّ نَزْعُهَا أَشْبَهَتْ الطَّاقِيَّةَ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِالتَّلَحِّي وَنَهَى عَنْ الِاقْتِعَاطِ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالِاقْتِعَاطُ أَنْ لَا يَكُونَ تَحْتَ الْحَنَكِ مِنْهَا شَيْءٌ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَانَ أَبِي يَكْرَهُ أَنْ يَعْتَمَّ الرَّجُلُ بِالْعِمَامَةِ وَلَا يَجْعَلهَا تَحْتَ حَنَكِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ إنَّمَا يَعْتَمُّ مِثْلَ هَذَا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَقْرَبُ أَنَّهَا كَرَاهَةٌ لَا تَرْتَقِي إلَى التَّحْرِيمِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كَسَفَرِ النُّزْهَةِ، كَذَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ وَلَعَلَّ الظَّاهِرَ مِنْ جَوَازِ الْمَسْحِ إبَاحَةُ لُبْسِهَا، وَهُوَ مُتَّجَهٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتُحْمَلُ كَرَاهَةُ السَّلَفِ عَلَى الْحَاجَةِ لِذَلِكَ، لِجِهَادٍ أَوْ غَيْرِهِ وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْأَوْلَى وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ لِغَيْرِ ذَاتِ ذُؤَابَةٍ. (وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِ جَبِيرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي تَعْمِيمِهَا بِهِ، بِخِلَافِ الْخُفِّ، فَإِنَّهُ يَشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِهِ، وَيُتْلِفهُ الْمَسْحُ (لَمْ تُجَاوِزْ) الْجَبِيرَةُ (قَدْرَ الْحَاجَةِ) بِشَدِّهَا،؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ فَتَقَيَّدَ بِقَدْرِهَا، وَمَوْضِعُ الْحَاجَةِ هُوَ مَوْضِعُ الْكَسْرِ وَنَحْوِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْ وَضْعِ الْجَبِيرَةِ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا لَا بُدَّ أَنْ تُوضَعَ عَلَى طَرَفَيْ الصَّحِيحِ لِيَرْجِعَ الْكَسْرُ. (وَيُجْزِي) الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ فَأَجْزَأَ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ) ، كَمَسْحِ الْخُفِّ بَلْ أَوْلَى إذْ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ ضَعِيفٌ بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْوَاوَ فِيهِ بِمَعْنَى أَوْ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِيهِ لِشَدِّ الْعِصَابَةِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (فَإِنْ تَجَاوَزَتْ) الْجَبِيرَةُ مَحَلَّ الْحَاجَةِ (وَجَبَ نَزْعُهَا) لِيَغْسِلَ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ (فَإِنْ خَافَ) مِنْ نَزْعِهَا (تَلَفًا أَوْ ضَرَرًا تَيَمَّمَ لِزَائِدٍ) عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ، وَمَسَحَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْحَاجَةِ، وَغَسَلَ مَا سِوَى ذَلِكَ، فَيَجْمَعُ إذَنْ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ وَالتَّيَمُّمِ. (وَيَحْرُمُ الْجَبْرُ بِجَبِيرَةٍ نَجِسَةٍ، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ وَالْخِرْقَةِ النَّجِسَةِ، وَ) يَحْرُمُ الْجَبْرُ (بِمَغْصُوبٍ وَالْمَسْحُ عَلَى ذَلِكَ بَاطِلٌ وَكَذَا الصَّلَاةُ فِيهِ) ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ (كَالْخُفِّ النَّجِس وَكَذَلِكَ الْحَرِيرُ لِذَكَرٍ) يَحْرُمُ الْجَبْرُ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْمَسْحُ عَلَيْهِ (وَدَوَاءٌ وَعِصَابَةٌ) شَدَّ بِهَا رَأْسَهُ أَوْ غَيْرُهَا (وَلُصُوقٌ عَلَى جِرَاحٍ أَوْ وَجَعٍ وَلَوْ قَارَّا فِي شِقٍّ) وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ (أَوْ تَأَلَّمَتْ أُصْبُعُهُ، فَأَلْقَمَهَا مَرَارَةً كَجَبِيرَةٍ) إذَا وَضَعَهَا عَلَى طَهَارَةٍ جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا،
لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا. وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ خَرَجَتْ بِإِبْهَامِهِ قُرْحَةٌ فَأَلْقَمَهُ مَرَارَةً وَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَيْهَا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَوْ انْقَلَعَ ظُفْرُهُ أَوْ كَانَ بِإِصْبَعِهِ قُرْحَةٌ أَوْ فَصْدٌ وَخَافَ إصَابَةَ الْمَاءِ أَنْ يَزْرَقَّ الْجُرْحُ، أَوْ وَضَعَ دَوَاءً عَلَى جُرْحٍ أَوْ وَجَعٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ. (وَمَتَى ظَهَرَ بَعْضُ قَدَمِهِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَقَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ) فَحُشَ أَوْ لَا (أَوْ) ظَهَرَ بَعْضُ (رَأْسِهِ وَفَحُشَ) مَا ظَهَرَ (فِيهِ) أَيْ: فِي الرَّأْسِ فَقَطْ: اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ لِبُطْلَانِ مَا قَبْلَهَا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ أُقِيمَ مَقَامَ الْغَسْلِ أَوْ الْمَسْحِ فَإِذَا أَزَالَ الْمَمْسُوحَ بَطَلَتْ الطَّهَارَةُ فِي الْقَدَمِ أَوْ الرَّأْسِ، فَتَبْطُلُ فِي جَمِيعِهَا لِكَوْنِهَا لَا تَتَبَعَّضُ، وَسَوَاءٌ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ أَوْ لَمْ تَفُتْ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ انْكِشَافَ يَسِيرٍ مِنْ الرَّأْسِ لَا يَضُرُّ، قَالَ أَحْمَدُ إذَا زَالَتْ عَنْ رَأْسِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، مَا لَمْ يَفْحُشْ،؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ. (أَوْ انْتَقَضَ بَعْضُ عِمَامَتِهِ) قَالَ الْقَاضِي: لَوْ انْتَقَضَ مِنْهَا كَوْرٌ وَاحِدٌ بَطَلَتْ؛ لِأَنَّهُ زَالَ الْمَمْسُوحُ عَلَيْهِ أَشْبَهَ نَزْعَ الْخُفِّ أَوْ (انْقَطَعَ دَمُ مُسْتَحَاضَةٍ أَوْ زَالَ ضَرَرُ مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ) كَالرُّعَافِ، بِأَنْ انْقَطَعَ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ وَخَلَعَ،؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ طَهَارَةٍ إنَّمَا كَانَ لِوُجُودِ الْعُذْرِ فَإِذَا زَالَ حُكِمَ بِبُطْلَانِهَا عَلَى الْأَصْلِ. (أَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ مَسْحٍ) وَهِيَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ أَوْ الثَّلَاثَةُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَاسِحُ (مُتَطَهِّرًا أَوْ فِي صَلَاةٍ اسْتَأْنَفَ الطَّهَارَةَ، وَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ) ؛ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَبَطَلَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَخُرُوجِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ الْمُتَيَمِّمِ، وَيُعِيدُ الْوُضُوءَ، لَا لِوُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، بَلْ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَالْحَدَثُ لَا يَتَبَعَّضُ فَإِذَا خَلَعَ عَادَ الْحَدَثُ إلَى الْعُضْوِ الَّذِي مُسِحَ الْحَائِلُ عَنْهُ فَيَسْرِي إلَى بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ، فَيَسْتَأْنِفُ الْوُضُوءَ وَإِنْ قَرُبَ الزَّمَنُ وَقَطَعَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنَّ هَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ. (وَزَوَالُ جَبِيرَةٍ) وَلَوْ قَبْلَ بُرْءِ الْكَسْرِ أَوْ الْجُرْحِ، وَبُرْؤُهَا (كَ) خَلْعِ (خُفٍّ) ؛ لِأَنَّ مَسْحَهَا بَدَلٌ عَنْ غَسْلِ مَا تَحْتَهَا، إلَّا أَنَّهَا إذَا مُسِحَتْ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَزَالَتْ أَجَزَأَ غَسْلُ مَا تَحْتَهَا، لِعَدَمِ وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَكَ أَنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى وُجُوبِ الْمُوَالَاةِ، بَلْ عَلَى رَفْعِ الْمَسْحِ لِلْحَدَثِ وَعَدَمِ تَبَعُّضِهِ وَإِذَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا. (وَخُرُوجُ قَدَمِ) الْمَاسِحِ (أَوْ بَعْضِهِ إلَى سَاقِ خُفِّهِ، كَخَلْعِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مُتَابَعَةُ الْمَشْيِ فِيهِ (وَلَا مَدْخَلَ لِحَائِلٍ فِي طَهَارَةٍ كُبْرَى) لِحَدِيثِ صَفْوَانَ قَالَ «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا نَنْزِعَ
باب نواقض الوضوء وهي مفسداته
خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ» (إلَّا الْجَبِيرَةَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَلِأَنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بِنَزْعِهَا بِخِلَافِ الْخُفِّ. (وَامْرَأَةٌ كَرَجُلٍ فِي مَسْحِ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَوَائِلِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (غَيْرَ الْعِمَامَةِ) فَيَمْسَحُ عَلَيْهَا الذَّكَرُ دُونَ الْمَرْأَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَمْسَحُ الْخُنْثَى عَلَى عِمَامَةٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أُنْثَى. [بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ] (بَابُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مُفْسِدَاتُهُ) النَّوَاقِضُ: جَمْعُ نَاقِضَةٍ أَوْ نَاقِضٍ، وَقَوْلُهُمْ فَاعِلٌ لَا يُجْمَعُ عَلَى فَوَاعِلَ وَصْفًا، وَشَذَّ: فَوَارِسُ وَهَوَالِكُ وَنَوَاكِسُ، فِي فَارِسٍ وَهَالِكٍ وَنَاكِس خَصَّهُ ابْنُ مَالِكٍ وَطَائِفَةٌ بِمَا إذَا كَانَ وَصْفًا لِعَاقِلٍ وَمَا هُنَا لَيْسَ مِنْهُ يُقَالُ: نَقَضْتُ الشَّيْءَ إذَا أَفْسَدْتُهُ وَالنَّقْضُ حَقِيقَةٌ فِي الْبِنَاءِ، وَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَعَانِي مَجَازٌ كَنَقْضِ الْوُضُوءِ وَنَقْضِ الْعِلَّةِ، وَعَلَاقَتُهُ الْإِبْطَالُ. (وَهِيَ) أَيْ: نَوَاقِضُ الْوُضُوءِ (ثَمَانِيَةُ) أَنْوَاعٍ بِالِاسْتِقْرَاءِ أَحَدُهَا (الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ إلَى مَا هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَيَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ) مِنْ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ فِي الْمَذْيِ «يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ» وَقَوْلُهُ «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» وَقَوْلُهُ: وَيَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ: مُخْرِجٌ لِبَاطِنِ فَرْجِ الْأُنْثَى، إنْ قُلْنَا: هُوَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ تَطْهِيرُهُ لِلْمَشَقَّةِ، وَعَطَفُ تَفْسِيرٍ إنْ قُلْنَا هُوَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ (إلَّا مِمَّنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ) فَلَا يَبْطُلُ وُضُوءُهُ بِالْحَدَثِ الدَّائِمِ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (قَلِيلًا كَانَ) الْخَارِجُ (أَوْ كَثِيرًا) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ (نَادِرًا) كَانَ (أَوْ مُعْتَادًا) أَمَّا الْمُعْتَادُ، كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْوَدْيِ وَالْمَذْيِ وَالرِّيحِ، فَلِمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا النَّادِرُ، كَالدَّمِ وَالدُّودِ وَالْحَصَى، فَلِمَا رَوَى عُرْوَةُ. «عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ
فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَأَمَرَهَا بِالْوُضُوءِ وَدَمُهَا غَيْرُ مُعْتَادٍ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَا سِوَاهُ (طَاهِرًا) كَانَ الْخَارِجُ، كَوَلَدٍ بِلَا دَمٍ (أَوْ نَجِسًا) كَالْبَوْلِ وَغَيْرِهِ فَيَنْقُضُ الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ (وَلَوْ) كَانَ (رِيحًا مِنْ قُبُلِ أُنْثَى، أَوْ) مِنْ (ذَكَرٍ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ حَدَثٍ أَوْ رِيحٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ شَامِلٌ لِلرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِنَا أَنْ لَا يَنْقُضَ؛ لِأَنَّ الْمَثَانَةَ لَيْسَ لَهَا مَنْفَذٌ إلَى الْجَوْفِ، وَلَمْ يَجْعَلْهَا أَصْحَابُنَا جَوْفًا، فَلَمْ يُبْطِلُوا الصَّوْمَ بِالْحُقْنَةِ فِيهِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَا نَعْلَمُ لِهَذَا - أَيْ: خُرُوجِ الرِّيحِ مِنْ الْقُبُلِ - وُجُودًا وَلَا نَعْلَمُ وُجُودَهُ فِي حَقِّ أَحَدٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يُعْلَمُ وُجُودُهُ بِأَنْ يَحُسَّ الْإِنْسَانُ فِي ذَكَرِهِ دَبِيبًا وَهَذَا لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ هَذَا لَا يَحْصُلُ بِهِ الْيَقِينُ وَالطَّهَارَةُ لَا تُنْقَضُ بِالشَّكِّ، فَإِنْ قَدَّرَ وُجُودَ ذَلِكَ يَقِينًا نَقَضَ الطَّهَارَةَ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ، فَنَقَضَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْخَوَارِجِ. (فَلَوْ احْتَمَلَ) الْمُتَوَضِّئُ (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ قُطْنًا أَوْ مِيلًا، ثُمَّ خَرَجَ وَلَوْ بِلَا بَلَلٍ) نَقَضَ صَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَنَصَرَهُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَخُرُوجُهُ بِلَا بَلَّةٍ نَادِرٌ جِدًّا، فَعُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَى الْمَظِنَّةِ وَقِيلَ: لَا يَنْقُضُ إنْ خَرَجَ بِلَا بَلَلٍ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، زَادَ فِي الْإِنْصَافِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ انْتَهَى. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ الْمَذْهَبُ (أَوْ قَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ دُهْنًا) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمَائِعَاتِ (ثُمَّ خَرَجَ) نَقَضَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ بَلَّةٍ نَجِسَةٍ تَصْحَبُهُ (أَوْ خَرَجَتْ الْحُقْنَةُ مِنْ الْفَرْجِ) نَقَضَتْ (أَوْ ظَهَرَ طَرَفُ مُصْرَانٍ أَوْ رَأْسُ، دُودَةٍ) نَقَضَ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى، وَكَلَامُهُ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ كَخُرُوجِ الْمَقْعَدَةِ، فَعَلَيْهِ لَا نَقْضَ بِلَا بَلَلٍ (أَوْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ فَدَبَّ مَاؤُهُ فَدَخَلَ فَرْجَهَا) ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ (أَوْ اسْتَدْخَلَتْهُ) أَيْ: مَنِيَّ الرَّجُلِ (أَوْ) اسْتَدْخَلَتْ (مَنِيَّ امْرَأَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ خَرَجَ نَقَضَ) الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ السَّبِيلِ (وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ دَفْقًا بِشَهْوَةٍ. (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْحُقْنَةِ) شَيْءٌ (أَوْ) لَمْ يَخْرُجْ مِنْ (الْمَنِيِّ شَيْءٌ لَمْ يُنْقَضْ) الْوُضُوءُ (لَكِنْ إنْ كَانَ الْمُحْتَقِنُ) أَوْ الْحَاقِنُ (قَدْ أَدْخَلَ رَأْسَ الزَّرَّاقَةِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ نُقِضَ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ (وَلَوْ ظَهَرَتْ مَقْعَدَتُهُ فَعَلِمَ أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا) وَلَمْ
يَنْفَصِلْ (انْتَقَضَ) وُضُوءُهُ بِالْبَلَلِ الَّذِي عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ سَبِيلٍ وَ (لَا) يَنْتَقِضُ وُضُوءُهُ (إنْ جَهِلَ) أَنَّ عَلَيْهَا بَلَلًا؛ لِأَنَّهُ لَا نَقْضَ بِالشَّكِّ (أَوْ صَبَّ دُهْنًا) أَوْ غَيْرَهُ (فِي أُذُنِهِ فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا أَوْ) خَرَجَ (مِنْ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ طَاهِرٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْبُصَاقَ. (وَلَا يَنْقُضُ يَسِيرُ نَجِسٍ خَرَجَ مِنْ أَحَدِ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ غَيْرَ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مُتَيَقَّنَةٌ، فَلَا تَبْطُلُ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِ النَّاقِضِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ فَرْجٍ أَصْلِيٍّ وَأَمَّا إذَا كَانَ النَّجِسُ كَثِيرًا أَوْ بَوْلًا أَوْ غَائِطًا فَإِنَّهُ يَنْقُضُ مُطْلَقًا، وَكَذَا الْيَسِيرُ إذَا خَرَجَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمْ أَصْلٌ وَلَا بُدَّ الثَّانِي مِنْ النَّوَاقِضِ. (خُرُوجُ النَّجَاسَاتِ مِنْ بَقِيَّةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَانَتْ) النَّجَاسَاتُ (غَائِطًا أَوْ بَوْلًا، نُقِضَ وَلَوْ قَلِيلًا، مِنْ تَحْتِ الْمَعِدَةِ أَوْ فَوْقِهَا، سَوَاءٌ كَانَ السَّبِيلَانِ مَفْتُوحَيْنِ أَوْ مَسْدُودَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء: 43] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ» وَلِأَنَّ ذَلِكَ خَارِجٌ مُعْتَادٌ أَشْبَهَ الْخَارِجَ مِنْ الْمَخْرَجِ (لَكِنْ لَوْ انْسَدَّ الْمَخْرَجُ وَفُتِحَ غَيْرُهُ فَأَحْكَامُ الْمَخْرَجِ بَاقِيَةٌ) مُطْلَقًا. (وَفِي النِّهَايَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ سُدَّ خِلْقَةً، فَسَبِيلُ الْحَدَثِ الْمُنْفَتِحِ وَالْمَسْدُودِ كَعُضْوٍ زَائِدٍ مِنْ الْخُنْثَى انْتَهَى وَلَا يَثْبُتُ لِلْمُنْفَتِحِ أَحْكَامُ الْمُعْتَادِ، فَلَا يَنْقُضُ خُرُوجُ رِيحٍ مِنْهُ وَلَا يُجْزِي الِاسْتِجْمَارُ فِيهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ) . كَوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ فِيهِ وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْجٍ (وَإِنْ كَانَتْ) النَّجَاسَاتُ الْخَارِجَةُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ (غَيْرَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ، كَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْقَيْحِ) وَدُودِ الْجِرَاحِ (لَمْ يَنْقُضْ إلَّا كَثِيرُهَا) أَمَّا كَوْنُ الْكَثِيرِ يَنْقُضُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ «إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ فَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ خَارِجَةٌ مِنْ الْبَدَنِ أَشْبَهَتْ الْخَارِجَ مِنْ السَّبِيلِ وَأَمَّا كَوْنُ الْقَلِيلِ مِنْ ذَلِكَ لَا يَنْقُضُ، فَلِمَفْهُومِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الدَّمِ إذَا كَانَ فَاحِشًا فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. قَالَ أَحْمَدُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَكَلَّمُوا فِيهِ، وَابْنُ عُمَرَ عَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ الدَّمُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ، وَابْنُ أَبِي أَوْفَى عَصَرَ دُمَّلًا وَذَكَرَ غَيْرَهُمَا وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا. (وَهُوَ) أَيْ: الْكَثِيرُ (مَا فَحُشَ فِي نَفْسِ كُلِّ أَحَدٍ بِحَسَبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْفَاحِشُ مَا فَحُشَ فِي قَلْبِكَ قَالَ الْخَلَّالُ: إنَّهُ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ، قَالَ فِي الشَّرْحِ:؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ حَالِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَسْتَفْحِشُهُ غَيْرُهُ حَرَجٌ فَيَكُونُ مَنْفِيًّا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا يُعْتَبَرُ مَا يَفْحُشُ
فِي نُفُوسِ أَوْسَاطِ النَّاسِ (فَلَوْ مَصَّ عَلَقٌ أَوْ قُرَادٌ لَا ذُبَابٌ وَبَعُوضٌ) قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: صِغَارُ الْبَقِّ (دَمًا كَثِيرًا نَقَضَ) الْوُضُوءَ وَكَذَا لَوْ اسْتَخْرَجَ كَثِيرَهُ بِقُطْنَةٍ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا خَرَجَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمُعَالَجَةٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِهِ بِخِلَافِ مَصِّ بَعُوضٍ وَبَقٍّ وَذُبَابٍ وَقُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ لِقِلَّتِهِ وَمَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ. (وَلَوْ شَرِبَ) إنْسَانٌ (مَاءً) أَوْ نَحْوَهُ (وَقَذَفَهُ فِي الْحَالِ فَنَجِسٌ) وَلَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهُ بِوُصُولِهِ إلَى الْجَوْفِ، لَا بِاسْتِحَالَتِهِ (وَيَنْقُضُ كَثِيرُهُ) أَيْ: كَثِيرُ الْمَقْذُوفِ فِي الْحَالِ، لِمَا رَوَى مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَاءَ فَتَوَضَّأَ، قَالَ فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقَالَ: صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ، فِي هَذَا الْبَابِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: حَدِيثُ ثَوْبَانَ ثَبَتَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ (وَلَا يَنْقُضُ بَلْغَمُ مَعِدَةٍ وَصَدْرٍ وَرَأْسٍ لِطَهَارَتِهِ) كَالْبُصَاقِ وَالنُّخَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تُخْلَقُ مِنْ الْبَدَنِ. (وَلَا) يَنْقُضُ أَيْضًا (جُشَاءٌ نَصًّا) وَهُوَ الْقَلَسُ بِالتَّحْرِيكِ وَقِيلَ: بِسُكُونِ اللَّامِ مَا خَرَجَ مِنْ الْجَوْفِ مِلْءَ الْفَمِ أَوْ دُونَهُ وَلَيْسَ بِقَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ حُكْمُهُ فِي النَّجَاسَةِ فَإِنْ عَادَ فَهُوَ قَيْءٌ. (الثَّالِثُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (زَوَالُ الْعَقْلِ) كَحُدُوثِ جُنُونٍ أَوْ بِرْسَامٍ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا (أَوْ تَغْطِيَتِهِ) بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا عَلَى كُلِّ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَشْعُرُونَ بِحَالٍ، بِخِلَافِ النَّائِمِ (وَلَوْ) كَانَتْ تَغْطِيَتُهُ (بِنَوْمٍ، قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) مَحْفُوظٌ (وَغَيْرُهُ وَلَوْ تَلَجَّمَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ) إلْحَاقًا بِالْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْحِسَّ يَذْهَبُ مَعَهُ، وَلِعُمُومِ حَدِيثِ عَلِيٍّ «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ فَمَنْ نَامَ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتْ الْعَيْنَانِ اُسْتُطْلِقَ الْوِكَاءُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالسَّهُ اسْمٌ لِحَلْقَةِ الدُّبُرِ وَلِأَنَّ النَّوْمَ وَنَحْوَهُ مَظِنَّةُ الْحَدَثِ، فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، وَالنَّوْمُ رَحْمَةٌ مِنْ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ لِيَسْتَرِيحَ بَدَنُهُ عِنْدَ تَعَبِهِ وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ (إلَّا نَوْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَوْ كَثِيرًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ) فَإِنَّهُ كَانَتْ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، كَمَا يَأْتِي فِي خَصَائِصِهِ (وَإِلَّا) النَّوْمَ (الْيَسِيرَ عُرْفًا مِنْ جَالِسٍ وَقَائِمٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، حَتَّى تَخْفِقَ رُءُوسُهُمْ، ثُمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَلِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَجَعَلْتُ إذَا غَفِيتُ
يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الْجَالِسَ وَالْقَائِمَ يَشْتَبِهَانِ فِي الِانْحِفَاظِ وَاجْتِمَاعِ الْمَخْرَجِ وَرُبَّمَا كَانَ الْقَائِمُ أَبْعَدَ مِنْ الْحَدَثِ، لِكَوْنِهِ لَوْ اسْتَثْقَلَ فِي النَّوْمِ سَقَطَ (فَإِنْ شَكَّ فِي الْكَثِيرِ) أَيْ: نَامَ وَشَكَّ هَلْ نَوْمُهُ كَثِيرٌ أَوْ يَسِيرٌ؟ (لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي نَقْضِهَا (وَإِنْ رَأَى) فِي نَوْمِهِ (رُؤْيَا فَهُوَ كَثِيرٌ) نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: لَا بُدَّ فِي النَّوْمِ النَّاقِضِ مِنْ الْغَلَبَةِ عَلَى الْعَقْلِ فَمَنْ سَمِعَ كَلَامَ غَيْرِهِ وَفَهِمَهُ فَلَيْسَ بِنَائِمٍ فَإِنْ سَمِعَهُ وَلَمْ يَفْهَمْهُ فَيَسِيرٌ قَالَ: وَإِذَا سَقَطَ السَّاجِدُ عَنْ هَيْئَتِهِ وَالْقَائِمُ مِنْ قِيَامِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ بَطَلَتْ طَهَارَتُهُ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ يَعُدُّونَ ذَلِكَ كَثِيرًا (وَإِنْ خَطَرَ بِبَالِهِ شَيْءٌ لَا يَدْرِي: أَرُؤْيَا أَوْ حَدِيثُ نَفْسٍ؟ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ) لِتَيَقُّنِهِ الطَّهَارَةَ وَشَكِّهِ فِي الْحَدَثِ (وَيَنْقُضُ) النَّوْمُ (الْيَسِيرُ مِنْ رَاكِعٍ وَسَاجِدٍ) كَمُضْطَجِعٍ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْجَالِسِ مَرْدُودٌ بِأَنَّ مَحَلَّ الْحَدَثِ فِيهِمَا مُنْفَتِحٌ، بِخِلَافِ الْجَالِسِ (وَ) يَنْقُضُ الْيَسِيرُ أَيْضًا مِنْ (مُسْتَنِدٍ وَمُتَّكِئٍ وَمُحْدَبٍ كَمُضْطَجِعٍ) بِجَامِعِ الِاعْتِمَادِ. (الرَّابِعُ) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (مَسُّ ذَكَرِ آدَمِيٍّ إلَى أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ مُطْلَقًا) أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ الْمَاسُّ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى بِشَهْوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ذَكَرُهُ أَوْ ذَكَرُ غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا لِحَدِيثِ بُسْرَةَ بِنْتِ صَفْوَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ بُسْرَةَ. وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْأَثْرَمُ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إلَى ذَكَرِهِ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» . وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ صَحَابِيًّا وَهَذَا لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ قَالُوهُ عَنْ تَوْقِيفٍ، وَمَا رَوَى قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكَرَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ هَلْ عَلَيْهِ وُضُوءٌ؟ قَالَ: لَا إنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَلَفْظُهُ لِأَحْمَدَ وَصَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ قَيْسٌ لَا تَقُومُ بِرِوَايَتِهِ حُجَّةٌ وَلَوْ سُلِّمَ صِحَّتُهُ فَهُوَ مَنْسُوخٌ. «؛ لِأَنَّ طَلْقَ بْنَ عَدِيٍّ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يُؤَسِّسُ الْمَسْجِدَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَالَ «قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَهُ رَجُلٌ كَأَنَّهُ بَدَوِيٌّ فَسَأَلَهُ - الْحَدِيثَ» وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ كَانَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى مِنْ الْهِجْرَةِ وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ
كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ، وَبُسْرَةَ فِي الثَّامِنَةِ عَامَ الْفَتْحِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَصًّا فِي النَّسْخِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَصَحَّحَهُ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» . قَالَ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ طَلْقٌ سَمِعَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَفِي تَصْحِيحِهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيِّ، وَأَيُّوبَ بْنِ عُتْبَةَ وَهُمَا ضَعِيفَانِ (بِيَدِهِ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِغَيْرِهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَسُّ (بِبَطْنِ كَفِّهِ أَوْ بِظَهْرِهِ أَوْ بِحَرْفِهِ) لِلْعُمُومِ فَالْمُرَادُ بِالْيَدِ: مِنْ رُءُوسِ الْأَصَابِعِ إلَى الْكُوعِ كَالسَّرِقَةِ (غَيْرَ ظُفْرٍ) فَلَا يَنْقُضُ الْمَسُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَيْسَ دُونَهُ سِتْرٌ» فَإِنْ مَسَّهُ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ لَمْ يَنْقُضْ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا مَسَّ الْحَائِلَ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسُّ (بِزَائِدٍ) أَيْ: لَا فَرْقَ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ إذَا مَا مَسَّ ذَكَرًا بِيَدِهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ أَصْلِيَّةً أَوْ زَائِدَةً لِلْعُمُومِ (وَيَنْقُضُ مَسُّهُ) أَيْ الذَّكَرِ (بِفَرْجِ غَيْرِ ذَكَرٍ) فَيَنْقُضُ مَسُّ الذَّكَرِ بِقُبُلِ أُنْثَى أَوْ دُبُرٍ مُطْلَقًا بِلَا حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ أَفْحَشُ مِنْ مَسِّهِ بِالْيَدِ وَلَا يَنْقُضُ مَسُّ ذَكَرٍ بِذَكَرٍ لَا قُبُلٍ بِقُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ وَعَكْسُهُ. (وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ ذَكَرُهُ أَوْ) مَلْمُوسٍ فَرْجُهُ أَيْ: قُبُلُهُ (أَوْ) مَلْمُوسٍ (دُبُرُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا تَقَدَّمَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْوُضُوءِ وَلَوْ انْتَقَضَ وُضُوءُ الْمَلْمُوسِ لَأَمَرَهُ أَيْضًا بِهِ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ) ذَكَرٍ (بَائِنٍ) أَيْ: مَقْطُوعٍ لِذَهَابِ حُرْمَتِهِ. (وَ) لَا يَنْقُضُ أَيْضًا مَسُّ (مَحَلِّهِ) أَيْ: مَحَلِّ الذَّكَرِ الْمَقْطُوعِ مِنْ أُصُولِ الْأُنْثَيَيْنِ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَمَسَّ ذَكَرًا. (وَ) لَا يَنْقُضُ أَيْضًا مَسُّ (قُلْفَةٍ) بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ اللَّامِ، وَقَدْ تُحَرَّكُ وَهِيَ الْجِلْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الْخِتَانِ، بَعْدَ قَطْعِهَا لِزَوَالِ الِاسْمِ وَالْحُرْمَةِ - وَأَمَّا قَبْلَ قَطْعِهَا فَيَنْقُضُ مَسُّهَا كَالْحَشَفَةِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الذَّكَرِ. (وَ) لَا يَنْقُضُ مَسُّ (فَرْجِ امْرَأَةٍ بَائِنَيْنِ) أَيْ: الْقُلْفَةِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يَنْقُضُ مِنْ غَيْرِ فَرْجٍ كَالْمُنْفَتِحِ فَوْقَ الْمَعِدَةِ (أَوْ تَحْتَهَا) مَسْدُودًا كَانَ الْأَصْلُ أَوْ مُنْفَتِحًا بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ عُضْوٌ زَائِدٌ لَا يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْمُعْتَادِ. (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّهُ) أَيْ: الذَّكَرِ (بِغَيْرِ يَدٍ) كَالذِّرَاعِ (غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ) مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِفَرْجِ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَنْقُضُ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ) ذَكَرٍ (زَائِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَرْجًا (فَإِنْ لَمَسَ) رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ أَوْ خُنْثَى (قُبُلَ خُنْثَى مُشْكِلٍ وَذَكَرَهُ، وَلَوْ كَانَ هُوَ) أَيْ: الْخُنْثَى (اللَّامِسَ) لِقُبُلِ نَفْسِهِ وَذَكَرِهِ (نُقِضَ) الْوُضُوءُ؛ لِأَنَّ لَمْسَ الْفَرْجِ مُتَيَقَّنٌ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَ ذَكَرَهُ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ لَمَسَ فَرْجَهَا. وَ (لَا) يُنْقَضُ الْوُضُوءُ إنْ لَمَسَ
(أَحَدَهُمَا) أَيْ: ذَكَرَ الْخُنْثَى أَوْ قُبُلَهُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ فَرْجٍ فَلَا يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ (إلَّا أَنْ يَمَسَّ الرَّجُلُ ذَكَرَهُ) أَيْ: الْخُنْثَى (بِشَهْوَةٍ) فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ وُضُوءُ اللَّامِسِ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ مَسَّ ذَكَرًا أَصْلِيًّا، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ مَسَّ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِشَهْوَةٍ (أَوْ) تَمَسُّ (الْمَرْأَةُ فَرْجَهُ) أَيْ: الْخُنْثَى (بِهَا) أَيْ: بِشَهْوَةٍ فَيَنْتَقِضُ وُضُوءُهَا؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى إنْ كَانَ امْرَأَةً فَقَدْ لَمَسَتْ الْمَرْأَةُ فَرْجَ امْرَأَةٍ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ لَمَسَتْهُ بِشَهْوَةٍ. (وَيَنْقُضُ مَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَاسِّ، بِأَنْ مَسَّ حَلْقَةَ دُبُرِ نَفْسِهِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) بِأَنْ مَسَّ حَلْقَةَ دُبُرِ غَيْرِهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (وَ) يَنْقُضُ أَيْضًا (مَسُّ امْرَأَةٍ فَرْجَهَا الَّذِي بَيْنَ شَفْرَيْهَا) وَهُمَا حَافَّتَا الْفَرْجِ (وَهُوَ) أَيْ: فَرْجُهَا (مَخْرَجُ بَوْلٍ وَمَنِيٍّ وَحَيْضٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. وَالْفَرْجُ اسْمُ جِنْسٍ مُضَافٍ فَيَعُمَّ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَسَّتْ فَرْجَهَا فَلْتَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَيْهِ وَكَالذَّكَرِ وَ (لَا) يَنْقُضُ مَسُّ امْرَأَةٍ (شَفْرَيْهَا وَهُمَا اسْكَتَاهَا) ؛ لِأَنَّ الْفَرْجَ هُوَ مَخْرَجُ الْحَدَثِ وَهُوَ مَا بَيْنَهُمَا دُونَهُمَا (وَيَنْقُضُ مَسُّ) امْرَأَةٍ (فَرْجَ امْرَأَةٍ أُخْرَى) وَيَنْقُضُ (مَسُّ رَجُلٍ فَرْجَهَا وَ) يَنْقُضُ (مَسُّهَا ذَكَرَهُ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا انْتَقَضَ وُضُوءُ الْإِنْسَانِ بِمَسِّ فَرْجِ نَفْسِهِ مَعَ كَوْنِ الْحَاجَةِ قَدْ تَدَعُوا إلَى مَسِّهِ، وَهُوَ جَائِزٌ فَلَأَنْ يَنْتَقِضَ بِمَسِّ فَرْجِ غَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً أَوْلَى. (الْخَامِسُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (مَسُّ بَشَرَتَهُ) أَيْ: الذَّكَرِ (بَشَرَةَ أُنْثَى) لِشَهْوَةٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وَأَمَّا كَوْنُ اللَّمْسِ لَا يَنْقُضُ إلَّا إذَا كَانَ لِشَهْوَةٍ فَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ «فَقَدْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةً مِنْ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَنَصْبُهُمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي. وَرُوِيَ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ «كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَمْزَهُ رِجْلَيْهَا كَانَ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ إذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ
أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّهَا وَلِأَنَّ الْمَسَّ لَيْسَ بِحَدَثٍ فِي نَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَاعٍ إلَى الْحَدَث فَاعْتُبِرَتْ الْحَالَةُ الَّتِي يَدْعُو فِيهَا إلَى الْحَدَثِ، وَهِيَ حَالَةُ الشَّهْوَةِ. (وَمَسُّ بَشَرَتِهَا بَشَرَتَهُ لِشَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّهَا مُلَامَسَةٌ تَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَاسْتَوَى فِيهَا الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى كَالْجِمَاعِ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الْمَرْأَةِ إذَا مَسَّتْ زَوْجَهَا قَالَ مَا سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنْ هِيَ شَقِيقَةُ الرَّجُلِ يُعْجِبُنِي أَنْ تَتَوَضَّأَ تَنْبِيهٌ قَوْلُهُ: لِشَهْوَةٍ، عِبَارَةُ الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ الْوَجِيزِ: بِشَهْوَةٍ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: أَحْسَنُ لِتَدُلَّ عَلَى الْمُصَاحَبَةِ وَالْمُقَارَنَةِ مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْحَائِلِ لَمْ يَلْمَسْ بَشَرَتَهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمَسَ ثِيَابهَا لِشَهْوَةٍ وَالشَّهْوَةُ لَا تُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهَا، كَمَا لَوْ وُجِدَتْ (مِنْ غَيْر) لَمْسِ شَيْءٍ (غَيْرَ طِفْلَةٍ وَطِفْلٍ) أَيْ: لَا يَنْقُضُ مَسُّ الرَّجُلِ الطِّفْلَةَ وَلَا الْمَرْأَةِ الطِّفْلَ أَيْ: مِنْ دُونِ سَبْعٍ وَيَنْقُضُ اللَّمْسُ بِشَهْوَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ) كَانَ اللَّمْسُ (بِزَائِدٍ أَوْ لِزَائِدٍ أَوْ شَلَلٍ) أَيْ: يَنْقُضُ الْمَسُّ لِأَشَلَّ وَالْمَسُّ بِهِ كَغَيْرِهِ وَيَنْقُضُ اللَّمْسُ أَيْضًا بِشَهْوَةٍ (وَلَوْ كَانَ الْمَلْمُوسُ مَيِّتًا، أَوْ عَجُوزًا أَوْ مُحَرَّمًا أَوْ صَغِيرَةً تُشْتَهَى) وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ فَأَكْثَرَ لِعُمُومِ {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] لَا مِنْ دُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ مَلْمُوسٍ بَدَنُهُ (وَلَوْ وُجِدَ مِنْهُ شَهْوَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَقِيَاسُهُ عَلَى اللَّمْسِ لَا يَصِحُّ لِفَرْطِ شَهْوَةٍ. (وَلَا) يَنْتَقِضُ وُضُوءٌ (بِانْتِشَارِ) (ذَكَرٍ) (عَنْ فِكْرٍ وَتَكْرَارِ نَظَرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ (وَلَا) يَنْقُضُ (لَمْسُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ) وَلَا الْمَسُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ. (وَ) لَا يَنْقُضُ مَسُّ (عُضْوٍ مَقْطُوعٍ) لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ (وَأَمْرَدَ مَسَّهُ رَجُلٌ) يَعْنِي لَا يَنْتَقِضُ وُضُوءُ رَجُلٍ مَسَّ أَمْرَدَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْآيَةِ لَهُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلشَّهْوَةِ شَرْعًا قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْأَمْرَدُ الشَّابُّ طَرَّ شَارِبُهُ وَلَمْ تَنْبُتْ لِحْيَتُهُ. (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ (وَلَا بِمَسِّهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً) وَلَوْ لِشَهْوَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُتَيَقِّنُ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَلَا) يَنْقُضُ (مَسُّ الرَّجُلِ الرَّجُلَ وَلَا الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَلَوْ بِشَهْوَةٍ فِيهِنَّ) أَيْ: فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الصُّوَرِ، كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ " تَتِمَّةٌ " إذَا لَمْ يَنْقُضْ مَسُّ أُنْثَى اُسْتُحِبَّ الْوُضُوءُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. (السَّادِسُ) مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ أَوْ بَعْضِهِ وَلَوْ فِي قَمِيصٍ) لِمَا رَوَى
عَطَاءٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَأْمُرَانِ غَاسِلَ الْمَيِّتِ بِالْوُضُوءِ، وَكَانَ شَائِعًا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُمْ الْإِخْلَالُ بِهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَقَلُّ مَا فِيهِ الْوُضُوءُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ وَلِأَنَّ الْغَاسِلَ لَا يَسْلَمُ مِنْ مَسِّ عَوْرَةِ الْمَيِّتِ غَالِبًا فَأُقِيمَ مَقَامَهُ، كَالنَّوْمِ مَعَ الْحَدَثِ وَ (لَا) يَنْقُضُ (تَيَمُّمُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (لِتَعَذُّرِ غُسْلٍ) لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهِ (وَغَاسِلُ الْمَيِّتِ: مَنْ يُقَلِّبَهُ وَيُبَاشِرُهُ وَلَوْ مَرَّةً لَا مَنْ يَصُبُّ الْمَاءَ وَنَحْوَهُ) وَفُرِّقَ فِي الْمَيِّتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، وَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَالْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ، لِلْعُمُومِ. (السَّابِعُ) مِنْ النَّوَاقِضِ (أَكْلُ لَحْمِ الْجَزُورِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ وَلَا تَتَوَضَّئُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالْأَوَّلُ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ذَهَبَ إلَى هَذَا عَامَّةُ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ وَكَوْنِهِ (نِيئًا وَغَيْرَ نِيءٍ) وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْآكِلِ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ أَوْ جَاهِلًا لَا يُقَالُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْوُضُوءِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْأَكْلِ، كَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْوُضُوءِ قَبْلَ الطَّعَامِ وَبَعْدَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ الْوَارِدَ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى مَوْضُوعِهِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّهُ جَمْعٌ بَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ، وَهُوَ الْوُضُوءُ مِنْ لُحُومِهَا، وَبَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ وَهُوَ عَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ. وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا؛ لِأَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، وَالْوُضُوءُ الْمُقْتَرِنُ بِهَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ غَيْرُ الْوُضُوءِ الشَّرْعِيِّ وَلِأَنَّ مُقْتَضَى الْأَمْرِ الْإِيجَابُ، خُصُوصًا وَقَدْ سُئِلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ هَذَا اللَّحْمِ، فَأَجَابَ بِالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ فَلَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ الْوُجُوبِ لَكَانَ تَلْبِيسًا لَا جَوَابًا وَدَعْوَى النَّسْخِ مَرْدُودَةٌ بِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ: عَدَمُ إمْكَانِ الْجَمْعِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِخِ وَوَجَبَ الْوُضُوءُ مِنْ أَكْلِ لَحْمِ الْجَزُورِ (تَعَبُّدًا) لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَلَا يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهِ. فَ (لَا) يَجِبْ الْوُضُوءُ ب (شُرْبِ) (لَبَنِهَا وَمَرَقِ لَحْمِهَا، وَأَكْلِ كَبِدِهَا، وَطِحَالِهَا وَسَنَامِهَا) بِفَتْحِ السِّينِ (وَجِلْدِهَا وَكِرْشِهَا وَنَحْوِهِ) كَمُصْرَانِهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ. (وَلَا) يَنْقُضُ (طَعَامٌ مُحَرَّمٌ أَوْ نَجِسٌ) وَلَوْ كَلَحْمِ خِنْزِيرٍ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي لَحْمِ الْإِبِلِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَيَقْتَصِرُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ فِيهِ وَمَا رَوَى أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سُئِلَ عَنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ: فَقَالَ تَوَضَّئُوا مِنْ أَلْبَانِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ
ابْنِ عُمَرَ وَنَحْوِهِ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ أُسَيْدٍ بِأَنَّ فِي طَرِيقِهِ الْحَجَّاجَ بْنَ أَرْطَاةَ قَالَ أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَعَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ وَقَدْ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ قَالَ أَحْمَدُ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا فَهُوَ صَحِيحٌ وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ حَدِيثًا لَمْ يَكُنْ بِشَيْءٍ. (الثَّامِنُ) الْمُتَمِّمُ لِلنَّوَاقِضِ (مُوجِبَاتُ الْغُسْلِ، كَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وَانْتِقَالِ الْمَنِيِّ، وَإِسْلَامِ الْكَافِرِ) أَصْلِيًّا كَانَ أَوْ مُرْتَدًّا، وَلِذَلِكَ أَسْقَطَ الرِّدَّةَ؛ لِأَنَّهُ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِذَا وَجَبَ الْغُسْلُ (وَجَبَ الْوُضُوءُ) وَ (كَغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ فَمُوجِبَاتُ الْغُسْلِ كُلُّهَا (تُوجِبُ الْوُضُوءَ غَيْرَ الْمَوْتِ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَلَا يُوجِبُ الْوُضُوءَ (فَهَذِهِ النَّوَاقِضُ) لِلْوُضُوءِ (الْمُشْتَرَكَةُ) بَيْنَ الْمَاسِحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَغَيْرِهِ. (وَأَمَّا) النَّوَاقِضُ (الْمَخْصُوصَةُ كَبُطْلَانِ) طَهَارَةِ (الْمَسْحِ) عَلَى الْخُفَّيْنِ وَنَحْوِهِمَا (بِفَرَاغِ مُدَّتِهِ) (وَخَلْعِ حَائِلِهِ) وَ (كَغَيْرِ ذَلِكَ) كَانْتِقَاضِ طَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَطَهَارَةِ الْمُتَيَمِّمِ بِوُجُودِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ (فَمَذْكُورٌ فِي أَبْوَابِهِ) فَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَسْحِ تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَحَاضَةِ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الِاسْتِحَاضَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّيَمُّمِ يَأْتِي فِي بَابِهِ وَإِنَّمَا حَمَلْت قَوْلَهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ: عَلَى هَذَا لِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: فِي أَبْوَابِهِ. (وَلَا نَقْضَ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَنَحْوِهَا، بَلْ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْ الْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ وَتَقَدَّمَ وَلَا نَقْضَ (بِإِزَالَةِ شَعْرٍ) . (وَ) أَخْذِ (ظُفْرٍ وَنَحْوِهِمَا) خِلَافًا لِمَا حُكِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ؛ لِأَنَّ غَسْلَهُ أَوْ مَسْحَهُ أَصْلِيٌّ، لَا بَدَلٌ عَمَّا تَحْتَهُ، بِخِلَافِ الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (وَلَا) نَقْضَ (بِقَهْقَهَةٍ) وَلَوْ فِي صَلَاةٍ، وَهِيَ أَنْ يَضْحَكَ حَتَّى يَحْصُلَ مِنْ ضَحِكِهِ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ. وَمَا رَوَى أُسَامَةُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «بَيْنَا نَحْنُ نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ فَضَحِكْنَا مِنْهُ فَأَمَرَنَا بِإِعَادَةِ الْوُضُوءِ كَامِلًا وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا» فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، وَضَعَّفَهَا. وَقَالَ إنَّمَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلًا وَقَالَ نَحْوَ ذَلِكَ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا تَأْخُذُوا بِمَرَاسِيلِ الْحَسَنِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ فَإِنَّهُمَا لَا يُبَالِيَانِ عَمَّنْ أَخَذَا. (وَلَا) نَقْضَ بِ أَكْلِ (مَا مَسَّتْهُ
النَّارُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْقَهْقَهَةِ وَأَكْلِ مَا مَسَّتْ النَّارُ. (وَمَنْ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ) وَشَكَّ، (أَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ) وَهُوَ الطَّهَارَةُ فِي الْأُولَى وَالْحَدَثُ فِي الثَّانِيَةِ، لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَلِأَنَّهُ إذَا شَكَّ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، فَيَجِبُ سُقُوطُهُمَا كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَيُرْجَعُ إلَى الْيَقِينِ. (وَلَوْ عَارَضَهُ ظَنٌّ) ؛ لِأَنَّ غَلَبَةَ الظَّنِّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا ضَابِطٌ فِي الشَّرْعِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهَا، كَظَنِّ صِدْقِ أَحَدِ الْمُتَدَاعِيَيْنِ، بِخِلَافِ الْقِبْلَةِ وَالْوَقْتِ، هَذَا اصْطِلَاحُ الْفُقَهَاءِ، وَعِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ: إنْ تَسَاوَى الِاحْتِمَالَانِ فَهُوَ شَكٌّ وَإِلَّا فَالرَّاجِحُ ظَنٌّ وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ وَالْأَوَّلُ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الشَّكُّ خِلَافُ الْيَقِينِ. وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي مُقَدِّمَةِ الرَّوْضَةِ فِي الْأُصُولِ: مَا أَذْعَنَتْ النَّفْسُ لِلتَّصْدِيقِ بِهِ وَقَطَعَتْ بِهِ، وَقَطَعَتْ بِأَنَّ قَطْعَهَا صَحِيحٌ. وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: فِي تَسْمِيَةِ مَا هُنَا يَقِينًا بَعْدَ وُرُودِ الشَّكِّ عَلَيْهِ نَظَرٌ نَعَمْ كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ الْآنَ شَكًّا فَاعْتُبِرَتْ صِفَتُهُ السَّابِقَةُ وَقُدِّمَتْ عَلَى صِفَتِهِ اللَّاحِقَةِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ اسْتِصْحَابًا لِلْأَصْلِ السَّابِقِ، لِمَا قَارَنَهُ مِنْ الْيَقِينِ، وَتَقْدِيمًا لَهُ عَلَى الْوَصْفِ اللَّاحِقِ، لِنُزُولِهِ عَنْ دَرَجَتِهِ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَإِنْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَالْحَدَثَ،. أَيْ: تَيَقَّنَ أَنَّهُ مَرَّةً كَانَ مُتَطَهِّرًا وَمَرَّةً كَانَ مُحْدِثًا، وَكَانَ ذَلِكَ وَقْتَ الظُّهْرِ مَثَلًا (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ اتِّصَافُهُ بِالطَّهَارَةِ سَابِقٌ عَلَى اتِّصَافِهِ بِالْحَدَثِ أَوْ بِالْعَكْسِ (فَهُوَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) إنْ عَلِمَ قَبْلَهُمَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي الْمِثَالِ مُحْدِثًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ هَذَا الْحَدَثِ إلَى الطَّهَارَةِ، وَلَمْ يَتَيَقَّنْ زَوَالَهَا، وَالْحَدَثُ الْمُتَيَقَّنُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الطَّهَارَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ بَعْدَهَا، فَوُجُودُهُ بَعْدَ هَذَا مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ عَنْ طَهَارَةٍ مِنْهُ مُتَيَقَّنَةٍ بِشَكٍّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ. (فَإِنْ جَهِلَ قَبْلَهُمَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا (تَطَهَّرَ) وُجُوبًا،
إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا، لِوُجُودِ يَقِينِ الْحَدَثِ فِي إحْدَى الْمَرَّتَيْنِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ؛ لِأَنَّ وُجُودَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَرَّةِ الْأُخْرَى مَشْكُوكٌ فِيهِ: هَلْ كَانَ قَبْلَ الْحَدَثِ أَوْ بَعْدَهُ؟ فَلَا يَرْتَفِعُ يَقِينُ الْحَدَثِ بِالشَّكِّ فِي رَافِعِهِ وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مُسْتَصْحَبَةٍ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَوَجَبَ الْوُضُوءُ (وَإِنْ تَيَقَّنَ فِعْلَهُمَا: رَفْعًا لِحَدَثٍ وَنَقْضًا لِطَهَارَةٍ) بِأَنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ عَنْ حَدَثٍ وَأَنَّهُ أَحْدَثَ عَنْ طَهَارَةٍ (وَجَهِلَ أَسْبَقَهُمَا، فَعَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الْآنَ مُتَطَهِّرٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ نَقَضَ الطَّهَارَةَ الْأُولَى ثُمَّ تَوَضَّأَ، إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَاءِ الطَّهَارَةِ الْأُولَى لِتَيَقُّنِ كَوْنِ طَهَارَتِهِ عَنْ حَدَثٍ وَنَقْضُ هَذَا الْوُضُوءِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا يَزُولُ بِهِ الْيَقِينُ وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثَهُ قَبْلَهُمَا: فَهُوَ الْآنَ مُحْدِثٌ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْهُ إلَى طَهَارَةٍ ثُمَّ أَحْدَثَ عَنْهَا وَلَمْ يَتَيَقَّنْ بَعْدَ الْحَدَثِ الثَّانِي طَهَارَةً. (وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَهُمَا) أَيْ: فِعْلَ الطَّهَارَةِ وَفِعْلَ الْحَدَثِ (وَعَيَّنَ وَقْتًا لَا يَسَعُهُمَا سَقَطَ الْيَقِينُ لِتَعَارُضِهِ) وَكَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ حَدَثٍ أَوْ طَهَارَةٍ (فَإِنْ جَهِلَ حَالَهُمَا) أَيْ: حَالَ الْحَدَثِ وَالطَّهَارَةِ، بِأَنْ لَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا كَالتَّجْدِيدِ، وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ عَنْ حَدَثٍ آخَرَ أَوْ عَنْ طَهَارَةٍ. (وَ) جَهِلَ (أَسْبَقَهُمَا) فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا، (أَوْ تَيَقَّنَ حَدَثًا) أَيْ: اتِّصَافَهُ بِالْحَدَثِ (وَفَعَلَ طَهَارَةً فَقَطْ) وَلَمْ يَدْرِ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ أَوْ لَا (فَعَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ وَكَذَا لَوْ تَيَقَّنَ حَالَةَ طَهَارَةٍ وَفِعْلَ حَدَثٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَا تَيَقَّنَهُ مِنْ حَالَتَيْ الْحَدَثِ أَوْ الطَّهَارَةِ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّ ضِدَّ ذَلِكَ هُوَ الطَّارِئُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى ضِدِّ حَالِهِ قَبْلَ التَّيَقُّنَيْنِ. (وَإِنْ تَيَقَّنَ حَدَثًا نَاقِضًا) لِطَهَارَةٍ (وَ) تَيَقَّنَ (فِعْلَ طَهَارَةٍ جَهِلَ حَالَهَا) مِنْ كَوْنِهَا رَافِعَةً لِحَدَثٍ أَوْ لَا (فَمُحْدِثٌ، عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ) سَوَاءٌ كَانَ مُتَطَهِّرًا قَبْلَهُمَا، أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جَهِلَ (قَبْلَهُمَا) لِتَيَقُّنِهِ نَقْضَ الطَّهَارَةِ بِالْحَدَثِ وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهَا بَعْدَهُ (وَعَكْسُ هَذِهِ الصُّورَةِ) فِي التَّصْوِيرِ. وَهُوَ مَا إذَا تَيَقَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَنْ حَدَثٍ وَلَمْ يَدْرِ الْحَدَثَ: عَنْ طَهَارَةٍ أَوْ لَا (بِعَكْسِهَا) فِي الْحُكْمِ فَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُطْلَقًا، لِتَيَقُّنِهِ وَرَفْعِ الْحَدَثِ بِالطَّهَارَةِ، وَشَكِّهِ فِي وُجُودِهِ بَعْدَهَا (وَيَأْتِي إذَا سُمِعَ صَوْتٌ أَوْ شُمَّ رِيحٌ) بِبِنَاءِ الْفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ (مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ، فِي أَوَائِلِ بَابِ الْغُسْلِ
فصل أحدث حدثا أكبر أو أصغر
[فَصْلٌ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ] " فَصْلٌ " (وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ حُرِّمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ بِغَيْرِ طُهُورٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ، وَالسُّجُودَ الْمُجَرَّدَ كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالْقِيَامَ الْمُجَرَّدَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ جَوَازَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَا تَيَمُّمٍ (فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْحَدَثِ وَلَوْ عَالِمًا (لَمْ يَكْفُرْ) كَسَائِرِ الْمَعَاصِي، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَ) حُرِّمَ عَلَيْهِ (الطَّوَافُ، وَلَوْ نَفْلًا) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إنَّ الطَّوَافَ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلَا يَتَكَلَّمْ إلَّا بِخَيْرٍ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى عَطَاءٍ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَاخْتَلَطَ فِي آخِر عُمْرِهِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ أَحْمَدَ فِيهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ عَطَاءٌ رَجُلٌ صَالِحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقَدْ رَوَى عَنْ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ (وَلَمْ يَصِحَّ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ مَعَ الْحَدَثِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُحْدِثِ (مَسُّ الْمُصْحَفِ) وَبَعْضِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] أَيْ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ، وَهُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُرَادَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَالْمُطَهَّرُونَ: الْمَلَائِكَةُ؛ لِأَنَّ الْمُطَهَّرَ مَنْ طَهَّرَهُ غَيْرُهُ وَلَوْ أُرِيدَ بَنُو آدَمَ لَقِيلَ الْمُتَطَهِّرُونَ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْمُرَادَ هُمْ وَبَنُو آدَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ كِتَابًا، وَكَانَ فِيهِ: لَا يَمَسُّ الْقُرْآنَ إلَّا طَاهِرٌ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مُتَّصِلًا. قَالَ الْأَثْرَمُ: وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا (مِنْ غَيْرِ حَائِلٍ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ وَمَعَ الْحَائِلِ إنَّمَا يَكُونُ الْمَسُّ لَهُ دُونَ الْمُصْحَفِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَسُّ (بِغَيْرِ يَدِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَلَا يَخْتَصُّ الْمَسُّ بِالْيَدِ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ لَاقَى شَيْئًا فَقَدْ مَسَّهُ (حَتَّى جِلْدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَحَوَاشِيهِ) وَالْوَرَقُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّصِلُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّاهُ بِدَلِيلِ شُمُولِ الْبَيْعِ لَهُ. (وَلَوْ كَانَ الْمَاسُّ) لِلْمُصْحَفِ (صَغِيرًا) فَلَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّهِ (إلَّا بِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ) كَالْمُكَلَّفِ (وَلَوْ) كَانَتْ الطَّهَارَةُ (تَيَمُّمًا) مُطْلَقًا. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ:
إنْ احْتَاجَهُ، فَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ لِتَكْمِيلِ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ لِلْبَاقِي، ثُمَّ مَسَّهُ (سِوَى مَسِّ صَغِيرٍ لَوْحًا فِيهِ قُرْآنٌ) فَلَا يَحْرُمُ مَسُّ اللَّوْحِ مِنْ الْمَحَلِّ الْخَالِي مِنْ الْكِتَابَةِ لِلْمَشَقَّةِ (وَلَا) يَجُوزُ تَمْكِينُ الصَّغِيرِ مِنْ مَسِّ الْمَحَلِّ (الْمَكْتُوبِ فِيهِ) الْقُرْآنُ مِنْ اللَّوْحِ بِلَا طَهَارَةٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِاسْتِغْنَائِهِ عَنْهُ بِمَسِّ الْخَالِي وَ (مَا حَرُمَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (بِلَا وُضُوءٍ حَرُمَ بِلَا غُسْلٍ) بِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لَا الْعَكْسِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ تَحْرُمُ بِلَا غُسْلٍ فَقَطْ (وَلِلْمُحْدِثِ حَمْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعِلَاقَتِهِ وَفِي غُلَافِهِ) أَيْ: كِيسِهِ. (وَفِي خُرْجٍ فِيهِ مَتَاعٌ وَفِي كُمِّهِ) مِنْ غَيْرِ مَسٍّ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَنْ الْمَسِّ وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِمَسٍّ (وَ) لَهُ (تَصَفُّحُهُ) أَيْ: تَصَفَّحُ الْمُصْحَفِ (بِكُمِّهِ أَوْ) بِ (عُودٍ وَنَحْوِهِ) كَخِرْقَةٍ وَخَشَبَةٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَاسٍّ لَهُ. (وَ) لَهُ (مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (كَحَمْلِ رُقًى وَتَعَاوِيذَ فِيهَا قُرْآنٌ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ وِفَاقًا وَهَلْ يَجُوزُ مَسُّ ثَوْبٍ رُقِمَ بِالْقُرْآنِ أَوْ فِضَّةٍ نُقِشَتْ بِهِ؟ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فِيهِ وَجْهَانِ أَوْ رِوَايَتَانِ ثُمَّ قَالَ الزَّرْكَشِيّ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ الْجَوَازُ قَالَ فِي النَّظْمِ عَنْ الدِّرْهَمِ الْمَنْقُوشِ: هَذَا الْمَنْصُورُ. (وَ) لَهُ (مَسُّ تَفْسِيرٍ وَرَسَائِلَ فِيهَا قُرْآنٌ) وَكَذَا كُتُبُ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهَا فِيهَا قُرْآنٌ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْمُصْحَفِ لَا يَتَنَاوَلُهَا وَظَاهِرُهُ قَلَّ التَّفْسِيرُ أَوْ كَثُرَ (وَ) لَهُ مَسُّ (مَنْسُوخِ تِلَاوَتِهِ) وَإِنْ بَقِيَ حُكْمُهُ " كَالشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا ". (وَ) لَهُ مَسُّ (الْمَأْثُورِ عَنْ اللَّهِ) تَعَالَى كَالْأَحَادِيثِ الْقُدْسِيَّةِ (وَ) لَهُ مَسُّ (التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَشِيثٍ إنْ وُجِدَتْ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا. (فَإِنَّ رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُتَطَهِّرًا قَبْلَ كَمَالِهَا (وَلَوْ قُلْنَا يَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ قَبْلَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُرَاعًى فَإِنْ أَكْمَلَهُ ارْتَفَعَ، وَإِلَّا فَلَا. (وَيَحْرُمُ مَسُّهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْحَدَثِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا مَسُّ ذِكْرِ اللَّهِ بِنَجِسٍ وَلَا يَحْرُمُ مَسُّهُ (بِعُضْوٍ طَاهِرٍ) إذَا كَانَ عَلَى (غَيْرِهِ نَجَاسَةٌ) ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يَتَعَدَّى وُجُوبُ غَسْلِهَا غَيْرَ مَحَلِّهَا وَالْحَدَثُ يَحِلُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ، كَمَا تَقَدَّمَ. (وَتَجُوزُ كِتَابَتُهُ لَمُحْدِثٍ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ، وَلَوْ لِذِمِّيٍّ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ كَمَا تَقَدَّمَ وَرَدَ عَنْ مَسِّهِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَسًّا (وَيُمْنَعُ) الذِّمِّيُّ (مِنْ قِرَاءَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى بِالْمَنْعِ مِنْ الْجُنُبِ. (وَ) يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ (تَمَلُّكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَيُمْنَعُ الْمُسْلِمُ
مِنْ تَمْلِيكِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (لَهُ) أَيْ: لِلذِّمِّيِّ؛ لِأَنَّهُ مُتَدَيِّنٌ بِانْتِهَاكِهِ وَإِزَالَةِ حُرْمَتِهِ، وَالْكَافِرُ غَيْرُ الذِّمِّيِّ أَوْلَى (فَإِنْ مَلَكَهُ) أَيْ: الْمُصْحَفَ كَافِرٌ (بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ أُلْزِمَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ عَنْهُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ مَا يَمْلِكُ بِهِ الْكَافِرُ الْمُصْحَفَ. (وَيَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى نَسْخِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ لَا يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ (وَيَحْرُمُ بَيْعُهُ) وَلَوْ لِمُسْلِمٍ (وَيَأْتِي فِي كِتَابِ الْبَيْعِ) مُوَضَّحًا وَيَأْتِي أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ شِرَاؤُهُ اسْتِنْقَاذًا. (وَ) يَحْرُمُ (تَوَسُّدُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَالْوَزْنُ بِهِ وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ابْتِذَالٌ لَهُ (وَكَذَا كُتُب الْعِلْمِ الَّتِي فِيهَا قُرْآنٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ قُرْآنٌ (كُرِهَ) تَوَسُّدُهَا وَالْوَزْنُ بِهَا وَالِاتِّكَاءُ عَلَيْهَا (وَإِنْ خَافَ عَلَيْهَا) سَرِقَةً (فَلَا بَأْسَ) أَنْ يَتَوَسَّدَهَا لِلْحَاجَةِ. (وَلَا يُكْرَهُ نَقْطُ الْمُصْحَفِ وَ) لَا (شَكْلُهُ) بَلْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ نَقْطُهُ وَشَكْلُهُ، صِيَانَةً عَنْ اللَّحْنِ فِيهِ وَالتَّصْحِيفِ، وَأَمَّا كَرَاهَةُ الشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ النَّقْطَ فَلِلْخَوْفِ مِنْ التَّغْيِيرِ فِيهِ وَقَدْ أُمِنَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُحْدَثًا فَإِنَّهُ مِنْ الْمُحْدَثَاتِ الْحَسَنَةِ كَنَظَائِرِهِ، مِثْلِ تَصْنِيفِ الْعِلْمِ وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ. (وَ) لَا (كِتَابَةُ الْأَعْشَارِ فِيهِ وَأَسْمَاءُ السُّوَرِ وَعَدَدُ الْآيَاتِ وَالْأَحْزَابِ وَنَحْوِهَا) لِعَدَمِ النَّهْيِ عَنْهُ. (وَتَحْرُمُ مُخَالَفَةُ خَطِّ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (فِي) رَسْمِ (وَاوٍ وَيَاءٍ وَأَلِفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَمَدِّ التَّاءِ وَرَبْطِهَا (نَصًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي» الْحَدِيثَ وَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ تَوْقِيفٌ كَمَا يَأْتِي. (وَيُكْرَهُ مَدُّ الرِّجْلَيْنِ إلَى جِهَتِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَفِي مَعْنَاهُ: اسْتِدْبَارُهُ وَتَخَطِّيهِ وَرَمْيِهِ إلَى الْأَرْضِ بِلَا وَضْعٍ وَلَا حَاجَةٍ بَلْ هُوَ بِمَسْأَلَةِ التَّوَسُّدِ أَشْبَهُ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قُلْت وَكَذَا كُتُبُ عِلْمٍ فِيهَا قُرْآنٌ. (قَالَ الشَّيْخُ وَجَعْلُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (عِنْدَ الْقَبْرِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَلَوْ جُعِلَ لِلْقِرَاءَةِ هُنَاكَ) أَيْ: عِنْدَ الْقَبْرِ (وَرَمَى رَجُلٌ بِكِتَابٍ عِنْدَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ فَغَضِبَ، وَقَالَ هَكَذَا يُفْعَلُ بِكَلَامِ الْأَبْرَارِ) انْتَهَى، فَكَيْفَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ مَا هُوَ فِيهِ؟ . (وَيَحْرُمُ السَّفَرُ بِهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (إلَى دَارِ الْحَرْبِ) لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ» وَلِأَنَّهُ عُرْضَةٌ إلَى اسْتِيلَاءِ الْكُفَّارِ عَلَيْهِ وَاسْتِهَانَتِهِ. وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: يُكْرَهُ بِدُونِ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ. (وَتُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ
بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ نَصًّا) لِتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ (وَيَحْرُمُ فِي كُتُبِ الْعِلْمِ) أَنْ تُحَلَّى (وَيُبَاحُ تَطْيِيبُهُ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (وَجَعْلُهُ عَلَى كُرْسِيٍّ وَ) يُبَاحُ (كَسْيُهُ الْحَرِيرَ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ قَدْرَ ذَلِكَ يَسِيرٌ. (وَقَالَ) أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاغُونِيُّ: (يَحْرُمُ كَتْبُهُ بِذَهَبٍ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ زَخْرَفَةِ الْمَصَاحِفِ (وَيُؤْمَرُ بِحَكِّهِ، فَإِنْ كَانَ يَجْتَمِعُ مِنْهُ مَا يُتَمَوَّلُ زَكَّاهُ) . وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يُزَكِّيهِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَلَهُ حَكُّهُ وَأَخْذُهُ (وَاسْتِفْتَاحُ الْفَأْلِ فِيهِ) أَيْ: الْمُصْحَفِ (فَعَلَهُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ (وَلَمْ يَرَهُ الشَّيْخُ وَغَيْرُهُ) وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ يَحْرُمُ، وَحَكَاهُ الْقَرَافِيُّ الطَّرْطُوسِيُّ الْمَالِكِيُّ وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةُ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُكْتَبَ الْقُرْآنُ وَ) أَنْ يُكْتَبَ (ذِكْرُ اللَّهِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى شَيْءٍ نَجِسٍ (أَوْ فِيهِ) أَيْ: فِي شَيْءٍ نَجِسٍ (فَإِنْ كُتِبَا) أَيْ: الْقُرْآنُ وَذِكْرُ اللَّهِ (بِهِ) أَيْ: بِالنَّجِسِ (أَوْ عَلَيْهِ أَوْ فِيهِ أَوْ تَنَجَّسَ وَجَبَ) عَلَيْهِ غَسْلُهُ ذَكَرَهُ فِي؛ الْفُنُونِ. وَقَالَ فَقَدْ جَازَ (غَسْلُهُ) وَتَحْرِيقُهُ، لِنَوْعِ صِيَانَةٍ (وَقَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ: إنْ قُصِدَ بِكَتْبِهِ بِنَجِسٍ إهَانَتُهُ فَالْوَاجِبُ قَتْلُهُ انْتَهَى) ،. (وَتُكْرَهُ كِتَابَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنِ (فِي السُّتُورِ وَفِيمَا هُوَ مَظِنَّةُ بَذْلِهِ) ، (وَلَا تُكْرَهُ كِتَابَةُ غَيْرِهِ مِنْ الذِّكْرِ فِيمَا لَمْ يُدَسْ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُدَاسُ (كُرِهَ) (شَدِيدًا وَيَحْرُمُ دَوْسُهُ) أَيْ: الذِّكْرِ، فَالْقُرْآنُ أَوْلَى، قَالَ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَى حِيطَانِ الْمَسْجِدِ ذِكْرٌ أَوْ غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُلْهِي الْمُصَلِّي (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ شِرَاءَ ثَوْبٍ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، يُجْلَسُ عَلَيْهِ وَيُدَاسُ) ،. (وَلَوْ بَلِيَ الْمُصْحَفُ أَوْ انْدَرَسَ دُفِنَ نَصًّا) ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا الْجَوْزَاءِ بَلِيَ لَهُ مُصْحَفٌ فَحَفَرَ لَهُ فِي مَسْجِدِهِ فَدَفَنَهُ. وَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّ الصَّحَابَةَ حَرَقَتْهُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمَّا جَمَعُوهُ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: ذَلِكَ لِتَعْظِيمِهِ وَصِيَانَتِهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي دَاوُد رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ دَفَنَ عُثْمَانُ الْمَصَاحِفَ بَيْنَ الْقَبْرِ وَالْمِنْبَرِ وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا أَنْ تُحَرَّقَ الْكُتُبُ وَقَالَ إنَّ الْمَاءَ وَالنَّارَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. (وَيُبَاحُ تَقْبِيلُهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ، وَيَقُولُ كِتَابُ رَبِّي كِتَابُ رَبِّي. (وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ الْوَقْفَ) فِيهِ (وَفِي جَعْلِهِ عَلَى عَيْنَيْهِ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ رَفْعُهُ وَإِكْرَامُهُ؛ لِأَنَّ مَا طَرِيقُهُ التَّقَرُّبُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ فِيهِ مَدْخَلٌ لَا يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ عَنْ «الْحَجَرِ لَوْلَا أَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
باب ما يوجب الغسل وما يسن له
يُقَبِّلُك مَا قَبَّلْتُك» . وَلَمَّا قَبَّلَ مُعَاوِيَةُ الْأَرْكَانَ كُلَّهَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْبَيْتِ مَهْجُورًا، فَقَالَ إنَّمَا هِيَ السُّنَّةُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةَ عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَعْظِيمٌ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْقَاضِي قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُ الْخَبَرِ) الْمَذْكُورِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ (لَا يُقَامُ لَهُ) لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ (. وَقَالَ الشَّيْخُ: إذَا اعْتَادَ النَّاسُ قِيَامَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فَقِيَامُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ أَحَقُّ) إجْلَالًا وَتَعْظِيمًا، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: إنَّ تَرْكَ الْقِيَامِ كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ، ثُمَّ لَمَّا كَانَ تَرْكُ الْقِيَامِ كَالْإِهْوَانِ بِالشَّخْصِ اُسْتُحِبَّ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهُ الْقِيَامُ، وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ. (وَيُبَاحُ كِتَابَةُ آيَتَيْنِ فَأَقَلَّ إلَى الْكُفَّارِ) لِحَاجَةِ التَّبْلِيغِ، نَقَلَ الْأَثْرَمُ: يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ إلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، قَدْ كَتَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُشْرِكِينَ. (وَقَالَ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (بْنُ عَقِيلٍ تَضْمِينُ الْقُرْآنِ لِمَقَاصِدَ تُضَاهِي مَقْصُودَ الْقُرْآنِ لَا بَأْسَ بِهِ) تَحْسِينًا لِلْكَلَامِ (كَمَا يُضَمَّنُ فِي الرَّسَائِلِ آيَاتٌ إلَى الْكُفَّارِ) مُقْتَضِيَةٌ الدِّعَايَةَ، وَلَا يَجُوزُ فِي كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ. (وَ) كَ (تَضْمِينِ الشِّعْرِ لِصِحَّةِ الْقَصْدِ وَسَلَامَةِ الْوَضْعِ وَأَمَّا تَضْمِينُهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ التَّحْرِيمُ) كَمَا يَحْرُمُ جَعْلُ الْقُرْآنِ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ كَذَا) كَسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَسُورَةُ الْكَهْفِ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا لَا يُحْصَى، وَكَذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ. وَفِي السُّورَةِ لُغَتَانِ الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ وَالتَّرْكُ أَفْصَحُ (وَ) أَنْ يَقُولَ: (السُّورَةُ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا) لِوُرُودِهِ فِي الْأَخْبَارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَآدَابُ الْقِرَاءَةِ تَأْتِي فِي) فَصْلِ (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ) مُفَصَّلَةً. [بَابُ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ وَمَا يُسَنُّ لَهُ] (بَابُ) مَا يُوجِبُ (الْغُسْلَ وَمَا يُسَنُّ لَهُ) الْغُسْلُ (وَ) بَابُ (صِفَتِهِ) أَيْ: الْغُسْلِ، وَمَا يُمْنَعُ مِنْهُ مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ، وَمَسَائِلُ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: غَسَلْتُ الشَّيْءَ غَسْلًا بِالْفَتْحِ، وَالِاسْمُ الْغُسْلُ بِالضَّمِّ، وَبِالْكَسْرِ مَا
يُغْسَلُ بِهِ الرَّأْسُ مِنْ خِطْمِيٍّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ عِيَاضٌ: بِالْفَتْحِ الْمَاءُ، وَبِالضَّمِّ الْفِعْلُ. وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ بِالضَّمِّ الِاغْتِسَالُ، وَالْمَاءُ الَّذِي يُغْسَلُ بِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرِّيٍّ أَنَّ غَسْلَ الْجَنَابَةِ بِفَتْحِ الْغَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ: الْغُسْلُ شَرْعًا (اسْتِعْمَالُ مَاءٍ) خَرَجَ التَّيَمُّمُ (طَهُورٍ) لَا طَاهِرٍ (فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ) خَرَجَ الْوُضُوءُ (عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي كَيْفِيَّتُهُ، بِأَنْ يَكُونَ بِنِيَّةٍ وَتَسْمِيَةٍ، وَالْأَصْلُ فِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} [المائدة: 6] . يُقَالُ: رَجُلٌ جُنُبٌ، وَرَجُلَانِ جُنُبٌ، وَرِجَالٌ جُنُبٌ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَقَدْ يُقَالُ: جُنُبَانِ وَجُنُبُونَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نُهِيَ أَنْ يَقْرُب مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِمُجَانَبَتِهِ النَّاسَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْمَاءَ جَانَبَ مَحَلَّهُ، وَالْأَحَادِيثُ مَشْهُورَةٌ بِذَلِكَ وَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي مَحَالِّهِ (وَمُوجِبُهُ) أَيْ: الْحَدَثُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ (سِتَّةُ) أَشْيَاءَ، أَيُّهَا وُجِدَ كَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ. (أَحَدُهَا: خُرُوجُ الْمَنِيِّ) وَهُوَ الْمَاءُ الْغَلِيظُ الدَّافِقُ يَخْرُجُ عِنْدَ اشْتِدَادِ الشَّهْوَةِ، وَمَنِيُّ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ رَقِيقٌ (مِنْ مَخْرَجِهِ) فَإِنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ انْكَسَرَ صُلْبُهُ، فَخَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ، وَحُكْمُهُ كَالنَّجَاسَةِ الْمُعْتَادَةِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمَنِيُّ (دَمًا) أَيْ: أَحْمَرَ كَالدَّمِ، لِقُصُورِ الشَّهْوَةِ عَنْ قَصْرِهِ (دَفْقًا بِلَذَّةٍ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ فَاغْتَسِلْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاضِخًا فَلَا تَغْتَسِلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْفَضْخُ: هُوَ خُرُوجُهُ بِالْغَلَبَةِ، قَالَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ (فَإِنْ خَرَجَ) الْمَاءُ (لِغَيْرِ ذَلِكَ) كَمَرَضٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ كَسْرِ ظَهْرٍ (مِنْ غَيْرِ نَائِمٍ وَنَحْوِهِ) كَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ (لَمْ يُوجِبْ) غُسْلًا لِمَا تَقَدَّمَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ نَجِسًا وَلَيْسَ مَذْيًا، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَإِنْ انْتَبَهَ بَالِغٌ، أَوْ مَنْ يُمْكِنُ بُلُوغُهُ كَابْنِ عَشْرٍ) وَبِنْتِ تِسْعٍ مِنْ نَوْمٍ وَنَحْوِهِ (وَوَجَدَ بَلَلًا) بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ (جَهِلَ كَوْنَهُ مَنِيًّا، بِلَا سَبَبٍ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ، مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ وَجَبَ الْغُسْلُ، كَتَيَقُّنِهِ مَنِيًّا وَغَسَلَ مَا أَصَابَهُ مِنْ بَدَنٍ وَثَوْبٍ) احْتِيَاطًا. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يَجِبُ انْتَهَى، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِيجَابِ بِالشَّكِّ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فِي الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ، كَمَنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ وَجَهِلَهَا؛ لِأَنَّهُ فِي الْمِثَالِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مَنِيًّا أَوْ مَذْيًا، وَلَا سَبَبَ
لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ يُرَجَّحُ بِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ إلَّا بِمَا ذُكِرَ (وَإِنْ تَقَدَّمَ نَوْمَهُ سَبَبٌ مِنْ بَرْدٍ أَوْ نَظَرٍ أَوْ فِكْرٍ أَوْ مُلَاعَبَةٍ أَوْ انْتِشَارٍ) لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ لِعَدَمِ يَقِينِ الْحَدَثِ وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الطَّهَارَةِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ غَسْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ، لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَذْيًا، بِقِيَامِ سَبَبِهِ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ كَمَا لَوْ وَجَدَ فِي نَوْمِهِ حُلْمًا، فَإِنَّا نُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَيْهِ لِرُجْحَانِ كَوْنِهِ مَنِيًّا، بِقِيَامِ سَبَبِهِ. وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ وَلَا الْبَدَنِ جَمِيعًا لِتَرَدُّدِ الْأَمْرِ فِيهِمَا، نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي تَرْجَمَتِهِ فِي الطَّبَقَاتِ. وَقَالَ: وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُشْبِهُ مَسْأَلَةَ الرَّجُلَيْنِ إذَا وَجَدَا عَلَى فِرَاشِهِمَا مَنِيًّا، وَلَمْ يَعْلَمَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: لَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِحَالِهِ فِي الثَّوْبِ؛ لِأَنَّا نَتَيَقَّنُ بِذَلِكَ حُصُولَ الْمُفْسِدِ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ إمَّا الْجَنَابَةُ وَإِمَّا النَّجَاسَةُ (أَوْ تَيَقَّنَهُ) أَيْ: الْبَلَلَ (مَذْيًا لَمْ يَجِبْ غُسْلٌ) بَلْ يُغْسَلُ مَا أَصَابَهُ وُجُوبًا. (وَلَا يَجِبُ) الْغُسْلُ (بِحُلْمٍ بِلَا بَلَلٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (فَإِنْ انْتَبَهَ) مَنْ احْتَلَمَ (ثُمَّ خَرَجَ) الْمَنِيُّ (إذَنْ وَجَبَ) الْغُسْلُ مِنْ حِينِ الِاحْتِلَامِ؛ لِأَنَّا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ قَدْ اُنْتُقِلَ حِينَهُ. تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْهَدْيِ نَقْلًا عَنْ ابْنِ مَاسَوَيْهِ: مَنْ احْتَلَمَ فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى وَطِئَ أَهْلَهُ، فَوَلَدَتْ مَجْنُونًا أَوْ مُخْتَلًّا فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. (وَإِنْ وَجَدَ مَنِيًّا فِي ثَوْبٍ لَا يَنَامُ فِيهِ غَيْرُهُ) قَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْأَزَجِيُّ: لَا بِظَاهِرِهِ، لِجَوَازِهِ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مُرَادُ الْأَصْحَابِ فِيمَا يَظْهَرُ (فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ) لِوُجُودِ مُوجِبِهِ (وَإِعَادَةُ الْمُتَيَقَّنِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ) أَيْ: الْمَنِيُّ (فِيهِ) أَيْ: الثَّوْبِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُعِيدُ مَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ صَلَّاهُ بَعْدَ وُجُودِ الْمَنِيِّ، وَمَا شَكَّ فِيهِ لَا يُعِيدُهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْأَوْلَى إعَادَةُ صَلَوَاتِ تِلْكَ الْمُدَّةِ وَمَا يَصِلُ بِهِ الْيَقِينُ فِي بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ إذَا تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ يُعِيدُ، وَنَصُّهُ: حَتَّى يَتَيَقَّنَ بَرَاءَتَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: بَعْدَ ظَنِّهِ نَجَاسَتَهُ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْفَرْقُ أَنَّ الْمَنِيَّ الْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَيَكُونُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ كَالْمَعْدُومِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَوَضَّأَ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ عَلِمَ نَجَاسَتَهُ، فَإِنَّهُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ قَدْ شَكَّ فِي رَفْعِ الْحَدَثِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ رَفْعِهِ فَيَكُونُ الْحَدَثُ فِي وَقْتِ الشَّكِّ كَالْمَوْجُودِ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِنْ كَانَ يَنَامُ هُوَ) أَيْ: مَنْ وَجَدَ الْمَنِيَّ فِي الثَّوْبِ. (وَغَيْرُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي ذَلِكَ
الثَّوْبِ الَّذِي وُجِدَ بِهِ الْمَنِيُّ (وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الِاحْتِلَامِ، فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُتَيَقِّنٌ مِنْ الطَّهَارَةِ شَاكٌّ فِي الْحَدَثِ (وَمِثْلُهُ) فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَيْهِمَا: (إنْ سُمِعَ صَوْتٌ أَوْ شُمَّ رِيحٌ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا تُعْلَمُ عَيْنُهُ لَمْ تَجِبْ الطَّهَارَةُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا) بِعَيْنِهِ، لِعَدَمِ تَيَقُّنهِ الْحَدَثَ. (وَلَا يَأْثَمُ أَحَدُهُمَا) وَحْدَهُ، وَلَا مَعَ غَيْرِهِ (بِالْآخَرِ) لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ إمَّا حَدَثُهُ وَإِمَّا حَدَثُ إمَامِهِ (وَلَا يُصَافُّهُ) أَيْ: لَا يُصَافُّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ (وَحْدَهُ) لِتَحَقُّقِ الْمُفْسِدِ؛ إذْ صَلَاةُ الْفَذِّ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَمَا يَأْتِي فَإِنْ صَافَّهُ مَعَ غَيْرِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا لِزَوَالِ الْفَذِّيَّةِ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي مَسْأَلَةِ وُجْدَانِ الْمَنِيِّ فِي الثَّوْبِ، وَمَسْأَلَةِ سَمَاعِ الصَّوْتِ أَوْ شَمِّ الرِّيحِ مِنْ أَحَدِهِمَا (وَكَذَا كُلُّ اثْنَيْنِ تَيَقَّنَ مُوجِبُ الطَّهَارَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ كَرَجُلَيْنِ) أَوْ. امْرَأَتَيْنِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَةٍ (لِمَسِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحَدَ فَرْجَيْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ) ؛ لِأَنَّ أَحَدَ الْفَرْجَيْنِ أَصْلِيٌّ فَانْتَقَضَ وُضُوءُ لَامِسِهِ فَإِنْ مَسَّ لِشَهْوَةٍ مِثْلِ مَا لِلَّامِسِ مِنْهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ يَقِينًا وَتَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَإِنْ أَرَادَا ذَلِكَ، أَيْ: أَنْ يُصَلِّيَا جَمَاعَةً أَوْ أَنْ يَكُونَا صَفًّا وَحْدَهُمَا تَوَضَّأَ ثُمَّ فَعَلَا ذَلِكَ لِيَزُولَ الِاعْتِقَادُ الَّذِي أَبْطَلْنَا صَلَاتَهُمَا مِنْ أَجْلِهِ وَلَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ وُضُوءُ أَحَدِهِمَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَحْدَثَ مِنْهُمَا هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَوَضَّأْ (وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا) فِيمَا تَقَدَّمَ مُطْلَقًا لِيَخْرُجَا مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (وَإِنْ أَحَسَّ) رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ (بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ فَحَبَسَهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ وَجَبَ الْغُسْلُ، كَخُرُوجِهِ) ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَصْلُهَا الْبُعْدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] أَيْ: الْبَعِيدِ، وَمَعَ الِانْتِقَالِ قَدْ بَاعَدَ الْمَاءُ مَحَلَّهُ فَصَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْجُنُبِ وَإِنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالشَّهْوَةِ وَتَعْلِيقًا لَهُ عَلَى الْمَظِنَّةِ، إذْ بَعْدَ انْتِقَالِهِ يَبْعُدُ عَدَمُ خُرُوجِهِ، وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ يَرْجِعُ. (وَيَثْبُتُ بِهِ) أَيْ: بِانْتِقَالِ الْمَنِيِّ (حُكْمُ بُلُوغٍ) كَمَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ (وَ) يَثْبُتْ بِهِ حُكْمُ (فِطْرٍ) مِنْ صَوْمٍ مِمَّنْ قَبَّلَ أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ لِشَهْوَةٍ وَنَحْوِهِ، لَا مِمَّنْ احْتَلَمَ، كَخُرُوجِهِ (وَغَيْرِهِمَا) كَوُجُوبِ بَدَنَةٍ فِي الْحَجِّ حَيْثُ وَجَبَتْ لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: كَفَسَادِ نُسُكٍ وَقَالَ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ: الْتِزَامًا وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِفَسَادِ النُّسُكِ بِخُرُوجِهِ بِالْمُبَاشَرَةِ (وَكَذَا انْتِقَالُ حَيْضٍ قَالَهُ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَيَثْبُتُ بِهِ مَا يَثْبُتُ بِخُرُوجِهِ (فَإِنْ خَرَجَ الْمَنِيُّ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنْ انْتِقَالِهِ) لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ. (أَوْ) خَرَجَ الْمَنِيُّ (بَعْدَ غُسْلِهِ مِنْ جِمَاعٍ لَمْ يُنْزِلْ فِيهِ) بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ
يَجِبْ الْغُسْلُ (أَوْ خَرَجَتْ بَقِيَّةُ مَنِيٍّ اغْتَسَلَ لَهُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجُنُبِ يَخْرُجُ مِنْهُ الشَّيْءُ بَعْدَ الْغُسْلِ؟ قَالَ: يَتَوَضَّأُ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ وَاحِدٌ فَأَوْجَبَ غُسْلًا وَاحِدًا، كَمَا لَوْ خَرَجَ دَفْقَةً وَاحِدَةً، وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَشْبَهَ الْخَارِجَ لِبَرْدٍ، وَبِهِ عَلَّلَ أَحْمَدُ قَالَ: لِأَنَّ الشَّهْوَةَ مَاضِيَةٌ، وَإِنَّمَا هُوَ حَدَثٌ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَهُ الْوُضُوءُ. (وَلَوْ) انْتَقَلَ الْمَنِيُّ (ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُلْفَةِ الْأَقْلَفِ، أَوْ) إلَى (فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَجَبَ) الْغُسْلُ، رِوَايَةً وَاحِدَةً وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِوُجُوبِ الْغُسْلِ بِالِانْتِقَالِ. (وَلَوْ خَرَجَ مَنِيُّهُ مِنْ فَرْجِهَا بَعْدَ غُسْلِهَا فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيَّهَا (وَيَكْفِي الْوُضُوءُ، وَإِنْ دَبَّ مَنِيُّهُ) أَيْ: الرَّجُلِ فَدَخَلَ فَرْجَهَا ثُمَّ خَرَجَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا أَوْ دَبَّ إلَى فَرْجِهَا (مَنِيُّ امْرَأَةٍ أُخْرَى بِسِحَاقٍ، فَدَخَلَ فَرْجَهَا) ثُمَّ خَرَجَ (فَلَا غُسْلَ عَلَيْهَا بِدُونِ إنْزَالٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنِيًّا خَارِجًا مِنْ مَخْرَجِهِ دَفْقًا بِلَذَّةٍ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِلْبَدَنِ لِكَوْنِهِ يَنْقُصُ بِهِ مِنْهُ جُزْءٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ جَمِيعِهِ؛ لِكَوْنِ الْحَيَوَانِ يُخْلَقُ مِنْهُ وَلِكَوْنِهِ يَنْقُصُ بِهِ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ وَلِهَذَا يَضْعُفُ بِكَثْرَتِهِ. تَنْبِيهٌ مَحَلُّ وُجُوبِ الْغُسْلِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ: إذَا لَمْ يَصِرْ سَلَسًا قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ فَيَجِبُ الْوُضُوءُ فَقَطْ، لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: يُمْكِنُ مَنْعُ كَوْنِ هَذَا مَنِيًّا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ وَصَفَهُ بِصِفَةٍ غَيْرِ مَوْجُودَةٍ فِيهِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْغُسْلَ كَالْوُضُوءِ سَبَبُ وُجُوبِهِ الْحَدَثُ. (الثَّانِي) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ (تَغْيِيبُ حَشَفَةٍ أَصْلِيَّةٍ أَوْ قَدْرِهَا إنْ فُقِدَتْ بِلَا حَائِلٍ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جَلَسَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» زَادَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ، وَمَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ، فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِالْإِنْزَالِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ» فَمَنْسُوخٌ بِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: «إنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَقُولُونَ: الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ رُخْصَةٌ رَخَّصَ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ثُمَّ الْمُرَادُ مِنْ الْتِقَائِهِمَا، تَقَابُلُهُمَا وَتَحَاذِيهِمَا. فَلِذَلِكَ عَدَلَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (قُبُلًا
كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ، وَلَوْ مُكْرَهًا أَوْ) مِنْ (بَهِيمَةٍ حَتَّى سَمَكَةٍ وَطَيْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ إيلَاجٌ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ، أَشْبَهَ الْآدَمِيَّةَ (حَيٌّ أَوْ مَيِّتٌ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَلَوْ لَمْ يَجِدْ بِذَلِكَ حَرَارَةً خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَلَوْ كَانَ) ذُو الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ (مَجْنُونًا أَوْ نَائِمًا) أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ (بِأَنْ أَدْخَلَتْهَا فِي فَرْجِهَا، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى النَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ) وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ (كَهِيَ) أَيْ: كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجَامَعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ مَجْنُونَةً أَوْ نَائِمَةً أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ، كَسَبْقِ الْحَدَثِ. (وَإِنْ اسْتَدْخَلَتْهَا) أَيْ: الْحَشَفَةَ الْأَصْلِيَّةَ (مِنْ مَيِّتٍ أَوْ) مِنْ (بَهِيمَةٍ وَجَبَ عَلَيْهَا) الْغُسْلُ (دُونَ الْمَيِّتِ، فَلَا يُعَادُ غُسْلُهُ) لِذَلِكَ، وَلَا فَرْقَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَلَوْ مَكَثَ زَمَانًا يُصَلِّي وَلَمْ يَغْتَسِلْ احْتَاطَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُعِيدُ حَتَّى يَتَيَقَّنَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا اشْتَهَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، فَلَمْ يُعْذَرْ فِيهِ بِالْجَهْلِ (وَيُعَادُ غُسْلُ الْمَيِّتَةِ الْمَوْطُوءَةِ) قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ:: وَمَنْ وُطِئَ بَعْدَ غُسْلِهِ أُعِيدَ غُسْلُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَاخْتَارَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَيَجِبُ الْغُسْلُ بِالْجِمَاعِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ كَانَ الْمُجَامِعُ غَيْرَ بَالِغٍ نَصًّا، فَاعِلًا وَمَفْعُولًا) إنْ كَانَ (يُجَامِعُ مِثْلَهُ كَابْنَةِ تِسْعٍ، وَابْنِ عَشْرٍ) قَالَ الْإِمَامُ: يَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ إذَا وَطِئَ وَالصَّغِيرَةِ إذَا وُطِئَتْ، مُسْتَدِلًّا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ (فَيَلْزَمُهُ) أَيْ: ابْنَ عَشْرٍ وَبِنْتَ تِسْعٍ (غُسْلٌ وَوُضُوءٌ بِمُوجِبَاتِهِ، إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ) فَقَطْ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (أَوْ) عَلَى (وُضُوءٍ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ (لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ) فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْغُسْلُ إذَا أَرَادَهُ وَيَكْفِيهِ الْوُضُوءُ كَالْمُكَلَّفِ وَيَأْتِي، وَمَثَلُ مَسْأَلَةِ الْغُسْلِ إلْزَامُهُ بِاسْتِجْمَارٍ وَنَحْوِهِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ: التَّأْثِيمُ بِتَرْكِهِ، بَلْ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ، أَوْ لِإِبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ. (أَوْ مَاتَ) الصَّغِيرُ (شَهِيدًا) بَعْدَ الْجِمَاعِ (قَبْلَ غُسْلِهِ) فَيُغْسَلُ، لِوُجُوبِهِ قَبْلَهُ، كَمَا لَوْ مَاتَ غَيْرَ شَهِيدٍ (وَيَرْتَفِعُ حَدَثُهُ) أَيْ: الصَّغِيرِ (بِغُسْلِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ) فَلَا يَجِبُ إعَادَتُهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ، لِصِحَّةِ غُسْلِهِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَثَرُهَا وَهُوَ ارْتِفَاعُ الْحَدَثِ ثُمَّ أَخَذَ يُصَرِّحُ بِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ فَقَالَ: (وَلَا يَجِبُ غُسْلٌ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ) بِلَا إنْزَالٍ (وَلَا بِإِيلَاجٍ بِحَائِلٍ، مِثْلَ إنْ لَفَّ عَلَى ذَكَرِهِ خِرْقَةً، أَوْ أَدْخَلَهُ فِي كِيسٍ) بِلَا إنْزَالٍ. (وَلَا بِوَطْءٍ دُونَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) وَلَا انْتِقَالٍ لِعَدَمِ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ (وَلَا بِالْتِصَاقٍ) أَيْ: تَمَاسِّ (خِتَانَيْهِمَا مِنْ غَيْرِ إيلَاجٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ (وَلَا سِحَاقَ) وَهُوَ إتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ (بِلَا إنْزَالٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بِإِيلَاجِ فِي غَيْرِ أَصْلِيٍّ) أَوْ
بِغَيْرِ أَصْلِيٍّ (كَإِيلَاجِ رَجُلٍ فِي قُبُلِ الْخُنْثَى) الْمُتَّضِحِ الذُّكُورِيَّةِ أَوْ الْمُشْكِلِ، بِلَا إنْزَالٍ لِعَدَمِ الْفَرْجِ الْأَصْلِيِّ بِيَقِينٍ. (أَوْ إيلَاجِ الْخُنْثَى) الْوَاضِحِ الْأُنُوثَةِ، أَوْ الْمُشْكِلِ (ذَكَرَهُ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِلَا إنْزَالٍ) لِعَدَمِ تَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ الْأَصْلِيَّةِ بِيَقِينٍ (وَكَذَا لَوْ وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْمُشْكِلَيْنِ الْآخَرَ بِالذَّكَرِ فِي الْقُبُلِ) لِاحْتِمَالِ زِيَادَتِهِمَا، أَوْ زِيَادَةِ أَحَدِهِمَا (أَوْ) وَطِئَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْخُنْثَيَيْنِ الْآخَرَ بِالذَّكَرِ فِي (الدُّبُرِ) لِاحْتِمَالِ زِيَادَةِ الذَّكَرَيْنِ. (وَإِنْ تَوَاطَأَ رَجُلٌ وَخُنْثَى فِي دُبُرَيْهِمَا فَعَلَيْهِمَا الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّ دُبُرَ الْخُنْثَى أَصْلِيٌّ قَطْعًا وَقَدْ وُجِدَ تَغْيِيبُ حَشَفَةِ الرَّجُلِ فِيهِ (وَإِنْ وَطِئَ الْخُنْثَى بِذَكَرِهِ امْرَأَةً وَجَامَعَهُ) أَيْ: ذَلِكَ الْخُنْثَى (رَجُلٌ فِي قُبُلِهِ فَعَلَى الْخُنْثَى الْغُسْلُ) ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا فَقَدْ غَيَّبَ ذَكَرَهُ فِي فَرْجِ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى فَقَدْ جُومِعَتْ فِي قُبُلِهَا الْأَصْلِيِّ. (وَأَمَّا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فَيَلْزَمُ أَحَدَهُمَا الْغُسْلُ، لَا بِعَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّ الْخُنْثَى لَا يَخْلُو عَنْ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَوْ يَكُونَ أُنْثَى، فَيَجِبُ الْغُسْلُ عَلَى الرَّجُلِ، وَالِاحْتِيَاطُ أَنْ يَتَطَهَّرَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، أَوْ يُصَافَّهُ وَحْدَهُ اغْتَسَلَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى. (وَلَوْ قَالَتْ امْرَأَةٌ: بِي جِنِّيٌّ يُجَامِعُنِي، كَالرَّجُلِ فَعَلَيْهَا الْغُسْلُ) . وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا غُسْلَ لِعَدَمِ الْإِيلَاجِ وَالِاحْتِلَامِ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ} [الرحمن: 56] دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِنِّيَّ يَغْشَى الْمَرْأَةَ كَالْإِنْسِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْغَشَيَانِ الْإِيلَاجُ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ إيلَاجُهُ عَنْ مُلَابَسَتِهِ بِبَدَنِهِ خَاصَّةً انْتَهَى قُلْتُ: وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: لَوْ قَالَ رَجُلٌ: بِي جِنِّيَّةٌ أُجَامِعُهَا كَالْمَرْأَةِ، فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ. (وَالْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ كَالْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْوَطْءِ الْكَامِلِ) مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَالْبَدَنَةِ فِي الْحَجِّ، وَإِفْسَادِ النُّسُكِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَتَقَرُّرِ الصَّدَاقِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْفَيْئَةِ فِي الْإِيلَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ (وَجَمَعَهَا بَعْضُهُمْ فَبَلَغَتْ أَرْبَعَمِائَةِ) حُكْمٍ (إلَّا ثَمَانِيَةَ أَحْكَامٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي تُحْفَةِ الْوَدُودِ فِي أَحْكَامِ الْمَوْلُودِ) وَمَنْ تَتَبَّعَ مَا يَأْتِي يَظْفَرْ بِأَكْثَرِهَا.
الثَّالِثُ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ (إسْلَامُ الْكَافِرِ، وَلَوْ مُرْتَدًّا أَوْ مُمَيِّزًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ أَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذْهَبُوا بِهِ إلَى حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَمُرُوهُ أَنْ يَغْتَسِلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ الْعُمَرِيِّ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا. «وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ جَنَابَةٍ فَأُقِيمَتْ الْمَظِنَّةُ مُقَامَ الْحَقِيقَةِ، كَالنَّوْمِ وَالْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ. وَلِأَنَّ الْمُرْتَدَّ مُسَاوٍ لِلْأَصْلِيِّ فِي الْمَعْنَى وَهُوَ الْإِسْلَامُ فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْلُ (سَوَاءٌ وُجِدَ مِنْهُ فِي كُفْرِهِ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ) مِنْ نَحْوِ جِمَاعٍ أَوْ إنْزَالٍ (أَوْ لَا وَسَوَاءٌ اغْتَسَلَ قَبْلَ إسْلَامِهِ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحَالُ لَوَجَبَ الِاسْتِفْصَالُ (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ: الَّذِي أَسْلَمَ (غُسْلٌ) آخَرُ (بِسَبَبِ حَدَثٍ وُجِدَ مِنْهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ بَلْ يَكْفِيهِ غُسْلُ الْإِسْلَامِ) سَوَاءٌ نَوَى الْكُلَّ، أَوْ نَوَى غُسْلَ الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ غَيْرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا (وَوَقْتُ وُجُوبِهِ) أَيْ: غُسْلِ الْإِسْلَامِ (عَلَى الْمُمَيِّزِ) إذَا أَسْلَمَ (كَوَقْتِ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُمَيِّزِ الْمُسْلِمِ إذَا جَامَعَ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ أَوْ وُضُوءٍ لِغَيْرِ لُبْثٍ بِمَسْجِدٍ أَوْ مَاتَ شَهِيدًا. قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا غُسْلَ عَلَيْهِ، أَيْ: الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ إلَّا إذَا وُجِدَ فِي حَالِ كُفْرِهِ مَا يُوجِبُهُ، فَيَجِبُ (إلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ كِتَابِيَّتَيْنِ، إذَا اغْتَسَلَتَا لِوَطْءِ زَوْجٍ) مُسْلِمٍ (أَوْ سَيِّدٍ مُسْلِمٍ) انْتَهَى بِالْمَعْنَى (ثُمَّ أَسْلَمَتَا فَلَا يَلْزَمُهُمَا إعَادَةُ الْغُسْلِ) لِصِحَّتِهِ مِنْهُمَا، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ لِلْعُذْرِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ لِجَنَابَةٍ ثُمَّ أَسْلَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ، لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُ. وَهَذَا كَمَا عَلِمْتَ مُفَرَّعٌ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فَكَانَ الْأَوْلَى حَذْفُهُ لِئَلَّا يُوهِمَ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ وَقَدْ تَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ (وَيَحْرُمُ تَأَخُّرُ إسْلَامٍ لِغُسْلٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ. (وَلَوْ اسْتَشَارَ) كَافِرٌ (مُسْلِمًا) فِي الْإِسْلَامِ (فَأَشَارَ بِعَدَمِ إسْلَامِهِ) لَمْ يَجُزْ (أَوْ أَخَّرَ عَرْضَ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (وَلَمْ يَصِرْ) الْمُسْلِمُ (مُرْتَدًّا) خِلَافًا لِصَاحِبِ التَّتِمَّةِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَرَدَّ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. (الرَّابِعُ) مِنْ مُوجِبَاتِ الْغُسْلِ: (الْمَوْتُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْسِلْنَهَا إلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْآتِيَةِ فِي مَحَلِّهِ (تَعَبُّدًا) لَا عَنْ حَدَثٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْهُ لَمْ يَرْتَفِعْ مَعَ بَقَاءِ سَبَبِهِ، كَالْحَائِضِ، لَا تُغَسَّلُ مَعَ جَرَيَانِ الدَّمِ وَلَا عَنْ نَجِسٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ
عَنْهُ لَمْ يَطْهُرْ، مَعَ بَقَاءِ سَبَبِ التَّنْجِيسِ وَهُوَ الْمَوْتُ (غَيْرَ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا) فَلَا يُغَسَّلَانِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي مَحَلِّهِ. (الْخَامِسُ خُرُوجُ حَيْضٍ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ وَإِذَا ذَهَبَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَأَمَرَ بِهِ أُمَّ حَبِيبَةَ وَسَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ وَحَمْنَةَ وَغَيْرَهُنَّ، يُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] أَيْ: إذَا اغْتَسَلْنَ فَمَنَعَ الزَّوْجَ مِنْ وَطْئِهَا قَبْلَ غُسْلِهَا فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا وَجَبَ بِالْخُرُوجِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِسَبَبِهِ وَالِانْقِطَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ، وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الِانْقِطَاعُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ إذَا اُسْتُشْهِدَتْ الْحَائِضُ قَبْلَ الِانْقِطَاعِ. فَإِنْ قُلْنَا يَجِبُ الْغُسْلُ بِخُرُوجِ الدَّمِ وَجَبَ غُسْلُهَا لِلْحَيْضِ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَجِبُ إلَّا بِالِانْقِطَاعِ لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُغَسَّلُ وَلَمْ يَنْقَطِعْ الدَّمُ الْمُوجِبُ لِلْغُسْلِ قَالَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَالزَّرْكَشِيُّ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْمُبْدِعِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمْ، قَالَ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِهِ: وَعَلَى هَذَا التَّفْرِيعِ إشْكَالٌ وَهُوَ أَنَّ الْمَوْتَ إمَّا أَنْ يُنَزَّلَ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ أَوْ لَا فَإِنْ نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ لَزِمَ وُجُوبُ الْغُسْلِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِ وُجُوبِهِ وَشَرْطِهِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُنَزَّلْ مَنْزِلَةَ انْقِطَاعِ الدَّمِ فَهِيَ فِي حُكْمِ الْحَائِضِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَلَا يَجِبُ غُسْلُهَا. لِأَنَّا إنْ قُلْنَا: الْمُوجِبُ هُوَ الِانْقِطَاعُ فَلَمْ يُوجَدْ وَإِنْ قُلْنَا: الْخُرُوجُ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ وَهُوَ الِانْقِطَاعُ نَعَمْ يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا لَوْ عَلَّقَ عِتْقًا أَوْ طَلَاقًا عَلَى مَا يُوجِبُ غُسْلًا وَقَعَ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْأَوَّلِ وَبِالِانْقِطَاعِ عَلَى الثَّانِي (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (جَنَابَةٌ فَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ) لِلْجَنَابَةِ (حَتَّى يَنْقَطِعَ حَيْضُهَا نَصًّا) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَتْ لِلْجَنَابَةِ فِي زَمَنِ حَيْضِهَا صَحَّ) غُسْلُهَا لَهَا (بَلْ يُسْتَحَبُّ) تَخْفِيفًا لِلْحَدَثِ (وَيَزُولُ حُكْمُ الْجَنَابَةِ) ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ لَا يَمْنَعُ ارْتِفَاعَ الْآخَرِ كَمَا لَوْ اغْتَسَلَ الْمُحْدِثُ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَيَأْتِي أَوَّلَ الْحَيْضِ. (السَّادِسُ) الْمُتَمِّمُ لِلْمُوجِبَاتِ (خُرُوجُ نِفَاسٍ) قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ بِهِمَا اهـ. وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ (وَهُوَ) أَيْ: النِّفَاسُ (الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ) وَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي آخِرِ الْحَيْضِ (وَلَا يَجِبُ) الْغُسْلُ (بِوِلَادَةٍ عُرِيَتْ عَنْ دَمٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (فَلَا يَبْطُلُ الصَّوْمُ) بِالْوِلَادَةِ الْعَارِيَّةِ عَنْ الدَّمِ. (وَلَا يَحْرُمُ
فصل من لزمه الغسل
الْوَطْءُ بِهَا) قَبْلَ الْغُسْلِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا) يَجِبُ الْغُسْلُ (بِإِلْقَاءِ عَلَقَةٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِلَا نِزَاعٍ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: بِلَا دَمٍ (أَوْ) بِإِلْقَاءِ (مُضْغَةٍ) لَا تَخْطِيطَ فِيهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ وِلَادَةً وَإِنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بِإِلْقَاءِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ إنْسَانٍ وَلَوْ خَفِيًّا (وَالْوَلَدُ طَاهِرٌ وَمَعَ الدَّمِ يَجِبُ غَسْلُهُ) كَسَائِرِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَنَجِّسَةِ وَفِيهِ وَجْهٌ لَا؛ لِلْمَشَقَّةِ. [فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ] " فَصْلٌ " (وَمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ) لِجَنَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (حَرُمَ عَلَيْهِ الِاعْتِكَافُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَ) حَرُمَ عَلَيْهِ (قِرَاءَةُ آيَةٍ فَصَاعِدًا) رُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلِمَةَ بِكَسْرِ اللَّامِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْجُبُهُ وَرُبَّمَا قَالَ لَا يَحْجِزُهُ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَاهُ قَالَ شُعْبَةُ: لَسْتُ أَرْوِي حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْحَائِضِ أَنْ تَقْرَأَهُ إذَا خَافَتْ نِسْيَانَهُ، بَلْ يَجِبُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ، وَ (لَا) يَحْرُمُ عَلَيْهِ قِرَاءَةُ (بَعْضِ آيَةٍ؛) ؛ لِأَنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهِ الْمُنَقَّحُ، مَا لَمْ تَكُنْ طَوِيلَةً (وَلَوْ كَرَّرَهُ) أَيْ: الْبَعْضَ (مَا لَمْ يَتَحَيَّلْ عَلَى قِرَاءَةٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِ) كَقِرَاءَةِ آيَةٍ فَأَكْثَرَ، لِمَا يَأْتِي أَنَّ الْحِيَلَ غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا. (وَلَهُ) أَيْ: الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (تَهَجِّيهِ) أَيْ: الْقُرْآنِ؛؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقِرَاءَةٍ لَهُ فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ لِخُرُوجِهِ عَنْ نَظْمِهِ وَإِعْجَازِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَلَهُ التَّفَكُّرُ فِيهِ وَتَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ مَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَقِرَاءَةُ أَبْعَاضِ آيَةٍ مُتَوَالِيَةٍ، أَوْ آيَاتٍ سَكَتَ بَيْنَهَا سُكُوتًا طَوِيلًا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) لَهُ (الذِّكْرُ) أَيْ: أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ» وَيَأْتِي أَنَّهُ يُكْرَهُ أَذَانُ جُنُبٍ. (وَ) لَهُ (قِرَاءَةٌ لَا تُجْزِئُ فِي الصَّلَاةِ لِإِسْرَارِهَا) نَقَلَهُ عَنْ الْفُرُوعِ عَنْ ظَاهِرِ نِهَايَةِ الْأَزَجِيِّ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَهُ تَحْرِيكُ شَفَتَيْهِ بِهِ إذَا لَمْ يُبِنْ الْحُرُوفَ (وَلَهُ قَوْلُ مَا وَافَقَ قُرْآنًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ كَالْبَسْمَلَةِ
وَقَوْلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَكَآيَةِ الِاسْتِرْجَاعِ) {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 156] وَهِيَ بَعْضُ آيَةٍ لَا آيَةٌ. (وَ) كَآيَةِ (الرُّكُوبِ) {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} [الزخرف: 13] {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} [الزخرف: 14] وَكَذَا آيَةُ النُّزُولِ: {وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا} [المؤمنون: 29] . (وَلَهُ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ تِلَاوَةٍ وَ) أَنْ (يُقْرَأَ عَلَيْهِ وَهُوَ سَاكِتٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُنْسَبُ إلَى الْقِرَاءَةِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَيُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ قِرَاءَتِهِ وَلَوْ رُجِيَ إسْلَامُهُ) قِيَاسًا عَلَى الْجُنُبِ وَأَوْلَى (وَلِجُنُبٍ) وَنَحْوِهِ (عُبُورُ مَسْجِدٍ وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ} [النساء: 43] وَهُوَ الطَّرِيقُ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ فِي الْمَسْجِدِ جُنُبًا مُجْتَازًا وَحَدِيثُ عَائِشَةَ «إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ شَاهِدٌ بِذَلِكَ، وَقِيلَ: لِحَاجَةٍ فَقَطْ وَمَشَى عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ، وَمِنْ الْحَاجَةِ: كَوْنُهُ طَرِيقًا قَصِيرًا، لَكِنْ كَرِهَ أَحْمَدُ اتِّخَاذَهُ طَرِيقًا (وَكَذَا حَائِضٌ وَنُفَسَاءُ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ فَلَهُمَا عُبُورُهُ كَالْجُنُبِ. (وَإِنْ خَافَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (تَلْوِيثَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَرُمَ) دُخُولُهُمَا فِيهِ (كَلُبْثِهِمَا فِيهِ) مُطْلَقًا (وَيَأْتِي فِي الْحَيْضِ، وَيُمْنَعُ مِنْ عُبُورِهِ وَاللُّبْثِ فِيهِ لِسَكْرَانَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] . (وَ) يُمْنَعُ مِنْهُ (الْمَجْنُونُ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ السَّكْرَانِ بِالْمَنْعِ (وَيُمْنَعُ) مِنْ الْمَسْجِدِ (مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى) ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ تَلْوِيثِهِ (وَلَا يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ: لِلنَّجَاسَةِ الَّتِي تَتَعَدَّى إنْ احْتَاجَ اللُّبْثَ (لِعُذْرٍ) وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَتَيَمَّمُ لَهَا لِلْعُذْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا ضَعِيفٌ (وَيُسَنُّ مَنْعُ الصَّغِيرِ مِنْهُ) نَقَلَ مُهَنَّا يَنْبَغِي أَنْ تُجَنَّبَ الصِّبْيَانُ الْمَسَاجِدَ. قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: أَطْلَقُوا الْعِبَارَةَ وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إذَا كَانَ صَغِيرًا لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ اهـ فَلِهَذَا يُقَالُ (وَيُمْنَعُ مِنْ اللَّعِبِ فِيهِ، إلَّا لِصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ. وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا) نَصًّا (وَيَأْتِي فِي الِاعْتِكَافِ، وَيَحْرُمُ عَلَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا اللُّبْثُ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا} [النساء: 43] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَوْ مُصَلَّى عِيدٍ؛ لِأَنَّهُ مَسْجِدٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فصل في الأغسال المسنونة
«وَلْيَعْتَزِلْ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى» (لَا مُصَلَّى الْجَنَائِزِ) فَلَيْسَ مَسْجِدًا؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْجَنَائِز لَيْسَتْ ذَاتَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ بِخِلَافِ صَلَاةِ الْعِيدِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّئُوا) أَيْ: الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا فَيَجُوزُ لَهُمَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْأَثْرَمُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْوُضُوءَ يُخَفِّفُ حَدَثَهُ فَيَزُولُ بَعْضُ مَا يَمْنَعُهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَحِينَئِذٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ حَيْثُ يَنَامُ غَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ النَّوْمُ الْكَثِيرُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَذَلِكَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَرْفَعُ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ وَوُضُوءُ الْجُنُبِ لِتَخْفِيفِ الْجَنَابَةِ، وَإِلَّا فَهَذَا الْوُضُوءُ لَا يُبِيحُ لَهُ مَا يَمْنَعُهُ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ: مِنْ الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. (فَلَوْ تَعَذَّرَ) الْوُضُوءُ عَلَى الْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (وَاحْتِيجَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ (جَازَ) لَهُ اللُّبْثُ فِيهِ (مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَهُمْ الْمَسْجِدَ. (وَ) اللُّبْثُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّيَمُّمِ (أَوْلَى) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَيَتَيَمَّمُ) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (لِأَجْلِ لُبْثِهِ فِيهِ لَغُسْلٍ) إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ عَاجِلًا، قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: وَاحْتَاجَ إلَى اللُّبْثِ فِيهِ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّهُ إذَا احْتَاجَ لِلُّبْثِ فِيهِ جَازَ بِلَا تَيَمُّمٍ قَالَ وَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُهُ بِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ (وَلِمُسْتَحَاضَةٍ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ عُبُورُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَاللُّبْثُ فِيهِ مَعَ أَمْنِ تَلْوِيثِهِ) بِالنَّجَاسَةِ، لَحَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اعْتَكَفَتْ مَعَهُ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَمَعَ خَوْفِهِ) أَيْ خَوْفِ تَلْوِيثِهِ (يُحَرَّمَانِ) أَيْ الْعُبُورُ وَاللُّبْثُ لِوُجُوبِ صَوْنِ الْمَسْجِدِ عَمَّا يُنَجِّسُهُ (وَلَا يُكْرَهُ لِجُنُبٍ وَنَحْوِهِ) كَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ (إزَالَةُ شَيْءٍ مِنْ شَعْرِهِ وَظُفْرِهِ قَبْلَ غُسْلِهِ) كَالْمُحْدِثِ. [فَصْلٌ فِي الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ] ِ وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ وَفِي صِفَةِ الْغُسْلِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ الْغُسْلُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ
عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» وَقَوْلِهِ «مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَوْلُهُ: وَاجِبٌ مَعْنَاهُ مُتَأَكِّدُ الِاسْتِحْبَابِ، كَمَا تَقُولُ: حَقُّكَ وَاجِبٌ عَلَيَّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ إلَى الْحَسَنِ وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْ سَمُرَةَ وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ لَا يَصِحُّ سَمَاعُهُ مِنْهُ. وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ عُثْمَانَ أَتَى الْجُمُعَةَ بِغَيْرِ غُسْلٍ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْجُمُعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَأَوَّلُهُ: مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُجْزِئُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَهُ (إنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْجُمُعَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ لِعُمُومِ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ وَ (لَا) يُسْتَحَبُّ غُسْلُ الْجُمُعَةِ (لِامْرَأَةٍ نَصًّا) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» . (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَغْتَسِلَ (عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْجُمُعَةِ؛؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ وَأَنْ يَكُونَ (عَنْ جِمَاعٍ) لِلْخَبَرِ الْآتِي فِي بَابِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَحْدَثَ) حَدَثًا أَصْغَرَ (أَجْزَأَهُ الْغُسْلُ) الْمُتَقَدِّمُ؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَا يُبْطِلُهُ (وَكَفَاهُ الْوُضُوءُ) لِحَدَثِهِ (وَهُوَ) أَيْ: غُسْلُ الْجُمُعَةِ (آكَدُ الْأَغْسَالِ الْمَسْنُونَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ آكَدُ الْأَغْسَالِ ثُمَّ بَعْدَهُ الْغُسْلُ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ صَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِصَلَاةِ (عِيدٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَغْتَسِلُ لِذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ لَهَا الْجَمَاعَةُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ (فِي يَوْمِهَا) أَيْ: الْعِيدِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ الْجُمُعَةِ (لِحَاضِرِهَا) أَيْ: الْعِيدِ (إنْ) صَلَّى الْعِيدَ (وَلَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ إنْ صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ فِيهَا) بِأَنْ صَلَّى بَعْدَ صَلَاةِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ. وَفِي التَّلْخِيصِ: إنْ حَضَرَ وَلَوْ لَمْ يُصَلِّ، وَمِثْلُهُ الزِّينَةُ وَالطِّيبُ؛ لِأَنَّهُ يَوْمُ الزِّينَةِ، بِخِلَافِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
(وَ) يُسَنُّ الِاغْتِسَالُ (لِ) صَلَاةِ (كُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (مِنْ غُسْلِ مَيِّتٍ مُسْلِمٍ أَوْ كَافِرٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ؟ قَالُوا: لَا رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِ) الْإِفَاقَةِ مِنْ (جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ بِلَا إنْزَالِ مَنِيٍّ) فِيهِمَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنْ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ، بَلْ أَوْلَى (وَمَعَهُ يَجِبُ) أَيْ إنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالُ وَجَبَ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ، وَإِنْ وَجَدَ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ بَلَّةً لَمْ يَجِبْ الْغُسْلُ. قَالَ الزَّرْكَشِيّ: عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ التَّفْصِيلُ فِيمَا إذَا أَفَاقَ نَائِمٌ وَنَحْوُهُ وَوَجَدَ بَلَلًا. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ) «؛ لِأَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اُسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ «أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اُسْتُحِيضَتْ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ الْغُسْلُ (لِإِحْرَامٍ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّ «أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ (وَدُخُولِ مَكَّةَ) وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ. قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بِالْحَرَمِ كَاَلَّذِي بِمِنًى إذَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ فَيُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَدُخُولِ حَرَمِهَا) أَيْ: حَرَمِ مَكَّةَ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ (وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا. (وَمَبِيتٍ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جِمَارٍ وَطَوَافِ زِيَارَةٍ وَ) طَوَافِ (وَدَاعٍ) ؛ لِأَنَّهَا أَنْسَاكٌ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ وَيَزْدَحِمُونَ، فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ (وَيَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ، لِحَاجَةٍ) أَيْ: يَتَيَمَّمُ لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْغُسْلُ، إذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ تَضَرَّرَ بِاسْتِعْمَالِهِ، وَنَحْوِهِ
مِمَّا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، كَمَا لَوْ أَرَادَ الْجُنُبُ الصَّلَاةَ وَنَحْوَهَا. (وَ) يُسَنُّ التَّيَمُّمُ أَيْضًا (لِمَا يُسَنُّ لَهُ الْوُضُوءُ) كَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالْأَذَانِ وَرَفْعِ الشَّكِّ وَالْكَلَامِ الْمُحَرَّمِ (لِعُذْرٍ) يُبِيحُ التَّيَمُّمَ (وَلَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِدُخُولِ طَيْبَةَ) وَهِيَ مَدِينَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَنَصُّ أَحْمَدَ وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَيْ: يَغْتَسِلُ لَهَا. (وَلَا لِلْحِجَامَةِ) ؛ لِأَنَّهُ دَمٌ خَارِجٌ، أَشْبَهَ الرُّعَافَ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «يُغْتَسَلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ الْجُمُعَةِ وَالْجَنَابَةِ، وَالْحِجَامَةِ، وَغُسْلِ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَفِيهِ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَلَا بِالْحَافِظِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: إنَّ أَحَادِيثَهُ مَنَاكِيرُ، وَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْهَا (وَ) لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ أَيْضًا لِ (الْبُلُوغِ) بِغَيْرِ إنْزَالٍ (وَكُلّ اجْتِمَاعٍ) مُسْتَحَبّ وَلَا لِغَيْرِ مَا تَقَدَّمَ. (وَالْغُسْلُ) إمَّا كَامِلٌ وَإِمَّا مُجْزِئٌ ف (الْكَامِلُ) الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ: (أَنْ يَنْوِيَ) أَيْ: يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ، أَوْ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا (ثُمَّ يَغْسِلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا) كَالْوُضُوءِ، لَكِنْ هُنَا آكَدُ لِاعْتِبَارِ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْهُمَا وَلِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ «فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا» وَيَكُونُ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ (ثُمَّ يَغْسِلَ مَا لَوَّثَهُ مِنْ أَذًى) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «فَيُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ» . وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ بَقِيَّةِ بَدَنِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ نَجِسًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَوْ مُسْتَقْذَرًا طَاهِرًا، كَالْمَنِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ (ثُمَّ يَضْرِبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ أَوْ الْحَائِطَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (ثُمَّ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» وَعَنْهُ يُؤَخِّرُ غُسْلَ رِجْلَيْهِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ (ثُمَّ يَحْثِي عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثًا، يَرْوِي بِكُلِّ مَرَّةٍ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ» وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ اسْتَبْرَأَ حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. يُقَالُ: حَثَوْتُ أَحْثُو حَثْوًا، كَغَزَوْتُ، وَحَثَيْتُ أَحْثِي حَثْيًا كَرَمَيْتُ، وَاسْتَحَبَّ الْمُوَفَّقُ أَوْ غَيْرُهُ تَخْلِيلَ أُصُولِ شَعْرِ رَأْسِهِ قَبْلَ إفَاضَةِ الْمَاءِ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى بَقِيَّةِ جَسَدِهِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ» وَلِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ» (ثَلَاثًا) قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (يَبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ) بِشِقِّهِ
(الْأَيْسَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي طُهُورِهِ» (وَيُدَلِّكَ بَدَنَهُ بِيَدَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَنْقَى، وَبِهِ يَتَيَقَّنُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَغَابِنِهِ وَجَمِيعِ بَدَنِهِ، وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ يَدِهِ عَلَى جَسَدِهِ فِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَلَا يَجِبُ إذَا تَيَقَّنَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ (وَيَتَفَقَّدُ أُصُولَ شَعْرِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (وَغَضَارِيفَ أُذُنَيْهِ، وَتَحْتَ حَلْقِهِ وَإِبِطَيْهِ، وَعُمْقَ سُرَّتِهِ وَحَالِبَيْهِ) . قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْحَالِبَانِ عِرْقَانِ يَكْتَنِفَانِ السُّرَّةَ (وَبَيْنَ أَلْيَتِهِ وَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ) لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَيْهَا (وَيَكْفِي الظَّنُّ فِي الْإِسْبَاغِ) أَيْ: فِي وُصُولِ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْيَقِينِ حَرَجٌ وَمَشَقَّةٌ (ثُمَّ يَتَحَوَّلَ عَنْ مَوْضِعِهِ فَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ، وَلَوْ) كَانَ (فِي حَمَّامٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا لَا طِينَ فِيهِ لِقَوْلِ مَيْمُونَةَ «ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ مَقَامِهِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ» . (وَإِنْ أَخَّرَ غَسْلَ قَدَمَيْهِ فِي وُضُوئِهِ فَغَسَلَهُمَا آخِرَ غُسْلِهِ فَلَا بَأْسَ) لِوُرُودِهِ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ (وَتُسَنُّ مُوَالَاةٌ) فِي الْغُسْلِ بَيْنَ غَسْلِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْبَدَنِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا تَجِبُ) الْمُوَالَاةُ فِي الْغُسْلِ (كَالتَّرْتِيبِ) ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ شَيْءٌ وَاحِدٌ بِخِلَافِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (فَلَوْ اغْتَسَلَ إلَّا أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ) ثُمَّ أَرَادَ غَسْلَهَا مِنْ الْحَدَثَيْنِ (لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ فِيهَا) وَلَا الْمُوَالَاةُ (لِأَنَّ حُكْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ، وَإِنْ فَاتَتْ الْمُوَالَاةُ) قَبْلَ إتْمَامِ الْغُسْلِ، بِأَنْ جَفَّ مَا غَسَلَهُ مِنْ بَدَنِهِ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ وَأَرَادَ أَنْ يُتِمّ غُسْلَهُ (جَدَّدَ لِإِتْمَامِهِ نِيَّةً وُجُوبًا) لِانْقِطَاعِ النِّيَّةِ بِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ، فَيَقَعُ غُسْلُ مَا بَقِيَ بِدُونِ نِيَّةٍ. (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ كَافِرٍ أَسْلَمَ) لِحَدِيثِ «قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَ) يُسَنُّ (إزَالَةُ شَعْرِهِ، فَيَحْلِقُ رَأْسَهُ، إنْ كَانَ رَجُلًا) وَيَأْخُذُ عَانَتَهُ وَإِبْطَيْهِ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِرَجُلٍ أَسْلَمَ «أَلْقِ عَنْكَ شَعْرَ الْكُفْرِ، وَاخْتَتِنْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَيَغْسِلُ ثِيَابَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إنْ قُلْنَا بِنَجَاسَتِهَا، وَجَبَ وَإِلَّا اُسْتُحِبَّ. (وَيَخْتَتِنُ) الْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ (وُجُوبًا بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا، وَأَنْ لَا يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْهُ (وَيُسَنُّ سِدْرٌ فِي غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَرَوَتْ «أَسْمَاءُ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنِّفَاسُ كَالْحَيْضِ. (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا (أَخْذُهَا مِسْكًا، إنْ لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً فَتَجْعَلُهُ فِي فَرْجِهَا فِي قُطْنَةٍ أَوْ غَيْرِهَا) كَخِرْقَةٍ
(بَعْدَ غُسْلِهَا لَيَقْطَعَ الرَّائِحَةَ) أَيْ: رَائِحَةَ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ لَمَّا سَأَلَتْهُ عَنْ غُسْلِ الْحَيْضِ: ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَطْهُرُ بِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَالْفِرْصَةُ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ) مِسْكًا (فَطِيبًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمِسْكِ فِي ذَلِكَ لَا لِمُحْرِمَةٍ فَإِنَّ الطِّيبَ بِأَنْوَاعِهِ يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا لِمَا يَأْتِي فِي الْإِحْرَامِ (فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَطِينًا، وَلَوْ مُحْرِمَةً فَإِنْ تَعَذَّرَ فَالْمَاءُ) الطَّهُورُ (كَافٍ) لِحُصُولِ الطَّهَارَةِ بِهِ. (وَالْغُسْلُ الْمُجْزِئُ) وَهُوَ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ فَقَطْ (أَنْ يُزِيلَ مَا بِهِ) أَيْ: بِبَدَنِهِ (مِنْ نَجَاسَةٍ أَوْ غَيْرِهَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى الْبَشَرَةِ إنْ وُجِدَ) مَا يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَيْهَا، لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى الْبَشَرَةِ (وَيَنْوِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (ثُمَّ يُسَمِّيَ) قَالَ أَصْحَابُنَا: هِيَ هُنَا كَالْوُضُوءِ، قِيَاسًا لِإِحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى. وَفِي الْمُغْنِي: أَنَّ حُكْمَهَا هُنَا أَخَفُّ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ التَّسْمِيَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ بِصَرِيحِهِ الْوُضُوءَ لَا غَيْرُ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وُضُوءٌ وَزِيَادَةٌ اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ وَلِذَلِكَ لَا تَكْفِي نِيَّةُ الْغُسْلِ عَنْهُ (ثُمَّ يَعُمَّ بَدَنَهُ بِالْغَسْلِ) فَلَا يُجْزِئُ الْمَسْحُ (حَتَّى فَمَهُ وَأَنْفَهُ) فَتَجِبُ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ فِي غُسْلٍ (كَوُضُوءٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) حَتَّى (ظَاهِرَ شَعْرِهِ وَبَاطِنِهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مُسْتَرْسِلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ. لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ» (مَعَ نَقْضِهِ) أَيْ: الشَّعْرِ وُجُوبًا (لِغُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ لَا) غُسْلِ (جَنَابَةٍ إذَا رَوَتْ أُصُولَهُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا «إذَا كُنْتِ حَائِضًا خُذِي مَاءَكِ وَسِدْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ وَلِلْبُخَارِيِّ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَامْتَشِطِي» وَلِابْنِ مَاجَهْ «اُنْقُضِي شَعْرَكِ وَاغْتَسِلِي» وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِتَحَقُّقِ وُصُولِ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَشَقَّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ وَالنِّفَاسُ فِي مَعْنَى الْحَيْضِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا: وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضِ قَالَ لَا، إنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهِيَ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ
فصل يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع
(وَحَتَّى حَشَفَةُ أَقْلَفَ) أَيْ: غَيْرِ مَخْتُونٍ (إنْ أَمْكَنَ تَشْمِيرُهَا) بِأَنْ كَانَ مَفْتُوقًا؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَ) حَتَّى (مَا تَحْتَ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ، فَيُحَرِّكُهُ) لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ. (وَ) حَتَّى (مَا يَظْهَرُ مِنْ فَرْجِهَا عِنْدَ قُعُودِهَا لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا) ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ (وَلَا) يَجِبُ غَسْلُ (مَا أَمْكَنَ مِنْ دَاخِلِهِ) أَيْ: فَرْجٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ وَإِمَّا فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، وَعُفِيَ عَنْهُ لِلْمَشَقَّةِ وَتَقَدَّمَ. (وَ) لَا غُسْلَ (دَاخِلَ عَيْنٍ) بَلْ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَلَوْ أَمِنَ الضَّرَرَ (وَتَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ فَإِنْ كَانَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَحَلِّ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ أَوْ الْأَكْبَرِ (نَجَاسَةٌ) لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءَ إلَى الْبَشَرَةِ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ (ارْتَفَعَ الْحَدَثُ قَبْلَ زَوَالِهَا كَالطَّاهِرَاتِ) عَلَى مَحَلّ الْحَدَثِ الَّتِي لَا تَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ وَقَدَّمَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ عُبَيْدَانَ وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْحَاوِي الْكَبِيرِ وَصَحَّحُوهُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَرْتَفِعُ إلَّا مَعَ آخِرِ غَسْلَةٍ، طَهُرَ عِنْدَهَا، قَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ فِي النَّظْمِ: هُوَ الْأَقْوَى. [فَصْلٌ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ] فَصْلٌ (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِمُدٍّ) (وَهُوَ مِائَةٌ وَأَحَدٌ وَسَبْعُونَ دِرْهَمًا وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ. (وَ) بِالْمَثَاقِيلِ (مِائَةٌ وَعِشْرُونَ مِثْقَالًا وَ) بِالْأَرْطَالِ (رِطْلٌ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) أَيْ: الرَّطْلَ الْعِرَاقِيَّ فِي زِنَتِهِ مِنْ الْبُلْدَانِ (وَرِطْلٌ وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ مِصْرِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ، وَثَلَاثُ أَوَاقٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ دِمَشْقِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ، وَأُوقِيَّتَانِ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ بَعْلَبِيَّةٍ وَمَا وَافَقَهُ وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَغْتَسِلَ بِصَاعٍ، وَهُوَ) أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ فَهُوَ (سِتُّمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَثَمَانُونَ مِثْقَالًا، وَخَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ) الْجَيِّدِ وَهُوَ الْمُسَاوِي لِلْعَدَسِ فِي زِنَتِهِ (نَصَّ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ، وَأَنَّهُ بِالْبُرِّ الرَّزِينِ، وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ فَرَقًا مِنْ طَعَامٍ» قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَعْلَمُهُ أَنَّ الْفَرَقَ ثَلَاثَةُ آصَاعٍ وَالْفَرَقُ بِفَتْحِ الرَّاءِ سِتَّةَ عَشَرَ
رِطْلًا بِالْعِرَاقِيِّ. (وَ) الصَّاعُ (أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (مِصْرِيٍّ) وَالصَّاعُ (رِطْلٌ وَأُوقِيَّةٌ وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةِ) رِطْلٍ (دِمَشْقِيٍّ وَإِحْدَى عَشْرَةَ أُوقِيَّةٍ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ وَعَشْرُ أَوَاقٍ وَسُبْعَا أُوقِيَّةٍ قُدْسِيَّةٍ، وَتِسْعُ أَوَاقٍ وَسُبْعُ أُوقِيَّةٍ بَعْلِيَّةٍ وَهَذَا) أَيْ: بَيَانُ قَدْرِ الْمُدِّ وَالصَّاعِ (يَنْفَعُكَ هُنَا) أَيْ: فِي الْمِيَاهِ. (وَفِي) بَابِ (الْفِطْرَةِ وَالْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ) بِسَائِرِ أَنْوَاعِهَا (وَغَيْرِهَا) كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُدٍّ أَوْ صَاعٍ (فَإِنْ أَسْبَغَ بِدُونِهِمَا) بِأَنْ تَوَضَّأَ بِدُونِ مُدٍّ أَوْ اغْتَسَلَ بِدُونِ صَاعٍ (أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْغُسْلِ وَقَدْ فَعَلَهُ (وَلَمْ يُكْرَهْ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَوَضَّأَ فَأُتِيَ بِمَاءٍ فِي إنَاءٍ قَدْرَ ثُلُثَيْ الْمُدِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، وَمَنْطُوقُ هَذَا: مُقَدَّمٌ عَلَى مَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُجْزِئُ فِي الْوُضُوءِ الْمُدُّ وَفِي الْغُسْلِ الصَّاعُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَثْرَمُ. (وَالْإِسْبَاغُ) فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ: (تَعْمِيمُ الْعُضْوِ بِالْمَاءِ، بِحَيْثُ يَجْرِي عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ مَسْحًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَإِنْ مَسَحَهُ) أَيْ: الْعُضْوَ بِالْمَاءِ (أَوْ أَمَرَّ الثَّلْجَ عَلَيْهِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ بِهِ وَإِنْ ابْتَلَّ بِهِ) أَيْ: الثَّلْجِ (الْعُضْوُ) الَّذِي يَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَسْحٌ لَا غَسْلٌ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الثَّلْجُ (خَفِيفًا فَيَذُوبَ، وَيَجْرِيَ عَلَى الْعُضْوِ) فَيُجْزِئَ، لِحُصُولِ الْغَسْلِ الْمَطْلُوبِ. (وَيُكْرَهُ الْإِسْرَافُ فِي الْمَاءِ وَلَوْ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّ عَلَى سَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ؟ فَقَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ إسْرَافٌ؟ قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَإِذَا اغْتَسَلَ يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنْ الْحَدَثَيْنِ) أَجْزَأَ عَنْهُمَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطْهِيرِ، وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ؛ وَلِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ، فَتَدَاخَلَتَا فِي الْفِعْلِ، كَمَا تَدْخُلُ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ كَالشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا يَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ، اكْتِفَاءً عَنْهُ بِغُسْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَتَدَاخَلَانِ إنْ أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى كَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ
وَالْمَسْحِ (أَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْأَكْبَرِ وَلَا بِالْأَصْغَرِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِشُمُولِ الْحَدَثِ لَهُمَا (أَوْ) نَوَى (اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ أَوْ) نَوَى (أَمْرًا لَا يُبَاحُ إلَّا بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَمَسِّ مُصْحَفٍ) وَطَوَافٍ (أَجْزَأَ عَنْهُمَا) لِاسْتِلْزَامِ ذَلِكَ رَفْعَهُمَا (وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ) لِدُخُولِ الْوُضُوءِ فِي الْغُسْلِ فَصَارَ الْحُكْمُ لِلْغُسْلِ كَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ. (وَإِنْ نَوَى) مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْلِ اسْتِبَاحَةَ (قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَعَ الْأَكْبَرُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لَا عَلَى رَفْعِ الْأَصْغَرِ (وَإِنْ نَوَى) الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: نَوَى رَفْعَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ: الْأَكْبَرِ، أَوْ الْأَصْغَرِ (لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَقَالَ الْأَزَجِيُّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إذَا نَوَى الْأَكْبَرَ ارْتَفَعَ. (وَمَنْ تَوَضَّأَ قَبْلَ غُسْلِهِ) يَعْنِي أَوْ فِي أَوَّلِهِ (كُرِهَ لَهُ إعَادَتُهُ بَعْدَ الْغُسْلِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (إلَّا أَنْ يَنْتَقِضَ وُضُوءُهُ بِمَسِّ فَرْجِهِ أَوْ غَيْرِهِ) كَمَسِّ امْرَأَةٍ لِشَهْوَةٍ أَوْ بِخُرُوجِ خَارِجٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَتُهُ لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا وَتُسْتَحَبُّ لِنَحْوِ قِرَاءَةٍ وَأَذَانٍ، لِوُجُودِ سَبَبِهِ. (وَإِنْ نَوَتْ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا) أَوْ نِفَاسُهَا (بِغُسْلِهَا حِلَّ الْوَطْءِ صَحَّ) غُسْلُهَا، وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّ حِلَّ وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْلَ، وَهُوَ الْوَطْءُ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَطْءِ وَحِلِّهِ. (وَيُسَنُّ لِكُلِّ جُنُبٍ وَلَوْ امْرَأَةٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ) قُلْتُ: وَكَافِرٍ أَسْلَمَ قِيَاسًا عَلَيْهِمْ (إذَا أَرَادُوا النَّوْمَ أَوْ الْأَكْلَ أَوْ الشُّرْبَ أَوْ الْوَطْءَ ثَانِيًا أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْأَذَى (وَيَتَوَضَّأُ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ أَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ بِالنَّوْمِ، فَلِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا تَوَضَّأَ فَلْيَرْقُدْ» . وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَمَّا كَوْنُهُ يُسْتَحَبُّ لِمُعَاوَدَةِ الْوَطْءِ فَلِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «: إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَزَادَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ (لَكِنَّ الْغُسْلَ لِ) مُعَاوَدَةِ (الْوَطْءِ أَفْضَلُ) مِنْ الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ أَنْشَطُ (وَيَأْتِي فِي عِشْرَةِ النِّسَاءِ وَلَا يَضُرُّ نَقْضُهُ) .
فصل أحكام الحمام وآداب دخوله
أَيْ: الْوُضُوءِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: إذَا تَوَضَّأَ الْجُنُبُ لِمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ أَحْدَثَ قَبْلَهُ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ فَلَا تُسَنُّ لَهُ إعَادَتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّخْفِيفُ أَوْ النَّشَاطُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، يَتَوَضَّأُ لِمَبِيتِهِ عَلَى إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ (وَيُكْرَهُ) لِلْجُنُبِ وَنَحْوِهِ (تَرْكُهُ) أَيْ: الْوُضُوءِ (لِنَوْمٍ فَقَطْ) لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُكْرَهُ تَرْكُهُ لِأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَمُعَاوَدَةِ وَطْءٍ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ) كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءَ شَيْئًا (مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ) وَتَقَدَّمَ (وَلَا أَنْ يَخْتَضِبَ قَبْلَ الْغُسْلِ نَصًّا) . [فَصْلٌ أَحْكَام الْحَمَّام وَآدَاب دُخُولِهِ] فَصْلٌ فِي مَسَائِلَ مِنْ أَحْكَامِ الْحَمَّامِ وَآدَابِ دُخُولِهِ، وَأَجْوَدُ الْحَمَّامَاتِ: مَا كَانَ شَاهِقًا عَذْبَ الْمَاءِ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ، مُعْتَدِلَ الْبُيُوتِ قَدِيمَ الْبِنَاءِ (بِنَاءُ الْحَمَّامِ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ وَإِجَارَتُهُ) مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ وَالنَّظَرِ إلَيْهَا وَدُخُولِ النِّسَاءِ إلَيْهِ (وَكَسْبُهُ وَكَسْبُ الْبَلَّانِ وَالْمُزَيِّنِ مَكْرُوهٌ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحَمَّامِيَّةُ النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ) وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ لَا تُجَازُ شَهَادَةُ مَنْ بَنَاهُ لِلنِّسَاءِ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي وَحَمَلَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى غَيْرِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ. (وَلِلرَّجُلِ دُخُولُهُ إذَا أَمِنَ وُقُوعَ مُحَرَّمٍ بِأَنْ يَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النَّاسِ) وَمَسِّهَا (وَ) يَسْلَمَ مِنْ (نَظَرِهِمْ إلَى عَوْرَتِهِ) وَمَسِّهَا. لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا كَانَ بِالْجُحْفَةِ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا (فَإِنْ خَافَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ بِدُخُولِ الْحَمَّامِ (كُرِهَ) دُخُولُهُ (وَإِنْ عَلِمَهُ) أَيْ: الْوُقُوعَ فِي مُحَرَّمٍ (حَرُمَ) دُخُولُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ ذُكُورِ أُمَّتِي فَلَا يَدْخُلْ الْحَمَّامَ إلَّا بِمِئْزَرٍ وَمَنْ كَانَتْ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا تَدْخُلْ الْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَقَالَ أَحْمَدُ إنْ عَلِمْتَ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُ الْحَمَّامَ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ (وَلِلْمَرْأَةِ دُخُولُهُ) أَيْ: الْحَمَّامِ (بِالشَّرْطِ الْمَذْكُورِ) بِأَنْ تَسْلَمَ مِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَمَسِّهَا وَمِنْ النَّظَرِ إلَى عَوْرَتِهَا وَمَسِّهَا (وَبِوُجُودِ عُذْرٍ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ جَنَابَةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّهَا سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ وَسَتَجِدُونَ فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا الْحَمَّامَاتُ،
فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إلَّا بِالْأُزُرِ وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ» . وَقَوْلُهُ (وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا لِخَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ نُزُولِهِ) قَالَهُ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لَا يُعْتَبَرُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ مِمَّا تَقَدَّمَ (حَرُمَ) عَلَيْهَا دُخُولُهُ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرَيْنِ. وَاخْتَارَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا اعْتَادَتْ الْحَمَّامَ وَشَقَّ عَلَيْهَا تَرْكُ دُخُولِهِ إلَّا لِعُذْرٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا دُخُولُهُ (وَلَا) يَحْرُمُ عَلَيْهَا الِاغْتِسَالُ (فِي حَمَّامِ دَارِهَا) حَيْثُ لَمْ يُرَ مِنْ عَوْرَتِهَا مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَكَبَاقِي دَارِهَا (وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي دُخُولِ الْحَمَّامِ وَالْمُغْتَسَلِ وَنَحْوِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا لِمَا خَبُثَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَنْ سُفْيَانَ قَالَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِمَنْ دَخَلَهُ أَنْ يَقُولَ: يَا بَرُّ يَا رَحِيمُ مُنَّ وَقِنَا عَذَابَ السَّمُومِ (وَالْأَوْلَى فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَغْسِلَ قَدَمَيْهِ وَإِبْطَيْهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ دُخُولِهِ، وَيَلْزَمَ الْحَائِطَ) خَوْفَ السُّقُوطِ (وَيَقْصِدَ مَوْضِعًا خَالِيًا) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ أَنْ يَقَعَ فِي مَحْظُورٍ. (وَلَا يَدْخُلَ الْبَيْتَ الْحَارَّ حَتَّى يَعْرَقَ فِي الْبَيْتِ الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ أَجْوَدُ طِبًّا (وَيُقَلِّلَ الِالْتِفَاتَ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الشَّيَاطِينِ، فَتَعْبَثُ بِهِ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِرُؤْيَةِ عَوْرَةٍ (وَلَا يُطِيلَ الْمَقَامَ إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِنْ الْبَدَنِ (وَيَغْسِلَ قَدَمَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِهِ بِمَاءٍ بَارِدٍ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ) (فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الصُّدَاعَ، وَلَا يُكْرَهُ دُخُولُهُ قُرْبَ الْغُرُوبِ، وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِعَدَمِ النَّهْيِ الْخَاصِّ عَنْهُ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مِنْهَاجِ الْقَاصِدِينَ: يُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ الشَّيَاطِينِ (وَيَحْرُمُ أَنْ يَغْتَسِلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ) فِي حَمَّامٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ» إلَى آخِرِهِ. وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ) فَلَا بَأْسَ (أَوْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا خَالِيًا) عَنْ النَّاسِ (فَلَا بَأْسَ) ؛ لِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ عُرْيَانًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - اغْتَسَلَ عُرْيَانًا قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (وَالتَّسَتُّرُ أَفْضَلُ) . وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ: يُكْرَهُ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمُسْتَحَمِّ وَدُخُولُ الْمَاءِ بِلَا مِئْزَرٍ لِقَوْلِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَقَدْ دَخَلَا الْمَاءَ وَعَلَيْهِمَا بُرْدٌ: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا (وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِيهِ) أَيْ: الْحَمَّامِ (وَلَوْ خَفَضَ صَوْتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ التَّكَشُّفِ وَيُفْعَلُ فِيهِ
باب التيمم
مَا لَا يَحْسُنُ فِي غَيْرِهِ فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَحَكَى ابْنُ عَقِيلٍ الْكَرَاهَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ (وَكَذَا) يُكْرَهُ (السَّلَامُ) فِي الْحَمَّامِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: وَكَذَلِكَ لَا يُسَلِّمُ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مُسَلِّمٍ. وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: الْأَوْلَى جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَ (لَا) يُكْرَهُ (الذِّكْرُ) فِي الْحَمَّامِ، لِمَا رَوَى النَّخَعِيُّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (وَسَطْحُهُ وَنَحْوُهُ) مِنْ كُلِّ مَا يَتْبَعُهُ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ (كَبَقِيَّتِهِ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ. [بَابُ التَّيَمُّمِ] (بَابُ التَّيَمُّمِ) (وَهُوَ) لُغَةً الْقَصْدُ قَالَ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] يُقَالُ: يَمَّمْتُ فُلَانًا وَتَيَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ إذَا قَصَدْتُهُ وَمِنْهُ {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: وَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمْتُ أَرْضًا ... أُرِيدُ الْخَيْرَ أَيُّهُمَا يَلِينِي أَأَلْخَيْرُ الَّذِي أَنَا مُبْتَغِيهِ ... أَمْ الشَّرُّ الَّذِي هُوَ مُبْتَغِينِي وَشَرْعًا (مَسْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِتُرَابٍ طَهُورٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي تَفْصِيلُهُ. وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [المائدة: 6] الْآيَةَ، وَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْهُ طَهُورًا لِغَيْرِهَا، تَوْسِعَةً عَلَيْهَا وَإِحْسَانًا إلَيْهَا، وَالتَّيَمُّمُ (بَدَلٌ عَنْ طَهَارَةِ الْمَاءِ) . ؛ لِأَنَّهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهَا، يَجِبُ فِعْلُهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ وُجُودِهِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَهَذَا شَأْنُ الْبَدَلِ (وَيَجُوزُ) التَّيَمُّمُ (حَضَرًا وَسَفَرًا، وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (غَيْرَ مُبَاحٍ أَوْ) كَانَ (قَصِيرًا)
دُونَ الْمَسَافَةِ (؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ) عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ. (قَالَ الْقَاضِي لَوْ خَرَجَ إلَى ضَيْعَةٍ لَهُ تُقَارِبُ الْبُنْيَانَ وَالْمَنَازِلَ، وَلَوْ بِخَمْسِينَ خُطْوَةٍ، جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ) أَيْ: بِشَرْطِهِ (وَ) جَازَ لَهُ (الصَّلَاةُ) النَّافِلَةُ (عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَأَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلضَّرُورَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ عُرْفًا (وَيَجُوزُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: وَهُوَ مَشْرُوعٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ حَيْثُ يَجِبُ التَّطَهُّرُ بِالْمَاءِ، وَيُسَنُّ حَيْثُ يُسَنُّ ذَلِكَ فَيُشْرَعُ (لِكُلِّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ) أَيْ: بِطَهَارَتِهِ (عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعَدَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا (شَرْعًا مِنْ) بَيَانٍ لِمَا يُفْعَلُ بِالْمَاءِ (صَلَاةِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَطَوَافِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَقِرَاءَةِ قُرْآنٍ وَمَسِّ مُصْحَفٍ) . وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ (وَوَطْءِ حَائِضٍ انْقَطَعَ دَمُهَا) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِالْوَاطِئِ جِرَاحٌ أَوْ لَمْ يُصَلِّ بِهِ ابْتِدَاءً (وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ) إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ عَاجِلًا، وَأَرَادَ اللُّبْثَ لِلْغُسْلِ فِيهِ (سِوَى جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهُمَا فِي مَسْأَلَةٍ تَقَدَّمَتْ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) وَهِيَ: مَا إذَا تَعَذَّرَ الْوُضُوءُ وَاحْتَاجُوا لِلُّبْثِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بِلَا تَيَمُّمٍ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ بِهِ أَوْلَى. (وَ) سِوَى (نَجَاسَةٍ عَلَى غَيْرِ بَدَنٍ) وَهِيَ النَّجَاسَةُ عَلَى الثَّوْبِ وَفِي الْبُقْعَةِ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهُمَا، بِخِلَافِ نَجَاسَةِ الْبَدَنِ وَتَأْتِي (وَلَا يُكْرَهُ الْوَطْءُ لِعَادِمِ الْمَاءِ) وَلَوْ لَمْ يَخَفْ الْعَنَتَ، إذْ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ إلَّا لِدَلِيلٍ (وَالتَّيَمُّمُ مُبِيحٌ) لِلصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا. وَ (لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: «فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَكَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَوْ رَفَعَ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إلَى الْمَاءِ إذَا وَجَدَهُ (وَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ. (إلَّا بِشَرْطَيْنِ، أَحَدُهُمَا: دُخُولُ وَقْتِ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ، فَلَا يَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَرْضٍ وَلَا لِنَفْلٍ مُعَيَّنٍ، كَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَنَحْوِهَا) كَوِتْرٍ (قَبْلَ وَقْتِهِمَا نَصًّا) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «جُعِلَتْ الْأَرْضُ كُلُّهَا لِي وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْوُضُوءُ إنَّمَا جَازَ قَبْلَ الْوَقْتِ، لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورَةً فَلَمْ يَجُزْ قَبْلَ الْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ. (وَلَا) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ فِي وَقْتٍ نُهِيَ عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَقْتًا لَهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِرَكْعَتَيْ فَجْرٍ بَعْدَهُ، وَلِرَكْعَتَيْ طَوَافٍ كُلَّ وَقْتٍ لِإِبَاحَتِهِمَا إذَنْ (وَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ (لِفَائِتَةٍ إذَا ذَكَرَهَا وَأَرَادَ فِعْلَهَا) لِصِحَّةِ فِعْلِهَا كُلَّ وَقْتٍ لَا قَبْلَهُ. (و) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِكُسُوفٍ عِنْدَ وُجُودِهِ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ نَهْيٍ، وَإِلَّا فَإِذَا خَرَجَ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِاسْتِسْقَاءٍ إذَا اجْتَمَعُوا) لِصَلَاتِهِ (وَ) لِصَلَاةِ
(جِنَازَةٍ إذَا غُسِّلَ الْمَيِّتُ) أَيْ: تَمَّ تَغْسِيلُهُ، كَمَا فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ يُمِّمَ لِعُذْرٍ) وَيُعَايَى بِهَا، فَيُقَالُ: شَخْصٌ لَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتَيَمَّمَ غَيْرُهُ؟ (وَلِعِيدٍ إذَا دَخَلَ وَقْتُهُ، وَلِمَنْذُورَةٍ) مُطْلَقَةٍ (كُلَّ وَقْتٍ) فَإِنْ كَانَتْ مَنْذُورَةً بِمُعَيَّنٍ اُعْتُبِرَ دُخُولُهُ، كَالْمَفْرُوضَةِ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِنَفْلٍ عِنْدَ جَوَازِ فِعْلِهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَقْتُهُ. (الشَّرْطُ الثَّانِي الْعَجْزُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْعَاجِزِ يَجِدُ الْمَاءَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ النَّصُّ (فَيَصِحُّ) التَّيَمُّمُ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْمَاءِ (لِعَدَمِهِ) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، قَصِيرًا كَانَ أَوْ طَوِيلًا، مُبَاحًا أَوْ غَيْرَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَيُتَصَوَّرُ عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ (بِحَبْسٍ) لِلْمُتَيَمِّمِ عِنْدَ الْخُرُوجِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ، أَوْ حَبْسٍ لِلْمَاءِ عَنْ الْمُتَيَمِّمِ، بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ (أَوْ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْحَبْسِ، كَقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلَدِهِ، لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدَهُ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالتَّقْيِيدُ بِالسَّفَرِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَدَمِ غَالِبًا. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِعَجْزِ مَرِيضٍ عَنْ الْحَرَكَةِ) (وَعَمَّنْ يُوَضِّئُهُ إذَا خَافَ فَوْتَ الْوَقْتِ إنْ انْتَظَرَ مَنْ يُوَضِّئُهُ) (وَ) عَجْزِهِ (عَنْ الِاغْتِرَافِ وَلَوْ بِفَمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْعَادِمِ لِلْمَاءِ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى اغْتِرَافِ الْمَاءِ بِفَمِهِ، أَوْ عَلَى غَمْسِ أَعْضَائِهِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (فِي بَدَنِهِ مِنْ جُرْحٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29] وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَكَمَا لَوْ خَافَ مِنْ عَطَشٍ أَوْ سَبُعٍ فَإِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لَزِمَهُ كَالصَّحِيحِ (أَوْ) مِنْ (بَرْدٍ شَدِيدٍ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: «احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ قُلْتُ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} [النساء: 29]
فَضَحِكَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَلَوْ) كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْبَرْدِ (حَضَرًا) فَيَتَيَمَّمُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ كَالسَّفَرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِخَوْفِهِ الضَّرَرَ أَنْ يَخَافَ التَّلَفَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ (يَخَافَ مِنْهُ نَزْلَةً أَوْ مَرَضًا وَنَحْوَهُ) كَزِيَادَةِ الْمَرَضِ، أَوْ تَطَاوُلِهِ، فَيَتَيَمَّمُ (بَعْدَ غَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ) غَسْلُهُ بِلَا ضَرَرٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَغْسِلُ مَا لَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ وَيَتَيَمَّمُ لِمَا سِوَاهُ مُرَاعِيًا لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالَاةِ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ كَمَا يَأْتِي. (وَ) إنَّمَا يَتَيَمَّمُ لِلْبَرْدِ إذَا (تَعَذَّرَ تَسْخِينُهُ) أَيْ: الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَغَيْرُهُ مَتَى أَمْكَنَهُ تَسْخِينُ الْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ الضَّرَرَ كَأَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا عُضْوًا، كُلَّمَا غَسَلَ شَيْئًا سَتَرَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِخَوْفِ بَقَاءِ شَيْنٍ) أَيْ: فَاحِشٍ فِي بَدَنِهِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى} [المائدة: 6] وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ إذَا خَافَ ذَهَابَ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَهُنَا أَوْلَى. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (مَرَضٍ يُخْشَى زِيَادَتُهُ أَوْ تَطَاوُلُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَمَنْ بِهِ صُدَاعٌ أَوْ حُمَّى حَارَّةٌ أَوْ أَمْكَنَهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْحَارِّ بِلَا ضَرَرٍ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ. (وَ) يَصِحُّ التَّيَمُّمُ (لِ) خَوْفِ (فَوَاتِ مَطْلُوبِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، كَعَدُوٍّ خَرَجَ فِي طَلَبِهِ أَوْ آبِقٍ أَوْ شَارِدٍ يُرِيدُ تَحْصِيلَهُ؛ لِأَنَّ فِي فَوْتِهِ ضَرَرًا وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِ (عَطَشٍ يَخَافُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ) كَانَ الْعَطَشُ (مُتَوَقَّعًا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي السَّفَرِ فَتُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ وَمَعَهُ الْمَاءُ الْقَلِيلُ يَخَافُ أَنْ يَعْطَشَ يَتَيَمَّمُ وَلَا يَغْتَسِلُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُ يَخَافُ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْبَهَ الْمَرِيضَ، بَلْ أَوْلَى (أَوْ) يَخَافُ الْعَطَشَ عَلَى (رَفِيقِهِ الْمُحْتَرَمِ) ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ تُقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ رَأَى غَرِيقًا عِنْدَ ضِيقِ وَقْتِهَا، فَيَتْرُكُهَا، وَيَخْرُجُ لِإِنْقَاذِهِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. قَالَ أَحْمَدُ عِدَّةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ تَيَمَّمُوا وَحَبَسُوا الْمَاءَ لِشِفَاهِهِمْ (وَلَا فَرْق) فِي الرَّفِيقِ الْمُحْتَرَمِ (بَيْنَ الْمُزَامِلِ لَهُ، أَوْ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الرَّكْبِ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُرَافَقَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ مَعَهُ الْمَاءُ (بَذْلُهُ لَهُ) أَيْ: لِعَطْشَانَ يَخْشَى تَلَفَهُ. وَفِي حَبْسِ الْمَاءِ لِعَطَشِ الْغَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ الشَّرِيفُ وَابْنُ عَقِيلٍ وُجُوبَهُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعَطَشَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَفِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ الْوُجُوبُ، وَهُوَ
ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ضَعِيفٌ جِدًّا فِيمَا يَظْهَرُ وَ (لَا) يَلْزَمُ بَذْلُ الْمَاءِ (لِطَهَارَةِ غَيْرِهِ بِحَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ لَا، طَلَبَهُ بِثَمَنِهِ أَوْ لَا، كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا يَلْزَمُ بَذْلُهَا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَلَا ضَرُورَةَ هُنَا. وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ: الْمُحْتَرَمِ: الزَّانِي الْمُحْصَنُ وَالْمُرْتَدُّ وَالْحَرْبِيُّ فَلَا يَلْزَمُ بَذْلُهُ لَهُ إذَا عَطِشَ وَإِنْ خَافَ تَلَفَهُ (أَوْ) عَطَشٍ يَخَافُهُ (عَلَى بَهِيمَتِهِ أَوْ بَهِيمَةِ غَيْرِهِ الْمُحْتَرَمَيْنِ) ؛ لِأَنَّ لِلرُّوحِ حُرْمَةً، وَسَقْيَهَا وَاجِبٌ وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ كَلْبُ الصَّيْدِ وَخَرَجَ عَنْهُ الْعَقُورُ وَالْخِنْزِيرُ وَنَحْوُهُ؛ لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ. (قَالَ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ (بْنُ الْجَوْزِيِّ: إنْ احْتَاجَ الْمَاءَ لِلْعَجْنِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا تَيَمَّمَ وَتَرَكَهُ) أَيْ: الْمَاءَ لِذَلِكَ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ. (وَإِذَا وَجَدَ الْخَائِفُ مِنْ الْعَطَشِ مَاءً طَاهِرًا أَوْ مَاءً نَجِسًا) وَكَانَ (يَكْفِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا لِشُرْبِهِ حَبَسَ الطَّاهِرَ) لِشُرْبِهِ (وَأَرَاقَ النَّجِسَ إنْ اسْتَغْنَى عَنْ شُرْبِهِ) سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ قَبْلَهُ، لِعَدَمِ حَاجَتِهِ إلَيْهِ (فَإِنْ خَافَ حَبَسَهُمَا) لِلْحَاجَةِ وَكَمَا لَوْ انْفَرَدَ النَّجِسُ. (وَلَوْ مَاتَ رَبُّ الْمَاءِ) وَبَقِيَ مَاؤُهُ (يَمَّمَهُ رَفِيقَهُ الْعَطْشَانَ) كَمَا يَتَيَمَّمُ لَوْ كَانَ حَيًّا لِذَلِكَ (وَيَغْرَمُ) الْعَطْشَانُ (ثَمَنَهُ) أَيْ: قِيمَةَ الْمَاءَ (فِي مَكَانِهِ) أَيْ: مَكَانِ إتْلَافِهِ (وَقْتَ إتْلَافِهِ لِوَرَثَتِهِ) لِانْتِقَالِهِ إلَيْهِمْ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، وَإِنَّمَا غَرِمَهُ بِثَمَنِهِ بِقِيمَتِهِ مَعَ أَنَّهُ مِثْلِيٌّ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْوَرَثَةِ، إذْ الْمَاءُ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي الْحَضَرِ غَالِبًا، وَلَوْ كَانَتْ فَشَيْءٌ تَافِهٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا فِي السَّفَرِ وَظَاهِرُ النِّهَايَةِ: إنْ غَرِمَهُ فِي مَكَانِهِ أَيْ: التَّلَفِ فَبِمِثْلِهِ (وَمَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَجْمَعَ الْمَاءَ) الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ (وَيَشْرَبَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَعَافُهُ) أَيْ: تَعَافُ شُرْبَهُ. (وَمَنْ خَافَ فَوْتَ رُفْقَتِهِ) بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا بِفَوْتِ الرُّفْقَةِ؛ لِفَوْتِ الْإِلْفِ وَالْأُنْسِ. (وَكَذَا لَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ فِي طَلَبِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (خَوْفًا مُحَقَّقًا، لَا جُبْنًا) وَهُوَ الْخَوْفُ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَالْخَوْفُ الْمُحَقَّقُ (كَأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ سَبُعٌ) أَيْ: حَيَوَانٌ مُفْتَرِسٌ (أَوْ حَرِيقٌ أَوْ لِصٌّ وَنَحْوُهُ) سَاغَ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الضَّرَرَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (أَوْ خَافَ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (غَرِيمًا يُلَازِمُهُ وَيَعْجَزُ عَنْ أَدَائِهِ) فَلَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ فَإِنْ قَدَرَ عَلَى وَفَائِهِ حَالَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِإِثْمِهِ بِالتَّأْخِيرِ إذَنْ. (أَوْ خَافَتْ امْرَأَةٌ) بِطَلَبِ الْمَاءِ (فُسَّاقًا) يَفْجُرُونَ بِهَا، فَتَتَيَمَّمُ، (بَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) إذَنْ؛؛ لِأَنَّهَا تُعَرِّضُ نَفْسَهَا لِلْفَسَادِ، وَمِثْلُهَا الْأَمْرَدُ. (وَلَوْ كَانَ خَوْفُهُ بِسَبَبِ ظَنِّهِ فَتَبَيَّنَ عَدَمُ السَّبَبِ، مِثْلَ مَنْ رَأَى سَوَادًا بِاللَّيْلِ ظَنَّهُ عَدُوًّا،
فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ بَعْدَ أَنْ تَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُعِدْ) لِكَثْرَةِ الْبَلْوَى بِهِ، بِخِلَافِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهَا نَادِرَةٌ فِي نَفْسِهَا وَهِيَ بِذَلِكَ أَنْدَرُ (يَلْزَمُهُ) أَيْ: عَادِمَ الْمَاءِ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (شِرَاءُ الْمَاءِ) الَّذِي يَحْتَاجُهُ لَهَا (بِثَمَنِ مِثْلِهِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ أَوْ مِثْلِهَا) أَيْ: مِثْلِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ (غَالِبًا) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةِ عَوْرَتِهِ لِلصَّلَاةِ فَكَذَا هُنَا. (وَ) يَلْزَمُهُ أَيْضًا شِرَاؤُهُ بِ (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عُرْفًا؛ لِأَنَّ ضَرَرَهَا يَسِيرٌ وَقَدْ اُغْتُفِرَ الْيَسِيرُ فِي النَّفْسِ (كَضَرَرٍ يَسِيرٍ فِي بَدَنِهِ مِنْ صُدَاعٍ أَوْ بَرْدٍ) فَهُنَا أَوْلَى وَ (لَا) يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ (بِثَمَنٍ يَعْجَزُ عَنْهُ) وَيَتَيَمَّمُ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الثَّمَنِ يُبِيحُ الِانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ، كَالْعَجْزِ عَنْ ثَمَنِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ (أَوْ) أَيْ: وَلَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ الْمَاءِ بِثَمَنٍ (يَحْتَاجُهُ لِنَفَقَةٍ وَنَحْوِهَا) كَقَضَاءِ دَيْنِهِ وَمُؤْنَةِ سَفَرِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ مِنْ مُؤْنَةٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهَا (وَحَبْلٍ وَدَلْوٍ كَمَا) يَلْزَمُ شِرَاؤُهُمَا بِثَمَنِ مَالٍ أَوْ أَزْيَدَ يَسِيرًا، إذَا احْتَاجَ إلَيْهِمَا. وَ (يَلْزَمُهُ طَلَبُهُمَا) أَيْ: الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ، أَيْ: اسْتَعَارَتُهُمَا لِيُحَصِّلَ بِهِمَا الْمَاءَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَ) يَلْزَمُهُ (قَبُولُهُمَا) أَيْ الْحَبْلِ وَالدَّلْوِ (عَارِيَّةً) لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ. (وَإِنْ قَدَرَ عَلَى) اسْتِخْرَاجِ (مَاءِ بِئْرٍ بِثَوْبِهِ، يَبُلُّهُ ثُمَّ يَعْصِرُهُ لَزِمَهُ) ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَاءِ، كَمَا لَوْ وَجَدَ حَبْلًا وَدَلْوًا (إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمَاءِ) الَّذِي يَسْتَخْرِجُهُ فِي مَكَانِهِ فَإِنْ نَقَصَتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ، كَشِرَائِهِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ قَرْضًا وَكَذَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) قَرْضًا (وَلَهُ مَا يُوَفِّيهِ) مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِي ذَلِكَ يَسِيرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ (اقْتِرَاضُ ثَمَنِهِ) أَيْ الْمَاءِ لِلْمِنَّةِ (وَيَلْزَمُهُ قَبُولُ الْمَاءِ) إذَا بُذِلَ لَهُ (هِبَةً) لِسُهُولَةِ الْمِنَّةِ فِيهِ لِعَدَمِ تَمَوُّلِهِ عَادَةً. وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) هِبَةً لِلْمِنَّةِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (شِرَاؤُهُ) أَيْ الْمَاءِ (بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ) وَلَوْ قَدَرَ عَلَى أَدَائِهِ فِي بَلَدِهِ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ ضَرَرًا فِي بَقَاءِ الدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ وَرُبَّمَا تَلِفَ مَالُهُ قَبْلَ أَدَائِهِ، وَكَالْهَدْيِ وَقَالَ الْقَاضِي يَلْزَمُهُ كَالرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ وَأُجِيبُ: بِأَنَّ الْفَرْضَ مُتَعَلِّقٌ بِالْوَقْتِ بِخِلَافِ الْمُكَفِّرِ. (فَإِنْ كَانَ بَعْضُ بَدَنِهِ جَرِيحًا وَنَحْوِهِ) بِأَنْ كَانَ بِهِ قُرْحٌ (وَتَضَرَّرَ) بِغَسْلِهِ وَمَسْحِهِ بِالْمَاءِ (تَيَمَّمَ لَهُ) أَيْ لِلْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَتَيَمَّمُ أَيْضًا (لِمَا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ مِمَّا قَرُبَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْجَرِيحِ وَنَحْوِهِ، لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ. (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ضَبْطِهِ) أَيْ: ضَبْطِ الْجَرِيحِ وَمَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِغَسْلِهِ (لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ إنْ قَدَرَ) عَلَى الِاسْتِنَابَةِ، بِأَنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ وَأُجْرَتَهُ إنْ طَلَبَهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ (كَفَاهُ التَّيَمُّمُ) فَيُصَلِّي بِهِ وَلَا إعَادَةَ
(فَإِنْ أَمْكَنَ مَسْحُهُ) أَيْ: الْجُرْحِ وَنَحْوِهِ (بِالْمَاءِ وَجَبَ) الْمَسْحُ (وَأَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّ الْغَسْلَ مَأْمُورٌ بِهِ وَالْمَسْحُ بَعْضُهُ فَوَجَبَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَدَرَ عَلَى الْإِيمَاءِ فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ نَجِسًا، فَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَيَمَّمُ، وَلَا يَمْسَحُ ثُمَّ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا أُلْغِيَتْ، وَاكْتَفَى بِنِيَّةِ الْحَدَثِ، وَإِلَّا نَوَى الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ إنْ شُرِطَتْ فِيهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي بَعْضِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَزِمَهُ مُرَاعَاةُ تَرْتِيبٍ، وَمُوَالَاةٍ فِي وُضُوءٍ لَا غُسْلٍ فَيَتَيَمَّمُ لَهُ) أَيْ: لِلْجُرْحِ (عِنْدَ غُسْلِهِ، لَوْ كَانَ صَحِيحًا) ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ يُعْطَى حُكْمَ مُبْدَلِهِ (فَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي الْوَجْهِ قَدْ اسْتَوْعَبَهُ) وَأَرَادَ الْوُضُوءَ (لَزِمَهُ التَّيَمُّمُ أَوَّلًا) لِقِيَامِهِ مَقَامَ غَسْلِ الْوَجْهِ (ثُمَّ يُتَمِّمُ الْوُضُوءَ، وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي بَعْضِ الْوَجْهِ خُيِّرَ بَيْنَ غَسْلِ الصَّحِيحِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْوَجْهِ. (ثُمَّ يَتَيَمَّمُ، وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ) أَوَّلًا (ثُمَّ يَغْسِلُ صَحِيحَ وَجْهِهِ) ؛ لِأَنَّ الْعُضْوَ الْوَاحِدَ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ (ثُمَّ يُكْمِلُ وُضُوءَهُ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ فِي عُضْوٍ آخَرَ) غَيْرِ الْوَجْهِ (لَزِمَهُ غَسْلُ مَا قَبْلَهُ) مُرَتَّبًا (ثُمَّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ) أَيْ: الْجَرِيحِ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ) فَإِنْ اسْتَوْعَبَهُ عبه الْجُرْحُ تَيَمَّمَ بَعْدَ غَسْلِ مَا قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْعِبْهُ خُيِّرَ بَعْدَ غَسْلِهِ قَبْلَهُ بَيْنَ أَنْ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ ثُمَّ، يَغْسِلَ الْبَاقِيَ، أَوْ يَغْسِلَ الصَّحِيحَ ثُمَّ يَتَيَمَّمَ لِلْجُرْحِ. (وَإِنْ كَانَ) الْجُرْحُ (فِي وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ احْتَاجَ فِي كُلِّ عُضْوٍ إلَى تَيَمُّمٍ فِي مَحَلِّ غُسْلِهِ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ) وَلَوْ غَسَلَ صَحِيحَ وَجْهِهِ ثُمَّ تَيَمَّمَ لِجَرِيحِهِ وَجَرِيحِ يَدَيْهِ تَيَمُّمًا وَاحِدًا لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ، فَيَفُوتُ التَّرْتِيبُ، لَا يُقَالُ: يَبْطُلُ هَذَا بِالتَّيَمُّمِ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ حَيْثُ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَنْ جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ فَالْحُكْمُ لَهُ دُونَهَا وَإِنْ كَانَ عَنْ بَعْضِهَا نَابَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِيمَا يَنُوبُ عَنْهُ مِنْ التَّرْتِيبِ. (وَيَبْطُلُ وُضُوءُهُ وَتَيَمُّمُهُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) فَلَوْ كَانَ الْجُرْحُ فِي رِجْلِهِ فَتَيَمَّمَ لَهُ عِنْدَ غَسْلِهَا، ثُمَّ بَعْدَ زَمَنٍ لَا تُمْكِنُ فِيهِ الْمُوَالَاةُ خَرَجَ الْوَقْتُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ وَبَطَلَتْ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ أَيْضًا؛ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ فَيُعِيدُ غَسْلَ الصَّحِيحِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ عَقِبَهُ (وَلَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهُ بِالْمَاءِ إنْ كَانَ غُسْلًا لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا) كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ: الْوَقْتِ (بَلْ) يَبْطُلُ (التَّيَمُّمُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. (وَإِنْ وَجَدَ مَا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ جُنُبًا كَانَ أَوْ مُحْدِثًا، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ
فصل عدم الماء وظن وجوده
لِلْبَاقِي) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى بَعْضِ الشَّرْطِ، فَلَزِمَهُ كَالسُّتْرَةِ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَيَمَّمَ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] فَاعْتُبِرَ اسْتِعْمَالُهُ أَوَّلًا؛ لِيَتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْمَاءِ وَلِيَتَمَيَّزَ الْمَغْسُولُ عَنْ غَيْرِهِ لِيُعْلَمَ مَا يُتَيَمَّمُ لَهُ وَإِنْ تَيَمَّمَ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ وَجَدَ مَاءً طَهُورًا يَكْفِي بَعْضَ بَدَنِهِ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ وَجَبَ اسْتِعْمَالُهُ بَطَلَ وَإِلَّا فَلَا. (وَإِنْ وَجَدَ تُرَابًا لَا يَكْفِيهِ لِلتَّيَمُّمِ اسْتَعْمَلَهُ وَصَلَّى) قُلْتُ: وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ عَلَى مَا يَأْتِي وَظَاهِرُهُ: وَلَا إعَادَةَ وَفِي الرِّعَايَةِ: ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلَاةَ إنْ وَجَدَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ مَاءٍ أَوْ تُرَاب. (وَمَنْ كَانَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ وَالْمَاءُ يَكْفِي أَحَدَهُمَا، غَسَلَ النَّجَاسَةَ، ثُمَّ تَيَمَّمَ مِنْ الْحَدَثِ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ فَكَذَلِكَ إلَّا أَنْ تَكُونَ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلٍّ يَصِحُّ تَطْهِيرِهِ مِنْ الْحَدَثِ فَيَسْتَعْمِلُهُ) أَيْ: الْمَاءَ (فِيهِ عَنْهُمَا) أَيْ: عَنْ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ قَالَهُ الْمَجْدُ قُلْتُ: وَهَذَا وَاضِحٌ، إنْ كَانَ الْحَدَثُ أَكْبَرَ، فَإِنْ كَانَ أَصْغَرَ فَعَلَى كَلَامِهِمْ، لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَإِنْ كَانَ لَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ مَا يُزِيلُهَا بَعْدَ مُرَاعَاتِهِ قَدَّمَهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِغَيْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ (وَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إلَّا بَعْدَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ) تَحْقِيقًا لِشَرْطِهِ (وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي ثَوْبِهِ) أَوْ بُقْعَتِهِ (غَسَلَهُ أَوَّلًا ثُمَّ تَيَمَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ] فَصْلٌ (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَظَنَّ وُجُودَهُ) لَزِمَهُ طَلَبُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [المائدة: 6] وَلَا يُقَالُ: لَمْ يَجِدْ إلَّا لِمَنْ طَلَبَ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ إلَيْهِ قَبْلَ طَلَبِ الْمُبْدَلِ، كَالصِّيَامِ فِي كَفَّارَةِ التَّرْتِيبِ (أَوْ شَكَّ) أَيْ: تَرَدَّدَ فِي وُجُودِ الْمَاءِ (وَلَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمَهُ) وَلَوْ ظَنَّ عَدَمَ وُجُودِهِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (لَزِمَهُ طَلَبُهُ) أَيْ: (فِي رَحْلِهِ) أَيْ: مَا يَسْكُنُهُ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ الْأَثَاثِ (وَمَا قَرُبَ مِنْهُ عُرْفًا)
لِمَا تَقَدَّمَ. (فَيُفَتِّشُ مِنْ رَحْلِهِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ) إذْ تَفْتِيشُ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ طَلَبٌ لِلْمُحَالِ (وَيَسْعَى فِي جِهَاتِهِ الْأَرْبَعِ) قُدَّامَهُ وَوَرَاءَهُ وَيَمِينَهُ وَشِمَالَهُ (إلَى مَا قَرُبَ مِنْهُ مِمَّا عَادَةُ الْقَوَافِلِ السَّعْيُ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُطْلَبُ الْمَاءُ فِيهِ عَادَةً (وَيَسْأَلُ رُفْقَتَهُ) ذَوِي الْخِبْرَةِ بِالْمَكَانِ (عَنْ مَوَارِدِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (وَ) يَسْأَلُهُمْ (عَمَّنْ مَعَهُمْ لِيَبِيعُوا لَهُ أَوْ يَبْذُلُوهُ) لَهُ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ لَهُ رُفْقَةٌ يُدِلُّ عَلَيْهِمْ طَلَبَهُ مِنْهُمْ (وَوَقْتُ الطَّلَبِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهُ إذَنْ يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ وَشَرْطِهَا (فَلَا أَثَرَ لِطَلَبِهِ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْل دُخُولِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالتَّيَمُّمِ قَبْلَهُ. (فَإِنْ رَأَى خُضْرَةً أَوْ) رَأَى (شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى الْمَاءِ لَزِمَهُ قَصْدُهُ، فَاسْتَبْرَأَهُ) لِيَتَحَقَّقَ شَرْطُ التَّيَمُّمِ (وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ رَبْوَةٌ أَوْ شَيْءٌ قَائِمٌ أَتَاهُ فَطَلَبَ) أَيْ: فَتَّشَ (عِنْدَهُ) قَطْعًا لِلشَّكِّ (وَإِنْ كَانَ سَائِرًا طَلَبَهُ أَمَامَهُ) فَقَطْ؛ لِأَنَّ فِي طَلَبِهِ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ضَرَرًا بِهِ (فَإِنْ دَلَّهُ) أَيْ: أَرْشَدَهُ (عَلَيْهِ ثِقَةٌ) أَيْ: عَدْلٌ ضَابِطٌ لَزِمَهُ قَصْدُهُ، إنْ كَانَ قَرِيبًا عُرْفًا (أَوْ عَلِمَهُ قَرِيبًا) عُرْفًا (لَزِمَهُ قَصْدُهُ) وَلَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ إذَنْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ، حَيْثُ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا، وَلَا فَوْتَ وَقْتٍ وَلَا رُفْقَةٍ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: عَادِمَ الْمَاءِ (طَلَبُهُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ) ؛ لِأَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِهَا وَبِشُرُوطِهَا كُلَّمَا دَخَلَ وَقْتُهَا وَهَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَدَمَهُ، كَمَا يُفْهَمُ مِمَّا سَبَقَ فِي كَلَامِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمَهُ لَمْ يَلْزَمْهُ طَلَبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِطَلَبِ شَيْءٍ مُتَحَقَّقِ الْعَدَمِ. (وَمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضٍ) أَيْ: مَزَارِعِ وَمُحْتَطَبَاتِ (بَلَدِهِ لِحَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ احْتِطَابٍ وَنَحْوِهَا) كَأَخْذِ حَشِيشٍ وَكَمَا لَوْ خَرَجَ لِحَصَادٍ أَوْ دِيَاسٍ وَنَحْوِهِ (حَمَلَهُ) أَيْ: إنَاءً مَعَهُ وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَهُ) حَمْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ إذَنْ فِي عَدَمِ حَمْلِهِ، وَالْوَاجِبُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ حَمْلُهُ وَلَا الرُّجُوعُ) إلَى مَحَلِّ الْمَاءِ (لِلْوُضُوءِ أَوْ نَحْوِهِ) إلَّا بِتَفْوِيتِ حَاجَتِهِ (تَيَمَّمَ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ (وَصَلَّى وَلَا يُعِيدُ) وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ وَفُقِدَ، أَوْ لَمْ يَحْمِلْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (كَمَا لَوْ كَانَتْ حَاجَتُهُ فِي أَرْضِ قَرْيَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ بَلَدِهِ (وَلَوْ كَانَتْ قَرِيبًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَعِيدِ السَّفَرِ وَقَرِيبِهِ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} [المائدة: 6] . (وَلَوْ مَرَّ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مَعَهُ) الْمَاءُ (فَأَرَاقَهُ) قَبْلَ الْوَقْتِ (ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعَدِمَ الْمَاءَ) فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ (وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ) ؛ لِأَنَّهُ عَادِمٌ الْمَاءَ (وَلَا إعَادَةَ
عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ. (وَإِنْ مَرَّ بِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (فِي الْوَقْتِ وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ) حَرُمَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ أَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ الْمَاءَ وَبُعْدِهِ عَنْهُ أَوْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ؛ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (أَوْ كَانَ) الْمَاءُ (مَعَهُ فَأَرَاقَهُ فِي الْوَقْتِ) حَرُمَ؛ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى فَوَاتِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْوَاجِبَةِ (أَوْ بَاعَهُ) أَيْ: الْمَاءَ فِيهِ أَيْ: فِي الْوَقْتِ (أَوْ وَهَبَهُ فِيهِ) لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ لِشُرْبٍ (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَ) لَا (الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ كَالْمَنْذُورِ عِتْقُهُ نَذْرَ تَبَرُّرٍ لِعَجْزِهِ عَنْ تَسْلِيمِهِ شَرْعًا (أَوْ وُهِبَ لَهُ) مَاءٌ أَوْ بُذِلَ قَرْضًا فِي الْوَقْتِ (فَلَمْ يَقْبَلْهُ حَرُمَ) عَلَيْهِ (أَيْضًا) لِتَفْوِيتِهِ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ. (وَ) إنْ (تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي الْجَمِيعِ) أَيْ: جَمِيع الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ (صَحَّ) تَيَمُّمُهُ وَصَلَاتُهُ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ حِينَئِذٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الْوَقْتِ (وَلَمْ يُعِدْ) الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةَ تَيَمُّمٍ صَحِيحٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَاءُ قَدْ عُدِمَ، فَإِنْ كَانَ بَاقِيًا وَقَدَرَ عَلَى تَحْصِيلِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ، وَلَا صَلَاتُهُ؛ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَمْ يُقَيَّدْ بِهِ لِوُضُوحِهِ. (وَإِنْ نَسِيَ الْمَاءَ) وَتَيَمَّمَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ، أَوْ ثَمَنَهُ أَيْ: إذَا كَانَ الْمَاءُ يُبَاعُ وَنَسِيَ ثَمَنَهُ وَتَيَمَّمَ وَصَلَّى لَمْ يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ النِّسْيَانَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ وَاجِدًا، وَشَرْطُ إبَاحَةِ التَّيَمُّمِ عَدَمُ الْوُجْدَانِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالنِّسْيَانِ كَالْحَدَثِ. (أَوْ جَهِلَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بِمَوْضِعٍ يُمْكِنُهُ اسْتِعْمَالُهُ وَتَيَمَّمَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِتَقْصِيرِهِ، كَمُصَلٍّ عُرْيَانًا نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِالسُّتْرَةِ وَيُكَفِّرُ بِصَوْمٍ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وُجُودَ الرَّقَبَةِ (كَأَنْ يَجِدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ: التَّيَمُّمِ (فِي رَحْلِهِ وَهُوَ) أَيْ: رَحْلُهُ (فِي يَدِهِ) الْمُشَاهَدَةِ أَوْ الْحُكْمِيَّةِ (أَوْ) يَجِدَهُ (بِبِئْرٍ بِقُرْبِهِ أَعْلَامُهَا ظَاهِرَةٌ) وَكَانَ يَتَمَكَّنَ مِنْ تَنَاوُلِهِ مِنْهَا فَلَا يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ إذَنْ وَلَا صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (فَأَمَّا إنْ ضَلَّ عَنْ رَحْلِهِ وَفِيهِ الْمَاءُ وَقَدْ طَلَبَهُ) فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِئُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (أَوْ) تَيَمَّمَ ثُمَّ وَجَدَ بِئْرًا بِقُرْبِهِ، وَ (كَانَتْ أَعْلَامُ الْبِئْرِ خَفِيَّةً وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا) قَبْلَ ذَلِكَ (أَوْ كَانَ يَعْرِفُهَا وَضَلَّ عَنْهَا فَإِنَّ التَّيَمُّمَ يُجْزِئُهُ وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِدٍ لِلْمَاءِ وَغَيْرُ مُفَرِّطٍ. (وَإِنْ أَدْرَجَ أَحَدٌ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ) حَتَّى صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ يُعِيدُ لِتَفْرِيطِهِ لِعَدَمِ طَلَبِهِ فِي رَحْلِهِ أَوْ ضَلَّ عَنْ مَوْضِعِ الْبِئْرِ الَّتِي كَانَ يَعْرِفُهَا (أَوْ كَانَ الْمَاءُ مَعَ عَبْدِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ السَّيِّدُ وَنَسِيَ الْعَبْدُ أَنْ يُعْلِمَهُ
حَتَّى صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ) مَا صَلَّاهُ بِذَلِكَ التَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ كَانَ النِّسْيَانُ مِنْهُ وَكَنِسْيَانِ رَقَبَةٍ مَعَ عَبْدِهِ وَقِيلَ: لَا يُعِيدُ؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ مِنْ غَيْرِهِ. (وَيَتَيَمَّمُ لِجَمِيعِ الْأَحْدَاثِ) أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ} [المائدة: 6] وَالْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّي مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ فَقَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهُمَا وَالْكَافِرُ إذَا أَسْلَمَ كَالْجُنُبِ وَأَمَّا الْأَصْغَرُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ» وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ لِلْجُنُبِ جَازَ لِغَيْرِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى. (وَلِنَجَاسَةٍ عَلَى جُرْحٍ وَغَيْرِهِ عَلَى بَدَنِهِ فَقَطْ تَضُرُّهُ إزَالَتُهَا أَوْ) يَضُرُّهُ (الْمَاءُ) الَّذِي يُزِيلُهَا بِهِ لِعُمُومِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ فِي الْبَدَنِ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَتْ الْحَدَثَ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ عَقِيلٍ لَا يَتَيَمَّمُ لِلنَّجَاسَةِ أَصْلًا كَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِالتَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ وَغُسْلُ النَّجَاسَةِ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي مَحَلِّ النَّجَاسَةِ دُونَ غَيْرِهِ، وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: فَقَطْ: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ وَلَا بُقْعَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي التَّيَمُّمِ لِأَجْلِ الْحَدَثِ فَدَخَلَ فِيهِ التَّيَمُّمُ لِأَجْلِ النَّجَسِ وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي الثَّوْبِ وَالْمَكَانِ وَلَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةٍ مَعْفُوٍّ عَنْهَا. (وَلَا إعَادَةَ) لِمَا صَلَّاهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلنَّجَاسَةِ عَلَى الْبَدَنِ، كَاَلَّذِي يُصَلِّيهِ بِالتَّيَمُّمِ لِلْمُحْدِثِ وَإِنَّمَا يَتَيَمَّمُ لِنَجَاسَةِ الْبَدَنِ (بَعْدَ أَنْ يُخَفِّفَ مِنْهُمَا مَا أَمْكَنَهُ) تَخْفِيفُهُ بِحَكِّ يَابِسَةٍ وَمَسْحِ رَطْبَةٍ (لُزُومًا) أَيْ: وُجُوبًا، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهَا فِي الْجُمْلَةِ لِحَدِيثِ: «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَإِنْ تَيَمَّمَ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا خَوْفًا مِنْ الْبَرْدِ) وَلَمْ يُمْكِنْهُ تَسْخِينُهُ وَلَا اسْتِعْمَالُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ وَتَقَدَّمَ (وَصَلَّى، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَتَقَدَّمَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْإِعَادَةِ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَأَمَرَهُ بِهَا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ غَيْرُ جَائِز
وَقِيسَ الْحَضَرُ عَلَى السَّفَر. (وَمَنْ عَدِمَ الْمَاء وَالتُّرَاب، أَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِعْمَالهمَا) أَيْ: الْمَاء وَالتُّرَاب (لِمَانِعٍ) (كَمَنْ بِهِ قُرُوح لَا يَسْتَطِيع مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَة بِوُضُوءِ وَلَا تَيَمُّمٍ صَلَّى) الْفَرْض فَقَطْ (عَلَى حَسَب حَالِهِ وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّ الْعَجْز عَنْ الشَّرْط يُوجِب تَرْك الْمَشْرُوط، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ السُّتْرَة وَالِاسْتِقْبَال. (وَلَا إعَادَة) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَضَلَّتْهَا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِجَالًا فِي طَلَبِهَا، فَوَجَدُوهَا، فَأَدْرَكَتْهُمْ الصَّلَاةُ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَصَلُّوا بِغَيْرِ وُضُوءٍ فَشَكَوْا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَسَقَطَ عِنْدَ الْعَجْزِ كَسَائِرِ شُرُوطِهَا. (وَلَا يَزِيدُ هُنَا عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي الصَّلَاة مِنْ قِرَاءَة وَغَيْرِهَا) فَلَا يَقْرَأ زَائِدًا عَلَى الْفَاتِحَة، وَلَا يُسَبِّح أَكْثَر مَنْ مَرَّةٍ وَلَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُجْزِئُ فِي طُمَأْنِينَة رُكُوع أَوْ سُجُود أَوْ جُلُوس بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَة الْفَاتِحَة رَكَعَ فِي الْحَال وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّل نَهَضَ فِي الْحَال، وَإِذَا فَرَغَ مِمَّا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّد الْأَخِير سَلَّمَ فِي الْحَال (وَلَا يَتَنَفَّل) مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَاب وَنَحْوَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفَرْض لِدَاعِي الضَّرُورَة إلَيْهِ. (وَلَا يَؤُمَّ) مَنْ يُصَلِّي حَسَب حَالُهُ (مُتَطَهِّرًا بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ) لِعَدَمِ صِحَّة اقْتِدَاء الْمُتَطَهِّر بِالْمُحْدِثِ الْعَالِم بِحَدَثِهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَؤُمُّ مِثْلَهُ (وَلَا يَقْرَأ فِي غَيْر صَلَاة إنْ كَانَ جُنُبًا وَنَحْوَهُ) كَحَائِضِ وَنُفَسَاء لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْل. (وَتَبْطُل صَلَاتُهُ) أَيْ: صَلَاة الْمُصَلِّي عَلَى حَسَبَ حَالِهِ (بِالْحَدَثِ فِيهَا) وَبِطُرُوءِ نَجَاسَة لَا يُعْفَى عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الصَّلَاة، فَاقْتَضَى وُجُوده بُطْلَانَهَا عَلَى أَيِّ حَالَةٍ كَانَتْ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُهَا عَلَى حَسَبِ حَالِهِ. (وَلَا) تَبْطُلُ صَلَاة الْمُصَلِّي عَلَى حَسَب حَالِهِ (بِخُرُوجِ وَقْتِهَا) بِخِلَافِ صَلَاةِ الْمُتَيَمِّم لِأَنَّ التَّيَمُّم يَبْطُلُ فَتَبْطُل الصَّلَاة بِخِلَافِ مَا هُنَا (وَتَبْطُل الصَّلَاة عَلَى الْمَيِّتِ إذَا لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُيَمَّمَ) لِعَدَمِ الْمَاء وَالتُّرَاب، وَصَلَّى عَلَيْهِ (بِغُسْلِهِ أَوْ بِتَيَمُّمِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَبْطُلُ، وَالْمُرَاد بِوُجُودِ مَا يُغْسَل بِهِ أَوْ يَتَيَمَّم بِهِ. (وَبَعْدَهَا) أَيْ: بَعْد
فصل ولا يصح التيمم إلا بتراب طهور
الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (وَتُعَادَ الصَّلَاة عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّت بَعْد أَنْ يُغَسَّل أَوْ يُيَمَّم وُجُوبًا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِشَرْطِهَا (وَيَجُوزُ نَبْشه) بَعْد دَفْنِهِ (لِأَحَدِهِمَا) أَيْ: لِلْغُسْلِ أَوْ التَّيَمُّم (مَعَ أَمْن تَفَسُّخِهِ) لِأَنَّهُ مَصْلَحَة بِلَا مَفْسَدَة، فَإِنْ خِيفَ تَفَسُّخه لَمْ يُنْبَش. [فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ] (فَصْل وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ إلَّا بِتُرَابٍ طَهُورٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6] وَمَا لَا غُبَارَ لَهُ كَالصَّخْرِ لَا يُمْسَحُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (الصَّعِيدُ تُرَابُ الْحَرْثِ، وَالطَّيِّبُ الطَّاهِرُ) يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، فَخَصَّ تُرَابَهَا بِحُكْمِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ " مِنْ " الِابْتِدَاء الْغَايَة. قَالَ فِي الْكَشَّافِ: قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، وَلَا يَفْهَم أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ مِنْ الدُّهْنِ وَمِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ إلَّا مَعْنَى التَّبْعِيضِ وَالْإِذْعَانُ لِلْحَقِّ أَحَقُّ مِنْ الْمِرَاءِ، فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِرَمْلٍ وَنَحْتِ حِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا بِتُرَابٍ زَالَتْ طَهُورِيَّتُهُ، وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ (مُبَاحٍ) فَلَا يَصِحُّ بِمَغْصُوبٍ وَنَحْوِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتُرَابٌ مَغْصُوبٌ كَالْمَاءِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تُرَابَ مَسْجِدٍ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ، مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ (غَيْرِ مُحْتَرِقٍ) فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِمَا حُرِّقَ مِنْ خَزَفٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الطَّبْخ أَخْرَجَهُ عَنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ التُّرَابِ (لَهُ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ) أَوْ غَيْرِهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ عَلَى لَبَدٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَثَوْبٍ وَبِسَاطٍ وَحَصِيرٍ وَحَائِطٍ وَصَخْرَةٍ وَحَيَوَانٍ وَبَرْذَعَةِ حِمَارٍ وَشَجَرٍ وَخَشَبٍ وَعَدْلِ شَعِيرٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّا عَلَيْهِ غُبَارٌ طَهُورٌ (حَتَّى مَعَ وُجُودِ تُرَابٍ) لَيْسَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ،. فَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِسَبْخَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَيْسَ لَهُ غُبَارٌ، وَ (لَا بِطِينِ) رَطْبٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتُرَابٍ (لَكِنْ إنْ أَمْكَنَهُ تَجْفِيفُهُ وَالتَّيَمُّمُ بِهِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ) بَعْدَ (ذَلِكَ) لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي الْوَقْتِ، فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ وَجَدَ مَاءَ بِئْرٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ لَمْ يَلْزَمْهُ. (وَلَا) يَصِحُّ
التَّيَمُّمُ (بِتُرَابِ مَقْبَرَةٍ تَكَرَّرَ نَبْشُهَا) لِاخْتِلَاطِهِ بِالصَّدِيدِ (فَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّر) نَبْشُهَا (جَازَ) التَّيَمُّمُ بِتُرَابِهَا وَإِنْ شَكَّ فِيهِ، أَوْ فِي نَجَاسَةِ التُّرَابِ الَّذِي يَتَيَمَّمُ بِهِ، جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ (وَأَعْجَبَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ حَمْلُ التُّرَابِ لِأَجْلِ التَّيَمُّمِ) احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ (وَقَالَ الشَّيْخُ: وَغَيْرُهُ لَا يَحْمِلهُ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ. وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ (وَهُوَ الصَّوَابُ) إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِنْ السَّلَفِ فِعْلُ ذَلِكَ، مَعَ كَثْرَةِ أَسْفَارِهِمْ. (وَلَوْ وَجَدَ ثَلْجًا وَتَعَذَّرَ تَذْوِيبُهُ لَزِمَهُ مَسْحُ أَعْضَائِهِ) الْوَاجِبِ غَسْلهَا (بِهِ) لِقَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» لِأَنَّهُ مَاءٌ جَامِدٌ تَعَذَّرَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الِاسْتِعْمَالَ الْمُعْتَادَ وَهُوَ الْغُسْلُ لِعَدَمِ مَا يُذِيبهُ، فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَعْمَلَ الِاسْتِعْمَالَ الْمَقْدُورَ عَلَيْهِ (وَيُعِيدُ) الصَّلَاةَ إنْ لَمْ يُجْرِ عَلَى الْأَعْضَاءِ بِالْمَسِّ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي الْجُمْلَةِ بِلَا طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ، وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى بِلَا تَيَمُّمٍ، مَعَ وُجُودِ طِينٍ يَابِسٍ عِنْدَهُ، لِعَدَمِ مَا يَدُقّهُ بِهِ لِيَصِيرَ لَهُ غُبَارٌ. (وَإِنْ كَانَ) الثَّلْجُ (يَجْرِي) أَيْ: يَسِيلُ عَلَى الْأَعْضَاءِ (إذَا مَسَّ يَدَهُ) وَغَيْرَهَا مِنْ بَاقِي الْأَعْضَاءِ (لَمْ يُعِدْ) الصَّلَاةَ حَيْثُ جَرَى بِالْمَسِّ لِوُجُودِ الْغُسْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا. (وَلَوْ نَحَتَ الْحَجَرَ حَتَّى صَارَ تُرَابًا لَمْ يَصِحّ التَّيَمُّمُ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا الطِّين) الصُّلْبَ (ك) الطِّينِ (الْأَرْمَنِيّ إذَا دَقَّهُ) وَصَارَ لَهُ غُبَارًا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ تُرَابٌ. (فَإِنْ خَالَطَ التُّرَابَ) الطَّهُورَ (ذُو غُبَارٍ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالْجِصِّ وَنَحْوِهِ) كَالنَّوْرَةِ وَدَقِيقِ الْبُرِّ وَنَحْوِهِ (فَكَالْمَاءِ إذَا خَالَطَتْهُ الطَّاهِرَاتُ) فَإِنْ كَانَتْ الْغَلَبَةُ لِلتُّرَابِ جَازَ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُخَالِطِ لَمْ يَجُزْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ قِيَاسًا عَلَى الْمَاءِ وَإِنْ خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، وَإِنْ كَثُرَ التُّرَابُ لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنْ نَفْسِهِ، فَهُوَ كَالْمَائِعَاتِ. (وَلَا يُكْرَه التَّيَمُّمُ بِتُرَابِ زَمْزَمَ مَعَ أَنَّهُ مَسْجِدٌ وَمَا تَيَمَّمَ بِهِ) وَهُوَ مَا تَنَاثَرَ مِنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، أَوْ بَقِيَ عَلَيْهِمَا بَعْدَ مَسْحِهِمَا بِهِ (كَمَاءٍ مُسْتَعْمَلٍ) لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي طَهَارَةِ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ الْمَاءَ (وَلَا بَأْسَ بِمَا تُيُمِّمَ مِنْهُ) يَعْنِي لَوْ تَيَمَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، بِلَا خِلَافٍ، كَمَا لَوْ تَوَضَّئُوا مِنْ حَوْضٍ وَاحِدٍ يَغْتَرِفُونَ مِنْهُ. (وَيُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ) مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ لِحَدِيثِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةٌ حُكْمِيَّةٌ، بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَاسَةِ (وَلَوْ يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَكَوُضُوءٍ) إنْ نَوَاهُ
فصل فرائض التيمم عن حدث أصغر
بِالْمَفْعُولِ بِهِ صَحَّ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْفَاعِلُ مُكْرَهًا (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ الْوُضُوءِ (فَيَنْوِي) بِالتَّيَمُّمِ (اسْتِبَاحَةَ مَا لَا يُبَاحُ إلَّا بِهِ) كَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا، وَيُعَيِّن مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ وَفَرْضَهُ، إنْ كَانَ لَهُ نَفْلٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ غَيْرُ رَافِعٍ كَمَا تَقَدَّمَ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ. [فَصْلٌ فَرَائِضُ التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ] (فَصْلٌ: وَفَرَائِضُهُ) أَيْ: التَّيَمُّمِ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ (أَرْبَعَةُ) أَشْيَاءَ: (مَسْحُ جَمِيعِ وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ} [المائدة: 6] وَاللِّحْيَةُ مِنْ الْوَجْهِ، لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي حُصُولِ الْمُوَاجَهَةِ (سِوَى مَا تَحْتَ شَعْرِهِ وَلَوْ خَفِيفًا وَ) سِوَى (مَضْمَضَةٍ وَاسْتِنْشَاقٍ) فَلَا يُدْخِلُ التُّرَابَ فَمَهُ وَأَنْفَهُ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قَطْعًا (بَلْ يُكْرَهَانِ) لِمَا فِيهِمَا مِنْ التَّقْذِيرِ (فَإِنْ بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ شَيْءٌ لَمْ يَصِلْهُ التُّرَابُ أَمَرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَفْصِلْ رَاحَتَهُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ تَعْمِيمُ الْمَسْحِ لَا تَعْمِيمُ التُّرَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَامْسَحُوا} [المائدة: 6] (فَإِنْ فَصَلَهَا) أَيْ: الرَّاحَة (وَقَدْ كَانَ بَقِيَ عَلَيْهَا غُبَارٌ جَازَ أَنْ يَمْسَحَ بِهَا) مَا بَقِيَ مِنْ مَحَلِّ الْفَرْضِ لِأَنَّهُ غُبَارٌ طَهُورٌ (وَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهَا شَيْءٌ) مِنْ الْغُبَارِ (ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى) لِيَحْصُلَ مَسْحُ بَاقِي مَحَلِّ الْفَرْضِ بِالتُّرَابِ. (وَإِنْ نَوَى) اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ (وَأَمَرَّ وَجْهَهُ عَلَى التُّرَابِ) أَوْ مَسَحَهُ بِهِ صَحَّ (أَوْ) نَوَى ثُمَّ (صَمَدَهُ) أَيْ: وَجْهَهُ (لِلرِّيحِ فَعَمّ التُّرَابُ) الْوَجْهَ (وَمَسَحَهُ بِهِ صَحَّ) التَّيَمُّمُ إذَا أَتَمَّهُ لِوُجُودِ الْمَسْحِ بِالتُّرَابِ الطَّهُورِ بَعْدَ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ صَمَدَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ بَعْدَ نِيَّتِهِ لِمَطَرٍ أَوْ مِيزَابٍ، حَتَّى جَرَى الْمَاءُ عَلَيْهَا. وَ (لَا) يَصِحُّ تَيَمُّمُهُ (إنْ سَفَّتْهُ) أَيْ: التُّرَابَ (رِيحٌ) (قَبْلَ النِّيَّةِ، فَمَسَحَ بِهِ) مَا يَجِبْ مَسْحُهُ، لِمَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} [المائدة: 6] لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ. (وَ) الْفَرْضُ الثَّانِي (مَسْحَ يَدَيْهِ إلَى كُوعَيْهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَيْدِيَكُمْ} [المائدة: 6] إذَا عُلِّقَ حُكْمٌ بِمُطْلَقِ الْيَدَيْنِ لَمْ يُدْخِلْ فِيهِ الذِّرَاعَ، كَقَطْعِ السَّارِقِ وَمَسِّ الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَأَجْنَبْتُ
فَلَمْ أَجِدْ مَاءً فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَهُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد إلَى الْمِرْفَقَيْنِ فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا رَوَاهَا سَلَمَةُ، وَشَكَّ فِيهَا ذَكَرَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ ` فَلَا تَثْبُتُ مَعَ، الشَّكِّ مَعَ أَنَّهُ قَدْ أُنْكِرَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ بِهِ سَائِرَ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ. (فَلَوْ قُطِعَتْ يَدُهُ مِنْ الْكُوعِ لَا مِنْ فَوْقِهِ وَجَبَ مَسْحُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ) لِبَقَاءِ بَعْضِ مَحَلِّ الْفَرْضِ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ، مِنْ دُونِ الْكُوعِ (وَتَجِبُ التَّسْمِيَةُ) فِي تَيَمُّمٍ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَنْ نَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ (كَوُضُوءٍ وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْوُضُوءِ. (وَ) الْفَرْضُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ (تَرْتِيبٌ وَمُوَالَاةٌ فِي غَيْرِ حَدَثٍ أَكْبَرَ) يَعْنِي فِي حَدَثٍ أَصْغَرَ لِأَنَّ التَّيَمُّم مَبْنِيٌّ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالتَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ فَرْضَانِ فِي الْوُضُوءِ، فَكَذَا فِي التَّيَمُّمِ الْقَائِمِ مَقَامَهُ، وَخَرَجَ التَّيَمُّمُ لِحَدَثٍ أَكْبَرَ وَنَجَاسَةٍ بِبَدَنٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَرْتِيبٌ وَلَا مُوَالَاةٌ (وَهِيَ) أَيْ: الْمُوَالَاةُ (هُنَا) أَيْ: فِي التَّيَمُّمِ أَنْ لَا يُؤَخَّرَ مَسْحُ عُضْوٍ عَمَّا قَبْلَهُ (زَمَنًا بِقَدْرِهَا فِي الْوُضُوءِ) أَيْ: بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ مَغْسُولًا لَجَفَّ بِزَمَنٍ مُعْتَدِلٍ. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِمَا تَيَمَّمَ لَهُ) كَصَلَاةٍ وَطَوَافٍ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ (مِنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ نَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنِهِ) لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ، وَإِنَّمَا يُبِيحُ الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّعْيِينِ تَقْوِيَةً لِضَعْفِهِ، وَصِفَةُ التَّعْيِينِ: أَنْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مَثَلًا مِنْ الْجَنَابَةِ إنْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ مِنْ الْحَدَثِ إنْ كَانَ مُحْدِثًا، أَوْ مِنْهُمَا إنْ كَانَ جُنُبًا مُحْدِثًا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (وَإِنْ كَانَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ جُرْحٍ فِي عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ نَوَى التَّيَمُّمَ عَنْ غُسْلِ ذَلِكَ الْعُضْوِ) الْجَرِيحِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسْحُهُ بِالْمَاءِ ضَرَرًا، وَإِنْ كَانَ الْجَرِيحُ جُنُبًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ قَدَّمَ التَّيَمُّمَ عَلَى الْغُسْلِ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّيَمُّمُ لِعَدَمِ مَا يَكْفِيهِ لِجَمِيعِ أَعْضَائِهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ أَوَّلًا كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ نَوَى جَمِيعهَا) أَيْ: نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاة مِنْ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَالنَّجَاسَةُ بِبَدَنِهِ (صَحَّ) تَيَمُّمُهُ (وَأَجْزَاهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ فَيَكُونُ مَنْوِيًّا (وَإِنْ نَوَى أَحَدَهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْآخَرِ) أَيْ: عَنْ الَّذِي لَمْ يَنْوِهِ لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» . (فَلَوْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ) وَنَحْوِهَا (دُونَ الْحَدَثِ) الْأَصْغَرِ (أُبِيحَ لَهُ مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ،
مِنْ قِرَاءَةٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَلَمْ تُبَحْ لَهُ صَلَاةٌ وَ) لَا (طَوَافٌ وَ) لَا (مَسُّ مُصْحَفٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ مِنْ الِاسْتِبَاحَةِ الْحَدَثَ الْأَصْغَرَ. (وَإِنْ أَحْدَثَ) مَنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَنَحْوِهَا (لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي تَيَمُّمِهِ) لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ مُبْدَلِهِ، وَهُوَ الْغُسْلُ (وَإِنْ تَيَمَّمَ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ، ثُمَّ أَحْدَثَ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ وَبَقِيَ تَيَمُّمُ الْجَنَابَةِ) حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ، أَوْ يُوجَدَ مُوجِبُ الْغُسْلِ وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ بِبَدَنِهِ، وَأَحْدَثَ، بَطَلَ تَيَمُّمُهُ لِلْحَدَثِ، وَبَقِيَ تَيَمُّمُهُ لِلْخَبَثِ. (وَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ حَيْضِهَا) أَوْ نِفَاسِهَا (لِحَدَثِ الْحَيْضِ) أَوْ النِّفَاسِ (ثُمَّ أَجْنَبَتْ) أَوْ أَحْدَثَتْ (لَمْ يَحْرُمْ وَطْؤُهَا) لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِهَا (وَإِنْ تَنَوَّعَتْ أَسْبَابُ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ وَنَوَى) الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ (أَحَدِهَا أَجْزَأَ) التَّيَمُّمُ (عَنْ الْجَمِيعِ) لِأَنَّ حُكْمَهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ إمَّا إيجَابُ الْوُضُوءِ أَوْ الْغُسْلِ وَكَطَهَارَةِ الْمَاءِ، لَكِنْ لَوْ نَوَى الِاسْتِبَاحَةَ مِنْ أَحَدِهَا عَلَى أَنْ لَا يَسْتَبِيحَ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْوُضُوءِ، وَأَوْلَى. (وَمَنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (شَيْئًا) أَيْ: (اسْتِبَاحَةَ) شَيْءٍ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ اسْتَبَاحَهُ لِأَنَّهُ مَنْوِيٌّ. (وَ) اسْتَبَاحَ (مِثْلَهُ) فَمَنْ نَوَى بِتَيَمُّمِهِ صَلَاةَ الظُّهْرِ مَثَلًا، فَلَهُ فِعْلُهَا وَفِعْلُ مِثْلِهَا، كَفَائِتَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ. (وَ) اسْتَبَاحَ (دُونَهُ) أَيْ: دُونَ مَا نَوَاهُ، كَالنَّفْلِ فِي الْمِثَالِ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ وَنِيَّةُ الْفَرْضِ تَتَضَمَّنهُ وَ (لَا) يَسْتَبِيحُ مَنْ نَوَى شَيْئًا (أَعْلَى مِنْهُ) فَمَنْ نَوَى النَّفَلَ لَا يَسْتَبِيحَ الْفَرْضَ. لِأَنَّهُ لَيْسَ سَوِيًّا لَا صَرِيحًا وَلَا ضِمْنًا (فَإِنْ نَوَى نَفْلًا) لَمْ يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا، لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ أَطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ) بِأَنْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَنْوِ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا (لَمْ يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا) لِأَنَّ التَّعْيِينَ شَرْطٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْضِ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ النَّفَلُ لِأَنَّهُ أَقَلُّ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْإِطْلَاقُ وَالطَّوَافُ كَالصَّلَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ نَوَى) بِتَيَمُّمِهِ (فَرْضًا) كَظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ (فَعَلَهُ، وَ) فَعَلَ (مِثْلَهُ، كَمَجْمُوعَةٍ وَفَائِتَةٍ، وَ) فَعَلَ مَا (دُونَهُ) كَمَنْذُورَةٍ وَنَافِلَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ (فَأَعْلَاهُ) أَيْ: أَعْلَى مَا يُبَاحُ بِالتَّيَمُّمِ (فَرْضٌ عَيْنٌ) كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (فَنَذْرُ) صَلَاةٍ (فَ) فَرْضُ (كِفَايَةٍ) (فَنَافِلَةٌ فَطَوَافُ نَفْلٍ) . قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ نَوَى نَافِلَةً أُبِيحَ لَهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالطَّوَافُ؛ لِأَنَّ النَّافِلَةَ آكَدُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، لِكَوْنِ الطَّهَارَةِ مُشْتَرَطَةً لَهَا بِالْإِجْمَاعِ قَالَ وَإِنْ نَوَى فَرْضَ الطَّوَافِ اسْتَبَاحَ نَفْلَهُ وَلَا يَسْتَبِيح الْفَرْضَ مِنْهُ بِنِيَّةِ النَّفْلِ، كَالصَّلَاةِ. وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُبَاحُ الطَّوَافُ بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ فِي الْأَشْهَرِ، كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ كَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا، خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي (فَمَسُّ الْمُصْحَفِ، فَقِرَاءَةٌ فَلُبْثٌ) وَسُكُوتُهُمْ عَنْ الْوَطْءِ يُعْلِمُ أَنَّهُ دُونَ الْكُلِّ (وَلَوْ
فصل في مبطلات التيمم
تَيَمَّمَ صَبِيٌّ لِصَلَاةِ فَرْضٍ ثُمَّ بَلَغَ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ فَرْضًا؛ لِأَنَّ مَا نَوَاهُ كَانَ نَفْلًا) وَهُوَ دُون الْفَرْضِ. [فَصْلٌ فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ] (فَصْلٌ) فِي مُبْطِلَاتِ التَّيَمُّمِ (يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلِأَنَّهُ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَ بِالْوَقْتِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ (حَتَّى) التَّيَمُّمِ (مِنْ جُنُبٍ لِقُرْآنٍ وَلُبْثٍ فِي مَسْجِدٍ وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ مِنْ (حَيْضٍ لِوَطْءٍ وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ (لِطَوَافٍ، وَ) حَتَّى التَّيَمُّمِ مِنْ (نَجَاسَةٍ) بِبَدَنٍ. (وَ) لِصَلَاةِ (جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ وَنَحْوِهَا) كَالتَّيَمُّمِ مِنْ نُفَسَاءَ لِوَطْءٍ، فَيَبْطُلُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ لِلْمَكْتُوبَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةِ جُمُعَةٍ) وَيَخْرُجُ الْوَقْتُ وَهُوَ فِيهَا، فَلَا يَبْطُلُ مَا دَامَ فِيهَا وَيُتِمّهَا لِأَنَّهَا لَا تُقْضَى (فَيَلْزَمُ مَنْ تَيَمَّمَ لِقِرَاءَةٍ وَوَطْءٍ وَنَحْوِهِ) كَلُبْثٍ بِمَسْجِدٍ إذَا خَرَجَ الْوَقْتُ (التَّرْكُ) حَتَّى يُعِيدَ التَّيَمُّمَ (لَكِنْ لَوْ نَوَى الْجَمْعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَة ثُمَّ تَيَمَّمَ لَهَا) أَيْ: لِلْمَجْمُوعَةِ (أَوْ) تَيَمَّمَ (لِفَائِتَةٍ فِي وَقْتِ الْأُولَى لَمْ يَبْطُلْ) التَّيَمُّمُ (بِخُرُوجِهِ) أَيْ: خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى لِأَنَّ نِيَّةَ الْجَمْعِ صَيَّرَتْ الْوَقْتَيْنِ كَالْوَقْتِ الْوَاحِدِ. (وَيَبْطُلُ) التَّيَمُّمُ (بِوُجُودِ الْمَاءِ لِعَادِمِهِ) إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَضُوءٍ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (بِزَوَالِ عُذْرٍ مُبِيحٍ لَهُ) أَيْ: لِلتَّيَمُّمِ، كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ فَعُوفِيَ، أَوْ لِبَرْدٍ فَزَالَ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَيَزُولُ بِزَوَالِهَا (ثُمَّ إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (بَعْدَ صَلَاتِهِ أَوْ طَوَافِهِ لَمْ تَجِبْ إعَادَتُهُ) لِمَا رَوَى عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ ثُمَّ أَتَيَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ وَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قُلْتُ: فَتُسْتَحَبُّ الْإِعَادَةُ لِلْخَبَرِ. (وَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الْمَاءَ (فِيهَا) أَيْ: فِي الصَّلَاةِ أَوْ الطَّوَافِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ وَطَوَافُهُ وَلَوْ انْدَفَقَ الْمَاءُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهِ؛ لِأَنَّ طَهَارَتَهُ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ
وَقْتِهَا فَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَطَوَافُهُ كَمَا لَوْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ (وَوَجَبَتْ الْإِعَادَةُ) إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ الطَّوَافُ فَرْضًا. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (بِمُبْطِلَاتِ وُضُوءٍ) كَخُرُوجِ شَيْءٍ مِنْ سَبِيلٍ، وَزَوَالِ عَقْلٍ وَمَسِّ فَرْجٍ (إذَا كَانَ تَيَمُّمُهُ عَنْ حَدَثٍ أَصْغَرَ) لِأَنَّهُ بَدَلٌ عَنْ الْوُضُوءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُ. (وَ) يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ (عَنْ حَدَثٍ أَكْبَرَ بِمَا يُوجِبُهُ) كَالْجِمَاعِ، وَخُرُوجِ الْمَنِيِّ بِلَذَّةٍ (إلَّا غُسْلَ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، إذَا تَيَمَّمَتْ لَهُ فَلَا يَبْطُلُ بِمُبْطِلَاتِ غُسْلٍ، وَوُضُوءٍ، بَلْ بِوُجُودِ حَيْضٍ) . أَوْ نِفَاسٍ فَلَوْ تَيَمَّمَتْ بَعْدَ طُهْرِهَا مِنْ الْحَيْضِ لَهُ، ثُمَّ أَجْنَبَتْ، فَلَهُ الْوَطْء، لِبَقَاءِ حُكْمِ تَيَمُّمِ الْحَيْضِ وَالْوَطْءُ إنَّمَا يُوجِبُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ (وَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيْهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهِ) كَعِمَامَةٍ أَوْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ لَبِسَهُ عَلَى طَهَارَةٍ (ثُمَّ خَلَعَهُ بَطَلَ تَيَمُّمُهُ نَصًّا) فِي رِوَايَة عَبْدِ اللَّهِ عَلَى الْخُفَّيْنِ. وَفِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ عَلَيْهِمَا وَعَلَى الْعِمَامَةِ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَسَحَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّيَمُّمِ أَوْ لَا وَكَذَا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى يُبْطِلُ الْوُضُوءَ وَهُوَ وَإِنْ اخْتَصَّ صُورَة بِعُضْوَيْنِ فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَرْبَعَةِ حُكْمًا. (وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ) بِحَيْثُ يُدْرِكُ الصَّلَاةَ كُلَّهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ (لِمَنْ يَعْلَمُ) وُجُودَ الْمَاءِ (أَوْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ) فِي الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ فَرِيضَةٌ، وَالصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَضِيلَةٌ، وَانْتِظَارُ الْفَرِيضَةِ أَوْلَى (فَإِنْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ) أَيْ: احْتِمَالُ وُجُودِ الْمَاءِ وَاحْتِمَالُ عَدَمِهِ (فَالتَّأْخِيرُ) أَيْ: تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ (أَفْضَلُ) مِنْهُ أَوَّل الْوَقْتِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِقَوْلِ عَلِيٍّ فِي الْجُنُبِ يَتَلَوَّمُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ آخِرِ الْوَقْتِ، فَإِنْ وَجَدَ الْمَاءَ وَإِلَّا تَيَمَّمَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِمُتَحَقِّقِ الْعَدَمِ أَوْ ظَانّه، أَفْضَلُ. (وَإِنْ تَيَمَّمَ) مَنْ يَعْلَمُ أَوْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ أَوْ اسْتَوَى عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (وَصَلَّى أَوَّلَ الْوَقْتِ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ وَلَا تَلْزَمهُ الْإِعَادَةُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَصِفَةُ التَّيَمُّمِ: أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ) كَفَرْضِ الصَّلَاةِ مِنْ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، أَوْ الْأَكْبَرِ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يُسَمِّيَ) فَيَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا وَتَسْقُطُ سَهَوْا (وَيَضْرِبَ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا بَيْنهَا (عَلَى التُّرَابِ أَوْ) عَلَى (غَيْرِهِ مِمَّا لَهُ غُبَارٌ طَهُورٌ، كَلَبَدٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بِسَاطٍ أَوْ حَصِيرٍ أَوْ بَرْذَعَةِ حِمَارٍ وَنَحْوِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً) وَتَقَدَّمَ لَوْ صَمَدَ مَحَلَّ الْفَرْضِ لِرِيحٍ وَنَحْوِهِ فَعَمّهُ وَمَسَحَهُ بِهِ أَجْزَأَهُ (بَعْد نَزْعِ خَاتَمٍ وَنَحْوِهِ) لِيَصِلَ التُّرَابُ إلَى مَا تَحْتَهُ. (فَإِنْ عَلِقَ بِيَدَيْهِ تُرَابٌ كَثِيرٌ نَفَخَهُ إنْ شَاءَ وَإِنْ كَانَ) التُّرَابُ (خَفِيفًا) (كُرِهَ نَفْخُهُ) لِئَلَّا يَذْهَب فَيَحْتَاجَ إلَى إعَادَةِ الضَّرْبِ
(فَإِنْ ذَهَبَ مَا عَلَيْهِمَا) أَيْ: الْيَدَيْنِ (بِالنَّفْخِ أَعَادَ الضَّرْبَ) لِيَحْصُلَ الْمَسْحُ بِتُرَابٍ (فَيَمْسَح وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ) لِحَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي التَّيَمُّمِ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا وَأَيْضًا: الْيَدُ إذَا أُطْلِقَتْ لَا يَدْخُلُ فِيهَا الذِّرَاعُ بِدَلِيلِ السَّرِقَةِ وَالْمَسِّ لَا يُقَالُ: هِيَ مُطْلَقَةٌ فِي التَّيَمُّمِ مُقَيَّدَةٌ فِي الْوُضُوءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الطَّهَارَةِ لِأَنَّ الْحَمْلَ إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ كَالْعِتْقِ فِي الظِّهَارِ عَلَى الْعِتْقِ فِي الْخَطَأِ. وَالتُّرَابُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ وَهُوَ يُشْرَعُ فِيهِ التَّثْلِيثُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ هُنَا وَالْوُضُوءُ يُغْسَلُ فِيهِ بَاطِنُ الْفَمِ وَالْأَنْفِ بِخِلَافِهِ هُنَا (وَإِنْ مَسَحَ بِضَرْبَتَيْنِ) مَسَحَ (بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَ) مَسَحَ (بِالْأُخْرَى يَدَيْهِ أَوْ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ) جَازَ لِأَنَّ الْغَرَضَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ وَقَدْ حَصَلَ. وَقَالَ الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ يَمْسَحُ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ وَبِالْأُخْرَى يَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ مَنْ قَالَ ضَرْبَتَيْنِ إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ زَادَهُ يَعْنِي لَا يَصِحُّ. وَقَالَ الْخَلَّالُ: الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ ضِعَافٌ جِدًّا وَلَمْ يَرْوِ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْهَا إلَّا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ أَحْمَدُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: يَرْوِيه مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (أَوْ) . مَسَحَ (بِبَعْضِ يَدِهِ، أَوْ بِخِرْقَةٍ، أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ كَانَ التُّرَابُ نَاعِمًا فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ وَضْعًا جَازَ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إيصَالُ التُّرَابِ إلَى مَحَلِّ الْفَرْضِ فَكَيْفَمَا حَصَلَ جَازَ كَالْوُضُوءِ. (وَفِي الرِّعَايَةِ: لَوْ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَمِينِهِ وَيَمِينَهُ بِيَسَارِهِ، أَوْ عَكَسَ) فَمَسَحَ وَجْهَهُ بِيَسَارِهِ وَيَسَارَهُ بِيَمِينِهِ (وَخَلَّلَ أَصَابِعَهُمَا فِيهِمَا، صَحَّ، انْتَهَى) يَعْنِي حَيْثُ اسْتَوْعَبَ مَحَلَّ الْفَرْضِ بِالْمَسْحِ (وَإِنْ مَسَحَ بِأَكْثَرَ مِنْ ضَرْبَتَيْنِ، مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِمَا دُونَهُ، كُرِهَ) . وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ، إذَا حَصَلَ الِاسْتِيعَابُ بِهِمَا (وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ، أَوْ قُطِعَ الْمَاءُ مِنْ) عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ بَلَدِهِ (صَلَّى، بِالتَّيَمُّمِ) لِأَنَّهُ عَادِمٌ لِلْمَاءِ أَشْبَهَ الْمُسَافِرَ (بِلَا إعَادَةٍ) لِأَنَّهُ أَدَّى فَرْضَهُ بِالْبَدَلِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إعَادَةٌ كَالْمُسَافِرِ. (وَلَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ) مِنْ وَاجِدِ الْمَاءِ الْقَادِرِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ بِلَا ضَرَرِ (خَوْفِ فَوْتِ جِنَازَةٍ وَلَا عِيدٍ وَلَا مَكْتُوبَةٍ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَهُ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهَذَا وَاجِبٌ لَهُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ (إلَّا إذَا وَصَلَ مُسَافِرٌ إلَى مَاءٍ) بِنَحْوِ بِئْرٍ (وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ عُلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ فِي
الْوَقْتِ، أَشْبَهَ الْعَادِمَ لَهُ (أَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: عَلِمَ الْمُسَافِرُ الْعَادِمُ لِلْمَاءِ، الْمَاءَ (قَرِيبًا) عُرْفًا (أَوْ دَلَّهُ) عَلَيْهِ (ثِقَةٌ) قَرِيبًا عُرْفًا (وَخَافَ) بِطَلَبِهِ (فَوْتَ الْوَقْتِ، أَوْ دُخُولَ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أَوْ فَوْتَ عَدُوٍّ أَوْ فَوْتَ غَرَضِهِ الْمُبَاحِ) كَمَالِهِ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، دَفْعًا لِلضَّرَرِ. (وَإِنْ اجْتَمَعَ جُنُبٌ وَمَيِّتٌ وَمَنْ عَلَيْهَا غُسْلُ حَيْضٍ فَبُذِلَ مَا يَكْفِي أَحَدَهُمْ أَوْ نَذْرٌ، أَوْ وَصِيٌّ بِهِ لِأَوْلَاهُمْ بِهِ، أَوْ وُقِفَ عَلَيْهِ، فَلِمَيِّتٍ) أَيْ: فَيُقَدَّمُ الْمَيِّتُ يُغَسَّلُ بِهِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ تَنْظِيفُهُ، وَلَا يَحْصُلُ بِالتَّيَمُّمِ، وَالْحَيُّ يُقْصَدُ بِغُسْلِهِ إبَاحَةُ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَحْصُلُ بِالتُّرَابِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَعَلَى هَذَا إنْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ لِوَرَثَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا، فَلِلْحَيِّ أَخْذُهُ لِطَهَارَتِهِ بِثَمَنِهِ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّ فِي تَرْكِهِ إتْلَافُهُ، أَمَّا إذَا احْتَاجَ الْحَيُّ إلَيْهِ لِعَطَشٍ، فَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي الْأَصَحِّ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: أَنَّ مَا فَضَلَ مِنْهُ يَكُونُ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، دُونَ وَرَثَتِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَبْذُولُ أَوْ الْمَنْذُورُ، أَوْ الْمُوصَى بِهِ، أَوْ الْمَوْقُوفُ لَلْأَوْلَى مِنْ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ (ثَوْبًا، صَلَّى فِيهِ حَيٌّ) فَرْضَهُ (ثُمَّ كُفِّنَ بِهِ مَيِّتٌ) لِيَحْصُلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا (وَحَائِضٌ أَوْلَى) بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَاءِ (مِنْ جُنُبٍ) لِأَنَّهَا تَقْضِي حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ زَوْجِهَا فِي إبَاحَةِ وَطْئِهَا (وَهُوَ) أَيْ: الْجُنُبُ (أَوْلَى) بِالْمَاءِ مِنْ مُحْدِثٍ حَدَثًا أَصْغَرَ؛ لِأَنَّ الْجَنَابَةَ أَغْلَظُ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ مَا لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ الْمُحْدِثُ بِهِ. (وَمَنْ كَفَاهُ) الْمَاءُ (وَحْدَهُ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ (فَهُوَ أَوْلَى بِهِ) لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ فِي طَهَارَةٍ كَامِلَةٍ أَوْلَى مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي بَعْضِ طَهَارَةٍ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ أَوْلَى مِنْ الْجَمِيعِ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لَهَا، وَنَجَاسَةُ الْبَدَنِ مُخْتَلَفٌ فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ لَهَا، بِخِلَافِ الْحَدَثِ. (وَيُقَدَّمُ) غُسْلُ نَجَاسَةِ (ثَوْبٍ) وَبُقْعَةٍ (عَلَى) غُسْلِ نَجَاسَةِ (بَدَنٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيُقَدَّمُ ثَوْبٌ عَلَى بُقْعَةٍ لِأَنَّ إعَادَةَ الصَّلَاةِ الَّتِي تُصَلَّى فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ وَاجِبَةٌ، بِخِلَافِهَا فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي تَعَذَّرَ غَيْرُهَا، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُقَدَّمُ نَجَاسَةُ بَدَنِهِ عَلَى نَجَاسَةِ السَّبِيلَيْنِ، أَيْ: إذَا كَانَ الِاسْتِجْمَارُ يَكْفِي فِيهِمَا (وَيُقَدَّمُ عَلَى غُسْلِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ مِنْ بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ بُقْعَةٍ (غَسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ عَنْ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِتَأْخِيرِ غَسْلِ الطِّيبِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ غَسْلُ طِيبِ مُحْرِمٍ، فَنَجَاسَةُ ثَوْبٍ فَبُقْعَةٌ، فَبَدَنٌ، فَمَيِّتٌ، فَحَائِضٌ، فَجُنُبٌ فَمُحْدِثٌ إلَّا إنْ كَفَاهُ وَحْدَهُ فَيُقَدَّمُ عَلَى جُنُبٍ (وَيُقْرَعُ مَعَ التَّسَاوِي) كَمَا لَوْ اجْتَمَعَ حَائِضَيْنِ أَوْ مُحْدِثَانِ وَالْمَاءُ لَا يَكْفِي إلَّا أَحَدَهُمَا فَإِنَّهُ يُقْرَعُ
باب إزالة النجاسة الحكمية
بَيْنَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ قُدِّمَ بِهِ لِأَنَّهُ صَارَ أَوْلَى بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ لَهُ (وَإِنْ تَطَهَّرَ بِهِ غَيْرُ الْأَوْلَى) كَمَا لَوْ تَطَهَّرَ بِهِ حَيٌّ مَعَ وُجُودِ مَيِّتٍ يَحْتَاجهُ (أَسَاءَ، وَصَحَّتْ) طَهَارَتُهُ لِأَنَّ الْأَوْلَى لَمْ يَمْلِكْهُ بِكَوْنِهِ أَوْلَى، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ. (وَإِنْ كَانَ مِلْكًا لِأَحَدِهِمْ) أَيْ: الْمُحْتَاجِينَ إلَيْهِ (لَزِمَهُ اسْتِعْمَالُهُ) لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمْكِينِهِ مِنْهُ (وَلَمْ يُؤْثِرْ بِهِ) أَحَدًا (وَلَوْ لِأَبَوَيْهِ) لِتَعَيُّنِهِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ اللَّهِ بِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ) لَعَلَّهُ فِي مُسْوَدَّتِهِ، وَإِلَّا فَلَمْ نَرَهُ فِي النُّسَخِ الْمَشْهُورَةِ. (وَلَوْ احْتَاجَ حَيٌّ إلَى كَفَنِ مَيِّتٍ لِبَرْدٍ) وَنَحْوِهِ، زَادَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ (يُخْشَى مِنْهُ التَّلَفُ، قُدِّمَ) الْحَيُّ (عَلَى الْمَيِّتِ) لِأَنَّ حُرْمَتَهُ آكَدُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلِّي عَلَيْهِ عَادِمُ السُّتْرَةِ فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ يُقَالُ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا، ذَكَرَهُ فِي التَّكْفِينِ. [بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ] (بَابُ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ) أَيْ: تَطْهِيرُ مَوَارِدِ الْأَنْجَاسِ، وَذِكْرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا يُعْفَى عَنْهُ مِنْهَا وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ (وَهِيَ) أَيْ: النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ (الطَّارِئَةُ عَلَى مَحَلٍّ طَاهِرٍ) بِخِلَافِ الْعَيْنِيَّةِ (وَلَا تَصِحّ إزَالَتُهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ (بِغَيْرِ مَاءٍ طَهُورٍ) لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ قَالَتْ «جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إحْدَانَا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَرَ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَأَشْبَهَتْ طَهَارَةَ الْحَدَثِ (وَلَوْ) كَانَ الْمَاءُ الطَّهُورُ (غَيْرَ مُبَاحٍ) لِأَنَّ إزَالَتَهَا مِنْ قِسْمِ التُّرُوكِ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ لَهُ النِّيَّةُ (وَ) النَّجَاسَةُ (الْعَيْنِيَّةُ لَا تَطْهُرُ بِغَسْلِهَا بِحَالٍ وَتَقَدَّمَ) (فِي الطَّهَارَةِ) وَلَا يُعْقَلُ لِلنَّجَاسَةِ مَعْنًى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. (وَالْكَلْبُ وَالْخِنْزِيرُ نَجِسَانِ) وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا وَسُؤْرُ ذَلِكَ وَعَرَقُهُ، وَكُلُّ مَا خَرَجَ مِنْهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (يَطْهُرُ مُتَنَجِّسٌ بِهِمَا وَ) مُتَنَجِّسٌ (بِمُتَوَلِّدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ
أَحَدِهِمَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِمَا) أَوْ أَجْزَاءِ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا (غَيْر أَرْضٍ وَنَحْوِهَا) كَصَخْرٍ وَحِيطَانٍ (بِسَبْعِ غَسَلَاتِ مُنَقِّيَةٍ، إحْدَاهُنَّ بِتُرَابٍ طَهُورٍ وُجُوبًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «فَلْيُرِقْهُ ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ» وَلَهُ أَيْضًا «طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» . وَلَوْ كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا لَمْ يَأْمُرْ بِإِرَاقَتِهِ وَلَا وَجَبَ غَسْلُهُ وَالْأَصْلُ أَنَّ وُجُوبَ الْغَسْلِ لِنَجَاسَتِهِ، وَلَمْ يُعْهَدْ التَّعَبُّدُ فِي غَسْلِ الْبَدَنِ، وَالطَّهُورُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَحَلِّ الطَّهَارَةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَعَبُّدًا، لَمَا اخْتَصَّ الْغَسْلُ بِمَوْضِعِ الْوُلُوغِ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ فِي الْإِنَاءِ كُلِّهِ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْكَلْبِ فَالْخِنْزِيرُ شَرٌّ مِنْهُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَحُرْمَةِ اقْتِنَائِهِ، فَثَبَتَ الْحُكْمُ فِيهِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَنُصَّ الشَّارِعُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْتَادُونَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ أَحْمَدُ فِي الْخِنْزِيرِ عَدَدًا وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي التُّرَابُ غَيْرُ الطَّهُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْإِنْصَافِ، وَقَدَّمَاهُ، وَأَنَّهُ إذَا لَمْ تُنَقَّ النَّجَاسَةُ بِالسَّبْعِ زَادَ حَتَّى تُنَقَّى كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَأَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ إحْدَى الْغَسَلَاتِ لِلتُّرَابِ. (وَ) لَكِنَّ الْغَسْلَةَ (الْأُولَى أَوْلَى) بِجَعْلِ التُّرَابِ فِيهَا لِلْخَبَرِ وَلِيَأْتِيَ الْمَاءُ بَعْدَهُ فَيُنَظِّفَهُ (وَيَقُومُ أُشْنَانٌ وَصَابُونٌ وَنُخَالَةٌ وَنَحْوُهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَهُ قُوَّةٌ فِي الْإِزَالَةِ (مَقَامَهُ) أَيْ: التُّرَابِ (وَلَوْ مَعَ وُجُودِهِ) وَعَدَمِ تَضَرُّرِ الْمَحَلِّ بِهِ لِأَنَّ نَصَّهُ عَلَى التُّرَابِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي التَّنْظِيفِ. وَ (لَا) تَقُومُ (غَسْلَةٌ ثَامِنَةٌ) مَقَامَ التُّرَابِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتُّرَابِ مَعُونَةٌ لِلْمَاءِ فِي قَطْعِ النَّجَاسَةِ أَوْ لِلتَّعَبُّدِ فَلَا يَحْصُلُ بِالْمَاءِ وَحْدَهُ (وَيُعْتَبَرُ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ بِهِ) أَيْ: بِالتُّرَابِ بِأَنْ يُمِرَّ التُّرَابَ مَعَ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» (إلَّا فِيمَا يَضُرّهُ) التُّرَابُ. (فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ) أَيْ: أَقَلُّ شَيْءٍ يُسَمَّى تُرَابًا يُوضَعُ فِي مَاءِ إحْدَى الْغَسَلَاتِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِلنَّهْيِ عَنْ إفْسَادِ الْمَالِ (وَيُعْتَبَرُ مَزْجُهُ) أَيْ: التُّرَابِ (بِمَاءٍ يُوصِلهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ فَلَا يَكْفِي مَائِعٌ غَيْرُ الْمَاءِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ. وَعِبَارَةُ الْفُرُوعِ: فَيُعْتَبَرُ مَائِعٌ يُوصِلهُ إلَيْهِ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى فَ (لَا) يَكْفِي (ذَرُّهُ) أَيْ: التُّرَاب عَلَى الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ (وَإِتْبَاعُهُ الْمَاءَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ» إذْ الْبَاءُ فِيهِ لِلْمُصَاحَبَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُحْتَمَلُ يَكْفِي ذَرّهُ وَيُتْبِعُهُ الْمَاءَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَهُوَ أَظْهَرُ
" تَتِمَّةٌ " إذَا وَلَغَ فِي الْإِنَاءِ كِلَابٌ، أَوْ أَصَابَ الْمَحَلَّ نَجَاسَاتٌ مُتَسَاوِيَةٌ فِي الْحُكْمِ فَهِيَ كَنَجَاسَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِلَّا فَالْحُكْمُ لِأَغْلَظِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا أَجْزَأَ عَمَّا يُمَاثِلُ، فَعَمَّا دُونَهُ أَوْلَى وَلَوْ وَلَغَ فِيهِ فَغَسَلَ دُونَ السَّبْعِ، ثُمَّ وَلَغَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى غُسِلَ لِلنَّجَاسَةِ الثَّانِيَةِ، وَانْدَرَجَ فِيهَا مَا بَقِيَ مِنْ عَدَدِ الْأُولَى. (وَتُطَهَّرُ بَقِيَّةُ الْمُتَنَجِّسَاتِ بِسَبْعٍ مُنَقِّيَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «أُمِرْنَا أَنْ نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ وَغَيْرُهُ فَيَنْصَرِفُ إلَى أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ أَمَرَ بِهِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ فَيَلْحَقُ بِهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِمَوْرِدِ النَّصِّ بِدَلِيلِ إلْحَاقِ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ بِهِ فَعَلَى هَذَا يُغْسَلُ مَحَلُّ الِاسْتِنْجَاءِ سَبْعًا كَغَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالشِّيرَازِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ. لَكِنْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِيهِ عَدَدٌ، اعْتِمَادًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، لَا فِي قَوْلِهِ وَلَا فِي فِعْلِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا) أَيْ: بَقِيَّةِ النَّجَاسَاتِ (تُرَابٌ) قَصْرًا لَهُ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ. (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَحَلُّ الْمُتَنَجِّسُ (بِهَا) أَيْ: بِالسَّبْعِ (زَادَ) فِي الْغُسْلِ (حَتَّى يُنَقَّى) الْمَحَلُّ (فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ النَّجَاسَاتِ، مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَغَيْرِهِ (وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِ) النَّجَاسَةِ (أَوْ رِيحِهَا أَوْ هُمَا) أَيْ: اللَّوْنُ وَالرِّيحُ (عَجْزًا) عَنْ إزَالَتِهِمَا، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. «أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ قَالَ فَإِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِي مَوْضِعَ الدَّمِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ أَثَرُهُ قَالَ يَكْفِيكِ الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيُطَهَّرُ) الْمَحَلُّ مَعَ بَقَائِهِمَا أَوْ بَقَاءِ أَحَدِهِمَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمٍ) لِدَلَالَتِهِ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ، وَلِسُهُولَةِ إزَالَتِهِ فَلَا يُحْكَمُ بِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ مَعَ بَقَاءِ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهِ. (وَإِنْ اسْتَعْمَلَ فِي إزَالَتِهِ) أَيْ: أَثَرِ النَّجَاسَةِ (مَا يُزِيلُهُ كَالْمِلْحِ وَغَيْرِهِ، فَحَسَنٌ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ غِفَارٍ. «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْدَفَهَا عَلَى حَقِيبَتِهِ، فَحَاضَتْ قَالَتْ: فَنَزَلْتُ، فَإِذَا بِهَا دَمٌ مِنِّي فَقَالَ: مَا لَكِ لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأَصْلِحِي مِنْ نَفْسِكِ، ثُمَّ خُذِي إنَاءً مِنْ مَاءٍ فَاطْرَحِي فِيهِ مِلْحًا، ثُمَّ اغْسِلِي مَا أَصَابَ الْحَقِيبَةَ مِنْ الدَّمِ» (وَلَا يَجِب) ذَلِكَ لِمَا سَبَقَ مَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ طَعَامٍ وَشَرَابٍ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِإِفْسَادِ الْمَالِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ، كَمَا يُنْهَى عَنْ ذَبْحِ الْخَيْلِ الَّتِي يُجَاهَدُ عَلَيْهَا، وَالْإِبِلِ الَّتِي يُحَجُّ عَلَيْهَا، وَالْبَقَرِ الَّتِي يُحْرَثُ عَلَيْهَا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَاجَةِ إلَيْهَا قَالَهُ الشَّيْخُ) . وَفِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ: وَيُكْرَهُ ذَبْحُ الْفَرَسِ
الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ فِي الْجِهَادِ، بِلَا نِزَاعٍ (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْمَالِ النُّخَالَةِ الْخَالِصَةِ) مِنْ الدَّقِيقِ (فِي التَّدَلُّكِ، وَغَسْلِ الْأَيْدِي بِهَا، وَكَذَا) التَّدَلُّكِ وَغَسْلُ الْأَيْدِي (بِبِطِّيخٍ وَدَقِيقِ الْبَاقِلَاءِ) وَهِيَ الْفُولُ، إنْ شَدَّدْتَ اللَّامَ قَصَرْتَ، وَإِنْ خَفَّفْتَ مَدَدْتَ. ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَغَيْرهَا مِمَّا لَهُ قُوَّةُ الْجَلَاءِ، لِحَاجَةٍ) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ أَنْ يَغْسِلَ جِسْمَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَطْعِمَةِ، مِثْلِ دَقِيقِ الْحِمَّصِ أَوْ الْعَدَسِ أَوْ الْبَاقِلَاءِ وَنَحْوِهِ (وَيُغْسَلُ مَا نُجِّسَ بِبَعْضِ الْغَسَلَاتِ بِعَدَدِ مَا بَقِيَ بَعْدَ تِلْكَ الْغَسْلَةِ) لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ تُطَهَّرُ فِي مَحَلِّهَا بِمَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ، فَطَهُرَتْ بِهِ فِي مِثْلِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ. فَلَوْ تَنَجَّسَ بِالْغَسْلَةِ الرَّابِعَةِ مَثَلًا، غُسِلَ ثَلَاثُ غَسَلَاتٍ إحْدَاهُنَّ (بِتُرَابٍ إنْ لَمْ يَكُنْ) التُّرَابُ (اُسْتُعْمِلَ) فِيمَا سَبَقَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (حَيْثُ اُشْتُرِطَ) التُّرَابُ، بِأَنْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا فَإِنْ كَانَ اُسْتُعْمِلَ فِيمَا قَبْلُ كَفَى (وَيُعْتَبَرُ الْعَصْرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ) خَارِجَ الْمَاءِ (مَعَ إمْكَانِهِ) أَيْ: الْعَصْرِ (فِيمَا تَشَرَّبَ نَجَاسَةً لِيَحْصُلَ انْفِصَالُ الْمَاءِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَحَلِّ الْمُتَنَجِّسِ (وَلَا يَكْفِي تَجْفِيفُهُ بَدَلَ الْعَصْرِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ عَصْرُهُ، كَالزُّلَالِيِّ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُمْكِنُ عَصْرُهُ (فَبِدَقِّهَا أَوْ دَوْسِهَا، وَتَقْلِيبِهَا أَوْ تَثْقِيلِهَا بِمَا يَفْصِلُ الْمَاءَ عَنْهَا) ، لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْعَصْرِ لِتَعَذُّرِهِ. (وَلَوْ عُصِرَ الثَّوْبُ فِي مَاءٍ وَلَوْ جَارِيًا، وَلَمْ يَرْفَعْهُ مِنْهُ لَمْ يَطْهُرْ) لِعَدَمِ انْفِصَالِ الْمَاءِ عَنْهُ (فَإِذَا رَفَعَهُ مِنْهُ) وَلَوْ بَعْدَ عَصْرِهِ مَرَّاتٍ (فَهِيَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، يَبْنِي عَلَيْهَا) وَيُتِمُّ السَّبْعَ (وَلَا يَكْفِي فِي الْعَدَدِ تَحْرِيكُهُ) أَيْ: الْإِنَاءِ (فِي الْمَاءِ وَخَضْخَضَتُهُ) وَلَوْ غُمِسَ الْإِنَاءُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ لَمْ يَطْهُرْ، حَتَّى يَنْفَصِلَ عَنْهُ وَيُعَادَ إلَيْهِ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ. (إنْ وَضَعَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ (فِي إنَاءٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ فَغَسَلَهُ وَاحِدَةً يُبْنَى عَلَيْهَا) بَعْدَ عَصْرِهِ، حَتَّى يَحْصُلَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ (وَيَطْهُرُ) الثَّوْبُ وَنَحْوُهُ بِذَلِكَ (نَصًّا) لِأَنَّ الْمَاءَ وَارِدٌ عَلَى مَحَلِّ التَّطْهِيرِ أَشْبَهَ مَا لَوْ صَبَّهُ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ إنَاءٍ وَإِنْ غُمِسَ النَّجِسُ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ، نَجُسَ الْمَاءُ، وَلَمْ يَطْهُرْ النَّجِسُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهَا غَسْلَةً (وَعَصْرُ كُلِّ ثَوْبٍ) وَنَحْوِهِ (عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، بِحَيْثُ لَا يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادَ) لِلنَّهْيِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ (وَمَا لَمْ يَتَشَرَّبْ) النَّجَاسَةَ (كَالْآنِيَةِ: يُطَهَّرُ بِمُرُورِ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَانْفِصَالِهِ) عَنْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَكْفِي مَسْحُهُ) أَيْ: الْمُتَنَجِّسِ (وَلَوْ كَانَ صَقِيلًا، كَسَيْفٍ وَنَحْوِهِ) كَمِرْآةٍ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْأَنْجَاسِ. وَالْمَسْحُ لَيْسَ غَسْلًا (فَلَوْ قُطِعَ بِهِ) أَيْ: بِالسَّيْفِ الْمُتَنَجِّسِ وَنَحْوِهِ بَعْدَ مَسْحِهِ (قَبْلَ غَسْلِهِ مِمَّا فِيهِ بَلَلٌ، كَبِطِّيخٍ وَنَحْوِهِ، نَجَّسَهُ) لِمُلَاقَاةِ الْبَلَلِ لِلنَّجَاسَةِ (فَإِنْ كَانَ) مَا قَطَعَهُ بِهِ (رَطْبًا لَا) بَلَلَ فِيهِ (كَجُبْنٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا بَأْسَ بِهِ) كَمَا لَوْ قَطَعَ
فصل وتطهر أرض متنجسة بمائع
بِهِ يَابِسًا لِعَدَمِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ لَصِقَتْ النَّجَاسَةُ) فِي الطَّاهِرِ (وَجَبَ فِي إزَالَتِهَا الْحَتُّ) أَيْ: الْحَكُّ بِطَرَفِ حَجَرٍ أَوْ عُودٍ (وَالْقَرْصُ) أَيْ: الدَّلْكُ بِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ وَالْأَظْفَارِ دَلْكًا شَدِيدًا، وَيُصَبُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُهُ، وَأَثَرُهُ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ عَنْ الْأَزْهَرِيِّ (إنْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (بِدُونِهِمَا) أَيْ: الْحَتِّ وَالْقَرْصِ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا أَصَابَ ثَوْبَ الْمَرْأَةِ حَيْضُهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ تَحُتُّهُ بِظُفْرِهَا، حَتَّى تَذْهَبَ خُشُونَتُهُ، ثُمَّ تَقْرِصَهُ بِرِيقِهَا لِيَلِينَ لِلْغَسْلِ ثُمَّ تَغْسِلهُ بِالْمَاءِ. (قَالَ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ الْمَحَلُّ بِهِمَا) أَيْ: بِالْحَتِّ وَالْقَرْصِ، فَإِنْ تَضَرَّرَ بِهِمَا سَقَطَا (وَيُحْسَبُ الْعَدَدُ فِي إزَالَتِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (مِنْ أَوَّلِ غَسْلَةٍ، وَلَوْ قَبْلَ زَوَالِ عَيْنِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (فَلَوْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ أَجْزَأَ) ذَلِكَ لِحُصُولِ الْإِنْقَاءِ وَالْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فَائِدَةٌ: لَوْ غُسِلَ بَعْضُ الثَّوْبِ النَّجِسِ طَهُرَ مَا غُسِلَ مِنْهُ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَيَكُونُ الْمُنْفَصِلُ نَجِسًا لِمُلَاقَاتِهِ غَيْرَ الْمَغْسُولِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ فَإِنْ أَرَادَ غَسْلَ بَقِيَّتِهِ غَسَلَ مَا لَاقَاهُ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. [فَصْلٌ وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ] (فَصْلٌ) (وَتَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ بِمَائِعٍ) كَبَوْلٍ (أَوْ) بِنَجَاسَةٍ (ذَاتِ جِرْمٍ أُزِيلَ) ذَلِكَ (عَنْهَا، وَلَوْ) كَانَتْ النَّجَاسَةُ (مِنْ كَلْبٍ، نَصًّا) أَوْ خِنْزِيرٍ. (وَ) يَطْهُرُ (صَخْرٌ وَأَجْرِنَةُ حَمَامٍ) وَنَحْوِهِ صِغَارٌ مَبْنِيَّةٌ أَوْ كِبَارٌ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَحِيطَانٌ وَأَحْوَاضٌ وَنَحْوُهَا: بِمُكَاثَرَةِ الْمَاءِ عَلَيْهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ، مِنْ الْأَرْضِ وَالصَّخْرِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَعُوهُ، وَأَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَوْ لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْثِيرًا لِلنَّجَاسَةِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَصَابُّ الْفَضَلَاتِ وَمَطَارِحُ الْأَقْذَارِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي تَطْهِيرِهَا عَدَدٌ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَلَوْ) كَانَ مَا كُوثِرَتْ بِهِ (مِنْ مَطَرٍ وَسَيْلٍ) لِأَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَةِ لَا
يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ فَاسْتَوَى مَا صَبَّهُ الْآدَمِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِالْمُكَاثَرَةِ: صَبُّ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ (بِحَيْثُ يَغْمُرهَا مِنْ غَيْرِ) اعْتِبَارِ (عَدَدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يَبْقَ لِلنَّجَاسَةِ عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ مِنْ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ) فَإِنْ لَمْ يَذْهَبَا لَمْ تَطْهُرْ (إنْ لَمْ يَعْجَزْ) عَنْ إزَالَتِهِمَا أَوْ إزَالَةِ أَحَدِهِمَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُزَالُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ، سَقَطَ كَالثَّوْبِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَتَطْهُرُ الْأَرْضُ وَنَحْوُهَا بِالْمُكَاثَرَةِ (وَلَوْ لَمْ يَنْفَصِلْ الْمَاءُ) الَّذِي غُسِلَتْ بِهِ عَنْهَا لِلْخَبَرِ السَّابِقِ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرْ بِإِزَالَةِ الْمَاءِ عَنْهَا (وَيَضُرُّ) بَقَاءُ (طَعْمِ) النَّجَاسَةِ بِالْأَرْضِ كَالثَّوْبِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (أَوْ اخْتَلَطَتْ بِأَجْزَاءِ الْأَرْضِ كَالرَّمِيمِ وَالدَّمِ إذَا جَفَّ، وَالرَّوْثِ لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ إذَنْ (بِالْغَسْلِ) لِأَنَّ عَيْنَ النَّجَاسَةِ لَا تَنْقَلِبُ (بَلْ) تَطْهُرُ (بِإِزَالَةِ أَجْزَاءِ الْمَكَانِ) بِحَيْثُ يَتَيَقَّنُ زَوَالُ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ. (وَلَوْ بِإِدْرَارِ الْبَوْلِ وَنَحْوِهِ) كَالدَّمِ (وَهُوَ رَطْبٌ فَقَلَعَ التُّرَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَثَرُهُ، فَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِعَدَمِ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ جَفَّ) الْبَوْلُ وَنَحْوُهُ (فَأَزَالَ مَا عَلَيْهِ الْأَثَرُ) مِنْ التُّرَابِ (لَمْ تَطْهُرْ) الْأَرْضُ لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا يَبِينُ عَلَى ظَاهِرِهَا (إلَّا أَنْ يُقْلَعَ مَا يُتَيَقَّنُ بِهِ زَوَالُ مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ وَالْبَاقِي طَاهِرٌ) لِتَحَقُّقِهِ عَدَمَ وُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ. (وَلَا تَطْهُرُ أَرْضٌ مُتَنَجِّسَةٌ وَلَا غَيْرُهَا) مِنْ الْمُتَنَجِّسَاتِ (بِشَمْسٍ وَلَا رِيحٍ وَلَا جَفَافٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِغَسْلِ بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُطَهِّرُ لَاكْتَفَى بِهِ وَلِأَنَّ الْأَرْضَ مَحَلٌّ نَجِسٌ فَلَمْ يُطَهَّرْ بِالْجَفَافِ، كَثِيَابٍ. وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ كَانَتْ الْكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ يُحْمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِيهِ فَيَكُونُ إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا بَعْدَ بَوْلِهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا) تَطْهُرُ (نَجَاسَةٌ بِاسْتِحَالَةٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا " لِأَكْلِهَا النَّجَاسَة، وَلَوْ طَهُرَتْ بِالِاسْتِحَالَةِ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ (وَلَا) تَطْهُرُ نَجَاسَةٌ أَيْضًا بِ (نَارٍ فَالْقَصْرُ مل) أَيْ: الرَّمَادُ مِنْ الرَّوْثِ النَّجِسِ نَجِسٌ (وَصَابُونٍ عُمِلَ مِنْ زَيْتٍ نَجِسٍ، وَدُخَانِ نَجَاسَةٍ، وَغُبَارُهَا) نَجِس (وَمَا تَصَاعَدَ مِنْ بُخَارِ مَاءٍ نَجِسٍ إلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ أَوْ غَيْرِهِ) نَجِسٌ (وَتُرَابُ جَبَلٍ بِرَوْثِ حِمَارٍ) أَوْ بَغْلٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (نَجِسٌ) وَلَوْ
احْتَرَقَ كَالْخَزَفِ. وَكَذَا لَوْ وَقَعَ كَلْبٌ فِي مَلَّاحَةٍ فَصَارَ مِلْحًا، أَوْ فِي صَبَّانَةٍ فَصَارَ صَابُونًا (إلَّا عَلَقَةً خُلِقَ مِنْهَا آدَمِيٌّ) أَوْ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فَإِنَّهَا تَصِيرُ طَاهِرَةً، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَجِسَةً لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا بِصَيْرُورَتِهَا عَلَقَةً فَإِذَا زَالَ ذَلِكَ عَادَتْ إلَى أَصْلِهَا كَالْمَاءِ الْكَثِيرِ الْمُتَغَيِّرِ بِالنَّجَاسَةِ (وَ) إلَّا (خَمْرَةً انْقَلَبَتْ خَلًّا بِنَفْسِهَا) فَإِنَّهَا تَطْهُرُ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِشِدَّتِهَا الْمُسْكِرَةِ الْحَادِثَةِ لَهَا. وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ خَلَّفَتْهَا، فَوَجَبَ أَنْ تَطْهُرَ، كَالْمَاءِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِالتَّغَيُّرِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ سَائِرُ النَّجَاسَاتِ، لِكَوْنِهَا لَا تَطْهُرُ بِالِاسْتِحَالَةِ؛ لِأَنَّ نَجَاسَتَهَا لِعَيْنِهَا وَالْخَمْرَةُ نَجَاسَتُهَا لِأَمْرٍ زَالَ بِالِانْقِلَابِ (أَوْ) انْقَلَبَتْ الْخَمْرَةُ خَلًّا (بِنَقْلِهَا) مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ دَنٍّ إلَى آخَرَ (لِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيلِ) فَتَطْهُرُ، كَمَا لَوْ انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا. (وَيَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا) وَلَوْ كَانَتْ لِيَتِيمٍ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا؟ قَالَ لَا وَالنَّبِيذُ كَالْخَمْرِ» فِيمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ خُلِّلَتْ) أَيْ: فُعِلَ بِهَا شَيْءٌ تَصِيرُ بِهِ خَلًّا (وَلَوْ بِنَقْلِهَا لِقَصْدِهِ) أَيْ: التَّخْلِيلِ (لَمْ تَطْهُرْ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَخْلِيلُهَا فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الطَّهَارَةُ (وَدَنُّهَا) أَيْ: الْخَمْرِ (مِثْلُهَا، فَيَطْهُرُ بِطَهَارَتِهَا) تَبَعًا لَهَا (وَلَوْ مِمَّا يُلَاقِي الْخَلّ مِمَّا فَوْقَهُ مِمَّا أَصَابَهُ الْخَمْرُ فِي غَلَيَانِهِ) فَيَطْهُرُ كَاَلَّذِي لَاقَاهُ الْخَلُّ (كَمُحْتَفَرٍ مِنْ الْأَرْضِ طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثٍ) أَيْ: بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ (أَوْ بِإِضَافَةِ) مَاءٍ كَثِيرٍ، أَوْ بِنَزْحٍ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ. وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا بُنِيَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الصَّهَارِيجِ وَالْبَحْرَاتِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَطْهُرُ بِمُكَاثَرَتِهِ بِالْمَاءِ الطَّهُورِ، وَهِيَ حَاصِلَةٌ (لَا إنَاء طَهُرَ مَاؤُهُ بِمُكْثِهِ أَوْ كُوثِرَ مَاءٌ نَجِسٌ فِيهِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ طَهُورٍ، حَتَّى صَارَ) مَا فِيهِ (طَهُورًا لَمْ يَطْهُرْ الْإِنَاءُ بِدُونِ انْفِصَالِهِ) أَيْ: الْمَاءِ (عَنْهُ فَإِذَا انْفَصَلَ) الْمَاءُ عَنْهُ (حُسِبَتْ غَسْلَةً وَاحِدَةً) وَلَوْ خَضْخَضَهُ مَرَّاتٍ (يُبْنَى عَلَيْهَا) مَا بَقِيَ مِنْ الْغَسَلَاتِ (وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ خَلَّالٍ إمْسَاكُ خَمْرٍ لِيَتَخَلَّلَ بِنَفْسِهِ، بَلْ يُرَاقُ) الْخَمْرُ (فِي الْحَالِ فَإِنْ خَالَفَ) غَيْرُ الْخَلَّالِ (وَأَمْسَكَ) الْخَمْرَ (فَصَارَ خَلًّا بِنَفْسِهِ) أَوْ بِنَقْلِهِ لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ (طَهُرَ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَأَمَّا الْخَلَّالُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ إمْسَاكُ الْخَمْرِ لِيَتَخَلَّلَ لِئَلَّا يَضِيعَ مَالُهُ وَإِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ بِنَقْلٍ، لَا لِقَصْدِ تَخْلِيلٍ حَلَّتْ وَإِلَّا فَلَا (وَالْخَلُّ الْمُبَاحُ: أَنْ يُصَبَّ عَلَى الْعِنَبِ أَوْ الْعَصِيرِ خَلٌّ قَبْلَ غَلَيَانِهِ) وَقَبْلَ أَنْ تَمْضِي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهِنَّ (حَتَّى لَا يَغْلِيَ) قِيلَ لِلْإِمَامِ: فَإِنْ صُبَّ عَلَيْهِ خَلٌّ فَغَلِيَ قَالَ يُهْرَاقُ (وَالْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ نَجِسَةٌ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْمُرَادُ بَعْدَ عِلَاجِهَا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْغَزِّيِّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مَنْظُومَتِهِ وَقِيلَ: طَاهِرَةٌ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ
الْكُبْرَى وَحَوَاشِي صَاحِبِ الْفُرُوعِ عَلَى الْمُقْنِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَهُوَ الصَّوَابُ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي هُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ) تَنَجَّسَ (بِغَسْلِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ أَجْزَائِهِ، وَلَوْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِرَاقَةِ السَّمْنِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَةُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ مِنْهَا مَا يَتَأَتَّى غَسْلُهُ كَزَيْتٍ وَنَحْوِهِ وَكَيْفِيَّةُ تَطْهِيرِهِ: أَنْ يُجْعَلَ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ وَيُحَرَّكَ، حَتَّى يُصِيبَ جَمِيعَ أَجْزَائِهِ، ثُمَّ يُتْرَكَ حَتَّى يَعْلُوَ عَلَى الْمَاءِ، فَيُؤْخَذَ. وَإِنْ تَرَكَهُ فِي جَرَّةٍ وَصَبَّ عَلَيْهِ مَاءً وَحَرَّكَهُ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهَا بِزَالًا، يَخْرُج مِنْهُ الْمَاءُ جَازَ (وَلَا) يَطْهُرُ (بَاطِنُ حُبٍّ) تَشَرَّبَ النَّجَاسَةَ. (وَ) لَا (عَجِينٌ) تَنَجَّسَ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ غَسْلُهُ (وَ) لَا (لَحْمٌ تَنَجَّسَ) وَتَشَرَّبَ النَّجَاسَةَ (وَلَا إنَاءٌ تَشَرَّبَ نَجَاسَةً وَ) لَا (سِكِّينٌ سُقِيَتْ مَاءً نَجِسًا) أَوْ بَوْلًا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ لِأَنَّ الْغَسْلَ لَا يَسْتَأْصِلُ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ مِمَّا ذُكِرَ قَالَ أَحْمَدُ فِي الْعَجِينِ: يُطْعَمُ النَّوَاضِحَ، وَلَا يُطْعَمُ لِشَيْءٍ يُؤْكَلُ فِي الْحَالِ وَلَا يُحْلَبُ لَبَنُهُ، لِئَلَّا يَنْجُسَ بِهِ وَيَصِيرَ كَالْجَلَّالَةِ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْمُبْهِجِ: آنِيَةُ الْخَمْرِ مِنْهَا الْمُزَفَّتُ، فَيَطْهُرُ بِالْغَسْلِ لِأَنَّ الزِّفْتَ يَمْنَعُ وُصُولَ النَّجَاسَةِ إلَى جِسْمِ الْإِنَاءِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ بِمُزَفَّتٍ، فَيَتَشَرَّبَ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ، فَلَا يَطْهُرُ بِالتَّطْهِيرِ فَإِنَّهُ مَتَى تُرِكَ مَائِعٌ ظَهَرَ فِيهِ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ يَطْهُرُ الزِّئْبَقُ بِالْغَسْلِ) لِأَنَّهُ لِقُوَّتِهِ وَتَمَاسُكِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْجَامِدِ، وَبَعْدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَيَجُوزُ الِاسْتِصْبَاحُ بِدُهْنٍ مُتَنَجِّسٍ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ) لِجَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِالنَّجَاسَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا تَتَعَدَّى وَأَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَنْجِيسِهِ (وَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ) لِأَنَّ اللَّهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنَهُ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي مَائِعٍ سِنَّوْرٍ) وَهُوَ الْهِرُّ (أَوْ فَأْرَةٌ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَنْضَمُّ دُبُرُهُ إذَا وَقَعَ) فِي مَائِعٍ (فَخَرَجَ حَيًّا فَطَاهِرٌ) لِانْضِمَامِ دُبُرِهِ (وَكَذَا) إذَا وَقَعَ (فِي جَامِدٍ وَهُوَ) أَيْ: الْجَامِدُ (مَا لَا تَسْرِي النَّجَاسَةُ فِيهِ) غَالِبًا. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مَا لَوْ فُتِحَ وِعَاؤُهُ لَمْ تَسِلْ أَجْزَاؤُهُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ سَمْنَ الْحِجَازِ لَا يَكَادُ يَبْلُغهُ (وَإِنْ مَاتَ فِيهِ) أَيْ: الْجَامِدِ هِرٌّ أَوْ نَحْوُهُ أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا (أَوْ حَصَلَتْ مِنْهُ) أَيْ: السِّنَّوْرِ وَنَحْوِهِ (رُطُوبَةٌ) وَفِي نُسْخَةٍ فِي دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ (أُلْقِيَتْ وَمَا حَوْلَهَا، وَبَاقِيهِ طَاهِرٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي السَّمْنِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (فَإِنْ اخْتَلَطَ) النَّجِسُ بِالطَّاهِرِ (وَلَمْ يَنْضَبِطْ) النَّجِسُ (حَرُمَ) الْكُلُّ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ (وَتَقَدَّمَ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي مَائِعٍ) فِي الثَّالِثِ
مِنْ أَقْسَامِ الْمِيَاه، وَأَنَّهُ يَنْجُسُ وَإِنْ كَثُرَ وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ مَعْفُوًّا عَنْهَا. (وَإِذَا خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ فِي بَدَنٍ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ مُصَلًّى صَغِيرٍ، كَبَيْتٍ صَغِيرٍ لَزِمَهُ غَسْلُ مَا يَتَيَقَّنُ بِهِ إزَالَتَهَا فَلَا يَكْفِي الظَّنُّ) لِأَنَّهُ اشْتَبَهَ الطَّاهِرُ بِالنَّجِسِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنَابُ، الْجَمِيعِ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ بِالْغَسْلِ كَمَا لَوْ خَفِيَ الْمُذَكَّى بِالْمَيِّتِ وَلِأَنَّ النَّجَاسَةَ مُتَيَقَّنَةٌ فَلَا تَزُولُ إلَّا بِيَقِينِ الطَّهَارَةِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ جِهَتَهَا مِنْ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ وَإِنْ عَلِمَهَا فِي أَحَدِ كُمَّيْهِ وَجَهِلَهُ غَسَلَهُمَا وَإِنْ رَآهَا فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ الَّذِي عَلَيْهِ غَسَلَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ نَظَرُهُ (وَ) إنْ خَفِيَتْ نَجَاسَةٌ (فِي صَحْرَاءَ وَاسِعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَحَوْشٍ وَاسِعٍ (يُصَلِّي فِيهَا بِلَا غَسْلٍ وَلَا تَحَرٍّ) فَيُصَلِّي فِيهِ حَيْثُ شَاءَ، لِئَلَّا يُفْضِي إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَبَوْلُ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ نَجِسٌ) صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ، كَبَوْلِ الْكَبِيرِ، لَكِنْ، (يُجْزِئُ نَضْحُهُ وَهُوَ غَمْرُهُ بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ يَنْفَصِلْ) الْمَاءُ عَنْ الْمَحَلِّ (وَيَطْهُرُ الْمَحَلُّ بِهِ) أَيْ: بِالنَّضْحِ بَوْلُ الْغُلَامِ الْمَذْكُورِ، لِحَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مُحْصَنٍ «أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهَا لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ أَيْ: بِشَهْوَةٍ وَاخْتِيَارٍ، لَا لِعَدَمِ أَكْلِهِ بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ يُسْقَى الْأَدْوِيَةُ وَالسُّكَّرُ وَيُحَنَّكُ حِينَ الْوِلَادَةِ فَإِنْ أَكَلَهُ بِنَفْسِهِ غُسِلَ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إنَّمَا وَرَدَتْ فِيمَنْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ، فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَكَذَا قَيْؤُهُ) أَيْ: قَيْءِ الْغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ لِشَهْوَةٍ (وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ بَوْلِهِ) فَيَكْفِي نَضْحُهُ، بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَ (لَا) يُنْضَحُ بَوْلُ (أُنْثَى وَخُنْثَى) وَقَيْؤُهُمَا بَلْ يُغْسَلُ لِقَوْلِ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ «يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ» قَالَ قَتَادَةَ هَذَا إذَا لَمْ يُطْعَمَا فَإِذَا طَعِمَا غُسِلَا جَمِيعًا وَالْحِكْمَةُ فِيهِ: أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ يَخْرُجُ بِقُوَّةٍ، فَيَنْتَشِرُ، أَوْ أَنَّهُ يَكْثُرُ حَمْلُهُ عَلَى الْأَيْدِي، فَتَعْظُمُ الْمَشَقَّةُ بِغَسْلِهِ، أَوْ أَنَّ مِزَاجَهُ حَارٌّ، فَبَوْلُهُ رَقِيقٌ بِخِلَافِ الْجَارِيَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي فَرْقٌ مِنْ السُّنَّةِ بَيْنَهُمَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْغُلَامَ أَصْلُهُ مِنْ الْمَاءِ وَالتُّرَابِ وَالْجَارِيَةُ مِنْ اللَّحْمِ وَالدَّمِ وَقَدْ أَفَادَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ. (وَإِذَا تَنَجَّسَ أَسْفَلَ خُفٍّ أَوْ حِذَاءٍ) وَهُوَ النَّعْلُ (أَوْ نَحْوَهُمَا) كَالسُّرْمُوزَةِ (أَوْ) تَنَجَّسَ أَسْفَلُ (رِجْلٍ أَوْ ذَيْلِ امْرَأَةٍ بِمَشْيٍ أَوْ غَيْرِهِ وَجَبَ غَسْلُهُ) كَالثَّوْبِ وَالْبَدَنِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: يَسِيرُ النَّجَاسَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى أَسْفَلِ الْخُفِّ وَالْحِذَاءِ بَعْدَ الدَّلْكِ يُعْفَى عَنْهُ، عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ
فصل لا يعفى عن يسير نجاسة ولو لم يدركها البصر
اهـ. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إذَا وَطِئَ الْأَذَى بِخُفَّيْهِ فَطَهُورُهُمَا التُّرَابُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَهُوَ ثِقَةٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَسْلَمُ مِنْ نَجَاسَةٍ تُصِيبُهَا، فَلَوْلَا أَنَّ دَلْكَهَا يُجْزِئُ لَمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهَا وَلِأَنَّهُ مَحَلٌّ يَكْثُرُ إصَابَةُ النَّجَاسَةِ لَهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ بَعْدَ الدَّلْكِ كَالسَّبِيلَيْنِ. [فَصْلٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الْبَصَرُ] (فَصْلٌ وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهَا الطَّرْفُ) أَيْ: الْبَصَرُ (كَاَلَّذِي يَعْلَقُ بِأَرْجُلِ ذُبَابٍ وَنَحْوِهِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] . وَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أُمِرْنَا أَنْ «نَغْسِلَ الْأَنْجَاسَ سَبْعًا» وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ (إلَّا يَسِيرَ دَمٍ، وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدَّمِ (مِنْ قَيْحٍ وَغَيْرِهِ) كَصَدِيدٍ (وَمَاءِ قُرُوحٍ) فَيُعْفَى عَنْ ذَلِكَ (فِي غَيْرِ مَائِعٍ وَمَطْعُومٍ) أَيْ: يُعْفَى عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ غَالِبًا لَا يَسْلَمُ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، فَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ، كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ. وَأَمَّا الْمَائِعُ وَالْمَطْعُومُ فَلَا يُعْفَى فِيهِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (وَقَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ هُوَ (الَّذِي لَمْ يَنْقُضْ) الْوُضُوءَ أَيْ: مَا لَا يَفْحُشُ فِي النَّفْسِ، وَالْمَعْفُوُّ عَنْهُ مِنْ الْقَيْحِ وَنَحْوِهِ أَكْثَرُ مِمَّا يُعْفَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ الدَّمِ، وَإِنَّمَا يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ إذَا كَانَ (مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ مِنْ آدَمِيٍّ) سَوَاءٌ الْمُصَلِّي وَغَيْرُهُ (مِنْ غَيْرِ سَبِيلٍ) فَإِنْ كَانَ مِنْ سَبِيلٍ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَوْلِ أَوْ الْغَائِطِ (حَتَّى دَمِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ وَاسْتِحَاضَةٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إلَّا ثَوْبٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِذَا أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ قَالَتْ بِرِيقِهَا، فَقَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا
أَيْ: حَرَّكَتْهُ وَفَرَكَتْهُ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ. (أَوْ مِنْ غَيْرِ دَمٍ آدَمِيٍّ) سَوَاءٌ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ (مَأْكُولِ اللَّحْمِ) كَإِبِلٍ وَبَقَرٍ (أَوْ لَا، كَهِرٍّ) بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ، كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، فَلَا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ دَمِهِ، وَكَذَا دَمُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ (وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي ثَوْبٍ) مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ فَحُشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ وَإِلَّا عُفِيَ عَنْهُ وَ (لَا) يُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ بِ (أَكْثَرَ) مِنْ ثَوْبٍ بَلْ يُعْتَبَرُ مَا فِي كُلِّ ثَوْبٍ عَلَى حِدَتِهِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَتْبَعُ الْآخَرَ. وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ صَفِيقٍ قَدْ نَفَذَتْ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَهِيَ نَجَاسَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَتَّصِلْ، بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ لَمْ يُصِبْهُ الدَّمُ، فَهُمَا نَجَاسَتَانِ إذَا بَلَغَا لَوْ جُمِعَا قَدْرًا لَا يُعْفَى عَنْهُ لَمْ يُعْفَ عَنْهَا كَجَانِبَيْ الثَّوْبِ (وَدَمُ عِرْقٍ مَأْكُولٍ بَعْدَ مَا يَخْرُجُ بِالذَّبْحِ، وَمَا فِي خِلَالِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ وَلَوْ ظَهَرَتْ حُمْرَتُهُ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (كَدَمِ سَمَكٍ) لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَتَوَقَّفَتْ إبَاحَتُهُ عَلَى إرَاقَتِهِ بِالذَّبْحِ، كَحَيَوَانِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مَاءً. (وَيُؤْكَلَانِ) أَيْ: دَمُ عِرْقِ الْمَأْكُولِ وَدَمُ السَّمَكِ كَالْكَبِدِ (وَكَدَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ) فَهُوَ طَاهِرٌ (وَلَوْ كَثُرَ) فَإِنْ انْفَصَلَ عَنْهُ، فَنَجِسٌ، كَغَيْرِهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ بَقَاؤُهُ) أَيْ: بَقَاءُ دَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ، حَتَّى عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ فَيُعَايَا بِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَيَأْتِي فِي آخِرِ الْجَنَائِزِ: يَجِبُ بَقَاءُ دَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ (وَكَدَمِ بَقٍّ وَقُمَّلٍ وَبَرَاغِيثَ وَذُبَابٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ (وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ) مِنْ مَأْكُولٍ طَاهِرَانِ لِحَدِيثِ " أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ " (وَدُودُ الْقَزِّ) وَبَزْرُهُ طَاهِرٌ (وَالْمِسْكُ وَفَأْرَتُهُ) وَهِيَ سُرَّةُ الْغَزَالِ طَاهِرَةٌ (وَالْعَنْبَرُ) طَاهِرٌ، ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْعَنْبَرُ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ أَيْ: دَفَعَهُ وَرَمَى بِهِ. (وَمَا يَسِيلُ مِنْ فَمٍ وَقْتَ النَّوْمِ) طَاهِرٌ (وَالْبُخَارُ الْخَارِجُ مِنْ الْجَوْفِ) طَاهِرٌ لِأَنَّهُ لَا تَظْهَرُ لَهُ صِفَةٌ بِالْمَحَلِّ وَلَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَالْبَلْغَمُ) وَلَوْ أَزْرَقَ طَاهِرٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ الرَّأْسِ أَوْ الصَّدْرِ، أَوْ الْمَعِدَةِ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «فَإِذَا تَنَخَّعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا - وَوَصَفَهُ الْقَاسِمُ - فَتَفَلَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ» وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا أَمَرَ بِمَسْحِهَا فِي ثَوْبِهِ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا تَحْتَ قَدَمِهِ (وَبَوْلُ سَمَكٍ) وَنَحْوِهِ مِمَّا يُؤْكَلُ (طَاهِرٌ) . قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (لَا الْعَلَقَةُ الَّتِي يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ أَوْ) يُخْلَقُ مِنْهَا (حَيَوَانٌ طَاهِرٌ) فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، لِأَنَّهَا دَمٌ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ (وَلَا الْبَيْضَةُ الْمَذِرَةُ) أَيْ: الْفَاسِدَةُ (أَوْ) الْبَيْضَةُ (الَّتِي صَارَتْ دَمًا) فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، أَمَّا الَّتِي صَارَتْ دَمًا فَلِأَنَّهَا فِي حُكْمِ
الْعَلَقَةِ وَأَمَّا الْمَذِرَةُ فَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَقَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ الصَّحِيحُ طَهَارَتُهَا كَاللَّحْمِ إذَا أَنْتَنَ (وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ بَقِيَّةُ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلِ (يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ) بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْمُرَادُ فِي مَحَلِّهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْتَجْمِرِ يَعْرَقُ فِي سَرَاوِيلِهِ: لَا بَأْسَ بِهِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ (وَ) يُعْفَى (عَنْ يَسِيرِ طِينِ شَارِعٍ تَحَقَّقَتْ نَجَاسَتُهُ) لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ سَلَسِ بَوْلٍ، مَعَ كَمَالِ التَّحَفُّظِ) مِنْهُ لِلْمَشَقَّةِ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ دُخَانِ نَجَاسَةٍ وَغُبَارِهَا وَبُخَارِهَا مَا لَمْ تَظْهَرْ لَهُ صِفَةٌ) فِي الشَّيْءِ الطَّاهِرِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مَا لَمْ يَتَكَاثَفْ، لِعُسْرِ التَّحَرُّزِ عَنْ ذَلِكَ (وَ) يُعْفَى عَنْ (يَسِيرِ مَاءٍ نَجِسٍ) بِمَاءٍ عُفِيَ عَنْ يَسِيرِهِ كَمَا يَأْتِي؛ لِأَنَّ كُلَّ نَجَاسَةٍ نَجَّسَتْ الْمَاءَ، فَحُكْمُ هَذَا الْمَاءِ الْمُتَنَجِّسِ بِهَا حُكْمُهَا لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ نَاشِئَةٌ عَنْ نَجَاسَةِ الْوَاقِعِ فِيهِ. فَهِيَ فَرْعُهُ (وَ) يُعْفَى (عَمَّا فِي عَيْنٍ مِنْ نَجَاسَةٍ) أَيْ: نَجَاسَةٍ كَانَتْ لِلتَّضَرُّرِ بِغَسْلِهَا (تَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْوُضُوءِ. (وَعَنْ حَمْلِ نَجِسٍ كَثِيرٍ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ وَيَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (وَمَا تَنَجَّسَ بِمَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ) كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ (عُفِيَ عَنْ أَثَرِ كَثِيرِهِ عَلَى جِسْمٍ صَقِيلٍ بَعْدَ الْمَسْحِ) لِأَنَّ الْبَاقِي بَعْدَ الْمَسْحِ يَسِيرٌ وَإِنْ كَثُرَ مَحَلُّهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ كَيَسِيرِ غَيْرِهِ. (وَالْمَذْي وَالْقَيْءُ) نَجِسٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ غَسَلَ فَمَهُ مِنْ قَيْءٍ بَالَغَ فِي الْغَسْلِ كَمَا هُوَ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَهَلْ يُبَالِغُ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ دُخُولَ الْمَاءِ أَوْ مَا لَمْ يَظُنّ أَوْ مَا لَمْ يَحْتَمِلْ؟ يَتَوَجَّه احْتِمَالَاتٌ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الظَّاهِرُ الثَّانِي لِأَنَّ غَالِبَ الْأَحْكَامِ مَنُوطَةٌ بِالظُّنُونِ. (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ وَالْبَغْلُ مِنْهُ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحُ الطَّيْرِ) مِنْ كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ خِلْقَةً نَجِسَةٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ: «إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجَسْ وَلَوْ كَانَتْ طَاهِرَةً لَمْ يَحِدَّهُ بِالْقُلَّتَيْنِ» «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ إنَّهَا رِجْسٌ» . قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَرْكَبهُمَا وَيُرْكَبَانِ فِي زَمَنِهِ، وَفِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَبَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ وَأَمَّا الْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ وَالْبَغْلُ مِنْهُ فَطَاهِرٌ مَأْكُولٌ، وَيَأْتِي (وَرِيقُهَا وَعَرَقُهَا) أَيْ: الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَجَوَارِحِ الطَّيْرِ نَجِسَانِ؛ لِتَوَلُّدِهِمَا مِنْ النَّجِسِ (فَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي عَرَقِ السِّبَاعِ (الزَّبَادُ) بِوَزْنِ سَحَابٍ، فَهُوَ نَجِسٌ (لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانٍ بَرِّيٍّ غَيْرِ مَأْكُولٍ أَكْبَرَ مِنْ
الْهِرِّ) قَالَ ابْنُ الْبَيْطَارِ فِي مُفْرَدَاتِهِ. قَالَ الشَّرِيفُ الْإِدْرِيسِيُّ: الزَّبَادُ نَوْعٌ مِنْ الطِّيبِ يُجْمَعُ مِنْ بَيْنِ أَفْخَاذِ حَيَوَانٍ مَعْرُوفٍ يَكُونُ بِالصَّحْرَاءِ يُصَادُ وَيُطْعَمُ اللَّحْمَ، ثُمَّ يَعْرَقُ فَيَكُونُ مِنْ عَرَقٍ بَيْنَ فَخِذَيْهِ حِينَئِذٍ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ الْهِرِّ الْأَهْلِيّ اهـ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ طَهَارَتُهُ قَالَ: وَهَلْ الزَّبَادُ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيّ أَوْ عَرَقِ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ؟ فِيهِ خِلَافٌ (وَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا) أَيْ: الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ الْجَوَارِحِ: نَجِسَةٌ. (وَبَوْلُ الْخُفَّاشِ وَالْخُطَّافِ، وَالْخَمْرُ وَالنَّبِيذُ الْمُحَرَّمُ) أَيْ: الْمُسْكِرُ أَوْ الَّذِي غَلَا وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ، وَأَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيِهَا. (وَالْجَلَّالَةُ قَبْلَ حَبْسِهَا) ثَلَاثًا تُطْعَمُ فِيهَا الطَّاهِرُ نَجِسَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ أَكْلِهَا وَأَلْبَانِهَا (وَالْوَدْيُ) مَاءٌ أَبْيَضُ يَخْرُجُ عَقِبَ الْبَوْلِ (وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ) مِنْ آدَمِيٍّ وَمَا لَا يُؤْكَلُ (نَجِسَةٌ) مِنْ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْ غَيْرِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ فَالنَّجِسُ مِنَّا طَاهِرٌ مِنْهُمْ (وَلَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْمَذْيِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنْ النَّجَاسَةِ إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَعَنْهُ فِي الْمَذْيِ وَالْقَيْءِ وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَعَرَقِهَا وَبَوْل الْخُفَّاش وَالنَّبِيذِ أَنَّهُ كَالدَّمِ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَيُغْسَلُ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ مِنْ الْمَذْيِ) مَا أَصَابَهُ سَبْعًا كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ وَمَا لَمْ يُصِبْهُ مَرَّةً لِمَا رُوِيَ عَنْ «عَلِيٍّ قَالَ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ فَسَأَلَهُ قَالَ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ وَيَتَوَضَّأُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَطِينُ الشَّارِعِ وَتُرَابُهُ طَاهِرٌ) وَإِنْ ظُنَّتْ نَجَاسَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ (مَا لَمْ تُعْلَم نَجَاسَتُهُ) فَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ وَتَقَدَّمَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ هَبَّتْ رِيحٌ فَأَصَابَ شَيْئًا رَطْبًا غُبَارٌ نَجِسٌ مِنْ طَرِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَذَكَرَ الْأَزَجِيُّ النَّجَاسَةَ بِهِ وَأَطْلَقَ أَبُو الْمَعَالِي الْعَفْوَ عَنْهُ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَسِيرِ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ لَا سَبِيلَ إلَيْهِ وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ. (وَلَا يَنْجُسُ الْآدَمِيُّ وَلَا طَرَفُهُ، وَلَا أَجْزَاؤُهُ) كَلَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَعَصَبِهِ (وَلَا مَشِيمَتِهِ) بِوَزْنِ فَعِيلَةٍ - كِيسِ الْوَلَدِ (وَلَوْ كَافِرًا بِمَوْتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجَسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ
الْمُسْلِمُ لَا يَنْجَسُ حَيًّا وَلَا مَيِّتًا (فَلَا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ) آدَمِيٌّ أَوْ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ (فَغَيْرُهُ، كَرِيقِهِ) أَيْ: الْآدَمِيِّ (وَعَرَقِهِ وَبُزَاقِهِ وَمُخَاطِهِ، وَكَذَا مَا لَا نَفْسَ) أَيْ: دَمَ (لَهُ سَائِلَةٌ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الْآخَرِ دَاءً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ بِالْغَمْسِ، لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا. وَلَوْ نَجَّسَ الطَّعَامَ لَأَفْسَدَهُ فَيَكُونُ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطَّعَامِ وَهُوَ خِلَافُ مَا قَصَدَهُ الشَّارِعُ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِغَمْسِهِ إزَالَةَ ضَرَرِهِ وَلِأَنَّهُ لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ أَشْبَهَ دُودَ الْخَلِّ إذَا مَاتَ فِيهِ وَاَلَّذِي لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ (كَذُبَابٍ وَبَقٍّ وَخَنَافِسَ) جَمْعُ خُنْفَسَاءَ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ، وَيُقَالُ: خُنْفُسَةٌ ذَكَرَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَعَقَارِبَ وَصَرَاصِيرَ وَسَرَطَانٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ) أَيْ: مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ طَاهِرَانِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَبَوْلُهُ وَرَوْثُهُ طَاهِرٌ فِي قَوْلِهِمَا أَيْ: الشَّيْخَيْنِ قَالَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَجْهًا وَاحِدًا، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: نَجَاسَتُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا (وَلَا يُكْرَه مَا) أَيْ: طَعَامٌ أَوْ غَيْرُهُ (مَاتَ فِيهِ) مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ. وَمَحَلُّ طَهَارَةِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ (إنْ لَمْ يَكُنْ مُتَوَلِّدًا مِنْ نَجَاسَةٍ كَصَرَاصِيرِ الْحَشِّ) وَدُودِ الْجُرْحِ (فَإِنْ كَانَ مُتَوَلِّدًا مِنْهَا فَنَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا) لِأَنَّ الِاسْتِحَالَةَ غَيْرُ مُطَهِّرَةٍ (وَلِلْوَزَغِ نَفْسٌ سَائِلَةٌ نَصًّا، كَالْحَيَّةِ وَالضُّفْدَعِ وَالْفَأْرَةِ) فَتُنَجِّسُ بِالْمَوْتِ، بِخِلَافِ الْعَقْرَبِ (وَإِذَا مَاتَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ حَيَوَانٌ وَشَكَّ فِي نَجَاسَتِهِ) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَلَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ أَمْ لَا؟ (لَمْ يُنَجِّسْ) الْمَاءَ لِأَنَّ الْأَصْلَ طَهَارَتُهُ فَيَبْقَى عَلَيْهَا، حَتَّى يَتَحَقَّقَ انْتِقَالُهُ عَنْهَا وَكَذَا إنْ شَرِبَ مِنْهُ حَيَوَانٌ يَشُكُّ فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ وَطَهَارَتِهِ. (وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ) طَاهِرَانِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا " وَالنَّجِسُ لَا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلَوْ أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ لَأَمَرَهُمْ بِغَسْلِ أَثَرِهِ إذَا أَرَادُوا الصَّلَاةَ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ فِيهَا، وَطَافَ عَلَى بَعِيرِهِ (وَرِيقُهُ) أَيْ: مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ (وَبُزَاقُهُ وَمُخَاطُهُ وَدَمْعُهُ وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ) كَبَوْلِهِ وَأَوْلَى (كَمَنِيِّ الْآدَمِيّ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ الرَّسُولِ ثُمَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا وَفَارَقَ الْبَوْلَ وَالْمَذْيَ بِأَنَّهُ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ وَيُسْتَحَبُّ
غَسْلُهُ أَوْ فَرْكُهُ إنْ كَانَ مَنِيَّ رَجُلٍ لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْ لَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ (وَلَوْ خَرَجَ) الْمَنِيُّ (بَعْدَ اسْتِجْمَارٍ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ احْتِلَامٍ أَوْ جِمَاعٍ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ لَا يَجِبُ فِيهِ فَرْكٌ وَلَا غَسْلٌ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ مَنِيُّ الْمُسْتَجْمِرِ نَجِسٌ دُونَ غَيْرِهِ (وَكَذَا رُطُوبَةُ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) طَاهِرَةٌ لِلْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَنِيِّهَا، فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا لَزِمَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا. (وَلَبَنُ غَيْرُ مَأْكُولٍ) كَلَبَنِ الْهِرِّ وَالْحِمَارِ (وَبَيْضُهُ) أَيْ: بَيْضُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ، كَبَيْضِ الْبَازِ وَالْعُقَابِ وَالرَّخَمِ (وَمَنِيُّهُ مِنْ غَيْرِ آدَمِيٍّ: نَجِسٌ) كَبَوْلِهِ وَرَوْثِهِ (وَسُؤْرُ) بِضَمِّ السِّينِ وَبِالْهَمْزِ (الْهِرِّ) وَيُسَمَّى الضَّيْوَنَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ وَنُونٍ وَالسِّنَّوْرِ وَالْقِطِّ (وَهُوَ) أَيْ: سُؤْرُهُ (فَضْلَةُ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ) طَاهِرٌ. (وَ) سُؤْرُ (مِثْلِ خَلْقِهِ) أَيْ: مِثْلِ الْهِرِّ فِي الْخِلْقَةِ (وَ) سُؤْرُ (مَا دُونَهُ) أَيْ: الْهِرِّ فِي الْخِلْقَةِ (مِنْ طَيْرٍ وَغَيْرِهِ طَاهِرٌ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي الْهِرِّ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» شَبَّهَهَا بِالْخُدَّامِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} [النور: 58] وَلِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّرِ مِنْهَا، كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ قَالَ الْقَاضِي فَطَهَارَتُهَا مِنْ النَّصِّ. وَمِثْلُهَا وَمَا دُونَهَا مِنْ التَّعْلِيلِ (فَلَوْ أَكَلَ) هِرٌّ وَنَحْوُهُ (نَجَاسَةً ثُمَّ وَلَغَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ فَطَهُورٌ وَلَوْ لَمْ يَغِبْ) الْهِرُّ وَنَحْوُهُ بَعْدَ أَكْلِهِ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ عَفَى عَنْهَا مُطْلَقًا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ (وَكَذَا فَمُ طِفْلٍ وَبَهِيمَةٍ) إذَا أَكَلَا نَجَاسَةً ثُمَّ شَرِبَا مِنْ مَاءٍ يَسِيرٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَيَكُونُ الرِّيقُ مُطَهِّرًا لَهَا وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يُكْرَه سُؤْرُهُنَّ نَصًّا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِرِّ، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى بِنَقْرِ الْفَأْرِ وَغَيْرِهِ. (وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ وَغَيْرِهِ يُكْرَهُ سُؤْرُ الْفَأْرِ؛ لِأَنَّهُ يُوَرِّثُ النِّسْيَانَ وَيُكْرَهُ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ إذَا لَمْ تَكُنْ مَضْبُوطَةً نَصًّا) . لِأَنَّ الظَّاهِرَ نَجَاسَتُهُ (وَسُؤْرُ الْحَيَوَانِ النَّجِسِ) كَالْكَلْبِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِمَا (نَجِسٌ) أَمَّا الشَّرَابُ فَلِأَنَّهُ مَائِعٌ لَاقَى النَّجَاسَةَ وَأَمَّا الطَّعَامُ فَلِنَجَاسَةِ رِيقِهَا الْمُلَاقِي لَهُ
باب الحيض والاستحاضة والنفاس
[بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ] (بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَالنِّفَاسِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ. (الْحَيْضُ) لُغَةً السَّيَلَانُ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ وَحَاضَتْ الشَّجَرَةُ إذَا سَالَ مِنْهَا شِبْهُ الدَّمِ وَهُوَ الصَّمْغُ الْأَحْمَرُ يُقَالُ: حَاضَتْ الْمَرْأَةُ تَحِيضُ حَيْضًا وَمَحِيضًا، فَهِيَ حَائِضٌ وَحَائِضَةٌ: إذَا جَرَى دَمُهَا، وَتَحَيَّضَتْ، أَيْ: قَعَدَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَيُسَمَّى أَيْضًا الطَّمْثُ وَالْعِرَاكُ، وَالضَّحِكُ وَالْإِعْصَارُ، وَالْإِكْبَارُ وَالنِّفَاسُ وَالْفِرَاكُ وَالدِّرَاسُ وَشَرْعًا (دَمُ طَبِيعَةٍ) أَيْ: جِبِلَّةً وَخِلْقَةً وَسَجِيَّةً (يَخْرُجُ مَعَ الصِّحَّةِ) بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ (مِنْ غَيْرِ سَبَبِ وِلَادَةٍ) خَرَجَ النِّفَاسُ (مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ) أَيْ: بَيْتِ مَنْبَتِ الْوَلَدِ وَوِعَائِهِ (يَعْتَادُ أُنْثَى، إذَا بَلَغَتْ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ) وَلَيْسَ بِدَمِ فَسَادٍ، بَلْ خَلَقَهُ اللَّه لِحِكْمَةِ غِذَاءِ الْوَلَدِ وَتَرْبِيَتِهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ مَائِهِمَا فَإِذَا حَمَلَتْ انْصَرَفَ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ إلَى غِذَائِهِ وَلِذَلِكَ لَا تَحِيضُ الْحَامِلُ فَإِذَا وَضَعَتْ قَلَبَهُ اللَّهُ لَبَنًا يَتَغَذَّى بِهِ وَلِذَلِكَ قَلَّمَا تَحِيضُ الْمُرْضِعُ فَإِذَا خَلَتْ مِنْهُمَا بَقِيَ الدَّمُ لَا مَصْرِفَ لَهُ فَيَسْتَقِرّ فِي مَكَان، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ فِي كُلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً وَقَدْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ وَيَقِلُّ وَيَطُولُ شَهْرُهَا وَيَقْصُرُ بِحَسَبِ مَا رَكَّبَهُ اللَّهُ فِي الطِّبَاعِ وَلِهَذَا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِرِّ الْأُمِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبِبِرِّ الْأَبِ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَالْأَصْلُ فِي الْحَيْضِ قَوْله تَعَالَى {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] الْآيَةَ، وَالسُّنَّةُ قَالَ أَحْمَدُ الْحَيْضُ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ: حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَحَمْنَةَ وَفِي رِوَايَةٍ أُمِّ سَلَمَةَ مَكَانَ أُمِّ حَبِيبَةَ. (وَالِاسْتِحَاضَةُ سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِهِ) الْمُعْتَادَةِ مِنْ (مَرَضٍ وَفَسَادٍ مِنْ عِرْقٍ فَمُهُ فِي أَدْنَى الرَّحِمِ يُسَمَّى) ذَلِكَ الْعِرْقُ (الْعَاذِلُ) بِالْمُهْمَلَةِ، وَالْمُعْجَمَةِ، وَالْعَاذِرُ فِيهِ حَكَاهُمَا ابْنُ سِيدَهْ، يُقَالُ: اُسْتُحِيضَتْ الْمَرْأَةُ اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا، فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ. (وَالنِّفَاسُ الدَّمُ الْخَارِجُ بِسَبَبِ الْوِلَادَةِ) يُقَالُ: نَفِسَتْ الْمَرْأَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِهَا مَعَ كَسْرِ الْفَاءِ فِيهِمَا إذَا وَلَدَتْ، وَيُقَالُ فِي الْحَيْضِ:
نَفِسَتْ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ قَالَ فِي مُخْتَصَرِ الصِّحَاحِ: النِّفَاسُ وِلَادَةُ الْمَرْأَةِ إذَا وَضَعَتْ، فَهِيَ نُفَسَاءُ وَنِسْوَةٌ نِفَاسٌ وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ فُعَلَاءُ يُجْمَعُ عَلَى فِعَالٍ غَيْرَ نَفْسَاءَ، وَعَسْرَاءَ، اهـ. (وَيَمْنَعُ الْحَيْضُ خَمْسَةَ عَشَرَ شَيْئًا) بِالِاسْتِقْرَاءِ أَحَدُهَا: (الطَّهَارَةُ) أَيْ: لِلْحَيْضِ؛ لِأَنَّ انْقِطَاعَهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الطَّهَارَةِ (لَهُ) وَتَقَدَّمَ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ لِجَنَابَةٍ، أَوْ إحْرَامٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ. (وَ) الثَّانِي (الْوُضُوءُ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهِ انْقِطَاعَ مَا يُوجِبُهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا تَقْرَأْ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ. (وَ) الرَّابِعُ (مَسُّ الْمُصْحَفِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الْخَامِسُ (الطَّوَافُ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَائِشَةَ إذَا حِضْتِ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) السَّادِسُ (فِعْلُ الصَّلَاةِ وَ) السَّابِعُ (وُجُوبُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فَلَا تَقْضِيهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إسْقَاطِ فَرْضِ الصَّلَاةِ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا، وَعَلَى أَنَّ قَضَاءَ مَا فَاتَ عَنْهَا فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ إذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ» وَلِمَا رَوَتْ مُعَاذَةُ قَالَتْ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ فَقُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ وَلَكِنِّي أَسْأَلُ فَقَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا،. وَمَعْنَى قَوْلِهَا أَحَرُورِيَّةٌ الْإِنْكَارُ عَلَيْهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ وَهِيَ مَكَانٌ تُنْسَبُ إلَيْهِ الْخَوَارِجُ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ لِفَرْطِ تَعَمُّقِهِمْ فِي الدِّينِ حَتَّى مَرَقُوا مِنْهُ، وَلِأَنَّهُ يَشُقُّ لِتَكَرُّرِهِ وَطُولِ مُدَّتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّتْ الْقَضَاءَ فَظَاهِرُ نَقَلِ الْأَثْرَمِ التَّحْرِيمُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ يُكْرَهُ لَكِنَّهُ بِدْعَةٌ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ عِكْرِمَةَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ، إلَّا رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لِأَنَّهَا نُسُكٌ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِ فَيُعَايَى بِهَا اهـ يَعْنِي إذَا طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ فَإِنَّهَا تُصَلِّيهِمَا إذَا طَهُرَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا آخِرَ لِوَقْتِهِمَا فَتَسْمِيَتهَا قَضَاءٍ تَجَوُّزٌ. (وَ) الثَّامِنُ: (فِعْلُ الصِّيَامِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَلَيْسَ إحْدَاكُنَّ إذَا حَاضَتْ لَمْ تَصُمْ وَلَمْ تُصَلِّ؟ قُلْتُ بَلَى قَالَ فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَمْنَعُ الْحَيْضُ (وُجُوبَهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (فَتَقْضِيهِ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ فِي ذِمَّتِهَا كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، لَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِالتَّمَكُّنِ، فَإِنْ
لَمْ تَتَمَكَّنْ لَمْ تَكُنْ عَاصِيَةً وَتَقْضِيهِ هِيَ وَكُلُّ مَعْذُورٍ بِالْأَمْرِ السَّابِقِ، لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ. وَالتَّاسِعُ (الِاعْتِكَافُ وَ) الْعَاشِرُ (اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ) وَلَوْ بِوُضُوءٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ: (الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] " وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ بِشَرْطِهِ) وَهُوَ أَنْ لَا تَنْدَفِعَ شَهْوَتُهُ بِدُونِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَيَخَافُ تَشَقُّقَ أُنْثَيَيْهِ إنْ لَمْ يَطَأ، وَلَا يَجِدُ غَيْرَ الْحَائِضِ بِأَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى مَهْرِ حُرَّةٍ وَلَا ثَمَنِ أَمَةٍ. (وَ) الثَّانِي عَشَرَ: (سُنَّةُ الطَّلَاقِ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ أَوْ حَامِلًا وَلِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا فِيهِ كَانَ مُحَرَّمًا، وَهُوَ طَلَاقُ بِدْعَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ، وَسَيَأْتِي (مَا لَمْ تَسْأَلْهُ طَلَاقًا بِعِوَضٍ أَوْ خُلْعٍ لِأَنَّهَا) إذْن قَدْ أَدْخَلَتْ الضَّرَرَ عَلَى نَفْسِهَا (فَإِنْ سَأَلَتْهُ) طَلَاقًا (بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يُبَحْ) قُلْت: وَلَعَلَّ اعْتِبَارَ الْعِوَضِ لِأَنَّهَا تُظْهِرُ خِلَافَ مَا تُبْطِنُ فَبَذْلُ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَتِهَا الْحَقِيقِيَّةِ. (وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ: (الِاعْتِدَادُ بِالْأَشْهُرِ) يَعْنِي أَنَّ مَنْ تَحِيضُ لَا تَعْتَدّ بِالْأَشْهُرِ، بَلْ بِالْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228] فَأَوْجَبَ الْعِدَّةَ بِالْقُرُوءِ، وَشَرَطَ فِي الْآيِسَةِ عَدَمَ الْحَيْضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاللائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} [الطلاق: 4] الْآيَةَ (إلَّا الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا) فَتَعْتَدُّ بِالْأَشْهُرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} [البقرة: 234] الْآيَةَ. وَالرَّابِعَ عَشَرَ: (ابْتِدَاءُ الْعِدَّةِ إذَا طَلَّقَهَا فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَبَعْضُ الْقُرْءِ لَيْسَ بِقُرْءٍ. (وَ) الْخَامِسَ عَشَرَ: (مُرُورُهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ خَافَتْ تَلْوِيثَهُ) لِأَنَّ تَلْوِيثَهُ بِالنَّجَاسَةِ مُحَرَّمٌ وَالْوَسَائِلُ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (وَلَا يَمْنَعُ) الْحَيْضُ (الْغُسْلَ لِلْجَنَابَةِ وَالْإِحْرَامِ) وَدُخُولِ مَكَّةَ وَنَحْوِهِ وَتَقَدَّمَ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) الْغُسْلُ لِذَلِكَ (وَلَا) يُمْنَعُ (مُرُورُهَا فِي الْمَسْجِدِ إنْ أَمِنَتْ تَلْوِيثَهُ) قَالَ فِي رِوَايَةِ
ابْنِ إبْرَاهِيمَ: تَمُرُّ وَلَا تَقْعُدُ. (وَيُوجِبُ) الْحَيْضُ (خَمْسَةَ أَشْيَاءَ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (الِاعْتِدَادَ بِهِ) لِغَيْرِ وَفَاةٍ لِمَا سَبَقَ (وَالْغُسْلَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَالْبُلُوغَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَأَوْجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتَتِرَ لِأَجْلِ الْحَيْضِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّكْلِيفَ حَصَلَ بِهِ (وَالْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي الِاعْتِدَادِ) بِهِ، إذْ الْعِلَّةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْعِدَّةِ فِي الْأَصْلِ: الْعِلْمُ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ. (وَ) الْحُكْمَ بِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ فِي (اسْتِبْرَاءِ الْإِمَاءِ) إذْ فَائِدَتُهُ ذَلِكَ. (وَ) الْخَامِسَ (الْكَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحَيْضِ قُلْتُ قَدْ يُقَالُ الْمُوجِبُ الْوَطْءُ، وَالْحَيْضُ شَرْطٌ كَمَا قَالُوا فِي الزِّنَا: أَنَّهُ مُوجِبٌ وَالْإِحْصَانُ فِي ذَلِكَ شَرْطٌ وَالْخَطْبُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ (وَنِفَاس مِثْله) أَيْ: الْحَيْضِ فِيمَا يَمْنَعُهُ وَيُوجِبُهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ اُحْتُبِسَ لِأَجْلِ الْوَلَدِ (حَتَّى فِي) وُجُوبِ (الْكَفَّارَةِ بِالْوَطْءِ فِيهِ) أَيْ: فِي النِّفَاسِ (نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: الِاعْتِدَادِ بِهِ) لِأَنَّ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِالْقُرُوءِ، وَالنِّفَاسُ لَيْسَ بِقُرْءٍ؛ وَلِأَنَّ الْعِدَّةَ تَنْقَضِي بِوَضْعِ الْحَمْلِ (وَكَوْنِهِ) أَيْ: النِّفَاسِ (لَا يُوجِبُ الْبُلُوغَ لِحُصُولِهِ قَبْلَهُ بِالْحَمْلِ) لِأَنَّ الْوَلَدَ يَنْعَقِدُ مِنْ مَائِهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6] {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: 7] (وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ) أَيْ: بِالنِّفَاسِ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَوْلَى (فِي مُدَّةِ الْإِيلَاءِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ بِخِلَافِ الْحَيْضِ. (وَإِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ) أَيْ: الْحَيْضُ أَوْ النِّفَاسُ (أُبِيحَ فِعْلُ الصِّيَامِ) لِأَنَّ وُجُوبَ الْغُسْلِ لَا يَمْنَعُ فِعْلَهُ كَالْجُنُبِ (وَ) أُبِيحَ (الطَّلَاقُ) لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ بِالْحَيْضِ، وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ (وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِلَ) . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ كَالْإِجْمَاعِ، وَحَكَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ إجْمَاعَ التَّابِعِينَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى شَرَطَ لِحِلِّ الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالْغُسْلَ، فَقَالَ {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} [البقرة: 222] أَيْ: يَنْقَطِعَ دَمُهُنَّ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ أَيْ: اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ فَأْتُوهُنَّ كَذَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا يُقَالُ: يَنْبَغِي عَلَى قِرَاءَةِ الْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ يَطْهُرْنَ الْأُولَى أَنَّهُ يَنْتَهِي النَّهْيُ عَنْ الْقُرْبَانِ بِانْقِطَاعِ الدَّمِ، إذْ الْغَايَةُ تَدْخُلُ فِي الْمُغَيَّا لِكَوْنِهَا بِحَرْفِ حَتَّى لِأَنَّهُ قَبْلَ: الِانْقِطَاعِ النَّهْي
وَالْقُرْبَان مُطْلَقٌ فَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ، وَبَعْدَهُ يَزُولُ التَّحْرِيمُ الْمُطْلَقُ، وَتَصِيرُ إبَاحَةُ وَطْئِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْغُسْلِ وَظَهَرَ أَنَّ قِرَاءَةَ الْأَكْثَرِ أَكْثَرُ فَائِدَةً. تَنْبِيه تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ بِوُضُوءٍ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، فَالْحَصْرُ إضَافِيٌّ (فَلَوْ أَرَادَ وَطْأَهَا وَادَّعَتْ أَنَّهَا حَائِضٌ وَأَمْكَنَ) بِأَنْ كَانَتْ فِي سِنٍّ يَتَأَتَّى فِيهِ الْحَيْضُ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ (قُبِلَ) قَوْلُهَا وُجُوبًا (نَصًّا) لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا عَلَى قَبُولِ قَوْلِ الْمَرْأَةِ تُزَفُّ الْعَرُوسُ إلَى زَوْجِهَا فَتَقُولُ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ وَعَلَى اسْتِبَاحَةِ وَطْئِهَا بِذَلِكَ، وَعَلَى تَصْدِيقِهَا فِي قَوْلِهَا: أَنَا حَائِضٌ، وَفِي قَوْلِهَا: قَدْ طَهُرْتُ. (وَيُبَاح أَنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (بِغَيْرِ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ) كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ، زَادَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَاعْتَزِلُوا نِكَاحَ فُرُوجِهِنَّ رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَلِأَنَّ الْمَحِيضَ اسْمٌ لِمَكَانِ الْحَيْضِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَالْمَقِيلِ وَالْمَبِيتِ، فَيَخْتَصُّ بِالتَّحْرِيمِ بِمَكَانِ الْحَيْضِ، وَهُوَ الْفَرْجُ وَلِهَذَا لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا النِّكَاحَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظِهَا إلَّا الْجِمَاعَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ مُنِعَ لِلْأَذَى فَاخْتَصَّ بِمَحَلِّهِ، كَالدُّبُرِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَحِلُّ مِنْ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ لَكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ عَمِّهِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِالْمَفْهُومِ، وَالْمَنْطُوقُ رَاجِحٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ الْبُخَارِيِّ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَأْتَزِرَ، فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ» لَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحِ تَقَذُّرًا كَتَرْكِهِ أَكْلَ الضَّبِّ. (وَيُسْتَحَبُّ سَتْرُهُ) أَيْ: الْفَرْجِ (إذَنْ) أَيْ: عِنْدَ الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ الْحَائِضِ بِغَيْرِ الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ «إذَا أَرَادَ مِنْ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَجِبُ (وَوَطْؤُهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (فِي الْفَرْجِ لَيْسَ بِكَبِيرَةٍ) لِعَدَمِ انْطِبَاقِ تَعْرِيفِهَا عَلَيْهِ وَيَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ الْكَبَائِرِ (فَإِنْ وَطِئَهَا) أَيْ: الْحَائِضَ (مَنْ يُجَامِعُ مِثْلُهُ) وَهُوَ ابْنُ عَشْرٍ فَأَكْثَرَ
(وَلَوْ غَيْرَ بَالِغٍ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (فِي الْحَيْضِ، وَالدَّمِ يَجْرِي) أَيْ: يَسِيلُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَطْءُ (فِي أَوَّلِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (أَوْ) فِي (آخِرِهِ) لِأَنَّهُ مَعْنًى تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ، فَاسْتَوَى الْحَالُ فِيهِ بَيْنَ إقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ وَصِفَاتِهِ. (وَلَوْ) كَانَ الْوَطْءُ (بِحَائِلٍ) لَفَّهُ عَلَى ذَكَرِهِ، أَوْ كِيسٍ أَدْخَلَهُ فِيهِ (أَوْ وَطِئَهَا وَهِيَ طَاهِرَةٌ فَحَاضَتْ فِي أَثْنَاءِ وَطْئِهِ، وَلَوْ لَمْ يَسْتَدِمْ) الْوَطْءُ بَلْ نَزَعَ فِي الْحَالِ (لِأَنَّ النَّزْعَ جِمَاعٌ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ زِنَتُهُ مِثْقَالٌ خَالِيًا مِنْ الْغِشِّ وَلَوْ غَيْرَ مَضْرُوبٍ) خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ (أَوْ نِصْفُهُ عَلَى التَّخْيِيرِ كَفَّارَةٌ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ عَنْ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَقَالَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ لَا يُقَالُ: كَيْفَ يُخَيِّرُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَنِصْفِهِ؟ لِأَنَّهُ كَتَخْيِيرِ الْمُسَافِرِ بَيْنَ الْإِتْمَامِ وَالْقَصْرِ وَأَخَذَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ. أَنَّ مَنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي حَيْضَةٍ أَوْ حَيْضَتَيْنِ: أَنَّهُ فِي تَكْرَارِ الْكَفَّارَةِ كَالصَّوْمِ (مَصْرِفُهَا) أَيْ: هَذِهِ الْكَفَّارَةِ (مَصْرِفُ بَقِيَّةِ الْكَفَّارَاتِ) أَيْ: إلَى مَنْ لَهُ أَخْذُ زَكَاةٍ لِحَاجَتِهِ (وَتَجُوزُ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ) أَيْ: كَمَا لَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ، وَلَمْ يَتَقَيَّدْ بِمَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِ (وَتَسْقُطُ) كَفَّارَةُ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ (بِعَجْزٍ) . قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: كَفَّارَةُ وَطْءِ الْحَائِضِ تَسْقُطُ بِالْعَجْزِ عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي رَمَضَانَ (وَكَذَا هِيَ) أَيْ: الْحَائِضُ (إنْ طَاوَعَتْهُ) عَلَى وَطْئِهَا فِي الْحَيْضِ فَتَجِبُ عَلَيْهَا الْكَفَّارَةُ، كَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ، فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا لِعَدَمِ تَكْلِيفِهَا وَالْكَفَّارَةُ وَاجِبَةٌ بِوَطْءِ الْحَائِضِ (حَتَّى) وَلَوْ كَانَ الْوَطْءُ (مِنْ نَاسٍ وَمُكْرَهٍ، وَجَاهِلِ الْحَيْضِ أَوْ التَّحْرِيمِ) أَيْ: جَاهِلِ الْحَيْضِ أَوْ التَّحْرِيمِ (أَوْ هُمَا) أَيْ: جَاهِلِ الْحَيْضِ وَالتَّحْرِيمِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى الْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِوَطْئِهَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ وَقَبْلَ الْغُسْلِ) لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ وَهِيَ حَائِضٌ وَهَذِهِ لَيْسَتْ بِحَائِضٍ. (وَلَا) تَجِبُ الْكَفَّارَةُ أَيْضًا (بِوَطْئِهَا) أَيْ: الْحَائِضِ (فِي الدُّبُرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ) عَنْ الدِّينَارِ أَوْ نِصْفِهِ، كَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ (إلَّا) إذَا أَخْرَجَ الْقِيمَةَ (مِنْ الْفِضَّةِ) كَإِجْزَاءِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ فِي الزَّكَاةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ. (وَبَدَنُ الْحَائِضِ وَعَرَقُهَا وَسُؤْرُهَا طَاهِرٌ وَ) لِذَا (لَا يُكْرَهُ طَبْخُهَا وَعَجْنُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ وَلَا وَضْعُ يَدَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَائِعَاتِ) ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ إجْمَاعًا سَأَلَهُ حَرْبٌ
تُدْخِلُ يَدَهَا فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ وَخَلٍّ وَتَعْجِنُ وَغَيْرُ ذَلِكَ قَالَ: نَعَمْ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَا يَفْسُدُ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِمُلَاقَاتِهِ بَدَنَهَا، وَإِلَّا تَوَجَّهَ الْمَنْعُ فِيهَا وَفِي الْمَرْأَةِ الْجُنُبِ. (وَأَقَلُّ سِنٌّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ: تَمَامُ تِسْعِ سِنِينَ) هِلَالِيَّةٍ، فَمَتَى رَأَتْ دَمًا قَبْلَ بُلُوغِ ذَلِكَ السِّنِّ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْوُجُودِ وَالْعَادَةِ لِأُنْثَى حَيْضٌ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبِلَادِ الْحَارَّةِ، كَتِهَامَةَ، وَالْبَارِدَةِ كَالصِّينِ وَإِنْ رَأَتْ مِنْ الدَّمِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَقَدْ بَلَغَتْ هَذَا السِّنَّ حُكِمَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا وَثَبَتَتْ فِي حَقِّهَا أَحْكَامُ الْحَيْضِ كُلُّهَا. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَالَتْ عَائِشَةُ «إذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فَهِيَ امْرَأَةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ أَيْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْمَرْأَةِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْتُ جَدَّةً لَهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ سَنَةً وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ نِسَاءَ تِهَامَةَ يَحِضْنَ لِتِسْعِ سِنِينَ. (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: أَكْثَرُ سِنٍّ تَحِيضُ فِيهِ الْمَرْأَةُ (خَمْسُونَ سَنَةً) لِقَوْلِ عَائِشَةَ إذَا بَلَغَتْ الْمَرْأَةُ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِنْ حَدِّ الْحَيْضِ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَقَالَتْ أَيْضًا لَنْ تَرَى فِي بَطْنِهَا وَلَدًا بَعْدَ الْخَمْسِينَ رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّالَنْجِيُّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ نِسَاءِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِنَّ، لِاسْتِوَائِهِنَّ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ (وَالْحَامِلُ لَا تَحِيضُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ الْقَاضِي. فَجُعِلَ عَلَمًا عَلَى بَرَاءَةِ الرَّحِمِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا، أَوْ حَامِلًا» فَجُعِلَ الْحَمْلُ عَلَمًا عَلَى عَدَمِ الْحَيْضِ كَالطُّهْرِ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (فَلَا تَتْرُكُ) الْحَامِلُ (الصَّلَاةَ لِمَا تَرَاهُ) مِنْ الدَّمِ، لِأَنَّهُ دَمُ فَسَادٍ، لَا حَيْضٍ وَكَذَا الصَّوْمُ وَالِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ وَنَحْوُهَا وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعِبَادَةِ كَغَيْرِهِ، لَكَانَ أَعَمَّ (وَلَا يُمْنَعُ) زَوْجُهَا أَوْ سَيِّدُهَا (وَطْأَهَا) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَائِضًا (إنْ خَافَ الْعَنَتَ) مِنْهُ أَوْ مِنْهَا وَإِلَّا مُنِعَ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ وَلَا غَيْرِهِمْ مِمَّنْ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ الْوِلَادَةِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ. وَيَأْتِي (وَتَغْتَسِلُ) الْحَامِلُ إذَا رَأَتْ دَمًا زَمَنَ حَمْلِهَا (عِنْدَ انْقِطَاعِهِ اسْتِحْبَابًا، نَصًّا) احْتِيَاطًا وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ
صَاحِبُ الْفُرُوعِ: أَنَّ الْإِمَامَ نَصَّ عَلَى أَنَّهَا تَغْتَسِلُ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَدِّمَ نَصًّا عَلَى قَوْلِهِ اسْتِحْبَابًا. (وَأَقَلُّ الْحَيْضِ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ عَلَى الْحَيْضِ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فَعُلِمَ أَنَّهُ رَدَّهُ إلَى الْعُرْفِ، كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ وَقَدْ وُجِدَ حَيْضٌ مُعْتَادٌ يَوْمًا، وَلَمْ يُوجَدْ أَقَلُّ مِنْهُ قَالَ عَطَاءٌ رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ،. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَأَيْتُ امْرَأَةً قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا لَا تَزِيدُهُ وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ كَانَ فِي نِسَائِنَا مَنْ تَحِيضُ يَوْمًا أَيْ: بِلَيْلَتِهِ، لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ مِنْ إطْلَاقِ الْيَوْمِ وَالْمُرَادُ: مِقْدَارُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَيْ: أَرْبَعٍ وَعِشْرُونَ سَاعَةً (فَلَوْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِأَقَلَّ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْيَوْمِ بِلَيْلَتِهِ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) (بَلْ) هُوَ (دَمُ فَسَادٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ: الْحَيْضِ (خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهِنَّ لِقَوْلِ عَلِيٍّ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسَةَ عَشَرَ اسْتِحَاضَةٌ وَأَقَلُّ الْحَيْضِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٍ وَقَالَ عَطَاءٌ رَأَيْتُ مَنْ تَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعَا «النِّسَاءُ نَاقِصَاتُ عَقْلٍ وَدِينٍ قِيلَ وَمَا نُقْصَانُ دِينِهِنَّ؟ قَالَ: تَمْكُثُ إحْدَاهُنَّ شَطْرَ عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَمْ أَجِدْهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ: لَا يَثْبُتُ هَذَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنَجَّا أَنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: الْحَيْضِ (سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ لَمَّا سَأَلَتْهُ تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَإِنَّ ذَلِكَ يُجْزِيكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي فِي كُلِّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ لِمِيقَاتِ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَاهُ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ. (وَأَقَلُّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْهُ - قَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا - فَزَعَمَتْ أَنَّهَا حَاضَتْ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَ حِيَضٍ فَقَالَ عَلِيٌّ لِشُرَيْحٍ قُلْ فِيهَا فَقَالَ شُرَيْحٌ إنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ بِطَانَةِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرْجَى دِينُهُ وَأَمَانَتُهُ فَشَهِدَتْ بِذَلِكَ، وَإِلَّا فَهِيَ كَاذِبَةٌ فَقَالَ عَلِيٌّ قالون أَيْ: جَيِّدٌ بِالرُّومِيَّةِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلَّا تَوْقِيفًا وَهُوَ قَوْلُ صَحَابِيٍّ اُشْتُهِرَ، وَلَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ، وَوُجُودُ ثَلَاثِ حِيَضٍ فِي شَهْرٍ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرٌ صَحِيحٌ يَقِينًا، قَالَ أَحْمَدُ لَا نَخْتَلِفُ أَنَّ الْعِدَّةَ يَصِحُّ أَنْ تَنْقَضِيَ فِي شَهْرٍ إذَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (بَقِيَّةُ الشَّهْرِ الْهِلَالِيِّ) فَإِذَا كَانَ الْحَيْضُ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، فَالْغَالِبُ
فصل والمبتدأ بها الدم
أَنْ يَكُونَ الطُّهْرُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ، أَوْ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَغَالِبُ الطُّهْرِ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَقِيلَ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ: أَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ قَدْ لَا تَحِيضُ أَصْلًا وَقَدْ تَحِيضُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَحَكَى أَبُو الطَّيِّبِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ امْرَأَةً فِي زَمَنِهِ كَانَتْ تَحِيضُ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَأَقَلُّ الطُّهْرِ زَمَنَ الْحَيْضِ خُلُوصُ النَّقَاءِ، بِأَنْ لَا تَتَغَيَّرَ مَعَهُ قُطْنَةٌ احْتَشَتْ بِهَا، وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا زَمَنَهُ. [فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ] (فَصْلٌ وَالْمُبْتَدَأُ بِهَا الدَّمُ) أَيْ: الَّتِي رَأَتْ دَمًا وَلَمْ تَكُنْ حَاضَتْ (فِي سِنٍّ تَحِيضُ لِمِثْلِهِ) كَبِنْتِ تِسْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ (وَلَوْ) كَانَ مَا رَأَتْهُ (صُفْرَةً أَوْ كُدْرَةً تَجْلِسُ بِمُجَرَّدِ مَا تَرَاهُ) لِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جُبْلَةٌ وَعَادَةٌ، وَدَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لِعَارِضٍ مِنْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَتَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ) وَنَحْوَهُمَا كَالطَّوَافِ وَالِاعْتِكَافِ وَالْقِرَاءَةِ، وَهَذَا تَفْسِيرٌ لِجُلُوسِهَا. (أَقَلُّهُ) أَيْ: أَقَلُّ الْحَيْضِ، هُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ وَمَا زَادَ عَلَى أَقَلِّ الْحَيْضِ مَشْكُوكٌ فِيهِ فَلَا نُسْقِطُهَا بِالشَّكِّ، وَلَوْ نُجْلِسُهَا الْأَقَلَّ لَأَدَّى إلَى عَدَمِ جُلُوسِهَا أَصْلًا. (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لِدُونِهِ) أَيْ: لِدُونِ الْأَقَلِّ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لِعَدَمِ صَلَاحِيَّتِهِ لَهُ، بَلْ دَمُ فَسَادٍ (وَقَضَتْ وَاجِبَ صَلَاةٍ وَنَحْوِهَا) لِثُبُوتِهَا فِي ذِمَّتِهَا. (وَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (لَهُ) أَيْ: لِأَقَلِّ الْحَيْضِ، بِأَنْ انْقَطَعَ عِنْدَ مُضِيِّ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ (كَانَ حَيْضًا) لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، كَمَا سَبَقَ (وَاغْتَسَلَتْ لَهُ) لِأَنَّهُ آخِرُ حَيْضِهَا. (وَإِنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: جَاوَزَ الدَّمُ أَقَلَّ الْحَيْضِ، بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ بِلَيْلَتِهِ (وَلَمْ يَعْبُرْ) أَيْ يُجَاوِزْ (الْأَكْثَرَ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَهُوَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بِأَنْ انْقَطَعَ لِخَمْسَةَ عَشَرَ فَمَا دُونَهَا (لَمْ تَجْلِسْ الْمُجَاوِزَ) لِأَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ (بَلْ تَغْتَسِلُ عَقِبَ أَقَلِّهِ) أَيْ: الْحَيْضِ، لِأَنَّهُ آخِرُ حَيْضِهَا حُكْمًا، أَشْبَهَ آخِرَهُ حِسًّا (وَتَصُومُ وَتُصَلِّي فِيمَا جَاوَزَهُ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُمَا هُوَ الْحَيْضُ وَقَدْ حُكِمَ بِانْقِطَاعِهِ (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الدَّمِ، أَيْ: زَمَنِهِ الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ نَصًّا) لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَإِنَّمَا أَمَرْنَاهَا بِالْعِبَادَةِ احْتِيَاطًا لِبَرَاءَةِ ذِمَّتِهَا فَتَعَيَّنَ تَرْكُ وَطْئِهَا احْتِيَاطًا. (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (يَوْمًا فَأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ أَكْثَرِهِ اغْتَسَلَتْ)
عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ آخِرَ حَيْضِهَا، فَلَا تَكُونُ طَاهِرًا بِيَقِينٍ إلَّا بِالْغُسْلِ، (وَحُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ) فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَمَّا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ سَاعَةً فَلْتَغْتَسِلْ. (وَيُبَاحُ وَطْؤُهَا) إذَا اغْتَسَلَتْ بَعْدَ انْقِطَاعِ دَمِهَا لِأَنَّهَا طَاهِرَةٌ (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ، لِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ (وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ) أَيْ: الدَّمِ (غُسْلًا ثَانِيًا) لِمَا تَقَدَّمَ (تَفْعَلُ ذَلِكَ) الْفِعْلَ، وَهُوَ جُلُوسُهَا يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَغُسْلُهَا عِنْدَ آخِرِهَا، وَغُسْلُهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ (ثَلَاثًا) أَيْ: فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِ الثَّلَاثِ عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ» وَهِيَ صِيغَةُ جَمْعٍ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثٌ، وَلِأَنَّ مَا اُعْتُبِرَ لَهُ التَّكْرَارُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الثَّلَاثُ، كَالْأَقْرَاءِ، وَالشُّهُورِ فِي عِدَّةِ الْحُرَّةِ وَخِيَارِ الْمُصَرَّاةِ، وَمُهْلَةِ الْمُرْتَدِّ (فَإِنْ كَانَ) الدَّمُ (فِي الثَّلَاثِ مُتَسَاوِيًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً) وَلَمْ تَخْتَلِفْ (تَيَقَّنَ أَنَّهُ حَيْضٌ وَصَارَ عَادَةً) كَمَا ذَكَرْنَاهُ. (فَلَا تَثْبُتُ الْعَادَةُ بِدُونِ الثَّلَاثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهَا) أَيْ: الثَّلَاثِ مِنْ الشُّهُورِ (التَّوَالِي) . فَلَوْ رَأَتْ الدَّمَ فِي شَهْرٍ وَلَمْ تَرَهُ فِي الَّذِي يَلِيهِ ثُمَّ رَأَتْهُ وَتَكَرَّرَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ، صَارَ عَادَةً لِأَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَحَيْثُ تَكَرَّرَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ (فَ) إنَّهَا (تَجْلِسُهُ فِي الشَّهْرِ الرَّابِعِ) لِأَنَّهُ صَارَ عَادَةً لَهَا (وَتُعِيدُ مَا فَعَلَتْهُ فِي الْمُجَاوِزِ) لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (مِنْ وَاجِبِ صَوْمٍ، وَ) وَاجِبِ (طَوَافٍ، وَ) وَاجِبِ (اعْتِكَافٍ وَنَحْوِهَا) كَوَاجِبِ قِرَاءَةٍ لِتُبَيِّنَ أَنَّهَا فَعَلَتْهُ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ (بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَادَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتُعِيدُ، لِأَنَّهُ قَبْلَ ثُبُوتِهَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالَ. (فَإِنْ انْقَطَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ يَعُدْ) ثَلَاثًا (أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ) ثَلَاثًا (لَمْ تُعِدْ) مَا فَعَلَتْهُ فِي الْمُجَاوِزِ، لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْهُ حَيْضًا، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهَا. (فَإِنْ كَانَ) الدَّمُ (عَلَى أَعْدَادٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَمَا تَكَرَّرَ مِنْهُ) ثَلَاثًا (صَارَ عَادَةً) لَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ، دُونَ مَا لَمْ يَتَكَرَّرْ (مُرَتَّبًا كَانَ، كَخَمْسَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ وَسِتَّةٍ فِي) شَهْرٍ (ثَانٍ، وَسَبْعَةٍ فِي) شَهْرٍ (ثَالِثٍ، فَتَجْلِسُ الْخَمْسَةَ لِتَكْرَارِهَا) ثَلَاثًا، كَمَا لَوْ لَمْ يَخْتَلِفْ (أَوْ غَيْرَ مُرَتَّبٍ عَكْسُهُ) أَيْ: عَكْسُ الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (كَأَنْ تَرَى فِي الشَّهْرِ الْأَوَّلِ خَمْسَةً وَفِي) الشَّهْرِ (الثَّانِي أَرْبَعَةً وَفِي) (الشَّهْرِ الثَّالِثِ سِتَّةً فَتَجْلِسُ الْأَرْبَعَةَ) لِتَكَرُّرِهَا ثُمَّ كُلَّمَا تَكَرَّرَ شَيْءٌ جَلَسَتْهُ. (فَإِنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ فَ) هِيَ (مُسْتَحَاضَةٌ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الدَّمَ كُلَّهُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا
وَالِاسْتِحَاضَةُ كَمَا تَقَدَّمَ: سَيَلَانُ الدَّمِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ مِنْ أَدْنَى الرَّحِمِ، دُونَ قَعْرِهِ، إذْ الْمَرْأَةُ لَهَا فَرْجَانِ، دَاخِلٌ بِمَنْزِلَةِ الدُّبُرِ، مِنْهُ الْحَيْضُ، وَخَارِجٌ كَالْأَلْيَتَيْنِ مِنْهُ الِاسْتِحَاضَةُ ثُمَّ هِيَ لَا تَخْلُو مِنْ حَالَيْنِ إمَّا أَنْ يَكُونَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا أَوْ غَيْرَهُ. (فَإِنْ كَانَ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا بَعْضُهُ أَسْوَدُ أَوْ ثَخِينٌ أَوْ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحْمَرُ) غَيْرُ مُنْتِنٍ (فَحَيْضُهَا زَمَنَ الْأَسْوَدِ أَوْ) زَمَنَ (الثَّخِينِ أَوْ) زَمَنَ (الْمُنْتِنِ إنْ صَلُحَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِأَنْ لَا يَنْقُصَ عَنْ أَقَلِّ الْحَيْضِ) يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (وَلَا يُجَاوِزُ أَكَثْرُهُ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَلَا يَنْقُصُ غَيْرُهُ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرِ (فَتَجْلِسُهُ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ «إذَا كَانَ الْحَيْضُ، فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ دَمُ عَرَقٍ» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ الْفَرْجِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَرَجَعَ إلَى صِفَتِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، كَالْمَنِيِّ وَالْمَذْيِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ تَعَارَضَتْ الصِّفَاتُ فَذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّهُ يُرَجَّحُ بِالْكَثْرَةِ. فَإِنْ اسْتَوَتْ رُجِّحَ بِالسَّبْقِ، وَتَثْبُتُ الْعَادَةُ بِالتَّمْيِيزِ (كَثُبُوتِهَا بِانْقِطَاعِ) الدَّمِ، فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ، وَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا، صَارَتْ عَادَتُهَا بِالتَّمْيِيزِ، لِثُبُوتِهَا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ فَإِذَا رَأَتْ خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَسْوَدَ فِي أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَتَكَرَّرَ ثَلَاثًا صَارَتْ عَادَةً، فَتُجْلِسهَا مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ وَلَوْ أَطْبَقَ الْأَحْمَرُ بَعْدَ (وَلَا يُعْتَبَر فِيهَا) أَيْ: الْعَادَةُ الثَّانِي بِالتَّمْيِيزِ (التَّوَالِي أَيْضًا) أَيْ: كَمَا لَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الِانْقِطَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ رَأَتْ دَمًا أَسْوَدَ) يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (ثُمَّ) دَمًا (أَحْمَرَ وَعَبَرَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ) أَيْ: جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، بِأَنْ كَانَ الْأَسْوَدُ عَشْرًا وَالْأَحْمَرُ ثَلَاثِينَ - مَثَلًا - (فَحَيْضُهَا زَمَنُ الدَّمِ الْأَسْوَدَ) إنْ صَلُحَ حَيْضًا فَتَجْلِسُهُ (وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) دَمُهَا (مُتَمَيِّزًا) بِأَنْ كَانَ كُلُّهُ أَسْوَدَ أَوْ أَحْمَرَ وَنَحْوَهُ (أَوْ كَانَ) مُتَمَيِّزًا (وَلَمْ يَصْلُحْ) الْأَسْوَدُ وَنَحْوُهُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، بِأَنْ نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ جَاوَزَ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيْضِ: سِتًّا أَوْ سَبْعًا بِالتَّحَرِّي) أَيْ بِاجْتِهَادِهَا وَرَأْيِهَا فِيمَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهَا أَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى عَادَتِهَا أَوْ عَادَةِ نِسَائِهَا، أَوْ مَا يَكُونُ أَشْبَهَ بِكَوْنِهِ حَيْضًا. وَوَجْهُ كَوْنِهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ: " حَدِيثُ «حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً شَدِيدَةً كَبِيرَةً قَدْ
فصل المعتادة إذا استحيضت
مَنَعَتْنِي الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ فَقَالَ: تَحِيضِي فِي عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا، ثُمَّ اغْتَسِلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَعَمَلًا بِالْغَالِبِ وَلِأَنَّهَا تُرَدُّ إلَى غَالِبِ الْحَيْضِ وَقْتًا فَكَذَا قَدْرًا وَتُفَارِقُ الْمُبْتَدَأَةَ فِي جُلُوسِهَا الْأَقَلِّ، مِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَوَّلُ مَا تَرَى الدَّمَ تَرْجُو انْكِشَافَ أَمْرِهَا عَنْ قُرْبٍ. وَلَمْ يُتَيَقَّنْ لَهَا دَمٌ فَاسِدٌ وَإِذَا عُلِمَ اسْتِحَاضَتُهَا، فَقَدْ اخْتَلَطَ الْحَيْضُ بِالْفَاسِدِ يَقِينًا، وَلَيْسَ ثَمَّ قَرِينَةٌ فَلِذَلِكَ رُدَّتْ إلَى الْغَالِبِ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَيُعْتَبَرُ فِي حَقِّهَا) أَيْ: الْمُبْتَدَأَةِ (تَكْرَارُ الِاسْتِحَاضَةِ نَصًّا) بِخِلَافِ الْمُعْتَادَةِ (فَتَجْلِسُ) الْمُبْتَدَأَةُ الَّتِي جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ (قَبْلَ تَكْرَارِهِ) أَيْ: الدَّمِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ (أَقَلَّهُ) أَيْ: أَقَلَّ الْحَيْضِ، لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَا زَادَ مَشْكُوكٌ فِيهِ كَغَيْرِ الْمُسْتَحَاضَةِ (وَلَا تَبْطُلُ دَلَالَةُ التَّمْيِيزِ بِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ) أَيْ: الدَّمِ الَّذِي يَصْلُحُ حَيْضًا كَالْأَسْوَدِ أَوْ الثَّخِينِ أَوْ الْمُنْتِنِ، إذَا بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَالدَّمِ الْآخَرِ (عَلَى شَهْرٍ) هِلَالِيٍّ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا بِأَنْ كَانَ الْأَسْوَدُ مِثْلَهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَالْأَحْمَرُ ثَلَاثِينَ لِأَنَّ الْأَحْمَرَ بِمَنْزِلَةِ الطُّهْرِ وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ الْمُعْتَادَةُ إذَا اُسْتُحِيضَتْ] (فَصْلٌ) لَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ، أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْمُعْتَادَةِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ، مُقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ تَعْرِيفَ الْمُسْتَحَاضَةِ وَحُكْمَهَا الْعَامَّ فَقَالَ: (الْمُسْتَحَاضَةُ هِيَ الَّتِي تَرَى دَمًا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا) هَكَذَا فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْمُسْتَحَاضَةُ مَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَالدَّمُ الْفَاسِدُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى أَيْ: مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ فَعَلَى كَلَامِ الْإِنْصَافِ: مَا نَقَصَ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمَا تَرَاهُ الْحَامِلُ لِأَقْرَبِ الْوِلَادَةِ، وَمَا تَرَاهُ قَبْلَ تَمَامِ تِسْعِ سِنِينَ: دَمُ فَسَادٍ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الِاسْتِحَاضَةِ بِخِلَافِهِ عَلَى الْأَوَّلِ (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ (حُكْمُ الطَّاهِرَاتِ) أَيْ: الْخَالِيَاتِ مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (فِي وُجُوبِ الْعِبَادَاتِ وَفِعْلِهَا) لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ أَشْبَهَتْ سَلَسَ الْبَوْلِ. وَلِلْمُسْتَحَاضَةِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً فَقَطْ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ اُسْتُحِيضَتْ مُعْتَادَةٌ رَجَعَتْ، إلَى عَادَتِهَا) لِتَعْمَلَ بِهَا لِمَا يَأْتِي
الْحَالُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ مُعْتَادَةً مُمَيِّزَةً وَأَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً) بَعْضَ دَمِهَا أَسْوَدَ أَوْ ثَخِينٍ أَوْ مُنْتِنٍ فَتُقَدَّمُ الْعَادَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ، سَوَاءٌ (اتَّفَقَ تَمْيِيزُهَا وَعَادَتُهَا) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا أَرْبَعَةً مَثَلًا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَكَانَ دَمُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَسْوَدَ، وَدَمُ بَاقِي الشَّهْرِ أَحْمَرَ (أَوْ اخْتَلَفَا) أَيْ: الْعَادَةُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الِاخْتِلَافُ (بِمُدَاخَلَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ، فَتَرَى فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ أَرْبَعَةً أَسْوَدَ وَبَاقِي الشَّهْرِ أَحْمَرَ فَتَجْلِسُ السِّتَّةَ كُلَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ (أَوْ مُبَايَنَةٍ) بِأَنْ تَكُونَ عَادَتُهَا مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ فَتَرَى الدَّمَ الصَّالِحَ لِلْحَيْضِ فِي آخِرِهِ فَتَجْلِسُ عَادَتَهَا. ثُمَّ تَغْتَسِلُ بَعْدَهَا، وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَتُصَلِّي، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَقْوَى لِأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ دَلَالَتُهَا بِخِلَافِ اللَّوْنِ إذْ زَادَ عَلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ بَطَلَتْ دَلَالَتُهُ وَالْعَادَةُ ضَرْبَانِ: مُتَّفِقَةٌ، بِأَنْ تَكُونَ أَيَّامًا مُتَسَاوِيَةً، كَسَبْعَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَإِذَا اُسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْهَا وَمُخْتَلِفَةٌ، وَهِيَ قِسْمَانِ: مُرَتَّبَةٌ، بِأَنْ تَرَى فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً وَفِي الثَّانِي أَرْبَعَةً وَفِي الثَّالِثِ خَمْسَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَهَذِهِ إذَا اُسْتُحِيضَتْ فِي شَهْرٍ وَعَرَفَتْ نَوْبَتَهُ عَمِلَتْ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَسِيَتْ نَوْبَتَهُ جَلَسَتْ الْأَقَلَّ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ وَإِنْ عَلِمَتْ أَنَّهُ غَيْرُ الْأَوَّلِ وَشَكَّتْ هَلْ هُوَ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثُ جَلَسَتْ أَرْبَعَةً لِأَنَّهَا الْيَقِينُ. ثُمَّ تَجْلِسُ فِي الشَّهْرَيْنِ الْآخَرَيْنِ ثَلَاثَةً ثَلَاثَةً وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعَةً ثُمَّ تَعُودُ إلَى الثَّلَاثَةِ كَذَلِكَ أَبَدًا وَيَكْفِيهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ الَّتِي جَلَسَتْهَا، كَالنَّاسِيَةِ وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَيْضًا عِنْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ عَادَتِهَا، وَغَيْرُ الْمُرَتَّبَةِ، كَأَنْ تَحِيضَ فِي شَهْرٍ ثَلَاثَةً. وَفِي الثَّانِي خَمْسَةً وَفِي الثَّالِثِ أَرْبَعَةً فَإِنْ أَمْكَنَ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ هُوَ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ جَلَسَتْ الْأَقَلَّ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَاغْتَسَلَتْ عَقِبَهُ (وَنَقْصُ الْعَادَةِ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَكْرَارٍ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْعَدَمُ. (فَلَوْ نَقَصَتْ عَادَتُهَا ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ النَّقْصِ (فَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا عَشَرَةَ) أَيَّامٍ (فَرَأَتْ) الدَّمَ (سَبْعَةً ثُمَّ اُسْتُحِيضَتْ فِي الشَّهْرِ الْآخَرِ جَلَسَتْ السَّبْعَةَ) لِأَنَّهَا الَّتِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهَا عَادَتُهَا
الْحَالُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ وَتَمْيِيزٌ وَتَنْسَى الْعَادَةَ، وَقَدْ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ نَسِيَتْ الْعَادَةَ عَمِلَتْ بِالتَّمْيِيزِ الصَّالِحِ) لَأَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَتَقَدَّمَ، لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «إذَا كَانَ دَمَ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ أَسْوَدُ يُعْرَفُ فَأَمْسِكِي عَنْ الصَّلَاةِ فَإِذَا كَانَ الْآخَرَ فَتَوَضَّئِي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» وَلِأَنَّهَا مُسْتَحَاضَةٌ وَلَا تَعْلَمُ لَهَا عَادَةً تَلْزَمُهَا الْعَمَلُ بِالتَّمْيِيزِ كَالْمُبْتَدَأَةِ. (وَلَوْ تَنَقَّلَ) التَّمْيِيزُ بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ تَارَةً فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَتَارَةً فِي وَسَطِهِ وَتَارَةً فِي آخِرِهِ (مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَيْ: تَعْمَلُ بِالتَّمْيِيزِ وَلَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ) بِأَنْ كَانَ الدَّمُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ (أَوْ كَانَ) لَهَا تَمْيِيزٌ (وَ) لَكِنَّهُ (لَيْسَ بِصَالِحٍ) بِأَنْ نَقَصَ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، أَوْ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ (فَهِيَ الْمُتَحَيِّرَةُ) لِأَنَّهَا قَدْ تَحَيَّرَتْ، فِي حَيْضِهَا بِجَهْلِ الْعَادَةِ وَعَدَمِ التَّمْيِيزِ وَهَذَا هُوَ الْحَالُ الرَّابِعُ وَلَا (تَفْتَقِرُ اسْتِحَاضَتُهَا إلَى تَكْرَارٍ) بِخِلَافِ الْمُبْتَدَأَةِ (أَيْضًا) أَيْ: كَمَا أَنَّ تَمْيِيزَهَا لَا يَفْتَقِرُ إلَى تَكْرَارٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَلِلْمُتَحَيِّرَةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً لِلْعَدَدِ فَقَطْ (تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ إنْ اتَّسَعَ شَهْرُهَا لَهُ) بِأَنْ كَانَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَأَكْثَرَ لِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَهِيَ امْرَأَةٌ كَبِيرَةٌ قَالَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يَسْأَلْهَا عَنْ تَمْيِيزِهَا وَلَا عَادَتِهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ تَكُونَ نَاسِيَةً فَتَرُدُّ إلَى غَالِبِ الْحَيْضِ إنَاطَةً لِلْحُكْمِ بِالْأَكْثَرِ كَمَا تَرُدُّ الْمُعْتَادَةُ لِعَادَتِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَّسِعْ شَهْرُهَا لِغَالِبِ الْحَيْضِ (جَلَسَتْ الْفَاضِلَ) مِنْ شَهْرِهَا (بَعْدَ أَقَلِّ الطُّهْرِ كَأَنْ يَكُونَ شَهْرُهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ الزَّائِدَ عَنْ أَقَلِّ الطُّهْرَيْنِ الْحَيْضَتَيْنِ فَقَطْ) لِئَلَّا يَنْقُصَ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ (وَهُوَ) أَيْ: مَا تَجْلِسُهُ (هُنَا) أَيْ: فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ (خَمْسَةُ أَيَّامٍ) لِأَنَّهَا الْبَاقِي مِنْ الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ فَتَجْلِسُهَا فَقَطْ (لِئَلَّا يَنْقُصَ الطُّهْرُ عَنْ أَقَلِّهِ) فَيَخْرُجَ عَنْ كَوْنِهِ طُهْرًا. (وَإِنْ جَهِلَتْ شَهْرَهَا جَلَسَتْهُ) أَيْ غَالِبَ الْحَيْضِ (مِنْ) كُلِّ (شَهْرٍ) لِلْخَبَرِ (هِلَالِيٍّ) لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ (وَشَهْرُ الْمَرْأَةِ هُوَ) الزَّمَنُ (الَّذِي يَجْتَمِعُ لَهَا فِيهِ حَيْضٌ وَطُهْرٌ صَحِيحَانِ) أَيْ: تَامَّانِ (وَأَقَلُّ ذَلِكَ: أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا) بِلَيَالِيِهَا (يَوْمٌ) بِلَيْلَتِهِ (لِلْحَيْضِ) لِأَنَّهُ أَقَلُّهُ (وَثَلَاثَةَ عَشَرَ) يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا (لِلطُّهْرِ) لِأَنَّهَا أَقَلُّهُ (وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ) أَيْ: شَهْرِ الْمَرْأَةِ لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَكْثَرِ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (وَغَالِبُهُ) أَيْ: شَهْرِ الْمَرْأَةِ (الشَّهْرُ الْهِلَالِيُّ) لِأَنَّ غَالِبَ الْحَيْضِ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ وَغَالَبَ الطُّهْرِ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ. وَتَقَدَّمَ (وَلَا تَكُونُ) الْمَرْأَةُ (مُعْتَادَةً حَتَّى تَعْرِفَ شَهْرَهَا) الَّذِي تَحِيضُ فِيهِ وَتَطْهُرُ فِيهِ (وَ) تَعْرِفَ (وَقْتَ حَيْضِهَا وَطُهْرِهَا)
مِنْهُ بِأَنْ تَعْرِفَ أَنَّهَا تَحِيضُ خَمْسَةً مَثَلًا مِنْ ابْتِدَائِهِ وَتَطْهُرُ فِي بَاقِيهِ (وَيَتَكَرَّرُ) حَيْضُهَا ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، لِأَنَّ الْعَادَةَ لَا تَثْبُتُ بِدُونِهَا كَمَا تَقَدَّمَ الْحَالُ الثَّانِي أَنْ تَكُونَ عَالِمَةً بِالْعَدَدِ نَاسِيَةً لِلْمَوْضِعِ وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ. (وَإِنْ عَلِمَتْ عَدَدَ أَيَّامِهَا) أَيْ: أَيَّامِ حَيْضِهَا (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا) بِأَنْ لَمْ تَدْرِ أَكَانَتْ تَحِيضُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ؟ (جَلَسَتْهَا) أَيْ أَيَّامَ حَيْضِهَا (مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ حَيْضَةَ حَمْنَةَ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ وَالصَّلَاةَ فِي بَقِيَّتِهِ وَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ جُبْلَةٌ وَالِاسْتِحَاضَةُ عَارِضَةٌ، فَإِذَا رَأَتْهُ وَجَبَ تَقْدِيمُ دَمِ الْحَيْضِ الْحَالُ الثَّالِثُ النَّاسِيَةُ لِلْعَدَدِ وَالْمَوْضِعِ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ: (وَكَذَا مَنْ عَدِمَتْهُمَا) أَيْ: عَدِمَتْ الْعِلْمَ بِعَدَدِ حَيْضِهَا وَمَوْضِعِهِ، فَتَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ عَرَفَتْ ابْتِدَاءَ الدَّمِ) بِأَنْ عَلِمَتْ أَنَّ الدَّمَ كَانَ يَأْتِيهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ الشَّهْرِ وَأَوَّلِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ. (فَهُوَ أَوَّلُ دَوْرِهَا) فَتَجْلِسُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَتْ نَاسِيَةً لِلْعَدَدِ فَقَطْ وَالْمَوْضِعِ (وَمَا جَلَسَتْهُ نَاسِيَةً) لِلْعَدَدِ أَوْ الْمَوْضِعِ أَوْ هُمَا (مِنْ حَيْضٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَحَيْضٍ يَقِينًا) فِيمَا يُوجِبُهُ وَيَمْنَعُهُ، وَعَدَمِ قَضَاءِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ بِخِلَافِ النِّفَاسِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ لِمَشَقَّةِ تَكَرُّرِهِ (وَمَا زَادَ عَلَى مَا تَجْلِسُهُ إلَى أَكْثَرِهِ) أَيْ: الْحَيْضِ (كَطُهْرٍ مُتَيَقَّنٍ) . قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْحَيْضُ وَالطُّهْرُ مَعَ الشَّكِّ فِيهِمَا كَالْيَقِينِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ وَيُكْرَهُ وَيَجِبُ وَيُسْتَحَبُّ وَيُبَاحُ وَيَسْقُطُ وَعَنْهُ يُكْرَهُ الْوَطْءُ فِي طُهْرٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، كَالِاسْتِحَاضَةِ (وَغَيْرِهِمَا) أَيْ: غَيْرِ زَمَنِ الْحَيْضِ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ إلَى أَكْثَرِ الْحَيْضِ وَهُوَ نِصْفُ الشَّهْرِ الْبَاقِي إنْ حَيَّضْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (اسْتِحَاضَةً) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا (وَإِنْ ذَكَرَتْ) الْمُسْتَحَاضَةُ النَّاسِيَةُ لِعَادَتِهَا (عَادَتَهَا رَجَعَتْ إلَيْهَا) فَتَجْلِسُهَا لِأَنَّ تَرْكَ الْجُلُوسِ فِيهَا إنَّمَا كَانَ لِعَارِضِ النِّسْيَانِ وَإِذَا زَالَ الْعَارِضُ رَجَعَتْ إلَى الْأَصْلِ. (وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَ الْعَادَةِ الْمَنْسِيَّةِ) كَأَنْ كَانَتْ صَامَتْ فَرْضًا فِيهَا، فَتَقْضِيهِ، لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، لِمُوَافَقَةِ زَمَنِ الْحَيْضِ (وَ) قَضَتْ الْوَاجِبَ أَيْضًا (زَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهَا) فَتَقْتَضِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ وَنَحْوَهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَمَنِ حَيْضٍ (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَوْضِعِ حَيْضِ مَنْ لَا عَادَةَ لَهَا وَلَا تَمْيِيزَ، مِثْلُ الْمُبْتَدَأَةِ إذَا لَمْ تَعْرِفْ وَقْتَ ابْتِدَاءِ دَمِهَا وَلَا تَمْيِيزَ لَهَا) فَإِنَّهَا تَجْلِسُ غَالِبَ الْحَيْضِ بَعْدَ تَكَرُّرِهِ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ شَهْرٍ هِلَالِيٍّ، وَإِذَا ذَكَرَتْ وَقْتَ
ابْتِدَاءِ دَمِهَا رَجَعَتْ إلَيْهِ وَقَضَتْ الْوَاجِبَ زَمَنَهُ وَزَمَنَ جُلُوسِهَا فِي غَيْرِهِ. (وَإِنْ عَلِمَتْ) الْمُسْتَحَاضَةُ عَدَدَ (أَيَّامِهَا فِي وَقْتٍ مِنْ الشَّهْرِ) كَأَنْ عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ فِي الشَّهْرِ (وَنَسِيَتْ مَوْضِعَهَا) بِأَنْ لَمْ تَدْرِ أَهِيَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟ (فَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُهَا نِصْفَ الْوَقْتِ) الَّذِي عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا فِيهِ (فَأَقَلَّ) مِنْ نِصْفِهِ (فَحَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِهَا) فَإِذَا عَلِمَتْ أَنَّ حَيْضَهَا كَانَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ الشَّهْرِ، فَإِنَّهَا تَجْلِسُ مِنْ أَوَّلِهِ (أَوْ بِالتَّحَرِّي) أَيْ: لِلِاجْتِهَادِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي ذَلِكَ، وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِهَا كَمَا قَطَعَ بِهِ مَنْ قَالَ (وَلَيْسَ لَهَا حَيْضٌ بِيَقِينٍ) بَلْ حَيْضُهَا مَشْكُوكٌ فِيهِ. (وَإِنْ زَادَتْ) أَيَّامُهَا (عَلَى النِّصْفِ) مِنْ الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَتْ الْحَيْضَ فِيهِ (مِثْلُ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ حَيْضَهَا سِتَّةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأُوَلِ) مِنْ الشَّهْرِ (ضُمَّ الزَّائِدُ) عَلَى النِّصْفِ (وَهُوَ) فِي الْمِثَالِ (يَوْمٌ) لِأَنَّ نِصْفَ الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ (إلَى مِثْلِهِ مِمَّا قَبْلَهُ وَهُوَ يَوْمٌ، فَيَكُونَانِ) أَيْ: الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (حَيْضًا بِيَقِينٍ) إذْ لَا يُحْتَمَلُ خِلَافُهُ (يَبْقَى لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ) تَتِمَّةَ عَادَتِهَا (فَإِنْ جَلَسَتْهَا مِنْ الْأَوَّلِ) عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ (كَانَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ مِنْهَا يَوْمَانِ) وَهُمَا الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ (حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالْأَرْبَعَةُ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ) وَالْأَرْبَعَةُ الْبَاقِيَةُ طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. (وَإِنْ جَلَسَتْ بِالتَّحَرِّي) عَلَى الْوَجْهِ الْمُقَابِلِ لِقَوْلِ الْأَكْثَرِ (فَأَدَّاهَا اجْتِهَادُهَا إلَى أَنَّهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ فَهِيَ كَاَلَّتِي ذَكَرْنَا) فَيَكُونَ حَيْضُهَا مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ إلَى آخِرِ السَّادِسِ مِنْهَا يَوْمَانِ حَيْضٌ بِيَقِينٍ، وَالْأَرْبَعَةُ (حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ) وَالْيَوْمَانِ قَبْلَهَا حَيْضًا بِيَقِينٍ (وَالْأَرْبَعَةُ الْأُولَى طُهْرٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَإِنْ قَالَتْ: حَيْضَتِي سَبْعَةُ أَيَّامٍ مِنْ الْعَشْرِ) الْأُوَلِ أَوْ الْوَسَطِ أَوْ الْأَخِيرِ (فَقَدْ زَادَتْ) أَيَّامُهَا (يَوْمَيْنِ عَلَى نِصْفِ الْوَقْتِ) لِأَنَّ نِصْفَ الْعَشَرَةِ خَمْسَةٌ (فَتَضُمُّهُمَا إلَى يَوْمَيْنِ قَبْلَهُمَا فَيَصِيرُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ حَيْضًا بِيَقِينٍ مِنْ أَوَّلِ الرَّابِعِ إلَى آخِرِ السَّابِعِ وَيَبْقَى لَهَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجْلِسُهَا لِمَا تَقَدَّمَ) . مِنْ أَوَّلِ الْعَشْرِ أَوْ بِالتَّحَرِّي عَلَى الْوَجْهَيْنِ وَهِيَ حَيْضٌ مَشْكُوكٌ فِيهِ (وَحُكْمُ الْحَيْضِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ حُكْمُ الْمُتَيَقَّنِ فِي تَرْكِ الْعِبَادَاتِ) وَتَحْرِيمِ الْوَطْءِ وَوُجُوبِ الْغُسْلِ (كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ شَاءَتْ أَسْقَطَتْ الزَّائِدَ مِنْ أَيَّامِهَا) عَنْ نِصْفِ الْوَقْتِ (مِنْ آخِرِ الْمُدَّةِ) وَأَسْقَطَتْ (مِثْلَهُ مِنْ أَوَّلِهَا فَمَا بَقِيَ) أَيْ: صَارَ بِمَعْنَى: اجْتَمَعَ، كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ (فَهُوَ حَيْضٌ بِيَقِينٍ وَالشَّكُّ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ) كَمَا تَقَدَّمَ تَمْثِيلُهُ. (وَإِنْ عَلِمَتْ مَوْضِعَ حَيْضِهَا) بِأَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا تَحِيضُ فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ (وَنَسِيَتْ عَدَدَهُ) أَيْ: عَدَدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ (جَلَسَتْ
فِيهِ) أَيْ: فِي مَوْضِعِ حَيْضِهَا (غَالِبَ الْحَيْضِ) سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً بِالتَّحَرِّي، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ بِزِيَادَتِهَا) بِأَنْ كَانَتْ عَادَتُهَا سِتَّةَ أَيَّامٍ، فَرَأَتْ الدَّمَ ثَمَانِيَةً (أَوْ) تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ (بِتَقَدُّمٍ) ، بِأَنْ كَانَتْ تَرَى الدَّمَ مِنْ وَسَطِ الشَّهْرِ، فَرَأَتْهُ فِي أَوَّلِهِ (أَوْ) تَغَيَّرَتْ الْعَادَةُ بِ (تَأَخُّرٍ) بِأَنْ كَانَتْ تَرَاهُ فِي أَوَّلِهِ فَتَأَخَّرَ إلَى آخِرِهِ (أَوْ انْتِقَالٍ) بِأَنْ كَانَ حَيْضُهَا الْخَمْسَةَ الْأُوَلَ فَتَصِيرُ الْخَمْسَةَ الثَّانِيَةَ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ (فَ) مَا تَغَيَّرَ (كَدَمٍ زَائِدٍ عَلَى أَقَلِّ حَيْضٍ) مِنْ (مُبْتَدَأَةٍ) لَا تَلْتَفِتُ إلَيْهِ، حَتَّى يَتَكَرَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَتَصُومُ فِيهِ وَتُصَلِّي قَبْلَ التَّكْرَارِ، وَتَغْتَسِلُ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ غُسْلًا ثَانِيًا، فَإِذَا تَكَرَّرَ صَارَ عَادَةً تَجْلِسُهُ وَتُعِيدُ صَوْمَ فَرْضٍ وَنَحْوِهِ فِيهِ، لِأَنَّا تَبَيَّنَّاهُ حَيْضًا (فَلَوْ لَمْ يَعُدْ، أَوْ أَيِسَتْ قَبْلَ تَكْرَارِهِ) ثَلَاثًا (لَمْ تَقْضِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُبْتَدَأَةِ. (وَعَنْهُ تَصِيرُ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَكْرَارٍ) أَوْمَأَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ (اخْتَارَهُ جَمْعٌ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَلَا يَسَعُ النِّسَاءَ الْعَمَلُ بِغَيْرِهِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ أَشْبَهُ قَالَ ابْنُ عُبَيْدَانَ: هُوَ الصَّحِيحُ قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّارِحِ. (وَإِنْ طَهُرَتْ فِي أَثْنَاءِ عِدَّتِهَا طُهْرًا خَالِصًا لَا تَتَغَيَّرُ مَعَهُ الْقُطْنَةُ إذَا احْتَشَّتْهَا، وَلَوْ أَقَلَّ مُدَّةٍ) فَلَا يُعْتَبَرُ بُلُوغُهُ يَوْمًا (فَهِيَ طَاهِرٌ، تَغْتَسِلُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا مَا رَأَتْ الطُّهْرَ فَلْتَغْتَسِلْ (وَتُصَلِّي) وَتَفْعَلْ مَا تَفْعَلُهُ الطَّاهِرَاتُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ الْحَيْضَ بِكَوْنِهِ أَذًى فَإِذَا ذَهَبَ الْأَذَى وَجَبَ زَوَالُ الْحَيْضِ (وَلَا يُكْرَهُ وَطْؤُهَا) بَعْدَ الِاغْتِسَالِ، كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ. (فَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فِي) أَثْنَاءِ (الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْهَا جَلَسَتْهُ) أَيْ: زَمَنَ الدَّمِ مِنْ الْعَادَةِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ، لِأَنَّهُ صَادَفَ زَمَنَ الْعَادَةِ (وَإِنْ جَاوَزَهَا) أَيْ: جَاوَزَ دَمُهَا الْعَائِدُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَادَتَهَا (وَلَمْ يَعْبُرْ) أَيْ: يُجَاوِزْ (أَكْثَرُ الْحَيْضِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (لَمْ تَجْلِسْهُ حَتَّى يَتَكَرَّرَ) ثَلَاثًا (وَإِنْ عَبَرَ أَكْثَرُهُ) أَيْ جَاوَزَ أَكْثَرُ الْحَيْضِ (فَلَيْسَ بِحَيْضٍ) لِأَنَّ بَعْضَهُ لَيْسَ بِحَيْضٍ فَيَكُونُ كُلُّهُ اسْتِحَاضَةً لِاتِّصَالِهِ بِهِ وَانْفِصَالِهِ عَنْ الْحَيْضِ. (وَإِنْ عَاوَدَهَا) أَيْ: رَجَعَ الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ عَنْهَا (بَعْدَ الْعَادَةِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا) إمَّا بِضَمِّهِ إلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ نَفْسِهِ (أَوْ لَا) يُمْكِنَ جَعْلُهُ حَيْضًا (فَإِنْ أَمْكَنَ) جَعْلُهُ حَيْضًا إمَّا بِضَمِّهِ إلَى مَا قَبْلَهُ أَوْ بِنَفْسِهِ (بِأَنْ يَكُونَ) الدَّمُ (بِضَمِّهِ إلَى الدَّمِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ بَيْنَ طَرَفَيْهِمَا) أَيْ أَوَّلِ الدَّمَيْنِ وَآخِرِهِمَا (أَكْثَرُ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ) خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَيُلْفَقَانِ) أَيْ: الدَّمَانِ (وَيُجْعَلَانِ حَيْضَةً وَاحِدَةً إنْ تَكَرَّرَ) الدَّمُ الَّذِي بَعْدَ الْعَادَةِ ثَلَاثًا وَهَذَا مِثَالٌ لِمَا أَمْكَنَ
أَنْ يَكُونَ حَيْضًا بِالضَّمِّ وَأَشَارَ إلَى مَا أَمْكَنَ جَعْلُهُ بِنَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: (أَوْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: الدَّمَيْنِ (أَقَلُّ الطُّهْرِ: ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَكُلٌّ مِنْ الدَّمَيْنِ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا إذَنْ بِمُفْرَدِهِ) بِأَنْ يَكُونَ يَوْمًا وَلَيْلَةً فَأَكْثَرَ وَلَا يُجَاوِزُ الْخَمْسَةَ عَشَرَ (فَيَكُونَانِ حَيْضَتَيْنِ) لِوُجُودِ الطُّهْرِ التَّامِّ بَيْنَهُمَا. (إذَا تَكَرَّرَ) الثَّانِي ثَلَاثًا (وَإِنْ نَقَصَ أَحَدُهُمَا عَنْ أَقَلِّ حَيْضٍ، فَهُوَ دَمٌ فَاسِدٌ إذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمُّهُ إلَى مَا بَعْدَهُ) يَعْنِي إلَى الدَّمِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُهُ حَيْضًا لِعُبُورِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّمِ الْأَوَّلِ أَقَلُّ الطُّهْرِ) بَلْ كَانَ بَيْنَهُمَا دُونَهُ (فَهَذَا اسْتِحَاضَةٌ، سَوَاءٌ تَكَرَّرَ أَمْ لَا) لِمُجَاوَزَتِهِ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ فَلَوْ كَانَتْ الْعَادَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَثَلًا فَرَأَتْ مِنْهَا خَمْسَةً دَمًا وَطَهُرَتْ الْخَمْسَةَ الْبَاقِيَةَ، ثُمَّ رَأَتْ خَمْسَةً) أُخْرَى (دَمًا وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ) ثَلَاثًا (فَالْخَمْسَةُ الْأُولَى وَ) الْخَمْسَةُ (الثَّالِثَةُ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ بِالتَّلْفِيقِ) لِأَنَّهُمَا مَعَ مَا بَيْنَهُمَا لَا يُجَاوِزَانِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَلَوْ رَأَتْ) الدَّمَ (الثَّانِيَ سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً) فَأَكْثَرَ (لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا) لِمُجَاوَزَتِهِ مَعَ الْأَوَّلِ وَمَا بَيْنَهُمَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَلَوْ كَانَتْ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ طُهْرًا ثُمَّ رَأَتْ يَوْمًا) بِلَيْلَتِهِ (دَمًا وَتَكَرَّرَ) الثَّانِي (فَهُمَا حَيْضَتَانِ لِوُجُودِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ أَقَلَّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا. (وَلَوْ رَأَتْ يَوْمَيْنِ دَمًا وَ) رَأَتْ (اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا طُهْرًا، ثُمَّ) رَأَتْ (يَوْمَيْنِ دَمًا فَهُنَا لَا يُمْكِنُ جَعْلُهُمَا حَيْضَةً وَاحِدَةً، لِزِيَادَةِ الدَّمَيْنِ مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الطُّهْرِ عَنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ) لِأَنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا (وَلَا) يُمْكِنْ (جَعْلُهُمَا حَيْضَتَيْنِ، لِانْتِقَاءِ طُهْرٍ صَحِيحٍ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ بَيْنَهُمَا اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا وَأَقَلُّ الطُّهْرِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ (فَيَكُونُ الْحَيْضُ مِنْهُمَا مَا وَافَقَ الْعَادَةَ) لِتَقَوِّيهِ بِمُوَافَقَتِهَا (وَ) يَكُونُ (الْآخَرُ اسْتِحَاضَةً) وَلَوْ تَكَرَّرَ. (وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ) وَهُمَا شَيْءٌ كَالصَّدِيدِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ وَكُدْرَةٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فِي أَيَّامِ الْعَادَةِ حَيْضٌ) لِدُخُولِهِمَا فِي عُمُومِ النَّصِّ وَلِقَوْلِ عَائِشَةَ وَكَانَ النِّسَاءُ يَبْعَثْنَ إلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ: لَا تَعَجَّلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضِ. وَفِي الْكَافِي قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ هِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَتْبَعُ الْحَيْضَةَ (لَا بَعْدَهَا) أَيْ: لَيْسَتْ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ بَعْدَ الْعَادَةِ حَيْضًا (وَلَوْ تَكَرَّرَ) ذَلِكَ فَلَا تَجْلِسُهُ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الطُّهْرِ شَيْئًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَ الطُّهْرِ
فصل في التلفيق وشيء من أحكام المستحاضة ونحوها
[فَصْلٌ فِي التَّلْفِيقِ وَشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا] (فَصْلٌ فِي التَّلْفِيقِ) وَشَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَنَحْوِهَا (وَمَعْنَاهُ) أَيْ: التَّلْفِيقِ (ضَمُّ الدِّمَاءِ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ) وَجَعْلُهَا حَيْضَةً وَاحِدَةً (إنْ تَخَلَّلَهَا طُهْرٌ) لَا يَبْلُغُ أَقَلَّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ (وَصَلُحَ زَمَانُهُ) أَيْ: الدَّمِ لِلْمُتَفَرِّقِ (أَنْ يَكُونَ حَيْضًا) بِأَنْ بَلَغَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَ مُدَّةِ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (فَمَنْ كَانَتْ تَرَى يَوْمًا، أَوْ أَقَلَّ، أَوْ أَكْثَرَ دَمًا يَبْلُغُ مَجْمُوعُهُ أَقَلَّ الْحَيْضِ) يَوْمًا وَلَيْلَةً (فَأَكْثَرَ وَ) تَرَى (طُهْرًا مُتَخَلِّلًا) لِذَلِكَ الدَّمِ، سَوَاءٌ كَانَ زَمَنُهُ كَزَمَنِ الطُّهْرِ، أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (فَالدَّمُ حَيْضٌ مُلَفَّقٌ) فَتَجْلِسُهُ. لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ جَعْلُ كُلِّ وَاحِدٍ حَيْضَةً، ضَرُورَةَ نَقْصِهِ عَنْ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَوْ كَوْنُ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ تَعَيَّنَ الضَّمُّ لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنٍ يَصْلُحُ كَوْنُهُ حَيْضًا أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُمَا طُهْرٌ (وَالْبَاقِي) أَيْ: النَّقَاءُ (طُهْرٌ) لِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ أَنَّ الطُّهْرَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيْضَةِ صَحِيحٌ (فَتَغْتَسِلُ فِيهِ، وَتَصُومُ وَتُصَلِّي) لِأَنَّهُ طُهْرٌ حَقِيقَةً. (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا) زَمَنَ طُهْرٍ، عَلَى مَا قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَعَنْهُ يُبَاحُ (إلَّا أَنْ يُجَاوِزَ زَمَنُ الدَّمِ، وَ) زَمَنُ (النَّقَاءِ أَكْثَرَهُ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ كَأَنْ تَرَى يَوْمًا دَمًا وَيَوْمًا نَقَاءً، إلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَثَلًا (فَتَكُونُ مُسْتَحَاضَةً) لِقَوْلِ عَلِيٍّ (وَتَجْلِسُ الْمُبْتَدَأَةُ مِنْ هَذَا الدَّمِ) الَّذِي تَخَلَّلَهُ طُهْرٌ وَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا (أَقَلَّ الْحَيْضِ) ثُمَّ تَغْتَسِلُ (وَالْبَاقِي) مِنْ الدَّمِ (إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا (فَهُوَ حَيْضٌ بِشَرْطِهِ) بِأَنْ لَا يُجَاوِزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، أَوْ جَاوَزَ أَكْثَرَهُ (فَاسْتِحَاضَةٌ) لَا تَجْلِسُهُ وَالْمُعْتَادَةُ تَجْلِسُ مَا تَرَاهُ فِي زَمَنِ عَادَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهَا بِتَلْفِيقٍ جَلَسَتْ عَلَى حَسَبِهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، وَلَهَا تَمْيِيزٌ صَحِيحٌ جَلَسَتْ زَمَنَهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا وَقُلْنَا تَجْلِسُ الْغَالِبَ فَهَلْ تَلْفِقُ ذَلِكَ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، أَوْ تَجْلِسُ أَيَّامَ الدَّمِ مِنْ السِّتِّ أَوْ السَّبْعِ؟ وَجْهَانِ جُزِمَ بِالثَّانِي فِي الْكَافِي. (وَإِذَا أَرَادَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ الطَّهَارَةَ فَ) إنَّهَا (تَغْسِلُ فَرْجَهَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّمِ (وَتَحْتَشِي بِقُطْنٍ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مِنْ خِرَقٍ وَنَحْوِهَا طَاهِرَةٍ، لِيَمْتَنِعَ الدَّمُ (فَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ) الْحَشْوُ (الدَّمَ، عَصَبَتْهُ بِشَيْءٍ طَاهِرٍ يَمْنَعُ الدَّمَ حَسَبَ الْإِمْكَانِ، بِخِرْقَةٍ عَرِيضَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفَيْنِ، تَتَلَجَّمُ بِهَا، وَتُوثِقُ طَرَفَيْهَا فِي شَيْءٍ آخَرَ قَدْ شَدَّتْهُ عَلَى وَسَطِهَا)
«لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِحَمْنَةَ حِينَ شَكَتْ إلَيْهِ كَثْرَةَ الدَّمِ أَنْعَتُ لَك الْكُرْسُفَ - يَعْنِي - الْقُطْنَ تَحْشِينَ بِهِ الْمَكَانَ قَالَتْ:» إنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ تَلَجَّمِي. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ صَائِمَةً، لَكِنْ يَتَوَجَّهُ أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى التَّعْصِيبِ فَقَطْ (فَإِنْ غَلَبَ) الدَّمُ (وَقَطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ طَهَارَتُهَا) لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَلَا يَلْزَمُهَا إذَنْ إعَادَةُ شَدِّهِ، وَ) لَا إعَادَةُ (غَسْلِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إنْ لَمْ تُفْرِطْ) فِي الشَّدِّ لِلْحَرَجِ فَإِنْ فَرَّطَتْ فِي الشَّدِّ وَخَرَجَ الدَّمُ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَعَادَتْهُ لِأَنَّهُ حَدَثٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَتَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ إنْ خَرَجَ شَيْءٌ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي لَفْظٍ قَالَ لَهَا تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا يُقَالُ: فِيهِ وَفِي غَالِبِ الرِّوَايَاتِ وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ لِأَنَّهُ مُقَيَّدٌ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِهِ وَلِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ وَضَرُورَةٍ، فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ (فَلَا) تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ وَقْتِ صَلَاةٍ (وَتُصَلِّي) الْمُسْتَحَاضَةُ بِوُضُوئِهَا (مَا شَاءَتْ) مَا دَامَ الْوَقْتُ (حَتَّى جَمْعًا بَيْنَ فَرْضَيْنِ) لِبَقَاءِ وُضُوئِهَا إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَكَالْمُتَيَمِّمِ وَأَوْلَى (وَلَهَا) أَيْ الْمُسْتَحَاضَةِ (الطَّوَافُ) فَرْضًا وَنَفْلًا (وَلَوْ لَمْ تَطُلْ اسْتِحَاضَتُهَا) كَالصَّلَاةِ وَأَوْلَى (وَتُصَلِّي عَقِبَ طُهْرِهَا نَدْبًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (فَإِنْ أَخَّرَتْ) الصَّلَاةَ عَنْ طُهْرِهَا (وَلَوْ) كَانَ التَّأْخِيرُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ لَمْ يَضُرَّ) مَا دَامَ الْوَقْتُ لِأَنَّهَا مُتَطَهِّرَةٌ كَالْمُتَيَمِّمِ (وَإِنْ كَانَ لَهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةِ (عَادَةٌ بِانْقِطَاعِهِ) أَيْ: الدَّمِ (زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، تَعَيَّنَ فِعْلُهُمَا فِيهِ) لِأَنَّهُ قَدْ أَمْكَنَ الْإِتْيَانُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا عُذْرَ مَعَهُ وَلَا ضَرُورَةَ، فَتَعَيَّنَ فِعْلُهُمَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَتْ زَمَنَ انْقِطَاعِهِ ثُمَّ عَادَ بَطَلَ. (وَإِنْ عَرَضَ هَذَا الِانْقِطَاعُ) لِلدَّمِ فِي زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (بَعْدَ طَهَارَتِهَا لِمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ) أَيْ: اتِّصَالُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ (بَطَلَتْ طَهَارَتُهَا وَلَزِمَهَا اسْتِئْنَافُهَا) لِأَنَّهَا صَارَتْ بِهَذَا الِانْقِطَاعِ فِي حُكْمِ مَنْ حَدَثُهَا غَيْرُ دَائِمٍ. (فَإِنْ وُجِدَ) هَذَا الِانْقِطَاعُ (قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَجُزْ الشُّرُوعُ فِيهَا) حَتَّى تَتَوَضَّأَ، لِبُطْلَانِ وُضُوئِهَا بِالِانْقِطَاعِ (فَإِنْ خَالَفَتْ وَشَرَعَتْ) فِي الصَّلَاةِ (وَاسْتَمَرَّ الِانْقِطَاعُ زَمَنًا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ، فَصَلَاتُهَا بَاطِلَةٌ) لِتَبَيُّنِ بُطْلَانِ الطَّهَارَةِ بِانْقِطَاعِهِ. (وَإِنْ عَادَ) دَمُهَا (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (فَطَهَارَتُهَا صَحِيحَةٌ) لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِهَذَا الِانْقِطَاعِ (وَتَجِبُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهَا
صَلَّتْ بِطَهَارَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا فَلَمْ تَصِحَّ كَمَا لَوْ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي الطَّهَارَةِ وَصَلَّى ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا. (وَإِنْ عَرَضَ) الِانْقِطَاعُ (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَبْطَلَهَا مَعَ الْوُضُوءِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا بِالِانْقِطَاعِ تَصِيرُ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهَا (وَمُجَرَّدُ الِانْقِطَاعِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ) مِنْ الصَّلَاةِ، لِبُطْلَانِ الْوُضُوءِ فَتَبْطُلُ هِيَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ) فَلَا يَلْزَمُهَا الِانْصِرَافُ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ مِنْ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُعْتَادِ لَهَا وَهُوَ لَا أَثَرَ لَهُ (وَلَوْ تَوَضَّأَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعٍ يَسِيرٍ فَ) انْقَطَعَ دَمُهَا. وَ (اتَّصَلَ الِانْقِطَاعُ حَتَّى اتَّسَعَ) لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (أَوْ بَرِئَتْ) مِنْ الِاسْتِحَاضَةِ (بَطَلَ وُضُوءُهَا إنْ وُجِدَ) أَيْ: خَرَجَ (مِنْهَا دَمٌ) بَعْدَ الْوُضُوءِ، كَالْمُتَيَمِّمِ لِلْمَرَضِ، فَيُعَافَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ خَرَجَ مِنْهَا دَمٌ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَمْ يَبْطُلْ (وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ) الَّذِي انْقَطَعَ فِيهِ الدَّمُ (لَا يَتَّسِعُ لَهُمَا) أَيْ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (لَمْ يُؤَثِّرْ) فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ وَلَا الصَّلَاةِ. (وَلَوْ كَثُرَ الِانْقِطَاعُ) وَاتَّسَعَ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ (وَ) لَكِنْ (اخْتَلَفَتْ بِتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ وَقِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ، وَوُجِدَ مَرَّةً وَعُدِمَ) مَرَّةً (أُخْرَى، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ مُسْتَقِيمَةٌ بِاتِّصَالٍ وَلَا بِانْقِطَاعٍ فَهَذِهِ كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ) فِي الدَّمِ (فِي بُطْلَانِ الْوُضُوءِ بِالِانْقِطَاعِ الْمُتَّسِعِ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، دُونَ مَا) أَيْ: انْقِطَاعٍ (دُونَهُ) أَيْ دُونَ مَا يَتَّسِعُ لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَحُكْمُهَا كَمَنْ عَادَتُهَا الِاتِّصَالُ (فِي سَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَ) لَا مِنْ (الْمُضِيِّ فِيهِ بِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ قَبْلَ تَبَيُّنِ اتِّسَاعِهِ) لِلْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ لِعَدَمِ انْضِبَاطِ هَذَا الِانْقِطَاعِ فَيَقْضِي لُزُومُ اعْتِبَارِهِ إلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ. (وَلَا يَكْفِيهَا) أَيْ: الْمُسْتَحَاضَةَ (نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ) قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ لَا يَكْفِي (وَتَكْفِي نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ) أَيْ: تَتَعَيَّنُ، وَلَوْ انْتَقَضَتْ طَهَارَتُهَا بِطُرُوءِ حَدَثٍ غَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ قُلْنَا إنَّ طَهَارَتَهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ. قُلْتُ لِأَنَّهَا لَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ السَّابِقَ دُونَ الْمُقَارَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُؤَثِّرْ كَالْمُتَأَخِّرِ لِلضَّرُورَةِ وَلِهَذَا تَبْطُلُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ (فَأَمَّا تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِلْفَرْضِ فَلَا تُعْتَبَرُ) هُنَا، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّ طَهَارَتَهَا تَرْفَعُ الْحَدَثَ بِخِلَافِهِ (وَتَبْطُلُ طَهَارَتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا تَبْطُلُ بِدُخُولِهِ هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَالتَّيَمُّمِ. وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ طَهَارَةَ الْمُسْتَحَاضَةِ تَبْطُلُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، دُونَ خُرُوجِهِ وَقَالَ أَبُو يَعْلَى تَبْطُلُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ شَبِيهَةٌ بِمَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ وَالصَّحِيحُ فِيهِ: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْمَجْدُ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى اهـ وَكَذَا قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي نَظْمِ الْمُفْرَدَاتِ، قَالَ وَبِدُخُولِ الْوَقْتِ طُهْرٌ يَبْطُلُ ... لِمَنْ بِهَا اسْتِحَاضَةٌ قَدْ نَقَلُوا
لَا بِالْخُرُوجِ مِنْهُ لَوْ تَطَهَّرَتْ لِلْفَجْرِ لَمْ يَبْطُلْ بِشَمْسٍ ظَهَرَتْ. (وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُهَا لِفَرْضٍ) كَظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ (قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهِ) لِأَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ فَتَقَيَّدَتْ بِالْوَقْتِ كَالتَّيَمُّمِ (وَمِثْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ) فِيمَا تَقَدَّمَ (لَا فِي الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) فَإِنَّ، اسْتِحْبَابَهُ يَخْتَصُّ الْمُسْتَحَاضَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ (مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ) أَوْ الْمَذْيُ (وَالرِّيحُ وَالْجَرِيحُ الَّذِي لَا يَرْقَى دَمُهُ، وَ) ذُو (الرُّعَافِ الدَّائِمِ) يَعْنِي أَنَّ حُكْمَ هَؤُلَاءِ حُكْمُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، غَيْرُ مَا اسْتَثْنَى، لِتَسَاوِيهِمْ مَعْنًى، وَهُوَ عَدَمُ التَّحَرُّزِ مِنْ ذَلِكَ. فَوَجَبَ الْمُسَاوَاةُ حُكْمًا، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ: كَانَ يَزِيدُ بْنُ ثَابِتٍ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَكَانَ يُدَاوِيهِ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا غَلَبَهُ صَلَّى وَلَا يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ (لَكِنْ عَلَيْهِ أَنْ يَحْتَشِيَ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ بِهِ رُعَافٌ دَائِمٌ أَنَّهُ يَحْتَشِي، وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ خِلَافَهُ قُلْتُ وَمَنْ بِهِ دُودُ قِرَاحٍ يَعْصِبُ الْمَحَلَّ بَعْدَ حَشْوِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَإِنْ كَانَ صَائِمًا عَصَبَهُ فَقَطْ، وَإِنْ مَنَعَهُ الْعَصْبَ اكْتَفَى بِهِ أَيْضًا غَيْرُ الصَّائِمِ. (وَإِنْ كَانَ) مَحَلُّ الْحَدَثِ (مِمَّا لَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ كَالْجُرْحِ الَّذِي لَا) يَرْقَأُ دَمُهُ، وَلَا (يُمْكِنُ شَدُّهُ أَوْ مَنْ بِهِ بَاسُورٌ أَوْ نَاصُورٌ وَلَا يُمْكِنُ عَصْبُهُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) لِفِعْلِ عُمَرَ حَيْثُ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ) أَيْ: الْحَدَثِ (حَالَ الْقِيَامِ) وَحْدَهُ (لَا حَالَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَزِمَهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ نَصًّا، وَلَا يُومِئُ) بِهِمَا وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ (كَالْمَكَانِ النَّجِسِ) الْيَابِسِ إذَا حُبِسَ بِهِ، وَيَأْتِي. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُومِئُ لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ لَهُ (وَلَوْ امْتَنَعَتْ الْقِرَاءَةُ) إنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا (أَوْ لَحِقَهُ السَّلَسُ إنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا) لِأَنَّ لِلْقِيَامِ بَدَلًا، وَهُوَ الْقُعُودُ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ وَالطَّهَارَةِ (وَلَوْ كَانَ) مَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ (لَوْ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَلَوْ اسْتَلْقَى حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ (أَوْ قَاعِدًا) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا. (قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَتْ الرِّيحُ تَتَمَاسَكُ جَالِسًا لَا سَاجِدًا لَزِمَهُ، السُّجُودُ بِالْأَرْضِ نَصًّا) وَقِيَاسُ قَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي يُومِئُ لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بُدَّ لَهُ، وَالسُّجُودُ لَهُ بَدَلٌ. (وَلَا يُبَاحُ وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ مِنْهُ أَوْ مِنْهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى فَحَرُمَ وَطْؤُهَا كَالْحَائِضِ، وَعَنْهُ يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمُّ حَبِيبَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ
فصل في النفاس
يَغْشَاهَا، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد وَقَدْ قِيلَ: إنَّ وَطْءَ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا. (فَإِنْ كَانَ) أَيْ: وُجِدَ خَوْفُ الْعَنَتِ مِنْهُ أَوْ خَافَتْهُ هِيَ وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ (أُبِيحَ) لَهُ وَطْؤُهَا (وَلَوْ لِوَاجِدِ الطُّولِ لِنِكَاحِ غَيْرِهَا) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ وَمُدَّتُهُ تَطُولُ (وَالشَّبَقُ الشَّدِيدُ كَخَوْفِ الْعَنَتِ) فَيُبِيحُ وَطْأَهَا وَلَوْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَالٍ تُبِيحُ وَطْءَ الْحَائِضِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ مَعَ أَمْنِ الضَّرَرِ نَصًّا) كَالْعَزْلِ وَ (قَالَ الْقَاضِي لَا يُبَاحُ إلَّا بِإِذْنِ الزَّوْجِ) أَيْ: لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الْوَلَدِ (وَفِعْلُ الرَّجُلِ ذَلِكَ بِهَا) أَيْ: إسْقَاؤُهُ إيَّاهَا دَوَاءً مُبَاحًا يَقْطَعُ الْحَيْضَ (مِنْ غَيْرِ عِلْمِهَا يَتَوَجَّهُ تَحْرِيمُهُ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِإِسْقَاطِ حَقِّهَا مِنْ النَّسْلِ الْمَقْصُودِ. (وَمِثْلُهُ) أَيْ: مِثْلُ شُرْبِهَا دَوَاءً مُبَاحًا لِقَطْعِ الْحَيْضِ (شَرْبَةُ كَافُورٍ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلِلرَّجُلِ شُرْبُ دَوَاءٍ مُبَاحٍ يَمْنَعُ الْجِمَاعَ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ (وَلَا يَجُوزُ مَا يَقْطَعُ الْحَمْلَ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ جَوَازُهُ كَإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ بَلْ أَوْلَى وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ لِأَنَّ فِيهِ قَطْعَ النَّسْلِ وَقَدْ يَتَوَجَّهُ جَوَازُهُ مِمَّا سَبَقَ فِي الْكَافُورِ فَإِنَّ شُرْبَهُ يَقْطَعُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَقَطْعِ الْحَيْضِ (وَيَجُوزُ) لِأُنْثَى (شُرْبُ دَوَاءٍ) مُبَاحٍ (لِحُصُولِ الْحَيْضِ، لَا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَهُ) كَالسَّفَرِ لِلْفِطْرِ. [فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ] ِ وَهُوَ بَقِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي احْتَبَسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنْ التَّنَفُّسِ وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْ الْجَوْفِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ: نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ، أَيْ: فَرَّجَهَا، وَهُوَ دَمٌ تُرْخِيهِ الرَّحِمُ مَعَ وِلَادَةٍ وَقَبْلَهَا بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مَعَ أَمَارَةٍ وَبَعْدَهَا إلَى تَمَامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (وَأَكْثَرُ مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مِنْ ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ) حَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو وَأُمِّ سَلَمَةَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَتَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ. وَقَالَ
إِسْحَاقُ: وَهُوَ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا (فَإِنْ رَأَتْهُ) أَيْ: الدَّمَ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ خُرُوجِ بَعْضِ الْوَلَدِ (بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَأَقَلَّ بِأَمَارَةٍ) كَتَوَجُّعٍ (فَ) هُوَ (نِفَاسٌ) كَالْخَارِجِ مَعَ الْوِلَادَةِ (وَلَا يُحْسَبُ) مَا قَبْلَ الْوِلَادَةِ (مِنْ مُدَّتِهِ) أَيْ: النِّفَاسِ. (وَإِنْ جَاوَزَ) دَمُ النِّفَاسِ (الْأَرْبَعِينَ) يَوْمًا (وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا) وَلَمْ يَزِدْ عَنْ الْعَادَةِ (فَ) الْمُجَاوِزُ (حَيْضٌ) لِأَنَّهُ دَمٌ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ يَتَّصِلُ بِزَمَنِ النِّفَاسِ. (فَإِنْ زَادَ) الْمُجَاوِزُ (عَلَى الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ) فَحَيْضٌ إنْ تَكَرَّرَ (أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةَ) حَيْضِهَا (وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ) أَيْ: أَكْثَرَ الْحَيْضِ (أَيْضًا فَحَيْضٌ إنْ تَكَرَّرَ) ثَلَاثًا كَدَمِ الْمُبْتَدَأَةِ الْمُجَاوِزِ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْعَادَةِ، وَجَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، أَوْ لَمْ يُصَادِفْ عَادَةً وَجَاوَزَ أَكْثَرَهُ (فَاسْتِحَاضَةٌ) وَلَوْ تَكَرَّرَ، لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا. (وَلَا تَدْخُلُ اسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ) كَمَا لَا تَدْخُلُ فِي مُدَّةِ حَيْضٍ لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَقْوَى (وَيَثْبُتُ حُكْمُ النِّفَاسِ وَلَوْ بِتَعَدِّيهَا) عَلَى نَفْسِهَا بِضَرْبٍ أَوْ شُرْبِ دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ لِأَنَّ وُجُودَ الدَّمِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ مِنْ جِهَتِهَا وَلَا يُمْكِنُهَا قَطْعُهُ بِخِلَافِ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، قَالَ الْقَاضِي: وَالسُّكْرُ جُعِلَ شَرْعًا كَمَعْصِيَةٍ مُسْتَدَانَةٍ يَفْعَلُهَا شَيْئًا فَشَيْئًا، بِدَلِيلِ جَرَيَانِ الْإِثْمِ وَالتَّكْلِيفِ (بِوَضْعِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ نَصًّا) . فَلَوْ وَضَعَتْ عَلَقَةً أَوْ مُضْغَةً لَا تَخْطِيطَ فِيهَا لَمْ يَثْبُتْ لَهَا بِذَلِكَ حُكْمُ النِّفَاسِ، وَيَأْتِي أَنَّ أَقَلَّ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ أَحَدٌ وَثَمَانُونَ يَوْمًا وَغَالِبُهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُمْ: ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: فَمَتَى رَأَتْ دَمًا عَلَى طَلْقٍ قَبْلَهَا لَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَبَعْدَهَا تُمْسِكُ عَنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ ثُمَّ إنْ انْكَشَفَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْوَضْعِ عَلَى الظَّاهِرِ، رَجَعَتْ فَاسْتَدْرَكَتْ وَإِنْ لَمْ يَنْكَشِفْ، بِأَنْ دُفِنَ وَلَمْ تَتَفَقَّدْ أَمْرَهُ اسْتَمَرَّ حُكْمُ الظَّاهِرِ إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ فِيهِ خَطَأٌ. (وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) أَيْ النِّفَاسِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى الْوُجُودِ وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا عَقِبَ سَبَبِهِ فَكَانَ نِفَاسًا، كَالْكَثِيرِ (فَيَثْبُتُ حُكْمُهُ) أَيْ النِّفَاسِ مِنْ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَنَحْوِهِ (وَلَوْ بِقَطْرَةٍ) وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقَدَّمَ فِي التَّلْخِيصِ لَحْظَةً (فَإِنْ انْقَطَعَ) الدَّمُ (فِي مُدَّتِهِ) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ (فَ) هِيَ (طَاهِرٌ) لِانْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ كَمَا لَوْ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ فِي عَادَتِهَا يُؤَيِّدهُ «مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إذَا وَلَدَتْ؟ قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِمَكَّةَ فَلَمْ تَرَ دَمًا فَلَقِيَتْ، عَائِشَةَ فَقَالَتْ أَنْتِ امْرَأَةٌ طَهَّرَكِ اللَّهُ (تَغْتَسِلُ
وَتُصَلِّي) وَتَصُومُ وَنَحْوُهُ (لِأَنَّهُ طُهْرٌ صَحِيحٌ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُكْرَهُ وَطْؤُهَا قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ بَعْدَ التَّطْهِيرِ) قَالَ أَحْمَدُ مَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهَا أَتَتْهُ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ فَقَالَ لَا تَقْرَبِينِي وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ. (فَإِنْ عَادَ) الدَّمُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ (فَمَشْكُوكٌ فِيهِ) أَيْ: فِي كَوْنِهِ دَمَ نِفَاسٍ أَوْ فَسَادٍ، لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ الْأَمَارَتَانِ (كَمَا لَمْ تَرَهُ) أَيْ: الدَّمَ مَعَ الْوِلَادَةِ (ثُمَّ رَأَتْهُ فِي الْمُدَّةِ) أَيْ: فِي الْأَرْبَعِينَ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ (فَتَصُومُ وَتُصَلِّي) أَيْ: تَتَعَبَّدُ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَسُقُوطُهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ وَفِي غُسْلِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ رِوَايَتَانِ. قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ عَدَمُ الْوُجُوبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَعَدَمِهِ، فَعَلَى هَذَا يَقْوَى عَدَمُ الِاسْتِحْبَابِ أَيْضًا اهـ مُلَخَّصًا قُلْتُ: إنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ قَوَّى الِاسْتِحْبَابَ، كَالْمُسْتَحَاضَةِ وَأَوْلَى (وَتَقْضِي صَوْمَ الْفَرْضِ) وَنَحْوِهِ، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ احْتِيَاطًا، وَلِوُجُوبِهِ يَقِينًا لَا يُقَالُ: إنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّوْمَ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِيَةِ إذَا صَامَتْ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى غَالِبِ الْحَيْضِ لِأَنَّهُ يَتَكَرَّرُ فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ (وَلَا يَأْتِيهَا فِي الْفَرْجِ) زَمَنَ هَذَا الدَّمِ، كَالْمُبْتَدَأَةِ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ قَبْلَ تَكَرُّرِهِ. (وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ) فَأَكْثَرَ (فَأَوَّلُ النِّفَاسِ وَآخِرُهُ) (مِنْ) ابْتِدَاءِ خُرُوجِ بَعْضِ (الْأَوَّلِ) لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِبَ الْوِلَادَةِ، فَكَانَ نِفَاسًا وَاحِدًا كَحَمْلٍ وَاحِدٍ وَوَضْعِهِ (فَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ: التَّوْأَمَيْنِ (أَرْبَعُونَ) فَأَكْثَرُ (فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي نَصًّا) لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ (بَلْ هُوَ) أَيْ: مَا خَرَجَ مَعَ الْوَلَدِ الثَّانِي بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْأَوَّلِ (دَمُ فَسَادٍ) لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَيْضًا وَلَا نِفَاسًا (وَيَجُوزُ شُرْبُ دَوَاءٍ لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ) . وَفِي أَحْكَامِ النِّسَاءِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ: يَحْرُمُ وَفِي الْفُرُوعِ عَنْ الْفُنُونِ: إنَّمَا الْمَوْءُودَةُ بَعْدَ التَّارَاتِ السَّبْعِ وَتَلَا {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12]- إلَى - {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] قَالَ وَهَذَا حَلَّتْهُ الرُّوحُ لِأَنَّ مَا لَمْ تَحِلَّهُ لَا يُبْعَثُ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا يَحْرُمُ إسْقَاطُهُ وَلَهُ وَجْهٌ وَمَنْ اسْتَمَرَّ دَمُهَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِهَا بِقَدْرِ الْعَادَةِ فِي وَقْتِهَا، وَوَلَدَتْ فَخَرَجَتْ الْمَشِيمَةُ وَدَمُ النِّفَاسِ مِنْ فَمِهَا: فَغَايَتُهُ نَقْضُ الْوُضُوءِ لِأَنَّا لَا نَتَحَقَّقُهُ حَيْضًا كَزَائِدٍ عَلَى الْعَادَةِ، كَمَنِيٍّ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ مَخْرَجِهِ ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ.
كتاب الصلاة
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَقِيلَ: عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ أَوْ مِنْ صَلَّيْت يَاءٌ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْت الْمُخَفَّفُ تَقُولُ صَلَيْت اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْته وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ. وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْت الْعَصَا تَصْلِيَةً أَدَرْته عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ (وَهِيَ) أَيْ: الصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ قَالَ تَعَالَى {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ: اُدْعُ لَهُمْ وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» . وَقَالَ الشَّاعِرُ: تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلَا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا وَشَرْعًا (أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ) وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ وَالتَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ) وَقِيلَ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلْبَةِ. (وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا، ثُمَّ نُودِيَ: يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسِينَ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ
الْإِسْرَاءُ (قَبْلَ الْهِجْرَةِ) مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ (بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ) عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَمْسِ سِنِينَ. (وَ) الصَّلَوَاتُ (الْخَمْسُ فَرْضُ عَيْنٍ) بِالْكِتَابِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] وَقَوْلِهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ} [البينة: 5] وَبِالسُّنَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبِالْإِجْمَاعِ. وَقَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ هَلْ تَجِدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَرَأَ {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] الْآيَتَيْنِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ. (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ الشَّرْعُ) أَيْ: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ الْأَحْكَامِ (كَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ حَرْبٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ نَشَأَ بِرَأْسِ جَبَلٍ (وَلَمْ يَسْمَعْ بِالصَّلَاةِ، فَيَقْضِيهَا) إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَتَعَلَّمَ حُكْمَهَا لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تُلْزَمُ إلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَأَجْرَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ، مِنْ تَيَمُّمٍ وَزَكَاةٍ وَنَحْوِهِمَا. (إلَّا حَائِضًا وَنُفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا وَلَا يَقْضِيَانِهَا، لِمَا مَرَّ (وَلَوْ طَرَحَتْ نَفْسَهَا) بِضَرْبٍ أَوْ دَوَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَتَقَدَّمَ. (وَتَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى نَائِمٍ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إذَا اسْتَيْقَظَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَالَ نَوْمِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَالْمَجْنُونِ، وَمِثْلُهُ السَّاهِي (وَيَجِبُ إعْلَامُهُ) أَيْ: النَّائِمِ (إذَا ضَاقَ الْوَقْتُ) صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي التَّمْهِيدِ. (وَتَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى مَنْ تَغَطَّى عَقْلُهُ بِمَرَضٍ، أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ دَوَاءٍ مُبَاحٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ، فَكَذَا الصَّلَاةُ، وَكَالنَّائِمِ وَلِأَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ هَلْ صَلَّيْت فَقَالُوا مَا صَلَّيْت مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ ". وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ نَحْوُهُ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ مُدَّةَ الْإِغْمَاءِ لَا تَطُولُ غَالِبًا وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ (أَوْ) تَغَطَّى عَقْلُهُ (بِمُحَرَّمٍ كَمُسْكِرٍ فَيَقْضِي) لِأَنَّ سُكْرَهُ مَعْصِيَةٌ فَلَا يُنَاسِبُ إسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ إذَا
وَجَبَ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ فَبِالْمُحَرَّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَقِيلَ: تَسْقُطُ إنْ كَانَ مُكْرَهًا (وَلَوْ زَمَنَ جُنُونِهِ لَوْ جُنَّ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ شُرْبِهِ الْمُسْكِرَ (مُتَّصِلًا) جُنُونُهُ (بِهِ) أَيْ: بِسُكْرِهِ الْمُحَرَّمِ، تَغْلِيظًا عَلَيْهِ قُلْت وَقِيَاسُ الصَّلَاةِ الصَّوْمُ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَةِ. (وَلَا تَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى كَافِرٍ أَصْلِيٍّ) لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا لِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ (بِمَعْنَى أَنَّا لَا نَأْمُرُهُ) أَيْ الْكَافِرَ (بِهَا) أَيْ: بِالصَّلَاةِ (فِي كُفْرِهِ وَلَا بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ) لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ بِقَضَاءٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْهُ) لِفَقْدِ شُرُوطِهَا (وَتَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْكَافِرِ (بِمَعْنَى الْعِقَابِ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ وَلَوْ مُرْتَدِّينَ، مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ) مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} [المدثر: 42] {قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ} [المدثر: 43] الْآيَةَ. (وَلَا تَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى مُرْتَدٍّ زَمَنَ رِدَّتِهِ) كَالْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْهُ) لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ (وَيَقْضِي) الْمُرْتَدُّ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ (مَا فَاتَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ) لِاسْتِقْرَارِهِ فِي ذِمَّتِهِ وَ (لَا) يَقْضِي مَا فَاتَهُ (زَمَنَهَا) أَيْ: زَمَنَ رِدَّتِهِ لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ كَالْأَصْلِيِّ. (وَلَا تَبْطُلُ عِبَادَتُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ (الَّتِي فَعَلَهَا قَبْلَ رِدَّتِهِ بِهَا) أَيْ: بِرِدَّتِهِ، وَقَوْلُهُ (مِنْ صَلَاةٍ وَصَوْمٍ وَحَجٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَزَكَاةٍ بَيَانٌ لِعِبَادَاتِهِ، فَلَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا إذَا أَسْلَمَ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ قَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ بِفِعْلِهِ قَبْلَ الرِّدَّةِ فَلَمْ تَشْتَغِلْ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنْ مَاتَ مُرْتَدًّا حَبِطَتْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} [البقرة: 217] الْآيَةَ. وَإِنْ ارْتَدَّ أَثْنَاءَ عِبَادَتِهِ بَطَلَتْ مُطْلَقًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] (وَلَا تَبْطُل اسْتِطَاعَةُ قَادِرٍ عَلَى الْحَجِّ بِهَا) أَيْ: بِالرِّدَّةِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْعَوْدِ لِلْإِسْلَامِ فَيَسْتَقِرُّ الْحَجُّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِي رِدَّتِهِ (وَلَا يَجِبُ) الْحَجُّ (بِاسْتِطَاعَتِهِ فِيهَا) أَيْ: فِي رِدَّتِهِ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ إذَنْ. (وَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ لَا يُفِيقُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ. وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ
وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ اتَّصَلَ جُنُونُهُ بِرِدَّتِهِ كَالْحَيْضِ وَقَدَّمَ فِي الْمُبْدِعِ: يَجِبُ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي الرِّدَّةِ، لِأَنَّ إسْقَاطَ الْقَضَاءِ عَنْ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَجْنُونِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةَ وَلَا تُمْكِنُ مِنْهُ (وَلَا قَضَاءَ) عَلَى الْمَجْنُونِ إذَا أَفَاقَ، لِعَدَمِ لُزُومِهَا لَهُ (وَكَذَا الْأَبْلَهُ الَّذِي لَا يُفِيقُ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ كَالْمَجْنُونِ يُقَالُ: بَلِهَ بَلَهًا، كَتَعِبَ، وَتَبَالَهَ: أَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ وَلَيْسَ بِهِ وَيُقَالُ: الْأَبْلَهُ أَيْضًا لِمَنْ غَلَبَتْ عَلَيْهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ. وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: يَعْنِي الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا، لِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا، وَهُمْ أَكْيَاسٌ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ. (وَإِنْ أَذَّنَ) كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ، حُكِمَ بِهِ لِاشْتِمَالِ الْأَذَانِ عَلَى الشَّهَادَتَيْنِ (أَوْ صَلَّى فِي أَيِّ حَالٍ، أَوْ) أَيِّ (مَحَلٍّ كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ) كَالْمُمَيِّزِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا فَلَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا» لَكِنْ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَوْقُوفًا مِنْ قَوْلِهِ حِينَ سَأَلَهُ مَيْمُونُ بْنُ شياه فَقَالَ «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَصَلَّى صَلَاتَنَا وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ» . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ شَرْعَنَا، أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ. وَيُحْكَمُ بِكُفْرِ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ فَكَذَا عَكْسُهُ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ بَيَانُ مَنْ يَصِحُّ إسْلَامُهُ، وَبَيَانُ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالْإِسْلَامِ بِالصَّلَاةِ (وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ) أَيْ: الْكَافِرِ (ظَاهِرًا) لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا. وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ (وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ) فَلَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَعَدَمِ صِحَّتِهَا مِنْ كَافِرٍ وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِإِسْلَامِهِ بِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَوْ الْأَذَانِ، فَتَرِكَتُهُ لِأَقَارِبِهِ الْمُسْلِمِينَ، دُونَ الْكُفَّارِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِنَا وَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَالَ إنَّمَا صَلَّيْت، أَوْ إنَّمَا أَذَّنْت مُتَلَاعِبًا، أَوْ مُسْتَهْزِئًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا لَوْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أُرِدْ الْإِسْلَامَ (وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ وَحَجِّهِ وَلَا بِصَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ) لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة: 28]- الْآيَةَ وَلَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِمْ بِذَلِكَ وَكَذَا بَاقِي الْعِبَادَاتِ
غَيْرَ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَلِأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ شَرْعَنَا بِخِلَافِ الصَّلَاةِ. (وَلَا تَجِبُ) الْخَمْسُ (عَلَى صَغِيرٍ لَمْ يَبْلُغْ) لِلْخَبَرِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ، كَالْحَجِّ، وَالطِّفْلُ لَا يَعْقِلُ وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَكْمُلُ فِيهَا عَقْلُهُ وَبِنْيَتُهُ تَخْفَى وَتَخْتَلِفُ، فَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَلَامَةً ظَاهِرَةً، وَهِيَ الْبُلُوغُ (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الصَّغِيرِ (إلَّا مِنْ مُمَيِّزٍ) أَيْ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ مِنْ صَغِيرٍ لَمْ يُمَيِّزْ لِفَقْدِ شَرْطِهَا وَهُوَ النِّيَّةُ، وَتَصِحُّ مِنْ مُمَيِّزٍ. (وَهُوَ مَنْ بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ) قَالَ فِي الْمُطْلِعِ: هُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ وَيَرُدُّ الْجَوَابَ وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، وَصَوَّبَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَقَالَ: إنَّ الِاشْتِقَاقَ يَدُلُّ عَلَيْهِ (وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ) أَيْ: الْمُمَيِّزِ (مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْكَبِيرِ) أَيْ: الْبَالِغِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (إلَّا فِي السُّتْرَةَ عَلَى مَا يَأْتِي) تَفْصِيلُهُ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِاخْتِلَافِهَا بِحَسَبِ الْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ (وَالثَّوَابُ لَهُ) أَيْ: ثَوَابُ صَلَاةِ الْمُمَيِّزِ لِلْمُمَيِّزِ، لِأَنَّهُ الْعَامِلُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] . (وَكَذَا أَعْمَالُ الْبِرِّ كُلُّهَا) إذَا عَمِلَهَا غَيْرُ الْبَالِغِ، كَانَ ثَوَابُهَا كَالصَّلَاةِ، وَلِحَدِيثِ «أَلِهَذَا - أَيْ: الصَّبِيِّ - حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» وَيَأْتِي (فَهُوَ) أَيْ: الصَّغِيرُ (يُكْتَبُ لَهُ) مَا عَمِلَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ (وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ) مَا عَمِلَهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ، لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ. (وَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَمْرُهُ) أَيْ: الْمُمَيِّزِ (بِهَا) أَيْ: بِالصَّلَاةِ (إذَنْ) أَيْ حِينَ يَتِمُّ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ سَوَّارٍ بْنِ دَاوُد وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ (وَ) يَلْزَمُ الْوَلِيَّ (تَعْلِيمُهُ إيَّاهَا) أَيْ: الصَّلَاةَ (وَتَعْلِيمُ طَهَارَةٍ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الصَّلَاةِ إلَّا إذَا عُلِّمَهَا فَإِذَا عُلِّمَهَا احْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِالطَّهَارَةِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنْهَا فَإِنْ احْتَاجَ إلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الصَّغِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وَكَذَا إصْلَاحُ مَا لَهُ وَكَفُّهُ عَنْ الْمَفَاسِدِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الصِّيَامَ وَنَحْوَهُ وَيُعَرِّفُ تَحْرِيمَ الزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ وَنَحْوِهَا وَيُعَرِّفُ أَنَّهُ بِالْبُلُوغِ يَدْخُلُ فِي التَّكْلِيفِ، وَيُعَرِّفُهُ مَا يَبْلُغُ بِهِ وَقِيلَ: هَذَا التَّعْلِيمُ مُسْتَحَبٌّ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهُ (وَيُضْرَبُ) الْمُمَيِّزُ (وَلَوْ رَقِيقًا عَلَى تَرْكِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (لِعَشْرٍ) أَيْ: عِنْدَ بُلُوغِهِ عَشْرَ سِنِينَ تَامَّةً (وُجُوبًا) لِلْخَبَرِ، وَالْأَمْرِ
وَالضَّرْبُ فِي حَقِّهِ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا فَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ. (وَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا (أَوْ) بَلَغَ (بَعْدَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إعَادَتُهَا) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ عَنْ الْفَرْضِ كَمَا لَوْ نَوَاهَا نَفْلًا وَكَمَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الْحَجِّ (وَ) يَلْزَمُهُ (إعَادَةُ تَيَمُّمٍ لِفَرْضٍ) لِأَنَّ تَيَمُّمَهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ كَانَ لِنَافِلَةٍ فَلَا يَسْتَبِيحُ بِهِ الْفَرْضَ (وَلَا) يَلْزَمُهُ إعَادَةُ (وُضُوءٍ) وَلَا غُسْلِ جَنَابَةٍ لِأَنَّ مَنْ تَوَضَّأَ أَوْ اغْتَسَلَ لِنَافِلَةٍ اسْتَبَاحَ بِهِ الْفَرِيضَةَ لِرَفْعِهِ الْحَدَثَ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا (إعَادَةُ إسْلَامٍ) لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ لَا يَصِحُّ نَفْلًا فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَبُ (وَيَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (إذَا بَلَغَ فِيهَا) قَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي فِي النِّهَايَةِ، وَتَبِعَهُ ابْنُ عُبَيْدَانَ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَحَيْثُ وَجَبَتْ لَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي النَّفْلِ. أَيْ: إنْ قُلْنَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى ابْنِ عَشْرٍ فَبَلَغَ فِيهَا، لَزِمَهُ إتْمَامُهَا وَإِعَادَتُهَا وَإِنْ قُلْنَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، كَمَا هُوَ الْمَذْهَبُ فَبَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا فَوُجُوبُ إتْمَامِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِيمَنْ شَرَعَ فِي نَفْلٍ هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ، وَالصَّحِيحُ كَمَا يَأْتِي: لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُهُ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا. (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ (تَأْخِيرُهَا أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا عَنْ وَقْتِ الْجَوَازِ) أَيْ وَقْتِ الصَّلَاةِ، إنْ كَانَ لَهَا وَقْتٌ وَاحِدٌ وَوَقْتِ الِاخْتِيَارِ إنْ كَانَ لَهَا وَقْتَانِ (إنْ كَانَ ذَاكِرًا لَهَا قَادِرًا عَلَى فِعْلِهَا) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ تُؤَخَّرَ صَلَاةٌ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إيقَاعُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا كُلِّهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ، مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ وَلِأَنَّهُ لَوْ عُذِرَ بِالتَّأْخِيرِ لَفَاتَتْ فَائِدَةُ التَّأْقِيتِ (إلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ) لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ. لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي وَلِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا يَصِيرَانِ وَقْتًا وَاحِدًا لَهُمَا، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى اسْتِثْنَائِهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتٌ مَعْلُومٌ، فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ إخْرَاجُهُ (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا الَّذِي يُحَصِّلُهُ قَرِيبًا كَالْمُشْتَغِلِ بِالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ) وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، إذَا انْخَرَقَ ثَوْبُهُ، وَاشْتَغَلَ بِخِيَاطَتِهِ. وَلَيْسَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا بَدَلَ لَهُ وَ (لَا) يَجُوزُ التَّأْخِيرُ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا (الْبَعِيدِ كَالْعُرْيَانِ لَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى قَرْيَةٍ أُخْرَى يَشْتَرِي مِنْهَا ثَوْبًا) أَوْ يَسْتَأْجِرُهُ وَنَحْوُهُ (وَلَا يُصَلِّي
فصل من جحد وجوب صلاة من الخمس
إلَّا بَعْدَ الْوَقْتِ) فَيُصَلِّي عُرْيَانًا (وَكَالْعَاجِزِ عَنْ تَعَلُّمِ التَّكْبِيرِ وَالتَّشَهُّدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْفَاتِحَةِ وَأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ إذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ (بَلْ يُصَلِّي فِي الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ) تَقْدِيمًا لِلْوَقْتِ لِسُقُوطِ الشَّرْطِ إذَنْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ (تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهَا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ (بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا فِيهِ) أَيْ: فِي الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ وَنَحْوِهِ، مِمَّنْ وَقْتُهُ مُوَسَّعٌ (مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ (كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ وَحَيْضٍ) فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ ذَلِكَ. (وَكَذَا مَنْ) عَدِمَ السُّتْرَةَ إذَا (أُعِيرَ سُتْرَةً أَوَّلَ الْوَقْتِ فَقَطْ) فَيَلْزَمُهُ أَدَاؤُهَا إذَنْ، لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهَا بِشَرْطِهَا (وَ) كَذَا (مُتَوَضِّئٌ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ) كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَوْ فِي الْحَضَرِ، لِقَطْعِ عَدُوٍّ مَاءَ بَلْدَةٍ وَنَحْوِهِ (وَطَهَارَتُهُ لَا تَبْقَى إلَى آخِرِ الْوَقْتِ وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ) أَيْ الْمَاءِ فِي الْوَقْتِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِوُضُوئِهِ (وَ) كَذَا (مُسْتَحَاضَةٌ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا) وَفِعْلِ الْوُضُوءِ (فَيَتَعَيَّنُ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ) سَوَاءٌ كَانَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، أَوْ وَسَطَهُ أَوْ آخِرَهُ. (وَمَنْ لَهُ التَّأْخِيرُ) أَيْ: تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ (فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ) فِي الْوَقْتِ (لَمْ يَأْثَمْ) لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ (وَتَسْقُطُ بِمَوْتِهِ) قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ (وَيَحْرُمُ التَّأْخِيرُ) لِلصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا (بِلَا عُذْرٍ إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ) كَمَا يَحْرُمُ إخْرَاجُهَا عَنْ وَقْتِهَا وَتَقَدَّمَ. [فَصْلٌ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ صَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ] فَصْلٌ (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا) أَيْ وُجُوبَ صَلَاةٍ مِنْ الْخَمْسِ (كَفَرَ إنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ كَمَنْ نَشَأَ بِدَارِ الْإِسْلَامِ) زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ وَإِنْ فَعَلَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهَا إلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُهُ) أَيْ: وُجُوبَهَا (كَحَدِيثِ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ أَوْ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ عُرِّفَ وُجُوبَهَا وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ) لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فَإِنْ قَالَ: أُنْسِيتُهَا قِيلَ لَهُ: صَلِّ الْآنَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْجَزُ عَنْهَا لِعُذْرٍ، كَمَرَضٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنْ أَرْكَانِهَا، أُعْلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى الْجَحْدِ
(كَفَرَ) لِمَا سَبَقَ. (فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا وَكَسَلًا) لَا جُحُودًا (دَعَاهُ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ إلَى فِعْلِهَا) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ يَعْتَقِدُ سُقُوطَهَا بِهِ، كَالْمَرَضِ وَنَحْوِهِ وَيُهَدِّدُهُ فَيَقُولُ لَهُ: إنْ صَلَّيْت وَإِلَّا قَتَلْنَاك وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (فَإِنْ أَبَى) أَنْ يُصَلِّيَهَا (حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الَّتِي دُعِيَ لَهَا عَنْ فِعْلِ الثَّانِيَةِ كَمَا جَزَمَ بِهِ فِي مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ تَبَعًا لِلْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ (وَجَبَ قَتْلُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 5]- إلَى قَوْلِهِ - {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة: 5] فَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ التَّخْلِيَةِ، فَيَبْقَى عَلَى إبَاحَةِ الْقَتْلِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ جَيِّدٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَلِأَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ فَقُتِلَ تَارِكُهَا كَالشَّهَادَتَيْنِ وَلَا يُقْتَلُ بِتَرْكِ الْأُولَى لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ أَنَّهُ عَزَمَ عَلَى تَرْكِهَا إلَّا بِخُرُوجِ وَقْتِهَا فَإِذَا خَرَجَ عَلِمْنَا أَنَّهُ تَرَكَهَا وَلَا يَجِبُ قَتْلُهُ بِهَا لِأَنَّهَا فَائِتَةٌ فَإِذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ وَجَبَ قَتْلُهُ (وَلَا يُقْتَلُ) مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا وَكَذَا مَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا (حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمُرْتَدٍّ) أَيْ: كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ (نَصًّا) وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُضْرَبُ (فَإِنْ تَابَ) مِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا (بِفِعْلِهَا) أَيْ: بِفِعْلِ الصَّلَاةِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ، نَقَلَ صَالِحٌ: تَوْبَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ لِأَنَّ كُفْرَهُ بِالِامْتِنَاعِ مِنْهَا، فَحَصَلَتْ تَوْبَتُهُ بِهَا، بِخِلَافِ جَاحِدِهَا، فَإِنَّ تَوْبَتَهُ إقْرَارُهُ بِمَا جَحَدَهُ مَعَ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ الْمُرْتَدِّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتُبْ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ (قُتِلَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ) بِالسَّيْفِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْ: الْهَيْئَةَ مِنْ الْقَتْلِ (لِكُفْرِهِ) عِلَّةٌ لِقَتْلِهِ. لِمَا رَوَى جَابِرٌ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَقَالَ عُمَرُ " لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ " وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوَّلُ مَا تَفْقِدُونَ مِنْ دِينِكُمْ الْأَمَانَةُ وَآخِرُ مَا تَفْقِدُونَ الصَّلَاةُ» قَالَ أَحْمَدُ كُلُّ شَيْءٍ ذَهَبَ آخِرُهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِفِعْلِهَا فِي الْإِسْلَامِ فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ كَالشَّهَادَتَيْنِ (وَحَيْثُ كَفَرَ فَ) إنَّهُ يُقْتَلُ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ، وَلَا يُغَسَّلُ
وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَ (لَا يُرَقُّ وَلَا يُسْبَى لَهُ أَهْلٌ وَلَا وَلَدٌ) كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ (وَلَا قَتْلَ وَلَا تَكْفِيرَ قَبْلَ الدِّعَايَةِ) بِحَالٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ تَرْكُهَا لِشَيْءٍ يَظُنُّهُ عُذْرًا فِي تَرْكِهَا. (قَالَ الشَّيْخُ وَتَنْبَغِي الْإِشَاعَةُ عَنْهُ بِتَرْكِهَا، حَتَّى يُصَلِّيَ وَلَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَلَا إجَابَةُ دَعْوَتِهِ انْتَهَى) لَعَلَّهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ وَيَرْجِعُ. (وَمَنْ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ قَضَى صَلَاتَهُ مُدَّةَ امْتِنَاعِهِ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى رَاجَعَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَقْضِ مُدَّةَ امْتِنَاعِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ ثُمَّ حَكَى كَلَامَ الْفُرُوعِ. (وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الْجُمُعَةِ؛ كَفَرَ) لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهَا وَظُهُورِ حُكْمِهَا فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ بِهِ، إلَّا إذَا كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ (وَكَذَا لَوْ تَرَكَ رُكْنًا) مُجْمَعًا عَلَيْهِ (أَوْ شَرْطًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِأَنَّهُ كَتَرْكِهَا (أَوْ) تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا (مُخْتَلَفًا فِيهِ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ) فَهُوَ كَتَرْكِ جَمِيعِهَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ قَالَ: كَمَا نَحُدُّهُ بِفِعْلِ مَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ صَدْرُ الْوُزَرَاءِ عَوْنُ الدِّينِ أَبُو الْمُظَفَّرِ يَحْيَى بْنُ هُبَيْرَةَ الشَّيْبَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ فِي قَوْلِ حُذَيْفَةَ وَقَدْ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ: " مَا صَلَّيْت وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ": فِيهِ أَنَّ إنْكَارَ الْمُنْكَرِ فِي مِثْلِ هَذَا يُغَلَّظُ لَهُ لَفْظُ الْإِنْكَارِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَإِلَى تَغْلِيظِ الْأَمْرِ فِي الصَّلَاةِ؛ حَتَّى أَنَّ (مَنْ أَسَاءَ فِي صَلَاتِهِ وَلَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا) فَإِنَّ (حُكْمَهُ حُكْمُ تَارِكِهَا) اهـ. (وَعِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ) كَالشَّارِحِ (لَا يُقْتَلُ بِمُخْتَلَفٍ فِيهِ) كَمَا لَا يُحَدُّ الْمُتَزَوِّجُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ (وَهُوَ أَظْهَرُ) لِلشُّبْهَةِ (وَلَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ تَهَاوُنًا غَيْرَ الصَّلَاةِ، فَلَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ زَكَاةٍ بُخْلًا، وَلَا بِتَرْكِ صَوْمٍ وَحَجٍّ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ تَهَاوُنًا) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ لَمْ يَكُنْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ (وَيُقْتَلُ فِيهِنَّ حَدًّا) لِمَا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهَا (وَلَا يُقْتَلُ بِ) تَرْكِ (صَلَاةٍ فَائِتَةٍ وَلَا بِتَرْكِ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِهَا فَوْرًا. خَاتِمَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ بِمَ كَفَرَ إبْلِيسُ؟ فَذَكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا: أَنَّهُ كَفَرَ بِتَرْكِ السُّجُودِ لَا بِجُحُودِهِ، وَقِيلَ: كَفَرَ لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ الشِّفَاهِيَّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ خَاطَبَهُ بِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ بُرْهَانُ الدِّينِ وَلَدُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، فِي الِاسْتِعَاذَاتِ لَهُ،
باب الأذان والإقامة
وَقَالَ جُمْهُورُ النَّاسِ كَفَرَ إبْلِيسُ لِأَنَّهُ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَعَانَدَ، وَطَعَنَ وَأَصَرَّ، وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ مُحِقٌّ فِي تَمَرُّدِهِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ، فَكَأَنَّهُ تَرَكَ السُّجُودَ لِآدَمَ تَسْفِيهًا لِأَمْرِهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ وَعَنْ هَذَا الْكِبْرِ عَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: إنَّمَا أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ وَالِاسْتِكْبَارُ كُفْرٌ وَقَالَتْ الْخَوَارِجُ كَفَرَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ كُفْرٌ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ. [بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ] وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا فِي الْأَحْكَامِ (وَهُوَ) أَيْ: الْأَذَانُ لُغَةً الْإِعْلَامُ؛ قَالَ تَعَالَى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 3] أَيْ: إعْلَامٌ وَقَالَ {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] أَيْ: أَعْلِمْهُمْ وَقَالَ الشَّاعِرُ: آذَنَتْنَا بِبَيْنِهَا أَسْمَاءُ أَيْ أَعْلَمَتْنَا يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ تَأْذِينًا وَأَذَانًا وَأَذِينًا، عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ، إذَا أَعْلَمَ بِهِ فَهُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ وَأَصْلُهُ مِنْ الْأُذُنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ لِأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ وَشَرْعًا (الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ) الْإِعْلَامُ بِ (قُرْبِهِ لِفَجْرٍ) فِي الْجُمْلَةِ، لِأَنَّهُ يَصِحُّ الْأَذَانُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، كَمَا يَأْتِي. (وَهِيَ) أَيْ: الْإِقَامَةُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقَامَ وَحَقِيقَتُهُ: إقَامَةُ الْقَاعِدِ أَوْ الْمُضْطَجِعِ فَكَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ إذَا أَتَى بِأَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ، وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ وَشَرْعًا (الْإِعْلَامُ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الصَّلَاةِ (بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَهُمَا مَشْرُوعَانِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا} [المائدة: 58] {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَهِيَ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ وَمِنْهَا: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ «لَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي
وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْت: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلْت أَدْعُو بِهِ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّك عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْت بَلَى قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَلَمَّا أَصْبَحْت أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرْته بِمَا رَأَيْت فَقَالَ: إنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ، فَلْيُؤَذِّنْ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك فَقُمْت مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْت أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ قَالَ فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، يَقُولُ: وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الَّذِي رَأَى فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ «لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ ذَكَرُوا أَنْ يُعَلِّمُوا وَقْتَ الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ يَعْرِفُونَهُ فَذَكَرُوا أَنْ يُوقِدُوا نَارًا أَوْ يَضْرِبُوا نَاقُوسًا فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» . (وَهُوَ) أَيْ: الْأَذَانُ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ) لِزِيَادَتِهِ عَلَيْهَا (وَ) أَفْضَلُ مِنْ (الْإِمَامَةِ) وَيَدُلُّ لِفَضْلِ الْأَذَانِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْت الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَيَشْهَدُ لِفَضْلِ الْأَذَانِ عَلَى الْإِمَامَةِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «الْإِمَامُ ضَامِنٌ وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ اللَّهُمَّ أَرْشِدْ الْأَئِمَّةَ وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَالْأَمَانَةُ أَعْلَى مِنْ الضَّمَانِ وَالْمَغْفِرَةُ أَعْلَى مِنْ الْإِرْشَادِ
وَإِنَّمَا لَمْ يَتَوَلَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ الْأَذَانَ لِضِيقِ وَقْتِهِمْ عَنْهُ قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا الْخِلَافَةُ لَأَذَّنْت قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ، وَأَمَّا إمَامَتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِمَامَةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَكَانَتْ مُتَعَيَّنَةً عَلَيْهِمْ فَإِنَّهَا وَظِيفَةُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَلَمْ يُمْكِنْ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَذَانِ فَصَارَتْ الْإِمَامَةُ فِي حَقِّهِمْ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ، لِخُصُوصِ أَحْوَالِهِمْ وَإِنْ كَانَ لِأَكْثَرِ النَّاسِ الْأَذَانُ أَفْضَلَ (وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ) أَيْ الْأَذَانِ (وَبَيْنَ الْإِمَامَةِ) بَلْ ذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَفْضَلُ وَقَالَ أَيْضًا: مَا صَلُحَ لَهُ فَهُوَ أَفْضَلُ. (وَهُوَ) أَيْ: الْأَذَانُ (وَالْإِقَامَةُ فَرْضَا كِفَايَةٍ لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ وَالْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ عَلَى أَحَدِهِمْ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ فَكَانَا فَرْضَ كِفَايَةٍ كَالْجِهَادِ، وَذِكْرِ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ (دُونَ غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْخَمْسِ، فَلَا يُشْرَعُ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ لِمَنْذُورَةٍ وَلَا نَافِلَةٍ، وَلَا جِنَازَةٍ، وَلَا عِيدٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُمَا الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالْقِيَامُ إلَيْهَا وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ (لِلرِّجَالِ جَمَاعَةٌ) أَيْ: عَلَيْهِمْ، وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَرْضُ كِفَايَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ الْمُنْفَرِدِ بِمَكَانٍ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ هُنَا اثْنَانِ فَأَكْثَرُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: الْأَحْرَارِ، إذْ فَرْضُ الْكِفَايَةِ لَا يَلْزَمُ رَقِيقًا، أَيْ: فِي الْجُمْلَةِ (فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَغَيْرِهِمَا حَضَرًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَيُكْرَهَانِ لِلنِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى، وَلَوْ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي التَّحْرِيمِ جَهْرًا لِلْخِلَافَاتِ فِي قِرَاءَةٍ وَتَلْبِيَةٍ اهـ وَيَأْتِي قَوْلُهُ: وَتُسِرُّ بِالْقِرَاءَةِ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ أَيْ: وُجُوبًا، وَلَا فَرْقَ،. وَالْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (مَسْنُونَانِ لِقَضَاءِ) فَرِيضَةٍ مِنْ الْخَمْسِ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ قَالَ «كُنَّا مَعَ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَنَامَ عَنْ الصُّبْحِ، حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ فَاسْتَيْقَظَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: تَنَحَّوْا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الصُّبْحِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ أَيْضًا (لِمُصَلٍّ وَحْدَهُ وَمُسَافِرٍ وَرَاعٍ وَنَحْوِهِ)
لِخَبَرِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْت الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «يَعْجَبُ رَبُّك مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ الشَّظِيَّةِ لِلْجَبَلِ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اُنْظُرُوا إلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي قَدْ غَفَرْت لِعَبْدِي وَأَدْخَلْته الْجَنَّةَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (إلَّا أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِ) أَيْ: الْأَذَانِ (فِي الْقَضَاءِ إنْ خَافَ تَلْبِيسًا، وَكَذَا) لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ إذَا أَذَّنَ (فِي غَيْرِ وَقْتِ الْأَذَانِ) الْمَعْهُودِ لَهُ عَادَةً كَأَوَاسِطِ الْوَقْتِ وَأَوَاخِرِهِ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلْبِيسِ. (وَكَذَا) لَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لِأَذَانٍ (فِي بَيْتِهِ الْبَعِيدِ عَنْ الْمَسْجِدِ بَلْ يُكْرَهُ) لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ إذَنْ (لِئَلَّا يُضَيِّعَ مَنْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ) إذَا سَمِعَهُمَا وَقَصَدَهُمَا جَرْيًا عَلَى الْعَادَةِ (وَلَيْسَا) أَيْ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (بِشَرْطٍ لِلصَّلَاةِ، فَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِدُونِهِمَا) لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إلَّا بِمَسْجِدٍ قَدْ صَلَّى فِيهِ وَيَأْتِي (وَيُشْرَعَانِ) أَيْ: يُسَنَّانِ (لِلْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي غَيْرِ الْجَوَامِعِ الْكِبَارِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (وَإِنْ كَانَ) مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ (فِي بَادِيَةٍ رَفَعَ صَوْتَهُ) بِالْأَذَانِ، هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِمْ فِي الرِّعَايَةِ، وَحَسَّنَهُ فِي الْإِنْصَافِ، لِأَمْنِ اللَّبْسِ. (وَلَا يُشْرَعَانِ) أَيْ الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ أَتَى الْمَسْجِدَ بَلْ حَصَلَتْ لَهُمْ الْفَضِيلَةُ) بِأَذَانِ أَحَدِهِمْ (كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ) تَكُونُ قِرَاءَةً (لِلْمَأْمُومِ) . وَهَلْ صَلَاةُ مَنْ أَذَّنَ لِصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ فَضْلٌ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ، أَمْ هِيَ وَصَلَاةُ مَنْ أُذِّنَ لَهُ سَوَاءٌ لِحُصُولِ سُنَّةِ الْأَذَانِ؟ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ، نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ (وَلِأَنَّهُ قَامَ بِهِمَا) أَيْ: الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (مَنْ يَكْفِي، فَسَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ) كَسَائِرِ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (يَكْفِيهِمْ) أَيْ: السَّامِعِينَ (مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ) فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِمَا يَأْتِي. (فَإِنْ اقْتَصَرَ الْمُسَافِرُ) عَلَى الْإِقَامَةِ لَمْ يُكْرَهْ (أَوْ) اقْتَصَرَ (الْمُنْفَرِدُ عَلَى الْإِقَامَةِ) لَمْ يُكْرَهْ نَصَّ عَلَيْهِ (أَوْ صَلَّى بِدُونِهَا) أَيْ: الْإِقَامَةِ (فِي مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ لَمْ يُكْرَهْ) كَمَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ وَتَقَدَّمَ قُلْت وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ فِعْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. (وَيُنَادَى لِعِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ: الصَّلَاةَ جَامِعَةً، أَوْ الصَّلَاةَ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُنَادَى لِكُسُوفٍ لِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَاسْتِسْقَاءٍ وَعِيدٍ الصَّلَاةَ جَامِعَةً أَوْ الصَّلَاةَ، بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: بِنَصْبِهِمَا وَرَفْعِهِمَا وَقِيلَ: لَا يُنَادَى وَقِيلَ: لَا يُنَادَى فِي عِيدٍ كَجِنَازَةٍ وَتَرَاوِيحَ عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ «لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ خُرُوجِ الْإِمَامِ
وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَأْتِي بَعْضُهُ) فِي مَوَاضِعِهِ. (وَلَا يُنَادَى عَلَى الْجِنَازَةِ وَالتَّرَاوِيحِ) لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ وَأَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ مَا يُفْعَلُ عِنْدَ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ مِنْ إنْشَادِ الشِّعْرِ، وَذِكْرِ الْأَوْصَافِ الَّتِي قَدْ يَكُونُ أَكْثَرُهَا كَذِبًا، بَلْ هُوَ مِنْ النِّيَاحَةِ. (فَإِنْ تَرَكَهُمَا) أَيْ: الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ (أَهْلُ بَلَدٍ قُوتِلُوا) أَيْ: قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ لِيَفْعَلُوهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَقُوتِلُوا عَلَى تَرْكِهِمَا كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا أَجْزَأَ عَنْ الْكُلِّ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «وَاِتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ وَكَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ أَشْبَهَ الْإِمَامَةَ. (وَيَجُوزُ أَخْذُ الْجَعَالَةِ) عَلَيْهِمَا (وَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ) مُفَصَّلًا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ بِهِمَا رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) أَيْ: أَعْطَى مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ وَالرِّزْقُ الْعَطَاءُ وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ وَلَوْ مُحَرَّمًا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الْأَرْزَاقُ نَوْعَانِ ظَاهِرَةٌ لِلْأَبْدَانِ كَالْأَقْوَاتِ، وَبَاطِنَةٌ لِلْقُلُوبِ وَالنُّفُوسِ، كَالْمَعَارِفِ وَالْعُلُومِ (مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) لِأَنَّ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إلَيْهِمَا قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ (وَلَا يَجُوزُ بَذْلُ الرِّزْقِ) مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِمَنْ يَقُومُ بِهِمَا (مَعَ وُجُودِ الْمُتَطَوِّعِ) بِهِمَا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَيُسَنُّ أَذَانٌ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ الْيُمْنَى، حِينَ يُولَدُ، وَ) أَنْ (يُقِيمَ فِي الْيُسْرَى) مِنْ أُذُنَيْهِ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَلِخَبَرِ ابْنِ السُّنِّيِّ «مَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ فَأَذَّنَ فِي أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَ فِي الْيُسْرَى لَمْ تَضُرَّهُ أُمُّ الصِّبْيَانِ» أَيْ التَّابِعَةُ مِنْ الْجِنِّ وَلِيَكُونَ التَّوْحِيدُ أَوَّلَ شَيْءٍ يَقْرَعُ سَمْعَهُ حِينَ خُرُوجِهِ إلَى الدُّنْيَا، كَمَا يُلَقَّنُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا؛ وَلِمَا فِيهِ مِنْ طَرْدِ الشَّيْطَانِ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ وَفِي مُسْنَدِ رَزِينٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ» وَالْمُرَادُ أُذُنُهُ الْيُمْنَى قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَيُسَنُّ كَوْنُ الْمُؤَذِّنِ صَيِّتًا) أَيْ: رَفِيعَ الصَّوْتِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ،
فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْك» وَاخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِلْأَذَانِ، لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (أَمِينًا) أَيْ: عَدْلًا، لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسُحُورِهِمْ الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَفِي إسْنَادِهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَفِيهِ كَلَامٌ وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يُؤْتَمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يَعْلُو لِلْأَذَانِ، فَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إلَى الْعَوْرَاتِ (بَصِيرًا) لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ. وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَذَانَهُ وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إقَامَتَهُ (عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ) لِيَتَحَرَّاهَا، فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْ الْخَطَإِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُؤَذِّنُ (عَبْدًا، وَيَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ) قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حُرِّيَّتُهُ اتِّفَاقًا، لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَيْ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ) الْمُؤَذِّنُ (حَسَنَ الصَّوْتِ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ (وَأَنْ يَكُونَ بَالِغًا) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، وَلِأَنَّهُ أَكْمَلُ (وَإِنْ كَانَ) الْمُؤَذِّنُ (أَعْمَى وَلَهُ مَنْ يُعْلِمُهُ بِالْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهْ نَصًّا) لِفِعْلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. (فَإِنْ تَشَاحَّ) مِنْ الشُّحِّ وَهُوَ الْبُخْلُ مَعَ حِرْصٍ (فِيهِ) أَيْ: الْأَذَانِ (اثْنَانِ فَأَكْثَرُ قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " قَدَّمَ بِلَالًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَنْدَى صَوْتًا مِنْهُ " وَقِسْنَا بَقِيَّةَ الْخِصَالِ عَلَيْهِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ قُدِّمَ (أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّهُ إذَا قُدِّمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الصَّوْتِ، فَبِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَوْلَى لِأَنَّ مُرَاعَاتَهُمَا أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الصَّوْتِ لِأَنَّ الضَّرَرَ بِفَقْدِهِمَا أَشَدُّ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ قُدِّمَ (مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ الْمُصَلُّونَ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ) لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِهِمْ فَكَانَ لِرِضَاهُمْ أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ، وَلِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ عَنْ النَّظَرِ. (فَإِنْ اسْتَوَوْا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ وَلِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِبْهَامَ (وَإِنْ قَدَّمَ) مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْدِيمِ (أَحَدَهُمْ بَعْدَ الِاسْتِوَاءِ) فِي الْخِصَالِ السَّابِقَةِ (لِكَوْنِهِ أَعْمَرَ لِلْمَسْجِدِ وَأَتَمَّ مُرَاعَاةً لَهُ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَقْدَمَ تَأْذِينًا أَوْ أَبُوهُ) أَقْدَمَ تَأْذِينًا (أَوْ لِكَوْنِهِ) (مِنْ أَوْلَادِ مَنْ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَذَانَ فِيهِ، فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ بِهَذِهِ الْخِصَالِ إلَّا إذَا رَآهَا مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّقْدِيمِ، بِخِلَافِ الْخِصَالِ الَّتِي قَبْلَهَا (وَبَصِيرٌ، وَحُرٌّ، وَبَالِغٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) فَالْبَصِيرُ أَوْلَى مِنْ الْأَعْمَى، وَالْحُرُّ أَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ وَالْمُبَعَّضِ، وَالْبَالِغُ أَوْلَى مِمَّنْ دُونَهُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَالْحِكَايَةِ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ صِحَّتُهُ، لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ فَيَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا بَقَاءُ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ مَنْ هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ (وَعَقْلُهُ) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ (وَإِسْلَامُهُ) لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِيهِ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ (وَتَمْيِيزُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، فَيُجْزِي أَذَانُ مُمَيِّزٍ. وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَذَانَ الَّذِي يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ وَيُعْتَمَدُ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاشِرَهُ صَبِيٌّ قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ، وَلَا يُعْتَمَدُ فِي الْعِبَادَاتِ وَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي يَكُونُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً فِي مِثْلِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي فِي الْمِصْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا فِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ (وَعَدَالَتُهُ، وَلَوْ مَسْتُورًا) فَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِ ظَاهِرِ الْفِسْقِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَ الْمُؤَذِّنِينَ بِالْأَمَانَةِ وَالْفَاسِقُ غَيْرُ أَمِينٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ فَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ فَيَصِحُّ أَذَانُهُ، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ (وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ) أَيْ: الْمُؤَذِّنِ (بِالْوَقْتِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ. (وَالْمُخْتَارُ أَذَانُ بِلَالِ) بْنِ رَبَاحٍ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (خَمْسَ عَشَرَةَ كَلِمَةً، أَيْ: خَمْسَ عَشَرَةَ جُمْلَةً لَا تَرْجِيعَ فِيهِ وَالْإِقَامَةُ إحْدَى عَشْرَةَ) جُمْلَةً لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ كَذَلِكَ وَيُقِيمُ حَضَرًا وَسَفَرًا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ أَحْمَدُ هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ لَهُ: إنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ. وَأَقَرَّ بِلَالًا لِأَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ الْبُخَارِيُّ «إلَّا الْإِقَامَةَ» وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «إنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ، مَرَّتَيْنِ وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ. " فَائِدَةٌ " قَوْلُهُ " اللَّهُ أَكْبَرُ " أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ مَا لَا
يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى كَبِيرٍ وَقَوْلُهُ " أَشْهَدُ " أَيْ: أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ " أَيْ: أَقْبِلُوا إلَيْهَا، وَقِيلَ أَسْرِعُوا " وَالْفَلَاحُ " الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَبْقَى فِيهَا وَيَخْلُدُ وَقِيلَ: هُوَ الرُّشْدُ وَالْخَيْرُ وَطَالِبُهُمَا مُفْلِحٌ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إلَى الْفَلَاحِ وَمَعْنَاهُ: هَلُمُّوا إلَى سَبَبِ ذَلِكَ وَخَتَمَ بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لِيَخْتِمَ بِالتَّوْحِيدِ وَبِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا ابْتَدَأَ بِهِ وَشُرِعَتْ الْمَرَّةُ إشَارَةً إلَى وَحْدَانِيَّةِ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ. (فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ بِأَنْ يَقُولَ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا) بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ يَقْرُبُهُ أَوْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ وَاقِفًا، وَالْمَسْجِدُ مُتَوَسِّطُ الْخَطِّ (بَعْدَ التَّكْبِيرِ، ثُمَّ يَجْهَرُ بِهِمَا) فَالتَّرْجِيعُ اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الرَّفْعِ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُ، أَوْ إلَى الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِمَا (أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ لَمْ يُكْرَهْ) لِأَنَّ تَرْجِيعَ الْأَذَانِ فِعْلُ أَبِي مَحْذُورَةَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ مَكَّةَ إلَى الْيَوْمِ. وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً، وَالْإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحِكْمَةُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا بِتَدَبُّرٍ وَإِخْلَاصٍ، لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنْ الْكُفْرِ، الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ. وَأَجَابَ الشَّارِحُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيَحْصُلَ لَهُ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا فَإِنَّهُ فِي الْإِسْرَارِ أَبْلَغُ وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ «أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَمِعَهُ، فَدَعَاهُ فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ» وَقَصَدَ نُطْقَهُ بِهِمَا لِيُسْلِمَ بِذَلِكَ وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ ثَابِتُ الْإِسْلَامِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ خَبَرَ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ عَمَلِ الشَّافِعِيِّ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَذَانِ. (وَلَا يُشْرَعُ) الْأَذَانُ (بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " مَرَّتَيْنِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ) أَيْ: قَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي مَحْذُورَةَ «فَإِذَا كَانَ أَذَانُ الْفَجْرِ فَقُلْ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ بِلَالًا جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ نَائِمٌ فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ، مَرَّتَيْنِ» قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ (سَوَاءٌ أَذَّنَ مُغْلِسًا أَوْ مُسْفِرًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ
النَّوْمِ " يُسَمَّى (التَّثْوِيبَ) مِنْ ثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ، إذَا رَجَعَ لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا لِلصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا وَاخْتَصَّتْ الْفَجْرَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَنَامُ النَّاسُ فِيهِ غَالِبًا. (وَيُكْرَهُ) التَّثْوِيبُ (فِي غَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ الْفَجْرِ، أَيْ: أَذَانِهَا لِقَوْلِ بِلَالٍ «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (وَ) يُكْرَهُ التَّثْوِيبُ (بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ) لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ أَنَّهُ " لَمَّا قَدِمَ عُمَرُ مَكَّةَ أَتَاهُ أَبُو مَحْذُورَةَ وَقَدْ أَذَّنَ فَقَالَ: الصَّلَاةَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ: وَيْحَك، يَا مَجْنُونُ أَمَا كَانَ فِي دُعَائِك الَّذِي دَعَوْتنَا مَا نَأْتِيك حَتَّى تَأْتِيَنَا " وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إلَى الصَّلَاةِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا كَتَخْصِيصِ الْأُمَرَاءِ بِهِ. (وَكَذَا النِّدَاءُ بِالصَّلَاةِ بَعْدَ الْأَذَانِ فِي الْأَسْوَاقِ وَغَيْرِهَا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: الصَّلَاةَ، أَوْ الْإِقَامَةَ، أَوْ الصَّلَاةَ رَحِمَكُمْ اللَّهُ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: هَذَا إذَا كَانُوا قَدْ سَمِعُوا النِّدَاءَ الْأَوَّلَ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ أَوْ الْبَعِيدُ مِنْ الْجِيرَانِ قَدْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْأَوَّلَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ تَنْبِيهُهُ وَقَالَ) الشَّيْخُ (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فَإِنْ تَأَخَّرَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، وَإِمَامُ الْحَيِّ أَوْ أَمَاثِلُ الْجِيرَانِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْضِيَ إلَيْهِ مُنَبِّهٌ يَقُولُ لَهُ: قَدْ حَضَرَتْ الصَّلَاةُ انْتَهَى) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ الْأَذَانَ. (وَيُكْرَهُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُؤَذِّنِ (قَبْلَ الْأَذَانِ: " وَقُلْ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الإسراء: 111] الْآيَةَ) أَيْ: اقْرَأْهَا وَنَحْوُهُ (وَكَذَلِكَ إنْ وَصَلَهُ) أَيْ الْأَذَانَ (بَعْدَهُ بِذِكْرٍ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ) لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ. (وَ) يُكْرَهُ (قَوْلُهُ قَبْلَ الْإِقَامَةِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ) مِنْ الْمُحْدَثَاتِ. (وَلَا بَأْسَ بِالنَّحْنَحَةِ قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ (وَ) لَا بَأْسَ بِ (أَذَانٍ وَاحِدٍ بِمَسْجِدَيْنِ لِجَمَاعَتَيْنِ) لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ فِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذَّنَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ) لِيُصَلِّيَ الْمُتَعَجِّلُ، وَيَتَأَهَّبَ مَنْ يُرِيدُ الصَّلَاةَ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ) أَيْ: يَتَمَهَّلَ، وَيَتَأَتَّى، مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ (وَ) أَنْ (يَحْدُرَ الْإِقَامَةَ) أَيْ: يُسْرِعَ فِيهَا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ «يَا بِلَالُ إذَا أَذَّنْت فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْت فَاحْدُرْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ صَاحِبِ الشِّفَاءِ وَهُوَ إسْنَادٌ مَجْهُولٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ. وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَلِأَنَّهُ إعْلَامُ الْغَائِبِينَ، فَالتَّثْبِيتُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَالْإِقَامَةُ إعْلَامُ الْحَاضِرِينَ، فَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ فِيهَا (وَلَا يُعْرِبُهُمَا) أَيْ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ (بَلْ يَقِفُ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ) مِنْهُمَا
قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ " شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ ". (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُؤَذِّنَ) قَائِمًا (وَ) أَنْ (يُقِيمَ قَائِمًا) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ قُمْ فَأَذِّنْ» وَكَانَ مُؤَذِّنُوهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْأَسْمَاعِ. (وَيُكْرَهَانِ مِنْ قَاعِدٍ، وَرَاكِبٍ، وَمَاشٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ) كَالْخُطْبَةِ قَاعِدًا فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ جَازَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَمْ يَذْكُرُوا الِاضْطِجَاعَ وَيَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ لَكِنْ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَلَا يُكْرَهَانِ (لِمُسَافِرٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَذَّنَ فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مُتَطَهِّرًا مِنْ الْحَدَثَيْنِ) الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُؤَذِّنْ إلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ وَقَالَ هُوَ أَصَحُّ وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِنْ نَجَاسَةِ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ (فَإِنْ أَذَّنَ مُحْدِثًا) حَدَثًا أَصْغَرَ (لَمْ يُكْرَهْ) أَذَانُهُ كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ (وَتُكْرَهُ إقَامَةُ مُحْدِثٍ) لِلْفَصْلِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ. (وَ) يُكْرَهُ (أَذَانُ جُنُبٍ) لِلْخِلَافِ فِي صِحَّتِهِ وَوَجْهُهَا: أَنَّ الْجَنَابَةَ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالْآخَرِ. (وَيُسَنُّ) أَنْ يُؤَذِّنَ (عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ) أَيْ: مُرْتَفِعٍ، كَالْمَنَارَةِ وَنَحْوِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قَالَتْ " كَانَ بَيْتِي مِنْ أَطْوَلِ بَيْتٍ حَوْلَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ عَلَيْهِ الْفَجْرَ، فَيَأْتِي بِسَحَرٍ فَيَجْلِسُ عَلَى الْبَيْتِ فَيَنْظُرُ إلَى الْفَجْرِ فَإِذَا رَآهُ تَمَطَّى، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَعْدِيكَ وَأَسْتَنْصِرُكَ عَلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُقِيمُوا دِينَكَ قَالَتْ: ثُمَّ يُؤَذِّنُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِالْأَذَانِ وَذَلِكَ لِأَنَّ مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يُؤَذِّنُونَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ فَإِنْ أَخَلَّ بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَصَحَّ (فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ الْتَفَتَ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ. وَظَاهِرُ الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ بِصَدْرِهِ (يَمِينًا لُحَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، وَ) الْتَفَتَ (شِمَالًا لُحَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فِي الْأَذَانِ دُونَ الْإِقَامَةِ) لِحَدِيثِ، أَبِي جُحَيْفَةَ وَيَأْتِي (وَيُقِيمُ) أَيْ: يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ (فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ) لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ " لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ بِالْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كُنَّا إذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الصَّلَاةِ " وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، وَكَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (إلَّا أَنْ يَشُقَّ) عَلَى
الْمُؤَذِّنِ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ (بِحَيْثُ يُؤَذِّنُ فِي الْمَنَارَةِ أَوْ) يُؤَذِّنُ (فِي مَكَان بَعِيدٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَيُقِيمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ) الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ، أَيْ: فَيُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، وَدَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ (وَلَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ) عِنْدَ قَوْلِهِ " حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ " فِي الْأَذَانِ بَلْ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا كَمَا تَقَدَّمَ. وَلَوْ أَعْقَبَهُ لَهُ لَكَانَ أَوْلَى لِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ «أَتَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ وَتَوَضَّأَ وَأَذَّنَ بِلَالٌ فَجَعَلْت أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَهُنَا وَهَهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِيهِ «فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَمْ يَسْتَدِرْ» . (قَالَ الْقَاضِي) أَبُو يَعْلَى (وَالْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ (وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الرَّوْضَةِ وَالْمَذْهَبِ الْأَحْمَدِ وَالْإِفَادَاتِ وَالْمُنَوَّرِ (إلَّا فِي مَنَارَةٍ وَنَحْوِهَا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الصَّوَابُ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَهُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ (وَيَجْعَلُ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ أَنَّ بِلَالًا وَضَعَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، أَمَرَ بِلَالًا بِذَلِكَ وَقَالَ إنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِك» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ) أَيْ: الْأَذَانِ (كُلِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَكَذَا فِي الْإِقَامَةِ (وَيَتَوَلَّاهُمَا) أَيْ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَاحِدٌ (مَعًا فَلَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُقِيمَ غَيْرُ مَنْ أَذَّنَ) لِمَا فِي حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ قَالَ «فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقِيمُ أَخُو صُدَاءَ فَإِنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد قَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ فَسُنَّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ كَالْخُطْبَتَيْنِ. (وَلَا يَصِحُّ) الْأَذَانُ وَكَذَا الْإِقَامَةُ (إلَّا مُرَتَّبًا) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُعْتَدٌّ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَظْمِهِ، كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ (مُتَوَالِيًا عُرْفًا) لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ مُوَالَاةٍ وَشُرِعَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَّمَ أَبَا مَحْذُورَةَ الْأَذَانَ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا» (مَنْوِيًّا) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (مِنْ وَاحِدٍ فَلَوْ أَتَى) وَاحِدٌ (بِبَعْضِهِ، وَكَمَّلَهُ آخَرُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) كَالصَّلَاةِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ (وَلَوْ) كَانَ ذَلِكَ (لِعُذْرٍ) بِأَنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ، وَنَحْوِهِ مَنْ شَرَعَ فِي الْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ فَكَمَّلَهُ الثَّانِي. (وَإِنْ نَكَّسَهُ) أَيْ: الْأَذَانَ أَوْ الْإِقَامَةَ، بِأَنْ قَدَّمَ بَعْضَ الْجُمَلِ عَلَى
بَعْضٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِعَدَمِ التَّرْتِيبِ (أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ، وَلَوْ بِ) سَبَبِ (نَوْمٍ أَوْ إغْمَاءٍ أَوْ جُنُونٍ أَوْ) فَرَّقَ بَيْنَهُ (بِكَلَامٍ كَثِيرٍ) لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ (أَوْ) فَرَّقَ بَيْنَهُ بِكَلَامٍ (مُحَرَّمٍ كَسَبٍّ وَقَذْفٍ وَنَحْوِهِمَا) وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ لِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّهُ سَامِعُهُ مُتَلَاعِبًا أَشْبَهَ الْمُسْتَهْزِئَ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (أَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) لِخُرُوجِهِ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْأَذَانِ. (وَيُكْرَهُ فِيهِ) أَيْ: الْأَذَانِ (سُكُوتٌ يَسِيرٌ) بِلَا حَاجَةٍ (وَ) كُرِهَ فِيهِ (كَلَامٌ) مُبَاحٌ يَسِيرٌ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لَهَا لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدَ وَلَهُ صُحْبَةٌ كَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِالْحَاجَةِ فِي أَذَانِهِ (كَإِقَامَةٍ) فَيُكْرَهُ فِيهَا سُكُوتٌ يَسِيرٌ وَكَلَامٌ (وَلَوْ لِحَاجَةٍ) قَالَ أَبُو دَاوُد قُلْت لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ قَالَ: لَا وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْأَذَانَ كَالْإِقَامَةِ. (وَلَهُ رَدُّ سَلَامٍ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَلَا يَبْطُلَانِ بِهِ، وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ إذَنْ غَيْرُ مَسْنُونٍ (وَيَكْفِي مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ فِي الْمِصْرِ، بِحَيْثُ يَحْصُلُ لِأَهْلِهِ الْعِلْمُ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَقَدْ حَصَلَ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: مَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَهُ مُطْلَقًا خَاصَّةً (وَيَكْفِي بَقِيَّتَهُمْ) أَيْ: بَقِيَّةَ أَهْلِ الْمِصْرِ الَّذِي أَذَّنَ فِيهِ الْوَاحِدُ، بِحَيْثُ حَصَلَ لِأَهْلِهِ الْعِلْمُ (الْإِقَامَةُ) فَلَا يُطْلَبُ الْأَذَانُ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ وَكَذَا الْإِقَامَةُ لَا تُطْلَبُ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ لَكِنْ يُقِيمُ لِكُلِّ جَمَاعَةٍ وَاحِدٌ. (فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْإِعْلَامُ بِ) أَذَانٍ (وَاحِدٍ زِيدَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ) لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ يُؤَذِّنُ (كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ جَانِبٍ) مِنْ الْبَلَدِ (أَوْ) يُؤَذِّنُونَ (دُفْعَةً وَاحِدَةً بِمَكَانٍ وَاحِدٍ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيُقِيمُ أَحَدُهُمْ) إنْ حَصَلَتْ بِهِ الْكِفَايَةُ وَإِلَّا أَقَامَ مَنْ يَكْفِي كَمَا فِي الْمُنْتَهَى وَإِنْ أَذَّنَ اثْنَانِ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ يُقِيمُ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَرَفْعُ الصَّوْت بِهِ) أَيْ الْأَذَانِ (رُكْنٌ) مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِحَاضِرٍ، فَبِقَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ (بِقَدْرِ طَاقَتِهِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَقَوْلُهُ (لِيَحْصُلَ السَّمَاعُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ " وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ رُكْنٌ " عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ أَيْ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْأَذَانِ الْإِعْلَامُ وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِرَفْعِ الصَّوْتِ (وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ) فِي رَفْعِ الصَّوْتِ (فَوْقَ طَاقَتِهِ) خَشْيَةَ ضَرَرٍ. (وَإِنْ أَذَّنَ لِنَفْسِهِ، أَوْ) أَذَّنَ (لِحَاضِرٍ) وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً (خُيِّرَ) بَيْنَ رَفْعِ الصَّوْتِ وَخَفْضِهِ (وَرَفْعُ الصَّوْتِ أَفْضَلُ) مِنْ خَفْضِهِ (وَإِنْ خَافَتَ بِبَعْضِهِ وَجَهَرَ بِبَعْضِهِ فَلَا بَأْسَ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ بِمَعْنَاهُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ بَلْ هُوَ كَالْمَقْطُوعِ بِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَرْفَعُ
صَوْتَهُ إنْ أَذَّنَ فِي الْوَقْتِ لِلْغَائِبِينَ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ فَزَادَ: فِي الصَّحْرَاءِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَسَنَةٌ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: رَفْعُ الصَّوْتِ بِحَيْثُ يَسْمَعُ مَنْ تَقُومُ بِهِ الْجَمَاعَةُ رُكْنٌ. (وَوَقْتُ الْإِقَامَةِ إلَى الْإِمَامِ، فَلَا يُقِيمُ) الْمُؤَذِّنُ الصَّلَاةَ (إلَّا بِإِذْنِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (وَ) وَقْتُ (أَذَانٍ إلَى الْمُؤَذِّنِ) فَيُؤَذِّنُ إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ وَإِنْ لَمْ يُؤَذِّنْ الْإِمَامُ قَالَ فِي الْجَامِعِ: يَنْبَغِي لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ لَا يُقِيمَ حَتَّى يَحْضُرَ الْإِمَامُ، وَيَأْذَنَ لَهُ فِي الْإِقَامَةِ نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ «الْإِمَامُ أَمْلَكُ بِالْإِقَامَةِ» فَقَالَ: الْإِمَامُ يَقَعُ لَهُ الْأَمْرُ، أَوْ تَكُونُ لَهُ حَاجَةٌ فَإِذَا أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يُقِيمَ أَقَامَ انْتَهَى. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَفِيهِ إعْلَامُ الْمُؤَذِّنِ لِلْإِمَامِ بِالصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَفِيهِمَا قَوْلُ عُمَرَ «الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَقَدَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ» وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ جَاءَ الْغَائِبُ لِلصَّلَاةِ أَقَامَ حِينَ يَرَاهُ لِلْخَبَرِ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُؤَذِّنَ غَيْرُ) الْمُؤَذِّنِ (الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ، إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ) وَقْتِ (التَّأْذِينِ) كَالْإِمَامِ جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي (وَمَتَى جَاءَ) الرَّاتِبُ (وَقَدْ أَذَّنَ) غَيْرُهُ (قَبْلَهُ أَعَادَ) الرَّاتِبُ الْأَذَانَ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: اسْتِحْبَابًا. (وَلَا يَصِحُّ) الْأَذَانُ (قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ) لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ (كَالْإِقَامَةِ إلَّا الْفَجْرَ، فَيُبَاحُ) الْأَذَانُ لَهَا (بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) لِأَنَّ مُعْظَمَهُ قَدْ ذَهَبَ وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ، فَيُعْتَدُّ بِالْأَذَانِ إذَنْ سَوَاءٌ بِرَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ وَلِأَنَّ وَقْتَ الْفَجْرِ يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ وَفِيهِمْ الْجُنُبُ وَالنَّائِمُ فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ، حَتَّى يَتَهَيَّئُوا لَهَا، فَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ (وَاللَّيْلُ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ غُرُوبَ الشَّمْسِ وَآخِرُهُ طُلُوعَهَا، كَمَا أَنَّ النَّهَارَ الْمُعْتَبَرَ نِصْفُهُ، أَوَّلُهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَآخِرُهُ غُرُوبُهَا) لِانْقِسَامِ الزَّمَانِ إلَى لَيْلٍ وَنَهَارٍ. (قَالَ الشَّيْخُ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهُ) أَيْ أَذَانِ الْفَجْرِ (قَبْلَ الْوَقْتِ كَثِيرًا) لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ الْقَاسِمُ " وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْزِلَ ذَا وَيَرْقَى ذَا ". قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَجْمُوعُ مَا رُوِيَ فِي تَقْدِيمِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ إنَّمَا هُوَ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنْ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ مِنْ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، فَخِلَافُ السُّنَّةِ إنْ سُلِّمَ جَوَازُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا)
فَلَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ (وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ، وَأَنْ يَتَّخِذَ ذَلِكَ عَادَةً لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ وَيُكْرَهُ) الْأَذَانُ (فِي رَمَضَانَ قَبْلَ فَجْرٍ ثَانٍ، مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ (أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَلَا) يُكْرَهُ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ «وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت» . (وَمَا سِوَى التَّأْذِينِ قَبْلَ الْفَجْرِ) وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ (مِنْ التَّسْبِيحِ وَالنَّشِيدِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ بِالدُّعَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الْمَآذِنِ) أَوْ غَيْرِهَا (فَلَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَمَا أَحَدٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بَلْ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمَكْرُوهَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَهْدِ أَصْحَابِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيمَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِمْ يُرَدُّ إلَيْهِ (فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْمُرَ بِهِ وَلَا يُنْكِرَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَلَا يُعَلِّقَ اسْتِحْقَاقَ الرِّزْقِ بِهِ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى بِدْعَةٍ (وَلَا يَلْزَمُ فِعْلُهُ وَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ) لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَقَالَ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ تَلْبِيسِ إبْلِيسَ: وَقَدْ رَأَيْت مَنْ يَقُومُ بِلَيْلٍ كَثِيرًا عَلَى الْمَنَارَةِ فَيَعِظُ وَيُذَكِّرُ، وَيَقْرَأُ سُورَةً مِنْ الْقُرْآنِ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ، فَيَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ نَوْمِهِمْ، وَيَخْلِطُ عَلَى الْمُتَهَجِّدِينَ قِرَاءَتَهُمْ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْمُنْكَرَاتِ انْتَهَى. (وَيُسَنُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِقَامَةَ) بَعْدَ الْأَذَانِ (بِقَدْرِ) مَا يَفْرُغُ الْإِنْسَانُ مِنْ (حَاجَتهِ) أَيْ: بَوْلِهِ وَغَائِطِهِ (وَ) بِقَدْرِ (وُضُوئِهِ، وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَلِيَفْرُغَ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ: كَالشَّارِبِ مِنْ شُرْبِهِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبِلَالٍ «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِك وَإِقَامَتِك قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُقْتَضِي إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. (وَ) يُسَنُّ (فِي الْمَغْرِبِ) أَيْ: إذَا أَذَّنَ لَهَا أَنْ (يَجْلِسَ قَبْلَهَا) أَيْ: الْإِقَامَةِ (جِلْسَةً خَفِيفَةً) لِمَا سَبَقَ وَلِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ سُنَّةٌ فِي الْمَغْرِبِ» وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ فَسُنَّ تَأْخِيرُ الْإِقَامَةِ لِلْإِدْرَاكِ كَمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي غَيْرِهَا (وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا) وَقَيَّدَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ (بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ) قَالَ بَعْضُهُمْ خَفِيفَتَيْنِ وَقِيلَ: وَالْوُضُوءِ (ثُمَّ يُقِيمُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَالْأَوَّلُ، أَيْ: الْجُلُوسُ جِلْسَةً خَفِيفَةً: هُوَ الْمَذْهَبُ انْتَهَى قُلْت فَلَيْسَتْ الْمَسْأَلَةُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ كَمَا تُوهِمُهُ عِبَارَتُهُ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: الْخُلْفُ لَفْظِيٌّ فَيَرْجِعَانِ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مَعْنًى. (وَلَا يُحْرِمُ إمَامٌ وَهُوَ) أَيْ: الْمُقِيمُ (فِي الْإِقَامَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْإِقَامَةِ
(وَيُسْتَحَبُّ) الْإِحْرَامُ (عَقِبَ فَرَاغهِ مِنْهَا) أَيْ الْإِقَامَةِ وَظَاهِرُهُ: لَا تُعْتَبَرُ مُوَالَاةٌ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إذَا أَقَامَ عِنْدَ إرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، لِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - " أَتُصَلِّي فَأُقِيمَ " وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ ذَهَبَ فَاغْتَسَلَ» وَظَاهِرُهُ: طُولُ الْفَصْلِ وَلَمْ يُعِدْهَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَتُبَاحُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ) صَلَاةِ (الْمَغْرِبِ) بَعْدَ أَذَانِهِ فَلَا يُكْرَهَانِ وَلَا يُسْتَحَبَّانِ وَعَنْهُ يُسَنُّ فِعْلُهُمَا لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ وَعَنْهُ " بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ " قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ (وَفِيهِمَا) أَيْ: الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثَوَابٌ قُلْت هَذَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِهِمَا وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُفْرَدَاتِ لِأَنَّ الْمُبَاحَ لَا (ثَوَابَ) فِي فِعْلِهِ وَلَا تَرْكِهِ. (وَيَحْرُمُ خُرُوجٌ مِنْ مَسْجِدٍ بَعْدَ الْأَذَانِ، بِلَا عُذْرٍ أَوْ نِيَّةِ رُجُوعٍ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ أَدْرَكَهُ الْأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ خَرَجَ، لَمْ يَخْرُجْ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرَّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلَّى) . نَقَلَ صَالِحٌ لَا يَخْرُجُ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَنْبَغِي وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يَخْرُجَ وَكَرِهَهُ أَبُو الْوَفَاءِ وَأَبُو الْمَعَالِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يَجُوزُ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَخْرُجَ بَعْدَ أَذَانِ الْفَجْرِ نَصَّ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّيْخُ: إنْ كَانَ التَّأْذِينُ لِلْفَجْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ لَمْ يُكْرَهْ الْخُرُوجُ) أَيْ: مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ (نَصًّا) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقُومَ) الْإِنْسَانُ (إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ) أَيْ: شَرَعَ (فِي الْأَذَانِ) (بَلْ يَصْبِرُ قَلِيلًا) أَيْ: إلَى أَنْ يَفْرُغَ، أَوْ يُقَارِبَ الْفَرَاغَ (لِأَنَّ فِي التَّحَرُّكِ عِنْدَ سَمَاعِ النِّدَاءِ تَشَبُّهًا بِالشَّيْطَانِ) حَيْثُ يَفِرُّ عِنْدَ سَمَاعِهِ كَمَا فِي الْخَبَرِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَحِينَ انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ الصَّفِّ أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ فَجَلَسَ انْتَهَى لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَ وَبِلَالٌ فِي الْإِقَامَةِ فَقَعَدَ» . (وَمَنْ جَمَعَ صَلَاتَيْنِ) أَذَّنَ لِلْأُولَى، وَأَقَامَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ قَضَى فَوَائِتَ أَذَّنَ لِ) الصَّلَاةِ (الْأُولَى فَقَطْ ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَغَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ مِنْ اللَّيْلِ
مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ: وَقَالَ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ، إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. (وَيُجْزِئُ أَذَانُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغِينَ) لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ " كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤَذِّنَ لَهُمْ، وَأَنَا غُلَامٌ لَمْ أَحْتَلِمْ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ شَاهِدٌ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ " وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ فَصَحَّ أَذَانُهُ، كَالْبَالِغِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِيهِ. (وَ) يَصِحُّ أَذَانٌ (مُلَحَّنٌ) وَهُوَ الَّذِي فِيهِ تَطْرِيبٌ، يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إذَا طَرَّبَ بِهِ وَغَرَّدَ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ. (وَ) يَصِحُّ أَذَانٌ (مَلْحُونٌ إنْ لَمْ يُحِلْ) لَحْنُهُ (الْمَعْنَى) كَمَا لَوْ رَفَعَ الصَّلَاةَ أَوْ نَصَبَهَا لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ إجْزَاءَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَهُنَا أَوْلَى (مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْمُلَحَّنِ وَالْمَلْحُونِ قَالَ أَحْمَدُ كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ أَكْرَهُهُ مِثْلُ التَّطْرِيبِ (فَإِنْ أَحَالَ) اللَّحْنَ (الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) أَيْ: بِهَمْزَةٍ مَعَ الْوَاوِ بِدَلِيلِ رَسْمِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا وَأَمَّا لَوْ قَلَبَ الْهَمْزَةَ وَاوَ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ لَحْنًا لِأَنَّهُ لُغَةٌ وَقُرِئَ بِهِ، كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِ الْقِرَاءَاتِ (لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ. وَيُكْرَهُ الْأَذَانُ أَيْضًا مِنْ ذِي لُثْغَةٍ فَاحِشَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَاحِشَةً لَمْ يُكْرَهْ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُبَدِّلُ الشِّينَ سِينًا وَالْفَصِيحُ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَلَا يُجْزِئُ أَذَانُ فَاسِقٍ) ظَاهِرِ الْفِسْقِ وَتَقَدَّمَ تَعْلِيلُهُ (وَ) لَا أَذَانُ (خُنْثَى وَامْرَأَةٍ) لِأَنَّ رَفْعَ صَوْتِهِمَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَيَخْرُجُ الْأَذَانُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبَةً فَلَمْ يَصِحَّ كَالْحِكَايَةِ. (وَيُسَنُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَلَوْ) سَمِعَ مُؤَذِّنًا (ثَانِيًا وَثَالِثًا حَيْثُ سُنَّ) الْأَذَانُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، لِسِعَةِ الْبَلَدِ أَوْ نَحْوِهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَكِنْ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَجَابَهُ وَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَا يُجِيبُ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ بِهَذَا الْأَذَانِ (حَتَّى) أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يُجِيبَ (نَفْسَهُ نَصًّا) صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ جَمَاعَةٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ آخَرِينَ لَا يُجِيبُ نَفْسَهُ، قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ السَّبْعِينَ: الْأَرْجَحُ أَنَّهُ لَا يُجِيبُ نَفْسَهُ (أَوْ) أَيْ: وَيُسَنُّ لِمَنْ سَمِعَ (الْمُقِيمَ) حَتَّى نَفْسَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (أَنَّ مَا يَقُولُ مُتَابَعَةٌ) لِ (قَوْلِهِ سِرًّا كَمَا يَقُولُ) . الْمُؤَذِّنُ وَالْمُقِيمُ (وَلَوْ) كَانَ السَّامِعُ (فِي طَوَافِ) فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ (أَوْ) كَانَ السَّامِعُ (امْرَأَةً أَوْ تَالِيًا وَنَحْوَهُ) كَالذَّاكِرِ (فَيَقْطَعُ الْقِرَاءَةَ) أَوْ الذِّكْرَ (وَيُجِيبُهُ) لِعُمُومِ مَا يَأْتِي، (وَلَا) يُجِيبُ السَّامِعُ إنْ كَانَ (مُصَلِّيًا) فَرْضًا أَوْ نَفْلًا (وَ) لَا إنْ كَانَ (مُتَخَلِّيًا) أَيْ: دَاخِلًا الْخَلَاءَ وَنَحْوَهُ، لِقَضَاءِ حَاجَتهِ (وَيَقْضِيَانِهِ) أَيْ: يَقْضِي الْمُصَلِّي وَالْمُتَخَلِّي مَا سَمِعَهُ مِنْ أَذَانٍ أَوْ إقَامَةٍ إذَا فَرَغَ
مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ خَرَجَ مِنْ قَضَاءِ حَاجَتِهِ عَلَى صِفَةِ مَا يُجِيبُهُ عَقِبَهُ. (فَإِنْ أَجَابَهُ الْمُصَلِّي بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ (بِالْحَيْعَلَةِ فَقَطْ) أَيْ: إذَا قَالَ السَّامِعُ مُجِيبًا لِلْمُؤَذِّنِ أَوْ الْمُقِيمِ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، أَوْ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، دُونَ أَلْفَاظِ بَاقِي الْأَذَانِ لِأَنَّهَا أَقْوَالٌ مَشْرُوعَةٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ، بِخِلَافِ الْحَيْعَلَةِ، لِأَنَّهَا خِطَابُ آدَمِيٍّ، وَمِثْلُ الْحَيْعَلَةِ إذَا أَجَابَ فِي التَّثْوِيبِ بِصَدَقْتَ وَبَرِرْت فَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ (إلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ كَمَا يَقُولُ (فَيَقُولُ) السَّامِعُ لِلْحَيْعَلَةِ (لَا حَوْلَ) أَيْ: تَحَوُّلَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ (وَلَا قُوَّةَ) عَلَى ذَلِكَ (إلَّا بِاَللَّهِ) وَقِيلَ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِتَوْفِيقِهِ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَجْمَعُ وَأَشْمَلُ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. (وَ) يَقُولُ الْمُجِيبُ (عِنْدَ التَّثْوِيبِ) أَيْ: قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ: " الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ " (صَدَقْت وَبَرِرْت) بِكَسْرِ الرَّاءِ (وَ) إلَّا (فِي الْإِقَامَةِ) فَيَقُولُ (عِنْدَ لَفْظِهَا أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا) لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، فَقَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثُمَّ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الْحَيْعَلَةِ لِأَنَّهَا خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ بَلْ سَبِيلُهُ الطَّاعَةُ، وَسُؤَالُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَقِبَ كُلِّ جُمْلَةٍ لِلْخَبَرِ وَالْأَصْلُ فِي اسْتِحْبَابِ إجَابَةِ الْمُقِيمِ مَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الْإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا» . وَقَالَ فِي سَائِرِ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الْأَذَانِ وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّتْ الْإِجَابَةُ لِلْمُؤَذِّنِ وَالْمُقِيمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ، وَالْإِجَابَةِ وَالْحَيْعَلَةُ هِيَ قَوْلُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ وَالْيَاءِ مِنْ حَيَّ وَالْعَيْنِ وَاللَّامِ مِنْ عَلَى كَمَا يُقَالُ: الْحَوْقَلَةُ فِي لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ مِنْ حَوْلَ وَالْقَافِ مِنْ قُوَّةَ وَاللَّامِ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهَا. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إلَّا بِمَعُونَتِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِيهِ (وَلَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْمُؤَذِّنُ قَدْ شَرَعَ فِي
الْأَذَانِ لَمْ يَأْتِ بِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَلَا بِغَيْرِهَا، بَلْ يُجِيبُ) الْمُؤَذِّنَ (حَتَّى يَفْرَغَ) مِنْ أَذَانِهِ فَيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ بِشَرْطِهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ أَجْرِ الْإِجَابَةِ وَالتَّحِيَّةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْخُطْبَةِ) أَيْ: الْأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (لِأَنَّ سَمَاعَهَا) أَيْ: الْخُطْبَةِ أَهَمُّ مِنْ الْإِجَابَةِ، فَيُصَلِّي التَّحِيَّةَ إذَا دَخَلَ. (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغهِ) مِنْ الْأَذَانِ وَإِجَابَتِهِ (ثُمَّ يَقُولُ) كُلٌّ مِنْ الْمُؤَذِّنِ وَسَامِعِهِ (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْته؛ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ وَالسَّلَامُ مَعَهُ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِدُونِهِ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ. " تَتِمَّةٌ " " اللَّهُمَّ " أَصْلُهُ يَا اللَّهُ وَالْمِيمُ بَدَلٌ مِنْ يَاءِ النِّدَاءِ قَالَهُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَا اللَّهُ أَمِّنَّا بِخَيْرٍ فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الضَّرُورَةِ " وَالدَّعْوَةِ " بِفَتْحِ الدَّالِ هِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ سُمِّيَتْ تَامَّةً لِكَمَالِهَا وَعَظَمَةِ مَوْقِعِهَا وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إلَيْهَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ، يُدْعَى بِهَا إلَى طَاعَتِهِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مُعَرَّضٌ لِلنَّقْصِ وَالْفَسَادِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ قَالَ لِأَنَّهُ مَا مِنْ مَخْلُوقٍ إلَّا وَفِيهِ نَقْصٌ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ الَّتِي سَتَقُومُ، وَتُفْعَلُ بِصِفَاتِهَا. وَ " الْوَسِيلَةَ " مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الْمَلِكِ وَهِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَ " الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ " الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى إظْهَارُ كَرَامَتهِ، وَعِظَمِ مَنْزِلَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مُنَكَّرًا فِي الصَّحِيحِ تَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ " الَّذِي وَعَدْته " مَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ عَلَى إضْمَارِ فِعْلٍ أَوْ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
باب شروط الصلاة
(ثُمَّ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَدْعُو هُنَا) أَيْ عِنْدَ فَرَاغِ الْأَذَانِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (وَ) يَدْعُو (عِنْدَ الْإِقَامَةِ) فَعَلَهُ أَحْمَدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ (وَيَقُولُ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ اللَّهُمَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِك وَإِدْبَارُ نَهَارِك، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِك فَاغْفِرْ لِي) لِلْخَبَرِ. [بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ] ِ الشُّرُوطُ: جَمْعُ شَرْطٍ كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ وَالشَّرَائِطُ: جَمْعُ شَرِيطَةٍ كَفَرَائِضَ وَفَرِيضَةٍ وَالْأَشْرَاطُ وَاحِدُهَا شَرَطٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَالرَّاءِ، وَسُمِّيَ شَرْطًا لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا} [محمد: 18] . وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ كَالْإِحْصَانِ مَعَ الرَّجْمِ فَالشَّرْطُ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ وَهُوَ عَقْلِيٌّ: كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَلُغَوِيٌّ: كَإِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَشَرْعِيٌّ: كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ. (وَهِيَ) أَيْ: شُرُوطُ الصَّلَاةِ (مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا) بِأَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ وَتَسْبِقَهَا (إلَّا النِّيَّةَ) فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ، بَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ تُقَارِنَ التَّكْبِيرَ وَيَأْتِي (وَيَسْتَمِرُّ حُكْمُهُ إلَى انْقِضَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَتْ الْأَرْكَانَ (وَالشَّرْطُ) الشَّرْعِيُّ (مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ مَشْرُوطِهِ) صَلَاةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) تَعْجِزُ بِهِ عَنْ تَحْصِيلِ الشَّرْطِ (وَلَا يَكُونُ) مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ الْأَرْكَانِ؛ فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الصِّحَّةُ، لَكِنَّهَا مِنْ الْعِبَادَةِ. (فَمَتَى أَخَلَّ بِشَرْطٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ) لِفَقْدِ شَرْطِهَا (وَلَوْ) كَانَ التَّارِكُ لِلشَّرْطِ (نَاسِيًا) لَهُ (أَوْ جَاهِلًا) بِهِ (وَهِيَ) أَيْ: شُرُوطُ الصَّلَاةِ (تِسْعَةٌ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالتَّمْيِيزُ) وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ شَرْطٌ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ وَلِذَلِكَ أَسْقَطَهَا فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ إلَّا التَّمْيِيزَ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَصِحُّ مِمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ وَلَوْ أَنَّهُ ابْنُ سَاعَةٍ وَيُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ: كَمَا يَأْتِي. (وَ) الرَّابِعُ (الطَّهَارَةُ مِنْ الْحَدَثِ) الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا
يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ» الْحَدِيثَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَتَقَدَّمَتْ) مُفَصَّلَةً (وَتَأْتِي بَقِيَّتُهَا) أَيْ: الشُّرُوطِ. (وَالْخَامِسُ دُخُولُ الْوَقْتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ دُلُوكُهَا إذَا فَاءَ الْفَيْءُ، وَيُقَالُ: هُوَ غُرُوبُهَا: وَقِيلَ طُلُوعُهَا، وَهُوَ غَرِيبٌ قَالَ عُمَرُ الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لَهَا لَا تَصْلُحُ إلَّا بِهِ وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ. (وَتَجِبُ الصَّلَاةُ بِدُخُولِ أَوَّلِ وَقْتِهَا) فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ: وُجُوبًا مُوَسَّعًا، بِمَعْنَى أَنَّهَا تَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ يَفْعَلُهَا إذَا قَدَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ عَلَى الْفَوْرِ وَلِأَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ سَبَبٌ لِلْوُجُوبِ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ، فَالْوَقْتُ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا تُضَافُ إلَيْهِ وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ وَهُوَ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ إذْ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ: الْخِطَابُ. (وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ) الْعَيْنِيَّةُ (خَمْسٌ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ إلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ وَأَمَّا الْوَتْرُ فَسَيَأْتِي، وَالْكَلَامُ عَلَى الْجُمُعَةِ يَأْتِي فِي بَابِهَا (الظُّهْرُ) وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الظُّهُورِ إذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ: لُغَةً: الْوَقْتُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَشَرْعًا: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وَقْتِهِ (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا (وَهِيَ) أَيْ: الظُّهْرُ. (الْأُولَى) قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ اسْمُهَا الْمَعْرُوفُ لِبُدَاءَةِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِهَا لَمَّا صَلَّى بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي الْبُدَاءَةِ بِهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ ظَهَرَ أَمْرُهُ وَسَطَعَ نُورُهُ، مِنْ غَيْرِ خَفَاءٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ لَخَتَمَ بِالْعِشَاءِ ثُلُثَ اللَّيْلِ وَهُوَ وَقْتُ خَفَاءٍ فَلِذَلِكَ خَتَمَ بِالْفَجْرِ لِأَنَّهُ وَقْتُ ظُهُورٍ وَفِيهِ ضَعْفٌ إشَارَةً إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ يَضْعُفُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ وَيَبْدَأُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَالشِّيرَازِيُّ وَأَبُو الْخَطَّابِ بِالْفَجْرِ، لِبُدَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهَا السَّائِلَ وَلِأَنَّهَا أَوَّلُ الْيَوْمِ فَإِنْ قِيلَ: إيجَابُهَا كَانَ لَيْلًا وَأَوَّلُ صَلَاةٍ تَحْضُرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الْفَجْرُ فَلِمَ لَمْ يَبْدَأْ بِهَا جِبْرِيلُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وُجِدَ تَصْرِيحٌ أَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنْ الظُّهْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى بَيَانِهَا لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ مُجْمَلَةٌ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ إلَّا عِنْدَ الظُّهْرِ. (وَتُسَمَّى الْهَجِيرَ) لِفِعْلِهَا وَقْتَ الْهَاجِرَةِ (وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ وَهُوَ مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنْ الْغَدِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ قُمْ فَصَلِّ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْمَوَاقِيتِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَحْوِهِ، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ وَفِيهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ» وَهُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَبِالْكَافِ: أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ. (وَيُعْرَفُ ذَلِكَ) أَيْ: مَيْلُ الشَّمْسِ عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ (بِزِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي قِصَرِهِ) لِأَنَّ الشَّمْسَ إذَا طَلَعَتْ رُفِعَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ مِنْ جَانِبِ الْمَغْرِبِ ثُمَّ مَا دَامَتْ الشَّمْسُ تَرْتَفِعُ فَالظِّلُّ يَنْقُصُ فَإِذَا انْتَهَتْ الشَّمْسُ إلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ انْتَهَى نُقْصَانُهُ، فَإِذَا زَادَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةٍ دَلَّ عَلَى الزَّوَالِ، وَالظِّلُّ أَصْلُهُ: السِّتْرُ، وَمِنْهُ أَنَا فِي ظِلِّ فُلَانٍ وَمِنْهُ ظِلُّ الْجَنَّةِ، وَظِلُّ شَجَرِهَا وَظِلُّ اللَّيْلِ سَوَادُهُ، وَظِلُّ الشَّمْسِ مَا سَتَرَ الشُّخُوصَ مِنْ سَقَطِهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ وَالظِّلُّ يَكُونُ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَآخِرِهِ. وَالْفَيْءُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ فَاءَ أَيْ: رَجَعَ مِنْ جَانِبٍ إلَى جَانِبٍ (وَلَكِنْ) ، (لَا يَقْصُرُ) الظِّلُّ (فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ لِسَيْرِ الشَّمْسِ نَاحِيَةً عَنْهَا قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَغَيْرُهُ) فَصَيْفُهَا كَشِتَاءِ غَيْرِهَا وَلِذَلِكَ أُنِيطَ الْحُكْمُ بِالزَّوَالِ، دُونَ زِيَادَةِ الظِّلِّ (وَيَخْتَلِفُ الظِّلُّ بِاخْتِلَافِ الشَّهْرِ وَالْبَلَدِ) فَيَقْصُرُ الظِّلُّ فِي الصَّيْفِ، لِارْتِفَاعِهَا إلَى الْجَوِّ وَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ لِمُسَامَتَتِهَا لِلْمُنْتَصِبِ، وَيَقْصُرُ الظِّلُّ جِدًّا فِي كُلِّ بَلَدٍ تَحْتَ وَسَطِ الْفَلَكِ. وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ الْبِلَادِ تَحْتَ وَسَطِ الْفَلَكِ مِثْلُ مَكَّةَ وَصَنْعَاءَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَا ظِلَّ وَلَا فَيْءَ لِوَقْتِ الزَّوَالِ، بَلْ يُعْرَفُ الزَّوَالُ هُنَاكَ بِأَنْ يَظْهَرَ لِلشَّخْصِ فَيْءٌ مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، لِلْعِلْمِ بِأَنَّهَا قَدْ أَخَذَتْ مُغْرِبَةً (فَأَقَلُّ مَا) أَيْ: ظِلٍّ لِآدَمِيٍّ (تَزُولُ) الشَّمْسُ عَلَيْهِ (فِي إقْلِيمِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا سَامَتَهُمَا) أَيْ حَاذَاهُمَا مِنْ الْبِلَادِ (طُولًا: عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ) تَقْرِيبًا (فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ) وَذَلِكَ مُقَارِبٌ لِأَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَطْوَلُهَا سَابِعَ عَشَرَ حُزَيْرَانَ. (وَفِي نِصْفِ تَمُّوزَ وَأَيَّارَ، عَلَى قَدَمٍ وَنِصْفٍ وَثُلُثٍ، وَفِي نِصْفِ آبَ وَنَيْسَانَ عَلَى ثَلَاثَةِ) أَقْدَامٍ (وَفِي نِصْفِ أَذَارَ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (وَ) نِصْفِ (أَيْلُولَ عَلَى أَرْبَعَةٍ وَنِصْفِ) قَدَمٍ (وَفِي نِصْفِ سُبَاطَ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ. (وَ) نِصْفِ (تِشْرِينَ الْأَوَّلِ عَلَى سِتَّةِ) أَقْدَامٍ (وَفِي نِصْفِ
كَانُونَ الثَّانِي، وَتِشْرِينَ الثَّانِي عَلَى تِسْعَةٍ، وَفِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّلِ عَلَى عَشَرَةٍ وَسُدُسِ) قَدَمٍ وَذَلِكَ مُقَارِبٌ لِأَقْصَرِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَأَقْصَرُهَا سَابِعَ عَشَرَ كَانُونَ الْأَوَّلِ (وَتَزُولُ) الشَّمْسُ (عَلَى أَقَلَّ) مِنْ ذَلِكَ (وَ) عَلَى (أَكْثَرَ) مِنْهُ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) الْوَقْتِ وَالْإِقْلِيمِ فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنْ الْأَرْضِ وَعَلِّمْ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إلَيْهِ ظِلُّكَ، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَكَ الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِكَ الْيُسْرَى وَأَلْصِقْ عَقِبَكَ بِإِبْهَامِكِ فَإِذَا بَلَغْتَ مِسَاحَةَ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ وَقْتُ زَوَالِ الشَّمْسِ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَطُولُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَثُلُثَانِ بِقَدَمِهِ تَقْرِيبًا) وَقَدْ تَنْقُصُ فِي بَعْضِ النَّاسِ يَسِيرًا، أَوْ تَزِيدُ يَسِيرًا (وَيَمْتَدُّ وَقْتُ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ) الظِّلِّ (الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، إنْ كَانَ) ثَمَّ ظِلٌّ زَالَتْ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فَتُضْبَطُ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ مِنْ الظِّلِّ ثُمَّ تُنْظَرُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ فَإِذَا بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ فَقَدْ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ (وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) أَيْ: الظُّهْرِ لِمَا رَوَى أَبُو بَرْزَةَ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الْهَجِيرَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا الْأُولَى حِينَ تُدْحَضُ الشَّمْسُ وَقَالَ جَابِرٌ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَلَا مِنْ عُمَرَ» حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ التَّعْجِيلِ بِالتَّأَهُّبِ لَهَا) أَوْ لِغَيْرِهَا مِمَّا يُسَنُّ تَعْجِيلُهَا (إذَا دَخَلَ الْوَقْتُ) بِأَنْ يَشْتَغِلَ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ مِنْ حِينِ دُخُولِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ حِينَئِذٍ مُتَوَانِيًا وَلَا مُقَصِّرًا (إلَّا فِي شِدَّةِ حَرٍّ فَيُسَنُّ التَّأْخِيرُ، وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ حَتَّى يَنْكَسِرَ) الْحَرُّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ» وَفَيْحُ جَهَنَّمَ: هُوَ غَلَيَانُهَا وَانْتِشَارُ لَهَبِهَا وَوَهَجِهَا (وَ) إلَّا (فِي غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي) الظُّهْرَ (فِي جَمَاعَةٍ) فَيُؤَخِّرُهَا (إلَى قُرْبِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) أَيْ: الْعَصْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانُوا يُؤَخِّرُونَ الظُّهْرَ وَيُعَجِّلُونَ الْعَصْرَ فِي الْيَوْمِ الْمُغَيِّمِ لِأَنَّهُ وَقْتٌ يُخَافُ فِيهِ الْعَوَارِضُ مِنْ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ، فَيَشُقُّ الْخُرُوجُ لِكُلِّ صَلَاةٍ مِنْهُمَا، فَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ الْأُولَى مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِيَقْرُبَ مِنْ الثَّانِيَةِ، لَكِنْ يَخْرُجُ لَهُمَا خُرُوجًا وَاحِدًا طَلَبًا لِلْأَسْهَلِ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا. (فِي غَيْرِ صَلَاةِ جُمُعَةٍ فَيُسَنُّ تَعْجِيلُهَا فِي كُلِّ حَالٍ بَعْدَ الزَّوَالِ) حَرًّا كَانَ أَوْ غَيْمًا أَوْ غَيْرَهُمَا لِقَوْلِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَا كُنَّا نُقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ «كُنَّا نُجْمِعُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَتَتَبَّعُ
الْفَيْءَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. (وَتَأْخِيرُهَا) أَيْ: الظُّهْرِ (لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ إلَى بَعْدَ صَلَاتِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَهُ (وَ) تَأْخِيرُ الظُّهْرِ (لِمَنْ يَرْمِي الْجَمَرَاتِ) أَيَّامَ مِنًى (حَتَّى يَرْمِيَهَا أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلِهَا قَبْلَهُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي صِفَةِ الْحَجِّ مُوَضَّحًا. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الظُّهْرِ (وَقْتُ الْعَصْرِ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَهُمَا وَلَا اشْتِرَاكٍ وَالْعَصْرُ الْعَشِيُّ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَالْعَصْرَانِ: الْغَدَاةُ وَالْعَشِيُّ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْعَصْرُ وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ مِثْلَهُ تَقُولُ: فُلَانٌ يَأْتِي فُلَانًا الْعَصْرَيْنِ وَالْبَرْدَيْنِ، إذَا كَانَ يَأْتِيهِ طَرَفَيْ النَّهَارِ فَكَأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِاسْمِ وَقْتِهَا (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا (وَهِيَ) الصَّلَاةُ (الْوُسْطَى) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ وَلَا عُلِمَ عَنْهُ وَلَا عَنْهُمْ فِيهَا خِلَافًا اهـ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ» وَلِمُسْلِمٍ «شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ» . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ قَالَا: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَالْوُسْطَى مُؤَنَّثُ الْأَوْسَطِ وَهُوَ أَيْ: الْوَسَطِ: الْخِيَارُ. وَفِي صِفَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ مِنْ أَوْسَطِ قَوْمِهِ أَيْ: خِيَارِهِمْ وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى مُتَوَسِّطَةٍ لِكَوْنِ الظُّهْرِ هِيَ الْأُولَى بَلْ بِمَعْنَى الْفُضْلَى. (وَوَقْتُهَا) الْمُخْتَارُ (مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ، سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ إنْ كَانَ) لِأَنَّ جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَقَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ (وَهُوَ) أَيْ: بُلُوغُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ سِوَى ظِلِّ الزَّوَالِ (آخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ) فِي اخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ» . (وَعْنَهُ إلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ وَجَمْعٌ) وَصَحَّحَهَا فِي الشَّرْحِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتُ ضَرُورَةٍ إلَى غُرُوبِهَا) فَتَقَعُ الصَّلَاةُ فِيهِ أَدَاءً وَيَأْثَمُ فَاعِلُهَا بِالتَّأْخِيرِ إلَيْهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ (وَتَعْجِيلُهَا أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) فِي الْحَرِّ وَالْغَيْمِ وَغَيْرِهَا لِلْأَحَادِيثِ. (وَيُسَنُّ جُلُوسُهُ بَعْدَهَا) أَيْ: الْعَصْرِ (فِي مُصَلَّاهُ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ فَجْرٍ إلَى طُلُوعِهَا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْعُدُ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ
صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ) نَصَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ: يَلِي وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعَصْرِ (وَقْتُ الْمَغْرِبِ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ غَرَبَتْ الشَّمْسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا غُرُوبًا وَمَغْرِبًا وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وَمَكَانِهِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِاسْمِ وَقْتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ) لِاتِّصَالِهَا بِهِ فَكَأَنَّهَا فُعِلَتْ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ: الْوِتْرَ الْمَشْهُورَ، بَلْ أَنَّهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَ) تَسْمِيَتُهَا (بِالْمَغْرِبِ أَوْلَى) قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ الْأَفْضَلُ تَسْمِيَتُهَا بِالْمَغْرِبِ (وَهِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا حَضَرًا وَسَفَرًا (وَلَهَا وَقْتَانِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ (وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَهُوَ إلَى ظُهُورِ النُّجُومِ) قَالَ فِي النَّصِيحَةِ لِلْآجُرِّيِّ: مَنْ أَخَّرَ حَتَّى يَبْدُوَ النَّجْمُ أَخْطَأَ (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ ظُهُورِ النَّجْمِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا (وَقْتُ كَرَاهَةٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِمْ: مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَمَا لَهُ ثَلَاثَةٌ كَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَضَرُورَةٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ لَهَا وَقْتَ تَحْرِيمٍ، أَيْ: يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ اهـ وَكَلَامُهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْإِنْصَافِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلْمَغْرِبِ وَقْتَانِ، أَيْ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَمُرَادُ صَاحِبِ الْمُبْدِعِ: أَنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا: نَفَى وَقْتَ الضَّرُورَةِ فَقَطْ (وَتَعْجِيلُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (أَفْضَلُ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ» وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (إلَّا لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَهِيَ لَيْلَةُ النَّحْرِ لِمَنْ قَصَدَهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ (مُحْرِمًا فَيُسَنُّ لَهُ تَأْخِيرُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ إنْ جَازَ لَهُ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إنْ لَمْ يُوَافِهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ (وَقْتُ الْغُرُوبِ) فَإِنْ حَصَلَ بِهَا وَقْتُهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ. (وَ) إلَّا (فِي غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى قُرْبِ الْعِشَاءِ، لِيَخْرُجَ لَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، طَلَبًا لِلْأَسْهَلِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الظُّهْرِ (وَ) إلَّا (فِي الْجَمْعِ إنْ كَانَ) التَّأْخِيرُ (أَرْفَقَ) بِهِ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ (وَيَأْتِي) فِي الْجَمْعِ (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ
غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ كَانَ أَوَّلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ أَوْ مَحْمُولًا عَلَى التَّأَكُّدِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَيَّدَ الشَّفَقَ بِالْأَحْمَرِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ الْبَيَاضُ لَا يَغِيبُ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ: وَقْتَ الْمَغْرِبِ (الْعِشَاءُ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَامِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهَا عِشَاءُ الْآخِرَةِ وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَلَّطُوهُ فِي إنْكَارِهِ (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعَتَمَةُ فِي اللُّغَةِ: شِدَّةُ الظُّلْمَةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ (إلَّا) الْحَدِيثَ (فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ شُغْلٍ، أَوْ شَيْءٍ يَسِيرٍ أَوْ مَعَ أَهْلٍ أَوْ ضَيْفٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ. (وَآخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الْأَوَّلِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِأَنَّ «جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ. (وَعَنْهُ) يَمْتَدُّ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ إلَى (نِصْفِهِ) أَيْ: اللَّيْلِ (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ أَلَا صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا؟ أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (ثُمَّ وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوِتْرِ؛ وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِشَاءِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لَهَا لِأَنَّ التَّابِعَ إنَّمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْمَتْبُوعِ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ
حُكْمُ الضَّرُورَةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ؛ فَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِلَا عُذْرٍ. (وَهُوَ) أَيْ الْفَجْرُ الثَّانِي: (الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) وَيُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الصَّادِقُ، وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ يُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الْكَاذِبُ وَهُوَ مُسْتَطِيلٌ بِلَا اعْتِرَاضٍ، أَزْرَقُ، لَهُ شُعَاعٌ ثُمَّ يُظْلِمُ، وَلِدِقَّتِهِ يُسَمَّى: ذَنَبَ السَّرْحَانِ أَيْ: الذِّئْبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسْنَوَيْهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْفَجْرُ يَطْلُعُ بِلَيْلٍ وَلَكِنْ تَسْتُرُهُ أَشْجَارُ جَنَّاتِ عَدْنٍ (وَتَأْخِيرُهَا) أَيْ الْعِشَاءِ (إلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَفْضَلُ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (مَا لَمْ يَشُقَّ) التَّأْخِيرُ (عَلَى الْمَأْمُومِينَ، أَوْ) عَلَى (بَعْضِهِمْ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِهِمْ» قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ يُؤَخِّرُ مَغْرِبًا لِغَيْمٍ، أَوْ جَمْعٍ فَتَعْجِيلُ الْعِشَاءِ فِيهِنَّ أَفْضَلُ) مِنْ تَأْخِيرِهَا. (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ) الَّتِي لَهَا وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ (أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ (وَتَقَدَّمَ) فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (وَتَأْخِيرُ عَادِم الْمَاءِ الْعَالِمِ) وُجُودَهُ (أَوْ الرَّاجِي وُجُودَهُ) أَوْ الْمُسْتَوِي عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ) إنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ (أَوْ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ: أَفْضَلُ فِي) الصَّلَوَاتِ (الْكُلِّ وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ) مُوَضَّحًا. (وَتَأْخِيرُ) الْكُلِّ (لِمُصَلِّي كُسُوفٍ أَفْضَلُ، إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا) لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّلَاتَيْنِ (وَ) التَّأْخِيرُ أَيْضًا أَفْضَلُ (لِمَعْذُورٍ كَحَاقِنٍ، وَتَائِقٍ وَنَحْوِهِ) حَتَّى يُزِيلَ ذَلِكَ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ (وَتَقَدَّمَ: إذَا ظَنَّ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ) كَحَيْضٍ (وَنَحْوِهِ) كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِتَأْخِيرِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (لِيُصَلِّيَ بِهِ أَخَّرَ نَصًّا) إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ الْجَائِزِ فِعْلُهَا فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ يَكُونُ وُجُوبًا (فَ) يُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ (لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ ابْنٍ بِأَبِيهِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ تُنَافِي مَا طُلِبَ فِعْلُهُ شَرْعًا (وَيَجِبُ التَّأْخِيرُ) إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ وَاجِبِ الذِّكْرِ (لِتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ وَذِكْرٍ وَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ) حَيْثُ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ؛ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ تَامَّةً مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ بِالتَّأْخِيرِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعِشَاءِ (وَقْتُ الْفَجْرِ) سُمِّيَ بِهِ لِانْفِجَارِ الصُّبْحِ وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ إذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ تَقُولُ: قَدْ أَفْجَرْنَا، كَمَا تَقُولُ: قَدْ أَصْبَحْنَا، مِنْ الصُّبْحِ مُثَلَّثُ الصَّادِ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ
وَهُوَ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ. (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا حَضَرًا وَسَفَرًا (وَتُسَمَّى الصُّبْحَ) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْغَدَاةِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ) . وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ عَبْدُوسٍ: يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بِالْأَسْفَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الْإِدْرَاكِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ الْوَقْتِ (أَفْضَلُ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَلَّسَ بِالصُّبْحِ ثُمَّ أَسْفَرَ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَازِمِيُّ: إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ. وَحَدِيثُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يُضِيءَ الْفَجْرُ؛ فَلَا يَشُكُّ فِيهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ أَيْ: أَضَاءَ، يُقَالُ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا، إذَا كَشَفَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ. (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَفَرَّعَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ: صَلَاةِ الْفَجْرِ (فِي أَمْرِ الدُّنْيَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَوَقْتُ الْمَغْرِب فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ، فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَقْصَرَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ لِأَنَّ النُّورَيْنِ تَابِعَانِ لِلشَّمْسِ، هَذَا يَتَقَدَّمُهَا وَهَذَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ الشِّتَاءُ طَالَ زَمَنُ مَغِيبِهَا فَيَطُولُ زَمَنُ الضَّوْءِ التَّابِعُ لَهَا وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ طَالَ زَمَنُ ظُهُورِهَا فَيَطُولُ زَمَنُ النُّورِ التَّابِعِ لَهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. (وَمِنْ أَيَّامِ الدَّجَّالِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ طِوَالٌ: يَوْمٌ كَسَنَةٍ فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ سَنَةٍ) قُلْتُ: وَكَذَا الصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ شَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ) فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ جُمُعَةٍ فَيُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ
فصل فيما يدرك به أداء الصلاة
فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِقَدْرِ مَا كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ، لَا أَنَّهُ لِلظُّهْرِ مَثَلًا بِالزَّوَالِ وَانْتِصَافِ النَّهَارِ، وَلَا لِلْعَصْرِ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، بَلْ يُقَدَّرُ الْوَقْتُ بِزَمَنٍ يُسَاوِي الزَّمَنَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: أَشَارَ إلَى ذَلِكَ، يَعْنِي الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ وَاللَّيْلَةُ فِي ذَلِكَ كَالْيَوْمِ، فَإِذَا كَانَ الطُّولُ يَحْصُلُ فِي اللَّيْلِ كَانَ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَا يَكُونُ لَهَا فِي النَّهَارِ. [فَصْلٌ فِيمَا يُدْرَكُ بِهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ] ِ وَحُكْمِ مَا إذَا جُهِلَ الْوَقْتُ (تُدْرَكُ مَكْتُوبَةٌ أَدَاءً كُلُّهَا بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ فِي وَقْتِهَا) أَيْ: وَقْتِ تِلْكَ الْمَكْتُوبَةِ، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، وَمَجْنُونٍ يُفِيقُ، أَوْ لِغَيْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَكَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْمَكْتُوبَةُ (جُمُعَةً) وَأَدْرَكَ مِنْهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا أَدَاءً، كَبَاقِي الْمَكْتُوبَاتِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ. (وَلَوْ كَانَ) الْوَقْتُ الَّذِي أَدْرَكَ فِيهِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (آخِرَ وَقْتِ ثَانِيَةٍ فِي جَمْعٍ) وَكَبَّرَ فِيهِ لِلْإِحْرَامِ فَتَكُونُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا أَدَاءً، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْ (فَتَنْعَقِدُ) الصَّلَاةُ الَّتِي أَدْرَكَ تَحْرِيمَهَا فِي وَقْتِهَا (وَيُبْنَى عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى التَّحْرِيمَةِ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا، وَلَوْ) كَانَ (أَخَّرَهَا عَمْدًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (قَالَ الْمَجْدُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تُدْرَكُ بِتَكْبِيرَةٍ، بِنَاءُ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَنْ وَقْتِهَا عَلَى تَحْرِيمِهِ الْأَدَاءَ فِي الْوَقْتِ وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، بَلْ تَقَعُ الْمَوْقِعَ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ) وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ الْآتِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ) حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دُخُولِهِ (فَإِنْ صَلَّى) مَعَ الشَّكِّ (فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ وَافَقَ الْوَقْتَ) لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ مَعَ مَا يُنَافِيهِ لَا مَعَ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا فَسَدَ فَرْضُهُ وَنَقْلَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ انْتَهَى قُلْتُ: يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا. (فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ) أَيْ: الْوَقْتِ (بِدَلِيلٍ مِنْ
اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدِ) عَارِفٍ (أَوْ تَقْدِيرِ الزَّمَانِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ) كَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةٍ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مِنْ صَنْعَتِهِ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ (صَلَّى) أَيْ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ (إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْيَقِينُ بِمُشَاهَدَةِ) الزَّوَالِ وَنَحْوِهِ (أَوْ إخْبَارٍ عَنْ يَقِينٍ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ، فَاكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَبْنُونَ أَمْرَ الْفِطْرِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ. (وَالْأَوْلَى: تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا احْتِيَاطًا) حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ، وَيَزُولَ الشَّكُّ (إلَّا أَنْ يُخْشَى خُرُوجُ الْوَقْتِ أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ فَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ) لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا حَلَّ فِعْلُهَا بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ ضَيِّقٌ، فَيُخْشَى خُرُوجُهُ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. (وَالْأَعْمَى وَنَحْوُهُ) كَالْمَطْمُورِ (يُقَلِّدُ) الْعَارِفَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ. وَفِي الْجَامِعِ لِلْقَاضِي: وَالْأَعْمَى يَسْتَدِلُّ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَمَا يَسْتَدِلُّ الْبَصِيرُ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الدَّلَالَةِ وَهُوَ مُرُورُ الزَّمَانِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالرُّجُوعُ إلَى الصَّنَائِعِ الرَّاتِبَةِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَالِاحْتِيَاطُ لِلتَّأْخِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَصِيرِ وَيُفَارِقُ التَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجْتَهِدُ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ الْآلَةُ الَّتِي يُدْرِكُهَا بِهَا، وَهِيَ حَاسَّةُ الْبَصَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ دُخُولُ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ عَدِمَ) الْأَعْمَى وَنَحْوُهُ (مَنْ يُقَلِّدُهُ وَصَلَّى، أَعَادَ، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ) كَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَيُصَلِّي بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَيُعِيدُ أَعْمَى عَاجِزٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتِ الصَّلَاةِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ قَدْرَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَخْبَرَهُ) أَيْ: الْجَاهِلَ بِالْوَقْتِ أَعْمَى كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (مُخْبِرٌ) عَارِفٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (عَنْ يَقِينٍ) لَا ظَنٍّ (قُبِلَ قَوْلُهُ) وُجُوبًا (إنْ كَانَ ثِقَةً) لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ، كَالرِّوَايَةِ (أَوْ سَمِعَ أَذَانَ ثِقَةٍ) يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِأَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ لِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَحْصُلْ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِعَ الْأَذَانُ لَهَا. وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ؛ قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ، وَبَنَوْا عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِلْوَقْتِ، وَلَا اجْتِهَادٍ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا (وَإِنْ كَانَ) الْإِخْبَارُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (عَنْ اجْتِهَادٍ لَمْ يَقْبَلْهُ) لِأَنَّهُ يَقْدِرُ
عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ وَتَحْصِيلِ مِثْلِ ظَنِّهِ أَشْبَهَ حَالَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (عُمِلَ بِقَوْلِهِ) أَيْ: قَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ اجْتِهَادٍ (وَمِنْهُ) : أَيْ: مِنْ الْإِخْبَارِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَنْ اجْتِهَادٍ. (الْأَذَانُ فِي غَيْمٍ إنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ) فَلَا يَقْبَلُهُ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (فَيَجْتَهِدُ هُوَ) أَيْ: مُرِيدُ الصَّلَاةِ، إنْ قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ. (وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ يَعْرِفُ الْوَقْتَ بِالسَّاعَاتِ) وَهُوَ الْعَالِمُ بِالتَّسْيِيرِ وَالسَّاعَاتِ وَالدَّقَائِقِ وَالزَّوَالِ (أَوْ) كَانَ يُؤَذِّنُ بِ (تَقْلِيدِ عَارِفٍ) بِالسَّاعَاتِ (عُمِلَ بِأَذَانِهِ) إذَا كَانَ ثِقَةً فِي الْغَيْمِ وَغَيْرِهِ (وَمَتَى اجْتَهَدَ) مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ (وَصَلَّى فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا خُوطِبَ بِهِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَافَقَ) مَا (قَبْلَهُ) أَيْ الْوَقْتِ (لَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَرْضِهِ) لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ، وَلَا مَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ فَبَقِيَ بِحَالِهِ (وَكَانَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا، وَيَأْتِي) فِي بَابِ النِّيَّةِ (وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) أَيْ: فِعْلُ الصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا. (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ) مَكْتُوبَةٍ (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ طَرَأَ) عَلَيْهِ (مَانِعٌ مِنْ جُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ) كَنِفَاسٍ (ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا؛ لَزِمَهُ قَضَاءُ) الصَّلَاةِ (الَّتِي أَدْرَكَ) التَّكْبِيرَةَ (مِنْ وَقْتِهَا فَقَطْ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى مُكَلَّفٍ، لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا فَإِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ طُرُوءِ الْمَانِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلَا مِنْ وَقْتٍ تَبِعَهَا فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى شَيْئًا، وَفَارَقَ مُدْرِكُ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتًا يَتْبَعُ الْأُولَى فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى. وَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةٌ إلَّا بِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا (وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُهَا) أَيْ: قَدْرُ التَّكْبِيرَةِ (مِنْ آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ الْوَقْتِ (ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ) مِنْ حَيْضٍ أَوْ جُنُونٍ وَنَحْوِهِ (وَوُجِدَ الْمُقْتَضِي) لِلْوُجُوبِ (بِبُلُوغِ صَبِيٍّ أَوْ إفَاقَةِ مَجْنُونٍ أَوْ إسْلَامِ كَافِرٍ أَوْ طُهْرِ حَائِضٍ) أَوْ نُفَسَاءَ (وَجَبَ قَضَاؤُهَا وَقَضَاءُ مَا تَجَمَّعَ إلَيْهَا قَبْلَهَا، فَإِنْ كَانَ) زَوَالُ الْمَانِعِ، أَوْ طُرُوءُ التَّكْلِيفِ (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الصُّبْحِ) فَقَطْ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَا تُجْمَعُ إلَيْهَا (وَإِنْ كَانَ قَبْلَ غُرُوبِهَا لَزِمَ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا لِأَنَّ وَقْتَ
فصل في قضاء الفوائت وما يتعلق به
الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ قَضَاءُ فَرْضِهَا، كَمَا يَلْزَمُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ. وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ لِلْوُجُوبِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ الشَّرْطُ فِي مُعْظَمِهَا. [فَصْلٌ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَأَكْثَرَ) مِنْ صَلَاةٍ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّ إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مُرَتِّبًا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْأَحْزَابِ «صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتَهَا فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَقَدْ رَأَوْهُ قَضَى الصَّلَاتَيْنِ مُرَتِّبًا كَمَا رَأَوْهُ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، وَلِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ (عَلَى الْفَوْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ (إلَّا إذَا حَضَرَ) مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ (لِصَلَاةِ عِيدٍ) فَيُؤَخِّرُ الْفَائِتَةَ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ مُصَلَّاهُ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا) فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَوْرُ، وَيَقْضِيهَا بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وقَوْله تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] . (وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ) أَيْ: تَأْخِيرُ الْفَائِتَةِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لِلصَّلَاةِ) «لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ لَمَّا فَاتَتْهُمْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ قَبْلَ غَيْرِهِ. (وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ) مِمَّنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ (إذَنْ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ فِيهِ تَأْخِيرُ،
الْفَائِتَةِ، لِكَوْنِهِ حَضَرَ لِصَلَاةِ عِيدٍ أَوْ يَتَضَرَّرُ فِي بَدَنِهِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ أَخَّرَهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (لِتَحْرِيمِهِ) أَيْ: النَّفْلِ الْمُطْلَقِ إذَنْ (كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ) لِتَعْيِينِ الْوَقْتِ لِلْفَائِتَةِ كَمَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ النَّفَلُ الْمُقَيَّدُ كَالرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ الْفَرَائِضَ فَلَهَا شَبَهٌ بِهَا (وَإِنْ قَلَّتْ الْفَوَائِتُ قَضَى سُنَنَهَا) الرَّوَاتِبَ (مَعَهَا) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَاتَتْهُ الْفَجْرُ صَلَّى سُنَّتَهَا قَبْلَهَا» . (وَإِنْ كَثُرَتْ) الْفَوَائِتُ (فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا) أَيْ: السُّنَنِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا قَضَى الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهَا سُنَّةً، وَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ) فَيَقْضِيهَا وَلَوْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ، لِتَأَكُّدِهَا وَحَثِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا. (وَيُخَيَّرُ فِي الْوِتْرِ) إذَا فَاتَ مَعَ الْفَرْضِ وَكَثُرَ، وَإِلَّا قَضَاهُ اسْتِحْبَابًا (وَلَا تَسْقُطُ الْفَائِتَةُ بِحَجٍّ وَلَا تَضْعِيفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَإِذَا صَلَّى فِي أَحَدِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ لَمْ تَسْقُطْ بِالْمُضَاعَفَةِ (وَلَا) تَسْقُطُ بِ (غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، سِوَى قَضَائِهَا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَالْجُمْلَةُ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ فَتُفِيدُ الْحَصْرَ. (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أَوْ) خَشِيَ (خُرُوجَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ؛ سَقَطَ وُجُوبُهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَوْرِ وَالتَّرْتِيبِ (فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ إذَا بَقِيَ فِي الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِهَا، ثُمَّ يَقْضِي) الْفَائِتَةَ، لِأَنَّ الْحَاضِرَةَ آكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا، بِخِلَافِ الْفَائِتَةِ وَلِئَلَّا تَصِيرَ الْحَاضِرَةُ فَائِتَةً (وَتَصِحُّ الْبُدَاءَةُ بِغَيْرِ الْحَاضِرَةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ) وَيَأْثَمُ وَ (لَا) تَصِحُّ (نَافِلَةٌ وَلَوْ رَاتِبَةً) مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ (فَلَا تَنْعَقِدُ) لِتَحْرِيمِهَا كَوَقْتِ النَّهْيِ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلْفَرْضِ وَهَكَذَا إذَا. اسْتَيْقَظَ، وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ. (وَإِنْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَوَائِتِ حَالَ قَضَائِهَا) بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ وَعَصْرٌ مَثَلًا، فَنَسِيَ الظُّهْرَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْعَصْرِ (أَوْ) نَسِيَ التَّرْتِيبَ (بَيْنَ حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ حَتَّى فَرَغَ) مِنْ الْحَاضِرَةِ (سَقَطَ وُجُوبُهُ) أَيْ: التَّرْتِيبِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ إعَادَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْمَغْرِبِ عَامَ الْأَحْزَابِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي أَثْنَائِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَأَلَ عَقِبَ سَلَامِهِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِجَهْلِ وُجُوبِهِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعَلُّمِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِتَقْصِيرٍ، بِخِلَافِ النِّسْيَانِ (فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْفَجْرَ جَاهِلًا) وُجُوبَ التَّرْتِيبِ (ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، صَحَّتْ عَصْرُهُ) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ ظُهْرِهِ (لِاعْتِقَادِهِ) حَالَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَنْ
(لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، كَمَنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْعَصْرَ (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ) أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ مِنْهَا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا آخَرَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّاسِي. (وَلَا يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ) بَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ ثُمَّ الْحَاضِرَةَ وَلَوْ وَحْدَهُ وَيَسْقُط وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ لِلْعُذْرِ. (وَعَنْهُ يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ (اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ) إنْ خَشِيَ فَوْتَهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَائِتَةِ (وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ السُّقُوطِ) أَيْ: سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ (ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا) عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرَةِ أَنْ تَكُونَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِنَّ خَوْفَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ كَضِيقِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ نَصَّ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَعَنْهُ لَا يَسْقُطُ، قَالَ جَمَاعَةٌ لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي الْأَصَحِّ ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا اهـ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: وَتُتْرَكُ فَائِتَةٌ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ جَمَاعَةً إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً فِي حَاضِرَةٍ أَتَمَّهَا غَيْرُ الْإِمَامِ، نَفْلًا إمَّا رَكْعَتَيْنِ وَإِمَّا أَرْبَعًا، مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) عَنْ فِعْلِ الْفَائِتَةِ ثُمَّ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأُلْحِقَ بِالْمَأْمُومِ الْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. (وَيَقْطَعُهَا) أَيْ: الْحَاضِرَةَ (الْإِمَامُ) إذَا ذَكَرَ فَائِتَةً (نَصًّا مَعَ سَعَتِهِ) أَيْ: الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (وَاسْتَثْنَى جَمْعَ الْجُمُعَةِ) فَلَا يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ إذَا ذَكَرَ الْفَائِتَةَ فِي أَثْنَائِهَا وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِأَنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِسِوَى الْحَاضِرَةِ؛ أَتَمَّهَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَإِنْ اتَّسَعَ لِلْفَائِتَةِ ثُمَّ الْحَاضِرَةِ فَقَطْ، قَطَعَهَا أَيْضًا غَيْرُ الْإِمَامِ لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّفْلِ إذَنْ. وَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْفَائِتَةَ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْجُمُعَةِ اسْتَنَابَ فِيهَا وَقَضَى الْفَائِتَةَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مَعَ نَائِبِهِ وَإِلَّا صَلَّى ظُهْرًا. (وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ هَلْ صَلَّى مَا قَبْلَهَا، وَدَامَ) شَكُّهُ (حَتَّى فَرَغَ) مِنْ صَلَاتِهِ (فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ أَعَادَهُمَا) أَيْ: الْفَائِتَةَ، ثُمَّ الْحَاضِرَةَ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. (وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ) بِلَيْلَتِهِ (يَجْهَلُ عَيْنَهَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَظُهْرٌ هِيَ أَمْ غَيْرُهَا (صَلَّى خَمْسًا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ) أَيْ: يَنْوِي بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ الْفَرْضَ الَّذِي عَلَيْهِ. (وَلَوْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ وَجَهِلَ السَّابِقَةَ) مِنْهُمَا (بَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا بِالتَّحَرِّي) أَيْ الِاجْتِهَادِ (فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لِلْعُذْرِ. (وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ الظُّهْرَ وَصَلَاةً أُخْرَى، لَا يَعْلَمُ هَلْ الْمَغْرِبُ أَوْ الْفَجْرُ؟ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ، ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ) اعْتِبَارًا بِالتَّرْتِيبِ
باب ستر العورة وأحكام اللباس
الشَّرْعِيِّ. وَإِنْ تَرَكَ عَشَرَ سَجَدَاتٍ مِنْ صَلَاةِ شَهْرٍ قَضَى صَلَاةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، لِجَوَازِ تَرْكِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَجْدَةً ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَمَنْ شَكَّ فِيمَا عَلَيْهِ وَتَيَقَّنَ سَبْقَ الْوُجُوبِ أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ يَقِينًا نَصَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ. وَلَوْ شَكَّ مَأْمُومٌ: صَلَّى الْإِمَامُ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ اعْتَبَرَ بِالْوَقْتِ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ. (وَلَوْ تَوَضَّأَ) مُكَلَّفٌ (وَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا) أَوْ شَرْطًا (مَنْ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الثَّانِيَ (وَ) أَعَادَ (الصَّلَاتَيْنِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (وَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلثَّانِيَةِ تَجْدِيدًا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْأُولَى فَقَطْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الْأَوَّلَ وَلَا يُعِيدُ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ التَّجْدِيدُ لَمْ يَضُرَّهُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا، فَالْحَدَثُ ارْتَفَعَ بِالتَّجْدِيدِ (مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْوُضُوءِ) لِمَا ذُكِرَ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْوُضُوءِ. (وَإِنْ نَامَ مُسَافِرٌ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ سُنَّ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانِهِ) لِحُضُورِ الشَّيْطَانِ لَهُ فِيهِ (لِيَقْضِيَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي نَامَ فِيهِ، «لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» وَتَقَدَّمَ. [بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامُ اللِّبَاسِ] (بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامُ اللِّبَاسِ) السَّتْرُ: بِفَتْحِ السِّينِ، مَصْدَرُ سَتَرَهُ أَيْ: غَطَّاهُ وَبِكَسْرِهَا مَا يُسْتَرُ بِهِ وَالْعَوْرَةُ لُغَةً: النُّقْصَانُ، وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ وَمِنْهُ كَلِمَةٌ عَوْرَاءُ أَيْ: قَبِيحَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. (الشَّرْطُ السَّادِسُ) فِي الذِّكْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِتَارِ بِهِ، وَصَلَّى عُرْيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ خَاصٍّ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ: الْبَالِغُ وَالْأَحْسَنُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ
الْعَوْرَةِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ. (وَالْعَوْرَةُ سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ) أَيْ: قُبُلُهُ وَدُبُرُهُ قَالَ تَعَالَى {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا} [طه: 121] (وَكُلُّ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، سُمِّيَتْ عَوْرَةً لِقُبْحِ ظُهُورِهَا، ثُمَّ إنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَعَلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (فَمَعْنَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ تَغْطِيَةُ مَا يَقْبُحُ ظُهُورُهُ وَيُسْتَحَى مِنْهُ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى حُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَسَتْرُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (فِي الصَّلَاةِ عَنْ النَّظَرِ، حَتَّى عَنْ نَفْسِهِ) . فَلَوْ كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُمْكِنْ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ مِنْهُ إذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَجَبَ زَرُّهُ وَنَحْوُهُ لِيَسْتُرَهَا، لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) حَتَّى (خَلْوَةً) فَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ خَلْوَةً كَمَا يَجِبُ لَوْ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قُلْت: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ فَاَللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَ (لَا) يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ النَّظَرِ (مِنْ أَسْفَلَ وَلَوْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ) إلَيْهَا مِنْ أَسْفَلَ، بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ تَحْتِهِ لَرَأَى عَوْرَتَهُ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ: وَالْأَظْهَرُ بَلَى إنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ (وَاجِبٌ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَسَتْرُهَا (بِسَاتِرٍ لَا يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ، سَوَادَهَا وَبَيَاضَهَا) لِأَنَّ مَا وَصَفَ سَوَادَ الْجِلْدِ أَوْ بَيَاضَهُ لَيْسَ بِسَاتِرٍ لَهُ (فَإِنْ) سَتَرَ اللَّوْنَ، وَوَصَفَ (الْحَجْمَ) أَيْ: حَجْمَ الْأَعْضَاءِ (فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّ الْبَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَيَكْفِي فِي سَتْرِهَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ وَرَقُ شَجَرٍ وَحَشِيشٌ وَنَحْوُهَا) كَخُوصٍ مَضْفُورٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهَا، وَقَدْ حَصَلَ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِسَتْرِهَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِسَاتِرٍ فَكَفَى أَيُّ سَاتِرٍ (وَ) يَكْفِي فِي سَتْرِهَا أَيْضًا (مُتَّصِلٌ بِهِ، كَيَدِهِ وَلِحْيَتِهِ) . فَإِذَا كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ فَضَمَّ بِيَدِهِ أَوْ غَطَّتْهُ لِحْيَتُهُ، فَمَنَعَتْ رُؤْيَةَ عَوْرَتِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ لِحُصُولِ السَّتْرِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ بِثَوْبِهِ حِذَاءَ فَخِذِهِ وَنَحْوِهِ خَرْقٌ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) سَتْرُ عَوْرَتِهِ (بِبَارِيَةٍ) وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا يُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَصِيرِ مِنْ قَصَبٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: هِيَ الْحَصِيرُ (وَحَصِيرٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَضُرُّهُ) إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ. (وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِ (حَفِيرٍ وَطِينٍ وَمَاءٍ كَدِرٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ. وَفِي الْحَفِيرَةِ حَرَجٌ
وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ الطِّينُ لَا الْمَاءُ (وَلَا) يَكْفِي سَتْرُهَا (بِمَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاتِرٍ قُلْتُ لَكِنْ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَجَبَ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَجِبُ سَتْرُهَا كَذَلِكَ) أَيْ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ، لَا مِنْ أَسْفَلَ حَتَّى خَلْوَةً (فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي ظُلْمَةٍ وَحَمَّامٍ) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ يَجِبُ سَتْرُهَا مُطْلَقًا حَتَّى خَلْوَةً عَنْ نَظَرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُهَا خَلْوَةً بِلَا حَاجَةٍ فَيَحْرُمُ نَظَرُهَا لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِكَشْفِهَا الْمُحَرَّمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ تَصْرِيحًا بِخِلَافِ هَذَا لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ هُوَ وَلَا لَمْسُهَا اتِّفَاقًا. (وَيَجُوزُ كَشْفُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ لِلضَّرُورَةِ (وَ) يَجُوزُ (نَظَرُ الْغَيْرِ إلَيْهَا لِضَرُورَةٍ، كَتَدَاوٍ وَخِتَانٍ، وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، وَعَيْبٍ، وَوِلَادَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَحَلْقِ عَانَةٍ لَا يُحْسِنُهُ وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي النِّكَاحِ. (وَيَجُوزُ كَشْفُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (وَنَظَرُهَا لِزَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» . (وَ) يَجُوزُ كَشْفُهَا وَنَظَرُهَا (لِأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ، وَهِيَ لِسَيِّدِهَا) أَيْ يَجُوزُ لِلْأَمَةِ الْمُبَاحَةِ كَشْفُ عَوْرَتِهَا لِسَيِّدِهَا وَنَظَرُهَا لِعَوْرَتِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَخَرَجَ بِالْمُبَاحَةِ الْمَجُوسِيَّةُ وَنَحْوُهَا، وَالْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَالْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ غَيْرِهِ. (وَ) يَجُوزُ (كَشْفُهَا لِحَاجَةٍ، كَتَخَلٍّ وَاسْتِنْجَاءٍ وَغُسْلٍ وَتَقَدَّمَ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَالْغُسْلِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا) لِتَدَاوٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَنْكِحَةِ نَقَلَهُ عَنْ التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) أَيْ: الذَّكَرِ الْبَالِغِ (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا أَوْ ابْنَ عَشْرٍ) حُرًّا أَوْ عَبْدًا: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ» رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ. وَعَنْ جَرْهَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ «مَرَّ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ وَقَدْ انْكَشَفَتْ فَخِذِي فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا. وَفِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَ) عَوْرَةُ (الْأَمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد يُرِيدُ بِهِ الْأَمَةَ فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْعَبْدَ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِالتَّزْوِيجِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ عُمَرُ يَنْهَى الْإِمَاءَ عَنْ التَّقَنُّعِ وَقَالَ: إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ
(وَكَذَا أُمُّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهَا، وَمُدَبَّرَةٌ، وَمُكَاتَبَةٌ، وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ) فَعَوْرَتُهُنَّ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِنَّ وَالْمُقْتَضِي لِلسَّتْرِ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ وَلَمْ تُوجَدْ فَبَقِينَ عَلَى الْأَصْلِ (وَ) كَذَا عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُرَاهِقَةٍ وَمُمَيِّزَةٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» (وَ) كَذَا عَوْرَةُ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ أُنُوثِيَّتُهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِالِاحْتِمَالِ. (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِتَارُهُنَّ) أَيْ: الْأَمَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَالْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ، وَالْحُرَّةِ الْمُرَاهِقَةِ، وَالْمُمَيِّزَةِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (كَالْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ احْتِيَاطًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَمَةِ، يُسَنَّ سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالِاحْتِيَاطُ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: أَنْ يَسْتَتِرَ كَالْمَرْأَةِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَتَا مِنْ الْعَوْرَةِ، بَلْ الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَتَقَدَّمَ. وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَسْفَلُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلِأَنَّهُمَا حَدُّ الْعَوْرَةِ فَلَمْ يَكُونَا مِنْهَا (وَابْنُ سَبْعٍ) وَخُنْثَى لَهُ سَبْعُ سِنِينَ (إلَى عَشْرِ) سِنِينَ (عَوْرَتُهُ الْفَرْجَانِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ دُونَ الْبَالِغِ. (وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى ظُفْرِهَا وَشَعْرِهَا) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» رَوَاهُ، أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ (إلَّا وَجْهَهَا) . لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ. (قَالَ جَمْعٌ وَكَفَّيْهَا) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ وَالْوَجِيزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ " وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَخَالَفَهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ. (وَهُمَا) أَيْ: الْكَفَّانِ (وَالْوَجْهُ) مِنْ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ (عَوْرَةٌ خَارِجَهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ، كَبَقِيَّةِ بَدَنِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» . (وَيُسَنُّ لِرَجُلٍ وَالْإِمَامُ أَبْلَغُ) أَيْ: آكَدُ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَبَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ (أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (مَعَ
سَتْرِ رَأْسِهِ) بِعِمَامَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ كَذَلِكَ يُصَلِّي قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدُهُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ. (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يُصَلِّيَ (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ) مِنْ الْعَوْرَةِ وَأَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ (وَالْقَمِيصُ أَوْلَى مِنْ الرِّدَاءِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، ثُمَّ الرِّدَاءُ ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَإِنْ صَلَّى فِي ثَوْبَيْنِ فَأَفْضَلُ ذَلِكَ مَا كَانَ أَسْبَغَ، فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ: الْقَمِيصَ وَالرِّدَاءَ، ثُمَّ الْإِزَارَ أَوْ السَّرَاوِيلَ مَعَ الْقَمِيصِ، ثُمَّ أَحَدَهُمَا مَعَ الرِّدَاءِ، وَأَفْضَلُهُمَا مَعَ الرِّدَاءِ: الْإِزَارُ، لِأَنَّهُ لُبْسُ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْكِي تَقَاطِيعَ الْخِلْقَةِ، وَأَفْضَلُهُمَا، تَحْتَ الْقَمِيصِ: السَّرَاوِيلُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلَا يَحْكِي خِلْقَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. (وَإِنْ صَلَّى فِي الرِّدَاءِ، وَكَانَ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ وَإِنْ كَانَ) الرِّدَاءُ (ضَيِّقًا خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَالْقِصَارِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوَيْكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا سُنَّ أَنْ يَزُرَّهُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) لِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْهُ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَالْمُرَادُ إنْ أَمْكَنَ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ وَإِنْ لَمْ تُرَ لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ لَمْ يَزُرَّهُ) أَيْ: الْجَيْبَ (وَشَدَّ وَسَطَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، أَوْ كَانَ ذَا لِحْيَةٍ تَسُدُّ جَيْبَهُ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِوُجُودِ السَّتْرِ الْمَأْمُورِ. (فَإِنْ اقْتَصَرَ) الرَّجُلُ وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى (عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَأَعْرَى الْعَاتِقَيْنِ فِي نَفْلٍ أَجْزَأَهُ) دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَلِكَ يُتَسَامَحُ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ سَفَرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَسُومِحَ فِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ وَلِأَنَّ عَادَةَ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ وَخَلَوَاتِهِ قِلَّةُ اللِّبَاسِ وَتَخْفِيفُهُ وَغَالِبُ نَفْلِهِ يَقَعُ فِيهِ فَسُومِحَ فِيهِ لِذَلِكَ. وَلَا كَذَلِكَ الْفَرْضُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ مَعَ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ (وَيُشْتَرَطُ فِي فَرْضٍ مَعَ سَتْرِهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (سَتْرُ جَمِيعِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْعَاتِقَيْنِ (بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ
«لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» وَفِي لَفْظٍ «فَائْتَزِرْ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ هَذَا فِي التَّطَوُّعِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَرْضِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَاتِقِ: مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ وَقَوْلُهُ بِلِبَاسٍ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الثَّوْبِ الَّذِي سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ سَتَرَ بِهِ عَاتِقَهُ أَجْزَأَهُ (وَلَوْ وَصَفَ الْبَشَرَةَ) لِعُمُومِ «قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَهُوَ يَعُمُّ مَا يَصِفُ وَمَا لَا يَصِفُ (فَلَا يُجْزِئُ حَبْلٌ وَنَحْوُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لِبَاسًا. (وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَهُوَ الْقَمِيصُ) وَقَالَ أَحْمَدُ شِبْهُ الْقَمِيصِ، لَكِنَّهُ سَابِغٌ يُغَطِّي قَدَمَيْهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَخِمَارٍ وَهُوَ غِطَاءُ رَأْسِهَا) وَتُدِيرُهُ تَحْتَ حَلْقِهَا (وَمِلْحَفَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَهِيَ الْجِلْبَابُ) رَوَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فِي جُزْئِهِ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْخِمَارِ وَالْإِزَارِ وَالدِّرْعِ، فَتُسْبِلُ الْإِزَارَ فَتُجَلْبَبُ بِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ إذَا وَجَدَتْهَا: الْخِمَارُ وَالْجِلْبَابُ وَالدِّرْعُ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْفَى مِنْ الرَّجُلِ عَوْرَةً فَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ سُتْرَةً (وَلَا تَضُمُّ ثِيَابَهَا) قَالَ السَّامِرِيُّ (فِي حَالِ قِيَامِهَا) . (وَيُكْرَهُ) أَنْ تُصَلِّيَ (فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ بِلَا حَاجَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ وَلِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، وَيُغَطِّي الْفَمَ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الرَّجُلَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَحُضُورِ أَجَانِبَ، فَلَا كَرَاهَةَ. (وَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ مَا سِوَى وَجْهِهَا، كَأَنْ صَلَّتْ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ أَجْزَأَهَا) قَالَ أَحْمَدُ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ، وَلِأَنَّهَا سَتَرَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ فَاكْتُفِيَ بِهِ. (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَشْفِ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ) وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي (لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ عُرْفًا) وَيَخْتَلِفُ الْفُحْشُ بِحَسَبِ الْمُنْكَشِفِ، فَيَفْحُشُ مِنْ السَّوْأَةِ مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا (بِلَا قَصْدٍ) «لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ فَقَدَّمُونِي، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي
فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا سَوْأَةَ قَارِئِكُمْ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا يَمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِهِ» . وَفِي لَفْظٍ «فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّ ثِيَابَ الْأَغْنِيَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ فَتْقٍ وَثِيَابَ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ خَرْقٍ غَالِبًا وَالِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ (وَلَوْ) كَانَ الِانْكِشَافُ الْيَسِيرُ (فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ) لِمَا مَرَّ. (وَكَذَا) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ شَيْءٌ (كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، فَلَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ وَنَحْوُهُ) أَيْ: نَحْوُ الرِّيحِ (عَنْ عَوْرَتِهِ، فَبَدَا) أَيْ: ظَهَرَ (مِنْهَا مَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لَوْ) طَالَ زَمَنُهُ لِفُحْشِهِ (وَلَوْ) كَانَ الَّذِي بَدَا (كُلَّهَا) أَيْ: كُلَّ الْعَوْرَةِ (فَأَعَادَهَا سَرِيعًا بِلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ أَشْبَهَ الْيَسِيرَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ فَإِنْ احْتَاجَ فِي أَخْذِ سُتْرَتِهِ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (وَإِنْ كَشَفَ يَسِيرًا مِنْهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (قَصْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ أَشْبَهَ سَائِرَ الْعَوْرَةِ، وَكَذَا لَوْ فَحُشَ وَطَالَ الزَّمَنُ، وَلَوْ بِلَا قَصْدٍ. (وَمَنْ صَلَّى وَلَوْ نَفْلًا فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ) أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (أَوْ) صَلَّى فِي ثَوْبٍ (أَكْثَرُهُ) حَرِيرٌ وَهُوَ (مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ) ذَلِكَ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصَاوِيرُ قُلْتُ لَازَمَ ذَلِكَ كُلَّ ثَوْبٍ يَحْرُمُ لُبْسُهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ. (أَوْ) صَلَّى فِي ثَوْبٍ (مَغْصُوبٍ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا، أَوْ ظَاهِرُهُ، مَشَاعًا كَانَ أَوْ مُعَيَّنًا وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَتْبَعُ بَعْضًا. (أَوْ) صَلَّى فِي (مَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ أَوْ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ حَرَامٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ وَبَذَلَهُ مِنْ الْحَرَامِ (رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً) لَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَيْ: غَيْرُ الثَّوْبِ الْمُحَرَّمِ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صَمْتًا إنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ» وَفِي إسْنَادِهِ هَاشِمٌ وَبَقِيَّةُ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَاشِمٌ غَيْرُ ثِقَةٍ، وَبَقِيَّةُ مُدَلِّسٌ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَقُعُودَهُ وَلُبْثَهُ فِيهِ مُحَرَّمٌ
مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَمْ يَقَعْ عِبَادَةً كَالصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَكَالنَّجِسِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى فِي بُقْعَةٍ مَغْصُوبَةٍ وَلَوْ مَنْفَعَتَهَا، أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي فِي حَرِيرٍ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَالْأُنْثَى (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ. (كَمَا لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ خَاتَمَ ذَهَبٍ أَوْ) كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (دُمْلُجًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ تِكَّةَ سَرَاوِيلَ، أَوْ خُفًّا مِنْ حَرِيرٍ) أَوْ تَرَكَ ثَوْبًا مَغْصُوبًا فِي كُمِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَوَضَعَهُ فِي كُمِّهِ. (وَإِنْ جَهِلَ) كَوْنَهُ حَرِيرًا أَوْ غَصْبًا (أَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ حَرِيرًا أَوْ غَصْبًا) صَحَّتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ (أَوْ حُبِسَ بِمَكَانِ غَصْبٍ) أَوْ نَجِسٍ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَكَذَا كُلُّ مُكْرَهٍ عَلَى الْكَوْنِ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ وَالْغَصْبِ، بِحَيْثُ يَخَافُ ضَرَرًا مِنْ الْخُرُوجِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَحْبُوسِ. أَوْ (كَانَ فِي جَيْبِهِ دِرْهَمٌ) أَوْ دِينَارٌ أَوْ غَيْرُهُ (مَغْصُوبٌ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَوْ مَزْرُوعَةً) بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ جَازَ. (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مُصَلَّاهُ) أَيْ: الْغَيْرِ (بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ) فِي ذَلِكَ (جَازَ وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِرِضَاهُ بِذَلِكَ عُرْفًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِكَافِرٍ، لِعَدَمِ رِضَاهُ بِصَلَاةِ مُسْلِمٍ فِي أَرْضِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَيُصَلِّي فِي حَرِيرٍ) وَلَوْ عَارِيَّةً (لِعَدَمِ) غَيْرِهِ (وَلَا يُعِيدُ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي لُبْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَالْحِكَّةِ وَالْجَرَبِ، وَضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَعَدَمِ سُتْرَةِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ إذَنْ. (وَ) يُصَلِّي (عُرْيَانًا مَعَ) وُجُودِ ثَوْبٍ (مَغْصُوبٍ) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مُطْلَقًا وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً مَغْصُوبًا. (وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ) لِأَنَّ زَمَنَ فَرْضِهِ مُسْتَثْنًى شَرْعًا، فَلَمْ يَغْصِبْهُ بِخِلَافِ زَمَنِ نَفْلِهِ وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» . وَفِي لَفْظٍ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَوَالِيهِ، فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ قَالَ أَرَاهُ مَعْنَى إذَا اسْتَحَلَّ الْإِبَاقَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عِنْدَهُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ لَهُمْ حَسَنَةٌ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَوَالِيهِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ» . (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَسْلِهِ صَلَّى فِيهِ وُجُوبًا) لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ فِي سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَوُجُوبِ السَّتْرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ تَقْدِيمُ السَّتْرِ أَهَمَّ (وَأَعَادَ) مَا صَلَّاهُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ
فصل من لم يجد إلا ما يستر عورته
وُجُوبًا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ حَالَتَيْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِيهَا، عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ الْحَالَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ قَدَّمَ حَالَةَ التَّزَاحُمِ آكَدَهُمَا فَإِذَا أَزَالَ التَّزَاحُمَ بِوُجُودِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، اسْتِدْرَاكًا لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَنْ حُبِسَ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِقَالِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَنْ عَدِمَ السُّتْرَةَ بِكُلِّ حَالٍ. (فَإِنْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ وُجُودِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ النَّجِسِ (أَعَادَ) الصَّلَاةَ وُجُوبًا لِأَنَّهُ فَوَّتَ السُّتْرَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهٍ. وَلَوْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ صَلَّى عُرْيَانًا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ: صَلَّى) فَرْضَهُ (فِي أَقَلِّهِمَا) وَأَخَفِّهِمَا (نَجَاسَةً) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَقْدُورٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ فَوَجَبَ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفِ الثَّوْبِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِالطَّاهِرِ مِنْهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مُلَاقَاتِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهَا، وَحَمْلَهَا وَإِنْ لَمْ يُلَاقِهَا: مَحْذُورَانِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ اجْتِنَابُ أَحَدِهِمَا فَلَزِمَهُ. [فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ] فَصْلٌ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ أَوْ مَنْكِبَيْهِ فَقَطْ: سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَصَلَّى قَائِمًا) وُجُوبًا وَتَرَكَ سَتْرَ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ الْقِيَامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. (وَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ الَّتِي وَجَدَهَا (تَكْفِي عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) بِأَنْ كَانَتْ إذَا تَرَكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ وَسَدَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ تَسْتُرُ عَجُزَهُ (سَتَرَ مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ، وَصَلَّى جَالِسًا اسْتِحْبَابًا) لِكَوْنِهِ يَسْتُرُ مُعْظَمَهَا وَالْمُغَلَّظَ مِنْهَا وَسَتْرُ الْمَنْكِبِ لَا بُدَّ لَهُ فَكَانَ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِسَتْرِ أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا) أَيْ: الْعَوْرَةُ (سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ) لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ وَهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَغَيْرُهُمَا كَالْحَرِيمِ التَّابِعِ لَهُمَا. (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ) مَا وَجَدَهُ مِنْ السُّتْرَةِ (إلَّا أَحَدَهُمَا) أَيْ: الْفَرْجَيْنِ (خُيِّرَ) بَيْنَ سَتْرِ الْقُبُلِ، أَوْ الدُّبُرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وُجُوبِ السَّتْرِ بِلَا خِلَافٍ (وَالْأَوْلَى: سَتْرُ الدُّبُرِ) لِأَنَّهُ أَفْحَشُ وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا
أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَسْتُرُ آلَةَ الرَّجُلِ إنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ وَآلَتُهَا إنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْعَارِيَ (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ) لِلْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ (أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ (كَمَاءِ الْوُضُوءِ) فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ (وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا عَارِيَّةً) لِأَنَّ الْمِنَّةَ لَا تَكْثُرُ فِيهَا فَأَشْبَهَ بَذْلَ الْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا إنْ بُذِلَتْ لَهُ (هِبَةً) لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمِنَّةِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهَا عَارِيَّةً (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ (بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِأَيِّ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (جَالِسًا يُومِئُ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (اسْتِحْبَابًا فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْجُلُوسِ وَالْإِيمَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرْكَبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً قَالَ يُصَلُّونَ جُلُوسًا، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ. وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ (وَلَا يَتَرَبَّعُ، بَلْ يَنْضَامُّ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ (بِأَنْ يُقِيمَ إحْدَى فَخْذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَشْفًا (وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا وَرَكَعَ وَسَجَدَ بِالْأَرْضِ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلِّ قَائِمًا» وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْجُلُوسُ عَلَى الْقِيَامِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقِيَامِ فَلَوْ صَلَّى قَائِمًا لَسَقَطَ السَّتْرُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ مَعَ أَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ، لِحِفْظِ الْعَوْرَةِ، وَهِيَ فِي حَالِ السُّجُودِ أَفْحَشُ فَكَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى لَا يُقَالُ: السَّتْرُ كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ فَلَا يَفِي ذَلِكَ بِتَرْكِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ إنْ كَانَتْ الْفَرْجَانِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُمَا وَإِلَّا حَصَلَ سَتْرُ أَغْلَظِهَا وَأَفْحَشِهَا. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا لَزِمَهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْأَرْضِ (وَلَا يُعِيدُ الْعُرْيَانُ إذَا قَدَرَ عَلَى السَّتْرِ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا، كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يُعِيدُ عَلَى الْأَقْيَسِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْعَارِي (سُتْرَةً مُبَاحَةً قَرِيبَةً مِنْهُ عُرْفًا) أَيْ: فِي مَكَان يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ قَرِيبٌ (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ) مَا يَجِبُ سَتْرُهُ (وُجُوبًا، وَبَنَى) عَلَى مَا صَلَّاهُ عُرْيَانًا، كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا، وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ. (وَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ (بَعِيدَةً) عُرْفًا بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ (سَتَرَ) الْوَاجِبَ سَتْرُهُ (وَابْتَدَأَ) أَيْ: اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا إلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ أَوْ بِدُونِ شَرْطِهَا، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. (وَكَذَا لَوْ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ وَنَحْوُهَا (فِي الصَّلَاةِ
وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى السُّتْرَةِ، بِأَنْ كَانَتْ رَأْسُهَا مَكْشُوفَةً مَثَلًا فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ بِقُرْبِهَا تَخَمَّرَتْ بِهِ وَبَنَتْ وَإِلَّا مَضَتْ إلَيْهِ وَتَخَمَّرَتْ، وَاسْتَأْنَفَتْ وَكَذَا حُكْمُ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. (فَلَوْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ، أَوْ) جَهِلَتْ (وُجُوبَ السَّتْرِ) أَوْ جَهِلَتْ (الْقُدْرَةَ عَلَيْهَا أَعَادَتْ) الصَّلَاةَ لِتَقْصِيرِهَا (كَخِيَارِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ) إذَا أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا جَاهِلَةً الْعِتْقَ أَوْ مِلْكَ الْفَسْخِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ خِيَارُهَا وَلَا تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِتَقْصِيرِهَا فِي عَدَمِ التَّعَلُّمِ. (وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وُجُوبًا) إذَا كَانُوا رِجَالًا أَحْرَارًا لَا عُذْرَ لَهُمْ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوَاتِ السُّنَّةِ فِي الْمَوْقِفِ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي ضِيقٍ لَا يُمْكِنُ تَقَدُّمُ إمَامِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ. (وَ) يَكُونُ (إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ، أَيْ: بَيْنَهُمْ) وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوْا مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (وُجُوبًا) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ) الْإِمَامُ (بَطَلَتْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَصَحِّ (إلَّا فِي ظُلْمَةٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ لِلْأَمْنِ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ عَوْرَتَهُ وَكَذَا لَوْ كَانُوا عُمْيَانًا (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ) . (وَيُصَلُّونَ) أَيْ: الْعُرَاةُ (صَفًّا وَاحِدًا وُجُوبًا إلَّا فِي ظُلْمَةٍ) أَوْ إذَا كَانُوا عُمْيَانًا، لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ. (فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ ضَيِّقًا صَلَّوْا جَمَاعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) بِحَسَبِ مَا يَتَّسِعُ لَهُ الْمَكَانُ، كَالنَّوْعَيْنِ. (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: الْعُرَاةُ (رِجَالًا وَنِسَاءً، تَبَاعَدُوا، ثُمَّ صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ وَقَفَتْ خَلْفَ الرَّجُلِ شَاهَدَتْ عَوْرَتَهُ وَمَعَهُ خِلَافُ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْفِتْنَةِ. (وَإِنْ كَانُوا فِي ضَيْقٍ) : قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِفَتْحِ الضَّادِ مُخَفَّفًا مِنْ ضَيِّقٍ وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ، عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: ذِي ضَيْقٍ (صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمْ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، وَبِالْعَكْسِ. (فَإِنْ بُذِلَتْ لَهُمْ سُتْرَةٌ صَلَّوْا فِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِهَا (إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ فَتُدْفَعُ إلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَيُصَلِّي بِهِمْ، وَيَتَقَدَّمُهُمْ) كَإِمَامِ الْمَسْتُورِينَ (إنْ عَيَّنَهُ رَبُّهَا) بِالْعَارِيَّةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَيَخُصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ رَبُّهَا وَاحِدًا مِنْهُمْ (اقْتَرَعُوا إنْ تَشَاحُّوا) فَيُقَدَّمُ بِهَا مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، لِتَرَجُّحِهِ بِهَا (وَيُصَلِّي الْبَاقُونَ عُرَاةً) خَشْيَةَ خُرُوجِ الْوَقْتِ هَذَا مِنْ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَصَحُّ يُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. (فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً) وَالْمُرَادُ فِيهِمَا الْجِنْسُ (فَالنِّسَاءُ أَحَقُّ) بِالسُّتْرَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ وَسَتْرَهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ (فَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهَا أَخَذَهَا الرِّجَالُ) وَصَلَّوْا فِيهَا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا صَلَّوْا عُرَاةً. (وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: الْعُرَاةِ (مَيِّتٌ صَلَّى فِيهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ الْمَبْذُولَةِ لَهُمْ (الْحَيُّ) فَرْضَهُ، لَا عَلَى الْمَيِّتِ (ثُمَّ كَفَّنَ بِهَا الْمَيِّتَ) لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ. (وَلَا يَجُوزُ) لِلْعَارِي (انْتِظَارُ السُّتْرَةِ) لِيُصَلِّيَ فِيهَا (إنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ) بَلْ يُصَلِّي عُرْيَانًا إذَا خَافَ خُرُوجَهُ. (فَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ (لِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا) لِقُدْرَتِهِ عَلَى السُّتْرَةِ. (فَإِنْ أَعَارَهَا وَصَلَّى عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّتْرَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا. (وَيُسْتَحَبُّ) لِرَبِّ السُّتْرَةِ (أَنْ يُعِيرَهَا لَهُمْ بَعْدَ صَلَاتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2] (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ إعَارَتُهَا لَهُمْ، بِخِلَافِ بَذْلِ الطَّعَامِ الْفَاضِلِ عَنْ الْحَاجَةِ لِلْمُضْطَرِّ (فَيُصَلُّونَ فِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى السُّتْرَةِ (إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَيُصَلِّي) مَنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيُصَلِّي (بِهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (أَحَدُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ (وَالْبَاقُونَ) يُصَلُّونَ (عُرَاةً كَمَا تَقَدَّمَ) خَلْفَهُ صَفًّا وَاحِدًا جُلُوسًا، يُومِئُونَ اسْتِحْبَابًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَذَا. لَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ جَمِيعَهُمْ الْقِيَامُ، صَلَّوْا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَيُصَلِّي وَاحِدٌ قَائِمًا وَالْبَاقُونَ قُعُودًا ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ. (فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ إعَارَتِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ) لِتَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ (وَيَقِفُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أَيْ: قُدَّامَهُمْ لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ. (فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ (وَهُمْ قُرَّاءٌ) يُحْسِنُونَهَا (صَلَّوْا) أَيْ الْعُرَاةُ (جَمَاعَةً) وُجُوبًا (وَ) صَلَّى (صَاحِبُ الثَّوْبِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَأْتَمَّ بِأَحَدِهِمْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْهُ. (وَإِنْ أَعَارَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ صَاحِبُهُ (لِغَيْرِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَيَخُصُّ بِهِ مَنْ شَاءَ (وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَاحِبِ الثَّوْبِ) لِمِلْكِهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ، فَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً لِأَنْفُسِهِمْ
فصل في أحكام اللباس في الصلاة وغيرها
[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا] (يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ، سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا) نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: النَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ نَقَلَ مُهَنَّا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ لَكِنْ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَهُوَ) أَيْ: السَّدْلُ لُغَةً إرْخَاءُ الثَّوْبِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَاصْطِلَاحًا: (أَنْ يَطْرَحَ ثَوْبًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْآخَرِ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ إرْسَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ: وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَإِرْسَالُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهِيَ لِبْسَةُ الْيَهُودِ. وَقَالَ الْقَاضِي هُوَ وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى عُنُقِهِ، وَلَمْ يَرُدّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ (فَإِنْ رَدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى) لَمْ يُكْرَهْ، لِزَوَالِ السَّدْلِ زَادَ فِي الشَّرْحِ: (أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ) وَهُوَ رِوَايَةٌ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَيُكْرَهُ لِبَقَاءِ مَعْنَى السَّدْلِ وَإِنْ (طَرَحَ الْقَبَاءَ) بِفَتْحِ الْقَافِ (عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ) . (وَيُكْرَهُ) فِي الصَّلَاةِ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَهُوَ) أَيْ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ (يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَهُمَا اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضَعَ
ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَالِاحْتِبَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ بِهِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ آخَرُ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّهَا لِبْسَةُ الْمُحْرِمِ وَفَعَلَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ إلَّا أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَهَا تَحْلِيلٌ وَتَحْرِيمٌ فَشُرِعَ لَهَا كَشْفُ الْوَجْهِ كَالْإِحْرَامِ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (التَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ) . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَفُّ الْكُمِّ بِلَا سَبَبٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَشْمِيرُ. (وَ) يُكْرَهُ (شَدُّ الْوَسَطِ) بِفَتْحِ السِّينِ (بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ) بِضَمِّ أَوَّلهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَوْ) كَانَ شَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ كُلَّ وَقْتٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (قَالَ الشَّيْخُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (مَنْهِيٌّ عَنْهُ) (إجْمَاعًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَالَ وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ أَوْ الزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حَرُمَ لُبْسُهَا) اهـ. (وَيُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ) نَقَلَهُ حَرْبٌ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ: لَا يُكْرَهُ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: بِشَدِّ الْوَسَطِ بِمِئْزَرٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، مِمَّا لَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ (عَلَى الْقَبَاءِ) لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا بَأْسَ بِشَدِّ الْقَبَاءِ فِي السَّفَرِ عَلَى غَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَ (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الشَّدُّ بِالْحِيَاصَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَا يُكْرَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) شَدُّ الْوَسَطِ (بِمَا لَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ) وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْخَبَرِ (كَمِنْدِيلٍ وَمِنْطَقَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْعَوْرَةِ) قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ إلَّا أَنْ يَشُدَّهُ لِعَمَلِ الدُّنْيَا، فَيُكْرَهُ. (وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ شَدُّ وَسَطِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَبِينُ بِهِ حَجْمُ عَجِيزَتِهَا وَتَقَاطِيعُ بَدَنِهَا وَالْمَطْلُوبُ سَتْرُ ذَلِكَ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهَا شَدُّ وَسَطِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ بِمَا لَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ قَالَ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: لِأَنَّ شَدَّ الْمَرْأَةِ وَسَطَهَا مَعْهُودٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْلَهُ كَمَا صَحَّ أَنَّ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا وَكَانَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ
نِطَاقَانِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا شَدُّ وَسَطِهَا (وَتَقَدَّمَ: لَا تَضُمُّ) الْمَرْأَةُ (ثِيَابَهَا) حَالَ قِيَامِهَا لِأَنَّهُ يَبِينُ فِيهِ تَقَاطِيعُ بَدَنِهَا فَيُشْبِهُ الْحِزَامَ (وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِبَاءِ مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (وَيَحْرُمُ) الِاحْتِبَاءُ (مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ: عَدَمِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِلَا حَاجَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الِاحْتِبَاءُ (أَنْ يَجْلِسَ ضَامًّا رُكْبَتَيْهِ إلَى نَحْوِ) أَيْ: جِهَةِ (صَدْرِهِ، وَيُدِيرُ ثَوْبَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَشُدُّهُ، فَيَكُونُ) الْمُحْتَبِي (كَالْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَنِدِ إلَيْهِ) أَيْ: الثَّوْبِ الَّذِي احْتَبَى بِهِ. (وَيَحْرُمُ، وَهُوَ) أَيْ: الْإِسْبَالُ (كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي الْخَبَرِ (إسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ وَلَوْ عِمَامَةً خُيَلَاءَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فِي غَيْرِ حَرْبٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ قَالَ إنَّهَا الْمِشْيَةُ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ» . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ (فَإِنْ أَسْبَلَ ثَوْبَهُ لِحَاجَةٍ كَسَتْرِ سَاقٍ قَبِيحٍ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ أُبِيحَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: جَرُّ الْإِزَارِ، وَإِسْبَالُ الرِّدَاءِ فِي الصَّلَاةِ، إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ (مَا لَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسَ عَلَى النِّسَاءِ) فَإِنَّهُ مِنْ الْفُحْشِ. وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (وَمِثْلُهُ) أَيْ: التَّدْلِيسِ بِإِسْبَالِ ثَوْبِهِ لِسَتْرِ سَاقٍ قَبِيحٍ، (كَقَصِيرَةٍ اتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ فَلَمْ تُعْرَفْ) ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ الرَّجُلِ إلَى فَوْقِ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) وَعَنْهُ «مَا تَحْتَهُمَا فَهُوَ فِي النَّارِ» لِلْخَبَرِ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَقُبْحِ سَاقِهِ فَلَا (وَلَا يُكْرَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ وَفَوْقَ الْكَعْبِ. (وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةُ ذَيْلِهَا عَلَى ذَيْلهِ) أَيْ: الرَّجُلِ (إلَى ذِرَاعٍ وَلَوْ مِنْ نِسَاءِ الْمُدُنِ) لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تُصَلِّي النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «رَخَّصَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» (وَيَحْسُنُ) وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ
إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ، أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا) لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ «كَانَتْ يَدُ كُمِّ قَمِيصِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الرُّسْغِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَالطُّولِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَتَوْسِيعُهُ قَصْدًا) أَيْ: بِاعْتِدَالٍ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ وَلَا يَمْنَعُهَا خِفَّةُ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَمَّا هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ، وَعَمَائِمُ كَالْأَبْرَاجِ فَلَمْ يَلْبَسْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِ وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ (وَ) يَحْسُنُ (قِصَرُ كُمِّ الْمَرْأَةِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا (وَتَوْسِيعُهُ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ) . (وَيُكْرَهُ لُبْسُ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) أَيْ: مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا يَكْفِي فِي السَّتْرِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ وَيَأْتِي (لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ فِي بَيْتِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (إنْ رَآهَا غَيْرُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ تَحِلُّ لَهُ) . قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ غَيْرَ الْعَوْرَةِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لَا يَرَاهَا إلَّا زَوْجُهَا وَمَالِكُهَا وَصَحَّحَ مَعْنَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: يُكْرَهُ مُطْلَقًا (وَلَا يُجْزِئُ) مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ (كَفَنًا لِمَيِّتٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ (وَيَأْتِي) فِي الْجَنَائِزِ. (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُ مَا يَصِفُ اللِّينَ وَالْخُشُونَةَ وَالْحَجْمَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «كَسَانِي الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً، كَانَتْ مِمَّا أَهْدَى لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا لَكَ لَا تَلْبَسُ الْقُبْطِيَّةَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ لُبْسُ الْعَصَائِبِ الْكِبَارِ الَّتِي يَتَشَبَّهْنَ بِلُبْسِهَا بِالرِّجَالِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " قَالَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ أَمْثَالُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَرَيْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِجَالٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ الزِّيقُ الْعَرِيضُ دُونَ الْمَرْأَةِ) فَلَا يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ وَالزِّيقُ لَبِنَةُ الْجَيْبِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ (لُبْسُهُ زِيَّ الْأَعَاجِمِ، كَعِمَامَةٍ صَمَّاءَ وَنَعْلٍ صَرَّارَةٍ لِلزِّينَةِ) لِلنَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَ (لَا) يُكْرَهُ لُبْسُ نَعْلِ صَرَّارَةٍ (لِلْوُضُوءِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ (وَنَحْوِهِ) كَالْغُسْلِ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُ مَا فِيهِ شُهْرَةٌ)
فصل لبس ما فيه صورة
أَيْ: مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى حَمْلِهِمْ عَلَى غِيبَتِهِ، فَيُشَارِكُهُمْ فِي إثْمِ الْغِيبَةِ. (وَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ: فِي ثَوْبِ الشُّهْرَةِ (خِلَافُ) زِيّهِ (الْمُعْتَادِ كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَقْلُوبًا أَوْ مُحَوَّلًا، كَجُبَّةٍ أَوْ قَبَاءَ) مُحَوَّلٍ (كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالسَّخَافَةِ) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشُّهْرَتَانِ؟ قَالَ رِقَّةُ الثِّيَابِ وَغِلَظُهَا، وَلِينُهَا وَخُشُونَتُهَا، وَطُولُهَا وَقِصَرُهَا وَلَكِنْ سَدَادًا بَيْنَ ذَلِكَ وَاقْتِصَادًا» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إنَّ قَوْمًا جَعَلُوا خُشُوعَهُمْ فِي اللِّبَاسِ، وَشَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِلِبَاسِ الصُّوفِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ بِمَا يَلْبَسُ مِنْ الصُّوفِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمُطَرَّفِ بِمُطَرَّفِهِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ: كَانَ الْعِلْمُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ فَانْتَقَلَ إلَى جُلُودِ الضَّأْنِ قُلْتُ: وَالْآنَ إلَى جُلُودِ السَّمُّورِ (وَيُكْرَهُ) لُبْسُ (خِلَافِ زِيِّ) أَهْلِ (بَلَدِهِ وَ) لُبْسُ (مُزْرٍ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ (فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِارْتِفَاعَ وَإِظْهَارَ التَّوَاضُعِ حَرُمَ لِأَنَّهُ رِيَاءٌ) «وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» . (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْكِلَّةَ) بِالْكَسْرِ (وَهِيَ قُبَّةٌ) أَيْ: سِتْرٌ رَقِيقٌ يُخَاطُ شِبْهُ الْبَيْتِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (لَهَا بَكَرٌ تُجَرُّ بِهَا) (وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ، لَا تَرُدُّ حَرًّا وَلَا بَرْدًا) وَيُشْبِهُهَا الْبَشْخَانَةُ وَالنَّامُوسِيَّةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَتَحْرُمُ (وَيُسَنُّ غَسْلُ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ مِنْ عَرَقٍ وَوَسَخٍ وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْوَسَخِ فِيهِمَا) لِخَبَرِ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» وَخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» (وَ) يُكْرَهُ (الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ) . وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِعُمُومِ {وَلا تُسْرِفُوا} [الأنعام: 141] . [فَصْلٌ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةٌ] فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ سَمِعْتُ، الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: مَا فِيهِ صُورَةٌ (وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَصْوِيرُهُ
كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (حَتَّى فِي سِتْرٍ وَسَقْفٍ وَحَائِطٍ وَسَرِيرٍ وَنَحْوِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ لَا (افْتِرَاشِهِ وَجَعْلِهِ) أَيْ: الْمُصَوَّرِ (مِخَدًّا) فَيَجُوزُ (بِلَا كَرَاهَةٍ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُوَرٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ، وَالسُّجُودُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصُّورَةِ (أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» وَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمُرَادُ بِهِ: كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْ اقْتِنَائِهِ. وَفِي الْآدَابِ: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ أَمْ صُورَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا قُلْتُ الْأَظْهَرُ الثَّانِي (وَلَا) تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ (جَرَسٌ) لِحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا جُنُبٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» إسْنَادُهُ حَسَنٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَنَامَ إذَا تَوَضَّأَ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْجُنُبِ مِنْ حَرَامٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ يَتْرُكُهُ عَادَةً وَتَهَاوُنًا. (وَلَا تَصْحَبُ) الْمَلَائِكَةُ (رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ) أَوْ كَلْبٌ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الطَّرِيقِ اتِّفَاقًا بِمَنْ مَعَهُ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ وَلَمْ يَقْصِدْ رُفْقَتَهُ فَهَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ صُحْبَةِ الْمَلَائِكَةِ أَمْ لَا؟ أَمْ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْفِرَادُ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ سَبَبًا، وَإِلَّا فَلَا؟ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَاتٌ (وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَالرَّأْسِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْسٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْمَنْصُوصِ. (وَلَا) بَأْسَ (بِلَعِبِ الصَّغِيرَةِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ) أَوْ مَقْطُوعٍ رَأْسُهَا، أَوْ مُصَوَّرَةٍ بِلَا رَأْسٍ (وَلَا) بَأْسَ بِ (شِرَائِهَا نَصًّا) لِلتَّمْرِينِ (وَيَأْتِي فِي الْحَجَرِ) مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى هَذَا (وَتُبَاحُ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَشَجَرٍ وَكُلِّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ) جَعْلُ صُورَةِ (الصَّلِيبِ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ) كَالطَّاقِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْخَوَاتِيمِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إنَّ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَيُحْتَمَلُ تَحْرِيمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ
نَقْلِ صَالِحٍ قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ (وَيَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ وَلَوْ كَافِرًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. (وَ) عَلَى (خُنْثَى لُبْسُ ثِيَابِ حَرِيرٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الْحَرِيرُ (بِطَانَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَ) لَوْ (تِكَّةَ سَرَاوِيلَ وَشُرَابَةً) نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَالْمُرَادُ شُرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ، كَشُرَابَةِ الْبَرِيدِ، لَا تَبَعًا فَإِنَّهَا كَزِرٍّ) فَتُبَاحُ وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا وَقَدْ «بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -» وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ. (وَيَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ أَيْ: الْحَرِيرِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَ) يَحْرُمُ (اسْتِنَادُهُ) أَيْ: الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى (إلَيْهِ وَاتِّكَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَوَسُّدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ) فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَأَبِي الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ شُرَابَةُ الدَّوَاةِ وَسِلْكُ الْمِسْبَحَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ اهـ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا (غَيْرِ الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ، فَلَا يَحْرُمُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ. (وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ) وَتَبِعَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) فَلَا يَحْرُمُ مَعَهَا لُبْسُ مَا كُلُّهُ حَرِيرٌ وَلَا افْتِرَاشُهُ وَنَحْوُهُ (وَكَذَا مَا غَالِبُهُ حَرِيرٌ ظُهُورًا) فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَالْخَالِصِ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَ (لَا) يَحْرُمُ مَا كَانَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ (إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا وَوَزْنًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا وَالظُّهُورُ لِغَيْرِهِ) وَكَذَا إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا، لِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ بِأَغْلَبَ وَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ الْحُرْمَةِ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ (وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ) وَهُوَ الْحَرِيرُ (وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ. لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ أَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ: إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ وَيُلْبَسُ الْخَزُّ، وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ اهـ وَالْمُلْحَمُ مَا سُدِيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ (وَمَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ حَرِيرٍ وَمُشَاقَتِهِ، وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مَنْ فَمِهِ مَنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دَقَّ وَغَزَلَ وَنَسَجَ، فَكَحَرِيرٍ خَالِصٍ،
وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا) فَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالْخَنَاثَى لِأَنَّهُ حَرِيرٌ وَظَاهِرُ كَلَامَهُمْ: يَحْرُمُ الْحَرِيرُ وَلَوْ كَانَ مُبْتَذَلًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ أَعْلَى قِيمَةً مِنْهُ لِلنَّصِّ. (وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَخُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا) لِمَا فِيهِ مَنْ الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ وَكَالْآنِيَةِ (فَإِنْ اسْتَحَالَ) أَيْ: تَغَيَّرَ (لَوْنُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (أُبِيحَ) لُبْسُهُ، لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ لَوْنُهُ، وَاسْتَحَالَ لَكِنْ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (فَلَا) يُبَاحُ، لِبَقَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ. (وَيُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ، وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهَا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَالْحِكَّةُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِكَسْرِ الْحَاءِ: الْجَرَبُ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (لِقَمْلٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَيَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ حَرِيرٍ فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِ (مَرَضٍ) يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ، قِيَاسًا عَلَى الْحِكَّةِ وَالْقَمْلِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (فِي حَرْبٍ مُبَاحٍ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَلَوْ) كَانَ لُبْسُهُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مَنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مَنْ الْخُيَلَاءِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (لِحَاجَتِهِ كَبِطَانَةِ بَيْضَةٍ) أَيْ: خُوذَةٌ (وَدِرْعٍ وَنَحْوِهِ) كَجَوْشَنٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. (وَيَحْرُمُ إلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ) مِنْ اللِّبَاسِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَشَقِيقُ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ «قَمِيصُ الْحَرِيرِ عَلَى الصِّبْيَانِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَلَّفِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مَنْ الْحَرَامِ كَتَمْكِينِهِمْ مَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَكَوْنِهِمْ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي التَّحْرِيمِ. (وَصَلَاتُهُ) أَيْ الصَّبِيِّ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ لُبْسُهُ (كَصَلَاتِهِ) أَيْ: الرَّجُلِ فَلَا تَصِحُّ قُلْتُ قَدْ
تَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِيهِ، إذَا كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي هُنَا الصِّحَّةُ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَائِدٌ إلَى إلْبَاسِهِ، وَتَمْكِينُهُ مِنْهُ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا (وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ) كُلِّهِ أَوْ غَالِبِهِ (وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ مَنْسُوجٍ أَوْ مُمَوَّهٍ (وَمُصَوَّرٍ وَنَحْوِهَا) كَاَلَّذِي يُتَّخَذُ لِتَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَعَكْسِهِ (حَرُمَ بَيْعُهُ) لِذَلِكَ. (وَ) حَرُمَ (نَسْجُهُ) لِذَلِكَ (وَخِيَاطَتُهُ) لِذَلِكَ (وَتَمْلِيكُهُ) لِذَلِكَ وَتَمَلُّكُهُ لِذَلِكَ (وَأُجْرَتُهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِلِاسْتِعْمَالِ (وَالْأَمْرُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] " وَلِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ نَسَجَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ مَلَكَهُ أَوْ تَمَلَّكَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كَتِجَارَةٍ وَكِرَاءٍ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ، فَلَا (وَيَحْرُمُ يَسِيرُ ذَهَبٍ تَبَعًا غَيْرُ فَصِّ خَاتَمٍ كَالْمُفْرَدِ) . وَفِي الْآنِيَةِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ فَصُّ خَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ وَيَأْتِي مَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ. (وَيَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَعَكْسُهُ) أَيْ: تَشَبُّهُ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) كَكَلَامٍ وَمَشْيٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَعَنَ أَيْضًا «الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَيُبَاحُ عَلَمُ حَرِيرٍ وَهُوَ طِرَازُ الثَّوْبِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ أَمَّا الْعَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُبَاحُ (رِقَاعٌ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَرِيرِ (وَسَجْفُ الْفِرَاءِ) وَنَحْوُهَا قَالَهُ فِي الْآدَابِ لِقَوْلِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ الْحَرِيرِ (لَبِنَةُ الْجَيْبِ، وَهِيَ الزِّيقُ) الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ (وَالْجَيْبُ: هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ، بِالْفَتْحِ: طَوْقُهُ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: الْجَيْبُ مَا يَنْفَتِحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ (إذَا كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَلَمِ وَالرِّقَاعِ وَالسَّجْفِ وَلَبِنَةِ الْجَيْبِ (أَرْبَعَ أَصَابِعَ) مُعْتَدِلَةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ (مَضْمُومَةً فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ، أَيْ: فَمَا دُونَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ. (وَ) يُبَاحُ (خِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ: بِالْحَرِيرِ. (وَ) يُبَاحُ (أَزْرَارٌ) جَمْعُ زِرٍّ مِنْ الْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ وَكِيسُ
الْمُصْحَفِ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُبَاحُ الْحَرِيرُ لِلْأُنْثَى) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أُحِلَّ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . (وَيَحْرُمُ كِتَابَةُ مَهْرِهَا فِيهِ) أَيْ: الْحَرِيرِ فِي الْأَقْيَسِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَقِيلَ: يُكْرَهُ) قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: لَوْ قِيلَ بِالْإِبَاحَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. (وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ، وَ) حَشْوُ (الْفُرُشِ بِهِ) أَيْ بِالْحَرِيرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلُبْسٍ لَهُ وَلَا افْتِرَاشٍ وَلَيْسَ فِيهِ فَخْرٌ وَلَا عُجْبٌ وَلَا خُيَلَاءُ (وَلَوْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ) مَنْ الْحَرِيرِ (قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ) مِنْ سَجْفٍ أَوْ رِقَاعٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ جُمِعَ) مَا فِيهَا مِنْ الْحَرِيرِ (صَارَ ثَوْبًا، لَمْ يُكْرَهْ) ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ غَيْرُ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ. (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ) دُونَ الْمَرْأَةِ (لُبْسُ مُزَعْفَرٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ (أَحْمَرَ مُصْمَتٍ) لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ أَحْمَدُ يُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ (وَلَوْ) كَانَ الْأَحْمَرُ الْمُصْمَتُ (بِطَانَةً) وَخَرَجَ بِالْمُصْمَتِ مَا فِيهِ حُمْرَةٌ وَغَيْرُهَا فَلَا يُكْرَهُ وَلَوْ غَلَبَ الْأَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ لُبْسُهُ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ، أَوْ الْبُرْدَ الْأَحْمَرَ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا لُبْسُ (طَيْلَسَانَ وَهُوَ الْمُقَوَّرُ) عَلَى شَكْلِ الطَّرْحَةِ، يُرْسَلُ مَنْ فَوْقِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بَلْ ذُكِرَ اسْتِحْبَابُهُ وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ السُّيُوطِيّ فِيهِ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى (وَكَذَا مُعَصْفَرٌ) فَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا فِي إحْرَامٍ فَلَا يُكْرَهُ) لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ نَصَّ عَلَيْهِ وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِتَخْصِيصِ الرَّجُلِ بِالنَّهْيِ. (وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) بِلَا حَاجَةٍ (وَلَوْ يَسِيرًا) سَوَاءٌ (كَانَ فِي إصْلَاحِ الْأُخْرَى أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِمُسْلِمٍ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِي فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» رَوَاهُ أَيْضًا مَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» . وَمَشَى عَلِيٌّ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَعَائِشَةُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ
رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَيُكْرَهُ) الْمَشْيُ (فِي نَعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَصْفَرَ وَالْآخَرُ أَحْمَرَ (بِلَا حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ. (وَيُسَنُّ اسْتِكْثَارُ النِّعَالِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» قَالَ الْقَاضِي يَدُلُّ عَلَى تَرْغِيبِ اللُّبْسِ لِلنِّعَالِ لِأَنَّهَا قَدْ تَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالنَّجَاسَةَ. (وَ) يُسَنُّ (تَعَاهُدُهَا عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ وَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا، فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) تُسَنُّ (الصَّلَاةُ فِي الطَّاهِرِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ النِّعَالِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْأَوْلَى حَافِيًا. (وَ) يُسَنُّ (الِاحْتِفَاءُ أَحْيَانًا) لِحَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُرْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ (وَ) يُسَنُّ (تَخْصِيصُ الْحَافِي فِي الطَّرِيقِ) بِأَنْ يَتَنَحَّى الْمُنْتَعِلُ عَنْ الطَّرِيقِ وَيَدَعُهَا لِلْحَافِي، رِفْقًا بِهِ. (وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ) أَيْ التَّنَعُّمِ وَالدَّعَةِ، وَلِينِ الْعَيْشِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَرْبَابِ الدُّنْيَا. (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ) وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ أَصْحَابِنَا (أَوْ أَسْوَدَ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَأَنْ يُقَابِلَ بَيْنَ نَعْلَيْهِ «وَكَانَ لِنَعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِبَالَانِ» بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا. (وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْإِزَارِ) قَائِمًا (وَ) لُبْسُ (الْخُفِّ) قَائِمًا (وَ) لُبْسُ (السَّرَاوِيلِ قَائِمًا) خَشْيَةَ انْكِشَافِ عَوْرَتِهِ (وَلَا) يُكْرَهُ (الِانْتِعَالُ) قَائِمًا وَصَحَّحَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْكَرَاهَةَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ أَيْ الْإِمَامِ فِي صِحَّةِ الْإِخْبَارِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَيُكْرَهُ نَظَرُ مَلَابِسِ حَرِيرٍ وَآنِيَةٍ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا إنْ رَغَّبَهُ) النَّظَرُ إلَيْهَا (فِي التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمُفَاخَرَةِ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رِيحُ الْخَمْرِ كَصَوْتِ الْمَلَاهِي حَتَّى إذَا شَمَّ رِيحَهَا كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمَلَاهِي، وَأَصْغَى إلَيْهَا وَيَجِبُ سَتْرُ الْمَنْخَرَيْنِ وَالْإِسْرَاعُ، كَوُجُوبِ سَدِّ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِ وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنْ دَعَتْ إلَى حُبِّ التَّزَيُّنِ وَالْمُفَاخَرَةِ حُجِبَ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَ) يُكْرَهُ (التَّنَعُّمُ) وَتَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مَنْ الْإِرْفَاهِ. (وَ) يُكْرَهُ
(زِيُّ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: هَيْئَةُ (أَهْلِ الشِّرْكِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَيْ: هَذَا الْحَدِيثِ - أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبِّهِ بِهِمْ. (وَيُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ» رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: هُوَ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ. (وَ) يُسَنُّ (لُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ) لِحَدِيثِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَهِيَ) أَيْ الثِّيَابُ الْبِيضُ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهَا (وَ) تُسَنُّ (النَّظَافَةُ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ وَمَجْلِسِهِ) لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ وَالثِّيَابَ النَّظِيفَةَ. (وَ) يُسَنُّ (إرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ خَلْفَهُ) نُصَّ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّيْخُ إطَالَتُهَا) أَيْ الذُّؤَابَةِ (كَثِيرًا مَنْ الْإِسْبَالِ) وَإِنْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَحَسَنٌ قَالَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَرْخَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ. (وَيُسَنُّ تَحْنِيكُهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ لِأَنَّ عَمَائِمَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ كَذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَيُجَدِّدُ لَفَّ الْعِمَامَةِ كَيْفَ شَاءَ) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْتَمُّ يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . (وَيُبَاحُ السَّوَادُ وَلَوْ لِلْجُنْدِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» وَكَذَا يُبَاحُ الْأَخْضَرُ وَالْأَصْفَرُ. (وَ) يُبَاحُ (فَتْلُ طَرَفِ الثَّوْبِ) مِنْ رِدَاءٍ وَغَيْرِهِ (وَكَذَا) يُبَاحُ (الْكَتَّانُ) وَالْقُطْنُ وَالصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ (الْيَلْمَقِ وَهُوَ الْقَبَاءُ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ وَالْمُرْدِ، وَلَا تَشَبُّهَ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَعَكْسُهُ. (وَيُسَنُّ السَّرَاوِيلُ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ قَالَ تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» (وَالتُّبَّانُ) بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ سَرَاوِيلُ قَصِيرٌ جِدًّا (فِي مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى السَّرَاوِيلِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ. (وَ) يُسَنُّ (الْقَمِيصُ) لِقَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَمِيصُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) يُسَنُّ (الرِّدَاءُ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْفِرَاءِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَمْدُودًا جَمْعُ فَرْوٍ بِغَيْرِهَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ
وَأَثْبَتَهَا ابْنُ فَارِسٍ وَيَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي (إذَا كَانَتْ) الْفِرَاءُ (مِنْ جِلْدٍ مَأْكُولٍ مُذَكًّى مُبَاحٍ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا) كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ وَتَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ: يَحْرُمُ لُبْسُ جُلُودِ السِّبَاعِ وَإِنَّهُ يُبَاحُ دَبْغُ جِلْدٍ نَجِسٍ بِمَوْتٍ وَاسْتِعْمَالُهُ بَعْدَهُ فِي يَابِسٍ (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: غَيْرِ جِلْدٍ مُذَكًّى (كَجِلْدِ ثَعْلَبٍ وَسَمُّورٍ وَفَنَكٍ وَقَاقَمٍ وَسِنَّوْرٍ، وَسِنْجَابٍ وَنَحْوِهِ) كَذِئْبٍ وَنَمِرٍ (وَلَوْ ذُكِّيَ) أَوْ دُبِغَ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ كَلَحْمِهِ. (وَيُكْرَهُ مِنْ الثِّيَابِ مَا تُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لِتَرْبِيَةٍ) كَثِيَابِ الْمَرْأَةِ الْمُرَبِّيَةِ لِلْأَطْفَالِ (وَرَضَاعٍ وَحَيْضٍ وَصِغَرٍ، وَكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (وَمُبَاشَرَتِهَا، وَقِلَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا فِي صَنْعَةٍ وَغَيْرِهَا وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا عُبِّرَ بِهِ فِي الشَّرْحِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ: أَنَّ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ طَاهِرٌ مُبَاحٌ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ) جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي طَهَارَتِهِ (وَ) يُكْرَهُ (افْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي طَهَارَتِهِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْآدَابِ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ إذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ، وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ: جَازَ أَنْ يُلْبِسَهُ دَابَّتَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ قَالَ وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً انْتَهَى وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْمَجْدِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَى الْأَظْهَرِ بَلْ قَطَعَ بِذَلِكَ (وَلَهُ إلْبَاسُهُ) أَيْ الْجِلْدُ الْمُخْتَلَفُ فِي طَهَارَتِهِ (دَابَّتَهُ) لِأَنَّهُ كَاسْتِعْمَالِهِ فِي يَابِسٍ (وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ (ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَحَرِيرًا) وَقَطَعَ الْأَصْحَابُ: لَهُ أَنْ يُلْبِسَهَا الْحَرِيرَ، قَالَهُ فِي الْآدَابِ وَقَالَ: لَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ جِلْدًا نَجِسًا. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحِبَرَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهِيَ الَّتِي فِيهَا حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ رَوَى أَنَسٌ قَالَ «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) لَا بَأْسَ بِلُبْسِ (الْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ، وَالْأَشْعَارِ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} [النحل: 80] وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ» (وَكَذَا) تُبَاحُ (الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَا يُعْمَلُ مِنْ الْقُطْنِ
باب اجتناب النجاسة ومواضع الصلاة
وَالْكَتَّانِ، وَعَلَى الْحُصُرِ) وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «وَنُضِحَ بِسَاطٌ لَنَا نُصَلِّي عَلَيْهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَرَوْا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْبِسَاطِ وَالطَّنْفَسَةِ بَأْسًا. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَانَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ» . (وَيُبَاحُ نَعْلُ خَشَبٍ) قَالَ أَحْمَدُ إنْ كَانَ حَاجَةً. «وَيُسَنُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ» لِلْخَبَرِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ: عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا، أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخَلَقِ الْعَتِيقِ النَّافِعِ» " تَتِمَّةٌ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ: يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَدِيدَةٍ: سَرَاوِيلُهُ، وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا. [بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ] (بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ) أَيْ: بَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا (وَهُوَ) أَيْ: اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ. (الشَّرْطُ السَّابِعُ) لِلصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ سِتَّةٍ قَبْلَهُ (طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَ) طَهَارَةُ (ثِيَابِهِ وَ) طَهَارَةُ (مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَحَلُّ بَدَنِهِ وَ) مَحَلُّ (ثِيَابِهِ: مِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا) وَعَدَمِ حَمْلِهَا (شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حِينَ مَرَّ بِالْقَبْرَيْنِ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْثِرُ مِنْ الْبَوْلِ» بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الرَّاءِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ. وَفِي رِوَايَةٍ " لَا يَسْتَنْزِهُ " وَقَالَ تَعَالَى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] قَالَ
ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ زَيْدٍ: أُمِرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يُطَهِّرُونَ ثِيَابَهُمْ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهَا وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، لَكِنْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا، فَطَرَحَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى أَزَالَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِدَمِهَا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّ الْخَمْسَ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ وَالْأَمَرُّ بِتَجَنُّبِ النَّجَاسَةِ مَدَنِيٌّ مُتَأَخِّرٌ بِدَلِيلِ خَبَرِ النَّعْلَيْنِ، وَصَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ، وَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي قَالَ نَعَمْ: إلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادَهُ ثِقَاتٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ. فَثَبَتَ بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَكَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بِمَحَلِّهِ، وَيَسِيرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ، وَنَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ " لَيْسَ اجْتِنَابُهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَحَيْثُ عُلِمَ أَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ مَا ذَكَرَهُ، وَعَدَمُ حَمْلِهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، حَيْثُ لَمْ يَعْفُ عَنْهَا (فَمَتَى) كَانَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا أَوْ (لَاقَاهَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) زَادَ فِي الْمُحَرِّرِ أَوْ حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا (أَوْ حَمَلَهَا عَالِمًا) كَانَ (أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي سُتْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ ذَاتِهِ: إذَا وَقَعَتْ حَالَ سُجُودِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ حَمَلَ) فِي صَلَاتِهِ (قَارُورَةً) مِنْ زُجَاجٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَاحِدَةُ الْآجُرِّ وَهُوَ الطُّوبُ الْأَحْمَرُ (بَاطِنُهَا) نَجِسٌ أَوْ حَمَلَ (بَيْضَةً مَذِرَةً أَوْ) بَيْضَةً (فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ أَوْ) حَمَلَ (عُنْقُودَ عِنَبٍ حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا، قَادِرًا عَلَى اجْتِنَابِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ الَّتِي لَاقَاهَا، أَوْ عَلَى عَدَمِ حَمْلِ مَا حَمَلَهُ مِنْ ذَلِكَ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ حَامِلُ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ (وَلَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (إنْ مَسَّ ثَوْبُهُ) أَوْ بَدَنُهُ (ثَوْبًا)
نَجِسًا (أَوْ) مَسَّ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ (حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ. وَلَا مَحْمُولَ فِيهَا فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهَا حَالَ قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَطِلَتْ صَلَاتُهُ (أَوْ قَابَلَهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا) مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ (أَوْ كَانَتْ) النَّجَاسَةُ (بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَتْ عَنْ مُحَاذَاتِهِ (أَوْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا، أَوْ) حَمَلَ (آدَمِيًّا مُسْتَجْمِرًا) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ وَالْآدَمِيِّ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعْدِنِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ بِجَوْفِ الْمُصَلِّي، وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمَحَلِّهِ (أَوْ سَقَطَتْ) النَّجَاسَةُ (عَلَيْهِ، فَأَزَالَهَا) سَرِيعًا (أَوْ زَالَتْ) النَّجَاسَةُ (سَرِيعًا، بِحَيْثُ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرٍ مِنْهَا كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ. (وَإِنْ طَيَّنَ أَرْضًا مُتَنَجِّسَةً) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً) شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ، أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَرِيرٍ) كُلِّهِ أَوْ غَالِبِهِ مَنْ (يَحْرُمُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى (شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا، بِحَيْثُ لَا يَنْفُذُ) النَّجَسُ الرَّطْبُ (إلَى ظَاهِرِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ) صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. أَوْ صَلِّي (عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ، أَوْ فِي عُلُوِّهِ أَوْ سُفْلِهِ غَصْبٌ أَوْ عَلَى سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجَسٌ، أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ نَجِسٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرٍ لَهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَأَمَّا الْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُ لَكِنْ إذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةَ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ فَطَهُرَ بِالْغَسْلِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَيَبْقَى الْبَاطِنُ نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِاعْتِمَادِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَوْ الْغَصْبِ «وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ وَالْمَعْرُوفُ
خِلَافُهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالرَّاحِلَةِ، لَكِنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ: فِيمَا إذَا بَسَطَ عَلَى حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا، فَيَتَوَجَّهُ إنْ صَحَّ جَازَ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ) أَوْ حَصِيرٍ وَنَحْوِهِ (طَرَفُهُ نَجَسٌ) صَحَّتْ (أَوْ) صَلَّى (وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ حَبْلٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فِي طَرَفِهِ نَجَاسَةٌ وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْحَبْلُ، أَوْ نَحْوُهُ (بِحَرَكَتِهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ، مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَبْلُ أَوْ نَحْوُهُ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي، وَهُوَ مَشْدُودٌ بِنَجَسٍ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ) كَانَ (فِي وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَسٍ، أَوْ) فِي (سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ) تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (فِيهَا نَجَاسَةٌ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَ مَحْمَلُ الرَّبْطِ طَاهِرًا. (أَوْ) كَانَ فِي يَدِهِ، أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي (حَيَوَانٍ نَجِسٍ، كَكَلْبٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَكُلِّ مَا (يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلنَّجَاسَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا (أَوْ أَمْسَكَ) الْمُصَلِّي (حَبْلًا أَوْ غَيْرَهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ فَلَا تَصِحُّ) صَلَاتُهُ عَلَى مَا فِي الْإِنْصَافِ، لِحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا. وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُوَفَّقِ: الصِّحَّةُ فِيمَا إذَا كَانَ طَرَفُهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ، بِلَا شَدٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ سَقَطَ طَرَفُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَشْدُودُ فِيهِ الْحَبْلَ وَنَحْوَهُ (لَا يَنْجَرُّ مَعَهُ) إذَا مَشَى (كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَالْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ، الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَى بَعْضِهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تُلَاقِ يَدَهُ قُلْتُ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمُصَلِّي صَغِيرٌ بِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَكَانَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا مَشَى انْجَرَّ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يُزِلْهُ سَرِيعًا وَإِلَّا فَلَا (وَمَتَى وُجِدَ عَلَيْهِ) . وَفِي نُسْخَةٍ (عَلَيْهَا) أَيْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ (نَجَاسَةٌ) بَعْدَ الصَّلَاةِ وَ (جَهِلَ كَوْنَهَا) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ (فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، أَيْ: لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ، لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا بَعْدَهَا فَلَا تُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ. (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ جَهِلَ) فِي الصَّلَاةِ (عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَالَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَهُ (أَوْ) عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَعَلِمَهَا وَجَهِلَ أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ (أَوْ)
عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَقْتَ إصَابَتِهَا إيَّاهُ (أَوْ) عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ (مُلَاقِيهَا) وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَعَادَ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْجَهْلِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأُجِيبَ، بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ آكَدُ لِكَوْنِهِ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. (أَوْ) أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَهُوَ يُصَلِّي، وَ (عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا) سَرِيعًا (أَوْ نَسِيَهَا أَعَادَ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ مَا سَبَقَ (وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خَلْعِ النَّعْلَيْنِ، وَلَوْ بَطَلَتْ لَاسْتَأْنَفَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. " تَنْبِيهٌ " مَا حَكَاهُ مِنْ الْخِلَافِ حَتَّى فِيمَا إذَا جَهِلَ حُكْمَهَا تَبِعَ فِيهِ الرِّعَايَةَ وَفِي الْإِنْصَافِ فِي هَذِهِ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعُوا بِهِ فَائِدَةٌ إذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَأَمْكَنَ إزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَا زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ أَزَالَهَا، وَبَنَى، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَبْطُلُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ بَطَلَتْ. (وَإِنْ خَاطَ جُرْحَهُ، أَوْ جَبَرَ سَاقَهُ وَنَحْوَهُ) كَذِرَاعِهِ (بِنَجَسٍ مِنْ عَظْمٍ أَوْ خَيْطٍ، فَجَبَرَ وَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ (لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهُ) أَيْ: الْخَيْطَ أَوْ الْعَظْمَ النَّجِسَ (إنْ خَافَ الضَّرَرَ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَمَا لَوْ خَافَ التَّلَفَ) أَيْ: تَلَفَ عُضْوِهِ، أَوْ نَفْسِهِ لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا مِنْ الضَّرَرِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةٍ وَلَا مَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِأَجْلِ بَدَنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (ثُمَّ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ لَمْ يَتَيَمَّمْ لَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ غَسْلِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ (تَيَمَّمَ) لَهُ لِعَدَمِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ قُلْتُ وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ) ضَرَرًا بِإِزَالَتِهِ
فصل في بيان المواضع التي نهي عن الصلاة فيها وما يتعلق به
(لَزِمَتْهُ) إزَالَتَهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ. (فَلَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ إزَالَتُهُ) لِعَدَمِ خَوْفِهِ ضَرَرًا (أُزِيلَ) وُجُوبًا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ مَا لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ لِلْمُثْلَةِ (إلَّا مَعَ مُثْلَةٍ) فَلَا يَلْزَمُ إزَالَتُهُ لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ. (وَإِنْ شَرِبَ) إنْسَانٌ (خَمْرًا وَلَمْ يَسْكَرْ غَسَلَ فَمَهُ) لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنْهُ (وَصَلَّى وَلَا يَلْزَمُهُ الْقَيْءُ) وَكَذَا سَائِرُ النَّجَاسَاتِ إذَا حَصَلَتْ فِي الْجَوْفِ لِحُصُولِهَا فِي مَعْدِنِهَا الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الطَّاهِرُ وَالنَّجِسُ مِنْ أَصْلِهِ. (وَيُبَاحُ دُخُولُ الْبِيَعِ) جَمْعُ بَيْعَةٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ (وَ) دُخُولُ (الْكَنَائِسِ الَّتِي لَا صُوَرَ فِيهَا وَ) تُبَاحُ (الصَّلَاةُ فِيهَا إذَا كَانَتْ نَظِيفَةً) . رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى لِخَبَرِ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (فِيمَا فِيهِ صُوَرٌ) بِيعَةً كَانَتْ أَوْ كَنِيسَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» . وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَلَهُ دُخُولُ بِيعَةٍ وَكَنِيسَةٍ وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْهُ تُكْرَهُ، وَعَنْهُ مَعَ صُوَرٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ يَحْرُمُ دُخُولُهُ مَعَهَا وَوَجْهُ الْجَوَازِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَفِيهَا صُوَرٌ ثُمَّ قَدْ دَخَلَتْ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ سَقَطَتْ سِنٌّ) مِنْ آدَمِيٍّ (أَوْ) سَقَطَ (عُضْوٌ مِنْهُ فَأَعَادَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ وَفِي نُسْخَةٍ فَأَعَادَهَا (أَوْ لَا) أَيْ: أَوْ لَمْ يُعِدْهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ بِهَا لِطَهَارَتِهِ (أَوْ جَعَلَ مَوْضِعَهُ) أَيْ: مَوْضِعَ سِنِّهِ (سِنَّ شَاةٍ وَنَحْوِهَا مُذَكَّاةٍ وَصَلَّى بِهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ ثَبَتَتْ أَوْ لَمْ تَثْبُتْ لِطَهَارَتِهِ) أَمَّا سِنُّهُ وَعُضْوُهُ فَلِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ وَمَيْتَةِ الْآدَمِيِّ طَاهِرَةً وَأَمَّا سِنُّ الْمُذَكَّاةِ فَوَاضِحٌ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ (وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي مَقْبَرَةٍ قَدِيمَةٍ أَوْ حَدِيثَةٍ، تَقَلَّبَ تُرَابُهَا أَوْ لَا) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ مَرْفُوعًا «لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، فَإِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ
(وَهِيَ مَدْفِنُ الْمَوْتَى) بُنِيَ لَفْظُهَا مِنْ لَفْظِ الْقَبْرِ، لِأَنَّ الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ بِمَكَانٍ جَازَ أَنْ يُبْنَى لَهُ اسْمٌ مِنْ اسْمِهِ كَقَوْلِهِمْ: مَسْبَعَةٌ لِمَكَانٍ كَثُرَ فِيهِ السِّبَاعُ وَمَضْبَعَةٌ لِمَكَانٍ كَثُرَ فِيهِ الضِّبَاعُ وَهِيَ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ تَثْلِيثِ الْبَاءِ، لَكِنَّ الْفَتْحَ الْقِيَاسُ وَالضَّمَّ الْمَشْهُورُ وَالْكَسْرَ قَلِيلٌ، وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ وَفَتْحُ الْبَاءِ. (وَلَا يَضُرُّ قَبْرٌ وَلَا قَبْرَانِ) أَيْ: لَا يَمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُهَا اسْمُ الْمَقْبَرَةِ، وَإِنَّمَا الْمَقْبَرَةُ ثَلَاثَةُ قُبُورٍ فَصَاعِدًا، نَقَلَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ وَلَيْسَ فِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ: هَذَا الْفَرْقُ قَالَ وَقَالَ أَصْحَابُنَا: وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي اسْمِ الْمَقْبَرَةِ مِمَّا حَوْلَ الْقُبُورِ لَا يُصَلَّى فِيهِ. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْقَبْرِ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ (وَلَا) يَضُرُّ أَيْ: لَا تُمْنَعُ الصَّلَاةُ فِي (مَا أُعِدَّ لِلدَّفْنِ فِيهِ، وَلَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، وَلَا مَا دُفِنَ بِدَارِهِ) وَإِنْ كَثُرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبَرَةٍ (وَالْخَشْخَاشَةُ) : بَيْتٌ فِي الْأَرْضِ لَهُ سَقْفٌ يُقْبَرُ فِيهِ جَمَاعَةٌ لُغَةٌ عَامِّيَّةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فِيهَا جَمَاعَةٌ) مِنْ الْمَوْتَى (قَبْرٌ وَاحِدٌ) اعْتِبَارًا بِهَا، لَا بِمَنْ فِيهَا (وَتَصِحَّ صَلَاةُ جِنَازَةٍ فِيهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ. (وَلَوْ قَبْلَ الدَّفْنِ، بِلَا كَرَاهَةٍ) أَيْ: لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ فِي الْمَقْبَرَةِ (وَالْمَسْجِدُ فِي الْمَقْبَرَةِ إنْ حَدَثَ بَعْدَهَا: كَهِيَ) أَيْ: لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ، غَيْرَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَقْبَرَةِ (وَإِنْ حَدَثَتْ) الْمَقْبَرَةُ (بَعْدَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَوْلَهُ، أَوْ) حَدَثَتْ (فِي قِبْلَتِهِ، فَكَصَلَاةٍ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْمَقْبَرَةِ، فَتُكْرَهُ بِلَا حَائِلٍ (وَلَوْ وُضِعَ الْقَبْرُ) أَيْ: دُفِنَ فِيهَا، بِحَيْثُ سُمِّيَتْ مَقْبَرَةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَالْمَسْجِدُ مَعًا لَمْ يَجُزْ فِيهِ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ) ابْنُ الْقَيِّمِ (فِي الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ، تَقْدِيمًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ. (وَلَا) تَصِحُّ (فِي حَمَّامٍ: دَاخِلَهُ وَخَارِجَهُ وَأَتُّونِهِ) أَيْ مَوْقِدِ النَّارِ (وَكُلِّ مَا يُغْلَقُ عَلَيْهِ الْبَابُ وَيَدْخُلُ فِي بَيْعٍ) لِشُمُولِ الِاسْمِ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا إلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ خَبَرٌ صَحِيحٌ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي حَشٍّ) بِفَتْحِ الْحَاءِ وَضَمِّهَا (وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) وَلَوْ مَعَ طَهَارَتِهِ مِنْ النَّجَاسَةِ، وَهُوَ لُغَةً الْبُسْتَانُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى مَحَلِّ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا يَقْضُونَ حَوَائِجَهُمْ فِي الْبَسَاتِينِ، وَهِيَ الْحُشُوشُ فَسُمِّيَتْ الْأَخْلِيَةُ فِي الْحَضَرِ حُشُوشًا (فَيُمْنَعُ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ بَابِهِ وَمَوْضِعُ الْكَنِيفِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ) لِتَنَاوُلِ الِاسْمِ لَهُ لِأَنَّهُ لَمَّا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْكَلَامِ فِيهِ كَانَ مَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (أَعْطَانِ إبِلٍ وَهِيَ مَا تُقِيمُ فِيهِ، وَتَأْوِي إلَيْهِ) وَاحِدُهَا عَطَنٌ، بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهِيَ
الْمَعَاطِنُ: جَمْعُ مَعْطِنٌ بِكَسْرِهَا وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ. وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ لَمْ نَرَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ صَحِيحٌ (وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ بِمَوَاضِعِ نُزُولِهَا) أَيْ: الْإِبِلِ (فِي سَيْرِهَا، وَ) لَا فِي (الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَنَاخُ) الْإِبِلُ (فِيهَا لِعَلْفِهَا أَوْ وُرُودِهَا) الْمَاءَ لِأَنَّ اسْمَ الْأَعْطَانِ لَا يَتَنَاوَلُهَا، فَلَا تَدْخُلُ فِي النَّهْيِ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ أَيْضًا (فِي مَجْزَرَةٍ، وَهُوَ مَا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ فِيهِ) (وَلَا فِي مَزْبَلَةٍ، وَهِيَ مَرْمَى الزُّبَالَةِ، وَلَوْ طَاهِرَةً، وَلَا فِي قَارِعَةِ طَرِيقٍ وَهُوَ مَا كَثُرَ سُلُوكُهُ، سَوَاءٌ كَانَ فِيهِ سَالِكٌ أَوْ لَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَبْعُ مَوَاطِنَ لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَهْرُ بَيْتِ اللَّهِ وَالْمَقْبَرَةُ وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَمَعْطِنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ لَيْسَ إسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. (وَلَا بَأْسَ بِطَرِيقِ الْأَبْيَاتِ الْقَلِيلَةِ، وَبِمَا عَلَا عَنْ جَادَّةِ الطَّرِيقِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، نَصًّا) فَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهِ بِلَا كَرَاهَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَجَّةٍ (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (فِي أَسْطِحَتِهَا) أَيْ: أَسْطِحَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي قُلْنَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا (كُلِّهَا) لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْجُنُبَ يُمْنَعُ مِنْ اللُّبْثِ عَلَى سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا يَحْنَثُ بِدُخُولِ سَطْحِهَا. (وَ) لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (سَابَاطٍ عَلَى طَرِيقٍ) لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا عَلَى سَطْحِ نَهْرٍ) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ كَالطَّرِيقِ. (قَالَ الْقَاضِي: تَجْرِي فِيهِ سَفِينَةٌ) كَالطَّرِيقِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَالْمُخْتَارُ) فِي الصَّلَاةِ عَلَى سَطْحِ النَّهْرِ (الصِّحَّةُ كَالسَّفِينَةِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ) مُقْتَضَى الْمُنْتَهَى: لَا تَصِحُّ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّفِينَةِ: بِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْحَاجَةِ. (وَلَوْ حَدَثَ طَرِيقٌ أَوْ غَيْرُهُ مَنْ مَوَاضِعِ النَّهْيِ) كَعَطَنِ إبِلٍ وَحَشٍّ (تَحْتَ مَسْجِدٍ بَعْدَ بِنَائِهِ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدَ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ مَا حَدَثَ بَعْدَهُ (وَالْمَنْعُ) مِنْ الصَّلَاةِ (فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ تَعَبُّدٌ) لَيْسَ مُعَلَّلًا بِوَهْمِ النَّجَاسَةِ وَلَا غَيْرِهِ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهَا وَلَمْ يُعْقَلْ مَعْنَاهُ (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةٌ (فِي بُقْعَةِ غَصْبٍ مِنْ أَرْضٍ أَوْ حَيَوَانٍ بِأَنْ يَغْصِبَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَرْضِ وَالْحَيَوَانِ (وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِ) الْغَاصِبُ (أَوْ غَيْرُهُ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أُتِيَ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ فَلَمْ تَصِحَّ كَصَلَاةِ
الْحَائِضِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُلْحَقُ بِهِ. مَا إذَا أَخْرَجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ لَهُ (أَوْ) مِنْ (سَفِينَةٍ) غَصَبَهَا أَوْ غَصَبَ لَوْحًا فَجَعَلَهُ سَفِينَةً لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِيهَا (وَلَا فَرْقَ بَيْنَ غَصْبِهِ لِرَقَبَةِ الْأَرْضِ) بِأَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهَا قَهْرًا ظُلْمًا (أَوْ دَعْوَاهُ مِلْكِيَّتَهَا) أَيْ: مِلْكِيَّةَ رَقَبَتِهَا بِغَيْرِ حَقٍّ (وَبَيْنَ غَصْبِ مَنَافِعِهَا، بِأَنْ يَدَّعِيَ إجَارَتَهَا ظَالِمًا، أَوْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا مُدَّةً) ظُلْمًا (أَوْ يُخْرِجَ سَابَاطًا فِي مَوْضِعٍ لَا يَحِلُّ) إخْرَاجُهُ، كَأَنْ يُخْرِجَهُ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ بِلَا إذْنِ أَهْلِهِ، أَوْ فِي نَافِذٍ بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. (وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ) كَانَ الْمَغْصُوبُ (جُزْءًا مُشَاعًا فِيهَا) أَيْ: فِي الْبُقْعَةِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ الْغَصْبُ جُزْءًا مُعَيَّنًا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ صَلَّى فِيهِ، لَمْ تَصِحَّ، وَإِنْ صَلَّى فِي غَيْرِهِ صَحَّتْ (أَوْ) أَيْ: لَا تَصِحَّ الصَّلَاةُ فِي الْبُقْعَةِ الْغَصْبِ، وَلَوْ (بَسَطَ عَلَيْهَا مُبَاحًا، أَوْ بَسَطَ غَصْبًا عَلَى مُبَاحٍ) جُزِمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ بَسَطَ طَاهِرًا صَفِيقًا عَلَى حَرِيرٍ وَالْفَرْقُ: أَنَّهُ لَا يُعَدُّ مُسْتَعْمِلًا لِلْحَرِيرِ إذْنَ بِخِلَافِ الْبُقْعَةِ، فَإِنَّهُ حَالٌ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ تَحْتَهُ مُبَاحٌ (سِوَى جُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَجِنَازَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَكْثُرُ لَهُ الْجَمَاعَاتُ) كَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ (فَيَصِحُّ فِيهَا) أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَنَحْوِهَا (كُلِّهَا ضَرُورَةً) أَيْ: لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ. وَاَلَّذِي فِي الْمُنْتَهَى وَالْإِنْصَافِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْمُوَفَّقِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّارِحِ وَالْمَجْدِ فِي شَرْحِهِ، وَصَاحِبِ الْحَاوِي الْكَبِيرِ وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ صِحَّةُ ذَلِكَ فِي الْغَصْبِ وَفِي الطَّرِيقِ إذَا اُضْطُرُّوا إلَيْهِ وَأَمَّا الْحَمَّامُ وَالْحَشُّ وَنَحْوُهُ فَيَبْعُدُ إلْحَاقُهُ بِذَلِكَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: قَالَ أَحْمَدُ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعِ الْغَصْبِ، يَعْنِي إذَا كَانَ الْجَامِعُ أَوْ بَعْضُهُ مَغْصُوبًا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تَخْتَصُّ بِبُقْعَةٍ، فَإِذَا صَلَّاهَا الْإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الْمَغْصُوبِ، فَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَاتَتْهُمْ الْجُمُعَةُ وَكَذَلِكَ مَنْ امْتَنَعَ فَاتَتْهُ وَلِذَلِكَ صَحَّتْ خَلْفَ الْخَوَارِجِ وَالْمُبْتَدِعَةِ، وَصَحَّتْ فِي الطَّرِيقِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْأَعْيَادُ وَالْجِنَازَةُ. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى رَاحِلَةٍ فِي طَرِيقٍ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ لِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْبَعِيرِ. (وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى (نَهْرٍ جَمَدَ مَاؤُهُ) جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَ فِي الْإِنْصَافِ: أَنَّهُ كَالطَّرِيقِ (وَإِنْ غَيَّرَ هَيْئَةَ مَسْجِدٍ فَكَغَصْبِهِ) فِي صَلَاتِهِ فِيهِ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ لَوْ صَلَّى غَيْرُهُ فِيهِ صَحَّتْ، لِأَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ (وَإِنْ مَنَعَ الْمَسْجِدَ غَيْرَهُ وَصَلَّى هُوَ فِيهِ، أَوْ زَحَمَهُ، أَوْ صَلَّى مَكَانَهُ حَرُمَتْ) أَيْ: حَرُمَ عَلَيْهِ مَنْعُهُ الْغَيْرُ، لِأَنَّهُ ظُلْمٌ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مُبَاحٌ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ عَلَيْهِ مَنْعُ
الْغَيْرِ، أَوْ مُزَاحَمَتُهُ لِإِقَامَتِهِ، فَعَادَ النَّهْيُ إلَى خَارِجٍ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ،. فِيمَنْ أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ هَيْئَتَهُ، لَكِنْ مَنَعَ النَّاسَ الصَّلَاةَ فِيهِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ، مَعَ الْكَرَاهَةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَزَادَ فِي الْأَصَحِّ وَلَا يَضْمَنُهُ بِذَلِكَ (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضٍ) لِكُفْرِ أَهْلِهَا، وَعَجْزِهِ عَنْ إظْهَارِ دِينِهِ، أَوْ كَوْنِهِمْ أَهْلَ بِدْعَةٍ ضَالَّةٍ كَذَلِكَ (لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إعَادَةُ مَا صَلَّى بِهَا) لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ إقَامَتِهِ بِهَا لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ. (وَيَصِحُّ الْوُضُوءُ وَالْأَذَانُ وَإِخْرَاجُ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمُ وَالْعُقُودُ) كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ وَغَيْرِهِمَا وَالْفُسُوخُ كَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ (فِي مَكَانِ غَصْبٍ) لِأَنَّ الْبُقْعَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا فِيهَا، بِخِلَافِ الصَّلَاةِ (وَتَصِحُّ صَلَاتُهُ فِي بُقْعَةٍ أَبْنِيَتُهَا غَصْبٌ وَلَوْ اسْتَنَدَ) إلَى الْأَبْنِيَةِ لِإِبَاحَةِ الْبُقْعَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الصَّلَاةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُكْرَهُ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَا يُبْنَى بِحَرِيمِ الْأَنْهَارِ مِنْ مَسَاجِدَ وَبُيُوتٍ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْبِنَاءُ بِهَا وَأَمَّا الْبُقْعَةُ فَعَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ. (وَ) تَصِحُّ (صَلَاةُ مَنْ طُولِبَ بِرَدِّ وَدِيعَةٍ أَوْ) رَدِّ (غَصْبٍ قَبْلَ دَفْعِهَا إلَى رَبِّهَا) وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ. (وَ) تَصِحُّ (صَلَاةُ مَنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ أَنْ يَذْهَبَ إلَى مَكَان، فَخَالَفَهُ وَأَقَامَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ تَقَوَّى عَلَى أَدَاءِ عِبَادَةٍ) مِنْ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ وَنَحْوِهِ (بِأَكْلِ مُحَرَّمٍ صَحَّتْ) عِبَادَتُهُ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى الْعِبَادَةِ وَلَا إلَى شُرُوطِهَا، فَهُوَ إلَى خَارِجٍ عَنْهَا وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي فَسَادَهَا لَكِنْ لَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ عَالِمًا ذَاكِرًا، لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَتْ (مَزْرُوعَةً بِلَا ضَرَرٍ) وَلَا غَصْبٍ (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مُصَلَّاةٍ بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ جَازَ) وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ (وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) . وَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ: لَوْ صَلَّى عَلَى مُصَلًّى مَفْرُوشٍ لِغَيْرِهِ لَمْ تَصِحَّ وَجَوَابُهُ (وَإِنْ صَلَّى فِي غَصْبٍ) مِنْ بُقْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (جَاهِلًا) كَوْنَهُ غَصْبًا (أَوْ نَاسِيًا كَوْنَهُ غَصْبًا) صَحَّتْ لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ (أَوْ حُبِسَ بِهِ) أَيْ: الْمَكَانِ الْغَصْبِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيُصَلِّي فِيهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةِ وَالْحَمَّامِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ (كُلِّهَا لِعُذْرٍ) كَأَنْ حُبِسَ بِحَمَّامٍ أَوْ حَشٍّ وَنَحْوِهِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي
فِيهَا مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ، وَلَوْ فَاتَ الْوَقْتُ (وَلَا يُعِيدُ) مَنْ صَلَّى فِيهَا لِعُذْرٍ لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ فِي الْوَقْتِ وَخَرَجَ مِنْهَا، كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى الْمَقْبَرَةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِمَا رَوَى أَبُو يَزِيدَ الْغَنَوِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «لَا تُصَلُّوا إلَى الْقُبُورِ وَلَا تَجْلِسُوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الْقَاضِي: وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ مَوَاضِعَ النَّهْيِ، إلَّا الْكَعْبَةَ. وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ تَعَبُّدٌ، وَشَرْطُ الْقِيَاسِ فَهْمُ الْمَعْنَى (مَا لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ وَلَوْ كَمُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ، وَلَيْسَ كَسُتْرَةِ الصَّلَاةِ، فَلَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ) جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَالنَّاظِمُ وَغَيْرُهُمْ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ لِكَرَاهَةِ السَّلَفِ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ فِي قِبْلَتِهِ حُشٌّ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا يَكْفِي حَائِطُ الْمَسْجِدِ وَتَأَوَّلَ ابْنُ عَقِيلٍ النَّصَّ عَلَى سِرَايَةِ النَّجَاسَةِ تَحْتَ مَقَامِ الْمُصَلِّي وَاسْتَحْسَنَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَلَا) يَكْفِي (الْخَطُّ وَنَحْوُهُ) وَلَا مَا دُونَ مُؤَخِّرَةِ رَحْلٍ (بَلْ) الْحَائِلُ هُنَا (كَسُتْرَةِ الْمُتَخَلِّي) فَيُعْتَبَرُ بِمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ (وَإِنْ غُيِّرَتْ أَمَاكِنُ النَّهْيِ، غَيْرُ الْغَصْبِ بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا، كَجَعْلِ الْحَمَّامِ دَارًا، أَوْ مَسْجِدًا، أَوْ نَبْشِ الْمَوْتَى مَنْ الْمَقْبَرَةِ، وَتَحْوِيلِ عِظَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) . كَجَعْلِ الْمَزْبَلَةِ أَوْ الْمَجْزَرَةِ دَارًا (صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهَا) لِأَنَّهَا خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ تَكُونَ مَوَاضِعَ النَّهْيِ. (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي أَرْضِ السِّبَاخِ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: مَعَ الْكَرَاهَةِ. (وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِي (الْأَرْضِ الْمَسْخُوطِ عَلَيْهَا، كَأَرْضِ الْخَسْفِ، وَكُلِّ بُقْعَةٍ نَزَلَ بِهَا عَذَابٌ، كَأَرْضِ بَابِلَ وَأَرْضِ الْحِجْرِ وَمَسْجِدِ الضِّرَارِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مَسْخُوطٌ عَلَيْهِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ مَرَّ بِالْحِجْرِ «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ» . (وَفِي الْمَدْبَغَةِ وَالرَّحَى وَ) تَصِحَّ الصَّلَاةُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الرَّحَى (مَعَ الْكَرَاهَةِ فِيهِنَّ) أَيْ: فِي تِلْكَ الْمَسَائِلِ. (وَ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (عَلَى الثَّلْجِ بِحَائِلٍ أَوْ لَا، إذَا وُجِدَ حَجْمُهُ) لِاسْتِقْرَارِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (وَكَذَا حَشِيشٌ وَقُطْنٌ مُنْتَفِشٌ) تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إذَا وُجِدَ حَجْمُهُ (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ حَجْمَهُ لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الْجَبْهَةِ عَلَيْهِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ مَا يُحَاذِي الصَّدْرَ مُسْتَقِرًّا فَلَوْ حَاذَاهُ رَوْزَنَةٌ وَنَحْوُهَا) كَطَاقٍ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الصَّدْرَ لَيْسَ مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (بِخِلَافِ مَا تَحْتَ الْأَعْضَاءِ) أَيْ: الَّتِي يَجِبُ السُّجُودُ عَلَيْهَا فَلَا تَصِحُّ إنْ حَاذَتْ رَوْزَنَةً
وَنَحْوَهَا (أَوْ صَلَّى فِي الْهَوَاءِ، أَوْ فِي أُرْجُوحَةٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَقِرِّ الْقَدَمَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُضْطَرًّا) إلَى الصَّلَاةِ كَذَلِكَ (كَالْمَصْلُوبِ) وَالْمَرْبُوطِ لِلْعُذْرِ. (وَتُكْرَهُ) الصَّلَاةُ (فِي مَقْصُورَةٍ تَحْمِي) لِلسُّلْطَانِ وَحْدَهُ (نَصًّا) قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ إنَّمَا كَرِهَ الْمَقْصُورَةَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَخْتَصُّ بِالظَّلَمَةِ وَأَبْنَاءِ الدُّنْيَا فَكَرِهَ الِاجْتِمَاعَ بِهِمْ قَالَ وَقِيلَ: كَرِهَهَا لِقُصُورِهَا عَلَى أَتْبَاعِ السُّلْطَانِ وَمَنْعِ غَيْرِهِمْ وَتَصِيرُ كَالْمَوْضِعِ الْغَصْبِ. (وَيُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ) بِأَنْ حُبِسَ فِيهِ (وَيَسْجُدُ بِالْأَرْضِ وُجُوبًا، إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ يَابِسَةً) تَقْدِيمًا لِرُكْنِ السُّجُودِ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمُجْمَعٌ عَلَى فَرِيضَتِهِ وَعَلَى عَدَمِ سُقُوطِهِ بِخِلَافِ مُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً (أَوْمَأَ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ وَجَلَسَ عَلَى قَدَمَيْهِ) لِضَرُورَةِ الْجُلُوسِ (وَلَا يَضَعُ عَلَى الْأَرْضِ غَيْرَهُمَا) أَيْ: غَيْرَ الْقَدَمَيْنِ، لِلِاكْتِفَاءِ بِهِمَا عَمَّا سِوَاهُمَا. (وَكَذَا مَنْ هُوَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ) يُومِئُ كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا تَصِحُّ الْفَرِيضَةُ فِي الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ (وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] وَالشَّطْرُ: الْجِهَةُ وَمَنْ صَلَّى فِيهَا أَوْ عَلَى سَطْحِهَا غَيْرَ مُسْتَقْبِلٍ لِجِهَتِهَا، وَلِأَنَّهُ يَكُونُ مُسْتَدْبِرًا مِنْ الْكَعْبَةِ مَا لَوْ اسْتَقْبَلَهُ مِنْهَا وَهُوَ خَارِجُهَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَلِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِهَا وَقَدْ وَرَدَ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِيمَا سَبَقَ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى. وَالْجِدَارُ لَا أَثْرَ لَهُ، إذْ الْمَقْصُودُ الْبُقْعَةُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُصَلِّي لِلْبُقْعَةِ حَيْثُ لَا جِدَارَ (إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ - وَفِي نُسَخٍ مُنْتَهَاهُ - أَيْ: الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ ظَهْرِهِ (بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْهَا، أَوْ صَلَّى خَارِجَهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَسَجَدَ فِيهَا) فَيَصِحُّ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَقْبِلٌ لِطَائِفَةٍ مِنْ الْكَعْبَةِ غَيْرُ مُسْتَدْبِرٍ لِشَيْءٍ مِنْهَا فَصَحَّتْ كَمَا لَوْ صَلَّى إلَى أَحَدِ أَرْكَانِهَا (وَيَصِحُّ نَذْرُ الصَّلَاةِ فِيهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ (وَعَلَيْهَا) كَالنَّافِلَةِ وَقَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ جَازَ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَإِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ مُطْلَقًا، اُعْتُبِرَ فِيهَا شُرُوطُ الْفَرِيضَةِ، لِأَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ يُحْذَى بِهِ حَذْوَ الْفَرَائِضِ اهـ. وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَتَصِحُّ نَافِلَةٌ وَمَنْذُورَةٌ
فِيهَا وَعَلَيْهَا (وَ) تَصِحَّ (نَافِلَةٌ) فِيهَا وَعَلَيْهَا (بَلْ يُسَنُّ التَّنَفُّلُ فِيهَا وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَتَنَفَّلَ (وِجَاهَهُ إذَا دَخَلَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «دَخَلَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ فَلَمَّا فَتَحُوا كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ وَلَجَ فَلَقِيتُ بِلَالًا فَسَأَلْتُهُ هَلْ صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ؟ قَالَ: رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، عَنْ يَسَارِكَ إذَا دَخَلْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَأَمَّا مَا رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ أُسَامَةَ أَيْضًا وَالْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ فَجَوَابُهُ: أَنَّ الدُّخُولَ كَانَ مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُولَى وَصَلَّى فِي الثَّانِيَةِ كَذَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ (وَلَوْ صَلَّى لِغَيْرِ وِجَاهِهِ إذَا دَخَلَ جَازَ) كَمَا لَوْ صَلَّى وِجَاهَهُ لِأَنَّ كُلَّ جِهَةٍ مِنْ جِهَاتِهَا قِبْلَةٌ. (إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا شَاخِصٌ، يَتَّصِلُ بِهَا كَالْبِنَاءِ وَالْبَابِ وَلَوْ مَفْتُوحًا، أَوْ عَتَبَتُهُ الْمُرْتَفِعَةُ فَلَا اعْتِبَارَ بِالْآجُرِّ الْمُعَبَّى مِنْ غَيْرِ بِنَاءٍ، وَلَا الْخَشَبِ غَيْرِ الْمَسْمُورِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَّصِلٍ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَاخِصًا) مُتَّصِلًا (وَسُجُودُهُ عَلَى مُنْتَهَاهَا لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (إذَا سَجَدَ، وَلَكِنْ مَا ثَمَّ شَاخِصٌ لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ (أَيْضًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ (وَعَنْهُ تَصِحُّ) صَلَاتُهُ اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَالْفَائِقُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ فِي الْخُطْبَةِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَهُوَ مَعْنَى مَا قُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. (وَالْحِجْرُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْكَعْبَةِ لِخَبَرِ عَائِشَةَ (وَقَدْرُهُ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْحِجْرُ جَمِيعُهُ لَيْسَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِنَّمَا الدَّاخِلُ فِي حُدُودِ الْبَيْتِ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَشَيْءٌ فَمَنْ اسْتَقْبَلَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ أَلْبَتَّةَ اهـ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الطَّوَافِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ خُرُوجِهِ عَنْهُ جَمِيعِهِ احْتِيَاطًا وَيَأْتِي (فَيَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنْ الْحِجْرِ لِأَنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ أَشْبَهَ سَائِرَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُتَوَجِّهُ إلَيْهِ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَهُ وَسَوَاءٌ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا. (وَيُسَنُّ التَّنَفُّلُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْحِجْرِ لِخَبَرِ، عَائِشَةَ (وَأَمَّا الْفَرْضُ فِيهِ) أَيْ: الْحِجْرِ (فَكَّ) الْفَرْضِ (دَاخِلَهَا) لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا وَقَفَ عَلَى مُنْتَهَاهُ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ مِنْهُ أَوْ وَقَفَ خَارِجَهُ وَسَجَدَ فِيهِ. (وَلَوْ نُقِضَ) أَوْ سَقَطَ (بِنَاءُ الْكَعْبَةِ وَجَبَ اسْتِقْبَالُ مَوْضِعِهَا وَهَوَائِهَا، دُونَ أَنْقَاضِهَا) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْأَنْقَاضُ. (وَلَوْ صَلَّى عَلَى
باب استقبال القبلة وبيان أدلتها وما يتعلق بذلك
جَبَلٍ يَخْرُجُ عَنْ مُسَامَتَةِ بُنْيَانِهَا) كَأَبِي قُبَيْسٍ (صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (إلَى هَوَائِهَا) وَكَذَا لَوْ حَفَرَ حَفِيرَةً فِي الْأَرْضِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَةِ بُنْيَانِهَا صَحَّتْ إلَى هَوَائِهَا لِمَا تَقْدَمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْبُقْعَةُ لَا الْجِدَارَ (وَيَأْتِي حُكْمُ صَلَاةِ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَفِي السَّفِينَةِ أَوَّلَ) بَابِ (صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ) بَعْدَ الْكَلَامِ عَلَى صَلَاةِ الْمَرِيضِ. [بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَبَيَانِ أَدِلَّتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (بَابُ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ) وَبَيَانِ أَدِلَّتِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْقِبْلَةُ الْوُجْهَةُ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ مِنْ الْمُقَابَلَةِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: مَا لَهُ قِبْلَةٌ وَلَا دِبْرَةٌ إذَا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أَمْرِهِ وَأَصْلُ الْقِبْلَةِ فِي اللُّغَةِ، الْحَالَةُ، الَّتِي يُقَابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا، كَالْجِلْسَةِ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَجْلِسُ عَلَيْهَا، إلَّا أَنَّهَا صَارَتْ كَالْعَلَمِ لِلْجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُهَا الْمُصَلِّي وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا، أَوْ لِأَنَّ الْمُصَلِّي يُقَابِلُهَا وَهِيَ تُقَابِلُهُ، وَالْأَدِلَّةُ جَمْعُ دَلِيلٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ» . جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْخِرَقِيِّ الصَّغِيرِ، وَالسَّامِرِيِّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَهِيَ الْمُدَّةُ الَّتِي أَقَامَهَا بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ، بِنَاءً عَلَى حَدِيثِ أَنَسٍ «بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ - الْحَدِيثُ» وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ هُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ ثَلَاثَةٍ قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيّ، فِي تَفْسِيرِهِ: اخْتَلَفُوا فِي صَلَاتِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ قَوْمٌ: كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى الْكَعْبَةِ فَلَمَّا صَارَ إلَى الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِالتَّوَجُّهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَلَّا أَنَّهُ يَجْعَلُ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ كَانَ يُصَلِّي إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ بِمَكَّةَ وَبِالْمَدِينَةِ أَوَّلًا سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمَّ أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الصَّلَاحِ (وَ) «صَلَّى أَيْضًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا بِالْمَدِينَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ الْبَرَاءِ وَقَيْلَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقِيلَ: ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَجُمِعَ بَيْنَهَا بِأَنَّ مَنْ عَدَّهَا سِتَّةَ عَشَرَ لَمْ يَعْتَبِرْ الْكُسُورَ. وَمَنْ عَدَّهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ اعْتَدَّ بِالشَّهْرَيْنِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ وَلَمْ يَنْظُرْ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْكُسُورِ وَمَنْ عَدَّهَا سَبْعَةَ عَشَرَ حَسَبَ كُسُورَ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ، وَأَلْغَى بَقِيَّتَهُمَا. (ثُمَّ أُمِرَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} [البقرة: 144] الْآيَةُ
(وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ سَبْعَةٌ (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِدُونِهِ) أَيْ الِاسْتِقْبَالِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] قَالَ عَلِيٌّ ": شَطْرُهُ قِبَلُهُ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: «بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ إذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إلَى الْكَعْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (إلَّا لِمَعْذُورٍ) عَاجِزٍ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (كَالْتِحَامِ حَرْبٍ) حَالَ الطَّعْنِ وَالْكَرِّ وَالْفَرِّ (وَهَرَبَ مِنْ سَيْلٍ أَوْ) مِنْ (نَارٍ أَوْ) مَنْ (سَبْعٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ) كَانَ الْعُذْرُ (نَادِرًا، كَمَرِيضٍ عَجَزَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ (وَ) (عَجَزَ عَمَّنْ يُدِيرُهُ إلَيْهَا) أَيْ الْقِبْلَةِ (وَكَمَرْبُوطٍ وَنَحْوِهِ) أَيْ كَمَصْلُوبٍ إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (فَتَصِحُّ) صَلَاتُهُمْ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مِنْهُمْ بِلَا إعَادَةٍ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ عَجَزُوا عَنْهُ فَسَقَطَ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَكَالْقِيَامِ (وَ) إلَّا (لِمُتَنَفِّلٍ رَاكِبٍ وَمَاشٍ فِي سَفَرٍ غَيْرِ مُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَلَوْ) كَانَ السَّفَرُ (قَصِيرًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] . قَالَ ابْنُ عُمَرَ نَزَلَتْ فِي التَّطَوُّعِ خَاصَّةً وَلِمَا رَوَى هُوَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ يُومِئُ بِرَأْسِهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِلْبُخَارِيِّ إلَّا الْفَرَائِضَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ فِي التَّطَوُّعِ، لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى تَقْلِيلِهِ أَوْ قَطْعِهِ فَاسْتَوَيَا فِيهِ وَأُلْحِقَ الْمَاشِي بِالرَّاكِبِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ أُبِيحَتْ لِلرَّاكِبِ، لِئَلَّا يَنْقَطِعُ عَنْ الْقَافِلَةِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الْمَاشِي وَ. (لَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ (إذَا تَنَفَّلَ فِي الْحَضَرِ كَالرَّاكِبِ السَّائِرِ فِي مِصْرِهِ) أَوْ قَرْيَتِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُسَافِرًا. (وَلَا) يَسْقُطُ الِاسْتِقْبَالُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ الْمُسَافِرُ جِهَةً مُعِينَةً كَ (رَاكِبِ تَعَاسِيفٍ، وَهُوَ رُكُوبُ الْفَلَاةِ وَقَطْعِهَا عَلَى غَيْرِ صَوْبٍ) وَمِنْهُ الْهَائِمُ وَالتَّائِهُ، وَالسَّائِحُ، وَالسَّفَرُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَجَمْعُهُ أَسْفَارٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُسْفِرُ عَنْ أَخْلَاقِ الرِّجَالِ (فَلَوْ عَدَلَتْ بِهِ) أَيْ الْمُسَافِرُ الَّذِي يَتَطَوَّعُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (دَابَّتُهُ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ) إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (لِعَجْزِهِ عَنْهَا أَوْ لِجِمَاحِهَا وَنَحْوِهِ) كَحِرْنِهَا، وَطَالَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ وَإِنْ قَصُرَ لَمْ تَبْطُلْ (أَوْ عَدَلَ هُوَ) أَيْ الْمُسَافِرُ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ غَفْلَةً أَوْ
نَوْمًا أَوْ جَهْلًا، أَوْ سَهْوًا، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّهَا جِهَةُ سَيْرِهِ، وَطَالَ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ كَثِيرٌ فَيُبْطِلُهَا عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ. (وَإِنْ قَصُرَ) عُدُولُهُ لِعُذْرٍ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَسِيرُ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ عُذْرَهُ السَّهْوُ) لَا الْغَفْلَةَ وَالنَّوْمَ وَنَحْوَهُ، فَيُعَايَى بِهَا (وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي ذَلِكَ) الْعُدُولِ (بِأَنْ عَدَلَتْ) بِهِ (دَابَّتُهُ وَأَمْكَنَهُ رَدُّهَا) وَلَمْ يَرُدَّهَا بَطَلَتْ، طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ، إنْ لَمْ يَكُنْ عُدُولُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ (أَوْ عَدَلَ) بِنَفْسِهِ (إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ مَعَ عِلْمِهِ) بِأَنَّهَا غَيْرُ جِهَةِ سَيْرِهِ، وَغَيْرُ جِهَةِ الْقِبْلَةِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، طَالَ ذَلِكَ أَوْ قَصُرَ لِأَنَّهُ تَرَكَ قِبْلَتَهُ عَمْدًا. (وَإِنْ انْحَرَفَ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ فَصَارَ قَفَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ عَمْدًا، بَطَلْتُ) لِاسْتِدْبَارِهِ الْقِبْلَةِ وَكَذَا لَوْ اسْتَدَارَ بِجُمْلَتِهِ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ إلَى غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ لِتَرْكِهِ قِبْلَتِهِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ انْحِرَافُهُ إلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّ التَّوَجُّهَ إلَيْهَا هُوَ الْأَصْلُ. (وَإِنْ وَقَفَتْ دَابَّتُهُ تَعَبًا، أَوْ) وَقَفَ (مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ لِسَيْرِهِمْ) اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. (أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ) وَيُتِمُّهَا لِانْقِطَاعِ السِّيَرِ، كَالْخَائِفِ يَأْمَنُ. (وَلَوْ رَكِبَ الْمُسَافِرُ النَّازِلُ) أَيْ غَيْرُ السَّائِرِ (وَهُوَ فِي) صَلَاةٍ (نَافِلَةٍ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءً كَانَ يَتَنَفَّلُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لِأَنَّ حَالَتَهُ إقَامَةٌ فَيَكُونُ رُكُوبُهُ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ مِنْ الْمُقِيمِ. وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ (الْمَاشِي) بِرُكُوبِهِ فِيهَا (فَيُتِمُّهَا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالَةٍ مُخْتَلَفٍ فِي صِحَّةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا، وَهِيَ الْمَشْيُ، إلَى حَالَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَى صِحَّةِ التَّنَفُّلِ فِيهَا، وَهِيَ الرُّكُوبُ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَالَةُ سَيْرٍ (وَإِنْ نَزَلَ) الْمُسَافِرُ (الرَّاكِبُ فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وَأَتَمَّهَا نَصًّا) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى حَالِ إقَامَةٍ كَالْخَائِفِ إذَا أَمِنَ (وَيَلْزَمُ الرَّاكِبَ) إذَا تَنَفَّلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (افْتِتَاحُهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ بِالدَّابَّةِ) بِأَنْ يُدِيرَهَا إلَى الْقِبْلَةِ إنْ أَمْكَنَهُ بِلَا مَشَقَّةٍ (أَوْ بِنَفْسِهِ) بِأَنْ يَدُورُ إلَى الْقِبْلَةِ وَيَدَعُ رَاحِلَتَهُ سَائِرَةً مَعَ الرَّكْبِ (إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ (بِلَا مَشَقَّةٍ) . لِمَا رَوَى أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَافَرَ فَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وِجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (وَكَذَا إنْ أَمْكَنَهُ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَاسْتِقْبَالٌ) فِي جَمِيعِ النَّافِلَةِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (كَمَنْ هُوَ فِي سَفِينَةٍ أَوْ مِحَفَّةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَنَحْوِهَا) كَعِمَارِيَّةٍ وَهَوْدَجٍ، فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، بِلَا مَشَقَّةٍ (وَكَانَتْ رَاحِلَتُهُ وَاقِفَةً) لَزِمَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ إنْ أَمْكَنَهُ، بِلَا مَشَقَّةٍ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ افْتِتَاحُ النَّافِلَةِ إلَى الْقِبْلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ كَمَنْ عَلَى بَعِيرٍ مَقْطُورٍ،
وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ الِاسْتِدَارَةُ بِنَفْسِهِ، أَوْ يَكُونُ مَرْكُوبُهُ حَرُونًا تَصْعُبُ عَلَيْهِ إدَارَتُهُ، أَوْ لَا يُمْكِنُهُ الرُّكُوعُ وَلَا السُّجُودُ (افْتَتَحَهَا) أَيْ النَّافِلَةَ (إلَى غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْقِبْلَةِ يَعْنِي إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ (وَأَوْمَأَ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ عَلَيْهِ، حَتَّى لَا يُؤَدِّيهِ إلَى عَدَمِ التَّطَوُّعِ (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ وُجُوبًا إنْ قَدِرَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَاجَةٍ فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَتُعْتَبَرُ فِيهِ) أَيْ فِي نَفْلِ الْمُسَافِرِ، أَيْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهِ (طَهَارَةُ مَحَلِّهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (نَحْوَ سَرْجٍ وَإِكَافٍ) كَغَيْرِهِ، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرْكُوبُ نَجِسَ الْعَيْنِ، أَوْ أَصَابَ مَوْضِعَ الرُّكُوبِ مِنْهُ نَجَاسَةٌ وَفَوْقَهُ حَائِلٌ طَاهِرٌ، مِنْ بَرْذَعَةٍ وَنَحْوِهَا، صَحَّتْ الصَّلَاةُ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا هُوَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَنْ فَرَشَ طَاهِرًا عَلَى أَرْضٍ نَجِسَةٍ وَالصَّحِيحُ الْجَوَازُ هَهُنَا عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ يَشُقُّ فَتَفُوتُ الرُّخْصَةُ وَذَلِكَ أَنَّ أَبْدَانَ الدَّوَابِّ لَا تَسْلَمُ غَالِبًا مِنْ النَّجَاسَةِ، لِتَقَلُّبِهَا وَتَمَرُّغِهَا عَلَى الزِّبْلِ وَالنَّجَاسَاتِ، وَالْبَغْلَ وَالْحِمَارَ مِنْهَا نَجِسَانِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إلَى رُكُوبِهِمَا وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى حِمَارِهِ التَّطَوُّعَ» وَذَلِكَ دَلِيلُ الْجَوَازِ (وَإِنْ وَطِئَتْ دَابَّتُهُ نَجَاسَةً فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ بَلَى إنْ أَمْكَنَ رَدُّهُ عَنْهَا وَلَمْ يَرُدَّهَا. (وَإِنْ وَطْئَهَا) أَيْ النَّجَاسَةَ (الْمَاشِي عَمْدًا فَسَدَتْ صَلَاتُهُ) كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ. (وَإِنْ نَذَرَ) الْمُسَافِرُ السَّائِرُ (الصَّلَاةَ عَلَى الدَّابَّةِ جَازَ) أَيْ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَمِثْلُهُ نَذْرُهَا فِي الْكَعْبَةِ وَتَقَدَّمَ. (وَالْوِتْرُ وَغَيْرُهُ مِنْ النَّوَافِلِ) الرَّوَاتِبِ وَغَيْرِهَا وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (سَوَاءٌ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ وَقَدْ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ عَلَى دَابَّتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَدُورُ فِي السَّفِينَةِ وَالْمِحَفَّةِ وَنَحْوِهِمَا) كَالْعِمَارِيَّةِ (إلَى الْقِبْلَةِ فِي كُلِّ صَلَاةِ فَرْضٍ) لِوُجُوبِ الِاسْتِقْبَالِ فِيهِ لِمَا تَقْدَمَ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُورَ فِي (نَفْلٍ) لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمَلَّاحِ) فَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُورَ فِي الْفَرْضِ أَيْضًا (لِحَاجَتِهِ) لِتَسْيِيرِ السَّفِينَةِ. (وَيَلْزَمُ الْمَاشِي أَيْضًا الِافْتِتَاحَ) أَيْ افْتِتَاحَ النَّافِلَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ وَ) يَلْزَمُهُ (رُكُوعٌ وَسُجُودٌ) إلَى الْقِبْلَةِ بِالْأَرْضِ، لِتَيَسُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ (وَيَفْعَلُ الْبَاقِي) مِنْ الصَّلَاةِ (إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ) وَصَحَّحَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: يُومِئ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ كَالرَّاكِبِ. (وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا كَمَنْ بِمَكَّةَ إصَابَةُ الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ (بِبَدَنِهِ كُلِّهِ، بِحَيْثُ
لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْهُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْكَعْبَةِ نُصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إلَى عَيْنِهَا قَطْعًا، فَلَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ فَلَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مُسَامَتَتِهَا لَمْ تَصِحَّ (وَلَا يَضُرُّ عُلُوُّهُ) عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ (وَلَا نُزُولُ) هـ عَنْهَا كَمَا لَوْ صَلَّى فِي حَفِيرَةٍ تَنْزِلُ عَنْ مُسَامَتَتِهَا لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْبُقْعَةِ لَا بِالْجُدْرَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (إنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ إصَابَتُهَا) أَيْ إصَابَةُ الْعَيْنِ بِبَدَنِهِ، كَالْمُصَلِّي دَاخِلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ عَلَى سَطْحِهِ، أَوْ خَارِجِهِ، وَأَمْكَنَهُ ذَلِكَ بِنَظَرِهِ أَوْ عِلْمِهِ، أَوْ خَبَرِ عَالِمٍ بِذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ نَشَأَ بِمَكَّةَ أَوْ أَقَامَ بِهَا كَثِيرًا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَمْرِ الْيَقِينِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ مَعَ حَائِلٍ حَادِثٍ كَالْأَبْنِيَةِ. (فَإِنْ تَعَذَّرَتْ) إصَابَةُ الْعَيْنِ (بِحَائِلٍ أَصْلِيٍّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ) كَالْمُصَلِّي خَلْفَ أَبِي قُبَيْسٍ (اجْتَهَدَ إلَى عَيْنِهَا) أَيْ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ عَلَيْهِ (وَمَعَ حَائِلٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَالْمَنَازِلِ) تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ (لَا بُدَّ مِنْ الْيَقِينِ) أَيْ مِنْ تَيَقُّنِهِ مُحَاذَاةَ الْكَعْبَةِ بِبَدَنِهِ (بِنَظَرٍ) هـ إلَى الْكَعْبَةِ أَوْ (خَبَرِ) ثِقَةٍ. (وَنَحْوِهِ) وَالْأَعْمَى الْمَكِّيُّ وَالْغَرِيبُ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِدَارٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ مَكَّةَ فَفَرْضُهُ الْخَبَرُ عَنْ يَقِينٍ أَوْ عَنْ مُشَاهَدَةٍ مِثْل أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ وَعَلَى الْحَائِلِ مَنْ يُخْبِرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ أَهْلُ الدَّارِ، أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَى عَيْنِ الْكَعْبَةِ فَيَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إلَى قَوْلِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْحَاكِمِ إذَا وَجَدَ النَّصَّ. (وَ) الْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ (إصَابَةُ الْجِهَةِ بِالِاجْتِهَادِ وَيُعْفَى عَنْ الِانْحِرَافِ قَلِيلًا) يَمْنَةً أَوْ يَسْرَةً (لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْكَعْبَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْبَعِيدُ عَنْهَا (مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ) لِلْكَعْبَةِ. (وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذَى لِأَنَّهُ إنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ لَا مَعَ عَدَمِهِ (سِوَى الْمُشَاهِدِ لِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقَرِيبِ مِنْهُ فَفَرْضُهُ إصَابَةُ الْعَيْنِ) لِأَنَّ قِبْلَتَهُ مُتَيَقَّنَةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَإِ. وَقَدْ رَوَى أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ قِبَلَ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ» قَالَ النَّاظِمُ: وَكَذَا مَسْجِدُ الْكُوفَةِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحَةٌ مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنْ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلُ مِنْهَا وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ: صَحِيحٌ لَكِنْ إنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ وَقَدْ فَعَلَهُ، وَهَذَا الْجَوَابِ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ اهـ. وَأَجَابَ ابْنُ قُنْدُسٍ بِأَنَّ اسْتِقْبَالَ الْجِهَةِ إنَّمَا يَجِبُ
عِنْدَ تَعَذُّرِ إصَابَةِ الْعَيْنِ وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَمَكِّنٌ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ، بَلْ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنْ الشِّفَاءِ أَنَّهُ رُفِعَتْ لَهُ الْكَعْبَةُ حِينَ بَنَى مَسْجِدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُلْتُ لَكِنَّ النَّظَرَ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ بَاقٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: مُرَادُ الْأَصْحَابِ مِنْ إلْحَاقِهِمْ إيَّاهُ بِمَنْ بِمَكَّةَ أَنَّهُ يَضُرُّ انْحِرَافُهُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً عَنْ مِحْرَابِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِمَّنْ بَعُدَ فَلَا يَضُرُّ انْحِرَافُهُ. (وَالْبَعِيدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَعْنِي وَمِنْ مَكَّةَ يَجْتَهِدُ (إلَى الْجِهَةِ) لِتَعَذُّرِ إصَابَةِ الْعَيْنِ بِالِاجْتِهَادِ، فَتَقُومُ الْجِهَةُ مَقَامَهَا لِلضَّرُورَةِ (فَإِنْ أَمْكَنَهُ ذَلِكَ) أَيْ مَعْرِفَةَ مَا هُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّوَجُّهِ إلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ جِهَةٍ (بِخَبَرِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً (عَنْ يَقِينٍ) مِثْلُ أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ أَوْ تَغْرُبُ مِنْ جِهَةِ عَيْنِهَا، فَيُعْلَمُ أَنَّ الْجِهَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُقَابَلَتِهَا مَثَلًا، أَوْ يُخْبِرُهُ أَنَّ النَّجْمَ الَّذِي تُجَاهُهُ الْجَدْيُ فَيُعْلَمُ مَحَلُّ الْقِبْلَةِ مِنْهُ وَنَحْوِهِ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَقْبَلُ النَّصَّ مِنْ الثِّقَةِ وَلَا يَجْتَهِدُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُ كَافِرٍ، وَلَا غَيْرِ مُكَلَّفٍ وَلَا فَاسِقٍ لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يَصِحُّ التَّوَجُّهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي بَيْتِهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِشَارَاتِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ هُوَ عَمِلَهَا فَهُوَ كَإِخْبَارِهِ اهـ فَلَوْ شَكَّ فِي حَالِهِ قَبْلَ قَوْلِهِ فِي الْأَصَحُّ وَإِنْ شَكَّ فِي إسْلَامِهِ فَلَا وَإِنَّهُ إذَا أَخْبَرَهُ عَنْ اجْتِهَادٍ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ فِي الْأَصَحِّ وَقِيلَ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ. (أَوْ) أَمْكَنَهُ مَعْرِفَةُ الْقِبْلَةِ (بِالِاسْتِدْلَالِ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ) جَمْعُ مِحْرَابٍ وَهُوَ صَدْرُ الْمَجْلِسِ وَمِنْهُ مِحْرَابُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ الْغُرْفَةُ وَقَالَ الْمُبَرِّدُ: لَا يَكُونُ مِحْرَابًا إلَّا أَنْ يُرْتَقَى إلَيْهِ بِدَرَجٍ (لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ) إذَا عَلَّمَهَا لِلْمُسْلِمِينَ، عُدُولًا كَانُوا أَوْ فُسَّاقًا، لِأَنَّ اتِّفَاقَهُمْ عَلَيْهَا مَعَ تَكْرَارِ الْأَعْصَارِ إجْمَاعٌ عَلَيْهَا وَلَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يَنْحَرِفُ لِأَنَّ دَوَامَ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ كَالْقَطْعِ. (وَإِنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ) بِبَلَدٍ خَرَابٍ (لَا يَعْلَمُهَا لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا) لِأَنَّهَا لَا دَلَالَةَ فِيهَا، لِاحْتِمَالِ كَوْنِهَا لِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهَا آثَارُ الْإِسْلَامِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْبَانِي مُشْرِكًا، عَمِلَهَا لِيَغُرَّ بِهَا الْمُسْلِمِينَ قَالَ فِي الشَّرْحِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَيَحْصُلُ لَهُ الْعِلْمُ أَنَّهُ مِنْ مَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ فَيَسْتَقْبِلهُ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهَا لِلْكُفَّارِ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِهَا لِأَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُرْجَعُ إلَيْهِ فَمَحَارِيبُهُمْ أَوْلَى. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إذَا عُلِمَتْ قِبْلَتُهُمْ كَالنَّصَارَى إذَا رَأَى مَحَارِيبَهُمْ فِي كَنَائِسِهِمْ، عُلِمَ أَنَّهَا مُتَقَبِّلَةٌ لِلْمَشْرِقِ
فصل اشتبهت عليه القبلة
[فَصْلٌ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ] فَصْلٌ (فَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ فَفَرْضُهُ التَّوَجُّهِ إلَى مَحَارِيبِهُمْ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُمْ مَحَارِيبُ (لَزِمَهُ السُّؤَالُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْقِبْلَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: ظَاهِرُهُ يَقْصِدُ الْمَنْزِلَ فِي اللَّيْلِ، فَيَسْتَخْبِرُ (إنْ كَانَ جَاهِلًا بِأَدَاتِهَا) أَيْ الْقِبْلَةَ (فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ فَفَرْضُهُ الرُّجُوعُ إلَى خَبَرِهِ) وَلَا يَجْتَهِدُ كَالْحَاكِمِ يَجِدُ النَّصَّ. (وَإِنْ كَانَ) يُخْبِرُهُ (عَنْ ظَنٍّ فَفَرْضُهُ تَقْلِيدُهُ إنْ كَانَ) الْمُخْبِرُ (مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَهُوَ الْعَالِمُ بِأَدَاتِهَا) وَضَاقَ الْوَقْتُ وَإِلَّا لَزِمَهُ التَّعْلِيمُ وَالْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ (وَإِنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ) الْقِبْلَةُ (فِي السَّفَرِ وَكَانَ عَالِمًا بِأَدَاتِهَا، فَفَرْضُهُ الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَتِهَا) لِأَنَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَجَبَ الِاسْتِدْلَال عَلَيْهِ عِنْدَ خَفَائِهِ، كَالْحُكْمِ فِي الْحَادِثَةِ (فَإِذَا اجْتَهَدَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةٌ) أَنَّهَا الْقِبْلَةُ (صَلَّى إلَيْهَا) لِتَعَيُّنِهَا قِبْلَةً لَهُ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ، لِتَعَذُّرِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ الْجِهَةَ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَى ظَنِّهِ (وَصَلَّى إلَى غَيْرِهَا أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ إلَى غَيْرِهَا. (وَإِنْ أَصَابَ) لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرَضَهُ، كَمَا لَوْ تَرَكَ الْقِبْلَةَ الْمُتَيَقَّنَةَ (وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ لِغَيْمٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ مَطْمُورًا (أَوْ) كَانَ (بِهِ مَانِعٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ، كَرَمَدٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَعَادَلَتْ عِنْدَهُ الْأَمَارَاتُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ بِلَا إعَادَةٍ) كَعَادِمِ الطَّهُورَيْنِ (وَكُلُّ مَنْ صَلَّى مِنْ هَؤُلَاءِ) الْمَذْكُورِينَ (قَبْلَ فِعْلِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِخْبَارِ) إنْ وَجَدَ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ (أَوْ اجْتِهَادٍ) إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ (أَوْ تَقْلِيدٍ) إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الِاجْتِهَادِ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالْأَدِلَّةِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْهُ لِرَمَدٍ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ تَحَرٍّ) فِيمَا إذَا لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى أَوْ الْجَاهِلُ مَنْ يُقَلِّدُهُ (فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ أَصَابَ) الْقِبْلَةَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدِلَّةَ الْقِبْلَةِ وَ) أَدِلَّةَ (الْوَقْتِ) مَنْ لَا يَعْرِفُهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يَتَوَجَّهُ وُجُوبُهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ فَقَالَ: وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ السَّفَرَ تَعَلُّمُ ذَلِكَ وَمَنَعَهُ قَوْمٌ، لِأَنَّ جِهَةَ الْقِبْلَةِ مِمَّا يَنْدُرُ الْتِبَاسُهُ. وَالْمُكَلَّفُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ مَا يَعُمَّ لَا مَا يَنْدُرُ (وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا) أَيْ الْقِبْلَةِ (بِأَشْيَاءَ مِنْهَا النُّجُومُ) وَهِيَ أَصَحُّهَا قَالَ تَعَالَى {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل: 16] وَقَالَ {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا} [الأنعام: 97] . وَقَالَ عُمَرُ: تَعَلَّمُوا مِنْ النُّجُومِ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ الْوَقْتَ وَالطَّرِيقَ (وَأَثْبَتُهَا) وَأَقْوَاهَا (الْقُطْبُ) بِتَثْلِيثِ أَوَّلِهِ حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ (الشَّمَالِيُّ)
لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ عَنْ مَكَانِهِ وَيُمْكِنُ كُلُّ أَحَدٍ مَعْرِفَتُهُ (ثُمَّ الْجَدْيُ) نَجْمٌ نَيِّرٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ (وَالْفَرْقَدَانِ وَالْقُطْبُ نَجْمٌ خَفِيٌّ) شَمَالِيٌّ يَرَاهُ حَدِيدُ الْبَصَرِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْقَمَرُ طَالِعًا فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ (وَحَوْلُهُ أَنْجُمٌ دَائِرَةٌ، كَفَرَاشَةِ الرَّحَى، أَوْ كَالسَّمَكَةِ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا أَحَدُ الْفَرْقَدَيْنِ) . وَفِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا الْفَرْقَدَانِ (وَفِي الطَّرَفِ الْآخَرِ الْجَدْيُ) قَالُوا: وَبَيْنَ ذَلِكَ أَنْجُمٌ صِغَارٌ مَنْقُوشَةٌ كَنُقُوشِ الْفَرَاشَةِ، ثَلَاثَةٌ مِنْ فَوْقِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ تَحْتِ، تَدُورُ هَذِهِ الْفَرَاشَةِ حَوَلَ الْقُطْبِ دَوَرَانَ فَرَاشَةِ الرَّحَى حَوَلَ سَفُّودِهَا، فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ دَوْرَةً، نِصْفُهَا بِاللَّيْلِ وَنِصْفُهَا بِالنَّهَارِ فِي الزَّمَنِ الْمُعْتَدِلِ، فَيَكُونُ الْفَرْقَدَانِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي مَكَانِ الْجَدْيِ عِنْدَ غُرُوبِهَا، وَيُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِهَا فِي أَوْقَاتِ اللَّيْلِ وَسَاعَاتِهِ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَزْمِنَةِ لِمَنْ عَرَفَهَا، وَفَهِمَ كَيْفِيَّةَ دَوَرَانِهَا (وَالْقُطْبُ فِي وَسَطِ الْفَرَاشَةِ لَا يَبْرَحُ مِنْ مَكَانِهِ دَائِمًا) قَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إلَّا قَلِيلًا قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَقِيلَ: إنَّهُ يَتَغَيَّرُ يَسِيرًا لَا يُؤَثِّرُ (يَنْظُرُهُ) أَيْ الْقُطْبَ (حَدِيدُ الْبَصَرِ فِي غَيْرِ لَيَالِي الْقَمَرِ) فَإِذَا قَوِيَ نُورُ الْقَمَرِ خَفِيَ (لَكِنْ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِالْجَدْيِ وَالْفَرْقَدَيْنِ: فَإِنَّهُ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ تَدُورُ بَنَاتُ نَعْشٍ الْكُبْرَى) قَالَ فِي شَرْحِهِ: بَنَاتُ نَعْشٍ أَرْبَعَةُ كَوَاكِبَ، وَثَلَاثَةٌ تَتْبَعُهَا الْأَرْبَعَةُ نَعْشٌ. وَالثَّلَاثَةُ بَنَاتٌ (وَغَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ بَنَاتِ نَعْشٍ الْكُبْرَى (إذَا جَعَلَهُ) أَيْ جَعَلَ الْإِنْسَانُ الْقُطْبَ (وَرَاءَ ظَهْرِهِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا وَسَطَ السَّمَاءِ فِي كُلِّ بَلَدٍ ثُمَّ إنْ كَانَ فِي بَلَدٍ لَا انْحِرَافَ لَهُ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ مِثْلُ آمِدُ، وَمَا كَانَ عَلَى خَطِّهَا فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ الْقِبْلَةَ وَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْهَا) أَيْ عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ (إلَى جِهَةِ الْمَغْرِبِ انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدْرِ انْحِرَافِ بَلَدِهِ كَبِلَادِ الشَّامِ وَمَا هُوَ مَغْرِبٌ عَنْهَا فَإِنَّ انْحِرَافَ دِمَشْقَ إلَى الْمَغْرِبِ نَحْوَ نِصْفِ سُدُسِ الْفَلَكِ، يَعْرِفُ ذَلِكَ الْفَلَكِيَّةُ وَكُلَّمَا قَرُبَ إلَى الْمَغْرِبِ كَانَ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي إلَى الْمَشْرِقِ بِقَدَرِهِ وَعَكَسَ ذَلِكَ بِعَكْسِهِ، فَإِذَا كَانَ الْبَلَدُ مُنْحَرِفًا عَنْ مُسَامَتَةِ الْقِبْلَةِ لِلْقُطْبِ إلَى الْمَشْرِقِ انْحَرَفَ الْمُصَلِّي إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدَرِ انْحِرَافِهِ) . أَيْ بَلَدِهِ (وَكُلَّمَا كَثُرَ انْحِرَافًا إلَى الْمَشْرِقِ كَثُرَ انْحِرَافُ الْمُصَلِّي إلَى الْمَغْرِبِ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ جَعَلَ الْقُطْبُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فِي الشَّامِ وَمَا حَاذَاهَا وَانْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَشْرِقِ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْقِبْلَةَ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ: إذَا جَعَلَ الشَّامِيُّ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُسْرَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا فَقَدْ اسْتَقْبَلَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الشَّمَالِيِّ وَالْمِيزَابِ اهـ فَمَطْلَعَ سُهَيْلٍ) وَهُوَ نَجْمٌ كَبِيرٌ يُضِيءُ، يَطْلُعُ مِنْ مَهَبِّ الْجَنُوبِ، ثُمَّ يَسِيرُ حَتَّى
يَصِيرَ فِي قِبْلَةِ الْمُصَلِّي، ثُمَّ يَتَجَاوَزهَا، فَيَسِيرُ حَتَّى يَغْرُبَ بِقُرْبِ مَهَبِّ الدَّبُّورِ (لِأَهْلِ الشَّامِ قِبْلَةً وَيَجْعَلُ الْقُطْبَ خَلْفَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى بِالْمَشْرِقِ) : وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: الْعِرَاقِيُّ إذَا جَعَلَ الْقُطْبَ بَيْنَ أُذُنِهِ الْيُمْنَى وَنَقْرَةِ الْقَفَا، فَقَدْ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَهُ اهـ. (وَيَجْعَلُهُ) أَيْ الْقُطْبُ (عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ بِإِقْلِيمِ مِصْرَ) وَمَنْ اسْتَدْبَرَ الْفَرْقَدَيْنِ وَالْجَدْيَ فِي حَالِ عُلُوِّ أَحَدِهِمَا وَهُبُوطِ الْآخَرِ فَهُوَ كَاسْتِدْبَارِ الْقُطْبِ، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ أَحَدَهُمَا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَالِ، فَهُوَ مُسْتَقْبِلٌ لِلْجِهَةِ، لَكِنَّهُ إنْ اسْتَدْبَرَ الشَّرْقِيَّ مِنْهَا انْحَرَفَ إلَى الْمَشْرِقِ قَلِيلًا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ الْغَرْبِيَّ انْحَرَفَ قَلِيلًا إلَى الْمَغْرِبِ لِيَتَوَسَّطَ الْجِهَةَ، وَيَكُونُ انْحِرَافُهُ الْمَذْكُورُ لِاسْتِدْبَارِ الْجَدْيِ أَقَلَّ مِنْ انْحِرَافِهِ لِاسْتِدْبَارِ الْفَرْقَدَيْنِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْقُطْبِ مِنْهُمَا، وَإِنْ اسْتَدْبَرَ بَنَاتِ نَعْشٍ كَانَ مُسْتَقْبِلًا الْجِهَةَ أَيْضًا، لَكِنَّهُ عَنْ وَسَطِهَا أَبْعَدُ فَيَجْعَلُ انْحِرَافُهُ إلَيْهِ أَكْثَرَ. قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا: الْمَجَرَّةُ، فَإِنَّهَا تَكُونُ فِي الشِّتَاءِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ فِي نَاحِيَةِ السَّمَاءِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا عَلَى الْكَتِفِ الْأَيْسَرِ مِنْ الْإِنْسَانِ، إذَا كَانَ مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَشْرِقِ ثُمَّ تَصِيرُ مِنْ آخِرِهِ مُمْتَدَّةً شَرْقًا وَغَرْبًا أَيْضًا عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، وَأَمَّا فِي الصَّيْفِ فَإِنَّهَا تَتَوَسَّطُ السَّمَاءَ (وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمَنَازِلُهُمَا وَمَا يَقْتَرِنُ بِهَا) أَيْ بِمَنَازِلِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (أَوْ مَا يُقَارِبُهَا كُلُّهَا تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ عَلَى يَسْرَةِ الْمُصَلِّي فِي الْبِلَادِ الشَّمَالِيَّةِ، وَتَغْرُبُ فِي الْمَغْرِبِ عَنْ يَمْنَتِهِ) وَالْمَنَازِلُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ شَامِيَّةٌ، تَطْلُعُ مِنْ وَسَطِ الْمَشْرِقِ، أَوْ مَائِلَةٌ عَنْهُ إلَى الشِّمَالِ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ يَمَانِيَّةٌ تَطْلُعُ مِنْ الْمَشْرِقِ مَائِلَةً إلَى الْيَمِينِ وَلِكُلِّ نَجْمٍ مِنْ الشَّامِيَّةِ رَقِيبٌ مِنْ الْيَمَانِيَّةِ إذَا طَلَعَ أَحَدُهُمَا غَابَ رَقِيبُهُ (وَالْقَمَرُ يَبْدُو هِلَالًا أَوَّلَ الشَّهْرِ) إلَى ثَلَاثَةِ (عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. وَفِي اللَّيْلَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ الشَّهْرِ يَكُونُ عَلَى الْقِبْلَةِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَفِي اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ عَلَى سَمْتِ الْقِبْلَةِ وَقْتَ الْعِشَاءِ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ. وَفِي لَيْلَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ عَلَى سَمْتِهَا وَقْتَ طُلُوعِ الْفَجْرِ تَقْرِيبًا فِيمَنْ بِالشَّامِ وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الرِّيَاحُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا عَسِرٌ إلَّا فِي الصَّحَارِي وَأَمَّا بَيْنَ الْجِبَالِ وَالْبُنْيَانِ، فَإِنَّهَا تَدُورُ، فَتَخْتَلِفُ وَتَبْطُلُ دَلَالَتُهَا) وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْمَعَالِي الِاسْتِدْلَال بِهَا ضَعِيفٌ اهـ وَأُمَّهَاتُهَا أَرْبَعٌ: الْجَنُوبُ وَمِنْهَا قِبْلَةُ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ مَطْلِعِ سُهَيْلٍ إلَى مَطْلِعِ الشَّمْسِ فِي الشِّتَاءِ وَبِالْعِرَاقِ إلَى بَطْنِ كَتِفِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمْنَتِهِ وَالشِّمَالُ مُقَابِلَتُهَا وَمَهَبُّهَا مِنْ الْقُطْبِ إلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ فِي الصَّيْفِ وَالصَّبَا: وَتُسَمَّى الْقَبُولُ وَمَهَبُّهَا مِنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي بِالشَّامِ لِأَنَّهُ مَطْلِعُ الشَّمْسِ صَيْفًا إلَى مَطْلِعِ الْعَيُّوقِ وَبِالْعِرَاقِ إلَى خَلْفِ أُذُنِ الْمُصَلِّي الْيُسْرَى مَارَّةً إلَى يَمْنَتِهِ وَالدَّبُّورِ مُقَابِلَتِهَا، لِأَنَّهَا تَهُبُّ بِالشَّامِ بَيْنَ الْقِبْلَةِ وَالْمَغْرِبِ وَبِالْعِرَاقِ مُسْتَقْبِلَةً شَطْرَ وَجْهِ الْمُصَلِّي الْأَيْمَنِ، وَبَيْنَ
فصل وإذا اختلف اجتهاد رجلين في جهة القبلة
كُلِّ رِيحَيْنِ مِنْ الْأَرْبَعِ الْمَذْكُورَاتِ: رِيحٌ تُسَمَّى النَّكْبَاءُ لِتَنَكُّبِهَا طَرِيقَ الرِّيَاحِ الْمَعْرُوفَةِ وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الرِّيَاحِ صِفَاتٌ وَخَوَاصٌّ تُمَيِّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ عِنْدَ ذَوِي الْخِبْرَةِ بِهِ. (وَمِنْهَا) أَيْ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (الْجِبَالُ الْكِبَارُ، فَكُلُّهَا مُمْتَدَّةٌ عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، وَهَذِهِ دَلَالَةٌ قَوِيَّةٌ) تُدْرَكُ بِالْحِسِّ (لَكِنْ تَضْعُفُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْمُصَلِّي يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ هَلْ يَجْعَلُ الْجَبَلَ الْمُمْتَدَّ خَلَفَهُ أَوْ قُدَّامَهُ؟ فَتَحْصُلُ الدَّلَالَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ وَالِاشْتِبَاهُ عَلَى جِهَتَيْنِ، هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ وَجْهَ الْجَبَلِ) فَإِنْ عَرَفَهُ اسْتَقْبَلَهُ. (فَإِنَّ وُجُوهَ الْجِبَالِ إلَى الْقِبْلَةِ وَهُوَ) أَيْ وَجْهُ الْجَبَلِ (مَا فِيهِ مِصْعَدُهُ قَالَهُ فِي الْخُلَاصَةِ وَمِنْهَا) أَيْ الْأَدِلَّةِ (الْأَنْهَارُ الْكِبَارُ، غَيْرُ الْمَحْدُودَةِ) أَيْ الْمَحْفُورَةُ (كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَالنَّهْرَوَانِ) وَهُوَ جَيْحُونَ (وَغَيْرِهَا) كَالنِّيلِ (فَإِنَّهَا تَجْرِي عَنْ يَمْنَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَسْرَتِهِ، إلَّا نَهْرًا بِخُرَاسَانَ وَهُوَ الْمَقْلُوبُ وَ) إلَّا (نَهْرًا بِالشَّامِ وَهُوَ الْعَاصِي، يَجْرِيَانِ عَنْ يَسْرَةِ الْمُصَلِّي إلَى يَمْنَتِهِ) . قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَهَذَا لَا يَنْضَبِطُ لِأَنَّ الْأُرْدُنَّ بِالشَّامِ يَجْرِي نَحْوَ الْقِبْلَةِ وَكَثِيرٌ مِنْهَا يَجْرِي نَحْوَ الْبَحْرِ يَصُبُّ فِيهِ (قُلْتُ وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأَنْهَارِ فَرْعٌ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْجِبَالِ فَإِنَّهَا تَجْرِي فِي الْخِلَالِ الَّتِي بَيْنَ الْجِبَالِ مُمْتَدَّةً مَعَ امْتِدَادِهَا) وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْجُمْلَةِ. [فَصْلٌ وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ] فَصْلٌ (وَإِذَا اخْتَلَفَ اجْتِهَادُ رَجُلَيْنِ) يَعْنِي أَوْ امْرَأَتَيْنِ أَوْ خُنْثَيَيْنِ، أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ وَلَوْ قَالَ مُجْتَهِدَيْنِ: لَعُلِمَ الْكُلُّ (فَأَكْثَرَ) مِنْ مُجْتَهِدَيْنِ (فِي جِهَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) بِأَنْ ظَهَرَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا جِهَةً غَيْرَ الْجِهَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ لِلْآخَرِ (لَمْ يَتْبَعْ وَاحِدٌ) مِنْهُمَا (صَاحِبَهُ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُ خَطَأَ الْآخَرِ فَأَشْبَهَا الْعَالِمَيْنِ الْمُجْتَهِدَيْنِ فِي الْحَادِثَةِ إذَا اخْتَلَفَا وَالْقَاصِدَيْنِ رُكُوبُ الْبَحْرِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ أَحَدِهِمَا الْهَلَاكُ وَعَلَى ظَنِّ الْآخَرِ السَّلَامَةُ فَيَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِغَالِبِ ظَنِّهِ (وَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاؤُهُ) أَيْ أَحَدَهُمَا (بِهِ) أَيْ بِالْآخَرِ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَ بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الصَّلَاةِ خَطَأَ أَحَدِهِمَا فِي الْقِبْلَةِ فَتَبْطُلُ جَمَاعَتُهُمَا. (فَإِنْ كَانَ) اخْتِلَافُ اجْتِهَادِهِمَا (فِي وِجْهَةٍ وَاحِدَةٍ، بِأَنْ قَالَ أَحَدُهُمَا يَمِينًا، وَ) قَالَ (الْآخَرُ شِمَالًا صَحَّ أَنْ يَأْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، لِاتِّفَاقِ اجْتِهَادِهِمَا) فِي الْجِهَةِ، وَالْوَاجِبُ الِاجْتِهَادُ إلَى الْجِهَةِ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَيْهَا. (وَمَنْ بَانَ) أَيْ ظَهَرَ (لَهُ الْخَطَأُ) فِي اجْتِهَادِهِ
وَهُوَ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ (انْحَرَفَ) إلَى الْجِهَةِ الَّتِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا لِأَنَّهَا تَرَجَّحَتْ فِي ظَنِّهِ فَتَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ (وَأَتَمَّ) صَلَاتَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَنْقُضُ الِاجْتِهَادَ (وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ مِنْهُمَا) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ اللَّذَيْنِ ائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، ثُمَّ بَانَ لِأَحَدِهِمَا الْخَطَأُ (الْمُفَارَقَةَ) لِإِمَامِهِ (لِلْعُذْرِ) الْمَانِعِ مِنْ اقْتِدَائِهِ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَتْبَعُهُ مَنْ قَلَّدَهُ) أَيْ: يَلْزَمُ مَنْ قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ الَّذِي تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ أَنْ يَتْبَعَهُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي بَانَتْ لَهُ لِأَنَّ فَرْضَهُ التَّقْلِيدُ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. (فَإِنْ اجْتَهَدَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَجْتَهِدْ الْآخَرُ لَمْ يَتْبَعْهُ) حَيْثُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الِاجْتِهَادِ، بَلْ يَجْتَهِدُ. (وَيَتْبَعُ) وُجُوبًا (جَاهِلٌ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ) وَإِنْ كَانَ عَالِمًا فِي الْأَحْكَامِ: أَوْثَقَ الْمُجْتَهِدَيْنِ. (وَ) يَتْبَعُ (أَعْمَى وُجُوبًا أَوْثَقَهُمَا) أَيْ الْمُجْتَهِدَيْنِ (فِي نَفْسِهِ عِلْمًا بِدَلَائِلِ الْقِبْلَةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَقْرَبَ إصَابَةٌ فِي نَظَرِهِ، وَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي مُتَابَعَتِهِ وَقَدْ كُلِّفَ الْإِنْسَانُ فِي ذَلِكَ بِاتِّبَاعِ غَالِبِ ظَنِّهِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: بِخِلَافِ تَكْلِيفِ الْعَامِّيِّ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ فِي الْأَحْكَامِ، فَأَنَّ فِيهِ حَرَجًا وَتَضْيِيقًا، ثُمَّ مَا زَالَ عَوَامُّ كُلِّ عَصْرٍ يُقَلِّدُ أَحَدُهُمْ لِهَذَا الْمُجْتَهِدِ فِي مَسْأَلَةٍ، وَلِلْآخَرِ فِي أُخْرَى وَالثَّالِثِ فِي ثَالِثَةٍ وَهَكَذَا وَهَكَذَا كَذَلِكَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَلَمْ يَنْقُلْ إنْكَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَلَا أَنَّهُمْ أُمِرُوا بِتَحَرِّي الْأَعْلَمِ وَالْأَفْضَلِ فِي نَظَرِهِمْ. (فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمُجْتَهِدَانِ (عِنْدَهُ) أَيْ: عِنْدَ الْجَاهِلِ بِأَدِلَّتِهَا أَوْ الْأَعْمَى خُيِّرَ فَيُقَلِّدُ أَيَّهُمَا شَاءَ، (لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَفْضَلِيَّةٌ عَلَى غَيْرِهِ) حَتَّى يَتَرَجَّحَ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَمْكَنَ الْأَعْمَى الِاجْتِهَادَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدِلَّةِ) كَالْأَنْهَارِ الْكِبَارِ غَيْرِ الْمَحْدُودَةِ وَالْجِبَالِ وَمَهَبَّاتِ الرِّيَاحِ (لَزِمَهُ) الِاجْتِهَادُ (وَلَمْ يُقَلِّدْ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى الِاجْتِهَادِ. (وَإِذَا صَلَّى الْبَصِيرُ فِي حَضَرٍ فَأَخْطَأَ، أَوْ) صَلَّى (الْأَعْمَى بِلَا دَلِيلٍ) بِأَنْ لَمْ يَسْتَخْبِرْ مَنْ يُخْبِرُهُ، وَلَمْ يَلْمِسْ الْمِحْرَابَ وَنَحْوَهُ، مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَعْرِفَ بِهِ الْقِبْلَةَ (أَعَادَا) وَلَوْ أَصَابَا أَوْ اجْتَهَدَ الْبَصِيرُ، لِأَنَّ الْحَضَرَ لَيْسَ بِمَحِلِّ اجْتِهَادٍ، لِقُدْرَةِ مَنْ فِيهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ وَنَحْوِهَا وَلِوُجُودِ مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ يَقِينٍ غَالِبًا وَإِنَّمَا وَجَبَتْ الْإِعَادَةُ عَلَيْهِمَا لِتَفْرِيطِهِمَا بِعَدَمِ الِاسْتِخْبَارِ، أَوْ الِاسْتِدْلَالِ بِالْمَحَارِيبِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْأَعْمَى) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (الْجَاهِلُ) مَنْ يُقَلِّدُهُ (أَوْ) لَمْ يَجِدْ (الْبَصِيرُ الْمَحْبُوسُ وَلَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مَنْ يُقَلِّدُهُ صَلَّى بِالتَّحَرِّي) إلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ جِهَةُ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يُعِدْ) أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ، فَسَقَطَتْ عَنْهُ الْإِعَادَةُ كَالْعَاجِزِ عَنْ الِاسْتِقْبَالِ. (وَمَنْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ) إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ (أَوْ التَّقْلِيدِ) إنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلَ اجْتِهَادٍ
(ثُمَّ عَلِمَ خَطَأَ الْقِبْلَةِ بَعْدَ فَرَاغِهِ، لَمْ يُعِدْ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِهِ، مَعَ عَدَمِ تَفْرِيطِهِ، فَسَقَطَ عَنْهُ وَلِأَنَّ خَفَاءَ الْقِبْلَةِ فِي الْأَسْفَارِ يَقَعُ كَثِيرًا لِوُجُودِ الْغُيُومِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَوَانِعِ فَإِيجَابُ الْإِعَادَةِ مَعَ ذَلِكَ فِيهِ حَرَجٌ وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا. (وَلَوْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادٍ) بَعْدَ أَنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ جِهَةَ الْقِبْلَةِ وَأَحْرَمَ (ثُمَّ شَكَّ لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى ذَلِكَ الشَّكِّ لِأَنَّهُ لَا يُسَاوِي غَلَبَةَ الظَّنِّ الَّتِي دَخَلَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ (وَيَبْنِي) عَلَى صَلَاتِهِ. (وَكَذَا إنْ زَادَ ظَنُّهُ) الْخَطَأُ (وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ وَلَا ظَهَرَ لَهُ جِهَةٌ أُخْرَى) فَلَا يَلْتَفِتْ إلَيْهِ وَيَبْنِي. (وَلَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ خَطَأُ الْجِهَةِ الَّتِي يُصَلِّي إلَيْهَا) بِأَنْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ (وَلَمْ يَظُنَّ جِهَةً غَيْرَهَا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ اسْتِدَامَتُهَا إلَى الْقِبْلَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ جِهَةٌ يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا، فَبَطَلَتْ لِتَعَذُّرِ إتْمَامِهَا. (وَلَوْ أُخْبِرَ) مَنْ يُصَلِّي بِاجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ (وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ بِالْخَطَأِ) فِي الْقِبْلَةِ (يَقِينًا) وَكَانَ الْمُخْبِرُ ثِقَةً (لَزِمَهُ قَبُولُهُ) بِأَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَيَتْرُكَ الِاجْتِهَادَ أَوْ التَّقْلِيدَ كَمَا لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِخْبَارُ عَنْ يَقِينٍ (لَمْ يَجُزْ) لِلْمُجْتَهِدِ قَبُولُ خَبَرِهِ وَلَا الْعَمَلُ بِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِدًا خَالَفَهُ. (وَإِنْ أَرَادَ) مُجْتَهِدٌ (صَلَاةً أُخْرَى) غَيْرَ الَّتِي صَلَّاهَا بِالِاجْتِهَادِ (اجْتَهَدَ لَهَا وُجُوبًا) فَيَجِبُ الِاجْتِهَادُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لِأَنَّهَا وَاقِعَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فَتَسْتَدْعِي طَلَبًا جَدِيدًا، كَطَلَبِ الْمَاءِ فِي التَّيَمُّمِ، وَكَالْحَادِثَةِ فِي الْأَصَحِّ فِيهَا لِمُفْتٍ وَمُسْتَفْتٍ قُلْتُ فَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةً مِنْ الْفَرَائِضِ بِخِلَافِ النَّوَافِلِ، فَلَا يَلْزَمُهُ التَّحَرِّي لِكُلِّ رَكْعَتَيْنِ لَوْ أَرَادَ التَّنَفُّلَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَيُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلُ الثَّانِي: أَنَّهُ إذَا كَانَ مُقَلِّدًا لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُجَدِّدَ التَّقْلِيدَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، كَمَا هُوَ مَفْهُومٌ مُجْتَهِدٌ (فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عَمَلَ بِ) الِاجْتِهَادِ. (الثَّانِي) لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ فِي ظَنِّهِ، فَصَارَ الْعَمَلُ بِهِ وَاجِبًا، فَيَسْتَدِيرُ إلَى الْجِهَةِ الَّتِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهَا ثَانِيًا (وَلَمْ يُعِدْ مَا صَلَّى) بِ الِاجْتِهَادِ. (الْأَوَّلِ) لِئَلَّا يُنْقَضُ الِاجْتِهَادُ بِالِاجْتِهَادِ، وَالْعَمَلُ بِالثَّانِي لَيْسَ نَقْضًا لِلْأَوَّلِ بَلْ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى جِهَةٍ فَلَمْ تَجُزْ لَهُ الصَّلَاةُ إلَى جِهَةٍ غَيْرِهَا وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ لَمَّا قَضَى فِي الْمُشْرِكَةِ فِي الْعَامِ الثَّانِي بِخِلَافِ مَا قَضَى بِهِ فِي الْأَوَّلِ ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ: فَيَعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ. الثَّانِي (وَلَوْ) كَانَ (فِي صَلَاةٍ وَبَنَى) عَلَى مَا عَمِلَهُ بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ (نَصًّا) فَلَوْ فَرَضَ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ اجْتِهَادٍ رَكْعَةً مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ إلَى جِهَةٍ صَحَّتْ صَلَاتُهُ إلَى الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ أَمْكَنَ الْمُقَلِّدُ) أَيْ: الْجَاهِلُ بِأَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (تَعَلُّمُ الْأَدِلَّةِ وَالِاجْتِهَادِ قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ) عِنْدَ
باب النية وما يتعلق بها
خَفَاءِ الْقِبْلَةِ عَلَيْهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: قَوْلًا وَاحِدًا، لِقِصَرِ زَمَنِهِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ فَإِنْ صَلَّى قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِهِ، فَلَمْ يَجُزْ لَهُ التَّقْلِيدُ كَالْمُجْتَهِدِ (فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ تَعَلُّمِ أَدِلَّةِ الْقِبْلَةِ (فَعَلَيْهِ التَّقْلِيدُ) لِأَنَّ الْقِبْلَةَ يَجُوزُ تَرْكُهَا لِلضَّرُورَةِ، وَفِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَلَا يُعِيدُ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ. [بَابُ النِّيَّةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا] (بَابُ النِّيَّةِ) وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا (وَهِيَ الشَّرْطُ التَّاسِعُ) وَبِهَا تَمَّتْ شُرُوطُ الصَّلَاةِ (وَهِيَ) لُغَةً: الْقَصْدُ، يُقَالُ: نَوَاك اللَّهُ بِخَيْرٍ أَيْ: قَصَدَك بِهِ وَ (شَرْعًا: عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْلِ الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى) بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ، أَوْ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ، أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الْإِخْلَاصُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَقَالَ آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلَاحَظَةِ الْأَشْخَاصِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ، وَقَالَ آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْلِ لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ. وَفِي الْخَبَرِ «الْإِخْلَاصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ عِبَادِي» وَدَرَجَاتُ الْإِخْلَاصِ ثَلَاثَةٌ: عُلْيَا، وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ. وَوُسْطَى وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَلَ لِلْإِكْرَامِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلَامَةِ مِنْ آفَاتِهَا، وَمَا عَدَا الثَّلَاثَ مِنْ الرِّيَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَلْ لِأَجْلِ أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِ الشَّمْسِ الْعَلْقَمِيِّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (بِحَالٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] وَالْإِخْلَاصُ: عَمَلُ الْقَلْبِ، وَهُوَ مَحْضُ النِّيَّةِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ، فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ بِالصَّوْمِ وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ: هِيَ قَبْلَ الصَّلَاةِ شَرْطٌ وَفِيهَا رُكْنٌ وَاعْتَرَضَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يُقَالَ فِي بَقِيَّةِ
الشُّرُوطِ كَذَلِكَ وَلَا قَائِلَ بِهِ. وَمَحَلُّهَا الْقَلْبُ وُجُوبًا وَاللِّسَانُ اسْتِحْبَابًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَزَمَنُهَا مَعَ أَوَّلِ وَاجِبٍ أَوْ قَبْلِهِ بِيَسِيرٍ، وَكَيْفِيَّتُهَا الِاعْتِقَادُ فِي الْقَلْبِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ النِّيَّةُ تَتْبَعُ الْعِلْمَ فَمَنْ عَلِمَ مَا يُرِيدُ فِعْلَهُ قَصَدَهُ ضَرُورَةً وَيَحْرُمُ خُرُوجُهُ لِشَكِّهِ فِي النِّيَّةِ، لِعِلْمِهِ أَنَّهُ مَا دَخَلَ إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَلَا يَضُرُّ مَعَهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (قَصْدُ تَعْلِيمِ الصَّلَاةِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَغَيْرِهِ (أَوْ) قَصْدُ (خَلَاصٍ مِنْ خَصْمٍ أَوْ إدْمَانِ سَهَرٍ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا وَجَدْتُ ابْنَ الصَّيْرَفِيِّ نَقَلَهُ (وَالْمُرَادُ: لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بَعْدَ إثْبَاتِهِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ لَا أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا يُنْقِصُ الْأَجْرَ وَمِثْلُهُ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ هَضْمُ الطَّعَامِ، أَوْ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الْحَجِّ رُؤْيَةُ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ) أَيْ: الْبَعِيدَةِ (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَقَصْدِ تِجَارَةٍ مَعَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً (كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوْ النَّظَافَةِ مَعَ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ وَتَقَدَّمَ) هَذَا (فِي الْوُضُوءِ) وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا عَدَدُ الرَّكَعَاتِ، بِأَنْ يَقُولَ: نَوَيْتُ أُصَلِّي الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ الظُّهْرَ أَرْبَعًا لَكِنْ، إنْ نَوَى مَثَلًا الظُّهْرَ ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا لَمْ تَصِحَّ لِتَلَاعُبِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الصَّلَاةِ الِاسْتِقْبَالَ، كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ (وَيَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ بِعَيْنِهَا إنْ كَانَتْ مُعَيَّنَةً مِنْ فَرْضٍ، كَظُهْرٍ) أَوْ جُمُعَةٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ مَغْرِبٍ أَوْ عِشَاءٍ أَوْ صُبْحٍ وَكَذَا مَنْذُورَةٍ (وَنَفْلٍ مُؤَقَّتٍ كَوِتْرٍ) وَتَرَاوِيحَ (وَرَاتِبَةٍ) وَضُحًى، وَاسْتِخَارَةٍ وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ. فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ فِي هَذَا كُلِّهِ لِتَتَمَيَّزَ تِلْكَ الصَّلَاةُ عَنْ غَيْرِهَا وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَوَاتٌ فَصَلَّى أَرْبَعًا يَنْوِي بِهَا مِمَّا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَجْزِيه إجْمَاعًا فَلَوْلَا اشْتِرَاطُ التَّعْيِينِ لَأَجْزَأَهُ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ كَانَ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ مُعَيَّنَةً كَالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ، كَصَلَاةِ اللَّيْلِ (أَجْزَأَتْهُ نِيَّةُ الصَّلَاةِ) لِعَدَمِ مَا يَقْتَضِي التَّعْيِينَ فِيهَا (وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةٌ فِي) صَلَاةٍ (فَائِتَةٍ) فَلَوْ قَالَ مَنْ عَلَيْهِ الظُّهْرُ قَضَاءً: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَقَطْ كَفَاهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْآخَرِ يُقَالُ: قَضَيْتُ الدَّيْنَ، وَأَدَّيْتُهُ وَقَالَ تَعَالَى {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة: 200] أَيْ: أَدَّيْتُمُوهَا وَلِأَنَّ أَصْلَ إيجَابِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى تَعْيِينِ الْوَقْتِ وَهُوَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ تَعْيِينُ يَوْمِهَا، بَلْ يَكْفِيهِ كَوْنُهَا السَّابِقَةَ، أَوْ الْحَاضِرَةَ. (وَلَا) تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (فَرْضِيَّةٍ فِي فَرْضٍ) فَلَا
يُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي الظُّهْرَ فَرْضًا أَوْ مُعَادَةً، فِيمَا إذَا كَانَتْ مُعَادَةً كَمَا فِي مُخْتَصِرِ الْمُقْنِعِ، كَالَّتِي قَبْلَهَا (وَلَا) تُشْتَرَطُ نِيَّةُ (أَدَاءً فِي حَاضِرَةٍ) لِأَنَّهُ لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَوْ صَلَّاهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً فَبَانَ وَقْتُهَا قَدْ خَرَجَ أَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةً وَتَقَعُ قَضَاءً، وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيَصِحُّ قَضَاءٌ بِنِيَّةِ أَدَاءٍ) إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ. (وَ) يَصِحُّ (عَكْسُهُ) أَيْ: الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ (إذَا بَانَ خِلَافُ ظَنِّهِ) كَمَا تَقَدَّمَ، وَ (لَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (مَعَ الْعِلْمِ) وَقَصْدِ مَعْنَاهُ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ (وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرَانِ) مَثَلًا (حَاضِرَةٌ وَفَائِتَةٌ، فَصَلَّاهُمَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ شَرْطًا) أَوْ رُكْنًا (فِي إحْدَاهُمَا لَا يَعْلَمُ عَيْنَهَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ، أَهِي الْفَائِتَةُ أَوْ الْحَاضِرَةُ (صَلَّى ظُهْرًا وَاحِدَةً يَنْوِي بِهَا مَا عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْأَدَاءِ فِي الْحَاضِرَةِ، وَالْقَضَاءِ فِي الْفَائِتَةِ. (وَلَوْ كَانَ الظُّهْرَانِ فَائِتَتَيْنِ فَنَوَى ظُهْرًا مِنْهُمَا) وَلَمْ يُعَيِّنْهَا (لَمْ تُجْزِهِ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ إحْدَاهُمَا حَتَّى يُعَيِّنَ السَّابِقَةَ، لِأَجْلِ) اعْتِبَارِ (التَّرْتِيبِ) بَيْنَ الْفَوَائِتِ (بِخِلَافِ الْمَنْذُورَتَيْنِ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَعْيِينِ السَّابِقَةِ مِنْ اللَّاحِقَةِ، لِأَنَّهُ لَا تَرْتِيبَ بَيْنُهُمَا (وَلَوْ ظَنَّ) مُكَلَّفٌ (أَنَّ عَلَيْهِ ظُهْرًا فَائِتَةً فَقَضَاهَا فِي وَقْتِ ظُهْرِ الْيَوْمِ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَمْ تُجِزْهُ) الظُّهْرُ الَّتِي صَلَّاهَا (عَنْ) الظُّهْرِ (الْحَاضِرَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى قَضَاءَ عَصْرٍ. وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَكَذَا لَوْ نَوَى ظُهْرَ الْيَوْمِ فِي وَقْتِهَا وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ) لَمْ تُجِزْهُ عَنْهَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُشْتَرَطُ إضَافَةُ الْفِعْلِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا) بِأَنْ يَقُولَ: أُصَلِّي لِلَّهِ أَوْ أَصُومُ لِلَّهِ وَنَحْوَهُ لِأَنَّ الْعِبَادَاتِ لَا تَكُونُ إلَّا لِلَّهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (وَيَأْتِي بِالنِّيَّةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) إمَّا مُقَارِنَةً لَهَا أَوْ مُتَقَدِّمَةً عَلَيْهَا بِيَسِيرٍ وَمُقَارَنَتُهَا لِلتَّكْبِيرِ بِأَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرِ عَقِبَ النِّيَّةِ. وَهَذَا مُمْكِنٌ لَا صُعُوبَةَ فِيهِ، بَلْ عَامَّةُ النَّاسِ إنَّمَا يُصَلُّونَ هَكَذَا. وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْمُقَارَنَةِ: بِانْبِسَاطِ أَجْزَاءِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَوَّلُهَا مَعَ أَوَّلِهِ وَآخِرُهَا مَعَ آخِرِهِ فَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي عُزُوبَ النِّيَّةِ عَنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ، وَخُلُوَّ أَوَّلِ الصَّلَاةِ عَنْ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ وَتَفْسِيرَهَا بِحُضُورِ جَمِيعِ النِّيَّةِ مَعَ حُضُورِ جَمِيعِ أَجْزَاءِ التَّكْبِيرِ، فَهَذَا قَدْ نُوزِعَ فِي إمْكَانِهِ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ وَلَوْ قِيلَ بِإِمْكَانِهِ فَهُوَ مُتَعَسِّرٌ، فَيَسْقُطُ بِالْحَرَجِ وَأَيْضًا فَمَا يُبْطِلُ هَذَا وَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الْمُكَبِّرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَدَبَّرَ التَّكْبِيرَ وَيَتَصَوَّرَهُ فَيَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُولًا بِمَعْنَى التَّكْبِيرِ لَا بِمَا يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ اسْتِحْضَارِ الْمَنْوِيِّ. ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ
(وَالْأَفْضَلُ مُقَارَنَتُهَا) أَيْ النِّيَّةِ لِلتَّكْبِيرِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَالْآجُرِّيِّ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ تَقَدَّمَتْ) النِّيَّةُ (عَلَيْهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ (بِزَمَنٍ يَسِيرٍ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فِي أَدَاءً وَرَاتِبَةٍ وَلَمْ يَفْسَخْهَا) أَيْ: النِّيَّةَ وَكَانَ ذَلِكَ (مَعَ بَقَاءِ إسْلَامِهِ) بِأَنْ لَمْ يَرْتَدَّ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ تَقَدُّمَ النِّيَّةِ عَلَى التَّكْبِيرِ بِالزَّمَنِ الْيَسِير لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ كَوْنِهَا مَنْوِيَّةً. وَلَا يُخْرِجُ الْفَاعِلَ عَنْ كَوْنِهِ نَاوِيًا مُخْلِصًا كَالصَّوْمِ، وَلِأَنَّ النِّيَّةَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، فَجَازَ تَقَدُّمُهَا كَبَقِيَّةِ الشُّرُوطِ؛ وَلِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْمُقَارَنَةِ حَرَجًا وَمَشَقَّةً فَوَجَبَ سُقُوطُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَلِأَنَّ أَوَّلَ الصَّلَاةِ مِنْ أَجْزَائِهَا فَكَفَى اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ فِيهِ كَسَائِرِهَا وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ النِّيَّةَ لَوْ تَقَدَّمْت قَبْلَ وَقْتِ الْأَدَاءِ أَوْ الرَّاتِبَةِ وَلَوْ بِيَسِيرٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهَا رُكْنًا لِلصَّلَاةِ وَهُوَ لَا يَتَقَدَّمُ كَبَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ وَأَوَّلُ مَنْ اشْتَرَطَ لِتَقَدُّمِ النِّيَّةِ كَوْنَهُ فِي وَقْتِ الْمَنْوِيَّةِ: الْخِرَقِيُّ وَتَبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَوَلَدُهُ أَبُو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الشَّرْطَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ فَإِمَّا لِإِهْمَالِهِمْ أَوْ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى الْغَالِبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِمْ، أَيْ: غَيْرِ مَنْ تَقَدَّمَ: الْجَوَازُ، لَكِنْ لَمْ أَرَ الْجَوَازَ صَرِيحًا وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ إذَا فَسَخَهَا لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّهُ صَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَيْضًا: أَنَّهُ إذَا ارْتَدَّ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّ الرِّدَّةَ فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ مُبْطِلَةٌ لَهَا، كَمَا لَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَصِحُّ مَعَ التَّقَدُّمِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ بِشَرْطِهِ (حَتَّى وَلَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَهَا) أَيْ: النِّيَّةِ (وَقَبْلَ التَّكْبِيرِ) لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُنَافِي الْعَزْمَ الْمُتَقَدِّمَ وَلَا يُنَاقِضُ النِّيَّةَ الْمُتَقَدِّمَةَ، فَتَسْتَمِرُّ إلَى أَنْ يُوجَدَ مُنَاقِضٌ (وَكَذَا لَوْ أَتَى بِهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (قَاعِدًا) فِي الْفَرْضِ (ثُمَّ قَامَ) فَكَبَّرَ لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِحْضَارُ النِّيَّةِ عِنْدَ دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ، لَا أَنْ لَا تَتَقَدَّمَ. وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ وَصَلَّى أَوْ وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَوْرَةِ، ثُمَّ سَتَرَهَا وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ وَهُوَ حَامِلُ نَجَاسَةٍ ثُمَّ أَلْقَاهَا وَدَخَلَ فِي الصَّلَاةِ (وَيَجِبُ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا) أَيْ النِّيَّةِ (إلَى آخِرِ الصَّلَاةِ) بِأَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا دُونَ اسْتِصْحَابِ ذِكْرِهَا فَلَوْ ذَهَلَ عَنْهَا أَوْ عَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ، لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ
حِصَاصٌ فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: اُذْكُرْ كَذَا، اُذْكُرْ كَذَا، حَتَّى يَضِلَّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى» وَإِنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي جَمِيعِهَا وَقَدْ قَطَعَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ يَنْوِي الْخُرُوجَ مِنْهَا (أَوْ عَزَمَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى قَطْعِ النِّيَّةِ بَطَلَتْ لِأَنَّ النِّيَّةَ عَزْمٌ جَازِمٌ، وَمَعَ الْعَزْمِ عَلَى قَطْعِهَا لَا جَزْمَ فَلَا نِيَّةَ (أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ) أَيْ: فِي قَطْعِهَا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ النِّيَّةِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا، وَمَعَ التَّرَدُّدِ تَبْطُلُ الِاسْتِدَامَةُ (أَوْ شَكَّ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (هَلْ نَوَى فَعَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ، كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَرَفْعٍ مِنْهُمَا وَقِرَاءَةٍ وَتَسْبِيحٍ وَنَحْوِهَا (ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى) بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ (أَوْ شَكَّ فِي تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) بَطَلَتْ، بِمَعْنَى وَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُهَا (أَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ) أَيْ شَكَّ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ ذَكَرَ فِيهَا) أَيْ: بَعْدَ أَنْ عَمِلَ مَعَ الشَّكِّ عَمَلًا فِعْلِيًّا أَوْ قَوْلِيًّا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةٍ جَازِمَةٍ (أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيَقْطَعُهَا) أَيْ: النِّيَّةَ (أَوْ عَلَّقَهُ) أَيْ: قَطْعَ النِّيَّةِ (عَلَى شَرْطٍ) كَأَنْ نَوَى إنْ جَاءَ زَيْدٌ قَطَعَهَا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمُنَافَاةِ ذَلِكَ لِلْجَزْمِ بِهَا (وَإِنْ شَكَّ هَلْ نَوَى) الصَّلَاةَ (فَرْضًا أَوْ نَفْلًا أَتَمَّهَا نَفْلًا) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَم نِيَّةِ الْفَرْضِ (إلَّا أَنْ يَذْكُرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ قَبْل أَنْ يُحْدِثَ عَمَلًا) مِنْ أَعْمَالِ الصَّلَاةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ (فَيُتِمُّهَا فَرْضًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَمَلٌ مِنْ أَعْمَالِهَا عَنْ النِّيَّةِ الْجَازِمَةِ (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ: ذَكَرَ أَنَّهُ نَوَى الْفَرْضَ (بَعْدَ أَنْ أَحْدَثَ عَمَلًا بَطَلَ فَرْضُهُ) لِخُلُوِّ مَا عَمِلَهُ عَنْ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَازِمَةِ. (وَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضِ) صَلَاةٍ (رُبَاعِيَّةٍ ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا أَوْ التَّرَاوِيحَ ثُمَّ ذَكَرَ) وَلَوْ قَرِيبًا (بَطَلَ فَرْضُهُ) وَظَاهِرُهُ: تَصِحُّ نَفْلًا (وَلَمْ يَبْنِ) عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ (نَصًّا) لِقَطْعِ نِيَّةِ الرُّبَاعِيَّةِ بِسَلَامِهِ ظَانًّا مَا ذَكَرَ (كَمَا لَوْ كَانَ) سَلَّمَ مِنْهَا (عَالِمًا) لِقَطْعِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَبَانَ عَدَمُهُ، كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَائِتَةٍ فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ، أَوْ) أَحْرَمَ بِفَرْضٍ فَ (بَانَ قَبْلَ) دُخُولِ (وَقْتِهِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا) لِأَنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تَشْمَلُ نِيَّةَ النَّفْلِ فَإِذَا بَطَلَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِ بَقِيَتْ نِيَةُ مُطْلَقِ الصَّلَاةِ. (وَإِنْ كَانَ عَالِمًا) أَنَّ لَا فَائِتَةَ عَلَيْهِ أَوْ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ (فِيهِمَا) لِأَنَّهُ مُتَلَاعِبٌ (وَإِنْ أَحْرَمَ بِهِ) أَيْ: الْفَرْضِ (فِي وَقْتِهِ الْمُتَّسِعِ ثُمَّ قَلَبَهُ نَفْلًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ مِثْلِ أَنْ يُحْرِمَ مُنْفَرِدًا ثُمَّ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِي جَمَاعَةٍ جَازَ) لِأَنَّ نِيَّةَ النَّفْلِ تَضَمَّنَتْهَا نِيَّةُ الْفَرْضِ. فَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِ بَقِيَتْ نِيَّةُ النَّفْلِ (بَلْ هُوَ) أَيْ: قَلْبُ الْفَرْضِ مِنْ الْمُنْفَرِدِ نَفْلًا لِيُصَلِّيَهُ
فِي جَمَاعَةٍ (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهِ مُنْفَرِدًا، لِأَنَّهُ إكْمَالٌ فِي الْمَعْنَى، كَنَقْضِ الْمَسْجِدِ لِلْإِصْلَاحِ (وَيُكْرَهُ) قَلْبُ الْفَرْضِ نَفْلًا (لِغَيْرِ الْفَرْضِ) الصَّحِيحِ، لِكَوْنِهِ أَبْطَلَ عَمَلَهُ. وَعَنْ أَحْمَدَ فِيمَنْ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ فَرْضٍ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ: أَعْجَبُ إلَيَّ يَقْطَعُهُ وَيَدْخُلُ مَعَهُمْ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَطْعُ النَّفْلِ أَوْلَى (وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضٍ) أَحْرَمَ بِهِ كَالظُّهْرِ (إلَى فَرْضٍ) آخَرَ كَالْعَصْرِ (بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) لِفَرْضِ (الثَّانِي بَطَلَ فَرْضُهُ الْأَوَّلُ) الَّذِي انْتَقَلَ عَنْهُ لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ (وَصَحَّ) مَا صَلَّاهُ (نَفْلًا إنْ اسْتَمَرَّ) عَلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِيَّةِ بِنِيَّةِ انْتِقَالِهِ عَنْ الْفَرْضِ الَّذِي نَوَى أَوَّلًا، دُونَ نِيَّةِ الصَّلَاةِ فَتَصِيرُ نَفْلًا (وَكَذَا حُكْمُ مَا يُبْطِلُ الْفَرْضَ فَقَطْ، إذَا وُجِدَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْضِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ نَفْلًا (كَتَرْكِ الْقِيَامِ) بِلَا عُذْرٍ يُسْقِطُهُ، فَإِنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ. (وَ) كَ (الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَالِائْتِمَامُ بِمُتَنَفِّلٍ، وَائْتِمَامِ مُفْتَرِضٍ بِصَبِيٍّ، إنْ اعْتَقَدَ جَوَازَهُ) أَيْ: جَوَازَ مَا يُبْطِلُ الْفَرْضَ (وَنَحْوَهُ) أَيْ: نَحْوَ اعْتِقَادِ جَوَازِهِ، كَمَا لَوْ اعْتَقَدَ الْمُتَنَفِّلُ مُفْتَرِضًا، فَتَصِحُّ صَلَاتُهُ نَفْلًا. لِأَنَّ الْفَرْضَ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُبْطِلُ النَّفَلَ فَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ جَوَازَهُ وَنَحْوَهُ، بَلْ فَعَلَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ جَوَازِهِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، لِتَلَاعُبِهِ كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ عَالِمًا (وَلَمْ يَنْعَقِدْ) الْفَرْضُ (الثَّانِي) الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ لِأَنَّهَا فَتَّاحَةٌ، وَلَمْ تُوجَدْ (وَإِنْ اقْتَرَنَ) بِنِيَّةِ الْفَرْضِ (الثَّانِي تَكْبِيرَةُ إحْرَامٍ لَهُ بَطَلَ) الْفَرْضُ (الْأَوَّلُ) لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ (وَصَحَّ) الْفَرْضُ (الثَّانِي) كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ غَيْرُهُ. (وَمِنْ شَرْطِ الْجَمَاعَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَالَهُمَا) بِأَنْ يَنْوِيَ الْإِمَامُ: الْإِمَامَةَ وَيَنْوِيَ الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ (فَرْضًا وَنَفْلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (فَيَنْوِي الْإِمَامُ: أَنَّهُ مُقْتَدًى بِهِ، وَيَنْوِي الْمَأْمُومُ: أَنَّهُ مُقْتَدٍ) كَالْجُمُعَةِ، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ وَسُقُوطِ السَّهْوِ عَنْ الْمَأْمُومِ وَفَسَادِ صَلَاتِهِ بِفَسَادِ صَلَاةِ إمَامِهِ وَإِنَّمَا يَتَمَيَّزُ الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ بِالنِّيَّةِ فَكَانَتْ شَرْطًا لِصِحَّةِ انْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ. (فَلَوْ نَوَى أَحَدُهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ) بِأَنْ نَوَى الْإِمَامُ دُونَ الْمَأْمُومِ أَوْ بِالْعَكْسِ (أَوْ نَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ إمَامُ الْآخَرِ أَوْ) أَنَّهُ (مَأْمُومُهُ) لَمْ يَصِحَّ لَهُمَا لِأَنَّهُ أَمَّ مَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، أَوْ ائْتَمَّ بِمَنْ لَيْسَ إمَامًا (أَوْ نَوَى إمَامَةَ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَأُمِّيٍّ) نَوَى أَنْ يَؤُمَّ قَارِئًا (أَوْ) (كَامْرَأَةٍ) نَوَتْ أَنْ (تَؤُمَّ رَجُلًا وَنَحْوِهِ) كَعَاجِزٍ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ، نَوَى أَنْ يَؤُمَّ قَادِرًا عَلَيْهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمَا لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْإِمَامَةِ وَالِائْتِمَامِ فَاسِدَانِ (أَوْ نَوَى الِائْتِمَامَ بِأَحَدِ الْإِمَامَيْنِ لَا بِعَيْنِهِ) لَمْ
تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعَدَمِ تَعْيِينِهِ (أَوْ) نَوَى الِائْتِمَامَ (بِهِمَا) أَيْ بِالْإِمَامَيْنِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا (أَوْ) نَوَى الِائْتِمَامَ (بِالْمَأْمُومِ، أَوْ) بِ (الْمُنْفَرِدِ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِغَيْرِ إمَامٍ (أَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ، أَنَّهُ إمَامٌ أَوْ مَأْمُومٌ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِالنِّيَّةِ) أَيْ: نِيَّةِ الْإِمَامَةِ أَوْ الِائْتِمَامِ (أَوْ أَحْرَمَ بِحَاضِرٍ، فَانْصَرَفَ) الْحَاضِرُ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) مَعَهُ، وَلَمْ يَعُدْ، وَلَمْ يَدْخُلْ غَيْرُهُ مَعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ مِنْ رُكُوعِهِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ (أَوْ عَيَّنَ إمَامًا) بِأَنْ نَوَى أَنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَ زَيْدٍ فَأَخْطَأَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (أَوْ) عَيَّنَّ (مَأْمُومًا وَقُلْنَا: لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا) أَيْ: الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِعَدَمِ وُجُوبِ تَعْيِينِهِمَا. (الْأَصَحُّ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (فَأَخْطَأَ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَيَّنَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا: أَنَّهُ لَوْ وَصَفَهُ فِي غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهُ لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعُلِمَ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ: وَقُلْنَا لَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا: أَنَّا إذَا قُلْنَا يَجِبُ تَعْيِينُهُمَا فَعَيَّنَهُمَا وَأَخْطَأَ صَحَّتْ صَلَاتُهُ " تَتِمَّةٌ " وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: عَيَّنَ إمَامًا إلَخْ أَنَّهُ لَوْ ظَنَّهُ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، لَصَحَّتْ صَلَاتُهُ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فِي التَّعْيِينِ، لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ وَالْخَطَأُ مَعْفُوٌّ لَهُ عَنْهُ (أَوْ نَوَى الْإِمَامَةَ وَهُوَ لَا يَرْجُو مَجِيءَ أَحَدٍ) يَأْتَمُّ بِهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، وَلَوْ حَضَرَ مَنْ ائْتَمَّ بِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَجِيئِهِ. (وَإِنْ نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ) بِأَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ حُضُورُ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ (صَحَّ) ذَلِكَ، كَمَا لَوْ عَلِمَهُ وَ (لَا) تَصِحُّ نِيَّةُ الْإِمَامَةِ (مَعَ الشَّكِّ) فِي حُضُورِ مَنْ يَأْتَمُّ بِهِ، كَمَا لَوْ عَلِمَ عَدَمَ مَجِيئِهِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (فَإِنْ) نَوَى الْإِمَامَةَ ظَانًّا حُضُورَ مَأْمُومٍ (فَلَمْ يَحْضُرْ، لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ، وَكَذَا لَوْ حَضَرَ وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ، لَا إنْ دَخَلَ ثُمَّ انْصَرَفَ قَبْلَ إتْمَامِهِ صَلَاتَهُ فَإِنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ لَا تَبْطُلُ وَيُتِمُّهَا مُنْفَرِدًا (وَإِنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الِائْتِمَامَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (أَوْ) أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى (الْإِمَامَةَ لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا كَانَتْ) الصَّلَاةُ (أَوْ نَفْلًا) كَالتَّرَاوِيحِ وَالْوَتْرِ، لِمَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ قَالَ الْمَجْدُ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا (وَالْمَنْصُوصُ صِحَّةُ الْإِمَامَةِ) مِمَّنْ أَحْرَمَ مُنْفَرِدًا (فِي النَّفْلِ وَهُوَ الصَّحِيحُ) عِنْدَ الْمُوَفَّقِ وَمَنْ تَابَعَهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ، فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي عَنْ يَمِينِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ
أَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قُلْت: وَلَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَوَى الْإِمَامَةَ ابْتِدَاءً لِظَنِّهِ حُضُورَهُمْ (وَإِنْ أَحْرَمَ مَأْمُومًا ثُمَّ نَوَى الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ، كَتَطْوِيلِ إمَامٍ وَ) (كَمَرَضٍ، وَ) كَ (غَلَبَةِ نُعَاسٍ أَوْ) غَلَبَةِ (شَيْءٍ يُفْسِدُ صَلَاتَهُ) كَمُدَافَعَةِ أَحَدِ الْأَخْبَثَيْنِ (أَوْ خَوْفٍ عَلَى أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ) خَوْفِ (فَوْتِ رُفْقَةٍ أَوْ خَرَجَ مِنْ الصَّفِّ مَغْلُوبًا) لِشِدَّةِ زِحَامٍ. (وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَقِفُ مَعَهُ وَنَحْوِهِ) أَيْ: نَحْوِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْأَعْذَارِ (صَحَّ) انْفِرَادُهُ فَيُتِمُّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا لِحَدِيثِ جَابِرٍ «قَالَ: صَلَّى مُعَاذٌ بِقَوْمِهِ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَتَأَخَّرَ رَجُلٌ فَصَلَّى وَحْدَهُ فَقِيلَ لَهُ: نَافَقْتَ: قَالَ مَا نَافَقْتُ، وَلَكِنْ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأُخْبِرُهُ فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: أَفَتَّانٌ أَنْتَ يَا مُعَاذُ مَرَّتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْإِمَامُ الِانْفِرَادَ لِعُذْرٍ وَمَحَلُّ إبَاحَةِ الْمُفَارَقَةِ لِعُذْرٍ (إنْ اسْتَفَادَ) مَنْ فَارَقَ لِتَدَارُكِ شَيْءٍ يَخْشَى فَوْتَهُ، أَوْ غَلَبَةِ نُعَاسٍ، أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ، وَنَحْوِهِ (بِمُفَارَقَتِهِ) إمَامَهُ (تَعْجِيلَ لُحُوقِهِ قَبْلَ فَرَاغِ إمَامِهِ) مِنْ صَلَاتِهِ، لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ الْمُفَارَقَةِ (فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يُعَجِّلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ انْفِرَادُهُ عَنْهُ بِنَوْعِ تَعْجِيلٍ لَمْ يَجُزْ) لَهُ الِانْفِرَادُ، لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ وَأَمَّا مَنْ عُذْرُهُ الْخُرُوجُ مِنْ الصَّفِّ فَلَهُ الْمُفَارَقَةُ مُطْلَقًا. لِأَنَّ عُذْرَهُ خَوْفُ الْفَسَادِ بِالْفِدْيَةِ وَذَلِكَ يُتَدَارَكُ بِالسُّرْعَةِ (فَإِنْ زَالَ الْعُذْرُ وَهُوَ) أَيْ: الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ، فَلَهُ الدُّخُولُ مَعَ الْإِمَامِ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ، وَيُتِمُّهُ مَعَهُ وَلَا يَلْزَمُهُ الدُّخُولُ مَعَهُ (فَإِنْ فَارَقَهُ) أَيْ: فَارَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ لِعُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ (فِي قِيَامٍ قَبْلَ قِرَاءَتِهِ) أَيْ: الْإِمَامِ (الْفَاتِحَةَ قَرَأَ) الْمَأْمُومُ لِنَفْسِهِ، لِصَيْرُورَتِهِ مُنْفَرِدًا قَبْلَ سُقُوطِ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ عَنْهُ بِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ (وَ) إنْ فَارَقَهُ الْمَأْمُومُ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَ (لَهُ الرُّكُوعُ فِي الْحَالِ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لِلْمَأْمُومِ. (وَ) إنْ فَارَقَهُ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الْقِرَاءَةِ (يُكَمِّلُ مَا بَقِيَ) مِنْ الْفَاتِحَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ سِرٍّ) كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، أَوْ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْ الْعِشَاءِ مَثَلًا وَفَارَقَ الْإِمَامَ لِعُذْرٍ بَعْدَ قِيَامِهِ. (وَظَنَّ أَنَّ إمَامَهُ قَرَأَ لَمْ يَقْرَأْ) أَيْ: لَمْ تَلْزَمْهُ الْقِرَاءَةُ، إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْيَقِينِ قُلْتُ وَالِاحْتِيَاطُ الْقِرَاءَةُ (وَإِنْ فَارَقَهُ) لِعُذْرٍ (فِي ثَانِيَةِ الْجُمُعَةِ) وَقَدْ أَدْرَكَ الْأُولَى مَعَهُ (أَتَمَّ جُمُعَةً) لِأَنَّ الْجُمُعَةَ تُدْرَكُ بِرَكْعَةٍ وَقَدْ أَدْرَكَهَا مَعَ الْإِمَامِ (فَإِنْ فَارَقَهُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) مِنْ الْجُمُعَةِ (فَكَمَزْحُومٍ فِيهَا حَتَّى تَفُوتَهُ الرَّكْعَتَانِ)
فَيُتِمُّهَا نَفْلًا، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ. (وَإِنْ كَانَ) انْفِرَادُ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ (لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَصِحَّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَا تَخْتَلِفُوا عَلَى أَئِمَّتِكُمْ " وَلِأَنَّهُ تَرَكَ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ وَانْتَقَلَ مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى بِغَيْرِ عُذْرٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ نَقَلَهَا إلَى النَّفْلِ، أَوْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الِانْفِرَادِ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامٌ ثُمَّ صَارَ مُنْفَرِدًا لِعُذْرٍ، مِثْلِ أَنْ سَبَقَ الْمَأْمُومَ الْحَدَثُ، أَوْ فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَنَوَى الِانْفِرَادَ) قُلْت: أَوْ لَمْ يَنْوِهِ (صَحَّ) وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ مُنْفَرِدًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِذَا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ أَتَمَّهَا إمَامُهُ مُنْفَرِدًا قَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ لِأَنَّهَا لَا ضِمْنَهَا وَلَا مُتَعَلِّقَةً بِهَا بِدَلِيلِ سَهْوِهِ وَعِلْمِهِ بِحَدَثِهِ وَعَنْهُ تَبْطُلُ وَذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. (وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) لِارْتِبَاطِهَا بِهَا (لَا عَكْسُهُ) أَيْ: لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ إمَامٍ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ (سَوَاءٌ كَانَ) بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ (لِعُذْرٍ، كَأَنْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ) وَالْمَرَضُ، أَوْ حُصِرَ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ كَأَنْ تَعَمَّدَ الْحَدَثَ أَوْ غَيْرَهُ مِنْ الْمُبْطِلَاتِ) لِلصَّلَاةِ لِحَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ مَرْفُوعًا «إذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَنْصَرِفْ، فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّد. (فَلَا اسْتِخْلَافَ لِلْمَأْمُومِ) إذَا سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ، وَالِاسْتِخْلَافُ أَيْضًا لِلْإِمَامِ (وَلَا يَبْنِي) الْمَأْمُومُ (عَلَى صَلَاةِ إمَامِهِ) حِينَئِذٍ، بَلْ يَسْتَأْنِفُهَا لِبُطْلَانِهَا (وَعَنْهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَأْمُومٍ) إذَا كَانَ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ لِعُذْرٍ، بِأَنْ يَسْبِقَهُ الْحَدَثُ (وَيُتِمُّونَهَا) إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ بُطْلَانِهَا (جَمَاعَةً بِغَيْرِهِ) يَسْتَخْلِفُونَهُ، أَيْ: الْإِمَامَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا بِجَمَاعَتَيْنِ (أَوْ) يُتِمُّونَهَا (فُرَادَى، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ) أَيْ اخْتَارَ الْقَوْلَ بِعَدَمِ بُطْلَانِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ لِعُذْرٍ: جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ (فَعَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ الْبُطْلَانِ. (لَوْ نَوَى) أَيْ: أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ (الْإِمَامَةَ لِاسْتِخْلَافِ الْإِمَامِ لَهُ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ صَحَّ) ذَلِكَ مِنْهُ لِلْعُذْرِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُمَرَ لَمَّا طُعِنَ أَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْن عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِفِعْلِ عَلِيٍّ رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِزَوَالِ شَرْطِهَا، وَهُوَ الطَّهَارَةُ (كَتَعَمُّدِهِ لِذَلِكَ) الْحَدَثِ (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ إذَا سَبَقَهُ الْحَدَثُ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: (أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ بِمَأْمُومٍ وَلَوْ) كَانَ الَّذِي يَسْتَخْلِفُهُ (مَسْبُوقًا) لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ مِنْ أَوَّلِ الصَّلَاةِ (أَوْ) كَانَ الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ (مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ الصَّلَاةَ) بِأَنْ اسْتَخْلَفَ
مَنْ كَانَ يُصَلِّي مُنْفَرِدًا (وَيَسْتَخْلِفُ الْمَسْبُوقَ) الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ (مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَأْتِي بِمَا) بَقِيَ (عَلَيْهِ) مِنْ صَلَاتِهِ وَتَكُونُ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِثَلَاثَةِ أَئِمَّةٍ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْمَسْبُوقُ) . مَنْ يُسَلِّمُ بِهِمْ (وَسَلَّمُوا مُنْفَرِدِينَ، أَوْ انْتَظَرُوا) الْمَسْبُوقَ (حَتَّى) يَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاتِهِ، ثُمَّ (يُسَلِّمُ بِهِمْ جَازَ) لَهُمْ ذَلِكَ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمُجَرَّدِ: يُسْتَحَبُّ انْتِظَارُهُ حَتَّى يُسَلِّمَ بِهِمْ (وَيَبْنِي الْخَلِيفَةُ الَّذِي كَانَ مَعَهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (فِي الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلٍ) أَيْ: تَرْتِيبِ الْإِمَامِ. (الْأَوَّلِ) الْمُسْتَخْلِفِ لَهُ، مِنْ حَيْثُ بَلَغَ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ نَائِبُهُ (حَتَّى فِي الْقِرَاءَةِ يَأْخُذُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ) لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ قِرَاءَةٌ لَهُ (وَالْخَلِيفَةُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ أَيْ: الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ يَبْتَدِئُ الْفَاتِحَةَ) وَلَا يَبْنِي عَلَى قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ مَأْمُومًا بِحَالٍ، (لَكِنْ يُسِرُّ مَا كَانَ قَرَأَهُ الْإِمَامُ مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ يَجْهَرُ بِمَا بَقِيَ) مِنْ الْقِرَاءَةِ لِيَحْصُلَ الْبِنَاءُ عَلَى فِعْلِ مُسْتَخْلِفِهِ، وَلَوْ صُورَةً (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْخَلِيفَةُ) الْمَسْبُوقُ أَوْ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ (كَمْ صَلَّى) الْإِمَامُ. (الْأَوَّلُ بَنَى) الْخَلِيفَةُ (عَلَى الْيَقِينِ) كَالْمُصَلِّي يَشُكُّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ (فَإِنْ سَبَّحَ بِهِ الْمَأْمُومُ رَجَعَ إلَيْهِ) لِيَبْنِيَ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَوَّلِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَخْلِفْ الْإِمَامُ) الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ (وَصَلَّوْا) أَيْ: الْمَأْمُومُونَ (وِحْدَانًا) بِكَسْرِ الْوَاو أَيْ: فُرَادَى (صَحَّ) مَا صَلَّوْهُ (وَكَذَا إنْ اسْتَخْلَفُوا) لِأَنْفُسِهِمْ مَنْ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ فَيَصِحُّ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ. (وَمَنْ اُسْتُخْلِفَ فِيمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ) إنْ كَانَ مَسْبُوقًا دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ أَثْنَاءَ تِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرَكْ رُكُوعَهَا مَعَ الْإِمَامِ (اعْتَدَّ بِهِ الْمَأْمُومُ) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ رُكُوعَهَا مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ وَلُغِيَتْ الرَّكْعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَسْبُوقِ الْمُسْتَخْلَفِ قَالَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. (وَقَالَ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ حَامِدٍ بْنِ عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ (إنْ اسْتَخْلَفَهُ، يَعْنِي مَنْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرُّكُوعِ، أَوْ) اسْتَخْلَفَهُ (فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الرُّكُوعِ (قَرَأَ) الْخَلِيفَةُ (لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُسْقِطُهَا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَانْتَظَرَهُ الْمَأْمُومُ) حَتَّى يَقْرَأَ (ثُمَّ رَكَعَ وَلَحِقَ الْمَأْمُومَ) لِيَحْصُلَ الِاعْتِدَادُ بِالرَّكْعَةِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (وَهُوَ) أَيْ: مَا قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (مُرَادُ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَصْحَابِ (وَلَا بُدَّ مِنْهُ) يَعْنِي إذَا أَرَادَ الِاعْتِدَادَ بِالرَّكْعَةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ: أَنْ لَا خِلَافَ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ كَلَامَ غَيْرِهِ مَحْمُولٌ عَلَى كَلَامِهِ وَهُمَا كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ قَوْلَانِ مُتَقَابِلَانِ وَلَيْسَ اعْتِدَادُهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ ضَرُورِيًّا إذًا لَا مَحْذُورَ فِي بِنَائِهِ عَلَى تَرْتِيبِ الْإِمَامِ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا سَبَقَ بِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ. (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ كُلُّ
طَائِفَةٍ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (رَجُلًا) مِنْهُمْ فَصَلَّى بِهِمْ صَحَّ (وَاسْتَخْلَفَ بَعْضُهُمْ وَصَلَّى الْبَاقُونَ فُرَادَى صَحَّ) ذَلِكَ كَمَا لَوْ اسْتَخْلَفَ كُلُّهُمْ، أَوْ لَمْ يَسْتَخْلِفُوا كُلُّهُمْ. وَإِنْ اسْتَخْلَفَ امْرَأَةً وَفِيهِمْ رَجُلٌ أَوْ أُمِّيًّا، وَفِيهِمْ قَارِئٌ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمُسْتَخْلَفِ بِالنِّسَاءِ وَالْأُمِّيِّينَ فَقَطْ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (هَذَا) الَّذِي ذُكِرَ مِنْ أَحْكَامِ الِاسْتِخْلَافِ (كُلُّهُ عَلَى الرِّوَايَةِ) الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ كَغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُفَرَّعًا عَلَى ضَعِيفٍ، عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِ لِأَنَّ الْأَصْحَابَ فَرَّعُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالُوا: وَكَذَا الِاسْتِخْلَافُ لِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَأْتِي فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِ هَذِهِ، لِيُعْلَمَ مِنْهَا أَحْكَامُ الِاسْتِخْلَافِ لِلْمَرَضِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ: مَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الِاسْتِخْلَافِ لِسَبْقِ الْحَدَثِ: (فِيمَا إذَا كَانَ ابْتِدَاءُ الْإِمَامِ صَحِيحًا وَإِنْ كَانَ) ابْتِدَاءُ صَلَاتِهِ. (فَاسِدًا كَأَنْ ذَكَرَ) الْإِمَامُ (الْحَدَثَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَا) اسْتِخْلَافَ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَمْ تَنْعَقِدْ ابْتِدَاءً (وَلَهُ) أَيْ: لِلْإِمَامِ (الِاسْتِخْلَافُ لِحُدُوثِ مَرَضٍ أَوْ حُدُوثِ خَوْفٍ أَوْ) لِأَجْلِ (حَصْرِهِ عَنْ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِ) كَالتَّكْبِيرِ، أَوْ التَّسْمِيعِ، أَوْ التَّشَهُّدِ أَوْ السَّلَامِ، لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْحَاصِلِ لِلْإِمَامِ، مَعَ بَقَاءِ صَلَاتِهِ وَصَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِخِلَافِ مَا إذَا سَبَقَ الْإِمَامَ الْحَدَثُ لِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ثُمَّ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ تَبَعًا لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَ الْإِمَامُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ) . ثُمَّ سَلَّمَ الْإِمَامُ (فَائْتَمَّ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ فِي قَضَاءِ مَا فَاتَهُمَا) صَحَّ (أَوْ ائْتَمَّ مُقِيمٌ بِمِثْلِهِ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمَا (إذَا سَلَّمَ إمَامٌ مُسَافِرٌ صَحَّ) ذَلِكَ، لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ أُخْرَى لِعُذْرٍ فَجَازَ كَالِاسْتِخْلَافِ وَاسْتَدَلَّ فِي الشَّرْحِ بِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ تَأَخَّرَ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى. قُلْت: لَيْسَ غَرَضُ الشَّارِحِ أَنَّ قَضِيَّةَ أَبِي بَكْرٍ هِيَ هَذِهِ الْمَذْكُورَةُ بَلْ تُشْبِهُهَا مِنْ حَيْثُ الِانْتِقَالُ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا مُؤْتَمِّينَ بِأَبِي بَكْرٍ فَصَارُوا مُؤْتَمِّينَ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَصَلَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ الْجَامِعُ، وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ فِي الِانْتِقَالِ مِنْ جَمَاعَةٍ إلَى أُخْرَى وَمَحَلُّ صِحَّةِ اقْتِدَاءِ الْمَسْبُوقِ بِمِثْلِهِ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ: (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ) (فَلَا) يَصِحُّ ذَلِكَ (فِيهَا) أَيْ: فِي الْجُمُعَةِ (لِأَنَّهَا إذَا أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ مَرَّةً لَمْ تُقَمْ فِيهِ) مَرَّةً (ثَانِيَةً) قَالَهُ الْقَاضِي: وَفِيهِ نَظَرٌ. إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ إقَامَةٌ ثَانِيَةٌ وَإِنَّمَا هُوَ تَكْمِيلٌ لَهَا بِجَمَاعَةٍ وَغَايَتُهُ: أَنَّهَا فُعِلَتْ بِجَمَاعَتَيْنِ وَهَذَا لَا يَضُرُّ، كَمَا لَوْ صُلِّيَتْ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مِنْهَا بِسِتِّينَ، ثُمَّ فَارَقَهُ عِشْرُونَ، وَصُلِّيَتْ الثَّانِيَةُ بِأَرْبَعِينَ وَقِيلَ: لَعَلَّهُ لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ لَهَا، فَيَلْزَمُ لَوْ ائْتَمَّ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ بِآخَرَ تَصِحُّ. (وَ) إنْ أَمَّ مَنْ لَمْ يَنْوِهِ أَوَّلًا، وَلَوْ بِاسْتِخْلَافٍ (بِلَا عُذْرِ السَّبْقِ) وَالْقَصْر الْمَذْكُورَيْنِ (لَا يَصِحُّ) لِأَنَّ مُقْتَضَى
باب آداب المشي إلى الصلاة
الدَّلِيلِ مَنْعُهُ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ جَوَازُهُ فِي مَحَلِّ الْعُذْرِ لِقَضِيَّةِ عُمَرَ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَإِنْ أَحْرَمَ إمَامٌ لِغَيْبَةِ إمَامِ الْحَيِّ) أَيْ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ، سَوَاءٌ كَانَ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَوْ غَيْرَهُ. (أَوْ) لِ (إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ إمَامِ الْحَيِّ لَهُ أَنْ يَؤُمَّ مَكَانَهُ (ثُمَّ حَضَرَ) إمَامُ الْحَيِّ (فِي أَثْنَائِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (فَأَحْرَمَ بِهِمْ) أَيْ بِالْمَأْمُومِينَ الَّذِينَ أَحْرَمُوا وَرَاءَ نَائِبِهِ (وَبَنَى) إمَامُ الْحَيِّ (عَلَى) تَرْتِيبِ (صَلَاةِ خَلِيفَتِهِ، وَصَارَ الْإِمَامُ) الَّذِي أَحْرَمَ أَوَّلًا (مَأْمُومًا جَازَ) ذَلِكَ (وَصَحَّ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَهَبَ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ، فَتَخَلَّصَ حَتَّى وَقَفَ فِي الصَّفِّ وَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى ثُمَّ انْصَرَفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ (وَالْأَوْلَى) لِلْإِمَامِ (تَرْكُهُ) ذَلِكَ وَيَدَعُ الْخَلِيفَةَ يُتِمُّ بِهِمْ الصَّلَاةَ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. [بَابُ آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ] (بَابُ) (آدَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ) أَيْ: التَّوَجُّهِ إلَيْهَا وَالْخُرُوجِ لَهَا، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ (يُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ إلَيْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (مُتَطَهِّرًا بِخَوْفٍ وَخُشُوعٍ) لِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ: بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ بِاَللَّهِ اعْتَصَمْتُ بِاَللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَضِلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (أَوْ أُضَلَّ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ الضَّلَالِ وَهُوَ ضِدُّ الْهِدَايَةِ (أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ) مِنْ الزَّلَلِ (أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ) مِنْ الظُّلْمِ، وَهُوَ الْجَوْرُ (أَوْ أَجْهَلَ، أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ) مِنْ الْجَهْلِ وَهُوَ إدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ بِهِ، وَالْفِعْلُ الْأَوَّلُ فِي الْكُلِّ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِي لِلْمَفْعُولِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ: هُوَ بِمَعْنَى السَّكِينَةِ وَذُكِرَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا، وَأَنَّ السَّكِينَةَ التَّأَنِّي فِي الْحَرَكَاتِ، وَاجْتِنَابُ الْعَبَثِ، وَالْوَقَارُ فِي الْهَيْئَةِ كَغَضِّ الطَّرْفِ، وَخَفْضِ الصَّوْتِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ: حَدِيثُ الصَّحِيحِ «إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا
وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يُقَارِبَ خُطَاهُ) لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ فَإِنَّ كُلَّ خُطْوَةٍ يُكْتَبُ لَهُ بِهَا حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ «أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْشِي، وَأَنَا مَعَهُ، فَقَارَبَ فِي الْخُطَى، ثُمَّ قَالَ: تَدْرِي لِمَ فَعَلْتُ هَذَا؟ لِتَكْثُرَ خُطَايَ فِي طَلَبِ الصَّلَاةِ» (وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ مِنْ حِينِ) . وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ حَيْثُ (يَخْرُجُ) مِنْ بَيْتِهِ قَاصِدًا الْمَسْجِدَ لِخَبَرِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَتَقَدَّمَ (وَهُوَ) أَيْ: التَّشْبِيكُ بَيْنَ الْأَصَابِعِ (فِي الْمَسْجِدِ أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يُشْبِكَنَّ فَإِنَّ التَّشْبِيكَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ فَإِنَّهُ وَرَدَ أَنَّهُ «لَمَّا انْتَقَلَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» . (وَ) تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ (فِي الصَّلَاةِ أَشَدُّ وَأَشُدُّ) كَرَاهَةً لِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ " إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَفَرَّجَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مُشَبِّكٌ " تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ " (يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ) ذِكْرُهُ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ إلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك بِحَقِّ السَّائِلِينَ عَلَيْك، وَحَقِّ مَمْشَايَ هَذَا، فَإِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشَرًا وَلَا بَطَرًا» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْبَطَرُ الْأَشَرُ وَهُوَ شِدَّةُ الْمَرَحِ،. وَالْمَرَحُ شِدَّةُ الْفَرَحِ وَالنَّشَاطِ «وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً» ) الرِّيَاءُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِلنَّاسِ، لِيَرَوْهُ وَيَظُنُّوا بِهِ خَيْرًا وَالسُّمْعَةُ: إظْهَارُ الْعَمَلِ لِيَسْمَعَهُ النَّاسُ «خَرَجْت اتِّقَاءَ سَخَطِكَ» ) أَيْ غَضَبِكَ «وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِك أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذنِي مِنْ النَّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ أَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَأَنْ يَقُولَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أَوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ إلَيْك، وَأَقْرَبِ مَنْ تَوَسَّلَ إلَيْك، وَأَفْضَلِ مَنْ سَأَلَك وَرَغِبَ إلَيْك، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا) أَيْ: عَظِيمًا كَمَا يُفِيدهُ التَّنْكِيرُ. (وَفِي قَبْرِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي) أَيْ: نُطْقِي (نُورًا) اسْتِعَارَةً لِلْعِلْمِ وَالْهُدَى (وَفِي سَمْعِي نُورًا) لِيَتَحَلَّى بِأَنْوَاعِ الْمَعَارِفِ، وَيَتَجَلَّى لَهُ بِصُنُوفِ الْحَقَائِقِ (وَفِي بَصَرِي نُورًا) لِيَنْكَشِفَ بِهِ الْحَقُّ. (وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا، وَأَمَامِي نُورًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا وَتَحْتِي نُورًا) لِأَكُونَ مَحْفُوفًا بِالنُّورِ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَإِيذَانًا بِتَجَاوُزِ النُّورِ عَنْ قَلْبِهِ
وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ إلَى سَائِرِ جِهَاتِهِ، لِيَهْتَدِيَ كُلُّ أَتْبَاعِهِ. (وَفِي عَصَبِي نُورًا، وَفِي لَحْمِي نُورًا، وَفِي دَمِي نُورًا، وَفِي شَعْرِي نُورًا، وَفِي بَشَرِي) أَيْ: جِلْدِي (نُورًا، وَفِي نَفْسِي) أَيْ: ذَاتِي (نُورًا) أَيْ اجْعَلْ لِي نُورًا شَامِلًا لِلْأَنْوَارِ السَّابِقَةِ وَغَيْرِهَا (وَأَعْظِمْ لِي نُورًا) أَيْ: أَجْذِلْ مِنْ عَطَائِك نُورًا عَظِيمًا لَا يَكْتَنِهُ كُنْهُهُ (وَاجْعَلْ لِي نُورًا، اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُورًا، وَزِدْنِي نُورًا) . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي لِسَانِي نُورًا، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا، وَاجْعَلْ مِنْ خَلْفِي نُورًا، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا، وَاجْعَلْ فَوْقِي نُورًا وَمِنْ تَحْتِي نُورًا وَأَعْطِنِي نُورًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ لَمْ يَسْعَ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: سَعَى فِي مَشْيِهِ، هَرْوَلَ وَعَدَا فِي مَشْيِهِ عَدْوًا، مِنْ بَابِ قَالَ قَارَبَ الْهَرْوَلَةَ وَهُوَ دُونَ الْجَرْيِ وَذَلِكَ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقَدَّمَ (فَإِنْ طَمِعَ فِي إدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، وَهُوَ أَنْ يُدْرِكَ الصَّلَاةَ) أَيْ: مَوْقِفَهُ لِلصَّلَاةِ (قَبْلَ) أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ (تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَيَكُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ إذَا كَبَّرَ لِلِافْتِتَاحِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ شَيْئًا، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةٌ تُقْبَحُ) نَصَّ عَلَيْهِ. وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ (وَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْجَمَاعَةِ أَوْ الْجُمُعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْرَهَ) لَهُ (الْإِسْرَاعُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَنْجَبِرُ إذَا فَاتَ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ. وَتَأْتِي فَضِيلَةُ إدْرَاكِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فِي) بَابِ (صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى) فِي الدُّخُولِ، لِمَا تَقَدَّمَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ بِسْمِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد «أَعُوذُ بِاَللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ: مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ «وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ» . «الْحَمْدُ لِلَّهِ» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ «اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ» ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلَيْسَ فِيهِ " وَسَلِّمْ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ «وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَإِذَا خَرَجَ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى مُحَمَّدٍ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَيَقُولُ أَيْضًا: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ» لِمَا رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُودُ إبْلِيسِ وَاجْتَلَبَتْ إلَيْهِ كَمَا يَجْتَمِعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوبِهَا فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ فَإِنَّهَا لَمْ تَضُرَّهُ» . وَالْيَعْسُوبُ: ذَكَرُ النَّحْلِ وَقِيلَ: أَمِيرُهَا. (فَإِذَا
باب صفة الصلاة
دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ، إنْ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ نَهْيٍ وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ الْجُمُعَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مَرْفُوعًا «إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ) لِلْخَبَرِ (وَلَا يُفَرْقِعْ أَصَابِعَهُ) لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ (وَيَشْتَغِلُ بِالطَّاعَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ أَوْ يَسْكُتُ) إنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِذَلِكَ وَالِاشْتِغَالُ بِذَلِكَ أَفْضَلُ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَخُوضَ فِي حَدِيثِ الدُّنْيَا) فَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ كَمَا فِي الْخَبَرِ (فَمَا دَامَ كَذَلِكَ) أَيْ: مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ أَوْ سَاكِتًا مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ (فَهُوَ فِي صَلَاةٍ وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يُحْدِثْ) لِلْخَبَرِ. [بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ] وَبَيَانُ مَا يُكْرَهُ فِيهَا وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا وَسُنَنِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (يُسَنُّ أَنْ يَقُومَ إمَامٌ) عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (فَمَأْمُومٌ غَيْرُ مُقِيمٍ إلَى الصَّلَاةِ) يَقُومُ (عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَذَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي أَوْفَى وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ فَاسْتُحِبَّتْ الْمُبَادَرَةُ إلَيْهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَلَى هَذَا أَهْلُ الْحَرَمَيْنِ. وَإِنَّمَا اُسْتُثْنِيَ الْمُقِيمُ لِأَنَّهُ يَأْتِي بِالْإِقَامَةِ كُلِّهَا قَائِمًا كَالْأَذَانِ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِ قِيَامِ الْمَأْمُومِ عِنْد قَوْلِهِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ (إنْ كَانَ الْإِمَامُ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَوْ لَمْ يَرَهُ الْمَأْمُومُ) قَالَهُ الْمُوَفَّقُ. وَفِي الشَّرْحِ: إنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ قَامُوا قَبْلَ رُؤْيَتِهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَفِي الْإِنْصَافِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَأْمُومَ لَا يَقُومُ حَتَّى يَرَى الْإِمَامَ، وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ اهـ لِقَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ: «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْمُرَادُ بِالْقِيَامِ إلَيْهَا هُوَ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا، لِيَشْمَلَ جُلُوسَ الْعَاجِزِ عَنْهُ وَلَا يُحْرِمُ الْإِمَامُ حَتَّى تَفْرَغَ الْإِقَامَةُ نَصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ قَوْلُ جُلِّ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ (وَإِنْ كَانَ) الْإِمَامُ (فِي غَيْرِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَلَمْ يَعْلَمْ قُرْبَهُ لَمْ يَقِمْ حَتَّى يَرَاهُ) لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَلَيْسَ بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ دُعَاءٌ مَسْنُونٌ نَصًّا)
قِيلَ لِأَحْمَدَ: قَبْلَ التَّكْبِيرِ تَقُولُ شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، إذْ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بَعْدَ الْعِبَادَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 8] وَمِنْ هُنَا تَعْلَمُ أَنَّ قَوْلَهُمْ فِي بَابِ الْأَذَانِ: وَيَدْعُو عِنْدَ إقَامَةٍ أَيْ: قَبْلَهَا قَرِيبًا، لَا بَعْدَهَا، جَمْعًا بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ (وَإِنْ دَعَا) بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالتَّكْبِيرِ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ، إذْ لَا مَحْذُورَ فِيهِ (فَعَلَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَرَفَعَ يَدَيْهِ) حَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ فِي الْأَذَانِ بَعْدَهُ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ خِلَافُهُ، كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ (ثُمَّ يُسَوِّي) أَيْ: يَأْمُرُ بِدَلِيلِ مَا بَعْدَهُ (الْإِمَامُ الصُّفُوفَ نَدْبًا بِمُحَاذَاةِ الْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ دُونَ أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَيَلْتَفِتُ) الْإِمَامُ (عَنْ يَمِينِهِ قَائِلًا: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ. وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ) وَتَبِعَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: (يَقُول اسْتَوُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) . وَفِي الرِّعَايَةِ " اعْتَدِلُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ " وَذَلِكَ لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ إلَى جَانِبِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمًا فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي لِمَ صُنِعَ هَذَا الْعُودُ؟ فَقُلْت: لَا وَاَللَّهِ فَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ أَخَذَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ ثُمَّ أَخَذَهُ بِيَسَارِهِ، وَقَالَ: اعْتَدِلُوا وَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَ (لِأَنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَّامِ الصَّلَاةِ) لِلْخَبَرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَنْبَغِي أَنْ تُقَامَ الصُّفُوفُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ) أَيْ مَوْقِفَهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَتْ الصَّلَاةُ لَتُقَامُ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْخُذُ النَّاسُ مَصَافَّهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَقَامَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيُسَنُّ تَكْمِيلُ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ) أَيْ الَّذِي يَلِيه وَهَكَذَا حَتَّى يَنْتَهُوا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَى ذَلِكَ لَاسْتَهَمُوا عَلَيْهِ» وَظَاهِرُهُ: حَتَّى بِمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فِي مِحْرَابِ زِيَادَةِ عُثْمَانَ. (وَ) يُسَنُّ (تَرَاصُّ الْمَأْمُومِينَ، وَسَدُّ خُلَلِ الصُّفُوفِ) لِتُشْبِهَ صُفُوفَ الْمُجَاهِدِينَ (فَلَوْ تَرَكَ الْقَادِرُ) الصَّفَّ (الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا (وَالصَّفُّ الْأَوَّلُ) لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لِتَكُونُوا فِي الَّذِي يَلِينِي " (وَهُوَ) أَيْ: الصَّفُّ الْأَوَّلُ: (مَا يَقْطَعُهُ الْمِنْبَرُ) . قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ اهـ وَالْمُرَادُ: أَنَّهُ أَوَّلُ صَفٍّ يَلِي الْإِمَامَ قَطَعَهُ الْمِنْبَرُ أَوَّلًا (لَا مَا يَلِيه) أَيْ: لَا أَوَّلَ صَفٍّ يَلِي الْمِنْبَرَ (وَيَمْنَةُ كُلِّ
صَفٍّ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ) مِنْ يَسْرَتِهِ، أَيْ: صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مِنْ جِهَةِ يَمِينِ الْإِمَامِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِمْ جِهَةَ يَسَارِهِ، إذَا كَانُوا رِجَالًا (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) حَيْثُ أَطْلَقُوا أَنَّ يَمِينَهُ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ (أَنَّ الْأَبْعَدَ عَنْ الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِمَّنْ عَلَى الْيَسَارِ، وَلَوْ كَانَ) مَنْ عَلَى الْيَسَارِ (أَقْرَبُ) إلَى الْإِمَامِ، لِإِطْلَاقِهِمْ أَنَّ يَمِينَهُ لِلرِّجَالِ أَفْضَلُ. (قَالَ) قَاضِي الْقُضَاةِ أَحْمَدُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ) أَيْ: شَرْحِهِ لِبَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ مِنْ كِتَابِ الْفُرُوعِ (وَهُوَ أَقْوَى عِنْدِي انْتَهَى) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُحَافِظُ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَإِنْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) أَيْ بِسَبَبِ مَشْيِهِ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ: وَيُتَوَجَّهُ مِنْ نَصِّهِ يُسْرِعُ إلَى الْأَوَّلِ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا (لَا إنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مِنْ كَلَامِهِمْ إذَا لَمْ تَفُتْهُ الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، وَإِلَّا حَافَظَ عَلَيْهَا، فَيُسْرِعُ لَهَا، وَقَالَ فِي النُّكَتِ: لَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا مَشَى إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ وَقَدْ يُقَالُ: يُحَافِظُ عَلَى الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَالْأَخِيرَةِ وَلِهَذَا قُلْنَا: لَا يَسْعَى إذَا أَتَى الصَّلَاةَ لِلْخَبَرِ الْمَشْهُورِ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَإِنْ أَدْرَكَ، أَيْ: طَمِعَ أَنْ يُدْرِكَ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ تُسْرِعَ، مَا لَمْ تَكُنْ عَجَلَةً تُقْبَحُ قَالَ: وَقَدْ ظَهَرَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُعَجِّلُ لِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ لَكِنْ هَلْ تُقَيَّدُ الْمَسْأَلَتَانِ بِتَعَذُّرِ الْجَمَاعَةِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ (وَكُلُّ مَا قَرُبَ مِنْ الْإِمَامِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَكَذَا أَقْرَبُ الْأَفْضَلِ) مِنْ الْإِمَامِ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «لَيَلِينِي مِنْكُمْ أُولُوا الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى» . (وَ) كَذَا قُرْبُ (الصَّفِّ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِمَامِ، وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ (وَالْأَفْضَلُ: تَأْخِيرُ الْمَفْضُولِ، كَالصَّبِيِّ لَا الْبَالِغِ) وَلَوْ عَبْدَهُ وَوَلَدَهُ (وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ) أَيْ: مَكَانَ الصَّبِيِّ لِأَنَّ. أُبَيًّا نَحَّى قَيْسَ بْنَ عُبَادَةَ وَقَامَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: يَا بُنَيَّ لَا يَسُوءُك اللَّهُ فَإِنِّي لَمْ آتِكَ الَّذِي أَتَيْتُ بِجَهَالَةٍ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَنَا: «كُونُوا فِي الصَّفِّ الَّذِي يَلِينِي» ، وَإِنِّي نَظَرْتُ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَعَرَفْتُهُمْ غَيْرَك " إسْنَادُهُ جَيِّدٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُنَحِّيهِ مِنْ مَكَانِهِ فَهُوَ رَأْيُ صَحَابِيٍّ، مَعَ أَنَّهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ التَّابِعِينَ (وَخَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ: أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا عَكْسُ صُفُوفِ النِّسَاءِ) فَخَيْرُهَا آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا لِلْخَبَرِ وَالْمُرَادُ: إذَا صَلَّيْنَ مَعَ الرِّجَالِ وَإِلَّا فَكَالرِّجَالِ قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَلَهُ، أَيْ: الصَّفِّ الْأَوَّلِ: ثَوَابُهُ وَثَوَابُ مَنْ وَرَائِهِ مَا اتَّصَلَتْ الصُّفُوفُ لِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ. (وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهُنَّ) أَيْ: النِّسَاءِ خَلْفَ صُفُوفِ الرِّجَالِ: لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (فَتُكْرَهُ صَلَاةُ رَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ تُصَلِّي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (وَإِلَّا)
أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُصَلِّي (فَلَا) كَرَاهَةَ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ (ثُمَّ يَقُولُ) الْإِمَامُ ثُمَّ الْمَأْمُومُ، وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ (وَهُوَ قَائِمٌ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الْقِيَامِ وَعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ مِمَّا يَأْتِي، وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ (فِي الْفَرْضِ: اللَّهُ أَكْبَرُ مُرَتَّبًا) مُتَوَالِيًا وُجُوبًا (لَا يُجْزِئُهُ غَيْرُهَا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ. قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ» وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. وَحَدِيثُ عَلِيٍّ يَرْفَعُهُ قَالَ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرُوِيَ مُرْسَلًا قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ «إذَا قُمْت فَكَبِّرْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا تَنْعَقِدُ بِقَوْلِ، " اللَّهُ أَكْبَرُ، أَوْ الْكَبِيرُ، أَوْ الْجَلِيلُ، وَلَا بِاَللَّهِ أَقْبَرُ: بِالْقَافِ، وَلَا " اللَّهُ " فَقَطْ وَلَا أُكَبِّرُ اللَّهَ (فَإِنْ أَتَمَّهُ) أَيْ: التَّكْبِيرَ (قَائِمًا) بِأَنْ ابْتَدَأَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ وَأَتَمَّهُ قَائِمًا (أَوْ) ابْتَدَأَهُ قَائِمًا وَأَتَمَّهُ (رَاكِعًا أَوْ أَتَى بِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ (كُلِّهِ رَاكِعًا أَوْ قَاعِدًا فِي غَيْرِ فَرْضٍ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ رُكْنًا فِي النَّافِلَةِ (وَأَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَ الْإِمَامِ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ. (وَ) إنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ أَتَى بِهِ كُلِّهِ رَاكِعًا أَوْ قَاعِدًا (فِيهِ) أَيْ: فِي الْفَرْضِ (تَصِحُّ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) لِإِتْمَامِ النَّفْلِ: وَلِفِعْلِ صَلَاةِ الْفَرْضِ كُلِّهَا بَعْدَهُ فِي الْوَقْتِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الْفَرْضَ فَقَطْ انْقَلَبَ نَفْلًا وَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ الْوَقْتُ اسْتَأْنَفَهَا لِلْفَرْضِ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهُ (فَإِنْ زَادَ عَلَى التَّكْبِيرِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا أَوْ اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ أَوْ) اللَّهُ أَكْبَرُ (وَأَجَلُّ وَنَحْوُهُ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُحْدِثٌ وَالْحِكْمَةُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِهَذَا اللَّفْظِ. كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتِحْضَارُ الْمُصَلِّي عَظَمَةَ مَنْ تَهَيَّأَ لِخِدْمَتِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِيَمْتَلِئَ هَيْبَةً فَيَحْضُرُ قَلْبُهُ، وَيَخْشَعُ وَلَا يَغِيبُ، وَسُمِّيَتْ التَّكْبِيرَةُ الَّتِي يُدْخَلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ: تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِهَا فِي عِبَادَةٍ يَحْرُمُ فِيهَا أُمُورٌ. وَالْإِحْرَامُ: الدُّخُولُ فِي حُرْمَةٍ لَا تُنْتَهَكُ (فَإِنْ مَدَّ) الْمُحْرِمُ (هَمْزَة اللَّهِ، أَوْ) مَدَّ هَمْزَةَ (أَكْبَرَ) لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ اسْتِفْهَامًا (أَوْ قَالَ أَكْبَارٌ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يَصِيرُ جَمْعَ كَبْرٍ، بِفَتْحِ الْكَافِّ وَهُوَ الطَّبْلُ (وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةُ الْمَدِّ عَلَى الْأَلْفِ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ لِأَنَّهَا) أَيْ زِيَادَةَ الْمَدِّ (إشْبَاعٌ) لِأَنَّ اللَّامَ مَمْدُودَةٌ فَغَايَتُهُ: أَنَّهُ زَادَ فِي مَدِّ اللَّامِ. وَلَمْ يَأْتِ بِحَرْفٍ زَائِدٍ (وَحَذْفُهَا) أَيْ: حَذْفُهُ زِيَادَةِ
الْمَدِّ (أُولَى لِأَنَّهُ يُكْرَهُ تَمْطِيطُهُ) أَيْ: التَّكْبِيرُ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ التَّكْبِيرَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَزِمَهُ تَعَلُّمُهُ) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ، فَلَزِمَهُ تَعَلُّمُهُ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (مَكَانَهُ، أَوْ مَا قَرُبَ مِنْهُ) فَلَا يَلْزَمُهُ السَّفَرُ لِتَعَلُّمِهِ (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْوَقْتِ) كَبَّرَ بِلُغَتِهِ (أَوْ عَجَزَ عَنْ التَّعَلُّمِ كَبَّرَ بِلُغَتِهِ) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ اللَّفْظِ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِمَعْنَاهُ، كَلَفْظَةِ النِّكَاحِ. (فَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ لُغَاتٍ) فِيهَا أَفْضَلُ، كَبَّرَ بِهِ (فَالْأَوْلَى تَقْدِيمُ السِّرْيَانِيِّ، ثُمَّ الْفَارِسِيِّ، ثُمَّ التُّرْكِيِّ أَوْ الْهِنْدِيِّ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا لِتَسَاوِيهِمَا (وَلَا يُكَبِّرُ قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ التَّعَلُّمِ، حَيْثُ قَدَرَ عَلَيْهِ (بِلُغَتِهِ) فَلَا تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَهُ بِلَا عُذْرٍ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ التَّكْبِيرِ) بِالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا (سَقَطَ عَنْهُ كَالْأَخْرَسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . (وَلَا يُتَرْجِمُ عَنْ) ذِكْرٍ (مُسْتَحَبٍّ) بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ عَجَزَ عَنْهَا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: تَرْجَمَ عَنْ الذِّكْرِ الْمُسْتَحَبِّ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ كَلَامٌ أَجْنَبِيٌّ (وَحُكْمُ كُلِّ ذِكْرٍ وَاجِبٌ) كَتَشَهُّدٍ وَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ (كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهَا فِي الْوُجُوبِ (وَإِنْ أَحْسَنَ الْبَعْضَ) مِنْ التَّكْبِيرِ، أَوْ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ، بِأَنْ لَفَظَ اللَّهَ، أَوْ أَكْبَرَ، أَوْ سُبْحَانَ، دُونَ الْبَاقِي (أَتَى بِهِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَكَلَامُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَعْضِ حُرُوفِ إحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ دُونَ بَقِيَّتِهَا لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ اهـ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِ اللَّفْظِ أَوْ بَعْضِ الْحُرُوفِ أَتَى بِمَا عَجَزَ عَنْ بَعْضِ الْفَاتِحَةِ (وَالْأَخْرَسُ وَمَقْطُوعُ اللِّسَانِ يُحْرِمُ بِقَلْبِهِ) لِعَجْزِهِ عَنْهُ بِلِسَانِهِ (وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ) كَمَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ يَسْقُطُ عَنْهُ النُّهُوض إلَيْهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَبَثٌ وَلَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، كَالْعَبَثِ بِسَائِرِ جَوَارِحِهِ وَإِنَّمَا لَزِمَ الْقَادِرَ ضَرُورَةً (وَكَذَا حُكْمُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ) كَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْمِيعِ وَالتَّشَهُّدِ وَالسَّلَامِ، يَأْتِي بِهِ الْأَخْرَسُ وَنَحْوُهُ بِقَلْبِهِ، وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ بِالتَّكْبِيرِ كُلِّهِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ مُتَابَعَتِهِ فِيهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا " (وَبِتَسْمِيعٍ) لِيَحْمَدَ الْمَأْمُومُ عَقِبَهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ. وَ (لَا) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ بِ (تَحْمِيدٍ) لِأَنَّهُ لَا يَتَعَقَّبُهُ مِنْ
الْمَأْمُومِ شَيْءٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي الْجَهْرِ بِهِ. (وَ) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ (بِسَلَامٍ أَوَّلٍ) أَيْ: بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى، لِيُتَابِعَهُ الْمَأْمُومُ فِي السَّلَامِ (فَقَطْ) أَيْ: دُونَ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، لِحُصُولِ الْعِلْمِ بِالسَّلَامِ بِالْأُولَى، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الثَّانِيَةَ تَعْقُبُ الْأُولَى. (وَ) يُسَنُّ جَهْرُ الْإِمَامِ (بِقِرَاءَةٍ فِي) صَلَاةٍ (جَهْرِيَّةٍ) كَأُولَتَيْ مَغْرِبٍ وَعِشَاءٍ وَكَصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ وَنَحْوِهَا، لِمَا يَأْتِي وَيَكُونُ الْجَهْرُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ. قُلْنَا: يُسْتَحَبُّ (بِحَيْثُ يُسْمِعُ مَنْ خَلْفَهُ) أَيْ: جَمِيعُهُمْ، إنْ أَمْكَنَ (وَأَدْنَاهُ) أَيْ: أَدْنَى جَهْرِ الْإِمَامِ بِهِ (سَمَاعُ غَيْرِهِ) وَلَوْ وَاحِدًا مِمَّنْ وَرَاءَهُ لِأَنَّهُ سَمِعَهُ وَاحِدٌ اقْتَدَى بِهِ، وَاقْتَدَى بِذَلِكَ الْوَاحِدِ غَيْرُهُ فَيَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَيُسِرُّ مَأْمُومٌ وَمُنْفَرِدٌ بِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالسَّلَامِ، لِأَنَّ الْمُنْفَرِدَ لَا يَحْتَاجُ إلَى إسْمَاعِ غَيْرِهِ، وَكَذَا الْمَأْمُومُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يُسْمِعهُمْ (وَفِي الْقِرَاءَةِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي) عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ. (وَيُكْرَهُ جَهْرُ مَأْمُومٍ) فِي الصَّلَاةِ بِشَيْءٍ مِنْ أَقْوَالِهَا، لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى غَيْرِهِ (إلَّا بِتَكْبِيرٍ وَتَحْمِيدٍ وَسَلَامٍ لِحَاجَةٍ) بِأَنْ كَانَ لَا يُسْمِعُ جَمِيعَهُمْ (وَلَوْ بِلَا إذْنِ الْإِمَامِ) لَهُ فِي الْجَهْرِ بِذَلِكَ، لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (فَيُسَنُّ) لِأَحَدِ الْمَأْمُومِينَ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا صَلَّى هُوَ وَالنَّاسُ قِيَامًا وَصَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مَرَضِهِ جَالِسًا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ. وَقَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: إلَّا الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ مَعَ الرِّجَالِ، أَيْ: فَلَا تَجْهَرْ هِيَ، بَلْ أَحَدُهُمْ (قَالَ الشَّيْخُ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَبْلُغُ صَوْتُهُ الْمَأْمُومِينَ) كُلَّهُمْ (لَمْ يُسْتَحَبَّ لِأَحَدِ الْمَأْمُومِينَ التَّبْلِيغُ، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَجَهْرُ كُلِّ مُصَلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ (فِي رُكْنٍ) قَوْلِي، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، وَتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ (وَوَاجِبٍ) قَوْلِي، كَتَكْبِيرِ انْتِقَالٍ وَتَشَهُّدٍ أَوَّلٍ وَتَسْمِيعٍ وَتَحْمِيدٍ (فَرْضٌ بِقَدْرِ مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَتَيَا بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِدُونِ صَوْتٍ وَالصَّوْتُ مَا يَتَأَتَّى سَمَاعُهُ وَأَقْرَبُ السَّامِعِينَ إلَيْهِ نَفْسُهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الِاكْتِفَاءَ بِالْحُرُوفِ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ كُلُّ مَا تَعَلَّقَ بِالنُّطْقِ، كَطَلَاقٍ وَغَيْرِهِ اهـ. وَيَأْتِي فِي الطَّلَاقِ: أَنَّهُ يَقَعُ وَإِنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ (إنْ لَمْ يَكُنْ) بِهِ (مَانِعٌ) مِنْ السَّمَّاعِ، كَصَمَمٍ (فَإِنْ كَانَ) مَانِعٌ (فَ) إنَّهُ يَجِبُ الْجَهْرُ بِالْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ (بِحَيْثُ يَحْصُلُ السَّمَاعُ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ: الْمَانِعِ (وَيَرْفَعُ) الْمُصَلِّي (يَدَيْهِ) عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (نَدْبًا) قَالَ فِي الشَّرْحِ. وَفِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، زَادَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا. وَفِي شَرْحِ
الْفُرُوعِ: خِلَافًا لِابْنِ حَزْمٍ فِي إيجَابِهِ هُنَا فَقَطْ (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ (مَكْشُوفَتَيْنِ هُنَا وَفِي الدُّعَاءِ) لِأَنَّ كَشْفَهُمَا أَدَلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَظْهَرُ فِي الْخُضُوعِ (أَوْ) يَرْفَعُ (إحْدَاهُمَا) أَيْ: إحْدَى الْيَدَيْنِ (عَجْزًا) عَنْ رَفْعِ الْيَدِ الْأُخْرَى لِمَرَضِهَا؛ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَكَذَا لَوْ عَجَزَ عَنْ رَفْعِهِمَا لِمَانِعٍ، يُتَوَجَّهُ أَنْ يَنْوِيَ رَفْعَهُمَا لَوْ كَانَا. وَلَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَهُ (وَيَكُونُ ابْتِدَاءُ الرَّفْعِ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ، وَانْتِهَاؤُهُ) أَيْ: الرَّفْعِ (مَعَ انْتِهَائِهِ) أَيْ: التَّكْبِيرِ لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» وَلِأَنَّ الرَّفْعَ لِلتَّكْبِيرِ، فَكَانَ مَعَهُ وَتَكُونُ الْيَدَانِ حَالَ الرَّفْعِ (مَمْدُودَتَيْ الْأَصَابِعِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَدًّا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (مَضْمُومَةً) أَصَابِعُهُمَا لِأَنَّ الْأَصَابِعَ إذَا ضُمَّتْ، تَمْتَدُّ (وَيَسْتَقْبِلُ بِبُطُونِهَا الْقِبْلَةَ) وَيَكُونُ الرَّفْعُ (إلَى حَذْوِ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (مَنْكِبَيْهِ بِرُءُوسِهِمَا) وَالْحَذْوُ الْمُقَابِلُ وَالْمَنْكِبُ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْكَافِّ: مَجْمَعُ عَظْمِ الْعَضُدِ وَالْكَتِفِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ لَمْ يَكُنْ) لِلْمُصَلِّي (عُذْرٌ) يَمْنَعُهُ مِنْ رَفْعِهِمَا، أَوْ رَفْعِ إحْدَاهُمَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيَرْفَعُهُمَا) الْمُصَلِّي (أَقَلَّ) مِنْ ذَلِكَ (وَأَكْثَرَ) مِنْهُ (لِعُذْرٍ) يَمْنَعُهُ مِنْهُ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَسْقُطُ) نَدْبُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ (مَعَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ كُلِّهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا وَإِنْ نَسِيَهُ فِي ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ أَتَى بِهِ فِيمَا بَقِيَ لِبَقَاءِ مَحَلِّ الِاسْتِحْبَابِ (وَرَفْعُهُمَا) أَيْ: الْيَدَيْنِ (إشَارَةٌ إلَى رَفْعِ الْحِجَابِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ) كَمَا أَنَّ السَّبَّابَةَ إشَارَةٌ إلَى الْوَحْدَانِيَّةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ (ثُمَّ) بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ، (يَحُطُّهُمَا) أَيْ: يَدَيْهِ (مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (ثُمَّ يَقْبِضُ بِكَفِّهِ الْأَيْمَنِ كُوعَهُ الْأَيْسَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد " ثُمَّ «وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغَ وَالسَّاعِدَ» (وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِقَوْلِ عَلِيٍّ «مِنْ السُّنَّةِ وَضْعُ الْيُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ تَحْتَ السُّرَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَذَكَرَ فِي التَّحْقِيقِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِيلَ لِلْقَاضِي: هُوَ عَوْرَةٌ فَلَا يَضَعُهَا عَلَيْهِ كَالْعَانَةِ وَالْفَخِذِ؟ وَأَجَابَ: بِأَنَّ الْعَوْرَةَ أَوْلَى
فصل يستفتح الصلاة سرا
وَأَبْلَغُ بِالْوَضْعِ عَلَيْهِ لِحِفْظِهِ (وَمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى وَضْعِ كَفِّهِ الْأَيْمَنِ عَلَى كُوعِهِ الْأَيْسَرِ وَجَعْلِهَا تَحْتَ سُرَّتِهِ: أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ ذُو (ذُلٍّ بَيْنَ يَدَيْ ذِي عِزٍّ) نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ يَحْيَى الرَّقِّيُّ. (وَيُكْرَهُ) جَعْلُ يَدَيْهِ (عَلَى صَدْرِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ رَوَاهُ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُسْتَحَبُّ نَظَرُهُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ فِي كُلِّ حَالَاتِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ عَلَى ابْنِ سِيرِينَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقَلِّبُ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَنَزَلَتْ {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ» وَرَوَاهُ سَعِيدٌ بِسَنَدِهِ أَيْضًا عَنْهُ وَزَادَ فِيهِ " قَالَ «كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُهُ مُصَلَّاهُ وَلِأَنَّهُ أَخْشَعُ وَأَكَفُّ لِنَظَرِهِ إلَّا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى الْعَدُوِّ لِلْحَاجَةِ وَكَذَا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، أَوْ كَانَ خَائِفًا مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَوَاتِ» وَقْتِ (الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَوْ ضَيَاعِ مَالِهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ ضَرَرٌ، إذَا نَظَرَ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَحَالُ إشَارَتِهِ فِي التَّشَهُّدِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَى سَبَّابَتِهِ، لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَصَلَاتُهُ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهَا. وَفِي الْغُنْيَةِ: يُكْرَهُ إلْصَاقُ الْحَنَكِ بِالصَّدْرِ وَعَلَى الثَّوْبِ، وَإِنَّهُ يُرْوَى عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ الْعُلَمَاءَ مِنْ الصَّحَابَةِ كَرِهَتْهُ. [فَصْلٌ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ سِرًّا] فَصْلٌ ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ سِرًّا (فَيَقُولُ سُبْحَانَك) أَيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهَك اللَّائِقَ بِجَلَالِك (اللَّهُمَّ) أَيْ: يَا اللَّهُ (وَبِحَمْدِك) قِيلَ الْوَاوُ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: سَبَّحْتُك بِكُلِّ مَا يَلِيقُ تَسْبِيحُك بِهِ، وَبِحَمْدِك سَبَّحْتُك، أَيْ: بِنِعْمَتِكَ الَّتِي تُوجِبُ عَلَيَّ حَمْدًا سَبَّحْتُك، لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي. وَقَالَ ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ سَبَّحْتُك بِحَمْدِك قَالَ أَبُو عُمَرَ كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْوَاوَ صِلَةٌ، أَيْ: زَائِدَةٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: وَبِحَمْدِكَ اللَّائِقِ بِك أَحْمَدُكَ (وَتَبَارَكَ) فِعْلٌ لَا يَتَصَرَّفُ فَلَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ غَيْرُ الْمَاضِي (اسْمُكَ) أَيْ: دَامَ خَيْرُهُ وَالْبَرَكَةُ: الزِّيَادَةُ وَالنَّمَاءُ، أَيْ: الْبَرَكَةُ تُكْسَبُ وَتُنَالُ بِذِكْرِكَ وَيُقَالُ: تَبَارَكَ: تَقَدَّسَ وَالْقُدْسُ الطَّهَارَةُ. وَيُقَالُ: تَعَاظَمَ (وَتَعَالَى جَدُّكَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: عَلَا جَلَالُكَ، وَارْتَفَعَتْ عَظَمَتُك (وَلَا إلَهَ غَيْرُك) قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ
عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ الرِّفَاعِيِّ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ مَعِينٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَعَمِلَ بِهِ عُمَرُ بَيْنَ يَدَيْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِذَلِكَ اخْتَارَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَجَوَّزَ الِاسْتِفْتَاحَ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ (وَيَجُوزُ، وَلَا يُكْرَهُ بِغَيْرِهِ مِمَّا وَرَدَ) وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَفْضَلُ أَنْ يَأْتِيَ بِكُلِّ نَوْعٍ أَحْيَانًا وَكَذَا صَلَاةُ الْخَوْفِ (ثُمَّ يَتَعَوَّذُ سِرًّا، فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} [النحل: 98] الْآيَةَ) أَيْ: إذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ (وَكَيْفَمَا تَعَوَّذَ بِهِ مِنْ الْوَارِد فَحَسَنٌ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا " أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلزِّيَادَةِ وَالْأَخْذُ بِهَا أَوْلَى لَكِنْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَ ابْنُ بَطَّةَ وُجُوبَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ. وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: التَّعَوُّذَ أَوَّلَ كُلِّ قُرْبَةٍ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ) أَيْ: يَقُولُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (سِرًّا) لِمَا رَوَى نُعَيْمٌ الْمُجْمِرُ قَالَ: صَلَّيْت وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، حَتَّى بَلَغَ وَلَا الضَّالِّينَ الْحَدِيثُ ثُمَّ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِالرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَفِي لَفْظٍ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُسِرُّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» زَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ " فِي الصَّلَاةِ " فَيُسِرُّ بِهَا. (وَلَوْ قِيلَ: إنَّهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ) كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ بَطَّةَ وَأَبُو حَفْصٍ وَصَحَّحَهُ ابْنُ شِهَابٍ (وَلَيْسَتْ) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْفَاتِحَةِ، جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَابْنُ تَمِيمٍ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي إجْمَاعًا سَابِقًا وَ (كَغَيْرِهَا) أَيْ: وَلَيْسَتْ آيَةً مِنْ غَيْرِ الْفَاتِحَةِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ: قَسَّمْت الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، قَالَ اللَّهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي الْحَدِيثَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ كَانَتْ آيَةً لَعَدَّهَا وَبَدَأَ
بِهَا. وَلَمَّا تَحَقَّقَ التَّنْصِيفُ لِأَنَّ مَا هُوَ ثَنَاءٌ وَتَمْجِيدٌ أَرْبَعُ آيَاتٍ وَنِصْفٌ، وَمَا هُوَ لِآدَمِيٍّ آيَتَانِ وَنِصْفٌ لِأَنَّهَا سَبْعُ آيَاتٍ إجْمَاعًا لَكِنْ حَكَى الرَّازِيّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا ثَمَانِ آيَاتٍ «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ أَيَّةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعَادُّونَ أَنَّهَا ثَلَاثُونَ أَيَّةً، بِدُونِ الْبَسْمَلَةِ. قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: وَقُوَّةُ الشُّبْهَةِ فِي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مَنَعَتْ التَّكْفِيرَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمَسَائِلِ الْقَطْعِيَّةِ خِلَافًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (بَلْ) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 1] بَعْضُ آيَةٍ مِنْ النَّمْلِ إجْمَاعًا. وَ (آيَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ) فَاصِلَةٌ بَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ فَهِيَ (مَشْرُوعَةٌ قَبْلَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (وَبَيْنَ كُلِّ سُورَتَيْنِ سِوَى بَرَاءَةَ فَيُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهَا بِهَا) لِنُزُولِهَا بِالسَّيْفِ وَقِيلَ: لِأَنَّهَا مَعَ الْأَنْفَالِ سُورَةٌ وَاحِدَةٌ. (فَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِفْتَاحَ) وَفِي نُسْخَةٍ " الِافْتِتَاحَ " (وَلَوْ عَمْدًا، حَتَّى تَعَوَّذَ) سَقَطَ (أَوْ) تَرَكَ (التَّعَوُّذَ حَتَّى بَسْمَلَ) سَقَطَ (أَوْ) تَرَكَ (الْبَسْمَلَةَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقُرْآنِ) وَفِي نُسَخِ " الْقِرَاءَةِ " (سَقَطَ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا. وَيُسَنُّ كِتَابَةُ الْبَسْمَلَةِ أَوَائِلِ الْكُتُبِ كَمَا كَتَبَهَا سُلَيْمَانُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِلَى قَيْصَرَ وَغَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ فَتُذْكَرُ فِي ابْتِدَاءِ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ، وَعِنْدَ دُخُولِ الْمَنْزِلِ وَالْخُرُوجِ مِنْهُ لِلتَّبَرُّكِ، وَهِيَ تَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَإِنَّمَا تُسْتَحَبُّ إذَا ابْتَدَأَ فِعْلًا تَبَعًا لِغَيْرِهَا لَا مُسْتَقِلَّةً فَلَمْ تُجْعَلْ كَالْحَمْدَلَةِ وَغَيْرِهَا وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا تُكْتَبُ أَمَامَ الشِّعْرِ وَلَا مَعَهُ. وَذَكَرَ الشَّعْبِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَهُ قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ يَشُوبهُ الْكَذِبُ وَالْهَجْوُ غَالِبًا وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَسْمَعُهُ أَنَسٌ مِنْهُمْ " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ أَنَسٍ وَيُخَيَّرُ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ بَيْنَ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَتَرْكِهِ قَالَ الْقَاضِي: كَالْقِرَاءَةِ. (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ مُرَتَّبَةً مُتَوَالِيَةً مُشَدَّدَةً) أَيْ بِتَشْدِيدَاتِهَا، وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِحَدِيثِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ «لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ يَقُولُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْخِدَاجُ النُّقْصَانُ فِي الذَّاتِ نَقْصُ فَسَادٍ، وَبُطْلَانٍ تَقُول الْعَرَبُ أَخَدَجَتْ النَّاقَةُ وَلَدَهَا، أَيْ أَلْقَتْهُ وَهُوَ دَمٌ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ فَإِنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا وَسُمِّيَتْ فَاتِحَةً
لِأَنَّهُ يَفْتَتِحُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَبِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ وَتُسَمَّى الْحَمْدَ وَالسَّبْعَ الْمَثَانِيَ وَأُمَّ الْكِتَابِ وَالرَّاقِيَةَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالْأَسَاسَ، وَالصَّلَاةَ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ - تَقْرِيرًا - أُمُورُ الْإِلَهِيَّاتِ وَالْمَعَادِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ إلَى الرَّحِيمِ يَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ " وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ " يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ، " وَإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ " يَدُلُّ عَلَى نَفِي الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَعَلَى أَنَّ كُلًّا بِقَضَاءِ اللَّهِ " وَاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ " إلَى آخِرِهَا: يَدُلُّ عَلَى النُّبُوَّاتِ وَتُسَمَّى: الشِّفَاءَ وَالشَّافِيَةَ، وَالسُّؤَالَ، وَالدُّعَاءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَوْدَعَ اللَّهُ فِيهَا مَعَانِي الْقُرْآنِ كَمَا أَوْدَعَ فِيهِ مَعَانِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ (وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا مُرَتَّلَةً مُعَرَّبَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] وَيَأْتِي لِذَلِكَ تَتِمَّةٌ فِي أَحْكَامِ الْقُرْآنِ (يَقِفُ فِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ) لِقِرَاءَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ) أَيْ: وَلَوْ (كَانَتْ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةً بِالْأُولَى مُتَعَلِّقَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ) كَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (أَوْ) كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهَا (غَيْرَ ذَلِكَ) التَّعَلُّقِ، كَتَعَلُّقِ الْبَدَلِ بِالْمُبْدَلِ مِنْهُ، كَصِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ، بَعْدَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. (وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ) وَهِيَ الْأَلِفُ اللَّيِّنَةُ وَالْوَاوُ الْمَضْمُومُ مَا قَبْلَهَا، وَالْيَاءُ الْمَكْسُورُ مَا قَبْلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] (مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ) التَّمْكِينُ (إلَى التَّمْطِيطِ) فَيَتْرُكُهُ (وَهِيَ) أَيْ الْفَاتِحَةُ (أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ) وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا «أَعْظَمُ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» (وَأَعْظَمُ آيَةٍ فِيهِ) أَيْ: الْقُرْآنِ (آيَةُ الْكُرْسِيِّ) كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِنْهُ: يُؤْخَذُ أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ مِنْ الْمَعَانِي وَالْبَلَاغَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْجَمِيعِ صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ التَّفَضُّلَ بِاعْتِبَارِ الْمُتَعَلِّقِ لَا بِالذَّاتِ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ " أَنَّهَا - آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ. (وَفِيهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ (إحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) وَذَلِكَ فِي: لِلَّهِ، وَرَبِّ، وَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالدِّينِ، وَإِيَّاكَ، وَإِيَّاكَ، وَالصِّرَاطِ، وَاَلَّذِينَ، وَفِي الضَّالِّينَ ثِنْتَانِ. وَأَمَّا الْبَسْمَلَةُ فَفِيهَا ثَلَاثُ تَشْدِيدَاتٍ (فَإِنْ تَرَكَ تَرْتِيبَهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، بِأَنْ قَدَّمَ بَعْضَ الْآيَاتِ عَلَى بَعْضٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا شَرْطُ صِحَّةِ قِرَاءَتِهَا فَإِنَّ مَنْ نَكَّسَهَا لَا يُسَمَّى قَارِئًا لَهَا عُرْفًا وَقَالَ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي: وَإِنْ قَدَّمَ آيَةً مِنْهَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا
عَمْدًا أَبْطَلَهَا. وَإِنْ كَانَ غَلَطًا رَجَعَ فَأَتَمَّهَا (أَوْ) تَرَكَ (حَرْفًا مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْهَا، وَإِنَّمَا قَرَأَ بَعْضَهَا، (أَوْ) تَرَكَ (تَشْدِيدَةً) مِنْهَا (لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا) لِأَنَّ التَّشْدِيدَةَ بِمَنْزِلَةِ حَرْفٍ، فَإِنَّ الْحَرْفَ الْمُشَدَّدَ قَائِمٌ مَقَامَ حَرْفَيْنِ، فَإِذَا أَخَلَّ بِهَا فَقَدْ أَخَلَّ بِحَرْفٍ قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَهَذَا إذَا فَاتَ مَحَلُّهَا وَبَعُدَ عَنْهُ بِحَيْثُ يُخِلُّ بِالْمُوَالَاةِ، أَمَّا لَوْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَعَادَ الْكَلِمَةَ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِمَثَابَةِ مَنْ نَطَقَ بِهَا عَلَى غَيْرِ الصَّوَابِ فَيَأْتِي بِهَا عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ. قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي عَدَمَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ: أَنْ يَكُونَ تَرَكَ التَّشْدِيدَةَ سَهْوًا أَوْ خَطَأً، أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا عَمْدًا فَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي بُطْلَانَ صَلَاتِهِ إنْ انْتَقَلَ عَنْ مَحَلِّهَا، كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَرْكَانِ، فَأَمَّا مَا دَامَ فِي مَحَلِّهَا، وَهُوَ حَرْفُهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، اهـ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْفَاتِحَةَ رُكْنٌ وَاحِدٌ مَحَلُّهُ الْقِيَامُ، لِأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ رُكْنٌ. (تَتِمَّةٌ) إذَا أَظْهَرَ الْمُدْغَمَ، مِثْلَ أَنْ يُظْهِرَ " لَامَ " الرَّحْمَنِ، فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الْإِدْغَامَ، وَهُوَ لَحْنٌ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ (وَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةَ (غَيْرُ مَأْمُومٍ) وَهُوَ الْإِمَامُ أَوْ الْمُنْفَرِدُ (بِذِكْرٍ) كَثِيرٍ (أَوْ دُعَاءٍ) كَثِيرٍ (أَوْ قُرْآنٍ كَثِيرٍ، أَوْ سُكُوتٍ طَوِيلٍ عَمْدًا، لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهَا) لِاخْتِلَالِ نَظْمِهَا (لَا إنْ كَانَ) الْقُرْآنُ أَوْ الذِّكْرُ أَوْ الدُّعَاءُ (يَسِيرًا) فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِعَدَمِ إخْلَالِهِ بِنَظْمِهَا (أَوْ) كَانَ الْقُرْآنُ أَوْ الذِّكْرُ أَوْ الدُّعَاءُ (كَثِيرًا سَهْوًا أَوْ نَوْمًا) فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» (أَوْ انْتَقَلَ) عَنْ الْفَاتِحَةِ (إلَى) قِرَاءَةِ (غَيْرِهَا غَلَطًا فَطَالَ) ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهَا لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا يَضُرُّ) الْقَطْعُ (فِي حَقِّ مَأْمُومٍ إنْ كَانَ الْقَطْعُ) مَشْرُوعًا. (أَوْ) كَانَ (السُّكُوتُ مَشْرُوعًا كَالتَّأْمِينِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَالتَّسْبِيحِ بِالتَّنْبِيهِ) أَيْ: لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ (وَنَحْوِهِ) كَالْفَتْحِ عَلَى إمَامِهِ، إذَا ارْتَجَّ عَلَيْهِ أَوْ غَلِطَ (أَوْ) كَانَ السُّكُوتُ (لِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ) فَلَا أَثَرَ لِلتَّقْطِيعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ (وَيَبْنِي) الْمَأْمُومُ عَلَى مَا قَرَأَهُ (وَلَا تَبْطُلُ) الْقِرَاءَةُ (بِنِيَّةِ قَطْعِهَا وَلَوْ سَكَتَ يَسِيرًا) فَيَبْنِي عَلَى مَا قَرَأَهُ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ بِاللِّسَانِ، فَلَمْ تَنْقَطِعْ بِخِلَافِ نِيَّةِ الصَّلَاةِ (وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ: إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُمِيلُ الْمَعْنَى، أَوْ أَبْدَلَ حَرْفًا بِحَرْفٍ وَنَحْوِهِ) كَإِدْغَامِ مَا لَا يُدْغَمُ. (وَيُكْرَهُ الْإِفْرَاطُ فِي التَّشْدِيدِ) بِحَيْثُ يَزِيدُ عَلَى حَرْفٍ سَاكِنٍ، لِأَنَّهَا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ، فَإِذَا زَادَهَا
عَنْ ذَلِكَ زَادَهَا عَمَّا أُقِيمَتْ مَقَامَهُ (وَ) الْإِفْرَاطُ فِي (الْمَدِّ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَعَلَ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا. (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَقُولَ مَعَ إمَامِهِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] وَنَحْوَهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] (" مَالِكِ " أَحَبُّ إلَيَّ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ مِنْ " مَلِكِ ") لِمَا فِي مَالِكٍ مِنْ زِيَادَةِ حَرْفِ الْأَلِفِ. وَلِأَنَّهُ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَوْسَعُ وَأَجْمَعُ، لِأَنَّهُ يُقَالُ: مَالِكُ الْعَبِيدِ وَالطَّيْرِ وَالدَّوَابِّ وَلَا يُقَالُ: مَلِكُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ اهـ وَلَا يُقَالُ: مَالِكُ الشَّيْءِ إلَّا وَهُوَ يَمْلِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مَلِكُ الشَّيْءِ وَلَا يَمْلِكُهُ وَقَالَ قَوْمٌ: مَلِكٌ أَوْلَى لِأَنَّ كُلَّ مَلِكٍ مَالِكٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَالِكٍ مَلِكًا، وَهَذَا غَيْرُ مُفِيدٌ هُنَا، لِأَنَّ مَالِكَ الشَّيْءِ مَلِكٌ لَهُ وَزِيَادَةٌ، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي مَالِكٍ الْمُضَافِ إلَى يَوْمِ الدِّينِ، فَإِذَا كَانَ مَالِكُهُ كَانَ مَلِكًا لَهُ. (فَإِذَا فَرَغَ) مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (قَالَ آمِينَ، بَعْدَ سَكْتَةٍ لَطِيفَةٍ، لِيُعْلَمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآنِ) وَإِنَّمَا هِيَ طَابِعُ الدُّعَاءِ، وَمَعْنَاهُ: اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَقِيلَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى (يَجْهَرُ بِهِ إمَامٌ وَمَأْمُومٌ مَعًا فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو وَائِلٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ «آمِينَ يُمِدُّ بِهَا صَوْتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ عَطَاءٌ " كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يُؤَمِّنُ وَيُؤَمِّنُونَ حَتَّى إنَّ لِلْمَسْجِدِ لَلُجَّةً " رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَ) يَجْهَرُ بِهَا (مُنْفَرِدٌ) إنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ تَبَعًا لَهَا. (وَ) يَجْهَرُ بِهَا (غَيْرُ مُصَلٍّ إنْ جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ) تَبَعًا لَهَا (وَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ: التَّأْمِينَ عَمْدًا (إمَامٌ) أَوْ سَهْوًا أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا (أَوْ أَسَرَّهُ) الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (أَتَى بِهِ مَأْمُومٌ جَهْرًا لِيُذَكِّرَهُ) أَيْ: يُذَكِّرُ النَّاسَ، وَكَسَائِرِ السُّنَنِ إذَا تَرَكَهَا الْإِمَامُ أَتَى بِهَا الْمَأْمُومُ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ فِي تَرْكِهَا (وَيَأْتِي الْمَأْمُومُ أَيْضًا بِالتَّعَوُّذِ، وَلَوْ تَرَكَهُ الْإِمَامُ) وَقِيَاسُهُ: الِاسْتِفْتَاحُ وَالْبَسْمَلَةُ. (فَإِنْ تَرَكَ) الْمُصَلِّي (التَّأْمِينَ، حَتَّى شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا (وَالْأَوْلَى) فِي هَمْزَةِ آمِينَ (الْمَدُّ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْإِمَالَةَ وَعَدَمَهَا سِيَّانِ (وَيَجُوزُ الْقَصْرُ فِي آمِينَ) لِأَنَّهُ لُغَةٌ فِيهِ (وَيَحْرُمُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى قَاصِدِينَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَحَرُمَ وَبَطَلَتْ إنْ شَدَّدَ مِيمَهَا اهـ مَعَ أَنَّهُ فِي شَرْحِ الشُّذُورِ حَكَى ذَلِكَ لُغَةً فِيهَا عَنْ بَعْضِهِمْ (فَإِنْ قَالَ آمِّينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ لَمْ يُسْتَحَبَّ) قِيَاسًا عَلَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا: لَا يُسْتَحَبُّ. (وَيُسْتَحَبُّ سُكُوتُ الْإِمَامِ بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ مَأْمُومٍ) الْفَاتِحَةَ
فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ، لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ سَمُرَةَ: لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَعَ الْإِنْصَاتِ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ. (وَيَلْزَمُ الْجَاهِلَ) يَعْنِي مَنْ لَمْ يُحِسَّنْ الْفَاتِحَةَ (تَعَلُّمُهَا) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَزِمَهُ تَحْصِيلُهَا إذَا أَمْكَنَهُ كَشُرُوطِهَا (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: لَمْ يَتَعَلَّمْ الْفَاتِحَةَ (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ الْفَرْضَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ) عَلَى تَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ لِبُعْدِ حِفْظِهِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُ، سَقَطَ) كَسَائِرِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ (وَلَزِمَهُ قِرَاءَةُ قَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ شَاءَ مِنْ الْقُرْآنِ، لِمُشَارَكَتِهِ لَهَا فِي الْقُرْآنِيَّةِ. وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ عَدَدُ الْحُرُوفِ لِأَنَّهَا مَقْصُودَةٌ، بِدَلِيلِ اعْتِبَارِ تَقْدِيرِ الْحَسَنَاتِ بِهَا فَاعْتُبِرَتْ كَالْآيِ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) مِنْ الْقُرْآنِ (إلَّا آيَةً وَاحِدَةً مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْفَاتِحَةِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهَا كَرَّرَهَا بِقَدْرِهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ، مُرَاعِيًا عَدَدَ الْحُرُوفِ وَالْآيَاتِ، كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُ آيَةً مِنْهَا) أَيْ: الْفَاتِحَةِ. (وَ) يُحْسِنُ (شَيْئًا مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ: آيَةً فَأَكْثَرَ مِنْ بَاقِي السُّورِ (كَرَّرَ الْآيَةَ) الَّتِي يُحْسِنُهَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَ (لَا) يُكَرِّرُ (الشَّيْءَ) الَّذِي لَيْسَ مِنْ الْفَاتِحَةِ (بِقَدْرِهَا) مُتَعَلِّقٌ بِكَرَّرَ، لِأَنَّ الَّذِي مِنْهَا أَقْرَبُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهَا (لَمْ يُحْسِنْ إلَّا بَعْضَ آيَةٍ، لَمْ يُكَرِّرْهُ وَعَدَلَ إلَى غَيْرِهِ) سَوَاءٌ كَانَ بَعْضُ الْآيَةِ مِنْ الْفَاتِحَةِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ الَّذِي لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَغَيْرِهَا مِمَّا يَأْتِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ بَعْضُ آيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِتَكْرَارِهَا (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَرُمَ أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُ) أَيْ: أَنْ يَقُولَهُ (بِلُغَةٍ أُخْرَى) غَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ (كَعَالِمٍ) بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ التَّرْجَمَةَ عَنْهُ تَفْسِيرٌ لَا قُرْآنٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ هُوَ اللَّفْظُ الْعَرَبِيُّ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ تَعَالَى {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} [يوسف: 2] وَقَالَ تَعَالَى " بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ". (وَتَرْجَمَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنَ (بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا لَا تُسَمَّى قُرْآنًا فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ وَلَا يَحْنَثُ بِهَا مَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ أَحْمَدُ الْقُرْآنُ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ، أَيْ: بِخِلَافِ تَرْجَمَتِهِ بِلُغَةٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ لَا إعْجَازَ فِيهَا، فَدَلَّ أَنَّ الْإِعْجَازَ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَفِي بَعْضِ آيَةٍ إعْجَازٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَفِي كَلَامِهِ فِي التَّمْهِيدِ فِي النَّسْخِ وَكَلَامِ أَبِي الْمَعَالِي: لَا. (وَتَحْسُنُ لِلْحَاجَةِ تَرْجَمَتُهُ) أَيْ: الْقُرْآنِ (إذَا احْتَاجَ إلَى تَفَهُّمِهِ إيَّاهُ
بِالتَّرْجَمَةِ) وَتَكُونُ تِلْكَ التَّرْجَمَةُ عِبَارَةً عَنْ مَعْنَى الْقُرْآنِ، وَتَفْسِيرًا لَهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ لَا قُرْآنًا وَلَا مُعْجِزًا، كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) عَلَى هَذَا: فَإِنَّمَا (حَصَلَ الْإِنْذَارُ بِالْقُرْآنِ) أَيْ: الْمُعَبَّرُ عَنْ مَعْنَاهُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ (دُونَ تِلْكَ اللُّغَةِ، كَتَرْجَمَةِ الشَّهَادَةِ) أَيْ: كَمَا لَوْ تُرْجِمَتْ الشَّهَادَةُ لِلْحَاكِمِ فَإِنَّ حُكْمَهُ يَقَعُ بِالشَّهَادَةِ، لَا بِالتَّرْجَمَةِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: مَنْ لَمْ يُحْسِنْ آيَةً مِنْ الْقُرْآنِ (أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ " وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِينِي عَنْهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ» الْحَدِيثَ. وَمَنْ أَسْقَطَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ، اعْتَمَدَ عَلَى حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّمَ رَجُلًا الصَّلَاةَ فَقَالَ: إنْ كَانَ مَعَك قُرْآنٌ فَاقْرَأْ، وَإِلَّا فَاحْمَدْ اللَّهَ، وَكَبِّرْهُ، وَهَلِّلْهُ، ثُمَّ ارْكَعْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ. قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ إيجَابُ سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ الْأَمْرُ بِالتَّسْبِيحِ، وَقَدْ أَوْجَبَهُ، أَخْذًا بِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَكَأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِجَمِيعِهِ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ قُلْتُ وَيُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَمْدَ لَمَّا كَانَ مُقَارِنًا لِلتَّسْبِيحِ غَالِبًا فَكَأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْهُمَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ، وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فَكَأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحَوْقَلَةِ فَإِسْقَاطُهَا مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى لَيْسَ لِلْوُجُوبِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالِاحْتِيَاطُ الْإِتْيَانُ بِهَا، لِلْحَدِيثِ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. تَنْبِيهٌ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ السَّابِقَ يُجْزِئُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ، بِخِلَافِ الْقِرَاءَةِ مِنْ غَيْرِهَا، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِأَنَّ هَذَا بَدَلٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) الْمُصَلِّي (إلَّا بَعْضَ الذِّكْرِ) الْمَذْكُورِ (كَرَّرَهُ) أَيْ: مَا يُحْسِنُهُ (بِقَدْرِ الذِّكْرِ) مُرَاعِيًا لِعَدَدِ الْحُرُوفِ وَالْجُمَلِ، عَلَى قِيَاسِ مَا سَبَقَ (فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ) الْمُصَلِّي (شَيْئًا مِنْهُ، أَيْ: مِنْ الذِّكْرِ، وَقَفَ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ كَالْأَخْرَسِ) وَمَقْطُوعِ اللِّسَانِ، لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَمْ يُجْزِئْهُ، فَمَعَ الْقُدْرَةِ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ بِقَدْرِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَزِمَهُ الْآخَرُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي تَكْبِيرَة
فصل يقرأ البسملة سرا في الصلاة
الْإِحْرَامِ (وَلَمْ تَلْزَمْهُ) أَيْ: الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ الْفَاتِحَةَ (الصَّلَاةُ خَلْفَ قَارِئٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ السَّائِلَ بِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى السَّابِقِ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ) لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ قَارِئٍ لِتَكُونَ قِرَاءَةُ الْإِمَامِ قِرَاءَةً لَهُ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ (مَنْ صَلَّى وَتَلَقَّفَ الْقِرَاءَةَ مِنْ غَيْرِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ أَتَى بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْقَارِئَ مِنْ حِفْظِهِ، أَوْ مِنْ مُصْحَفٍ (تَنْبِيهٌ) يُقَالُ: لَقِفْتُ الشَّيْءَ وَتَلَقَّفْتُهُ: إذَا تَنَاوَلْتُهُ بِسُرْعَةٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ ذَلِكَ أَيْ: سُرْعَةُ التَّنَاوُلِ، لِئَلَّا تَفُوتَ الْمُوَالَاةُ. [فَصْلٌ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا فِي الصَّلَاةِ] فَصْلٌ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ سِرًّا) نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ (ثُمَّ) يَقْرَأُ (سُورَةً كَامِلَةً) قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي اسْتِحْبَابِ قِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ كُلِّ صَلَاةٍ (وَتَجُوزُ) أَيْ: تُجْزِئُ (آيَةٌ، إلَّا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ اسْتَحَبَّ أَنْ تَكُونَ) الْآيَةُ (طَوِيلَةً، كَآيَةِ الدَّيْنِ، وَآيَةِ الْكُرْسِيِّ) لِتُشْبِهَ بَعْضَ السُّوَرِ الْقِصَارِ قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ عَدَمُ إجْزَاءِ آيَةٍ لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ نَحْوِ {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] كَمَا يَأْتِي عَنْ أَبِي الْمَعَالِي فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (فَإِنْ قَرَأَ مِنْ أَثْنَاءِ سُورَةٍ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُبَسْمِلَ نَصًّا) قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَيَجُوزُ قِرَاءَةُ آخِرِ سُورَةٍ وَأَوْسَطِهَا، فَيُسَمِّي إذَنْ وَظَاهِرٌ حَتَّى بَرَاءَةَ وَلِبَعْضِ الْقُرَّاءِ فِيهِ تَرَدُّدٌ (وَإِنْ كَانَ) يَقْرَأُ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ فَإِنْ شَاءَ جَهَرَ بِهَا) أَيْ: الْبَسْمَلَةِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) بِهَا، كَمَا يُخَيَّرُ فِي الْقِرَاءَةِ. (وَيُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ) فِي الصَّلَاةِ (عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ (تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ) لِحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ إلَى التَّخْفِيفِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَتَبَ عُمَرُ إلَى أَبِي مُوسَى أَنْ " اقْرَأْ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَاقْرَأْ فِي الظُّهْرِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ، وَاقْرَأْ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ " رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ وَهُوَ السَّبْعُ السَّابِعُ، سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ فُصُولِهِ (وَأَوَّلُهُ) أَيْ الْمُفَصَّلِ سُورَةُ " ق " لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ. قَالَ: سَأَلْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
كَيْف يُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ؟ قَالُوا: ثُلُثٌ وَخُمُسٌ، وَسَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، وَثَلَاثَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَوَّلَ الْمُفَصَّلِ السُّورَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ، مِنْ أَوَّلِ الْبَقَرَةِ لَا مِنْ الْفَاتِحَةِ وَهِيَ ق، قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ. وَفِي الْفُنُونِ: أَوَّلُهُ الْحُجُرَاتُ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ (بِقِصَارِهِ فِي الْفَجْرِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا) كَغَلَبَةِ نُعَاسٍ وَخَوْفٍ، لِمُخَالَفَتِهِ السُّنَّةَ (وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ، لِمَا يَأْتِي. (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ فِي الْمَغْرِبِ (بِطِوَالِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) يَقْتَضِي التَّخْفِيفَ (نَصًّا) لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ» . (وَ) يَقْرَأُ (فِي الْبَاقِي) وَهُوَ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ (مِنْ أَوْسَاطِهِ) أَيْ: الْمُفَصَّلِ، لِمَا رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ فُلَانٍ، قَالَ سُلَيْمَانُ فَصَلَّيْت خَلْفَهُ، فَكَانَ يَقْرَأُ فِي الْغَدَاةِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ، وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ، وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ لَهُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ وَسَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا (فَإِنْ كَانَ) ثَمَّ عُذْرٌ (لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَقْرَأَ (بِأَقْصَرَ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا ذَكَرَ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ وَإِنْ قَصُرَتْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِهَا، وَلَا يُعْتَدُّ بِالسُّورَةِ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ. (وَيَجْهَرُ الْإِمَامُ بِالْقِرَاءَةِ اسْتِحْبَابًا فِي الصُّبْحِ، وَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ وَ) أُولَتَيْ (الْعِشَاءِ) إجْمَاعًا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ. (وَيُكْرَهُ) الْجَهْرُ بِالْقِرَاءَةِ (لِمَأْمُومٍ) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (وَيُخَيَّرُ مُنْفَرِدٌ وَقَائِمٌ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ بَيْنَ جَهْرٍ) بِالْقِرَاءَةِ (وَإِخْفَاتٍ) بِهَا، لِأَنَّهُ يُرَادُ مِنْهُ إسْمَاعُ غَيْرِهِ وَلَا اسْتِمَاعُهُ، بِخِلَافِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ. (وَلَا بَأْسَ بِجَهْرِ امْرَأَةٍ) فِي الْجَهْرِيَّةِ (إذَا لَمْ يَسْمَعْهَا أَجْنَبِيٌّ) مِنْهَا، بِأَنْ كَانَتْ تُصَلِّي وَحْدَهَا، أَوْ مَعَ مَحْرَمِهَا، أَوْ مَعَ النِّسَاءِ (وَخُنْثَى مِثْلِهَا) أَيْ مِثْلِ الْمَرْأَةِ فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُ إذَا سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ أَنَّهَا تُسِرُّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وُجُوبًا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَهَا قَالَ الْقَاضِي: أُطْلِقَ الْمَنْعُ (وَيُسِرُّ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ جَهْرٍ) كَعِشَاءٍ أَوْ صُبْحٍ قَضَاهَا (نَهَارًا وَلَوْ جَمَاعَةً) اعْتِبَارًا بِزَمَنِ الْقَضَاءِ (كَصَلَاةِ سِرٍّ) قَضَاهَا وَلَوْ لَيْلًا، اعْتِبَارًا بِالْمَقْضِيَّةِ (وَيَجْهَرُ بِالْجَهْرِيَّةِ) كَأُولَتَيْ الْمَغْرِبِ إذَا قَضَاهَا (لَيْلًا فِي جَمَاعَةٍ فَقَطْ) اعْتِبَارًا بِالْقَضَاءِ، وَشَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ، لِكَوْنِهَا فِي جَمَاعَةٍ، فَإِنْ قَضَاهَا مُنْفَرِدًا
أَسَرَّهَا لِفَوَاتِ شَبَهِهَا بِالْأَدَاءِ. (وَيُكْرَهُ جَهْرُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (فِي نَفْلٍ نَهَارًا) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» (وَ) الْمُتَنَفِّلُ (لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ) فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ مَنْ يَتَأَذَّى بِجَهْرِهِ أَسَرَّ، وَإِنْ كَانَ مَنْ يَنْتَفِعُ بِجَهْرِهِ جَهَرَ (وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالنَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَبِاللَّيْلِ مِنْ غُرُوبِهَا) أَيْ: الشَّمْسِ (إلَى طُلُوعِهَا قَالَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ) . وَتَقَدَّمَ فِي الْأَذَانِ مَعْنَاهُ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَيَصِحُّ الْفَجْرُ بَعْدَ نِصْفَ اللَّيْلِ، لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصُّبْحَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ فِي الْمَوَاقِيتِ (وَإِنْ أَسَرَّ فِي) مَحَلِّ (جَهْرٍ، أَوْ جَهَرَ فِي) مَحَلِّ (سِرٍّ بَنَى عَلَى قِرَاءَتِهِ) لِصِحَّتِهَا، وَالْجَهْرُ وَالسِّرُّ سُنَّةٌ لَا يُبْطِلُ تَرْكُهُ الْقِرَاءَةَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ كَمَا فِي الْمُصْحَفِ مِنْ تَرْتِيبِ السُّوَرِ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يَقْرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ إلَى أَسْفَلَ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْقُولُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَيَحْرُمُ تَنْكِيسُ الْكَلِمَاتِ) أَيْ: كَلِمَاتِ الْقُرْآنِ، لِإِخْلَالِهِ بِنَظْمِهِ (وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ) لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِإِخْلَالِ نَظْمِهِ كَلَامًا أَجْنَبِيًّا، يُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ. (وَيُكْرَهُ تَنْكِيسُ السُّوَرِ) كَأَنْ يَقْرَأَ {أَلَمْ نَشْرَحْ} [الشرح: 1] ثُمَّ يَقْرَأَ بَعْدَهَا {وَالضُّحَى} [الضحى: 1] سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ (فِي رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَنْكُوسًا فَقَالَ: ذَلِكَ مَنْكُوسُ الْقَلْبِ " وَفَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنْ يَقْرَأَ سُورَةً ثُمَّ يَقْرَأَ بَعْدَهَا أُخْرَى هِيَ قَبْلَهَا فِي النَّظْمِ " ذَكَرَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي الشَّرْحِ (كَالْآيَاتِ) أَيْ: كَمَا يُكْرَهُ تَنْكِيسُ الْآيَاتِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ فِي تَنْكِيسِ الْآيَاتِ. كَمَا يَأْتِي مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ وَاجِبٌ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ، وَتَغْيِيرِ الْمَعْنَى - كَانَ مُتَّجَهًا وَدَلِيلُ الْكَرَاهَةِ فَقَطْ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالِاحْتِجَاجُ بِتَعَلُّمِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ كَانَ لِلْحَاجَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَانَ يَنْزِلُ بِحَسَبِ الْوَقَائِعِ،. وَ (قَالَ الشَّيْخُ تَرْتِيبُ الْآيَاتِ وَاجِبٌ لِأَنَّ تَرْتِيبَهَا بِالنَّصِّ إجْمَاعًا) . (وَتَرْتِيبُ السُّوَرِ بِالِاجْتِهَادِ لَا بِالنَّصِّ، وَفِي قَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فَتَجُوزُ قِرَاءَةُ هَذِهِ) السُّورَةِ (قَبْلَ هَذِهِ) السُّورَةِ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَلَّمَ كَذَلِكَ (وَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ) أَيْ: تَجُوزُ كِتَابَةُ هَذِهِ قَبْلَ هَذِهِ. (وَلِهَذَا تَنَوَّعَتْ مَصَاحِفُ الصَّحَابَةِ فِي كِتَابَتِهَا، لَكِنْ لَمَّا اتَّفَقُوا عَلَى الْمُصْحَفِ زَمَنَ عُثْمَانَ) بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (صَارَ هَذَا مِمَّا سَنَّهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ، وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ) أَيْ: حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ
بْنِ سَارِيَةَ الَّذِي مِنْ " جُمْلَتِهِ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» الْحَدِيثَ (عَلَى أَنَّ لَهُمْ سُنَّةً يَجِبُ اتِّبَاعُهَا) لِقَوْلِهِ «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» (وَإِنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ وَافَقَ قِرَاءَةَ أَحَدٍ مِنْ الْعَشَرَةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، وَيَحْرُمُ) قِرَاءَةُ مَا خَرَجَ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (لِعَدَمِ تَوَاتُرِهِ وَعَنْهُ يُكْرَهُ) أَنْ يَقْرَأَ بِمَا يَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ (وَ) عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ (تَصِحُّ) صَلَاتُهُ (إذَا صَحَّ سَنَدُهُ) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُصَلُّونَ بِقِرَاءَتِهِمْ فِي عَصْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبَعْدِهِ، وَكَانَتْ صَلَاتُهُمْ صَحِيحَةً بِغَيْرِ شَكٍّ (وَتَصِحُّ) الصَّلَاةُ (بِمَا وَافَقَ الْمُصْحَفَ) الْعُثْمَانِيَّ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْعَشَرَةِ نَصًّا) أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي مُصْحَفِ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَسُورَةِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ، وَزِيَادَةِ بَعْضِ الْكَلِمَاتِ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَصَحَّ سَنَدُهُ عَنْ صَحَابِيٍّ، قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ وَالْعَشَرَةُ هُمْ قُرَّاءُ الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورُونَ، فَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اثْنَانِ: الْأَوَّلُ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ،. وَالثَّانِي نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعَيْمٍ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، وَمِنْ أَهْلِ الشَّامِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَمِنْ الْبَصْرَةِ: أَبُو عَمْرٍو يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، وَمِنْ الْكُوفَةِ: عَاصِمُ بْنُ أَبِي النَّجُودِ بَهْدَلَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ حَبِيبٍ الزَّيَّاتُ الْقَسْمَلِيُّ، وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكِسَائِيُّ، وَخَلَفُ بْنُ هِشَامٍ الْبَزَّارُ. (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ قِرَاءَةَ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ) لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْكَسْرِ وَالْإِدْغَامِ وَالتَّكَلُّفِ وَزِيَادَةِ الْمَدِّ وَأَنْكَرَهَا السَّلَفُ، مِنْهُمْ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ غَيْرَهُمَا وَعَنْهُ (وَالْإِدْغَامُ الْكَبِيرُ لِأَبِي عَمْرٍو) لِلْإِدْغَامِ الشَّدِيدِ. (وَاخْتَارَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (قِرَاءَةَ نَافِعٍ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ) لِأَنَّ إسْمَاعِيلَ قَرَأَ عَلَى شَيْبَةَ شَيْخِ نَافِعٍ (ثُمَّ قِرَاءَةَ عَاصِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَيَّاشٍ) لِأَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَقَرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى زَيْدٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ اخْتَارَهَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ وَهُوَ أَضْبَطُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُ مَعَ عِلْمٍ وَعَمَلٍ وَزُهْدٍ، وَقَالَ لَهُ الْمَيْمُونِيُّ: أَيُّ الْقِرَاءَاتِ تَخْتَارُ لِي فَأَقْرَأُ بِهَا؟ قَالَ: قِرَاءَةُ ابْنِ الْعَلَاءِ لُغَةُ قُرَيْشٍ وَالْفُصَحَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَإِنْ كَانَ فِي قِرَاءَةٍ زِيَادَةُ حَرْفٍ مِثْلُ: فَأَزَلَّهُمَا، وَأَزَالَهُمَا، وَوَصَّى وَأَوْصَى، فَهِيَ أَوْلَى، لِأَجْلِ عَشْرِ الْحَسَنَاتِ نَقَلَهُ حَرْبٌ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّ الْحَرْفَ الْكَلِمَةُ
فصل يرفع يديه عند افتتاح الصلاة
[فَصْلٌ يَرْفَعُ يَدَيْهِ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ] (فَصْلٌ ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ) إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ (بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: إذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَتِهِ ثَبَتَ قَائِمًا، وَسَكَتَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِ نَفَسُهُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَلَا يَصِلُ قِرَاءَتَهُ بِتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ، قَالَهُ أَحْمَدُ، لِحَدِيثِ سَمُرَةَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ، «إذَا فَرَغَ مِنْ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيَكُونُ رَفْعُ الْيَدَيْنِ (مَعَ ابْتِدَاءِ الرُّكُوعِ) اسْتِحْبَابًا فِي قَوْلِ خَلَائِقَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ، حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَكَانَ عُمَرُ إذَا رَأَى رَجُلًا لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَصَبَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْفَعَ " وَمَضَى عَمَلُ السَّلَفِ عَلَى هَذَا (مُكَبِّرًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَيَضَعُ يَدَيْهِ مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، مُلْقِمًا كُلَّ يَدٍ رُكْبَةً) " لِمَا فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ «وَإِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ " أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَرَّجَ أَصَابِعَهُ مِنْ وَرَاءِ رُكْبَتَيْهِ» (وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا) وَيَجْعَلُ (رَأْسَهُ حِيَالِهِ) أَيْ: بِإِزَاءِ (ظَهْرِهِ) لَا يَرْفَعْهُ وَلَا يَخْفِضْهُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَكَعَ لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ «إذَا رَكَعَ لَوْ كَانَ قَدَحُ مَاءٍ عَلَى ظَهْرِهِ مَا تَحَرَّكَ، لِاسْتِوَاءِ ظَهْرِهِ» ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَحْفُوظُ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَكَانَ إذَا رَكَعَ سَوَّى ظَهْرَهُ حَتَّى لَوْ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ لَاسْتَقَرَّ» (وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو حُمَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَرَ يَدَيْهِ، فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُطْبِقَ إحْدَى رَاحَتَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى، وَيَجْعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) وَهَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، «وَقَدْ فَعَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ
فَنَهَانِي أَبِي وَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ فَأَمَرَنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، (وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ) فِي الرُّكُوعِ (انْحِنَاؤُهُ بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ نَصًّا، إذَا كَانَ وَسَطًا مِنْ النَّاسِ، لَا طَوِيلَ الْيَدَيْنِ، وَلَا قَصِيرَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَاكِعًا بِدُونِهِ وَلَا يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الْقِيَامِ إلَى الرُّكُوعِ إلَّا بِهِ. (وَقَدْرُهُ) أَيْ: الِانْحِنَاءِ، بِحَيْثُ يُمْكِنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ لَوْ كَانَ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ (فِي حَقِّهِمَا) أَيْ: طَوِيلَ الْيَدَيْنِ وَقَصِيرَهُمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَوْ قَدْرُهُ مِنْ غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الْوَسَطِ مِنْ النَّاسِ، قَالَ الْمَجْدُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ: وَضَابِطُ الْإِجْزَاءِ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ (بِحَيْثُ) عِبَارَتِهِ: أَنْ (يَكُونَ انْحِنَاؤُهُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُعْتَدِلِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْقِيَامِ الْمُعْتَدِلِ) وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ قَوْلٌ مُقَابِلٌ لِلْقَوْلِ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ أَوْضَحْت ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ. وَإِنْ كَانَتْ يَدَاهُ عَلِيلَتَيْنِ لَا يُمْكِنُهُ وَضْعُهُمَا انْحَنَى وَلَمْ يَضَعْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلِيلَةً وَضَعَ الْأُخْرَى ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (وَقَدْرُهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ (مِنْ قَاعِدٍ مُقَابَلَةُ وَجِهَةِ مَا قُدَّامَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ، وَتَتِمَّتُهَا) أَيْ: الْمُقَابَلَةِ (الْكَمَالُ) أَيْ: كَمَالُ الرُّكُوعِ مِنْ الْقَاعِدِ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ. (وَيَقُولُ) فِي رُكُوعِهِ: (سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ «صَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ، وَفِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «لَمَّا نَزَلَتْ {فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [الواقعة: 74] قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى} [الأعلى: 1] قَالَ: اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَالْأَفْضَلُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ زِيَادَةِ " وَبِحَمْدِهِ " وَالْوَاجِبُ مَرَّةٌ كَمَا يَأْتِي، وَالسُّنَّةُ (ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ «إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» وَذَلِكَ أَدْنَاهُ وَأَعْلَاهُ، أَيْ: الْكَمَالِ فِي حَقِّ إمَامٍ إلَى عَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يُصَلِّي كَصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَزَرُوا ذَلِكَ بِعَشْرِ تَسْبِيحَاتٍ ". وَقَالَ أَحْمَدُ " جَاءَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّ التَّسْبِيحَ التَّامَّ سَبْعٌ وَالْوَسَطُ خَمْسٌ وَأَدْنَاهُ ثَلَاثٌ (وَ) (أَعْلَاهُ) التَّسْبِيحِ (فِي حَقِّ إمَامٍ إلَى عَشْرٍ وَمُنْفَرِدٍ: الْعُرْفُ) وَقِيلَ: مَا لَمْ
يَخَفْ سَهْوًا. وَقِيلَ: بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَقِيلَ: سَبْعٌ (وَكَذَا سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي سُجُودِهِ) أَيْ: حُكْمُهَا حُكْمُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ فِيمَا تَقَدَّمَ (وَالْكَمَالُ فِي رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثَلَاثٌ وَمَحَلُّ ذَلِكَ: فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ) فِي الْكُلِّ لِمَا فِيهَا مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّطْوِيلِ (وَلَوْ انْحَنَى لِتَنَاوُلِ شَيْءٍ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ الرُّكُوعُ لَمْ يُجْزِئْهُ) الِانْحِنَاءُ (عَنْهُ) أَيْ: الرُّكُوعِ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. (وَتُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهَا حَالُ ذُلٍّ وَانْخِفَاضٍ وَالْقُرْآنُ أَشْرَفُ الْكَلَامِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مَعَ يَدَيْهِ كَرَفْعِهِ الْأَوَّلِ) فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرِهِ (قَائِلًا إمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، مُرَتَّبًا وُجُوبًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ ". وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبُرَيْدَةَ: يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْت رَأْسَك مِنْ الرُّكُوعِ فَقُلْ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» فَلَوْ قَالَ مَنْ حَمِدَ اللَّهَ: سَمِعَ لَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ لِتَغْيِيرِ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْأَوَّلَ صِيغَةٌ تَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ (وَمَعْنَى سَمِعَ أَجَابَ) أَيْ: اسْتَجَابَ وَالثَّانِي: صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ، لَا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، فَافْتَرَقَا (ثُمَّ إنْ شَاءَ أَرْسَلَ يَدَيْهِ) مِنْ غَيْرِ وَضْعِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى (وَإِنْ شَاءَ وَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ نَصًّا) أَيْ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَهُمَا (فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ. قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ) . لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى " مِلْءَ السَّمَاءِ " لِأَنَّهُ كَذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَالْمُنْفَرِدُ كَالْإِمَامِ، خُصُوصًا وَقَدْ عَضَّدَهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَ) نَقَلَ عَنْهُ أَبُو الْحَارِثِ (إنْ شَاءَ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلَ الثَّنَاء وَالْمَجْدِ) قَالَ أَحْمَدُ وَأَنَا أَقُولُهُ وَظَاهِرُهُ يُسْتَحَبُّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَتَبِعَهُمْ فِي الْإِنْصَافِ وَظَاهِرُ التَّنْقِيحِ: لَا يُسْتَحَبُّ وَ " أَهْلَ " مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ، أَوْ مَرْفُوعٌ عَلَى الْخَبَرِ، لِمَحْذُوفٍ، أَيْ: أَنْتَ أَهْلُهُمَا «أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَك عَبْدٌ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ،
وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ (أَوْ) يَقُولُ (غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ» . وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: الصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ الزِّيَادَةِ لِمَنْ يَكْتَفِي فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِأَدْنَى الْكَمَالِ، (وَالْمَأْمُومُ يَحْمَدُ) أَيْ: يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (فَقَطْ فِي حَالِ رَفْعِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ. لِمَا رَوَى أَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَالَ الْإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا قَوْلُ " مِلْءَ السَّمَاءِ " وَمَا بَعْدَهُ فَلَا يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِمْ بِقَوْلِ «رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُمْ سِوَاهُ (وَلِلْمُصَلِّي) إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا (قَوْلُ: رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، بِلَا وَاوٍ) لِوُرُودِ الْخَبَرِ بِهِ (وَبِهَا) أَيْ: بِالْوَاوِ (أَفْضَلُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ حُرُوفًا وَيَتَضَمَّنُ الْحَمْدَ مُقَدَّرًا وَمُظْهَرًا، فَإِنَّ التَّقْدِيرَ: رَبَّنَا حَمِدْنَاك، وَلَك الْحَمْدُ، لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الظَّاهِرِ مَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ فِي الْكَلَامِ مُقَدَّرًا (وَإِنْ شَاءَ) الْمُصَلِّي. (قَالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ، بِلَا وَاوٍ) نَقَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ، لِوُرُودِهِ فِي خَبَرَيْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (وَهُوَ) أَيْ: قَوْلُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ (أَفْضَلُ) مِنْهُ مَعَ الْوَاوِ (وَإِنْ شَاءَ) قَالَهُ (بِوَاوٍ) فَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ " وَذَلِكَ كُلُّهُ بِحَسَبِ الرِّوَايَاتِ صِحَّةً وَكَثْرَةً، وَضِدَّهُمَا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِزِيَادَةِ الْحُرُوفِ وَقِلَّتِهَا. تَنْبِيهٌ يَجُوزُ فِي " مِلْءَ السَّمَوَاتِ " وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ النَّصْبُ، عَلَى الْحَالِ أَيْ: مَالِئًا، وَالرَّفْعُ عَلَى الصِّفَةِ أَيْ: حَمْدًا لَوْ كَانَ أَجْسَامًا لَمَلَأَ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ أَيْ: كَالْكُرْسِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّا لَا يَعْلَمُ سِعَتَهُ إلَّا اللَّهُ وَلِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ «وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا» وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ. (وَإِنْ عَطَسَ) الْمُصَلِّي (حَالَ رَفْعِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ (فَحَمِدَ) اللَّهَ (لَهُمَا جَمِيعًا) بِأَنْ قَالَ " رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ " وَنَحْوَهُ مِمَّا وَرَدَ نَاوِيًا بِهِ الْعُطَاسَ، وَذَكَرَ الِانْتِقَالَ (لَمْ يُجْزِئْهُ نَصًّا وَلَا تَبْطُلُ بِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِصْهُ لِلرَّفْعِ، وَصَحَّحَ الْمُوَفَّقُ الْإِجْزَاءَ، كَمَا لَوْ قَالَهُ ذَاهِلًا، وَإِنْ نَوَى أَحَدَهُمَا تَعَيَّنَ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الْآخَرِ (وَمِثْلُ ذَلِكَ: لَوْ أَرَادَ الشُّرُوعَ فِي الْفَاتِحَةِ فَعَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَنْوِي بِذَلِكَ عَنْ الْعُطَاسِ وَالْقِرَاءَةِ) لَمْ يُجْزِئْهُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ تَمَامِ)
فَضِيلَةِ (الصَّلَاةِ) وَسُنَنِهَا (مَنْ رَفَعَ) يَدَيْهِ فِي مَوَاضِعِهِ، فَهُوَ (أَتَمُّ صَلَاةً مِمَّنْ لَمْ يَرْفَعْ) يَدَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى: لَا يَنْهَاك عَنْ رَفْعِ الْيَدَيْنِ إلَّا مُبْتَدِعٌ، فَعَلَ ذَلِكَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيَرْفَعُ مَنْ صَلَّى قَائِمًا وَجَالِسًا فَرْضًا وَنَفْلًا، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، (وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، فَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُسَبِّحْ فِي رُكُوعِهِ لَمْ يَعُدْ إلَى الرُّكُوعِ، إذَا ذَكَرَهُ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ) لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إلَى رُكْنٍ مَقْصُودٍ، فَلَا يَعُودُ إلَى وَاجِبٍ (فَإِنْ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ اعْتِدَالِهِ (فَقَدْ زَادَ رُكُوعًا، تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ نَسِيَ التَّسْبِيحَ. (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: عَادَ إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ (نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ بِذَلِكَ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) وُجُوبًا لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ فِعْلِيَّةٌ (فَإِنْ أَدْرَكَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي هَذَا الرُّكُوعِ) الْعَائِدِ بِهِ إلَى التَّسْبِيحِ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا (لَمْ يُدْرِكْ الرَّكْعَةَ) لِأَنَّهُ مَلْغِيٌّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي سُجُودِ السَّهْوِ) مُوَضَّحًا (ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ سَاجِدًا وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُ أَحَدًا رَوَاهُ غَيْرَ شَرِيكٍ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ غَيْرٍ طَرِيقِ شَرِيكٍ وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي، وَأَحْسَنُ فِي الشَّكْلِ، وَرَأْيِ الْعَيْنِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلٍ أَصَحُّ. وَقَالَ الْحَاكِمُ: هُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَبِتَقْدِيرِ مُسَاوَاتِهِ فَهُوَ مَنْسُوخٌ، لِمَا رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ «كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأُمِرْنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ هُنَا الْكَفَّانِ (ثُمَّ) يَضَعُ (جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ وَيُمَكِّنُ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ، لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَيُمَكِّنُ (رَاحَتَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ) أَيْ: مِنْ مُصَلَّاهُ (وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْت أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ذَكَرَ مِنْهَا أَطْرَافَ الْقَدَمَيْنِ (وَتَكُونُ) أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ (مُفَرَّقَةً، إنْ لَمْ يَكُنْ فِي رِجْلَيْهِ نَعْلٌ أَوْ خُفٌّ) وَتَكُونُ (مُوَجَّهَةً إلَى الْقِبْلَةِ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
سَجَدَ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ» . وَفِي رِوَايَةٍ وَفَتَخَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ " قَوْلُهُ فَتَخَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ: نَصَبَهُمَا، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ إنَّهُ يُقِيمُ قَدَمَيْهِ، وَيَجْعَلُ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ وَفِيهِ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَلْصَقَ كَعْبَهُ فِي سُجُودِهِ. تَتِمَّةٌ إذَا سَقَطَ عَلَى جَنْبِهِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ الرُّكُوعِ، ثُمَّ انْقَلَبَ سَاجِدًا لَمْ يُجْزِهِ سُجُودُهُ، حَتَّى يَنْوِيَهُ، لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتِهَا، وَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ سَاجِدًا، أَجْزَأَهُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِأَنَّهُ عَلَى هَيْئَتِهَا، فَلَوْ قَطَعَ النِّيَّةَ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ. (وَلَوْ سَقَطَ إلَى الْأَرْضِ مِنْ قِيَامٍ أَوْ رُكُوعٍ وَلَمْ يَطْمَئِنَّ عَادَ فَأَتَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِالرُّكُوعِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِمَا يُسْقِطُ فَرْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ عَنْ انْتِصَابٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ (وَإِنْ) رَكَعَ (اطْمَأَنَّ) ثُمَّ سَقَطَ (عَادَ) وُجُوبًا (فَانْتَصَبَ قَائِمًا ثُمَّ يَسْجُدُ) لِيَحْصُلَ فَرْضُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنْهُ فِي مَوْضِعِهِ. (فَإِنْ) رَكَعَ وَاطْمَأَنَّ ثُمَّ (اعْتَلَّ) بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ (حَتَّى يَسْجُدَ، سَقَطَ) عَنْهُ الرَّفْعُ لِعَجْزِهِ عَنْهُ، وَيَسْجُدُ عَنْ الرُّكُوعِ، فَإِنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ قَبْلَ سُجُودِهِ بِالْأَرْضِ لَزِمَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِيَامِ لِأَنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ حُصُولِهِ فِي الرُّكْنِ الَّذِي بَعْدَهُ، فَلَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ (وَإِنْ عَلَا مَوْضِعُ رَأْسِهِ عَلَى) مَوْضِعِ (قَدَمَيْهِ فَلَمْ تَسْتَعْلِ الْأَسَافِلُ بِلَا حَاجَةٍ فَلَا بَأْسَ بِيَسِيرِهِ) صَحَّحَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. (وَيُكْرَهُ بِكَثِيرِهِ) أَيْ: يُكْرَهُ الْكَثِيرُ مِنْ ذَلِكَ (وَلَا يُجْزِئُ) سُجُودُهُ مَعَ عَدَمِ اسْتِعْلَاءِ الْأَسَافِلِ (إنْ خَرَجَ عَنْ صِفَةِ السُّجُودِ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ سَاجِدًا (وَالسُّجُودُ بِالْمُصَلِّي عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ) السَّبْعَةِ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ (مَعَ الْأَنْفِ: رُكْنٌ مَعَ الْقُدْرَةِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَحَدِيثُ " سَجَدَ وَجْهِي " إلَى آخِرِهِ: لَا يَنْفِي سُجُودَ مَا عَدَاهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ لِأَنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ فَمَتَى أَخَلَّ بِالسُّجُودِ عَلَى عُضْوٍ مِنْ هَذِهِ لَمْ يَصِحَّ. (وَإِنْ عَجَزَ) عَنْ السُّجُودِ (بِالْجَبْهَةِ أَوْ مَا أَمْكَنَهُ، وَسَقَطَ لُزُومُ بَاقِي الْأَعْضَاءِ) لِأَنَّ الْجَبْهَةَ هِيَ الْأَصْلُ فِي السُّجُودِ، وَغَيْرَهَا
تَبَعٌ لَهَا، فَإِذَا سَقَطَ الْأَصْلُ سَقَطَ التَّبَعُ، وَدَلِيلُ التَّبَعِيَّةِ: مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ الْيَدَيْنِ يَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ، فَإِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ فَلْيَضَعْ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَفَعَهُ فَلْيَرْفَعْهُمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ: أَنَّ الْيَدَيْنِ يُوضَعَانِ بَعْدَ وَضْعِ الْوَجْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ: أَنَّ السُّجُودَ بِهِمَا تَبَعٌ لِلسُّجُودِ بِالْوَجْهِ وَبَاقِي الْأَعْضَاءِ مِثْلُهُمَا فِي ذَلِكَ لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَإِنْ قَدَرَ) عَلَى السُّجُودِ (بِهَا) أَيْ: الْجَبْهَةِ (تَبِعَهَا الْبَاقِي) مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُجْزِئُ) فِي السُّجُودِ (بَعْضُ كُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ إذَا سَجَدَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ فِي الْحَدِيثِ وَيُجْزِئُهُ. (وَلَوْ عَلَى ظَهْرِ كَفٍّ وَ) ظَهْرِ (قَدَمٍ وَنَحْوِهِمَا) كَمَا لَوْ سَجَدَ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ يَدَيْهِ أَوْ قَدَمَيْهِ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ، لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ يَدَيْهِ. وَ (لَا) يُجْزِئُهُ السُّجُودُ (إنْ كَانَ بَعْضُهَا) أَيْ: بَعْضُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (فَوْقَ بَعْضٍ) كَوَضْعِ يَدَيْهِ تَحْتَ رُكْبَتَيْهِ أَوْ جَبْهَتِهِ عَلَى يَدَيْهِ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى تَدَاخُلِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ (وَيُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِبَاطِنِ كَفَّيْهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِمَا حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ (وَضَمُّ أَصَابِعِهِمَا مُوَجَّهَةً نَحْوَ الْقِبْلَةِ غَيْرَ مَقْبُوضَةٍ، رَافِعًا مِرْفَقَيْهِ) لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْك» . (وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ) أَيْ: السَّاجِدِ (مُبَاشَرَةُ الْمُصَلَّى بِشَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الْأَعْضَاءِ الْمَذْكُورَةِ (حَتَّى الْجَبْهَةِ) . أَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْقَدَمَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَإِجْمَاعٌ لِصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّعْلَيْنِ وَالْخُفَّيْنِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَأَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدَيْنِ فَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ وَهُوَ يَتَّقِي الطِّينَ إذَا سَجَدَ بِكِسَاءٍ عَلَيْهِ، يَجْعَلُهُ دُونَ يَدَيْهِ إلَى الْأَرْضِ إذَا سَجَدَ» وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ، يَتَّقِي بِفُضُولِهِ حَرَّ الْأَرْضِ وَبَرْدَهَا» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. وَأَمَّا سُقُوطُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْجَبْهَةِ فَلِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ، فَسَجَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " أَنَّهُ كَانَ يَسْجُدُ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ " كَانَ الْقَوْمُ يَسْجُدُونَ عَلَى الْعِمَامَةِ وَالْقَلَنْسُوَةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ تَرْكُهَا) أَيْ: تَرْكُ الْمُبَاشَرَةِ بِالْيَدَيْنِ وَالْجَبْهَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَيَأْتِي بِالْعَزِيمَةِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ
يَكْرَهُ السُّجُودَ عَلَى كَوْرِ الْعِمَامَةِ (فَلَوْ سَجَدَ عَلَى مُتَّصِل بِهِ غَيْرِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ، كَكَوْرِ عِمَامَتِهِ) بِفَتْحِ الْكَافِ، يُقَالُ: كَارَ عِمَامَتَهُ يُكَوِّرُهَا كَوْرًا، مِنْ بَابِ قَالَ (وَكُمِّهِ وَذَيْلِهِ وَنَحْوِهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَمْ يُكْرَهْ لِعُذْرٍ، كَحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا كُرِهَ. (وَيُكْرَهُ كَشْفُ الرُّكْبَتَيْنِ) لِأَنَّهُ تَبْدُو بِهِ الْعَوْرَةُ غَالِبًا (كَ) مَا يُكْرَهُ (سَتْرُ الْيَدَيْنِ) لِلِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ كَشْفِهِمَا. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ بِمَكَانٍ شَدِيدِ الْحَرِّ أَوْ) شَدِيدِ (الْبَرْدِ) مَعَ إمْكَانِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ وَيَمْنَعُ كَمَالَ الصَّلَاةِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (وَيُسَنُّ) لِلسَّاجِدِ (أَنْ يُجَافِيَ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَأَنْ يُجَافِيَ (بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ) وَأَنْ يُجَافِيَ (فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُحَيْنَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَجَدَ يُجَنِّحُ فِي سُجُودِهِ، حَتَّى يُرَى وَضَحَ إبِطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ أَمْكَنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي رِسَالَتِهِ: جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَانَ إذَا سَجَدَ لَوْ مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لَنَفَرَتْ» وَذَلِكَ لِشِدَّةِ رَفْعِ مِرْفَقَيْهِ وَعَضُدَيْهِ (مَا لَمْ يُؤْذِ جَارَهُ) الَّذِي بِجَانِبَيْهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ فَيَجِبُ تَرْكُهُ لِحُصُولِ الْإِيذَاءِ الْمُحَرَّمِ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ (وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي دَاوُد (وَلَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ بِمِرْفَقَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ إنْ طَالَ) سُجُودُهُ، لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَرِجْلَيْهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا سَجَدَ فَرَّقَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ (وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، وَحُكْمُهُ كَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ) وَتَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْوِيلِ السُّجُودِ لِعُذْرٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فِي إحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ، فَوَضَعَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ فَصَلَّى، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا، فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّك سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَيْ صَلَاتِك سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ، وَأَنَّهُ يُوحَى إلَيْك، قَالَ كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنْ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ، حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ «ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا» وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مَعَ ابْتِدَائِهِ، وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ. (وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَيَجْلِسُ عَلَيْهَا، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهَا مِنْ تَحْتِهِ، وَيَجْعَلُ بُطُونَ أَصَابِعِهَا عَلَى الْأَرْضِ مُفَرَّقَةً، مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا لِتَكُونَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهَا إلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَقَعَدَ عَلَيْهَا، وَاعْتَدَلَ حَتَّى رَجَعَ كُلُّ عَظْمٍ
فِي مَوْضِعِهِ» . وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بَاسِطًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ) قِيَاسًا عَلَى جُلُوسِ التَّشَهُّدِ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَوَارَثَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ (قَائِلًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ " - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَإِنْ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لَنَا أَوْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا، فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (ثَلَاثًا، وَهُوَ الْكَمَالُ هُنَا، وَتَقَدَّمَ) عِنْدَ ذِكْرِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَا يُكْرَهُ فِي الْأَصَحِّ لِمَا وَرَدَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَعَافَنِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَلَا عَلَى سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ وَ) لَا عَلَى (سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى، فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، مِمَّا وَرَدَ) مِنْ دُعَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ، وَمِنْهُ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجُلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَسِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَأَمَّا السُّجُودُ: فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى " قَمِنٌ " حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ، (ثُمَّ يَسْجُدُ) السَّجْدَةَ (الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّكْبِيرِ وَالتَّسْبِيحِ وَالْهَيْئَةِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُفْعَلُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا شُرِعَ تَكْرَارُ السُّجُودِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّ السُّجُودَ أَبْلَغُ مَا يَكُونُ فِي التَّوَاضُعِ، لِأَنَّ الْمُصَلِّي لَمَّا تَرَقَّى فِي الْخِدْمَةِ، بِأَنْ قَامَ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَدْ أَتَى بِغَايَةِ الْخِدْمَةِ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْجُلُوسِ فِي خِدْمَةِ الْمَعْبُودِ، فَسَجَدَ ثَانِيًا شُكْرًا عَلَى اخْتِصَاصِهِ إيَّاهُ بِالْخِدْمَةِ وَعَلَى اسْتِخْلَاصِهِ مِنْ غَوَايَةِ الشَّيْطَانِ إلَى عِبَادَةِ الرَّحْمَنِ (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُكَبِّرًا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ (قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ، إذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَشَقُّ فَكَانَ أَفْضَلَ، كَالتَّجَافِي (إلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) الِاعْتِمَادُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، لِكِبَرٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ سِمَنٍ، وَنَحْوِهِ (فَيَعْتَمِدُ بِالْأَرْضِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ «مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ إذَا نَهَضَ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ» . (وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَدِّمَ إحْدَى رِجْلَيْهِ) إذَا قَامَ، ذَكَرَهُ فِي الْغُنْيَةِ، وَكَذَا فِي رِسَالَةِ أَحْمَدَ، وَفِيهَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ:
فصل يصلي الركعة الثانية كالركعة الأولى
أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَلَا تُسْتَحَبُّ جِلْسَةُ الِاسْتِرَاحَةِ، وَهِيَ جِلْسَةٌ يَسِيرَةٌ صِفَتُهَا كَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ بَعْدَهَا قِيَامٌ، وَالِاسْتِرَاحَةُ طَلَبُ الرَّاحَةِ كَأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ إعْيَاءٌ فَيَجْلِسُ لِيَزُولَ عَنْهُ، وَالْقَوْلُ بِعَدَمِ اسْتِحْبَابِهَا مُطْلَقًا: هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْهَضُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُود وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَحْمَدُ " أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى هَذَا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: تِلْكَ السُّنَّةُ، وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ: أَدْرَكْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ ذَلِكَ، أَيْ: لَا يَجْلِسُ. قَالَ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ لِلْمَطْلُوبِ، كَحَدِيثِ إثْبَاتِ جِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ وَاخْتِيَارِ الْخَلَّالِ رِوَايَةَ الْجُلُوسِ لَهَا، وَقَالَ: رَجَعَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ إلَى هَذَا، لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ، جَلَسَ قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا " أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فَإِذَا كَانَ فِي، وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا وَابْنَ مَاجَهْ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا أَبُو حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، فَتَعَيَّنَ الْعَمَلُ بِهِ وَالْمَصِيرُ إلَيْهِ. وَأُجِيبُ: بِأَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ عِنْدَ كِبَرِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ. [فَصْلٌ يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ كَالرَّكْعَةِ الْأُولَى] (فَصْلٌ ثُمَّ يُصَلِّي) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ) كَالرَّكْعَةِ (الْأُولَى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ لَمَّا وَصَفَ لَهُ الرَّكْعَةَ الْأُولَى «ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (إلَّا فِي تَجْدِيدِ النِّيَّةِ) لِلِاكْتِفَاءِ بِاسْتِحْبَابِهَا، وَلَمْ يَسْتَثْنِهِ أَكْثَرُهُمْ، لِأَنَّهَا شَرْطٌ لَا رُكْنٌ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) إلَّا فِي (تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) فَلَا تُعَادُ، لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ، (وَ) إلَّا فِي (الِاسْتِفْتَاحِ، وَلَوْ لَمْ يَأْتِ بِهِ وَلَوْ) كَانَ عَدَمُ إتْيَانِهِ بِهِ (عَمْدًا فِي الْأُولَى) فَلَا يَأْتِي بِهِ فِي الثَّانِيَةِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
إذَا نَهَضَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَمْ يَسْكُتْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَ) إلَّا فِي (الِاسْتِعَاذَةِ، إنْ كَانَ اسْتَعَاذَ فِي الْأُولَى) لِظَاهِرِ خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ، فَاكْتَفَى بِالِاسْتِعَاذَةِ فِي أَوَّلِهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ اسْتَعَاذَ فِي الْأُولَى (اسْتَعَاذَ) فِي الثَّانِيَةِ (سَوَاءٌ كَانَ تَرْكُهُ لَهَا) أَيْ: لِلِاسْتِعَاذَةِ (فِي الْأُولَى عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] (ثُمَّ يَجْلِسُ) لِلتَّشَهُّدِ إجْمَاعًا (مُفْتَرِشًا) كَجُلُوسِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: (جَاعِلًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ) الْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى عَلَى الْيُسْرَى، لِأَنَّهُ أَشْهَرُ فِي الْأَخْبَارِ، وَلَا يَلْقُمُهُمَا رُكْبَتَيْهِ. وَفِي الْكَافِي، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ: التَّخْيِيرُ (بَاسِطًا أَصَابِعَ يُسْرَاهُ مَضْمُومَةً) عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، لَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْهَا بَلْ يَجْعَلُ أَطْرَافَ أَصَابِعَهُ مُسَامِتَةً لِرُكْبَتِهِ. وَفِي التَّلْخِيصِ: قَرِيبًا مِنْ الرُّكْبَةِ (مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ، قَابِضًا مِنْ يُمْنَاهُ الْخِنْصَرُ وَالْبِنْصِرُ، مُحَلِّقًا إبْهَامَهُ مَعَ وُسْطَاهُ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى ثُمَّ عَقَدَ مِنْ أَصَابِعِهِ الْخِنْصَرَ وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَحَلَّقَ حَلْقَةً بِإِصْبَعِهِ الْوُسْطَى عَلَى الْإِبْهَامِ، وَرَفَعَ السَّبَّابَةَ يُشِيرُ بِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ، فَدَعَا بِهَا، وَيَدُهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطًا عَلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ) لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (سِرًّا، نَدْبًا) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «مِنْ السُّنَّةِ إخْفَاءُ التَّشَهُّدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (كَتَسْبِيحِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ، وَقَوْلِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَيَنْدُبُ الْإِسْرَارُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ الدَّاعِي لِلْجَهْرِ بِهِ، (وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) أَيْ: سَبَّابَةِ الْيُمْنَى، لِفِعْلِهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُمِّيَتْ سَبَّابَةً: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشِيرُونَ بِهَا عِنْد السَّبِّ وَ (لَا) يُشِيرُ (بِغَيْرِهَا) أَيْ: غَيْرِ سَبَّابَةِ الْيُمْنَى (وَلَوْ عُدِمَتْ) سَبَّابَةُ الْيُمْنَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لِأَنَّ عِلَّتَهُ التَّنْبِيهُ عَلَى التَّوْحِيدِ (فِي تَشَهُّدِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَيُشِيرُ (مِرَارًا، كُلَّ مُرَّةٍ عِنْد ذِكْرِ لَفْظِ اللَّهِ، تَنْبِيهًا عَلَى التَّوْحِيدِ وَلَا يُحَرِّكُهَا) لِفِعْلِهِ. قَالَ فِي الْغُنْيَةِ: وَيُدِيمُ نَظَرَهُ إلَيْهَا، لِخَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَ) يُشِيرُ أَيْضًا بِسَبَّابَةِ الْيُمْنَى (عِنْدَ
دُعَائِهِ فِي صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُشِيرُ بِإِصْبَعِهِ إذَا دَعَا وَلَا يُحَرِّكُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ «مَرَّ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا أَدْعُو بِأَصَابِعِي فَقَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. (فَيَقُولُ) تَفْسِيرٌ لِلتَّشَهُّدِ (التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَفْظُهُ، قَالَ «كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَسَمِعَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ إلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» . وَفِي لَفْظٍ «عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّشَهُّدَ كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ، كَمَا يُعَلِّمُنِي السَّوْرَةَ مِنْ الْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَصَحُّ حَدِيثٍ فِي التَّشَهُّدِ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلَيْسَ فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ وَرَوَاهُ أَيْضًا ابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ وَيُرَجَّحُ بِأَنَّهُ اخْتَصَّ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ بِأَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَبِأَيِّ تَشَهُّدٍ تَشَهَّدَ مِمَّا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَازَ) كَتَشَهُّدِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ " التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ " إلَى - آخِرِهِ - وَلَفْظِ مُسْلِمٍ، " وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَكَتَشَهُّدِ عُمَرَ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْك إلَى آخِرِهِ وَالتَّحِيَّاتُ: جَمْعُ تَحِيَّةٍ، وَهِيَ الْعَظَمَةُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمُلْكُ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: السَّلَامُ وَقِيلَ: الْبَقَاءُ، وَالصَّلَوَاتُ: هِيَ الْخَمْسُ وَقِيلَ: الرَّحْمَةُ، وَقِيلَ: الْأَدْعِيَةُ، وَقِيلَ الْعِبَادَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ: هِيَ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الطَّيِّبَاتُ مِنْ الْكَلَامِ، وَمِنْ خَوَاصِّ الْهَيْلَلَةِ، أَنْ حُرُوفَهَا كُلَّهَا مُهْمَلَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى التَّجَرُّدِ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ، وَجَوْفِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الشَّفَوِيَّةِ، إشَارَةً إلَى أَنَّهَا تَخْرُجُ مِنْ الْقَلْبِ، وَإِذَا قَالَ " السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، نَوَى بِهِ النِّسَاءَ وَمَنْ لَا يُشْرِكُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لِلَّهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (وَلَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ " كَانَ إذَا تَشَهَّدَ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الْأَسْمَاءِ ". وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُسَمِّي أَوَّلَهُ (وَتَرْكُهَا) أَيْ: تَرْكُ التَّسْمِيَةِ أَوَّلَ التَّشَهُّدِ (أَوْلَى) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ (بِسْمِ اللَّهِ) فَانْتَهَرَهُ. (وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ " وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ (وَالْأَوْلَى تَخْفِيفُهُ، وَعَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ) أَيْ: التَّشَهُّدِ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِ مَسْرُوقٍ " كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجِلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الرَّضْفِ، أَيْ: الْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ بِالنَّارِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ،. (وَإِنْ قَالَ " وَأَنَّ مُحَمَّدًا) رَسُولُ اللَّهِ (وَأَسْقَطَ أَشْهَدُ فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْمَعْنَى (وَهَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) فِي الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ (ثُمَّ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَبِمَا بَعْدَهَا، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ هَذَا الْأَوْلَى مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ وَالْبَرَكَةِ) عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ. قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ،. وَفِيهِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (وَآلُهُ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَقَارِبِهِ قَالَ تَعَالَى {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46] {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49] {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 50] وَقَدْ يُضَافُ آلُ الشَّخْصِ إلَيْهِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِمْ كَهَذِهِ الْآيَاتِ (وَالصَّوَابُ: عَدَمُ جَوَازِ إبْدَالِهِ أَيْ: آلِ بِأَهْلٍ) لِأَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلُهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ،
فَتَغَايَرَا. (وَإِذَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَجَلَسَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لَمْ يُزِدْ الْمَأْمُومُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، بَلْ يُكَرِّرْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَدْعُو بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْعَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ سَلَامَهُ. (فَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ) قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ (قَامَ وَلَمْ يُتِمَّهُ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلَ، فَيُتِمُّهُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مُنْفَرِدًا) عَنْهُ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَوَاهُ سَعِيدٌ وَاللَّالَكَائِيُّ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَا مَقْصُودَةً، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ. قَالَ: وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَعَبْدُ الْقَادِرِ، قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ جَازَتْ أَحْيَانًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِمَّا أَنَّهُ يُتَّخَذُ شِعَارًا لِذِكْرِ بَعْضِ النَّاسِ، أَوْ يُقْصَدُ الصَّلَاةُ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَالسَّلَامُ عَلَى غَيْرِهِ بِاسْمِهِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ. (وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا رُكْنٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَكَذَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (بِتَأَكُّدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56] الْآيَةَ وَالْأَحَادِيثُ بِهَا شَهِيرَةٌ (وَتَتَأَكَّدُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَثِيرًا عِنْدَ ذِكْرِهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ قِيلَ: بِوُجُوبِهَا إذَنْ، وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ. (وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا) لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: هِيَ مَشْرُوعَةٌ. وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ اسْتِقْلَالًا، وَذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ، فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ. (تَنْبِيهٌ) إنْ قِيلَ إنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَتُشْبِهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ بِأَصْلِهَا، لَا الْقَدْرُ بِالْقَدْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183] الْآيَةَ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ
التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، لَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَكُونُ " وَعَلَى آلِهِ مُتَّصِلًا بِمَا بَعْدَهُ، وَمُقَدَّرًا لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مَقْطُوعٌ عَنْ التَّشْبِيهِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِمَا نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ أَحْسَنُهَا - أَنَّ الْمُشَبَّهَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، فَتَقَابَلَتْ الْجُمْلَتَانِ، وَيُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ لِآلِ الرَّسُولِ بِآلِ إبْرَاهِيمَ الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَبِأَنَّ مَا تَوَفَّرَ مِنْ ذَلِكَ حَاصِلٌ لِلرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاَلَّذِي نَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَمَنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ أَكْبَرَ كَانَ أَفْضَلَ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ " وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ وَالْحَيَاةُ والْمَوْتُ وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَتَضَمَّنُ طَاعَةً وَيَعُودُ إلَى أَمْرِ آخِرَتِهِ نَصًّا، وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ، كَالدُّعَاءِ بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ «لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» . وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ،. وَعَنْ مُعَاذٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحَسَنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرَيَّ يَقُولُهُ (مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (أَوْ يَخَفْ سَهْوًا) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَكَذَا حُكْمُ الدُّعَاءِ (فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ لِلْأَخْبَارِ (وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، كَحَوَائِجِ دُنْيَاهُ
فصل السلام بعد التشهد
وَمَلَاذِهَا كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ وَحُلَّةً خَضْرَاءَ وَدَابَّةً هِمْلَاجَةً وَنَحْوَهُ) كَدَارٍ وَاسِعَةٍ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِالدُّعَاءِ (بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ. (وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ) فِي الصَّلَاةِ (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي، أَبُوكَ أَحَدُهُمْ (مَا لَمْ يَأْتِ بِكَافِ الْخِطَابِ فَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ بِكَافِ الْخِطَابِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِخَبَرِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِإِبْلِيسَ أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٍ أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ. (وَظَاهِرُهُ) (لِغَيْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَا تَبْطُلُ) بِهِ فَيَكُونُ مَنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (لَعَنَهُ اللَّهُ، عِنْدَ ذِكْرِ إبْلِيسَ وَلَا بِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى وَلَا بِحَوْقَلَةٍ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهِ) كَمَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، لِوَجَعٍ وَوَافَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ لِوَجَعِ مَرِيضٍ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ (وَيَأْتِي) مُوَضَّحًا. [فَصْل السَّلَامِ بَعْد التَّشَهُّدِ] (فَصْل ثُمَّ يُسَلِّمُ وَهُوَ جَالِسٌ) بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمُبْدِعِ، وَأَنَّهُ تَحْلِيلُهَا وَهُوَ مِنْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلَيْسَ لَهَا تَحْلِيلٌ سِوَاهُ (مُرَتَّبًا مُعَرَّفًا وُجُوبًا) لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ، أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (مُبْتَدِئًا نَدْبًا عَنْ يَمِينِهِ، قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ جَازَ) لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث وَائِلٍ (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُجْزِئهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يُجْزِئهُ بِدُونِهَا كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ. (وَ) يُسَلِّمُ (عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمَا تَسْلِيمَتَانِ فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِم (وَالِالْتِفَاتُ سُنَّةٌ) قَالَ أَحْمَد ثَبَتَ عِنْدنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ «أَنَّهُ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» (وَيَكُونُ) الْتِفَاتُهُ (عَنْ يَسَارِهِ أَكْثَرَ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ» فَيَلْتَفِتُ (بِحَيْثُ يُرَى خَدَّاهُ يَجْهَرُ إمَامٌ بِ) التَّسْلِيمَةِ (الْأُولَى فَقَطْ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إنَّمَا كَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنِ إلَى آخَرَ وَقَدْ حَصَلَ بِالْجَهْرِ بِالْأُولَى (وَيُسِرُّهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَيْنِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ إلَّا لِحَاجَةٍ وَتَقَدَّمَ. (وَيُسْتَحَبّ جَزْمُهُ وَ) هُوَ (عَدَمُ إعْرَابِهِ، فَيَقِفُ عَلَى كُلِّ تَسْلِيمَةٍ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَزْمِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، أَيْ قَطْعَ إعْرَابَ آخِرِ الْجَلَالَةِ بِحَذْفِ الْجَرِّ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مَنْ رَاءِ أَكْبَرَ فِي التَّكْبِيرِ (وَحَذْفُهُ) أَيْ السَّلَامَ (سُنَّةٌ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ (وَهُوَ) أَيْ حَذْفُ السَّلَامِ (عَدَمُ تَطْوِيلِهِ، وَ) عَدَمِ (مَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى النَّاسِ) . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِ صَوْتَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُمَدَّ مَدًّا (فَإِنْ نَكَّرَ السَّلَامَ) كَقَوْلِهِ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَرَّفَهُ بِغَيْرِ اللَّام، كَسَلَامِي أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (أَوْ نَكَّسَهُ فَقَالَ) عَلَيْكُمْ سَلَامٌ أَوْ (عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ: بِإِسْقَاطِ الْمِيم، أَوْ نَكَّسَهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَقَالَ: عَلَيْك السَّلَامُ أَيُّهَا النَّبِيُّ: أَوْ عَلَيْنَا السَّلَامُ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَمَنْ تَعَمَّدَ قَوْلًا مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا لَا تُجْزِئُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ السَّلَامَ الْوَارِدَ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ: الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ اسْتِحْبَابًا) لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً لِطَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَهَا وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (فَإِنْ نَوَى مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ السَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ جَازَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ (وَلَمْ يَسْتَحِبَّ) ذَلِكَ (نَصًّا، وَكَذَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ) أَيْ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (دُون الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ، خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ. (وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ) كَمَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ (نَهَضَ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ
مِنْ السُّجُودِ) قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ (إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ يَرْفَعْهُمَا اخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ اهـ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَأَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا سَبَقَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَكَتَبَ عُمَر إلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ» ، وَيُسْتَثْنَى الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْف إذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَهَا (فَإِنْ قَرَأَ) شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي ذَلِكَ (أُبِيحَ وَلَمْ يُكْرَهْ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ. (ثُمَّ يَجْلِس فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَر مُتَوَرِّكًا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فَإِنَّهُ وَصَفَ جُلُوسَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُفْتَرِشًا. وَفِي الثَّانِي مُتَوَرِّكًا، وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَزِيَادَة يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يُسَنَّ التَّوَرُّكُ إلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ أَصْلِيَّانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا، وَصِفَتِهِ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ (يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي لَفْظِهِ «جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَأَيَّهمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ. (وَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرَتَّبًا وُجُوبًا) فَلَا يُجْزِئُ إنْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ (ثُمَّ) يَأْتِي (بِالدُّعَاءِ) أَيْ التَّعَوُّذِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِمَا سَبَقَ (ثُمَّ يُسَلِّمُ كَمَا سَبَقَ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ) وَلَوْ كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ فَأَخَّرَهُ (فِي ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَرَ تَوَرَّكَ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِهِ) لِأَنَّ تَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَ) إنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) كَصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ (وَ) فِي رَكْعَةِ (وَتَرٍ يَفْتَرِشُ)
لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِجُلُوسٍ التَّشَهُّدِ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهَا فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَالَ مَرَّةً عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامَ. (وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ تَسْدُلُ رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ التَّرَبُّعِ، لِأَنَّهُ غَالِبُ فِعْلِ عَائِشَةَ وَأَشْبَه بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ (كَرَفْعِ يَدَيْهَا) أَيْ أَنَّهُ أَفْضَلُ لَهَا فِي مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَخُنْثَى كَامْرَأَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تُسِرُّ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ. (وَيَنْحَرِفُ الْإِمَامُ إلَى الْمَأْمُومِ جِهَةِ قَصْدِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا جِهَةً (ف) يَنْحَرِفُ (عَنْ يَمِينِهِ) إكْرَامًا لِلْيَمِينِ (قَبْلَ يَسَارِهِ فِي انْحِرَافهِ) إلَى الْمَأْمُومِينَ (الْقِبْلَة) . (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ بَعْدَ السَّلَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِم. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ الْمَأْمُومُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِم (إلَّا أَنْ يُطِيلَ) الْإِمَامُ (الْجُلُوسَ) فَيَنْصَرِفُ الْمَأْمُومُ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ السُّنَّةِ. (فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ) مَأْمُومِينَ بِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُنَّ) أَيْ لِلنِّسَاءِ (أَنْ يَقُمْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ) وَيَنْصَرِفْنَ، لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ (وَ) اُسْتُحِبَّ (أَنْ يَثْبُتَ الرِّجَالُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ مَنْ انْصَرَفَ مِنْهُنَّ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَهُوَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَتْ: نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
فصل يسن ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة المكتوبة
[فَصْل يُسَنُّ ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ] ِ (كَمَا وَرَدَ) فِي الْأَخْبَارِ عَلَى مَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي الشَّرْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمَا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَاعِدٌ وَلَوْ قَالَهُ بَعْد قِيَامِهِ وَفِي ذَهَابهِ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا، إذْ لَا تَحْجِيرَ فِي ذَلِكَ. وَلَوْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فَذَكَرَهُ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ لَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ قَرِيبًا لِعُذْرٍ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالظَّاهِرُ فَوَاتُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ، وَبَقَاءِ أَجْرِ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ لَهُ (فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِمَا رَوَى ثَوْبَانُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ حِينَ يُسَلِّمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِم. وَعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُسَبِّحُ وَيُحَمِّدُ وَيُكَبِّرُ، كُلَّ وَاحِدَةٍ) مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» . (وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ عَدَدِ الْكُلِّ (مَعًا) لِقَوْلِ أَبِي صَالِحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ - «تَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَمَامُ الْمِائَةِ - لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَعْقِدُهُ»
أَيْ يَعْقِدُ الْعَدَدَ الْمُتَقَدِّمَ بِيَدِهِ (وَ) يَعْقِدُ (الِاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ، أَيْ يَضْبِطُ عَدَدَهُ بِأَصَابِعِهِ كَمَا يَأْتِي) لِحَدِيثِ بُسْرَةَ مَرْفُوعًا «وَاعْقِدْهُ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ. (قَالَ الشَّيْخُ وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ عَقِبَ) كُلِّ (صَلَاةٍ انْتَهَى) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ «كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالتَّكْبِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ خِلَافَهُ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ الْجَهْرُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ ثُمَّ يَتْرُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعَدَدِ: أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْهُ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَضُرُّ شَيْئًا لَا سِيَّمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِأَنَّ الذِّكْرَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ يُشْبِهُ الْمُقَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ. (وَ) يَقُولُ (بَعْدَ كُلِّ مِنْ) صَلَاتِي (الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، عَشْرَ مَرَّاتٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا وَلِهَذَا مُنَاسَبَةٌ وَيَكُونُ الشَّارِعُ شَرَعَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، لِيَحْتَرِس بِهِ عَنْ الشَّيْطَانِ فِيهِمَا وَالْخَبَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْفَجْرِ فَقَطْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَشَهْرٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ جِدًّا اهـ وَيَقُولُ أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ: (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) . لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ - وَقِيلَ الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسَرَّ إلَيْهِ فَقَالَ: إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتّ فِي لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَارًا مِنْهَا وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَك جِوَارًا مِنْهَا قَالَ الْحَارِثُ أَسَرَّ بِهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إخْوَانَنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَلِهَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُعْرَفُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظِهِ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ. (وَ) يَقْرَأُ (بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ) لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَارَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا
وَيَقْرَأُ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «أَمَرَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» لَهُ طُرُقٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِي دَفْعِ الشَّرِّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَيَدْعُو) الْإِمَامُ (بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ، لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (فِيهِمَا فَيُؤَمِّنُونَ) عَلَى الدُّعَاءِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ (وَكَذَا) يَدْعُو بَعْدَ (غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّ مِنْ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ: أَدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ (وَيَبْدَأُ) الدُّعَاءَ (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَيَخْتِمُ) دُعَاءَهُ (بِهِ) أَيْ بِالْحَمْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [يونس: 10] (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) . قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطَهُ، لِخَبَرِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ ثُمَّ يَضَعُهُ، وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَرَابٍ شَرِبَ أَوْ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ، وَلَكِنْ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرهِ» . (وَيَسْتَقْبِلُ) الدَّاعِي (غَيْر إمَامٍ هُنَا الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ: مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ. (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (بَلْ يَسْتَقْبِلُ) الْإِمَامُ (الْمَأْمُومِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَيْهِمْ إذَا سَلَّمَ. (وَيُلِحُّ) الدَّاعِي فِي الدُّعَاءِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ الدُّعَاءُ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْإِلْحَاحِ (وَ) الدُّعَاءُ (سِرًّا أَفْضَلُ) مِنْهُ جَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَيَعُمُّ بِهِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ، «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ يَا عَلِيُّ عَمِّمْ» الْحَدِيثَ. (وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: بَسْطُ يَدَيْهِ وَرَفْعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ) لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَتَكُونُ يَدَاهُ مَضْمُومَتَيْنِ، لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا دَعَا ضَمَّ كَفَّيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ» وَضَعَّفَهُ فِي الْمَوَاهِبِ وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ. (وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ مَعْهُودٍ) أَيْ مَأْثُورٍ، إمَّا مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَوْ
التَّابِعِينَ، أَوْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَيَكُونُ جَامِعًا (بِتَأَدُّبٍ) فِي هَيْئَتهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَيَكُونُ جُلُوسُهُ إنْ كَانَ جَالِسًا كَجُلُوسِ أَذَلِّ الْعَبِيدِ بَيْنَ يَدَيْ أَعْظَمِ الْمَوَالِي. (وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ) وَحُضُورِ قَلْبٍ وَرَجَاءٍ لِحَدِيثٍ «لَا يُسْتَجَابُ مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَيَتَمَلَّقُ وَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ صَدَقَةً وَيَتَحَرَّى أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، هِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَعِنْد الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ، وَآخِرَ سَاعَةٍ بَعْد الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. (وَيَنْتَظِرُ الْإِجَابَةَ) لِحَدِيثِ «اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» (وَلَا يُعَجِّلُ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُعَجِّلْ قَالُوا: وَكَيْف يُعَجِّلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَيَسْتَحْسِرَ عِنْدَ ذَلِكَ» وَيَدْعُو الدُّعَاءَ وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ فَهُوَ عِبَادَةٌ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إلَّا لِيُعْطِيَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ دَعْوَةً إلَّا أَتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ وَفِيهِ «إمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا أَوْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» وَيَبْدَأُ فِي دُعَائِهِ بِنَفْسِهِ. (وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ) أَيْ الدُّعَاءِ، خِلَافًا لِلْغَنِيَّةِ لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» . (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ نَصًّا) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «إذْ أَوَّلُهَا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك وَأَسْأَلُكَ» ذَلِكَ يَخُصُّ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَالْمُرَادُ) بِهِ أَيْ بِالدُّعَاءِ الَّذِي لَا يُكْرَهُ، أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ: الدُّعَاءُ (الَّذِي لَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ كَالْمُنْفَرِدِ وَكَ) الدُّعَاءِ (بَعْدَ التَّشَهُّدِ) أَوْ فِي السُّجُودِ وَنَحْوِهِ (فَأَمَّا مَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ، كَالْمَأْمُومِينَ مَعَ الْإِمَامِ فَيَعُمُّ) بِالدُّعَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعُمّهُمْ، فَقَدْ (خَانَهُمْ، وَكَدُعَاءِ الْقُنُوتِ) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ كَانَ خَائِنًا لَهُمْ لِخَبَرِ ثَوْبَانَ فَإِنَّ فِيهِ «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» . (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَهُ) أَيْ الدُّعَاءَ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَالْإِفْرَاطُ يَشْمَلُ كَثْرَةَ الْأَسْئِلَةِ. (وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) قَالَ فِي الْفُصُولِ، فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ:
فصل ما يكره وما يباح وما يستحب في الصلاة
الْإِسْرَارُ بِالدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى ارْتِفَاعِ الصَّوْتِ، وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّعَقُّبِ: أَنَّ الْإِفْرَاطَ لَا يَشْمَلُ الْجَهْرَ وَإِنَّمَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ فَقَطْ (إلَّا لِحَاجٍّ) فَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لَهُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَشَرْطُ الدُّعَاءِ: الْإِخْلَاصُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ الْآدَابِ وَقَالَ شَيْخُنَا: يَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا قَالَ وَذِكْرُ الْقَلْبِ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ وَحْدَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ عَكْسه «وَكَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيَجْتَنِبُ السَّجْعَ. [فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ] ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الْتِفَاتٌ يَسِيرٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ (كَخَوْفِ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ. (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو الْخَوْفِ كَمَرَضِ لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ اسْتَدَارَ) الْمُصَلِّي (بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا) أَيْ الْقِبْلَةَ لِتَرْكِهِ الِاسْتِقْبَالِ بِلَا عُذْرٍ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَعْبَةِ) فَلَا تَبْطُلُ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ جِهَةً فَقَدْ اسْتَقْبَلَ أُخْرَى (وَ) فِي (شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا تَبْطُلُ إنْ الْتَفَتَ بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِسُقُوطِ الِاسْتِقْبَالِ إذَنْ وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا الْمُصَنِّفِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ، بَلْ اسْتَدَارَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ قِبْلَتَهُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (لَوْ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ
وَوَجْهِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرهِ إلَى السَّمَاءِ (حَالَ التَّجَشِّي) إذَا كَانَ (فِي جَمَاعَةٍ) لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ. (وَ) يُكْرَه فِي الصَّلَاةِ (تَغْمِيضُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ (بِلَا حَاجَةٍ كَخَوْفِهِ مَحْذُورًا، مِثْل أَنْ رَأَى أَمَتَهُ عُرْيَانَة، أَوْ) رَأَى (زَوْجَتَهُ) كَذَلِكَ (أَوْ) رَأَى (أَجْنَبِيَّةً) كَذَلِكَ (بِطَرِيقِ الْأَوْلَى) إذْ نَظَرُهُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ بِخِلَافِ أَمَتِهِ وَزَوْجَتِهِ. (وَ) يُكْرَهُ (صَلَاتُهُ إلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سُجُودَ الْكُفَّارِ لَهَا فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ صُورَةُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمَةٍ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْبَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَفِي الْفُصُولِ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جِدَارٍ فِيهِ صُورَةٌ وَتَمَاثِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَظَاهِرهُ: وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ وَلَا سُجُودُهُ عَلَى صُورَةٍ وَلَا صُورَةٍ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ وَلَا فِي فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ. (وَ) يُكْرَه (السُّجُودُ عَلَيْهَا) أَيْ الصُّورَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا سَبَقَ لَا يُكْرَهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى إلَيْهَا وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا كَرِهُوا الصَّلَاةَ إلَيْهَا، لَا السُّجُودَ عَلَيْهَا. (وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ فَصًّا) فِيهِ صُورَةٌ (أَوْ) حَمْلَهُ (ثَوْبًا وَنَحْوه) كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ (فِيهِ صُورَةٌ) وِفَاقًا (وَ) صَلَاتُهُ (إلَى وَجْهِ آدَمِيٍّ) نَصَّ عَلَيْهِ. (وَفِي الرِّعَايَةِ: أَوْ حَيَوَانٌ غَيْره وَالْأَوَّلُ) أَصَحُّ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إلَيْهَا» . (وَ) يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ (مَا يُلْهِيهِ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَآتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ والْإِنْبِجانِيَّة كِسَاءٌ غَلِيظٌ. وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ شَيْئًا (مِنْ نَارٍ وَلَوْ سِرَاجًا، وَقِنْدِيلًا وَنَحْوه، كَشَمْعَةٍ مُوقَدَةٍ) لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ. (وَ) يُكْرَهُ (حَمْلُهُ مَا يَشْغَلُهُ) عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ. (وَ) يُكْرَهُ (إخْرَاجُ لِسَانِهِ وَفَتْحُ فَمِهِ، وَوَضْعُهُ فِيهِ شَيْئًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا) يُكْرَهُ وَضْعُ شَيْءٍ (فِي يَدِهِ وَكُمِّهِ) إلَّا إذَا شَغَلَهُ عَنْ كَمَالِهَا، فَيُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) تُكْرَهُ
الصَّلَاةُ (إلَى مُتَحَدِّثٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) إلَى (نَائِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَكَافِر) لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَقَدْ يَعْبَثُ بِهِ (وَاسْتِنَادُهُ) إلَى جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ مَعَهَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِد عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَقَطَ) الْمُصَلِّي (لَوْ أُزِيلَ) مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْقَائِمِ. (وَ) يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ فِي (مَا يَمْنَعُ كَمَالَهَا، كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ) مُفْرِطٍ (وَنَحْوه) كَجُوعٍ شَدِيدٍ وَخَوْفٍ شَدِيدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ. (وَ) يُكْرَهُ (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَ) يُكْرَهُ (إقْعَاؤُهُ) لِخَبَرِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ (وَهُوَ) أَيْ الْإِقْعَاءُ (أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَهُ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِيبِهِ) كَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالْفُرُوعِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا عَنْ الْعَرَبِ فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْل إقْعَاءِ الْكَلْبِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (حَاقِنًا) بِالنُّونِ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ بَوْلُهُ، أَوْ حَاقِبًا) بِالْمُوَحَّدَةِ نَحْوُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ غَائِطَهُ، أَوْ) ابْتِدَاؤُهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ وَنَحْوه) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ مِمَّا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، أَوْ ابْتِدَاؤُهَا (تَائِقًا) أَيْ شَائِقًا (إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، أَوْ جِمَاعٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ قَالَ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ: مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَبَقَ وَنَحْوه (فَيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ) لِيُزِيلَ مَا يُدَافِعُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ. (وَ) يَبْدَأُ أَيْضًا (بِمَا تَاقَ إلَيْهِ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ جِمَاعٍ (وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ فَلَا يُكْرَهُ) ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ (بَلْ يَجِبُ) فِعْلُهَا قَبْلَ
خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (وَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِالطَّهَارَةِ) إذَنْ أَيْ حِينَ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ. (إذَنْ وَيُكْرَهُ) لِلْمُصَلِّي (عَبَثُهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» . (وَ) يُكْرَهُ (تَقْلِيبُهُ الْحَصَى وَمَسُّهُ) أَيْ الْحَصَى، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمَسَّ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ وَلَفْظ مُسْلِمٍ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَ) يُكْرَهُ (تَرُوحهُ بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (إلَّا لِحَاجَةٍ، كَغَمٍّ شَدِيدٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَاجَةِ (مَا لَمْ يُكْثِرْ) مِنْ التَّرَوُّحُ فَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ إنْ تَوَالَى. وَ (لَا) تُكْرَهُ (مُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَتُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَادَةَ قَالَ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ قَالَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، لَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ (ك) مَا يُسْتَحَبُّ (تَفْرِيقُهُمَا) قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَرَأَيْتُهُ يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا. (وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ) أَيْ كَثْرَةُ أَنْ يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ قَالَ إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ، وَلَا يَمِلْ مَيْلَ الْيَهُودِ» قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَطُلْ قِيَامُهُ. (وَ) تُكْرَهُ (فَرْقَعَةُ أَصَابِعُهُ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. (وَ) يُكْرَه (تَشْبِيكهَا) أَيْ الْأَصَابِعُ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي، وَقَدْ شَبَّكَ أَصَابِعُهُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي (لَمْسُ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (وَ) يُكْرَهُ (نَفْخُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ. (وَ) يُكْرَهُ (اعْتِمَادُهُ عَلَى يَدِهِ فِي جُلُوسِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ. (وَ) تُكْرَهُ (صَلَاتُهُ مَكْتُوفًا، وَعَقْصُ شَعْرِهِ) أَيْ لَيُّهُ وَإِدْخَالُ أَطْرَافِهِ فِي أُصُولِهِ (وَكَفُّهُ) أَيْ الشَّعْرَ (وَكَفُّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ كَفِّ الثَّوْبِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» وَنَهَى أَحْمَدُ رَجُلًا كَانَ إذَا سَجَدَ جَمَعَ ثَوْبَهُ
بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ ثِيَابَهُ وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ. يُكْرَه أَنْ يُشَمِّرَ ثِيَابَهُ لِقَوْلِهِ تَرِبَ تَرِبَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَةَ النَّهْيِ: أَنَّ الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ (وَ) يُكْرَهُ (تَشْمِيرُ كُمِّهِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ فَعَلَهُمَا) أَيْ عَقْصَ الشَّعْرِ وَكَفَّ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (لِعَمَلٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ) فَيُكْرَه لَهُ إبْقَاؤُهُمَا كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَك وَلِرَأْسِي؟ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَ) يُكْرَهُ (جَمْعُ ثَوْبِهِ بِيَدِهِ إذَا سَجَدَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَخُصَّ جَبْهَتَهُ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شِعَارُ الرَّافِضَةِ) أَيْ مِنْ شِعَارِهِمْ، أَوْ جُلِّهَا،. وَ (لَا) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ عَلَى حَائِلٍ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَغَيْرِهِمَا) كَوَبَرٍ (مِنْ حَيَوَانٍ) كَمَا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى (مَا تُنْبِتهُ الْأَرْضُ) مِنْ حَشِيشٍ وَزَرْعٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا (وَلَا عَلَى مَا يَمْنَعُ صَلَابَةُ الْأَرْضِ) حَيْثُ حَصَلَ الْمَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ وَتَقَدَّمَ. (وَيُكْرَه التَّمَطِّي) لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الْخُشُوعِ، وَيُؤْذِنُ بِالْكَسَلِ (وَإِنْ تَثَاءَبَ كَظَمَ عَلَيْهِ، نَدْبًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَإِنْ غَلَبَهُ) التَّثَاؤُبُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَظْمِ (اُسْتُحِبَّ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَضَعْ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَيُكْرَهُ مَسْحُ أَثَرِ سُجُودِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ» رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ وَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي الْمُغْنِي: يُكْرَهُ إكْثَارُهُ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ. (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُكْتَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ (أَوْ) أَنْ (يُعَلَّقَ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي (وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُهُ) شَيْئًا فِي قِبْلَتِهِ (بِالْأَرْضِ وَلِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ أَوْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ (كُرِهَ التَّزْوِيقَ) فِي الْمَسْجِدِ (وَكُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا) حَتَّى الْمُصْحَفَ. (وَ) تُكْرَهُ (تَسْوِيَةُ التُّرَابِ بِلَا عُذْرٍ) لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ. (وَ) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَفِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ بِتَكْرَارِهَا خِلَافٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ
وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِتَكْرَارِهَا لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ. (وَفِي الْمُذْهَبِ) بِضَمِّ الْمِيم لِابْنِ الْجَوْزِيِّ (وَالنَّظْمِ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ الْمُخَالِفَةُ عُرْفَ الْبَلَدِ أَيْ) يُكْرَه (لِلْإِمَامِ فِي قِرَاءَةٍ يَجْهَرُ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ لِلْجَمَاعَةِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ (وَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ مَا دَامَ وَقْتهَا بَاقِيًا) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مُنْفَرِدًا، أَوْ وَقْتَ نَهْيٍ لَكِنْ مَا يَأْتِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لَا يُسَاعِدُهُ (لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْخَلَلِ فِي) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ) وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ خَلَلٌ فِي كَمَالِهَا وَمِنْهُ تَعْلَمَ: أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِ ذَاتِهَا، كَالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا سَدْلٌ أَوْ مِنْ حَاقِنٍ وَنَحْوه: فِيهَا ثَوَابٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا كَالسِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهٌ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُكْرَهُ جَمْعُ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ «كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأ قَبْلَ كُلِّ سُورَةٍ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبّهَا فَقَالَ: حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (ك) مَا لَا يُكْرَه (تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَتَفْرِيقُهَا) أَيْ السُّورَةِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطُهَا كَأَوَائِلِهَا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ} [المزمل: 20] " وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} [البقرة: 136]- الْآيَة وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ} [آل عمران: 64] الْآيَة» . (وَلَا) يُكْرَه
(مُلَازَمَةُ سُورَةٍ يُحْسِنُ غَيْرَهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازِ غَيْرِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] . (وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلِلْإِطَالَةِ، وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ كُلُّهُ فِي نَفْلٍ لِأَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ (وَلَا) تُكْرَهُ (قِرَاءَةُ) الْقُرْآنِ (كُلِّهِ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى تَرْتِيبهِ) قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ: الْيَوْمَ سُورَةً وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا؟ قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ. (وَيُسَنُّ رَدُّ مَارٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدَفْعِهِ) أَيْ الْمَارِّ (بِلَا عُنْفٍ آدَمِيًّا كَانَ) الْمَارُّ (أَوْ غَيْرَهُ) فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هِيَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعَنَّ أَحَدًا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مَا لَمْ يَغْلِبْهُ) الْمَارُّ (فَإِنْ غَلَبَهُ، وَمَرَّ، لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ) لِأَنَّ فِيهِ الْمُرُورَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ (أَوْ يَكُنْ) الْمَارُّ (مُحْتَاجًا) إلَى الْمُرُورِ، بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، أَوْ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا (أَوْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَلَا) يَرُدُّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَلْحَقَ فِي الْمُغْنِي: الْحَرَمَ بِمَكَّةَ. (وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ بِمَوْضِعٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُرُورِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُذَهَّبِ وَغَيْرِهِ (وَتَنْقُصُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيُضِعْ نِصْفَ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَنْقُصُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبٌ غَيْرُهُ (فَإِنْ أَبَى) الْمَارُّ أَنْ يَرْجِعَ حَيْثُ رَدَّهُ الْمُصَلِّي (دَفَعَهُ بِعُنْفٍ، فَإِنْ أَصَرَّ، فَلَهُ قِتَالُهُ وَلَوْ مَشَى) قَلِيلًا، لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَاتِلْهُ» وَ (لَا) يُقَاتِلُهُ (بِسَيْفٍ وَلَا بِمَا يُهْلِكُهُ، بَلْ بِالدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ، وَنَحْو ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ وَنَحْوه (فَدَمُهُ هَدَرٌ انْتَهَى) . لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، أَشْبَهَ مَنْ مَاتَ فِي الْحَدِّ (وَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ) إذَا أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ، فَالْأَسْهَلُ، وَلَوْ أَفْضَى إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ (فَإِنْ خَافَ إفْسَادَ
صَلَاتِهِ بِتَكْرَارٍ دَفْعَهُ) بِأَنْ احْتَاجَ إلَى كَثِيرٍ (لَمْ يُكَرِّرهُ) أَيْ الدَّفْعُ، لِئَلَّا يُفْسِدَ صَلَاتَهُ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ يَضْمَنُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ إنْ قَتَلَهُ (إذَنْ) أَيْ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهَا (لِتَحْرِيمِ التَّكْرَارِ لِكَثْرَتِهِ) الَّتِي تُؤَدِّي إلَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعِ إتْمَامُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: سَوَاءً كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمَرَّ دُونَهَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ فَمَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ. (وَيَحْرُمُ مُرُورٌ بَيْنَ مُصَلٍّ وَسُتْرَتِهِ، وَلَوْ بَعُدَ عَنْهَا) لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّصْرِ أَحَدُ رُوَاتِهِ: لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» (وَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ السُّتْرَةُ بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (يَحْرُمُ) الْمُرُورُ (بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذَارِعِ الْيَدِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي. (وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: إنْ احْتَاجَ) الْمَارُّ (إلَى الْمُرُورِ أَلْقَى شَيْئًا) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَكُونُ سُتْرَةٌ لَهُ (ثُمَّ مَرَّ) مِنْ وَرَائِهِ (انْتَهَى) . فَيَكُونُ مُرُورهُ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ (فَإِنْ مَرَّ) الْمَارُّ (بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَهَلْ) يُسَنُّ (لَهُمْ رَدُّهُ، وَهَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) الْمُرُورِ؟ (احْتِمَالَانِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ يَمِيلُ إلَى أَنَّ لَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَعَلَى هَذَا: فَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ قَطْعِ صَلَاتِهِمْ بِمُرُورِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقَطْ (كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ) الْقَاضِي أَحْمَدُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَلَيْسَ وُقُوفُهُ) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (كَمُرُورِهِ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُهُ شَيْئًا مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ. (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (عَدُّ التَّسْبِيحِ) بِأَصَابِعِهِ (وَ) لَهُ عَدُّ (الْآيِ بِأَصَابِعِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ فِيهِمَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَعْقِدُ الْآيَ بِأَصَابِعِهِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ وَعَدَّ التَّسْبِيحَ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِخِلَافِ عَدِّ الْآي (ك) عَدِّ (تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَيُبَاحُ. (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَ) لَهُ قَتْلُ (قَمْلَةٍ) لِأَنَّ عُمَرَ وَأَنَسًا وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَذَى لَهُ إنْ تَرَكَهَا
عَلَى جَسَدهِ، وَلِغَيْرِهِ إنْ أَلْقَاهَا، وَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يُكْرَه وَقَالَ الْقَاضِي التَّغَافُلُ عَنْهَا أَوْلَى وَفِي مَعْنَاهَا الْبُرْغُوثُ. (وَ) لَهُ (لُبْسُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَلَفُّهَا، وَحَمْلُ شَيْءٍ وَوَضْعُهُ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» وَتَقَدَّمَ حَمْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمَامَةَ وَكَذَا إنْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَلَهُ رَفْعُهُ وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ (وَ) لَهُ (إشَارَةٌ بِيَدٍ وَوَجْهٍ وَعَيْنٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْيَسِيرَةِ، كَحَكِّ جَسَدِهِ يَسِيرًا (لِحَاجَةٍ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ أَشْبَهَ حَمْلَ أُمَامَةَ وَفَتْحَ الْبَابِ لِعَائِشَةَ. (وَإِلَّا) يَكُنْ لِحَاجَةٍ (كُرِهَ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (مَا لَمْ يَطُلْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى آخِرِهِ (وَلَا يَتَقَدَّرُ الْيَسِيرُ بِثَلَاثٍ وَلَا) بِ (غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ) الْيَسِيرُ مَا عَدَّهُ (الْعُرْفُ) يَسِيرًا لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ فَيَرْجِعُ لِلْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَمَا شَابَهَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي حَمْلِ أُمَامَةَ وَفَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَتَقَدُّمِهِ (فَهُوَ يَسِيرٌ) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ. (وَإِنْ قَتَلَ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ أُبِيحَ دَفْنُهَا فِيهِ إنْ كَانَ) الْمَسْجِدُ (تُرَابًا وَنَحْوَهُ) كَالْحَصَى وَالرَّمْلِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهَا فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَيَدْفِنَهَا قِيلَ لِلْقَاضِي: يُكْرَهُ قَتْلُهَا وَدَفْنُهَا فِيهِ كَالنُّخَامَةِ؟ فَقَالَ دَفْنُ النُّخَامَةِ كَفَّارَةٌ لَهَا فَإِذَا دَفَنَهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَخَّمْ، فَكَذَا الْقَمْلَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَعْمَاقَهُ تَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ كَظَاهِرِهِ بِخِلَافِهَا انْتَهَى وَهَذَا النَّظَرُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةٍ مَيْتَةٍ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى التَّنْظِيرُ (فَإِنْ طَالَ عُرْفًا) مَا (فَعَلَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا غَيْرِ مُتَفَرِّقٍ، أَبْطَلَهَا) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْأَرْكَانِ وَيُذْهِبُ الْخُشُوعَ فِيهَا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا (مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً) . فَإِنْ كَانَتْ (كَحَالَةِ خَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَيْلٍ وَسَبُعٍ وَنَارٍ لَمْ تَبْطُلْ إلْحَاقًا لَهُ بِالْخَائِفِ (وَعَدَّ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الضَّرُورَةِ: (إذَا كَانَ بِهِ حَكٌّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ) وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَفَرِّقَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّ النَّاسَ
فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ إذَا قَامَ حَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ. «صَلَّى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَكَرَّرَ صُعُودُهُ وَنُزُولُهُ عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ أَوْ لَا كَعَمَلٍ أَيْ كَفِعْلِهِ دُونَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا فِعْلٌ لَا قَوْلٌ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ إلَّا إذَا كَثُرَتْ عُرْفًا وَتَوَالَتْ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَلَوْ طَالَ) لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ (وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ) إلَى شَيْءٍ (مِنْ كِتَابٍ) أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى (إذَا قَرَأَ) مَا فِيهِ (بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ (مَعَ كَرَاهَتِهِ) لِلْخِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ (وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (كَمَنْ مَصّ وَلَدُهَا) أَوْ وَلَدُ غَيْرِهَا (ثَدْيَهَا) وَهِيَ تُصَلِّي (فَنَزَلَ لَبَنُهَا) وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا، لِعَدَمِ الْمُنَافِي. (وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فَرَدَّ بِالْكَلَامِ (وَالْمَذْهَبُ: لَا) يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي نَصَّ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً} [النور: 61] أَيْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِين سَلَّمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (رَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ (بِإِشَارَةٍ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُشِيرُ فِي صَلَاتِهِ» وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَسٍ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إشَارَةً وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَحَسَنٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا لِرَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْمُصَلِّي السَّلَامَ (لَفْظًا بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ. (وَلَوْ صَافَحَ) الْمُصَلِّي (إنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَلَامٌ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَتَخْفِيف الْجِيم كَأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، مِنْ أَرَتَجْتُ الْبَابَ إرْتَاجًا، أَغْلَقْتُهُ إغْلَاقًا وَثِيقًا (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ غَلِطَ) فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ، فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى صَلَاةً فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا مَنَعَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْخَطَّابِيَّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ فِي الصَّلَاةِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ
فِيهَا أَشْبَهَ التَّسْبِيحَ. (وَيَجِبُ) الْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ أَوْ غَلِطَ (فِي الْفَاتِحَةِ) لِتَوَقُّفِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عَلَى ذَلِكَ (كَ) مَا يَجِبُ تَنْبِيهُهُ عِنْدَ (نِسْيَانِ سَجْدَةٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْأَرْكَانِ (وَإِنْ عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ بِالْإِرْتَاجِ عَلَيْهِ، فَكَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَا يُعِيدُهَا) كَالْأُمِّيِّ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (إمَامًا صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ خَلْفَهُ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ (وَالْقَارِئُ يُفَارِقُهُ) لِلْعُذْرِ (وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِقِرَاءَتِهَا فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» . وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأُمِّيِّ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِهَا وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَسْأَلَ عَمَّا وَقَفَ فِيهِ وَيُصَلِّي وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُزِيلُ عَجْزَهُ مِنْهَا، بِخِلَافِ هَذَا (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ) الَّذِي عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ (مَنْ يُتِمّ بِهِمْ) صَلَاتهمْ (وَصَلَّى مَعَهُ، جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ وَكَذَا لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ كَالرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مِنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّيَّةِ (وَلَا يَفْتَحُ) الْمُصَلِّي (عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) مُصَلِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ) لِمَا مَرَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِيهَا (وَيُكْرَه لِعَاطِسٍ الْحَمْدُ بِلَفْظِهِ) أَيْ أَنْ يَتَلَفَّظُ بِالْحَمْدِ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ (وَيَحْمَدُ) الْعَاطِسُ (فِي نَفْسِهِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُد يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَنَقَلَ صَالِحٌ لَا يُعْجِبُنِي صَوْتُهُ بِهَا (وَمَنْ دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] (وَتَبْطُلُ) أَيْ الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ. (وَيُجِيبُ) الْمُصَلِّي (وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ فَقَطْ) لِتَقَدُّمِ حَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِأَبَوَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الزَّوْجَةِ مِنْ النَّفْلِ لِحَقِّ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ
وَاجِبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّفْلِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَكَذَا حُكْمُ الْقِنِّ (فَإِنْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) نَحْو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى عَلَيْهِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتِحْبَابًا لِتَأَكُّدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ (فِي نَفْلٍ نَصَّ عَلَيْهِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ (وَلَا يَبْطُلُ الْفَرْضُ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ. (وَيَجِبُ رَدُّ كَافِرٍ مَعْصُومٍ) بِذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ أَوْ أَمَانٍ (عَنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَيَّةٍ تَقْصِدُهُ (كَ) رَدِّ (مُسْلِمٍ) عَنْ ذَلِكَ بِجَامِعِ الْعِصْمَةِ (وَ) يَجِبُ (إنْقَاذُ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرِيقٍ (فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِذَلِكَ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ أَبَى قَطْعَهَا) أَيْ الصَّلَاةَ لِإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ أَثِمَ وَ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةِ حَرِيرٍ. (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (إنْ فَرَّ مِنْهُ غَرِيمُهُ أَوْ سُرِقَ مَتَاعُهُ أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ وَنَحْوه) كَمَا لَوْ أَبِقَ عَبْدُهُ (الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ لَهُ (وَإِنْ نَابَهُ) أَيْ أَصَابَهُ (شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ مِثْل سَهْوِ إمَامِهِ أَوْ اسْتِئْذَانِ إنْسَانٍ عَلَيْهِ: سَبَّحَ رَجُلٌ وَلَا يَضُرُّ) أَيْ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالتَّسْبِيحِ (وَلَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ. (وَكَذَا لَوْ كَلَّمَهُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ فَسَبَّحَ) الْمُصَلِّي (لِيُعْلِمَ) الْمُكَلِّمُ لَهُ (أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ) الْمُصَلِّي (عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ، أَوْ أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا فَسَبَّحَ بِهِ لِيَتْرُكَهُ، أَوْ تَرَكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَرَفَعَ) الْمَأْمُومُ (صَوْتَهُ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ وَنَحْوَهُ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْتُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «كُنْتُ إذَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ» (وَيُبَاحُ) التَّنْبِيهُ (بِقِرَاءَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَنَحْوه) كَتَحْمِيدٍ وَاسْتِغْفَارٍ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ. (وَيُكْرَهُ) التَّنْبِيهُ (بِنَحْنَحَةٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهَا. (وَ) يُكْرَهُ (بِصَفِيرٍ كَتَصْفِيقِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال: 35] (وَتَسْبِيحُهَا) أَيْ وَيُكْرَهُ التَّنْبِيهُ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالتَّسْبِيحِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ «قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، مُتَّفَق عَلَيْهِمَا (وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) مَعْطُوف عَلَى سَبَّحَ رَجُلٌ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ،
وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَتَبْطُلُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَإِنْ كَثُرَ) التَّصْفِيقُ (أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا كَثِيرُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (وَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ لَسَعَهُ شَيْءٌ) مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ سَمِعَ) مَا يَغُمُّهُ (أَوْ رَأَى مَا يَغُمُّهُ، فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَوْ سَمِعَ (أَوْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ قِيلَ لَهُ: وُلِدَ لَك غُلَامٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ احْتَرَقَ دُكَّانُهُ وَنَحْوه فَقَالَ: لَا حَوَلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ (وَصَحَّتْ) لِلْأَخْبَارِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كَأَنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) آمِنِينَ (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] فَقُلْنَا: كَيْف صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: {ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [يوسف: 99] وَلِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَلَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلَاةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّنْبِيهَ وَقَالَ الْقَاضِي إذَا قَصَدَ بِالْحَمْدِ الذِّكْرَ أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ فَأَمَّا إنْ أَتَى بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ يَا إبْرَاهِيمُ وَنَحْوه فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ: يَا إبْرَاهِيمُ خُذْ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ. (وَإِنْ بَدَرَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (مُخَاطٌ أَوْ بُزَاقٌ) وَيُقَالُ: بِالسِّينِ وَالصَّادِ أَيْضًا (وَنَحْوه) كَنُخَامَةٍ (فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَ) حَكَّ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، إذْهَابًا لِصُورَتِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ لَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ فِيهِ وَيَبْصُقُ وَنَحْوه (فِي غَيْرِهِ عَنْ يَسَارِهِ، وَتَحْتَ قَدَمِهِ) وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ وَلَعَلَّ فِيهِ سَقْطُ الْوَاوِ، أَوْ لِيُوَافِقَ الْخَبَرَ وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ
(الْيُسْرَى) لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ وَالْمُطَلَّقِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِكْرَامًا لِلْقَدَمِ الْيُمْنَى (لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح) وَتَقَدَّمَ. (وَ) بَصْقُهُ (فِي ثَوْبِهِ أَوْلَى، إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) قَالَ فِي الْوَجِيزِ: يَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الْمَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ وَفِي غَيْرِهِمَا يَسْرَةً وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُكْرَهُ) بَصْقُهُ وَنَحْوه (أَمَامَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَيَلْزَمُ حَتَّى غَيْرُ بَاصِقٍ وَنَحْوه إزَالَةَ الْبُصَاقِ وَنَحْوه مِنْ الْمَسْجِدِ وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّهِ. (وَتُسَنُّ صَلَاةُ غَيْرِ مَأْمُومٍ) إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (إلَى سُتْرَةٍ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَوْ لَمْ يَخْشَ) الْمُصَلِّي (مَارًّا) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالسُّتْرَةُ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ (مِنْ جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ كَحَرْبَةٍ أَوْ آدَمِيٍّ غَيْرِ كَافِرٍ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَهِيمٍ) يَعْرِضُهُ، وَيُصَلِّي إلَيْهِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ تُقَارِبُ طُولَ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ) . لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَأَمَّا قَدْرُهَا) أَيْ السُّتْرَةُ (فِي الْغِلَظِ فَلَا حَدَّ لَهُ فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ أَوْ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى إلَى حَرْبَةٍ وَإِلَى بَعِيرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيُسْتَحَبُّ قُرْبُهُ مِنْهَا قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجِدَارُ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِصَلَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَرُبَ مِنْ الْجِدَارِ أَوْ السَّارِيَةِ نَحْو ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ فَإِلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ مِمَّا سَبَقَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا) يُصَلِّي إلَيْهِ (وَتَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا) كَسَهْمٍ وَحَرْبَةٍ وَضَعَهَا بِالْأَرْضِ، وَصَلَّى إلَيْهَا، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَكْفِي الْعَصَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَرْضًا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ وَعَرْضًا أَيْ وَضْعَ الْعَصَا وَنَحْوِهَا (عَرْضًا أَعْجَبُ إلَى أَحْمَدَ مِنْ الطُّولِ) قَالَ أَحْمَدُ مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِسَهْمٍ
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ (وَيَكْفِي) فِي السُّتْرَةِ (خَيْطٌ وَنَحْوُهُ وَ) كُلُّ (مَا اُعْتُقِدَ سُتْرَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَصِفَته كَالْهِلَالِ لَا طُولًا لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ. (وَلَا تُجْزِئُ سُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ) كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ (فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ (كَ) الصَّلَاةِ إلَى (الْقَبْرِ) أَيْ فَتُكْرَه لِأَنَّ السُّتْرَةَ الْمَغْصُوبَةَ كَالْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ. (وَتُجْزِئُ) سُتْرَةٌ (نَجِسَةٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ وَنَجِسَةٌ كَغَيْرِهَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَفِيهِ وَجْهٌ فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالْقَبْرِ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: سُتْرَةُ الذَّهَبِ (فَإِذَا مَرَّ شَيْءٌ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ لَمْ يُكْرَهُ) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ. (وَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَبَيْنَهَا) أَيْ سُتْرَتِهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ (أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (كَقُرْبِهِ مِنْ السُّتْرَةِ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ مِنْ قَدَمَيْهِ (كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ، وَهُوَ مَا لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ «مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ، مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا. وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِمُرُورِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ «مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَ) لَا بِمُرُورِ (حِمَارٍ) لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَتَانَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَ (لَا) بِمُرُورِ (بَغْلٍ وَشَيْطَانٍ وَسِنَّوْرٍ أَسْوَدَ وَلَا بِالْوُقُوفِ وَالْجُلُوسِ) وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَسْوَدَ (قُدَّامَهُ) مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَأْمُومٍ اتِّخَاذُ سُتْرَةً) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ دُونَ أَصْحَابِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ اتَّخَذَ الْمَأْمُومُ سُتْرَةً (فَلَيْسَتْ سُتْرَةً لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفُوا فِي سُتْرَةِ الْإِمَامِ
هَلْ هِيَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً، وَهُوَ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمَا مُصَلُّونَ إلَى سُتْرَةٍ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِ سَوَاءٌ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ أَوْ قُدَّامَهُ، حَيْثُ صَحَّتْ. أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْح الْفُرُوعِ (فَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى أُخْرَى فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَعَمَدَ إلَى جِدَارٍ فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ. (وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) وَهُوَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ (بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ) لِأَنَّهُ مَرَّ بَيْنهمْ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِع: فَظَاهِرُهُ: أَنَّ هَذَا فِيمَا يُبْطِلُهَا خَاصَّةً وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي نَهْيِ الْآدَمِيِّ عَنْ الْمُرُورِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَكَذَا الْمُصَلِّي لَا يَدَعُ شَيْئًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَيَحْتَمِلُ جَوَازَهُ اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمًا وَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ. (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ وَلَوْ حَافِظًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ سَوَاءٌ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (وَلَهُ السُّؤَالُ وَالتَّعَوُّذُ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ، عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ بِالْبَقَرَةِ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى إلَى أَنْ قَالَ إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَخَيْرٌ (حَتَّى مَأْمُومٌ نَصًّا وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ) نَقَلَ الْفَضْلُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ مَأْمُومٌ وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ. تَتِمَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَرَأَ {أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى} [القيامة: 40] فِي صَلَاةٍ وَغَيْرهَا قَالَ سُبْحَانَكَ فَبَلَى، فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِمَا.
فصل تنقسم أقوال الصلاة وأفعالها إلى ثلاثة أضرب
فَائِدَةٌ: سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقِرَاءَةِ بِمَا فِيهِ دُعَاءٌ هَلْ يَحْصُلَانِ لَهُ؟ فَتَوَقَّفَ وَيَتَوَجَّهُ الْحُصُولُ لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِيهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَإِنَّهُمَا صَلَاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيّ. [فَصْل تَنْقَسِمُ أَقْوَالُ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ] ٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: فَرْضًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ رُكْنًا تَشْبِيهًا لَهُ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا لَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ اصْطِلَاحًا، الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا وَهُوَ السُّنَنُ وَقَدْ ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، فَقَالَ: (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) لِلِاسْتِقْرَاءِ. وَعَدَّهَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا اثْنَيْ عَشَرَ وَفِي الْبُلْغَةِ: عَشْرَة وَعَدَّ مِنْهَا النِّيَّةَ (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْكَانُ جَمْعُ رُكْنٍ وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ الْأَقْوَى وَاصْطِلَاحًا (مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَاز عَنْ الشَّرْطِ (وَلَا يَسْقُط عَمْدًا) خَرَجَ بِهِ السُّنَنُ (وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا) خَرَجَ بِهِ الْوَاجِبَاتُ أَحَدُ الْأَرْكَانِ: (الْقِيَامُ فِي فَرْضٍ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ «صَلِّ قَائِمًا سِوَى عُرْيَانٍ» لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) سِوَى (خَائِفٍ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَامِ، كَالْمُصَلِّي بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا لَا قَائِمًا وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ لِصًّا أَوْ عَدُوًّا فَيُصَلِّي جَالِسًا لِلْعُذْرِ (وَلِمُدَاوَاةٍ) لِمَرِيضٍ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ لَكِنْ لَا تُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ مَعَ قِيَامِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ: لِمَرِيضٍ يُطِيقُ قِيَامًا الصَّلَاةَ مُسْتَلْقِيًا لِمُدَاوَاةٍ، بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (وَقِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ الْخُرُوجِ) لِحَبْسٍ، أَوْ تَوَكُّلٍ بِهِ وَنَحْوِهِ (وَمَأْمُومٍ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقِيَامِ (بِشَرْطِهِ) . وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُفَصَّلًا (وَحَدُّهُ) أَيْ الْقِيَامُ (مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) قَالَهُ
أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَلَا يَضُرُّ خَفْضُ الرَّأْسِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ) لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى قَائِمًا (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْقِيَامِ (الِانْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِيمَا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَبَدَلهَا مِنْ الذِّكْرِ وَقَفَ بِقَدْرِهَا وَفِي الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ، بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ فَرْضَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ، بِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ. (وَإِنْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ف) الرُّكْنُ مِنْ الْقِيَامِ (بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ وَقَفَ غَيْرَ مَعْذُورٍ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ) خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ لَا أَدْرِي وَمَا قَامَ مَقَامَ الْقِيَامِ، (وَهُوَ الْقُعُودُ وَنَحْوُهُ) كَالِاضْطِجَاعِ (لِلْعَاجِزِ) عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْهُ وَعَنْ الْقُعُودِ (وَ) كَالْقُعُودِ فِي حَقِّ (الْمُتَنَفِّلِ فَهُوَ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الرُّكْنِ. (وَ) الثَّانِي (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (وَلَيْسَتْ) تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (بِشَرْطٍ) حَتَّى تَكُونَ مِنْ خَارِجِ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ (بَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِم. (وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَكَذَا عَلَى الْمَأْمُومِ) لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (لَكِنْ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَأْمُومِ لِلْخَبَرِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَقُومُ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ: إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً، احْتِرَازًا عَنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَقُلْنَا: بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَكِنْ لَمْ أَجِدْ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مَنْ اسْتَثْنَاهُ نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَالْأَخْبَارِ: خِلَافُهُ لِلْمَشَقَّةِ. (وَ) الرَّابِعُ (الرُّكُوعُ) إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا} [الحج: 77] وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا
أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ إلَى الْبُخَارِيِّ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيّ لِجَهْلِهِ بِهَا (إلَّا) الرُّكُوعَ (بَعْدَ) رُكُوعٍ (أَوَّلٍ فِي) صَلَاةِ (كُسُوفٍ) فَسُنَّةٌ وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ (وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ. (وَ) الْخَامِسُ (الِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الرُّكُوعِ رُكْنٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاوَمَ عَلَيْهِ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (فَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاعْتِدَالِ عَنْ الرُّكُوعِ (الرَّفْعُ مِنْهُ) لِاسْتِلْزَامِهِ لَهُ هَكَذَا فَعَلَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَفَرَّقَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا بَيْنَهُمَا فَعَدُّوا كُلًّا مِنْهُمَا رُكْنًا، لِتَحَقُّقِ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَتَقَدُّمُ الْمُجْزِئِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا وَتَقَدَّمَ حَدُّ الْقِيَامِ (وَلَوْ طَوَّلَ الِاعْتِدَالَ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْأَنْمَاطِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَالْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) السَّادِسُ (السُّجُودُ) إجْمَاعًا (وَ) السَّابِعُ (الِاعْتِدَالُ عَنْهُ) يَعْنِي الرَّفْعَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ أَسْقَطَ مَا قَبْلَ هَذَا لَدَخَلَ فِيهِ كَمَا فَعَلَ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ. (وَ) التَّاسِعُ (الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا رُكْنٌ وَاحِدٌ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَامَ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ لِذَاكِرِهِ وَلِنَاسِيهِ بِقَدْرِ أَدْنَى سُكُونٍ وَكَذَا) فِي أَدْنَى سُكُونٍ (لِمَأْمُومٍ بَعْدِ انْتِصَابِهِ مِنْ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ فِيهِ) هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَمْ أَجِدْهَا فِي الْفُرُوعِ وَلَا الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَخْتَلِفُ بِالذَّاكِرِ وَالنَّاسِي بَلْ فِي كَلَامِ الْإِنْصَافِ مَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهُ حَكَى فِي الطُّمَأْنِينَةِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا هِيَ السُّكُونُ وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ الْأَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَفَائِدَتُهُ الْوَجْهَيْنِ: إذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَوْ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ، وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لَا يَتَّسِعُ لَهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي. (وَ) الْعَاشِرُ (التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ» - الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» وَذَكَرَهُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَقَالَ عُمَرُ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِتَشَهُّدٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (مَا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةِ اللَّهِ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ أُثْبِتَ فِي بَعْضِهَا، وَتُرِكَ فِي بَعْضِهَا. (قَالَ الشَّارِحُ، قُلْتُ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَر) لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُتْرَكْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ بَلْ أُثْبِتَ بَدَلُهُ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِالْمَرَّةِ، بَلْ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ وُجُوبِ بَدَلِهِ (وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ الشَّارِحُ لِقُوَّةِ مَا عُلِّلَ بِهِ. (وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْده) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلَا تُجْزِئُ إنْ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ كَعْبٍ وَسَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلَا مَوْضِعَ تَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعَدَّ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رُكْنًا مُسْتَقِلًّا تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفُرُوعِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فَقَدْ جَعَلُوهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ. (وَ) الثَّانِي عَشَرَ (الْجُلُوسُ لَهُ) وَلِلتَّسْلِيمَتَيْنِ، لِمُدَاوَمَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ، وَقَوْله «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . (وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ (التَّسْلِيمَتَانِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَتَحْلِيلُهَا
التَّسْلِيمُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالتَّسْلِيمِ» وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلِأَنَّهُمَا نُطْقٌ مَشْرُوعٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّرَفِ الْآخَرِ (إلَّا فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ. (وَ) إلَّا فِي (نَافِلَةٍ فَتُجْزِي) تَسْلِيمَةٌ (وَاحِدَةٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ قَالَ (فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ رِوَايَة وَاحِدَة انْتَهَى) وَظَاهِر مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَانِ (مِنْ الصَّلَاةِ) كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ فَلَا يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْلَهُمَا. (وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ (التَّرْتِيبُ) أَيْ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُنَا، أَوْ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ مُرَتَّبَةً بِثُمَّ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ. (وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا، (وَاجِبَاتُهَا الَّتِي تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَتَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا نَصًّا) خَرَجَ بِهِ الشُّرُوطُ وَالْأَرْكَانُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِتَرْكِهَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا (وَيُجْبِرُهُ) أَيْ تَرْكُهَا لِذَلِكَ (السُّجُودُ) أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ (ثَمَانِيَةٌ) خَبَر: وَاجِبَاتُهَا وَالْمَوْصُولُ نَعْتٌ، وَجَعَلَهُ خَبَرًا يُؤَدِّي إلَى التَّعْرِيفِ بِالْحُكْمِ. فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ أَحَدُهَا: (التَّكْبِيرُ) لِلِانْتِقَالِ (فِي مَحَلِّهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ انْتِقَالٍ وَانْتِهَاءٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكَبِّرُ كَذَلِكَ وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَعَنْهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ قُلْنَا: وَلَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ وَلَا السَّلَامَ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمهِ مَا أَسَاءَ فِيهِ (فَلَوْ شَرَعَ) الْمُصَلِّي (فِيهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ (قَبْلَ انْتِقَالِهِ) كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ قَبْلَ هُوِيِّهِ إلَيْهِ (أَوْ كَمَّلَهُ) أَيْ التَّكْبِيرَ (بَعْدَ انْتِهَائِهِ) بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ التَّكْبِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، أَوْ شُرُوعِهِ فِي تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعُودِهِ، وَكَمَا لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فِيهِ) أَيْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ (وَيُجْزِئُهُ فِيمَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَائِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّهِ) . قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالنُّهُوضِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ فَإِنْ كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ
خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَمِّلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ قُعُودِهِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ (غَيْر تَكْبِيرَتَيْ إحْرَامٍ وَرُكُوعِ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ الْأُولَى) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (رُكْنٌ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَالثَّانِيَةُ) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا (سُنَّةٌ) لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّكْبِيرِ. (وَ) الثَّانِي مِنْ الْوَاجِبَاتِ (التَّسْمِيعُ) أَيْ قَوْل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) دُونَ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الثَّالِثُ (التَّحْمِيدُ) أَيْ قَوْل: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (لِكُلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، فِعْلًا لَهُ وَأَمْرًا بِهِ. (وَ) الرَّابِع (تَسْبِيحُ) (رُكُوعٍ وَ) الْخَامِس تَسْبِيحُ (سُجُودٍ وَ) السَّادِس (رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (مَرَّةً) وَ (مَرَّةً وَفِيهِنَّ) أَيْ فِي التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فِي رُكُوعٍ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْن السَّجْدَتَيْنِ (مَا فِي التَّكْبِيرِ) مِنْ اعْتِبَارِ الْإِتْيَانِ بِهِنَّ فِي مَحَلّهنَّ الْمَعْلُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَتَى بِتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فِي حَالِ هُوِيِّهِ، كَرُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، أَوْ بِرَبِّ اغْفِرْ لِي قَبْلَ قُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَالتَّسْمِيعُ يَأْتِي بِهِ فِي انْتِقَالهِ وَالتَّحْمِيدُ يَأْتِي بِهِ الْمَأْمُومُ فِي رَفْعِهِ وَغَيْرِهِ فِي اعْتِدَالِهِ. (وَ) السَّابِعُ (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِين نَسِيَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ وَانْجِبَارهَا بِالسُّجُودِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا) فَيُتَابِعهُ (وَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ قَرِيبًا) فِي الْأَرْكَانِ. (وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ. (سُنَنُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ فَسُنَنُ الْأَقْوَالِ سَبْعَةَ عَشَر الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَالْبَسْمَلَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي كُلٍّ مِنْ) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ (وَ) فِي (صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالتَّطَوُّعِ كُلِّهِ، وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَالِّهِمَا، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُقْنِعَ وَغَيْرَهُ وَنَاقَشَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُمَا هَيْئَةٌ لِلْقَوْلِ، لَا قَوْلٌ وَلِذَلِكَ عَدَّهُمَا فِيمَا يَأْتِي مِنْ سُنَنِ الْهَيْئَاتِ (وَقَوْل: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ فِي حَقِّ مَنْ يُشْرَعُ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ)
وَهُوَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ، دُونَ الْمَأْمُومِ. (وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّعَوُّذِ) أَيْ قَوْلُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ إلَى آخِرِهِ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالدُّعَاءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» . وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِيمَا سَبَقَ: كَصَاحِبِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا مَسْنُونٌ حَيْثُ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ (وَالصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (عَلَى آلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْبَرَكَةِ فِيهِ) أَيْ قَوْل: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) إلَى آخِرِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (وَمَا زَادَ عَلَى الْمُجْزِئِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ) وَتَقَدَّمَ (وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابه (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (سُنَنُ أَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ سُمِّيَتْ) أَيْ سَمَّاهَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ (هَيْئَةً لِأَنَّهَا صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا) كَسُكُونِ الْأَصَابِعِ مَضْمُومَةً مَمْدُودَةً حَالَ (رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَةً) أَيْ مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ (مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) بِبُطُونِهَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَ) عِنْدَ (الرُّكُوعِ، وَ) عِنْد (الرَّفْعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (وَحَطِّهِمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (عَقِبَ ذَلِكَ) أَيْ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ. (وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ وَجَعْلِهِمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ (وَالنَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ وَنَحْوِهَا (وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ) يَسِيرًا (فِي قِيَامِهِ وَمُرَاوَحَتِهِ بَيْنهمَا) أَيْ الْقَدَمَيْنِ (يَسِيرًا) وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ (وَالْجَهْرُ) فِي مَحَلِّهِ (وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَلِّهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عَدَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ (وَتَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّخْفِيفُ فِيهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (لِلْإِمَامِ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (وَالْإِطَالَةُ فِي) الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَالتَّقْصِيرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي (وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) حَالَ كَوْنِ يَدَيْهِ (مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدِّ ظَهْرِهِ) مُسْتَوِيًا (وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ) فَلَا يَخْفِضْهُ وَلَا يَرْفَعْهُ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ. (وَالْبُدَاءَةُ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا فِي الْقِيَامِ) مِنْ سُجُودِهِ (وَتَمْكِينُ كُلِّ جَبْهَتِهِ) وَكُلِّ (أَنْفِهِ، وَكُلِّ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْ الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ وَمُجَافَاةِ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَمُجَافَاةِ (بَطْنهِ عَنْ فَخِذَيْهِ وَ) مُجَافَاةِ (فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ مُفَرَّقَةً فِيهِ) أَيْ فِي السُّجُودِ. (وَفِي الْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ لِلتَّشَهُّدِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَةَ) الْأَصَابِعِ إذَا سَجَدَ، (وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ
مَضْمُومَةً نَحْو الْقِبْلَةِ وَمُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ (وَعَدَمهَا) أَيْ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ (بِرُكْبَتَيْهِ، وَقِيَامُهُ إلَى الرَّكْعَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا) بِيَدَيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) إلَّا أَنْ يَشُقَّ فَبِالْأَرْضِ (وَالِافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَ) الِافْتِرَاشُ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّوَرُّكُ فِي) التَّشَهُّدِ (الثَّانِي وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَا فِي التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (لَكِنْ يَقْبِضُ مِنْ الْيَمِينِ) . وَفِي نُسْخَةٍ: الْيُمْنَى (الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُسَمَّى السِّبَاحَةَ (وَالْتِفَاتُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي تَسْلِيمِهِ، وَتَفْضِيلُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الِالْتِفَاتِ وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ) بِالسَّلَامِ وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهَا. (وَالْخُشُوعُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] (وَهُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالنَّفْسِ يَظْهَرُ مِنْهُ سُكُونُ الْأَطْرَافِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الْعَابِثِ بِلِحْيَتِهِ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخُضُوعُ وَالْإِخْبَاتُ الْخُشُوعُ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون: 1] {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} [المؤمنون: 2] أَيْ خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارَهُمْ مَسَاجِدَهُمْ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] أَيْ الْمُخْبِتِينَ وَالْخُشُوعُ: الْإِخْبَاتُ وَمِنْهُ الْخُشْعَةُ لِلرَّمْلَةِ الْمُتَطَامِنَةِ وَالْخُضُوعُ: اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ وَلِذَلِكَ يُقَال: الْخُشُوعُ بِالْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ. (قَالَ الشَّيْخُ إذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا) لِأَنَّ الْخُشُوعَ سُنَّةٌ وَالصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: أَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ وَعَلَيْهِ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّهَا فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ فَخِلَافُ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَإِنْ بَطَلَ بِهِ، فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَخْبَارِ اهـ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعَابِثَ بِلِحْيَتِهِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، مَعَ قَوْلِهِ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» . قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ خُشُوعِهِ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا (وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (لَا تَبْطُلُ بِعَمَلِ
باب سجود السهو
الْقَلْبِ وَلَوْ طَالَ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْخُشُوعِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِ سُنَّةٍ وَلَوْ قَوْلِيَّةً) كَالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لِأَنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ (وَإِنْ سَجَدَ) لِتَرْكِ سُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ (فَلَا بَأْسَ بِهِ نَصًّا) لِعُمُومِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَإِنْ اعْتَقَدَ الْمُصَلِّي الْفَرْضَ سُنَّةً أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ اعْتَقَدَ السُّنَّةَ فَرْضًا (أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا) لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً (وَأَدَّاهَا عَلَى ذَلِكَ) الْوَجْهِ السَّابِقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ (وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرُّكْنَ مِنْ الشَّرْطِ وَالْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ، وَرَدَّ الْمَجْدُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الِائْتِمَامَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ نَفْلٌ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ الْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ مُؤَثِّرٌ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، لَا تَفَاصِيلِهَا لِأَنَّ مَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ فَرِيضَةً يَأْتِي بِأَفْعَالٍ تَصِحُّ مَعَهَا، بَعْضُهَا فَرْضٍ وَبَعْضُهَا نَفْلٌ وَهُوَ يَجْهَلُ مِنْ الْفَرْضِ السُّنَّةَ، أَوْ يَعْتَقِدُ الْجَمِيعَ فَرْضًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ (خَاتِمَةٌ) إذَا تَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدْرِ: أَفَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ لِلشَّكِّ فِي صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَرَدَّدَ فِي وُجُوبِهِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَاهِلًا حُكْمُهُ بِأَنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ قَطُّ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ تَارِكِهِ سَهْوًا فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ سُجُودِ السَّهْوِ كَفَاهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ. [بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ] (بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: سَهَا عَنْ الشَّيْءِ سَهْوًا: ذَهِلَ وَغَفَلَ قَلْبُهُ عَنْهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي: أَنَّ النَّاسِيَ إذَا ذَكَّرْتَهُ تَذَكَّرَ بِخِلَافِ السَّاهِي اهـ. وَفِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الشَّيْءِ
تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ اهـ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِ مَا مَرَّةٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الصَّلَاةِ الَّذِي ذُمَّ فَاعِلُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: نَحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَمْسَةَ أَشْيَاءَ: سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ، يَعْنِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنُ بُحَيْنَةَ (لَا يُشْرَعُ) سُجُودُ السَّهْوِ (فِي الْعَمْدِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ جُبْرَانًا وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ فَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ، بِخِلَافِ السَّاهِي وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إلَى السَّهْوِ (بَلْ) يُشْرَعُ (لِلسَّهْوِ بِوُجُودِ) شَيْءٍ مِنْ (أَسْبَابِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ وَشْكٌ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي ذَلِكَ (لِفَرْضٍ وَنَافِلَةٍ) أَيْ يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ بِوُجُودِ أَسْبَابِهِ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَةِ (سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ) لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى (وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) لِئَلَّا يَلْزَمَ زِيَادَةُ الْجَبْرِ عَلَى الْأَصْلِ. (وَ) سِوَى (حَدِيثِ نَفْسٍ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. (وَ) سِوَى (نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ) وَلَوْ طَالَ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَ) سِوَى (سَهْوٍ فِي سَجْدَتَيْهِ) إجْمَاعًا حَكَاهُ إِسْحَاقُ (أَوْ بَعْدَهُمَا قَبْلَ سَلَامِهِ، سَوَاءً كَانَ سُجُودُهُ) لِلسَّهْوِ (بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ. (وَ) سِوَى (كَثْرَةِ سَهْوٍ أَيْ شَكٌّ حَتَّى يَصِيرَ كَوَسْوَاسٍ، فَيَطْرَحهُ وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ كَالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ الْوَسْوَاسَ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَيُفْضِي إلَى زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ لِذَلِكَ (وَلَا) سُجُودَ لِلسَّهْوِ (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا، فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي الْخَوْفِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْتُ فَيُعَايَا بِهَا لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَتَأْتِي أَحْكَامُ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ، فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ تَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَحُكْمِهَا، وَبَدَأَ بِالزِّيَادَةِ ثُمَّ هِيَ إمَّا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ أَوْ أَقْوَالٍ وَزِيَادَةُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَمَتَى زَادَ) الْمُصَلِّي فِعْلًا (مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ: قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّهُ بِهَا يُخِلُّ بِنَظْمِ الصَّلَاةِ وَيُغَيِّرُ هَيْئَتَهَا فَلَمْ تَكُنْ صَلَاةً، وَلَا فَاعِلَهَا مُصَلِّيًا. (وَ) إنْ زَادَ ذَلِكَ سَهْوًا وَلَوْ كَانَ الْجُلُوسُ الَّذِي زَادَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) عَقِبَ رَكْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ عَقِبَهَا لِلتَّشَهُّدِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ إنَّمَا أَرَادَ التَّشَهُّدَ سَهْوًا (سَجَدَ) لَهُ وُجُوبًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ سَهْوٌ فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ سَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَجَدَ بَلْ هِيَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ، لِيَنْجَبِرَ النَّقْصُ. (وَمَتَى ذَكَرَ) مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَادَ إلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ لِإِلْغَاءِ الزِّيَادَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لِيَجْلِسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَكَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلْفَصْلِ أَوْ التَّشَهُّدِ ثُمَّ ذَكَرَ أَتَى بِذَلِكَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَوْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ سَجَدَ لِذَلِكَ وَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ يَظُنُّهُ التَّشَهُّدَ وَطُولُهُ لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ. (وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ (فَأَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ عَمْدَهُ لَا يُبْطِلُهَا. (وَيَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً) أَيْ قَامَ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ، كَثَالِثَةٍ فِي صُبْحٍ أَوْ رَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ أَوْ خَامِسَةٍ فِي ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ قَطَعَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْحَالِ (مَتَى ذَكَرَ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ لَزَادَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا (وَبَنَى عَلَى فِعْلِهِ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ مَا يُلْغِيه. (وَلَا يَتَشَهَّدُ، إنْ كَانَ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ. (وَلَا يَعْتَدُّ) أَيْ لَا يَحْتَسِبُ (بِهَا) أَيْ بِالرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ مِنْ صَلَاتِهِ مَسْبُوقٌ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا أَوْ قَبْلَهَا لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحَالَ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِلْمَأْمُومِ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ الْقَائِمِ لِزَائِدَةٍ (فِيهَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ) لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا مَسْبُوقٌ يَجْهَلُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ثُمَّ مَتَى عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ بَعْدَ السَّلَامِ وَكَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا، وَلَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ تَمَّمَ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ، عَلَى مَا يَأْتِي. (وَإِنْ كَانَ) الَّذِي قَامَ إلَى زَائِدَةٍ (إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، فَنَبَّهَهُ ثِقَتَانِ فَأَكْثَرُ - وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) لِارْتِبَاطِ صَلَاتِهِمْ بِصَلَاتِهِ، بِحَيْثُ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِهَا، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُهُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِع وَغَيْرِهِمَا: وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ، فَلَمْ يُقَيِّدُوا بِالْإِمَامِ - (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) جَوَابُ الشَّرْطِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ (سَوَاءٌ نَبَّهُوهُ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَلَوْ ظَنَّ خَطَأَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَذْكِيرِهِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ) وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا كَالْحَاكِمِ لَا يَعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ إذَا عَلِمَ كَذِبَهَا (أَوْ يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْمُنَبِّهُونَ) لَهُ (فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ) كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْإِمَامُ (الرُّجُوعُ إلَى فِعْلِهِمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ، كَقِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ (مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ. (وَلَا) يَرْجِعُ (إلَى تَنْبِيهِ فَاسِقَيْنِ) لِعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِمَا (وَلَا إذَا نَبَّهَهُ وَاحِدٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَرْجِع إلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ (إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ صَوَابُهُ) فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ لَا بِتَنْبِيهِهِ. (وَالْمَرْأَةُ الْمُنَبِّهَةُ كَالرَّجُلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِ الْمَرْأَةِ فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهُهَا بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ وَفِي الْمُمَيِّزِ خِلَافٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إمَامٌ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ) الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ (فَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِهِ (عَمْدًا) (وَكَانَ) رُجُوعُهُ (لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) بِأَنْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنُبِّهَ فَلَمْ يَرْجِعْ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ: فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتَ» وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا، وَكَانَ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) . لِتَعَمُّدِهِ إبْطَالَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (سَهْوًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى
قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (عَالِمًا) بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ذَاكِرًا، لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَابَعُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْخَامِسَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أَوْ تَوَهَّمُوا النَّسْخَ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ (وَوَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامَ الْقَائِمَ إلَى زَائِدَةٍ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ خَطَأَهُ (وَيُتِمُّ الْمُفَارِقُ صَلَاتَهُ) لِنَفْسِهِ لِلْعُذْرِ (وَظَاهِرُهُ هُنَا: وَلَوْ قُلْنَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَتَكُونُ هَذِهِ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ كَلَامِهِمْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِكَثْرَةِ السَّهْوِ. وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى، تَبَعًا لِلشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَبَاهُ إمَامٌ قَامَ لِزَائِدَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمُتْبِعِهِ عَالِمًا ذَاكِرًا (وَيَرْجِعُ طَائِفٌ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ (إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ نَصًّا) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَوْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا طُفْنَا سَبْعًا، وَقَالَ الْآخَرُ سِتًّا فَقَالَ: لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَالَ اثْنَانِ طُفْنَا سَبْعًا وَقَالَ الْآخَرُ طُفْنَا سِتًّا قُبِلَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ يَعْنِي فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْأَصْحَابُ وُجُوبَ الرُّجُوعِ إلَى تَنْبِيهِ الثِّقَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا مُشَارَكَةَ فِيهِ. (وَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا نَهَارًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا، فَالْأَفْضَلُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِإِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ) لِلسَّهْوِ (وَرُجُوعُهُ) إذَا نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا (لَيْلًا) وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهَا أَرْبَعًا لِأَنَّ إتْمَامَهَا مُبْطِلٌ لَهَا كَمَا يَأْتِي وَعَدَمُ إبْطَالِ النَّفْلِ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ (وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) مَنْ نَوَى اثْنَيْنِ لَيْلًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (بَطَلَتْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَلَيْلًا، فَكَقِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ بِفَجْرٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ لَيْلًا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا؟ قُلْتُ هَذَا إذَا نَوَاهُ ابْتِدَاءً وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَنْوِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَمُجَاوَزَتُهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ نَوَى عَدَدًا نَفْلًا، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ زِيَادَةِ الْأَفْعَالِ بِقَوْلِهِ: (وَعَمَلٌ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثِرٌ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَمَشْيٍ، وَفَتْحِ بَابٍ وَنَحْوِهِ) كَلَفِّ عِمَامَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ
(يُبْطِلهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (عَمْدُهُ وَسَهْوُهُ وَجَهْلُهُ) لِقَطْعِهِ الْمُوَالَاةَ بَيْنَ الْأَرْكَانِ (إنْ لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً) كَخَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدْوٍ أَوْ سَيْلٍ وَنَحْوِهِ، فَلَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ. (وَلَا يُبْطِلُ) الصَّلَاةَ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ (يَسِيرٌ) عَادَةً لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فَتْحِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَابَ لِعَائِشَةَ وَحَمْلِهِ أُمَامَةَ وَوَضْعِهَا، وَكَذَا لَوْ كَثُرَ الْعَمَلُ وَتَفَرَّقَ (وَلَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ) وَلَوْ فَعَلَهُ سَهْوًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ السُّجُودَ لَهُ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى مَا وَرَدَ السُّجُودُ لَهُ، لِمُفَارَقَتِهِ إيَّاهُ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْعَمَلِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (لِحَاجَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَيُكْرَهُ) الْعَمَلُ الْيَسِيرُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ. (وَإِنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ) فِي صَلَاةٍ (عَمْدًا فَإِنْ كَانَ) ذَلِكَ (فِي فَرْضٍ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (قَلَّ) الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ (أَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ يُنَافِي الصَّلَاةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ إجْمَاعُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ فِي الْفَرْضِ، إلَّا مَا حَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا: أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِيَسِيرِ شُرْبٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ. (وَ) إنْ كَانَ مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ (فِي) صَلَاةِ (نَفْلٍ) فَإِنَّهُ (يُبْطِلُ كَثِيرُهُ عُرْفًا) لِقَطْعِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْأَرْكَانِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ الْيَسِيرِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فَلَا يُبْطِلُ النَّفَلُ كَغَيْرِهِمَا. وَهَذِهِ رِوَايَةٌ وَعَنْهُ أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ لِأَنَّ مَا أَبْطَلَ الْفَرْضَ أَبْطَلَ النَّفَلَ، كَسَائِرِ الْمُبْطِلَاتِ وَعَنْهُ لَا يَبْطُلُ بِيَسِيرِ الشُّرْبِ فَقَطْ. وَهِيَ مَفْهُومُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَالْمُصَنِّفُ فِي مُخْتَصَرِ الْمُقْنِعِ وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ إنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْأَشْهَرُ عَنْهُ بِالْأَكْلِ اهـ أَيْ يَبْطُلُ النَّفَلُ بِيَسِيرِ الْأَكْلِ عَمْدًا، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ النَّفَلُ بِيَسِيرِ الشُّرْبِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ شَرِبَا فِي التَّطَوُّعِ، قَالَ الْخَلَّالُ سَهَّلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ. وَفِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَذَلِكَ لِأَنَّ كَثْرَةَ النَّفْلِ وَإِطَالَتَهُ مُسْتَحَبَّةٌ مَطْلُوبَةٌ فَتَحْتَاجُ مَعَهُ كَثِيرًا إلَى أَخْذِ جَرْعَةِ مَاءٍ لِدَفْعِ الْعَطَشِ، كَمَا سُومِحَ بِهِ جَالِسًا وَعَلَى الرَّاحِلَةِ (وَإِنْ كَانَ) الْأَكْلُ أَوْ الشُّرْبُ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) وَلَمْ يُذَكِّرْهُ جَمَاعَةٌ (لَمْ يُبْطِلْ يَسِيرُهُ فَرْضًا كَانَ) مَا حَصَلَ ذَلِكَ فِيهِ (أَوْ نَفْلًا) لِأَنَّ تَرْكَهُمَا عِمَادُ الصَّوْمِ وَرُكْنُهُ الْأَصْلِيُّ فَإِذَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ حَالَةَ السَّهْوِ فَالصَّلَاةُ أَوْلَى وَكَالسَّلَامِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ» قَالَ فِي الْكَافِي: فَعَلَى هَذَا يَسْجُدُ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ تَعَمُّدُهُ وَعُفِيَ عَنْ سَهْوِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ، كَجِنْسِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَلَا بَأْسَ بِبَلْعِ مَا بَقِيَ فِي فِيهِ) مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ (أَوْ) بَقِيَ (بَيْنَ أَسْنَانِهِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ بِلَا مَضْغٍ مِمَّا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ وَهُوَ الْيَسِيرُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُسَمَّى أَكْلًا (وَمَا لَا يَجْرِي بِهِ رِيقُهُ بَلْ يَجْرِي بِنَفْسِهِ وَهُوَ مَا لَهُ جِرْمٌ تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِبَلْعِهِ هَذَا مَفْهُومُ مَا فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ، وَصَرِيحِ كَلَامِ الْمَجْدِ، حَيْثُ قَالَ وَكَذَلِكَ إذَا اقْتَلَعَ مِنْ بَيْنَ أَسْنَانِهِ (مَا لَهُ جِرْمٌ) وَابْتَلَعَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ عِنْدَنَا وَعَلَّلَهُ بِعَدَمِ مَشَقَّةِ الِاحْتِرَازِ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَا يَبْلَعُ مَا بَيْنَ أَسْنَانِهِ بِلَا مَضْغٍ وَلَوْ لَمْ يَجْرِ بِهِ رِيقٌ نَصًّا وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ تِلْمِيذُهُ الْعَسْكَرِيُّ فِي قِطْعَتِهِ وَتَبِعَ الْعَسْكَرِيَّ تِلْمِيذُهُ الشُّوَيْكِيُّ فِي التَّوْضِيحِ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى (وَبَلَعَ مَا ذَابَ بِفِيهِ مِنْ سُكَّرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَلْوَى وشيرخشك وترنجبيل (كَأَكْلٍ) وَكَمَا لَوْ فَتَحَ فَاهُ فَنَزَلَ فِيهِ مَاءُ الْمَطَرِ فَابْتَلَعَهُ. ثُمَّ شَرَعَ يَتَكَلَّمُ عَلَى زِيَادَةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ كَالسَّلَامِ وَكَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَيَأْتِي: وَالثَّانِي: مَا لَا يُبْطِلُهَا مُطْلَقًا وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: (وَإِنْ أَتَى بِقَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ غَيْرِ سَلَامٍ وَلَوْ) كَانَ إتْيَانُهُ بِالْقَوْلِ الْمَشْرُوعِ غَيْرِ السَّلَامِ (عَمْدًا كَالْقِرَاءَةِ فِي السُّجُودِ وَ) فِي (الْقُعُودِ، وَ) كَ (التَّشَهُّدِ فِي الْقِيَامِ، وَقِرَاءَة السُّورَةِ فِي) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُخْرَيَيْنِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ كَالْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ (لَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ بِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ (وَيُشْرَعُ) أَيْ يُسَنُّ (السُّجُودِ لِسَهْوِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ فِيهَا كَقَوْلِ: آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. وَفِي التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودٌ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْح وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ فِي الصَّلَاةِ الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ» . (وَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ عَمْدًا أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهَا وَالْبَاقِي مِنْهَا إمَّا رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَكِلَاهُمَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ تَعَمُّدًا. (وَإِنْ كَانَ) السَّلَامُ قَبْلَ إتْمَامِهَا (سَهْوًا) لَمْ تَبْطُلْ بِهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَلِأَنَّ جِنْسَهُ مَشْرُوعٌ فِيهَا أَشْبَهَ الزِّيَادَةَ فِيهَا مِنْ جِنْسِهَا (ثُمَّ) إنْ (ذَكَرَ قَرِيبًا عُرْفًا أَتَمَّهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (وَسَجَدَ) لِلسَّهْوِ. (وَلَوْ) انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ (خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) لِمَا رَوَى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إحْدَى صَلَاتَيْ
الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ لَكِنْ نَسِيتَ أَنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِد فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجْتِ السَّرَعَانُ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدِهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسَيْتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ، فَقَالَ: لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ فَقَالَ: أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ، فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ، فَيَقُولُ: أُنْبِئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ ثُمَّ سَلَّمَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. (فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِهَا (حَتَّى قَامَ) مِنْ مُصَلَّاهُ (فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْلِسَ لِيَنْهَضَ إلَى الْإِتْيَانِ بِمَا بَقِيَ) مِنْ صَلَاتِهِ (عَنْ جُلُوسٍ مَعَ النِّيَّةِ) لِأَنَّ هَذَا الْقِيَامَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ وَلَمْ يَأْتِ بِهِ لَهَا. (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةِ غَيْرِهَا قَطَعَهَا) مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ وَعَادَ إلَى الْأُولَى فَأَتَمَّهَا لِتَحْصُلَ لَهُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَرْكَانِهَا ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ. وَفِي الْفُصُولِ: فِيمَا إذَا كَانَتَا صَلَاتَيْ جَمْعٍ أَتَمَّهُمَا ثُمَّ سَجَدَ عَقِبَهُمَا لِلسَّهْوِ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهُمَا كَصَلَاةٍ وَاحِدَةٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوع. (وَإِنْ كَانَ سَلَامُهُ) قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ (ظَنًّا أَنَّ صَلَاتَهُ قَدْ انْقَضَتْ فَكَذَلِكَ) ، أَيْ يَعُودُ فَيُتِمُّهَا إذَا ذَكَرَ قَرِيبًا عُرْفًا لِمَا تَقَدَّمَ (لَا إنْ سَلَّمَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ) كَظُهْرٍ (يَظُنُّهَا جُمُعَةً أَوْ فَجْرًا فَائِتَةً أَوْ التَّرَاوِيحَ) فَيَبْطُلُ فَرْضُهُ لِأَنَّهُ تَرَكَ اسْتِصْحَابَ حُكْمِ النِّيَّةِ وَهُوَ وَاجِبٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (النِّيَّةِ) (فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) عُرْفًا بَطَلَتْ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ فَلَمْ يَجُزْ بِنَاءُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ لِتَعَذُّرِ الْبِنَاءِ مَعَهُ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَالْمُقَارَبَةِ كَمَثَلِ حَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ إذْ لَمْ يَرِدْ بِتَحْدِيدِهِ نَصٌّ. (أَوْ أَحْدَثَ) بَطَلَتْ لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ الطَّهَارَةِ شَرْطٌ وَقَدْ فَاتَ (أَوْ تَكَلَّمَ لِغَيْرِ مَصْلَحَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (كَقَوْلِهِ: يَا غُلَامُ اسْقِنِي وَنَحْوِهِ، بَطَلَتْ) لِمَا رَوَى مُعَاوِيَةُ عَنْ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ مَكَانٌ لَا يَصْلُحُ لَا يَحِلُّ. (وَإِنْ تَكَلَّمَ) مَنْ سَلَّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ سَهْوًا (يَسِيرًا) عُرْفًا (لِمَصْلَحَتِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ `
قَالَ الْمُوَفَّقُ: إنَّهُ الْأَوْلَى وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَابْنُ مُفْلِحٍ فِي حَوَاشِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمُوا وَبَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ، فَعَلَى هَذَا: إنْ أَمْكَنَهُ اسْتِصْلَاحُ الصَّلَاةِ بِإِشَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَتَكَلَّمَ فَذَكَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَعَنْهُ إنْ تَكَلَّمَ لِمَصْلَحَتِهَا سَهْوًا لَمْ تَبْطُلْ وَإِلَّا بَطَلَتْ قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. وَهُوَ أَصَحُّ عِنْدِي؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَامٌّ وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَالِ السَّهْوِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ، وَيَبْقَى غَيْرُهُ عَلَى الْأَصْلِ (وَ) قَالَ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ الْمِرْدَاوِيُّ، الْمَعْرُوفُ (بِالْمُنَقِّحِ: بَلَى) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَإِنْ تَكَلَّمَ يَسِيرًا لِمَصْلَحَتِهَا قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهِيَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَالْقَاضِي وَأَبُو الْحُسَيْنِ قَالَ الْمَجْدُ: وَهِيَ أَظْهَرُ الرِّوَايَاتِ وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِيضَاحِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ وَأَجَابَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَنْ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حَالَ إبَاحَةِ الْكَلَامِ وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ حُرِّمَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِ أَوْ بَعْدَهَا بِيَسِيرٍ، عِنْدَ الْخَطَّابِيِّ وَغَيْرِهِ (كَكَلَامِهِ فِي صُلْبِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَتَبْطُلُ بِهِ (وَلَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ عَمْدًا، وَلِأَنَّ الْإِكْرَاهَ نَادِرٌ (لَا إنْ تَكَلَّمَ مَغْلُوبًا عَلَى الْكَلَامِ) بِأَنْ خَرَجَتْ الْحُرُوفُ مِنْهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (مِثْلُ أَنْ سَلَّمَ سَهْوًا) فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِهِ وَتَقَدَّمَ. (أَوْ نَامَ فَتَكَلَّمَ) لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ وَلِعَدَمِ صِحَّةِ إقْرَارِهِ وَعِتْقِهِ وَقَدْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنْ الْجَوَابِ عَنْهُ. (أَوْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ حَالَ قِرَاءَتِهِ كَلِمَةٌ لَا مِنْ الْقُرْآنِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (أَوْ غَلَبَهُ سُعَالٌ أَوْ عُطَاسٌ أَوْ تَثَاؤُبٌ فَبَانَ حَرْفَانِ) فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، لِمَا مَرَّ. (وَإِنْ قَهْقَهَ) فِي الصَّلَاةِ (بَطَلَتْ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا (وَلَوْ لَمْ يَبِنْ حَرْفَانِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا مَا يُنَافِيهَا أَشْبَهَ خِطَابَ الْآدَمِيِّ. (وَلَا) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (إنْ تَبَسَّمَ) فِيهَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (وَإِنْ نَفَخَ) فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا وَمَا رُوِيَ مِنْ عَدَمِ الْإِبْطَالِ بِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ الْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَنْتَظِمْ مِنْهُ حَرْفَانِ. (أَوْ انْتَحَبَ) أَيْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ (لَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)
فصل في السجود عن نقص في صلاته
فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا غَلَبَ صَاحِبَهُ وَمَا لَمْ يَغْلِبْهُ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ: إنَّهُ إذَا غَلَبَ صَاحِبَهُ لَمْ يَضُرَّهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (أَوْ تَنَحْنَحَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ فَكَكَلَامٍ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَبَانَهَا كَانَ مُتَكَلِّمًا أَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَوَّهَ لِغَيْرِ خَشْيَةِ اللَّهِ: فَبَانَ حَرْفَانِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إنْ تَنَحْنَحَ لِحَاجَةٍ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ بَانَ حَرْفَانِ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ وَمُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ، وَيُعَضِّدُهُ: مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ «كَانَ لِي مَدْخَلَانِ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي يَتَنَحْنَحُ لِي» وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ وَلِأَنَّهَا صَوْتٌ لَا يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَلَا مَعَ لَفْظٍ غَيْرِهِ عَلَى مَعْنَى لِكَوْنِهَا حُرُوفًا غَيْرَ مُحَقَّقَةٍ كَصَوْتٍ أُغْفِلَ وَلَا يُسَمَّى فَاعِلُهَا مُتَكَلِّمًا بِخِلَافِ النَّفْخِ وَالتَّأَوُّهِ. تَنْبِيهٌ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَمَنْ وَافَقَهُمَا: كَالْجَمْعِ بَيْنَ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ فَإِنَّ الْإِمَامَ كَانَ يَتَنَحْنَحُ فِي صَلَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَصْحَابُ جَعَلُوا النَّحْنَحَةَ كَالنَّفْخِ وَالْقَهْقَهَةِ، وَحَمَلُوا مَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِحَرْفَيْنِ وَرَدَّهُ الْمُوَفَّقُ بِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ،؛ لِأَنَّ الْحَاجَة تَدْعُو إلَيْهَا (وَيُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ الْبُكَاءِ كَ) مَا يُكْرَهُ اسْتِدْعَاءُ (الضَّحِكِ) لِئَلَّا يَظْهَرُ حَرْفَانِ فَتَبْطُلَ صَلَاتُهُ (وَيَأْتِي إذَا لَحَنَ فِي الصَّلَاةِ فِي) بَابِ (صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) مُفَصَّلًا تَتِمَّةٌ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُبْطِلَ لِلصَّلَاةِ: مَا انْتَظَمَ حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا؛ لِأَنَّ الْحَرْفَيْنِ يَكُونَانِ كَلِمَةً، كَأَبٍ وَأَخٍ وَكَذَلِكَ الْأَفْعَالُ وَالْحُرُوفُ لَا تَنْتَظِمُ كَلِمَةً مِنْ أَقَلِّ مِنْ الْحَرْفَيْنِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ نَحْوُ: (قِ) وَ (عِ) . [فَصْل فِي السُّجُودِ عَنْ نَقْصٍ فِي صَلَاتِهِ] ِ (مَنْ نَسِيَ رُكْنًا غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لِعَدَمِ انْعِقَادِ الصَّلَاةِ بِتَرْكِهَا) وَكَذَا النِّيَّةُ عَلَى الْقَوْلِ بِرُكْنِيَّتِهَا (فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعهِ فِي قِرَاءَةِ) الرَّكْعَةِ (الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ الْمَتْرُوكِ مِنْهَا الرُّكْنُ
(بَطَلَتْ) الرَّكْعَةُ (الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا فَقَطْ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ اسْتِدْرَاكَهُ لِتَلَبُّسِهِ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَصَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا عِوَضًا عَنْهَا وَلَا يُعِيدُ الِاسْتِفْتَاحُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ فَإِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنْ الْأُولَى صَارَتْ الَّتِي شَرَعَ فِيهَا عِوَضًا؛ الثَّانِيَةُ أَوَّلَتُهُ، وَالثَّالِثَةُ ثَانِيَتُهُ وَالرَّابِعَةُ ثَالِثَتُهُ وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ مَا مَضَى مِنْ الرَّكَعَاتِ قَبْلَ الْمَتْرُوكِ رُكْنُهَا وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ: بَلَى وَبَعْدَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. (فَإِنْ رَجَعَ) إلَى مَا تَرَكَهُ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا وَإِنْ رَجَعَ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لَكِنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِهَا بِفِعْلِهِ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا فَسَدَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ غَيْرِهَا فَلَمْ تَعُدْ إلَى الصِّحَّةِ بِحَالٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الرُّكْنَ الْمَنْسِيَّ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي الْقِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا (عَادَ لُزُومًا فَأَتَى بِهِ) أَيْ بِالْمَتْرُوكِ نَصَّ عَلَيْهِ لِكَوْنِ الْقِيَامِ غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ قَدْرُ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ وَلِأَنَّهُ أَيْضًا ذَكَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، كَمَا لَوْ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فَذَكَرَهَا قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِي الْحَالِ (وَ) أَتَى (بِمَا بَعْدَهُ نَصًّا) مِنْ الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ (فَلَوْ ذَكَرَ الرُّكُوعَ وَقَدْ جَلَسَ أَتَى بِهِ وَبِمَا بَعْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ سَجَدَ سَجْدَةً ثُمَّ قَامَ) قَبْلَ سُجُودِهِ الثَّانِيَةَ نَاسِيًا (فَإِنْ كَانَ جَلَسَ لِلْفَصْلِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (سَجَدَ الثَّانِيَةَ وَلَمْ يَجْلِسْ) لِلْفَصْلِ، لِحُصُولِهِ فِي مَحَلِّهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ (جَلَسَ) لَهُ (ثُمَّ سَجَدَ) الثَّانِيَةَ تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ (وَإِنْ كَانَ جَلَسَ) بَعْدَ السَّجْدَةِ الْأُولَى (لِلِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يُجْزِئْهُ) جُلُوسُهُ عَنْ جَلْسَتِهِ (لِلْفَصْلِ، كَنِيَّتِهِ بِجُلُوسِهِ نَفْلًا) فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ عَنْ جَلْسَةِ الْفَصْلِ لِوُجُوبِهَا. (فَإِنْ لَمْ يَعُدْ) إلَى الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ مَنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْأُخْرَى (عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَ) إنْ لَمْ يَعُدْ (سَهْوًا أَوْ جَهْلًا بَطَلَتْ الرَّكْعَةُ فَقَطْ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ غَيْرُ مُتَعَمَّدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَضَى قَبْلَ ذِكْرِ الْمَتْرُوكِ، حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ. (فَإِنْ عَلِمَ) بِالْمَتْرُوكِ (بَعْدَ السَّلَامِ فَهُوَ كَتَرْكِهِ رَكْعَةً كَامِلَةً) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الَّتِي لَغَتْ بِتَرْكِهِ رُكْنَهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهَا فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا، فَإِذَا سَلَّمَ قَبْلَ ذِكْرِهَا فَقَدْ سَلَّمَ مِنْ نَقْصٍ (يَأْتِي بِهَا) أَيْ بِالرَّكْعَةِ (مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ عُرْفًا كَمَا تَقَدَّمَ) وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ نَصَّ عَلَيْهِ وَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ نَقَلَهُ حَرْبٌ بِخِلَافِ تَرْكِ الرَّكْعَةِ بِتَمَامِهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ أَحْدَثَ بَطَلَتْ لِفَوَاتِ الْمُوَالَاةِ كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي يَوْمٍ آخَرَ. (فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ تَشَهُّدًا أَخِيرًا) أَتَى بِهِ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ (سَلَامًا أَتَى بِهِ وَسَجَدَ)
لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَكُنْ كَتَرْكِ رَكْعَةٍ وَظَاهِرُهُ أَوْ صَرِيحُهُ: أَنَّ السُّجُودَ هُنَا بَعْدَ السَّلَامِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ الْآتِي اسْتِثْنَاؤُهُمَا. (وَإِنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ) مِنْ كُلِّ رَكْعَةٍ سَجْدَةٍ (وَذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ، سَجَدَ فِي الْحَالِ سَجْدَةً فَصَحَّتْ لَهُ رَكْعَةٌ ثُمَّ أَتَى بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَبَقِيَتْ الرَّابِعَةُ نَاقِصَةٌ فَيُتِمُّهَا بِسَجْدَةٍ فَتَصِحُّ وَتَصِيرُ أُولَاهُ وَيَأْتِي بِالثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ. (وَإِنْ ذَكَرَ) أَنَّهُ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ (بَعْدَ سَلَامِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ بَطَلَتْ أَيْضًا بِسَلَامِهِ فَلَمْ يَصِحَّ لَهُ شَيْءٌ مِنْ صَلَاتِهِ يَبْنِي عَلَيْهِ (وَإِنْ ذَكَرَ) ذَلِكَ (وَقَدْ قَرَأَ فِي الْخَامِسَةِ فَهِيَ أُولَاهُ) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ، وَالثَّانِيَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّالِثَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الرَّابِعَةِ وَالرَّابِعَةُ بَطَلَتْ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الْخَامِسَةِ فَيَبْنِي عَلَيْهَا. (وَتَشَهُّدُهُ قَبْلَ سَجْدَتَيْ) الرَّكْعَةِ (الْأَخِيرَةِ زِيَادَةٌ فَعَلَيْهِ) يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهَا وَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ عَمْدُهَا،؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْجُلُوسِ. (وَ) تَشَهُّدُهُ (قَبْلَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ زِيَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ) يُسَنُّ السُّجُودُ لَهَا سَهْوًا، وَلَا يُبْطِلُ عَمْدُهَا الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْجُمْلَةِ وَالْجُلُوسُ لَهُ لَيْسَ بِزِيَادَةٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَهُوَ مَحَلُّ جُلُوسٍ. وَإِنْ نَسِيَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مِنْ رَكْعَتَيْنِ جَهِلَهُمَا أَتَى بِرَكْعَتَيْنِ وَثَلَاثًا، أَوْ أَرْبَعًا مِنْ ثَلَاثٍ جَهِلَهَا أَتَى بِثَلَاثٍ وَخَمْسًا مِنْ أَرْبَعٍ أَوْ ثَلَاثٍ أَتَى بِسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ أَوْ بِرَكْعَتَيْنِ وَمِنْ الْأُولَى سَجْدَةً وَمِنْ الثَّانِيَةِ سَجْدَتَيْنِ، وَمِنْ الرَّابِعَةِ سَجْدَةً أَتَى بِسَجْدَةٍ ثُمَّ بِرَكْعَتَيْنِ. (وَإِنْ نَسِيَ التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ وَحْدَهُ) بِأَنْ جَلَسَ لَهُ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ أَوْ نَسِيَهُ (مَعَ الْجُلُوسِ لَهُ وَنَهَضَ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ وَالْإِتْيَانُ بِهِ) أَيْ بِمَا تَرَكَهُ مِنْ التَّشَهُّدِ جَالِسًا (مَا لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَلَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِمًا، فَلْيَجْلِسْ وَإِذَا اسْتَتَمَّ فَلَا يَجْلِسْ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ، وَذَكَرَهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي رُكْنٍ فَلَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ تُفَارِقْ رُكْبَتَاهُ الْأَرْضَ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَرْجِعُ، وَلَوْ كَانَ إلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. (وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ إذَا رَجَعَ إلَى التَّشَهُّدِ (وَلَوْ بَعْدَ قِيَامِهِمَا وَشُرُوعِهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَالِاعْتِبَارُ بِقِيَامِهِمْ قَبْلَهُ. (وَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَقْرَأْ) أَيْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْقِرَاءَةِ
(فَعَدَمُ رُجُوعِهِ أَوْلَى) مِنْ رُجُوعِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَإِنَّمَا جَازَ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَبِسْ بِرُكْنٍ مَقْصُودٍ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَلِهَذَا جَازَ تَرْكُهُ، عِنْد الْعَجْزِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ (وَيُتَابِعُهُ) أَيْ الْإِمَامَ إذَا قَامَ سَهْوًا عَنْ التَّشَهُّدِ (الْمَأْمُومُ) وَيَسْقُطُ عَنْهُ التَّشَهُّدُ فِي الْجُلُوسِ إذَنْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ عَلِمَ) الْمَأْمُومُ (تَرْكَهُ) أَيْ تَرْكَ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ (قَبْلَ قِيَامِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ أَوْ الْإِمَامِ (وَلَا يَتَشَهَّدُ) الْمَأْمُومُ بَعْدَ قِيَامِ إمَامِهِ سَهْوًا لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» . (وَإِنْ رَجَعَ) الْإِمَامُ بَعْدَ أَنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا وَلَمْ يَقْرَأْ إلَى التَّشَهُّدِ (جَازَ) أَيْ لَمْ يَحْرُمْ (وَكُرِهَ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَ الْمُضِيَّ لِظَاهِرِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ. (وَإِنْ قَرَأَ) ثُمَّ ذَكَرَ التَّشَهُّدَ (لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ) إلَى التَّشَهُّدِ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَلِأَنَّهُ شَرَعَ فِي رُكْنٍ مَقْصُودٍ كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الرُّكُوعِ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الْإِمَامُ إذَا رَجَعَ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَمَنْ عَلِمَ بِتَحْرِيمِهِ وَهُوَ فِي التَّشَهُّدِ نَهَضَ، وَلَمْ يُتِمَّ الْجُلُوسَ وَكَذَا حَالُ الْمَأْمُومِينَ إنْ تَبِعُوهُ وَإِنْ سَبَّحُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَعْتَدِلَ، فَلَمْ يَرْجِعْ تَشَهَّدُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَتَبِعُوهُ وَقِيلَ: بَلْ يُفَارِقُونَهُ، وَيُتِمُّونَ صَلَاتَهُمْ (وَعَلَيْهِ السُّجُودُ لِذَلِكَ كُلِّهِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» (وَكَذَا حُكْمُ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكُلُّ وَاجِبٍ تَرَكَهُ سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَهُ فَيَرْجِعُ إلَى تَسْبِيحِ رُكُوعٍ قَبْلَ اعْتِدَالٍ لَا بَعْدَهُ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي قِيَاسًا عَلَى الْقِيَامِ مِنْ تَرْكِ التَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأَنَّ التَّشَهُّدَ وَاجِبٌ فِي نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِغَيْرِهِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ فِي غَيْرِهَا كَالتَّسْبِيحِ انْتَهَى، وَحَيْثُ جَازَ رُجُوعُهُ فَعَادَ إلَى الرُّكُوعِ أَدْرَكَ الْمَسْبُوقُ الرَّكْعَةَ بِهِ. (وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا) كَالرُّكُوعِ وَالطُّمَأْنِينَةِ فِيهِ (لَا يَعْلَمُ مَوْضِعُهُ) بِأَنْ جَهِلَ أَهْوَ مِنْ الْأُولَى أَوْ مِنْ غَيْرِهَا؟ (بَنَى عَلَى الْأَحْوَطِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (فَلَوْ ذَكَرَ فِي التَّشَهُّدِ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ) أَهِيَ (مِنْ الْأُولَى أَمْ مِنْ الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهَا مِنْ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَأَتَى بِرَكْعَةٍ) بَدَلَهَا. (وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَتَيْنِ لَا يَعْلَمُ) أَهُمَا (مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ) مِنْ (رَكْعَتَيْنِ؟) جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ احْتِيَاطًا فَإِنْ ذَكَرَهُمَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْقِرَاءَةِ (سَجَدَ سَجْدَةً، وَحَصَلَتْ لَهُ رَكْعَةٌ) ثُمَّ يَأْتِي بِرَكْعَةٍ، لِيَخْرُجَ مِنْ الْعِبَادَةِ بِيَقِينٍ (وَإِنْ ذَكَرَهُ) أَيْ الْمَتْرُوكَ، وَهُوَ سَجْدَتَانِ لَا يَعْلَمُ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الثَّالِثَةِ لَغَتْ الْأُولَتَانِ) ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَطَ كَوْنُهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَمَا
فصل ما يشرع له سجود السهو
تَقَدَّمَ وَكُلٌّ مِنْهُمَا تَبْطُلُ بِشُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ الَّتِي بَعْدَهَا. (وَإِنْ تَرَكَ سَجْدَةً لَا يَعْلَمُ مِنْ أَيِّ رَكْعَةٍ أَتَى بِرَكْعَةٍ كَامِلَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ مِنْ غَيْرِ الْأَخِيرَةِ. (وَلَوْ جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ الْمَتْرُوكِ) بِأَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ رُكْنًا وَجَهِلَ عَيْنَهُ بَنَى (عَلَى الْأَحْوَطِ أَيْضًا فَإِنْ شَكَّ فِي الْقِرَاءَةِ وَالرُّكُوعِ) أَيْ شَكَّ هَلْ الْمَتْرُوكُ قِرَاءَةٌ أَوْ رُكُوعٌ (جَعَلَهُ قِرَاءَةً) فَيَأْتِي بِهَا، ثُمَّ بِالرُّكُوعِ لِلتَّرْتِيبِ. (وَإِنْ شَكَّ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ جَعَلَهُ رُكُوعًا) فَيَأْتِي بِهِ ثُمَّ بِالسُّجُودِ. (فَإِنْ تَرَكَ آيَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْ الْفَاتِحَةِ جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَةٍ) عَمَلًا بِالظَّاهِرِ (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ تَوَالِيَهُمَا جَعَلَهُمَا مِنْ رَكْعَتَيْنِ) احْتِيَاطًا، لِئَلَّا يَخْرُجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ شَاكٌّ فِيهَا فَيَكُونُ مُغَرِّرًا بِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا غِرَارَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا تَسْلِيمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ تَفْسِيرِهِ فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَلَا أَرَاهُ يَخْرُجُ مِنْهَا إلَّا عَلَى يَقِينٍ أَنَّهَا قَدْ تَمَّتْ. [فَصْل مَا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ] فَصْل الْقَسْم الثَّالِث مِمَّا يُشْرَعُ لَهُ سُجُودُ السَّهْوِ الشَّكُّ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ وَقَدْ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (مَنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَلَوْ) كَانَ الشَّاكُّ (إمَامًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَطَهَارَةٍ وَطَوَافٍ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ وَكَمَا لَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ الصَّلَاةِ وَسَوَاءٌ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ لَا قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. (وَعَنْهُ يَبْنِي إمَامٌ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ) وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى الْيَقِينِ ذَكَرَ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّ هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَجَزَمَ بِهِ الْكَافِي وَالْوَجِيزِ وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ وَأَنَّهُ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ مَنْ يُنَبِّهُهُ وَيُذَكِّرُهُ إذَا أَخْطَأَ الصَّوَابَ بِخِلَافِ الْمُنْفَرِدِ. (إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُومُ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (بَنَى الْإِمَامُ عَلَى الْيَقِينِ) كَالْمُنْفَرِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ بِدَلِيلِ الْمَأْمُومِ الْوَاحِدِ لَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِ إمَامِهِ (اخْتَارَهُ) أَيْ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْإِمَامَ يَبْنِي عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ (جَمْعٌ) مِنْهُمْ مَنْ سَبَقَ بَيَانُهُ (وَيَأْخُذُ مَأْمُومٌ عِنْدَ شَكِّهِ بِفِعْلِ إمَامهِ، إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ) ؛ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ خَطَأُ اثْنَيْنِ وَإِصَابَةُ وَاحِدٍ
قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَيَتْبَعُ إمَامَهُ مَعَ عَدَمِ الْجَزْمِ بِخَطَئِهِ وَإِنْ جَزَمَ بِخَطَئِهِ لَمْ يَتْبَعْهُ وَلَمْ يُسَلِّمْ قَبْلَهُ وَالْمَأْمُومُ (فِي فِعْلِ نَفْسِهِ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ شَكَّ) الْمَأْمُومُ (هَلْ دَخَلَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) أَوْ (الثَّانِيَةِ؟ جَعَلَهُ) أَيْ الدُّخُولَ مَعَهُ (فِي الثَّانِيَةِ) فَيَقْضِي رَكْعَةً إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ احْتِيَاطًا. (وَلَوْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ رَاكِعًا ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ تَكْبِيرِهِ) لِلْإِحْرَامِ (هَلْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ قَبْلَ إدْرَاكِهِ رَاكِعًا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ) لِاحْتِمَالِ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ قَبْلَ إدْرَاكِهِ فِيهِ (وَحَيْثُ بَنَى) الْمُصَلِّي (عَلَى الْيَقِينِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ صَلَاتِهِ، لِيَخْرُجَ مِنْ عُهْدَتِهِ (فَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا أَتَى بِهِ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ) كَالْمَسْبُوقِ وَلَا يُفَارِقُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ) لِيَجْبُرَ مَا فَعَلَهُ مَعَ الشَّكِّ فَإِنَّهُ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى. (وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا) وَشَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَنَحْوِهِ (لَمْ يُقَلِّدْ إمَامَهُ) لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ مِنْهُ (كَمَا لَمْ يَرْجِعْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ) وَحْدَهُ (وَيَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ) لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ أَتَى بِمَا شَكَّ فِيهِ (وَلَا أَثَرَ لِشَكِّهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (بَعْدَ صَلَاتِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعِبَادَاتِ لَوْ شَكَّ فِيهَا بَعْدَ فَرَاغِهَا) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَتَى بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ. (وَمَنْ شَكَّ) قَبْلَ السَّلَامِ (فِي تَرْكِ رُكْنٍ فَهُوَ كَتَرْكِهِ) وَيَعْمَلُ بِالْيَقِينِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ. (وَلَا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ وُجُوبِهِ فَلَا يَسْجُدُ بِالشَّكِّ (وَلَا) يَسْجُدُ (بِشَكِّهِ: هَلْ سَهَا) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (أَوْ) شَكُّهُ (فِي زِيَادَةٍ) بِأَنْ شَكَّ فِي التَّشَهُّدِ، هَلْ زَادَ شَيْئًا (أَوْ) لَا لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ (إلَّا إذَا شَكَّ فِيهَا وَقْتَ فِعْلِهَا) بِأَنْ شَكَّ فِي الْأَخِيرَةِ: هَلْ هِيَ زَائِدَةٌ أَوْ لَا؟ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ: هَلْ سُجُودُهُ زَائِدٌ أَوْ لَا؟ فَيَسْجُدُ لِذَلِكَ جَبْرًا لِلنَّقْصِ الْحَاصِلِ فِيهِ بِالشَّكِّ (وَلَا) يَسْجُدُ (لِشَكِّهِ إذَا زَالَ) شَكُّهُ (وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَهُ) إمَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ لِزَوَالِ مُوجِبِ السُّجُودِ. (وَلَوْ شَكَّ) مَنْ سَهَا (هَلْ سَجَدَ لِسَهْوِهِ أَمْ لَا سَجَدَ) لِلسَّهْوِ، وَكَفَاهُ سَجْدَتَانِ (وَلَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَرْفَعُهُ «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإِمَامِ سَهْوٌ فَإِنْ سَهَا الْإِمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ أَتَى بِمَا مَحَلّ سُجُودِهِ بَعْدَ السَّلَامِ (إلَّا أَنْ يَسْهُوَ إمَامُهُ فَيَسْجُدُ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ) سَوَاءٌ سَهَا الْمَأْمُومُ أَوْ لَا حَكَاهُ إِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ) الْمَأْمُومُ (التَّشَهُّدَ، ثُمَّ يُتِمُّهُ) بَعْدَ سُجُودِهِ مَعَ إمَامِهِ مُتَابَعَةً لَهُ (وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ
(مَسْبُوقًا سَوَاءً كَانَ سَهْوُ إمَامِهِ فِيمَا أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (مَعَهُ أَوْ قَبْلَهُ، وَسَوَاءٌ سَجَدَ إمَامُهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ قَامَ) الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ رَجَعَ) وُجُوبًا إنْ لَمْ يَسْتَقِمْ قَائِمًا (فَسَجَدَ مَعَهُ) لِسَهْوِهِ وَإِنْ اسْتَتَمَّ قَائِمًا كُرِهَ رُجُوعُهُ (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَرْجِعْ) أَيْ حَرُمَ رُجُوعُهُ كَمَا لَوْ نَهَضَ عَنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي إحْدَى سَجْدَتَيْ السَّهْوِ الْأَخِيرَةِ سَجَدَ مَعَهُ) السَّجْدَةَ الَّتِي أَدْرَكَهُ فِيهَا، مُتَابَعَةً لَهُ (فَإِذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ (أَتَى) الْمَسْبُوقُ (بِ) السَّجْدَةِ (الثَّانِيَةِ) مِنْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ، لِيُوَالِيَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (ثُمَّ قَضَى) الْمَسْبُوقُ (صَلَاتَهُ نَصًّا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» . (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ وَقَبْلَ السَّلَامِ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ لِسَهْوِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ قَدْ انْجَبَرَ بِسُجُودِهِ قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَسْجُدْ الْمَسْبُوقُ لِسَلَامِهِ مَعَ إمَامِهِ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُنْفَرِدًا بِسَلَامِ إمَامِهِ. (وَيَسْجُدُ مَسْبُوقٌ) (لِسَهْوِهِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (وَ) يَسْجُدُ مَسْبُوقٌ لِسَهْوِهِ (فِيمَا انْفَرَدَ بِهِ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ كَانَ سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ لِسَهْوِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا صَوَّرُوا بِهِ سِتّ تَشَهُّدَاتٍ فِي الْمَغْرِبِ وَيَأْتِي فِي الْجَمَاعَةِ (حَتَّى فِيمَنْ فَارَقَهُ لِعُذْرٍ) أَيْ لَوْ سَهَا الْإِمَامُ أَوْ الْمَأْمُومُ وَهُوَ مَعَهُ، ثُمَّ فَارَقَهُ لِعُذْرِ يُبِيحُ الْمُفَارَقَةَ، فَإِنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ صَلَاتُهُ مُنْفَرِدًا. (وَلَا يُعِيدُ) الْمَسْبُوقُ (السُّجُودَ إذَا سَجَدَ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ سَجَدَ وَانْجَبَرَتْ صَلَاتُهُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ سَهْوٌ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ) الْمَسْبُوقُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ لِسَهْوِهِ لِعُذْرٍ (سَجَدَ) الْمَسْبُوقُ (آخِرَ الصَّلَاةِ) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْإِمَامُ) لِسَهْوِهِ (سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، لِاعْتِقَادِهِ عَدَمَ وُجُوبِهِ سَجَدَ الْمَأْمُومُ بَعْدَ سَلَامِهِ وَالْإِيَاسِ مِنْ سُجُودِهِ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ نَقَصَتْ بِسَهْوِ إمَامِهِ فَلَزِمَهُ جَبْرُهَا كَمَا لَوْ انْفَرَدَ لِعُذْرٍ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ (لَكِنْ يَسْجُدُ الْمَسْبُوقُ) الَّذِي لَمْ يَسْجُدْ إمَامُهُ لِسَهْوِهِ (إذَا فَرَغَ) مِنْ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ سُجُودِ السَّهْوِ آخِرَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْجُدُهُ مَعَ الْإِمَامِ مُتَابَعَةً لَهُ وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ الْوَاجِبِ قَبْلَ السَّلَامِ مَعَ اعْتِقَادِهِ وُجُوبَهُ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي صَلَاتِهِمْ رِوَايَتَانِ. وَفِي الشَّرْحِ: وَجْهَانِ قُلْتُ مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ بُطْلَانُ صَلَاتِهِمْ وَإِنْ كَانَ مَحَلُّهُ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَلَا صَلَاتُهُمْ لِمَا يَأْتِي. وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى أَسْبَابِ سُجُودِ السَّهْوِ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ عَلَى أَحْكَامِهِ، وَكَيْفِيَّتِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فَقَالَ: (وَسُجُودُ السَّهْوِ لِمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ وَاجِبٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
ثُمَّ لِيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَالْأَصْلُ فِي الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ، وَدَخَلَ فِيمَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ: الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ وَالشَّكُّ فِي صُوَرِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ (سِوَى نَفْسِ سُجُودِ سَهْوٍ) مَحَلُّهُ (قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (تَصِحُّ مَعَ سَهْوِهِ) أَيْ مَعَ تَرْكِهِ سَهْوًا كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ. (وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لَهُ) أَيْ لَا يَجِبُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ سَهْوًا، بَلْ إنْ ذَكَرَهُ قَرِيبًا أَتَى بِهِ بِشَرْطِهِ الْآتِي، وَإِلَّا سَقَطَ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ. (وَسِوَى مَا إذَا لَحَنَ لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا) فَإِنَّ عَمْدَهُ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَلَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ أَوْ فِعْلِهِ جَهْلًا. (قَالَهُ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (فِي شَرْحِهِ) عَلَى الْهِدَايَةِ (وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ السُّجُودِ) لِلَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى سَهْوًا أَوْ جَهْلًا كَسَائِرِ مَا يُبْطِلُ عَمْدُهُ الصَّلَاةَ (وَمَحَلُّهُ) أَيْ سُجُودِ السَّهْوِ (نَدْبًا) قَالَ الْقَاضِي لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ، أَيْ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَبَعْدَهُ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْأَوْلَى وَالْأَفْضَلُ فَلَا مَعْنَى لِادِّعَاءِ النَّسْخِ (قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ إتْمَامٌ لِلصَّلَاةِ، فَكَانَ فِيهَا كَسُجُودِ صُلْبِهَا (إلَّا فِي السَّلَامِ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ إذَا سَلَّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَذِي الْيَدَيْنِ، وَلِأَنَّهُ مِنْ إتْمَامِ الصَّلَاةِ فَكَانَ قَبْلَ السَّلَامِ كَسُجُودِ صُلْبِهَا وَقَوْلُهُ: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَر: تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْخِلَافِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا حَيْثُ قَالُوا: عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ وَإِلَّا قَبْلَهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ حَكَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخِلَافِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا وَإِلَّا. (فِيمَا إذَا بَنَى الْإِمَامُ عَلَى غَالِبِ ظَنِّهِ إنْ قُلْنَا بِهِ) وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ (فَ) إنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ (نَدْبًا نَصًّا) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ مَا عَلَيْهِ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» مُتَّفَق عَلَيْهِ وَفِي الْبُخَارِيّ بَعْدَ التَّسْلِيمِ. (وَإِنْ نَسِيَهُ) أَيْ سُجُودَ السَّهْوِ (قَبْلَ السَّلَامِ) أَتَى بِهِ بَعْدَهُ، مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (أَوْ) نَسِيَهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْ عَقِبَهُ (أَتَى بِهِ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ عُرْفًا وَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ أَوْ تَكَلَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (فَلَوْ) نَسِيَ سُجُودَ السَّهْوِ (حَتَّى شَرَعَ فِي صَلَاةٍ) ثُمَّ ذَكَرَهُ (قَضَاهُ إذَا سَلَّمَ) إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ (وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ) لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّهُ لِتَكْمِيلِ الصَّلَاةِ فَلَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ طُولِ الْفَصْلِ كَرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهَا (أَوْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ) لَمْ يَسْجُدْ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ مَحَلُّ الصَّلَاةِ فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُدَّةُ كَخِيَارِ الْمَجْلِسِ (أَوْ أَحْدَث لَمْ يَسْجُدْ) لِلسَّهْوِ، لِفَوَاتِ شَرْطِ الصَّلَاةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاته؛ لِأَنَّهُ جَابِرٌ لِلْعِبَادَةِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ فَلَمْ تَبْطُلْ بِفَوَاتِهِ. (وَيَكْفِيه لِجَمِيعِ السَّهْوِ: سَجْدَتَانِ وَلَوْ اخْتَلَفَ مَحَلُّهُمَا) أَيْ مَحَلُّ السَّهْوَيْنِ
باب صلاة التطوع
لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهَا فَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ بَعْدَ سَلَامِهِ، وَسَجَدَ لَهُمَا سُجُودًا وَاحِدًا وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْجَبْرِ فَكَفَى فِيهِ سُجُودٌ وَاحِدٌ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ جِنْسِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا أُخِّرَ لِيَجْمَعَ السَّهْوَ كُلَّهُ، وَأَمَّا حَدِيثُ ثَوْبَانَ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ سَلَامٍ فَالسَّهْوُ اسْمُ جِنْسٍ وَمَعْنَاهُ: لِكُلِّ صَلَاةٍ فِيهَا سَهْوٌ سَجْدَتَانِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ السَّلَامِ وَلَا يَلْزَمُهُ بَعْدَ السَّلَامِ سُجُودَانِ. (وَ) إذَا اجْتَمَعَ سَهْوَانِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ وَالْآخَرُ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ (يُغَلِّبُ مَا قَبْلَ السَّلَامِ) عَلَى مَا بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَ السَّلَامِ آكَدُ وَلِسَبَقِهِ (وَإِنْ شَكَّ فِي مَحَلِّ سُجُودِهِ) بِأَنْ حَصَلَ لَهُ سَهْوٌ وَشَكَّ: هَلْ السُّجُودُ لَهُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ (سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَمَتَى سَجَدَ) لِلسَّهْوِ (بَعْدَ السَّلَامِ) سَوَاءٌ كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ (كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ) كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ جَلَسَ) مُفْتَرِشًا فِي الثَّانِيَةِ وَمُتَوَرِّكًا فِي غَيْرِهَا (فَتَشَهَّدَ وُجُوبًا) التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ، ثُمَّ سَلَّمَ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِأَنَّهُ سُجُودٌ يُسَلَّمُ لَهُ، فَكَانَ مَعَهُ تَشَهُّدٌ يَعْقُبُهُ كَسُجُودِ الصُّلْبِ (وَتَقَدَّمَ) بَعْضُهُ (فِي الْبَاب قَبْلَهُ وَإِنْ سَجَدَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ السَّلَامِ (سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بِلَا تَشَهُّدٍ بَعْدَهُمَا) . ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ إجْمَاعًا (وَسُجُودٌ سَهْوٌ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَمَا يَقُولُ فِيهِ) أَيْ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَ) مَا يَقُولُ (بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ «ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ» (وَمَنْ تَرَكَ السُّجُودَ الْوَاجِبَ) لِلسَّهْوِ (عَمْدًا لَا سَهْوًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ بِتَرْكِ (مَا) مَحَلُّهُ (قَبْلَ السَّلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا كَغَيْرِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ. وَ (لَا) تَبْطُلُ (بِ) تَرْكِ (مَا) مَحَلُّهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ السَّلَامِ؛ لِأَنَّهُ جَبْرٌ لِلْعِبَادَةِ خَارِجٌ عَنْهَا (مُنْفَرِدٌ عَنْهَا) فَلَمْ تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ، كَجُبْرَانَاتِ الْحَجِّ وَلِأَنَّهُ (وَاجِبٌ لَهَا كَالْأَذَانِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ فِي الصَّلَاةِ وَالْوَاجِبِ لَهَا؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ وَاجِبٌ لِلصَّلَاةِ كَالْجَمَاعَةِ وَلَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ بِخِلَافِ الْوَاجِبَاتِ فِي الصَّلَاةِ إذَا تَرَكَ مِنْهَا شَيْئًا. [بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ]
قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: التَّطَوُّعُ تُكَمَّلُ بِهِ صَلَاةُ الْفَرْضِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي أَتَمَّهَا وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ، وَبَقِيَّةُ الْأَعْمَالِ اهـ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ: جَاءَتْ السُّنَّةُ بِثَوَابِهِ عَلَى مَا فَعَلَهُ وَعِقَابِهِ عَلَى مَا تَرَكَهُ وَلَوْ كَانَ بَاطِلًا كَعَدَمِهِ لَمْ يُجْبَرْ بِالنَّوَافِلِ شَيْءٌ وَالْبَاطِلُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ ضِدُّ الصَّحِيحِ فِي عُرْفِهِمْ وَهُوَ مَا أَبْرَأَ الذِّمَّةَ فَقَوْلُهُمْ: تَبْطُلُ صَلَاةُ وَصَوْمُ مَنْ تَرَكَ رُكْنًا بِمَعْنَى وَجَبَ الْقَضَاءُ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُثَابُ عَلَيْهِمَا شَيْئًا فِي الْآخِرَةِ (وَهُوَ) أَيْ التَّطَوُّعُ فِي الْأَصْلِ: فِعْلُ الطَّاعَةِ وَ (شَرْعًا) وَعُرْفًا (طَاعَةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ) وَالنَّفَلُ وَالنَّافِلَةُ: الزِّيَادَةُ وَالتَّنَفُّلُ التَّطَوُّعُ. (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ التَّطَوُّعِ (الْجِهَادُ) قَالَ أَحْمَدُ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَرَائِضِ أَفْضَلَ مِنْ الْجِهَادِ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ إيضَاحٍ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ (ثُمَّ تَوَابِعُهُ) أَيْ الْجِهَادِ (مِنْ نَفَقَةٍ وَغَيْرِهَا فَالنَّفَقَةُ فِيهِ) أَيْ الْجِهَادِ (أَفْضَلُ مِنْ النَّفَقَةِ فِي غَيْرِهِ) مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ} [البقرة: 261]- الْآيَةَ (ثُمَّ عِلْمٌ، تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ مِنْ حَدِيثٍ وَفِقْهٍ وَنَحْوِهِمَا) كَتَفْسِيرٍ وَأُصُولٍ لِحَدِيثِ «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ» الْحَدِيثَ وَتَقَدَّمَ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ (الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ) وَنَقَلَ مُهَنَّا: طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ. قِيلَ: فَأَيُّ شَيْءٍ تَصْحِيحُ النِّيَّةِ؟ قَالَ: يَنْوِي يَتَوَاضَعُ فِيهِ، وَيَنْفِي عَنْهُ الْجَهْلَ وَقَالَ لِأَبِي دَاوُد شَرْطُ النِّيَّةِ شَدِيدٌ حُبِّبَ إلَيَّ، فَجَمَعْته وَسَأَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ: يَطْلُبُ الْحَدِيثَ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ انْتَفَعَ بِهِ؟ قَالَ: الْعِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: أَنَّ تَذَاكُرَ بَعْضِ لَيْلَةٍ أَحَبُّ إلَى أَحْمَدَ مِنْ إحْيَائِهَا - وَإِنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ فِي أُمُورِ دِينِهِمْ قُلْت الصَّلَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَالطَّلَاقُ وَنَحْوُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ فَعَلَ هَذَا أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ فِي نَفْسِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَحَبَّةِ لَهُ لَا لِلَّهِ وَلَا لِغَيْرِهِ مِنْ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ مَذْمُومًا، بَلْ قَدْ يُثَابُ بِأَنْوَاعٍ مِنْ الثَّوَابِ، إمَّا بِزِيَادَةٍ فِيهَا وَفِي أَمْثَالِهَا، فَيَتَنَعَّمُ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا قَالَ: وَقَدْ
يَكُونُ مِنْ فَوَائِدِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ فِي الدُّنْيَا، أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلَى أَنْ يَتَقَرَّبَ بِهَا إلَيْهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ طَلَبْنَا الْعَلَمَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ إلَّا لِلَّهِ وَقَوْلُ الْآخَرِ طَلَبُهُمْ لَهُ نِيَّةٌ يَعْنِي نَفْسُ طَلَبِهِ حَسَنٌ يَنْفَعُهُمْ. قَالَ أَحْمَدُ وَيَجِبُ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ الْعِلْمِ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ قِيلَ لَهُ: فَكُلُّ الْعِلْمِ يَقُومُ بِهِ دِينُهُ قَالَ: الْفَرْضُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ طَلَبِهِ قِيلَ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: الَّذِي لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ: صَلَاتُهُ، وَصِيَامُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ وَمُرَادُ أَحْمَدَ مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فَمَتَى قَامَتْ طَائِفَةٌ بِعِلْمٍ لَا يَتَعَيَّنُ، وُجُوبُهُ قَامَتْ بِفَرْضِ كِفَايَةٍ ثُمَّ مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ فَنَفْلٌ فِي حَقِّهِ، وَوُجُوبُهُ مَعَ قِيَامِ غَيْرِهِ بِهِ دَعْوَى تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ وَلْيَحْذَرْ الْعَالِمُ وَيَجْتَهِدْ، فَإِنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: الْعَالِمُ يُقْتَدَى بِهِ لَيْسَ الْعَالِمُ مِثْلَ الْجَاهِلِ، وَمَعْنَاهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: يُغْفَرُ لِسَبْعِينَ جَاهِلًا قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لِعَالِمٍ وَاحِدٍ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ الْيَهُودِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِي آدَابِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، وَأَقْرَبُ الْعُلَمَاءِ إلَى اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ: أَكْثَرُهُمْ لَهُ خَشْيَةً (ثُمَّ صَلَاةٌ) لِمَا رَوَى سَالِمُ بْنُ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ ثَوْبَانَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَى سَالِمٍ قَالَ أَحْمَدُ: سَالِمٌ لَمْ يَلْقَ ثَوْبَانَ بَيْنَهُمَا شَعْبَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَلَهُ طُرُقٌ فِيهَا ضَعْفٌ. ؛ وَلِأَنَّ فَرْضَهَا آكَدُ الْفُرُوضِ فَتَطَوُّعُهَا آكَدُ التَّطَوُّعَاتِ؛ وَلِأَنَّهَا تَجْمَعُ أَنْوَاعًا مِنْ الْعِبَادَةِ: الْإِخْلَاصَ، وَالْقِرَاءَةَ، وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، وَمُنَاجَاةَ الرَّبِّ، وَالتَّوَجُّهَ إلَى الْقِبْلَةِ، وَالتَّسْبِيحَ، وَالتَّكْبِيرَ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَنَصَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: أَنَّ الطَّوَافَ لِغَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) نَقَلَ حَنْبَلٌ: نَرَى لِمَنْ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ يَطُوفَ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّوَافُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ، وَالصَّلَاةُ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَكَذَا عَطَاءٌ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَكَانٍ، فَيُمْكِنُ التَّنَفُّلُ بِهَا مِنْ أَيِّ مَكَان أَرَادَ، بِخِلَافِ الطَّوَافِ (ثُمَّ سَائِرُ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ مِنْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَقَضَاءِ حَاجَةِ مُسْلِمٍ وَإِصْلَاحٍ بَيْنِ النَّاسِ وَنَحْوِهِ) كَإِبْلَاغِ حَاجَةِ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إبْلَاغَهَا إلَى ذِي سُلْطَانٍ؛ لِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ أَشْبَهَ الصَّدَقَةَ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ؟ قَالُوا: بَلَى قَالَ: إصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ:
اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ؛ وَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ أَفْضَلِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى النَّافِعِ الْقَاصِرِ كَالْحَجِّ، وَإِلَّا فَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ (وَهُوَ) أَيْ مَا تَعَدَّى نَفْعُهُ (مُتَفَاوِتٌ، فَصَدَقَةٌ عَلَى قَرِيبٍ مُحْتَاجٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ) أَجْنَبِيٍّ؛ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ (وَعِتْقٌ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَلَى أَجْنَبِيٍّ) ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِهِ مِنْ أَسْرِ الرِّقِّ (إلَّا زَمَنَ غَلَاءٍ وَحَاجَةٍ) فَالصَّدَقَةُ، حَتَّى عَلَى الْأَجْنَبِيِّ، أَفْضَلُ مِنْ الْعِتْقِ لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (ثُمَّ حَجٌّ) لِحَدِيثِ: «الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَهَرَ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ نَفْلَ الْحَجِّ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَمِنْ الْعِتْقِ، وَمِنْ الْأُضْحِيَّةِ قَالَ: وَعَلَى ذَلِكَ إنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ مَاتَ شَهِيدًا قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَالْمَوْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِالشَّهَادَةِ، عَلَى مَا سَبَقَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ - قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ» وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ وَبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمَرْأَةَ كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ التَّطَوُّعِ بِالْحَجِّ، لِمَا سَبَقَ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَيْسَ يُشْبِهُ الْحَجَّ شَيْءٌ، لِلتَّعَبِ الَّذِي فِيهِ وَلِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ. وَفِيهِ مَشْهَدٌ لَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَفِيهِ إنْهَاكُ الْمَالِ وَالْبَدَنِ، وَإِنْ مَاتَ بِعَرَفَةَ فَقَدْ طَهُرَ مِنْ ذُنُوبِهِ (ثُمَّ عِتْقٌ) هَكَذَا فِي الْمُبْدِعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْفُرُوعِ فِيمَا سَبَقَ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: أَنَّ الْعِتْقَ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ، كَمَا هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا (ثُمَّ صَوْمٌ) لِحَدِيثِ «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» وَإِنَّمَا أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ الصَّوْمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ غَيْرُهُ فِي جَمِيعِ الْمِلَلِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَإِضَافَةُ عِبَادَةٍ إلَى غَيْرِ اللَّهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ لَا يُوجِبُ عَدَمَ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَعْظَمُ مِنْهَا فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ قُرَى الشَّامِ إجْمَاعًا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْمَسْجِدُ مَا عُبِدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ قَطُّ وَقَدْ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} [الجن: 18] فَكَذَا الصَّلَاةُ مَعَ الصَّوْمِ. وَقِيلَ: أَضَافَ الصَّوْمَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ وَهَذَا لَا يُوجِبُ أَفْضَلِيَّتَهُ «وَسَأَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» إسْنَادُهُ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنْ صَحَّ فَمَا سَبَقَ أَصَحُّ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِحَسَبِ السَّائِلِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَكَذَلِكَ اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ بِحَسَبِهِ وَقَالَ فِي الرَّدِّ عَلَى الرَّافِضِيِّ: وَقَدْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ أَفْضَلُ فِي حَالٍ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَائِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَحْمَدَ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ جَعْفَرٍ:
اُنْظُرْ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِقَلْبِك فَافْعَلْهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ: اسْتِيعَابُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ بِالْعِبَادَةِ لَيْلًا وَنَهَارًا: أَفْضَلُ مِنْ الْجِهَادِ الَّذِي لَمْ تَذْهَبْ فِيهِ نَفْسُهُ وَمَالُهُ وَهِيَ) أَيْ الْعِبَادَةُ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (فِي غَيْرِ الْعَشْرِ تَعْدِلُ الْجِهَادَ) لِلْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ (وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُهُمْ) أَيْ الْأَصْحَابِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ غَيْرِهِ وَقَالَ: الْعَمَلُ بِالْقَوْسِ وَالرُّمْحِ أَفْضَلُ فِي الثَّغْرِ وَفِي غَيْرِهِ نَظِيرُهَا. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَحْسَبُهُ قَالَ: وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» . وَفِي لَفْظٍ «كَاَلَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ» " (وَقَالَ) الشَّيْخُ: (تَعَلُّمُ الْعِلْمِ وَتَعْلِيمُهُ يَدْخُلُ بَعْضُهُ فِي الْجِهَادِ، وَإِنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْجِهَادِ) مِنْ جِهَةِ أَنَّ بِهِ إقَامَةَ الْحُجَجِ عَلَى الْمُعَانِدِ، وَإِقَامَةَ الْأَدِلَّةِ فَهُوَ كَالْجِهَادِ بِالرَّأْيِ عَلَى مَا يَأْتِي فِي الْجِهَادِ. (تَتِمَّةٌ) فِي خُطْبَةِ كِفَايَةِ ابْنِ عَقِيلٍ إنَّمَا تَشْرُفُ الْعُلُومُ بِحَسَبِ مُؤَدِّيَاتِهَا، وَلَا أَعْظَمَ مِنْ الْبَارِي فَيَكُونُ الْعِلْمُ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَتِهِ وَمَا يَجِبُ لَهُ وَمَا يَجُوزُ، أَجَلُّ الْعُلُومِ وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ: الِاعْتِنَاءُ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ: لَيْسَ قَوْمٌ خَيْرًا مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَعَابَ عَلَى مُحَدِّثٍ لَا يَتَفَقَّهُ، وَقَالَ: يُعْجِبُنِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ فَهِمًا فِي الْفِقْهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَالَ أَحْمَدُ مَعْرِفَةُ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ أَعْجَبُ إلَيَّ مِنْ حِفْظِهِ. وَفِي خُطْبَةِ مَذْهَبِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: بِضَاعَةُ الْفِقْهِ أَرْبَحُ الْبَضَائِعِ وَفِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ: الْفِقْهُ عُمْدَةُ الْعُلُومِ اهـ. وَنَقَلَ مُهَنَّا عَنْ أَحْمَدَ أَفْضَلِيَّةَ الْفِكْرِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، فَقَدْ يَتَوَجَّهُ أَنَّ عَمَلَ الْقَلْبِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ وَيَكُونُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ عَمَلَ الْجَوَارِحِ، وَيُؤَيِّدُهُ: حَدِيثُ «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ» ) وَحَدِيثُ «أَوْثَقُ عُرَى الْإِسْلَامِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ» وَقَدْ جَاءَ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ فَرَحِمَهُ اللَّهُ وَجَزَاهُ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ (وَآكَدُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ صَلَاةُ الْكُسُوفِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَتْرُكْهَا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهَا بِخِلَافِ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَسْقِي تَارَةً وَيَتْرُكُ أُخْرَى (ثُمَّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا، أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ (ثُمَّ التَّرَاوِيحُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ لَكِنَّهَا أَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ مِنْ حَيْثُ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ لَهَا (ثُمَّ الْوِتْرُ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ شُرِعَتْ لِلتَّرَاوِيحِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ إنَّمَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ تَبَعًا لِلتَّرَاوِيحِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَيْسَ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ
اللَّيْلِ. (وَكَانَ) الْوِتْرُ (وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِحَدِيثِ «ثَلَاثٌ كُتِبْنَ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ: الضُّحَى وَالْأَضْحَى وَالْوَتْرُ» وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ عُذْرٍ أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي الْحَضَرِ دُونَ السَّفَرِ كَمَا قَالَ الْحَلِيمِيُّ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ وَالْقَرَافِيُّ، جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى أُمَّتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِقَوْلِهِ لِلْأَعْرَابِيِّ، حِينَ سَأَلَهُ عَمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ: خَمْسُ صَلَوَاتٍ، قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لَا إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَّبَ عُبَادَةُ رَجُلًا يَقُولُ: الْوِتْرُ وَاجِبٌ. وَقَالَ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعَبْدِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» الْخَبَرَ. «وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَكِنَّهُ سُنَّةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهُ عَلَى الرَّاحِلَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ أَشْبَهَ السُّنَنَ وَأَمَّا حَدِيثُ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مَرْفُوعًا «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا» فَفِيهِ ضَعْفٌ، وَحَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ «الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: أَوْلَى بِالصَّوَابِ فَمَحْمُولٌ عَلَى تَأْكِيدِ الِاسْتِحْبَابِ لِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ، لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ لَهُ شَهَادَةٌ (ثُمَّ سُنَّةُ فَجْرٍ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «صَلُّوا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَوْ طَرَدَتْكُمْ الْخَيْلُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (ثُمَّ سُنَّةُ مَغْرِبٍ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ عُبَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «سُئِلَ أَكَانَ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُهُ بِصَلَاةٍ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ سِوَى الْمَكْتُوبَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» " (ثُمَّ سَوَاءٌ فِي رَوَاتِبَ) أَيْ بَاقِي الرَّوَاتِبِ، وَهِيَ رَكْعَتَا الظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ وَالْبَعْدِيَّةِ، وَرَكْعَتَا الْعِشَاءِ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ. (وَوَقْتُ الْوِتْرِ: بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ " «لَقَدْ أَمَدَّكُمْ اللَّهُ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، هِيَ الْوِتْرُ، فِيمَا بَيْنَ الْعَشَاءِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ. وَعَنْ مُعَاذٍ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَحْرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ (وَ) بَعْدَ (سُنَّتِهَا) أَيْ الْعِشَاءِ اسْتِحْبَابًا، لِيُوَالِيَ بَيْنَ الْعِشَاءِ وَسُنَّتِهَا وَقَدْ أَوْضَحْته فِي حَاشِيَةِ
الْمُنْتَهَى بِكَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ (وَلَوْ) كَانَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (فِي جَمْعِ تَقْدِيمٍ) بِأَنْ جَمَعَهَا مَعَ الْمَغْرِبِ فِي وَقْتِهَا، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِمَا تَقَدَّمَ. وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي نَضْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ فَيُحْمَلُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ وَقْتَ صَلَاةِ الصُّبْحِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا يَصِحُّ) الْوِتْرُ (قَبْلَ) صَلَاةِ (الْعِشَاءِ) لِعَدَمِ دُخُولِ وَقْتِهِ وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ سُنَّتِهَا، لَكِنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى (وَالْأَفْضَلُ: فِعْلُهُ آخِرَ اللَّيْلِ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ قِيَامِهِ فِيهِ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَثِقْ مِنْ قِيَامِهِ (أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّكُمْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ ثُمَّ لِيَرْقُدْ وَمَنْ وَثِقَ بِقِيَامِهِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ فَإِنَّ قِرَاءَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَحْضُورَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَقْضِيهِ مَعَ شَفْعِهِ إذَا فَاتَ) وَقْتُهُ، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ وَلَا يُكْرَهُ) الْإِيتَارُ (بِهَا مُفْرَدَةً وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَأَكْثَرُهُ) أَيْ الْوِتْرِ وَفِي الْوَجِيزِ: وَأَفْضَلُهُ (إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِرَكْعَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ تَفْرُغَ الْعِشَاءُ إلَى الْفَجْرِ: إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيُسَنُّ فِعْلُهَا) أَيْ الرَّكْعَةِ (عَقِبَ الشَّفْعِ، بِلَا تَأْخِيرٍ) لَهَا عَنْهُ (نَصًّا، وَإِنْ صَلَّاهَا) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ (كُلَّهَا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ بِأَنْ سَرَدَ عَشْرًا وَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (ثُمَّ قَامَ فَأَتَى بِالرَّكْعَةِ) جَازَ (أَوْ سَرَدَ الْجَمِيعَ) أَيْ الْإِحْدَى عَشْرَةَ (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي الْأَخِيرَةِ جَازَ) لَكِنْ الصِّفَةُ الْأُولَى أَوْلَى. ؛ لِأَنَّهَا فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَكَذَا مَا دُونَهَا) أَيْ دُونَ الْإِحْدَى عَشْرَةَ، بِأَنْ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ، أَوْ بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ أَوْ تِسْعٍ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ سَرَدَ ثَمَانِيًا، وَجَلَسَ وَتَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (وَلَمْ يُسَلِّمْ ثُمَّ صَلَّى التَّاسِعَةَ، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّمَ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ) سَرَدَهُنَّ، (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يُوتِرُ بِخَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ لَا يَفْصِلُ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَعَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ أَيْ عَدَمُ جُلُوسِهِ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ (أَفْضَلُ فِيهِمَا) أَيْ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِسَبْعٍ أَوْ بِخَمْسٍ وَجَزَمَ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ فِيمَا إذَا أَوْتَرَ بِسَبْعٍ: أَنْ يَسْرُدَ سِتًّا، وَيَجْلِسَ يَتَشَهَّدَ. وَلَا يُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي السَّابِعَةَ وَيَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ (وَأَدْنَى الْكَمَالِ: ثَلَاثُ) رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ اُخْتُلِفَ فِي كَرَاهَتِهَا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الثَّلَاثُ أَدْنَى الْكَمَالِ (بِسَلَامَيْنِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «افْصِلْ بَيْنَ الْوَاحِدَةِ وَالثِّنْتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الثَّلَاثِ بِسَلَامَيْنِ (أَفْضَلَ) لِمَا سَبَقَ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) لِيَفْصِلَ بَيْنَهُمَا وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ (بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَيَكُونُ سَرْدًا) فَلَا يَجْلِسُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ (وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلِّيَ الثَّلَاثَ رَكَعَاتٍ (كَالْمَغْرِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي إذَا صَلَّى الثَّلَاثَ بِسَلَامٍ وَلَمْ يَكُنْ جَلَسَ عَقِبَ الثَّانِيَةِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ جَلَسَ، فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لَا يَكُونُ وِتْرًا (وَيَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى) إذَا أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (سَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ: " قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ". وَفِي الثَّالِثَةِ: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ") «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَقْنُتَ فِيهَا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْوِتْرِ (جَمِيعَ السَّنَةِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي وِتْرِهِ أَشْيَاءَ، يَأْتِي ذِكْرُهَا وَكَانَ لِلدَّوَامِ وَلِأَنَّ مَا شُرِعَ فِي رَمَضَانَ شُرِعَ فِي غَيْرِهِ كَعَدَدِهِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أُبَيًّا كَانَ يَقْنُتُ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حِينَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ فَفِيهِ انْقِطَاعٌ ثُمَّ هُوَ رَأْيُ أُبَيٍّ (بَعْدَ الرُّكُوعِ) رُوِيَ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الرُّكُوعِ (جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ
الصَّحَابَةِ قَالَ الْخَطِيبُ: الْأَحَادِيثُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا قَبْلَ الرُّكُوعِ كُلُّهَا مَعْلُولَةٌ (فَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى صَدْرِهِ وَيَبْسُطُهُمَا وَبُطُونَهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَعَوْت اللَّهَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْك، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا فَإِذَا فَرَغْت فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَك» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الثَّلَاثِ رَكَعَاتٍ (رَكْعَةً فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ أَجْزَأَهُ) مَا أَدْرَكَهُ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْوِتْرِ رَكْعَةٌ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ (قَضَى، كَصَلَاةِ الْإِمَامِ) لِحَدِيثِ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ (وَيَقُولُ فِي قُنُوتِهِ جَهْرًا إنْ كَانَ إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا نَصًّا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ الْمُنْفَرِدُ فِي الْجَهْرِ) بِالْقُنُوتِ (وَعَدَمِهِ كَالْقِرَاءَةِ) وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ بِالْإِمَامِ فَقَطْ قَالَ فِي الْخِلَافِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ كَمَا تَقَدَّمَ حُذِفَتْ " يَا " مِنْ أَوَّلِهِ وَعُوِّضَ عَنْهَا الْمِيمُ فِي آخِرِهِ وَلِذَلِكَ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وَلَحَظُوا فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِلَفْظِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، تَبَرُّكًا وَتَعْظِيمًا أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ بِتَصْيِيرِ اللَّفْظَيْنِ لَفْظًا وَاحِدًا (إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَهْدِيك وَنَسْتَغْفِرُك) أَيْ نَطْلُبُ مِنْك الْمَعُونَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالْمَغْفِرَةَ (وَنَتُوبُ إلَيْك) التَّوْبَةُ: الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ، وَشَرْعًا: النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الذَّنْبِ وَالْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ وَالْعَزْمُ عَلَى تَرْكِ الْعَوْدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، تَعْظِيمًا لِلَّهِ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ لِآدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ أَنْ يُحَلِّلَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَنُؤْمِنُ بِك) أَيْ نُصَدِّقُ بِوَحْدَانِيِّتِك (وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْك) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: التَّوَكُّلُ إظْهَارُ الْعَجْزِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْغَيْرِ وَالِاسْمُ التُّكْلَانُ وَقَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ: هُوَ تَرْكُ تَدْبِيرِ النَّفْسِ وَالِانْخِلَاعُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَقَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ الِاسْتِرْسَالُ مَعَ اللَّهِ عَلَى مَا يُرِيدُ (وَنُثْنِي عَلَيْك الْخَيْرَ كُلَّهُ) أَيْ نَمْدَحُك وَنَصِفُك بِالْخَيْرِ. وَالثَّنَاءُ فِي الْخَيْرِ خَاصَّةً وَالثَّنَاءُ بِتَقْدِيمِ النُّونِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ (وَنَشْكُرُك وَلَا نَكْفُرُك) أَصْلُ الْكُفْرِ الْجُحُودُ وَالسَّتْرُ قَالَ فِي الْمَطَالِعِ: وَالْمُرَادُ هُنَا كُفْرُ النِّعْمَةِ، لِاقْتِرَانِهِ بِالشُّكْرِ (اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: مَعْنَى الْعِبَادَةِ: الطَّاعَةُ وَالْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ وَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ الْفَخْرُ إسْمَاعِيلُ وَأَبُو الْبَقَاءِ: الْعِبَادَةُ مَا أُمِرَ بِهِ شَرْعًا مِنْ غَيْرِ اطِّرَادٍ عُرْفِيٍّ وَلَا اقْتِضَاءٍ عَقْلِيٍّ وَسُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذُلِّهِ وَانْقِيَادِهِ لِمَوْلَاةِ (وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ) لَا لِغَيْرِك (وَإِلَيْك نَسْعَى) يُقَالُ: سَعَى يَسْعَى سَعْيًا إذَا عَدَا. وَقِيلَ: إذَا كَانَ بِمَعْنَى الْجَرْيِ عُدِّيَ بِإِلَى، وَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْعَمَلِ فَبِاللَّامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى
{وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا} [الإسراء: 19] (وَنَحْفِدُ) بِفَتْحِ النُّون وَيَجُوزُ ضَمُّهَا يُقَالُ: حَفَدَ بِمَعْنَى أَسْرَعَ، وَأَحْفَدَ لُغَةٌ فِيهِ فَمَعْنَى نَحْفِدُ نُسْرِعُ، أَيْ نُبَادِرُ بِالْعَمَلِ وَالْخِدْمَةِ (نَرْجُو) أَيْ نُؤَمِّلُ (رَحْمَتَك) سَعَةَ عَطَائِك (وَنَخْشَى) نَخَافُ (عَذَابَك) أَيْ عُقُوبَتَك لِقَوْلِهِ تَعَالَى {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الحجر: 49] {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 50] (إنَّ عَذَابَك الْجِدُّ) بِكَسْرِ الْجِيمِ: الْحَقُّ لَا اللَّعِبُ (بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ) بِكَسْرِ الْحَاءِ أَيْ لَاحِقٌ بِهِمْ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا لُغَةً عَلَى مَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُلْحِقُهُ بِهِمْ وَهُوَ مَعْنًى صَحِيحٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: غَيْرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ هِيَ الْأُولَى. وَهَذَا الدُّعَاءُ قَنَتَ بِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِي أَوَّلِهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَفِي آخِرِهِ " اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِك " وَهَاتَانِ سُورَتَانِ فِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ كَتَبَهُمَا أُبَيٌّ فِي مُصْحَفِهِ إلَى قَوْلِهِ " مُلْحِقٌ " زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك " (اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْت) أَصْلُ الْهُدَى: الرَّشَادُ وَالْبَيَانُ: قَالَ تَعَالَى " {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] " فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [القصص: 56] فَهِيَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: التَّوْفِيقُ وَالْإِرْشَادُ وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ كَوْنِهِمْ مُهْتَدِينَ بِمَعْنَى طَلَبِ التَّثْبِيتِ عَلَيْهَا، وَبِمَعْنَى الْمَزِيدِ مِنْهَا (وَعَافِنَا فِيمَنْ عَافَيْت) مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْبَلَايَا وَالْمُعَافَاةُ أَنْ يُعَافِيَك اللَّهُ مِنْ النَّاسِ وَيُعَافِيَهُمْ مِنْك (وَتَوَلَّنَا فِيمَنْ تَوَلَّيْت) الْوَلِيُّ: ضِدُّ الْعَدُوِّ مِنْ تَلَيْتُ الشَّيْءَ إذَا عَنَيْت بِهِ وَنَظَرْت إلَيْهِ كَمَا يَنْظُرُ الْوَلِيُّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَنْظُرُ فِي أَمْرِ وَلِيِّهِ بِالْعِنَايَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَلِيت الشَّيْءَ، إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ، بِمَعْنَى أَنَّ الْوَلِيَّ يَقْطَعُ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَصِيرَ فِي مَقَامِ الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ (وَبَارِكْ لَنَا) الْبَرَكَةُ الزِّيَادَةُ، وَقِيلَ: هِيَ حُلُولُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ (فِيمَا أَعْطَيْت) أَيْ أَنْعَمْت بِهِ (وَقِنَا شَرَّ مَا قَضَيْت، إنَّك سُبْحَانَك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك) سُبْحَانَهُ لَا رَادَّ لِأَمْرِهِ، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ فَإِنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلَفْظُهُ لَهُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ، وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ «الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ عَلَّمَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي - إلَى - وَتَعَالَيْت وَلَيْسَ فِيهِ وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَأَثْبَتَهَا
فِيهِ وَتَبِعَهُ الْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُ وَالرِّوَايَةُ إفْرَادُ الضَّمِيرِ وَجَمَعَهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُشَارِكَ الْمَأْمُومَ فِي الدُّعَاءِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: " لَك الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْت نَسْتَغْفِرُك اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْك لَا لَجَأَ وَلَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إلَّا إلَيْك " " اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِعَفْوِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَبِك مِنْك " قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَهُمَا ضِدَّانِ وَمُتَقَابِلَانِ وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ، لَجَأَ إلَى مَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ أَظْهَرَ الْعَجْزَ، وَالِانْقِطَاعَ وَفَزِعَ مِنْهُ إلَيْهِ فَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ: أَعُوذُ بِك مِنْك إذْ حَاصِلُهُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ اللَّهِ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْخَبَرِ (لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك) أَيْ لَا نُحْصِي نِعَمَك وَالثَّنَاءَ بِهَا عَلَيْك وَلَا نَبْلُغُهُ وَلَا نُطِيقُهُ وَلَا مُنْتَهَى غَايَتِهِ. وَالْإِحْصَاءُ: الْعَدُّ وَالضَّبْطُ وَالْحِفْظُ قَالَ تَعَالَى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل: 20] أَيْ تُطِيقُوهُ (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك) اعْتِرَافٌ بِالْعَجْزِ عَنْ تَفْصِيلِ الثَّنَاءِ وَرَدٌّ إلَى الْمُحِيطِ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى لَا نِهَايَةَ لِسُلْطَانِهِ وَعَظَمَتِهِ، لَا نِهَايَةَ لِلثَّنَاءِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُثْنَى عَلَيْهِ رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك، وَبِمُعَافَاتِك مِنْ عُقُوبَتِك، وَأَعُوذُ بِك مِنْك، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْك أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِك» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْحَارِثِ يَدْعُو بِمَا شَاءَ، وَاقْتَصَرَ جَمَاعَةٌ عَلَى دُعَاءِ اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ وَنَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِالسُّورَتَيْنِ وَأَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ (ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَقُولَ (وَعَلَى آلِهِ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَدْعُوَ فِي قُنُوتِهِ بِمَا شَاءَ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ نَصًّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَهْمَا دَعَا بِهِ جَازَ) . وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا أَرَادَ السُّجُودَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ فِي الْقِيَامِ فَهُوَ كَالْقِرَاءَةِ (وَيَمْسَحُ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ) لِمَا رَوَى السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَ (كَخَارِجِ الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ بِلَا قُنُوتٍ) إنْ سَمِعَ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ دَعَا نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُفْرِدُ الْمُنْفَرِدُ الضَّمِيرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِذَا سَلَّمَ) مِنْ
الْوِتْرِ (سُنَّ قَوْلُهُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ ثَلَاثًا يَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ) لِلْخَبَرِ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. (تَتِمَّةٌ) قِيلَ لِأَحْمَدَ رَجُلٌ قَامَ يَتَطَوَّعُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ، فَجَعَلَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ وِتْرًا قَالَ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟ قَدْ قَلَبَ نِيَّتَهُ قِيلَ لَهُ: أَيَبْتَدِئُ الْوِتْرَ؟ قَالَ نَعَمْ. (وَيُكْرَهُ قُنُوتُهُ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ثُمَّ تَرَكَهُ» . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ قُلْتِ لِأَبِي إنَّك قَدْ صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَخَلْفَ عَلِيٍّ هُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوَ خَمْسِ سِنِينَ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَيْسَ فِيهِ فِي الْفَجْرِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ «مَا زَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ طُولَ الْقِيَامِ فَإِنَّهُ يُسَمَّى قُنُوتًا أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ إذَا دَعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا. يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا إذَا دَعَا لِقَوْمٍ أَوْ دَعَا عَلَيْهِمْ» وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي أَوْقَاتِ النَّوَازِلِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ بِدْعَةٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَلَمْ يُسَنَّ فِيهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (فَإِنْ ائْتَمَّ بِمَنْ يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ أَوْ فِي النَّازِلَةِ تَابَعَهُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (وَأَمَّنَ) الْمَأْمُومُ (إنْ كَانَ يَسْمَعُ) الْقُنُوتَ (وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ الْقُنُوتَ دَعَا) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَإِذَا فَعَلَ الْإِمَامُ مَا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ تَبِعَهُ الْمَأْمُومُ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ هُوَ لَا يَرَاهُ، مِثْلُ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ، وَوَصْلِ الْوِتْرِ (فَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ) هِيَ الشَّدِيدَةُ مِنْ شَدَائِدِ الدَّهْرِ (غَيْرَ الطَّاعُونِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ الْقُنُوتُ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ شَهَادَةٌ لِلْأَخْيَارِ فَلَا يُسْأَلُ رَفْعُهُ (سُنَّ لِإِمَامِ الْوَقْتِ خَاصَّةً) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الَّذِي قَنَتَ فَيَتَعَدَّى الْحُكْمُ إلَى مَنْ يَقُومُ مُقَامَهُ (وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ وَنَائِبَهُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ (الْقُنُوتَ بِمَا يُنَاسِبُ تِلْكَ النَّازِلَةِ فِي كُلِّ مَكْتُوبَةٍ) لِفِعْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا الْجُمُعَةَ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِالدُّعَاءِ فِي خُطْبَتِهَا (وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ
فصل السنن الراتبة التي تفعل مع الفرائض
فِي صَلَاةِ جَهْرٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُطْلَقًا (وَإِنْ قَنَتَ فِي النَّازِلَةِ كُلُّ إمَامٍ جَمَاعَةً أَوْ كُلُّ مُصَلٍّ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ قَالَ آمِينَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. [فَصْلٌ السُّنَنُ الرَّاتِبَةُ الَّتِي تُفْعَلُ مَعَ الْفَرَائِضِ] ِ) (عَشْرُ) رَكَعَاتٍ (وَرَكْعَةُ الْوِتْرِ فَيَتَأَكَّدُ فِعْلُهَا، وَيُكْرَهُ تَرْكُهَا، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ لِسُقُوطِ عَدَالَتِهِ) قَالَ أَحْمَدُ مَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ عَمْدًا فَهُوَ رَجُلُ سَوْءٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. (قَالَ الْقَاضِي وَيَأْثَمُ) وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا تَأْثِيمَ بِتَرْكِ سُنَّةٍ وَيَأْتِي لَهُ مَزِيدُ بَيَانٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْعَدَالَةِ فِي بَابِ شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ (إلَّا فِي سَفَرٍ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهَا) أَيْ الرَّوَاتِبِ. (وَ) بَيْنَ (تَرْكِهَا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ مَظِنَّةُ الْمَشَقَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ فِيهِ الْقَصْرُ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ وَ) إلَّا سُنَّةَ (وَتْرٍ فَيُفْعَلَانِ فِيهِ) أَيْ السَّفَرِ كَالْحَضَرِ، لِتَأَكُّدِهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ (وَفِعْلُهَا) أَيْ الرَّوَاتِبِ بَلْ السُّنَنِ كُلِّهَا سِوَى مَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ (فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي، وَلِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ، لَكِنَّ الْمُعْتَكِفَ يُصَلِّيهَا فِي الْمَسْجِدِ (رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ يَقْرَأُ فِي أُولَاهُمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ، قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لِلْخَبَرِ (وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ كَانَتْ سَاعَةٌ لَا يُدْخَلُ فِيهَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ وَطَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَيُسَنُّ تَخْفِيفُهُمَا) أَيْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى إنِّي لَأَقُولُ: هَلْ قَرَأَ بِأُمِّ
الْكِتَابِ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُسَنُّ (الِاضْطِجَاعُ بَعْدَهُمَا عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) قَبْلَ فَرْضِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ» . وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ يُكْرَهُ الْكَلَامُ بَعْدَهُمَا إنَّمَا هِيَ سَاعَةُ تَسْبِيحٍ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ فِي غَيْرِ الْعِلْمِ لِقَوْلِ الْمَيْمُونِيِّ كُنَّا نَتَنَاظَرُ أَنَا وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي الْمَسَائِلِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَغَيْرِ الْكَلَامِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ. وَيَتَوَجَّهُ لَا يُكْرَهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَسَبَقَهُ إلَيْهِ جَدُّهُ فِي الْفُرُوعِ (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا) أَيْ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (كَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ) فِي الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] . وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَرَأَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] . وَفِي الثَّانِيَةِ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] » رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ) يَقْرَأُ (فِي الْأُولَى {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 136] . - الْآيَةَ) مِنْ الْبَقَرَةِ. (وَفِي الثَّانِيَةِ) قُلْ {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا} [آل عمران: 64] . - الْآيَةَ) مِنْ آلِ عِمْرَانَ لِلْخَبَرِ وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَيَجُوزُ فِعْلُهُمَا) أَيْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ (رَاكِبًا) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ، وَلِلْبُخَارِيِّ «إلَّا الْفَرَائِضَ» وَسَأَلَهُ صَالِحٌ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: قَدْ «أَوْتَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى بَعِيرِهِ» وَرَكْعَتَا الْفَجْر مَا سَمِعْت بِشَيْءٍ، وَلَا أَجْتَرِئُ عَلَيْهِ. (وَوَقْتُ كُلِّ رَاتِبَةٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الرَّوَاتِبِ (قَبْلَ الْفَرْضِ) كَسُنَّةِ الْفَجْرِ، وَالظُّهْرِ الْقَبْلِيَّةِ (مِنْ دُخُولِ وَقْتِهِ) أَيْ وَقْتِ الْفَرْضِ (إلَى) تَمَامِ (فِعْلِهِ) فَسُنَّةُ فَجْرٍ وَظُهْرٍ، الْأُولَى بَعْدَهُمَا قَضَاءً كَمَا يَأْتِي (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ الْفَرْضِ مِنْ السُّنَنِ كَسُنَّةِ الظُّهْرِ الْأَخِيرَةِ وَسُنَّةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقْتُهَا (مِنْ فِعْلِهِ إلَى آخِرِ وَقْتِهِ) فَلَا يَصِحُّ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ. (وَلَا سُنَّةَ) رَاتِبَةٌ (لِجُمُعَةٍ قَبْلَهَا وَأَقَلُّهَا) أَيْ أَقَلُّ السُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ (بَعْدَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (رَكْعَتَانِ) لِمَا فِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ «وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ» (وَأَكْثَرُهَا) أَيْ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ (سِتٌّ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ (وَفِعْلُهَا) أَيْ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ (فِي الْمَسْجِدِ مَكَانَهُ أَفْضَلُ نَصًّا) وَفِيهِ نَظَرٌ مَعَ الْحَدِيثِ السَّابِقِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ. وَفِي الْمُبْدِعِ: فِعْلُ جَمِيعِ الرَّوَاتِبِ فِي الْبَيْتَ أَفْضَلُ (وَتُجْزِئُ السُّنَّةُ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بُدَاءَةُ الدَّاخِلِ إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ وُجِدَتْ وَ (لَا عَكْسَ) أَيْ لَا تُجْزِئُ تَحِيَّةٌ عَنْ سُنَّةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ السُّنَّةَ
عِنْدَ إحْرَامِهِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَا تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ بِرَكْعَةٍ وَلَا بِصَلَاةِ، جِنَازَةٍ، وَلَا سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالسُّنَّةَ أَوْ الْفَرْضَ: حَصَلَا. (وَيُسَنُّ الْفَصْلُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَسُنَّتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ) أَيْ انْتِقَالٍ لِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ إنَّ النَّبِيَّ «أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً، حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلِلزَّوْجَةِ وَالْأَجِيرِ) وَلَوْ خَاصًّا (وَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ: فِعْلُ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرْضِ) ؛ لِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهُ (وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُمْ) مِنْ السُّنَنِ؛ لِأَنَّ زَمَنَهَا مُسْتَثْنًى شَرْعًا كَالْفَرَائِضِ. (وَمَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ السُّنَنِ سُنَّ لَهُ قَضَاؤُهُ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ مَعَ الْفَجْرِ حِينَ نَامَ عَنْهُمَا، وَقَضَى الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ» وَقِسْنَا الْبَاقِيَ عَلَى ذَلِكَ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ (إذَا فَاتَتْ) السُّنَنُ (مَعَ الْفَرَائِضِ) مُفَصَّلًا (وَسُنَّةُ فَجْرٍ وَسُنَّةُ ظُهْرٍ الْأَوْلَى بَعْدَهُمَا) أَيْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ (قَضَاءً) ؛ لِأَنَّ وَقْتَهُمَا يَمْتَدُّ إلَى الصَّلَاةِ فَفِعْلُهُمَا بَعْدَ الْوَقْتِ يَكُونُ قَضَاءً (وَيَبْدَأُ بِسُنَّةِ الظُّهْرِ) الَّتِي (قَبْلَهَا إذَا قَضَاهَا) أَيْ السُّنَّةَ (قَبْلَ) السُّنَّةِ (الَّتِي بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الظُّهْرِ نَدْبًا، مُرَاعَاةً لِلتَّرْتِيبِ (وَيُسَنُّ غَيْرُ الرَّوَاتِبِ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْجُمُعَةِ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعَصْرِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ (وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْمَغْرِبِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ، عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (سِتٌّ) أَيْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (وَأَرْبَعٌ بَعْدَ الْعَشَاءِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «مَا صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ عُبَيْدَانَ (يُحَافِظَ عَلَيْهِنَّ) اسْتِحْبَابًا لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ رَكْعَتَانِ بَعْدَ آذَانِ الْمَغْرِبِ قَبْلَهَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَالَ الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ فَقُلْت لَهُ: أَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهُمَا؟ قَالَ كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا، فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ: إبَاحَتُهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَذَان لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ
فصل التراويح سنة مؤكدة سنها النبي صلى الله عليه وسلم
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ثُمَّ قَالَ صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ لِمَنْ شَاءَ، خَشْيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: يُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ، فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الْمَشِيئَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ: أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ سُنَّتَيْهِمَا لَيْسَتْ مُؤَكَّدَةً. (وَ) يُسَنُّ (رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْوِتْرِ جَالِسًا) وَالْأَصَحُّ: يُبَاحَانِ قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ فَقَالَ: أَرْجُو إنْ فَعَلَهُ إنْسَانٌ أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ يَكُونُ وَهُوَ جَالِسٌ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، قُلْت تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ لَا مَا أَفْعَلُهُ انْتَهَى؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْوَاصِفِينَ لِتَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَذْكُرُوهُمَا مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَزَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَعَائِشَةُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهَا عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ. [فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] (فَصْلٌ التَّرَاوِيحُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ سَنَّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَيْسَتْ مُحْدَثَةً لِعُمَرَ فَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ» وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَجْلِسُونَ بَيْنَ كُلِّ أَرْبَعٍ يَسْتَرِيحُونَ وَقِيلَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْمُرَاوَحَةِ وَهِيَ التَّكْرَارُ فِي الْفِعْلِ وَهِيَ (عِشْرُونَ رَكْعَةً فِي رَمَضَانَ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ فِي رَمَضَانَ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالسِّرُّ فِيهِ أَنَّ الرَّاتِبَةَ عَشْرٌ فَضُوعِفَتْ فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَهَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا. وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِهِ الشَّافِي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً» (يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ) لِفِعْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ (وَفِعْلُهَا جَمَاعَةً أَفْضَلُ) مِنْ فِعْلهَا فُرَادَى قَالَ أَحْمَدُ كَانَ عَلِيٌّ وَجَابِرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ يُصَلُّونَهَا فِي الْجَمَاعَةِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إمَامًا وَلِلنِّسَاءِ إمَامًا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَمَعَ أَهْلَهُ وَأَصْحَابَهُ وَقَالَ إنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَلَا يُنْقِصُ مِنْهَا)
أَيْ مِنْ الْعِشْرِينَ رَكْعَةً لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى الْعِشْرِينَ (نَصًّا) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ رَأَيْت أَبِي يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ مَا لَا أُحْصِي وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَد يَقُومُ بِأَرْبَعِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُ بَعْدَهَا بِسَبْعٍ (يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» (وَإِنْ تَعَذَّرَتْ الْجَمَاعَةُ صَلَّى وَحْدَهُ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (وَيَنْوِي فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَقُولُ) سِرًّا نَدْبًا (أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ التَّرَاوِيحِ الْمَسْنُونَةِ) أَوْ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَيَسْتَرِيحُ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعِ) رَكَعَاتٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ (بِجِلْسَةٍ يَسِيرَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ بِتَرْكِهَا) أَيْ الْجِلْسَةِ بَعْدَ كُلِّ أَرْبَعٍ. (وَلَا يَدْعُو إذَا اسْتَرَاحَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ (وَلَا يُكْرَهُ الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ) خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ لِعُمُومِ {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح: 7] (وَوَقْتُهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (بَعْدَ) صَلَاةِ (الْعِشَاءِ وَ) بَعْدَ (سُنَّتِهَا) قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ:؛ لِأَنَّ سُنَّةَ الْعِشَاءِ يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارِ فَكَانَ إتْبَاعُهَا لَهَا أَوْلَى (قَبْلَ الْوِتْرِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) فَلَا تَصِحُّ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ التَّرَاوِيحَ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ صَلَّى الْعَشَاءَ مُحْدِثًا أَعَادَ التَّرَاوِيحَ؛ لِأَنَّهَا سُنَّةٌ تُفْعَلُ بَعْدَ مَكْتُوبَةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ قَبْلَهَا كَسُنَّةِ الْعِشَاءِ وَإِنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَاتَ وَقْتُهَا وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا تُقْضَى، وَإِنْ صَلَّى التَّرَاوِيحَ بَعْدَ الْعَشَاءِ وَقَبْلَ سُنَّتِهَا صَحَّ جَزْمًا وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُهَا بَعْدَ السُّنَّةِ عَلَى الْمَنْصُوصِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِ ابْنِ قُنْدُسٍ قُلْت وَكَذَا لَوْ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ. (وَفِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ) أَفْضَلُ «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّاهَا مَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَةً» كَمَا رَوَتْهُ عَائِشَةُ «وَمَرَّةً ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَفَرِّقَةً» كَمَا رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَقَالَ «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ» وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَفْعَلُونَهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْزَاعًا فِي جَمَاعَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ فِي عَهْدِهِ وَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أُبَيٍّ وَتَابَعَهُ الصَّحَابَةُ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَ) فِعْلُهَا (أَوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ أَوَّلَهُ. (وَيُوتِرُ بَعْدَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (فِي الْجَمَاعَةِ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ) لِمَا تَقَدَّمَ
عَنْ مَالِكٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ (فَإِنْ كَانَ لَهُ تَهَجُّدٌ جَعَلَ الْوِتْرَ بَعْدَهُ) اسْتِحْبَابًا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (صَلَّاهَا) أَيْ الْوِتْرَ مَعَ الْإِمَامِ، لِيَنَالَ فَضِيلَةَ الْجَمَاعَةِ (فَإِنْ أَحَبَّ) مَنْ لَهُ تَهَجُّدٌ (مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ) فِي وِتْرِهِ (قَامَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامَ فَشَفَعَهَا) أَيْ رَكْعَةَ الْوِتْرِ (بِأُخْرَى) ثُمَّ إذَا تَهَجَّدَ أَوْتَرَ فَيَنَالُ فَضِيلَةَ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، وَفَضِيلَةَ جَعْلِ وِتْرِهِ آخِرَ صَلَاتِهِ (وَمَنْ أَوْتَرَ) فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا (ثُمَّ أَرَادَ الصَّلَاةَ) تَطَوُّعًا (بِيَدِهِ) أَيْ الْوِتْرِ (لَمْ يَنْقُضْ وِتْرَهُ) أَيْ لَمْ يَشْفَعْهُ (بِرَكْعَةٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ وَقَدْ سُئِلَتْ عَنْ الَّذِي يَنْقُضُ وِتْرَهُ - ذَاكَ الَّذِي يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَغَيْرُهُ (وَصَلَّى شَفْعًا مَا شَاءَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ» (وَلَمْ يُوتِرْ) اكْتِفَاءً بِالْوَتْرِ الَّذِي قَبْلَ تَهَجُّدِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ وَقَيْسٌ فِيهِ لِينٌ. (وَيُكْرَهُ التَّطَوُّعُ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ فِيهِ: عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عُبَادَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَذُكِرَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ رُخْصَةٌ فِيهِ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ. وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ أَبْصَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ بَيْنَ التَّرَاوِيحِ فَقَالَ: مَا هَذِهِ التَّرَاوِيحُ، أَتُصَلِّي وَإِمَامُك بَيْنَ يَدَيْك؟ لَيْسَ مِنَّا مَنْ رَغِبَ عَنَّا وَ (لَا) يُكْرَهُ (طَوَافٌ بَيْنَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحِ (وَلَا) طَوَافَ (بَعْدَهَا) وَكَانَ أَهْلُ مَكَّةَ يَطُوفُونَ بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ أُسْبُوعًا، وَيُصَلُّونَ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ (وَلَا) يُكْرَهُ (تَعْقِيبٌ وَهُوَ التَّطَوُّعُ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ وَ) بَعْدَ (الْوِتْرِ فِي جَمَاعَةٍ سَوَاءٌ طَالَ الْفَصْلُ أَوْ قَصُرَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ رَجَعُوا إلَى ذَلِكَ قَبْلَ النَّوْمِ أَوْ لَمْ يُؤَخِّرُوهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ لِقَوْلِ أَنَسٍ لَا تَرْجِعُونَ إلَّا لِخَيْرٍ تَرْجُونَهُ وَكَانَ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا وَلِأَنَّهُ خَيْرٌ وَطَاعَةٌ، فَلَمْ يُكْرَهْ كَمَا لَوْ أَخَّرُوهُ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنْقِصَ عَنْ خَتْمَةٍ فِي التَّرَاوِيحِ) لِيُسْمِعَ النَّاسَ جَمِيعَ الْقُرْآنِ (وَلَا) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَزِيدَ) الْإِمَامُ عَلَى خَتْمَةٍ كَرَاهِيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى مَنْ خَلْفَهُ، نَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ الْقَاضِي وَقَالَ قَالَ أَحْمَدُ يَقْرَأُ بِالْقَوْمِ فِي شَهْرٍ مَا يَخِفُّ عَلَيْهِمْ وَلَا يَشُقُّ، سِيَّمَا فِي اللَّيَالِي الْقِصَارِ انْتَهَى (إلَّا أَنْ يُوتِرُوا) زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (يَبْتَدِئَهَا) أَيْ التَّرَاوِيحَ فِي (أَوَّلِ لَيْلَةٍ بِسُورَةِ الْقَلَمِ) يَعْنِي {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ أَوَّلَهَا (أَوَّلُ مَا نَزَلَ) مِنْ الْقُرْآنِ (فَإِذَا سَجَدَ) لِلتِّلَاوَةِ (قَامَ فَقَرَأَ مِنْ الْبَقَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ. (وَعَنْهُ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِهَا) أَيْ بِسُورَةِ الْقَلَمِ (فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ) أَيْ مِنْ اللَّيْلَةِ الْأُولَى مِنْ
فصل حفظ القرآن
رَمَضَانَ. (قَالَ الشَّيْخُ وَهُوَ أَحْسَنُ مِمَّا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِهَا التَّرَاوِيحَ وَيَخْتِمُ آخِرَ رَكْعَةٍ مِنْ التَّرَاوِيحِ قَبْلَ رُكُوعِهِ وَيَدْعُو) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ رَأَى أَهْلَ مَكَّةَ وَسُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ يَفْعَلُونَهُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ أَدْرَكْت النَّاسَ بِالْبَصْرَةِ يَفْعَلُونَهُ وَبِمَكَّةَ وَذَكَرَ عُثْمَانَ (بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ) وَهُوَ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي بِالْقُرْآنِ وَاجْعَلْهُ لِي إمَامًا وَنُورًا وَهُدًى وَرَحْمَةً اللَّهُمَّ ذَكِّرْنِي مِنْهُ مَا نُسِّيت وَعَلِّمْنِي مِنْهُ مَا جَهِلْت وَارْزُقْنِي تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَاجْعَلْهُ لِي حُجَّةً يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ رَوَاهُ أَبُو مَنْصُورٍ الْمُظَفَّرُ بْنُ الْحُسَيْنِ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَأَبُو بَكْرٍ الضَّحَّاكُ فِي الشَّمَائِلِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: حَدِيثٌ مُعْضَلٌ وَقَالَ لَا أَعْلَمُ وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَتْمِ الْقُرْآنِ حَدِيثٌ غَيْرُهُ انْتَهَى. وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْأَصْحَابِ مَا قَالَهُ بِدُعَاءِ الْقُرْآنِ بَلْ نَقَلُوا عَنْ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ سَأَلَ الْإِمَامَ: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ بِمَا شِئْت، لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ: قَدْ تَسَاهَلَ أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي قَبُولِ مَا وَرَدَ مِنْ الدَّعَوَاتِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي رُوَاتِهِ مَنْ يُعْرَفُ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَالْكَذِبِ فِي الرِّوَايَةِ انْتَهَى فَلِذَلِكَ اخْتَارَ الْمُصَنِّفُ الدُّعَاءَ بِالْمَأْثُورِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ» وَلَمْ يَدَعْ حَاجَةً إلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) إذَا دَعَا لِمَا سَبَقَ (وَيُطِيلُ) الْقِيَامَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ (وَيَعِظُ بَعْدَ الْخَتْمِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَقِيلَ لَهُ:) أَيْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (يَخْتِمُ فِي الْوِتْرِ وَيَدْعُو؟ فَسَهَّلَ فِيهِ قَالَ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ: لَا بَأْسَ بِهِ) وَقِرَاءَةُ الْأَنْعَامِ فِي رَكْعَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِدْعَةٌ إجْمَاعًا قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. [فَصْلٌ حِفْظُ الْقُرْآنِ] فَصْلٌ (يُسْتَحَبُّ حِفْظُ الْقُرْآنِ إجْمَاعًا وَحِفْظُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا بَنِي آدَمَ وَالْمَلَائِكَةُ لَمْ يُعْطُوا هَذِهِ الْفَضِيلَةَ وَهِيَ حَرِيصَةٌ عَلَى اسْتِمَاعِهِ مِنْ الْإِنْسِ انْتَهَى قَالَ الدَّمِيرِيُّ: وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِيهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ النَّازِلُ بِالْقُرْآنِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْمَلَائِكَةِ {فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} [الصافات: 3] أَيْ تَتْلُو الْقُرْآنَ انْتَهَى قُلْت يُحْتَمَلُ
أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرَ جِبْرِيلَ أَوْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ بِهِ بَقَاءُ حِفْظِهِ لَهُ جُمْلَةً لَكِنْ يُبْعِدُهُ حَدِيثُ مُدَارَسَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إيَّاهُ الْقُرْآنَ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: كَانَ يُلْهِمُهُ إلْهَامًا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَبْلِيغِهِ وَأَمَّا تِلَاوَةُ الْمَلَائِكَةِ لَهُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حِفْظُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الذِّكْرِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَقُولُ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى خَلْقِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. لَكِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْمَأْثُورِ مِنْ الذِّكْرِ فِي مَحَلِّهِ كَأَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (وَ) الْقُرْآنُ (أَفْضَلُ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) وَالزَّبُورِ وَسَائِرِ الصُّحُفِ (وَبَعْضُهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ) إمَّا بِاعْتِبَارِ الثَّوَابِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلِّقِهِ، كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ فِي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَالْفَاتِحَةُ، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، (وَيَجِبُ) أَنْ يَحْفَظَ (مِنْهُ) أَيْ الْقُرْآنِ (مَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ الْفَاتِحَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً عَلَى مُقَابِلِهِ (وَيَبْدَأُ الصَّبِيُّ وَلِيَّهُ بِهِ قَبْلَ الْعِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ) ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَرَأَ أَوَّلًا تَعَوَّدَ الْقِرَاءَةَ ثُمَّ لَزِمَهَا (إلَّا أَنْ يَعْسُرَ) عَلَيْهِ حِفْظُهُ كُلِّهِ، فَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ (وَالْمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ الْعِلْمَ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الْوَاجِبَةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ (كَمَا يُقَدِّمُ الْكَبِيرُ تَعَلُّمَ نَفْلِ الْعِلْمِ عَلَى نَفْلِ الْقِرَاءَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ وَالْأَصْحَابِ) فِيمَا سَبَقَ فِي أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ. (وَيُسَنُّ خَتْمُهُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ) قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ كَانَ أَبِي يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي النَّهَارِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا، لَا يَكَادُ يَتْرُكُهُ نَظَّرَا أَيْ فِي الْمُصْحَفِ وَذَلِكَ «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو اقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَلَا تَزِيدَنَّ عَلَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَإِنْ قَرَأَهُ) أَيْ الْقُرْآنَ (فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ) لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي قُوَّةً قَالَ اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالْخَتْمِ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ الثَّلَاثِ (أَحْيَانًا وَفِي الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ، كَرَمَضَانَ، خُصُوصًا اللَّيَالِي اللَّاتِي تُطْلَبُ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ) كَأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْهُ (وَ) فِي (الْأَمَاكِنِ الْفَاضِلَةِ كَمَكَّةَ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَيُسْتَحَبُّ الْإِكْثَارُ فِيهَا مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، اغْتِنَامًا لِلزَّمَانِ وَالْمَكَانِ)
قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّرٌ بِالنَّشَاطِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَمَنْ وَجَدَ نَشَاطًا فِي خَتْمِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يُكْرَهْ وَإِلَّا كُرِهَ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي لَيْلَةٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ مِنْ السَّلَفِ. (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ بِلَا عُذْرٍ) قَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ مَا سَمِعْت أَنْ يُخْتَمَ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى نِسْيَانِهِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ (وَيَحْرُمُ) تَأْخِيرُ الْخَتْمِ فَوْقَ أَرْبَعِينَ (إنْ خَافَ نِسْيَانَهُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ مَا أَشَدُّ مَا جَاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَهُ) . (وَيُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ) قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِهِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (التَّعَوُّذُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] (وَ) يُسْتَحَبُّ (حَمْدُ اللَّهِ) تَعَالَى (عِنْدَ قَطْعِهَا) أَيْ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِرَاءَةِ (عَلَى تَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ) عَلَيْهِ بِجَعْلِهِ مِنْ آلِ الْقُرْآنِ (وَ) يُسْتَحَبُّ (سُؤَالُ الثَّبَاتِ) عَلَيْهَا (وَ) يَقْصِدُ (الْإِخْلَاصَ) فِي الْقِرَاءَةِ، لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» بِأَنْ يَنْوِيَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ (قَطْعَ تَرْكٍ وَإِهْمَالٍ أَعَادَ التَّعَوُّذَ إذَا رَجَعَ إلَيْهَا) أَيْ أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى الْقِرَاءَةِ (وَإِنْ قَطَعَهَا لِعُذْرٍ عَازِمًا عَلَى إتْمَامِهَا إذَا زَالَ) الْعُذْرُ (كَتَنَاوُلِ شَيْءٍ أَوْ إعْطَائِهِ أَوْ أَجَابَ سَائِلًا) أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ (كَفَاهُ التَّعَوُّذُ الْأَوَّلُ) ؛ لِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ وَاحِدَةٌ. وَإِنْ تَرَكَ الِاسْتِعَاذَةَ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، قَالَ فِي الْآدَابِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا ثُمَّ يَقْرَأُ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ لِلِاسْتِحْبَابِ، فَلَا تَسْقُطُ بِتَرْكِهَا إذَنْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي ذَلِكَ أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا حَتَّى فَرَغَ سَقَطَتْ (وَيَخْتِمُ فِي الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ) لِطُولِهِ. (وَفِي الصَّيْفِ أَوَّلَ النَّهَارِ) لِطُولِهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَكَانَ يُعْجِبُ أَحْمَدَ لِمَا رَوَى طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ أَدْرَكْت أَهْلَ الْخَيْرِ مِنْ صَدْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَسْتَحِبُّونَ الْخَتْمَ أَوَّلَ اللَّيْلِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ، يَقُولُونَ إذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِذَا خَتَمَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ: صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُصْبِحَ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (وَيَجْمَعُ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ عِنْدَ خَتْمِهِ) رَجَاءَ عَوْدِ نَفْعِ ذَلِكَ وَثَوَابِهِ إلَيْهِمْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ رَجُلًا يُرَاقِبُ رَجُلًا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْتِمَ أَعْلَمَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَيَشْهَدُ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ كَانَ أَنَسٌ إذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ أَهْلَهُ وَدَعَا وَيُسْتَحَبُّ إذَا فَرَغَ مِنْ الْخَتْمَةِ أَنْ يَشْرَعَ فِي أُخْرَى لِحَدِيثِ أَنَسٍ «خَيْرُ الْأَعْمَالِ الْحِلُّ وَالرِّحْلَةُ» قِيلَ وَمَا هُمَا؟ قَالَ افْتِتَاحُ الْقُرْآنِ وَخَتْمُهُ (وَيَدْعُو)
عَقِبَ الْخَتْمِ (نَصًّا) لِفِعْلِ أَنَسٍ وَتَقَدَّمَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يُكَبِّرَ فَقَطْ) فَلَا يُسْتَحَبُّ التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ (لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ مِنْ آخِرِ الضُّحَى) إلَى آخِرِهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ بِإِسْنَادِهِ (وَيُكَرِّرُ سُورَةَ الصَّمَدِ، وَلَا يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَخَمْسًا) أَيْ خَمْسَ آيَاتٍ (مِنْ) أَوَّلِ (الْبَقَرَةِ عَقِبَ الْخَتْمِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِيهِ أَثَرٌ. (وَيُسْتَحَبُّ تَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ وَتَرْتِيلُهَا وَإِعْرَابُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] (وَالْمُرَادُ الِاجْتِهَادُ عَلَى حِفْظِ إعْرَابِهَا، لَا أَنَّهُ يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ عَمْدًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَيُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ لِتَغْيِيرِهِ الْقُرْآنَ، ذَكَرَهُ) الشَّمْسُ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ (فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَالتَّفَهُّمُ فِي الْقُرْآنِ وَالتَّدَبُّرُ بِالْقَلْبِ مِنْهُ أَفْضَلُ مِنْ إدْرَاجِهِ) أَيْ الْقُرْآنِ (كَثِيرًا بِغَيْرِ تَفَهُّمٍ) لِلْآيَةِ السَّابِقَةِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29] (وَيُمَكِّنُ حُرُوفَ الْمَدِّ وَاللِّينِ مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا} [المزمل: 4] . (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يُحَسِّنُ الْقَارِئُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ، وَيَقْرَؤُهُ بِحُزْنٍ وَتَدَبُّرٍ) «لِقَوْلِ أَبِي مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ عَلِمْتُ أَنَّك تَسْمَعُ قِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَك تَحْبِيرًا» وَعَلَى كُلٍّ فَتَحْسِينُ الصَّوْتِ وَالتَّرَنُّمُ مُسْتَحَبٌّ إذَا لَمْ يُفْضِ إلَى زِيَادَةِ حَرْفٍ فِيهِ، أَوْ تَغْيِيرِ لَفْظِهِ. وَمِنْ الْآدَابِ عِنْدَ الْقِرَاءَةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَبْكِ فَلْيَتَبَاكَ وَأَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ عِنْدَ آيَةِ الرَّحْمَةِ وَيَتَعَوَّذَ عِنْدَ آيَةِ الْعَذَابِ وَلَا يَقْطَعُهَا لِحَدِيثِ النَّاسِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَأَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ عَلَى الْعُدُولِ الصَّالِحِينَ الْعَارِفِينَ بِمَعْنَاهَا وَأَنْ يَتَطَهَّرَ وَيَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ إذَا قَرَأَ قَاعِدًا، وَيَتَحَرَّى أَنْ يَعْرِضَهُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ مِنْهُ وَيَفْصِلُ كُلَّ سُورَةٍ مِمَّا قَبْلَهَا بِالْوَقْفِ أَوْ التَّسْمِيَةِ وَيَتْرُكُ الْمُبَاهَاةَ، وَأَنْ لَا يَطْلُبَ بِهِ الدُّنْيَا بَلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَا سَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَقَنَاعَةٍ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ، زَادَ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى وَغَيْرُهُ وَأَنْ لَا يَجْهَرَ بَيْنَ مُصَلِّينَ أَوْ نِيَامٍ أَوْ تَالِينَ جَهْرًا يُؤْذِيهِمْ. (قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوَّلَ النَّهَارِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَتِهِ آخِرَهُ) وَلَعَلَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء: 78] (وَقِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ أَيْ مِنْ السَّبْعَةِ، وَ) قِرَاءَةُ الْكَلِمَةِ (الْأُخْرَى
بِقِرَاءَةِ قَارِئٍ آخَرَ جَائِزَةٌ وَلَوْ فِي الصَّلَاةِ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إحَالَةٌ) أَيْ تَغْيِيرُ (الْمَعْنَى) فَيَمْتَنِعُ وَالْأَوْلَى بَقَاؤُهُ عَلَى الْأُولَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ. (وَلَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي كُلِّ حَالٍ قَائِمًا وَجَالِسًا وَمُضْطَجِعًا وَرَاكِبًا وَمَاشِيًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا قَالَتْ إنِّي لَأَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى سَرِيرِي رَوَاهُ الْفِرْيَابِيُّ (وَلَا تُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الطَّرِيقِ نَصًّا) لِمَا رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّمِيمِيِّ قَالَ كُنْت أَقْرَأُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَمْشِي فِي الطَّرِيقِ. (وَلَا) تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ (مَعَ حَدَثٍ أَصْغَرَ وَبِنَجَاسَةِ بَدَنٍ وَثَوْبٍ، وَلَا حَالَ مَسِّ الذَّكَرِ وَالزَّوْجَةِ وَالسُّرِّيَّةِ وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمَوَاضِعِ الْقَذِرَةِ) تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ. (وَ) تُكْرَهُ (اسْتِدَامَتُهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (حَالَ خُرُوجِ الرِّيحِ) فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ أَمْسَكَ عَنْ الْقِرَاءَةِ حَتَّى تَنْقَضِيَ. (وَ) يُكْرَهُ (جَهْرُهُ بِهَا) أَيْ بِالْقِرَاءَةِ (مَعَ الْجِنَازَةِ) ؛ لِأَنَّهُ إخْرَاجٌ لَهَا مَخْرَجَ النِّيَاحَةِ (وَلَا تَمْنَعُ نَجَاسَةُ الْفَمِ الْقِرَاءَةَ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ الْأَوْلَى الْمَنْعُ. (وَتُسْتَحَبُّ) الْقِرَاءَةُ (فِي الْمُصْحَفِ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي إنَّمَا اخْتَارَ أَحْمَدُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ لِلْأَخْبَارِ، ثُمَّ ذَكَرَهَا (وَ) يُسْتَحَبُّ (الِاسْتِمَاعُ لَهَا) أَيْ لِلْقِرَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْقَارِئَ فِي أَجْرِهِ. (وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (بِمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] وَلِأَنَّهُ إعْرَاضٌ عَنْ الِاسْتِمَاعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَجْرُ بِمَا لَا طَائِلَ تَحْتَهُ. (وَكَرِهَ أَحْمَدُ السُّرْعَةَ فِي الْقِرَاءَةِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي إذَا لَمْ يُبَيِّنْ الْحُرُوفَ وَتَرْكُهَا) أَيْ السُّرْعَةِ (أَكْمَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِ التَّرْتِيلِ وَالتَّفَكُّرِ (وَكَرِهَ أَصْحَابُنَا قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ) وَقَالَ حَرْبٌ حَسَنَةٌ وَلِلْمَالِكِيَّةِ وَجْهَانِ (وَهِيَ أَنْ يَقْرَأَ قَارِئٌ ثُمَّ يَقْرَأُ غَيْرُهُ) أَيْ بِمَا بَعْدَ قِرَاءَتِهِ وَأَمَّا لَوْ أَعَادَ مَا قَرَأَهُ الْأَوَّلُ وَهَكَذَا فَلَا يَنْبَغِي الْكَرَاهَةُ؛ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ (وَحَكَى الشَّيْخُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا) أَيْ قِرَاءَةَ الْإِدَارَةِ (حَسَنَةٌ كَالْقِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ) وَلَوْ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِقِرَاءَةٍ وَدُعَاءٍ وَذِكْرٍ فَعَنْهُ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَحْسَنُ مِنْهُ كَمَا قَالَتْ الْأَنْصَارُ وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ وَعَنْهُ: مُحْدَثٌ وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ مَا أَكْرَهُهُ إذَا اجْتَمَعُوا عَلَى غَيْرِ وَعْدٍ إلَّا أَنْ يَكْثُرُوا قَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ يَعْنِي يَتَّخِذُوهُ عَادَةً وَكَرِهَهُ مَالِكٌ قَالَ فِي الْفُنُونِ: أَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْ جُمُوعِ أَهْلِ وَقْتِنَا فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ
لَيَالِي يُسَمُّونَهَا إحْيَاءً. (وَكَرِهَ أَحْمَدُ) وَالْأَصْحَابُ (قِرَاءَةَ الْأَلْحَانِ وَقَالَ هِيَ بِدْعَةٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ " أَنْ يُتَّخَذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَ أَحَدَهُمْ لَيْسَ بِأَقْرَئِهِمْ وَلَا أَفْضَلِهِمْ إلَّا لِيُغْنِيَهُمْ غِنَاءً " وَلِأَنَّ الْإِعْجَازَ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ وَنَظْمِهِ وَالْأَلْحَانُ تُغَيِّرُهُ (فَإِنْ حَصَلَ مَعَهَا) أَيْ الْأَلْحَانِ (تَغَيُّرُ - نَظْمِ الْقُرْآنِ وَجَعْلُ الْحَرَكَاتِ حُرُوفًا حَرُمَ) ذَلِكَ (وَقَالَ الشَّيْخُ: التَّلْحِينُ الَّذِي يُشْبِهُ الْغِنَاءَ مَكْرُوهٌ وَلَا يُكْرَهُ التَّرْجِيعُ) وَتَحْسِينُ الْقِرَاءَةِ، بَلْ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ» وَقَالَ «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ» قَالَ طَائِفَةٌ، مَعْنَاهُ تَحْسِينُ قِرَاءَتِهِ وَالتَّرَنُّمُ وَرَفْعُ صَوْتِهِ بِهَا وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَجَمَاعَةٌ يَسْتَغْنِي بِهِ. (وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَسْوَاقِ يَصِيحُ أَهْلُهَا فِيهَا بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ) قَالَ فِي الْفُنُونِ، قَالَ حَنْبَلٌ: كَثِيرٌ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ يَخْرُجُ مَخْرَجَ الطَّاعَاتِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، وَهِيَ مَآثِمُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، مِثْلُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، يَصِيحُ فِيهَا أَهْلُ الْأَسْوَاقِ بِالنِّدَاءِ وَالْبَيْعِ وَلَا أَهْلُ السُّوقِ يُمْكِنُهُمْ الِاسْتِمَاعُ وَذَلِكَ امْتِهَانٌ كَذَا قَالَ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُكْرَهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَيُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَقِيلٍ التَّحْرِيمُ كَمَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَلَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الْكَرَاهَةَ بَحْثُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْمَتْلُوَّ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ الْمَكْتُوبَ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ، مِمَّا جَمَعَهُ الدَّفَّتَانِ: مِنْ أَوَّلِ الْحَمْدُ (لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ - إلَى آخِرِ - قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَوَحْيُهُ الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَّ جَمِيعَ مَا فِيهِ حَقٌّ وَأَنَّ مَنْ نَقَصَ مِنْهُ حَرْفًا قَاصِدًا لِذَلِكَ، أَوْ بَدَّلَهُ بِحَرْفٍ آخَرَ مَكَانَهُ، أَوْ زَادَ فِيهِ حَرْفًا آخَرَ مِمَّا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَيْهِ الْمُصْحَفُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَأُجْمِعَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ بِقُرْآنٍ عَامِدًا لِكُلِّ هَذَا فَهُوَ كَافِرٌ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ. (وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقِرَاءَةٍ تُغَلِّطُ الْمُصَلِّينَ) لِاشْتِغَالِهِمْ. (وَيَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ) ؛ لِأَنَّهُ عَرَبِيٌّ وَقَوْلُهُ {لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44]
وَقَوْلُهُ {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] الْمُرَادُ الْأَحْكَامُ وَ (لَا) يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (بِالرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ لُغَةٍ وَلَا نَقْلٍ فَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ) أَيْ فَسَّرَهُ (بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ) أَيْ لِيَنْزِلَ مَنْزِلَهُ (مِنْ النَّارِ وَأَخْطَأَ، وَلَوْ أَصَابَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ أَوْ بِمَا لَا يَعْلَمُ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَعَنْ سُهَيْلِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَسُهَيْلٌ ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ الْقُرْآنُ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ، مِثْلُ أَنْ يَرَى رَجُلًا جَاءَ فِي وَقْتِهِ، فَيَقُولُ: {ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى} [طه: 40] . وَإِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ مَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ فَهُوَ تَوْقِيفٌ (وَيَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ الصَّحَابِيِّ) ؛ لِأَنَّهُمْ شَاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وَحَضَرُوا التَّأْوِيلَ فَهُوَ أَمَارَة ظَاهِرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلَى تَفْسِيرِ (التَّابِعِيِّ) ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُنْقَلَ ذَلِكَ عَنْ الْعَرَبِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَلَا يُعَارِضُهُ مَا نَقَلَهُ الْمَرْوَزِيُّ: نَنْظُرُ مَا كَانَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَنْ أَصْحَابِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ التَّابِعِينَ، لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى إجْمَاعِهِمْ، لَا عَلَى مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمْ قَالَهُ الْقَاضِي. (وَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «غَضِبَ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنْ التَّوْرَاةِ، وَقَالَ أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ» الْحَدِيثَ (وَلَا) النَّظَرُ فِي (كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَ) لَا النَّظَرُ فِي (الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَلَا رِوَايَتُهَا) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ إفْسَادِ الْعَقَائِدِ (وَتَقَدَّمَ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ الْمُصْحَفِ) فَيَنْبَغِي مُرَاجَعَتُهَا. وَيَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَكْرَمِ الْأَحْوَالِ وَأَكْرَمِ الشَّمَائِلِ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ حَامِلُ الْقُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الْإِسْلَامِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو، وَلَا يَسْهُو مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا يَلْغُو مَعَ مَنْ يَلْغُو تَعْظِيمًا لِحَقِّ الْقُرْآنِ.
فصل تستحب النوافل المطلقة في جميع الأوقات
[فَصْلٌ تُسْتَحَبُّ النَّوَافِلُ الْمُطْلَقَةُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ] ِ) مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ (إلَّا أَوْقَاتَ النَّهْيِ) فَيَحْرُمُ فِيهَا كَمَا يَأْتِي (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِيهِ أَيْضًا «إنَّ فِي اللَّيْلِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ» وَلِأَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الْغَفْلَةِ، وَعَمَلُ السِّرِّ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِ الْعَلَانِيَةِ (وَبَعْدَ النَّوْمِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّاشِئَةَ لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ) وَمَنْ لَمْ يَرْقُدْ فَلَا نَاشِئَةَ لَهُ قَالَهُ أَحْمَدُ وَقَالَ هِيَ أَشَدُّ وَطْأَةً، أَيْ تَثَبُّتًا: تَفْهَمُ مَا تَقْرَأُ وَتَعِي أُذُنُك (وَالتَّهَجُّدُ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ النَّوْمِ) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ يَسِيرًا (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ) مِنْ نَوْمِهِ (ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى وَقَالَ مَا وَرَدَ بَعْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَمِنْهُ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ " ثُمَّ إنْ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ) . لِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ - فَذَكَرَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُهُ تَعَارَّ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ، أَيْ اسْتَيْقَظَ وَقَوْلُهُ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعَا هُوَ شَكٌّ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ أَحَدُ الرُّوَاةِ وَهُوَ شَيْخُ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ (ثُمَّ يَقُولُ) يَعْنِي إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانِي بَعْدَمَا أَمَاتَنِي وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ. وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ لَا شَرِيكَ لَك، سُبْحَانَك أَسْتَغْفِرُك لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُك رَحْمَتَك اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتنِي وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْك رَحْمَةً إنَّك أَنْتَ الْوَهَّابُ» . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ إذَا اسْتَيْقَظَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَعَافَانِي فِي جَسَدِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ - وَذَكَرَهُ» (ثُمَّ يَسْتَاكُ) إذَا اسْتَيْقَظَ، وَيَشُوصُ فَاهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي السِّوَاكِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَإِذَا تَوَضَّأَ وَقَامَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، إنْ شَاءَ اسْتَفْتَحَ بِاسْتِفْتَاحِ الْمَكْتُوبَةِ) وَسَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَإِنْ شَاءَ) اسْتَفْتَحَ (بِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَقَوْلُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ) أَيْ رَفَعْت الْحُكْمَ إلَيْك فَلَا حُكْمَ إلَّا لَك (فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْت وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) . لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَامَ يَتَهَجَّدُ مِنْ اللَّيْلِ قَالَ اللَّهُمَّ لَك الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ قَيُّومُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَك الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَقَوْلُك الْحَقُّ وَلِقَاؤُك حَقٌّ وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ حَقٌّ وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ - إلَى آخِرِ مَا تَقَدَّمَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَإِنْ شَاءَ إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ «عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ افْتَتَحَ بِهِ صَلَاتَهُ فَقَالَ» - فَذَكَرَهُ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ تَهَجُّدَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحْ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ حِزْبَهُ) أَيْ الْحِصَّةَ الَّتِي يَقْرَؤُهَا كُلَّ لَيْلَةٍ (مِنْ الْقُرْآنِ فِيهِ) أَيْ فِي تَهَجُّدِهِ فَإِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَفْعَلُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَأَنْ يُغْفِي بَعْدَ تَهَجُّدِهِ) لِئَلَّا يَظْهَرَ عَلَيْهِ أَثَرُ النُّعَاسِ «لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي وَصْفِ تَهَجُّدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ» وَكَذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ يَنَامُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَالنِّصْفُ الْأَخِيرُ أَفْضَلُ مِنْ) النِّصْفِ (الْأَوَّلِ، وَ) أَفْضَلُ (مِنْ الثُّلُثِ الْأَوْسَطِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَيُّ اللَّيْلِ أَسْمَعُ؟ قَالَ جَوْفُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَصَلِّ مَا شِئْتَ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «يَنْزِلُ رَبُّنَا كُلَّ لَيْلَةٍ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا
حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ حِينَ يَمْضِي ثُلُثُ اللَّيْلِ وَفِي أُخْرَى لَهُ إذَا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أَوْ ثُلُثَاهُ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النُّزُولُ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي هَكَذَا، وَفِي بَعْضِهَا هَكَذَا (وَالثُّلُثُ بَعْدَ النِّصْفِ أَفْضَلُ نَصًّا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ دَاوُد كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ» . (وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ} [المزمل: 1] {قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا} [المزمل: 2] (وَلَمْ يُنْسَخْ) وَقَطَعَ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ بِنَسْخِهِ. (وَلَا يَقُومُهُ كُلَّهُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - مَا عَلِمْتُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: وَلَا لَيَالِي الْعَشْرِ، فَيَكُونُ قَوْلُ عَائِشَةَ أَنَّهُ أَحْيَا اللَّيْلَ أَيْ كَثِيرًا مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَهُ وَيَتَوَجَّهُ بِظَاهِرِهِ احْتِمَالٌ وَيَخْرُجُ مِنْ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَيُحْمَلُ قَوْلُهَا الْأَوَّلُ: عَلَى غَيْرِ الْعَشْرِ، أَوْ لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ مِنْهُ وَاسْتَحَبَّهُ شَيْخُنَا وَقَالَ قِيَامُ بَعْضِ اللَّيَالِي كُلِّهَا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ (إلَّا لَيْلَةَ عِيدٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي عِلَلِهِ وَفِي مَعْنَاهَا: لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَةُ قِيَامِهِ كُلِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي قِيَامِهِ كُلِّهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ تَفْوِيتِ حَقٍّ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا كَسِلَ أَوْ فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ» وَكَسِلَ بِكَسْرِ السِّينِ. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» وَعَنْهَا مَرْفُوعًا «خُذُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَمُ اللَّهُ حَتَّى تَسْأَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَى ذَلِكَ. (وَيُسْتَحَبُّ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ وَهُوَ) أَيْ التَّنَفُّلُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ (مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اللَّيْلَ (مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قَوْله تَعَالَى {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} [السجدة: 16]- الْآيَةَ قَالَ كَانُوا يَتَنَفَّلُونَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ يُصَلُّونَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي سَاعَةَ يُصَلِّي عِشَاءَ الْآخِرَةِ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ يُصَلِّي وَيَدْعُو وَقَالَ مَا سَمِعْت بِصَاحِبِ حَدِيثٍ لَا يَقُومُ بِاللَّيْلِ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَطَوُّعَاتٌ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا وَإِذَا فَاتَتْ يَقْضِيهَا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَكَانَ
إذَا نَامَ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ مَرِضَ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ) مَا وَرَدَ قَالَ الْمُوَفَّقُ الْبَغْدَادِيُّ فِي ذَيْلِ فَصِيحِ ثَعْلَبٍ الصَّبَاحُ عِنْدَ الْغُرُوبِ مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ الْأَخِيرِ إلَى الزَّوَالِ ثُمَّ الْمَسَاءُ إلَى آخِرِ نِصْفِ اللَّيْلِ اهـ وَمِنْ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، حِينَ يُمْسِي، وَحِينَ يُصْبِحُ وَأَنَّهُ يُكْفَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَعَنْ عُثْمَانَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَا يَضُرُّهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ. وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ إذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى: رَضِيتُ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبِيًّا إلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَعَنْهُ «مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَك فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ (النَّوْمِ وَالِانْتِبَاهِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنْ النَّوْمِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَفِي السَّفَرِ) مَا وَرَدَ وَمِنْهُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إلَى سَفَرِهِ كَبَّرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، وَإِنَّا إلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْأَلُك فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا، وَاطْوِ عَنَّا بُعْدَهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالْأَهْلِ - وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ، وَزَادَ فِيهِنَّ: آيِبُونَ تَائِبُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ وَمَعْنَى مُقْرِنِينَ مُطِيقِينَ» (وَغَيْرَ ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمَ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ: مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ النَّظَرِ فِي الْمِرْآةِ وَآخِرِ الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِمَا وَمِنْهُ: مَا يُقَالُ لِلْمُسَافِرِ سَفَرًا مُبَاحًا أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ وَزَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى
وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ خَوْلَةَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْوِيَ عِنْدَ نَوْمِهِ مِنْ اللَّيْلِ قِيَامَ لَيْلِهِ (وَاسْتَحَبَّ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَكَعَاتٌ مَعْلُومَةٌ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِذَا نَشِطَ طَوَّلَهَا، وَإِذَا لَمْ يَنْشَطْ خَفَّفَهَا) لِحَدِيثِ «أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» . (وَصَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: مَثْنَى مَثْنَى) أَيْ يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلَيْسَ بِمُنَاقِضٍ لِلْحَدِيثِ الَّذِي خُصَّ فِيهِ اللَّيْلُ بِذَلِكَ وَهُوَ «قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ عَيَّنَهُ فِي سُؤَالِهِ وَمِثْلُهُ لَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ حُجَّةً بِاتِّفَاقٍ وَلِأَنَّهُ سِيقَ لِبَيَانِ حُكْمِ الْوِتْرِ، وَالنُّصُوصُ بِمُطْلَقِ الْأَرْبَعِ لَا تَنْفِي فَضْلَ الْفَصْلِ بِالسَّلَامِ (وَإِنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ، كَالظُّهْرِ فَلَا بَأْسَ) أَيْ لَا كَرَاهَةَ لِحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، لَا يَفْصِلُ، بَيْنَهُنَّ بِتَسْلِيمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَإِنْ سَرَدَهُنَّ) أَيْ الْأَرْبَعَ (وَلَمْ يَجْلِسْ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ جَازَ، وَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا (وَيَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ (الْفَاتِحَةَ وَسُورَةً) كَسَائِرِ التَّطَوُّعَاتِ (وَإِنْ زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ نَهَارًا) كُرِهَ، وَصَحَّ (أَوْ) زَادَ عَلَى (اثْنَتَيْنِ لَيْلًا، وَلَوْ جَاوَزَ ثَمَانِيًا، عَلِمَ الْعَدَدَ أَوْ نَسِيَهُ بِسَلَامٍ وَاحِدٍ كُرِهَ وَصَحَّ) أَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ صَلَّى الْوِتْرَ خَمْسًا وَسَبْعًا وَتِسْعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ وَهُوَ تَطَوُّعٌ فَأَلْحَقْنَا بِهِ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَهُنَّ» وَهَذَا لَا يُنَافِي رِوَايَتَهَا الْأُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْجَائِزِ أَنَّهَا رَأَتْهُ يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَكْثَرَ قُلْت يَنْبَغِي تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا عَدَا الْوِتْرَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ. (وَالتَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَإِسْرَارُهُ، أَيْ عَدَمُ إعْلَانِهِ أَفْضَلُ إنْ كَانَ مِمَّا لَا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ) فَإِنْ كَانَ مِمَّا تُشْرَعُ لَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْكُسُوفِ، وَالِاسْتِسْقَاءِ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَالْوَتْرِ بَعْدَهَا فَفِعْلُهُ فِي غَيْرِ الْبَيْتِ كَالْمَسْجِدِ وَإِظْهَارُهُ أَفْضَلُ لِشَبَهِهِ بِالْفَرَائِضِ، وَكَذَا السُّنَنُ مِنْ الْمُعْتَكِفِ، وَسُنَّةُ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ. (وَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ التَّطَوُّعِ جَمَاعَةً) كَمَا تُفْعَلُ فُرَادَى؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ كِلَيْهِمَا، وَكَانَ أَكْثَرُ تَطَوُّعَاتِهِ مُنْفَرِدًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَمَا سُنَّ فِعْلُهُ مُنْفَرِدًا، كَقِيَامِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ الضُّحَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، إنْ فُعِلَ جَمَاعَةً فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، لَكِنْ لَا يُتَّخَذُ سُنَّةً رَاتِبَةً. (وَيُكْرَهُ جَهْرُهُ فِيهِ) أَيْ التَّطَوُّعِ (نَهَارًا) لِحَدِيثِ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» وَالْمُرَادُ: غَيْرُ الْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ، بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي فِي بَابِهَا (وَ) الْمُتَطَوِّعُ (لَيْلًا يُرَاعِي الْمَصْلَحَةَ فَإِنْ كَانَ الْجَهْرُ أَنْشَطَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ بِحَضْرَتِهِ مَنْ يَسْتَمِعُ قِرَاءَتَهُ أَوْ يَنْتَفِعُ بِهَا فَالْجَهْرُ أَفْضَلُ) لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْمَصَالِحِ (وَإِنْ كَانَ بِقُرْبِهِ مَنْ يَتَهَجَّدُ أَوْ يَسْتَضِرُّ بِرَفْعِ صَوْتِهِ) مِنْ نَائِمٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ خَافَ رِيَاءً فَالْإِسْرَارُ أَفْضَلُ) دَفْعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ. (وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ) كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ افْتِتَاحِ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (أَوْ) وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (تَطْوِيلُهُ) كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ (فَالْأَفْضَلُ اتِّبَاعُهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] (وَمَا عَدَاهُ) أَيْ مَا عَدَا مَا وَرَدَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَخْفِيفُهُ وَتَطْوِيلُهُ (فَكَثْرَةُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» . وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «عَلَيْك بِكَثْرَةِ السُّجُودِ، فَإِنَّك لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» . وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَك فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ: أَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً وَرَفَعَ بِهَا لَهُ دَرَجَةً فَاسْتَكْثِرُوا مِنْ السُّجُودِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ السُّجُودَ فِي نَفْسِهِ أَفْضَلُ وَآكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَلَا يُبَاحُ بِحَالٍ إلَّا لِلَّهِ تَعَالَى وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّفْلِ وَيُبَاحُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْعَالِمِ وَسَيِّدِ الْقَوْمِ وَالِاسْتِكْثَارُ مِمَّا هُوَ آكَدُ وَأَفْضَلُ أَوْلَى. (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِغْفَارٌ بِالسَّحَرِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات: 18] وَسَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، خَلَقْتنِي وَأَنَا عَبْدُكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي
فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، إلَّا أَنْتَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ بِقَوْلِهِ كُلُّ أَحَدٍ وَكَذَا مَا فِي مَعْنَاهُ وَقَالَ شَيْخُنَا: تَقُولُ الْمَرْأَةُ أَمَتُك بِنْتُ عَبْدِك أَوْ بِنْتِ أَمَتِك " وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا عَبْدُك لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِتَأْوِيلِ شَخْصٍ. (وَمَنْ فَاتَهُ تَهَجُّدُهُ قَضَاهُ قَبْلَ الظُّهْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَهْلُ السُّنَنِ عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَقَرَأَهُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنْ اللَّيْلِ» (وَتَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ مَنْ نَوَى عَدَدًا فَزَادَ عَلَيْهِ) وَحَاصِلُهُ: إنْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَهَارًا لَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُمَا أَرْبَعًا، وَلَيْلًا فَلَا. (وَصَلَاةُ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ صَلَاةِ الْقَائِمِ إلَّا الْمَعْذُورَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ أَجْرُ نِصْفِ الْقَائِمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ» قَالَتْ عَائِشَةُ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَمُتْ حَتَّى كَانَ كَثِيرٌ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسُومِحَ فِي التَّطَوُّعِ تَرْكُ الْقِيَامِ تَرْغِيبًا فِي تَكْثِيرِهِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ فِي حَالِ الْقُعُودِ مُتَرَبِّعًا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ (فَإِذَا بَلَغَ الرُّكُوعَ فَإِنْ شَاءَ قَامَ فَرَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ قُعُودٍ لَكِنْ يَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ) رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مُتَرَبِّعًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ، قَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَتْ «لَمْ أَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي صَلَاةَ اللَّيْلِ قَاعِدًا قَطُّ حَتَّى أَسَنَّ فَكَانَ يَقْرَأُ قَاعِدًا، حَتَّى إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ آيَةً أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً ثُمَّ رَكَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهَا «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَاعِدٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيَجُوزُ لَهُ الْقِيَامُ إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ (وَ) يَجُوزُ (عَكْسُهُ) بِأَنْ يَبْتَدِئَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسَ. (وَلَا يَصِحُّ) النَّفَلُ (مِنْ مُضْطَجِعٍ لِغَيْرِ عُذْرٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ عَلَى افْتِرَاضِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِعْلُ ذَلِكَ لِيُخَصِّصَ بِهِ الْعُمُومَ (وَ) التَّنَفُّلُ (لَهُ) أَيْ لِعُذْرٍ مُضْطَجِعًا (يَصِحُّ) كَالْفَرْضِ وَأَوْلَى (وَيَسْجُدُ) الْمُتَنَفِّلُ مُضْطَجِعًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السُّجُودِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى السُّجُودِ (أَوْمَأَ) بِهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» .
فصل صلاة الضحى
[فَصْلٌ صَلَاةُ الضُّحَى] (فَصْلٌ تُسَنُّ صَلَاةُ الضُّحَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ «أَوْصَانِي خَلِيلِي الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ نَحْوُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَوَقْتُهَا) أَيْ صَلَاةِ الضُّحَى (مِنْ خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ) أَيْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قِيدَ رُمْحٍ (إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ، مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ النَّهْيِ) أَيْ وَقْتُ الِاسْتِوَاءِ (وَعَدَمُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا أَفْضَلُ) . وَفِي الْمُبْدِعِ: تُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا، بَلْ تُفْعَلُ غِبًّا نَصَّ عَلَيْهِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ مَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى قَطُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصَلِّيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَلِأَنَّ فِي الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا تَشْبِيهًا بِالْفَرَائِضِ (وَاسْتَحَبَّهَا) أَيْ الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا (جُمُوعٌ مُحَقِّقُونَ) مِنْهُمْ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ (وَهُوَ أَصْوَبُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِمَا (وَاخْتَارَهَا) أَيْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (الشَّيْخُ لِمَنْ لَمْ يَقُمْ مِنْ اللَّيْلِ) حَتَّى لَا يَفُوتهُ كُلٌّ مِنْهُمَا (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهَا إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ: أَنْ تَحْمَى الرَّمْضَاءُ وَهِيَ الرَّمْلُ فَتَبْرُكُ الْفِصَالُ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ (وَأَقَلُّهَا: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا ثَمَانٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ الصُّبْحِ حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَيْ الضُّحَى لَا يَقُولُ إلَّا خَيْرًا غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنْت أَعْرِضُ بَعِيرًا لِي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَبْصَرْته يُصَلِّي الضُّحَى سِتًّا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَرَوَتْ أُمُّ هَانِئٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْفَتْحِ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ سُبْحَةَ الضُّحَى» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ صَلَّى سُبْحَةَ الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَصِحُّ التَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ بِفَرْدٍ، كَرَكْعَةٍ وَنَحْوِهَا، كَثَلَاثٍ وَخَمْسٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي ذَرٍّ «الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، اسْتَكْثِرْ أَوْ أَقِلَّ» رَوَاهُ ابْنُ
حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَةً فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَةً، قَالَ هُوَ تَطَوُّعٌ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ وَصَحَّ عَنْ اثْنَيْنِ مِنْ الصَّحَابَةِ: تَقْصِيرُ الْوِتْرِ بَرَكَةً، وَهُوَ تَطَوُّعٌ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى» وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْوِتْرِ. (وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الِاسْتِخَارَةِ إذَا هَمَّ بِأَمْرٍ) أَطْلَقَهُ الْإِمَامُ وَالْأَصْحَابُ (وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ فِي حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَغَيْرِهَا وَالْمُرَادُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتُ) فَيَكُونُ قَوْلُ أَحْمَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ يُبَادِرُ بِهِ بَعْدَ فِعْلِ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (إنْ كَانَ) الْحَجُّ وَنَحْوُهُ (نَفْلًا) فَتَكُونُ الِاسْتِخَارَةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمَنْدُوبَاتِ وَالْمُبَاحَاتِ، لَا الْوَاجِبَاتِ وَالْمَكْرُوهَاتِ (فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِك الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ - وَيُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ لَهُ (وَيَقُولُ فِيهِ: مَعَ الْعَافِيَةِ) . (وَلَا يَكُونُ وَقْتَ الِاسْتِخَارَةِ عَازِمًا عَلَى الْأَمْرِ) الَّذِي يَسْتَخِيرُ فِيهِ (أَوْ) عَلَى (عَدَمِهِ: فَإِنَّهُ خِيَانَةٌ فِي التَّوَكُّلِ ثُمَّ يَسْتَشِيرُ فَإِذَا ظَهَرْت الْمَصْلَحَةُ فِي شَيْءٍ فَعَلَهُ) فَيَنْجَحُ مَطْلُوبُهُ. (وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ) تَعَالَى (أَوْ إلَى آدَمِيٍّ فَيَتَوَضَّأُ وَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لِيُثْنِ عَلَى اللَّهِ) تَعَالَى (وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ لِيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إثْمٍ لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إلَّا غَفَرْته وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْته وَلَا حَاجَةً هِيَ لَك رِضًا إلَّا قَضَيْتهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ. (وَ) تُسَنُّ (صَلَاةُ التَّوْبَةِ إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا، يَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إلَّا غُفِرَ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ} [آل عمران: 135] الْآيَةَ رَوَاهُ أَبُو
دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْوَرْقَاءِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ. (وَعِنْدَ جَمَاعَةٍ وَصَلَاةُ التَّسْبِيحِ وَنَصُّهُ: لَا) قَالَ مَا يُعْجِبُنِي قِيلَ لِمَ؟ قَالَ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ يَصِحُّ، وَنَفَضَ يَدَهُ كَالْمُنْكِرِ وَلَمْ يَرَهَا مُسْتَحَبَّةً قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَإِنْ فَعَلَهَا إنْسَانٌ فَلَا بَأْسَ فَإِنَّ النَّوَافِلَ وَالْفَضَائِلَ لَا يُشْتَرَطُ صِحَّةُ الْحَدِيثِ فِيهَا، وَهِيَ (أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةً، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ، وَيُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهَا) أَيْ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ (فِي رُكُوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (عَشْرًا، ثُمَّ يَقُولُهَا فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ) يَقُولُهَا (بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ فِي سُجُودِهِ عَشْرًا ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَشْرًا ثُمَّ) يَفْعَلُ (كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) مِنْ الْأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ. (يَفْعَلُهَا) أَيْ صَلَاةَ التَّسْبِيحِ عَلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهَا (كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ يَوْمٍ (فَفِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ جُمُعَةٍ (فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ شَهْرٍ (فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) كُلَّ سَنَةٍ (فَفِي الْعُمُرِ مَرَّةً) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ «يَا عَمَّاهُ، أَلَا أُعْطِيكَ، أَلَا أَمْنَحُكَ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ عَشْرَ خِصَالٍ إذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غُفِرَ لَك ذَنْبُك أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ، وَقَدِيمُهُ وَحَدِيثُهُ خَطَؤُهُ وَعَمْدُهُ صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ، سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ عَشْرَ خِصَالٍ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ. (وَ) تُسَنُّ صَلَاةُ (تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي آخِرِ) بَابِ صَلَاةِ (الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحَةً. (وَ) تُسَنُّ (سُنَّةُ الْوُضُوءِ) أَيْ رَكْعَتَانِ عَقِبَهُ وَتَقَدَّمَ (وَ) يُسَنُّ (إحْيَاءُ مَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ) لِلْخَبَرِ (وَتَقَدَّمَ) وَأَنَّهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ. (وَأَمَّا صَلَاةُ الرَّغَائِبِ وَالصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ لَيْلَةَ نِصْفِ شَعْبَانَ فَبِدْعَةٌ لَا أَصْلَ لَهُمَا قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ وَأَمَّا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَفِيهَا فَضْلٌ وَكَانَ) فِي (السَّلَفِ مَنْ يُصَلِّي فِيهَا، لَكِنَّ الِاجْتِمَاعَ لَهَا لِإِحْيَائِهَا فِي الْمَسَاجِدِ بِدْعَةٌ اهـ وَفِي اسْتِحْبَابِ قِيَامِهَا) أَيْ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (مَا فِي) إحْيَاءِ (لَيْلَةِ الْعِيدِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ) عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ (بْنِ رَجَبٍ) الْبَغْدَادِيِّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيِّ (فِي) كِتَابِهِ الْمُسَمَّى (اللَّطَائِفَ) فِي الْوَظَائِفِ. وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ «مَنْ أَحْيَا لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، أَحْيَا اللَّهُ قَلْبَهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ» رَوَاهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ ابْنِ كُرْدُوسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَمَاعَةٌ وَلَيْلَةُ عَاشُورَاءَ وَلَيْلَةُ أَوَّلِ رَجَبٍ وَلَيْلَةُ نِصْفِ شَعْبَانَ. وَفِي الرِّعَايَةِ وَفِي الْغُنْيَةِ وَبَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ وَهُوَ أَظْهَرُ لِضَعْفِ الْأَخْبَارِ وَهُوَ
فصل سجدة التلاوة
قِيَاسُ نَصِّهِ فِي صَلَاةِ التَّسْبِيحِ وَأَوْلَى. وَفِي آدَابِ الْقَاضِي صَلَاةُ الْقَادِمِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَكْثَرُهُمْ صَلَاةَ مَنْ أَرَادَ سَفَرًا وَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْحَجِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْلٌ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ] ِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ «قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَفِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ فَلَمْ يَسْجُدْ مِنَّا أَحَدٌ وَقَرَأَ عُمَرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةُ النَّحْلِ، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْقَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إذَا جَاءَ السَّجْدَةَ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَقَالَ فِيهِ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْنَا السُّجُودَ إلَّا أَنْ نَشَاءَ وَلَمْ يَسْجُدْ وَمَنَعَهُمْ أَنْ يَسْجُدُوا وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ إجْمَاعًا وَالْأَوَامِرُ بِهِ مَحْمُولَةٌ عَلَى النَّدْبِ وَإِنَّمَا ذُمَّ مَنْ تَرَكَهُ بِقَوْلِهِ {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] تَكْذِيبًا وَاسْتِكْبَارًا كَإِبْلِيسَ وَالْكُفَّارِ وَلِهَذَا قَالَ {فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [الانشقاق: 20] . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا} [السجدة: 15] فَالْمُرَادُ بِهِ: الْتِزَامُ السُّجُودِ وَاعْتِقَادُهُ فَإِنَّ فِعْلَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِيمَانِ إجْمَاعًا وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِالتَّسْبِيحِ، وَهُوَ قَوْلُهُ {وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ} [السجدة: 15] وَلَيْسَ التَّسْبِيحُ بِوَاجِبٍ (لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ) لَهُ (وَهُوَ الَّذِي يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، حَتَّى فِي طَوَافٍ عَقِبَ تِلَاوَتِهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا السَّجْدَةَ، فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمُسْلِمٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (وَلَوْ) كَانَ السُّجُودُ بَعْدَ التِّلَاوَةِ وَالِاسْتِمَاعِ (مَعَ قِصَرِ فَصْلٍ) بَيْنَ السُّجُودِ وَسَبَبِهِ فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ لَمْ نَسْجُدْ لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ (وَيَتَيَمَّمُ مُحْدِثٌ وَيَسْجُدُ مَعَ قِصَرِهِ) أَيْ الْفَصْلِ (أَيْضًا) بِخِلَافِ مَا لَوْ تَوَضَّأَ لِطُولِ الْفَصْلِ (وَلَا
يَتَيَمَّمُ لَهَا) أَيْ لِسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ (مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ) وَقُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ لِفَقْدِ شَرْطِ التَّيَمُّمِ. (وَالرَّاكِبُ) الْمُسَافِرُ (يُومِئُ بِالسُّجُودِ) لِلتِّلَاوَةِ (حَيْثُ كَانَ وَجْهُهُ) كَسَائِرِ النَّوَافِلِ (وَيَسْجُدُ الْمَاشِي) الْمُسَافِرُ (بِالْأَرْضِ مُسْتَقْبِلًا) لِلْقِبْلَةِ، كَمَا يَسْجُدُ فِي النَّافِلَةِ (وَلَا يَسْجُدُ السَّامِعُ) وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْصِدُ الِاسْتِمَاعَ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ عُثْمَانُ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ اسْتَمَعَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَعِمْرَانُ مَا جَلَسْنَا لَهَا وَلَمْ يُعْلَمْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ وَلِأَنَّ السَّامِعَ لَا يُشَارِكُ التَّالِيَ فِي الْأَجْرِ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ فِي السُّجُودِ كَغَيْرِهِ أَمَّا الْمُسْتَمِعُ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ شَرِيكَانِ فِي الْأَجْرِ» فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى الْمُسَاوَاةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ فِيهِ مَقَالٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ اسْتَمَعَ آيَةً كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَمَنْ تَلَاهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ إنَّمَا السَّجْدَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا يُحْمَلُ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا قَاصِدًا. (وَلَا) يَسْجُدُ (الْمُصَلِّي لِقِرَاءَةِ غَيْرِ إمَامِهِ بِحَالٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ التَّالِي فِي صَلَاةٍ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ غَيْرَ الْمَأْمُومِ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ نَفْسِهِ، وَالِاشْتِغَالِ بِصَلَاتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ اسْتِمَاعِ غَيْرِهِ وَالْمَأْمُومُ مَأْمُورٌ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ إمَامِهِ فَلَا تَكُونُ قِرَاءَةُ غَيْرِ إمَامِهِ سَبَبًا لِاسْتِحْبَابِ السُّجُودِ فِي حَقِّهِ (وَلَا) يَسْجُدُ (مَأْمُومٌ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ) ؛ لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى الْإِمَامِ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ (وَلَا) يَسْجُدُ (الْإِمَامُ لِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) عَمْدًا (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِيهَا سُجُودًا. (وَهِيَ) أَيْ سَجْدَةُ التِّلَاوَةِ (وَسَجْدَةُ شُكْرٍ: صَلَاةٌ فَيُعْتَبَرُ لَهُمَا مَا يُعْتَبَرُ لِصَلَاةِ نَافِلَةٍ، مِنْ الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا) كَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ، وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ لِلَّهِ تَعَالَى، يُقْصَدُ بِهِ التَّقَرُّبُ إلَيْهِ لَهُ تَحْرِيمٌ وَتَحْلِيلٌ فَكَانَ صَلَاةً، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَالسَّهْوِ. (وَ) وَيُعْتَبَرُ لِسُجُودِ الْمُسْتَمِعِ (أَنْ يَكُونَ الْقَارِئُ يَصْلُحُ إمَامًا لِلْمُسْتَمِعِ) لَهُ، أَيْ يَجُوزُ اقْتِدَاؤُهُ بِهِ، لِمَا رَوَى عَطَاءٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الصَّحَابَةِ قَرَأَ سَجْدَةً ثُمَّ نَظَرَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ إنَّكَ كُنْتَ إمَامَنَا، فَلَوْ سَجَدْتَ سَجَدْنَا مَعَك» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَحْيَى وَفِيهِ كَلَامٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِتَمِيمِ بْنِ حَذْلَمٍ اقْرَأْ فَقَرَأَ عَلَيْهِ سَجْدَةً فَقَالَ: اُسْجُدْ فَإِنَّك إمَامُنَا فِيهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا (فَلَا يَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (قُدَّامَ الْقَارِئِ وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ وَلَا رَجُلٌ لِتِلَاوَةِ امْرَأَةٍ أَوْ خُنْثَى) ؛ لِأَنَّ الْقَارِئَ لَا يَصْلُحُ إمَامًا لَهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ (وَيَسْجُدُ) الْمُسْتَمِعُ (لِتِلَاوَةِ أُمِّيٍّ وَزَمِنٍ وَصَبِيٍّ) ؛ لِأَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَالْقِيَامَ لَيْسَا بِوَاجِبٍ فِي النَّفْلِ وَاقْتِدَاءُ الرَّجُلِ بِالصَّبِيِّ يَصِحُّ فِي النَّفْلِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُسْتَمِعِ (الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ قَبْلَ الْقَارِئِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إمَامًا لَهُ حَقِيقَةً بَلْ بِمَنْزِلَتِهِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَرْفَعُ قَبْلَ إمَامِهِ، كَسُجُودِ الصُّلْبِ (وَيَسْجُدُ مَنْ لَيْسَ فِي صَلَاةٍ السُّجُودَ التَّالِي فِي الصَّلَاةِ) إذَا اسْتَمَعَ لَهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَإِنْ سَجَدَ)
الْقَارِئُ أَوْ الْمُسْتَمِعُ لِلتِّلَاوَةِ (فِي صَلَاةٍ أَوْ خَارِجَهَا اُسْتُحِبَّ) لَهُ (رَفْعُ يَدَيْهِ) لِمَا رَوَى، وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ رَفْعٍ وَخَفْضٍ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي، التَّكْبِيرِ» (وَ) فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ (لَا يَرْفَعُهُمَا فِيهَا) أَيْ، فِي الصَّلَاةِ، «لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ لَا يَفْعَلُهُ فِي السُّجُودِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ أَخَصُّ مِنْهُ. (وَيَلْزَمُ الْمَأْمُومَ مُتَابَعَةُ إمَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) إذَا سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» (فَلَوْ تَرَكَهَا) أَيْ تَرَكَ الْمَأْمُومُ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ (عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَعَمُّدِهِ تَرْكَ الْوَاجِبِ وَلَوْ كَانَ هُنَاكَ مَانِعٌ مِنْ السَّمَاعِ كَبُعْدٍ وَطَرَشٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْمُتَابَعَةِ. (وَلَا يَقُومُ رُكُوعٌ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا، وَلَا سُجُودُهَا الَّذِي بَعْدَ الرُّكُوعِ عَنْ سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مَشْرُوعٌ أَشْبَهَ سُجُودَ الصَّلَاةِ قَالَ فِي الْمَذْهَبِ إنْ جَعَلَ مَكَانَ السُّجُودِ رُكُوعًا لَمْ يُجْزِهِ وَبَطَلَتْ صَلَاتُهُ (وَإِذَا سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ) لِلتِّلَاوَةِ (ثُمَّ قَامَ، فَإِنْ شَاءَ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، وَإِنْ شَاءَ رَكَعَ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ قَدْ تَقَدَّمَتْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ الْقَارِئُ لَمْ يَسْجُدْ الْمُسْتَمِعُ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) أَيْ سُجُودُ التِّلَاوَةِ (أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً) فِي الْأَعْرَافِ، وَالرَّعْدِ، وَالنَّحْلِ، وَالْإِسْرَاءِ وَمَرْيَمَ سَجْدَةً سَجْدَةً وَ (فِي الْحَجِّ اثْنَتَانِ) وَفِي الْفُرْقَانِ، وَالنَّمْلِ، وَالم تَنْزِيلُ، وَحم السَّجْدَةُ (وَفِي الْمُفَصَّلِ ثَلَاثٌ) فِي النَّجْمِ، وَالِانْشِقَاقِ، وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمْ سَجَدُوا فِي الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ مَعَ أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ «سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِانْشِقَاقِ وَفِي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَسَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْجُدُ فِيهَا وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَهَا دَاوُد تَوْبَةً وَنَحْنُ نَسْجُدُهَا شُكْرًا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فَعَلَى هَذَا (يَسْجُدُهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَ) إنْ سَجَدَ لَهَا (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (تَبْطُلُ صَلَاةَ غَيْرِ الْجَاهِلِ وَالنَّاسِي) كَسَائِرِ سَجَدَاتِ
الشُّكْرِ. وَمَوَاضِعُ السَّجَدَاتِ آخِرَ الْأَعْرَافِ وَفِي الرَّعْدِ {بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15] وَفِي النَّحْلِ {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [النحل: 50] وَفِي بَنِي إسْرَائِيلَ {وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 109] وَفِي مَرْيَمَ {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58] وَفِي أَوَّلِ الْحَجِّ {يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18] . وَفِي الثَّانِيَةِ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] وَفِي الْفُرْقَانِ {وَزَادَهُمْ نُفُورًا} [الفرقان: 60] وَفِي النَّمْلِ {رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 26] وَفِي الم تَنْزِيلُ {وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ} [السجدة: 15] وَسَجْدَةُ حم عِنْدَ {يَسْأَمُونَ} [فصلت: 38] ؛ لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ فَكَانَ السُّجُودُ عِنْدَهُ، وَالنَّجْمُ وَاقْرَأْ آخِرَهُمَا وَفِي الِانْشِقَاقِ {لا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21] . (وَيُكَبِّرُ) مَنْ أَرَادَ السُّجُودَ لِلتِّلَاوَةِ (إذَا سَجَدَ بِلَا تَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ) وَلَوْ خَارِجَ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ فِي الْهِدَايَةِ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ كَبَّرَ وَاحِدَةً (وَ) يُكَبِّرُ (إذَا رَفَعَ) مِنْ السُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ سُجُودٌ مُفْرِدٌ فَشُرِعَ التَّكْبِيرُ فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي الرَّفْعِ مِنْهُ كَسُجُودِ السَّهْوِ وَصُلْبِ الصَّلَاةِ (وَيَجْلِسُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ يَعْقُبُهُ فَشُرِعَ لِيَكُونَ سَلَامُهُ فِي حَالِ جُلُوسِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ (وَلَعَلَّ جُلُوسَهُ نَدْبٌ) وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرُوا جُلُوسَهُ فِي الصَّلَاةِ لِذَلِكَ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَتَبِعَهُ عَلَى مَعْنَاهُ، فِي الْمُبْدِعِ قُلْت وَالظَّاهِرُ وُجُوبُهُ كَمَا مَرَّ فِي عَدَدِ الْأَرْكَانِ. (ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) فَتَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا
لِحَدِيثِ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ فَوَجَبَ التَّسْلِيمُ فِيهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتُجْزِئُ وَاحِدَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا ثِنْتَانِ ذَكَرَهَا الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَعَنْهُ لَا سَلَامَ لَهُ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ (بِلَا تَشَهُّدٍ) ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا، فَلَمْ يُشْرَعْ فِيهَا التَّشَهُّدُ، كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ، بَلْ لَا يُسَنُّ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ نَصًّا) لِلْأَخْبَارِ (إلَّا إذَا سَمِعَ سَجْدَتَيْنِ مَعًا فَيَسْجُدُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ سَجْدَةً) إذَا قَصَدَ الِاسْتِمَاعَ. وَكَذَا لَوْ قَرَأَ سَجْدَةً وَاسْتَمَعَ أُخْرَى لِتَعَدُّدِ السَّبَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ فِي صُورَةِ الْمَتْنِ قَالَ ابْنُ رَجَبٍ وَيَتَخَرَّج أَنَّهُ يَكْتَفِي بِوَاحِدَةٍ، قَالَهُ فِي الْمُنْتَهَى: وَيُكَرِّرُهُ بِتَكْرَارِهَا أَيْ يُكَرِّرُ السُّجُودَ بِحَسَبِ تَكْرَارِ التِّلَاوَةِ (وَسُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِلتِّلَاوَةِ (وَالتَّسْلِيمُ رُكْنَانِ) لِمَا تَقَدَّمَ. وَفِي عَدِّ السُّجُودِ رُكْنًا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْءَ لَا يَكُونُ رُكْنًا لِنَفْسِهِ، إلَّا أَنْ يُرَادَ كَوْنُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ السَّبْعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْ السُّجُودِ) رُكْنٌ وَعَلَى هَذَا: فَتَكْبِيرُ الِانْحِطَاطِ وَالرَّفْعُ وَالذِّكْرُ فِي السُّجُودِ وَاجِبٌ كَمَا فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْجُلُوسُ لِلتَّسْلِيمِ فَقَدْ سَبَقَ مَا فِيهِ. (وَيَقُولُ فِي سُجُودِهَا مَا يَقُولُ فِي سُجُودِ صُلْبِ الصَّلَاةِ) أَيْ سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى وُجُوبًا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ زَادَ غَيْرَهُ مِمَّا وَرَدَ فَحَسَنٌ وَمِنْهُ) أَيْ مِمَّا وَرَدَ (اللَّهُمَّ اُكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَك أَجْرًا وَضَعْ) أَيْ اُمْحُ (عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَك ذُخْرًا وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتهَا مِنْ عَبْدِك دَاوُد) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ وَمِنْهُ أَيْضًا «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (وَالْأَفْضَلُ سُجُودُهُ عَنْ قِيَامٍ) لِمَا رَوَى إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقْرَأُ فِي الْمُصْحَفِ فَإِذَا انْتَهَتْ إلَى السَّجْدَةِ قَامَتْ فَسَجَدَتْ وَتَشْبِيهًا لَهُ بِصَلَاةِ النَّفْلِ. (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إمَّا أَنْ يَسْجُدَ لَهَا أَوْ لَا فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ لَهَا كَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَإِنْ سَجَدَ لَهَا أَوْجَبَ الْإِبْهَامَ وَالتَّخْلِيطَ عَلَى الْمَأْمُومِ فَكَانَ تَرْكُ السَّبَبِ الْمُفْضِي إلَى ذَلِكَ أَوْلَى. (وَ) يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ (سُجُودُهُ لَهَا) أَيْ لِقِرَاءَةِ سَجْدَةٍ فِي صَلَاةِ سِرٍّ؛ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ عَلَى الْمَأْمُومِينَ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ سَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ فِي صَلَاةِ سِرٍّ (خُيِّرَ الْمَأْمُومُ بَيْنَ الْمُتَابَعَةِ وَتَرْكِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَالٍ وَلَا مُسْتَمِعٍ (وَالْأَوْلَى السُّجُودُ) مُتَابَعَةً لِلْإِمَامِ. (وَيُكْرَهُ اخْتِصَارُ آيَاتِ السُّجُودِ، وَهُوَ أَنْ يَجْمَعَهَا فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ) أَوْ وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ (يَسْجُدُ فِيهَا أَوْ أَنْ يُسْقِطَهَا مِنْ قِرَاءَتِهِ) لِئَلَّا يَسْجُدَ لَهَا قَالَ الْمُوَفَّقُ: كِلَاهُمَا مُحْدَثٌ وَفِيهِ إخْلَالُ التَّرْتِيبِ (وَلَا يَقْضِي هَذَا السُّجُودَ إذَا طَالَ الْفَصْلُ، كَمَا لَا تُقْضَى صَلَاةُ كُسُوفٍ وَ) صَلَاةُ (اسْتِسْقَاءٍ) وَتَحِيَّةُ مَسْجِدٍ وَعَقِبَ الْوُضُوءِ وَنَحْوُهَا، بِخِلَافِ الرَّوَاتِبِ، لِتَبَعِهَا لِلْفَرَائِضِ. (وَتُسْتَحَبُّ سَجْدَةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَوْ دَفْعِ نِقْمَةٍ ظَاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ) لَهُ وَلِلنَّاسِ (أَوْ فِي أَمْرٍ يَخُصُّهُ نَصًّا)
فصل في ذكر الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها
كَتَجَدُّدِ وَلَدٍ أَوْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ، أَوْ نُصْرَةٍ عَلَى عَدُوٍّ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ «وَسَجَدَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ يَقُولُ اللَّهُ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَرَوَى الْبَرَاءُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَّ سَاجِدًا حِين جَاءَهُ كِتَابُ عَلِيٍّ مِنْ الْيَمَنِ بِإِسْلَامِ هَمْدَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي السُّنَنِ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ. «وَيَسْجُدُ حِينَ يَشْفَعُ فِي أُمَّتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَسَجَدَ الصِّدِّيقُ حِينَ جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَسَجَدَ عَلِيٌّ حِينَ رَأَى ذَا الثُّدَيَّةِ مِنْ الْخَوَارِجِ رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَسَجَدَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ حِينَ بُشِّرَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقِصَّتُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ فِي النِّعْمَةِ الظُّهُورُ (فَنِعَمُ اللَّهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا تُحْصَى) وَالْعُقَلَاءُ يُهَنِّئُونَ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَارِضِ، وَلَا يَفْعَلُونَهُ فِي كُلِّ سَاعَةٍ (وَلَا يَسْجُدُ لَهُ) أَيْ الشُّكْرِ (فِي الصَّلَاةِ) ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مِنْهَا (فَإِنْ فَعَلَ بَطَلَتْ، لَا مِنْ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) كَمَا لَوْ زَادَ فِيهَا سُجُودًا (وَصِفَتُهَا) أَيْ سَجْدَةِ الشُّكْرِ (وَأَحْكَامُهَا كَسُجُودِ التِّلَاوَةِ) وَتَقَدَّمَ (وَمَنْ رَأَى مُبْتَلًى فِي دِينِهِ سَجَدَ بِحُضُورِهِ وَغَيْرِهِ) أَيْ بِغَيْرِ حُضُورِهِ (وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاك بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا وَإِنْ كَانَ) مُبْتَلًى (فِي بَدَنِهِ سَجَدَ وَقَالَ ذَلِكَ وَكَتَمَهُ مِنْهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ) قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ بِحَضْرَةِ الْمُبْتَلَى ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. وَرَوَى الْحَاكِمُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَجَدَ لِرُؤْيَةِ زَمِنٍ، وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ قِرْدٍ وَأُخْرَى لِرُؤْيَةِ نَغَاشِيٍّ» بِالنُّونِ وَالْغَيْنِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ قِيلَ نَاقِصُ الْخِلْقَةِ، وَقِيلَ الْمُبْتَلَى وَقِيلَ: مُخْتَلِطُ الْعَقْلِ. (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ أَرَادَ الدُّعَاءَ فَعَفَّرَ وَجْهَهُ لِلَّهِ فِي التُّرَابِ وَسَجَدَ لَهُ لِيَدْعُوَهُ فِيهِ فَهَذَا سُجُودٌ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ وَلَا شَيْءٌ يَمْنَعُهُ وَالْمَكْرُوهُ: هُوَ السُّجُودُ بِلَا سَبَبٍ) . [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا] (فَصْلٌ فِي ذِكْرِ الْأَوْقَاتِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهَا) (أَوْقَاتُ النَّهْيِ خَمْسَةٌ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَتَبِعَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ بَعْدَ الْفَجْرِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَهُوَ يَشْمَلُ وَقْتَيْنِ، وَعِنْدَ قِيَامِهَا، حَتَّى تَزُولَ وَلَعَلَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى أَحَادِيثِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ: فَالْأَوْقَاتُ خَمْسَةٌ (بَعْدَ طُلُوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلُوعِهَا حِينَ تَرْتَفِعُ قِيدَ) بِكَسْرِ الْقَافِ، أَيْ قَدْرَ (رُمْحٍ) فِي رَأْيِ الْعَيْنِ (وَعِنْدَ قِيَامِهَا) أَيْ الشَّمْسِ (وَلَوْ
يَوْمَ جُمُعَةٍ حَتَّى تَزُولَ، وَبَعْدَ فَرَاغِ صَلَاةِ عَصْرٍ حَتَّى تَشْرَعَ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّهْيَ يَتَعَلَّقُ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ إلَّا رَكْعَتَيْنِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ. وَفِي لَفْظٍ لِلتِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» وَعَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ نَحْوُهُ مُرْسَلًا. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ أَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ وَحِينَ تُضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالظَّهِيرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ وَقَائِمُهَا: الْبَعِيرُ، يَكُونُ بَارِكًا فَيَقُومُ مِنْ شِدَّةِ حَرِّ الْأَرْضِ وَتُضَيَّفُ بِمُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقَ مَفْتُوحَةٍ، ثُمَّ ضَادٍ مُعْجَمَةٍ، ثُمَّ يَاءٍ مُشَدَّدَةٍ أَيْ تَمِيلُ وَمِنْهُ الضَّيْفُ تَقُولُ: أَضَفْت فُلَانًا إذَا أَمَلْته إلَيْك، وَأَنْزَلْته عِنْدَك وَيَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِي الْعَصْرِ بِفِعْلِهَا لَا بِالْوَقْتِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَلَوْ) فُعِلَتْ الْعَصْرُ (جَمْعًا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فَمَنْ صَلَّى الْعَصْرَ مُنِعَ التَّطَوُّعَ) لِمَا تَقَدَّمَ إلَّا مَا يُسْتَثْنَى (وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (غَيْرَهُ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ) الْعَصْرَ (لَمْ يُمْنَعْ) التَّنَفُّلَ (وَإِنْ صَلَّى غَيْرَهُ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ (وَالِاعْتِبَارُ بِفَرَاغِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعَصْرِ (لَا بِالشُّرُوعِ فِيهَا، فَلَوْ أَحْرَمَ بِهَا ثُمَّ قَلَبَهَا نَفْلًا) أَوْ قَطَعَهَا (لَمْ يُمْنَعْ مِنْ التَّطَوُّعِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ» وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِفَرَاغِهَا (وَتُفْعَلُ سُنَّةُ الْفَجْرِ بَعْدَهُ) أَيْ الْفَجْرِ (وَقَبْلَ) صَلَاةِ (الصُّبْحِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ» . (وَ) تُفْعَلُ (سُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ فِي الْجَمْعِ تَقْدِيمًا) كَانَ (أَوْ تَأْخِيرًا) لِمَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ قَالَتْ «دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّيْتَ صَلَاةً لَمْ أَكُنْ أَرَاك تُصَلِّيهَا؟ فَقَالَ: إنِّي كُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَإِنَّهُ قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ فَشَغَلُونِي عَنْهُمَا، فَهُمَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) الْخَامِسُ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ (إذَا شَرَعَتْ) الشَّمْسُ (فِي الْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَحَدِيثُ تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَمَّا نَامَ عَنْهَا حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، أَخَّرَهَا حَتَّى ابْيَضَّتْ
الشَّمْسُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ: إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّأْخِيرِ، لَا تَحْرِيمِ الْفِعْلِ. (وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ الْمَنْذُورَةِ) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا (وَلَوْ كَانَ نَذَرَهَا فِيهَا) بِأَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاجِبَةٌ فَأَشْبَهَتْ الْفَرَائِضَ. (وَ) يَجُوزُ (فِعْلُ رَكْعَتَيْ طَوَافٍ، فَرْضًا كَانَ) الطَّوَافُ (أَوْ نَفْلًا) فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى فِيهِ فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ وَهَذَا إذْنٌ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي فِعْلِهِمَا فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ؛ وَلِأَنَّ الطَّوَافَ جَائِزٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَعَ كَوْنِهِ صَلَاةً، كَذَلِكَ رَكْعَتَاهُ تَبَعًا لَهُ. (وَ) تَجُوزُ (إعَادَةُ جَمَاعَةٍ إذَا أُقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِ إمَامِ الْحَيِّ وَسَوَاءٌ كَانَ صَلَّى جَمَاعَةً أَوْ وَحْدَهُ، فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَوْقَاتِ النَّهْيِ لِمَا رَوَى يَزِيدُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ فَقَالَ: مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا فَقَالَ: لَا تَفْعَلَا إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ» وَهَذَا نَصٌّ فِي الْفَجْرِ، وَبَقِيَّةُ الْأَوْقَاتِ مِثْلُهُ، وَلِأَنَّهُ مَتَى لَمْ يُعِدْ لَحِقَتْهُ تُهْمَةٌ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَظَاهِرُهُ: إذَا دَخَلَ وَهُمْ يُصَلُّونَ لَا يُعِيدُ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ، مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَهُوَ نَصُّ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَمَّنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، أَيُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ نَعَمْ لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ لَا يُسْتَحَبُّ الدُّخُولُ (وَتَجُوزُ صَلَاةُ جِنَازَةٍ فِي الْوَقْتَيْنِ الطَّوِيلَيْنِ فَقَطْ وَهُمَا بَعْدَ الْفَجْرِ، وَ) بَعْدَ صَلَاةِ (الْعَصْرِ) لِطُولِ مُدَّتِهِمَا فَالِانْتِظَارُ فِيهِمَا يُخَافُ مِنْهُ عَلَيْهَا. وَ (لَا) يَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى جِنَازَةٍ (فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ) الْبَاقِيَةِ، لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَتَقَدَّمَ وَذِكْرُهُ لِلصَّلَاةِ مَقْرُونًا بِالدَّفْنِ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مِنْ غَيْرِ الْخَمْسِ أَشْبَهَتْ النَّوَافِلَ (إلَّا أَنْ يُخَافَ عَلَيْهَا) فَتَجُوزُ مُطْلَقًا لِلضَّرُورَةِ (وَتَحْرُمُ) الصَّلَاةُ (عَلَى قَبْرٍ، وَ) عَلَى (غَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ) مُطْلَقًا (نَفْلًا وَفَرْضًا) ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ خَشْيَةَ الِانْفِجَارِ بِالِانْتِظَارِ بِهَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِ النَّهْيِ وَهَذَا الْمَعْنَى مُنْتَفٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، وَعَلَى الْغَائِبِ. (وَيَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِغَيْرِهَا) أَيْ الْمُسْتَثْنَاةِ السَّابِقَةِ (فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ الْخَمْسَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ (وَ) يَحْرُمُ (إيقَاعُ بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ التَّطَوُّعِ بِغَيْرِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ (
باب صلاة الجماعة
كَأَنْ شَرَعَ فِي التَّطَوُّعِ فَدَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ، وَهُوَ) أَيْ الْمُتَطَوِّعُ (فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِدَامَةُ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّ إتْمَامَ النَّفْلِ فِي وَقْتِ النَّهْيِ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا يَقْطَعُهُ بَلْ يُخَفِّفُهُ (وَإِنْ شَكَّ) هَلْ دَخَلَ وَقْتُ النَّهْيِ؟ (فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِبَاحَةِ حَتَّى يَعْلَمَ) دُخُولَهُ بِمُشَاهَدَةٍ أَوْ إخْبَارِ عَارِفٍ (وَإِنْ ابْتَدَأَهُ) أَيْ النَّفَلَ (فِيهَا) أَيْ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَالْمُرَادُ فِي وَقْتٍ مِنْهَا (لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالْحُكْمِ، أَوْ بِأَنَّهُ وَقْتُ نَهْيٍ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ كَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ وَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) كَسُنَّةِ الصُّبْحِ إذَا صَلَّاهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ بَعْدَ الْعَصْرِ. (وَ) كَ (صَلَاةِ كُسُوفٍ) وَاسْتِسْقَاءٍ (وَتَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) وَسُنَّةِ وُضُوءٍ وَالِاسْتِخَارَةِ، لِعُمُومِ النَّهْيِ. وَإِنَّمَا تَرَجَّحَ عُمُومُهَا عَلَى أَحَادِيثِ التَّحِيَّةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا حَاظِرَةٌ وَتِلْكَ مُبِيحَةٌ وَالصَّلَاةُ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ خَصَائِصِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَحَلُّ مَنْعِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَقْتَ النَّهْيِ (فِي غَيْرِ حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَفِيهَا) أَيْ فِي حَالِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (تُفْعَلُ) تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِمَسْجِدٍ فَيَرْكَعُهُمَا (وَلَوْ كَانَ وَقْتَ قِيَامِ الشَّمْسِ قَبْلَ الزَّوَالِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بِلَا كَرَاهَةٍ) عَلِمَ أَنَّ الْوَقْتَ وَقْتُ نَهْيٍ أَوْ لَا، شِتَاءً كَانَ أَوْ صَيْفًا لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَمَكَّةُ كَغَيْرِهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. [بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ] (بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) وَمَنْ تَجُوزُ إمَامَتُهُ، وَمَنْ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ، وَمَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، وَمَا يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ شُرِعَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاجْتِمَاعُ لِلْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ فَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ لِلْمَكْتُوبَاتِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الْأُسْبُوعِ وَهُوَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي السَّنَةِ مُتَكَرِّرًا وَهُوَ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ لِجَمَاعَةِ كُلِّ بَلَدٍ وَمِنْهَا مَا هُوَ عَامٌّ فِي السَّنَةِ وَهُوَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لِأَجْلِ التَّوَاصُلِ وَالتَّوَادُدِ وَعَدَمِ التَّقَاطُعِ (أَقَلُّهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (اثْنَانِ) إمَامٌ وَمَأْمُومٌ (فَتَنْعَقِدُ) الْجَمَاعَةُ (بِهِمَا) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فِي حَدِيثِ مَالِكٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ «إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمَا، وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا» وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ مَرَّةً وَحُذَيْفَةُ مَرَّةً (فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. وَتَصِحُّ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ (وَلَوْ بِأُنْثَى) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَالْإِمَامُ رَجُلٌ أَوْ أُنْثَى (أَوْ عَبْدٌ) وَالْإِمَامُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ أَوْ مُبَعَّضٌ (فَإِنْ أَمَّ عَبْدَهُ، أَوْ) أَمَّ (زَوْجَتَهُ كَانَا جَمَاعَةً) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ» وَ (لَا) تَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ (بِصَغِيرٍ فِي فَرْضٍ) وَالْإِمَامُ بَالِغٌ؛ لِأَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إمَامًا فِي الْفَرْضِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ صَغِيرًا فِي نَفْلٍ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ صَبِيٌّ فِي التَّهَجُّدِ وَعَنْهُ: يَصِحُّ أَيْضًا فِي الْفَرْضِ كَمَا لَوْ أَمَّ رَجُلًا مُتَنَفِّلًا قَالَهُ فِي الْكَافِي. (وَهِيَ) أَيْ الْجَمَاعَةُ (وَاجِبَةٌ وُجُوبَ عَيْنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ} [النساء: 102] فَأَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ حَالَ الْخَوْفِ، فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى يُؤَكِّدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامُ، ثُمَّ آمُرُ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقُ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى أَيْضًا «أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَسَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ، فَقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ: قَالَ فَأَجِبْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ وَيُعَضِّدُ وُجُوبَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَهَا حَالَ الْخَوْفِ عَلَى صِفَةٍ لَا تَجُوزُ إلَّا فِي الْأَمْنِ، كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَأَبَاحَ الْجَمْعَ لِأَجْلِ الْمَطَرِ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا مُحَافَظَةً عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَلَوْ كَانَتْ سُنَّةً لَمَا جَازَ ذَلِكَ (لَا وُجُوبَ كِفَايَةٍ) كَأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِلشَّافِعِيَّةِ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ وَلَا تُقَامُ فِيهِمْ الصَّلَاةُ إلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (فَيُقَاتَلُ تَارِكُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ
(كَآذَانٍ) الظَّاهِرُ: أَنَّهُ تَشْبِيهٌ لِلْمَنْفِيِّ أَيْ لَيْسَ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ وُجُوبَ كِفَايَةٍ كَآذَانٍ فَإِنَّ وُجُوبَهُ وُجُوبُ كِفَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَيُقَاتَلُ تَارِكُ الْجَمَاعَةِ، كَتَارِكِ الْآذَانِ، لَكِنَّ الْآذَانَ إنَّمَا يُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهِ إذَا تَرَكَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ كُلُّهُمْ، بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يُقَاتَلُ تَارِكُهَا، وَإِنْ أَقَامَهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا عَلَى الْأَعْيَانِ، بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ الْمُؤَدَّاةِ حَضَرًا وَسَفَرًا) مُتَعَلِّقٌ بِوَاجِبَةٍ (حَتَّى فِي خَوْفٍ) شَدِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} [النساء: 102] الْآيَةَ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْغَالِبُ كَوْنُ الْخَوْفِ فِي السَّفَرِ فَمَعَ الْأَمْنِ وَفِي الْحَضَرِ أَوْلَى (عَلَى الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ الْقَادِرِينَ) عَلَيْهَا (دُونَ) غَيْرِ الْخَمْسِ، كَالْكُسُوفِ وَالْوَتْرِ وَالْمَنْذُورَةِ، دُونَ الْمَقْضِيَّاتِ مِنْ الْخَمْسِ، وَدُونَ (النِّسَاءِ وَالْخَنَاثَى) وَالصِّبْيَانِ. وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ أَوْ لَهُ عُذْرٌ مِمَّا يَأْتِي فِي آخِرِ الْبَابِ لِمَا يَأْتِي (لَا) أَيْ لَيْسَتْ الْجَمَاعَةُ بِ (شَرْطٍ لِصِحَّتِهَا) أَيْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ قِيَاسًا عَلَى الْجُمُعَةِ، لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ مِنْهُ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا» رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو مُوسَى قَالُوا مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ ثُمَّ لَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلَا صَلَاةَ لَهُ لَكِنْ قَالَ الشَّرِيفُ: لَا يَصِحُّ عَنْ صَاحِبِنَا فِي كَوْنِهَا شَرْطًا (إلَّا فِي جُمُعَةٍ وَعِيدٍ) فَالْجَمَاعَةُ شَرْطٌ فِيهِمَا، عَلَى مَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ (وَ) حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا لِلْخَمْسِ فَإِنَّهَا (تَصِحُّ مِنْ مُنْفَرِدٍ، وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَفِي صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (فَضْلٌ مَعَ الْإِثْمِ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ النِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا بِجُزْءٍ مَعْلُومٍ ثُبُوتُ الْأَجْرِ فِيهِمَا وَإِلَّا فَلَا نِسْبَةَ وَلَا تَقْدِيرَ. (وَتَفْضُلُ الْجَمَاعَةُ عَلَى صَلَاتِهِ) أَيْ الْمُنْفَرِدِ (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ وَأَبَا دَاوُد قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ لَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ الْفَذِّ مُفْرَدَةً أَشْبَهَتْ الْعَدَدَ الْمُفْرَدَ، فَلَمَّا جُمِعَتْ مَعَ غَيْرِهَا أَشْبَهَتْ ضَرْبَ الْعَدَدِ وَكَانَتْ خَمْسًا، فَضُرِبَتْ فِي خَمْسٍ فَصَارَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَهِيَ غَايَةُ مَا يَرْتَفِعُ إلَيْهِ ضَرْبُ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ وَأُدْخِلَتْ صَلَاةُ الْمُنْفَرِدِ وَصَلَاةُ الْإِمَامِ مَعَ الْمُضَاعَفَةِ فِي الْحِسَابِ (وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُهُ) أَيْ الْمُصَلِّي مُنْفَرِدًا (مَعَ الْعُذْرِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ
احْتِمَالُ تَسَاوِيهِمَا فِي أَصْلِ الْأَجْرِ وَهُوَ الْجَزَاءُ وَالْفَضْلُ بِالْمُضَاعَفَةِ. (وَتُسَنُّ) الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدٍ) لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مَرْفُوعًا «صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ إظْهَارِ الشِّعَارِ، وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ (وَلَهُ فِعْلُهَا) أَيْ الْجَمَاعَةِ (فِي بَيْتِهِ وَ) فِي (صَحْرَاءَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَ) فِعْلُهَا (فِي مَسْجِدٍ أَفْضَلُ) ؛ لِأَنَّهُ السُّنَّةُ، وَحَدِيثُ «لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ» يَحْتَمِلُ: لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ، جَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِقَامَتُهَا فِي الرُّبُطِ وَالْمَدَارِسِ وَنَحْوِهَا قَرِيبٌ مِنْ إقَامَتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ نَعَمْ إنْ كَانَ ذَهَابُهُ إلَى الْمَسْجِدِ يُؤَدِّي إلَى انْفِرَادِ أَهْلِهِ فَالْمُتَّجَهُ إقَامَتُهَا فِي بَيْتِهِ فَذًّا، تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فَذًّا، وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ تَحْصِيلًا لِلْوَاجِبِ، وَلَوْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ فِعْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ يَسِيرَةٍ وَفِعْلِهَا فِي بَيْتِهِ فِي جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، كَانَ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْلَى. (وَتُسْتَحَبُّ) الْجَمَاعَةُ (لِنِسَاءٍ، إذَا اجْتَمَعْنَ مُنْفَرِدَاتٍ عَنْ الرِّجَالِ، سَوَاءٌ كَانَ إمَامُهُنَّ مِنْهُنَّ أَوْ لَا) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ، «وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أُمَّ وَرَقَةَ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ لَهَا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْلَ دَارِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَلِأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ الْفَرْضِ أَشْبَهْنَ الرِّجَالَ (وَيُبَاحُ لَهُنَّ حُضُورُ جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، تَفِلَاتٍ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ) يُقَالُ: تَفِلَتْ الْمَرْأَةُ تَفَلًا، مِنْ بَابِ تَعِبَ إذَا أَنْتَنَ رِيحُهَا لِتَرْكِ الطِّيبِ وَالِادِّهَانِ وَتَفِلَتْ إذَا تَطَيَّبَتْ، مِنْ الْأَضْدَادِ، وَذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ) ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَحْضُرْنَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ وَفِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَكَوْنُهُنَّ تَفِلَاتٍ لِئَلَّا يَفْتِنَّ وَكَوْنُهُ بِإِذْنِ أَزْوَاجِهِنَّ لِمَا يَأْتِي أَنَّهُ يَحْرُمُ خُرُوجُهَا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا. (وَيُكْرَهُ حُضُورُهَا) أَيْ جَمَاعَةَ الرِّجَالِ (لِحَسْنَاءَ) شَابَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةَ الِافْتِتَانِ (وَيُبَاحُ) الْحُضُورُ (لِغَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ الْحَسْنَاءِ، تَفِلَةً غَيْرَ مُتَطَيِّبَةٍ بِإِذْنِ زَوْجِهَا: وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا، لِلْخَبَرِ (وَكَذَا مَجَالِسُ الْوَعْظِ) وَأَوْلَى (وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ قَرِيبًا) أَوَاخِرَ الْفَصْلِ الثَّانِي مِنْ الْبَابِ. (وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِهِ إلَى الْمَسْجِدِ مُنْكَرٌ كَغِنَاءٍ لَمْ يَدَعْ الْمَسْجِدَ) وَكَذَا لَوْ كَانَ الْمُنْكَرُ بِالْمَسْجِدِ فَيَحْضُرُ (وَيُنْكِرُهُ) بِحَسَبِهِ (وَيَأْتِي) آخِرَ الْبَابِ (قَالَ الشَّيْخُ وَلَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ) إتْيَانُ الْمَسْجِدِ (إلَّا بِمَشْيِهِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَعَلَ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. (فَإِنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا، وَهُوَ) الْمَكَانُ (الْمَخُوفُ) مِنْ فُرُوجِ الْبُلْدَانِ (فَالْأَفْضَلُ لِأَهْلِهِ: الِاجْتِمَاعُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى لِلْكَلِمَةِ، وَأَوْقَعُ لِلْهَيْبَةِ فَإِذَا جَاءَهُمْ خَبَرٌ عَنْ عَدُوِّهِمْ سَمِعَهُ جَمِيعُهُمْ،
وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ وَإِنْ جَاءَهُمْ عَيْنٌ لِلْكُفَّارِ رَأَى كَثْرَتَهُمْ، فَأَخْبَرَ بِهَا، قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ إلَيَّ لَسَمَّرْت أَبْوَابَ الْمَسَاجِدِ الَّتِي لِلثُّغُورِ، لِيَجْتَمِعَ النَّاسُ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ (وَالْأَفْضَلُ لِغَيْرِهِمْ: الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِحُضُورِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَحْصِيلُ ثَوَابِ عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ وَتَحْصِيلُ الْجَمَاعَةِ لِمَنْ يُصَلِّي فِيهِ. وَذَلِكَ مَعْدُومٌ فِي غَيْرِهِ (أَوْ تُقَامُ) فِيهِ الْجَمَاعَةُ (بِدُونِهِ) أَيْ حُضُورِهِ (لَكِنْ فِي قَصْدِهِ لِغَيْرِ كَسْرِ قَلْبِ إمَامِهِ أَوْ جَمَاعَتِهِ) فَجَبْرُ قُلُوبِهِمْ أَوْلَى. (قَالَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَابْنُ تَمِيمٍ (ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْعَتِيقُ) ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ فِيهِ أَسْبَقُ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فَالْأَفْضَلُ مِنْ الْمَسَاجِدِ (مَا كَانَ أَكْثَرَ جَمَاعَةٍ) لِمَا رَوَى أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَوْلَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ، فَالصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ (الْأَبْعَدِ) أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَقْرَبِ لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ أَجْرًا أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِكَثْرَةِ حَسَنَاتِهِ بِكَثْرَةِ خُطَاهُ. (وَفَضِيلَةُ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ مِنْ انْتِظَارِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ) قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ: قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: إنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَفْضَلُ، وَلَوْ قَلَّ الْجَمْعُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ (وَتُقَدَّمُ: الْجَمَاعَةُ مُطْلَقًا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَوَّلُ الْوَقْتِ سُنَّةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ فِي مَسْجِدٍ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ إلَّا بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْبَيْتِ وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» وَلِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى التَّنْفِيرِ عَنْهُ وَتَبْطُلُ فَائِدَةُ اخْتِصَاصِهِ بِالتَّقَدُّمِ، وَمَعَ الْإِذْنِ لَهُ هُوَ نَائِبٌ عَنْهُ وَ (لَا) يَحْرُمُ أَنْ يَؤُمَّ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ: لِأَنَّهُ اسْتَوْفَى حَقَّهُ، فَلَا افْتِيَاتَ، عَلَيْهِ (وَيَتَوَجَّهُ إلَّا لِمَنْ يُعَادِي الْإِمَامَ) لِقَصْدِهِ الْإِيذَاءَ إذَنْ فَيُشْبِهُ مَا لَوْ تَقَدَّمَهُ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَمَّ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إمَامِهِ الرَّاتِبِ بِلَا إذْنِهِ (لَمْ تَصِحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَمَعْنَاهُ فِي التَّنْقِيحِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: تَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ. وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ: الصِّحَّةُ كَمَا يَأْتِي فِي نَقْلِ كَلَامِهِ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (إلَّا أَنْ يَتَأَخَّرَ) الرَّاتِبُ (لِعُذْرٍ، أَوْ لَمْ يَظُنَّ حُضُورُهُ، أَوْ ظَنَّ) حُضُورَهُ (وَلَكِنْ لَا يَكْرَهُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ (ذَلِكَ) أَيْ أَنْ يُصَلِّيَ غَيْرُهُ مَعَ غَيْبَتِهِ (أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ، فَيُصَلُّونَ) «لِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ حِينَ غَابَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ»
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، «وَفَعَلَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مَرَّةً فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْسَنْتُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ عُذْرُهُ) أَيْ الرَّاتِبِ (وَتَأَخَّرَ عَنْ وَقْتِهِ الْمُعْتَادِ، اُنْتُظِرَ، وَرُوسِلَ مَعَ قُرْبِهِ وَعَدَمِ الْمَشَقَّةِ) فِي الذَّهَابِ إلَيْهِ (وَسَعَةِ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّ الِائْتِمَامَ بِهِ سُنَّةٌ وَفَضِيلَةٌ، فَلَا تُتْرَكُ مَعَ الْإِمْكَانِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَات بِنَصْبِ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَعُدَ) مَكَانُهُ (أَوْ شَقَّ) الذَّهَابُ إلَيْهِ أَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ (صَلَّوْا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ صَلَّى) فَرْضَهُ (ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاة وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ) اُسْتُحِبَّ إعَادَتهَا وَلَوْ كَانَ صَلَّى أَوَّلًا فِي جَمَاعَة أَوْ كَانَ وَقْتُ نَهْيٍ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَاب قَبْلَهُ (أَوْ جَاءَ) أَيْ الْمَسْجِدَ (غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ وَلَمْ يَقْصِدْ) بِمَجِيئِهِ الْمَسْجِد (الْإِعَادَةَ وَأُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (اُسْتُحِبَّ إعَادَتُهَا) مَعَ إمَامِ الْحَيِّ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ رَغْبَتُهُ عَنْهُ (إلَّا الْمَغْرِبَ) فَلَا تُسَنُّ إعَادَتُهَا؛ لِأَنَّ الْمُعَادَةَ تَطَوُّعٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ بِوَتْرٍ وَلَوْ كَانَ صَلَّى وَحْدَهُ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ (وَالْأَوْلَى فَرْضُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْخَبَرِ وَ (كَإِعَادَتِهَا مُنْفَرِدًا، فَلَا يَنْوِي الثَّانِيَةَ فَرْضًا، بَلْ ظُهْرًا مُعَادَةً مَثَلًا) ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ (وَإِنْ نَوَاهَا) أَيْ الْمُعَادَةَ (نَفْلًا صَحَّ) لِمُطَابَقَتِهِ الْوَاقِعَ وَإِنْ نَوَاهَا ظُهْرًا مَثَلًا فَقَطْ صَحَّتْ عَلَى مُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَانَتْ نَفْلًا. (وَإِنْ أُقِيمَتْ) الصَّلَاةُ (وَهُوَ خَارِجُ الْمَسْجِدِ فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتِ نَهْيٍ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ الدُّخُولُ) حَتَّى تَفْرُغَ الصَّلَاةُ، لِامْتِنَاعِ الْإِعَادَةِ إذَنْ وَإِيهَامِ رَغْبَتِهِ عَنْهُ حَيْثُ لَمْ يُصَلِّ مَعَهُ (وَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقْتَ نَهْيٍ بِقَصْدِ الْإِعَادَةِ انْبَنَى عَلَى فِعْلِ مَا لَهُ سَبَبٌ) فِي وَقْتِ النَّهْيِ وَالْمَذْهَبُ كَمَا جَزَمَ بِهِ آنِفًا لَا يَجُوزُ، فَلَا إعَادَةَ قُلْت وَكَذَا إنْ لَمْ يَقْصِدْ الْإِعَادَةَ كَمَا هُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ وَقَوْلِ صَاحِبِ الْمُنْتَهَى فِيمَا سَبَقَ وَإِعَادَةُ جَمَاعَةٍ أُقِيمَتْ وَهُوَ بِالْمَسْجِدِ (وَالْمَسْبُوقُ فِي الْمُعَادَةِ يُتِمُّهَا فَلَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ رَكْعَتَيْنِ قَضَى مَا فَاتَهُ مِنْهَا) رَكْعَتَيْنِ (وَلَمْ يُسَلِّمْ مَعَهُ نَصًّا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وَقِيلَ: يُسَلِّمُ مَعَهُ قُلْت وَلَعَلَّ الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ، وَإِلَّا فَهِيَ نَفْلٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُهُ إيقَاعُهُ أَرْبَعًا، إلَّا أَنْ يُقَالَ: يَلْزَمُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا مُرَاعَاةً لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهَا فَرْضٌ وَفِيهِ بُعْدٌ. (وَلَا تُكْرَهُ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ) أَيْ إذَا صَلَّى إمَامُ الْحَيِّ ثُمَّ حَضَرَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا جَمَاعَةً هَذَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَفْضُلُ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» وَلِقَوْلِهِ «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ؟ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى مَعَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَا يُكْرَهُ أَوْ يُسْتَحَبُّ إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ، فَهُوَ مَعَ الْمُخَالَفَةِ، فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ
الْجَمَاعَةِ، أَوْ يُقَالُ: هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ، لِيُصَلُّوا فِي غَيْرِهِ أَيْ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي أُقِيمَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ (فِي غَيْرِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَقَطْ) فَالْأَقْصَى كَسَائِرِ الْمَسَاجِدِ (وَفِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ (تُكْرَهُ) إعَادَةُ الْجَمَاعَةِ. وَعَلَّلَهُ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ فِي تَوْفِيرِ الْجَمَاعَةِ، أَيْ لِئَلَّا يَتَوَانَى النَّاسُ فِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ مَعَ الرَّاتِبِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ إذَا أَمْكَنَهُمْ الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ أُخْرَى قُلْت: فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ الرَّاتِبِينَ بِالْمَسْجِدَيْنِ، لِفَوَاتِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ لِمَنْ يَتَأَخَّرُ، وَفَوَاتِ كَثْرَةِ الْجَمْعِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ الْمَذَاهِبُ (إلَّا لِعُذْرٍ) كَنَوْمٍ وَنَحْوِهِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ إذَنْ إعَادَتُهَا بِالْمَسْجِدَيْنِ لِمَا، تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟» وَلِأَنَّ إقَامَتَهَا إذَنْ أَخَفُّ مِنْ تَرْكِهَا (وَإِنْ قَصَدَ) مَسْجِدًا مِنْ (الْمَسَاجِدِ لِلْإِعَادَةِ، كُرِهَ) زَادَ بَعْضُهُمْ وَلَوْ كَانَ صَلَّى فَرْضَهُ وَحْدَهُ وَلِأَجْلِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِفَوَاتِهَا لَا لِقَصْدِ الْجَمَاعَةِ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ. (وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ اعْتِيَادُ الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَجَعْلُ الثَّانِيَةِ عَنْ فَائِتَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، وَالْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ. وَفِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ فِعْلُ ظُهْرَيْنِ فِي يَوْمٍ) قُلْت لَعَلَّ الْمُرَادَ عَلَى اعْتِقَادِ فَرْضِيَّتِهِمَا، وَإِلَّا فَإِذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُعَادَةً أَوْ فَائِتَةً فَلَا مَانِعَ وَمَنْ نَذَرَ أَنَّهُ مَتَى حَفِظَ الْقُرْآنَ صَلَّى مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ فَرِيضَةً أُخْرَى، وَحَفِظَهُ، لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا نَذَرَهُ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ. (وَإِذَا أُقِيمَتْ) أَيْ شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي إقَامَةِ (الصَّلَاةِ) لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بِلَفْظِ إذَا أَخَذَ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ (الَّتِي يُرِيدُ الصَّلَاةَ مَعَ إمَامِهَا) وَإِلَّا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ أُقِيمَتْ بِمَسْجِدٍ لَا يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا (فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ، فَلَا يَشْرَعُ فِي نَفْلٍ مُطْلَقٍ، وَلَا رَاتِبَةٍ) مِنْ سُنَّةِ فَجْرٍ أَوْ غَيْرِهَا (فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِبَيْتِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ شَرَعَ فِي نَافِلَةٍ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَ الْإِقَامَةِ وَأَبَاحَ قَوْمٌ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْإِمَامُ يُصَلِّي مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ (فَإِنْ جَهِلَ الْإِقَامَةَ فَكَجَهْلِ وَقْتِ نَهْيٍ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، لَكِنْ إنْ وَافَقَ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا لَمْ تَنْعَقِدْ. (وَإِنْ أُقِيمَتْ وَهُوَ فِيهَا) أَيْ النَّافِلَةِ (وَلَوْ) كَانَ (خَارِجَ الْمَسْجِدِ أَتَمَّهَا خَفِيفَةً، وَلَوْ فَاتَتْهُ رَكْعَةٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (وَلَا يَزِيدُ عَلَى رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ كَانَ
فصل كبر قبل سلام الإمام التسليمة الأولى
شَرَعَ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّالِثَةِ أَتَمَّهَا) أَيْ النَّافِلَةَ (أَرْبَعًا) ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ الثَّلَاثِ (فَإِنْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثِ) رَكَعَاتٍ (جَازَ نَصًّا فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَلَعَلَّ عَدَمَ كَرَاهَةِ الثَّلَاثِ هُنَا لِلْعُذْرِ (إلَّا أَنْ يَخْشَى) مَنْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ (فَوَاتَ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَيَقْطَعُهَا) ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ. (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (وَفَضِيلَةُ تَكْبِيرَةِ الْأُولَى) أَيْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (لَا تَحْصُلُ إلَّا بِشُهُودِ تَحْرِيمِ الْإِمَامِ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ) مَا يُؤْذِنُ بِذَلِكَ. [فَصْلٌ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى] (فَصْلٌ وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ التَّسْلِيمَةَ الْأُولَى أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ وَلَوْ لَمْ يَجْلِسْ) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا، مِنْ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَةً، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ يَنْوِيَ الصِّفَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْمُومًا فَيَنْبَغِي أَنْ يُدْرِكَ فَضْلَ الْجَمَاعَةِ. (وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (قَبْلَ رَفْعِ رَأْسِهِ) مِنْ الرُّكُوعِ، بِحَيْثُ يَصِلُ الْمَأْمُومُ إلَى الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ قَبْلَ أَنْ يَزُولَ الْإِمَامُ عَنْ قَدْرِ الْإِجْزَاءِ مِنْهُ (غَيْرَ شَاكٍّ فِي إدْرَاكِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (رَاكِعًا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْ مَعَهُ الطُّمَأْنِينَةَ إذَا اطْمَأَنَّ هُوَ) أَيْ الْمَسْبُوقُ ثُمَّ لَحِقَهُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ غَيْرُ الْقِيَامِ وَهُوَ يَأْتِي بِهِ مَعَ التَّكْبِيرَةِ ثُمَّ يُدْرِكُ مَعَ الْإِمَامِ بَقِيَّةَ الرَّكْعَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ: هَلْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا أَوْ لَا؟ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ. وَإِنْ كَبَّرَ وَالْإِمَامُ فِي الرُّكُوعِ، ثُمَّ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى رَفَعَ إمَامُهُ لَمْ يُدْرِكْهُ وَلَوْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْمَأْمُومِينَ وَإِنْ أَتَمَّ التَّكْبِيرَةَ فِي انْحِنَائِهِ انْقَلَبَتْ نَفْلًا وَتَقَدَّمَ (وَأَجْزَأَتْهُ) أَيْ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ عَنْ تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ نَصًّا) وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ فَأَجْزَأَ الرُّكْنُ عَنْ الْوَاجِبِ كَطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَوْ كَانَتْ تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ وَاجِبَةً لَمْ تَسْقُطْ فَأَجَابَ: بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ الْقِرَاءَةَ وَأَسْقَطَهَا إذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَكْبِيرَةَ الرُّكُوعِ تُجْزِئُ فِي حَالَةِ قِيَامٍ، خِلَافُ مَا يَقُولُهُ الْمُتَأَخِّرُونَ. (وَإِتْيَانُهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (بِهَا) أَيْ
تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، كَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ (فَإِنْ نَوَاهُمَا) أَيْ نَوَى الْمُدْرِكُ فِي الرُّكُوعِ الْإِحْرَامَ وَالرُّكُوعَ (بِالتَّكْبِيرَةِ لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ شَرَّكَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ فِي النِّيَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَطَسَ عِنْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ، فَقَالَ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ عَنْهُمَا. وَعَنْهُ بَلَى اخْتَارَهُ الشَّيْخَانِ وَرَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الرُّكُوعِ لَا تُنَافِي نِيَّةَ الِافْتِتَاحِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْعِبَادَةِ وَإِنْ نَوَى تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَمْ يُجْزِهِ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ رُكْنٌ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقُ (بَعْدَ الرُّكُوعِ لَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَعَلَيْهِ مُتَابَعَتُهُ قَوْلًا وَفِعْلًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جِئْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا» الْحَدِيثَ وَالْمُرَادُ بِمُتَابَعَتِهِ فِي الْأَقْوَالِ: أَنْ يَأْتِيَ بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ عَمَّا أَدْرَكَهُ فِيهِ وَمَا فِي السُّجُودِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَأَمَّا التَّشَهُّدُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ. (وَإِنْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ) مِنْ الرُّكُوعِ (قَبْلَ إحْرَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (سُنَّ دُخُولُهُ مَعَهُ) فَيُسَنُّ كَيْفَ أَدْرَكَهُ لِلْخَبَرِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ (أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَةِ فِي حَالِ قِيَامِهِ) لِوُجُوبِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ انْتِقَالٍ يَعْتَدُّ بِهِ الْمُصَلِّي، (وَيَنْحَطُّ مَسْبُوقٌ) أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرُّكُوعِ (بِلَا تَكْبِيرٍ لَهُ) أَيْ لِانْحِطَاطِهِ (وَلَوْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَقَدْ فَاتَهُ مَحَلَّ التَّكْبِيرِ (وَيَقُومُ) مَسْبُوقٌ (لِلْقَضَاءِ بِتَكْبِيرٍ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الرَّكْعَةُ الَّتِي قَامَ إلَيْهَا (ثَانِيَتَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ سَائِرَ الِانْتِقَالَاتِ (فَإِنْ قَامَ) مَسْبُوقٌ (قَبْلَ) أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (التَّسْلِيمَةَ الثَّانِيَةَ، بِلَا عُذْرٍ يُبِيحُ الْمُفَارَقَةَ) لِلْإِمَامِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْمَسْبُوقَ (الْعَوْدُ، لِيَقُومَ بَعْدَهَا) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الرُّكْنِ وَلَا يَجُوزُ مُفَارَقَتُهُ بِلَا عُذْرٍ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) الْمَسْبُوقُ (انْقَلَبَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا) بِلَا إمَامٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالذِّكْرِ وَضِدِّهِمَا وَهَذَا وَاضِحٌ إذَا كَانَ الْإِمَامُ يَرَى وُجُوبَ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَإِلَّا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ صَلَاتِهِ بِالْأَوْلَى خُصُوصًا بَعْضَ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يُسَلِّمُ الثَّانِيَةَ رَأْسًا فَكَيْفَ يَصْنَعُ الْمَسْبُوقُ؟ لَوْ قِيلَ لَا يُفَارِقُهُ قَبْلَهَا. (وَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي سُجُودِ سَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعُدْ إلَيْهَا بِهِ، حَتَّى لَوْ أَحْدَثَ فِيهِ لَمْ تَبْطُلْ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ دَخَلَ مَعَهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ (لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ) لِمَا مَرَّ. (وَمَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِيمَا بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى) كَالثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ (لَمْ يَسْتَفْتِحْ وَلَمْ يَسْتَعِذْ وَمَا يَقْضِيهِ) الْمَسْبُوقُ (أَوَّلَهَا) أَيْ أَوَّلَ صَلَاتِهِ (يَسْتَفْتِحُ لَهُ، وَيَتَعَوَّذُ، وَيَقْرَأُ السُّورَةَ) وَلَوْ أَدْرَكَ
رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ مَثَلًا أَطَالَ قِرَاءَتَهَا أَيْ أَدْرَكَهَا، وَرَاعَى تَرْتِيبَ السُّوَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ رَجَبٍ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ مُسْلِمٌ أَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَاقْضُوا وَلَا أَعْلَمُ رَوَاهَا عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَاهَا أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ «وَاقْضِ مَا سَبَقَك» وَالْمَقْضِيُّ هُوَ الْفَائِتُ فَيَكُونُ عَلَى صِفَتِهِ. (لَكِنْ لَوْ أَدْرَكَ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ رَكْعَةً تَشَهَّدَ) التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (عَقِبَ قَضَاءِ) رَكْعَةٍ (أُخْرَى نَصًّا كَالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى) أَنَّ مَا أَدْرَكَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ، وَمَا يَقْضِيهِ آخِرَهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَعْنَى: فَأَتِمُّوا قَضَاءً، لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا: يَتَشَهَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً عَقِبَ أُخْرَى لِئَلَّا يَلْزَمَ تَغْيِيرُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَشَهَّدَ عَقِبَ رَكْعَتَيْنِ، لَزِمَ عَلَيْهِ قَطْعُ الرُّبَاعِيَّةِ عَلَى وَتْرٍ وَالثُّلَاثِيَّةِ شَفْعًا وَمُرَاعَاةُ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ مُمْكِنَةٌ وَلَا ضَرُورَةَ إلَى تَرْكِهَا فَلَزِمَ الْإِتْيَانُ بِهَا (وَيُخَيَّرُ) الْمَسْبُوقُ إذَا قَضَى مَا فَاتَهُ (فِي الْجَهْرِ) بِالْقِرَاءَةِ (فِي صَلَاةِ الْجَهْرِ) غَيْرَ الْجُمُعَةِ (بَعْدَ مُفَارَقَةِ إمَامِهِ وَتَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ) وَعَلَى هَذَا أَيْضًا: يَتَخَرَّجُ تَكْبِيرُ الْعِيدِ وَالْقُنُوتِ فَلَا يَقْنُتُ مَنْ قَنَتَ مَعَ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ. (وَيَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (مَعَ إمَامِهِ) فِي مَوْضِعِ تَوَرُّكِهِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ صَلَاتِهِ وَلَمْ يُعْتَدَّ لَهُ قُلْت: جُلُوسُهُ وَاجِبٌ مِنْ حَيْثُ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ. وَفِي كَلَامِ الْفُرُوعِ هُنَا تَأَمُّلٌ (كَمَا يَتَوَرَّكُ) الْمَسْبُوقُ (فِيمَا يَقْضِيه) لِلتَّشَهُّدِ الثَّانِي فَعَلَى هَذَا: لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ جَلَسَ مَعَ الْإِمَامِ مُتَوَرِّكًا مُتَابَعَةً لَهُ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَجَلَسَ بَعْدَ قَضَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ أَيْضًا مُتَوَرِّكًا؛ لِأَنَّهُ يَعْقُبُهُ سَلَامُهُ (وَيُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ نَصًّا، حَتَّى يُسَلِّمَ إمَامُهُ) التَّسْلِيمَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ تَشَهُّدٌ وَاقِعٌ فِي وَسَطِ الصَّلَاةِ فَلَمْ تُشْرَعْ فِيهِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَوَّلِ قُلْت: وَهَذَا عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ فَإِنْ كَانَ مَحَلًّا لِتَشَهُّدِهِ الْأَوَّلِ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ الْمَرَّةُ الْأُولَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (فَإِنْ سَلَّمَ) الْإِمَامُ (قَبْلَ إتْمَامِهِ) أَيْ الْمَسْبُوقِ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ (قَامَ) الْمَسْبُوقُ لِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ (وَلَمْ يُتِمَّهُ) إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) فِي صِفَة الصَّلَاة. (وَإِنْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةَ اُسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلِّي فِي جَمَاعَة أُخْرَى فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) جَمَاعَة أُخْرَى (اُسْتُحِبَّ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُصَلِّي مَعَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ مَعَهُ» وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يَجِبُ فِعْلُ قِرَاءَةِ عَلَى مَأْمُومٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ
وَابْنِ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي الصَّلَاةِ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَمُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ وَلَوْلَا أَنَّ الْقِرَاءَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ بِالْكُلِّيَّةِ، لَمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا مِنْ أَجْلِ سُنَّةِ الِاسْتِمَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ لَهُ إمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ» رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ قَدْ رَوَى مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ ضِعَافٍ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَهُوَ عِنْدَنَا حُجَّةٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا أَعْلَمُ فِي السُّنَّةِ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ قِرَاءَتَهُ تَكْفِيك وَقَالَ عَلِيٌّ لَيْسَ عَلَى الْفِطْرَةِ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَدِدْتُ مَنْ قَرَأَ خَلْفَ الْإِمَامِ أَنْ أَمْلَأَ فَاهُ تُرَابًا رَوَى ذَلِكَ سَعِيدٌ وَالْمُرَادُ بِأَنَّهُ لَا قِرَاءَةَ عَلَى الْمَأْمُومِ أَنَّهُ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ وَإِلَّا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الْقَاضِي فَلِذَلِكَ قَالَ (فَيَتَحَمَّلُ عَنْهُ إمَامُهُ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ: الْفَاتِحَةَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَسُجُودَ السَّهْوِ) إذَا كَانَ دَخَلَ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ (وَالسُّتْرَةَ قُدَّامَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ: سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ (وَالتَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ إذَا سَبَقَهُ بِرَكْعَةٍ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ لِوُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ (وَسُجُودَ تِلَاوَةٍ أَتَى بِهَا) الْمَأْمُومُ (فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ وَ) فِيمَا إذَا (سَجَدَ الْإِمَامُ لِتِلَاوَةِ سَجْدَةٍ قَرَأَهَا) الْإِمَامُ (فِي صَلَاةِ سِرٍّ فَإِنَّ الْمَأْمُومَ إنْ شَاءَ لَمْ يَسْجُدْ وَتَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ) لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: الْمَأْمُومُ لَيْسَ بِتَالٍ، وَلَا مُسْتَمِعٍ، كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ تُشْرَعْ السَّجْدَةُ فِي حَقِّهِ ابْتِدَاءً حَتَّى يَتَحَمَّلَهَا عَنْهُ الْإِمَامُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: تَوَجَّهَ إلَيْهِ الطَّلَبُ بِاعْتِبَارِ الْمُتَابَعَةِ، فَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ (وَقَوْلَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَوْلَ: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) إلَى آخِرِهِ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ) إنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِمَامَ فَيُؤَمِّنُ فَقَطْ، وَإِلَّا قَنَتَ، وَتَقَدَّمَ. (وَتُسَنُّ قِرَاءَتُهُ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ فِي سَكَتَاتِ الْإِمَامِ وَلَوْ) كَانَ سُكُوتُهُ (لِتَنَفُّسٍ) نَقَلَهُ ابْنُ هَانِئٍ (وَلَا يَضُرُّ تَفْرِيقُهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ. (وَ) تُسَنُّ قِرَاءَتُهُ (فِيمَا لَا يَجْهَرُ) الْإِمَامُ (فِيهِ) لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ «كُنَّا نَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ عَلِيٍّ اقْرَءُوا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
فصل الأولى أن يشرع المأموم في أفعال الصلاة بعد شروع إمامه من غير تخلف
وَسُورَةٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ يَرَوْنَ الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ، وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، لَكِنْ تَرَكْنَاهُ إذَا جَهَرَ الْإِمَامُ لِلْأَدِلَّةِ فَبَقِيَ حَالَ تَعَذُّرِ اسْتِمَاعِهِ عَلَى مُقْتَضَى الدَّلِيلِ. (أَوْ لَا يَسْمَعُهُ) أَيْ يُسَنُّ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يَقْرَأَ إذَا كَانَ لَا يَسْمَعُ الْإِمَامَ (لِبُعْدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ سَامِعٍ لِقِرَاءَتِهِ أَشْبَهَ حَالَ سَكَتَاتِهِ وَالصَّلَاةَ السِّرِّيَّةَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْإِمَامِ سَكَتَاتٌ يَتَمَكَّنْ) الْمَأْمُومُ (فِيهَا مِنْ الْقِرَاءَةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ نَدْبًا (مَعَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً فِي أُولَتَيْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَابِرٍ وَعَلِيٍّ (فَإِنْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (قِرَاءَةَ الْإِمَامِ كُرِهَتْ لَهُ الْقِرَاءَةُ) لِلْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِيهِ تَكْرَارٌ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْأَخِيرُ عَلَى السِّرِّيَّةِ، وَمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْجَهْرِيَّةِ (فَلَوْ سَمِعَ) الْمَأْمُومُ (هَمْهَمَتَهُ وَلَمْ يَفْهَمْ مَا يَقُولُ) الْإِمَامُ (لَمْ يَقْرَأْ) ؛ لِأَنَّهُ سَامِعٌ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ. (وَمَوَاضِعُ سَكَتَاتِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (ثَلَاثَةٌ) إحْدَاهَا: (بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ) لِيَسْتَفْتِحَ وَيَتَعَوَّذَ وَعُلِمَ مِنْهُ اخْتِصَاصُهَا بِالرَّكْعَةِ الْأُولَى. (وَ) الثَّانِيَةُ (بَعْدَ فَرَاغِ الْقِرَاءَةِ) لِيَتَمَكَّنَ الْمَأْمُومُ مِنْ قِرَاءَةِ السُّورَةِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَ) الثَّالِثَةُ: بَعْدَ (فَرَاغِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَتُسْتَحَبُّ هُنَا سَكْتَةٌ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ) لِيَقْرَأَهَا الْمَأْمُومُ فِيهَا. (وَيَقْرَأُ أَطْرَشُ إنْ لَمْ يُشْغِلْ مَنْ إلَى جَنْبِهِ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مَقْصُودُ اسْتِمَاعِ الْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ الْبَعِيدَ فَإِنْ أَشْغَلَ مَنْ إلَى جَنْبِهِ عَنْ اسْتِمَاعِهِ أَوْ قِرَاءَتِهِ لَمْ يَقْرَأْ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْمَأْمُومِ (أَنْ يَسْتَفْتِحَ وَيَسْتَعِيذَ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ الْإِمَامُ إذَا لَمْ يَسْمَعْهُ) لِبُعْدِهِ أَوْ سُكُوتِهِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لَا يَحْصُلُ بِاسْتِمَاعِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِعَدَمِ جَهْرِهِ بِهِ، بِخِلَافِ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ، وَكَالسِّرِّيَّةِ. [فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ] (فَصْلٌ الْأَوْلَى أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ شُرُوعِ إمَامِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهِبِ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَشْرَعَ الْمَأْمُومُ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِمَّا كَانَ فِيهِ اهـ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» إذْ الْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ (فَلَوْ سَبَقَ الْإِمَامُ) الْمَأْمُومَ (بِالْقِرَاءَةِ وَرَكَعَ الْإِمَامُ تَبِعَهُ) الْمَأْمُومُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَطَعَهَا) أَيْ الْقِرَاءَةَ؛ لِأَنَّهَا فِي حَقِّهِ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُتَابَعَةُ وَاجِبَةٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ
وَمُسْتَحَبٍّ (بِخِلَافِ التَّشَهُّدِ) إذَا سَبَقَ بِهِ الْإِمَامُ وَسَلَّمَ (فَ) لَا يُتَابِعُهُ الْمَأْمُومُ بَلْ يُتِمُّهُ (إذَا سَلَّمَ) إمَامُهُ ثُمَّ يُسَلِّمُ لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِالتَّشَهُّدِ. (وَإِنْ وَافَقَهُ) أَيْ وَافَقَ الْمَأْمُومُ الْإِمَامَ فِي الْأَفْعَالِ (كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. (وَ) أَمَّا مُوَافَقَةُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (فِي أَقْوَالِهَا) أَيْ الصَّلَاةِ، فَ (إنْ كَبَّرَ) الْمَأْمُومُ (لَلْإِحْرَامِ مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ (أَوْ) كَبَّرَ الْمَأْمُومُ (قَبْلَ تَمَامِهِ) أَيْ تَمَامِ إحْرَامِ إمَامِهِ (لَمْ تَنْعَقِدْ) صَلَاتُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا؛ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِمَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ. (وَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (مَعَهُ كُرِهَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ،؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ. (وَ) إنْ سَلَّمَ (قَبْلَهُ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ تَبْطُلُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ مُتَعَمِّدًا وَ (لَا) تَبْطُلُ إنْ سَلَّمَ قَبْلَ إمَامِهِ (سَهْوًا، فَيُعِيدُهُ) أَيْ السَّلَامَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ صَلَاتِهِ قَبْلَ إمَامِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعِدْهُ بَعْدَهُ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ فَرْضَ الْمُتَابَعَةِ أَيْضًا (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُسَلِّمَ الْمَأْمُومُ عَقِبَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّسْلِيمَتَيْنِ فَإِنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الْأُولَى بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ الْأُولَى) وَقَبْلَ سَلَامِهِ الثَّانِيَةَ. (وَ) سَلَّمَ الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (الثَّانِيَةُ جَازَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُج بِذَلِكَ عَنْ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ أَبْلَغُ فِي الْمُتَابَعَةِ (لَا إنْ سَلَّمَ) الْمَأْمُومُ (الثَّانِيَةَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ الثَّانِيَةَ، حَيْثُ قُلْنَا بِوُجُوبِهَا) فَلَا يَجُوزُ لَهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ بِلَا عُذْرٍ كَالْأُولَى. (وَلَا يُكْرَهُ) لِلْمَأْمُومِ (سَبْقُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَا مُوَافَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (بِقَوْلٍ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ، كَالْقِرَاءَةِ وَالتَّسْبِيحِ، وَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالتَّشَهُّدِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا (وَيَحْرُمُ سَبْقُهُ) أَيْ سَبْقُ الْمَأْمُومِ الْإِمَامَ (بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِهَا فَإِنْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ) كَأَنْ رَفَعَ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ (قَبْلَ إمَامِهِ عَمْدًا حَرُمَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» وَقَالَ الْبَرَاءُ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَقَعَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَاجِدًا ثُمَّ نَقَعُ سُجُودًا بَعْدَهُ» «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَا يَخْشَى أَحَدُكُمْ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ (إنْ رَفَعَ لِيَأْتِيَ بِهِ) أَيْ بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ (مَعَهُ، وَيُدْرِكُهُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا سَبَقَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَقَدْ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الرُّكْنِ بَعْدُ فَحَصَلَتْ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُرَادُ مِنْ إتْيَانِهِ بِهِ مَعَهُ: أَيْ عَقِبَهُ، وَإِلَّا فَتَقَدَّمَ: تُكْرَهُ مُوَافَقَتُهُ فِي الْأَفْعَالِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ)
أَيْ يَرْجِعْ لِيَأْتِيَ بِهِ مَعَ إمَامِهِ (عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا. (وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَنَحْوُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَهْلًا أَوْ سَهْوًا، ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ سَبْقٌ يَسِيرٌ وَلِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَعَلَيْهِ أَنْ يَرْفَعَ) يَعْنِي يَرْجِعَ (لِيَأْتِيَ بِهِ) مُؤْتَمًّا بِمَا سَبَقَ بِهِ إمَامَهُ مِنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ وَنَحْوِهِ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ إمَامِهِ، أَيْ عَقِبَهُ لِيَكُونَ مُؤْتَمًّا بِإِمَامِهِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ إمَامُهُ فِيهِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ فِعْلِيٍّ بِأَنْ رَكَعَ وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِ إمَامِهِ عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ سَبَقَهُ بِرُكْنٍ كَامِلٍ هُوَ مُعْظَمُ الرَّكْعَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ سَبَقَهُ بِالسَّلَامِ لِلنَّهْيِ (وَإِنْ كَانَ) رُكُوعُهُ وَرَفْعُهُ قَبْلَ إمَامِهِ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا بَطَلَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ إذَا لَمْ يَأْتِ بِمَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي الرُّكُوعِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ وَعُلِمَ مِنْهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» . (وَإِنْ سَبَقَهُ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ، بِأَنْ رَكَعَ) الْمَأْمُومُ (وَرَفَعَ قَبْلَ رُكُوعِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَهَوَى إلَى السُّجُودِ قَبْلَ رَفْعِهِ، عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَدِ بِإِمَامِهِ فِي أَكْثَرِ الرَّكْعَةِ (وَصَحَّتْ صَلَاةُ جَاهِلٍ وَنَاسٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَتْ) تِلْكَ (الرَّكْعَةُ) لِمَا سَبَقَ (قَالَ جَمْعٌ) مِنْهُمْ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ: (مَا لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ إمَامِهِ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَلَا يُعَدُّ سَابِقًا بِرُكْنٍ مَنْ يَتَخَلَّصُ مِنْهُ فَإِذَا رَكَعَ وَرَفَعَ فَقَدْ سَبَقَ بِالرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِالرَّفْعِ وَلَا يَكُونُ سَابِقًا بِالرَّفْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فَإِذَا هَوَى إلَى السُّجُودِ فَقَدْ تَخَلَّصَ مِنْ الْقِيَامِ، وَحَصَلَ السَّبْقُ بِرُكْنَيْنِ وَلَا تَبْطُلُ بِسَبْقٍ بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكُوعٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُدْرِكُ بِهِ الْمَأْمُومُ الرَّكْعَةَ فَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ السَّبْقَ بِرُكْنَيْنِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ مَعَ الْعَمْدِ مُطْلَقًا. (وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ إمَامِهِ (بِرُكْنٍ بِلَا عُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ زِحَامٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ (فَكَالسَّبْقِ بِهِ) بِرُكْنٍ، عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ. (وَ) إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ (لِعُذْرٍ) مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ عَجَلَةِ إمَامٍ وَنَحْوِهِ (يَفْعَلُهُ وَيَلْحَقُهُ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ فَلَزِمَهُ (وَتَصِحُّ الرَّكْعَةُ) فَيُعْتَدُّ بِهَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا فَاتَهُ مَعَ إمَامِهِ وَيَلْحَقُهُ لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ (فَلَا) تَصِحُّ الرَّكْعَةُ بَلْ تُلْغَى لِفَوَاتِ رُكْنِهَا. (وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومَ (عَنْهُ بِرَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، لِعُذْرٍ مِنْ نَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ) كَزِحَامٍ (تَابَعَهُ) فِيمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَقَضَى) الْمَأْمُومُ مَا تَخَلَّفَ بِهِ (بَعْدَ سَلَامِ إمَامِهِ جُمُعَةً) كَانَتْ (أَوْ غَيْرَهَا، كَمَسْبُوقٍ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ نَعَسَ خَلْفَ الْإِمَامِ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ كَأَنَّهُ
أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى رَكْعَتَيْنِ قُلْت وَالْمَقْضِيُّ هُنَا لَيْسَ أَوَّلَ صَلَاتِهِ دَائِمًا، بَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ مَعَهُ. (وَإِنْ تَخَلَّفَ) الْمَأْمُومُ (بِرُكْنَيْنِ) لِغَيْرِ عُذْرٍ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ بِلَا عُذْرٍ. (وَ) إنْ كَانَ تَخَلُّفُهُ بِالرُّكْنَيْنِ فَأَكْثَرَ (لِعُذْرٍ كَنَوْمٍ وَسَهْوٍ وَزِحَامٍ إنْ أَمِنَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ وَتَبِعَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ اسْتِدْرَاكِهِ بِلَا مَحْذُورٍ (وَصَحَّتْ رَكْعَتُهُ) فَيُتِمُّ عَلَيْهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَأْمَنْ فَوْتَ الثَّانِيَةِ إنْ أَتَى بِمَا تَرَكَهُ (تَبِعَهُ) ؛ لِأَنَّ اسْتِدْرَاكَهُ الْفَائِتَةَ إذَنْ يُؤَدِّي إلَى فَوْتِ رَكْعَةٍ غَيْرِهَا فَيَتْرُكُهُ مُحَافَظَةً عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ (وَلَغَتْ رَكْعَتُهُ وَاَلَّتِي تَلِيهَا عِوَضُهَا) فَيَبْنِيَ عَلَيْهَا. (وَلَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مُلَفَّقَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ، يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ) فَيَأْتِي بَعْدَهَا بِرَكْعَةٍ فَتَتِمُّ جُمُعَتُهُ وَلَمْ نَقُلْ بِالتَّلْفِيقِ فِيمَنْ نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، لِتَحْصُلَ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ مُعْتَبَرٍ وَإِنْ ظَنَّ تَحْرِيمَ مُتَابَعَتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اُعْتُدَّ بِهِ. وَلَوْ أَتَى بِمَا تَخَلَّفَ بِهِ وَأَدْرَكَ إمَامَهُ فِي رُكُوعِ الثَّانِيَةِ تَبِعَهُ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ وَبَعْدَ رَفْعَهُ مِنْهُ تَبِعَهُ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ. (وَيُسَنُّ لِلْإِمَامِ تَخْفِيفُ الصَّلَاةِ مَعَ إتْمَامِهَا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ. وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَا «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنِّي لَأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا قَالَ فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَضِبَ فِي مَوْعِظَةٍ قَطُّ أَشَدَّ مِمَّا غَضِبَ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُوجِزْ: فَإِنَّ فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَدْنَى الْكَمَالِ مِنْ التَّسْبِيحِ وَسَائِرِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ (إذَا لَمْ يُؤْثِرْ مَأْمُومٌ التَّطْوِيلَ فَإِنْ آثَرُوا) هـ (كُلُّهُمْ اُسْتُحِبَّ) لِزَوَالِ عِلَّةِ الْكَرَاهَةِ وَهِيَ التَّنْفِيرُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَعَدَدُهُمْ مُنْحَصِرٌ، وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَوَاتِ، مَعَ أَنَّهُ سَبَقَ أَنَّهُ يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ. (وَ) يُسَنُّ، لِلْإِمَامِ (أَنْ يُرَتِّلَ الْقِرَاءَةَ وَالتَّسْبِيحَ وَالتَّشَهُّدَ، بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّ مَنْ خَلْفَهُ مِمَّنْ يَثْقُلُ لِسَانُهُ قَدْ أَتَى بِهِ وَأَنْ يَتَمَكَّنَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَرَى أَنَّ الْكَبِيرَ وَالصَّغِيرَ وَالثَّقِيلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ) لِيَتَمَكَّنَ كُلٌّ مِنْ الْمَأْمُومِينَ مِنْ مُتَابَعَتِهِ مِنْ غَيْرِ إخْلَالٍ بِسُنَّةٍ (وَيُسَنُّ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (إذَا عَرَضَ فِي الصَّلَاةِ عَارِضٌ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ يَقْتَضِي خُرُوجَهُ) مِنْ الصَّلَاةِ (أَنْ يُخَفِّفَ، كَمَا إذَا سَمِعَ بُكَاءَ صَبِيٍّ وَنَحْوَ ذَلِكَ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِيهَا مَخَافَةَ أَنْ أَشُقَّ
عَلَى أُمِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَتُكْرَهُ) لِلْإِمَامِ (سُرْعَةٌ تَمْنَعُ مَأْمُومًا فِعْلِ مَا يُسَنُّ) لَهُ كَقِرَاءَةِ السُّورَةِ وَالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَإِتْمَامِ مَا يُسَنُّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَفْوِيتِ الْمَأْمُومِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ فِعْلُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَلْزَمُهُ مُرَاعَاةُ الْمَأْمُومِ إنْ تَضَرَّرَ بِالصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ أَوْ آخِرَهُ وَنَحْوُهُ وَقَالَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ وَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَ غَالِبًا مَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ غَالِبًا وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ لِلْمَصْلَحَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُزِيدُ وَيُنْقِصُ أَحْيَانًا. (وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى أَكْثَرَ مِنْ) قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ «كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْبَقِيعَ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَأْتِي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِيَلْحَقَهُ الْقَاصِدُ إلَيْهَا لِئَلَّا يَفُوتُهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ شَيْءٌ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ طَوَّلَ الثَّانِيَةَ عَنْ الْأُولَى (فَنَصُّهُ: يُجْزِئُهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَفْعَلَ) لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ (وَذَلِكَ) أَيْ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى عَنْ الثَّانِيَةِ (فِي كُلِّ صَلَاةٍ) ثُنَائِيَّةً كَانَتْ أَوْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً (إلَّا فِي صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي، كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَالثَّانِيَةُ أَطْوَلُ) مِنْ الْأُولَى لِتُتِمَّ الطَّائِفَةُ الْأُولَى صَلَاتَهَا ثُمَّ تَذْهَبَ لِتَحْرُسَ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتَدْخُلُ مَعَهُ (وَ) إلَّا فِي (صَلَاةِ جُمُعَةٍ إذَا قَرَأَ بِسَبِّحِ وَالْغَاشِيَةِ) لِوُرُودِهِ (وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: لَا أَثَرَ لِتَفَاوُتٍ يَسِيرٍ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ أَيْ إذَا كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَطْوَلُ بِيَسِيرٍ، لَا كَرَاهَةَ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ. (وَإِنْ أَحَسَّ) الْإِمَامُ (بِدَاخِلٍ وَهُوَ) أَيْ الْإِمَامُ (فِي، رُكُوعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ) كَانَ الدَّاخِلُ (مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، وَكَانَتْ الْجَمَاعَةُ كَثِيرَةٌ كُرِهَ) لِلْإِمَامِ (انْتِظَارُهُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْحَالَ وَالشَّأْنَ (يَبْعُدُ أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِ) ذَلِكَ زَادَ جَمَاعَةٌ أَوْ طَالَ ذَلِكَ. (وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَالِانْتِظَارُ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَوْ عَلَى بَعْضِهِمْ) فَيُكْرَهُ،؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْمَأْمُومِ الَّذِي مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ مَنْ يُرِيدُ الدُّخُولَ، فَلَا يَشُقَّ عَلَى مَنْ مَعَهُ لِنَفْعِ الدَّاخِلِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الْجَمَاعَةُ يَسِيرَةً وَلَا يَشُقُّ الِانْتِظَارُ عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى بَعْضِهِمْ (اُسْتُحِبَّ انْتِظَارُهُ) لِلدَّاخِلِ فِي الرُّكُوعِ أَوْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الِانْتِظَارَ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ لِإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ هُنَا وَلِحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى الْمُتَقَدِّمِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَحْصِيلُ مَصْلَحَةٍ بِلَا مَضَرَّةٍ فَكَانَ مُسْتَحَبًّا، كَرَفْعِ الصَّوْتِ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (وَإِنْ اسْتَأْذَنَتْ امْرَأَةٌ إلَى
الْمَسْجِدَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، كُرِهَ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ مَنْعُهَا إذَا خَرَجَتْ تَفِلَةً، غَيْرَ مُزَيَّنَةٍ وَلَا مُطَيَّبَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (إلَّا أَنْ يَخْشَى) زَوْجُهَا إلَى الْمَسْجِدَ (فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا) فَيَمْنَعُهَا عَنْهُ دَرْءًا لِلْمَفْسَدَةِ. (وَكَذَا أَبٌ مَعَ ابْنَتِهِ) إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ فِي الْخُرُوجِ لِلْمَسْجِدِ كُرِهَ لَهُ مَنْعُهَا إلَّا أَنْ يَخْشَى فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا (وَلَهُ) أَيْ الْأَبِ (مَنْعُهَا مِنْ الِانْفِرَادِ) عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْ دُخُولٍ يُفْسِدُهَا وَيُلْحِقُ الْعَارَ بِهَا وَبِأَهْلِهَا. قَالَ أَحْمَدُ وَالزَّوْجُ أَمْلَكُ مِنْ الْأَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَبٌ فَأَوْلِيَاؤُهَا الْمَحَارِمُ) لِقِيَامِهِمْ مَقَامَهُ اسْتِصْحَابًا لِلْحَضَانَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَى هَذَا فِي رِجَالِ ذَوِي الْأَرْحَامِ، كَالْخَالِ أَوْ الْحَاكِمِ: الْخِلَافُ فِي الْحَضَانَةِ وَيَتَوَجَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا مَانِعَ وَلَا ضَرَرَ حَرُمَ الْمَنْعُ عَلَى وَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ أَبٍ (وَيَأْتِي فِي الْحَضَانَةِ) . (وَتُنْهَى الْمَرْأَةُ عَنْ تَطَيُّبِهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ تَطَيَّبَتْ لِلْخُرُوجِ (كُرِهَ كَرَاهَةَ التَّحْرِيمِ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ يُكْرَهُ تَطَيُّبُهَا لِحُضُورِ مَسْجِدٍ وَغَيْرِهِ وَتَحْرِيمُهُ أَظْهَرُ اهـ فَقَدْ جُمِعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ (وَلَا تُبْدِي زِينَتَهَا) أَيْ تُظْهِرُهَا (إلَّا لِمَنْ فِي الْآيَةِ) وَهِيَ قَوْله تَعَالَى {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ} [النور: 31] الْآيَةَ. (قَالَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ (ظُفْرُهَا عَوْرَةٌ) كَسَائِرِ بَدَنِهَا (فَلَا تَخْرُجْ، فَإِذَا خَرَجَتْ فَلَا تُبَيِّنْ شَيْئًا وَلَا خُفَّهَا فَإِنَّهُ يَصِفُ الْقَدَمَ) أَيْ حَجْمَهُ. (وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ تَجْعَلَ لِكُمِّهَا زِرًّا عِنْدَ يَدِهَا) وَاخْتَارَ الْقَاضِي قَوْلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ الزِّينَةِ مِنْ الثِّيَابِ، لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ لَا قَوْلَ مَنْ فَسَّرَ بِبَعْضِ الْحُلِيِّ أَوْ بِبَعْضِهَا فَإِنَّهَا الْخَفِيَّةُ، وَنَصُّ أَحْمَدَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ الثِّيَابُ، وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا عَوْرَةٌ حَتَّى الظُّفْرُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا: الْوَجْهُ وَبَاطِنُ الْكَفِّ» . (وَصَلَاتُهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ وَظَاهِرُهُ: حَتَّى مِنْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ «أَنَّهَا جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَك قَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي
قَالَ فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى بَيْتٍ مِنْ بَيْتِهَا، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ، حَتَّى لَقِيَتْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ» . (وَالْجِنُّ مُكَلَّفُونَ) فِي الْجُمْلَةِ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] (يَدْخُلُ كَافِرُهُمْ النَّارَ) إجْمَاعًا. (وَ) يَدْخُلُ (مُؤْمِنُهُمْ الْجَنَّةَ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ يَصِيرُ تُرَابًا وَإِنَّ ثَوَابَهُ النَّجَاةُ مِنْ النَّارِ كَالْبَهَائِمِ وَهُمْ فِيهَا عَلَى قَدْرِ ثَوَابِهِمْ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا، أَوْ إنَّهُمْ فِي رَبَضَ الْجَنَّةِ، أَيْ مَا حَوْلَهَا. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجَمَاعَةُ إلَّا الْجُمُعَةَ. (قَالَ الشَّيْخُ وَنَرَاهُمْ) أَيْ الْجِنَّ (فِيهَا) أَيْ الْجَنَّةِ (وَلَا يَرَوْنَا) فِيهَا عَكْسُ مَا فِي الدُّنْيَا (وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ) وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] فَهِيَ كَقَوْلِهِ {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 22] وَإِنَّمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا وَكَقَوْلِهِ {وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا} [نوح: 16] وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ قَالَ وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ إخْرَاجُ الْمَلَائِكَةِ مِنْ التَّكْلِيفِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُمْ شَارَكُوهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ اهـ وَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ أَنَّ مَا بِيَدِهِمْ مِلْكُهُمْ مَعَ إسْلَامِهِمْ فَتَصِحُّ مُعَامَلَتُهُمْ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَيَجْرِي التَّوَارُثُ بَيْنَهُمْ، وَكَافِرُهُمْ كَالْحَرْبِيِّ يَجُوزُ قَتْلُهُ إنْ لَمْ يُسْلِمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمُ الْآدَمِيِّينَ وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وَتَحِلَّ ذَبِيحَتُهُمْ، وَبَوْلُهُمْ وَقَيْئُهُمْ طَاهِرَانِ وَأَمَّا مَا يَذْبَحُهُ الْآدَمِيُّ لِئَلَّا يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ الْجِنِّ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ لِلْجِنِّ قُدْرَةً عَلَى النُّفُوذِ فِي بَوَاطِنِ الْبَشَرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ» وَكَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إذَا أَتَى بِالْمَصْرُوعِ وَعَظَ مَنْ صَرَعَهُ، وَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَإِنْ انْتَهَى وَفَارَقَ الْمَصْرُوعَ أَخَذَ عَلَيْهِ الْعَهْدَ أَنْ لَا يَعُودَ وَإِنْ لَمْ يَأْتَمِرْ وَلَمْ يَنْتَهِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ ضَرَبَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ وَالضَّرْبُ يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ عَلَى الْمَصْرُوعِ، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَنْ صَرَعَهُ وَلِهَذَا يَتَأَلَّمُ مَنْ صَرَعَهُ بِهِ وَيَصِيحُ وَيُخْبِرُ الْمَصْرُوعُ إذَا أَفَاقَ بِأَنَّهُ لَمْ يَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ:
فصل في الإمامة
وَأَظُنُّ أَنِّي رَأَيْتُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِثْلَ فِعْلِ شَيْخِنَا وَإِلَّا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى مَنْ صَرَعَهُ فَفَارَقَهُ، وَأَنَّهُ عَاوَدَ بَعْدَ مَوْتِ أَحْمَدَ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ بِنَعْلِ أَحْمَدَ وَقَالَ لَهُ: فَلَمْ يُفَارِقْهُ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ الْمَرُّوذِيَّ ضَرَبَهُ فَامْتِنَاعُهُ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِهِ. [فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ] (فَصْلٌ فِي الْإِمَامَةِ) (الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْأَفْقَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ الْأَجْوَدُ قِرَاءَةً الْفَقِيهُ، ثُمَّ الْأَقْرَأُ) جَوْدَةً وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَقِيهًا لَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا تَقْدِيمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مَعَ أَنَّ غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ كَانَ أَقْرَأَ مِنْهُ وَأَحْفَظَ كَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا قَدَّمَهُ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَأُ لِتَفْهَمَ الصَّحَابَةُ مِنْ تَقْدِيمِهِ فِي الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى اسْتِحْقَاقَهُ لِلْإِمَامَةِ الْكُبْرَى وَتَقْدِيمَهُ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: لَمَّا اسْتَخْلَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَقْرَؤُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَتَعَلَّمُونَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَعَانِيهِ وَمَا يُرَادُ بِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إذَا عَلِمَ عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْأَجْوَدَ قِرَاءَةً عَلَى الْأَكْثَرِ قُرْآنًا؛ لِأَنَّ الْمُجَوِّدَ لِقِرَاءَتِهِ أَعْظَمُ أَجْرًا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَعْرَبَهُ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ وَمَنْ قَرَأَهُ وَلَحَنَ فِيهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إعْرَابُ الْقُرْآنْ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ حِفْظِ بَعْضِ حُرُوفِهِ. (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْجَوْدَةِ وَعَدَمِهَا فَالْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ (الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْأَكْثَرُ قُرْآنًا الْفَقِيهُ، ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا
فِي الْقِرَاءَةِ (فَالْقَارِئُ الْأَفْقَهُ، ثُمَّ الْقَارِئُ الْفَقِيهُ ثُمَّ الْقَارِئُ الْعَارِفُ فِقْهَ صَلَاتِهِ، ثُمَّ الْأَفْقَهُ) وَالْأَعْلَمُ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، وَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا، إذَا كَانُوا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءٌ فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءٌ فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَمِنْ شَرْطِ تَقْدِيمِ الْأَقْرَأِ: أَنْ يَكُونَ عَالِمًا فِقْهَ صَلَاتِهِ) وَمَا يَحْتَاجُهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُؤْمَنَ أَنْ يُخِلَّ بِشَيْءٍ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهَا (حَافِظًا لِلْفَاتِحَةِ) ؛ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ (وَلَوْ كَانَ أَحَدُ الْفَقِيهَيْنِ) الْمُسْتَوِيَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ (أَفْقَهَ أَوْ أَعْلَمَ بِأَحْكَامِ الصَّلَاةِ قُدِّمَ) ؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ يُؤَثِّرُ فِي تَكْمِيلِ الصَّلَاةِ (وَيُقَدَّمُ قَارِئٌ لَا يَعْلَمُ فِقْهَ صَلَاتِهِ عَلَى فَقِيهٍ أُمِّيٍّ) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ،؛ لِأَنَّهَا رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِي الْقِرَاءَةِ وَالْفِقْهِ يُقَدَّمُ (الْأَسَنُّ) «لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْخُشُوعِ وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَيَا فِيمَا تَقَدَّمَ فَالْأَوْلَى (الْأَشْرَفُ وَهُوَ مَنْ كَانَ قُرَشِيًّا) إلْحَاقًا لِلْإِمَامَةِ الصُّغْرَى بِالْكُبْرَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» وَقَوْلُهُ «قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا» وَالشَّرَفُ يَكُونُ بِعُلُوِّ النَّسَبِ. (فَتَقَدَّمَ مِنْهُمْ بَنُو هَاشِمٍ) لِقُرْبِهِمْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) كَبِنَى عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ (ثُمَّ الْأَقْدَمُ هِجْرَةً بِسَبْقِهِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ مُسْلِمًا) وَعُلِمَ مِنْهُ بَقَاءُ حُكْمِ الْهِجْرَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» فَالْمَعْنَى: لَا هِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ دَارَ إسْلَامٍ (وَمِثْلُهُ السَّبْقُ بِالْإِسْلَامِ) فَيُقَدَّمُ السَّابِقُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ إذَا اسْتَوَيَا فِي عَدَمِ الْهِجْرَةِ كَمَا لَوْ أَسْلَمَا بِدَارِ إسْلَامٍ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ مُسْلِمًا أَيْ إسْلَامًا» ، وَلِأَنَّهُ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ كَالْهِجْرَةِ (ثُمَّ الْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فَيُقَدَّمُ عَلَى الْأَعْمَرِ لِلْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ هُوَ الْخُضُوعُ، وَرَجَاءُ إجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَالْأَتْقَى وَالْأَوْرَعُ أَقْرُبُ إلَى ذَلِكَ. قَالَ الْقُشَيْرِيُّ فِي رِسَالَتِهِ: الْوَرَعُ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ زَادَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ: خَوْفًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّقْوَى وَالزُّهْدِ فِي الْخُطْبَةِ
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْفَرْقُ بَيْنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ أَنَّ الزُّهْدَ تَرْكُ مَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ، وَالْوَرَعُ تَرْكُ مَا يُخْشَى ضَرَرُهُ فِي الْآخِرَةِ (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي ذَلِكَ يُقَدَّمُ (مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ الْمُصَلُّونَ، أَوْ كَانَ أَعَمْرُ لِلْمَسْجِدِ) هَذِهِ طَرِيقَةٌ لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ، مِنْهُمْ صَاحِبُ الْفُصُولِ وَالشَّارِحِ وَالْمَذْهَبِ، كَمَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا يُقْرَعُ (ثُمَّ قُرْعَةٌ) مَعَ التَّشَاحِّ؛ لِأَنَّ سَعْدًا أَقْرَعَ بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فِي الْآذَانِ، وَالْإِمَامَةِ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. (فَإِنْ تَقَدَّمَ الْمَفْضُولُ) عَلَى الْفَاضِلِ بِلَا إذْنِهِ (جَازَ) أَيْ صَحَّتْ إمَامَتُهُ. (وَكُرِهَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمْ يَزَالُوا فِي سَفَالٍ» ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِسَالَتِهِ. (وَإِذَا أَذِنَ الْأَفْضَلُ لِلْمَفْضُولِ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَتَقَدَّمَ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي التَّقَدُّمِ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهُ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَؤُمَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ بِلَا كَرَاهَةٍ) إذَا كَانَ بِإِذْنِهِ، أَوْ فِيهِ مَزِيَّةٌ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ الصِّدِّيقُ عَلَى أَبِيهِ أَبِي قُحَافَةَ (وَصَاحِبَ الْبَيْتِ وَإِمَامَ الْمَسْجِدِ وَلَوْ عَبْدًا، وَلَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ) أَيْ الْعَبْدِ إذَا كَانَ إمَامَ مَسْجِدٍ أَوْ صَاحِبَ بَيْتٍ (بِالْأَحْرَارِ) جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبَا ذَرٍّ صَلَّوْا خَلْفَ أَبِي سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ وَهُوَ عَبْدٌ رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ (أَحَقُّ بِإِمَامَةِ مَسْجِدٍ وَبَيْتِهِ مِنْ الْكُلِّ) مِمَّنْ تَقَدَّمَ (إذَا كَانَ) إمَامَ الْمَسْجِدِ أَوْ صَاحِبَ الْبَيْتِ (مِمَّنْ تَصِحُّ إمَامَتُهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمَا أَفْضَلَ مِنْهُمَا) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَى أَرْضًا لَهُ عِنْدَهَا مَسْجِدٌ يُصَلِّي فِيهِ مَوْلًى لَهُ، فَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَؤُمَّهُمْ فَأَبَى وَقَالَ صَاحِبُ الْمَسْجِدِ أَحَقُّ وَلِأَنَّ فِي تَقْدِيمِ غَيْرِهِ افْتِيَاتًا عَلَيْهِ وَكَسْرًا لِقَلْبِهِ (فَيَحْرُمُ تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا عَلَيْهِمَا بِدُونِ إذْنٍ) ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِمَا (وَلَهُمَا تَقْدِيمُ غَيْرِهِمَا وَلَا يُكْرَهُ) لَهُمَا أَنْ يُقَدِّمَا غَيْرَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا (بَلْ يُسْتَحَبُّ) تَقْدِيمُهُمَا لِغَيْرِهِمَا (إنْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُمَا) مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْفَضْلِ. (وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ وَإِمَامِ الْمَسْجِدِ (ذُو سُلْطَانٍ وَهُوَ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ كَالْقَاضِي، وَكُلُّ ذِي سُلْطَانٍ أَوْلَى مِنْ) جَمِيعِ (نُوَّابِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ وَأَنَسًا فِي بُيُوتِهِمَا وَلِأَنَّ لَهُ وِلَايَةً عَامَّةً وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» (وَسَيِّدٌ فِي بَيْتِ عَبْدِهِ أَوْلَى) بِإِمَامَةٍ (مِنْهُ) لِوِلَايَتِهِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ (وَحُرٌّ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ وَمِنْ مُبَعَّضٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَشْرَفُ وَيَصْلُحُ إمَامًا فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ (وَمُكَاتَبٌ وَمُبَعَّضٌ أَوْلَى مِنْ عَبْدٍ) لِحُصُولِ بَعْضِ الْأَكْمَلِيَّةِ وَالْأَشْرَفِيَّةِ فِيهِمَا (وَحَاضِرٌ) أَيْ مُقِيمٌ أَوْلَى مِنْ مُسَافِرٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَصَرَ،
فَيَفُوتُ الْمَأْمُومِينَ بَعْضُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ (وَبَصِيرٌ) أَوْلَى مِنْ أَعْمَى؛ لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى اجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِاجْتِهَادِهِ (وَحَضَرِيٌّ) وَهُوَ النَّاشِئُ فِي الْمُدُنِ وَالْقُرَى أَوْلَى مِنْ بَدْوِيٍّ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْجَفَاءُ وَقِلَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِحُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ، لِبُعْدِهِمْ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ. قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْأَعْرَابِ {وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} [التوبة: 97] (وَمُتَوَضِّئٌ) أَوْلَى مِنْ مُتَيَمِّمٍ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّهُ مُبِيحٌ (وَمُعِيرٌ) فِي الْبَيْتِ الْمُعَارِ أَوْلَى مِنْ مُسْتَعِيرٍ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَالْمُسْتَعِيرُ إنَّمَا يَمْلِكُ الِانْتِفَاعَ (وَمُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِنْ ضِدِّهِمْ) كَمَا تَقَدَّمَ، فَيَكُونُ أَوْلَى مِنْ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّهُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ وَقَادِرٌ عَلَى مَنْعِ الْمُؤَجِّرِ مِنْ دُخُولِهِ. (فَإِنْ قَصَرَ إمَامٌ مُسَافِرٌ قَضَى) أَيْ أَتَمَّ (الْمُقِيمُ كَمَسْبُوقٍ) مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ (وَلَمْ تُكْرَهْ إمَامَتُهُ إذَنْ كَالْعَكْسِ) أَيْ كَإِمَامَةِ الْمُقِيمِ لِلْمُسَافِرِ. (وَإِنْ أَتَمَّ) الْمُسَافِرُ (كُرِهَتْ) إمَامَتُهُ بِالْمُقِيمِ، خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهَا نَظَرًا إلَى أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ نَفْلٌ فَيَلْزَمُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَجَوَابُهُ: الْمَنْعُ، وَأَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ فَلِذَلِكَ قَالَ. (وَإِنْ تَابَعَهُ) أَيْ الْإِمَامُ الْمُسَافِرُ (الْمُقِيمَ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا نَوَى الِائْتِمَامَ لَزِمَهُ، فَيَصِيرُ الْجَمِيعُ فَرْضًا. (وَلَوْ كَانَ الْأَعْمَى أَصَمَّ صَحَّتْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّ الْعَمَى وَالصَّمَمَ فَقْدُ حَاسَّتَيْنِ لَا يُخِلَّانِ بِشَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَلَا بِشُرُوطِهَا، فَصَحَّتْ مَعَ ذَلِكَ الْإِمَامَةِ كَمَا لَوْ كَانَ أَعْمَى فَاقِدَ الشَّمِّ (وَكُرِهَتْ) إمَامَتُهُ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ فَاسِقٍ بِفِعْلٍ) كَزَانٍ وَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ وَنَمَّامٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ اعْتِقَادٍ) كَخَارِجِيٍّ وَرَافِضِيٍّ (وَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ} [السجدة: 18] وَلِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَوْطَهُ وَسَيْفَهُ» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «اجْعَلُوا أَئِمَّتَكُمْ خِيَارَكُمْ فَإِنَّهُمْ وَفْدُكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ» لَكِنْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ هَذَا: إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَلِأَنَّ الْفَاسِقَ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ لِمَعْنًى فِي دِينِهِ فَأَشْبَهَ الْكَافِرَ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَى شَرَائِطِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ بِمِثْلِهِ) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فَاسِقٌ فَاسِقًا؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ رَفْعُ مَا عَلَيْهِ مِنْ النَّقْصِ بِالتَّوْبَةِ (عُلِمَ فِسْقُهُ ابْتِدَاءً أَوَّلًا، فَيُعِيدُ) الْمَأْمُومُ (إذَا عَلِمَ) فِسْقَ إمَامِهِ وَاخْتَارَ الشَّيْخَانِ أَنَّ الْبُطْلَانَ مُخْتَصٌّ بِظَاهِرِ الْفِسْقِ، دُونَ خَفِيِّهِ
قَالَ فِي الْوَجِيزِ لَا تَصِحُّ خَلْفَ الْفَاسِقِ الْمَشْهُورِ فِسْقُهُ لَكِنَّ ظَاهَرَ كَلَامِهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ. (وَتَصِحُّ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ) خَلْفَ فَاسِقٍ (بِلَا إعَادَةٍ إنْ تَعَذَّرَتْ خَلْفَ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَصَّانِ بِإِمَامٍ وَاحِدٍ فَالْمَنْعُ مِنْهُمَا خَلْفَهُ يُؤَدِّي إلَى تَفْوِيتِهَا دُونَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ نَعَمْ لَوْ أُقِيمَتَا فِي مَوْضِعَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا عَدْلٌ فَعَلَهُمَا وَرَاءَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ أَرْبَعًا (وَإِنْ خَافَ أَذًى) بِتَرْكِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الْفَاسِقِ (صَلَّى خَلْفَهُ) أَيْ الْفَاسِقِ، دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ (وَأَعَادَ، نَصًّا) لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ. (وَإِنْ نَوَى مَأْمُومٌ الِانْفِرَادَ) أَيْ نَوَى الْمُصَلِّي خَلْفَ الْفَاسِقِ صُورَةَ عَدَمِ الِائْتِمَامِ بِهِ (وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهَا) أَيْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ (صَحَّ) مَا صَلَّاهُ. (وَلَمْ يُعِدْ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتَمَّ بِهِ (حَتَّى وَلَوْ) كَانُوا (جَمَاعَةً صَلَّوْا خَلْفَهُ بِإِمَامٍ) عَدْلٍ وَوَافَقَهُ الْإِمَامُ فِي أَفْعَالِهَا فَلَا إعَادَةَ لِعَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِفَاسِقٍ. (وَتَصِحُّ إمَامَةُ الْعَدْلِ إذَا كَانَ تَائِبًا لِفَاسِقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ إنَّمَا تَرْتَبِطُ بِصَلَاةِ إمَامِهِ فَلَا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى فِي غَيْرِهِ كَالْحَدَثِ (كَصَلَاةِ فَاسِقٍ خَلْفَ عَدْلٍ) . (وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ إمَامٍ لَا يَعْرِفُهُ) أَيْ يَجْهَلُ عَدَالَتَهُ وَفِسْقَهُ، إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ الْحَالُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ مَا يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ. (وَالِاسْتِحْبَابُ) أَنْ يُصَلِّيَ (خَلْفَ مَنْ يَعْرِفُهُ) عَدْلًا، لِيَتَحَقَّقَ بَرَاءَةَ ذِمَّتِهِ (وَالْفَاسِقُ مَنْ أَتَى كَبِيرَةً) وَهِيَ مَا فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ (أَوْ دَاوَمَ عَلَى صَغِيرَةٍ وَتَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي) بَابِ (شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ) ،. (وَمَنْ صَحَّ اعْتِقَادُهُمْ فِي الْأُصُولِ) كَأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (فَلَا بَأْسَ بِصَلَاةِ بَعْضِهِمْ خَلْفَ بَعْضٍ وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي الْفُرُوعِ) كَأَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، لِصَلَاةِ الصَّحَابَةِ خَلْفَ بَعْضِهِمْ مَعَ مَا بَيْنَهُمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي الْفُرُوعِ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) . (وَمَنْ صَلَّى بِأُجْرَةٍ لَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ، قَالَهُ) مُحَمَّدُ بْنُ تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ عَنْ إمَامٍ قَالَ أُصَلِّي بِكُمْ رَمَضَانَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا؟ قَالَ أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ، مَنْ يُصَلِّي خَلْفَ هَذَا؟ (فَإِنْ دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (شَيْءٌ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَلَا بَأْسَ نَصًّا) وَكَذَا لَوْ كَانَ يُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ وَقْفٍ. (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَوْ) كَانَ كُفْرُهُ (بِبِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ) عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأُصُولُ، وَيَأْتِي بَعْضُهُ فِي شُرُوطِ مَنْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. (وَلَوْ أَسَرَّهُ) أَيْ الْكُفْرَ، فَجَهِلَ الْمَأْمُومُ كُفْرَهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ،؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَؤُمَّنَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا» وَالْكُفْرُ لَا يَخْفَى غَالِبًا فَالْجَهْلُ بِهِ مُفْرِطٌ. (وَلَوْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ مُسْلِمًا فَقَالَ بَعْدَ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ، لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ) ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَحْكُومًا بِصِحَّتِهَا وَهُوَ مِمَّنْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ. (وَلَوْ قَالَ
مَنْ جُهِلَ حَالُهُ) لِمَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (بَعْدَ سَلَامِهِ مِنْ الصَّلَاةِ: هُوَ كَافِرٌ وَإِنَّمَا صَلَّى تَهَزُّؤًا، أَعَادَ مَأْمُومٌ فَقَطْ) نَصَّ عَلَيْهِ (كَمَنْ ظُنَّ كُفْرُهُ أَوْ حَدَثُهُ فَبَانَ بِخِلَافِهِ، أَوْ) ظُنَّ (أَنَّهُ خُنْثَى مُشْكِلٌ فَبَانَ رَجُلًا) فَيُعِيدُ الْمَأْمُومُ لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. (وَلَوْ عَلِمَ مِنْ إنْسَانٍ حَالَ رِدَّةٍ وَحَالَ إسْلَامٍ) وَصَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ؟ أَعَادَ (وَ) لَوْ عَلِمَ لِإِنْسَانٍ (حَالَ إفَاقَةٍ وَحَالَ جُنُونٍ كُرِهَ تَقْدِيمُهُ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ فِيهَا (فَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ الْحَالَيْنِ هُوَ أَعَادَ) مَا صَلَّاهُ خَلْفَهُ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ اشْتَغَلَتْ بِالْوُجُوبِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَا يَبْرَأُ بِهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ فِي الْمَسْأَلَةِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَصَحَّحَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لَا يُعِيدُ وَصَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ إنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ قَبْلَ الصَّلَاةِ إسْلَامَهُ أَوْ إفَاقَتَهُ وَشَكَّ فِي رِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ فَلَا إعَادَةَ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ بَقَاؤُهُ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ رِدَّتَهُ أَوْ جُنُونَهُ وَشَكَّ فِي إسْلَامِهِ أَوْ إفَاقَتِهِ أَعَادَ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ، جُزِمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ وَغَيْرِهِمْ انْتَهَى، وَقُطِعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. (وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَافِرٌ فَقَالَ بَعْدَ صَلَاتِهِ: كُنْتُ أَسْلَمْتُ وَفَعَلْتُ مَا يَجِبُ لِلصَّلَاةِ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) لِاعْتِقَادِهِ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ (سَكْرَانٍ) ؛ لِأَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ لِنَفْسِهِ، فَلَا تَصِحُّ لِغَيْرِهِ (وَإِنْ سَكِرَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ أَخْرَسِ وَلَوْ بِ) أَخْرَسَ (مِثْلِهِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ يَتْرُكُ رُكْنًا، وَهُوَ الْقِرَاءَةُ وَالتَّحْرِيمَةُ وَغَيْرُهُمَا فَلَا يَأْتِي بِهِ وَلَا بِبَدَلِهِ، بِخِلَافِ الْأُمِّيِّ وَنَحْوِهِ قَالَهُ يَأْتِي بِالْبَدَلِ. (وَلَا) تَصِحَّ الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسٌ مِنْ بَوْلٍ وَنَحْوُهُ) كَنَجْوٍ وَرِيحٍ وَرُعَافٍ لَا يَرْقَأُ دَمُهُ، وَجُرُوحٍ سَيَّالَةٍ إلَّا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ فِي صَلَاتِهِ خَلَلًا غَيْرَ مَجْبُورٍ بِبَدَلٍ لِكَوْنِهِ يُصَلِّي مَعَ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحَدَثُ مِنْ غَيْرِ طَهَارَةٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَإِنَّمَا صَحَّتْ صَلَاتُهُ فِي نَفْسِهِ لِلضَّرُورَةِ (أَوْ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ رَفْعٍ مِنْهُ كَأَحْدَبَ، أَوْ) عَاجِزٍ عَنْ (سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ عَنْ اسْتِقْبَالٍ أَوْ اجْتِنَابِ نَجَاسَةٍ أَوْ) عَاجِزٍ (عَنْ الْأَقْوَالِ الْوَاجِبَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَرْكَانِ أَوْ الشُّرُوطِ إلَّا بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ فَلَمْ يُجْزَ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ إمَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَتَصِحُّ إمَامَتُهُمْ بِمِثْلِهِمْ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْمَطَرِ بِالْإِيمَاءِ» ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ
(خَلْفَ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ بِهِ كَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِرَاءَة إلَّا بِمِثْلِهِ (إلَّا إمَامَ الْحَيِّ وَهُوَ كُلُّ إمَامِ مَسْجِدٍ رَاتِبٍ) لِمَا فِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٌّ، فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ إلَى قَوْلِهِ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ طُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ وَلِأَنَّ إمَامَ الْحَيِّ يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيمِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَالْقِيَامُ أَخَفُّ بِدَلِيلِ سُقُوطِهِ فِي النَّفْلِ (الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ) الَّتِي مَنَعَتْهُ الْقِيَامَ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ مُخَالَفَةِ الْخَبَرِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَالْأَصْلُ فِيهِ: فِعْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ. (وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ) جُلُوسًا (وَ) يُصَلُّونَ أَيْضًا (وَرَاءَ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ) إذَا مَرِضَ وَرُجِيَ زَوَالُ عِلَّتِهِ (جُلُوسًا) لِلْخَبَرِ. قَالَ فِي الْخِلَافِ: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَجَابَ أَحْمَدُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِمًا فَيُتِمُّهَا كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ أَوْلَى مِنْ النَّسْخِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ، فِي ثَوْبٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ» وَرَوَاهُ أَنَسٌ أَيْضًا وَصَحَّحَهُمَا التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَلَا نَعْرِفُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ. قَالَ مَالِكٌ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا لَا يُقَالُ: لَوْ كَانَ إمَامًا لَكَانَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ قِيلَ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ خَلْفَهُ صَفٌّ، وَنَقَلَ مِثْلَ قَوْلِنَا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَجَابِرٌ وَقَيْسُ بْنُ فَهْدٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ (فَإِنْ صَلَّوْا قِيَامًا) خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْمَرْجُوِّ زَوَالُ عِلَّتِهِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ قَائِمًا بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ. (وَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِإِمَامِ الْحَيِّ (أَنْ يَسْتَخْلِفَ إذَا مَرِضَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ أَنَّهُ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ، مَعَ أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ وَكَمَالُهَا مَطْلُوبٌ. (وَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ) الْإِمَامُ (الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ) أَيْ حَصَلَ لَهُ عِلَّةٌ (فَجَلَسَ) عَجْزًا (أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا وَلَمْ يَجُزْ الْجُلُوسُ نَصًّا) لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّ الْقِيَامَ هُوَ الْأَصْلُ فَإِذَا بَدَأَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَزِمَهُ فِي جَمِيعِهَا إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ كَمَنْ أَحْرَمَ فِي الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ رُكْنًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالطُّمَأْنِينَةِ (أَوْ) تَرَكَ الْإِمَامُ (وَاجِبًا) عِنْدَهُ وَحْدَهُ كَالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (أَوْ)
تَرَكَ الْإِمَامُ (شَرْطًا عِنْدَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْمَأْمُومِ كَسَتْرِهِ أَحَدَ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ، بِأَنْ كَانَ الْمَأْمُومُ لَا يَرَى الْمَتْرُوكَ رُكْنًا، وَلَا وَاجِبًا، وَلَا شَرْطًا (أَوْ) كَانَ الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ وَاجِبًا أَوْ شَرْطًا (عِنْدَهُ، وَعِنْدَ الْمَأْمُومِ) حَالَ كَوْنِ الْإِمَامِ (عَالِمًا) بِمَا تَرَكَهُ (أَعَادَ) لِبُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ بِتَرْكِهِ الشَّرْطَ أَوْ الرُّكْنَ أَوْ الْوَاجِبَ عَمْدًا، وَبُطْلَانُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ سَهْوًا فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ وَاجِبًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمَا وَلَا إعَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ صَحَّتْ لِمَأْمُومٍ وَحْدَهُ، عَلَى مَا يَأْتِي وَإِنْ كَانَ رُكْنًا وَأَمْكَنَ تَدَارُكُهُ قَرِيبًا فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَإِنْ كَانَ شَرْطًا غَيْرَ طَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُمَا وَأَعَادَا (وَإِنْ كَانَ) الْمَتْرُوكُ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا أَوْ وَاجِبًا (عِنْدَ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ) كَالْحَنْبَلِيِّ اقْتَدَى بِمَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ، أَوْ تَرْكَ سَتْرَ أَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ أَوْ الطُّمَأْنِينَةَ فِي الرُّكُوعِ وَنَحْوِهِ، أَوْ تَكْبِيرَةَ الِانْتِقَالِ وَنَحْوِهِ، مُتَأَوِّلًا أَوْ مُقَلِّدًا مَنْ لَا يَرَى ذَلِكَ مُفْسِدًا (فَلَا) إعَادَةَ عَلَى الْإِمَامِ، وَلَا عَلَى الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ فَجَازَتْ خَلْفَهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا وَمِثْلُهُ لَوْ صَلَّى شَافِعِيٌّ قَبْلَ الْإِمَامِ الرَّاتِبِ فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْحَنْبَلِيِّ خَلْفَهُ. (وَمَنْ تَرَكَ رُكْنًا أَوْ شَرْطًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَقْلِيدٍ) أَعَادَ، ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ إجْمَاعًا كَتَرْكِهِ فَرْضَهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي تَرَكَ الطُّمَأْنِينَةَ بِالْإِعَادَةِ وَجَعَلَ فِي الْمُبْدِعِ تَرْكَ الْوَاجِبِ كَذَلِكَ وَمُرَادُهُ: إذَا شَكَّ فِي وُجُوبِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَيَسْقُطُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ وَيُجْبَرُ بِسُجُودِ السَّهْوِ، إنْ عَلِمَ فِيهَا أَوْ قَرِيبًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَتَصِحَّ) الصَّلَاةُ (خَلْفَ مَنْ خَالَفَ فِي فَرْعٍ لَمْ يُفَسَّقْ بِهِ) أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ فِيهِ، كَالصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ يَرَى النِّكَاحَ بِلَا وَلِيٍّ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَعَ شِدَّةِ الْخِلَافِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ تَرَكَ الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ خَالَفَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. (وَمَنْ فَعَلَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ، وَشُرْبِ نَبِيذٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ دَاوَمَ عَلَيْهِ فُسِّقَ) بِالْمُدَاوَمَةِ. (وَلَمْ يُصَلَّ خَلْفَهُ) لِفِسْقِهِ (وَإِنْ لَمْ يُدَاوِمْ) عَلَيْهِ (فَقَالَ الْمُوَفَّقُ) وَالشَّارِحُ (هُوَ مِنْ الصَّغَائِرِ وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَحْصُلُ بِالصَّغِيرَةِ بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي قَالَ تَعَالَى {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَوْ فَعَلَ الْإِمَامُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ عِنْدَ الْمَأْمُومِ دُونَهُ مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ: صَحَّتْ
صَلَاتُهُ خَلْفَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ. (وَلَا إنْكَارَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ) عَلَى مَنْ اجْتَهَدَ فِيهَا وَقَلَّدَ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ إمَّا مُصِيبٌ، أَوْ كَالْمُصِيبِ فِي حَطِّ الْإِثْمِ عَنْهُ وَحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي كَلَامِ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْأَصْحَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَعُفَ الْخِلَافُ أُنْكِرَ فِيهَا وَإِلَّا فَلَا اهـ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رَأَيْتُ النَّاسَ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ إلَّا الْعَجْزُ وَلَا أَقُولُ الْعَوَامُّ بَلْ الْعُلَمَاءُ كَانَتْ أَيْدِي الْحَنَابِلَةِ مَبْسُوطَةً فِي أَيَّامِ ابْنِ يُونُسَ فَكَانُوا يَسْتَطِيلُونَ بِالْبَغْيِ عَلَى أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي الْفُرُوعِ، حَتَّى مَا يُمَكِّنُوهُمْ مِنْ الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْقُنُوتِ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ فَلَمَّا جَاءَتْ أَيَّامُ النَّظَّامِ، وَمَاتَ ابْنُ يُونُسَ وَزَالَتْ شَوْكَةُ الْحَنَابِلَةِ اسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ اسْتِطَالَةَ السَّلَاطِينِ الظَّلَمَةِ، فَاسْتَعْدَوْا بِالسَّجْنِ، وَآذَوْا الْعَوَامَّ بِالسِّعَايَاتِ، وَالْفُقَهَاءَ بِالنَّبْذِ بِالتَّجْسِيمِ قَالَ: فَتَدَبَّرْتُ أَمْرَ الْفَرِيقَيْنِ فَإِذَا بِهِمْ لَمْ تَعْمَلْ فِيهِمْ آدَابُ الْعِلْمِ وَهَلْ هَذِهِ إلَّا أَفْعَالُ الْأَجْنَادِ، يَصُولُونَ فِي دَوْلَتِهِمْ، وَيَلْزَمُونَ الْمَسَاجِدَ فِي بَطَالَتِهِمْ. (وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ امْرَأَةٍ) بِرِجَالٍ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا» وَلِأَنَّهَا لَا تُؤَذِّنُ لِلرِّجَالِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَؤُمَّهُمْ كَالْمَجْنُونِ، وَلَا بِخَنَاثَى لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِمْ رِجَالًا. (وَلَا) إمَامَةُ (خُنْثَى مُشْكِلٍ بِرِجَالٍ) لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً. (وَلَا) إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِخَنَاثَى) مُشْكِلِينَ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَهُمْ رِجَالٌ وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالتَّرَاوِيحِ وَغَيْرِهَا وَعَنْهُ تَصِحُّ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا كَانَا قَارِئَيْنِ وَالرِّجَالُ أُمِّيُّونَ، وَيَقِفُونَ خَلْفَهَا، وَذَهَبَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الْمُتَقَدِّمِينَ (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) الرَّجُلُ الْمَأْمُومُ بِكَوْنِ الْإِمَامِ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى (إلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ أَعَادَ) ؛ لِأَنَّهُ مُفْرِطٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى غَالِبًا. (وَتَصِحَّ) إمَامَةُ الْمَرْأَةِ بِنِسَاءٍ، لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ «أُمِّ وَرَقَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ نِسَاءَ أَهْلِ دَارِهَا» وَتَصِحُّ أَيْضًا إمَامَةُ الْخُنْثَى (بِنِسَاءٍ) لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِمَامَتُهَا بِهِنَّ صَحِيحَةٌ (وَيَقِفْنَ) أَيْ الْمَأْمُومَاتُ (خَلْفَهُ) أَيْ خَلْفَ الْخُنْثَى، إذَا أَمَّهُنَّ كَالرَّجُلِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَقُومُ وَسْطَهُنَّ. (وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَ مَنْ يَعْلَمُهُ خُنْثَى لَكِنْ، يَجْهَلُ إشْكَالَهُ، ثُمَّ بَانَ) الْخُنْثَى (بَعْدَ الصَّلَاةِ رَجُلًا فَعَلَيْهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (الْإِعَادَةُ) كَمَنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يَظُنُّهُ مُحْدِثًا فَبَانَ مُتَطَهِّرًا. (وَإِنْ صَلَّى) رَجُلٌ (خَلْفَهُ) أَيْ الْخُنْثَى (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) أَنَّهُ خُنْثَى (فَبَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ رَجُلًا فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ) لِصِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَعَدَمِ شَكِّهِ حَالَ الْفِعْلِ فِيمَا يُفْسِدُهَا. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُمَيِّزٍ لِبَالِغٍ فِي فَرْضٍ) نَصَّ عَلَيْهِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ «وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا تُقَدِّمُوا
صِبْيَانَكُمْ» وَلِأَنَّهَا حَالُ كَمَالٍ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا أَشْبَهَ الْمَرْأَةَ بَلْ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَمْنَعُ التَّكْلِيفَ وَصِحَّةَ الْإِقْرَارِ وَالْإِمَامُ ضَامِنٌ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الضَّمَانِ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْإِخْلَالُ بِالْقِرَاءَةِ حَالَ السِّرِّ. (وَتَصِحُّ) إمَامَةُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِ (فِي نَفْلٍ) كَكُسُوفٍ وَتَرَاوِيحٍ (وَ) تَصِحُّ إمَامَةُ مُمَيِّزٍ (بِمِثْلِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلًا. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ مُحْدِثٍ) يَعْلَمُ ذَلِكَ (وَلَا) إمَامَةُ (نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ مَعَ الْقُدْرَةِ أَشْبَهَ الْمُتَلَاعِبَ لِكَوْنِهِ لَا صَلَاةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ فَيُعِيدُ مَنْ صَلَّى خَلْفَهُ (وَلَوْ جَهِلَهُ) أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (مَأْمُومٌ فَقَطْ) أَيْ وَحْدَهُ وَعَلِمَهُ الْإِمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّهُمْ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَدَثِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ وَلَا بَيْنَ نَجَاسَةِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْبُقْعَةِ فَإِنْ جَهِلَهُ أَيْ الْحَدَثَ أَوْ النَّجَسَ (هُوَ) أَيْ الْإِمَامُ. (وَالْمَأْمُومُونَ كُلُّهُمْ حَتَّى قَضَوْا الصَّلَاةَ صَحَّتْ صَلَاةُ مَأْمُومٍ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ الْإِمَامِ لِمَا رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ أَعَادَ صَلَاتَهُ وَتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلَاتُهُمْ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْجَرْفِ فَأَهْرَاقَ الْمَاءَ، فَوَجَدَ فِي ثَوْبِهِ احْتِلَامًا فَأَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ النَّاسُ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ إذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِالْقَوْمِ فَأَتَمَّ بِهِمْ الصَّلَاةَ آمُرُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ وَيُعِيدَ، وَلَا آمُرُهُمْ أَنْ يُعِيدُوا رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ وَهَذَا فِي مَحَلِّ الشُّهْرَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ إجْمَاعًا وَلِأَنَّ الْحَدَثَ مِمَّا يَخْفَى وَلَا سَبِيلَ إلَى الْمَعْرِفَةِ مِنْ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ فَكَانَ مَعْذُورًا فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ (إلَّا فِي الْجُمُعَةِ إذَا كَانُوا أَرْبَعِينَ بِالْإِمَامِ فَإِنَّهَا لَا تَصِحُّ) إذَا كَانَ الْإِمَامُ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا. (وَكَذَا لَوْ كَانَ أَحَدُ الْمَأْمُومِينَ مُحْدِثًا) أَوْ نَجِسًا (فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ وَهُمْ أَرْبَعُونَ فَقَطْ فَيُعِيدُ الْكُلُّ، لِفَقْدِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ فِي الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُحْدِثَ أَوْ النَّجِسَ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ غَيْرَ الْمُحْدِثِ أَوْ النَّجِسِ فَالْإِعَادَةُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ (وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ جَاهِلًا) أَوْ نَاسِيًا فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. (وَلَا) تَصِحُّ (إمَامَةُ أُمِّيٍّ نِسْبَةً إلَى الْأُمِّ) كَأَنَّهُ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ عَلَيْهَا وَقِيلَ: إلَى أُمَّةِ الْعَرَبَ وَهُوَ لُغَةً مَنْ لَا يَكْتُبُ وَمِنْ ذَلِكَ وَصْفُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْأُمِّيِّ (بِقَارِئٍ) مَضَتْ السُّنَّةُ عَلَى ذَلِكَ، قَالَهُ الزُّهْرِيُّ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ رُكْنٌ مَقْصُودٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يَصِحَّ اقْتِدَاءُ الْقَادِرِ عَلَيْهِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ كَالطَّهَارَةِ وَالسُّتْرَةِ وَهُوَ يَتَحَمَّلُهَا عَنْ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّحَمُّلِ (وَالْأُمِّيُّ) اصْطِلَاحًا (مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ) أَيْ لَا يَحْفَظُهَا (أَوْ يُدْغِمُ مِنْهَا حَرْفًا لَا يُدْغَمُ) أَيْ فِي غَيْرِ مِثْلِهِ، وَغَيْرِ مَا يُقَارِبُهُ فِي الْمَخْرَجِ (وَهُوَ
الْأَرَتُّ) . وَفِي الْمَذْهَبِ هُوَ الَّذِي فِي لِسَانِهِ عَجَلَةٌ تُسْقِطُ بَعْضَ الْحُرُوفِ (أَوْ يَلْحَنُ) فِيهَا (لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، كَفَتْحِ هَمْزَةِ اهْدِنَا) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَعْنَى طَلَبِ الْهَدِيَّةِ لَا الْهِدَايَةِ (وَضَمِّ تَاءِ أَنْعَمْتَ) وَكَسْرِهَا، وَكَسْرِ كَافِ إيَّاكَ فَإِنْ لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى كَفَتْحِ دَالِ نَعْبُدُ وَنُونِ نَسْتَعِينُ فَلَيْسَ أُمِّيًّا. (وَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إصْلَاحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ كَمَا يَأْتِي) ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا، فَهُوَ كَسَائِرِ الْكَلَامِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْكَلَامِ. (وَإِنْ عَجَزَ عَنْ إصْلَاحِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (قَرَأَهُ فِي فَرْضِ الْقِرَاءَةِ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَمَا زَادَ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْفَاتِحَةِ (تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِعَمْدِهِ) أَيْ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى فِيهِ وَاللَّحْنُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ إذَا لَمْ يُحِلْ الْمَعْنَى، فَإِنْ أَحَالَهُ كَانَ عَمْدُهُ كَالْكَلَامِ وَسَهْوُهُ كَالسَّهْوِ عَنْ كَلِمَةٍ وَجَهْلُهُ كَجَهْلِهَا. (وَيَكْفُرُ إنْ اعْتَقَدَ إبَاحَتَهُ) أَيْ إبَاحَةَ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى، لِإِدْخَالِهِ فِي الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. (وَإِنْ كَانَ) اللَّحْنُ الْمُحِيلُ لِلْمَعْنَى (لِجَهْلٍ أَوْ نِسْيَانٍ أَوْ آفَةٍ) كَسَبْقِ لِسَانِهِ أَوْ غَفْلَتِهِ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ تُمْنَعْ إمَامَتُهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأُمِّيٍّ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ تَصِحَّ إمَامَةُ الْأُمِّيِّ بِمِثْلِهِ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ. (وَإِنْ أَمَّ أُمِّيٌّ أُمِّيًّا وَقَارِئًا فَإِنْ، كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) كَانَ (الْأُمِّيُّ فَقَطْ) عَنْ يَمِينِهِ وَالْقَارِئُ عَنْ يَسَارِهِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ بِهِ. (وَ) صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (الْأُمِّيِّ) ؛ لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمِثْلِهِ، وَوَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْقَارِئِ) لِاقْتِدَائِهِ بِأُمِّيٍّ (وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْأُمِّيُّ وَالْقَارِئُ الْمَأْمُومَانِ (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ الْأُمِّيَّ (أَوْ) كَانَ (الْقَارِئُ وَحْدَهُ عَنْ يَمِينِهِ) وَالْأُمِّيُّ عَنْ يَسَارِهِ (فَسَدَتْ صَلَاةُ الْكُلِّ) أَمَّا الْإِمَامُ فَلِأَنَّهُ نَوَى الْإِمَامَةَ بِمَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ، وَأَمَّا الْقَارِئُ فَلِاقْتِدَائِهِ بِالْأُمِّيِّ وَأَمَّا الْأُمِّيُّ فَلِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفَهُ وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ الْأُمِّيَّ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِيَسَارِ إمَامِهِ إلَّا بِرَكْعَةٍ كَمَا يَأْتِي فَصَحَّ اقْتِدَاؤُهُ أَوَّلًا بِالْإِمَامِ وَبُطْلَانُ صَلَاتِهِ بَعْدُ لَا يُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ صَلَاةِ الْإِمَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النِّيَّةِ، وَكَمَا يَأْتِي فِي الْفَصْلِ عَقِبَهُ، وَقَدْ نَبَّهْتُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ) مِنْهَا. (وَلَا بِالْعَكْسِ) أَيْ إقْصَاءُ الْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ الْفَاتِحَةِ بِالْعَاجِزِ عَنْ النِّصْفِ الْأُوَلِ (وَلَا اقْتِدَاءُ مَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا مِنْهَا بِمَنْ يُبَدِّلُ حَرْفًا غَيْرَهُ) لِعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ. (وَمَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ وَيُحْسِنَ غَيْرَهَا مِنْ الْقُرْآنِ بِقَدْرِهَا لَا يَصِحُّ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ مَنْ لَا يُحْسِنُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ) وَجَوَّزَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ
لِأَنَّهُمَا أُمِّيَّانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ صَلَّى خَلْفَ مَنْ يُحْسِنُ دُونَ السَّبْعِ فَوَجْهَانِ. (وَإِذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ) لِلْإِمَامَةِ (فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَلْفَهُ وَأَعَادَ) قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ قُلْتُ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ أَذًى لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَاسِقِ. (وَإِنْ شَاءَ صَلَّى وَحْدَهُ جَمَاعَةً) بِإِمَامِ يَصْلُحُ لِلْعُذْرِ (أَوْ) صَلَّى (وَحْدَهُ وَوَافَقَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَلَا إعَادَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ بِمَنْ لَيْسَ أَهْلًا. (وَإِنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ بِمَا هُوَ مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُحِيلُ مَعْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، وَنَحْوِهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ» (وَلَمْ يَسْجُدْ لَهُ) إذَا كَانَ سَهْوًا عِنْدَ الْمَجْدِ، وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ يَسْجُدُ لَهُ. (وَحُكْمُ مَنْ أَبْدَلَ مِنْهَا) أَيْ الْفَاتِحَةِ (حَرْفًا بِحَرْفٍ، لَا يُبَدَّلُ كَالْأَلْثَغِ الَّذِي يَجْعَلُ الرَّاءَ غَيْنًا وَنَحْوِهِ، حُكْمُ مَنْ لَحَنَ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى) فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ مَنْ لَا يُبَدِّلُهُ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا ضَادَ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ) إذَا أَبْدَلَهَا (بِظَاءٍ فَتَصِحُّ) إمَامَتُهُ بِمَنْ لَا يُبَدِّلُهَا ظَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ أُمِّيًّا بِهَذَا الْإِبْدَالِ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ عَلِمَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا لَفْظًا وَمَعْنَى (كَ) مَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ (بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا) أَيْ الضَّادِ وَالظَّاءِ (مِنْ أَطْرَافِ اللِّسَانِ، وَبَيْنَ الْأَسْنَانِ وَكَذَلِكَ مَخْرَجُ الصَّوْتِ وَاحِدٌ قَالَهُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إصْلَاحِ ذَلِكَ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إدْغَامِ حَرْفٍ فِي آخَرَ لَا يُدْغَمُ فِيهِ، أَوْ إبْدَالِ حَرْفٍ بِحَرْفٍ غَيْرِ ضَادِ الْمَغْضُوبِ وَالضَّالِّينَ بِظَاءٍ، أَوْ إصْلَاحِ اللَّحْنِ الْمُحِيلِ لِلْمَعْنَى (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ مَا لَمْ يُصْلِحْهُ؛ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْآنًا. (وَتُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ كَثِيرِ اللَّحْنِ الَّذِي لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى) كَجَرِّ دَالِ الْحَمْدِ وَنَصْبِ هَاءِ اللَّهُ وَنَصْبِ بَاءِ رَبِّ وَنَحْوِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُؤْتَمُّ مِثْلَهُ أَوْ كَانَ لَا يَلْحَنُ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ بَاقٍ، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: فَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ مُسْتَهْزِئٌ وَمُتَعَمِّدٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَعُلِمَ مِنْ كَلَامِهِ: إنْ سَبَقَ لِسَانُهُ بِالْيَسِيرِ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَنْ يَخْلُو مِنْ ذَلِكَ، إمَامٌ أَوْ غَيْرُهُ. (وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (مَنْ يُصْرَعُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِنْ الصَّرْعِ، وَهُوَ دَاءٌ يُشْبِهُ الْجُنُونَ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ تُضْحِكُ رُؤْيَتُهُ) أَوْ صُورَتُهُ، أَيْ تُكْرَهُ إمَامَتُهُ وَتَصِحُّ. (وَمَنْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كَرَاهَةُ إمَامَةِ الْمُوَسْوِسِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ لِئَلَّا يَقْتَدِي بِهِ عَامِّيٌّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يُكْرَهُ. (وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْلَف) أَمَّا الصِّحَّةُ فَلِأَنَّهُ
ذَكَرٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ قَارِئٌ، فَصَحَّتْ إمَامَتُهُ كَالْمَخْتُونِ، وَالنَّجَاسَةُ تَحْتَ الْقُلْفَةِ بِمَحَلٍّ لَا تُمْكِنُهُ إزَالَتُهَا مِنْهُ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لِعَدَمِ إمْكَانِ إزَالَتِهَا، وَكُلُّ نَجَاسَةٍ مَعْفُوٌّ عَنْهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي بُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَأَمَّا الْكَرَاهَةُ فَلِلِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْأَقْلَفِ الْمُرْتَفِقِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى فَتْقِ قُلْفَتِهِ وَغَسْلِ مَا تَحْتَهَا فَأَمَّا الْمَفْتُوقُ الْقُلْفَةَ فَإِنْ تَرَكَ غَسْلَ مَا تَحْتَ الْقُلْفَةِ مِمَّا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ لَمْ تَصِحَّ إمَامَتُهُ وَلَا صَلَاتُهُ، لِحَمْلِهِ نَجَاسَةً لَا يُعْفَى عَنْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهَا، قَالَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَلَعَلَّ هَذَا مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ مِنْ الْأَصْحَابِ الْخِلَافَ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ تَعْلِيلِهِمْ (وَ) . تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (أَقْطَعِ يَدَيْنِ، أَوْ) أَقْطَعِ (إحْدَاهُمَا أَوْ) أَقْطَعِ (رِجْلَيْنِ أَوْ) أَقْطَعَ (إحْدَاهُمَا) . قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَحَلَّ الصِّحَّةِ إذَا أَمْكَنَ أَقْطَعِ رِجْلَيْنِ الْقِيَامُ، بِأَنْ يَتَّخِذَ لَهُ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ، أَوْ نَحْوِهِ وَأَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ فَلَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ إلَّا بِمِثْلِهِ. (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ أَوْ أَنْفٍ) أَيْ تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ أَقْطَعِ أَنْفٍ. (وَ) تُكْرَهُ وَتَصِحُّ إمَامَةُ (الْفَأْفَاءِ الَّذِي يُكَرِّرُ الْفَاءَ، وَالتَّمْتَامِ: الَّذِي يُكَرِّرُ التَّاءَ، وَمَنْ لَا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الْحُرُوفِ) كَالْقَافِ وَالضَّادِ، أَمَّا صِحَّةُ إمَامَتِهِ فَلِإِتْيَانِهِ بِفَرْضِ الْقِرَاءَةِ وَأَمَّا كَرَاهَةُ تَقْدِيمِهِ فَلِزِيَادَتِهِ مَا يُكَرِّرُ، أَوْ عَدَمِ فَصَاحَتِهِ. (وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَؤُمَّ رَجُلٌ) أُنْثَى (أَجْنَبِيَّةً فَأَكْثَرَ، لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ يَخْلُوَ الرَّجُلُ بِالْأَجْنَبِيَّةِ وَلِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَطَةِ الْوَسْوَاسِ. (وَلَا بَأْسَ) أَنْ يَؤُمَّ (بِذَوَاتِ مَحَارِمِهِ) أَوْ أَجْنَبِيَّاتٍ مَعَهُنَّ رَجُلٌ فَأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ. وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ لِلشَّوَابِّ وَذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الْخُرُوجُ لِلصَّلَاةِ، وَيُصَلِّينَ فِي بُيُوتِهِنَّ فَإِنْ صَلَّى بِهِنَّ رَجُلٌ مَحْرَمٌ جَازَ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَصَحَّتْ الصَّلَاةُ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَؤُمَّ قَوْمًا أَكْثَرُهُمْ يَكْرَهُهُ، بِحَقٍّ نَصًّا، لِخَلَلٍ فِي دِينِهِ أَوْ فَضْلِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهُوَ لَيِّنٌ. وَأَخْبَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُقْبَلُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الْإِفْرِيقِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِ. قَالَ الْقَاضِي الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ صِيَانَةً لِنَفْسِهِ أَمَّا إنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسُنَّةٍ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ (فَإِنْ كَرِهَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (نِصْفُهُمْ لَمْ يُكْرَهْ) أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِمَفْهُومِ الْخَبَرِ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَؤُمَّهُمْ إزَالَةً لِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ. (قَالَ الشَّيْخُ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (مُعَادَاةٌ
مِنْ جِنْسِ مُعَادَاةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، لَمْ يَنْبَغِ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، لِعَدَمِ الِائْتِلَافِ) وَالْمَقْصُودُ بِالصَّلَاةِ جَمَاعَةً إنَّمَا يَتِمُّ بِالِائْتِلَافِ (وَلَا يُكْرَهُ الِائْتِمَامُ بِهِ) حَيٌّ صَلُحَ لِلْإِمَامَةِ (؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) دُونَهُمْ، لِلْأَخْبَارِ (وَإِنْ كَرِهُوهُ لِدِينِهِ وَسُنَّتِهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ) ،. (وَلَا بَأْسَ بِإِمَامَةِ وَلَدِ زِنًا وَلَقِيطٍ وَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَخَصِيٍّ وَجُنْدِيٍّ) بِضَمِّ الْجِيمِ (وَأَعْرَابِيٍّ إذَا سَلِمَ دِينُهُمْ وَصَلَحُوا لَهَا) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ» وَصَلَّى الْبَاقُونَ خَلْفَ ابْنِ زِيَادٍ وَهُوَ مِمَّنْ فِي نِسْبَتِهِ نَظَرٌ قَالَتْ عَائِشَةُ لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ وِزْرِ أَبَوَيْهِ شَيْءٌ قَالَتْ: يُقَالُ {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ حُرٌّ مَرْضِيٌّ فِي دِينِهِ، يَصْلُحُ لَهَا كَغَيْرِهِ. (وَيَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُؤَدِّي الصَّلَاةَ بِمَنْ يَقْضِيَهَا) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ الْخَلَّالُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْوَقْتُ. (وَعَكْسُهُ) أَيْ يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يَقْضِي الصَّلَاةَ بِمَنْ يُؤَدِّيهَا لِمَا سَبَقَ (وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (قَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ بِقَاضِي ظُهْرَ يَوْمٍ آخَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَوَضِّئٍ بِمُتَيَمِّمٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالطَّهَارَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَلْزَمُهُ وَالْعَكْسُ أَوْ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَصِحُّ) ائْتِمَامُ (مَاسِحٍ عَلَى حَائِلٍ بِغَاسِلٍ) لِمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْحَائِلِ؛ لِأَنَّ الْمَسْحَ رَافِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَصِحُّ ائْتِمَامُ (مُتَنَفِّلٍ بِمُفْتَرِضٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَهُ» . (وَ) لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ (مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ) أَوْ بِهِ قُرُوحٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهَا مَسَّ الْبَشَرَةِ بِأَحَدِهِمَا (بِمَنْ تَطْهُرُ بِأَحَدِهِمَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي ائْتِمَامِ الْقَادِرِ بِالْعَاجِزِ عَنْ شَرْطِ الصَّلَاةِ. (وَلَا) يَصِحُّ أَنْ يَأْتَمَّ (مُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفِّلٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَلِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ لَا تُؤَدَّى بِنِيَّةِ الْإِمَامِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَهُوَ يُنْقَضُ بِالْمَسْبُوقِ إذَا أَدْرَكَ مِنْ الْجُمُعَةِ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ فَإِنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ مَنْ يُصَلِّيهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّ الظُّهْرَ بَدَلٌ عَنْ الْجُمُعَةِ بِإِذْنٍ وَالْبَدَلُ وَالْمُبْدَلُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَعَنْهُ يَصِحُّ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ «مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ: هَذِهِ قَضِيَّةُ عَيْنٍ تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ فَيَسْقُطُ بِهَا الِاسْتِدْلَال (إلَّا إذَا
فصل في موقف المأمومين خلف الإمام
صَلَّى بِهِمْ فِي صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَاتَيْنِ) فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ. (فَائِدَةٌ) لَوْ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ شَكَّ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْ لَا؟ لَزِمَتْهُ الْإِعَادَةُ وَلَهُ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا مَنْ لَمْ يُصَلِّ صَحَّحَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الصَّلَاةِ فِي ذِمَّتِهِ، وَوُجُوبُ فِعْلِهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى أَوْ لَا؟ . (وَلَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ مَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ أَوْ غَيْرَهُمَا) كَالْعِشَاءِ (وَلَا عَكْسُهُ) وَمِثْلُهُ صَلَاةُ كُلِّ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُفْتَرِضٍ بِفَرْضٍ غَيْرِهِ وَقْتًا وَاسْمًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي الصِّفَةِ كَالِاخْتِلَافِ فِي الْوَصْفِ. (تَتِمَّةٌ) إذَا صَلَّى مَرِيضٌ بِمِثْلِهِ ظُهْرًا قَبْلَ إحْرَامِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ حَضَرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ لَمْ تَنْقَلِبْ ظُهْرُهُ نَفْلًا فِي الْأَصَحِّ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. [فَصْلٌ فِي مَوْقِفِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ] (فَصْلٌ فِي الْمَوْقِفِ) (السُّنَّةُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ) رِجَالًا كَانُوا أَوْ نِسَاءً لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ قَامَ أَصْحَابُهُ خَلْفَهُ» وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ جَابِرًا وَجَبَّارًا وَقَفَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ «فَأَخَذَ بِأَيْدِيهِمَا، حَتَّى أَقَامَهُمَا خَلْفَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَلَا يَنْقُلُهُمَا إلَّا إلَى الْأَكْمَلِ وَمَا رُوِيَ عَنْ «ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدَ وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَفِيهِ هَارُونُ بْنُ عَنْتَرَةَ وَقَدْ وَثَّقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَا يُحْتَجَّ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ فَأَجَابَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ (إلَّا إمَامَ الْعُرَاةِ وَ) إلَّا (إمَامَةَ النِّسَاءِ، فَوَسَطًا وُجُوبًا فِي الْأُولَى) أَيْ إمَامِ الْعُرَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ. (وَاسْتِحْبَابًا فِي الثَّانِيَةِ) أَيْ إمَامَةِ النِّسَاءِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا التَّسَتُّرَ وَهَذَا أَسْتَرُ لَهَا. (فَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومُونَ (قُدَّامَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (وَلَوْ بِ) قَدْرِ تَكْبِيرَةِ (إحْرَامٍ) ثُمَّ تَأَخَّرُوا (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُمْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ» وَالْمُخَالَفَةُ فِي الْأَفْعَالِ مُبْطِلَةٌ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ فِي الِاقْتِدَاءِ إلَى الِالْتِفَاتِ
خَلْفَهُ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْقُولِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَوْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ الصَّلَاةِ، (غَيْرَ دَاخِلِ الْكَعْبَةِ فِي نَفْلٍ إذَا تَقَابَلَا) بِأَنْ وَجَّهَ الْإِمَامُ إلَى وَجْهِ الْمَأْمُومِ (أَوْ) تَدَابَرَا بِأَنْ (جَعَلَ) الْمَأْمُومُ (ظَهْرَهُ إلَى ظَهْرِ إمَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْتَقِدُ خَطَأَهُ وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالنَّفْلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفَرْضَ لَا يَصِحُّ دَاخِلَهَا. (وَلَا) تَصِحُّ (إنْ جَعَلَ) الْمَأْمُومَ (ظَهْرَهُ إلَى وَجْهِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (لِتَقَدُّمِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى إمَامِهِ. (وَ) إلَّا (فِيمَا إذَا اسْتَدَارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا) أَيْ الْكَعْبَةِ (فَلَا بَأْسَ بِتَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ إذَا كَانَ فِي الْجِهَةِ الْمُقَابِلَةِ لِلْإِمَامِ) يَعْنِي فِي غَيْرِ جِهَةِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ تَقَدُّمُهُ عَلَيْهِ (فَقَطْ) أَيْ دُونَ جِهَةِ الْإِمَامِ فَلَا تَصِحُّ إنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فِيهَا. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ أَقْرَبَ فِي جِهَتِهِ مِنْ الْإِمَامِ فِي جِهَتِهِ جَازَ فَإِنْ كَانَ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ بَطَلَتْ وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ. (وَ) إلَّا (فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ إذَا أَمْكَنَ الْمُتَابَعَةُ) فَلَا يَضُرُّ تَقَدُّمُ الْمَأْمُومِ نَصَّ عَلَيْهِ لِدُعَاءِ الْحَاجَّةِ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ الْمُتَابَعَةُ لَمْ يَصِحَّ الِاقْتِدَاءُ. (وَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَنْ يَمِينِهِ أَوْ) وَقَفُوا (عَنْ جَانِبَيْهِ صَحَّ) لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَاحِدًا وَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ أَيْ الْإِمَامِ «لِإِدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا إلَى يَمِينِهِ لَمَّا وَقَفَا عَنْ يَسَارِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا خَوْفًا مِنْ التَّقَدُّمِ، وَمُرَاعَاةً لِلْمَرْتَبَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ بَانَ عَدَمُ صِحَّةِ مُصَافَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالْمُرَادُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ مَعَهُ أَحَدٌ فَيَجِيءُ الْوَجْهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا، أَوْ كَصَلَاتِهِمْ قُدَّامَهُ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَجْهَانِ انْتَهَيَا قُلْت ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى صِحَّةُ صَلَاةِ الْإِمَامِ فِي الثَّانِيَةِ قَالَ فَإِنْ تَقَدَّمَهُ مَأْمُومٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ فِي رَجُلٍ أَمَّ رَجُلًا قَامَ عَنْ يَسَارِهِ يُعِيدُ وَإِنَّمَا صَلَّى الْإِمَامُ وَحْدَهُ فَظَاهِرُهُ تَصِحُّ مُنْفَرِدًا دُونَ الْمَأْمُومِ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الْغَايَةِ بِالْإِمَامَةِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ. (فَإِنْ وَقَفَ) الْمَأْمُومُ الرَّجُلُ أَوْ الْخُنْثَى (خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ) وَقَفَ الْمَأْمُومُ مُطْلَقًا (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (وَصَلَّى رَكْعَةً كَامِلَةً بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ إدَارَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابْنَ عَبَّاسٍ وَجَابِرًا وَعَنْهُ تَصِحُّ اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ وَالْمُوَفَّقُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ وَفِي الشَّرْحِ: هِيَ الْقِيَاسُ كَمَا لَوْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ وَكَوْنُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ جَابِرًا وَابْنَ عَبَّاسٍ لَا يَدُلَّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، بِدَلِيلِ رَدِّ جَابِرٍ وَجَبَّارٍ إلَى وَرَائِهِ، مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمَا عَنْ جَانِبَيْهِ. (وَإِذَا وَقَفَ) الْمَأْمُومُ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَحْرَمَ أَوَّلًا، سُنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُدِيرَهُ مِنْ وَرَائِهِ إلَى يَمِينِهِ وَلَمْ تَبْطُلْ تَحْرِيمَتُهُ) لِمَا سَبَقَ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ. (وَإِنْ كَبَّرَ) مَأْمُومٌ
(وَحْدَهُ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (ثُمَّ تَقَدَّمَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ جَاءَ) مَأْمُومٌ (آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ، أَوْ تَقَدَّمَ إلَى الصَّفِّ بَيْنَ يَدَيْهِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْمَأْمُومَانِ (اثْنَيْنِ فَكَبَّرَ أَحَدُهُمَا) لِلْإِحْرَامِ (وَتَوَسْوَسَ الْآخَرُ ثُمَّ كَبَّرَ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ) وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ وَاحِدٌ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ فَأَحَسَّ بِآخَرَ فَتَأَخَّرَ مَعَهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ الثَّانِي ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ فَجَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ عَنْ يَمِينِهِ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ قَدْرَ رَكْعَةٍ وَلَا أَكْثَرَهَا. (فَإِنْ وَقَفَ) مَأْمُومٌ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (وَ) وَقَفَ (آخَرُ عَنْ يَسَارِهِ أَخَّرَهُمَا خَلْفَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رَدِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَابِرًا وَجَبَّارًا وَرَاءَهُ (فَإِنْ شَقَّ) عَلَيْهِ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمَا (أَوْ لَمْ يُمْكِنْ تَأْخِيرُهُمَا تَقَدَّمَ الْإِمَامُ) بَيْنَهُمَا لِيَصِيرَا وَرَاءَهُ وَصَلَّى بَيْنَهُمَا (فَإِنْ تَأَخَّرَ الْأَيْمَنُ قَبْلَ إحْرَامِ الدَّاخِل لِيُصَلِّيَ خَلْفَهُ جَازَ) ذَلِكَ. وَفِي النِّهَايَةِ وَالرِّعَايَةِ، بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ وَ (كَتَفَاوُتِ إحْرَامِ اثْنَيْنِ خَلْفَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (ثُمَّ إنْ بَطَلَتْ صَلَاةُ أَحَدِهِمَا) لِسَبْقِهِ الْحَدَثَ وَنَحْوِهِ (تَقَدَّمَ الْآخَرُ إلَى الصَّفِّ) إنْ كَانَ (أَوْ) تَقَدَّمَ (إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ) إنْ لَمْ يَكُنْ صَفَّ (أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ خَلْفَ الْإِمَامِ) لِئَلَّا يَصِيرَ فَذًّا. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمُهُ إلَى الصَّفِّ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فُرْجَةٌ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ عَمَلٌ كَثِيرٌ وَلَا إلَى يَمِينِ الْإِمَامِ، وَلَا جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ (نَوَى الْمُفَارَقَةَ) لِلْعُذْرِ (وَإِنْ أَدْرَكَهُمَا) أَيْ أَدْرَكَ مَأْمُومٌ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ (جَالِسَيْنِ أَحْرَمَ ثُمَّ جَلَسَ عَنْ يَمِينِ صَاحِبِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ وَلَا تَأَخَّرَ إذَنْ لِلْمَشَقَّةِ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ الزَّمْنَى لَا يَتَقَدَّمُونَ وَلَا يَتَأَخَّرُونَ لِلْعِلَّةِ. (وَالِاعْتِبَارُ فِي التَّقَدُّمِ وَالْمُسَاوَاةِ بِمُؤَخَّرِ قَدَمٍ، وَهُوَ الْعَقِبُ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فِي تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَقَدُّمٌ بِمُؤَخَّرِ الْقَدَمِ (لَمْ يَضُرَّ، كَطُولِ الْمَأْمُومِ عَنْ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ بِرَأْسِهِ فِي السُّجُودِ فَلَوْ اسْتَوَيَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (فِي الْعَقِبِ، وَتَقَدَّمَتْ أَصَابِعُ الْمَأْمُومِ لَمْ يَضُرَّ) أَيْ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ تَقَدُّمِ عَقِبِهِ عَلَى عَقِبِ إمَامِهِ. (وَإِنْ تَقَدَّمَ عَقِبُ الْمَأْمُومِ عَقِبَ الْإِمَامِ مَعَ تَأَخُّرِ أَصَابِعِهِ) أَيْ الْمَأْمُومِ عَنْ أَصَابِعِ الْإِمَامِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِتَقَدُّمِهِ عَلَى إمَامِهِ اعْتِبَارًا بِالْعَقِبِ وَلَوْ قَدَّمَ رِجْلَهُ وَهِيَ مُرْتَفِعَةٌ عَنْ الْأَرْضِ لَمْ يَضُرَّ لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا. (وَكَذَا لَوْ تَأَخَّرَ عَقِبَ الْمَأْمُومِ) فَإِنَّهُ الْمُعْتَبَرُ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ أَصَابِعُهُ، لَكِنْ لَا يَضُرَّ تَأَخُّرُ عَقِبِهِ إلَّا إذَا بَانَ عَدَمُ مُصَافَّتِهِ لِإِمَامِهِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمُبْدِعِ: أَنَّهُ يُنْدَبُ تَأَخُّرُهُ قَلِيلًا، بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ مُصَافًّا لَهُ (فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا لَا اعْتِبَارَ بِمَحَلِّ الْقُعُودِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ اسْتِقْرَارِهِ. (وَهُوَ الْأَلْيَةُ، حَتَّى لَوْ مَدَّ) الْمَأْمُومُ (رِجْلَيْهِ وَقَدَّمَهُمَا عَلَى الْإِمَامِ لَمْ يَضُرَّ) لِعَدَمِ اعْتِمَادِهِ عَلَيْهَا
قُلْتُ فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَائِمًا وَالْآخَرُ قَاعِدًا فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ فَلَا يُقَدِّمُ الْقَائِمُ عَقِبَهُ عَلَى مُؤَخَّرِ أَلْيَةِ الْجَالِسِ. (وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (خُنْثَى وَقَفَ) الْخُنْثَى (عَنْ يَمِينِهِ) احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا رَجُلٌ وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ، وَالْخُنْثَى عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ وَلَا يَقِفَانِ خَلْفَهُ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ رَجُلٌ آخَرُ وَقَفَ الثَّلَاثَةُ خَلْفَهُ صَفًّا. (وَإِنْ أَمَّ رَجُلٌ) امْرَأَةً وَقَفَتْ خَلْفَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ رَجُلٌ أَوْ رِجَالٌ أَوْ لَا (أَوْ) أَمَّ (خُنْثَى امْرَأَةً وَقَفَ خَلْفَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ» (فَإِنْ وَقَفَتْ) الْمَرْأَةُ (عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ يَمِينِ الرَّجُلِ أَوْ الْخُنْثَى الْإِمَامِ، فَكَرَجُلٍ، فَتَصِحُّ (أَوْ) وَقَفَتْ (عَنْ يَسَارِهِ، فَكَرَجُلٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهَا بِيَسَارِهِ وَإِلَّا صَحَّتْ. وَفِي التَّعْلِيقِ: إذَا كَانَ الْإِمَامُ رَجُلًا وَهُوَ عُرْيَانٌ فَإِنَّمَا تَقِفُ عَنْ يَمِينِهِ. (وَيُكْرَهُ لَهَا الْوُقُوفُ فِي صَفِّ الرِّجَالِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَأْخِيرِهِنَّ (فَإِنْ فَعَلَتْ) أَيْ وَقَفَتْ فِي صَفِّ الرِّجَالِ (لَمْ تَبْطُلْ صَلَاةُ مَنْ يَلِيهَا وَلَا) صَلَاةُ (مَنْ خَلْفَهَا) فَصَفٌّ تَامٌّ مِنْ نِسَاءٍ لَا يَمْنَعُ اقْتِدَاءَ مَنْ خَلْفَهُنَّ مِنْ الرِّجَالِ (وَلَا) صَلَاةُ مَنْ (أَمَامَهَا وَلَا صَلَاتُهَا) كَمَا لَوْ وَقَفَتْ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْأَمْرُ بِتَأْخِيرِهَا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ مَعَ عَدَمِهِ. (وَإِنْ أَمَّ) رَجُلٌ (رَجُلًا وَصَبِيًّا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ) لِكَمَالِ الرَّجُلِ (وَالصَّبِيُّ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ) أَمَّ (رَجُلًا وَامْرَأَةً وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِهِ وَالْمَرْأَةُ خَلْفَهُ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا» . (وَلَا بَأْسَ بِقَطْعِ الصَّفِّ عَنْ يَمِينِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ خَلْفَهُ وَكَذَا إنْ بَعُدَ الصَّفُّ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ (نَصًّا وَقُرْبُهُ) أَيْ الصَّفِّ (مِنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَفْضَلُ) مِنْ بُعْدِهِ وَكَذَا قُرْبُ الصُّفُوفِ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ. (وَكَذَا تَوَسُّطُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِلصَّفِّ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَسِّطُوا الْإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ انْقَطَعَ) الصَّفُّ (عَنْ يَسَارِهِ) أَيْ الْإِمَامِ (فَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ إنْ كَانَ) الِانْقِطَاعُ بَعْدَ مُقَامِ الثَّلَاثَةِ رِجَالٌ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ) أَيْ صَلَاةُ الْمُنْقَطِعِينَ عَنْ الصَّفِّ عَنْ يَسَارِ الْإِمَامِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَإِنْ اجْتَمَعَ) فِي الصَّلَاةِ (أَنْوَاعٌ) مِنْ رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ وَنِسَاءٍ وَخَنَاثَى (سُنَّ تَقْدِيمُ رِجَالٍ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ قَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: فَأَقَامَ الصَّفَّ فَصَفَّ الرِّجَالَ وَصَفَّ، الْغِلْمَانَ خَلْفَهُمْ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَزَادَ فِيهِ وَالنِّسَاءَ خَلْفَ الْغِلْمَانِ. وَيُقَدَّمُ مِنْ
الرِّجَالِ (أَحْرَارٌ) عَلَى أَرِقَّاءَ لِمَزِيَّتِهِمْ بِالْحُرِّيَّةِ (ثُمَّ عَبِيدٌ) بَالِغُونَ (الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ) مِنْهُمَا لِحَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «لِيَلِيَنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (ثُمَّ صِبْيَانٌ كَذَلِكَ) أَيْ أَحْرَارٌ، ثُمَّ عَبِيدٌ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ خَنَاثَى) هَكَذَا فِي الْمُقْنِعُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونُوا رِجَالًا وَهَذَا إنْ قُلْنَا: يَصِحُّ وُقُوفُ الْخَنَاثَى صَفًّا. وَفِي الْمُنْتَهَى: وَإِنْ وَقَفَ الْخَنَاثَى صَفًّا لَمْ يَصِحَّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ مَعَ الْمَرْأَةِ فَذٌّ (ثُمَّ نِسَاءٌ) أَحْرَارٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ إمَاءٌ بَالِغَاتٌ، ثُمَّ أَحْرَارٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ ثُمَّ إمَاءٌ غَيْرُ بَالِغَاتٍ، الْفُضْلَى فَالْفُضْلَى. (وَيُقَدَّمُ مِنْ الْجَنَائِزِ إلَى الْأَمَامِ) عِنْدَ اجْتِمَاعِ مَوْتَى فِي الْمُصَلَّى (وَ) يُقَدَّمُ (إلَى الْقِبْلَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ حَيْثُ جَازَ) دَفْنُ مَيِّتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (رَجُلٌ حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ كَذَلِكَ) أَيْ حُرٌّ، ثُمَّ عَبْدٌ (ثُمَّ خُنْثَى) حُرٌّ ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ الصَّبِيُّ فِيهِمَا (ثُمَّ امْرَأَةٌ حُرَّةٌ) بَالِغَةٌ (ثُمَّ أَمَةٌ) بَالِغَةٌ، ثُمَّ صَبِيَّةٌ حُرَّةٌ ثُمَّ صَبِيَّةٌ أَمَةٌ. (وَتَأْتِي تَتِمَّتُهُ) فِي الْجَنَائِزِ وَتَقَدَّمَ مَعَ تَعَدُّدِ النَّوْعِ الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ كَمَا فِي الْمُصَافَّةِ (وَمَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امْرَأَةٌ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ (أَوْ) لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (كَافِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ خُنْثَى أَوْ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ يَعْلَمُ مُصَافَّةَ ذَلِكَ) أَيْ إنَّهُ مُحْدِثٌ أَوْ نَجِسٌ وَكَذَا لَوْ عَلِمَ الْمُصَافُّ حَدَثَ أَوْ نَجَسَ نَفْسِهِ (فَفَذٌّ) ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْوُقُوفِ مَعَهُ وَلِأَنَّ وُجُودَ الْكَافِرِ وَالْمَجْنُونِ وَالْمُحْدِثِ وَالنَّجِسِ كَعَدَمِهِ وَكَذَا إذَا وَقَفَ مَعَهُ سَائِرُ مَنْ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ صَحَّتْ مُصَافَّتُهُ (وَكَذَا) مَنْ لَمْ يَقِفْ مَعَهُ إلَّا (صَبِيٌّ فِي فَرْضٍ) وَهُوَ رَجُلٌ فَفَذٌّ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِنْ كَانَتْ نَفْلًا فَلَيْسَ بِفَذٍّ «لِقَوْلِ أَنَسٍ فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (كَذَا) (امْرَأَةٌ مَعَ نِسَاءٍ) إذَا لَمْ يَقِفْ مَعَهَا إلَّا كَافِرَةٌ أَوْ مَجْنُونَةٌ، أَوْ مَنْ تَعْلَمُ حَدَثَهَا أَوْ نَجَاسَتَهَا فَفَذٌّ أَوْ وَقَفَ مَعَهَا فِي فَرْضٍ غَيْرُ بَالِغَةٍ فَفَذٌّ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُحْدِثُ حَدَثَ نَفْسِهِ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى انْقَضَتْ (وَلَا عَامَّةُ مَصَافِّهِ) كَذَلِكَ (فَلَيْسَ بِفَذٍّ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ بُقْعَتِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ وَلَا عَلِمَهُ مُصَافُّهُ حَتَّى انْقَضَتْ فَلَيْسَ بِفَذٍّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ إمَامًا لَهُ، إذَنْ لَمْ يَعُدْ فَأَوْلَى إذَا كَانَ مُصَافًّا. (وَمَنْ وَقَفَ مَعَهُ مُتَنَفِّلٌ أَوْ مَنْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُ كَالْأُمِّيِّ) يَقِفُ مَعَ الْقَارِئِ (وَالْأَخْرَسِ) يَقْفُ مَعَ النَّاطِقِ (وَالْعَاجِزِ) عَنْ رُكْنٍ أَوْ شَرْطٍ يَقِفُ مَعَ الْقَادِرِ عَلَيْهِ (وَنَاقِصِ الطَّهَارَةِ) الْعَاجِزِ عَنْ إكْمَالِهَا يَقْفُ مَعَ تَامِّ الطَّهَارَةِ (وَالْفَاسِقِ) يَقِفُ مَعَ الْعَدْلِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ
(فَصَلَاتُهُمَا صَحِيحَةٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا صِحَّةُ الْإِمَامَةِ. (وَمَنْ جَاءَ فَوَجَدَ فُرْجَةً) بِضَمِّ الْفَاءِ وَهِيَ الْخَلَلُ فِي الصَّفِّ دَخَلَ فِيهِ (أَوْ وَجَدَهُ) أَيْ الصَّفَّ (غَيْرَ مَرْصُوصٍ دَخَلَ فِيهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَصِلُونَ الصَّفَّ» . قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ فَإِنْ كَانَتْ: أَيْ الْفُرْجَةُ، بِحِذَائِهِ كُرِهَ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهَا عَرْضًا (فَإِنْ مَشَى إلَى الْفُرْجَةِ عَرْضًا بَيْن يَدَيْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ كُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الْحَدِيثَ وَلَعَلَّ عَدَمَ التَّحْرِيمِ هُنَا إمَّا؛ لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ أَوْ لِلْحَاجَةِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَوْضِعًا فِي الصَّفِّ يَقِفُ فِيهِ (وَقَفَ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ إنْ أَمْكَنَهُ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مَوْقِفُ الْوَاحِدِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) الْوُقُوفُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ (فَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ بِكَلَامٍ أَوْ بِنَحْنَحَةٍ أَوْ إشَارَةٍ مَنْ يَقُومُ مَعَهُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اجْتِنَابِ الْفَذِّيَّةِ (وَيَتْبَعُهُ) مَنْ يُنَبِّهُهُ، وَظَاهِرُهُ وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ. (وَيُكْرَهُ) تَنْبِيهُهُ (بِجَذْبِهِ نَصًّا) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَلَوْ كَانَ عَبْدَهُ أَوْ ابْنَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ، حَالَ الْعِبَادَةِ: كَالْأَجْنَبِيِّ (فَإِنْ صَلَّى فَذًّا رَكْعَةً وَلَوْ امْرَأَةً خَلْفَ امْرَأَةٍ) لَمْ تَصِحَّ لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ شَيْبَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا صَلَاةَ لِفَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَثْبَتَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ هَذَا الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَوْقِفَ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَفَ قُدَّامَ الْإِمَامِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْعَامِدِ وَضِدِّهِمَا (أَوْ) وَقَفَ (عَنْ يَسَارِهِ، وَلَوْ) كَانَ الْمَأْمُومُ (جَمَاعَةً مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ لَمْ تَصِحَّ) إذَا صَلَّى رَكْعَةً كَذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ مَوْقِفِهِ وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ. (وَلَوْ كَانَ خَلْفَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (صَفٌّ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ مَنْ صَلَّى عَنْ يَسَارِهِ مَعَ خُلُوِّ يَمِينِهِ (فَإِنْ كَبَّرَ) فَذًّا (ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ طَمَعًا فِي إدْرَاكِ الرَّكْعَةِ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قَبْلَ الرُّكُوعِ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ. (وَإِنْ رَكَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ فِي الصَّفِّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ) مَأْمُومٌ (آخَرُ قَبْلَ رَفْعِ الْإِمَامِ) مِنْ الرُّكُوعِ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ فِي الصَّفِّ مَا يُدْرِكُ بِهِ الرَّكْعَةَ. (وَكَذَا إنْ رَفَعَ الْإِمَامُ) مِنْ الرُّكُوعِ فَذًّا (وَلَمْ يَسْجُدْ) حَتَّى دَخَلَ الصَّفَّ، أَوْ جَاءَ آخَرُ فَوَقَفَ مَعَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ الرُّكُوعَ. (وَلَا) تَصِحُّ صَلَاتُهُ (إنْ سَجَدَ) إمَامُهُ
فصل في أحكام الاقتداء
قَبْل دُخُولِهِ فِي الصَّفِّ، وَمَجِيءِ آخَرَ يَقْفُ مَعَهُ، لِانْفِرَادِهِ فِي مُعْظَمِ الرَّكْعَةِ. (وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ رَكَعَ وَرَفَعَ فَذًّا ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ أَوْ وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنْ لَا يَخَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي الْمَعْذُورِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ. (وَلَوْ زُحِمَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْ الصَّفِّ، وَبَقِيَ فَذًّا فَإِنَّهُ يَنْوِي مُفَارَقَةَ الْإِمَامِ) لِلْعُذْرِ. (وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مِنْهَا رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ (وَإِنْ أَقَامَ عَلَى مُتَابَعَةِ إمَامِهِ، وَيُتِمُّهَا مَعَهُ) جُمُعَةً (فَذًّا، صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) فِي وَجْهٍ؛ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُقْضَى فَاغْتُفِرَ فِيهَا ذَلِكَ وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ عَدَمَ الصِّحَّةِ، ذَكَرَهُ فِي الْجُمُعَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ] (فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الِاقْتِدَاءِ) (إذَا كَانَ الْمَأْمُومُ يَرَى الْإِمَامَ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ، وَكَانَا فِي الْمَسْجِدِ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَلَوْ لَمْ تَتَّصِلْ الصُّفُوفُ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ بُنِيَ لِلْجَمَاعَةِ فَكُلُّ مَنْ حَصَلَ فِيهِ حَصَلَ فِي مَحَلِّ الْجَمَاعَةِ، بِخِلَافِ خَارِجِ الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلِاجْتِمَاعِ فِيهِ فَلِذَلِكَ اُشْتُرِطَ الِاتِّصَالُ فِيهِ. (وَكَذَا إنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ: الْإِمَامِ أَوْ مَنْ وَرَاءَهُ (إنْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) ؛ لِأَنَّهُمْ فِي مَوْضِعِ الْجَمَاعَةِ وَيُمْكِنُهُمْ الِاقْتِدَاءُ بِهِ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ أَشْبَهَ الْمُشَاهَدَةَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ التَّكْبِيرَ وَلَمْ يَرَهُ وَلَا بَعْضُ مَنْ وَرَاءَهُ (فَلَا) تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، لِعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِإِمَامِهِ. (وَإِنْ كَانَا) أَيْ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ (خَارِجَيْنِ عَنْهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (أَوْ) كَانَ (الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ) خَارِجًا عَنْ الْمَسْجِدِ الَّذِي بِهِ الْإِمَامُ وَلَوْ كَانَ بِمَسْجِدٍ آخَرَ (وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ صَحَّتْ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (إنْ رَأَى) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ وَلَوْ كَانَتْ جُمُعَةً فِي دَارٍ أَوْ دُكَّانٍ لِانْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ وَهُوَ الرُّقْيَةُ وَإِمْكَانُ الِاقْتِدَاءِ. (وَلَوْ) كَانَتْ الرُّقْيَةُ (مِمَّا لَا يُمْكِنْ الِاسْتِطْرَاقُ مِنْهُ كَشُبَّاكٍ وَنَحْوِهِ) كَطَاقٍ صَغِيرَةٍ، فَتَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ (وَإِنْ لَمْ يَرَ) الْمَأْمُومُ (أَحَدَهُمَا) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ بَعْضِ مَنْ وَرَاءَهُ. (وَالْحَالَةُ هَذِهِ) أَيْ وَهُمَا خَارِجَا الْمَسْجِدِ أَوْ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ خَارِجَهُ (لَمْ يَصِحَّ) اقْتِدَاؤُهُ بِهِ (وَلَوْ سَمِعَ التَّكْبِيرَ) لِقَوْلِ
عَائِشَةَ لِنِسَاءٍ كُنَّ يُصَلِّينَ فِي حُجْرَتِهَا لَا تُصَلِّينَ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّكُنَّ دُونَهُ فِي حِجَابٍ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي الْغَالِبِ قُلْتُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إمْكَانُ الرُّؤْيَةِ لَوْلَا الْمَانِعُ، إنْ كَانَ بِالْمَأْمُومِ عَمًى أَوْ كَانَ فِي ظُلْمَةٍ وَكَانَ بِحَيْثُ يُرَى لَوْلَا ذَلِكَ صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ حَيْثُ أَمْكَنَتْهُ الْمُتَابَعَةُ، وَلَوْ بِسَمَاعِ التَّكْبِيرِ وَكَذَا إنْ كَانَ الْمَأْمُومُ وَحْدَهُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَسْجِدٍ غَيْرِ الَّذِي بِهِ الْآخَرُ فَلَا يَصِحُّ اقْتِدَاءُ الْمَأْمُومِ إذَنْ إنْ لَمْ يَرَ الْإِمَامَ أَوْ بَعْضَ مَنْ وَرَاءَهُ. (وَتَكْفِي الرُّؤْيَةُ فِي بَعْضِ الصَّلَاةِ) كَحَالِ الْقِيَامِ أَوْ الرُّكُوعِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَجِدَارُ الْحُجْرَةِ قَصِيرٌ، فَرَأَى النَّاسُ شَخْصَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ أُنَاسٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ» الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَالِ قِيَامِهِ. (وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا) لِعَدَمِ الْفَارِقِ (وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ الصُّفُوفِ) لِعَدَمِ الْفَارِقِ فِيمَا إذَا كَانَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ (أَيْضًا) أَيْ كَمَا لَا يُشْتَرَطُ كَانَا فِي الْمَسْجِدِ (إذَا حَصَلَتْ الرُّؤْيَةُ الْمُعْتَبَرَةُ وَأَمْكَنَ الِاقْتِدَاءُ) أَيْ الْمُتَابَعَةُ. (وَلَوْ جَاوَزَ) مَا بَيْنَهُمَا (ثَلَاثَمِائَةِ ذِرَاعٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ. (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نَهْرٌ تَجْرِي فِيهِ السُّفُنُ) لَمْ تَصِحَّ (أَوْ) كَانَ بَيْنَهُمَا (طَرِيقٌ وَلَمْ تَتَّصِلْ فِيهِ الصُّفُوفُ عُرْفًا إنْ صَحَّتْ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ وَالْجِنَازَةِ لِضَرُورَةٍ، لَمْ تَصِحَّ فَإِنْ اتَّصَلَتْ إذَنْ صَحَّتْ (أَوْ اتَّصَلَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (وَقُلْنَا لَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ (أَوْ انْقَطَعَتْ) الصُّفُوفُ (فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (مُطْلَقًا) سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ مِمَّا تَصِحُّ فِي الطَّرِيقِ أَوْ لَا، وَبَعْضُهُ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاةُ الْمَأْمُومِ؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا يَمْنَعُ الِاتِّصَالَ، وَالنَّهْرُ الْمَذْكُورُ فِي مَعْنَاهَا وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ لِعَدَمِ النَّصِّ فِي ذَلِكَ وَالْإِجْمَاعِ. (وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ: مَنْ بِسَفِينَةٍ وَإِمَامُهُ فِي أُخْرَى غَيْرِ مَقْرُونَةٍ بِهَا) ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ طَرِيقٌ وَلَيْسَتْ الصُّفُوفُ مُتَّصِلَةً (فِي غَيْرِ شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ الِاقْتِدَاءُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْحَاجَةِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ الْمَأْمُومِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُومَنَّ فِي مَكَان أَرْفَعَ مِنْ مَكَانِهِمْ» وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ «وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لِحُذَيْفَةَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُنْهَوْنَ عَنْ ذَلِكَ؟ قَالَ بَلَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِ ثِقَاتٍ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ
يَقْصِدَ تَعْلِيمَهُمْ أَمْ لَا وَمَحَلُّهُ إذَا كَانَ (كَثِيرًا وَهُوَ ذِرَاعٌ فَأَكْثَرُ) مِنْ ذِرَاعٍ. (وَلَا بَأْسَ بِ) عُلُوٍّ (يَسِيرٍ كَدَرَجَةِ مِنْبَرٍ وَنَحْوِهَا) مِمَّا دُونَ ذِرَاعٍ جَمْعًا بَيْنَ مَا تَقَدَّمَ وَبَيْنَ حَدِيثِ سَهْلٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ النَّاسُ ثُمَّ عَاد حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ قَالَ «إنَّمَا فَعَلْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي، وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الدَّرَجَةِ السُّفْلَى لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى عَمَلٍ كَثِيرٍ فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ فَيَكُونُ ارْتِفَاعًا يَسِيرًا. (وَلَا بَأْسَ بِعُلُوِّ مَأْمُومٍ وَلَوْ) كَانَ عُلُوُّهُ (كَثِيرًا نَصًّا) وَلَا يُعِيدُ الْجُمُعَةَ مَنْ يُصَلِّيهَا فَوْقَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ وَرَوَاهُ سَعْدٌ عَنْ أَنَسٍ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ الِاقْتِدَاءُ أَشْبَهَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ. (وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ نَصًّا) وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ الْجَاهِلُ لَكِنْ. قَالَ الْحَسَنُ الطَّاقُ فِي الْمَسْجِدِ أَحْدَثَهُ النَّاسُ وَكَانَ أَحْمَدُ يَكْرَهُ كُلَّ مُحْدَثٍ. (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ الصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ الْمِحْرَابِ (إذَا كَانَ يَمْنَعُ الْمَأْمُومَ مُشَاهَدَتَهُ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَتِرُ عَنْ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حِجَابٌ (إلَّا مِنْ حَاجَةٍ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ) وَكَثْرَةِ الْجَمْعِ فَلَا يُكْرَهُ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَلَا) يُكْرَهُ (سُجُودُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمِحْرَابِ، إذَا كَانَ وَاقِفًا خَارِجَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَحَلَّ مُشَاهَدَتِهِ. (وَيَقِفُ الْإِمَامُ عَنْ يَمِينِ الْمِحْرَابِ إذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا نَصًّا) لِتَمَيُّزِ جَانِبِ الْيَمِينِ. (وَيُكْرَهُ تَطَوُّعُهُ) أَيْ الْإِمَامِ (فِي مَوْضِعِ الْمَكْتُوبَةِ بَعْدَهَا) نَصَّ عَلَيْهِمْ وَقَالَ كَذَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ «لَا يُصَلِّيَنَّ الْإِمَامُ فِي مَقَامِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْمَكْتُوبَةَ حَتَّى يَتَنَحَّى عَنْهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد إلَّا أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لَا أَعْرِفُ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ عَلِيٍّ وَلِأَنَّ فِي تَحَوُّلِهِ مِنْ مَكَانِهِ إعْلَامًا لِمَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ أَنَّهُ قَدْ صَلَّى فَلَا يَنْتَظِرُهُ وَيَطْلُبُ جَمَاعَةً أُخْرَى (بِلَا حَاجَةٍ) كَضِيقِ الْمَسْجِدِ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لَمْ يُكْرَهْ. (وَتَرْكُ مَأْمُومٍ لَهُ) أَيْ لِلتَّطَوُّعِ مَوْضِعَ الْمَكْتُوبَةِ (أَوْلَى) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُسَنُّ الْفِعْلُ بَيْنَ فَرْضٍ وَسُنَّتِهِ بِكَلَامٍ أَوْ قِيَامٍ، بَلْ النَّفَلُ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ. (وَيُكْرَهُ إطَالَةُ الْقُعُودِ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِضِيقِ الْمَسْجِدِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ إذَا بَقِيَ عَلَى حَالِهِ رُبَّمَا سَهَا فَظُنَّ أَنَّهُ يُسَلِّمُ أَوْ ظَنَّ غَيْرُهُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمَأْمُومُ وَالْمُنْفَرِدُ عَلَى حَالِهِمَا (إنْ لَمْ يَكُنْ) هُنَاكَ (نِسَاءٌ وَلَا حَاجَةٌ) تَدْعُو إلَى إطَالَةِ
الْجُلُوسِ مُسْتَقْبِلًا كَمَا إذَا لَمْ يَجِدْ مُنْصَرَفًا وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِانْحِرَافُ (فَإِنْ أَطَالَ) الْإِمَامُ الْجُلُوسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (انْصَرَفَ مَأْمُومٌ إذَنْ) لِمُخَالَفَةِ الْإِمَامِ السُّنَّةَ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُطِلْ الْإِمَامُ الْجُلُوسَ (اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ لِلْمَأْمُومِ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَسْبِقُونِي بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَذْكُرُ سَهْوًا فَيَسْجُدُ لَهُ وَإِنْ انْحَرَفَ فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلنِّسَاءِ قِيَامُهُنَّ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ، وَثُبُوتُ الرِّجَالِ قَلِيلًا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيُّ فَنَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكْهُنَّ الرِّجَالُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَلِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِذَلِكَ يُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ (وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (صِفَةِ الصَّلَاةِ) . (وَيُكْرَهُ اتِّخَاذُ غَيْرِ الْإِمَامِ مَكَانًا بِالْمَسْجِدِ، لَا يُصَلِّي فَرْضَهُ إلَّا فِيهِ) «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إيطَانِ الْمَكَانِ كَإِيطَانِ الْبَعِيرِ» وَفِي إسْنَادِهِ تَمِيمُ بْنُ مَحْمُودٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي إسْنَادِ حَدِيثِهِ نَظَرٌ. لَا بَأْسَ (بِهِ) أَيْ اتِّخَاذِ مَكَان لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ (فِي النَّفْلِ) لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ وَقَالَ الْمَرْوَزِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ لَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ وَيَكْرَهُ إيطَانَهَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ فَاضِلَةً، خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا سَبَقَ مِنْ تَحَرِّي نَقْرَةَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ «سَلَمَةَ كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَ الْأُسْطُوَانَةِ الَّتِي عِنْدَ الْمُصْحَفِ وَقَالَ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَحَرَّى الصَّلَاةَ عِنْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ وَظَاهِرُهُ أَيْضًا: وَلَوْ كَانَ لِحَاجَةٍ، كَإِسْمَاعِ حَدِيثٍ وَتَدْرِيسٍ، وَإِفْتَاءٍ وَنَحْوِهِ وَيَتَوَجَّهُ لَا وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ اتِّفَاقًا. (وَيُكْرَهُ لِلْمَأْمُومِينَ الْوُقُوفُ بَيْنَ السَّوَارِي إذَا قَطَعَتْ صُفُوفَهُمْ عُرْفًا) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ «كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ بَيْنَ السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِيهِ لِينٌ وَقَالَ أَنَسٌ كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّفَّ قَالَ بَعْضُهُمْ فَتَكُونُ سَارِيَةٌ عَرْضُهَا مَقَامَ ثَلَاثَةِ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَاجَةٌ كَضِيقِ الْمَسْجِدِ وَكَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ لَمْ يُكْرَهْ (وَلَا يُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) أَنْ يَقِفَ بَيْنَ السَّوَارِي؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ صَفٌّ يُقْطَعُ. (وَلَوْ أَمَّتْ امْرَأَةٌ امْرَأَةً وَاحِدَةً، أَوْ) أَمَّتْ (أَكْثَرَ) مِنْ امْرَأَةٍ كَاثْنَتَيْنِ فَأَكْثَرَ (لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ خَلْفَهَا مُفْرَدَةً) كَالرَّجُلِ خَلْفَ الرَّجُلِ وَكَذَا لَوْ وَقَفَتْ عَنْ يَسَارِهَا (وَتَقَدَّمَ) .
فصل في الأعذار المبيحة لترك الجمعة والجماعة
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ (وَمِنْ الْأَدَبِ وَضْعُ الْإِمَامِ نَعْلَهُ عَنْ يَسَارِهِ) فِي حَالِ صَلَاتِهِ إكْرَامًا لِجِهَةِ يَمِينِهِ. (وَ) وَضْعُ (مَأْمُومٍ) نَعْلَهُ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ قُدَّامَهُ (لِئَلَّا يُؤْذِيَ غَيْرَهُ) وَتَقَدَّمَ: يُسْتَحَبُّ تَفَقُّدُهُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْأَوْلَى تَنَاوُلُهُ بِيَسَارِهِ. [فَصْلٌ فِي الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ لِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ] ِ) (وَيُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَرِيضٌ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا مَرِضَ تَخَلَّفَ عَنْ الْمَسْجِدِ وَقَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُعْذَرُ فِي ذَلِكَ (خَائِفُ حُدُوثِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْن عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ الْعُذْرَ بِالْخَوْفِ وَالْمَرَضِ» (أَوْ) خَائِفُ (زِيَادَتِهِ) أَيْ الْمَرَضِ (أَوْ تَبَاطُئِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَرِيضٌ (فَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ) الْمَرِيضُ (بِإِتْيَانِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (رَاكِبًا أَوْ مَحْمُولًا أَوْ تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُرْكِبَهُ أَوْ يَحْمِلَهُ، أَوْ يَقُودَ أَعْمَى (لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ) لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا (دُونَ الْجَمَاعَةِ) نَقَلَ الْمَرْوَزِيُّ فِي الْجُمُعَةِ: يَكْتَرِي وَيَرْكَبُ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى ضَعْفٍ عَقِبَ الْمَرَضِ فَأَمَّا مَعَ الْمَرَضِ فَلَا يَلْزَمُهُ لِبَقَاءِ الْعُذْرِ وَمَحَلِّ سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ عَنْ الْمَرِيضِ وَنَحْوِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ) فَإِنْ كَانَ فِيهِ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ وَالْجَمَاعَةُ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ. (وَ) يُعْذَرُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ فِعْلِهِمَا كَالْمَحْبُوسِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . (وَ) يُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ (مَنْ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ) الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ (أَوْ) يُدَافِعُ (أَحَدَهُمَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنْ إكْمَالِ الصَّلَاةِ وَخُشُوعِهَا (أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَهُ الشِّبَعُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ «وَلَا تَعْجَلَنَّ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْهُ» (أَوْ خَائِفٌ مِنْ ضِيَاعِ مَالِهِ، كَغَلَّةٍ فِي بَيَادِرِهَا، وَدَوَابّ وَأَنْعَامٍ لَا حَافِظَ لَهَا غَيْرُهُ وَنَحْوِهِ أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (تَلَفِهِ كَخُبْزٍ فِي تَنُّورٍ وَطَبِيخٍ عَلَى نَارٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ) خَائِفِ (فَوَاتِهِ كَالضَّائِعِ يَدُلُّ بِهِ) أَيْ عَلَيْهِ (فِي مَكَان، كَمَنْ ضَاعَ لَهُ كِيسٌ أَوْ أَبِقَ لَهُ عَبْدٌ وَهُوَ يَرْجُو وُجُودَهُ، أَوْ قَدِمَ بِهِ مِنْ سَفَرٍ إنْ لَمْ يَقِفْ لِأَخْذِهِ ضَاعَ لَكِنْ قَالَ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ (الْأَفْضَلُ تَرْكُ مَا يَرْجُو وُجُودَهُ وَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ)
لِأَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى وَرُبَّمَا لَا يَنْفَعُهُ حَذَرُهُ (أَوْ) خَائِفٍ مِنْ (ضَرَرٍ فِيهِ) أَيْ مَالِهِ (أَوْ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا، أَوْ أَطْلَقَ الْمَاءَ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ بُسْتَانِهِ، يَخَافُ إنْ تَرَكَهُ فَسَدَ أَوْ كَانَ مُسْتَحْفَظًا عَلَى شَيْءٍ يَخَافُ عَلَيْهِ) الضَّيَاعَ (إنْ ذَهَبَ وَتَرَكَهُ، كَنَاطُورِ بُسْتَانٍ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ الْمَشَقَّةَ اللَّاحِقَةَ بِذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ بَلِّ الثِّيَابِ بِالْمَطَرِ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ خَوْفُ فَوْتِ الْمَالِ عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ إنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ سَبَبَهُ، بَلْ حَصَلَ اتِّفَاقًا تَنْبِيهٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّاطِرُ وَالنَّاطُورُ: حَافِظُ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ أَعْجَمِيٌّ، الْجَمْعُ نُطَّارٌ وَنُطَرَاءُ وَنَوَاطِيرُ وَنَطَرَةٌ وَالْفِعْلُ النَّطْرُ وَالنِّطَارَةُ بِالْكَسْرِ (أَوْ كَانَ عُرْيَانًا وَلَمْ يَجِدْ سُتْرَةً، أَوْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ، وَنَحْوَهُ فِي غَيْرِ جَمَاعَةِ عُرَاةٍ) لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْخَجَلِ فَإِنْ كَانُوا عُرَاةً كُلُّهُمْ صَلَّوْا جَمَاعَةً وُجُوبًا وَتَقَدَّمَ (أَوْ خَائِفِ مَوْتِ رَفِيقِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَلَا يَحْضُرُهُ، أَوْ لِتَمْرِيضِهِمَا) يُقَالُ: مَرَّضْتُهُ تَمْرِيضًا، قُمْتُ بِمُدَاوَاتِهِ، قَالَهُ فِي الْمِصْبَاحِ (إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ) ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ يَتَجَمَّرُ لِلْجُمُعَةِ، فَآتَاهُ بِالْعَقِيقِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا (أَوْ خَائِفٍ عَلَى حَرِيمِهِ أَوْ نَفْسِهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ لِصٍّ أَوْ مُلَازَمَةِ غَرِيمٍ) وَلَا شَيْءَ مَعَهُ يُعْطِيهِ (أَوْ حَبْسِهِ بِحَقٍّ لَا وَفَاءَ لَهُ) ؛ لِأَنَّ حَبْسَ الْمُعْسِرِ ظُلْمٌ وَكَذَا إنْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلًا وَخَشِىَ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهِ قَبْلَ مَحَلِّهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إذَا قَدَرَ عَلَى أَدَاءِ دَيْنِهِ فَلَا عُذْرَ لِلنَّصِّ (أَوْ) خَافَ (فَوَات رُفْقَةٍ مُسَافِرٌ سَفَرًا مُبَاحًا مُنْشِئًا) لِلسَّفَرِ (أَوْ مُسْتَدِيمًا) لَهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا (أَوْ غَلَبَهُ نُعَاسٌ يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (فِي الْوَقْتِ أَوْ) يَخَافُ مَعَهُ فَوْتَهَا (مَعَ الْإِمَامِ) ؛ لِأَنَّ رَجُلًا صَلَّى مَعَ مُعَاذٍ ثُمَّ انْفَرَدَ، فَصَلَّى وَحْدَهُ عِنْدَ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ وَخَوْفِ النُّعَاسِ وَالْمَشَقَّةِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ أَخْبَرَهُ. ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ. وَفِي الْمُذْهَبِ وَالْوَجِيزِ: يُعْذَرُ فِيهِمَا أَيْ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ بِخَوْفِهِ نَقْضَ الْوُضُوءِ بِانْتِظَارِهِمَا (وَالصَّبْرُ وَالتَّجَلُّدُ عَلَى دَفْعِ النُّعَاسِ وَيُصَلِّي مَعَهُمْ) جَمَاعَةً (أَفْضَلُ) لِمَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ (أَوْ تَطْوِيلُ إمَامٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي انْفَرَدَ عَنْ مُعَاذٍ لِتَطْوِيلِهِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ مَنْ عَلَيْهِ قَوَدٌ إنْ رَجَا الْعَفْوَ) عَنْهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى مَالٍ حَتَّى يُصَالِحَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْقَوَدِ (حَدُّ قَذْفٍ) ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ وَهَذَا تَوْجِيهٌ لِصَاحِبِ الْفُرُوعِ وَلِهَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَكَذَا لَوْ كَانَ
لِآدَمِيٍّ كَحَدِّ قَذْفٍ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا وَقَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ. (وَمَنْ عَلَيْهِ حَدٌّ لِلَّهِ) تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَقَطْعِ السَّرِقَةِ (فَلَا يُعْذَرُ بِهِ) فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا يَدْخُلُهَا الْمُصَالَحَةُ، بِخِلَافِ الْقِصَاصِ (أَوْ مُتَأَذٍّ بِمَطَرٍ أَوْ وَحَلٍ) بِتَحْرِيكِ الْحَاءِ وَالتَّسْكِينُ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ (أَوْ ثَلْجٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ رِيحٍ بَارِدَةٍ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنَادِي مُنَادِيهِ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَمْ يَقُلْ فِي السَّفَرِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ «ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ زَادَ مُسْلِمٌ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقَدْ فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ الْجُمُعَةَ عَزِيمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فِي الطِّينِ وَالدَّحْضِ» وَالثَّلْجِ وَالْجَلِيدِ، وَالْبَرْدُ كَذَلِكَ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَالرِّيحُ الْبَارِدَةُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ عُذْرٌ؛ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ الْمَطَرِ. (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الرِّيحُ شَدِيدَةً) خِلَافًا لِظَاهِرِ الْمُقْنِعِ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي، أَنَّ كُلَّ مَا أَذْهَبَ الْخُشُوعَ كَالْحَرِّ الْمُزْعِجِ: عُذْرٌ وَلِهَذَا جَعَلَهُ الْأَصْحَابُ كَالْبَرْدِ فِي الْمَنْعِ مِنْ الْحُكْمِ وَالْإِفْتَاءِ (وَالزَّلْزَلَةُ عُذْرٌ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي) ؛ لِأَنَّهَا نَوْعُ خَوْفٍ. (قَالَ ابْنُ عُقَيْلٍ وَمَنْ لَهُ عَرُوسٌ تَجَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَهُوَ عُذْرٌ (وَالْمُنْكَرُ فِي طَرِيقِهِ) إلَى الْمَسْجِدِ (لَيْسَ عُذْرًا نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي هُوَ الْجُمُعَةُ أَوْ الْجَمَاعَةُ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ لَا قَضَاءُ حَقٍّ لِغَيْرِهِ وَكَذَا الْمُنْكَرُ فِي الْمَسْجِدِ كَدُعَاءِ الْبُغَاةِ لَيْسَ عُذْرًا أَوْ يُنْكِرُهُ بِحَبْسِهِ. (وَلَا الْعَمَى) فَلَيْسَ عُذْرًا (مَعَ قُدْرَتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ (فَإِنْ عَجَزَ) الْأَعْمَى عَنْ قَائِدٍ (فَتَبَرَّعَ قَائِدٌ) بِقَوْدِهِ (لَزِمَهُ) حُضُورُ الْجُمُعَةِ، لَا الْجَمَاعَةِ، كَمَا ظَهَرَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَأَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا. (وَلَا الْجَهْلُ بِالطَّرِيقِ) أَيْ لَيْسَ عُذْرًا (إنْ وَجَدَ مَنْ يَهْدِيهِ) أَيْ يَدُلُّهُ عَلَى الْمَسْجِدِ. تَتِمَّةٌ: قَالَ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ: وَيَلْزَمُهُ، أَيْ الْأَعْمَى إنْ وَجَدَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْقَائِدِ، كَمَدِّ الْحَبْلِ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. (وَيُكْرَهُ حُضُورُ الْمَسْجِدِ) لِمَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ، حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ (وَلَوْ خَلَا الْمَسْجِدُ مِنْ آدَمِيٍّ، لَتَأَذَّى الْمَلَائِكَةُ) بِرِيحِهِ وَلِحَدِيثِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . (وَالْمُرَادُ حُضُورُ الْجَمَاعَةِ، حَتَّى وَلَوْ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِ صَلَاةٍ) ذُكِرَ مَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالْحَاصِلُ، كَمَا فِي الْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ حُضُورُ مَسْجِدٍ وَجَمَاعَةٍ مُطْلَقًا (لِمَنْ أَكَلَ
باب صلاة أهل الأعذار
ثُومًا أَوْ بَصَلًا) نِيئَيْنِ (أَوْ فُجْلًا وَنَحْوَهُ) كَكُرَّاثٍ (حَتَّى يَذْهَبَ رِيحُهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيذَاءِ وَيُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ (وَكَذَا جَزَّارٌ لَهُ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ، وَمَنْ لَهُ صُنَانٌ) قُلْتُ وَزِيَاتٌ وَنَحْوُهُ، مِنْ كُلِّ ذِي رَائِحَةٍ مُنْتِنَةٍ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الْأَذَى. (وَكَذَا مَنْ بِهِ بَرَصٌ جُذَامٌ يُتَأَذَّى بِهِ) قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الثُّومِ وَنَحْوِهِ، بِجَامِعِ الْأَذَى وَيَأْتِي فِي التَّعْزِيرِ مَنْعُ الْجَذْمَى مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصِحَّاءِ فَائِدَةٌ يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ الْكَرِيهَةَ مَضْغُ السَّذَابِ أَوْ السَّعْدِ قَالَهُ الْأَطِبَّاءُ. [بَابُ صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ] ِ وَهُمْ الْمَرِيضُ وَالْمُسَافِرُ وَالْخَائِفُ وَنَحْوُهُمْ، وَالْأَعْذَارُ: جَمْعُ عُذْرٍ كَأَقْفَالٍ جَمْعُ قُفْلٍ (يَجِبُ أَنْ يُصَلِّيَ مَرِيضٌ قَائِمًا إجْمَاعًا فِي فَرْضٍ، وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ إلَّا كَصِفَةِ رُكُوعٍ كَصَحِيحٍ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا «صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ زَادَ النَّسَائِيُّ فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا وَحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَوْ) كَانَ فِي قِيَامِهِ (مُعْتَمِدًا عَلَى شَيْءٍ) مِنْ نَحْوِ حَائِطٍ (أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى حَائِطٍ) وَنَحْوِهَا (وَلَوْ) كَانَ اعْتِمَادُهُ أَوْ اسْتِنَادُهُ إلَى شَيْءٍ (بِأُجْرَةِ) مِثْلِهِ أَوْ زَائِدَةٍ يَسِيرًا (إنْ قَدَرَ عَلَيْهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْأُجْرَةِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ مَا يَسْتَطِيعُ (سِوَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ، عِنْدَ عَدِّ الْقِيَامِ مِنْ الْأَرْكَانِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْمَرِيضُ الْقِيَامَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقِيَامُ (مَشَقَّةً شَدِيدَةً، لِضَرَرٍ مِنْ زِيَادَةِ مَرَضٍ أَوْ تَأَخُّرِ بُرْءٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ كَانَ الْقِيَامُ يُوهِنُهُ (حَيْثُ جَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (قَاعِدًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ (مُتَرَبِّعًا نَدْبًا) كَمُتَنَفِّلٍ. (وَكَيْفَ قَعَدَ جَازَ) كَالْمُتَنَفِّلِ (وَيَثْنِي رِجْلَيْهِ فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ) وَأَسْقَطَهُ الْقَاضِي بِضَرَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وَإِنَّهُ لَوْ تَحَمَّلَ الصَّلَاةَ وَالْقِيَامَ حَتَّى ازْدَادَ مَرَضُهُ أَثِمَ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الْقُعُودَ (أَوْ شَقَّ عَلَيْهِ) الْقُعُودُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقِيَامِ. (وَلَوْ) كَانَ عَجْزُهُ عَنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ (بِتَعَدِّيهِ بِضَرْبِ سَاقِهِ وَنَحْوِهِ) كَفَخِذِهِ (كَتَعَدِّيهَا) أَيْ الْحَامِلِ (بِضَرْبِ بَطْنِهَا حَتَّى نَفِسَتْ كَمَا سَبَقَ) فِي آخِرِ بَابِ الْحَيْضِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (عَلَى جَنْبٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ. (وَ) الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنْبِ (الْأَيْمَنِ أَفْضَلُ) مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنْبِ الْأَيْسَرِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى قَاعِدًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ
أَوْمَأَ وَجَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنْ صَلَّى عَلَى الْأَيْسَرِ فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ جَوَازُهُ لِظَاهِرِ خَبَرِ عِمْرَانَ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَهُوَ حَاصِلٌ وَقَالَ الْآمِدِيُّ: يُكْرَهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ. (وَيَصِحُّ) أَنْ يُصَلِّي (عَلَى ظَهْرِهِ وَرِجْلَاهُ إلَى الْقِبْلَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى الصَّلَاةِ (عَلَى جَنْبِهِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ اسْتِقْبَالٍ وَلِهَذَا يُوَجَّهُ الْمَيِّتُ كَذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِلِاخْتِلَافِ، فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ إذَنْ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ (تَعَيَّنَ الظَّهْرُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ. (وَيَلْزَمُهُ الْإِيمَاءُ بِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ بِرَأْسِهِ مَا أَمْكَنَهُ) لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (وَيَكُونُ سُجُودُهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ) وُجُوبًا لِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ وَلِيَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِرَأْسِهِ لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ (أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ) أَيْ عَيْنِهِ (وَنَوَى بِقَلْبِهِ) لِمَا رَوَى زَكَرِيَّا السَّاجِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ» وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يَلْزَمُهُ وَصَوَّبَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِعَدَمِ ثُبُوتِهِ (كَأَسِيرٍ عَاجِزٍ) عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْإِيمَاءِ بِهِمَا بِرَأْسِهِ (لِخَوْفِهِ) مِنْ عَدُوِّهِ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ إذَنْ (وَيَأْتِي حُكْمُ الْأَسِيرِ) فِي آخِرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ (فَإِنْ عَجَزَ) عَنْ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ (فَ) إنَّهُ يُصَلِّي (بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا الْقَوْلَ) إنْ عَجَزَ عَنْهُ بِلَفْظِهِ (وَ) مُسْتَحْضِرًا (الْفِعْلَ) بِقَلْبِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] وَقَوْلِهِ {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَلَا تَسْقُطُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ) عَنْ الْمُكَلَّفِ (مَا دَامَ عَقْلُهُ ثَابِتًا) لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يَنْوِيَ بِقَلْبِهِ مَعَ الْإِيمَاءِ بِطَرْفِهِ، أَوْ بِدُونِهِ، وَلِعُمُومِ أَدِلَّةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْعُذْرِ» إسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ الْأَحْدَبُ يُجَدِّدُ لِلرُّكُوعِ) قُلْتُ: وَمِثْلُهُ الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ عَنْهُ (نِيَّةً، لِكَوْنِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، كَمَرِيضٍ لَا يُطِيقُ الْحَرَكَةَ، يُجَدِّدُ لِكُلِّ فِعْلٍ وَرُكْنٍ قَصْدًا) لِتَتَمَيَّزَ الْأَفْعَالُ وَالْأَرْكَانُ (كَفُلْكٍ فِي) اللُّغَةِ (الْعَرَبِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَصْلُحُ (لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ) وَيَتَمَيَّزُ
أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ (بِالنِّيَّةِ) فَإِذَا أُرِيدَ الْوَاحِدُ نَوَى الْمُتَكَلِّمَ ذَلِكَ، وَإِذَا أُرِيدَ الْجَمْعَ نَوَاهُ كَذَلِكَ أَفْعَالُ الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَمْيِيزُهَا بِالْفِعْلِ فَإِنَّهَا تَمَيُّزٌ بِالنِّيَّةِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ عَجَزَ عَنْ السُّجُودِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْنِيَ ظَهْرَهُ حَتَّى رَقَبَتِهِ وَإِنْ تَقَوَّسَ ظَهْرُهُ فَصَارَ كَالرَّاكِعِ زَادَ فِي الِانْحِنَاءِ قَلِيلًا إذَا رَكَعَ وَيُقَرِّبُ وَجْهَهُ إلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ، حَسَبَ الْإِمْكَانِ. (وَإِنْ سَجَدَ) الْعَاجِزُ عَنْ السُّجُودِ (مَا أَمْكَنَهُ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ الِانْحِطَاطُ أَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ) مِنْ مِخَدَّةٍ وَنَحْوِهَا (رَفَعَهُ) عَنْ الْأَرْضِ (كُرِهَ) لِلْخِلَافِ فِي مَنْعِهِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الرَّافِعُ لَهُ غَيْرَهُ عَلَى ظَاهِرِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ. (وَأَجْزَأَ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُمْكِنُهُ مِنْ الِانْحِطَاطِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَوَمَأَ. (وَلَا بَأْسَ بِسُجُودِهِ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا) مَوْضُوعَةٍ بِالْأَرْضِ لَمْ تُرْفَعْ عَنْهَا وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ أُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ وَنَهَى عَنْهُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ (وَلَا يَلْزَمهُ) السُّجُودُ عَلَى وِسَادَةٍ وَنَحْوِهَا وَيُومِئُ غَايَةَ مَا يُمْكِنُهُ. وَلَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْمَرِيضِ الْمُصَلِّي عَلَى جَنْبِهِ أَوْ مُسْتَلْقِيًا عَنْ أَجْرِ الصَّحِيحِ الْمُصَلِّي قَائِمًا، لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى «إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا» وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْمُتَخَلِّفِ عَنْ الْجِهَادِ لِعُذْرٍ: لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَجْرِ، لِأَكْلِهِ، مَعَ قَوْلِهِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ قَائِمًا لِعَجْزِهِ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ قَائِمًا لَا يَنْقُصُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا فَفَرْقٌ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ الْعِبَادَةَ عَلَى قُصُورٍ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَحَدِيثُ «ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ» يُبَيِّنُ أَنَّ فِعْلَ الْخَيْرِ لَيْسَ كَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ وَلَيْسَ مَنْ حَجَّ كَمَنْ عَجَزَ عَنْ الْحَجِّ. (فَإِنْ قَدَرَ) الْمَرِيضُ (عَلَى الْقِيَامِ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ انْتَقَلَ إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] (أَوْ) قَدَرَ عَلَى (الْقُعُودِ وَنَحْوِهِ مِمَّا عَجَزَ عَنْهُ مِنْ كُلِّ رُكْنٍ أَوْ وَاجِبٍ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، انْتَقَلَ إلَيْهِ وَأَتَمَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ الْمُبِيحَ الْعَجْزُ وَقَدْ زَالَ، وَمَا صَلَّاهُ قَبْلُ كَانَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا فِيهِ وَمَا بَقِيَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ فِيهِ (لَكِنْ إنْ كَانَ) مَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ (لَمْ يَقْرَأْ) الْفَاتِحَةَ (قَامَ فَقْرًا) بَعْدَ قِيَامِهِ (وَإِنْ كَانَ قَدْ قَرَأَ) قَاعِدًا حَالَ الْعُذْرِ (قَامَ وَرَكَعَ بِلَا قِرَاءَةٍ) لِوُقُوعِهَا مَوْقِعَهَا كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ صِحَّةٌ. (وَيَبْنِي) الْمَرِيضُ (عَلَى إيمَاءٍ) أَيْ عَلَى مَا صَلَّاهُ بِالْإِيمَاءِ، إذَا قَدَرَ عَلَى الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ، لِوُقُوعِهِ صَحِيحًا، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ. (وَيَبْنِي عَاجِزٌ فِيهَا) أَيْ لَوْ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ أَتَمَّهَا عَلَى مَا يَسْتَطِيعُهُ، وَيُبْنَى عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي قَاعِدًا فَعَجَزَ عَنْهُ لِوُجُودِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ
(وَلَوْ طَرَأَ عَجْزٌ) عَلَى الْقَائِمِ (فَأَتَمَّ الْفَاتِحَةَ فِي انْحِطَاطِهِ أَجْزَأَ) هـ؛ لِأَنَّ فَرْضَهُ الْقُعُودَ وَالِانْحِطَاطَ أَعْلَى مِنْهُ. (وَلَا) تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ (مَنْ بَرِئَ فَأَتَمَّهَا فِي ارْتِفَاعِهِ) أَيْ نُهُوضِهِ كَصَحِيحٍ قَرَأَهَا فِي نُهُوضِهِ. (وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْمَأَ بِالرُّكُوعِ قَائِمًا وَبِالسُّجُودِ قَاعِدًا) ؛ لِأَنَّ الرَّاكِعَ كَالْقَائِمِ فِي نَصْبِ رِجْلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ بِهِ فِي قِيَامِهِ، وَالسَّاجِدُ كَالْجَالِسِ فِي جَمْعٍ فَوَجَبَ أَنْ يُومِئَ جَالِسًا، وَلْيَحْصُلَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِيمَاءَيْنِ وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يَحْنِيَ رَقَبَتَهُ دُونَ ظَهْرِهِ حَنَاهَا وَإِذَا سَجَدَ قَرَّبَ وَجْهَهُ مِنْ الْأَرْضِ مَا أَمْكَنَهُ. (وَلَوْ قَدَرَ الْقِيَامَ مُنْفَرِدًا، وَفِي جَمَاعَةٍ) لَا يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ بَلْ يَقْدِرُ أَنْ يُصَلِّيَ (جَالِسًا لَزِمَهُ الْقِيَامُ قَدَّمَهُ أَبُو الْمَعَالِي. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قُلْت وَهُوَ الصَّوَابُ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ رُكْنٌ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهِ (وَهَذَا قَادِرٌ) عَلَيْهِ (وَالْجَمَاعَةُ وَاجِبَةٌ تَصِحُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا) حَتَّى مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ لِلْعُذْرِ. (وَقَدَّمَ فِي التَّنْقِيحِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ) بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا مُنْفَرِدًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا فِي جَمَاعَةٍ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّهُ يَفْعَلُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا وَاجِبًا وَيَتْرُكُ وَاجِبًا. (وَلَوْ قَالَ إنْ أَفْطَرْتُ فِي رَمَضَانَ قَدَرْتُ عَلَى الصَّلَاةِ قَائِمًا وَإِنْ صُمْتُ صَلَّيْت قَاعِدًا أَوْ قَالَ إنْ صَلَّيْت قَائِمًا لَحِقَنِي سَلَسُ الْبَوْلِ، أَوْ امْتَنَعْتُ عَلَى الْقِرَاءَةِ، وَإِنْ صَلَّيْت قَاعِدًا امْتَنَعَ السَّلَسُ) وَأَمْكَنَتْ الْقِرَاءَةُ (فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي يُصَلِّي قَاعِدًا فِيهِمَا) ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ لَهُ بَدَلٌ وَهُوَ الْقُعُودُ وَيَسْقُطُ فِي النَّفْلِ، بِخِلَافِ الْفِطْرِ وَفَوَاتِ الشَّرْطِ أَوْ الْقِرَاءَةِ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ. (وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى صُدْغَيْهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) السُّجُودُ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَا مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ وَيُومِئُ مَا يُمْكِنُهُ. (وَإِذَا قَالَ طَبِيبٌ) سُمِّيَ بِذَلِكَ لِفِطْنَتِهِ وَحِذْقِهِ (مُسْلِمٌ ثِقَةٌ) أَيْ عَدْلٌ ضَابِطٌ فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُ كَافِرٍ وَلَا فَاسِقٍ،؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ دِينِيٌّ، فَاشْتُرِطَ لَهُ ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ (حَاذِقٌ فَطِنٌ لِمَرِيضٍ: إنْ صَلَّيْتَ مُسْتَلْقِيًا أَمْكَنَ مُدَاوَاتُكَ فَلَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (ذَلِكَ) أَيْ الصَّلَاةُ مُسْتَلْقِيًا (وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى جَالِسًا حِينَ جُحِشَ شِقُّهُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِعَجْزِهِ عَنْ الْقِيَامِ، بَلْ فَعَلَهُ إمَّا لِلْمَشَقَّةِ أَوْ وُجُودِ الضَّرَرِ أَشْبَهَ الْمَرَضَ وَتَرْكُهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْعَافِيَةِ وَهِيَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا وَاكْتُفِيَ بِالْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ أَشْبَهَ الرِّوَايَةَ وَمَنْ عَبَّرَ بِالْجَمْعِ فَمُرَادُهُ الْجِنْسُ، إذْ لَمْ يَقُلْ بِاشْتِرَاطِ الْجَمْعِ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ. (وَيَكْفِي مِنْ الطَّبِيبِ غَلَبَةُ الظَّنِّ) لِتَعَذُّرِ الْيَقِينِ (وَنَصَّ) أَحْمَدُ (أَنَّهُ يُفْطِرُ بِقَوْلِ) طَبِيبٍ (وَاحِدٍ) أَيْ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (إنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ الْعِلَّةَ) وَقَاسَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَسْأَلَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ.
(وَتَصِحُّ صَلَاةُ فَرْضٍ عَلَى رَاحِلَةٍ وَاقِفَةٍ أَوْ سَائِرَةٍ خَشْيَةَ تَأَذٍّ بِوَحْلٍ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدٍ لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْتَهَى إلَى مَضِيقٍ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَالسَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَالْبِلَّةُ مِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَصَلَّى بِهِمْ، يُومِئُ إيمَاءً يَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَعَلَهُ أَنَسٌ ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ غَيْرِهِ خِلَافُهُ. (وَ) يَجِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ يُصَلِّي الْفَرْضَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، لِعُذْرٍ مِمَّا سَبَقَ (الِاسْتِقْبَالُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] . (وَ) عَلَيْهِ (مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ) مِنْ رُكُوعٍ غَيْرِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) عَلَيْهِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (فِي شِدَّةِ خَوْفٍ كَمَا يَأْتِي) فِي صَلَاة الْخَوْفِ (فَإِنْ قَدَرَ عَلَى النُّزُولِ) عَنْ رَاحِلَتِهِ (وَلَا ضَرَرَ) عَلَيْهِ فِي النُّزُولِ (لَزِمَهُ) النُّزُولُ وَلَزِمَهُ (الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ) كَغَيْرِ حَالَةِ الْمَطَرِ. (وَأَوْمَأَ بِالسُّجُودِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ، إذَا كَانَ يُلَوِّثُ الثِّيَابَ بِخِلَافِ الْيَسِيرِ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ «أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ انْصَرَفَ وَعَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي مَسْجِدِهِ فِي الْمَدِينَةِ. (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (لِمَرَضٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ ضَرَرُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا، بِخِلَافِ الْمَطَرِ وَنَحْوِهِ (لَكِنْ إنْ خَافَ هُوَ) أَيْ الْمَرِيضُ (أَوْ) خَافَ (غَيْرُهُ) أَيْ الْمَرِيضُ (بِنُزُولِهِ انْقِطَاعًا عَنْ رُفْقَتِهِ، أَوْ عَجْزًا عَنْ رُكُوبِهِ) إنْ نَزَلَ (صَلَّى عَلَيْهَا) دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (كَخَائِفٍ بِنُزُولِهِ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَبْعٍ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ تَصِحُّ صَلَاةُ الْفَرْضِ عَلَى الرَّاحِلَةِ خَشْيَةَ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ، أَوْ حُصُولِ ضَرَرٍ بِالْمَشْيِ، أَوْ تَبَرُّزِ الْحُفْرَةِ. (وَمَنْ أَتَى بِالْمَأْمُورِ) أَيْ بِجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ (مِنْ كُلِّ رُكْنٍ وَنَحْوِهِ) وَهُوَ الشُّرُوطُ وَالْوَاجِبَاتُ (لِلصَّلَاةِ وَصَلَّى عَلَيْهَا) أَيْ الرَّاحِلَةِ (بِلَا عُذْرٍ) مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ) صَلَّى (فِي سَفِينَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمِحَفَّةٍ (وَلَوْ جَمَاعَةً مَنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَاقِفَةً) كَانَتْ (أَوْ سَائِرَةً صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يُعْتَبَرُ فِيهَا. (وَلَا تَصِحَّ) صَلَاةُ الْفَرْضِ (فِيهَا) أَيْ فِي السَّفِينَةِ (مِنْ قَاعِدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ) أَيْ قُدْرَتِهِ (عَلَى الْقِيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَجُزْ تَرْكُهُ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ بِسَفِينَةٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِقْبَالُ، وَأَنْ يَدُورَ إلَى الْقِبْلَةَ كُلَّمَا انْحَرَفَتْ السَّفِينَةُ، وَتُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِي السَّفِينَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ، كَمَعَ الْقُدْرَةِ. (وَكَذَا) أَيْ كَالسَّفِينَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ (عَجَلَةٌ
فصل في القصر
وَمِحَفَّةٌ وَنَحْوُهُمَا) كَعِمَارِيَّةِ وَهَوْدَجٍ. (وَمَنْ كَانَ فِي مَاءٍ وَطِينٍ أَوْمَأَ) بِالسُّجُودِ (كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ) فَإِنَّهُمَا يُومِئَانِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؛ لِأَنَّهُ غَايَةُ الْمُمْكِنِ مِنْهُمْ (وَالْغَرِيقُ يَسْجُدُ عَلَى مَتْنِ الْمَاءِ) وَلَا إعَادَةَ عَلَى الْكُلِّ. [فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ] (فَصْلٌ فِي الْقَصْرِ) أَيْ قَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَهُوَ جَائِزٌ إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] الْآيَةَ عَلَّقَ الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ؛ لِأَنَّ غَالِبَ أَسْفَارِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ تَخْلُ مِنْهُ وَقَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ «مَا لَنَا نَقْصُرُ، وَقَدْ أَمِنَّا فَقَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. «وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ صَحِبْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى {إِنْ خِفْتُمْ} [النساء: 101] كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، مَعْنَاهُ: وَإِنْ خِفْتُمْ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْقَصْرُ قِسْمَانِ مُطْلَقٌ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ قَصْرُ الْأَفْعَالِ وَالْعَدَدِ كَصَلَاةِ الْخَوْفِ، حَيْثُ كَانَ مُسَافِرًا فَإِنَّهُ يُرْتَكَبُ فِيهَا مَا لَا يَجُوزُ فِي صَلَاةِ الْأَمْنِ وَالْآيَةُ وَرَدَتْ عَلَى هَذَا وَمُقَيَّدٌ وَهُوَ مَا فِيهِ قَصْرُ الْعَدَدِ فَقَطْ كَالْمُسَافِرِ، أَوْ قَصْرُ الْعَمَلِ، فَقَطْ كَالْخَائِفِ، وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: خَبَرُ يَعْلَى وَعُمَرَ السَّابِقُ؛ لِأَنَّ ظَاهَرَ مَا فَهِمَاهُ قَصْرُ الْعَدَدِ بِالْخَوْفِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ. (مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا) أَيْ شَرَعَ فِيهِ (وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا كَسَفَرِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ وَالْعُمْرَةِ) فَالسَّفَرُ لِلْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبٌ، وَلِلْمَنْدُوبِ، مِنْهُ مَنْدُوبٌ. (وَ) كَالسَّفَرِ (لِزِيَارَةِ الْإِخْوَانِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى، وَزِيَارَةِ أَحَدِ الْمَسْجِدَيْنِ) أَيْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْأَقْصَى، وَأَمَّا زِيَارَةُ الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ فَقَدْ تَقَدَّمَتْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ لِلْمُسْتَحَبِّ، إلَّا إنْ نَذَرَهَا فَتَكُونُ وَاجِبَةً. (وَ) زِيَارَةِ (الْوَالِدَيْنِ) أَوْ أَحَدِهِمَا (أَوْ) ابْتَدَأَ سَفَرًا (مُبَاحًا وَلَوْ لِنُزْهَةٍ، أَوْ فُرْجَةٍ أَوْ تَاجِرًا، وَلَوْ) كَانَ (مُكَاثِرًا فِي الدُّنْيَا) . قَالَ فِي
الْفُرُوعِ: أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا إبَاحَةَ السَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ مُكَاثِرٍ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ وَحَرَّمَهُ فِي الْمُبْهِجِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» وَمَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَمَّا سُورَةُ {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} [التكاثر: 1] فَتَدُلُّ عَلَى التَّحْرِيمِ لِمَنْ شَغَلَهُ عَنْ عِبَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَالتَّكَاثُرُ: مَظِنَّةٌ لِذَلِكَ أَوْ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ فَيُكْرَهُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الِاتِّسَاعَ فِي الْمَكَاسِبِ وَالْمَبَانِي مِنْ حِلٍّ إذَا أَدَّى جَمِيعَ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَهُ مُبَاحٌ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَمِنْ كَارِهٍ وَمِنْ غَيْرِ كَارِهٍ (أَوْ) كَانَ (مُكْرَهًا) عَلَى السَّفَرِ (كَأَسِيرٍ، أَوْ زَانٍ مُغَرَّبٍ) وَهُوَ الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ (أَوْ قَاطِعُ) طَرِيقٍ (مُشَرَّدٌ) إذَا أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا؛ لِأَنَّ سَفَرَهُمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ وَإِنْ كَانَ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ (وَلَوْ) كَانَ الْمُسَافِرُ (مَحْرَمًا مَعَ) زَانِيَةٍ غَيْرِ مُحْصَنَةٍ (مُغَرَّبَةٍ) فَيَقْصُرُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ (يَبْلُغُ سَفَرُهُ ذَهَابًا) بِفَتْحِ الذَّالِ مَصْدَرُ ذَهَبَ (سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا تَقْرِيبًا) لَا تَحْدِيدًا، صَحَّحَهُ فِي الْإِنْصَافِ (بَرًّا) كَانَ السَّفَرُ (أَوْ بَحْرًا) لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا. (وَهِيَ) أَيْ السِّتَّةُ عَشْرَ فَرْسَخًا (يَوْمَانِ) أَيْ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ (قَاصِدَانِ فِي زَمَنٍ مُعْتَدِلِ) الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَيْ مُعْتَدِلَانِ طُولًا وَقِصَرًا وَالْقَصْدُ الِاعْتِدَالُ: قَالَ تَعَالَى {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} [لقمان: 19] (بِسَيْرِ الْأَثْقَالِ وَدَبِيبِ الْأَقْدَامِ) وَذَلِكَ (أَرْبَعَةُ بُرُدٍ) جَمْعُ بَرِيدٍ. (وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ) جَمْعُ فَرْسَخٍ (وَالْفَرْسَخُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ هَاشِمِيَّةٍ وَبِأَمْيَالِ بَنِي أُمَيَّةَ مِيلَانِ وَنِصْفِ) مِيلٍ (وَالْمِيلُ) الْهَاشِمِيُّ (اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ قَدَمٍ) وَهِيَ (سِتَّةُ آلَافِ ذِرَاعٍ) بِذِرَاعِ الْيَدِ (وَالذِّرَاعُ: أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ إصْبَعًا مُعْتَرِضَةً مُعْتَدِلَةً كُلُّ أُصْبُعٍ) مِنْهَا عَرْضُهُ (سِتُّ حَبَّاتِ شَعِيرٍ بُطُونُ بَعْضِهَا إلَى) بُطُونِ (بَعْضٍ عَرْضُ كُلِّ شَعِيرَةٍ سِتُّ شَعَرَاتِ بِرْذَوْنٍ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: يَقَعُ عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى، وَرُبَّمَا قَالُوا فِي الْأُنْثَى بِرْذَوْنَةُ قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ الْبِرْذَوْنُ التُّرْكِيُّ مِنْ الْخَيْلِ وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ نَبَطِيَّانِ، عَكْسُ الْعِرَابِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الذِّرَاعُ الَّذِي ذُكِرَ قَدْ حُرِّرَ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ الْمُسْتَعْمَلِ الْآنَ فِي مِصْرَ وَالْحِجَازِ فِي هَذِهِ الْإِعْصَارِ يَنْقُصُ عَنْ ذِرَاعِ الْحَدِيدِ بِقَدْرِ الثَّمَنِ وَعَلَى هَذَا فَالْمِيلُ بِذِرَاعِ الْحَدِيدِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَشْهُورِ خَمْسَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا قَالَ وَهَذِهِ فَائِدَةٌ نَفِيسَةٌ، قَلَّ مَنْ يُنَبِّهُ عَلَيْهَا اهـ قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي كَمْ تُقْصَرُ الصَّلَاةُ؟
قَالَ فِي أَرْبَعَةِ بُرُدٍ قِيلَ لَهُ: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍّ؟ قَالَ لَا أَرْبَعَةُ بُرُدٍ سِتَّةَ عَشْرَ فَرْسَخًا مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ وَقَدْ قَدَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنْ عُسْفَانَ إلَى مَكَّةَ زَمَنَ الطَّائِفِ إلَى مَكَّةَ وَمِنْ جُدَّةَ إلَى مَكَّةَ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَا تَقْصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةٍ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إلَى عُسْفَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ خُصُوصًا إذَا خَالَفَ الْقِيَاسَ وَلِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ (فَلَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ) مِنْ ظُهْرٍ وَعَصْرٍ وَعِشَاءٍ جَوَابُ مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا (خَاصَّةً) أَيْ دُونَ الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ وَإِنَّمَا لَمْ تُقْصَرْ الْفَجْرُ؛ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَةٌ بَقِيَ أُخْرَى وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْفَرْضِ، وَلَا الْمَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وَتْرُ النَّهَارِ فَإِذَا سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَةٌ بَطَلَ كَوْنُهَا وَتْرًا وَإِنْ سَقَطَ مِنْهَا رَكْعَتَانِ صَارَ الْبَاقِي رَكْعَةً وَلَا نَظِيرَ لَهَا فِي الْفَرْضِ (إلَى رَكْعَتَيْنِ إجْمَاعًا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَكَذَا) لِلْمُسَافِرِ السَّفَرَ الْمُتَقَدِّمَ (الْفِطْرُ) بِرَمَضَانَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» . (وَلَوْ قَطَعَهَا) أَيْ الْمَسَافَةَ (فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ صَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ سَافَرَ أَرْبَعَةَ بُرُدٍ (وَمَتَى صَارَ الْأَسِيرُ بِبَلَدِهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (أَتَمَّ) الصَّلَاةَ (نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا (وَامْرَأَةٌ وَعَبْدٌ وَجُنْدِيٌّ: تَبَعٌ لِزَوْجٍ وَسَيِّدٍ وَأَمِيرٍ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ (فِي نِيَّتِهِ) أَيْ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ أَوْ الْأَمِيرِ الْمَسَافَةُ وَالْإِقَامَةُ. (وَ) فِي (سَفَرِهِ) يَعْنِي أَنَّ الزَّوْجَ وَالسَّيِّدَ وَالْأَمِيرَ، إنْ كَانُوا بِسَفَرٍ يُبِيحُ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ، أُبِيحَ لِلزَّوْجَةِ وَالْقِنِّ وَالْجُنْدِيِّ الْمُسَافِرِينَ مَعَهُمْ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ، وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ فَلَهُمْ حُكْمُهُمْ. (وَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لِشَرِيكَيْنِ) أَحَدُهُمَا مُسَافِرٌ وَالْآخَرُ مُقِيمٌ (تَرَجَّحَ إقَامَةُ أَحَدِهِمَا) ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ (وَلَا يُتَرَخَّصُ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ، وَلَا أَكْلِ مَيْتَةٍ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهَا رُخَصٌ وَالرُّخَصُ لَا تُنَاطُ بِالْمَعَاصِي (فَإِنْ خَافَ) الْمُسَافِرُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ (عَلَى نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَأْكُلْ) الْمَيْتَةَ (قِيلَ لَهُ: تُبْ وَكُلْ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ التَّوْبَةِ كُلَّ وَقْتٍ وَتَقَدَّمَ مَعْنَى التَّوْبَةِ، وَيَأْتِي أَيْضًا فِي الشَّهَادَاتِ. (وَلَا) يُتَرَخَّصُ (فِي سَفَرٍ مَكْرُوهٍ) كَالسَّفَرِ لِفِعْلِ مَكْرُوهٍ (وَلِلنَّهْيِ عَنْهُ وَيُتَرَخَّصُ إنْ قَصَدَ مَشْهَدًا أَوْ قَصَدَ مَسْجِدًا وَلَوْ غَيْرَ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ قَصَدَ قَبْرَ نَبِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَوَلِيٍّ وَحَدِيثُ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» أَيْ لَا يُطْلَبُ ذَلِكَ فَلَيْسَ نَهْيًا عَنْ شَدِّهَا لِغَيْرِهَا، خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِي قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا،
وَيَزُورُ الْقُبُورَ وَقَالَ «زُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ» (أَوْ) أَيْ وَيَقْصُرُ مَنْ ابْتَدَأَ سَفَرًا وَلَوْ (عَصَى فِي سَفَرِهِ الْجَائِزِ كَأَنْ شَرِبَ فِيهِ مُسْكِرًا وَنَحْوَهُ) كَأَنْ زَنَى فِيهِ أَوْ قَذَفَ أَوْ اغْتَابَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ السَّفَرَ لِذَلِكَ. (وَيُشْتَرَطُ) لِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ (قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ السَّفَرِ (فَلَا قَصْرَ) وَلَا فِطْرَ (لِهَائِمٍ) وَهُوَ مَنْ خَرَجَ عَلَى وَجْهِهِ، لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، إنْ سَلَكَ طَرِيقًا مَسْلُوكًا وَإِلَّا فَهُوَ رَاكِبٌ التَّعَاسِيفَ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) لَا لِ (تَائِهٍ) ضَالِّ الطَّرِيقِ. (وَ) لَا لِ (سَائِحٍ) لَا يَقْصِدُ (مَكَانًا مُعَيَّنًا) ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ إذَنْ لَيْسَ بِمُبَاحٍ (وَالسِّيَاحَةُ لِغَيْرِ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ مَكْرُوهَةٌ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: السِّيَاحَةُ فِي الْبِلَادِ لِغَيْرِ قَصْدٍ شَرْعِيٍّ، كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النُّسَّاكِ: أَمْرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَتْ السِّيَاحَةُ مِنْ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ وَلَا هِيَ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ اهـ. قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَفِي الْحَدِيثِ «لَا سِيَاحَةَ فِي الْإِسْلَامِ» وَمُرَادُهُ: إذَا كَانَتْ السِّيَاحَةُ لَا لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ (وَالسِّيَاحَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْقُرْآنِ غَيْرُ هَذِهِ) وَهِيَ الصَّوْمُ، أَوْ السِّيَاحَةُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ أَوْ الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ سَافَرَ لِيَتَرَخَّصَ، فَقَدْ ذَكَرُوا: أَنَّهُ لَوْ سَافَرَ لِيُفْطِرَ حَرُمَ (وَيَقْصُرُ) الرُّبَاعِيَّةَ وَيُفْطِرُ بِرَمَضَانَ (مَنْ) أَيْ مُسَافِرٌ (الْمُبَاحِ أَكْثَرُ قَصْدِهِ) بِالسَّفَرِ (كَمَنْ قَصَدَ) بِسَفَرِهِ (مَعْصِيَةً وَمُبَاحًا) وَقَصْدُهُ لِلْمُبَاحِ أَكْثَرُ، كَالتَّاجِرِ الَّذِي يَقْصِدُ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ خَمْرَ الْبَلَدِ الَّذِي يَتَّجِرُ إلَيْهِ (أَوْ) سَافَرَ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ وَ (تَابَ فِي أَثْنَائِهِ وَقَدْ بَقِيَ مَسَافَةُ قَصْرٍ) فَيَقْصُرُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا سَفَرٌ مُبَاحٌ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي دُونَهَا وَ (لَا) يَقْصُرُ (إذَا اسْتَوَيَا) أَيْ الْمُحَرَّمُ وَالْمُبَاحُ، أَيْ تَسَاوَى قَصْدَاهُمَا (أَوْ كَانَ الْحَظْرُ أَكْثَرُ) قَصْدًا فَلَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ. (وَلَوْ انْتَقَلَ مِنْ سَفَرِهِ الْمُبَاحِ إلَى) قَصْدِ سَفَرٍ (مُحَرَّمٍ امْتَنَعَ الْقَصْرُ) وَالْفِطْرُ كَمَا لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا ابْتِدَاءً. (وَلَوْ أَقَامَ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ) وَنَوَاهُ (إلَى ثَالِثَةٍ عَمْدًا أَتَمَّ) صَلَاتَهُ أَرْبَعًا، وَصَحَّتْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ وَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ (وَإِنْ سَلَّمَ) مَنْ نَوَى الْقَصْرَ (مِنْ ثَلَاثٍ عَمْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ كَغَيْرِ الْمُسَافِرِ. (وَإِنْ أَقَامَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ وَنَوَاهُ (سَهْوًا، قَطَعَ) أَيْ رَجَعَ مَتَى ذَكَرَ وَتَشَهَّدَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَشَهَّدَ وَسَجَدَ وَسَلَّمَ (فَلَوْ نَوَى الْإِتْمَامَ، أَتَمَّ) كَمَنْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ (وَأَتَى بِمَا بَقِيَ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (سِوَى مَا سَهَا عَنْهُ فَإِنَّهُ
يَلْغُو) فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، لِخُلُوِّهِ عَنْ النِّيَّةِ. (وَلَوْ كَانَ السَّاهِي إمَامًا بِمُسَافِرٍ تَابَعَهُ) الْمُسَافِرُ الْمَأْمُومُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ قَطَعَ نِيَّةَ الْقَصْرِ، وَنَوَى الْإِتْمَامَ (إلَّا أَنْ يَعْلَمَ سَهْوَهُ) فَلَا يُتَابِعُهُ؛ لِأَنَّ مَا يَفْعَلُهُ سَهْوًا لَغْوٌ (فَيُسَبِّحُ بِهِ) الْمَأْمُومُ إنْ كَانَ رَجُلًا وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً صَفَّقَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى كَمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ رَجَعَ) الْإِمَامُ تَابَعَهُ الْمَأْمُومُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَرْجِعْ (فَارَقَهُ مَأْمُومٌ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُتَابَعَتِهِ) الْإِمَامَ عَامَّةً عَالِمًا سَهْوَهُ، وَحَيْثُ تَقَرَّرَ جَوَازُ الْقَصْرِ بِشَرْطِهِ فَلَا يَقْصُرُ مُسْتَوْطِنٌ بِمَحَلٍّ إلَّا إذَا فَارَقَهُ فَلَا يَقْصُرُ سَاكِنُ الْخِيَامِ أَوْ الْقُرَى إلَّا (إذَا فَارَقَ خِيَامَ قَوْمِهِ أَوْ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ، سَوَاءٌ كَانَتْ دَاخِلَ السُّوَرِ أَوْ خَارِجَهُ) فَيَقْصُرُ إذَا فَارَقَهَا (بِمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمُفَارَقَةِ بِنَوْعٍ مِنْ الْبُعْدِ عُرْفًا) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إنَّمَا أَبَاحَ الْقَصْرَ لِمَنْ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ وَقَبْلَ مُفَارَقَتِهِ مَا ذَكَرَ لَا يَكُونُ ضَارِبًا فِيهَا وَلَا مُسَافِرًا وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَحَدُ طَرْفَيْ السَّفَرِ أَشْبَهَ حَالَةَ الِانْتِهَاءِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا كَانَ يَقْصُرُ إذَا ارْتَحَلَ وَقَالَ تَعَالَى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . (وَلَا) يُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ (الْخَرَابِ) وَإِنْ كَانَتْ حِيطَانُهُ قَائِمَةً (إنْ لَمْ يَلِهِ عَامِرٌ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَحَلِّ إيوَاءٍ. (فَإِنْ وَلِيَهُ) أَيْ الْخَرَابَ عَامِرٌ (اُعْتُبِرَ مُفَارَقَةُ الْجَمِيعِ) مِنْ الْخَرَابِ وَالْعَامِرِ (كَمَا لَوْ جُعِلَ) الْخَرَابُ (مَزَارِعَ وَبَسَاتِينَ يَسْكُنُهُ أَهْلُهُ وَلَوْ فِي فَصْلِ النَّزْهَةِ) فَلَا يَقْصُرُ حَتَّى يُفَارِقَهُ ذَكَرَ مَعْنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعَامِرِ وَلَوْ كَانَتْ قَرْيَتَانِ مُتَدَانِيَتَيْنِ، وَاتَّصَلَ بِنَاءُ إحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى فَهُمَا كَالْوَاحِدَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَّصِلْ، فَلِكُلِّ قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا. (وَلَوْ بَرَزُوا) أَيْ الْمُسَافِرُونَ (لِمَكَانٍ لِقَصْدِ الِاجْتِمَاعِ ثُمَّ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ يُنْشِئُونَ السَّفَرَ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَلَهُمْ الْقَصْرُ قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ اهـ؛ لِأَنَّهُمْ ابْتَدَءُوا السَّفَرَ وَفَارَقُوا قَرْيَتَهُمْ قُلْت: إنْ لَمْ يَنْوُوا الْإِقَامَةَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً أَوْ تَكُونُ الْعَادَةُ عَدَمَ اجْتِمَاعِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ (خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي) حَيْثُ قَالَ لَا قَصْرَ حَتَّى يُفَارِقُوهُ. (وَيُعْتَبَرُ فِي سُكَّانِ قُصُورٍ وَبَسَاتِينَ وَنَحْوِهِمْ) كَأَهْلِ الْعِزَبِ مِنْ الْقَصَبِ وَنَحْوِهِ (مُفَارَقَةُ مَا نُسِبُوا إلَيْهِ) بِمَا يُعَدُّ مُفَارَقَةً (عُرْفًا) لِيَصِيرُوا مُسَافِرِينَ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يُعْتَبَرُ لِإِبَاحَةِ الْقَصْرِ (أَنْ لَا يَرْجِعَ) مَنْ فَارَقَهُ كَمَا تَقَدَّمَ (إلَى وَطَنِهِ) قَرِيبًا (وَ) أَنْ (لَا يَنْوِيَهُ قَرِيبًا) أَيْ فِيمَا دُونَ الْمَسَافَةِ (فَإِنْ رَجَعَ) أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ
(لَمْ يَتَرَخَّصْ حَتَّى يُفَارِقَهُ ثَانِيًا) أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ وَيَسِيرَ فَيَقْصُرَ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الرُّخْصَةِ حِينَئِذٍ. (وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ) عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ كَمَا سَبَقَ مُسَافِرًا (لَكِنْ بَدَا لَهُ) الرُّجُوعُ (لِحَاجَةٍ) بَدَتْ لَهُ (لَمْ يَتَرَخَّصْ) بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ (فِي رُجُوعِهِ بَعْدَ نِيَّةِ عَوْدِهِ، حَتَّى يُفَارِقَهُ أَيْضًا) أَوْ تَنْثَنِيَ نِيَّتُهُ فِي نَحْوِ يَسِيرٍ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ رُجُوعُهُ) إلَى وَطَنِهِ (سَفَرًا طَوِيلًا) أَيْ يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ فَيُتَرَخَّصُ فِي عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ (وَالْمُعْتَبَرُ) لِجَوَازِ الْقَصْرِ وَالْفِطْرِ (نِيَّةُ) الْمُسَافِرِ سَفَرَ (الْمَسَافَةِ، لَا وُجُودُ حَقِيقَتِهَا فَمَنْ نَوَى ذَلِكَ) أَيْ السَّفَرَ الَّذِي يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (قَصَرَ) لِوُجُودِ نِيَّةِ الْمَسَافَةِ الْمُعْتَبَرَةِ. (وَلَوْ رَجَعَ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الْمَسَافَةِ) وَقَدْ قَصَرَ (لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ مَا قَصَرَ نَصًّا) مَعَ أَنَّهُ لَمْ يُسَافِرْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا وَلِذَلِكَ عَدَلَ فِي التَّنْقِيحِ عَنْ قَوْلِ الْمُقْنِعِ وَالْمُحَرَّرِ: مَنْ سَافَرَ إلَى قَوْلِهِ: مَنْ نَوَى سَفَرًا وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: أَنَّهُ لَا تَكْتَفِي النِّيَّةُ حَتَّى يَشْرَعَ وَإِنَّ قَوْلَهُ: إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ إلَى آخِرِهِ: لَا يَكْتَفِي فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَنْوِي وَيُفَارِقُهَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ إذَا فَارَقَهَا مُسَافِرًا وَعَبَّرَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا عَبَّرَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ ابْتِدَاءٍ لَكِنْ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ: نَاوِيًا وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ صَنِيعِ الْمُصَنِّفِ. (وَإِنْ رَجَعَ) لِيَعُودَ إلَى وَطَنِهِ مُقِيمًا أَوْ لِحَاجَةٍ بَدَتْ لَهُ (ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُفَارِقَ مَكَانَهُ) الَّذِي بَدَتْ لَهُ فِيهِ نِيَّةُ الْعَوْدِ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إقَامَةٍ حُكْمًا فَاعْتُبِرَتْ مُفَارَقَتُهُ لِمَحَلِّ وَطَنِهِ (فَإِنْ شَكَّ فِي) أَنَّ سَيْرَهُ إلَى الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ يَبْلُغُ (قَدْرَ الْمَسَافَةِ) بِأَنْ جَهِلَ كَوْنَهُ مَسَافَةَ قَصْرٍ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يَعْلَمَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَلَمْ يَعْلَمْ الْمُبِيحُ لِلْقَصْرِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ سَفَرِهِ كَمَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ آبِقٍ أَوْ ضَالَّةٍ نَاوِيًا أَنْ يَعُودَ بِهِ أَيْنَ وَجَدَهُ لَمْ يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَ الْمَسَافَةَ) لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي أَوَّلِ الْقَصْرِ: مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ ضَالَّةٍ أَوْ آبِقٍ حَتَّى جَاوَزَ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ انْتَهَى. وَفِي الشَّرْحِ: وَلَوْ خَرَجَ طَالِبًا لِعَبْدٍ آبِقٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ هُوَ؟ أَوْ مُنْتَجِعًا عُشْبًا، أَوْ كَلَأً، مَتَى وَجَدَهُ أَقَامَ، أَوْ سُلَيْكًا فِي الْأَرْضِ لَا يَقْصِدُ مَكَانًا لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ سَارَ أَيَّامًا وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَا بَلَغَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ ثُمَّ قَالَ وَلَوْ قَصَدَ بَلَدًا بَعِيدًا وَفِي عَزْمِهِ أَنَّهُ مَتَى طَلَبَهُ دُونَهُ رَجَعَ أَوْ أَقَامَ لَمْ يُبَحْ لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَفَرٍ طَوِيلٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْجِعُ وَلَا يُقِيمُ بِوُجُودِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ. (وَيَقْصُرُ مَنْ لَهُ قَصْدٌ صَحِيحٌ) وَنَوَى سَفَرًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (وَإِنْ لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّلَاةُ) حَالَ شُرُوعِهِ فِي السَّفَرِ (كَحَائِضٍ وَكَافِرٍ وَمَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى (تَطْهُرُ) الْحَائِضُ (وَيُسْلِمُ) الْكَافِرُ. (وَيُفِيقُ) الْمَجْنُونُ (وَيَبْلُغُ)
الصَّبِيُّ (وَلَوْ بَقِيَ) بَعْدَ الطُّهْرِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِفَاقَةِ وَالْبُلُوغِ (دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) ؛ لِأَنَّ عَدَمَ التَّكْلِيفِ لَيْسَ بِمَانِعٍ مِنْ الْقَصْرِ فِي أَوَّلِ السَّفَرِ بِخِلَافِ مَنْ أَنْشَأَ السَّفَرَ عَاصِيًا بِهِ، ثُمَّ تَابَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ لَا يَقْصُرُ إذَا تَابَ إلَّا إذَا بَقِيَ سَفَرُهُ مَسَافَةَ قَصْرٍ كَمَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ الْقَصْرِ فِي ابْتِدَائِهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ جَوَازِ الْقَصْرِ بَعْدَ وُجُودِ مَا سَبَقَ اعْتِبَارُهُ إحْدَى وَعِشْرُونَ صُورَةً يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ الْأُولَى مِنْهَا، أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (وَلَوْ مَرَّ) الْمُسَافِرُ (بِوَطَنِهِ) أَتَمَّ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِوَطَنِهِ حَاجَةٌ سِوَى الْمُرُورِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ طَرِيقُهُ إلَى مَا يَقْصِدُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ بِهِ إذْ ذَاكَ. الثَّانِيَةُ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ (بِبَلَدٍ لَهُ فِيهِ امْرَأَةٌ) أَتَمَّ وَلَوْ لَمْ يُفَارِقْ وَطَنَهُ حَتَّى يُفَارِقَهُ لِمَا تَقَدَّمَ. الثَّالِثَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ: (أَوْ) مَرَّ بِبَلَدٍ (تَزَوَّجَ فِيهِ أَتَمَّ) أَتَمَّ حَتَّى يُفَارِقَ الْبَلَدَ الَّذِي تَزَوَّجَ فِيهِ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ بَعْدَ فِرَاقِ الزَّوْجَةِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ بِهِ أَقَارِبُ كَأُمٍّ وَأَبٍ أَوْ مَاشِيَةٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يُمْنَعْ عَلَيْهِ الْقَصْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا سَبَقَ. (وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهُمْ) وَهُمْ مَنْ دُونِ الْمَسَافَةِ مَنْ مَكَّةَ (إذَا ذَهَبُوا إلَى عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ) لِلسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ لِعَدَمِ الْمَسَافَةِ (فَهُمْ فِي) اعْتِبَارِ (الْمَسَافَةِ كَغَيْرِهِمْ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَمَثَلُهُمْ مَنْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً كَأَهْلِ مِصْرَ وَالشَّامِ فَلَيْسَ لَهُمْ قَصْرٌ وَلَا جَمْعٌ بِمَكَّةَ وَلَا مِنًى وَلَا عَرَفَةَ وَلَا مُزْدَلِفَةَ لِانْقِطَاعِ سَفَرِهِمْ بِدُخُولِ مَكَّةَ إذْ الْحَجُّ قَصْدُ مَكَّةَ لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ كَمَا يَأْتِي. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنْ كَانَ الَّذِي خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ فِي نِيَّتِهِ الْإِقَامَةُ بِمَكَّةَ إذَا رَجَعَ لَمْ يَقْصُرْ بِعَرَفَةَ (لَكِنْ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ كَانَ مُقِيمًا بِمَكَّةَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ فَلَا يُقِيمُ بِهَا) أَيْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (فَهَذَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِعَرَفَةَ) أَيْ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى (؛ لِأَنَّهُ حِينَ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ أَنْشَأَ السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ) بِخُرُوجِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي كَانَ نَوَى الْإِقَامَةَ بِهِ (وَالْقَصْرُ رُخْصَةً) ؛ لِأَنَّ سَلْمَانَ بَيَّنَ أَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ بِمَحْضَرِ اثْنَيْ عَشَرَ صَحَابِيًّا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٌ وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» . (وَهُوَ) أَيْ الْقَصْرُ (أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَاوَمَ عَلَيْهِ وَكَذَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ مِنْ بَعْدِهِ، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ
تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ. (وَإِنْ أَتَمَّ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ الرُّبَاعِيَّةَ (جَازَ وَلَمْ يُكْرَهْ) لَهُ الْإِتْمَامُ لِحَدِيثِ يَعْلَى قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ «أَتَمَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَصَرَ» قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ. الرَّابِعَةُ مِنْ الصُّوَرِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (وَإِنْ أَحْرَمَ مُقِيمًا فِي حَضَرٍ) ثُمَّ سَافَرَ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ. الْخَامِسَةُ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحَضَرِ (ثُمَّ سَافَرَ) لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ تَامَّةً بِدُخُولِ وَقْتِهَا وَهَذِهِ مُغْنِيَةٌ عَنْ الَّتِي قَبْلَهَا. السَّادِسَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ أَحْرَمَ بِهَا) أَيْ الرُّبَاعِيَّةِ (فِي سَفَرٍ) مُبِيحٍ لِلْقَصْرِ (ثُمَّ أَقَامَ كَرَاكِبِ سَفِينَةٍ) أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ مَقْصُورَةً فِيهَا ثُمَّ وَصَلَتْ إلَى وَطَنِهِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّهَا أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ اجْتَمَعَ فِيهَا حُكْمُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَغَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفِّ. السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ بَيَّنَهُمَا بِقَوْلِهِ (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِي سَفَرٍ أَوْ عَكْسِهِ) أَيْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِي حَضَرٍ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَغَلَبَ. التَّاسِعَةُ وَالْعَاشِرَةُ أَشَارَ إلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (أَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ أَوْ بِمَنْ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ) كَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ وَنَحْوُهُ لِحَدِيثِ «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ تِلْكَ السُّنَّةُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ مَرْدُودَةٌ مِنْ أَرْبَعٍ، فَلَا يُصَلِّيهَا خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْأَرْبَعَ كَالْجُمُعَةِ وَسَوَاءٌ ائْتَمَّ بِهِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْضِهَا، اعْتَقَدَهُ مُسَافِرًا أَوْ لَا وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ أَحْرَمَ مُسَافِرٌ خَلْفَ مُسَافِرٍ، ثُمَّ طَرَأَ لِلْإِمَامِ عُذْرٌ فَاسْتَخْلَفَ مُقِيمًا فَإِنَّ الْمَأْمُومَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ دُونَ إمَامِهِ الَّذِي اسْتَخْلَفَ الْمُقِيمَ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) ائْتَمَّ (بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ مُسَافِرًا (أَوْ) ائْتَمَّ (بِمَنْ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ مُقِيمٌ، وَلَوْ بَانَ) الْإِمَامُ بَعْدُ (مُسَافِرًا) لَزِمَ الْمَأْمُومُ أَنْ يُتِمَّ لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا عِنْدَ الْإِحْرَامِ. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ الْمُبَيَّنَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ) أَحْرَمَ (بِصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إتْمَامُهَا فَفَسَدَتْ، وَأَعَادَهَا كَمَنْ يَقْتَدِي بِمُقِيمٍ فَيُحْدِثُ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ فَلَزِمَهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً تَامَّةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَادَ مَقْصُورَةً. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ عِنْدَ دُخُولِهِ الصَّلَاةَ) أَيْ إحْرَامَهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَإِطْلَاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ فَإِنَّ نِيَّتَهُ تَنْصَرِفُ إلَى الِانْفِرَادِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ شَكَّ فِي الصَّلَاةِ: هَلْ نَوَى الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ وَلَوْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ) فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (أَنَّهُ كَانَ نَوَاهُ) لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِوُجُودِ مَا أَوْجَبَ الْإِتْمَامَ فِي بَعْضِهَا فَغَلَبَ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ: بَيَّنَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَ صَلَاةٍ أَوْ بَعْضِهَا فِي سَفَرٍ) بِأَنْ أَخَرَّهَا بِلَا عُذْرٍ (حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا) عَنْهَا أَوْ عَنْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، قِيَاسًا عَلَى
فصل نية القصر
السَّفَرِ الْمُحَرَّمِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ عَاصِيًا بِتَأْخِيرِهَا مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقِيلَ: يَقْصُرُ، وِفَاقًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، لِعَدَمِ تَحْرِيمِ السَّبَبِ، أَيْ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْقَصْرِ مُبَاحٌ وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ لَا تَمْنَعُ الْقَصْرَ كَمَا تَقَدَّمَ. السَّادِسَةَ عَشْرَةَ أَشَارَ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ عَزَمَ) الْمُسَافِرُ (فِي صَلَاتِهِ عَلَى مَا يَلْزَمُهُ 000 بِهِ الْإِتْمَامُ مِنْ الْإِقَامَةِ وَسَفَرِ الْمَعْصِيَةِ) بِأَنْ قَلَبَ السَّفَرَ لِلْمَعْصِيَةِ لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ، تَغْلِيبًا لَهُ لِكَوْنِهِ الْأَصْلُ وَكَذَا لَوْ نَوَى الرُّجُوعَ وَمُدَّةُ رُجُوعِهِ لَا يُبَاحُ فِيهَا الْقَصْرُ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: أَوْ عَزَمَ فِي صَلَاتِهِ عَلَى قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَنَحْوِهِ وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَوْلَى لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ فِي السَّفَرِ لَا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ بِخِلَافِ الْمَعْصِيَةِ بِهِ. السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ تَابَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ (فِيهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ) وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ قَصْرِهَا إذَنْ وَلَا تَبْطُلُ إنْ كَانَ نَوَى الْقَصْرَ فِي ابْتِدَائِهَا جَاهِلًا تَحْرِيمَ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ عِنْدَ إحْرَامِهَا، أَمَّا إنْ نَوَاهُ عَالِمًا لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ كَمَا ذَكَرَهُ فِي ضِمْنِ حُكْمٍ عَامٍّ بِقَوْلِهِ. (وَإِنْ نَوَى مُسَافِرٌ الْقَصْرَ حَيْثُ يُحْرِمُ عَالِمًا) بِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ (كَمَنْ نَوَاهُ) أَيْ الْقَصْرَ (خَلْفَ مُقِيمٍ عَالِمًا) بِأَنَّ إمَامَهُ مُقِيمٌ، فَإِنَّهُ لَا يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ إذَنْ لَمْ تَنْعَقِدْ (أَوْ قَصَرَ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَ الْقَصْرِ) وَلَوْ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِي اعْتِقَادِهِ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ) نِيَّتُهُ فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ (كَنِيَّةِ مُقِيمٍ الْقَصْرَ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ. (وَ) كَ (نِيَّةِ مُسَافِرٍ الظُّهْرَ خَلْفَ إمَامِ الْجُمُعَةِ) فَلَا تَصِحُّ (نَصًّا) لِلِاخْتِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ (وَلَوْ ائْتَمَّ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ) وَنَوَاهُ (جَاهِلًا حَدَثَ نَفْسِهِ بِمُقِيمٍ، ثُمَّ عَلِمَ حَدَثَ نَفْسِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ) فِي الْمُعَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأُولَى لَمْ تَنْعَقِدْ، بِخِلَافِهِمَا لَوْ ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ كَمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ نِيَّةُ الْقَصْرِ] (فَصْلٌ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَصْرِ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِتْمَامُ، وَإِطْلَاقُ الصَّلَاةِ يَنْصَرِفُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ مُطْلَقًا: انْصَرَفَ إلَى الِانْفِرَادِ (وَالْعِلْمِ بِهَا عِنْدَ الْإِحْرَامِ) هَكَذَا فِي الْفُرُوعِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَمْ يُعْلَمْ مَعْنَى قَوْلِهِ: وَالْعِلْمِ بِهَا اهـ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: مَعْنَاهُ: الْعِلْمُ بِالنِّيَّةِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَتْ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، بِخِلَافِ غَيْرِ الْمَقْصُورَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي اسْتِصْحَابُ النِّيَّةِ حُكْمًا لَا ذِكْرًا، عِنْدَ التَّكْبِيرِ قُلْتُ وَأَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِكَوْنِهِ نَوَى
الْقَصْرَ فِي ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ، بِأَنْ لَا يَطْرَأَ عَلَيْهِ شَكٌّ هَلْ نَوَاهُ؟ فَإِنْ طَرَأَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ. (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا الْعِلْمُ بِ (أَنَّ إمَامَهُ إذَنْ) أَيْ حَالَ الصَّلَاةِ (مُسَافِرٌ، وَلَوْ بِأَمَارَةٍ وَعَلَامَةٍ، كَهَيْئَةِ لِبَاسٍ) إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْلَمَ (أَنَّ إمَامَهُ نَوَى الْقَصْرَ عَمَلًا بِالظَّنِّ) ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْعِلْمُ (فَلَوْ قَالَ) الْمَأْمُومُ (إنْ أَتَمَّ) الْإِمَامُ (أَتْمَمْتُ، وَإِنْ قَصَرَ قَصَرْتُ لَمْ يَضُرَّ) ذَلِكَ فِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ وَإِنَّ سَبَقَ إمَامَهُ الْحَدَثُ فَخَرَجَ قَبْلَ عِلْمِهِ بِحَالِهِ فَلَهُ الْقَصْرُ، عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ (وَإِنْ صَلَّى مُقِيمٌ وَمُسَافِرٌ خَلْفَ) إمَامٍ (مُسَافِرٍ أَتَمَّ الْمُقِيمُ إذَا سَلَّمَ إمَامُهُ) إجْمَاعًا وَإِذَا أَمَّ مُسَافِرٌ مُقِيمِينَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ صَحَّ،؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ بِنِيَّتِهِ (وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ الْإِمَامُ) الْمُسَافِرُ (لِلْمُقِيمِينَ: أَتِمُّوا فَإِنَّا سَفْرٌ) لِلْحَدِيثِ وَلِئَلَّا يَلْتَبِسَ عَلَى الْجَاهِلِ عَدَدُ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ قَصَرَ الصَّلَاتَيْنِ) أَوْ صَلَّاهُمَا بِتَيَمُّمٍ (فِي وَقْتِ أُولَاهُمَا) جَمْعَ تَقْدِيمٍ (ثُمَّ قَدِمَ) وَطَنَهُ (قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) أَوْ وَجَدَ الْمَاءَ قَبْلَهُ (أَجْزَأَهُ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْفِعْلِ (وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ (ثُمَّ رَفَضَهُ وَنَوَى فِي الصَّلَاةِ الْإِتْمَامَ أَتَمَّ) وُجُوبًا؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى الْأَصْلِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَفَرْضُهُ الْأُولَتَانِ وَهَذِهِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِمَّا يَجِبُ فِيهِ الْإِتْمَامُ. (وَلَوْ نَوَى) مُسَافِرٌ (الْقَصْرَ، ثُمَّ أَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ وَالزِّيَادَةُ سَهْوٌ يَسْجُدُ لَهَا نَدْبًا) ؛ لِأَنَّ عَمْدَهَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِ لَهُ وَلَوْ كَانَ إمَامًا. (وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ) طَرِيقٌ (بَعِيدٌ، وَ) طَرِيقٌ (قَرِيبٌ فَسَلَكَ الْبَعِيدَ لِيَقْصُرَ الصَّلَاةَ فِيهِ) قَصَرَ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ قَصْدٍ صَحِيحٍ وَكَمَا لَوْ كَانَ الْآخَرُ مَخُوفًا أَوْ مُشِقًّا فَعَدَمُ الْحِكْمَةِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لَا يَضُرُّهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: مَنْعُ مَنْ قَصَدَ قَرْيَةً بَعِيدَةً لِحَاجَةٍ هِيَ فِي قَرْيَتِهِ، وَجَعَلَهَا صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَصْلًا لِلْجَوَازِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا، وَلَعَلَّ التَّسْوِيَةَ أَوْلَى (أَوْ) سَلَكَ الطَّرِيقَ الْبَعِيدَ (لِغَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ لِغَيْرِ الْقَصْرِ، كَجَلْبِ مَالٍ أَوْ نَفْعٍ، أَوْ نَفْيِ ضَرَرٍ قَصَرَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلًا وَاحِدًا (أَوْ ذَكَرَ صَلَاةَ سَفَرٍ فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ السَّفَرِ (أَوْ فِي سَفَرٍ آخَرَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا فِي الْحَضَرِ قَصَرَ) ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهَا وَفِعْلَهَا وُجِدَا فِي السَّفَرِ أَشْبَهَ أَدَاءَهَا فَإِنْ ذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ، أَوْ قَضَى بَعْضَهَا فِي الْحَضَرِ أَتَمَّ. التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْإِتْمَامُ ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ (وَلَوْ نَوَى إقَامَةً مُطْلَقَةً) بِأَنْ لَمْ يَحُدَّهَا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ (فِي بَلَدٍ، وَلَوْ الْبَلَدُ الَّذِي يَقْصِدُهُ بِدَارِ حَرْبٍ أَوْ إسْلَامٍ أَوْ فِي بَادِيَةٍ لَا يُقَامُ بِهَا، أَوْ كَانَتْ لَا تُقَامُ فِيهَا الصَّلَاةُ) أَتَمَّ، لِزَوَالِ السَّفَرِ الْمُبِيحِ لِلْقَصْرِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ. الْعِشْرُونَ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) نَوَى إقَامَةَ (أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً)
أَتَمَّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ مَكَّةَ صَبِيحَةَ رَابِعِ ذِي الْحَجَّةِ فَأَقَامَ بِهَا الرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ وَالسَّابِعَ وَصَلَّى الصُّبْحَ فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى مِنًى وَكَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ» وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَى إقَامَتِهَا، وَقَالَ أَنَسٌ أَقَمْنَا بِمَكَّةَ عَشْرًا نَقْصُرُ الصَّلَاةَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الْأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَذْكُرُ حَدِيثَ أَنَسٍ وَيَقُولُ: هُوَ كَلَامٌ لَيْسَ يَفْقَهُهُ كُلُّ أَحَدٍ وَجْهَهُ: أَنَّهُ حَسَبَ مُقَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ وَمِنًى وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ غَيْرُ هَذَا. الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ الْمَذْكُورَةُ بِقَوْلِهِ (أَوْ شَكَّ فِي نِيَّتِهِ هَلْ نَوَى) إقَامَةَ (مَا يُمْنَعُ الْقَصْرَ أَمْ لَا؟ أَتَمَّ) ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ مَعَ الشَّكِّ فِي مُبِيحِ الرُّخْصَةِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً بِأَنْ نَوَى عِشْرِينَ فَأَقَلَّ (قَصَرَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَوْمُ الدُّخُولِ وَيَوْمُ الْخُرُوجِ يُحْسَبَانِ مِنْ الْمُدَّةِ) فَلَوْ دَخَلَ عِنْدَ الزَّوَالِ احْتَسَبَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْيَوْمِ وَلَوْ خَرَجَ عِنْدَ الْعَصْرَ احْتَسَبَ بِمَا مَضَى مِنْ الْيَوْمِ. (وَإِنْ أَقَامَ) الْمُسَافِرُ (لِقَضَاءِ حَاجَةٍ) يَرْجُو نَجَاحَهَا أَوْ جِهَادِ عَدُوٍّ وَسَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ انْقِضَاءُ حَاجَتِهِ فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ أَوْ كَثِيرَةٍ بَعْدَ أَنْ يُحْتَمَلَ انْقِضَاؤُهَا فِي مُدَّةٍ لَا يَنْقَطِعُ حُكْمُ السَّفَرِ بِهَا (بِلَا نِيَّةِ إقَامَةٍ تَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ) وَهِيَ إقَامَةُ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً (وَلَا يَعْلَمُ قَضَاءَ الْحَاجَةِ قَبْلَ الْمُدَّةِ) أَيْ مُدَّةٍ مِنْ عِشْرِينَ صَلَاةً. (وَلَوْ) كَانَ الْعِلْمُ (ظَنًّا) لِإِجْرَائِهِ مَجْرَى الْيَقِينِ، حَيْثُ يَتَعَذَّرُ أَوْ يَتَعَسَّرُ (أَوْ حُبِسَ ظُلْمًا، أَوْ حَبَسَهُ مَطَرٌ أَوْ مَرَضٌ وَنَحْوُهُ) كَثَلْجٍ وَجَلِيدٍ (قَصَرَ أَبَدًا) ؛ لِأَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ تَفَرَّدَ مَعْمَرٌ بِرَاوِيَتِهِ مُسْنَدًا وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ مُرْسَلًا. «وَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ أَقَامَ فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ أَنَسٌ أَقَامَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَامَهُرْمُزَ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصَّلَاةَ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُسَافِرَ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَجْمَعْ إقَامَةً وَلَوْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَقَامَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، وَقَدْ حَالَ الثَّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فَإِنْ حُبِسَ بِحَقٍّ لَمْ يَقْصُرْ وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ يَقْصُرُ الَّذِي يَقُولُ: أَخْرُجُ الْيَوْمَ، أَخْرُجُ غَدًا: شَهْرًا وَعَنْ سَعِيدٍ أَنَّهُ أَقَامَ فِي بَعْضِ قُرَى الشَّامِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ (فَإِنْ) أَقَامَ لِحَاجَةٍ، وَ (عَلِمَ) أَوْ ظَنَّ (أَنَّهَا لَا تَنْقَضِي فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ) كَمَا لَوْ نَوَى إقَامَةً
أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْحَاجَةَ لَا تَنْقَضِي إلَّا بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْقَصْرِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ، جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ. (وَمَنْ رَجَعَ إلَى بَلَدٍ) كَأَنْ (أَقَامَ بِهِ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ) وَلَمْ يَنْوِ حَالَ الْعَوْدِ إقَامَةً بِهِ تَمْنَعُ الْقَصْرَ (قَصَرَ، حَتَّى فِيهِ، نَصًّا) ؛ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ، وَلَيْسَ كَمَنْ مَرَّ بِوَطَنِهِ. (وَإِنَّ عَزَمَ عَلَى إقَامَةٍ طَوِيلَةٍ فِي رُسْتَاقٍ) أَيْ نَاحِيَةٍ مِنْ أَطْرَافِ الْإِقْلِيمِ وَالْمُرَادُ بِهِ: الْمُعَامَلَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى أَمْكِنَةٍ (يَنْتَقِلُ فِيهِ) أَيْ الرُّسْتَاقِ (مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ لَا يَجْمَعُ) أَيْ لَا يَعْزِمُ مِنْ جَمْعٍ بِمَعْنَى نَوَى (عَلَى الْإِقَامَةِ بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا) أَيْ الْقُرَى (مُدَّةً تُبْطِلُ حُكْمَ السَّفَرِ) أَيْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (قَصَرَ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَامَ عَشَرًا بِمَكَّةَ وَعَرَفَةَ وَمِنًى يَقْصُرُ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كُلِّهَا» ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ نَوَى إقَامَةً بِشَرْطٍ كَأَنْ يَقُولَ: إنْ لَقِيتَ فُلَانًا فِي هَذَا الْبَلَدِ أَقَمْتَ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا فَإِنْ لَمْ يَلْقَهُ) فِي الْبَلَدِ (فَلَهُ حُكْمُ السَّفَرِ) لِعَدَمِ الشَّرْطِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الْإِقَامَةَ. (وَإِنْ لَقِيَهُ بِهِ صَارَ مُقِيمًا) لِاسْتِصْحَابِهِ حُكْمَ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فَسَخَ نِيَّتَهُ الْأُولَى) لِلْإِقَامَةِ (قَبْلَ لِقَائِهِ أَوْ حَالَ لِقَائِهِ) فَإِنْ فَسَخَهَا إذَنْ فَلَهُ الْقَصْرُ. (وَإِنْ فَسَخَ) النِّيَّةَ (بَعْدَ لِقَائِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ نَوَى الْإِقَامَةَ الْمَانِعَةَ مِنْ الْقَصْرِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ السَّفَرُ قَبْلَ تَمَامِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقْصُرَ فِي مَوْضِعِ إقَامَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ ثَبَتَ لَهُ فِيهِ حُكْمُ الْإِقَامَةِ أَشْبَهَ وَطَنَهُ (حَتَّى يَشْرَعَ فِي السَّفَرِ) وَيُفَارِقَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَالْمَلَّاحُ) صَاحِبُ السَّفِينَةِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ (الَّذِي مَعَهُ أَهْلُهُ فِي السَّفِينَةِ، أَوْ لَا أَهْلَ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الْإِقَامَةِ بِبَلَدٍ لَا يَتَرَخَّصُ) بِقَصْرٍ وَلَا فِطْرٍ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاعِنٍ عَنْ وَطَنِهِ وَأَهْلِهِ أَشْبَهَ الْمُقِيمَ وَلِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ لِلسَّفَرِ الْمُبِيحِ كَوْنُهُ مُنْقَطِعًا، بِخِلَافِ الدَّائِمِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ الْمَلَّاحِ (أَهْلٌ وَلَيْسُوا مَعَهُ، تَرَخَّصَ) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُسَافِرِينَ،؛ لِأَنَّ الشَّبَهَ حَقِيقَةٌ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ (وَمِثْلُهُ) أَيْ الْمَلَّاحِ فِي التَّفْصِيلِ السَّابِقِ (مُكَارٍ وَرَاعٍ وَفَيْجٌ) بِالْجِيمِ (وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ وَبَرِيدٌ وَنَحْوُهُمْ) كَالسَّاعِي، فَلَا يَتَرَخَّصُونَ إذَا كَانَ مَعَهُمْ أَهْلُهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ نِيَّةُ إقَامَةٍ بِبَلَدٍ (نَصًّا) وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَهْلٌ فَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَهْلٌ وَلَيْسُوا مَعَهُمْ، فَلَهُمْ التَّرَخُّصُ. (وَعَرَبُ الْبَدْوِ الَّذِينَ حَيْثُ وَجَدُوا الْمَرْعَى رَعَوْهُ يُصَلُّونَ تَمَامًا،؛ لِأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ فِي أَوْطَانِهِمْ) وَلَا يُبَاحُ لَهُمْ الْفِطْرُ بِرَمَضَانَ لِذَلِكَ (فَإِنْ كَانَ لَهُمْ سَفَرٌ مِنْ الْمَصِيفِ إلَى الْمَشْتَى، وَمِنْ الْمَشْتَى إلَى الْمَصِيفِ كَمَا لِلتَّرْكِ فَإِنَّهُمْ يَقْصُرُونَ فِي مُدَّةِ هَذَا السَّفَرِ) حَيْثُ بَلَغَ الْمَسَافَةَ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَكُلُّ مَنْ جَازَ لَهُ الْقَصْرُ جَازَ لَهُ الْجَمْعُ وَالْفِطْرُ) لِوُجُودِ مُبِيحِهِمَا، وَهُوَ السَّفَرُ الطَّوِيلُ. (وَلَا عَكْسَ)
أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أُبِيحَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْجَمْعُ أُبِيحَ لَهُ الْقَصْرُ (؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ) مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ أَوْ الْجَمْعُ (لَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي) إتْمَامِ (الصَّلَاةِ) بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَ (قَدْ يَنْوِي الْمُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ وَيَقْطَعُهَا مِنْ الْفَجْرِ إلَى الزَّوَالِ مِثْلًا، فَيُفْطِرُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصُرْ) إذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاةٌ يَقْصُرُهَا أَوْ يُتِمُّهَا. (قَالَ الْأَصْحَابُ) مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ (الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالسَّفَرِ الطَّوِيلِ) الَّذِي يَبْلُغُ مَسَافَةَ الْقَصْرِ (أَرْبَعَةٌ الْقَصْرُ، وَالْجَمْعُ، وَالْمَسْحُ) عَلَى الْخُفِّ وَنَحْوِهِ (ثَلَاثًا وَالْفِطْرُ) بِرَمَضَانَ، وَأَمَّا أَكْلُ الْمَيْتَةِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَاحِلَتِهِ إلَى جِهَةِ سَيْرِهِ فَلَا تَخْتَصُّ بِالطَّوِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ.
فصل في الجمع بين الصلاتين
[فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ] (فَصْلٌ فِي الْجَمْعِ) بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ (وَلَيْسَ) الْجَمْعُ (بِمُسْتَحَبٍّ، بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ) لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ (غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) فَيُسَنَّانِ بِشَرْطِهِ، لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (يَجُوزُ) الْجَمْعُ (بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ) فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا (وَ) بَيْنَ (الْعِشَاءَيْنِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا) فَهَذِهِ الْأَرْبَعُ هِيَ الَّتِي تُجْمَعُ: الظُّهْرُ، وَالْعَصْرُ، وَالْمَغْرِبُ، وَالْعِشَاءُ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا أَمَّا الْأُولَى، وَيُسَمَّى جَمْعُ التَّقْدِيمِ، أَوْ الثَّانِيَةُ، وَيُقَالُ لَهُ جَمْعُ التَّأْخِيرِ فِي ثَمَانِ حَالَاتٍ إحْدَاهَا (لِمُسَافِرٍ يَقْصُرُ) أَيْ يُبَاحُ لَهُ قَصْرُ الرُّبَاعِيَّةِ، بِأَنْ يَكُونَ السَّفَرُ غَيْرَ مَكْرُوهٍ وَلَا حَرَامٍ؛ وَيَبْلُغُ يَوْمَيْنِ قَاصِدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ لِمَا رَوَى مُعَاذٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ يُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا، وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ وَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَعَنْ أَنَسٍ مَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ نَازِلًا أَوْ سَائِرًا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ أَوْ التَّأْخِيرِ وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ إلَّا لِسَائِرٍ (فَلَا يَجْمَعُ مَنْ لَا) يُبَاحُ لَهُ أَنْ (يَقْصُرَ، كَمَكِّيٍّ وَنَحْوِهِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ) . قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: أَمَّا الْمَكِّيُّ وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ عَرَفَةَ وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَاَلَّذِي يَنْوِي الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ فَوْقَ عِشْرِينَ صَلَاةً، فَلَا يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ الْجَمْعُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمُسَافِرِينَ سَفَرَ قَصْرٍ. (وَ) الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ (الْمَرِيضُ يَلْحَقُهُ بِتَرْكِهِ) أَيْ الْجَمْعِ (مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
جَمَعَ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا سَفَرٍ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا عُذْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا الْمَرَضُ. وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْجَمْعِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ وَهِيَ نَوْعُ مَرَضٍ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ الْمَرَضَ أَشَدُّ مِنْ السَّفَرِ وَاحْتَجَمَ بَعْدَ الْغُرُوبِ ثُمَّ تَعَشَّى، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا " تَنْبِيهٌ " قَوْلُهُ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ " هَكَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي وَالشَّرْحِ وَالْمُقْنِعِ، وَتَابَعَهُ فِي التَّنْقِيحِ وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الْفُرُوعِ " وَضَعْفٌ " وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَحَكَاهُ فِي شَرْحِهِ بِقِيلَ (وَ) الْحَالُ الثَّالِثَةُ (لِمُرْضِعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ) أَيْ مَشَقَّةِ تَطْهِيرِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هِيَ كَمَرِيضٍ (وَ) الْحَالُ الرَّابِعَةُ (لِعَاجِزٍ عَنْ الطَّهَارَةِ) بِالْمَاءِ (أَوْ التَّيَمُّمِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِأَنَّ الْجَمْعَ أُبِيحَ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ لِلْمَشَقَّةِ، وَالْعَاجِزُ عَنْ الطَّهَارَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فِي مَعْنَاهُمَا. الْحَالُ الْخَامِسَةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا بِقَوْلِهِ (أَوْ) عَاجِزٍ (عَنْ مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ كَأَعْمَى) وَمَطْمُورٍ (أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْإِنْصَافِ. (وَ) الْحَالُ السَّادِسَةُ (لِمُسْتَحَاضَةٍ وَنَحْوِهَا) كَصَاحِبِ سَلَسِ بَوْلٍ أَوْ مَذْيٍ أَوْ رُعَافٍ دَائِمٍ وَنَحْوِهِ لِمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ حِينَ اسْتَفْتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِحَاضَةِ، حَيْثُ قَالَ فِيهِ «فَإِنْ، قَوِيت عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِي الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِي الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ ثُمَّ تُصَلِّينَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، ثُمَّ تُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَمَنْ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ وَنَحْوُهُ فِي مَعْنَاهَا. (وَ) الْحَالُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ (لِمَنْ لَهُ شُغْلٌ أَوْ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ) كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ مَالِهِ، أَوْ تَضَرُّرٍ فِي مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا بِتَرْكِ الْجَمْعِ وَنَحْوِهِ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُشَيْشٍ الْجَمْعُ فِي الْحَضَرِ إذَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شُغْلٍ (وَاسْتَثْنَى جَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْوَجِيزِ (النُّعَاسَ) قَالَ فِي الْوَجِيزِ: عَدَا النُّعَاسَ وَنَحْوَهُ. (وَفِعْلُ الْجَمْعِ فِي الْمَسْجِدِ جَمَاعَةً أَوْلَى مِنْ أَنْ يُصَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ) لِعُمُومِ حَدِيثِ «خَيْرُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» (بَلْ تَرْكُ الْجَمْعِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ بِدْعَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلسُّنَّةِ إذْ السُّنَّةُ أَنْ تُصَلَّى الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً وَذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ مُفَرَّقَةً بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ يُجَوِّزُونَ الْجَمْعَ كَ) الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ. (وَ) الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ، (وَ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ، قَالَهُ الشَّيْخُ) ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْأَعْذَارَ السَّابِقَةَ تُبِيحُ
الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ. ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْأَعْذَارِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْعِشَاءَيْنِ وَهِيَ سِتَّةٌ فَقَالَ: (وَيَجُوزُ) الْجَمْعُ (بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لَا الظُّهْرَيْنِ لِمَطَرٍ يَبُلُّ الثِّيَابَ، زَادَ جَمْعٌ: أَوْ) يَبُلُّ (النَّعْلَ أَوْ الْبَدَنَ، وَتُوجَدُ مَعَهُ مَشَقَّةٌ) رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ» " وَفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ " وَ (لَا) يُبَاحُ الْجَمْعُ لِأَجْلِ (الظِّلِّ) وَلَا لِمَطَرٍ خَفِيفٍ لَا يَبُلُّ الثِّيَابَ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ. (وَ) يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ دُونَ الظُّهْرَيْنِ (لِثَلْجٍ وَبَرَدٍ) لِأَنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَطَرِ. (وَ) يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِ (جَلِيدٍ) لِأَنَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ (وَوَحْلٍ وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ بَارِدَةٍ) . قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: " إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَجْمَعُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ " زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ " لَيْلًا " وَزَادَ فِي الْمَذْهَبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي " مَعَ ظُلْمَةٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَإِذَا جَاءَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ لِأَجْلِ الْبَرْدِ كَانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْوَحْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَشَقَّةَ الْبَرْدِ بِأَعْظَمَ مِنْ مَشَقَّةِ الْوَحْلِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَمَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ» وَلَا وَجْهَ يُحْمَلُ عَلَيْهِ إلَّا الْوَحْلُ أَيْ عِنْدَ انْتِفَاءِ الْمَرَضِ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى غَيْرِ الْعُذْرِ وَالنَّسْخِ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فَائِدَةٍ، فَيُبَاحُ الْجَمْعُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْذَارِ (حَتَّى لِمَنْ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ، أَوْ) يُصَلِّي (فِي مَسْجِدِ طَرِيقِهِ تَحْتَ سَابَاطٍ وَلِمُقِيمٍ فِي الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ خُطُوَاتٌ يَسِيرَةٌ. (وَلَوْ لَمْ يَنَلْهُ إلَّا يَسِيرٌ) لِأَنَّ الرُّخْصَةَ الْعَامَّةَ يَسْتَوِي فِيهَا وُجُودُ الْمَشَقَّةِ وَعَدَمُهَا كَالسَّفَرِ وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ هَذِهِ بِالْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ إلَّا فِيهِمَا وَمَشَقَّتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُمَا يُفْعَلَانِ فِي الظُّلْمَةِ وَمَشَقَّةُ السَّفَرِ لِأَجْلِ السَّيْرِ وَفَوَاتِ الرُّفْقَةِ بِخِلَافِ مَا هُنَا. (وَفِعْلُ الْأَرْفَقِ بِهِ) أَيْ بِمَنْ يُبَاحُ لَهُ الْجَمْعُ (مِنْ تَأْخِيرٍ وَتَقْدِيمٍ أَفْضَلُ بِكُلِّ حَالٍ) لِحَدِيثِ مُعَاذٍ السَّابِقِ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قُلْت لَهُ " مَعَ مَنْ كَتَبْت هَذَا عَنْ اللَّيْثِ قَالَ: مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيِّ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَخَالِدٌ هَذَا كَانَ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشُّيُوخِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ «وَأَخَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّلَاةَ يَوْمًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا» رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الْإِسْنَادِ؛ وَلِأَنَّ الْجَمْعَ مِنْ رُخَصِ السَّفَرِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِحَالَةٍ كَسَائِرِ رُخَصِهِ وَعَنْهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ السَّيْرِ؛ وَحُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ (سِوَى جَمْعَيْ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَيُقَدِّمُ) الْعَصْرَ (فِي عَرَفَةَ) وَيُصَلِّيهَا مَجْمُوعَةً
مَعَ الظُّهْرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ (وَيُؤَخِّرُ) الْمَغْرِبَ لِيَجْعَلَهَا مَعَ الْعِشَاءِ (فِي مُزْدَلِفَةَ) عِنْدَ وُصُولِهِ إلَيْهَا لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِاشْتِغَالِهِ وَقْتَ الْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِالدُّعَاءِ، وَوَقْتَ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ مُزْدَلِفَةَ بِالسَّيْرِ إلَيْهَا (فَإِنْ اسْتَوَيَا) أَيْ التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الرِّفْقِ (فَالتَّأْخِيرُ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ وَعَمَلٌ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا (سِوَى جَمْعِ عَرَفَةَ) فَالتَّقْدِيمُ فِيهِ أَفْضَلُ، لِمَا سَبَقَ وَإِنْ كَانَ الْأَرْفَقُ بِهِ التَّأْخِيرَ، اتِّبَاعًا لِلسُّنَّةِ. (وَيُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى) ظُهْرًا كَانَتْ أَوْ مَغْرِبًا، وَهُوَ جَمْعُ التَّقْدِيمِ (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ) أَحَدُهَا (نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِهَا) لِأَنَّهُ عَمَلٌ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَكُلُّ عِبَادَةٍ اُشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ اُعْتُبِرَتْ فِي أَوَّلِهَا كَنِيَّةِ الصَّلَاةِ وَلَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِ الثَّانِيَةِ. (وَتَقْدِيمِهَا) أَيْ الْأُولَى (عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْجَمْعَيْنِ) أَيْ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَلَا يَخْتَصُّ هَذَا الشَّرْطُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ (فَالتَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (كَالتَّرْتِيبِ فِي الْفَوَائِتِ يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ) لِأَنَّ إحْدَاهُمَا هُنَا تَبَعٌ لِاسْتِقْرَارِهِمَا كَالْفَوَائِتِ. قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْفَائِقُ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيّ: التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ هُنَا لَكِنْ يُشْتَرَطُ الذِّكْرُ كَتَرْتِيبِ الْفَوَائِتِ اهـ وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِالنِّسْيَانِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَيُشْتَرَطُ لَهُ أَيْ لِلْجَمْعِ تَرْتِيبٌ مُطْلَقًا. (وَ) الثَّانِي (الْمُوَالَاةُ فَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ لِأَنَّ مَعْنَى الْجَمْعِ الْمُتَابَعَةُ وَالْمُقَارَنَةُ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ مَعَ التَّفْرِيقِ الطَّوِيلِ (إلَّا بِقَدْرِ إقَامَةٍ وَوُضُوءٍ خَفِيفٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُمَا مِنْ مَصَالِحِ الصَّلَاةِ، وَظَاهِرُهُ تَقْدِيرُ الْيَسِيرِ بِذَلِكَ وَصَحَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنْ يُرْجِعَهُ إلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ فَإِنْ طَالَ الْوُضُوءُ بَطَلَ الْجَمْعُ (وَلَا يَضُرُّ كَلَامٌ يَسِيرٌ لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى قَدْرِ الْإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ الْخَفِيفِ (مِنْ تَكْبِيرِ عِيدٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ. (وَلَوْ) كَانَ الْكَلَامُ (غَيْرَ ذِكْرٍ) كَالسُّكُوتِ الْيَسِيرِ (فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ الرَّاتِبَةَ وَغَيْرَهَا بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ (لَا) إنْ سَجَدَ بَيْنَهُمَا (سُجُودَ السَّهْوِ) وَلَوْ بَعْدَ سَلَامِ الْأُولَى (بَطَلَ الْجَمْعُ) لِأَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِصَلَاةٍ كَمَا لَوْ قَضَى فَائِتَةً وَلَوْ لَمْ تَطُلْ الصَّلَاةُ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَأَمَّا سُجُودُ السَّهْوِ بَيْنَهُمَا فَلَا يُؤَثِّرُ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ، وَمِنْ تَعَلُّقِ الْأُولَى وَتَقَدَّمَ فِي سُجُودِ السَّهْوِ كَلَامُ الْفُصُولِ أَنَّهُ يَسْجُدُ بَعْدَهُمَا. (وَ) وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ (أَنْ يَكُونَ الْعُذْرُ) الْمُبِيحُ لِلْجَمْعِ مِنْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ (مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتَيْنِ) الْمَجْمُوعَتَيْنِ (وَ)
عِنْدَ (سَلَامِ الْأُولَى) لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ وَفَرَاغِهَا، وَافْتِتَاحَ الثَّانِيَةِ مَوْضِعُ الْجَمْعِ. (فَلَوْ أَحْرَمَ) نَاوِي الْجَمْعِ (بِالْأُولَى) مِنْ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (مَعَ وُجُودِ مَطَرٍ، ثُمَّ انْقَطَعَ) الْمَطَرُ. (وَلَمْ يُعِدْ، فَإِنْ حَصَلَ وَحْلٌ) لَمْ يَبْطُلْ الْجَمْعُ لِأَنَّ الْوَحْلَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْمُبِيحَةِ، وَهُوَ نَاشِئٌ مِنْ الْمَطَرِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَنْقَطِعْ الْمَطَرُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ وَحْلٌ (بَطَلَ الْجَمْعُ) لِزَوَالِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ فَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا. (وَإِنْ شَرَعَ فِي الْجَمْعِ مُسَافِرٌ لِأَجْلِ السَّفَرِ، فَزَالَ سَفَرُهُ) بِوُصُولِهِ إلَى وَطَنِهِ أَوْ نِيَّتِهِ الْإِقَامَةَ (وَوُجِدَ وَحْلٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ مَطَرٌ بَطَلَ الْجَمْعُ) لِزَوَالِ مُبِيحِهِ وَالْعُذْرُ الْمُتَجَدِّدُ غَيْرُ حَاصِلٍ عَنْ الْأَوَّلِ بِخِلَافِ الْوَحْلِ بَعْدَ الْمَطَرِ. (وَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُ الْعُذْرِ إلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ فِي جَمْعِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَثَلْجٍ وَبَرَدِ إنْ خَلَّفَهُ وَحْلٌ (بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ) فَيُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُهُ إلَى فَرَاغِ الثَّانِيَةِ (فَلَوْ انْقَطَعَ السَّفَرُ فِي الْأُولَى بِنِيَّةِ إقَامَةٍ وَنَحْوِهَا) كَمُرُورِهِ بِوَطَنِهِ أَوْ بَلَدٍ لَهُ بِهِ امْرَأَةٌ (بَطَلَ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ كَمَا تَقَدَّمَ) لِزَوَالِ مُبِيحِهِمَا. (وَيُتِمُّهَا) أَيْ الْأُولَى (وَتَصِحُّ) فَرْضًا لِوُقُوعِهَا فِي وَقْتِهَا وَيُؤَخِّرُ الثَّانِيَةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُهَا (وَإِنْ انْقَطَعَ) السَّفَرُ (فِي الثَّانِيَةِ بَطَلَا) أَيْ الْجَمْعُ وَالْقَصْرُ (أَيْضًا) لِزَوَالِ مُبِيحِهَا. (وَيُتِمُّهَا نَفْلًا) كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ غَيْرُ عَالِمٍ (وَمَرِيضٌ كَمُسَافِرٍ) فِي جَمْعٍ (فِيمَا إذَا بَرِئَ فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ (وَإِنْ جَمَعَ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ (فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ) اُشْتُرِطَ لَهُ شَرْطَانِ. أَحَدُهُمَا: أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (كَفَاهُ) أَيْ أَجْزَأَهُ (نِيَّةُ الْجَمْعِ فِي وَقْتِ الْأُولَى) لِأَنَّهُ مَتَى أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِلَا نِيَّةٍ صَارَتْ قَضَاءً لَا جَمْعًا (مَا لَمْ يَضِقْ) وَقْتُ الْأُولَى (عَنْ فِعْلِهَا، فَإِنْ ضَاقَ) وَقْتُ الْأُولَى عَنْ فِعْلِهَا (لَمْ يَصِحَّ الْجَمْعُ) لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا إلَى الْقَدْرِ الَّذِي يَضِيقُ عَنْ فِعْلِهَا حَرَامٌ (وَأَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّانِي: (اسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ) مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ لِلْجَمْعِ الْعُذْرُ. فَإِذَا لَمْ يَسْتَمِرَّ وَجَبَ أَنْ لَا يَجُوزَ لِزَوَالِ الْمُقْتَضِي، كَالْمَرِيضِ يَبْرَأُ، وَالْمُسَافِرِ يَقْدَمُ، وَالْمَطَرِ يَنْقَطِعُ (وَلَا أَثَرَ لِزَوَالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمَا صَارَتَا وَاجِبَتَيْنِ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلِهِمَا وَيُشْتَرَطُ التَّرْتِيبُ فِي الْجَمْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ إنْ جَمَعَ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْهُمَا. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: أَوْ ضَاقَ وَقْتُ الْأُولَى عَنْ إحْدَاهُمَا، فَفِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ لِضِيقِهِ وَجْهَانِ (وَلَا تُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ) فِي جَمْعِ التَّأْخِيرِ (فَلَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَيْنَهُمَا نَصًّا) وَلَا تُشْتَرَطُ أَيْضًا نِيَّةُ الْجَمْعِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ
فصل في صلاة الخوف
مَفْعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا، فَهِيَ أَدَاءٌ بِكُلِّ حَالٍ. (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْجَمْعِ) تَقْدِيمًا كَانَ أَوْ تَأْخِيرًا (اتِّحَادُ إمَامٍ وَلَا مَأْمُومٍ فَلَوْ صَلَّى) مَنْ يَجْمَعُ (الْأُولَى وَحْدَهُ، ثُمَّ الثَّانِيَةَ إمَامًا أَوْ مَأْمُومًا أَوْ صَلَّى إمَامٌ الْأُولَى وَإِمَامٌ) آخَرُ (الثَّانِيَةَ أَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ مَأْمُومٌ الْأُولَى وَآخَرُ الثَّانِيَةَ أَوْ نَوَى الْجَمْعَ خَلْفَ مَنْ لَا يَجْمَعُ، أَوْ) نَوَى الْجَمْعَ إمَامًا (بِمَنْ لَا يَجْمَعُ صَحَّ) الْجَمْعُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ كُلِّهَا لِأَنَّ لِكُلِّ صَلَاةٍ حُكْمَ نَفْسِهَا وَهِيَ مُنْفَرِدَةٌ بِنِيَّتِهَا فَلَمْ يُشْتَرَطْ اتِّحَادُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ، كَغَيْرِ الْمَجْمُوعَتَيْنِ (تَتِمَّةٌ) إذَا بَانَ فَسَادُ الْأُولَى بَعْدَ الْجَمْعِ بِنِسْيَانِ رُكْنٍ أَوْ غَيْرِهِ بَطَلَتْ، وَكَذَا الثَّانِيَةُ، فَلَا جَمْعَ وَلَا تَبْطُلُ الْأُولَى بِبُطْلَانِ الثَّانِيَةِ وَلَا الْجَمْعُ إنْ صَلَّاهَا قَرِيبًا، وَإِنْ تَرَكَ رُكْنًا وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيِّهِمَا تَرَكَهُ، أَعَادَهُمَا إنْ بَقِيَ الْوَقْتُ وَإِلَّا قَضَاهُمَا. [فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ] (فَصْلٌ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ) وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ} [النساء: 102] الْآيَةَ وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِاتِّبَاعِهِ وَتَخْصِيصُهُ بِالْخِطَابِ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَبِالسُّنَّةِ فَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّهُ صَلَّاهَا وَأَجْمَعَ الصَّحَابَةُ عَلَى فِعْلِهَا وَصَلَّاهَا عَلِيٌّ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَحُذَيْفَةُ فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْخَنْدَقِ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ: كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ أَوْ بَعْدَهُ وَنَسِيَهَا، أَوْ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ قِتَالٌ يَمْنَعُهُ مِنْهَا وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " سَأَلَهُمْ عَنْ الصَّلَاةِ فَقَالُوا مَا صَلَّيْنَا ". (وَتَأْثِيرُهُ) أَيْ الْخَوْفِ (فِي تَغْيِيرِ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ وَصِفَاتِهَا، لَا فِي تَغْيِيرِ عَدَدِ رَكَعَاتِهَا) أَيْ رَكَعَاتِ الصَّلَاةِ فَلَا يُغَيِّرُهُ الْخَوْفُ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِ فِي مَنْعِ الْوَجْهِ السَّادِسِ الْآتِي
وَأَمَّا عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ فَيُؤَثِّرُ أَيْضًا فِي عَدَدِهَا كَمَا فِي الْوَجْهِ الْمُشَارِ إلَيْهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ. (وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ (أَنْ يَكُونَ الْقِتَالُ مُبَاحًا، كَقِتَالِ الْكُفَّارِ وَالْبُغَاةِ وَالْمُحَارِبِينَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [النساء: 101] وَقِيسَ عَلَيْهِمْ بَاقِي مَنْ يَجُوزُ قِتَالُهُ بِخِلَافِ الْقِتَالِ الْمُحَرَّمِ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ فَلَا تُبَاحُ بِمَعْصِيَةٍ. (قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (صَحَّتْ) صَلَاةُ الْخَوْفِ (عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ أَوْ سِتَّةٍ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (مِنْ سِتَّةِ أَوْجُهٍ أَوْ سَبْعَةٍ؟ كُلُّهَا جَائِزَةٌ) . قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: تَقُولُ بِالْأَحَادِيثِ كُلِّهَا، أَوْ تَخْتَارُ وَاحِدًا مِنْهَا قَالَ أَنَا أَقُولُ: كُلُّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهَا كُلِّهَا فَحَسَنٌ وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ اهـ وَسَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَى عِلَّةِ اخْتِيَارِهِ لَهُ (فَمِنْ ذَلِكَ) الَّذِي صَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَخِيفَ هُجُومُهُ صَلَّى بِهِمْ) إمَامٌ (صَلَاةَ) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي (عُسْفَانَ) بَلَدٌ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ بِنَحْوِ مَرْحَلَتَيْنِ (فَيَصُفُّهُمْ) الْإِمَامُ (خَلْفَهُ صَفَّيْنِ فَأَكْثَرَ، حَضَرًا كَانَ) الْخَوْفُ (أَوْ سَفَرًا وَصَلَّى بِهِمْ جَمِيعًا) مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ (إلَى أَنْ يَسْجُدَ فَيَسْجُدَ مَعَ الصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ وَيَحْرُسَ) الصَّفُّ (الْآخَرُ، حَتَّى يَقُومَ الْإِمَامُ إلَى) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ فَيَسْجُدَ) الْمُتَخَلِّفُ (وَيَلْحَقَهُ، ثُمَّ الْأَوْلَى تَأَخُّرُ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ وَتَقَدُّمُ) الصَّفِّ (الْمُؤَخَّرِ) لِيَحْصُلَ التَّسَاوِي فِي فَضِيلَةِ الْمَوْقِفِ. وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ مُوَاجَهَةً لِلْعَدُوِّ (فَإِذَا سَجَدَ) الْإِمَامُ (فِي الثَّانِيَةِ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ الَّذِي حَرَسَ أَوَّلًا) أَيْ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَحَرَسَ) الصَّفُّ (الْآخَرُ) الَّذِي سَجَدَ مَعَهُ فِي الْأُولَى (حَتَّى يَجْلِسَ) الْإِمَامُ (لِلتَّشَهُّدِ فَيَسْجُدَ) الْحَارِسُ. (وَيَلْحَقَهُ فَيَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ بِهِمْ) جَمِيعًا هَذِهِ الصِّفَةُ رَوَاهَا جَابِرٌ قَالَ «شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ وَالْعَدُوُّ خَلْفَهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَكَبَّرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ
وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ فَلَمَّا قَضَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَسَجَدَ ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَلَّمْنَاهُ جَمِيعًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْضَهُ. وَرَوَى هَذِهِ الصِّفَةَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ «فَصَلَّاهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعُسْفَانَ وَمَرَّةً بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» (وَيُشْتَرَطُ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ (أَنْ لَا يَخَافُوا كَمِينًا) يَأْتِي مِنْ خَلْفِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْكَمِينُ، كَأَمِيرِ: الْقَوْمُ يَكْمُنُونَ فِي الْحَرْبِ (وَ) أَنْ (لَا يَخْفَى بَعْضُهُمْ) أَيْ الْكُفَّارُ (عَنْ الْمُسْلِمِينَ) فَإِنْ خَافُوا كَمِينًا أَوْ خَفِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ صَلَّى عَلَى غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ. (وَإِنْ حَرَسَ كُلُّ صَفٍّ مَكَانَهُ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ) فَلَا بَأْسَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ لَكِنْ مَا تَقَدَّمَ أَوْلَى، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَوْ جَعَلَهُمْ صَفًّا وَاحِدًا أَوْ حَرَسَ بَعْضُهُ وَسَجَدَ الْبَاقُونَ) ثُمَّ فِي الثَّانِيَةِ حَرَسَ السَّاجِدُونَ أَوَّلًا وَسَجَدَ الْآخَرُونَ فَلَا بَأْسَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (أَوْ حَرَسَ الْأَوَّلُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَ) حَرَسَ (الثَّانِي فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ فَلَا بَأْسَ) ، لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْرُسَ صَفٌّ وَاحِدٌ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) لِأَنَّهُ ظُلْمٌ لَهُ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، وَعُدُولٌ عَنْ الْعَدْلِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. الْوَجْهُ (الثَّانِي: إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي جِهَتِهَا وَلَمْ يَرَوْهُمْ أَوْ رَأَوْهُمْ) وَخَافُوا كَمِينًا أَوْ خَفِيَ بَعْضُهُمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ رَأَوْهُمْ وَلَمْ يَخَافُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. (وَ) لَكِنْ (أَحَبُّوا فِعْلَهَا كَذَلِكَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ) النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَزْوَةِ (ذَاتِ الرِّقَاعِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ شَدُّوا الْخِرَقَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ لِفَقْدِ النِّعَالِ وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ جَبَلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَدِينَةِ فِيهِ حُمْرَةٌ وَسَوَادٌ وَبَيَاضٌ كَأَنَّهَا خِرَقٌ وَقِيلَ: هِيَ غَزْوَةُ غَطَفَانَ وَقِيلَ: كَانَتْ نَحْوَ نَجْدٍ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فَيَقْسِمُهُمْ) الْإِمَامُ (طَائِفَتَيْنِ، تَكْفِي كُلُّ طَائِفَةٍ الْعَدُوَّ) زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، مَتَى خُشِيَ اخْتِلَالُ حَالِهِمْ وَاحْتِيجَ إلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَضَ إلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ وَيَبْنُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ. (وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الطَّائِفَةِ عَدَدٌ) مَخْصُوصٌ، بَلْ كِفَايَةُ الْعَدُوِّ، لِأَنَّ الْغَرَضَ الْحِرَاسَةُ مِنْهُ وَيَخْتَلِفُ بِحَسَبِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ وَقُوَّتِهِ وَضَعْفِهِ (فَإِنْ فَرَّطَ) الْإِمَامُ (فِي ذَلِكَ) بِأَنْ كَانَتْ الطَّائِفَةُ لَا تَكْفِي الْعَدُوَّ (أَوْ) فَرَّطَ فِي (مَا فِيهِ حِفْظٌ لَنَا أَثِمَ وَيَكُونُ صَغِيرَةً
لَا يَقْدَحُ فِي) صِحَّةِ (الصَّلَاةِ إنْ قَارَنَهَا) لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ شَرْطَ الصَّلَاةِ (وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ كَالْمُودِعِ وَالْوَصِيِّ وَالْأَمِينِ، إذَا فَرَّطَ فِي الْحِفْظِ) . قَالَ فِي الْإِنْصَافِ قُلْت: إنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ فَسَقَ وَإِلَّا فَلَا اهـ وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الْمَذْهَبُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَعُدْ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ، بَلْ إلَى الْمُخَاطَرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، كَتَرْكِ حَمْلِ السِّلَاحِ مَعَ حَاجَةٍ قُلْت: وَفِي الْفِسْقِ مَعَ التَّعَمُّدِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ صَغِيرَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ الصَّغِيرَةُ لَا يَفْسُقُ بِتَعَمُّدِهَا، بَلْ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا (طَائِفَةٌ) تَذْهَبُ (تَحْرُسُ) الْعَدُوَّ. وَلَا تُحْرِمُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى لِمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ (وَطَائِفَةٌ) تُحْرِمُ مَعَهُ (يُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً تَنْوِي مُفَارَقَتَهُ إذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا، وَلَا يَجُوزُ) أَنْ تُفَارِقَهُ (قَبْلَهُ) بِلَا عُذْرٍ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهَا بِذَلِكَ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ وُجُوبًا لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ) لِإِمَامِهِ (وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ عَلَى إمَامِهِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ. (وَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا (لِأَنْفُسِهَا) بِرَكْعَةٍ (أُخْرَى بِ) سُورَةِ (الْحَمْدُ) لِلَّهِ (وَسُورَةٍ) أُخْرَى (ثُمَّ تَشَهَّدَتْ وَسَلَّمَتْ) لِنَفْسِهَا (وَمَضَتْ تَحْرُسُ) مَكَانَ الْأُولَى (وَتَسْجُدُ لِسَهْوِ إمَامِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ بَعْدَ فَرَاغِهَا) مِنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّ نَقْصَ صَلَاتِهِ نَقْصٌ فِي صَلَاتِهَا. (وَهِيَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ) لَهُ (مُنْفَرِدَةٌ فَقَدْ فَارَقَتْهُ حِسًّا وَحُكْمًا) لِنِيَّتِهَا الْمُفَارَقَةَ، فَلَا تَسْجُدُ لِسَهْوِهِ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ (وَثَبَتَ) الْإِمَامُ (قَائِمًا يُطِيلُ قِرَاءَتَهُ حَتَّى تَحْضُرَ) الطَّائِفَةُ (الْأُخْرَى) الَّتِي كَانَتْ تَحْرُسُ (فَ) تُحْرِمُ ثُمَّ (تُصَلِّي مَعَهُ) الرَّكْعَةَ (الثَّانِيَةَ، يَقْرَأُ) الْإِمَامُ (إذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ إنْ لَمْ يَكُنْ قَرَأَ) قَبْلَ مَجِيئِهَا (فَإِنْ كَانَ قَرَأَ) قَبْلَهُ (قَرَأَ بَعْدَهُ بِقَدْرِهِمَا وَلَا يُؤَخِّرُ الْقِرَاءَةَ إلَى مَجِيئِهَا اسْتِحْبَابًا) . فَلَا تَبْطُلُ إنْ لَمْ يَقْرَأْ (وَيَكْفِي إدْرَاكُهَا لِرُكُوعِهَا) أَيْ الثَّانِيَةِ كَالْمَسْبُوقِ. (وَيَكُونُ الْإِمَامُ تَرَكَ الْمُسْتَحَبَّ) وَهُوَ الْقِرَاءَةُ بِقَدْرِ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ (وَفِي الْفُصُولِ: فَعَلَ مَكْرُوهًا يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يَقْرَأْ شَيْئًا بَعْدَ دُخُولِهَا مَعَهُ، إنَّمَا أَدْرَكَتْهُ رَاكِعًا فَإِذَا جَلَسَ) الْإِمَامُ (لِلتَّشَهُّدِ أَتَمَّتْ لِأَنْفُسِهَا) رَكْعَةً (أُخْرَى وَتُفَارِقُهُ حِسًّا لَا حُكْمًا) فَلَا تَنْوِي مُفَارَقَتَهُ، (تَسْجُدُ مَعَهُ لِسَهْوِهِ) فِي الْأُولَى أَوْ الثَّانِيَةِ وَ (لَا) تَسْجُدُ (لِسَهْوِهِمْ) لِتَحَمُّلِ الْإِمَامِ لَهُ لِأَنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ مِنْ دُخُولِهَا مَعَهُ إلَى سَلَامِهِ بِهَا. (وَيُكَرِّرُ الْإِمَامُ التَّشَهُّدَ) أَوْ يُطِيلُ الدُّعَاءَ فِيهِ، كَمَا فِي الْمُبْدِعِ (فَإِذَا تَشَهَّدَتْ سَلَّمَ بِهِمْ، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ حُكْمًا) فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَقْضِيهَا وَفِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى حِسًّا فَلَا يُسَلِّمُ قَبْلَهُمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} [النساء: 102]
فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ، وَتَحْصُلُ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةَ فَضِيلَةَ السَّلَامِ. وَهَذَا الْوَجْهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ عَمَّنْ «صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» وَصَحَّ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مَرْفُوعًا وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: وَأَمَّا حَدِيثُ سَهْلٍ فَأَنَا أَخْتَارُهُ وَوَجْهُهُ: كَوْنُهُ إنْكَاءً لِلْعَدُوِّ وَأَقَلَّ فِي الْأَفْعَالِ وَأَشْبَهَ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَحْوَطَ لِلصَّلَاةِ وَالْحَرْبِ. (وَإِنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِ) الطَّائِفَةِ (الْأُولَى رَكْعَتَيْنِ) ، وَبِالطَّائِفَةِ (الثَّانِيَةِ رَكْعَةً) لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّفْضِيلِ فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ وَمَا فَاتَ الثَّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ. (وَلَا تَتَشَهَّدُ) الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ (مَعَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (عَقِبَهَا) أَيْ الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ (وَيَصِحُّ عَكْسُهَا) بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى رَكْعَةً، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ (نَصًّا) وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكَعَاتِ، لِيَحْصُلَ الْجَبْرُ بِهِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الِائْتِمَامِ وَالْأُولَى تَفْعَلُ مَا بَقِيَ مُنْفَرِدَةً. (وَإِنْ كَانَتْ) الصَّلَاةُ (رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ) لِيَحْصُلَ الْعَدْلُ بَيْنَهُمْ. (وَلَوْ صَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً وَبِأُخْرَى ثَلَاثًا صَحَّ، وَتُفَارِقُهُ) الطَّائِفَةُ (الْأُولَى فِي الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ عِنْدَ فَرَاغِ التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ. (وَيَنْتَظِرُ الْإِمَامُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ جَالِسًا يُكَرِّرُ التَّشَهُّدَ) الْأَوَّلَ إلَى أَنْ تَحْضُرَ (فَإِذَا أَتَتْ قَامَ) لِتُدْرِكَ مَعَهُ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ، لِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي الثَّالِثَةِ، وَهُوَ خِلَافُ السُّنَّةِ. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ الْوَجْهُ الثَّانِي: يُفَارِقُونَهُ حِينَ يَقُومُ إلَى الثَّالِثَةِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ (فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ تَشَهَّدَتْ مَعَهُ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ كَالْمَسْبُوقِ، ثُمَّ قَامَتْ وَهُوَ جَالِسٌ، فَاسْتَفْتَحْت) وَتَعَوَّذَتْ (وَأَتَمَّتْ صَلَاتَهَا فَإِذَا تَشَهَّدَتْ سَلَّمَ بِهِمْ) . وَلَا يُسَلِّمُ
قَبْلَهُمْ لِمَا تَقَدَّمَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ بِهِمْ الصَّلَاةَ لِأَنَّ مَوْضُوعَ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى التَّخْفِيفِ وَكَذَلِكَ الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ تُخَفِّفُ الصَّلَاةَ. (وَتُتِمُّ الْأُولَى) صَلَاتَهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ (بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) وَحْدَهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا (وَالْأُخْرَى تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُورَةٍ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهَا. (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ) الْإِمَامُ (أَرْبَعًا) أَيْ أَرْبَعَ طَوَائِفَ (فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَوْ فَرَقَّهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَالْبَاقِيَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً، أَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّتَا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلِمُفَارِقَتِهِمْ قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْمُبْطِلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ زَادَ انْتِظَارًا ثَالِثًا لَمْ يَرِدْ الشَّرْعُ بِهِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا. قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ (وَ) بَطَلَتْ صَلَاةُ الطَّائِفَتَيْنِ (الْأُخْرَيَيْنِ إنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّتَا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا (فَإِنْ جَهِلَتَاهُ) أَيْ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. (وَ) جَهِلَهُ (الْإِمَامُ صَحَّتْ) صَلَاتُهُمْ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى (كَحَدَثِهِ) أَيْ كَمَا لَوْ جَهِلَ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ حَدَثَ الْإِمَامِ حَتَّى انْقَضَتْ الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا تَصِحُّ لِلْمَأْمُومِ فَقَطْ وَتَقَدَّمَ وَعُلِمَ مِنْهُ بُطْلَانُ صَلَاةِ الْإِمَامِ وَإِنْ جَهِلَا. (وَ) الْوَجْهُ الثَّالِثُ: (أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً ثُمَّ تَمْضِيَ) إلَى الْعَدُوِّ لِلْحِرَاسَةِ (ثُمَّ) بِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، (ثُمَّ تَمْضِيَ) لِحِرَاسَةِ الْعَدُوِّ (وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ ثُمَّ تَأْتِي الْأُولَى فَتُتَمِّمَ صَلَاتَهَا بِقِرَاءَةِ) سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ ثُمَّ تَأْتِي الْأُخْرَى، فَتُتَمِّمَ صَلَاتهَا بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَ الْفَاتِحَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةٌ الْعَدُوَّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَيْسَتْ مُخْتَارَةً) لِمَا فِيهَا مِنْ كَثْرَةِ الْعَمَلِ (وَلَوْ قَضَتْ الثَّانِيَةُ رَكْعَتَهَا وَقْتَ مُفَارَقَةِ إمَامِهَا وَسَلَّمَتْ وَمَضَتْ) لِلْحِرَاسَةِ (وَأَتَتْ الْأُولَى فَأَتَمَّتْ) صَلَاتَهَا (صَحَّ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي) مِنْ وَجْهَيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) بِالنِّسْبَةِ لِلْوَجْهِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْ الْوَجْهِ الثَّالِثِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ لِلْوَجْهِ الثَّانِي وَقَالَ أَنَا أَذْهَبُ إلَيْهِ. الْوَجْهُ (الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً) كَامِلَةً (وَيُسَلِّمُ بِهَا)
أَيْ بِكُلِّ طَائِفَةٍ وَالْمَنْصُوصُ جَوَازُهُ وَإِنْ مَنَعْنَا اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَهَذَا الْوَجْهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَنَّ صِفَتَهُ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ، لَا تَحْتَاجُ إلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ وَلَا إلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ فِي الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُفْتَرِضِينَ. الْوَجْهُ (الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ) الْإِمَامُ (الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ بِلَا قَضَاءٍ) لِلرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ (فَتَكُونُ) الصَّلَاةُ (لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) لِحَدِيثِ جَابِرٍ. قَالَ «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ: فَكَانَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنَعَ ذَلِكَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ فَيَكُونُ هُوَ الْوَجْهَ الَّذِي قَبْلَ هَذَا وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى إنْ صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ مُخَالِفٌ لِصِفَةِ الرِّوَايَةِ. (وَلَوْ قَصَرَ) الرُّبَاعِيَّةَ (الْجَائِزَ قَصْرُهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ فَمَنَعَ الْأَكْثَرُ) مِنْ الْأَصْحَابِ (صِحَّةَ هَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ) الْوَجْهُ (السَّادِسُ) : لِأَنَّ الْخَوْفَ لَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الرَّكَعَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ فِي الْكَافِي كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مِنْ الْوُجُوهِ الْجَائِزَةِ، إلَّا أَنَّ أَصْحَابَهُ قَالُوا: لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَحَمَلُوا هَذِهِ الصِّفَةَ عَلَى شِدَّةِ الْخَوْفِ انْتَهَى وَاخْتَارَ هَذَا الْوَجْهَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَةِ وَمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنِ تَمِيمٍ وَالْفَائِقِ وَقَالَ: هُوَ الْمُخْتَارُ اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، يَعْنِي بِهِ الْمُوَفَّقَ وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ انْتَهَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَوْ قَصَرَهَا وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ، كَصَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَغَيْرِهِمْ صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: مَا يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كُلُّهَا صِحَاحٌ، ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ " رَكْعَةً رَكْعَةً " إلَّا أَنَّهُ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَانِ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ وَلَمْ يَنُصَّ عَلَى خِلَافِهِ وَلِلْخَوْفِ وَالسَّفَرِ - أَيْ اجْتِمَاعِ مُبِيحَيْنِ أَحَدُهُمَا: الْخَوْفُ - وَالْآخَرُ السَّفَرُ.
تَتِمَّةٌ " الْوَجْهُ السَّابِعُ: صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَصْحَابِهِ عَامَ نَجْدٍ عَلَى مَا خَرَّجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ أَنْ تَقُومَ مَعَهُ طَائِفَةٌ وَطَائِفَةٌ أُخْرَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَظَهْرُهَا إلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يُحْرِمَ وَتُحْرِمَ مَعَهُ الطَّائِفَتَانِ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً هُوَ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ، ثُمَّ يَقُومَ إلَى الثَّانِيَةِ وَيَذْهَبَ الَّذِينَ مَعَهُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَتَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتَرْكَعَ وَتَسْجُدَ، ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالثَّانِيَةِ، وَتَأْتِيَ الَّتِي تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَتَرْكَعَ وَتَسْجُدَ وَيُسَلِّمَ بِالْجَمِيعِ. (وَتُصَلَّى الْجُمُعَةُ فِي) حَالِ (الْخَوْفِ حَضَرًا) لَا سَفَرًا (بِشَرْطِ كَوْنِ كُلِّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (فَأَكْثَرَ) مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا لِاشْتِرَاطِ الْعَدَدِ وَالِاسْتِيطَانِ (فَيُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بَعْدَ حُضُورِهَا الْخُطْبَةَ) - يَعْنِي خُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُحْرِمَ بِمَنْ حَضَرَتْ الْخُطْبَةَ لِاشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَالْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ (فَإِنْ أَحْرَمَ بِ) الطَّائِفَةِ (الَّتِي لَمْ تَحْضُرْهَا لَمْ تَصِحَّ) الْجُمُعَةُ (حَتَّى يَخْطُبَ لَهَا) كَغَيْرِ حَالَةِ الْخَوْفِ (وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا جَهْرٍ) بِالْقِرَاءَةِ، كَالْمَسْبُوقِ إذَا فَاتَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ رَكْعَةٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ تَبْطُلُ إنْ بَقِيَ مُنْفَرِدًا بَعْدَ ذَهَابِ الطَّائِفَةِ كَمَا لَوْ نَقَصَ الْعَدَدُ وَقِيلَ: يَجُوزُ هُنَا لِلْعُذْرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَلِأَنَّهُ مُتَرَقِّبٌ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ صَلَّاهَا كَخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ جَازَ. (وَيُصَلَّى اسْتِسْقَاءٌ ضَرُورَةً كَالْمَكْتُوبَةِ) قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَالْكُسُوفُ وَالْعِيدُ آكَدُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ الْعِيدَ فَرْضُ كِفَايَةٍ (فَيُصَلِّيهِمَا) أَيْ الْكُسُوفَ وَالْعِيدَ فِي الْخَوْفِ كَالْمَكْتُوبَةِ. (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ لِلْخَائِفِ (حَمْلُ سِلَاحٍ فِي الصَّلَاةِ يَدْفَعُ بِهِ) الْعَدُوَّ (عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُثْقِلُهُ كَسَيْفٍ وَسِكِّينٍ وَنَحْوِهِمَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} [النساء: 102] وَقَوْلُهُ {وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ} [النساء: 102] فَدَلَّ عَلَى الْجُنَاحِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ لَكِنْ لَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَكَانَ شَرْطًا، كَالسُّتْرَةِ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَلِأَنَّ حَمْلَ السِّلَاحِ يُرَادُ لِحِرَاسَةٍ أَوْ قِتَالٍ وَالْمُصَلِّي لَا يَتَّصِفُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَالْأَمْرُ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ، كَالنَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ لَمَّا كَانَ لِلرِّفْقِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ. وَأَمَّا حَمْلُ السِّلَاحِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْعُذْرِ، وَهُوَ أَظْهَرُ (مَا لَمْ يَمْنَعْهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (إكْمَالَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (كَمِغْفَرٍ)
فصل إذا اشتد الخوف صلوا وجوبا ولا يؤخرونها
كَمِنْبَرٍ (سَابِغٍ عَلَى الْوَجْهِ وَهُوَ زَرَدٌ يُنْسَجُ مِنْ الدُّرُوعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ يُلْبَسُ تَحْتَ الْقَلَنْسُوَةِ) أَوْ حَلَقٌ يَتَقَنَّعُ بِهَا الْمُتَسَلِّحُ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ. (وَ) يُكْرَهُ (مَا لَهُ أَنْفٌ) لِأَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْمُصَلِّي (أَوْ يُثْقِلُهُ حَمْلُهُ كَجَوْشَنٍ وَهُوَ التَّنُّورُ الْحَدِيدُ وَنَحْوُهُ) . قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَوْشَنُ الصَّدْرُ وَالدِّرْعُ (وَنَحْوُهُ) أَيْ نَحْوُ مَا ذَكَرَ مِمَّا يُثْقِلُهُ (أَوْ يُؤْذِي غَيْرَهُ كَرُمْحٍ وَقَوْسٍ إذَا كَانَ) الْمُصَلِّي (بِهِ) أَيْ بِالرُّمْحِ أَوْ الْقَوْسِ (مُتَوَسِّطًا) لِلْقَوْمِ (فَيُكْرَهُ) إنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ (فَإِنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ أَوْ كَانَ فِي طَرَفِ النَّاسِ لَمْ يُكْرَهْ) لِعَدَمِ الْإِيذَاءِ إذَنْ (وَيَجُوزُ حَمْلُ نَجِسٍ) وَلَوْ غَيْرَ مَعْفُوٍّ عَنْهُ لَوْلَا الْخَوْفُ (فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَ) حَمْلُ (مَا يُخِلُّ بِبَعْضِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ) إلَيْهِ. (وَلَا إعَادَةَ) فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، كَالْمُتَيَمِّمِ فِي الْحَضَرِ لِبَرْدٍ. [فَصْلٌ إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا وُجُوبًا وَلَا يُؤَخِّرُونَهَا] (فَصْلٌ وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ صَلَّوْا وُجُوبًا وَلَا يُؤَخِّرُونَهَا رِجَالًا وَرُكْبَانًا) مُتَوَجِّهِينَ (إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا} [البقرة: 239] . قَالَ «ابْنُ عُمَرَ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ الْبُخَارِيُّ. قَالَ نَافِعٌ " لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ قَالَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إلَى وِجَاهِ الْعَدُوِّ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ» وَهُوَ مَشْيٌ كَثِيرٌ وَعَمَلٌ طَوِيلٌ وَاسْتِدْبَارٌ لِلْقِبْلَةِ، فَمَعَ شِدَّةِ الْخَوْفِ أَوْلَى (يُومِئُونَ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (إيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ) لِأَنَّهُمْ لَوْ تَمَّمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَكَانُوا هَدَفًا لِأَسْلِحَةِ الْكُفَّارِ، مُعَرِّضِينَ أَنْفُسَهُمْ لِلْهَلَاكِ. (وَ) يَكُونُ (سُجُودُهُمْ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِمْ) كَالْمَرِيضِ (وَسَوَاءٌ وُجِدَ) اشْتِدَادُ الْخَوْفِ (قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (أَوْ فِيهَا) لِعُمُومِ الْآيَةِ. (وَلَوْ احْتَاجَ) الْمُصَلِّي الْخَائِفُ (عَمَلًا كَثِيرًا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ) فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ
(نَصًّا وَتَجِبُ) أَيْ الْجَمَاعَةُ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ كَغَيْرِهَا (لَكِنْ يُعْتَبَرُ إمْكَانُ الْمُتَابَعَةِ) فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لَمْ تَجِبْ الْجَمَاعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ. (وَلَا يَضُرُّ تَأَخُّرُ الْإِمَامِ) عَنْ الْمَأْمُومِ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَلَا) يَضُرُّ (كَرٌّ) عَلَى الْعَدُوِّ (وَلَا فَرٌّ) مِنْ الْعَدُوِّ (وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَعْمَالِ، كَالضَّرْبِ وَالطَّعْنِ (لِمَصْلَحَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقِتَالِ كَالْكَلَامِ، فَمَتَى صَاحَ فَبَانَ حَرْفَانِ بَطَلَتْ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الْكَلَامِ إذْ السُّكُونُ أَهْيَبُ فِي نُفُوسِ الْأَقْرَانِ (وَلَا) يَضُرُّ (تَلْوِيثُ سِلَاحِهِ بِدَمٍ) . وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا (وَلَا يَزُولُ الْخَوْفُ إلَّا بِانْهِزَامِ الْكُلِّ) أَيْ جَيْشِ الْعَدُوِّ كُلِّهِ لِأَنَّ انْهِزَامَ بَعْضِهِ قَدْ يَكُونُ مَكِيدَةً (وَلَا يَلْزَمُهُمْ افْتِتَاحُهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (إلَى الْقِبْلَةِ وَلَوْ أَمْكَنَهُمْ) ذَلِكَ كَبَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الصَّلَاةِ. (وَلَا) يَلْزَمُهُمْ (السُّجُودُ عَلَى) ظَهْرِ (الدَّابَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا مَنْ هَرَبَ مِنْ عَدْوٍ هَرَبًا مُبَاحًا) كَخَوْفِ قَتْلٍ أَوْ أَسْرِ مَحْرَمٍ، وَيَكُونُ الْكُفَّارُ أَكْثَرَ مِنْ مِثْلَيْ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ) هَرَبَ (مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ كَمَا هُنَا (وَنَحْوِهِ، كَنَارٍ أَوْ غَرِيمٍ ظَالِمٍ) فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَمَا تَقَدَّمَ لِوُجُودِ الْخَوْفِ. فَإِنْ كَانَ الْهَرَبُ مُحَرَّمًا لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ خَوْفٍ لِأَنَّهَا رُخْصَةً فَلَا تُنَاطُ بِمَعْصِيَةٍ (أَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ) مِنْ شَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ إنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى هَيْأَتِهَا فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ، لِدُخُولِ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي عُمُومِ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ خِفْتُمْ} [البقرة: 239] (أَوْ ذَبَّ) أَيْ دَفَعَ (عَنْهُ) أَيْ عَمَّا ذُكِرَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ (أَوْ) ذَبَّ (عَنْ غَيْرِهِ) أَيْ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَائِفِ مِنْ أَجْلِ دَرْءِ الصَّائِلِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ نَفْسِ غَيْرِهِ لِأَنَّ قِتَالَ الصَّائِلِ عَلَى ذَلِكَ إمَّا وَاجِبٌ أَوْ مُبَاحٌ وَكِلَاهُمَا مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ (أَوْ طَلَبِ عَدُوٍّ يَخَافُ فَوْتَهُ) رُوِيَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ وَقَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَأَيْته وَقَدْ حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْت إنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ نَحْوَهُ إيمَاءً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا وَلِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ عَظِيمٌ فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى. (أَوْ خَافَ فَوْتَ وَقْتِ وُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) إنْ صَلَّاهَا آمِنًا، فَيُصَلِّي
باب صلاة الجمعة
صَلَاةَ خَائِفٍ بِالْإِيمَاءِ وَهُوَ مَاشٍ حِرْصًا عَلَى إدْرَاكِ الْحَجِّ لِأَنَّ الْحَجَّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ كَالشَّيْءِ الْحَاصِلِ، وَالْفَوَاتُ طَارِئٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ الضَّرَرَ الَّذِي يَلْحَقُهُ بِفَوَاتِ الْحَجِّ لَا يَنْقُصُ عَنْ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ الْغَرِيمِ الظَّالِمِ فِي حَقِّ الْمَدِينِ الْمُعْسِرِ بِخَوْفِهِ مِنْ حَبْسِهِ إيَّاهُ أَيَّامًا. (وَمَنْ خَافَ كَمِينًا أَوْ مَكِيدَةً أَوْ مَكْرُوهًا) كَهَدْمِ سُورٍ أَوْ طَمِّ خَنْدَقٍ إنْ اشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْأَمْنِ (صَلَّى صَلَاةَ خَوْفٍ) وَلَا إعَادَةَ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ الطَّمَّ وَالْهَدْمَ لَا يَتِمُّ لِلْعَدُوِّ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ صَلَّوْا صَلَاةَ أَمْنٍ (وَكَذَلِكَ الْأَسِيرُ إذَا خَافَهُمْ) أَيْ الْكُفَّارَ (عَلَى نَفْسِهِ إنْ صَلَّى، وَالْمُخْتَفِي فِي مَوْضِعٍ يَخَافُ أَنْ يُظْهَرَ عَلَيْهِ صَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَمُسْتَلْقِيًا إلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا بِالْإِيمَاءِ حَضَرًا وَسَفَرًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ) انْتَقَلَ وَبَنَى وَأَتَمَّهَا صَلَاةَ أَمْنٍ (أَوْ خَافَ) فِي الصَّلَاةِ (انْتَقَلَ وَبَنَى) وَأَتَمَّهَا صَلَاةَ خَائِفٍ لِأَنَّ بِنَاءَهُ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ، كَمَا لَوْ ابْتَدَأَ صَحِيحًا ثُمَّ مَرِضَ وَعَكْسُهُ. (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا فَلَمْ يَكُنْ أَوْ كَانَ) عَدُوٌّ (وَثَمَّ) أَيْ هُنَاكَ (مَانِعٌ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ كَبَحْرٍ وَنَحْوِهِ (أَعَادَ) الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ الْمُبِيحُ أَشْبَهَ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ ثُمَّ عَلِمَ بِحَدَثِهِ وَسَوَاءٌ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ لِخَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَإِنْ بَانَ أَنَّهُ عَدُوٌّ لَكِنْ يَقْصِدُ غَيْرَهُ) لَمْ يُعِدْ لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ بِوُجُودِ عَدُوٍّ يَخَافُ هَجْمَهُ. (أَوْ خَافَ مِنْ التَّخَلُّفِ عَنْ الرُّفْقَةِ عَدُوًّا فَصَلَّى سَائِرًا، ثُمَّ بَانَ سَلَامَةُ الطَّرِيقِ) أَيْ أَمِنَهَا (لَمْ يُعِدْ) لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِذَلِكَ. (وَإِنْ خَافَ هَدْمَ سُورٍ أَوْ طَمَّ خَنْدَقٍ إنْ صَلَّى آمِنًا صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ) ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (مَا لَمْ يَعْلَمْ خِلَافَهُ) بِأَنْ عَلِمَ أَنَّ الطَّمَّ لَا يَتِمُّ وَالْهَدْمَ إلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَيُصَلِّي صَلَاةَ أَمْنٍ. (وَصَلَاةُ النَّفْلِ مُنْفَرِدًا يَجُوزُ فِعْلُهَا) لِلْخَائِفِ (كَالْفَرْضِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبَبٌ أَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَهُ الْجَمَاعَةُ وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْعِيدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ قَرِيبًا. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] (بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ وَالْأَصْلُ الضَّمُّ وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ وَقِيلَ: لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا وَقِيلَ: لِأَنَّ
آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِيهَا وَفِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعً وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنْ الْخَيْرِ قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَاسْمَهُ الْقَدِيمُ: يَوْمُ الْعُرُوبَةُ، وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ (وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ) لَيْسَتْ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ (لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ) الْجُمُعَةُ (عَلَيْهِ) كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ (وَلِجَوَازِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَبْلَ الزَّوَالِ) وَلِأَنَّهُ (لَا) يَجُوزُ أَنْ تُفْعَلَ (أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ: وَالْجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ. (وَلَا تُجْمَعُ) مَعَ الْعَصْرِ (فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ) بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، لِعُذْرٍ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي الْجَمْعِ. (وَ) صَلَاةُ الْجُمُعَةِ (أَفْضَلُ مِنْ الظُّهْرِ) بِلَا نِزَاعٍ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (وَفُرِضَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «أُذِنَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْمَعَ بِمَكَّةَ فَكَتَبَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَمَّا بَعْدُ، فَانْظُرْ إلَى الْيَوْمِ الَّذِي تَجْهَرُ فِيهِ الْيَهُودُ بِالزَّبُورِ، لِسَبْتِهِمْ فَاجْمَعُوا نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَإِذَا مَالَ النَّهَارُ عَنْ شَطْرِهِ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَتَقَرَّبُوا إلَى اللَّهِ بِرَكْعَتَيْنِ» فَأَوَّلُ مَنْ جَمَعَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَتَّى قَدِمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَدِينَةَ فَجَمَعَ عِنْدَ الزَّوَالِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ: هُوَ أَنَّ أَسْعَدَ جَمَعَ النَّاسَ فَإِنَّ مُصْعَبًا كَانَ نَزِيلُهُمْ وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَيُقْرِئُهُمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ، فَأَسْعَدُ دَعَاهُمْ وَمُصْعَبُ صَلَّى بِهِمْ. وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جُمُعَةٌ بِجُوَاثَى قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ. (وَقَالَ الشَّيْخُ: فُعِلَتْ بِمَكَّةَ عَلَى صِفَةِ الْجَوَازِ، وَفُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ انْتَهَى) لِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ مَدَنِيَّةٌ وَلَعَلَّ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ: فُعِلَتْ بِمَكَّة: أَيْ فُعِلَتْ الْجُمُعَةُ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْوُجُوبِ إذْ آيَةُ الْجُمُعَةِ بَلْ سُورَتُهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. (وَلَيْسَ لِمَنْ قُلِّدَهَا) أَيْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ إمَامَةَ الْجُمُعَةِ (أَنْ يَؤُمَّ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) أَيْ فِي ظُهْرٍ وَلَا غَيْرِهَا مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ ذَكَرَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْفَائِقِ وَغَيْرِهِمَا وَلَعَلَّ الْمُرَادُ: لَا يَسْتَفِيدُ ذَلِكَ بِالْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ الْإِمَامَةُ، إذْ إقَامَةُ الصَّلَوَاتِ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِهِ. (وَلَا لِمَنْ قُلِّدَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ، لِعَدَمِ تَنَاوُلِ الْخَمْسِ لَهَا، وَالْمُرَادُ كَمَا سَبَقَ (وَلَا مَنْ
قُلِّدَ أَحَدَهُمَا) أَيْ الْجُمُعَةِ أَوْ الْخَمْسِ (أَنْ يَؤُمَّ فِي عِيدٍ وَكُسُوفٍ وَاسْتِسْقَاءٍ) لِعَدَمِ شُمُولِ وِلَايَتِهِ لِذَلِكَ وَالْمُرَادُ عَلَى مَا سَبَقَ (إلَّا أَنْ يُقَلَّدَ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ فَتَدْخُلُ) الْمَذْكُورَاتِ (فِي عُمُومِهَا) لِلْإِتْيَانِ بِصِيغَةِ الْعُمُومِ. (وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ) بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَلَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَّا لِوَاجِبٍ وَالْمُرَادُ بِهِ: الذَّهَابُ إلَيْهَا لَا الْإِسْرَاعُ وَالسُّنَّةُ وَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجُمُعَاتِ أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى، قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنْ الْغَافِلِينَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إجْمَاعًا وَلَا عَلَى صَبِيٍّ، لِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ مَرْفُوعًا «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إلَّا أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوْ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَرِيضٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ طَارِقٌ قَدْ رَأَى، النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ،. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (ذَكَرٍ) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعًا لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ (حُرٍّ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ مَحْبُوسٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ يَشْمَلُهُ) أَيْ الْبِنَاءُ (اسْمٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ تَفَرَّقَ) الْبِنَاءُ (يَسِيرًا) وَسَوَاءٌ كَانَ الْبِنَاءُ مِنْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ نَحْوِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ طَارِقٍ " فِي جَمَاعَةٍ ". (فَإِنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لَزِمَتْهُ) أَيْ الْجُمُعَةُ (وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا) أَيْ مَوْضِعِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ (فَرْسَخٌ، وَلَوْ لَمْ يَسْمَعْ النِّدَاءَ) لِأَنَّهُ بَلَدٌ وَاحِدٌ، فَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ، وَلِأَنَّ الْمِصْرَ لَا يَكَادُ يَكُونُ أَكْثَرَ مِنْ (فَرْسَخٍ) فَهُوَ فِي مَظِنَّةِ الْقُرْبِ فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْبَلَدِ) الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ (كَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يَبْلُغُ عَدَدُهُمْ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْجُمُعَةِ) وَهُوَ أَرْبَعُونَ (أَوْ كَانَ مُقِيمًا فِي خِيَامٍ) جَمْعُ خَيْمَةٍ وَهِيَ بَيْتٌ تَبْنِيهِ الْعَرَبُ مِنْ عِيدَانِ الشَّجَرِ. قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: لَا تَكُونُ الْخَيْمَةُ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنْ ثِيَابٍ بَلْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَعْوَادٍ وَتُسَقَّفُ بِالثُّمَامِ وَخَيَّمْت بِالْمَكَانِ بِالتَّشْدِيدِ: أَقَمْت فِيهِ. ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَنَحْوِهَا) كَبُيُوتِ الشَّعْرِ (أَوْ) كَانَ (مُسَافِرًا
دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ وَبَيْنَهُ) أَيْ الْمَذْكُورِ فِيمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مِنْ قَرْيَةٍ لَا يَبْلُغُونَ عَدَدَ الْجُمُعَةِ، أَوْ فِي خِيَامٍ وَنَحْوِهَا أَوْ مُسَافِرٌ دُونَ الْمَسَافَةِ (وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (مِنْ الْمَنَارَةِ نَصَّا) وَعَنْهُ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ (أَكْثَرَ مِنْ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ) الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يَسْمَعُونَ نِدَاءَهَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِهَا فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَرْسَخٌ تَقْرِيبًا فَأَقَلَّ (لَزِمَتْهُ بِغَيْرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، يَسْمَعُ النِّدَاءَ كَأَهْلِ الْمِصْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ: إنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ مِنْ الثِّقَاتِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَفْظُهُ " إنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ " وَالْعِبْرَةُ بِسَمَاعِهِ مِنْ الْمَنَارَةِ لَا بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ اعْتِبَارُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَيْرَ مُمْكِنٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمْ الْأَصَمُّ وَثَقِيلُ السَّمْعِ وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ فَيَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، اعْتَبَرَ بِمَظِنَّتِهِ وَالْمَوْضِعِ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءُ غَالِبًا - إذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً وَالْعَوَارِضُ مُنْتَفِيَةً - هُوَ فَرْسَخٌ فَلَوْ سَمِعَتْهُ قَرْيَةٌ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ، لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ دُونَهُ لِجَبَلٍ حَائِلٍ، أَوْ انْخِفَاضٍ: لَمْ تَجِبْ فِي الْأُولَى، وَوَجَبَتْ فِي الثَّانِيَةِ، اعْتِبَارًا بِالْمَظِنَّةِ، وَإِقَامَتِهَا مَقَامَ الْمَئِنَّةِ وَمَحَلُّ لُزُومُهَا حَيْثُ لَزِمَتْ فِيهَا تُقَدَّمُ (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) مِمَّا تَقَدَّمَ فِي آخِرِ بَابِ الْجَمَاعَةِ. (وَلَا تَجِبُ) الْجُمُعَةُ (عَلَى مُسَافِرٍ سَفَرَ قَصْرٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمْ الْجُمُعَةَ فِيهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ وَكَمَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ لَا تَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ (مَا لَمْ يَكُنْ سَفَرُهُ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ) فَتَلْزَمُهُ، لِئَلَّا تَكُونَ الْمَعْصِيَةُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْهُ (فَلَوْ أَقَامَ) الْمُسَافِرُ سَفَرَ طَاعَةٍ يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ لِشُغْلٍ) كَتَاجِرٍ أَقَامَ لِبَيْعِ مَتَاعِهِ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ (أَوْ عِلْمٍ وَنَحْوِهِ) كَرِبَاطٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. (وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا لَزِمَتْهُ بِغَيْرِهِ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ (وَلَا يَؤُمُّ فِيهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (مَنْ لَزِمَتْهُ بِغَيْرِهِ) لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ وَلِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا (وَلَا جُمُعَةَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ نَصًّا) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِعْلُهَا هُنَاكَ وَلِلسَّفَرِ. (وَلَا) جُمُعَةَ (عَلَى عَبْدٍ وَلَا مُعْتَقٍ بَعْضُهُ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ وَكَانَتْ الْجُمُعَةُ فِي نَوْبَتِهِ) أَيْ الْمُبَعَّضِ فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا عَلَى مُكَاتَبٍ وَمُدَبَّرٍ وَمُعَلَّقٍ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ) لِأَنَّهُ عَبْدٌ. (وَهِيَ) أَيْ الْجُمُعَةُ (أَفْضَلُ فِي حَقِّهِمْ، وَ) فِي
(حَقِّ الْمُمَيِّزِ، وَ) فِي حَقِّ (مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ) وَكُلُّ مَنْ اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: (مِنْ الظُّهْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِأَفْضَلَ، لِلْخِلَافِ فِي وُجُوبِهَا عَلَيْهِمْ. (وَلَا) جُمُعَةَ (عَلَى امْرَأَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَيُبَاحُ لِغَيْرِ الْحَسْنَاءِ حُضُورُهَا وَيُكْرَهُ لِحَسْنَاءَ كَالْجَمَاعَةِ وَبَيْتُهَا خَيْرٌ لَهَا. قَالَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: رَأَيْت ابْنَ مَسْعُودٍ يُخْرِجُ النِّسَاءَ مِنْ الْجَامِعِ وَيَقُولُ " اُخْرُجْنَ إلَى بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ لَكُنَّ " (وَ) لَا (خُنْثَى) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ) أَيْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ (أَجْزَأَتْهُ) لِأَنَّ إسْقَاطَ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفٌ فَإِذَا حَضَرُوهَا أَجْزَأَتْ كَالْمَرِيضِ. (وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ) الْجُمُعَةُ (فَلَا يُحْسَبُ مِنْ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ. وَإِنَّمَا تَصِحُّ مِنْهُ الْجُمُعَةُ تَبَعًا لِمَنْ انْعَقَدَتْ بِهِ فَلَوْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُنْفَرِدِينَ كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ (وَلَا يَؤُمُّ فِيهَا) أَيْ فِي الْجُمُعَةِ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا (مَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ) الْجُمُعَةُ (لِعُذْرٍ كَمَرَضٍ وَخَوْفٍ وَمَطَرٍ وَنَحْوِهَا) كَخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ (غَيْرَ سَفَرٍ إذَا حَضَرَهَا) أَيْ الْجُمُعَةَ. (وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَانْعَقَدَتْ بِهِ وَأَمَّ فِيهَا) أَيْ جَازَ أَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ لِأَنَّ سُقُوطَ حُضُورِهَا لِمَشَقَّةِ السَّعْيِ فَإِذَا تَحَمَّلَ وَحَضَرَهَا انْتَفَتْ الْمَشَقَّةُ وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ، فَانْعَقَدَتْ بِهِ كَمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ (فَلَوْ حَضَرَهَا) أَيْ الْجُمُعَةَ (إلَى آخِرِهَا وَلَمْ يُصَلِّهَا، أَوْ انْصَرَفَ لِشُغْلٍ غَيْرِ دَفْعِ ضَرُورَةٍ، كَانَ عَاصِيًا) لِتَرْكِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (أَمَّا لَوْ اتَّصَلَ ضَرَرُهُ بَعْدَ حُضُورِهَا، فَأَرَادَ الِانْصِرَافَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ جَازَ) انْصِرَافُهُ (عِنْدَ الْوُجُودِ) أَيْ وُجُودِ الْعُذْرِ (الْمُسْقِطِ) لِلْجُمُعَةِ (كَالْمُسَافِرِ) . (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَ فَرَاغِهَا) أَيْ فَرَاغِ مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ (أَوْ شَكَّ هَلْ صَلَّى) الظُّهْرَ (قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَهُ؟ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ وَكَشَكِّهِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ فَيُعِيدُهَا ظُهْرًا إذَا تَعَذَّرَتْ الْجُمُعَةُ ثُمَّ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ سَعَى إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ فِي حَقِّهِ وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، لَكِنْ لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا وَتُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ. وَجَعَلَهُ ظَاهَرَ كَلَامِهِ؛ لِخَبَرِ تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا (وَكَذَا لَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ) لَمْ تَصِحَّ ظُهْرُهُمْ، لِمَا تَقَدَّمَ وَيُعِيدُونَهَا إذَا فَاتَتْ الْجُمُعَةُ (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ)
الْجُمُعَةُ كَالْعَبْدِ وَالْمَرِيضِ (التَّأْخِير) لِلظُّهْرِ (حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ) الْجُمُعَةَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا زَالَ عُذْرَهُ فَلَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَامَ عُذْرُهُ كَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى فَالتَّقْدِيمُ فِي حَقِّهِمَا أَفْضَلُ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ لَكِنْ الْخُنْثَى يَتَأَتَّى زَوَالُ عُذْرِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ تَتَّضِحَ ذُكُورِيَّتُهُ، فَهُوَ كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ (فَإِنْ صَلَّوْا) أَيْ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِمْ الظُّهْرَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ (صَحَّتْ) ظُهْرُهُمْ، لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا فَرْضَ الْوَقْتِ. (وَلَوْ زَالَ عُذْرُهُمْ) بَعْدَ صَلَاتِهِمْ، كَالْمَعْضُوبِ إذَا حُجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ (فَإِنْ حَضَرُوا الْجُمُعَةَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ أَنْ صَلَّوْا الظُّهْرَ لِلْعُذْرِ (كَانَتْ نَفْلًا) لِأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ (إلَّا الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ) بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَلَوْ بَعْدَ تَجْمِيعِ الْإِمَامِ (فَلَا يَسْقُطُ فَرْضُهُ) وَتَجِبُ عَلَيْهِ الظُّهْرُ بِبُلُوغِهِ فِي وَقْتِهَا أَوْ وَقْتِ الْعَصْرِ، كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّ صَلَاتَهُ الْأُولَى وَقَعْت نَفْلًا، فَلَا تُسْقِطُ الْفَرْضَ. (وَلَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ) صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً وَكَذَا لَوْ تَعَدَّدَتْ الْجُمُعَةُ، وَقُلْنَا: يُصَلُّونَ الظُّهْرَ فَلَا بَأْسَ بِالْجَمَاعَةِ فِيهَا، بَلْ مُقْتَضَى مَا سَبَقَ وُجُوبُهَا لَكِنْ إنْ خَافَ فِتْنَةً أَخْفَاهَا عَلَى مَا يَأْتِي (وَلِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) كَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ (صَلَاةُ الظُّهْرِ جَمَاعَةً مَا لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً) لِحَدِيثِ فَضْلِ الْجَمَاعَةِ، وَفِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ زَادَ السَّامِرِيُّ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَفِي كَرَاهَتِهَا فِي مَكَانِهَا وَجْهَانِ جَزَمَ فِي الشَّرْحِ بِالْكَرَاهَةِ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ وَالِافْتِيَاتِ عَلَى الْإِمَامِ (فَإِنْ خَافَ) فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا (أَخْفَاهَا) وَصَلَّى حَيْثُ يَأْمَنُ ذَلِكَ،. وَمَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ فَتَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ، لِلْخَبَرِ وَلَا يَجِبُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ) الْجُمُعَةُ (السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا) لِتَرْكِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِتِجَارَةٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا (إلَّا أَنْ يَخَافَ فَوْتَ رُفْقَتِهِ) بِسَفَرٍ مُبَاحٍ فَإِنَّ ذَلِكَ عُذْرٌ يُسْقِطُ وُجُوبَهَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجُوزُ) لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ " لَا تَحْبِسُ الْجُمُعَةُ عَنْ سَفَرٍ " وَكَمَا لَوْ سَافَرَ مِنْ اللَّيْلِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إقَامَةٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ، وَأَنْ لَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ» (إنْ لَمْ يَأْتِ بِهَا)
فصل شروط صحة الجمعة
أَيْ بِالْجُمُعَةِ (فِي طَرِيقِهِ فِيهِمَا) أَيْ فِي مَسْأَلَتَيْ مَا إذَا سَافَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ وَقَبْلَهُ أَمَّا إذَا كَانَ يَأْتِي بِهَا فِي طَرِيقِهِ، فَلَا كَرَاهَةَ لِانْتِفَاءِ الْمُوجِبِ. [فَصْلٌ شُرُوطُ صِحَّة الْجُمُعَةِ] (فَصْلٌ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ) (أَحَدُهَا: الْوَقْتُ) لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فَاشْتُرِطَ لَهَا كَبَقِيَّةِ الْمَفْرُوضَاتِ (فَلَا تَصِحُّ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَقْتِ. (وَلَا بَعْدَهُ) إجْمَاعًا (وَأَوَّلُهُ) أَيْ أَوَّلِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ (أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ نَصًّا) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ السُّلَمِيِّ قَالَ " شَهِدْت الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتهَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ: قَدْ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتهَا مَعَ عُثْمَانَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إلَى أَنْ أَقُولَ: قَدْ زَالَ النَّهَارُ فَمَا رَأَيْت أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَأَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَسَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ " أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَمْ يُنْكَرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ، أَشْبَهَتْ الْعِيدَيْنِ (وَتُفْعَلُ فِيهِ) أَيْ فِيمَا قَبْلَ الزَّوَالِ (جَوَازًا أَوْ رُخْصَةً وَتَجِبُ بِالزَّوَالِ) ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبَ. (وَفِعْلُهَا بَعْدَهُ) أَيْ الزَّوَالِ (أَفْضَلُ) لِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إلَى جِمَالِنَا فَنُرِيحُهَا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَآخِرُهُ) أَيْ آخِرِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ (آخِرُ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ وَلِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا، أَوْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَهَا. فَوَجَبَ الْإِلْحَاقُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُشَابَهَةِ (فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا) أَيْ الشُّرُوعِ فِيهَا (امْتَنَعَتْ الْجُمُعَةُ وَصَلَّوْا ظُهْرًا) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ خَرَجَ) وَقْتُ الْجُمُعَةِ (وَقَدْ صَلَّوْا) مِنْهَا (رَكْعَةً أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) لِأَنَّ الْوَقْتَ إذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنْ اسْتِدْرَاكُهُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي الِاسْتِدَامَةِ لِلْعُذْرِ، كَالْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ) أَنْ يُصَلُّوا (رَكْعَةً بَعْدَ التَّحْرِيمَةِ اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَمْ تُبْنَ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَالظُّهْرِ وَالصُّبْحِ وَعُلِمَ مِنْهُ:
أَنَّهُمْ لَا يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا؟ : وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَصَّ إدْرَاكَهَا بِالرَّكْعَةِ (وَالْمَذْهَبُ يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ نَصًّا، وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ (فَلَوْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ قَدْرُ الْخُطْبَتَيْنِ وَالتَّحْرِيمَةِ) لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، وَقَدْ تَمَكَّنُوا مِنْهَا (أَوْ شَكُّوا فِي خُرُوجِ الْوَقْتِ لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ. (الثَّانِي أَنْ يَكُونُوا بِقَرْيَةٍ مُجْتَمِعَةِ الْبِنَاءِ بِمَا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْبِنَاءِ بِهِ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ لَبِنٍ أَوْ طِينٍ أَوْ قَصَبٍ أَوْ شَجَرٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إلَى قُرَى عُرَيْنَةَ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ» وَقَوْلُهُ: مُجْتَمِعَةُ الْبِنَاءِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: اعْتَبَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعَ الْمَنَازِلِ فِي الْقَرْيَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَقَالَ أَيْضًا: مَعْنَاهُ مُتَقَارِبَةُ الِاجْتِمَاعِ وَالصَّحِيحُ: أَنَّ التَّفْرِيقَ إذَا لَمْ تَجْرِ بِهِ الْعَادَةُ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا الْجُمُعَةُ زَادَ فِي الشَّرْحِ: إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ فَتَجِبُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ، وَيَتْبَعُهُمْ الْبَاقُونَ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْمَجْدُ فِي فُرُوعِهِ: وَرَبَضُ الْبَلَدِ لَهُ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ اهـ فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: مُجْتَمِعَةُ الْبِنَاءِ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ مُتَفَرِّقَةً بِمَا يَخْرُجُ عَنْ الْعَادَةِ، كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ (يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ) فَأَكْثَرُ، وَلَوْ (بِالْإِمَامِ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا) أَيْ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ. لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " أَوَّلُ مَنْ صَلَّى بِنَا الْجُمُعَةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَقَالَ جَابِرٌ " مَضَتْ السُّنَّةُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقَ جُمُعَةٌ وَأَضْحَى وَفِطْرٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِيهِ ضَعْفٌ (اسْتِيطَانَ إقَامَةٍ لَا يَظْعَنُونَ) أَيْ يَرْحَلُونَ (عَنْهَا صَيْفًا وَلَا شِتَاءً) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الِاسْتِيطَانُ (فَلَا تَجِبُ) الْجُمُعَةُ (وَلَا تَصِحُّ مِنْ مُسْتَوْطِنٍ بِغَيْرِ بِنَاءٍ، كَبُيُوتِ الشَّعْرِ وَالْخِيَامِ وَالْخَرَاكِي وَنَحْوِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا. وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا زَادَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: وَلَوْ اتَّخَذُوهَا أَوْطَانًا لِأَنَّ اسْتِيطَانَهُمْ فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ (وَلَا) تَجِبُ وَلَا تَصِحُّ (فِي بَلَدٍ يَسْكُنُهَا أَهْلُهَا بَعْضَ السَّنَةِ دُونَ بَعْضٍ) لِعَدَمِ الْإِقَامَةِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ بَلَدًا لَا سَاكِنَ بِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِهِ سَنَةً فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ وَأَهْلُهُ أَيْ الْبَلَدِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا جُمُعَةَ أَيْضًا (أَوْ بَلَدٍ فِيهَا دُونَ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ) فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، لِعَدَمِ صِحَّتهَا مِنْهُمْ (أَوْ) بَلَدٍ (مُتَفَرِّقَةٍ بِمَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ)
أَيْ تَفَرُّقًا كَثِيرًا غَيْرَ مُعْتَادٍ. (وَلَوْ شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ) لِعَدَمِ الِاجْتِمَاعِ (وَإِنْ خَرِبَتْ الْقَرْيَةُ أَوْ بَعْضُهَا، وَأَهْلُهَا مُقِيمُونَ بِهَا عَازِمُونَ عَلَى إصْلَاحِهَا فَحُكْمُهَا بَاقٍ فِي إقَامَةِ الْجُمُعَةِ بِهَا) لِعَدَمِ ارْتِحَالِهِمْ أَشْبَهُوا الْمُسْتَوْطِنِينَ. (فَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النُّقْلَةِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْقَرْيَةِ الْخَرَابِ (لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ الْجُمُعَةُ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ وَتَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانَ مِنْ الصَّحْرَاءِ، وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) فَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْبُنْيَانُ لِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ، يُقَالُ لَهُ، نَقِيعُ الْخَضِمَاتِ قَالَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعِينَ رَجُلًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ حَسَنُ الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَقِيَاسًا عَلَى الْجَامِعِ لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ (وَلَا) تَصِحُّ الْجُمُعَةُ (فِيمَا بَعُدَ) عَنْ الْبُنْيَانِ، لِشَبَهِهِمْ إذَنْ بِالْمُسَافِرِينَ. (وَلَا يُتَمَّمُ عَدَدٌ مِنْ مَكَانَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ) كَقَرْيَتَيْنِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا عِشْرُونَ فَلَا تُتَمَّمُ الْجُمُعَةُ مِنْهُمَا وَلَوْ قَرُبَ مَا بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَا يَشْمَلُهُمَا اسْمٌ وَاحِدٌ أَشْبَهَتَا الْمُتَبَاعِدَيْنِ. (وَلَا يَصِحُّ تَجْمِيعُ) عَدَدٍ (كَامِلٍ فِي) مَحَلٍّ (نَاقِصٍ) فِيهِ الْعَدَدُ (مَعَ الْقُرْبِ الْمُوجِبِ لِلسَّعْيِ) وَيَلْزَمُ التَّجْمِيعُ فِي الْكَامِلِ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا وَعَدَمُ الصِّحَّةِ مَعَ الْبُعْدِ أَوْلَى. (وَالْأَوْلَى مَعَ تَتِمَّةِ الْعَدَدِ فِيهَا) أَيْ الْمَكَانَيْنِ (تَجَمُّعُ كُلِّ قَوْمٍ) فِي قَرْيَتِهِمْ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إظْهَارِ الشِّعَارِ. (وَإِنْ جَمَّعُوا فِي مَكَان وَاحِدٍ فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ لِتَأْدِيَتِهِمْ فَرْضَهُمْ (وَلَا يُشْتَرَطُ لِلْجُمُعَةِ الْمِصْرُ) خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قُرَى عُرَيْنَةَ " أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ " وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ " كَتَبَ إلَى عُمَرَ يَسْأَلُهُ عَنْ الْجُمُعَةِ بِالْبَحْرَيْنِ وَكَانَ عَامِلُهُ عَلَيْهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: جَمِّعُوا حَيْثُ كُنْتُمْ قَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ. (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ بِالْإِمَامِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ وَقَالَ أَحْمَدُ «بَعَثَ النَّبِيُّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ جَمَعَ بِهِمْ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِعَتْ بِالْمَدِينَةِ»
(وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الْأَرْبَعِينَ (خُرْسًا أَوْ صُمًّا) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وَ (لَا) تَصِحُّ (إنْ كَانَ الْكُلُّ كَذَلِكَ) أَيْ خُرْسًا أَوْ صُمًّا أَمَّا إذَا كَانُوا خُرْسًا مَعَ الْخَطِيبِ، فَلِفَوَاتِ الْخُطْبَةِ صُورَةً وَمَعْنًى فَيُصَلُّونَ ظُهْرًا. وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ صُمًّا فَلِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا خُرْسًا إلَّا الْخَطِيبَ، أَوْ كَانُوا صُمًّا إلَّا وَاحِدًا يَسْمَعُ صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ (وَلَا تَنْعَقِدُ) الْجُمُعَةُ (بِأَقَلَّ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَرْبَعِينَ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ قَرُبَ الْأَصَمُّ) مِنْ الْخَطِيبِ (وَبَعُدَ مَنْ يَسْمَعُ) بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ (لَمْ تَصِحَّ) لِفَوَاتِ الْمَقْصُودِ. (وَلَوْ رَأَى) أَيْ اعْتَقَدَ (الْإِمَامُ اشْتِرَاطَ عَدَدٍ فِي الْمَأْمُومِينَ فَنَقَصَ عَنْ ذَلِكَ) الْعَدَدِ (لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ) لِتَعَاطِيهِ عِبَادَةً يَعْتَقِدُ بُطْلَانَهَا. (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْإِمَامَ (اسْتِخْلَافُ أَحَدِهِمْ) لِيُصَلِّيَ بِهِمْ لِيُؤَدُّوا فَرْضَهُمْ (وَلَوْ رَآهُ) أَيْ الْعَدَدَ (الْمَأْمُومُونَ دُونَ الْإِمَامِ، لَمْ يَلْزَمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا) أَمَّا الْإِمَامُ فَلِعَدَمِ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ. وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلِاعْتِقَادِهِمْ بُطْلَانَ جُمُعَتِهِمْ (فَإِنْ نَقَصُوا) عَنْ الْأَرْبَعِينَ (قَبْلَ إتْمَامِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا نَصًّا) وَلَمْ يُتِمُّوهَا جُمُعَةً لِأَنَّ الْعَدَدَ شَرْطٌ فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا، كَالطَّهَارَةِ وَإِنَّمَا صَحَّتْ مِنْ الْمَسْبُوقِ تَبَعًا، كَصِحَّتِهَا لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْخُطْبَةَ تَبَعًا لِمَنْ حَضَرَهَا وَمَا وَرَدَ أَنَّهُ «بَقِيَ مَعَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ: الْمُرَادُ فِي انْتِظَارِهَا كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ الْخُطْبَةَ أَوْ مَكَانَهَا، لِمَا فِي مَرَاسِيلِ أَبِي دَاوُد «أَنَّ خُطْبَتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذِهِ كَانَتْ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا انْفَضُّوا لِظَنِّهِمْ جَوَازَ الِانْصِرَافِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُمْ انْفَضُّوا لِقُدُومِ التِّجَارَةِ لِشِدَّةِ الْمَجَاعَةِ، أَوْ ظَنِّ خُطْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ فَرَغَتْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُحْمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ (إنْ لَمْ يُمْكِنْ فِعْلُ الْجُمُعَةِ مَرَّةً أُخْرَى) فَإِنْ أَمْكَنَ فَعَلُوهَا لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ (وَإِنْ نَقَصُوا وَبَقِيَ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ، أَتَمُّوا جُمُعَةً سَوَاءٌ سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ نَقْصِهِمْ) بِلَا خِلَافٍ، كَبَقَائِهِ مِنْ السَّامِعِينَ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ: خِلَافُهُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَإِنْ أَدْرَكَ مَسْبُوقٌ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُ " فَلْيَصِلْ إلَيْهَا أُخْرَى قَالَ
ابْنُ حِبَّانَ: هَذَا خَطَأٌ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ. (وَإِنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ بِخِلَافِ إدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ لِأَنَّهُ إدْرَاكُ إلْزَامٍ وَهَذَا إدْرَاكُ إسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ، وَبِخِلَافِ جَمَاعَةِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا وَيَصِحُّ دُخُولُهُ مَعَ الْإِمَامِ، بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَ الظُّهْرَ بِإِحْرَامِهِ فَلِهَذَا قَالَ: (إذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ وَدَخَلَ وَقْتُهَا) لِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً فَكَذَا اسْتِدَامَةٌ كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ نَوَاهَا ظُهْرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ دَخَلَ وَقْتُهَا (انْعَقَدَتْ نَفْلًا) كَمَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِهِ غَيْرَ عَالِمٍ (وَلَا يَصِحُّ إتْمَامُهَا جُمُعَةً) لِعَدَمِ إدْرَاكِهِ لَهَا بِدُونِ رَكْعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ أَحْرَمَ) بِالْجُمُعَةِ (مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَنْ السُّجُودِ) بِالْأَرْضِ (أَوْ نَسِيَهُ) أَيْ تَأَخَّرَ بِالسُّجُودِ نِسْيَانًا لَهُ (ثُمَّ ذَكَرَ) بَعْدَ أَنْ أَخَذَ الْقَوْمُ مَوَاضِعَ سُجُودِهِمْ وَاحْتَاجَ لِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ (لَزِمَهُ السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ أَوْ مَتَاعِهِ) لِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظُهْر أَخِيهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَسَعِيدٌ وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ وَلِأَنَّهُ يَأْتِي بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ فَوَجَبَ وَصَحَّ كَالْمَرِيضِ. (وَلَوْ احْتَاجَ إلَى مَوْضِعِ يَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ لَمْ يَجُزْ وَضْعُهَا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) لِلْإِيذَاءِ بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ وَلَمْ يُمْكِنْهُ سُجُودٌ إلَّا بِوَضْعِ يَدَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ انْتَظَرَ زَوَالَ الزِّحَامِ (وَسَجَدَ إذَا زَالَ الزِّحَامُ) وَتَبِعَ إمَامَهُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ " لِلْعُذْرِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا وَالْمُفَارَقَةُ وَقَعْت صُورَةً لَا حُكْمًا فَلَمْ تُؤَثِّرْ. (وَكَذَا لَوْ تَخَلَّفَ) بِالسُّجُودِ (لِمَرَضٍ أَوْ نَوْمٍ أَوْ نِسْيَانٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ الْأَعْذَارِ (فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَوَاتُ) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) لَوْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لَحِقَ، الْإِمَامُ (تَابَعَ إمَامَهُ فِي ثَانِيَتِهِ وَصَارَتْ أُولَاهُ، وَأَتَمَّهَا جُمُعَةً) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» وَلِأَنَّهُ مَأْمُومٌ خَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ فَلَزِمَهُ الْمُتَابَعَةُ كَالْمَسْبُوقِ (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إمَامِهِ عَمْدًا وَمُتَابَعَتُهُ وَاجِبَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» وَتَرْكُ الْوَاجِبِ عَمْدًا يُبْطِلُهَا وِفَاقًا. (وَإِنْ جَهِلَهُ) أَيْ تَحْرِيمَ عَدَمِ مُتَابَعَةِ إمَامِهِ (وَسَجَدَ) لِنَفْسِهِ (ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ) أَيْ إمَامِهِ (وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا مَا تُدْرَكُ بِهِ الْجُمُعَةُ، وَهُوَ رَكْعَةٌ لِإِتْيَانِهِ بِسُجُودٍ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ يَكْفِي
فِي إدْرَاكِ الْجُمُعَةِ إدْرَاكُ مَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ، إذَا أَتَى بِبَاقِي الرَّكْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ الْإِمَامُ فَلَا تُعْتَبَرُ رَكْعَةٌ بِسَجْدَتِهَا مَعَهُ (فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ) بَعْدَ أَنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ (حَتَّى سَلَّمَ) الْإِمَامُ (اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا سَوَاءٌ زُحِمَ عَنْ سُجُودِهَا أَوْ رُكُوعِهَا أَوْ عَنْهُمَا) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ. (وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ) أَيْ الْمَزْحُومِ وَنَحْوِهِ (الْفَوْتُ) أَيْ فَوْتُ الثَّانِيَةِ إنْ سَجَدَ لِنَفْسِهِ (فَتَابَعَ إمَامَهُ فِيهَا، ثُمَّ طَوَّلَ) الْإِمَامُ بِحَيْثُ لَوْ كَانَ سَجَدَ لِنَفْسِهِ لَلَحِقَهُ (أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ عَدَمُ الْفَوْتِ) فَسَجَدَ لِنَفْسِهِ (فَبَادَرَ الْإِمَامُ فَرَكَعَ) فَلَمْ يُدْرِكْهُ (لَمْ يَضُرَّهُ فِيهِمَا) لِإِجْرَاءِ الظَّنِّ مَجْرَى الْيَقِينِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ فِيهِ. (وَلَوْ زَالَ عُذْرُ مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى وَقَدْ رَفَعَ إمَامُهُ مِنْ رُكُوعِ) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ، فَتَتِمُّ لَهُ رَكْعَةٌ مِنْ رَكْعَتَيْ إمَامِهِ يُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ) وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَلَوْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، فَلَمَّا قَامَ لِيَقْضِيَ الْأُخْرَى ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ مَعَ إمَامِهِ إلَّا وَاحِدَةً، أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ رَجَعَ لِلْأُولَى فَأَتَمَّهَا وَقَضَى الثَّانِيَةَ وَتَمَّتْ جُمُعَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، وَإِنْ كَانَ شَرَعَ فِي قِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ بَطَلَتْ الْأُولَى، وَصَارَتْ الثَّانِيَةُ أُولَاهُ وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً عَلَى مَا نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَقِيَاسُ مَا سَبَقَ فِي الْمَزْحُومِ: لَا يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ وَلَوْ قَضَى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَرَكَ سَجْدَةً مِنْ إحْدَاهُمَا لَا يَدْرِي مِنْ أَيِّهِمَا تَرَكَهَا؟ فَالْحُكْمُ وَاحِدٌ وَيَجْعَلُهَا مِنْ الْأُولَى وَيَأْتِي بِرَكْعَةٍ وَفِي كَوْنِهِ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ وَجْهَانِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ بِمَعْنَاهُ. (الرَّابِعُ) مِنْ شُرُوطِ الْجُمُعَةِ (أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] وَالذِّكْرُ هُوَ الْخُطْبَةُ فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ إلَيْهَا فَيَكُونُ وَاجِبًا إذْ لَا يَجِبُ السَّعْيُ لِغَيْرِ وَاجِبٍ، وَلِمُوَاظَبَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهِمَا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ " قُصِّرَتْ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ " فَهُمَا بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ فَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا إخْلَالٌ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَاشْتُرِطَ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ، أَوْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ فَقُدِّمَا لِأَجْلِ التَّدَارُكِ (بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) أَيْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَالصَّلَاةُ لَا تَصِحُّ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا (مِنْ مُكَلَّفٍ عَدْلٍ)
لِمَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنْ رَكْعَتَيْنِ (وَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَانِ (بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُمَا بَدَلُ رَكْعَتَيْنِ (مِنْ الظُّهْرِ) لِأَنَّ الْجُمُعَةَ لَيْسَ بَدَلًا عَنْ الظُّهْرِ، بَلْ الظُّهْرُ بَدَلًا عَنْهَا إذَا فَاتَتْ (وَلَا بَأْسَ بِقِرَاءَتِهِمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (مِنْ صَحِيفَةٍ وَلَوْ لِمَنْ يُحْسِنُهُمَا، كَقِرَاءَةِ) الْفَاتِحَةِ (مِنْ مُصْحَفٍ) وَلِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ هُنَا: مَا تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الصِّحَّةُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا أَوْ خَارِجًا (حَمِدَ اللَّهَ بِلَفْظِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) فَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِلَفْظِ الصَّلَاةِ) لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرْت إلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرْت إلَى ذِكْرِ رَسُولِهِ كَالْأَذَانِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ إيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ لَهُ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ، وَعَمَلًا بِالْأَصْلِ. (وَلَا يَجِبُ السَّلَامُ عَلَيْهِ مَعَ الصَّلَاةِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَمَلًا بِالْأَصْلِ (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كَامِلَةٍ لِقَوْلِ جَابِرٍ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ آيَاتٍ وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ وَالْخُطْبَةُ فَرْضٌ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ كَالصَّلَاةِ، وَلَا تَتَعَيَّنُ آيَةٌ قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ وَلَا يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا حُكْمٌ، بِدَلِيلِ، عَدَمِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهُ. (وَلَوْ) كَانَتْ الْخُطْبَةُ (مِنْ جُنُبٍ مَعَ تَحْرِيمهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا) أَيْ الْآيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ سُورَةَ الْحَجِّ فِي الْخُطْبَةِ. (قَالَ) أَسْعَدُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ، وَلَوْ قَرَأَ آيَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ كَقَوْلِهِ {ثُمَّ نَظَرَ} [المدثر: 21] وَ {مُدْهَامَّتَانِ} [الرحمن: 64] (لَمْ يَكْفِ وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. (قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا) أَيْ الْوَصِيَّةِ (وَأَقَلُّهَا: اتَّقُوا اللَّهَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ، وَنَحْوُهُ انْتَهَى) وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا يَكْفِي ذِكْرُ الْمَوْتِ وَذَمُّ الدُّنْيَا وَلَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَ الْقُلُوبَ وَيَبْعَثُ بِهَا إلَى الْخَيْرِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى " أَطِيعُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا
مَعَاصِيَهُ " فَالْأَظْهَرُ لَا يَكْفِي. وَلَوْ كَانَ فِيهِ وَصِيَّةٌ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اسْمِ الْخُطْبَةِ عُرْفًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَمُوَالَاةٌ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ (وَبَيْنَ أَجْزَائِهِمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ) فَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَلَا بَيْنَ أَجْزَائِهِمَا وَلَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ فَصْلًا طَوِيلًا (وَلِهَذَا يُسْتَحَبُّ قُرْبُ الْمِنْبَرِ مِنْ الْمِحْرَابِ، لِئَلَّا يَطُولَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ. (وَ) بَيْنَ (الصَّلَاةِ) فَيُبْطِلُهَا (فَتُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْحَمْدُ) لِلَّهِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» (ثُمَّ بِالثَّنَاءِ) عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. (وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ) وَفِي عَطْفِهِ عَلَى الْحَمْدُ لِلَّهِ مُغَايَرَةٌ لَهُ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي الْمُغَايَرَةِ أَوْ يُرَادُ الثَّنَاءُ بِغَيْرِ لَفْظِ الْحَمْدِ أَوْ يُرَادُ بِهِ التَّشَهُّدُ لِحَدِيثِ «كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ» أَيْ قَلِيلَةِ الْبَرَكَةِ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَخْصِيصَهُ بِخُطْبَةِ النِّكَاحِ (ثُمَّ الصَّلَاةُ) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4] ثُمَّ بِالْقِرَاءَةِ (ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ) وَلَوْ قَرَأَ مَا تَضَمَّنَ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَفَى عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ نَظَرٌ لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا تَكُونُ خُطْبَةً إلَّا كَمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ خُطْبَةً تَامَّةً قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ (فَإِنْ نَكَّسَ) بِأَنْ قَدَّمَ غَيْرَ الْحَمْدِ عَلَيْهِ (أَجْزَأَهُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَ) مِنْ شَرْطِ الْخُطْبَتَيْنِ (النِّيَّةُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَرَفْعُ الصَّوْتِ، بِحَيْثُ يُسْمِعَ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ إنْ لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ) مِنْ السَّمَاعِ كَنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ، أَوْ صَمَمِ بَعْضِهِمْ (فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا) الْخُطْبَةَ (لِخَفْضِ صَوْتِهِ أَوْ بُعْدِهِ) عَنْهُمْ (لَمْ تَصِحَّ) الْخُطْبَةُ، لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهَا. (وَإِنْ كَانَ) عَدَمُ السَّمَاعِ (لِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَصَمَمِ بَعْضِهِمْ (صَحَّتْ) لِأَنَّهُمْ فِي قُوَّةِ السَّامِعِينَ (وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ طُرْشًا) صَحَّتْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ كَانُوا صُمًّا فَذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ تَصِحُّ وَذَكَرَ غَيْرُهُ لَا انْتَهَى. وَالثَّانِي جَزَمَ بِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، لِعَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِ الْخُطْبَةِ (أَوْ) كَانُوا (عَجَمًا وَهُوَ) أَيْ الْخَطِيبُ (سَمِيعٌ عَرَبِيٌّ لَا يَفْهَمُونَ قَوْلَهُ صَحَّتْ) الْخُطْبَةُ وَالصَّلَاةُ. (وَإِنْ انْفَضُّوا) أَيْ الْأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ عَنْ الْخَطِيبِ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ (سَكَتَ) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ (فَإِنْ عَادُوا قَرِيبًا بَنَى) عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ الْفَصْلَ الْيَسِيرَ غَيْرُ ضَارٍّ (وَإِنْ كَثُرَ التَّفَرُّقُ عُرْفًا أَوْ فَاتَ رُكْنٌ مِنْهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (اسْتَأْنَفَ الْخُطْبَةَ) لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَهُوَ
الْمُوَالَاةُ لَكِنْ لَوْ فَاتَ رُكْنٌ وَلَمْ يَطُلْ التَّفْرِيقُ كَفَاهُ إعَادَتُهُ. (وَلَا تَصِحُّ الْخُطْبَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَيْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ (كَقِرَاءَةٍ) فَإِنَّهَا لَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَتَقَدَّمَ (وَتَصِحُّ) الْخُطْبَةُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ (مَعَ الْعَجْزِ) عَنْهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا الْوَعْظُ وَالتَّذْكِيرُ وَحَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخِلَافِ لَفْظِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ دَلِيلُ النُّبُوَّةِ وَعَلَامَةُ الرِّسَالَةِ وَلَا يَحْصُلُ بِالْعَجَمِيَّةِ (غَيْرَ الْقِرَاءَةِ) فَلَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (وَجَبَ بَدَلَهَا ذِكْرٌ) قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ. (وَ) مِنْ شَرْطِ الْخُطْبَتَيْنِ (حُضُورُ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ، وَهُوَ أَرْبَعُونَ فَأَكْثَرُ لِسَمَاعِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ اُشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْعَدَدُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ. (وَسَائِرُ) أَيْ بَاقِي (شُرُوطِ الْجُمُعَةِ) وَمِنْ ذَلِكَ صَلَاحِيَّتُهُ لَأَنْ يَؤُمَّ فِي الْجُمُعَةِ وَالِاسْتِيطَانُ فَلَوْ كَانَ أَرْبَعُونَ مُسَافِرِينَ فِي سَفِينَةٍ فَلَمَّا قَرُبُوا مِنْ قَرْيَتِهِمْ خَطَبَهُمْ أَحَدُهُمْ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَوَصَلُوا الْقَرْيَةَ عِنْدَ فَرَاغِ الْخُطْبَةِ اسْتَأْنَفَهَا بِهِمْ وَهَذِهِ الشُّرُوطُ إنَّمَا تُعْتَبَرُ (لِلْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ) وَهُوَ حَمْدُ اللَّهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقِرَاءَةُ الْآيَةِ وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ دُونَ مَا سِوَاهُ. (وَتَبْطُلُ) الْخُطْبَةُ (بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ) فِي أَثْنَائِهَا (وَلَوْ يَسِيرًا) كَالْأَذَانِ وَأَوْلَى (وَلَا تُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَتَانِ) أَيْ طَهَارَةُ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، فَتُجْزِئُ خُطْبَةُ مُحْدِثٍ وَجُنُبٍ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ تَقَدَّمَ الصَّلَاةَ أَشْبَهَ الْأَذَانَ وَنَصُّهُ تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ (وَلَا سَتْرُ عَوْرَةٍ وَإِزَالَةُ نَجَاسَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ) لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الصَّلَاةِ أَشْبَهَا الصَّلَاتَيْنِ (وَلَا حُضُورُ النَّائِبِ) فِي الصَّلَاةِ (الْخُطْبَةَ) كَالْمَأْمُومِ لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ. (وَهُوَ) أَيْ النَّائِبُ (الَّذِي صَلَّى الصَّلَاةَ) أَيْ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ (وَلَمْ يَخْطُبْ) لِصُدُورِ الْخُطْبَةِ مِنْ غَيْرِهِ. (وَلَا أَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَتَيْنِ) رَجُلٌ (وَاحِدٌ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْ الْأُخْرَى قَالَ فِي النُّكَتِ: فَيُعَايَى بِهَا فَيُقَالُ عِبَادَةٌ وَاحِدَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ تَصِحُّ مِنْ اثْنَيْنِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ) أَيْ الطَّهَارَتَانِ، وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَأَنْ يَتَوَلَّى الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةَ وَاحِدٌ، خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ.
فصل يسن أن يخطب على منبر
[فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ] (فَصْلٌ وَيُسَنُّ أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَرْسَلَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَك النَّجَّارَ يَعْمَلْ أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ» وَكَانَ اتِّخَاذُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ وَكَانَ ثَلَاثَ دُرَجٍ وَسُمِّيَ مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ مِنْ النَّبْرِ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ وَاِتِّخَاذُهُ سُنَّةٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهَا قَالَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ (أَوْ) عَلَى (مَوْضِعٍ عَالٍ) إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ (وَيَكُونُ الْمِنْبَرُ) أَوْ الْمَوْضِعُ الْعَالِي (عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ) بِالْمِحْرَابِ لِأَنَّ مِنْبَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَذَا كَانَ وَكَانَ يَجْلِسُ عَلَى الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ الَّتِي تَلِي مَكَانَ الِاسْتِرَاحَةِ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الثَّانِيَةِ ثُمَّ عُمَرُ عَلَى الْأُولَى تَأَدُّبًا ثُمَّ وَقَفَ عُثْمَانُ مَكَانَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عَلِيٌّ مَوْقِفَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ قَلَعَهُ مَرْوَانُ، وَزَادَ فِيهِ سِتَّ دُرَجٍ فَكَانَ الْخُلَفَاءُ يَرْتَقُونَ سِتًّا، يَقِفُونَ مَكَانَ عُمَرَ، أَيْ عَلَى السَّابِعَةِ وَلَا يَتَجَاوَزُونَ ذَلِكَ، تَأَدُّبًا. (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْأَرْضِ وَقَفَ عَنْ يَسَارِ مُسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ) قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُسَلِّمَ) الْإِمَامُ (عَلَى الْمَأْمُومِينَ إذَا خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ (إذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ) لِمَا رَوَى ابْن مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إلَيْهِمْ وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ قَالَهُ الْمَجْدُ (وَرَدُّ هَذَا السَّلَامِ، وَ) رَدُّ (كُلِّ سَلَامٍ مَشْرُوعٌ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ وَابْتِدَاؤُهُ) أَيْ السَّلَامِ (سُنَّةٌ) وَيَأْتِي مُوَضَّحًا فِي آخِرِ بَابِ الْجَنَائِزِ. (ثُمَّ يَجْلِسُ) عَلَى الْمِنْبَرِ (إلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْلِسُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ الْكَلَامِ
التَّمَكُّنَ التَّامَّ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ جَلْسَةً خَفِيفَةً جِدًّا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَهُوَ قَائِمٌ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ (بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ فَإِنْ أَبَى) أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَهُمَا (أَوْ خَطَبَ جَالِسًا) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فَصَلَ بِسَكْتَةٍ) وَلَا يَجِبُ الْجُلُوسُ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، سَرَدُوا الْخُطْبَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ، فِي الْجِلْسَةِ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَخْطُبَ قَائِمًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَجِبْ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا بِإِحْدَى يَدَيْهِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى. (وَ) يَعْتَمِدُ (بِالْأُخْرَى عَلَى حَرْفِ الْمِنْبَرِ أَوْ يُرْسِلُهَا) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزَنٍ قَالَ «وَفَدْت عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا مُخْتَصِرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فُتِحَ بِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَى شَيْءٍ أَمْسَكَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا عِنْدَ جَنْبَيْهِ وَسَكَّنَهُمَا) فَلَا يُحَرِّكُهُمَا، وَلَا يَرْفَعُهُمَا فِي دُعَائِهِ حَالَ الْخُطْبَةِ. (وَيَقْصِدُ) الْخَطِيبُ (تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتَةِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ إعْرَاضًا عَنْهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا الْتَفَتَ أَوْ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةُ فِقْهِهِ فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَقَصِّرُوا الْخُطْبَةَ» . (وَ) يُسَنُّ كَوْنُ الْخُطْبَةِ (الثَّانِيَةِ أَقْصَرَ مِنْ) الْخُطْبَةِ (الْأُولَى) كَالْإِقَامَةِ مَعَ الْأَذَانِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَرْفَعَ صَوْتَهُ حَسَبَ طَاقَتِهِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ (وَيُعْرِبُهُمَا بِلَا تَمْطِيطٍ) كَالْأَذَانِ. (وَيَكُونُ مُتَّعِظًا بِمَا يَعِظُ النَّاسَ بِهِ) لِيَحْصُلَ الِانْتِفَاعُ بِوَعْظِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «عُرِضَ عَلَيَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِي:
هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِك يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» . (وَيَسْتَقْبِلُهُمْ) اسْتِحْبَابًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ (وَيَنْحَرِفُونَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْخَطِيبِ (فَيَسْتَقْبِلُونَهُ وَيَتَرَبَّعُونَ فِيهَا) أَيْ فِي حَالِ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ (وَإِنْ اسْتَدْبَرَهُمْ) الْخَطِيبُ (فِيهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (كُرِهَ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَصَحَّ لِحُصُولِ السَّمَاعِ الْمَقْصُودِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ مَسْنُونٌ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ فَفِيهَا أَوْلَى وَهُوَ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَاتِ تَغْلِيبًا (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ (لِمُعَيَّنٍ حَتَّى السُّلْطَانِ وَالدُّعَاءُ لَهُ مُسْتَحَبٌّ) فِي الْجُمْلَةِ قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ وَرَوَى الْبَزَّارُ «أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إمَامٌ عَادِلٌ» قَالَ أَحْمَدُ: إنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ. (وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ رَفْع يَدَيْهِ حَالَ الدُّعَاء فِي الْخُطْبَة) قَالَ الْمَجْد: هُوَ بِدْعَةٌ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهَا. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُشِيرَ بِإِصْبَعِهِ فِيهِ) أَيْ دُعَائِهِ فِي الْخُطْبَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ " أَنَّ عُمَارَةَ بْنَ رُوَيْبَةَ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الْخُطْبَةِ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ لَقَدْ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَزِيدُ أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» (وَدُعَاؤُهُ عَقِبَ صُعُودِهِ لَا أَصْلَ لَهُ) وَكَذَا مَا يَقُولُ لَهُ مَنْ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ مِنْ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ. (وَإِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ فَإِنْ شَاءَ نَزَلَ) عَنْ الْمِنْبَرِ (فَسَجَدَ وَإِنْ أَمْكَنَهُ السُّجُودُ عَلَى الْمِنْبَرِ سَجَدَ عَلَيْهِ) اسْتِحْبَابًا (وَإِنْ تَرَكَ السُّجُودَ فَلَا حَرَجَ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ وَتَقَدَّمَ فِعْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْنِدَ الْإِنْسَانُ ظَهْرَهُ إلَى الْقِبْلَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاقْتَصَرَ الْأَصْحَابُ عَلَى اسْتِحْبَابِ اسْتِقْبَالِهَا وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ مَدُّ الرِّجْلِ إلَى الْقِبْلَةِ فِي النَّوْمِ وَغَيْرِهِ وَمَدُّ رِجْلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ قَالَ: وَلَعَلَّ تَرْكُهُ أَوْلَى (وَلَا بَأْسَ بِالْحُبْوَةِ نَصًّا) مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَكَرِهَهُ الشَّيْخَانِ، لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِالْقُرْفُصَاءِ، وَهِيَ الْجُلُوسُ عَلَى أَلْيَتَيْهِ رَافِعًا رُكْبَتَيْهِ إلَى صَدْرِهِ مُفْضِيًا بِأَخْمَصِ قَدَمَيْهِ إلَى الْأَرْضِ وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَقْصِدُ هَذِهِ الْجِلْسَةَ وَلَا جِلْسَةَ أَخْشَعُ مِنْهَا) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْبُوشَنْجِيُّ: مَا رَأَيْت أَحْمَدَ جَالِسًا إلَّا الْقُرْفُصَاءَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَلَاةٍ. (وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ إذْنُ الْإِمَامِ) لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ
فصل صلاة الجمعة ركعتان
وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ أَشْبَهَتْ الظُّهْرَ قَالَ أَحْمَدُ: وَقَعْت الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فَكَانُوا يَجْمَعُونَ. (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ نَزَلَ عِنْدَ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ: قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ) كَمَا يَقُومُ إلَيْهَا مَنْ لَيْسَ بِخَطِيبٍ إذَنْ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ حَالَ صُعُودِهِ عَلَى تُؤَدَةٍ، وَإِذَا نَزَلَ نَزَلَ مُسْرِعًا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ) مُبَالَغَةً فِي الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ تَقْبُحُ. [فَصْلٌ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ] (فَصْلٌ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ عُمَرُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (وَيُسَنُّ جَهْرُهُ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِمَا) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَقَلَهُ الْخَلَفُ عَنْ السَّلَفِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» وَيُسَنُّ أَنْ (يَقْرَأَ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى بِالْجُمُعَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَوْ) يَقْرَأُ (بِسَبِّحِ) فِي الْأُولَى (ثُمَّ الْغَاشِيَةِ) فِي الثَّانِيَةِ (فَقَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ بِهِمَا) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَقْرَأَ فِي فَجْرِ يَوْمِهَا) أَيْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِ أَلَمْ السَّجْدَةِ وَفِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ: هَلْ أَتَى) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوْ النَّارَ. (قَالَ الشَّيْخُ: وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ سَجْدَةً غَيْرَهَا) أَيْ غَيْرَ سَجْدَةِ أَلَمْ تَنْزِيلُ وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: قَدْ زَعَمَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ تَعَمُّدَ قِرَاءَةِ سُورَةٍ غَيْرِ " الم تَنْزِيلُ " فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِدْعَةٌ قَالَ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ فَإِنْ سَهَا عَنْ السَّجْدَةِ فَنَصَّ أَحْمَدُ يَسْجُدُ
لِلسَّهْوِ، قَالَهُ الْقَاضِي، كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ قَالَ وَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ بَقِيَّةُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: مِثْلُ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرُ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَالسُّنَّةُ إكْمَالُهُمَا) أَيْ السُّورَتَيْنِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهَا نَصًّا) لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ أَوْ الْوُجُوبُ (وَتُكْرَهُ) الْقِرَاءَةُ (فِي عِشَاءِ لَيْلَتِهَا بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَالْمُنَافِقِينَ) وَلَعَلَّ وَجْهَهُ أَنَّهُ بِدْعَةٌ. (وَتَجُوزُ إقَامَتُهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ الْبَلَدِ، لِحَاجَةٍ إلَيْهِ كَضِيقِ) مَسْجِدِ الْبَلَدِ عَنْ أَهْلِهِ (وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ أَهْلِ الْبَلَدِ عَدَاوَةٌ، فَيُخْشَى إثَارَةُ الْفِتْنَةِ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ (وَبُعْدٌ) لِلْجَامِعِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْبَلَدِ. (وَنَحْوِهِ) كَسِعَةِ الْبَلَدِ وَتَبَاعُدِ أَقْطَارِهِ (فَتَصِحُّ) الْجُمُعَةُ (السَّابِقَةُ وَاللَّاحِقَةُ) لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَأَمَّا كَوْنُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقِمْهَا هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ فَلِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤْثِرُونَ سَمَاعَ خُطْبَتِهِ، وَشُهُودَ جُمُعَتِهِ وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ لِأَنَّهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى (وَكَذَا الْعِيدُ) تَجُوزُ إقَامَتُهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، لِمَا سَبَقَ (فَإِنْ حَصَلَ الْغِنَى بِ) جُمُعَتَيْنِ (اثْنَتَيْنِ لَمْ تَجُزْ) الْجُمُعَةُ (الثَّالِثَةُ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا (وَكَذَا مَا زَادَ) أَيْ إذَا حَصَلَ الْغِنَى بِثَلَاثٍ لَمْ تَجُزْ الرَّابِعَةُ، أَوْ بِأَرْبَعٍ لَمْ تَجُزْ الْخَامِسَةُ. وَهَكَذَا (وَيَحْرُمُ) إقَامَةُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْ الْبَلَدِ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إلَّا عَنْ عَطَاءٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ. (وَ) يَحْرُمُ (إذْنُ إمَامٍ فِيهَا) أَيْ فِي إقَامَةِ مَا زَادَ عَلَى وَاحِدَةٍ (إذَنْ) أَيْ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَذَا الْإِذْنُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ (فَإِنْ فَعَلُوا) أَيْ أَقَامُوا الْجُمُعَةَ فِي مَوْضِعَيْنِ فَأَكْثَرَ، مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ (فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ الَّتِي بَاشَرَهَا أَوْ أَذِنَ فِيهَا: هِيَ الصَّحِيحَةُ) لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِيَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لِجُمُعَتِهِ وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا. (وَإِنْ) أَيْ وَلَوْ (كَانَتْ) جُمُعَةُ الْإِمَامِ (مَسْبُوقَةً) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ) أَيْ أَوْ عَدَمِ إذْنِ الْإِمَامِ فِيهِمَا (فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، وَلَوْ كَانَتْ) الْمَسْبُوقَةُ (فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَالْأُخْرَى فِي مَكَان لَا يَسَعُ النَّاسَ، أَوْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِاخْتِصَاصِ السُّلْطَانِ وَجُنْدِهِ بِهِ، أَوْ كَانَتْ الْمَسْبُوقَةُ فِي قَصَبَةِ الْبَلَدِ وَالْأُخْرَى فِي أَقْصَاهَا) لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِالْأُولَى فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا، لِكَوْنِهَا سَابِقَةً (وَالسَّبَقُ يَكُونُ بِتَكْبِيرَةِ،
الْإِحْرَامِ) لَا بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، وَلَا بِالسَّلَامِ. (وَإِنْ وَقَعَتَا) أَيْ الْجُمُعَتَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ الْبَلَدِ بِلَا حَاجَةٍ (مَعًا بَطَلَتَا) حَيْثُ لَمْ يُبَاشِرْ الْإِمَامُ إحْدَاهُمَا، وَاسْتَوَتَا فِي الْإِذْنِ أَوْ عَدَمِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا وَلَا تَعْيِينُ إحْدَاهُمَا بِالصِّحَّةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ مَعًا (وَصَلَّوْا جُمُعَةً) وُجُوبًا (إنْ أَمْكَنَ) لِأَنَّهُ مِصْرٌ لَمْ تُصَلَّ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ (وَإِنْ جُهِلَتْ) الْجُمُعَةُ (الْأُولَى) مِنْ جُمُعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ بِبَلَدٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (أَوْ جُهِلَ الْحَالُ) بِأَنْ لَمْ يُعْلَمْ كَيْفَ وَقَعَتَا: أَمَعًا أَمْ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْأُخْرَى (أَوْ عُلِمَ) الْحَالُ (ثُمَّ أُنْسِيَ صَلَّوْا ظُهْرًا وَلَوْ أَمْكَنَ فِعْلُ الْجُمُعَةِ) لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ عَنْ، الْجُمُعَةِ إذَا فَاتَتْ فَإِذَا كَانَ مِصْرَانِ مُتَقَارِبَانِ يَسْمَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا نِدَاءَ الْأُخْرَى، أَوْ قَرْيَتَانِ أَوْ قَرْيَةٌ إلَى جَانِبِ مِصْرٍ كَذَلِكَ لَمْ تَبْطُلْ جُمُعَةٌ إحْدَاهُمَا بِجُمُعَةِ الْأُخْرَى لِأَنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنْهُمْ حُكْمَ أَنْفُسِهِمْ. (وَإِذَا وَقَعَ عِيدٌ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَصَلَّوْا الْعِيدَ وَالظُّهْرَ جَازَ) ذَلِكَ (وَسَقَطَتْ الْجُمُعَةُ عَمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ) مَعَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى الْعِيدَ وَقَالَ مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَحِينَئِذٍ فَتَسْقُطُ الْجُمُعَةُ (إسْقَاطَ حُضُورٍ، لَا) إسْقَاطَ (وُجُوبٍ) فَيَكُونُ حُكْمُهُ (كَمَرِيضٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّنْ لَهُ عُذْرٌ أَوْ شُغْلٌ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ، وَ (لَا) يَسْقُطُ عَنْهُ وُجُوبُهَا فَيَكُونُ (كَمُسَافِرٍ وَعَبْدٍ) لِأَنَّ الْإِسْقَاطَ لِلتَّخْفِيفِ فَتَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَيَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا (وَالْأَفْضَلُ: حُضُورُهُ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (إلَّا الْإِمَامَ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ) حُضُورُ الْجُمُعَةِ. لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ «اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ وَقَدْ قَالَ حَدَّثَنَا وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُهَا فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ (فَ) عَلَى هَذَا (إنْ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ) لِلْجُمُعَةِ (أَقَامَهَا، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا) قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ وَعَلَى رِوَايَةِ عَدَمِ السُّقُوطِ أَيْ عَنْ الْإِمَامِ، فَيَجِبُ أَنْ يَحْضُرَ مَعَهُ مَنْ تَنْعَقِدُ بِهِ تِلْكَ الصَّلَاةُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَغَيْرُهُ فَتَصِيرُ الْجُمُعَةُ هَهُنَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَيَسْقُطُ بِحُضُورِ أَرْبَعِينَ. (وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِيدَ) مَعَ الْإِمَامِ (فَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَى الْجُمُعَةِ، بَلَغُوا الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ أَوْ لَا) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: قَوْلًا وَاحِدًا (ثُمَّ إنْ بَلَغُوا) الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ (بِأَنْفُسِهِمْ) بِأَنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ (أَوْ حَضَرَ مَعَهُمْ تَمَامُ الْعَدَدِ) إنْ كَانُوا دُونَهُ (لَزِمَتْهُمْ الْجُمُعَةُ) لِتَوَفُّرِ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ (وَإِلَّا) بِأَنْ
لَمْ يَبْلُغُوا أَرْبَعِينَ لَا بِأَنْفُسِهِمْ وَبِحُضُورِ غَيْرِهِمْ مَعَهُمْ (تَحَقَّقَ عُذْرُهُمْ) لِفَوَاتِ شَرْطِ الصِّحَّةِ (وَيَسْقُطُ الْعِيدُ بِالْجُمُعَةِ إنْ فُعِلَتْ) الْجُمُعَةُ (قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَصَابَ السُّنَّةَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَعَلَى هَذَا: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إلَى الْعَصْرِ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَطَاءٍ قَالَ " اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ قَدْ اجْتَمَعَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَجَمَعَهُمْ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَهَذَا لَا يَجُوزُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى تَقْدِيمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ ابْنُ الزُّبَيْرِ قَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ فَسَقَطَ الْعِيدُ وَالظُّهْرُ وَلِأَنَّ الْجُمُعَةَ إذَا سَقَطَتْ بِالْعِيدِ مَعَ تَأْكِيدِهَا فَالْعِيدُ أَوْلَى أَنْ يَسْقُطَ بِهَا (فَإِنْ فُعِلَتْ) الْجُمُعَةُ (بَعْدَهُ) أَيْ الزَّوَالِ (اُعْتُبِرَ الْعَزْمُ عَلَى الْجُمُعَةِ لِتَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: فَيُعْتَبَرُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا وَلَوْ فُعِلَتْ قَبْلَ الزَّوَالِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْفُرُوعِ وَقَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ. (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (وَأَكْثَرُهَا) أَيْ السُّنَّةِ بَعْدَهَا (سِتُّ) رَكَعَاتٍ (نَصًّا) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَاخْتَارَ فِي الْمُغْنِي أَرْبَعًا وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَمْرِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَيُسَنُّ) أَنْ يُصَلِّيَهَا (مَكَانَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ (فِي الْمَسْجِدِ) وَتَقَدَّمَ. (وَأَنَّ يَفْصِلَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ السُّنَّةِ (وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ بِكَلَامٍ أَوْ انْتِقَالٍ) مِنْ مَوْضِعِهِ لِلْخَبَرِ. (وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ مَا ذُكِرَ (وَلَيْسَ لَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (قَبْلَهَا سُنَّةٌ رَاتِبَةٌ، نَصًّا بَلْ يُسْتَحَبُّ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَرْكَعُ مِنْ قَبْلِ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا» وَرَوَى سَعِيدٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ " كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَبَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْت أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ رَكَعَاتٍ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ.
فصل يسن أن يغتسل للجمعة
[فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يُغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ] (فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يُغْتَسَلَ لِلْجُمُعَةِ) فِي يَوْمِهَا، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلُ نَصَّ عَلَيْهِ وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ؛ وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ. (وَتَقَدَّمَ) فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ مِنْ بَابِ الْغُسْلِ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَتَنَظَّفَ) لِلْجُمُعَةِ (بِقَصِّ شَارِبِهِ) يَعْنِي حَفَّهُ (وَتَقْلِيمِ أَظَافِرِهِ وَقَطْعِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ بِالسِّوَاكِ وَغَيْرِهِ وَ) أَنْ (يَتَطَيَّبَ بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَلَوْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ وَيَدَّهِنُ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» وَقَوْلُهُ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ " أَيْ مَا خَفِيَ رِيحُهُ وَظَهَرَ لَوْنُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ: خِلَافُهُ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ (وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي آدَابِ اللِّبَاسِ مِنْ سَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَيَعْتَمُّ وَيَرْتَدِي. (وَ) أَنْ (يُبَكِّرَ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْجُمُعَةِ وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي بَيْتِهِ لِلْخَبَرِ (غَيْرَ الْإِمَامِ) فَلَا يُسَنُّ لَهُ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا وَمَعْنَى تَبْكِيرِهِ: إتْيَانُهُ (بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ) لَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَيَكُونُ (مَاشِيًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ» (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، فَإِنْ كَانَ) لَهُ عُذْرٌ (فَلَا بَأْسَ بِرُكُوبِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا) لَكِنْ الْإِيَابُ رَاكِبًا لَا بَأْسَ بِهِ وَلَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ. (وَيَجِبُ السَّعْيُ) إلَى الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ كَانَ مَنْ يُقِيمُهَا عَدْلًا أَوْ فَاسِقًا، سُنِّيًّا أَوْ مُبْتَدِعًا نَصَّ عَلَيْهِ (بِالنِّدَاءِ الثَّانِي بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ} [الجمعة: 9]- الْآيَةَ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (لَا) يَجِبُ السَّعْيُ (بِ) النِّدَاءِ (الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ) لِأَنَّ عُثْمَانَ سَنَّهُ وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ يَعْنِي وَالثَّانِي فَرْضُ كِفَايَةٍ. (وَالْأَفْضَلُ) أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ بَيْنَ يَدَيْ الْخَطِيبِ (مِنْ مُؤَذِّنٍ وَاحِدٍ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ لِإِعْلَامِ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ يَسْمَعُونَهُ (وَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ) أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ (إلَّا مَنْ بَعُدَ
مَنْزِلُهُ، فَ) يَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ (فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا) فِيهِ أَنْ يَسْعَى إلَيْهَا مِنْ مَنْزِلِهِ (إذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ) الْمُعْتَبَرِ لِلْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: أَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ وَالْمُرَادُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِوَقْتٍ لِلسَّعْيِ أَيْضًا وَيُسَنُّ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجُمُعَةِ (عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ، مَعَ خُشُوعٍ، وَيَدْنُو مِنْ الْإِمَامِ) أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ وَبَكَّرَ، وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنْ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ: عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَقَوْلُهُ " غَسَّلَ " بِالتَّشْدِيدِ أَيْ جَامَعَ، اغْتَسَلَ مَعْلُومٌ وَبَكَّرَ " أَيْ خَرَجَ فِي بُكْرَةِ النَّهَارِ وَهِيَ أَوَّلُهُ وَ " ابْتَكَرَ " أَيْ بَالَغَ فِي التَّبْكِيرِ أَيْ جَاءَ فِي أَوَّلِ الْبُكْرَةِ. (وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ، لِلْخَبَرِ (وَيَشْتَغِلُ بِالصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ) لِلْخُطْبَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ (فَإِذَا خَرَجَ) الْإِمَامُ لِلْخُطْبَةِ وَهُوَ فِي نَافِلَةٍ (خَفَّفَهَا، وَلَوْ) كَانَ (نَوَى أَرْبَعًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) لِيَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ. (وَيَحْرُمُ ابْتِدَاءُ نَافِلَةٍ إذَنْ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ (غَيْرَ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَوْ كَانَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ كَانَ بَعِيدًا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُهَا. (وَ) يَشْتَغِلُ أَيْضًا (بِالذِّكْرِ) لِلَّهِ تَعَالَى، تَحْصِيلًا لِلْأَجْرِ (وَأَفْضَلُهُ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ) وَتَقَدَّمَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنْ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ مَرْفُوعًا وَقَالَ» مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ زَادَ أَبُو الْمَعَالِي (وَلَيْلَتَهَا) وَقَالَ فِي الْوَجِيزِ: يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا أَوْ لَيْلَتِهَا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى زَادَ أَبُو الْمَعَالِي وَالْوَجِيزُ: أَوْ لَيْلَتِهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهَا وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» . (وَيُكْثِرُ الدُّعَاءَ فِي يَوْمِهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ (رَجَاءَ إصَابَةِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَأَرْجَاهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا وَفِي أَوَّلِهِ إنَّ «النَّهَارَ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ
وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ لَكِنْ لَمْ يَحْكِ فِي الْإِنْصَافِ وَالْمُبْدِعِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْإِمَامِ، وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ ذَكَرَا قَوْلَ الْإِمَامِ: أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّهَا - أَيْ السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ - بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. وَقَدْ ذَكَرَ دَلِيلَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ مَعَ بَقِيَّةِ الْأَقْوَالِ، وَهِيَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ قَوْلًا فِي فَتْحِ الْبَارِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ: إنَّهُ أَثْبَتُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ " أَنَّ أُنَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا سَاعَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ افْتَرَقُوا فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ " وَرَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ (يَكُونُ مُتَطَهِّرًا مُنْتَظِرًا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّ مَنْ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ) لِلْخَبَرِ. وَفِي الدَّعَوَاتِ لِلْمُسْتَغْفِرَيَّ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ، فَوَقَفَ فِي الْبَابِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْت دَعْوَتَك، وَصَلَّيْت فَرِيضَتَك، وَانْتَشَرْت لِمَا أَمَرْتنِي فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِك وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ. (وَيُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثِرُوا مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ فَقَالَ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْت» وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ وَالْأَذَى (إلَّا أَنْ يَكُونَ إمَامًا فَلَا) يُكْرَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ (لِلْحَاجَةِ) لِتَعْيِينِ مَكَانِهِ، وَأَلْحَقَ بِهِ فِي الْغُنْيَةِ الْمُؤَذِّنَ (أَوْ يَرَى) غَيْرُ الْإِمَامِ (فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ) أَيْ بِالتَّخَطِّي فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُمْ أَسْقَطُوا حَقَّ أَنْفُسِهِمْ بِتَأَخُّرِهِمْ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ غَيْرَهُ فَيَجْلِسَ مَكَانَهُ، وَلَوْ عَبْدَهُ) الْكَبِيرَ (أَوْ وَلَدَهُ الْكَبِيرَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ. وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ دِينِيٌّ فَاسْتَوَى فِيهِ السَّيِّدُ وَعَبْدُهُ وَالْوَالِدُ وَوَلَدُهُ (أَوْ كَانَتْ عَادَتُهُ الصَّلَاةُ فِيهِ حَتَّى الْمُعَلِّمُ وَنَحْوُهُ) كَالْمُفْتِي وَالْمُحَدِّثِ، وَمَنْ يَجْلِسُ لِلْمُذَاكَرَةِ فِي الْفِقْهِ إذَا جَلَسَ
إنْسَانٌ مَوْضِعَ حَلْقَتِهِ حَرُمَ عَلَيْهِ إقَامَتُهُ، لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ أَخَاهُ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَا يُقِيمُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يُخَالِفُ إلَى مَقْعَدِهِ وَلَكِنْ لِيَقُلْ: افْسَحُوا» وَلِأَنَّ الْمَسْجِدَ بَيْتُ اللَّهِ، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ (إلَّا الصَّغِيرَ) حُرًّا، كَانَ أَوْ عَبْدًا، فَيُؤَخَّرُ لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ. (وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ) أَيْ صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَخَّرَ مُكَلَّفًا وَجَلَسَ مَكَانَهُ، لِشِبْهِهِ الْغَاصِبَ (إلَّا مَنْ جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يَحْفَظُهُ لَهُ) أَيْ لِغَيْرِهِ (بِإِذْنِهِ أَوْ دُونَهُ) لِأَنَّ النَّائِبَ يَقُومُ بِاخْتِيَارِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَلِأَنَّهُ قَعَدَ فِيهِ لِحِفْظِهِ لَهُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِإِقَامَتِهِ. لَكِنْ إنْ جَلَسَ فِي مَكَانِ الْإِمَامِ أَوْ طَرِيقِ الْمَارَّةِ أَوْ اسْتَقْبَلَ الْمُصَلِّينَ فِي مَكَان ضَيِّقٍ أُقِيمَ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَيُكْرَهُ إيثَارُهُ) غَيْرَهُ (بِمَكَانِهِ الْأَفْضَلِ) وَيَتَحَوَّلُ إلَى مَا دُونَهُ (كَالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ) وَكَيَمِينِ الْإِمَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الرَّغْبَةِ عَنْ الْمَكَانِ الْأَفْضَلِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ آثَرَ بِهِ وَالِدَهُ وَنَحْوَهُ وَ (لَا) يُكْرَهُ لِلْمُؤْثَرِ (قَبُولُهُ) الْمَكَانَ الْأَفْضَلَ وَلَا رَدُّهُ قَالَ سِنْدِي: رَأَيْت الْإِمَامَ أَحْمَدَ قَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَوْضِعِهِ فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ إلَى مَوْضِعِك فَرَجَعَ إلَيْهِ (فَلَوْ آثَرَ) الْجَالِسُ بِمَكَانٍ أَفْضَلَ (زَيْدًا فَسَبَقَهُ إلَيْهِ عَمْرٌو حَرُمَ) عَلَى عَمْرٍو سَبْقُهُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ قَامَ مَقَامَهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا، ثُمَّ آثَرَ بِهِ غَيْرَهُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وُسِّعَ لِرَجُلٍ فِي طَرِيقٍ فَمَرَّ غَيْرُهُ، لِأَنَّهَا جُعِلَتْ لِلْمُرُورِ فِيهَا وَالْمَسْجِدُ جُعِلَ لِلْإِقَامَةِ فِيهِ. (وَإِنْ وَجَدَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا فَلَيْسَ لَهُ رَفْعُهُ) لِأَنَّهُ كَالنَّائِبِ عَنْهُ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَى صَاحِبِهِ وَالتَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَالْإِفْضَاءِ إلَى الْخُصُومَةِ، وَقَاسَهُ فِي الشَّرْحِ عَلَى رَحْبَةِ الْمَسْجِدِ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ (مَا لَمْ تَحْضُرْ الصَّلَاةُ) فَلَهُ رَفْعُهُ وَالصَّلَاةُ مَكَانَهُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ بِنَفْسِهِ. وَإِنَّمَا الْحُرْمَةُ لِرَبِّهِ وَلَمْ يَحْضُرْ، (وَلَا الْجُلُوسُ وَلَا الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ يُكْرَهُ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِتَحْرِيمِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَهُ مَفْرُوشًا وَيُصَلِّي عَلَيْهِ فَإِنْ فَعَلَ فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ، فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِهِ أَوْ مُصَلَّاهُ بِلَا غَصْبٍ، صَحَّ النَّهْيُ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ: جَازَ وَصَحَّتْ وَلَعَلَّ مَا هُنَاكَ إذَا كَانَ حَاضِرًا، أَوْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى مُصَلَّاهُ فَلَا يُعَارِضُهُ مَا هُنَا لِغَيْبَتِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ إنْ حَرُمَ رَفْعُهُ أَيْ الْمُصَلَّى (فَلَهُ فَرْشُهُ) وَإِلَّا كُرِهَ
(وَمَنَعَ مِنْهُ) أَيْ الْفَرْشِ (الشَّيْخُ، لِتَحَجُّرِهِ مَكَانًا مِنْ الْمَسْجِدِ) كَحَفْرِهِ فِي التُّرْبَةِ الْمُسَبَّلَةِ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ) مِنْ الْمَسْجِدِ (لِعَارِضٍ لَحِقَهُ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ قَرِيبًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) . لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» وَقَيَّدَهُ فِي الْوَجِيزِ بِمَا إذَا عَادَ وَلَمْ يَتَشَاغَلْ بِغَيْرِهِ (مَا لَمْ يَكُنْ صَبِيًّا قَامَ فِي صَفٍّ فَاضِلٍ أَوْ فِي وَسَطِ الصَّفِّ) ثُمَّ قَامَ لِعَارِضٍ ثُمَّ عَادَ، فَيُؤَخَّرُ كَمَا لَوْ لَمْ يَقُمْ مِنْهُ بِالْأَوْلَى (فَإِنْ لَمْ يَصِلْ) الْعَائِدُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَكَانِهِ قَرِيبًا بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْهُ لِعَارِضٍ (إلَّا بِالتَّخَطِّي، جَازَ) لَهُ التَّخَطِّي (كَالْفُرْجَةِ) أَيْ كَمَنْ رَأَى فُرْجَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا إلَّا بِهِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَابْنُ تَمِيمٍ. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْمَقْصُورَةِ الَّتِي تُحْمَى) لِلسُّلْطَانِ وَلِجُنْدِهِ (نَصًّا) لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنْ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ. (وَمَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ مُوجَزَتَيْنِ) أَيْ خَفِيفَتَيْنِ (تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ إنْ كَانَ) يَخْطُبُ (فِي مَسْجِدٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ «وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا» وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُ. (وَ) مَحَلُّ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ: إنْ (لَمْ يَخَفْ فَوْتَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ) فَإِنْ خَافَ تَرَكَهُمَا (وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا) لِمَفْهُومِ مَا تَقَدَّمَ. (وَتُسَنُّ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ فَأَكْثَرَ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهُ) أَيْ الْمَسْجِدَ (قَصَدَ الْجُلُوسَ) بِهِ (أَوْ لَا) لِعُمُومِ الْأَخْبَار (غَيْرَ خَطِيبٍ دَخَلَ لَهَا) أَيْ لِلْخُطْبَةِ، فَلَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ. (وَ) غَيْرَ (قَيِّمِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ، فَلَا تُسَنُّ لَهُ التَّحِيَّةُ (لِتَكْرَارِ دُخُولِهِ) فَتَشُقُّ عَلَيْهِ. (وَ) غَيْرَ (دَاخِلِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (لِصَلَاةِ عِيدٍ) فَلَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ، لِمَا يَأْتِي فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (أَوْ) دَاخِلِهِ (وَالْإِمَامُ فِي مَكْتُوبَةٍ أَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْإِقَامَةِ) لِحَدِيثِ «إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ» . (وَ) غَيْرَ (دَاخِلِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) لِأَنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ (وَتُجْزِئُ رَاتِبَةٌ وَفَرِيضَةٌ، وَلَوْ) كَانَتَا (فَائِتَتَيْنِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لَا عَكْسُهُ. وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ مُوَضَّحًا (وَإِنْ نَوَى التَّحِيَّةَ وَالْفَرْضَ فَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: حُصُولُهُمَا) لَهُ كَنَظَائِرِهِمَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (فَإِنْ جَلَسَ قَبْلَ فِعْلِهَا) أَيْ التَّحِيَّةِ (قَامَ فَأَتَى بِهَا، إنْ لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: فَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ فَاتَ مَحَلُّهَا (وَلَا تَحْصُلُ) التَّحِيَّةُ (بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ)
لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا) تَحْصُلُ التَّحِيَّةُ (بِصَلَاةِ جِنَازَةٍ) وَلَا سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَلَا شُكْرٍ لِمَا سَبَقَ (وَتَقَدَّمَ: إذَا دَخَلَ وَهُوَ يُؤَذِّنُ) فَيَنْتَظِرُ فَرَاغَهُ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْإِجَابَةِ وَالتَّحِيَّةِ. (وَيَحْرُمُ الْكَلَامُ فِي الْخُطْبَتَيْنِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَلَوْ كَانَ) الْإِمَامُ (غَيْرَ عَدْلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} [الأعراف: 204] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ قَالَ: صَهٍ فَقَدْ لَغَا، وَمَنْ لَغَا فَلَا جُمُعَةَ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ «وَاَلَّذِي يَقُولُ: أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدٍ وَمَعْنَى قَوْلِهِ " لَا جُمُعَةَ لَهُ " أَيْ كَامِلَةً وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي الدَّرْدَاءِ «إذَا سَمِعْت إمَامَك يَتَكَلَّمُ فَأَنْصِتْ حَتَّى يَفْرُغَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (إنْ كَانَ) الْمُتَكَلِّمُ (مِنْهُ) أَيْ الْإِمَامِ (بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ) بِخِلَافِ الْبَعِيدِ الَّذِي لَا يَسْمَعُهُ لِأَنَّ وُجُوبَ الْإِنْصَاتِ لِلِاسْتِمَاعِ وَهَذَا لَيْسَ بِمُسْتَمِعٍ. (وَلَوْ) كَانَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ (فِي حَالِ تَنَفُّسِهِ) أَيْ الْإِمَامِ، فَيَحْرُمُ (لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْخُطْبَةِ) لِأَنَّهُ يَسِيرٌ (إلَّا لَهُ) أَيْ الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ (أَوْ لِمَنْ كَلَّمَهُ لِمَصْلَحَةٍ) فَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمَا «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَلَّمَ سُلَيْكًا وَكَلَّمَهُ هُوَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَسَأَلَ عُمَرُ عُثْمَانَ فَأَجَابَهُ، «وَسَأَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِسْقَاءَ» وَلِأَنَّهُ حَالَ كَلَامِ الْإِمَامِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ إيَّاهُ لَا يُشْغِلُ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ الْكَلَامِ (قَبْلَهُمَا) أَيْ الْخُطْبَتَيْنِ (وَبَعْدَهُمَا نَصًّا) لِمَا رَوَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ عُمَرُ، فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ حَتَّى يَقْضِيَ الْخُطْبَتَيْنِ ". (وَ) لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ (بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ إذَا سَكَتَ) لِأَنَّهُ لَا خُطْبَةَ حِينَئِذٍ يُنْصَتُ لَهَا (وَلَيْسَ لَهُ تَسْكِيتُ مَنْ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (بَلْ) يُسْكِتُهُ (بِإِشَارَةٍ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ) . وَلَعَلَّ الْمُرَادَ السَّبَّابَةُ (عَلَى فِيهِ) إشَارَةً بِالسُّكُوتِ، لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ لِلْحَاجَةِ، فَفِي الْخُطْبَةِ أَوْلَى (وَيَجِبُ) الْكَلَامُ (لِتَحْذِيرِ ضَرِيرٍ وَغَافِلٍ عَنْ بِئْرٍ) ، وَعَنْ (هَلَكَةٍ، وَمَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ نَارًا أَوْ حَيَّةً وَنَحْوَهُ) مِمَّا يَقْتُلُهُ أَوْ يَضُرُّهُ لِإِبَاحَةِ قَطْعِ الصَّلَاةِ لِذَلِكَ. (وَيُبَاحُ) الْكَلَامُ (إذَا شَرَعَ) الْخَطِيبُ (فِي الدُّعَاءِ) لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ فَرَغَ مِنْ أَرْكَانِ الْخُطْبَةِ، وَالدُّعَاءُ لَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهُ. (وَلَوْ فِي دُعَاءٍ غَيْرِ
مَشْرُوعٍ وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا ذُكِرَ) فَيُصَلِّي عَلَيْهِ (سِرًّا، كَالدُّعَاءِ اتِّفَاقًا، قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ: رَفْعُ الصَّوْتِ قُدَّامَ بَعْضِ الْخُطَبَاءِ مَكْرُوهٌ، أَوْ مُحَرَّمٌ اتِّفَاقًا فَلَا يَرْفَعُ الْمُؤَذِّنُ وَلَا غَيْرُهُ صَوْتَهُ بِصَلَاةٍ وَلَا غَيْرِهَا) . وَفِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: وَلَهُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا سَمِعَهَا وَيُسَنُّ سِرًّا (وَلَا يُسَلِّمُ مَنْ دَخَلَ) عَلَى الْإِمَامِ وَلَا غَيْرِهِ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْخُطْبَةِ وَاسْتِمَاعهَا. (وَيَجُوزُ تَأْمِينُهُ) أَيْ مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ عَلَى الدُّعَاءِ (وَحَمْدُهُ خِفْيَةً إذَا عَطَسَ نَصًّا وَتَشْمِيتُ عَاطِسٍ وَرَدُّ سَلَامٍ نُطْقًا) لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ لِحَقِّ آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ الضَّرِيرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ كَكَلَامٍ) لِقِيَامِهَا مَقَامَهُ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهِ. (وَيَجُوزُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْ الْخَطِيبِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ الِاشْتِغَالُ بِالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ خِفْيَةً وَفِعْلُهُ أَفْضَلُ) مِنْ سُكُوتِهِ (نَصًّا) لِتَحْصِيلِ أَجْرِهِ (فَيَسْجُدُ لِلتِّلَاوَةِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ وَلَا إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَلَا الْمُذَاكَرَةُ فِي الْفِقْهِ) لِئَلَّا يُشْغِلَ غَيْرَهُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ. وَفِي الْفُصُولِ: إنْ بَعُدَ وَلَمْ يَسْمَعْ هَمْهَمَةَ الْإِمَامِ جَازَ أَنْ يَقْرَأَ وَأَنْ يُذَاكِرَ فِي الْفِقْهِ اهـ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يُشْغِلْ غَيْرَهُ عَنْ الِاسْتِمَاعِ وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى مَا إذَا أَشْغَلَ. (وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَحْرُمُ ابْتِدَاءُ غَيْرِ تَحِيَّةِ مَسْجِدٍ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ (أَوْ) أَيْ وَلَا أَنْ (يَجْلِسَ فِي حَلْقَةٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ التَّحَلُّقُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ التَّحَلُّقِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. (وَلَا يَتَصَدَّقُ عَلَى سَائِلٍ وَقْتَ الْخُطْبَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ السَّائِلَ (فَعَلَ مَا لَا يَجُوزُ) لَهُ فِعْلُهُ، وَهُوَ الْكَلَامُ حَالَ الْخُطْبَةِ (فَلَا يُعِينُهُ) عَلَى مَا لَا يَجُوزُ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ: وَإِنْ حَصَبَ السَّائِلَ كَانَ أَعْجَبَ إلَيَّ) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ فَعَلَ ذَلِكَ لِسَائِلٍ سَأَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. (وَلَا يُنَاوِلُهُ) أَيْ السَّائِلَ حَالَ الْخُطْبَةِ الصَّدَقَةَ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مُحَرَّمٍ (فَإِنْ سَأَلَ) الصَّدَقَةَ (قَبْلَهَا) أَيْ الْخُطْبَةِ (ثُمَّ جَلَسَ لَهَا) أَيْ لِلْخُطْبَةِ، أَيْ اسْتِمَاعِهَا (جَازَ) أَيْ التَّصَدُّقُ عَلَيْهِ وَمُنَاوَلَتُهُ الصَّدَقَةَ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: هَذَا لَمْ يَسْأَلْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، (وَلَهُ الصَّدَقَةُ) حَالَ الْخُطْبَةِ (عَلَى مَنْ لَمْ يَسْأَلْ وَعَلَى مَنْ سَأَلَهَا) أَيْ الصَّدَقَةَ (الْإِمَامُ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَالصَّدَقَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ أَوْلَى) مِنْ الصَّدَقَةِ حَالَ الْخُطْبَةِ. (وَيُكْرَهُ الْعَبَثُ حَالَ الْخُطْبَةِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ
باب صلاة العيدين
لَغَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْعَبَثَ يَمْنَعُ الْخُشُوعَ. (وَكَذَا الشُّرْبُ) يُكْرَهُ حَالَ الْخُطْبَةِ إذَا كَانَ يُسْمَعُ لِأَنَّهُ فِعْلٌ بِهِ أَشْبَهَ مَسَّ الْحَصَى (مَا لَمْ يَشْتَدَّ عَطَشُهُ) فَلَا يُكْرَهُ شُرْبُهُ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ وَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي بِأَنَّهُ إذَنْ أَوْلَى. وَفِي الْفُصُولِ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ شِرَاءَهُ بَعْدَ الْأَذَانِ يَقْطَعُهُ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَكَذَا شِرَاؤُهُ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ لِلْحَاجَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، وَتَحْصِيلًا لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَمَنْ نَعَسَ سُنَّ انْتِقَالُهُ مِنْ مَكَانِهِ إنْ لَمْ يَتَخَطَّ) أَحَدًا فِي انْتِقَالِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي مَجْلِسِهِ فَلْيَتَحَوَّلْ إلَى غَيْرِهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَلَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَاءِ الطَّهَارَةِ بَعْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ أَوْ) شِرَاءِ (سُتْرَةٍ) لِعُرْيَانٍ لِلْحَاجَةِ وَيَأْتِي فِي الْبَيْعِ (وَتَأْتِي أَحْكَامُ الْبَيْعِ بَعْدَ النِّدَاءِ) الثَّانِي لِلْجُمُعَةِ (فِي الْبَيْعِ) مُفَصَّلَةً. " فَائِدَةٌ " يُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى الْجُمُعَةَ أَنْ يَنْتَظِرَ صَلَاةَ الْعَصْرَ فَيُصَلِّيَهَا فِي مَوْضِعِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ وَيُسْتَحَبُّ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» وَكَلَامُهُ فِي جُلُوسِهِ بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ إلَى طُلُوعِ شَمْسٍ وَغُرُوبِهَا قَدْ سَبَقَ قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ مِنْ الْبِدَعِ الْمُنْكَرَةِ كَتْبُ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ الْأَوْرَاقَ الَّتِي يُسَمُّونَهَا حَفَائِظَ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِاشْتِغَالِ عَنْ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ وَالِاتِّعَاظِ بِهَا وَالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ الْأَوْقَاتِ وَكِتَابَةُ مَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ كعسهلون وَنَحْوِهِ وَقَدْ يَكُونُ دَالًّا عَلَى مَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا مَشْرُوعٍ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ " خَاتِمَةٌ " رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ إذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَأُعْطِيَ مِنْ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ» . [بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ] (بَابُ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ) أَيْ صِفَتِهَا وَأَحْكَامِهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ سُمِّيَ الْيَوْمُ الْمَعْرُوفُ عِيدًا لِأَنَّهُ يَعُودُ وَيَتَكَرَّرُ لِأَوْقَاتِهِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَعُودُ بِالْفَرَحِ وَالسُّرُورِ وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا لِيَعُودَ ثَانِيَةً كَالْقَافِلَةِ،
وَهُوَ مِنْ عَادَ يَعُودُ فَهُوَ الِاسْمُ مِنْهُ كَالْقِيلِ مِنْ الْقَوْلِ وَصَارَ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْمَخْصُوصِ لِمَا تَقَدَّمَ وَجُمِعَ عَلَى أَعْيَادٍ بِالْيَاءِ وَأَصْلُهُ الْوَاوُ لِلُزُومِهَا فِي الْوَاحِدِ وَقِيلَ: لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَعْوَادِ الْخَشَبِ (وَهِيَ) أَيْ صَلَاةُ الْعِيدَيْنِ مَشْرُوعَةٌ إجْمَاعًا لِمَا يَأْتِي وَ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2] هِيَ صَلَاةُ الْعِيدِ فِي قَوْلِ عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَقَتَادَةَ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي السِّيَرِ وَكَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ يُدَاوِمُونَ عَلَيْهَا وَلِأَنَّهَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْجِهَادِ، بِدَلِيلِ قَتْلِ تَارِكِهَا وَلَمْ تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ لِحَدِيثِ الْأَعْرَابِيِّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ عِيدٍ صَلَّاهَا النَّبِيُّ عِيدُ الْفِطْرِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَوَاظَبَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ حَتَّى مَاتَ (إنْ تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ) يَبْلُغُونَ أَرْبَعِينَ بِلَا عُذْرٍ (قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ) كَالْأَذَانِ، لِأَنَّهَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ وَفِي تَرْكِهَا تَهَاوُنٌ بِالدِّينِ. (وَكُرِهَ أَنْ يَنْصَرِفَ مَنْ حَضَرَ) مُصَلَّى الْعِيدِ (وَيَتْرُكَهَا) كَتَفْوِيتِهِ حُصُولِ أَجْرِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. (وَوَقْتُهَا كَصَلَاةِ الضُّحَى) مِنْ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ قَيْدَ رُمْحٍ إلَى قُبَيْلِ الزَّوَالِ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَنْ بَعْدَهُ لَمْ يُصَلُّوهَا إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ، بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُ إلَّا الْأَفْضَلَ وَرَوَى الْحَسَنُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَغْدُو إلَى الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ فَيَتِمُّ طُلُوعُهَا وَكَانَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إذَا حَضَرَ» وَ (لَا) يَدْخُلُ وَقْتُ الْعِيدِ (بِطُلُوعِ الشَّمْسِ) قَبْلَ ارْتِفَاعِهَا قَيْدَ رُمْحٍ لِأَنَّهُ وَقْتٌ نُهِيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ وَقْتًا لِلْعِيدِ كَمَا قَبْلَ طُلُوعِهَا (فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ أَخَّرُوهَا) وَلَوْ (لِغَيْرِ عُذْرٍ خَرَجَ مِنْ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ قَضَاءً وَلَوْ أَمْكَنَ) قَضَاؤُهَا (فِي يَوْمِهَا) لِمَا رَوَى أَبُو عُمَيْرِ بْنُ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ، فَأَصْبَحْنَا صِيَامًا فَجَاءَ رَكْبٌ فِي آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا إنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وَأَنْ يَخْرُجُوا غَدًا لِعِيدِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَحَسَّنَهُ وَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُصَلَّى غَيْرَ يَوْمِ الْعِيدِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ " سُنَّةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْلَى أَنْ تُتَّبَعَ " وَحَدِيثُ أَبِي عُمَيْرٍ صَحِيحٌ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاجِبٌ وَكَالْفَرَائِضِ (وَكَذَا لَوْ مَضَى أَيَّامٌ) لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ
فَتُقْضَى قِيَاسًا عَلَى مَا سَبَقَ. (وَيُسَنُّ تَقْدِيمُ صَلَاةِ الْأَضْحَى، بِحَيْثُ يُوَافِقُ مَنْ بِمِنًى فِي ذَبْحِهِمْ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتَأْخِيرُ صَلَاةِ الْفِطْرِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَتَبَ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ عَجِّلْ الْأَضْحَى وَأَخِّرْ الْفِطْرَ وَذَكِّرْ النَّاسَ» وَلِأَنَّهُ يَتَّسِعُ بِذَلِكَ وَقْتُ الْأُضْحِيَّةِ وَوَقْتُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ. (وَ) يُسَنُّ (الْأَكْلُ فِيهِ) أَيْ عِيدِ الْفِطْرِ (قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَيْهَا) أَيْ الصَّلَاةِ (تَمَرَاتٍ وِتْرًا) لِقَوْلِ بَرِيرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يُفْطِرَ وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يُصَلِّيَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَوْلُ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعَةٍ «وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا» . وَفِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْأَكْلُ فِيهِ (آكَدُ مِنْ الْإِمْسَاكِ فِي الْأَضْحَى، وَ) يُسَنُّ (الْإِمْسَاكُ فِي الْأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ) لِمَا تَقَدَّمَ (لِيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ وَالْأَوْلَى مِنْ كَبِدِهَا) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ تَنَاوُلًا وَهَضْمًا (إنْ كَانَ يُضَحِّي وَإِلَّا خُيِّرَ) بَيْنَ أَكْلِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَهَا نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ بَرِيرَةَ «وَكَانَ لَا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ فَيَأْكُلَ مِنْ أُضْحِيَّتِهِ» وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَبْحٌ لَمْ يُبَالِ أَنْ يَأْكُلَ. (وَ) يُسَنُّ (الْغُسْلُ) لِلْعِيدِ فِي يَوْمِهَا وَهُوَ لِلصَّلَاةِ فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهَا وَتَقَدَّمَ (وَ) يُسَنُّ (تَبْكِيرُ مَأْمُومٍ إلَيْهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ) لِيَحْصُلَ لَهُ الدُّنُوُّ مِنْ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخَطٍّ، وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَيَكْثُرُ ثَوَابُهُ، وَيَكُونُ (مَاشِيًا إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ مِنْ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْعِيدِ مَاشِيًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إنْ كَانَ الْبَلَدُ ثَغْرًا اُسْتُحِبَّ الرُّكُوبُ وَإِظْهَارُ السِّلَاحِ. (وَ) يُسَنُّ (دُنُوٌّ مِنْ الْإِمَامِ) أَيْ قُرْبُهُ مِنْهُ كَالْجُمُعَةِ. (وَ) يُسَنُّ (تَأَخُّرُ إمَامٍ إلَى) وَقْتِ (الصَّلَاةِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ فِي الْعَوْدِ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ " ثُمَّ تَرْكَبُ إذَا رَجَعْت ". (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَخْرُجَ عَلَى أَحْسَنِ هَيْئَةٍ مِنْ لِبْسٍ وَتَطَيُّبٍ وَنَحْوِهِ) كَتَنَظُّفٍ لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَمُّ وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الْأَحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ «كَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا فِي الْعِيدَيْنِ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَالْجُمُعَةِ. (وَالْإِمَامُ بِذَلِكَ آكَدُ) لِأَنَّهُ مَنْظُورٌ إلَيْهِ مِنْ
بَيْنِ سَائِرِ النَّاسِ (غَيْرَ مُعْتَكِفٍ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ وَلَوْ) كَانَ (الْإِمَامُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوْبَانِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ لِجُمُعَتِهِ وَعِيدِهِ» إلَّا الْمُعْتَكِفَ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ عِبَادَةٍ فَاسْتُحِبَّ، لَهُ بَقَاؤُهُ كَالْخُلُوفِ. (وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَكِفُ فَرَغَ مِنْ اعْتِكَافِهِ قَبْلَ لَيْلَةِ الْعِيدِ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْمَبِيتُ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ؟) لِيُحْيِيَهَا. (وَ) يُسْتَحَبُّ (الْخُرُوجُ مِنْهُ) أَيْ الْمَسْجِدِ (إلَى الْمُصَلَّى) لِصَلَاةِ الْعِيدِ. (وَ) يُسَنُّ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ (التَّوْسِعَةُ عَلَى الْأَهْلِ وَالصَّدَقَةُ) عَلَى الْفُقَرَاءِ لِيُغْنِيَهُمْ عَنْ السُّؤَالِ. (وَإِذَا غَدَا) الْمُصَلِّي (مِنْ طَرِيقٍ سُنَّ رُجُوعُهُ فِي أُخْرَى) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إذَا خَرَجَ إلَى الْعِيدِ خَالَفَ الطَّرِيقَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِلَّتُهُ: لِتَشْهَدَ لَهُ الطَّرِيقَانِ، أَوْ لِمُسَاوَاتِهِ لَهُمَا فِي التَّبَرُّكِ بِمُرُورِهِ وَالسُّرُورِ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ لِتَتَبَرَّكَ الطَّرِيقَانِ بِوَطْئِهِ عَلَيْهِمَا أَوْ لِزِيَادَةِ الْأَجْرِ بِالسَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ أَوْ لِتَحْصُلَ الصَّدَقَةُ عَلَى الْفُقَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ. (وَكَذَا جُمُعَةٌ) إذَا ذَهَبَ إلَيْهَا مِنْ طَرِيقٍ سُنَّ لَهُ الْعَوْدُ مِنْ أُخْرَى لِمَا سَبَقَ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِيهِ أَيْ، الْعِيدِ شُرِعَتْ لِمَعْنًى خَاصٍّ فَلَا يَلْتَحِقُ بِهِ غَيْرُهُ. (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (شُرُوطُ الْجُمُعَةِ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَهَا خُطْبَةٌ رَاتِبَةٌ أَشْبَهَتْ الْجُمُعَةَ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَافَقَ الْعِيدَ فِي حَجَّتِهِ وَلَمْ يُصَلِّ. (وَ) يُشْتَرَطُ (لِصِحَّتِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (اسْتِيطَانُ) أَرْبَعِينَ (وَعَدَدُ الْجُمُعَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إذَا قُلْنَا مِنْ شَرْطِهَا الْعَدَدُ وَكَانَتْ قَرْيَةٌ إلَى جَانِبِ قَرْيَةٍ، أَوْ مِصْرٍ تُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ لَزِمَهُمْ السَّعْيُ إلَى الْعِيدِ سَوَاءٌ كَانُوا يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ أَمْ لَا لِأَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا لَمْ يَلْزَمْ إتْيَانُهَا مَعَ عَدَمِ السَّمَّاعِ لِتَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الْعِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ فَلَا يَشُقُّ إتْيَانُهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الشَّرْحِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَفِيهِ نَظَرٌ وَ (لَا) يُشْتَرَطُ لَهَا (إذْنُ إمَامٍ) كَالْجُمُعَةِ (فَلَا تُقَامُ) الْعِيدُ (إلَّا حَيْثُ تُقَامُ) الْجُمُعَةُ، لِمَا تَقَدَّمَ (وَيَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ وَالْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُنْفَرِدُ تَبَعًا) لِأَهْلِ وُجُوبِهَا (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْضِيَهَا مَنْ فَاتَتْهُ) مَعَ الْإِمَامِ (كَمَا يَأْتِي) مُوَضَّحًا. (وَلَا بَأْسَ بِحُضُورِهَا النِّسَاءُ غَيْرَ مُطَيَّبَاتٍ وَلَا لَابِسَاتٍ ثِيَابَ زِينَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ» (وَيَعْتَزِلْنَ الرِّجَالَ) فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِهِمْ (وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى) لِلْخَبَرِ (بِحَيْثُ يَسْمَعْنَ) الْخُطْبَةَ لِيَحْصُلَ الْمَقْصُودُ. (وَتُسَنُّ) صَلَاةُ
الْعِيدَيْنِ (فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ عُرْفًا) نَقَلَ حَنْبَلٌ: الْخُرُوجُ إلَى الْمُصَلَّى أَفْضَلُ، إلَّا ضَعِيفًا أَوْ مَرِيضًا لِقَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْرُجُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إلَى الْمُصَلَّى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ وَلِأَنَّهُ أَوْقَعُ لِهَيْبَةِ الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرُ لِشَعَائِرِ الدِّينِ وَلَا مَشَقَّةَ فِي ذَلِكَ، لِعَدَمِ تَكَرُّرِهَا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا فِي مُعْظَمِ الْأَمْصَارِ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ فِي الْمَسْجِدِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِفِعْلِ عَلِيٍّ، حَيْثُ اسْتَخْلَفَ أَبَا مَسْعُودٍ الْبَدْرِيَّ رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَيَخْطُبُ بِهِمْ إنْ شَاءُوا، وَهُوَ الْمُسْتَحَبُّ) لِيَكْمُلَ حُصُولُ مَقْصُودِهِمْ. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُصَلُّوا قَبْلَ الْإِمَامِ) قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ (وَإِنْ صَلَّوْا قَبْلَهُ فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ (وَأَيُّهُمَا سَبَقَ) بِالصَّلَاةِ (سَقَطَ الْفَرْضُ بِهِ وَجَازَتْ التَّضْحِيَةُ) لِأَنَّهَا صَلَاةٌ صَحِيحَةٌ (وَتَنُوبُهُ الْمَسْبُوقَةُ نَفْلًا) لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِالسَّابِقَةِ. (وَتُكْرَهُ) صَلَاةُ الْعِيدِ (فِي الْجَامِعِ) لِمُخَالَفَةِ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بِلَا عُذْرٍ) فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ لَمْ تُكْرَهْ فِيهِ لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَصَابَنَا مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ فَصَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَفِيهِ لِينٌ (إلَّا بِمَكَّةَ) الْمُشَرَّفَةَ (فَتُسَنُّ) صَلَاةُ الْعِيدِ (فِي الْمَسْجِدِ) الْحَرَامِ لِمُعَايَنَةِ الْكَعْبَةِ وَذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ شَعَائِرِ الدِّينِ. (وَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ) قَالَ ابْنُ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا) كَمَا لَوْ خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ بَعْدَهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ تَقْدِيمُ الْخُطْبَةِ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ عُثْمَانَ. (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) إجْمَاعًا، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» . وَلِقَوْلِ عُمَرَ " صَلَاةُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ وَقَدْ خَابَ مَنْ افْتَرَى رَوَاهُ أَحْمَدُ. (يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ يَسْتَفْتِحُ) لِأَنَّ الِاسْتِفْتَاحَ لِأَوَّلِ الصَّلَاةِ (ثُمَّ يُكَبِّرُ سِتًّا زَوَائِدَ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ أَبِي أَنَا أَذْهَبُ إلَى هَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «التَّكْبِيرُ
سَبْعٌ فِي الْأُولَى وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ أَحْمَدُ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرِ وَكُلُّهُ جَائِزٌ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَيْسَ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي التَّكْبِيرِ فِي الْعِيدَيْنِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (قَبْلَ التَّعَوُّذِ، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ عَقِبَ) التَّكْبِيرَةِ (السَّادِسَةِ) لِأَنَّ التَّعَوُّذَ لِلْقِرَاءَةِ، فَيَكُونُ عِنْدَهَا (بِلَا ذِكْرٍ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الذِّكْرَ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ التَّكْبِيرَتَيْنِ وَلَيْسَ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ تَكْبِيرٌ (ثُمَّ يَشْرَعُ فِي الْقِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ قِيَامِهِ مِنْ السُّجُودِ وَقَبْلَ قِرَاءَتِهَا خَمْسًا زَوَائِدَ) لِمَا تَقَدَّمَ (يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ» قَالَ أَحْمَدُ: فَأَرَى أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ هَذَا كُلُّهُ وَعَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الْجِنَازَةِ وَالْعِيدِ " وَعَنْ زَيْدٍ كَذَلِكَ رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ. (وَيَقُولُ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ) زَائِدَتَيْنِ (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا) لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ قَالَ: سَأَلْت ابْنَ مَسْعُودٍ عَمَّا يَقُولُهُ بَعْدَ تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ قَالَ " يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَدْعُو وَيُكَبِّرُ " الْحَدِيثَ وَفِيهِ: فَقَالَ حُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى " صَدَقَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَحَرْبٌ وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ فَاسْتُحِبَّ أَنْ يَتَخَلَّلهَا ذِكْرٌ، كَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ. (وَإِنْ أَحَبَّ قَالَ غَيْرَهُ) أَيْ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الذِّكْرِ (إذْ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ مُؤَقَّتٌ) أَيْ مَحْدُودٌ لِأَنَّ الْفَرْضَ الذِّكْرُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ فَلِهَذَا نَقَلَ حَرْبٌ: أَنَّ الذِّكْرَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ. (وَلَا يَأْتِي بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بِذِكْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ، نَسِيَ التَّكْبِيرَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ، حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ نَسِيَ الِاسْتِفْتَاحَ أَوْ التَّعَوُّذَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ نَسِيَ قِرَاءَةَ سُورَةٍ حَتَّى رَكَعَ وَلِأَنَّهُ إنْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ ثُمَّ عَادَ إلَى الْقِرَاءَةِ فَقَدْ أَلْغَى فَرْضًا يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَى الْقِرَاءَةِ فَقَدْ حَصَلَتْ التَّكْبِيرَاتُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. (وَكَذَا إنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ
قَائِمًا بَعْدَ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ أَوْ بَعْضِهِ لَمْ يَأْتِ بِهِ) لِفَوَاتِ مَحَلِّهِ، وَكَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا. (يَقْرَأُ فِي) الرَّكْعَةِ (الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِسَبِّحْ، وَفِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (بِالْغَاشِيَةِ) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ بِ سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ مِثْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ لِأَنَّ فِيهِ حَثًّا عَلَى الصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] {وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 15] هَكَذَا فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. (وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ» . (فَإِذَا سَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ خَطَبَهُمْ خُطْبَتَيْنِ) وَإِنَّمَا أُخِّرَتْ الْخُطْبَةُ عَنْ الصَّلَاةِ لِأَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً جُعِلَتْ فِي وَقْتٍ يَتَمَكَّنُ مَنْ أَرَادَ تَرْكَهَا بِخِلَافِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ (يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا) يَسِيرًا لِلْفَصْلِ، كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (يَجْلِسُ بَعْدَ صُعُودِهِ الْمِنْبَرَ قَبْلَهُمَا لِيَسْتَرِيحَ) وَيُرَدَّ إلَيْهِ نَفَسُهُ، وَيَتَأَهَّبَ النَّاسُ لِلِاسْتِمَاعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. (وَحُكْمُهُمَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ) فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ (حَتَّى فِي) تَحْرِيمِ (الْكَلَامِ) حَالَ الْخُطْبَةِ نَصَّ عَلَيْهِ (إلَّا التَّكْبِيرَ مَعَ الْخَاطِبِ) فَيُسَنُّ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَفْتَتِحَ الْأُولَى) مِنْ الْخُطْبَتَيْنِ (قَائِمًا) كَسَائِرِ أَذْكَارِ الْخُطْبَةِ (بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ وَ) يَفْتَتِحَ الْخُطْبَةَ (الثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ كَذَلِكَ) أَيْ مُتَوَالِيَاتٍ لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ " كَانَ يُكَبِّرُ الْإِمَامُ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُبَ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ " (يَحُثُّهُمْ فِي خُطْبَةِ) عِيدِ (الْفِطْرِ عَلَى الصَّدَقَةِ) أَيْ زَكَاةِ الْفِطْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْنَوْهُمْ عَنْ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ» . (وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يُخْرِجُونَ) جِنْسًا وَقَدْرًا وَوَقْتَ الْوُجُوبِ وَالْإِخْرَاجِ وَمَنْ تَجِبُ فِطْرَتُهُ أَوْ تُسَنُّ (وَعَلَى مَنْ تَجِبُ) الْفِطْرَةُ. (وَإِلَى مَنْ تُدْفَعُ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ تَكْمِيلًا لِلْفَائِدَةِ (وَيُرَغِّبُهُمْ فِي الْأُضْحِيَّةِ فِي
الْأَضْحَى وَيُبَيِّنُ لَهُمْ حُكْمَهَا) أَيْ مَا يُجْزِئُ مِنْهَا وَمَا لَا يُجْزِئُ وَمَا الْأَفْضَلُ مِنْهَا وَوَقْتَهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَكَرَ فِي خُطْبَةِ الْأَضْحَى كَثِيرًا مِنْ أَحْكَامِ الْأُضْحِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ وَالْبَرَاءِ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمْ. (وَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ) سُنَّةٌ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَالذِّكْرُ بَيْنَهَا) أَيْ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ بَيْنَ التَّحْرِيمَةِ وَالْقِرَاءَةِ أَشْبَهَ دُعَاءَ الِاسْتِفْتَاحِ فَإِنْ نَسِيَهُ فَلَا سُجُودَ لِلسَّهْوِ. (وَالْخُطْبَتَانِ سُنَّةٌ لَا يَجِبُ حُضُورُهُمَا وَلَا اسْتِمَاعُهُمَا) لِمَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ «شَهِدْت مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِيدَ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ إنَّا نَخْطُبُ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَا: مُرْسَلٌ وَلَوْ وَجَبَتْ لَوَجَبَ حُضُورُهَا وَاسْتِمَاعُهَا كَخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ. (وَيُكْرَهُ التَّنَفُّلُ فِي مَوْضِعِهَا) أَيْ صَلَاةِ الْعِيدِ (قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا) قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ سَبْعًا وَخَمْسًا وَيَقُولُ: لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا» رَوَاهُ ابْنُ بَطَّةَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَرَى الصَّلَاةَ. (وَ) يُكْرَهُ أَيْضًا (قَضَاءُ فَائِتَةٍ) فِي مُصَلَّى الْعِيدِ (قَبْلَ مُفَارَقَتِهِ) الْمُصَلَّى (إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا، فِي صَحْرَاءَ فُعِلَتْ أَوْ فِي مَسْجِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ التَّنَفُّلِ (إذَا خَرَجَ) مِنْ الْمُصَلَّى نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ غَيْرِهِ، لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي يَوْمَ الْعِيدِ إذَا رَجَعَ إلَى مَنْزِلِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ " وَاحْتَجَّ بِهِ إِسْحَاقُ (أَوْ فَارَقَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ) فَلَا يُكْرَهُ تَنَفُّلُهُ (نَصًّا) وَقَضَاءُ الْفَائِتَةِ أَوْلَى لِوُجُوبِهِ. (وَمَنْ كَبَّرَ قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ) الْأَوْلَى (صَلَّى مَا فَاتَهُ عَلَى صِفَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَلِأَنَّهَا أَصْلٌ بِنَفْسِهَا فَتُدْرَكُ بِإِدْرَاكِ التَّشَهُّدِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَإِذَا أَدْرَكَ مَعَهُ رَكْعَةً، قَضَى أُخْرَى، وَكَبَّرَ فِيهَا سِتًّا زَوَائِدَ. (وَيُكَبِّرُ مَسْبُوقٌ) وَمِثْلُهُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْإِمَامِ بِرَكْعَةٍ لِعُذْرٍ. (وَلَوْ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ فِي قَضَاءٍ بِمَذْهَبِهِ، لَا بِمَذْهَبِ إمَامِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَرِدِ فِي الْقِرَاءَةِ
وَالسَّهْوِ، فَكَذَا فِي التَّكْبِيرِ (وَإِنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ (سُنَّ) لَهُ (قَضَاؤُهَا) عَلَى صِفَتِهَا لِفِعْلِ أَنَسٍ وَلِأَنَّهُ قَضَاءُ صَلَاةٍ فَكَانَ صِفَتُهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْخُطْبَةِ جَلَسَ فَسَمِعَهَا) أَيْ الْخُطْبَةَ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ كَانَ بِمَسْجِدٍ، لِأَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تُفَارِقُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ التَّطَوُّعَ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا مَكْرُوهٌ وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: إنْ كَانَ بِمَسْجِدٍ صَلَّى تَحِيَّتَهُ، كَالْجُمُعَةِ وَأَوْلَى (ثُمَّ صَلَّاهَا) أَيْ الْعِيدَ (مَتَى شَاءَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى صِفَتِهَا، وَلَوْ مُنْفَرِدًا) أَوْ فِي جَمَاعَةٍ دُونَ أَرْبَعِينَ (لِأَنَّهَا صَارَتْ تَطَوُّعًا) لِسُقُوطِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِالطَّائِفَةِ الْأُولَى. (وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ فِي الْعِيدَيْنِ) قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ جَمِيعًا. (وَ) يُسَنُّ (إظْهَارُهُ) أَيْ التَّكْبِيرِ الْمُطْلَقِ (فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ، حَضَرًا وَسَفَرًا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ) بِخِلَافِ مَا يُكْرَهُ فِيهِ كَالْحُشُوشِ. (وَ) يُسَنُّ (الْجَهْرُ بِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ (لِغَيْرِ أُنْثَى فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ مِنْ مُمَيِّزٍ وَبَالِغٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة: 185] (وَيَتَأَكَّدُ) التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (مِنْ ابْتِدَاءِ لَيْلَتَيْ الْعِيدَيْنِ) أَيْ غُرُوبِ شَمْسِ مَا قَبْلَهُمَا لِلْآيَةِ وَقِيَاسُ الْأَضْحَى عَلَى الْفِطْرِ. (وَ) يَتَأَكَّدُ (فِي الْخُرُوجِ إلَيْهِمَا) أَيْ إلَى الْعِيدَيْنِ، لِاتِّفَاقِ الْآثَارِ عَلَيْهِ (إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ فِيهِمَا) أَيْ الْعِيدَيْنِ لِأَنَّ شَعَائِرَ الْعِيدِ لَمْ تَنْقَضِ فَسُنَّ كَمَا فِي حَالِ الْخُرُوجِ. (ثُمَّ) إذَا فَرَغَتْ الْخُطْبَةُ (يَقْطَعُ) التَّكْبِيرَ الْمُطْلَقَ لِانْتِهَاءِ وَقْتِهِ (وَهُوَ) أَيْ التَّكْبِيرُ الْمُطْلَقُ (فِي) عِيدِ (الْفِطْرِ آكَدُ) نَصًّا " لِثُبُوتِهِ فِيهِ بِالنَّصِّ. وَفِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ أَنَّهُ فِي الْأَضْحَى آكَدُ قَالَ لِأَنَّهُ يُشْرَعُ إدْبَارَ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّ عِيدَ النَّحْرِ يَجْتَمِعُ فِيهِ الْمَكَانُ وَالزَّمَانُ وَعِيدُ النَّحْرِ أَفْضَلُ مِنْ عِيدِ الْفِطْرِ (وَلَا يُكَبَّرُ فِيهِ) أَيْ الْفِطْرِ (إدْبَارَ الصَّلَوَاتِ) بِخِلَافِ الْأَضْحَى (وَفِي الْأَضْحَى يَبْتَدِئُ) التَّكْبِيرُ (الْمُطْلَقُ مِنْ ابْتِدَاءِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَرَ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، لِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ " كَانَ ابْنُ عُمَرَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا " (إلَى فَرَاغِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَ) التَّكْبِيرُ
(الْمُقَيَّدُ فِيهِ) أَيْ الْأَضْحَى. (يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، إنْ كَانَ مُحِلًّا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلِّمُ مِنْ الْمَكْتُوبَاتِ» . وَفِي لَفْظٍ كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَيَقُولُ عَلَى مَكَانِكُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فَإِنْ قِيلَ: مَدَارُ الْحَدِيثِ عَلَى جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ الْجُعْفِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ قُلْنَا: قَدْ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَوَثَّقَاهُ وَنَاهِيك بِهِمَا. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي جَابِرٍ فِي حَدِيثِهِ، إنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ لِرَأْيِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ أَقْوَى إسْنَادًا مِنْهُ لِيُتْرَكَ مِنْ أَجْلِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ فَضِيلَةٍ وَنَدْبٍ، لَا حُكْمَ إيجَابٍ أَوْ تَحْرِيمٍ لِيُشَدَّدَ فِي أَمْرِ الْإِسْنَادِ وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: بِأَيِّ حَدِيثٍ تَذْهَبُ فِي ذَلِكَ قَالَ: بِإِجْمَاعِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ. (وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا فَ) إنَّهُ يُكَبِّرُ (مِنْ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ) لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ مَشْغُولٌ بِالتَّلْبِيَةِ (إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ لِمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ رَمَى) الْمُحْرِمُ (جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ) مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، فَإِنَّ وَقْتَهَا مِنْ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ كَمَا يَأْتِي (فَعُمُومُ كَلَامِهِمْ: يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَرْمِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (حَمْلًا عَلَى الْغَالِبِ) فِي رَمْيِ الْجَمْرَةِ، إذْ هُوَ بَعْدَ الشُّرُوقِ (يُؤَيِّدُهُ لَوْ أَخَّرَ الرَّمْيَ إلَى بَعْدِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَإِنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي حَقِّهِ التَّكْبِيرُ وَالتَّلْبِيَةُ فَيَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ ثُمَّ يُلَبِّي نَصًّا) لِأَنَّ التَّكْبِيرَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ قُلْت: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ، وَقَوْلُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ - إلَى آخِرِهِ فَيَكُونُ تَكْبِيرُ الْمُحِلِّ عَقِبَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَرِيضَةً وَتَكْبِيرُ الْمُحْرِمِ عَقِبَ سَبْعَ عَشْرَةَ. (وَمَنْ، كَانَ عَلَيْهِ سُجُودُ سَهْوٍ أَتَى بِهِ) أَوَّلًا، إمَّا قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ (ثُمَّ كَبَّرَ) لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ (عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ (فِي جَمَاعَةٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ. (وَأُنْثَى كَذَكَرٍ) تُكَبِّرُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ فِي جَمَاعَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَعَ الرِّجَالِ لَكِنْ لَا تَجْهَرُ بِهِ (وَمُسَافِرٌ كَمُقِيمٍ) فِي التَّكْبِيرِ (وَلَوْ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ) وَمُمَيِّزٌ كَبَالِغٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ صَلَاةٌ مُعَادَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: أَنْ لَا يُكَبِّرَ، لِأَنَّ صَلَاةَ الصَّبِيِّ يُضْرَبُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ نَفْلِ الْبَالِغِ (وَيُكَبِّرُ
مَأْمُومٌ نَسِيَهُ إمَامُهُ) لِيَحُوزَ الْفَضِيلَةَ كَقَوْلِ آمِينَ. (وَ) يُكَبِّرُ (مَسْبُوقٌ بَعْدَ قَضَائِهِ) مَا فَاتَهُ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَامِهِ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ، فَلَا يَتْرُكُهُ الْمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ. (وَ) يُكَبِّرُ (مَنْ قَضَى فِيهَا) أَيْ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي يُسَنُّ فِيهَا التَّكْبِيرُ عَقِبَ الْفَرَائِضِ (فَائِتَةً مِنْ أَيَّامِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ أَيَّامِهَا فِي عَامِهِ) أَيْ عَامِ ذَلِكَ الْعِيدِ، إذَا قَضَاهَا جَمَاعَةً، لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيهِ وَوَقْتُ التَّكْبِيرِ بَاقٍ وَ (لَا) يُكَبِّرُ مَنْ قَضَى فَائِتَةً (بَعْدَ أَيَّامِهَا، لِأَنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا) كَالتَّلْبِيَةِ (وَلَا يُكَبِّرُ عَقِبَ نَافِلَةٍ) خِلَافًا لِلْآجُرِّيِّ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا تُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ، أَوْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ فَأَشْبَهَتْ الْجِنَازَةَ وَسُجُودَ التِّلَاوَةِ. (وَلَا) يُكَبِّرُ (مَنْ صَلَّى وَحْدَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ " إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى جَمَاعَةً رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فَأَشْبَهَ الْخُطْبَةَ. (وَيَأْتِي بِهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ (الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ النَّاسِ) أَيْ يَلْتَفِتُ إلَى الْمَأْمُومِينَ ثُمَّ يُكَبِّرُ، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُقْبِلُ بِوَجْهِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَيَقُولُ عَلَى مَكَانِكُمْ، ثُمَّ يُكَبِّرُ» (وَأَيَّامُ الْعَشْرِ: الْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَهِيَ) أَيْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ تَلِيهِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ تَشْرِيقِ اللَّحْمِ وَهُوَ تَقْدِيدُهُ وَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْرَقَ ثَبِيرُ وَقِيلَ: لِأَنَّ الْهَدْيَ لَا يُنْحَرُ حَتَّى تُشْرِقَ الشَّمْسُ وَقِيلَ: هُوَ التَّكْبِيرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَأَنْكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. (وَمَنْ نَسِيَ التَّكْبِيرَ قَضَاهُ، وَلَوْ بَعْدَ كَلَامِهِ مَكَانَهُ فَإِنْ قَامَ) مِنْ مَكَانِهِ (أَوْ ذَهَبَ عَادَ فَجَلَسَ، ثُمَّ كَبَّرَ) لِأَنَّ فِعْلَهُ جَالِسًا فِي مُصَلَّاهُ سُنَّةٌ فَلَا تُتْرَكُ مَعَ إمْكَانِهَا. (وَإِنْ قَضَاهُ) أَيْ كَبَّرَ (مَاشِيًا فَلَا بَأْسَ) قَالَهُ جَمَاعَةٌ (مَا لَمْ يُحْدِثْ) فَلَا يَقْضِي التَّكْبِيرَ لِأَنَّ الْحَدَثَ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَالذِّكْرُ تَابِعٌ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (أَوْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ) فَلَا يَقْضِيهِ لِأَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالصَّلَاةِ أَشْبَهَ سُجُودَ السَّهْوِ (أَوْ يَطُلْ الْفَصْلُ) فَلَا يَقْضِيهِ لِمَا سَبَقَ (وَلَا يُكَبِّرُ عَقِبَ صَلَاةِ عِيدِ الْأَضْحَى كَالْفِطْرِ) لِأَنَّ الْأَثَرَ إنَّمَا جَاءَ فِي الْمَكْتُوبَاتِ. (وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ: شَفْعًا: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ كَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَهُ عَلِيٌّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ قَالَ أَحْمَدُ: اخْتِيَارِي تَكْبِيرُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ تَكْبِيرٌ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَهُ تَعَلُّقٌ بِهَا وَلَا يَخْتَصُّ الْحَاجُّ فَأَشْبَهَ الْأَذَانَ. (وَيُجْزِئُ
باب صلاة الكسوف
مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنْ زَادَ) عَلَى مَرَّةٍ (فَلَا بَأْسَ وَإِنْ كَرَّرَهُ ثَلَاثًا فَحَسَنٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَمَّا تَكْرِيرُهُ ثَلَاثًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَلَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِمْ، وَلَعَلَّهُ يُقَاسُ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ وَعَلَى قَوْلِ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، بَعْدَ الْوِتْرِ لِأَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ. (وَلَا بَأْسَ بِتَهْنِئَةِ النَّاسِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِمَا هُوَ مُسْتَفِيضٌ بَيْنَهُمْ مِنْ الْأَدْعِيَةِ وَمِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ قَوْلُهُ لِغَيْرِهِ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ قَالَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: يَرْوِيهِ أَهْلُ الشَّامِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قِيلَ وَوَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ؟ قَالَ نَعَمْ (كَالْجَوَابِ) وَقَالَ: لَا أَبْتَدِئُ بِهِ: وَعَنْهُ، الْكُلُّ حَسَنٌ وَعَنْهُ يُكْرَهُ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِتَعْرِيفِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْأَمْصَارِ مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: إنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَذِكْرٌ قِيلَ: تَفْعَلُهُ أَنْتَ؟ قَالَ: لَا وَأَوَّلُ مَنْ فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ انْتَهَى وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: " كَانَتْ عَائِشَةُ تَحْلِقُ رُءُوسَنَا يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِذَا كَانَ الْعَشِيُّ حَلَقَتْنَا وَبَعَثَتْ بِنَا إلَى الْمَسْجِدِ ". (وَيُسْتَحَبُّ الِاجْتِهَادُ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ الذِّكْرِ وَالصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ وَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ الْأَيَّامِ) لِحَدِيثِ «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ» . [بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ] (بَابُ صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَهُوَ ذَهَابُ ضَوْءِ أَحَدِ النَّيِّرَيْنِ) الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ (أَوْ بَعْضِهِ) أَيْ أَوْ ذَهَابُ بَعْضِ ضَوْءِ أَحَدِهِمَا يُقَالُ: كَسَفَتْ الشَّمْسُ، بِفَتْحِ الْكَافِ وَضَمِّهَا وَكَذَا خُسِفَتْ وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِلشَّمْسِ وَالْخُسُوفُ لِلْقَمَرِ وَقِيلَ: عَكْسُهُ وَرُدَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَخَسَفَ الْقَمَرُ} [القيامة: 8] وَقِيلَ: الْكُسُوفُ فِي أَوَّلِهِ وَالْخُسُوفُ فِي آخِرِهِ وَقِيلَ: الْكُسُوفُ لِذَهَابِ
بَعْضِ ضَوْئِهِ، وَالْخُسُوفُ لِذَهَابِهِ كُلِّهِ وَفِعْلُهَا ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمَشْهُورَةِ اسْتَنْبَطَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ قَوْله تَعَالَى {وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ} [فصلت: 37] (وَإِذَا كَسَفَ أَحَدُهُمَا فَزِعُوا إلَى الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ لَهُمَا أَمْرًا وَاحِدًا وَرَوَى أَحْمَدُ مَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ «فَافْزَعُوا إلَى الْمَسَاجِدِ» . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ: أَنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ وَابْنُ عَبَّاسٍ أَمِيرٌ عَلَى الْبَصْرَةِ فَخَرَجَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَيْنِ وَقَالَ " إنَّمَا صَلَّيْت كَمَا رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي ". (وَهِيَ) أَيْ صَلَاةُ الْكُسُوفِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ) حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ وَالنَّوَوِيُّ إجْمَاعًا لِمَا تَقَدَّمَ (حَضَرًا وَسَفَرًا حَتَّى لِلنِّسَاءِ) «لِأَنَّ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ صَلَّتَا مَعَ النَّبِيِّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَإِنْ حَضَرَهَا غَيْرُ ذَوِي الْهَيْئَاتِ مَعَ الرِّجَالِ فَحَسَنٌ (وَلِلصِّبْيَانِ حُضُورُهَا) وَاسْتَحَبَّهَا ابْنُ حَامِدٍ لَهُمْ وَلِعَجَائِزَ كَجُمُعَةٍ وَعِيدٍ. (وَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ الْكُسُوفِ إلَى حِينِ التَّجَلِّي) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَنْجَلِيَ» (جَمَاعَةً) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ وَكَبَّرَ وَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَفُرَادَى) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهَا الِاسْتِيطَانُ فَلَمْ تُشْتَرَطْ لَهَا الْجَمَاعَةُ كَالنَّوَافِلِ. (وَيُسَنُّ أَيْضًا ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ وَالتَّكْبِيرُ وَالصَّدَقَةُ وَالْعِتْقُ وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا اسْتَطَاعَ) مِنْ الْقُرَبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ أَسْمَاءَ «إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بِالْعِتْقِ فِي الْكُسُوفِ» وَقَيَّدَ الْعِتْقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِالْقَادِرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الظَّاهِرُ؛ وَلِيَحُوزَ فَضِيلَةَ ذَلِكَ، وَيَكُونَ عَامِلًا بِمُقْتَضَى التَّخْوِيفِ. (وَ) يُسَنُّ (الْغُسْلُ لَهَا) أَيْ لِصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَتَقَدَّمَ فِي الْأَغْسَالِ الْمُسْتَحَبَّةِ. (وَفِعْلُهَا جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ أَفْضَلُ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا إذْنُ الْإِمَامِ وَلَا الِاسْتِسْقَاءِ، كَصَلَاتِهِمَا) أَيْ الِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ (مُنْفَرِدًا) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا نَافِلَةٌ
وَلَيْسَ إذْنُهُ شَرْطًا فِي نَافِلَةٍ وَكَالْجُمُعَةِ وَأَوْلَى (وَلَا خُطْبَةَ لَهَا) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِالصَّلَاةِ دُونَ الْخُطْبَةِ» وَإِنَّمَا خَطَبَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ الصَّلَاةِ لِيُعَلِّمَهُمْ حُكْمَهَا وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِهِ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَطَبَ كَخُطْبَتَيْ الْجُمُعَةِ (وَإِنْ فَاتَتْ لَمْ تُقْضَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ فَعَلَهَا بَعْدَ التَّجَلِّي، وَلَا أَمَرَ بِهَا؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ عَوْدُ مَا ذَهَبَ مِنْ النُّورِ، وَقَدْ عَادَ كَامِلًا وَلِأَنَّهَا سُنَّةٌ غَيْرُ رَاتِبَةٍ وَلَا تَابِعَةٍ لِفَرْضٍ فَلَمْ تُقْضَ (كَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَسُجُودِ الشُّكْرِ) لِفَوَاتِ مَجَالِهَا. (وَلَا تُعَادُ إنْ صَلَّيْت وَلَمْ يَنْجَلِ) الْكُسُوفُ لِأَنَّ الصَّحِيحَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (بَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ وَيَسْتَغْفِرُهُ حَتَّى يَنْجَلِيَ) لِأَنَّهُ كُسُوفٌ وَاحِدٌ فَلَا تَتَعَدَّدُ الصَّلَاةُ لَهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ نَدْبًا) لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُنَادِيًا يُنَادِي: الصَّلَاةَ جَامِعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ، وَالثَّانِي عَلَى الْحَالِ وَفِي الرِّعَايَةِ: بِرَفْعِهِمَا وَنَصْبِهِمَا وَتَقَدَّمَ (وَيُجْزِئُ قَوْلُ: الصَّلَاةُ فَقَطْ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ. (ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بَعْدَ الِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ) وَالْبَسْمَلَةِ (الْفَاتِحَةَ ثُمَّ الْبَقَرَةَ أَوْ قَدْرَهَا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الشَّارِحُ وَاقْتَصَرَ فِي الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا عَلَى قَوْلِهِ سُورَةً طَوِيلَةً قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ (جَهْرًا وَلَوْ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَهَرَ فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقِرَاءَتِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ «صَلَّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَجَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ فِيهَا» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (ثُمَّ يَرْكَعُ رُكُوعًا طَوِيلًا فَيُسَبِّحُ) مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرٍ وَ (قَالَ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُ (نَحْوَ مِائَةِ آيَةٍ) وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: بِقَدْرِ مُعْظَمِ الْقِرَاءَةِ وَقِيلَ: نِصْفَهَا (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ رُكُوعِهِ (فَيُسَمِّعُ) أَيْ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي رَفْعِهِ (وَيَحْمَدُ) فِي اعْتِدَالِهِ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ، وَ) سُورَةً (دُونَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى) قِيلَ: كَمُعْظَمِهَا. وَفِي الشَّرْحِ آلُ عِمْرَانَ، أَوْ قَدْرَهَا (ثُمَّ يَرْكَعُ فَيُطِيلُ) الرُّكُوعَ (وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، نِسْبَتُهُ) أَيْ الرُّكُوعِ الثَّانِي (إلَى الْقِرَاءَةِ كَنِسْبَةِ) الرُّكُوعِ (الْأَوَّلِ مِنْهَا) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الشَّرْحِ فَيُسَبِّحُ نَحْوًا مِنْ سَبْعِينَ آيَةٍ (ثُمَّ يَرْفَعُ) مِنْ الرُّكُوعِ وَيُسَبِّحُ
وَيَحْمَدُ (وَلَا يُطِيلُ اعْتِدَالَهُ) لِعَدَمِ ذِكْرِهِ فِي الرِّوَايَاتِ (ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا) أَيْ السَّجْدَتَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ السُّجُودَ الزَّائِدَ (لَمْ يَرِدْ) فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ وَلِأَنَّ السُّجُودَ مُتَكَرِّرٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ مُتَّحِدٌ. (وَلَا يُطِيلُ الْجُلُوسَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِعَدَمِ وُرُودِهِ (ثُمَّ يَقُومُ إلَى) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ، فَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (مِنْ الرُّكُوعَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، لَكِنْ يَكُونُ) فِعْلُهُ فِي الثَّانِيَةِ (دُونَ) فِعْلِهِ (الْأَوَّلِ) فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (فِي كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ فِيهَا وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ) . مِنْ السُّوَرِ (جَازَ) لِعَدَمِ تَعَيُّنِ الْقِرَاءَةِ (ثُمَّ يَتَشَهَّدُ وَيُسَلِّمُ) وَالْأَصْلُ فِيهِ: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فِي خُسُوفِ الشَّمْسِ، فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ، ثُمَّ قَامَ فَاقْتَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، هِيَ أَدْنَى مِنْ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا أَدْنَى مِنْ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَمَّعَ وَحَمِدَ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ، وَانْجَلَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «خُسِفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» . وَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ «ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ» . وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ» (وَإِنْ تَجَلَّى الْكُسُوفُ فِيهَا أَتَمَّهَا خَفِيفَةً عَلَى صِفَتِهَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ «فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّجَلِّي وَقَدْ حَصَلَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] . وَشُرِعَ تَخْفِيفُهَا لِزَوَالِ السَّبَبِ (وَإِنْ شَكَّ فِي التَّجَلِّي) لِنَحْوِ غَيْمٍ (أَتَمَّهَا مِنْ غَيْرِ تَخْفِيفٍ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (فَيُعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ) أَيْ الْكُسُوفِ. (وَ) يُعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي (وُجُودِهِ) إذَا شَكَّ فِيهِ، فَلَا يُصَلِّي، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ تَجَلَّى السَّحَابُ عَنْ بَعْضِهَا) أَيْ الشَّمْسِ؟ وَكَذَا الْقَمَرُ (فَرَأَوْهُ صَافِيًا) لَا كُسُوفَ عَلَيْهِ (صَلَّوْا) صَلَاةَ الْكُسُوفِ لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَا يُعْلَمُ حَالُهُ وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ. (وَإِنْ تَجَلَّى) الْكُسُوفُ (قَبْلَهَا) أَيْ الصَّلَاةِ لَمْ يُصَلِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ» فَجَعَلَهُ غَايَةً لِلصَّلَاةِ وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا زَوَالُ الْعَارِضِ
وَإِعَادَةُ النِّعْمَةِ بِنُورِهِمَا، وَقَدْ حَصَلَ وَإِنْ خَفَّ قَبْلَهَا شَرَعَ وَأَوْجَزَ (أَوْ غَابَتْ الشَّمْسُ كَاسِفَةً أَوْ طَلَعَتْ) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ (أَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَالْقَمَرُ خَاسِفٌ لَمْ يُصَلِّ) لِأَنَّهُ ذَهَبَ وَقْتُ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا. (وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ) فِي كُسُوفٍ، وَلَا غَيْرِهِ مِمَّا يُخْبِرُونَ بِهِ. (وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الرَّجْمِ بِالْغَيْبِ فَلَا يَجُوزُ تَصْدِيقُهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ إخْبَارِهِمْ عَنْ الْمُغَيَّبَاتِ لِحَدِيثِ «مَنْ أَتَى عَرَّافًا» . (وَإِنْ وَقَعَ) الْكُسُوفُ (فِي وَقْتِ نَهْيٍ، دَعَا وَذَكَرَ بِلَا صَلَاةٍ) لِعُمُومِ أَحَادِيثِ النَّهْيِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى قَتَادَةَ قَالَ " انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَنَحْنُ بِمَكَّةَ، فَقَامُوا يَدْعُونَ قِيَامًا فَسَأَلْت عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: هَكَذَا كَانُوا يَصْنَعُونَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَمِثْلُ هَذَا فِي مَظِنَّةِ الشُّهْرَةِ، فَيَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ. (وَيَجُوزُ فِعْلُهَا) أَيْ صَلَاةِ الْكُسُوفِ (عَلَى كُلِّ صِفَةٍ وَرَدَتْ) عَنْ الشَّارِعِ (إنْ شَاءَ أَتَى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِرُكُوعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْأَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فِي الرِّوَايَةِ. (وَإِنْ شَاءَ) صَلَّاهَا (بِثَلَاثِ) رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ: أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» (أَوْ أَرْبَعِ) رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلَّى فِي كُسُوفٍ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ وَالْأُخْرَى مِثْلُهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. وَفِي لَفْظٍ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ كَسَفَتْ الشَّمْسُ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجَدَاتٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ مُسْلِمٌ: وَعَنْ عَلِيٍّ مِثْلُ ذَلِكَ (أَوْ خَمْسَ) رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ. لِمَا رَوَى أَبُو الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ «انْكَسَفَتْ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ صَلَّى بِهِمْ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ فَقَرَأَ سُورَةً مِنْ الطِّوَالِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَرَوَيْنَا عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ الشَّمْسَ انْكَسَفَتْ، فَقَامَ عَلِيٌّ فَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: مَا صَلَّاهَا بَعْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرِي " وَلَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسِ رُكُوعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ (وَإِنْ شَاءَ فَعَلَهَا) أَيْ صَلَاةَ الْكُسُوفِ (كَنَافِلَةٍ بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهِ سُنَّةٌ. (وَالرُّكُوعُ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ) إذَا صَلَّاهَا بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ فَأَكْثَرَ إلَى خَمْسٍ (سُنَّةٌ لَا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَةُ)
لِلْمَسْبُوقِ وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي السُّنَنِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ صَلَّاهَا بِرُكُوعٍ وَاحِدٍ. (وَإِنْ اجْتَمَعَ مَعَ كُسُوفٍ جِنَازَةٌ قُدِّمَتْ) الْجِنَازَةُ عَلَى الْكُسُوفِ، إكْرَامًا لِلْمَيِّتِ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتَغَيَّرُ بِالِانْتِظَارِ (فَتُقَدَّمُ) الْجِنَازَةُ (عَلَى مَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ؟) الْكُسُوفُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (وَلَوْ مَكْتُوبَةً) أُمِنَ فَوْتُهَا (وَنَصُّهُ) تُقَدَّمُ (عَلَى فَجْرٍ وَعَصْرٍ فَقَطْ، وَتُقَدَّمُ) الْجِنَازَةُ (عَلَى جُمُعَةٍ إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا وَلَمْ يَشْرَعْ فِي خُطْبَتِهَا) لِمَشَقَّةِ الِانْتِظَارِ. (وَكَذَا) تُقَدَّمُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ (عَلَى عِيدٍ وَمَكْتُوبَةٍ إنْ أُمِنَ الْفَوْتُ) وَذَلِكَ مَعْلُومٌ مِمَّا سَبَقَ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رُبَّمَا حَصَلَ التَّجَلِّي فَتَفُوتُ صَلَاةُ الْكُسُوفِ بِخِلَافِ الْعِيدِ وَالْمَكْتُوبَةِ مَعَ أَمْنِ الْفَوْتِ. (وَ) يُقَدَّمُ كُسُوفٌ (عَلَى وِتْرٍ، وَلَوْ خِيفَ فَوْتُهُ) أَيْ الْوِتْرِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِالْقَضَاءِ (وَ) إنْ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ (مَعَ تَرَاوِيحَ وَتَعَذَّرَ فِعْلُهُمَا، تُقَدَّمُ التَّرَاوِيحُ) لِأَنَّهَا تَخْتَصُّ بِرَمَضَانَ وَتَفُوتُ بِفَوَاتِهِ. قِيلَ: (وَلَا يُمْكِنُ كُسُوفُ الشَّمْسِ إلَّا فِي الِاسْتِسْرَارِ آخِرَ الشَّهْرِ، إذَا اجْتَمَعَ النَّيِّرَانِ قَالَ بَعْضُهُمْ: فِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ، أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَلَا) يُمْكِنُ (خُسُوفُ الْقَمَرِ إلَّا فِي الْأَبْدَارِ، وَهُوَ إذَا تَقَابَلَا قَالَ الشَّيْخُ: أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنَّ الشَّمْسَ لَا تَنْكَسِفُ إلَّا وَقْتَ الِاسْتِسْرَارِ، وَإِنَّ الْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفُ إلَّا وَقْتَ الْأَبْدَارِ وَقَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الشَّمْسَ تَنْخَسِفُ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِاسْتِسْرَارِ فَقَدْ غَلِطَ وَقَالَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ وَخَطَّأَ الْوَاقِدِيَّ فِي قَوْلِهِ: إنَّ إبْرَاهِيمَ) بْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (مَاتَ يَوْم الْعَاشِرِ، وَهُوَ الَّذِي انْكَسَفَتْ فِيهِ الشَّمْسُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ، فَعَلَى هَذَا يَسْتَحِيلُ كُسُوفُ الشَّمْسِ بِعَرَفَةَ، وَيَوْمَ الْعِيدِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَغِيبَ الْقَمَرُ لَيْلًا وَهُوَ خَاسِفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَرُدَّ بِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِهِ فَذَكَرَ أَبُو شَامَةَ الشَّافِعِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ الْقَمَرَ خَسَفَ لَيْلَةَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّ مِائَةٍ وَخَسَفَتْ الشَّمْسُ فِي غَدِهِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ: وَاتَّضَحَ بِذَلِكَ مَا صَوَّرَهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْكُسُوفِ وَالْعِيدِ وَاسْتَبْعَدَهُ أَهْلُ النَّجَّامَةِ، هَكَذَا كَلَامُهُ وَكَسَفَتْ الشَّمْسُ يَوْمَ مَوْتِ إبْرَاهِيمَ عَاشِرَ شَهْرِ رَبِيعٍ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا اتِّفَاقًا قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يَخْتَلِفُ النَّقْلُ فِي ذَلِكَ نَقَلَهُ الْوَاقِدِيُّ وَالزُّبَيْرُ وَإِنَّ الْفُقَهَاءَ فَرَّعُوا وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ: إذَا اتَّفَقَ عِيدٌ وَكُسُوفٌ وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا سِيَّمَا إذَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا. (وَلَا يُصَلَّى لِشَيْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ، كَالصَّوَاعِقِ وَالرِّيحِ الشَّدِيدَةِ وَالظُّلْمَةِ بِالنَّهَارِ
باب صلاة الاستسقاء
وَالضِّيَاءِ بِاللَّيْلِ) لِعَدَمِ نَقْلِ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَصْحَابِهِ، مَعَ أَنَّهُ وُجِدَ فِي زَمَانِهِمْ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ وَهُبُوبُ الرِّيَاحِ وَالصَّوَاعِقِ وَعَنْهُ يُصَلَّى لِكُلِّ آيَةٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ قَوْلُ مُحَقِّقِي أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ (إلَّا الزَّلْزَلَةَ الدَّائِمَةَ فَيُصَلَّى لَهَا كَصَلَاةِ الْكُسُوفِ) نَصًّا لِفِعْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبَيْهَقِيُّ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَقُلْنَا بِهِ وَصَلَاةُ الْكُسُوفِ صَلَاةُ رَهْبَةٍ وَخَوْفٍ كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَجَاءٍ. [بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ] (بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ السُّقْيَا، أَيْ بَابُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الِاسْتِسْقَاءِ (وَهُوَ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ السُّقْيَا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَالسُّقْيَا بِضَمِّ السِّينِ الِاسْمُ مِنْ السَّقْيِ (وَهِيَ) أَيْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ (سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ حَضَرًا وَسَفَرًا) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى، رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتُفْعَلُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَالْأَفْضَلُ جَمَاعَةً (إذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ) أَيْ أَصَابَهَا الْجَدْبُ (وَهُوَ ضِدُّ الْخِصْبِ) بِالْكَسْرِ، أَيْ النَّمَاءِ وَالْبَرَكَةِ مِنْ أَخْصَبَ الْمَكَانُ فَهُوَ مُخَصَّبٌ. وَفِي لُغَةٍ: خَصِبَ يَخْصَبُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ خَصِيبٌ وَأَخْصَبَ الْمَكَانُ، الْمَوْضِعُ: إذَا أَنْبَتَ بِهِ الْغَيْثُ وَالْكَلَأُ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ (وَقَحَطَ الْمَطَرُ) أَيْ احْتَبَسَ (وَهُوَ) أَيْ الْقَحْطُ (احْتِبَاسُهُ) أَيْ الْمَطَرِ (لَا عَنْ أَرْضٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ وَلَا مَسْلُوكَةٍ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ (فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي (حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْقَحْطُ فِي غَيْرِ أَرْضِهِمْ) لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِهِ (أَوْ غَارَ مَاءُ عُيُونٍ) أَيْ ذَهَبَ مَاؤُهَا فِي الْأَرْضِ، (أَوْ) غَارَ مَاءُ (أَنْهَارٍ) جَمْعُ نَهْرٍ - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا - وَهُوَ مَجْرَى الْمَاءِ (أَوْ نَقَصَ) مَاءُ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ (وَضَرَّ ذَلِكَ) أَيْ غَوْرُ مَائِهَا أَوْ نُقْصَانُهُ فَتُسْتَحَبُّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ لِذَلِكَ كَقَحْطِ الْمَطَرِ. (وَلَوْ نَذَرَ الْإِمَامُ) أَوْ الْمُطَاعُ فِي قَوْمِهِ (الِاسْتِسْقَاءَ زَمَنَ الْجَدْبِ وَحْدَهُ أَوْ هُوَ وَالنَّاسُ لَزِمَهُ) الِاسْتِسْقَاءُ (فِي نَفْسِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . (وَ) لَزِمَتْهُ (الصَّلَاةُ) أَيْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ، صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ وَلَعَلَّهُ لِأَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ الْمَعْهُودَ شَرْعًا
يَكُونُ كَذَلِكَ فَيُحْمَلُ نَذْرُهُ عَلَيْهِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ وَنَحْوِهِ إذَا نَذَرَ (أَنْ يُلْزِمَ غَيْرَهُ بِالْخُرُوجِ مَعَهُ) لِأَنَّهُ نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِمْ فَلَا يُجْبِرُهُمْ عَلَيْهِ (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ الِاسْتِسْقَاءَ (غَيْرُ الْإِمَامِ) وَغَيْرُ الْمُطَاعِ فِي قَوْمِهِ (انْعَقَدَ) نَذْرُهُ (أَيْضًا) لِمَا سَبَقَ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ: يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ. (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ الِاسْتِسْقَاءَ (زَمَنَ الْخِصْبِ لَمْ يَنْعَقِدْ) صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إذَنْ وَقِيلَ بَلَى لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي الْجُمْلَةِ فَيُصَلِّيهَا، وَيَسْأَلُ دَوَامَ الْخِصْبِ وَشُمُولَهُ. (وَصِفَتُهَا) أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (فِي مَوْضِعِهَا وَأَحْكَامُهَا صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " سُنَّةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةُ الْعِيدَيْنِ " فَعَلَى هَذَا تُسَنُّ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَنْ تُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُقِمْهَا إلَّا فِي الصَّحْرَاءِ وَهِيَ أَوْسَعُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِهَا وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصَلِّي الْعِيدَ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. «وَعَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ صَلَاةَ الِاسْتِسْقَاءِ يُكَبِّرُونَ فِيهَا سَبْعًا وَخَمْسًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ وَزَادَ «وَقَرَأَ سَبِّحْ وَفِي الثَّانِيَةِ الْغَاشِيَةَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَا يُعَارِضُهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ فِيمَا سَبَقَ " ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ " لِأَنَّهَا مُطْلَقَةٌ وَهَذِهِ مُقَيَّدَةٌ. (وَيُسَنُّ فِعْلُهَا) أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ (أَوَّلَ النَّهَارِ وَقْتَ صَلَاةِ الْعِيدِ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ حِينَ بَدَأَ حَاجِبُ الشَّمْسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَلَا تَتَقَيَّدُ بِزَوَالِ الشَّمْسِ) فَيَجُوزُ فِعْلُهَا بَعْدَهُ، كَسَائِرِ النَّوَافِلِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَيْسَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أَنَّهَا لَا تُفْعَلُ فِي وَقْتِ النَّهْيِ بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَيُقْرَأُ فِيهَا بِمَا يُقْرَأُ بِهِ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَإِنْ شَاءَ) قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِ إنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا) لِمُنَاسَبَتِهَا الْحَالَ (وَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ (سُورَةً أُخْرَى) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ. (وَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا وَعَظَ النَّاسَ) أَيْ خَوَّفَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ بِالْخَيْرِ، لِتَرِقَّ بِهِ قُلُوبُهُمْ وَيَنْصَحُهُمْ وَيُذَكِّرُهُمْ بِالْعَوَاقِبِ (وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي، وَبِالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ وَبِأَدَاءِ الْحُقُوقِ) وَذَلِكَ وَاجِبٌ لِأَنَّ الْمَعَاصِي سَبَبُ الْقَحْطِ وَالتَّقْوَى سَبَبُ الْبَرَكَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} [الأعراف: 96] الْآيَةَ
(وَالصِّيَامِ قَالَ جَمَاعَةٌ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ يَخْرُجُونَ فِي آخِرِ صِيَامِهَا) لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى نُزُولِ الْغَيْثِ وَقَدْ رُوِيَ «دَعْوَةُ الصَّائِمِ لَا تُرَدُّ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ الشَّهْوَةِ وَحُضُورِ الْقَلْبِ، وَالتَّذَلُّلِ لِلرَّبِّ. (وَلَا يَلْزَمُهُمْ الصِّيَامُ بِأَمْرِهِ) كَالصَّدَقَةِ، مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: فِي السِّيَاسَةِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالْأُمُورِ الْمُجْتَهَدِ فِيهَا، لَا مُطْلَقًا وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُهُمْ تَجِبُ فِي الطَّاعَةِ، وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ، وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ. (وَ) يَأْمُرُهُمْ أَيْضًا بِ (الصَّدَقَةِ) لِأَنَّهَا مُتَضَمِّنَةٌ لِلرَّحْمَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى رَحْمَتِهِمْ الْغَيْثِ (وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ) مِنْ الشَّحْنَاءِ وَهِيَ الْعَدَاوَةُ لِأَنَّهَا تَحْمِلُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْبُهُتِ، وَتَمْنَعُ نُزُولَ الْخَيْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ» . (وَيَعِدهُمْ يَوْمًا) أَيْ يُعَيِّنُهُ لَهُمْ (يَخْرُجُونَ، فِيهِ) لِلِاسْتِسْقَاءِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيَتَنَظَّفُ لَهَا بِالْغُسْلِ وَالسِّوَاكِ وَإِزَالَةِ الرَّائِحَةِ) وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَحْوِهِ؛ لِئَلَّا يُؤْذِي النَّاسَ وَهُوَ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ لَهُ أَشْبَهَ الْجُمُعَةَ. (وَلَا يَتَطَيَّبُ) وِفَاقًا لِأَنَّهُ يَوْمُ اسْتِكَانَةٍ وَخُضُوعٍ (وَيَخْرُجُ إلَى الْمُصَلَّى مُتَوَاضِعًا فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ مُتَخَشِّعًا) أَيْ خَاضِعًا (مُتَذَلِّلًا) مِنْ الذُّلِّ، وَهُوَ الْهَوَانُ (مُتَضَرِّعًا) أَيْ مُسْتَكِينًا، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «خَرَجَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَذَلِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ أَهْلُ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَالشُّيُوخِ) لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِإِجَابَتِهِمْ، وَقَدْ اسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ وَمُعَاوِيَةُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ، وَاسْتَسْقَى بِهِ الضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ مَرَّةً أُخْرَى ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ وَقَالَ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ: لَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الْمُتَّقِينَ وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ يَجُوزُ أَنْ، يُسْتَشْفَعُ إلَى اللَّهِ بِرَجُلٍ صَالِحٍ وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ قَالَ أَحْمَدُ فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَتَوَسَّلُ بِالنَّبِيِّ فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ» الِاسْتِعَاذَةُ لَا تَكُونُ: بِمَخْلُوقٍ
قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: الدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرٍ مَعْرُوفٍ التِّرْيَاقُ الْمُجَرَّبُ وَقَالَ شَيْخُنَا: قَصْدُهُ لِلدُّعَاءِ عِنْدَهُ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ بِدْعَةٌ، لَا قُرْبَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَكَذَا مُمَيِّزُ الصِّبْيَانِ) يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهُ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ، فَتُرْجَى إجَابَةُ دُعَائِهِ. (وَيُبَاحُ خُرُوجُ أَطْفَالٍ وَعَجَائِزَ وَبَهَائِمَ) لِأَنَّ الرِّزْقَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُلِّ وَرَوَى الْبَزَّارُ مَرْفُوعًا «لَوْلَا أَطْفَالٌ رُضَّعٌ وَعِبَادٌ رُكَّعٌ، وَبَهَائِمُ رُتَّعٌ، لَصُبَّ عَلَيْكُمْ الْعَذَابُ صَبًّا» وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِك لَيْسَ بِنَا غِنًى عَنْ رِزْقِك فَقَالَ سُلَيْمَانُ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ» . (وَيُؤْمَرُ سَادَةُ الْعَبِيدِ بِإِخْرَاجِ عَبِيدِهِمْ) رَجَاءَ اسْتِجَابَةِ دُعَائِهِمْ لِانْكِسَارِهِمْ بِالرِّقِّ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُخْرِجَ (مِنْ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الْهَيْئَاتِ) خَوْفَ الْفِتْنَةِ. (وَيُكْرَهُ لَنَا أَنْ نُخْرِجَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَمَنْ يُخَالِفُ دِينَ الْإِسْلَامِ) لِأَنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ فَهُمْ بَعِيدُونَ مِنْ الْإِجَابَةِ وَإِنْ أُغِيثَ الْمُسْلِمُونَ فَرُبَّمَا ظَنُّوهُ بِدُعَائِهِمْ. (وَإِنْ خَرَجُوا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ لَمْ يُكْرَهْ وَلَمْ يُمْنَعُوا) لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَاَللَّهُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ كَمَا ضَمِنَ أَرْزَاقَ الْمُسْلِمِينَ. (وَأُمِرُوا بِالِانْفِرَادِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْتَلِطُونَ بِهِمْ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ فَيَعُمَّ مَنْ حَضَرَ. (وَلَا يَنْفَرِدُونَ بِيَوْمٍ) لِئَلَّا يَتَّفِقَ نُزُولُ غَيْثٍ يَوْمَ خُرُوجِهِمْ، وَحْدَهُمْ، فَيَكُونُ أَعْظَمَ لِفِتْنَتِهِمْ وَرُبَّمَا افْتَتَنَ بِهِمْ غَيْرُهُمْ. (وَحُكْمُ نِسَائِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ وَعَجَائِزِهِمْ حُكْمُهُمْ) فِي جَوَازِ الْخُرُوجِ مُنْفَرِدِينَ لَا بِيَوْمٍ (وَلَا تَخْرُجُ مِنْهُمْ شَابَّةٌ كَالْمُسْلِمِينَ) وَالْمُرَادُ حَسْنَاءُ وَلَوْ عَجُوزًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا تَقَدَّمَ. (فَيُصَلِّي بِهِمْ) رَكْعَتَيْنِ كَالْعِيدِ، كَمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ بِأَكْثَرَ مِنْهَا وَهِيَ بَعْدَ الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَعَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ خَطَبَنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَعَنْهُ قَبْلَهَا وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ كَالْجُمُعَةِ وَعَنْهُ يُخَيَّرُ (يَجْلِسُ قَبْلَهَا إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ) لِيَرْتَدَّ إلَيْهِ نَفَسُهُ، كَالْعِيدِ، (ثُمَّ يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ تِسْعًا)
نَسَقًا كَخُطْبَةِ الْعِيدِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا صَنَعَ فِي الْعِيدِ» . (وَيُكْثِرُ فِيهَا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِأَنَّهَا مَعُونَةٌ عَلَى الْإِجَابَةِ وَعَنْ عُمَرَ قَالَ " الدُّعَاءُ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا يَصْعَدُ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نَبِيِّك رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (وَ) يُكْثِرُ فِيهَا (الِاسْتِغْفَارَ) لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الْغَيْثِ رَوَى سَعِيدٌ " أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ يَسْتَسْقِي فَلَمْ يَزِدْ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَاك اسْتَسْقَيْت فَقَالَ: لَقَدْ طَلَبْت الْغَيْثَ بِمَجَادِيحَ السَّمَاءِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ الْمَطَرُ ثُمَّ قَرَأَ: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ. (وَقَرَأَ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرَ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِغْفَارِ (كَقَوْلِهِ {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] {يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [نوح: 11] وَنَحْوِهِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود: 3] . (وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ وَقْتَ الدُّعَاءِ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَكَانَ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبِطَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتَكُونُ ظُهُورُهُمَا نَحْوَ السَّمَاءِ) لِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ «فَيَدْعُو قَائِمًا» كَسَائِرِ الْخُطْبَةِ. (وَيُكْثِرُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدُّعَاءِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (وَيُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ وَيَرْفَعُ) الْمَأْمُومُ (يَدَيْهِ) كَالْإِمَامِ (جَالِسًا) كَمَا فِي اسْتِمَاعِ غَيْرِهَا مِنْ الْخُطَبِ (وَأَيُّ شَيْءٍ دَعَا بِهِ جَازَ) لِحُصُولِ الْمَطْلُوبِ (وَالْأَفْضَلُ) الدُّعَاءُ (بِالْوَارِدِ مِنْ دُعَائِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21] . (وَمِنْهُ) أَيْ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (اللَّهُمَّ) أَيْ يَا اللَّهُ (اسْقِنَا) بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا (غَيْثًا) هُوَ مَصْدَرٌ، الْمُرَادُ بِهِ الْمَطَرُ. وَيُسَمَّى الْكَلَأُ غَيْثًا (مُغِيثًا) هُوَ الْمُنْقِذِ مِنْ الشِّدَّةِ يُقَالُ: غَاثَهُ وَأَغَاثَهُ، وَغِيثَتْ الْأَرْضُ، فَهِيَ مُغِيثَةٌ وَمَغْيُوثَةٌ (هَنِيئًا) بِالْمَدِّ وَالْهَمْزِ، أَيْ حَاصِلًا بِلَا مَشَقَّةٍ (مَرِيئًا) السَّهْلُ النَّافِعُ الْمَحْمُودُ الْعَاقِبَةُ وَهُوَ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ (مَرِيعًا) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ، أَيْ مُخْصِبًا كَثِيرُ النَّبَاتِ يُقَالُ: أَمْرَعَ الْمَكَانُ، وَمُرِعَ بِالضَّمِّ إذَا أَخْصَبَ (غَدَقًا) نَفْعُهُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَالْغَدَقُ الْكَثِيرُ الْمَاءَ وَالْخُبْزَ (مُجَلَّلًا) السَّحَابُ الَّذِي يَعُمُّ الْعِبَادَ وَالْبِلَادَ نَفْعُهُ (سَحًّا) الصَّبُّ يُقَالُ: سَحَّ الْمَاءُ يَسِحُّ إذَا سَالَ مِنْ فَوْقَ إلَى أَسْفَلَ وَسَاحَ يَسِيحُ إذَا جَرَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (عَامًّا) شَامِلًا (طَبَقًا) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالْبَاءِ الَّذِي طَبَقَ الْبِلَادَ
(دَائِمًا) أَيْ مُتَّصِلًا إلَى أَنْ يَحْصُلَ الْخِصْبُ (نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ) رَوَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «أَتَتْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَاكِي فَقَالَ - فَذَكَرَهُ قَالَ: فَأَطْبَقَتْ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَك وَبَهَائِمَك، وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَك الْمَيِّتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ وَكَانَ «النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اسْتَسْقَى قَالَ - فَذَكَرَهُ اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنْ الْقَانِطِينَ» أَيْ الْآيِسِينَ قَالَ تَعَالَى {لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ} [الزمر: 53] أَيْ لَا تَيْأَسُوا «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا بَلَاءٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنْ اللَّأْوَاءِ» أَيْ الشِّدَّةِ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: شِدَّةُ الْمَجَاعَةِ (وَالْجَهْدِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ وَضَمِّهَا الطَّاقَةُ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا؟ : هُمَا الْمَشَقَّةُ وَرُدَّ بِمَا سَبَقَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَالضَّنْكِ) الضِّيقُ «مَا لَا نَشْكُو إلَّا إلَيْك اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ» ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الضَّرْعُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ أَوْ خُفٍّ «وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِك، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجُوعَ وَالْجَهْدَ وَالْعُرْيَ وَاكْشِفْ عَنَّا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُك اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُك إنَّك كُنْت غَفَّارًا فَأَرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» أَيْ دَائِمًا إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ وَهَذَا الدُّعَاءُ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرَ أَنَّ قَوْلَهُ «اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ وَلَا غَرَقٍ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ وَهُوَ مُرْسَلٌ. (وَيُؤَمِّنُونَ) عَلَى دُعَاءِ الْإِمَامِ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فَيَجْعَلُ مَا عَلَى الْأَيْمَنِ) مِنْ الرِّدَاءِ (عَلَى الْأَيْسَرِ وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «حَوَّلَ إلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، ثُمَّ حَوَّلَ رِدَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ وَدَعَا اللَّهَ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ نَحْوَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ، ثُمَّ قَلَبَ رِدَاءَهُ، فَجَعَلَ الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقُولُ بِهَذَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: يَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَسْقَى وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ، فَقَلَبَهَا الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ وَالْأَيْسَرَ عَلَى الْأَيْمَنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَأُجِيبَ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا - بِأَنَّهَا ظَنٌّ مِنْ الرَّاوِي وَقَدْ
نَقَلَ التَّحْوِيلَ جَمَاعَةٌ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ جَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَيَبْعُدُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِثِقَلِ الرِّدَاءِ فَائِدَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِهَا، أَيْ الْقِبْلَةِ لِلدُّعَاءِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوُضُوءُ وَالتَّيَمُّمُ وَالْقِرَاءَةُ وَسَائِرُ الطَّاعَاتِ إلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ كَالْخُطْبَةِ وَسَبَقَ مَعْنَاهُ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ فِي بَابِ الْوُضُوءِ. (وَيَفْعَلُ النَّاسُ كَذَلِكَ) أَيْ يُحَوِّلُونَ أَرْدِيَتَهُمْ، فَيَجْعَلُونَ مَا عَلَى الْأَيْمَنِ عَلَى الْأَيْسَرِ وَمَا عَلَى الْأَيْسَرِ عَلَى الْأَيْمَنِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ، كَيْفَ وَقَدْ عُقِلَ الْمَعْنَى؟ وَهُوَ التَّفَاؤُلُ بِقَلْبِ مَا بِهِمْ مِنْ الْجَدْبِ إلَى الْخِصْبِ؟ بَلْ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ " أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَوَّلَ رِدَاءَهُ لِيَتَحَوَّلَ الْقَحْطُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (وَيَتْرُكُونَهُ) أَيْ الرِّدَاءَ مَحْمُولًا (حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ) لِعَدَمِ نَقْلِ إعَادَتِهِ. وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ: لَا تَحْوِيلَ فِي كُسُوفٍ، وَلَا حَالَةِ الْأَمْطَارِ وَالزَّلْزَلَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (وَيَدْعُوا سِرًّا) لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ، وَأَبْلَغُ فِي الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ، وَأَسْرَعُ فِي الْإِجَابَةِ قَالَ تَعَالَى {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} [الأعراف: 55] (حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إنَّك أَمَرْتنَا بِدُعَائِك، وَوَعَدْتنَا إجَابَتَك، وَقَدْ دَعَوْنَاك كَمَا أَمَرْتنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنَا، إنَّك لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْجَازًا لِمَا وَعَدَ مِنْ فَضْلِهِ حَيْثُ قَالَ {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة: 186] فَإِنْ دَعَا بِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ اسْتَقْبَلَهُمْ، ثُمَّ حَثَّهُمْ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْخَيْرِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنَاتِ وَيَقْرَأُ مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ يَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَمَّتْ، الْخُطْبَةُ) ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ. (فَإِنْ سُقُوا) فَذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ (وَإِلَّا عَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَ) الْيَوْمِ (الثَّالِثِ، وَأَلَحُّوا فِي الدُّعَاءِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّضَرُّعِ وَقَدْ رُوِيَ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إلَى ذَلِكَ، فَاسْتُحِبَّ كَالْأَوَّلِ قَالَ أَصْبَغُ: اُسْتُسْقِيَ لِلنِّيلِ بِمِصْرَ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ مَرَّةً مُتَوَالِيَةً، وَحَضَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ وَجَمْعٌ
(وَإِنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، وَكَانُوا قَدْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ، خَرَجُوا وَصَلَّوْا شُكْرًا) لِلَّهِ تَعَالَى وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِأَجْلِ الْعَارِضِ مِنْ الْجَدْبِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النُّزُولِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا قَدْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ (لَمْ يَخْرُجُوا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ (وَشَكَرُوا اللَّهَ، وَسَأَلُوهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ) قَالَ تَعَالَى {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] وَإِنْ سُقُوا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ صَلَّوْا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَجْهًا وَاحِدًا فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّهَا وَفِي الْخُطْبَةِ وَجْهَانِ. (وَيُنَادَى لَهَا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ) قِيَاسًا عَلَى الْكُسُوفِ (وَلَا يُشْتَرَطُ لَهَا إذْنُ الْإِمَامِ فِي الْخُرُوجِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي الْخُطْبَةِ) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ أَشْبَهَتْ سَائِرَ النَّوَافِلِ فَيَفْعَلُهَا الْمُسَافِرُ وَأَهْلُ الْقُرَى وَيَخْطُبُ بِهِمْ أَحَدُهُمْ (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَسُّلِ بِالصَّالِحِينَ وَنَصُّهُ) فِي مَنْسَكِهِ الَّذِي كَتَبَهُ لِلْمَرُّوذِيِّ أَنَّهُ يَتَوَسَّلُ (بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فِي دُعَائِهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ. (وَإِنْ اسْتَقُوا عَقِبَ صَلَوَاتِهِمْ أَوْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ أَصَابُوا السُّنَّةَ) ذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمْعٌ: أَنَّ الِاسْتِسْقَاءَ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهُ وَهُوَ أَكْمَلُهَا الثَّانِي اسْتِسْقَاءُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي خُطْبَتِهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الثَّالِثُ: دُعَاؤُهُمْ عَقِبَ صَلَوَاتِهِمْ (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ وَيُخْرِجُ رَحْلَهُ) هُوَ فِي الْأَصْلِ مَسْكَنُ الرَّجُلِ وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ مِنْ الْأَثَاثِ. (وَ) يُخْرِجُ (ثِيَابَهُ لِيُصِيبَهَا) الْمَطَرُ (وَهُوَ الِاسْتِمْطَارُ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَطَرٌ، فَحَسِرَ ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنْ الْمَطَرِ فَقُلْنَا: لِمَ صَنَعْت هَذَا؟ قَالَ لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرُوِيَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَنْزِعُ ثِيَابَهُ فِي أَوَّلِ الْمَطَرِ إلَّا الْإِزَارَ يَتَّزِرُ بِهِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَمْطَرَتْ السَّمَاءُ قَالَ لِغُلَامِهِ " أَخْرِجْ رَحْلِي وَفِرَاشِي يُصِبْهُ الْمَطَرُ " (وَيَغْتَسِلُ فِي الْوَادِي إذَا سَالَ وَيَتَوَضَّأُ) . وَاقْتَصَرَ فِي الشَّرْحِ عَلَى الْوُضُوءِ فَقَطْ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ - «إذَا سَالَ الْوَادِي - اُخْرُجُوا بِنَا إلَى الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا فَنَتَطَهَّرَ بِهِ» (وَيَقُول: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَعِبَارَةُ الْآدَابِ الْكُبْرَى بِالسِّينِ قَالَ: السَّيْبُ الْعَطَاءُ، وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ تَحْتَ. (وَإِذَا زَادَتْ الْمِيَاهُ لِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَخِيفَ مِنْهَا اُسْتُحِبَّ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا) أَيْ أَنْزِلْهُ حَوَالَيْ
الْمَدِينَةِ مَوَاضِعَ النَّبَاتِ وَلَا عَلَيْنَا فِي الْمَدِينَةِ، وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمَبَانِي (اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ) أَيْ الرَّوَابِي الصِّغَارِ جَمْعُ ظَرِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ. (وَالْآكَامِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ تَلِيهَا مَدَّةٌ عَلَى وَزْنِ آصَالٍ وَبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وَزْنِ جِبَالٍ فَالْأَوَّلُ جَمْعُ أُكُمٍ كَكُتُبٍ وَأُكُمٌ جَمْعُ إكَامٍ كَجِبَالٍ وَآكَامٌ جَمْعُ أُكُمٍ كَجَبَلٍ وَأُكُمٌ وَاحِدُهُ أَكَمَةٌ فَهُوَ مُفْرَدٌ جُمِعَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَا غَلُظَ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ، جَبَلًا وَكَانَ أَكْثَرَ ارْتِفَاعًا مِمَّا حَوْلَهُ، كَالتُّلُولِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْجِبَالُ الصِّغَارُ وَقَالَ الْخَلِيلُ: هُوَ حَجَرٌ وَاحِدٌ (وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ) أَيْ الْأَمْكِنَةِ الْمُنْخَفِضَةِ (وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ) أَيْ أُصُولِهَا لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لَهَا لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، بَلْ يَدْعُو لِأَنَّهُ أَحَدُ الضَّرَرَيْنِ فَاسْتُحِبَّ الدُّعَاءُ لِانْقِطَاعِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَلَا يُشْرَعُ لَهُ الِاجْتِمَاعُ فِي الصَّحْرَاءِ وَيَقْرَأُ {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] إلَى آخِرِ الْآيَةِ) لِأَنَّهَا لَائِقَةٌ بِالْحَالِ فَاسْتُحِبَّ قَوْلُهَا كَسَائِرِ الْأَقْوَالِ اللَّائِقَةِ بِمَحَالِّهَا وقَوْله تَعَالَى {رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة: 286] أَيْ لَا تُكَلِّفْنَا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا لَا نُطِيقُ. وَقِيلَ: هُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالْوَسْوَسَةُ، وَعَنْ مَكْحُولٍ: هُوَ الْغُلْمَةُ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ هُوَ الْحُبُّ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ: هُوَ الْعِشْقُ وَقِيلَ هُوَ شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ وَقِيلَ: هُوَ الْفُرْقَةُ وَالْقَطِيعَةُ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْهَا {وَاعْفُ عَنَّا} [البقرة: 286] أَيْ تَجَاوَزْ عَنْ ذُنُوبِنَا {وَاغْفِرْ لَنَا} [البقرة: 286] أَيْ اُسْتُرْ عَلَيْنَا ذُنُوبَنَا وَلَا تَفْضَحْنَا {وَارْحَمْنَا} [البقرة: 286] فَإِنَّنَا لَا نَنَالُ الْعَمَلَ بِطَاعَتِك وَلَا تَرْكِ مَعَاصِيك إلَّا بِرَحْمَتِك {أَنْتَ مَوْلانَا} [البقرة: 286] وَنَاصِرُنَا وَحَافِظُنَا. (وَكَذَلِكَ إذَا زَادَ مَاءُ النَّبْعِ) كَمَاءِ الْعُيُونِ (بِحَيْثُ يَضُرُّ، اُسْتُحِبَّ لَهُمْ أَنْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُخَفِّفَهُ عَنْهُمْ وَ) أَنْ (يَصْرِفَهُ إلَى أَمَاكِنَ) بِحَيْثُ (يَنْفَعُ وَلَا يَضُرُّ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ الْأَمْطَارِ. (وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ عِنْدَ نُزُولِ الْغَيْثِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ عِنْدَ ثَلَاثٍ: الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَنُزُولِ الْغَيْثِ» . (وَ) وَيُسَنُّ (أَنْ يَقُولَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَيَحْرُمُ) قَوْلُ مُطِرْنَا (بِنَوْءِ كَذَا) لِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَلَمْ تَرَوْا إلَى مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالَ: مَا أَنْعَمْت عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ، يُنَزِّلُ اللَّهُ الْغَيْثَ فَيَقُولُونَ: كَوْكَبُ كَذَا
وَكَذَا» . وَفِي رِوَايَةٍ «بِكَوَاكِبَ كَذَا وَكَذَا» فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كُفْرُ النِّعْمَةِ (وَإِضَافَةُ الْمَطَرِ إلَى النَّوْءِ دُونَ اللَّهِ اعْتِقَادًا كُفْرٌ إجْمَاعًا) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، لِاعْتِقَادِهِ خَالِقًا غَيْرَ اللَّهِ. (وَلَا يُكْرَهُ) قَوْلُ: مُطِرْنَا (فِي نَوْءِ كَذَا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ) خِلَافًا لِلْآمِدِيِّ وَالنَّوْءُ: النَّجْمُ مَالَ لِلْغَرْبِ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ وَالْأَنْوَاءُ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ، مَنْزِلَةً وَهِيَ مَنَازِلُ الْقَمَرِ. (وَمَنْ رَأَى سَحَابًا أَوْ هَبَّتْ الرِّيحُ سَأَلَ اللَّهَ خَيْرَهُ، وَتَعَوَّذَ مِنْ شَرِّهِ وَلَا يَسُبُّ الرِّيحَ إذَا عَصَفَتْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرِّيحُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ يَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَيَأْتِي بِالْعَذَابِ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَلَا تَسُبُّوهَا، وَاسْأَلُوا اللَّهَ خَيْرَهَا وَاسْتَعِيذُوا مِنْ شَرِّهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (بَلْ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا» ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ قَالَ تَعَالَى {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} [الأعراف: 57] وَقَالَ تَعَالَى {فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ} [الحاقة: 6] وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا «اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا لَقَحًا لَا عَقِيمًا» . وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ وَأَبُو يَعْلَى " وَيُكَبِّرُ " (وَيَقُولُ إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ وَالصَّوَاعِقِ: «اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِك، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِك وَعَافَنَا قَبْلَ ذَلِكَ سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ» ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِيمَا إذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ مُقَدِّمًا " سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ " إلَى آخِرِهِ عَلَى مَا قَبْلَهُ كَمَا نَقَلَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ عَنْهُ فِي الْكَلِمِ الطَّيِّبِ فَائِدَةٌ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي زَكَرِيَّا قَالَ مَنْ قَالَ: " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عِنْدَ الْبَرْقِ " لَمْ تُصِبْهُ صَاعِقَةٌ. (وَيَقُولُ إذَا انْقَضَّ الْكَوْكَبُ: مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ) لِلْخَبَرِ رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ. (وَإِذَا سَمِعَ نَهِيقَ حِمَارٍ) اسْتَعَاذَ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ (أَوْ سَمِعَ نُبَاحَ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ صَوْتَ كَلْبٍ، (اسْتَعَاذَ) . وَفِي نُسْخَةٍ: اُسْتُعِيذَ (بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) لِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد (وَإِذَا سَمِعَ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ سَأَلَ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْقِرَاءَةِ لِذَلِكَ كَمَا ذَكَرُوا أَنَّهُ يَقْطَعُهَا لِلْأَذَانِ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ. (وَوَرَدَ فِي الْأَثَرِ: أَنَّ قَوْسَ قُزَحَ أَمَانٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ الْغَرَقِ وَهُوَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ قَالَ
كتاب الجنائز
ابْنُ حَامِدٍ: وَدَعْوَى الْعَامَّةِ: إنْ غَلَبَتْ حُمْرَتُهُ كَانَتْ الْفِتَنُ وَالدِّمَاءُ وَإِنْ غَلَبَتْ خُضْرَتُهُ كَانَتْ رَخَاءً وَسُرُورًا هَذَيَانٌ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. [كِتَابُ الْجَنَائِزِ] (كِتَابُ الْجَنَائِزِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ جِنَازَةٍ بِكَسْرِهَا وَالْفَتْحُ لُغَةٌ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ، وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ وَقِيلَ: عَكْسُهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ مَيِّتٌ فَلَا يُقَالُ نَعْشٌ وَلَا جِنَازَةٌ وَإِنَّمَا يُقَال سَرِيرٌ وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ جَنَزَ يَجْنُزُ مِنْ بَابِ ضَرَبَ إذَا سَتَرَ وَكَانَ مِنْ حَقِّ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ أَهَمُّ مَا يُفْعَلُ بِالْمَيِّتِ الصَّلَاةَ أَعْقَبَهُ لِلصَّلَاةِ (تَرْكُ الدَّوَاءِ أَفْضَلُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْوَفَاءِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمْ فِعْلَهُ، لِأَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ (وَلَا يَجِبُ) التَّدَاوِي (وَلَوْ ظَنَّ نَفْعَهُ) لَكِنْ يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَلَا يُنَافِي التَّوَكُّلَ لِخَبَرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، فَتَدَاوَوْا، وَلَا تَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ» . (وَيَحْرُمُ) التَّدَاوِي (بِسُمٍّ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195] " تَتِمَّةٌ " يُكْرَهُ قَطْعُ الْبَاسُورِ، وَمَعَ خَوْفِ تَلَفٍ بِقَطْعِهِ يَحْرُمُ، وَبِتَرْكِهِ يُبَاحُ (فَإِنْ كَانَ الدَّوَاءُ مَسْمُومًا وَغَلَبَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ وَرُجِيَ نَفْعُهُ أُبِيحَ لِدَفْعِ مَا هُوَ أَعْظَمَ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوِيَةِ) غَيْرِ الْمَسْمُومَةِ، وَدَفْعًا لِإِحْدَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِأَخَفَّ مِنْهَا (وَلَا بَأْسَ بِالْحُمِّيَّةِ) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهَا مَسْأَلَةُ التَّدَاوِي وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، لِلْخَبَرِ «يَا عَلِيُّ لَا تَأْكُلْ مِنْ هَذَا وَكُلْ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَك» وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ تَنَاوُلُ مَا ظُنَّ ضَرَرُهُ اهـ وَاَلَّذِي نَهَاهُ عَنْهُ: الرُّطَبُ وَاَلَّذِي أَمَرَهُ بِالْأَكْلِ مِنْهُ شَعِيرٌ وَسِلْقٌ وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَيَحْرُمُ) تَدَاوٍ (بِمُحَرَّمٍ أَكْلًا وَشُرْبًا وَكَذَا صَوْتُ مَلْهَاةٍ وَغَيْرُهُ) كَسَمَاعِ الْغِنَاءِ الْمُحَرَّمِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَتَدَاوَوْا بِالْحَرَامِ» وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ ابْنِ عُثْمَانَ وَالرَّبِيعِ وَأَبِي حَارِثَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك تُدَلِّكُ بِالْخَمْرِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ظَاهِرَ الْخَمْرِ وَبَاطِنَهَا وَقَدْ
حَرَّمَ مَسَّ الْخَمْرِ كَمَا حَرَّمَ شُرْبَهَا، فَلَا تُمِسُّوهَا أَجْسَادَكُمْ فَإِنَّهَا نَجَسٌ " وَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ فِي الْجِهَادِ أَنَّهُ يَجُوزُ الِادِّهَانُ بِدُهْنٍ غَيْرِ مَأْكُولٍ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: يَحْرُمُ بِمُحَرَّمٍ فَتَنَاوَلَ الْكُلَّ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي: يَجُوزُ اكْتِحَالُهُ بِمِيلِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: لِأَنَّهَا حَاجَةٌ وَيُبَاحَانِ لَهَا. (وَلَوْ أَمَرَهُ أَبُوهُ بِشُرْبِ دَوَاءٍ بِخَمْرٍ وَقَالَ: أُمُّك طَالِقٌ ثَلَاثًا إنْ لَمْ تَشْرَبْهُ حَرُمَ شُرْبُهُ) نَقَلَهُ هَارُونُ الْحَمَّالُ لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. (وَتَحْرُمُ التَّمِيمَةُ، وَهِيَ عُوذَةٌ أَوْ خَرَزَةٌ أَوْ خَيْطٌ وَنَحْوُهُ يَتَعَلَّقُهَا) فَنَهَى الشَّارِعُ عَنْهُ وَدَعَا عَلَى فَاعِلِهِ وَقَالَ «لَا يَزِيدُك إلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْك لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْك مَا أَفْلَحْت أَبَدًا» رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَالْإِسْنَادُ حَسَنٌ وَقَالَ الْقَاضِي: يَجُوزُ حَمْلُ الْأَخْبَارِ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ فَنَهَى إذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا النَّافِعَةُ لَهُ وَالدَّافِعَةُ عَنْهُ وَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّ النَّافِعَ هُوَ اللَّهُ وَالْمَوْضِعُ الَّذِي أَجَازَهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ النَّافِعُ وَالدَّافِعُ، وَلَعَلَّ هَذَا خَرَجَ عَلَى عَادَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا تَعْتَقِدُ أَنَّ الدَّهْرَ يُغَيِّرُهُمْ فَكَانُوا يَسُبُّونَهُ (وَلَا بَأْسَ بِكَتْبِ قُرْآنٍ وَذِكْرٍ فِي إنَاءٍ ثُمَّ يُسْقَى فِيهِ مَرِيضٌ وَحَامِلٌ لِعُسْرِ الْوَلَدِ) أَيْ الْوِلَادَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ. (وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْتِ وَالِاسْتِعْدَادِ لَهُ) بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا} [الكهف: 110] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَهُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ الْمَوْتِ وَالتَّوْبَةُ مِنْ الْمَعَاصِي، وَالْخُرُوجُ مِنْ الْمَظَالِم وَاجِبٌ فَوْرًا وَالْمُسْتَحَبُّ إنَّمَا هُوَ مُلَاحَظَتُهُ فِي ذَلِكَ الْخَوْفِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْعَرْضِ عَلَيْهِ وَالسُّؤَالِ عَنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ مِمَّا يَقَعُ لَهُ بَعْدَ الْمَوْتِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى. (وَ) تُسَنُّ (عِيَادَةُ الْمَرِيضِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ رَدُّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ» . وَفِي لَفْظٍ «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ قِيلَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ إذَا لَقِيته فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاك فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَك فَانْصَحْ لَهُ
وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا إلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَ السِّتِّ وَلَا النَّصِيحَةَ (وَنَصُّهُ غَيْرُ الْمُبْتَدِعِ) كَرَافِضِيٍّ قَالَ فِي النَّوَادِرِ: تَحْرُمُ عِيَادَتُهُ (وَمِثْلُهُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعْصِيَةِ) نَقَلَ حَنْبَلٌ: إذَا عُلِمَ مِنْ رَجُلٍ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ يَأْثَمْ، إنْ هُوَ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ وَإِلَّا كَيْفَ يُبَيِّنُ لِلرَّجُلِ مَا هُوَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَرَ مُنْكِرًا عَلَيْهِ وَلَا جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ، وَخَرَجَ بِهِ مَنْ لَا يَجْهَرُ بِالْمَعْصِيَةِ فَيُعَادُ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْمُسْتَتِرُ مِنْ فِعْلِهِ بِمَوْضِعٍ لَا يُعْلَمُ بِهِ غَالِبًا إمَّا لِبُعْدِهِ أَوْ نَحْوِهِ غَيْرُ مَنْ حَضَرَهُ. وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهُ بِمَوْضِعٍ يَعْلَمُ بِهِ جِيرَانُهُ وَلَوْ فِي دَارِهِ فَإِنَّ هَذَا مُعْلِنٌ مُجَاهِرٌ غَيْرُ مُسْتَتِرٍ وَتَكُونُ الْعِيَادَةُ (مِنْ أَوَّلِ مَرَضِهِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ وَقِيلَ: بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ. (وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ) فِي الرِّعَايَةِ (عِيَادَتُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الشَّيْخُ الَّذِي يَقْتَضِيه النَّصُّ: وُجُوبُ ذَلِكَ) كَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ (وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ) مِنْهُمْ الشِّيرَازِيُّ كَمَا فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ تَبَعًا لِجَدِّهِ (وَالْمُرَادُ مَرَّةً) وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ. (وَظَاهِرُهُ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ اسْتِحْبَابِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ (وَلَوْ) كَانَ مَرَضُهُ (مِنْ وَجَعِ ضِرْسٍ وَرَمَدٍ وَدُمَّلٍ) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (خِلَافًا لِأَبِي الْمَعَالِي بْنِ الْمُنَجَّا) قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا تُعَادُ وَلَا يُسَمَّى صَاحِبُهَا مَرِيضًا: الضِّرْسُ وَالرَّمَدُ وَالدُّمَّلُ، وَاحْتَجَّ بِخَبَرٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ النِّجَادُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، بَلْ ثَبَتَتْ الْعِيَادَةُ فِي الرَّمَدِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَادَهُ لِمَرَضٍ كَانَ بِعَيْنِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ: نُقِلَ عَنْ إمَامِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَرَضِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَهُ وَلَدُهُ يَا أَبَتِ إنَّ جَارَنَا فُلَانًا مَرِيضٌ فَمَا نَعُودُهُ؟ قَالَ يَا بُنَيَّ مَا عَادَنَا فَنَعُودُهُ وَيُشْبِهُ هَذَا مَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنَاهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْحُجَّاجِ؟ وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَتَحْرُمُ عِيَادَةُ الذِّمِّيِّ) كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَيَسْأَلُهُ) أَيْ الْعَائِدُ يَسْأَلَ الْمَرِيضَ (عَنْ حَالِهِ) نَحْوُ كَيْفَ أَجِدُك؟ (وَيُنَفِّسُ لَهُ فِي الْأَجَلِ بِمَا يُطَيِّبُ نَفْسَهُ) إدْخَالًا لِلسُّرُورِ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ» لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ كَمَا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ تَتِمَّةٌ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ - مَرْفُوعًا «سَلُوهُ الدُّعَاءَ فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ» . (وَلَا يُطِيلُ) الْعَائِدُ (الْجُلُوسَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ
الْمَرِيضِ خَوْفًا مِنْ الضَّجَرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ وَمُرَادُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ. (وَتُكْرَهُ) الْعِيَادَةُ (وَسَطَ النَّهَارِ نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ عَنْ قُرْبِ وَسَطِ النَّهَارِ: لَيْسَ هَذَا وَقْتَ عِيَادَةٍ. (وَقَالَ يُعَادُ) الْمَرِيضُ (بُكْرَةً وَعَشِيًّا) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (وَ) يُعَادُ (فِي رَمَضَانَ لَيْلًا) لِأَنَّهُ رُبَّمَا رَأَى مِنْ الْمَرِيضِ مَا يُضْعِفُهُ. (قَالَ جَمَاعَةٌ: وَيُغِبُّ بِهَا) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ إطْلَاقِ جَمَاعَةٍ خِلَافَهُ وَيَتَوَجَّهُ اخْتِلَافُهُ بِاخْتِلَافِ النَّاسِ وَالْعَمَلِ بِالْقَرَائِنِ وَظَاهِرِ الْحَالِ وَمُرَادُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ وَهِيَ تُشْبِهُ الزِّيَارَةَ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي نَوَادِرِهِ الشِّعْرَ الْمَشْهُورَ: لَا تُضْجِرَنَّ عَلِيلًا فِي مُسَاءَلَةٍ ... إنَّ الْعِيَادَةَ يَوْمٌ بَيْنَ يَوْمَيْنِ بَلْ سَلْهُ عَنْ حَالِهِ وَادْعُ الْإِلَهَ لَهُ ... وَاجْلِسْ بِقَدْرِ فَوَاقٍ بَيْنَ حَلْبَيْنِ مَنْ زَارَ غِبًّا أَخًا دَامَتْ مَوَدَّتُهُ ... وَكَانَ ذَاكَ صَلَاحًا لِلْخَلِيلَيْنِ. (وَيُخْبِرُ الْمَرِيضَ بِمَا يَجِدُهُ) مِنْ الْوَجَعِ (وَلَوْ لِغَيْرِ طَبِيبٍ بِلَا شَكْوَى، بَعْدَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ) لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ الشُّكْرُ قَبْلَ الشَّكْوَى فَلَيْسَ بِشَاكٍ» وَكَانَ أَحْمَدُ أَوَّلًا يَحْمَدُ اللَّهَ فَقَطْ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ طَبِيبُ السُّنَّةِ وَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ عَنْ بِشْرِ بْنِ الْحَارِثِ صَارَ إذَا سَأَلَهُ قَالَ أَحْمَدُ اللَّهَ إلَيْك أَجِدُ كَذَا أَجِدُ كَذَا (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ الْمَرِيضِ (أَنْ يَصْبِرَ) وَكَذَا كُلُّ مُبْتَلًى، لِلْأَمْرِ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ} [النحل: 127] وَقَوْلُهُ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» (وَالصَّبْرُ الْجَمِيلُ صَبْرٌ بِلَا شَكْوَى إلَى الْمَخْلُوقِ وَالشَّكْوَى إلَى الْخَالِقِ لَا تُنَافِيهِ) أَيْ الصَّبْرَ (بَلْ) هِيَ (مَطْلُوبَةٌ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَاقْتَصَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى قَوْلِ الزَّجَّاجِ: إنَّ الصَّبْرَ الْجَمِيلَ لَا جَزَعَ فِيهِ وَلَا شَكْوَى إلَى النَّاسِ وَأَجَابَ عَنْ قَوْلِ يَعْقُوبَ {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ شَكَا إلَى اللَّهِ لَا مِنْهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالثَّانِي أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الدُّعَاءَ؛ فَالْمَعْنَى يَا رَبِّ ارْحَمْ أَسَفِي عَلَى يُوسُفَ. وَمِنْ الشَّكْوَى إلَى اللَّهِ: قَوْلُ أَيُّوبَ
{أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأنبياء: 83] وَقَوْلُ يَعْقُوبَ {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: وَكَذَلِكَ مَنْ شَكَا إلَى النَّاسِ، وَهُوَ فِي شَكْوَاهُ رَاضٍ بِقَضَاءِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ جَزَعًا، أَلَمْ تَسْمَعْ «قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِجِبْرِيلَ فِي مَرَضِهِ أَجِدُنِي مَغْمُومًا، وَأَجِدُنِي مَكْرُوبًا» وَقَوْلُهُ لِعَائِشَةَ " بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ " ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ. (وَيُحْسِنُ) الْمَرِيضُ (ظَنَّهُ بِرَبِّهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وُجُوبًا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» زَادَ أَحْمَدُ «إنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ» . وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ: يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ، الْعَبْدِ ظَنَّهُ عِنْدَ إحْسَاسِهِ بِلِقَاءِ اللَّهِ، لِئَلَّا يَكْرَهَ أَحَدٌ لِقَاءَ اللَّهِ، يَوَدُّ أَنْ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ، مَا يَكْرَهُهُ، وَالرَّاجِي الْمَسْرُورُ يَوَدُّ زِيَادَةَ ثُبُوتِ مَا يَرْجُو حُصُولَهُ. (وَيُغَلِّبُ، الرَّجَاءَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156] وَفِي الصِّحَّةِ يُغَلِّبُ الْخَوْفَ لِحَمْلِهِ عَلَى الْعَمَلِ (وَنَصُّهُ: يَكُونُ خَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَاحِدًا فَأَيُّهُمَا غَلَبَ صَاحِبَهُ هَلَكَ قَالَ الشَّيْخُ: هَذَا الْعَدْلُ) لِأَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ الْخَوْفِ أَوْقَعَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ إمَّا فِي نَفْسِهِ وَإِمَّا فِي أُمُورِ النَّاسِ وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ حَالُ الرَّجَاءِ بِلَا خَوْفٍ أَوْقَعَهُ فِي نَوْعٍ مِنْ الْأَمْنِ لِمَكْرِ اللَّهِ، إمَّا فِي نَفْسِهِ وَإِمَّا فِي النَّاسِ وَالرَّجَاءُ بِحَسَبِ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي سَبَقَتْ غَضَبَهُ يَجِبُ تَرْجِيحُهُ كَمَا «قَالَ تَعَالَى أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ بِي خَيْرًا» وَأَمَّا الْخَوْفُ فَيَكُونُ بِالنَّظَرِ إلَى تَفْرِيطِ الْعَبْدِ وَتَعَدِّيهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَدْلٌ لَا يُؤَاخِذُ إلَّا بِالذَّنْبِ. فَائِدَةٌ يَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِنَفْسِهِ وَمَا يَعُودُ عَلَيْهِ ثَوَابُهُ مِنْ قِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ وَصَلَاةٍ وَاسْتِرْضَاءِ خَصْمٍ وَزَوْجَةٍ وَجَارٍ وَكُلِّ مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عُلْقَةٌ، وَيُحَافِظُ عَلَى الصَّلَوَاتِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَاتِ وَيَصْبِرُ عَلَى مَشَقَّةِ ذَلِكَ، وَيَتَعَاهَدُ نَفْسَهُ بِتَقْلِيمِ أَظْفَارِهِ، وَأَخْذِ عَانَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى اللَّهِ فِيمَنْ يُحِبُّ، وَيُوصِي لِلْأَرْجَحِ فِي نَظَرِهِ (وَيُكْرَهُ الْأَنِينُ) لِأَنَّهُ يُتَرْجِمُ عَنْ الشَّكْوَى مَا لَمْ يَغْلِبْهُ. (وَ) يُكْرَهُ (تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ) وَكَذَا إنْ لَمْ يَنْزِلْ بِهِ ضَرٌّ وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ
خَيْرًا لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ. (وَلَا يُكْرَهُ) تَمَنِّي الْمَوْتِ " (لِضَرَرٍ بِدِينِهِ وَخَوْفِ فِتْنَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِذَا أَرَدْت بِعِبَادِك فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ» (وَتَمَنِّي الشَّهَادَةِ لَيْسَ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ ذَكَرَهُ فِي الْهَدْيِ) بَلْ مُسْتَحَبٌّ لَا سِيَّمَا عِنْدَ حُضُورِ أَسْبَابِهَا، لِمَا فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ تَمَنَّى الشَّهَادَةَ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ؛ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ» . (وَيُذَكِّرُهُ) الْعَائِدُ (التَّوْبَةَ) لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ لِكُلِّ حَالٍ وَالْمَرِيضُ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِهِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ» أَيْ: تَبْلُغْ رُوحُهُ إلَى حَلْقِهِ. (وَ) يُذَكِّرُهُ (الْوَصِيَّةَ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةً عِنْدَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. (وَ) يُذَكِّرُهُ (الْخُرُوجَ مِنْ الْمَظَالِمِ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّوْبَةِ (وَيُرَغِّبُهُ فِي ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ التَّوْبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ. (وَلَوْ كَانَ مَرَضُهُ غَيْرَ مَخُوفٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ حَتَّى مِنْ الصَّحِيحِ (وَيَدْعُو) الْعَائِدُ لِلْمَرِيضِ (بِالصَّلَاحِ وَالْعَافِيَةِ) لِمَا يَأْتِي. (وَلَا بَأْسَ بِوَضْعِ) الْعَائِدِ (يَدَهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ (وَ) لَا بَأْسَ بِ (رُقَاهُ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «كَانَ يَعُودُ بَعْضَ أَهْلِهِ وَيَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى. (وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ أَيْ يَتْرُكُ سَقَمًا» ، وَيَقُولُ «أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَك وَيُعَافِيَك» سَبْعَ مَرَّاتٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ إسْقَاطُ " وَيُعَافِيَك " وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَمَا يُدْرِيك أَنَّهَا رُقْيَةٌ " وَأَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا جَاءَ رَجُلٌ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك يَنْكَأْ لَك عَدُوًّا أَوْ يَمْشِ لَك إلَى صَلَاةٍ» . وَصَحَّ «أَنَّ جِبْرِيلَ عَادَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيك مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيك مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ، أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللَّهُ يَشْفِيك، بِاسْمِهِ أَرْقِيك» وَأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى مَنْ يَعُودُهُ قَالَ «لَا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ» . وَفِي الْفُنُونِ: إنْ سَأَلَك وَضْعَ يَدِك عَلَى رَأْسِهِ لِلتَّشَفِّي فَجَدِّدْ تَوْبَةً لَعَلَّهُ يَتَحَقَّقُ ظَنُّهُ فِيك وَقَبِيحٌ تَعَاطِيك مَا لَيْسَ لَك، وَإِهْمَالُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ يُعْمِي الْقُلُوبَ وَيُخَمِّرُ الْعُيُونَ وَيَعُودُ بِالرِّيَاءِ. (فَإِذَا نَزَلَ بِهِ) أَيْ نَزَلَ الْمَلَكُ بِالْمَرِيضِ لِقَبْضِ رُوحِهِ (سُنَّ أَنْ يَلِيَهُ أَرْفَقُ أَهْلِهِ بِهِ
وَأُعْرَفُهُمْ بِمُدَارَاتِهِ، وَأَتْقَاهُمْ لِلَّهِ) تَعَالَى. (وَ) أَنْ (يَتَعَاهَدَ بَلَّ حَلْقِهِ بِمَاءٍ أَوْ شَرَابٍ، وَيُنَدِّي شَفَتَيْهِ بِقُطْنَةٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْفِئُ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ الشِّدَّةِ وَيُسَهِّلُ عَلَيْهِ النُّطْقَ بِالشَّهَادَةِ. (وَ) أَنْ (يُلَقِّنَهُ قَوْلَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَرَّةً) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَأُطْلِقَ عَلَى الْمُحْتَضَرِ مَيِّتًا بِاعْتِبَارِ مَا هُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ وَعَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهَا لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِهَا إقْرَارٌ بِالْأُخْرَى وَفِيهِ شَيْءٌ. وَفِي الْفُرُوعِ احْتِمَالٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُلَقَّنْ الشَّهَادَتَيْنِ لِأَنَّ الثَّانِيَةَ تَبَعٌ. فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْخَبَرِ عَلَى الْأُولَى (فَإِنْ لَمْ يُجِبْ) الْمُحْتَضَرُ مَنْ لَقَّنَهُ (أَوْ تَكَلَّمَ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ (أَعَادَ) الْمُلَقِّنُ (تَلْقِينَهُ) لِيَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ ذَلِكَ (بِلُطْفٍ وَمُدَارَاةٍ) ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا لِأَنَّ ذَلِكَ مَطْلُوبٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ فَهُنَا أَوْلَى. (وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُكْرَهُ تَلْقِينُ الْوَرَثَةِ) أَيْ أَحَدُهُمْ (لِلْمُحْتَضَرِ بِلَا عُذْرٍ) بِأَنْ حَضَرَهُ غَيْرُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تُهْمَةِ الِاسْتِعْجَالِ وَلَا يُزَادُ فِي التَّلْقِينِ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ لِئَلَّا يُضْجِرَهُ، مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَهُ يس) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اقْرَءُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ سُورَةَ يس» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَفِيهِ لِينٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَفِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَلِأَنَّهُ يُسَهِّلُ خُرُوجَ الرُّوحِ (وَ) أَنْ يَقْرَأَ (الْفَاتِحَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ وَيَقْرَأُ تَبَارَكَ. (وَ) يُسَنُّ (تَوْجِيهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ النُّزُولِ بِهِ وَتَيَقُّنِ مَوْتِهِ وَبَعْدَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِقَوْلِ حُذَيْفَةَ " وَجِّهُونِي ". (وَ) تَوْجِيهُهُ (عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ إنْ كَانَ الْمَكَانُ وَاسِعًا) أَفْضَلُ رُوِيَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهَا قَالَتْ لِأُمِّ رَافِعٍ " اسْتَقْبِلِي بِي الْقِبْلَةَ ثُمَّ قَامَتْ فَاغْتَسَلَتْ أَحْسَنَ مَا تَغْتَسِلُ وَلَبِسَتْ ثِيَابًا جُدُدًا وَقَالَتْ إنِّي الْآنَ مَقْبُوضَةٌ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْقِبْلَةَ مُتَوَسِّدَةً يَمِينِهَا ". (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ الْمَكَانُ وَاسِعًا وُجِّهَ (عَلَى ظَهْرِهِ) أَيْ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ وَأَخْمَصَاهُ إلَى الْقِبْلَةِ كَالْمَوْضُوعِ عَلَى الْمُغْتَسَلِ (وَعَنْهُ) يُوَجَّهُ (مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ) وَاسِعًا كَانَ الْمَكَانُ أَوْ ضَيِّقًا (اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ. (قَالَ جَمَاعَةٌ يَرْفَعُ رَأْسَهُ) أَيْ الْمُحْتَضَرِ إذَا كَانَ مُسْتَلْقِيًا (قَلِيلًا لِيَصِيرَ وَجْهُهُ إلَى الْقِبْلَةِ دُونَ السَّمَاءِ وَاسْتَحَبَّ، الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ تَطْهِيرَ ثِيَابِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) لِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا
وَقَالَ " سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ: الْمُرَادُ بِثِيَابِهِ عَمَلُهُ قَالَ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} [المدثر: 4] وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ الْأَكْثَرُ. (فَإِذَا مَاتَ سُنَّ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْمَضَ أَبَا سَلَمَةَ وَقَالَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ شَدَّادٍ مَرْفُوعًا «إذَا حَضَرْتُمْ الْمَيِّتَ فَأَغْمِضُوا الْبَصَرَ فَإِنَّ الْبَصَرَ يَتْبَعُ الرُّوحَ وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ الْمَيِّتِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِئَلَّا يَقْبُحَ مَنْظَرُهُ، وَيُسَاءُ بِهِ الظَّنُّ. (وَيُكْرَهُ) التَّغْمِيضُ (مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ، وَأَنْ يَقْرَبَاهُ) أَيْ الْمَيِّتَ حَائِضٌ أَوْ جُنُبٌ نَصَّ عَلَيْهِ (وَلِلرَّجُلِ أَنْ يُغْمِضَ ذَاتَ مَحْرَمِهِ) كَأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَأُمِّ زَوْجَتِهِ وَأُخْتِهِ مِنْ رَضَاعٍ. (وَ) لِلْمَرْأَةِ أَنْ (تُغْمِضَ ذَا مَحْرَمِهَا) كَأَبِيهَا وَأَخِيهَا، وَيُغْمِضُ الْأُنْثَى مِثْلُهَا أَوْ صَبِيٌّ وَفِي الْخُنْثَى وَجْهَانِ. (وَيَقُولُ) حِينَ تَغْمِيضِهِ (بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَتَكَلَّمُ مَنْ حَضَرَهُ إلَّا بِخَيْرٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَقُولُوا خَيْرًا فَإِنَّهُ يُؤَمَّنُ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ الْمَيِّتِ» . (وَيَشُدُّ لِحْيَيْهِ) لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْهَوَامُّ أَوْ الْمَاءُ فِي وَقْتِ غُسْلِهِ (وَيُلَيِّنُ مَفَاصِلَهُ عَقِبَ مَوْتِهِ) قَبْلَ قَسْوَتِهَا لِتَبْقَى أَعْضَاؤُهَا سَهْلَةٌ عَلَى الْغَاسِلِ لَيِّنَةً وَيَكُونُ ذَلِكَ (بِإِلْصَاقِ ذِرَاعَيْهِ بِعَضُدَيْهِ ثُمَّ يُعِيدُهُمَا، وَإِلْصَاقِ سَاقَيْهِ بِفَخِذَيْهِ وَفَخِذَيْهِ بِبَطْنِهِ ثُمَّ يُعِيدُهَا فَإِنْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ تَرَكَهُ) بِحَالِهِ. (وَيَنْزِعُ ثِيَابَهُ) لِئَلَّا يُحْمَى جَسَدُهُ فَيُسْرِعَ إلَيْهِ الْفَسَادُ وَيَتَغَيَّرُ وَرُبَّمَا خَرَجَتْ مِنْهُ نَجَاسَةٌ فَلَوَّثَتْهَا (وَيُسَجَّى) أَيْ يُغَطَّى (بِثَوْبٍ) يَسْتُرهُ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدِ حِبَرَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَجْعَلُ عَلَى بَطْنِهِ مِرْآةً) بِكَسْرِ الْمِيمِ الَّتِي يُنْظَرُ فِيهَا (مِنْ حَدِيدٍ أَوْ طِينٍ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِ أَنَسٍ " ضَعُوا عَلَى بَطْنِهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيدٍ لِئَلَّا يَنْتَفِخَ بَطْنُهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَهَذَا لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا وَهُوَ عَلَى ظَهْرِهِ انْتَهَى لِأَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى جَنْبِهِ لَا يَثْبُتُ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ، فَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمَيِّتَ بَعْدَ مَوْتِهِ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ لِيَتَصَوَّرَ وَضْعَ الْحَدِيدَةِ وَنَحْوِهَا. (وَيُوضَعُ عَلَى سَرِيرِ غُسْلِهِ) لِيَبْعُدَ عَنْ الْهَوَامِّ وَيَرْتَفِعَ عَنْ نَدَاوَةِ الْأَرْضِ (مُتَوَجِّهًا) إلَى الْقِبْلَةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «قِبْلَتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» (عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) كَمَا يُدْفَنُ (مُنْحَدِرًا نَحْوَ رِجْلَيْهِ) أَيْ يَكُونُ رَأْسُهُ أَعْلَى مِنْ رِجْلَيْهِ، لِيَنْحَدِرَ عَنْهُ الْمَاءُ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهُ (وَلَا
يَدَعُهُ عَلَى الْأَرْضِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَجِبُ أَنْ يُسَارِعَ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ وَمَا فِيهِ إبْرَاءُ ذِمَّتِهِ مِنْ إخْرَاجِ كَفَّارَةٍ وَحَجِّ نَذْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ) كَزَكَاةٍ وَرَدِّ أَمَانَةٍ وَغَصْبٍ وَعَارِيَّةٍ لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (وَيُسَنُّ تَفْرِيقُ وَصِيَّتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ الْأَجْرِ وَاقْتَضَى ذَلِكَ تَقْدِيمَ الدَّيْنِ مُطْلَقًا عَلَى الْوَصِيَّةِ لِقَوْلِ عَلِيٍّ «قَضَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ» وَأَمَّا تَقْدِيمُهَا فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ الْمِيرَاثَ فِي كَوْنِهَا بِلَا عِوَضٍ كَانَ فِي إخْرَاجِهَا مَشَقَّةٌ عَلَى الْوَارِثِ حَثًّا عَلَى إخْرَاجِهَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَلِذَلِكَ جِيءَ بِكَلِمَةِ " أَوْ " الَّتِي تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، أَيْ فَيَسْتَوِيَانِ فِي الِاهْتِمَامِ وَعَدَمِ التَّضْيِيعِ. وَإِنْ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَيْهَا (كُلُّ ذَلِكَ) أَيْ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَإِبْرَاءُ ذِمَّتِهِ، وَتَفْرِيقُ وَصِيَّتِهِ (قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لِأَحَدٍ عَلَى ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالتَّجْهِيزِ. وَفِي الرِّعَايَةِ قَبْلَ غُسْلِهِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: قَبْلَ دَفْنِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: مَا كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنْ عَدَمِ صَلَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، وَيَقُولُ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " إلَى آخِرِهِ كَمَا يَأْتِي فِي الْخَصَائِصِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ إيفَاءُ دَيْنِهِ فِي الْحَالِ) لِغَيْبَةِ الْمَالِ وَنَحْوِهَا (اُسْتُحِبَّ لِوَارِثِهِ أَوْ غَيْرِهِ أَنْ يَتَكَفَّلَ بِهِ عَنْهُ) لِرَبِّهِ، بِأَنْ يَضْمَنَهُ عَنْهُ، أَوْ يَدْفَعَ بِهِ رَهْنًا، لِمَا فِيهِ مِنْ الْأَخْذِ فِي أَسْبَابِ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ وَإِلَّا فَلَا تَبْرَأُ قَبْلَ وَفَائِهِ، كَمَا يَأْتِي. (وَيُسَنُّ الْإِسْرَاعُ فِي تَجْهِيزِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لَهُ وَأَحْفَظُ مِنْ التَّغَيُّرِ قَالَ أَحْمَدُ: كَرَامَةُ الْمَيِّتِ تَعْجِيلُهُ (إنْ مَاتَ غَيْرَ فَجْأَةٍ) وَتُيُقِّنَ مَوْتُهُ (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْتَظِرَ بِهِ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ وَلِيٍّ) أَيْ وَارِثٍ. (وَكَثْرَةِ جَمْعٍ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (أَوْ يُشَقُّ عَلَى الْحَاضِرِينَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا يُؤَمَّلُ مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ إذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ (وَفِي مَوْتِ فَجْأَةٍ) أَيْ بَغْتَةٍ (بِصَعْقَةٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ خَوْفٍ مِنْ حَرْبٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ تَرَدٍّ مِنْ جَبَلٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فِيمَا إذَا شُكَّ فِي مَوْتِهِ حَتَّى يُعْلَمَ مَوْتُهُ) يَقِينًا (بِانْخِسَافِ صُدْغَيْهِ، وَمَيْلِ أَنْفِهِ) وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ. (وَانْفِصَالِ كَفَّيْهِ، وَارْتِخَاءِ رِجْلَيْهِ، وَغَيْبُوبَةِ سَوَادِ عَيْنَيْهِ فِي الْبَالِغِينَ وَهُوَ أَقْوَاهَا) لِأَنَّ هَذِهِ الْعَلَامَاتِ دَالَّةٌ عَلَى الْمَوْتِ يَقِينًا زَادَ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ: وَامْتِدَادِ جِلْدَةِ وَجْهِهِ وَوُجِّهَ تَأْخِيرُهُ إذَا مَاتَ فَجْأَةً أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ (لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَرَضَ لَهُ سَكْتَةٌ) مَرَضٌ مَعْرُوفٌ (وَنَحْوُهَا وَقَدْ يُفِيقُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهَا وَقَدْ يُعْرَفُ مَوْتُ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَنْ مَاتَ فَجْأَةً، أَوْ شُكَّ فِي مَوْتِهِ (بِهَذِهِ الْعَلَامَاتِ أَيْضًا وَبِغَيْرِهَا) كَتَقَلُّصِ
فصل في غسل الميت وما يتعلق به
خُصْيَتَيْهِ إلَى فَوْقَ، مَعَ تَدَلِّي الْجِلْدَةِ. (وَيُكْرَهُ النَّعْيُ وَهُوَ النِّدَاءُ بِمَوْتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَنَقَلَ صَالِحٌ: لَا يُعْجِبُنِي لِحَدِيثِ «إيَّاكُمْ وَالنَّعْيَ فَإِنَّ النَّعْيَ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَالنَّعْيُ الْمَعْرُوفُ فِي مِصْرَ تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يُعْلَمَ بِهِ أَقَارِبُهُ وَإِخْوَانُهُ مِنْ غَيْرِ نِدَاءٍ) «لِإِعْلَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَصْحَابَهُ بِالنَّجَاشِيِّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ كَثْرَةُ الْمُصَلِّينَ فَيَحْصُلُ لَهُمْ ثَوَابٌ وَنَفْعٌ لِلْمَيِّتِ. (قَالَ الْآجُرِّيُّ فِيمَنْ مَاتَ عَشِيَّةً: يُكْرَهُ تَرْكُهُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ، بَلْ يَبِيتُ مَعَهُ أَهْلُهُ) قَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا لَا يَتْرُكُونَهُ فِي بَيْتٍ وَحْدَهُ يَقُولُونَ: يَتَلَاعَبُ بِهِ الشَّيْطَانُ تَتِمَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ (وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِهِ، وَالنَّظَرِ إلَيْهِ) مِمَّنْ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ فِي حَالِ حَيَاتِهِ. (وَلَوْ بَعْدَ تَكْفِينِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «رَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، حَتَّى رَأَيْت الدُّمُوعَ تَسِيلُ» وَقَالَ جَابِرٌ «لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْت أَكْشِفُ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَأَبْكِي وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَنْهَانِي» قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ. فَائِدَةٌ عَرْضُ الْأَدْيَانِ عَلَى الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ عَامًّا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَا مَنْفِيًّا عَنْ كُلِّ أَحَدٍ بَلْ مِنْ النَّاسِ مَنْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ الْأَدْيَانُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا تُعْرَضُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالشَّيْطَانُ أَحْرَصُ مَا يَكُونُ عَلَى إغْوَاءِ بَنِي آدَمَ وَقْتَ الْمَوْتِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. [فَصْلُ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ (غُسْلُ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ مُتَوَجِّهًا إلَى الْقِبْلَةِ وَحَمْلُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَضَعَّفَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ طُرُقَهُ كُلَّهَا وَقَالَ
تَعَالَى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهِ أَذًى وَهَتْكًا لِحُرْمَتِهِ وَحَمْلُهُ وَسِيلَةٌ لِدَفْنِهِ. وَصَرَّحَ فِي الْمَذْهَبِ بِاسْتِحْبَابِهِ وَأَمَّا اتِّبَاعُهُ فَسُنَّةٌ، وَيَأْتِي لِخَبَرِ الْبَرَاءِ (وَيُكْرَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ) يَعْنِي الْغُسْلَ وَالتَّكْفِينَ وَالْحَمْلَ وَالدَّفْنَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: كَرِهَ أَحْمَدُ لِلْغَاسِلِ وَالْحَفَّارِ أَخْذَ أُجْرَةٍ عَلَى عَمَلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا فَيُعْطَى مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ تَعَذَّرَ أُعْطِيَ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. (وَيَأْتِي) فِي الْإِجَارَةِ أَنَّ مَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ بَلْ وَلَا الرِّزْقُ وَلَا الْجَعَالَةُ عَلَى مَا لَا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ (فَلَوْ دُفِنَ قَبْلَ الْغُسْلِ مَنْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ لَزِمَ نَبْشُهُ) وَأَنْ يُخْرَجَ وَيُغَسَّلَ، تَدَارُكًا لِوَاجِبِ غُسْلِهِ (مَا لَمْ يُخَفْ تَفَسُّخُهُ أَوْ تَغَيُّرُهُ) فَإِنْ خِيفَ ذَلِكَ تُرِكَ بِحَالِهِ وَسَقَطَ غُسْلُهُ، كَالْحَيِّ يَتَضَرَّرُ بِهِ قُلْتُ: وَهَلْ يُيَمَّمُ كَمَا لَوْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ قَبْلَ دَفْنِهِ أَوْ لَا يُنْبَشُ بِالْكُلِّيَّةِ؟ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ مَنْ دُفِنَ بِلَا غُسْلٍ أَمْكَنَ (مَنْ دُفِنَ غَيْرَ مُتَوَجِّهٍ إلَى الْقِبْلَةِ) فَيُنْبَشُ وَيُوَجَّهُ إلَيْهَا، تَدَارُكًا لِذَلِكَ الْوَاجِبِ (أَوْ دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ) فَيُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلَاةِ وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالْقَاضِي: لَا يُنْبَشُ، وَيُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِإِمْكَانِهَا عَلَيْهِ (أَوْ دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ) فَيُخْرَجُ وَيُكَفَّنُ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ دُفِنَ بِغَيْرِ غُسْلٍ، تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ وَهُوَ التَّكْفِينُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، لِعَدَمِ سُقُوطِ الْفَرْضِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ عُرْيَانًا لِمَا رَوَى سَعِيدٌ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدِ الْحَضْرَمِيِّ " أَنَّ رِجَالًا قَبَرُوا صَاحِبًا لَهُمْ لَمْ يُغَسِّلُوهُ وَلَمْ يَجِدُوا لَهُ كَفَنًا، ثُمَّ لَقَوْا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَأَخْبَرُوهُ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَحُنِّطَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ " (وَلَوْ كُفِّنَ بِحَرِيرٍ فَ) هَلْ يُنْبَشُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: قَالَ فِي الْإِنْصَافِ (الْأَوْلَى عَدَمُ نَبْشِهِ) احْتِرَامًا لَهُ (وَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «أَتَى النَّبِيُّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ بَعْد مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. (وَ) كَ (دَفْنِهِ فِي بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ) الَّتِي دُفِنَ فِيهَا فَيَجُوزُ نَبْشُهُ لِذَلِكَ. (وَ) لِ (مُجَاوَرَةِ صَالِحٍ) لِتَعُودَ عَلَيْهِ بَرَكَتُهُ (إلَّا الشَّهِيدَ) إذَا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ فَلَا يُنْقَلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ (حَتَّى لَوْ نُقِلَ) مِنْهُ (رُدَّ إلَيْهِ) نَدْبًا (لِأَنَّ دَفْنَهُ فِي مَصْرَعِهِ) أَيْ الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ بِهِ (سُنَّةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تُدْفَنُ الْأَجْسَادُ حَيْثُ تُقْبَضُ الْأَرْوَاحُ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّهَدَاءِ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي غَيْرِهِمْ دَفْنُهُمْ فِي الصَّحْرَاءِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَغَيْرِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ
مُوَضَّحًا. (وَحَمْلُ الْمَيِّتِ إلَى غَيْرِ بَلَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مَكْرُوهٌ) لِمَا نُقِلَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ " لَمَّا مَاتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالْحَبَشِ، وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ اثْنَا عَشَرَ مِيلًا وَنُقِلَ إلَى مَكَّةَ أَتَتْ قَبْرَهُ وَقَالَتْ: وَاَللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دَفَنْتُك إلَّا حَيْثُ مِتَّ وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيَّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَرَ غَرَضًا صَحِيحًا فِي نَقْلِهِ، وَأَنَّهُ تَأَذَّى بِهِ فَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيح فَلَا كَرَاهَةَ، لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ " إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَاهُنَا، وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَاهُنَا وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (وَيَجُوزُ نَبْشُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (إذَا دُفِنَ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ وَلَا حَنُوطٍ) فَيُغَسَّلُ وَيُحَنَّطُ لِأَنَّهُ غَرَض صَحِيحٌ (وَكَإِفْرَادِهِ فِي قَبْرٍ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ) أَيْ يَجُوزُ نَبْشُهُ لِذَلِكَ لِقَوْلِ جَابِرٍ دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ فَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. (وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ إذَا مَاتَا كَغَيْرِهِمَا فِي الْغُسْلِ يَسْقُطُ غُسْلُهُمَا بِغُسْلِ الْمَوْتِ) لِتَدَاخُلِ الْمُوجِبَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ وُضُوءًا أَوْ غُسْلًا، وَنَوَى أَحَدُهُمَا ارْتَفَعَ سَائِرُهَا وَفِي كَلَامِهِ: تَلْوِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى التَّنْقِيحِ، حَيْثُ قَالَ: غُسْلُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَبِتَعَيُّنِ جَنَابَةٍ أَوْ حَيْضٍ وَيَسْقُطَانِ بِهِ وَحَمَلَهُ صَاحِبُ الْمُنْتَهَى عَلَى أَنَّهُ يَنْتَقِلُ إلَى ثَوَابِ فَرْضِ الْعَيْنِ إذَنْ؛ لِأَنَّ الْغُسْلَ تَعَيَّنُ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ مَوْتِهِ ثُمَّ مَاتَ وَهُوَ فِي ذِمَّتِهِ فَاَلَّذِي يَتَوَلَّى غُسْلَهُ يَنُوبُ مَنَابَهُ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ ثَوَابُهُ كَثَوَابِهِ (وَيُشْتَرَطُ لَهُ) أَيْ لِغُسْلِ الْمَيِّتِ مَاءٌ طَهُورٌ مُبَاحٌ، كَغُسْلِ الْحَيِّ. (وَ) يُشْتَرَطُ لَهُ أَيْضًا (إسْلَامُ غَاسِلٍ) لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَلَيْسَ الْكَافِرُ مِنْ أَهْلِهَا (وَنِيَّتُهُ) لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَعَقْلُهُ) لِأَنَّ غَيْر الْعَاقِل لَيْسَ أَهْلًا لِلنِّيَّةِ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ) الْغَاسِلُ (ثِقَةً أَمِينًا عَارِفًا بِأَحْكَامِ الْغُسْلِ) وَنَقَلَ حَنْبَلُ: لَا يَنْبَغِي إلَّا ذَلِكَ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو الْمَعَالِي. (وَلَوْ) كَانَ الْغَاسِلُ (جُنُبًا وَحَائِضًا) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَصِحُّ مِنْهُ الْغُسْلَ لِنَفْسِهِ فَكَذَا لِغَيْرِهِ (مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ) هُوَ ظَاهِرٌ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُ، حَيْثُ لَمْ يَذْكُرُوهَا لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَقْرُبَاهُ. (وَإِنْ حَضَرَهُ) أَيْ الْمَيِّتَ (مُسْلِمٌ) عَاقِلٌ وَلَوْ مُمَيِّزًا (وَنَوَى غُسْلَهُ وَأَمَرَ كَافِرًا بِمُبَاشَرَةِ غُسْلِهِ فَغَسَّلَهُ) الْكَافِرُ (نَائِبًا عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُسْلِمِ (فَظَاهِرُ كَلَامِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ: لَا يَصِحُّ) غُسْلُهُ لِأَنَّ الْكَافِرَ نَجِسٌ فَلَا يُطَهِّرُ
غُسْلُهُ الْمُسْلِمَ. (وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ الصِّحَّةَ) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: صَحَّ غُسْلُهُ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ كَمُحْدِثٍ نَوَى رَفْعَ حَدَثِهِ فَأَمَرَ كَافِرًا بِغَسْلِ أَعْضَائِهِ. (وَيَجُوزُ أَنْ يُغَسِّلَ حَلَالٌ مُحْرِمًا وَعَكْسُهُ) بِ أَنْ يُغَسِّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا لِأَنَّ الْمَاءَ وَالسِّدْرَ لَا يُحَرَّمُ بِالْإِحْرَامِ (لَكِنْ لَا يُكَفِّنُهُ) أَيْ لَا يُكَفِّنُ الْمُحْرِمُ الْحَلَالَ (لِأَجْلِ الطِّيبِ، إنْ كَانَ) فِي الْكَفَنِ طِيبٌ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ. (وَيُكْرَهُ) الْغُسْلُ مِنْ مُمَيِّزٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي أَجْزَائِهِ (وَيَصِحُّ) غُسْلُ الْمَيِّتِ (مِنْ مُمَيِّزٍ) لِصِحَّةِ غُسْلِهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يَكْفِي مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ. وَفِي الِانْتِصَارِ: وَيَكْفِي إنْ عُلِمَ وَكَذَا فِي تَعْلِيقِ الْقَاضِي وَاحْتَجَّ بِغُسْلِهِمْ لِحَنْظَلَةَ وَبِغُسْلِهِمْ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَبِأَنَّ سَعْدًا لَمَّا مَاتَ «أَسْرَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَشْيِ إلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ خَشِيتُ أَنْ تَسْبِقَنَا الْمَلَائِكَةُ إلَى غُسْلِهِ، كَمَا سَبَقَتْنَا إلَى غُسْلِ حَنْظَلَةَ» قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ فِي مُسْلِمٍ الْجِنَّ وَأَوْلَى، لِتَكْلِيفِهِمْ. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِغُسْلِ الْمَيِّتِ وَصِيُّهُ إنْ كَانَ عَدْلًا) لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَقُدِّمَ فِيهِ وَصِيُّهُ عَلَى غَيْرِهِ، كَبَاقِي حُقُوقِهِ وَلِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ وَأَوْصَى أَنَسُ أَنْ يَغْسِلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ (ثُمَّ أَبُوهُ) لِحُنُوِّهِ؟ وَشَفَقَتِهِ، ثُمَّ جَدُّهُ. (وَإِنْ عَلَا) لِمُشَارِكَتِهِ الْأَبَ فِي الْمَعْنَى (ثُمَّ ابْنُهُ، وَإِنْ نَزَلَ) لِقُرْبِهِ (ثُمَّ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنْ عَصَبَاتِهِ نَسَبًا) فَيُقَدَّمُ الْأَخُ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ ابْنُ الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ، ثُمَّ لِأَبٍ، ثُمَّ عَمٌّ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ، وَهَكَذَا (ثُمَّ) عُصْبَتُهُ (نِعْمَةً) فَيُقَدَّمُ الْمُعْتِقُ ثُمَّ عَصَبَتُهُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) كَالْأَخِ لِأُمٍّ وَالْجَدِّ لَهَا، وَالْعَمِّ لَهَا وَابْنِ الْأُخْتِ وَنَحْوِهِمْ (كَمِيرَاثٍ ثُمَّ الْأَجَانِبُ وَيُقَدَّمُ الْأَصْدِقَاءُ مِنْهُمْ) قَالَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْجَارِ عَلَى أَجْنَبِيٍّ (ثُمَّ غَيْرُهُمْ) أَيْ غَيْرُ الْأَصْدِقَاءِ (الْأَدْيَنُ الْأَعْرَفُ) فَيُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهِ لِتِلْكَ الْفَضِيلَةِ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِيَلِهِ أَقْرَبُكُمْ إنْ كَانَ يَعْلَمُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ فَمَنْ تَرَوْنَ عِنْدَهُ حَظًّا مِنْ وَرَعٍ وَأَمَانَةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَالْأَحْرَارُ فِي الْجَمِيعِ) مِنْ عُصُبَاتِ النَّسَبِ وَالْوَلَاءِ وَذَوِي الْأَرْحَامِ (وَالْأَجَانِبُ أَوْلَى مِنْ زَوْجَةٍ) لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فِي تَغْسِيلِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ (وَهِيَ) أَيْ الزَّوْجَةُ (أَوْلَى مِنْ أُمِّ وَلَدٍ) وَلِبَقَاءِ عَلَقِ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ الِاعْتِدَادِ وَالْأَحْدَادِ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ (وَأَجْنَبِيَّةٌ) بِغُسْلِ امْرَأَةٍ (أَوْلَى مِنْ زَوْجٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ غُسْلَهَا. (وَ) أَجْنَبِيَّةٌ أَوْلَى بِغُسْلِ أَمَةٍ مِنْ (سَيِّدٍ) لِلْخُرُوجِ مِنْ خِلَافِ مَنْ لَمْ يُبَحْ لَهُ غُسْلُهَا (وَالسَّيِّدُ أَحَقُّ بِغُسْلِ عَبْدِهِ) لِأَنَّهُ مَالِكُهُ وَوَلِيُّهُ (وَيَأْتِي وَلَا حَقَّ لِلْقَاتِلِ فِي غُسْلِ الْمَقْتُولِ إنْ لَمْ يَرِثْهُ، عَمْدًا كَانَ الْقَتْلُ
أَوْ خَطَأً) لِمُبَالَغَتِهِ فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ نَقَلَ فِي الْفُرُوعِ مَعْنَاهُ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي قَالَ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ ذَكَرَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَتَّجِهُ فِي قَتْلٍ لَا يَأْثَمُ بِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَيْسَ لِآثِمٍ بِقَتْلٍ حَقٌّ فِي غُسْلِ مَقْتُولٍ. (وَلَا فِي الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ (وَ) لَا فِي (الدَّفْنِ) لِمَا سَبَقَ (وَغُسْلُ الْمَرْأَةِ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ، بَعْد وَصِيَّتِهَا عَلَى مَا سَبَقَ: أُمُّهَا وَإِنْ عَلَتْ، ثُمَّ بِنْتُهَا وَإِنْ نَزَلَتْ ثُمَّ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى كَمِيرَاثِ وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) فَتُقَدَّمُ الْأُخْتُ الشَّقِيقَةُ عَلَى الْأُخْتِ لِأَبٍ، كَمَا فِي الرِّجَالِ. (وَعَمَّتُهَا وَخَالَتُهَا سَوَاءٌ، كَبِنْتِ أُخْتِهَا وَبِنْتِ أَخِيهَا) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْقَرَابَةِ وَالْمَحْرَمِيَّةِ (ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ) بَعْدَ ذَوَاتِ الرَّحِمِ، كَمَا فِي الرِّجَالِ. (وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ، إنْ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً: غُسْلُ صَاحِبِهِ وَلَوْ) كَانَ الْمَوْتُ (قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَوْ وَضَعَتْ) الزَّوْجَةُ (عَقِبَ مَوْتِهِ) أَيْ مَوْتِ زَوْجِهَا (أَوْ) كَانَ الْمَوْتُ (بَعْدَ طَلَاقٍ رَجْعِيٍّ، مَا لَمْ تَتَزَوَّجُ) الْمَرْأَةُ الَّتِي وَضَعَتْ عَقِبَ مَوْتِ زَوْجِهَا فَلَا تُغَسِّلْهُ لِأَنَّهَا بِالتَّزَوُّجِ صَارَتْ صَالِحَةً لَأَنْ تُغَسِّلَ الثَّانِي لَوْ مَاتَ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَاسِلَةٌ لِزَوْجَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَالْأَصْلُ فِي تَغْسِيلِ كُلٍّ مِنْ الزَّوْجَيْنِ الْآخَرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِأَنْ تُغَسِّلَهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ فَغَسَّلَتْهُ وَغَسَّلَ أَبُو مُوسَى زَوْجَتَهُ أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ. وَقَوْلُ عَائِشَةَ لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَّا نِسَاؤُهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. وَأَوْصَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُهُ وَأَوْصَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ امْرَأَتَهُ أَنْ تُغَسِّلَهُ رَوَاهُمَا سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَقَوْلُهُ: إنْ لَمْ تَكُنْ الزَّوْجَةُ ذِمِّيَّةً، احْتِرَازًا عَمَّا لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَا تُغَسِّلْهُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَهْلًا لِغُسْلِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ وَ (لَا) تُغَسِّلْ (مَنْ أَبَانَهَا وَلَوْ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ) الْمَخُوفِ فِرَارًا، لِانْقِطَاعِ الزَّوْجِيَّةِ وَإِنَّمَا وَرِثَتْ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ بِقَصْدِهِ حِرْمَانَهَا. (وَيَنْظُرُ مَنْ غَسَّلَ مِنْهُمَا) أَيْ الزَّوْجَيْنِ صَاحِبَهُ غَيْرَ الْعَوْرَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وِفَاقًا لِجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَجَوَّزَهُ فِي الِانْتِصَارِ وَغَيْرِهِ بِلَا لَذَّةٍ وَاللَّمْسُ وَالْخَلْوَةُ وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ وَاخْتَلَفَ كَلَامُ الْقَاضِي فِي نَظَرِ الْفَرْجِ فَتَارَةً أَجَازَهُ بِلَا لَذَّةٍ، وَتَارَةً مَنَعَهُ. (وَلِسَيِّدٍ غُسْلُ أَمَتِهِ وَطِئَهَا أَوْ لَا وَأُمِّ وَلَدِهِ) وَأَمَتِهِ (كَالزَّوْجَيْنِ) فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يُغَسِّلَ الْآخَرَ وَيَنْظُرَ إلَى غَيْرِ الْعَوْرَةِ (وَيُغَسِّلَ) السَّيِّدُ (مُكَاتَبَتَهُ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَطْأَهَا) لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ كَفَنُهَا وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهَا وَدَفْنُهَا. (وَتُغَسِّلُهُ) أَيْ تُغَسِّلُ الْمُكَاتَبَةُ سَيِّدَهَا (إنْ شَرَطَهُ) أَيْ وَطْأَهَا لِإِبَاحَتِهَا لَهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَطْءَ مُكَاتَبَتِهِ (فَلَا) يُبَاحُ لَهَا أَنْ تُغَسِّلَهُ لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ
الْمَوْتِ (وَلَا يُغَسِّلُ) سَيِّدٌ (أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَلَا) أَمَتَهُ (الْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ) تَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ الْفُرُوعِ وَاسْتَشْكَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَمَعْنَاهُ أَيْضًا فِي الْإِنْصَافِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ الْمَعَالِي، وَإِلَّا كَيْفَ يُقَالُ: لَا يُغَسِّلُ السَّيِّدُ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ وَالْمُعْتَدَّةَ مِنْ زَوْجٍ. ثُمَّ يَحْكِي خِلَافًا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فِيمَا إذَا اجْتَمَعَ زَوْجٌ وَسَيِّدٌ - إلَى أَنْ قَالَ: فَيُقَالُ: الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ صِحَّةُ غُسْلِ السَّيِّدِ لِأَمَتِهِ الْمُعْتَدَّةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ وَأَبُو الْمَعَالِي يَقُولُ: لَا يُغَسِّلُهُمَا قَالَ: وَإِنْ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى هَذَا يَحْصُلْ التَّنَاقُضُ. (وَلَا) يُغَسِّلُ السَّيِّدُ (الْمُعْتِقُ بَعْضَهَا) لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ قَبْلَ مَوْتِهَا، وَمِثْلُهَا الْمُشْتَرَكَةُ (وَلَا) يُغَسِّلُ (مَنْ هِيَ فِي اسْتِبْرَاءٍ وَاجِبٍ) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يُغَسِّلُ الْمُعْتَدَّةَ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا (وَلَا تُغَسِّلْهُ) أَيْ تُغَسِّلْ الْأَمَةُ الْمُزَوَّجَةُ أَوْ الْمُعْتَدَّةُ مِنْ زَوْجٍ أَوْ الْمُعْتَقُ بَعْضُهَا أَوْ مَنْ هِيَ فِي اسْتِبْرَاءٍ وَاجِبٍ: سَيِّدَهَا وَفِيهِ فِي غَيْرِ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا: مَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ مَاتَ لَهُ أَقَارِبٌ) أَوْ مَوَالٍ الْأَوْلَى بِهِمْ غَيْرُهُ (دُفْعَةً وَاحِدَةً، بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ) كَغَرَقٍ وَطَاعُونٍ (وَلَمْ يَكُنْ تَجْهِيزُهُمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَخْوَفِ فَالْأَخْوَفِ) لِئَلَّا يَفْسُدَ بِتَأَخُّرِهِ (فَإِنْ اسْتَوَوْا) فِي الْخَوْفِ أَوْ عَدَمِهِ (بَدَأَ بِالْأَبِ ثُمَّ بِالِابْنِ، ثُمَّ بِالْأَقْرَبِ فَإِنْ اسْتَوَوْا كَالْأُخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ الْمُسْتَوِينَ قُدِّمَ أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ أَسَنُّهُمْ، ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَالتَّقْدِيمُ (بِقُرْعَةٍ) أَيْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ قُدِّمَ، لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ سِوَاهَا. (وَلِرَجُلٍ وَامْرَأَة غُسْلُ مَنْ لَهُ دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ بِدَلِيلِ أَنَّ إبْرَاهِيمَ بْنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَسَّلَهُ النِّسَاءُ. (وَلَوْ) كَانَ دُونَ السَّبْعِ سِنِينَ (بِلَحْظَةٍ، وَ) لِكُلٍّ مِنْهُمَا (مَسُّ عَوْرَتِهِ وَنَظَرُهَا) لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لَهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ: أَنَّ الْمَرْأَةَ تُغَسِّلُ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ، فَتُغَسِّلُهُ مُجَرَّدًا مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ وَتَمَسُّ عَوْرَتَهُ وَتَنْظُرُ إلَيْهَا (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الرَّجُلِ (غُسْلُ ابْنَةِ سَبْعِ) سِنِينَ (فَأَكْثَرَ، وَلَوْ) كَانَ (مَحْرَمًا) لَهَا كَأَبِيهَا وَابْنِهَا وَأَخِيهَا لِأَنَّهَا مَحَلٌّ لِلشَّهْوَةِ وَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى عَوْرَتِهَا الْمُغَلَّظَةِ أَشْبَهَتْ الْبَالِغَةَ. (وَلَا لَهَا) أَيْ وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ (غُسْلُ ابْنِ سَبْعِ) سِنِينَ (وَلَوْ) كَانَ (مَحْرَمًا) لَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ (غَيْرَ مَنْ تَقَدَّمَ فِيهِمَا) مِنْ تَغْسِيلِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَتَغْسِيلِهَا لَهُ. (وَإِنْ مَاتَ رَجُلٌ بَيْنَ نِسْوَةٍ لَا رَجُلَ مَعَهُنَّ) مِمَّنْ لَا يُبَاحُ لَهُنَّ غُسْلُهُ، بِأَنْ لَمْ يَكُنَّ زَوْجَاتِهِ وَلَا إمَائِهِ: يُمِّمَ بِحَائِلٍ (أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ، مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ (مِمَّنْ لَا يُبَاحُ لَهُمْ) أَيْ الرِّجَالِ (غُسْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ، بِأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ زَوْجُهَا وَلَا سَيِّدُهَا: يُمِّمَتْ لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ عَنْ وَاثِلَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ مَحْرَمٌ تُيَمَّمُ كَمَا يُيَمَّمُ الرِّجَالُ» وَلِأَنَّهُ لَا
فصل ستر عورة الميت عند غسله
يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ تَنْظِيفٌ وَلَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ، بَلْ رُبَّمَا كَثُرَتْ (أَوْ) مَاتَ (خُنْثَى مُشْكِلٌ) لَهُ سَبْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ أَمَةٌ لَهُ (يُمِّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ (بِحَائِلٍ) مِنْ خِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا يَلُفُّهَا عَلَى يَدِهِ، فَيُيَمِّمُ بِهَا الْمَيِّتَ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ حَتَّى لَا يَمَسَّهُ. (وَيَحْرُمُ) أَنْ يُيَمِّمَ (بِدُونِهِ) أَيْ دُونَ الْحَائِلِ (لِغَيْرِ مَحْرَمٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَسِّ (وَرَجُلٌ أَوْلَى بِتَيَمُّمِ خُنْثَى مُشْكِلٍ) مِنْ امْرَأَةٍ، إذَا مَاتَ الْخُنْثَى بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ لِأَنَّ الصِّنْفَيْنِ قَدْ اشْتَرَكَا فِي الْمَحْذُورِ وَامْتَازَ الرَّجُلُ بِفَضِيلَةِ الذُّكُورِيَّةِ لَكِنْ إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ مَعَ الرِّجَالِ وَفِيهِمْ صَبِيٌّ لَا شَهْوَةَ لَهُ عَلَّمُوهُ الْغُسْلَ وَبَاشَرَهُ نَصَّ عَلَيْهِ كَذَا الرَّجُلُ يَمُوتُ مَعَ نِسْوَةٍ فِيهِنَّ صَغِيرَةٌ تُطِيقُ الْغُسْلَ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ قُلْتُ: وَكَذَا الْخُنْثَى يَمُوتُ مَعَ رِجَالٍ أَوْ نِسْوَةٍ فِيهِنَّ صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ تُطِيقُهُ (وَإِنْ كَانَتْ لَهُ) أَيْ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (أَمَةٌ غَسَّلَتْهُ) لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أُنْثَى فَلَا كَلَامَ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَلِأَمَتِهِ أَنْ تُغَسِّلَهُ. [فَصْلُ سِتْر عَوْرَة الْمَيِّت عِنْد غسله] (فَصْلُ وَإِذَا أَخَذَ) أَيْ شَرَعَ (فِي غُسْلِهِ سَتَرَ عَوْرَتَهُ وُجُوبًا) وَهِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. وَفِي الْإِنْصَافِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِّهَا انْتَهَى وَعَلَيْهِ: فَيُسْتَرُ مِنْ ابْنِ سَبْعٍ إلَى عَشْرٍ الْفَرْجَانِ فَقَطْ، حَذَرًا مِنْ النَّظَرِ إلَيْهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ «لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُر إلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (لَا مَنْ) لَهُ (دُونَ سَبْعِ سِنِينَ) فَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ مُجَرَّدًا، لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ جَرَّدَهُ مِنْ ثِيَابِهِ نَدْبًا) لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْكَنُ فِي تَغْسِيلِهِ، وَأَبْلَغُ فِي تَطْهِيرِهِ وَأَشْبَهُ بِغُسْلِ الْحَيِّ وَأَصْوَنُ لَهُ مِنْ التَّنْجِيسِ إذْ يُحْتَمَل خُرُوجُهَا مِنْهُ وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ " لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا " وَالظَّاهِرُ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُمْ بِهِ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا) فَإِنَّهُمْ " لَمَّا اخْتَلَفُوا هَلْ يُجَرِّدُونَهُ أَوْ لَا أَوْقَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ النَّوْمَ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنْ غَسِّلُوا الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ فَقَامُوا إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَغَسَّلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ، وَيُدَلِّكُونَ، بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ فَضَلَاتِهِ كُلَّهَا طَاهِرَةٌ، فَلَمْ يُخْشَ
تَنْجِيسُ قَمِيصِهِ. (وَلَوْ غَسَّلَهُ فِي قَمِيصٍ خَفِيفٍ وَاسِعِ الْكُمَّيْنِ جَازَ) قَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُغَسَّلَ وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ، يُدْخِلُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الثَّوْبِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاسِعَ الْكُمَّيْنِ تَوَجَّهَ أَنْ يَفْتِقَ رُءُوسَ الدَّخَارِيصِ وَيُدْخِلَ يَدَهُ مِنْهَا. (وَ) يُسَنُّ (سَتْرُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ حَالَةَ الْغُسْلِ (عَنْ الْعُيُونِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ بِهِ عَيْبٌ يَسْتُرُهُ فِي حَيَاتِهِ أَوْ تَظْهَرُ عَوْرَتُهُ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ الْمَيِّتُ مُظْلِمًا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَأَنْ يُغَسَّلَ (تَحْتَ سِتْرٍ أَوْ سَقْفٍ وَنَحْوِهِ) كَخَيْمَةٍ، لِئَلَّا يَسْتَقْبِلَ السَّمَاءَ بِعَوْرَتِهِ. (وَيُكْرَهُ النَّظَرُ إلَيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ حَتَّى الْغَاسِلِ فَلَا يَنْظُرُ إلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لِأَنَّ جَمِيعَهُ صَارَ عَوْرَةً) إكْرَامًا لَهُ (فَلِهَذَا شُرِعَ سَتْرُ جَمِيعِهِ) أَيْ بِالتَّكْفِينِ (انْتَهَى) قَالَ: فَيَحْرُمُ نَظَرُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَهُ إلَّا مَنْ يُعِينُ فِي أَمْرِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) كُرِهَ (أَنْ يَحْضُرَهُ) أَيْ غُسْلَهُ (غَيْرُ مَنْ يُعِينُ فِي غُسْلِهِ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا حَدَثَ مَا يَكْرَهُ الْحَيُّ أَنْ يَطَّلِعَ مِنْهُ عَلَى مِثْلِهِ وَرُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مُنْكَرٌ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ فَيَكُونُ فَضِيحَةً وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَى حُضُورِهِ بِخِلَافِ مَنْ يُعِينُ الْغَاسِلَ بِصَبٍّ وَنَحْوِهِ (إلَّا وَلِيُّهُ فَلَهُ الدُّخُولُ كَيْفَ شَاءَ) قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ. (وَلَا يُغَطِّي وَجْهَهُ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ لَا أَصْلَ لَهُ (وَيُسْتَحَبُّ خَضْبُ لِحْيَةِ رَجُلٍ وَرَأْسِ امْرَأَةٍ وَلَوْ غَيْرَ شَائِبَيْنِ بِحِنَّاءٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ " اصْنَعُوا بِمَوْتَاكُمْ مَا تَصْنَعُونَ بِعَرَائِسِكُمْ " (ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ فِي أَوَّلِ غُسْلِهِ إلَى قَرِيبٍ مِنْ، جُلُوسِهِ وَلَا يُشَقَّ عَلَيْهِ وَيَعْصِرُ بَطْنَ غَيْرِ حَامِلٍ: بِيَدِهِ) لِيُخْرِج مَا فِي بَطْنِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ بِخِلَافِ الْحَامِلِ لِخَبَرٍ رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَلِأَنَّهُ يُؤْذِي الْحَمْلَ (عَصْرًا رَفِيقًا) لِأَنَّ الْمَيِّتَ فِي مَحَلِّ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ (وَيُكْثِرُ صَبَّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ) لِيَذْهَبَ مَا خَرَجَ وَلَا تَظْهَرُ رَائِحَةٌ (وَيَكُونُ ثَمَّ) أَيْ هُنَاكَ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُغَسَّلُ فِيهِ (بَخُورٌ) عَلَى وَزْن رَسُولٍ لِئَلَّا يَتَأَذَّى بِرَائِحَةِ الْخَارِجِ (ثُمَّ يَلُفُّ) الْغَاسِلُ عَلَى يَدِهِ (خِرْقَةً خَشِنَةً، أَوْ يُدْخِلُهَا) أَيْ يَدَهُ (فِي كِيسٍ فَيُنْجِي بِهَا أَحَدَ فَرْجَيْهِ، ثُمَّ) يَأْخُذُ خِرْقَةً (ثَانِيَةً لِلْفَرَجِ الثَّانِي) فَيُنْجِيهِ بِهَا إزَالَةً لِلنَّجَاسَةِ وَطَهَارَةً لِلْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّي النَّجَاسَةِ إلَى الْغَاسِلِ وَاعْتَبَرَ لِكُلِّ فَرْجٍ خِرْقَةً، لِأَنَّ كُلَّ خِرْقَةٍ خَرَجَ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَةِ لَا يُعْتَدُّ بِهَا، إلَّا أَنْ تُغْسَلَ وَظَاهِرُ الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا: تَكْفِيهِ خِرْقَةٌ وَقَالَهُ فِي الْمُجَرَّدِ (وَلَا يَحِلُّ مَسُّ عَوْرَة مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ)
بِغَيْرِ حَائِلٍ (وَلَا النَّظَرُ إلَيْهَا) لِأَنَّ التَّطْهِيرَ يُمْكِنُ بِدُونِ ذَلِكَ فَأَشْبَهَ حَالَ الْحَيَاةِ وَذَكَرَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلِيًّا حِينَ غَسَّلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَفَّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً حِينَ غَسَلَ فَرْجَهُ " (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَمَسَّ سَائِرَ بَدَنِهِ إلَّا بِخِرْقَةٍ) لِفِعْلِ عَلِيٍّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلِيَأْمَنَ مَسَّ الْعَوْرَةِ الْمُحَرَّمِ مَسُّهَا ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ فَحِينَئِذٍ يُعِدُّ الْغَاسِلُ ثَلَاثَ خِرَقٍ، خِرْقَتَيْنِ لِلسَّبِيلَيْنِ، وَالثَّالِثَةَ لِبَقِيَّةِ بَدَنِهِ. (وَلَا يَجِبُ فِعْلُ الْغُسْلِ فَلَوْ تُرِكَ) الْمَيِّتُ (تَحْتَ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُصَبُّ مِنْهُ الْمَاءُ (وَحَضَرَهُ أَهْلٌ لِغُسْلِهِ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ (وَنَوَى) غُسْلَهُ (وَمَضَى زَمَنُ يُمْكِنُ غُسْلُهُ فِيهِ) يَعْنِي وَعَمَّهُ الْمَاءُ (صَحَّ) ذَلِكَ وَأَجْزَأَ، لِأَنَّ الْقَصْدَ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ وَقَدْ حَصَلَ كَالْحَيِّ وَهَذَا يَرُدَّ مَا سَبَقَ فِيمَا إذَا مَاتَتْ امْرَأَةٌ بَيْنَ رِجَالٍ وَعَكْسِهِ. (ثُمَّ يَنْوِي) غَاسِلُ الْمَيِّتِ بَعْدَ تَجْرِيدِهِ وَسَتْرِ عَوْرَتِهِ وَتَنْجِيَتِهِ (غُسْلَهُ) لِتَعَذُّرِ النِّيَّةِ مِنْ الْمَيِّتِ وَقِيَامِ الْغَاسِلِ مُقَامَهُ. (وَنِيَّتُهُ) أَيْ الْغُسْلِ (فَرْضٌ) فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهُ بِدُونِهَا لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» لَكِنْ عَدَّهَا شَرْطًا أَنْسَبُ بِمَا تَقَدَّمَ (وَكَذَا تَعْمِيمُ بَدَنِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (بِهِ) أَيْ بِالْمَاءِ فَإِنَّهُ فَرْضٌ كَالْحَيِّ (ثُمَّ يُسَمِّي) الْغَاسِلُ، فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مُقَامَهَا (وَحُكْمُهَا) أَيْ التَّسْمِيَةِ هُنَا (حُكْمُ تَسْمِيَةِ وُضُوءِ وَغُسْلِ حَيٍّ) فَتَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ وَتَسْقُطُ سَهْوًا قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ (ثُمَّ يَغْسِلُ) الْغَاسِلُ (كَفَّيْهِ) أَيْ الْمَيِّتِ نَدْبًا كَغُسْلِ الْحَيِّ (وَيَعْتَبِرُ غُسْلَ مَا عَلَيْهِ مِنْ نَجَاسَةٍ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَطْهِيرُهُ. وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِذَلِكَ قُلْتُ: وَمُقْتَضَى مَا سَبَقَ فِي الْحَيِّ: لَا يَجِبُ غَسْلُ النَّجَاسَةِ قَبْلَ غُسْلِهِ، إنْ لَمْ تَمْنَعْ وُصُولَ الْمَاءِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ حَدَثٌ قَبْلَ زَوَالِ حُكْمِ خَبَثٍ (وَلَا يَكْفِي مَسْحُهَا) أَيْ النَّجَاسَةِ (وَلَا وُصُولُ الْمَاءِ إلَيْهَا) بَلْ لَا بُدَّ مِنْ الْغُسْلِ وَسَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا لَكِنْ قَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَدَّ الْخَارِجُ، أَيْ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مَوْضِعَ الْعَادَةِ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَكْفِي فِيهِ الِاسْتِجْمَارُ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُدْخِلَ أُصْبُعَهُ السَّبَّابَةَ وَالْإِبْهَامَ عَلَيْهِمَا خِرْقَةٌ) صِيَانَةً لِلْيَدِ وَإِكْرَامًا لِلْمَيِّتِ (خَشِنَةً مَبْلُولَةً بِالْمَاءِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ، فَيَمْسَحُ أَسْنَانَهُ وَ) فِي (مَنْخِرَيْهِ وَيُنَظِّفُهُمَا) لِإِزَالَةِ مَا عَلَى تِلْكَ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْأَذَى (وَلَا يُدْخِلُهُ) أَيْ الْمَاءَ (فِيهِمَا) أَيْ الْفَمِ وَالْأَنْفِ لِأَنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ حَرَّكَ النَّجَاسَةَ. (وَيَتَتَبَّعُ مَا تَحْتَ أَظَافِرِهِ) مِنْ وَسَخٍ (بِعُودٍ) لِيَصِلَ الْمَاءُ إلَى مَحَلِّهِ (إنْ لَمْ يُمْكِنْ قَلْمُهَا) فَإِنْ أَمْكَنَ قَلَمَهَا. (وَيُسَنُّ) لِلْغَاسِلِ (أَنْ يُوَضِّئَهُ فِي أَوَّلِ غَسَلَاتِهِ كَوُضُوءِ حَدَثٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي غُسْلِ ابْنَتِهِ «ابْدَأْنَ
بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا» وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (مَا خَلَا الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهُمَا وُصُولُ الْمَاءِ إلَى جَوْفِهِ فَيُفْضِي إلَى، الْمُثْلَةِ وَرُبَّمَا حَصَلَ مِنْهُ الِانْفِجَارُ وَبِهَذَا عَلَّلَ أَحْمَدُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَمَحَلُّ كَوْنِ الْوُضُوءِ فِي الْغَسْلَةَ الْأُولَى دُونَ بَاقِي الْغَسَلَاتِ (إنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ شَيْءٌ فَإِنْ خَرَجَ) مِنْهُ شَيْءٌ (أُعِيدَ وُضُوءُهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ مُسْتَحَبّ، لِقِيَامِ مُوجِبِهِ وَهُوَ زَوَالُ عَقْلِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي وَابْنِ الزَّاغُونِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ. (وَيَأْتِي حُكْمُ) إعَادَةِ (غُسْلِهِ) إذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَيُجْزِئُ غُسْلُهُ مُرَّةً) كَالْحَيِّ (وَكَذَا لَوْ نَوَى) الْغَاسِلُ (وَسَمَّى وَغَمَسَهُ فِي مَاءٍ كَثِيرٍ) مَرَّةً (وَاحِدَةً) فَإِنَّهُ يُجْزِئُ كَغُسْلِ الْحَيِّ. (وَيُكْرَهُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا» . (وَيُسَنُّ ضَرْبُ سِدْرٍ) وَنَحْوِهِ كَخِطْمِيٍّ (فَيَغْسِلُ بِرَغْوَتِهِ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ (رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فَقَطْ) لِأَنَّ الرَّأْسَ أَشْرَفُ الْأَعْضَاءِ وَلِهَذَا جُعِلَ كَشْفُهُ شِعَارُ الْإِحْرَامِ وَهُوَ مَجْمَعُ الْحَوَاسِّ الشَّرِيفَةِ وَلِأَنَّ الرَّغْوَةَ تُزِيلُ الدَّرَنَ وَتَتَعَلَّقُ بِالشَّعْرِ فَنَاسَبَ أَنْ تُغْسَلَ بِهَا اللِّحْيَةُ لِتَزُولَ الرَّغْوَةُ بِمُجَرَّدِ جَرْيِ الْمَاءِ عَلَيْهَا بِخِلَافِ ثُفْلِ السِّدْرِ. (وَ) يُغْسَلُ بَاقِي (بَدَنِهِ بِالثُّفْلِ) أَيْ ثُفْلِ السِّدْرِ (وَيَقُومُ الْخِطْمِيُّ وَنَحْوُهُ مَقَامَ السِّدْرِ) لِحُصُولِ الْإِنْقَاءِ بِهِ (وَيَكُونُ السِّدْرُ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ) مِنْ الثَّلَاثِ فَأَكْثَرَ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ حَامِدٍ أَنْ يَكُونَ السِّدْرُ يَسِيرًا وَقَالَ: إنَّهُ الَّذِي وُجِدَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا لِيُجْمَعَ بَيْنَ الْعَمَلِ بِالْخَبَرِ وَيَكُونُ الْمَاءُ بَاقِيًا عَلَى إطْلَاقِهِ وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: يُغَسَّلُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، ثُمَّ يُغَسَّلُ، ذَلِكَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ فَيَكُونُ الْجَمِيعُ غَسْلَةً وَاحِدَةً وَالِاعْتِدَادُ بِالْآخِرِ مِنْهَا لِأَنَّ أَحْمَدَ شَبَّهَ غُسْلَهُ بِغُسْلِ الْجَنَابَةِ وَلِأَنَّ السِّدْرَ إنْ كَثُرَ سَلَبَ الطَّهُورِيَّةَ وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْهُ فَلَا فَائِدَةَ فِي تَرْكِ يَسِيرٍ لَا يُغَيِّرُ. (وَيُسَنُّ تَيَامُنُهُ فَيُغَسَّلُ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ مِنْ نَحْوِ رَأْسِهِ إلَى نَحْوِ رِجْلَيْهِ يُبْدَأُ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ، ثُمَّ) يَدِهِ الْيُمْنَى (إلَى الْكَتِفِ ثُمَّ) كَتِفِهِ وَشِقِّ صَدْرِهِ وَفَخِذِهِ وَسَاقِهِ (إلَى الرِّجْلِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ كَذَلِكَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا» وَلِأَنَّهُ مَسْنُونٌ فِي غُسْلِ الْحَيِّ فَكَذَا الْمَيِّتُ. (وَيُقَلِّبُهُ) الْغَاسِلُ (عَلَى جَنْبِهِ مَعَ غُسْلِ شِقَّيْهِ، فَيَرْفَعُ جَانِبَهُ الْأَيْمَنَ، وَيَغْسِلُ ظَهْرَهُ وَوَرِكَهُ وَفَخِذَهُ وَيَفْعَلُ الْأَيْسَرَ كَذَلِكَ وَلَا يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ) إكْرَامًا لَهُ (ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ الْقَرَاحَ عَلَى جَمِيعِ بَدَنِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ غَسْلَةً وَاحِدَةً، يَجْمَعُ فِيهَا بَيْنَ السِّدْرِ وَالْمَاءِ الْقَرَاحِ) كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي وَأَبِي الْخَطَّابِ (يُفْعَل ذَلِكَ) الْمَذْكُورَ فِيمَا تَقَدَّمَ (ثَلَاثًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلنِّسَاءِ
اللَّاتِي غَسَّلْنَ ابْنَتَهُ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ» (إلَّا أَنَّ الْوُضُوءَ) يَكُونُ (فِي) الْمَرَّةِ (الْأُولَى فَقَطْ) مِنْ الْغَسَلَاتِ إنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ وَتَقَدَّمَ (يُمِرُّ) الْغَاسِلُ (فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ) بِرِفْقٍ إخْرَاجًا لِمَا تَخَلَّفَ وَأَمْنًا مِنْ فَسَادِ الْغُسْلِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَعْدُ (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ) الْمَيِّتُ (بِالثَّلَاثِ) الْغَسَلَاتِ (غَسَّلَهُ إلَى سَبْعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يُنَقَّ بِسَبْعِ) غَسَلَاتٍ (فَالْأَوْلَى غُسْلُهُ حَتَّى يُنَقَّى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إنْ رَأَيْتُنَّ ". (وَيَقْطَعُ عَلَى وَتْرٍ) لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ وُضُوءٍ» فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى خَاصَّةً، كَمَا تَقَدَّمَ، إنْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ. (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (شَيْءٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بَعْدَ الثَّلَاثِ أُعِيدَ وُضُوءُهُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى: وُجُوبًا كَالْجُنُبِ، لِمَا سَبَقَ إذَا أَحْدَثَ بَعْدَ غُسْلِهِ، لِتَكُونَ طَهَارَتُهُ كَامِلَةً وَعَنْهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ. (وَوَجَبَ غُسْلُهُ كُلَّمَا خَرَجَ) مِنْهُ شَيْءٌ (إلَى سَبْعٍ) لِمَا سَبَقَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا كَرَّرَ الْأَمْرَ بِغَسْلِهَا مِنْ أَجْلِ تَوَقُّعِ النَّجَاسَةِ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ أَنْ يَكُونَ خَاتِمَةَ أَمْرِهِ الطَّهَارَةُ الْكَامِلَةُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَوْتَ جَرَى مَجْرَى زَوَالِ الْعَقْلِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ فِي الدَّمِ هُوَ أَسْهَلُ. (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (شَيْءٌ مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا بَعْدَ السَّبْعِ غُسِلَتْ النَّجَاسَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فِي أَجْزَاءِ الِاسْتِجْمَارِ (وَوُضِّئَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا غُسْلَ) أَيْ لَا يُعَادُ غُسْلُهُ بَعْدَ السَّبْعِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ (لَكِنْ يَحْشُوهُ) أَيْ الْمَخْرَجَ (بِالْقُطْنِ أَوْ يُلْجَمُ بِهِ) أَيْ الْقُطْنِ (كَمَا تَفْعَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ (فَإِنْ لَمْ يُمْسِكْهُ ذَلِكَ) أَيْ الْحَشْوُ بِالْقُطْنِ أَوْ التَّلَجُّمُ بِهِ (حُشِيَ) الْمَحَلُّ (بِالطِّينِ الْحُرِّ) بِضَمِّ الْحَاءِ أَيْ الْخَالِصِ (الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ تُمْسِكُ الْمَحَلَّ) لِيُمْنَعَ الْخَارِجَ. (وَلَا يُكْرَهُ حَشْوُ الْمَحَلِّ إنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ (وَإِنْ خِيفَ خُرُوجُ شَيْءٍ) كَدَمٍ (مِنْ مَنَافِذِ وَجْهِهِ) كَفَمِهِ وَأَنْفِهِ (فَلَا بَأْسَ أَنْ يُحْشَى بِقُطْنٍ) دَفْعًا لِتِلْكَ الْمَفْسَدَةِ. (وَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (شَيْءٌ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي أَكْفَانِهِ وَلَفِّهَا عَلَيْهِ حُمِلَ وَلَمْ يُعَدْ غُسْلٌ وَلَا وُضُوءٌ سَوَاءٌ كَانَ) ذَلِكَ (فِي السَّابِعَةِ أَوْ قَبْلَهَا) وَسَوَاءٌ كَانَ الْخَارِجُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ لِأَنَّهُ يُحْتَاجُ إلَى إخْرَاجِهِ وَإِعَادَةِ غُسْلِهِ، وَتَطْهِيرِ أَكْفَانِهِ وَتَجْفِيفِهَا أَوْ إبْدَالِهَا فَيَتَأَخَّرُ دَفْنُهُ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ ثُمَّ لَا يُؤْمَنُ مِثْلُ هَذَا بَعْدَهُ وَإِنْ وُضِعَ عَلَى الْكَفَنِ وَلَمْ يُلَفَّ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أُعِيدَ غُسْلُهُ قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَيُسَنّ أَنْ يَجْعَلَ) الْغَاسِلُ (فِي) الْغَسْلَةِ (الْأَخِيرَةِ كَافُورًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يُصْلِبُ الْجِسْمَ وَيُبَرِّدُهُ وَيُطَيِّبُهُ وَيَطْرُدُ عَنْهُ الْهَوَامَّ. (وَ) أَنْ يَجْعَلَ فِي الْأَخِيرَةِ (سِدْرًا)
كَسَائِرِ الْغَسَلَاتِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَغَسْلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَفْضَلُ) لِأَنَّ الْمُسَخَّنَ يُرْخِيهِ وَلَمْ تَرِدْ بِهِ السُّنَّةُ (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ بِمَاءٍ حَارٍّ) إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِشِدَّةِ بَرْدٍ أَوْ وَسَخٍ لَا يَزُولُ إلَّا بِهِ وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ حَامِدٍ لِأَنَّهُ يُنَقِّي مَا لَا يُنَقِّي الْمَاءُ الْبَارِدُ (وَ) لَا بَأْسَ بِ (خِلَالٍ) إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ لِإِزَالَةِ وَسَخٍ لِأَنَّ إزَالَتَهُ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا. (وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ) الْخِلَالُ (مِنْ شَجَرَةٍ لَيِّنَةٍ كَالصَّفْصَافِ) بِالْفَتْحِ: الْخِلَافُ، بِلُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ (وَنَحْوِهِ مِمَّا يُنْقِي وَلَا يَجْرَحُ) لِأَنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ. (وَإِنْ جَعَلَ) الْغَاسِلُ وَنَحْوُهُ (عَلَى رَأْسِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (قُطْنًا فَحَسَنٌ) لِشَرَفِهِ (وَيُزِيلُ) الْغَاسِلُ (مَا بِأَنْفِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (وَصِمَاخَيْهِ مِنْ أَذًى) تَكْمِيلًا لِطَهَارَتِهِ. (وَ) لَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ بِ (أُشْنَانٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِنَّ) أَيْ الْمَاءِ الْحَارِّ وَالْخِلَالِ، وَالْأُشْنَانِ لِوَسَخٍ أَوْ نَحْوِهِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُحْتَجْ إلَيْهِنَّ (كُرِهَ فِي الْكُلِّ) لِأَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تَرِدْ بِهِ، وَمَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يَكُونُ كَالْعَبَثِ. (وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ شَيْخًا أَوْ بِهِ حَدَبٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ وَأَمْكَنَ تَمْدِيدُهُ بِالتَّلْيِينِ وَالْمَاءِ الْحَارِّ فُعِلَ ذَلِكَ) إزَالَةً لِلْمُثْلَةِ. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ) ذَلِكَ (إلَّا بِعَسْفٍ تَرَكَهُ بِحَالِهِ) دَفْعًا لِأَذَاهُ بِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ (عَلَى صِفَةٍ لَا يُمْكِنُ تَرْكُهُ عَلَى النَّعْشِ إلَّا عَلَى وَجْهٍ يُشْهِرُهُ بِالْمُثْلَةِ تُرِكَ فِي تَابُوتٍ أَوْ) تُرِكَ فِي النَّعْشِ (تَحْتَ، مِكَبَّةٍ كَمَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ) سَتْرًا لِذَلِكَ (وَيَأْتِي فِي فَصْلِ الْحَمْلِ) أَيْ حَمْلِ الْمَيِّتِ. (وَلَا بَأْسَ بِغُسْلِهِ فِي حَمَّامٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَكَالْحَيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ الْمَاء حَارًّا كُرِهَ بِلَا حَاجَةٍ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِمُخَاطَبَتِهِ) أَيْ الْغَاسِلِ (لَهُ) أَيْ لِلْمَيِّتِ (حَالَ غُسْلِهِ، بِنَحْوِ انْقَلِبْ يَرْحَمْكَ اللَّهُ) لِقَوْلِ الْفَضْلِ وَهُوَ مُحْتَضِنٌ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَرِحْنِي ارْحَمْنِي فَقَدْ قَطَعْتَ وَتِينِي إنِّي أَجِدُ شَيْئًا يَتَنَزَّلُ عَلَيَّ وَقَالَ عَلِيٌّ لَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا يَجِدُهُ مِنْ سَائِرِ الْمَوْتَى يَا رَسُولَ اللَّهِ طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا " (وَلَا يَغْتَسِلُ غَاسِلُهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (بِفَضْلِ مَاءٍ سَاخِنٍ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ تَرَكَهُ حَتَّى يَبْرُدَ) قَالَهُ أَحْمَدُ ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ. (وَيَقُصُّ شَارِبَ غَيْرِ مُحْرِمٍ وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ إنْ طَالَتْ وَيَأْخُذُ شَعْرَ إبِطِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَنْظِيفٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ عُضْوٍ أَشْبَهَ إزَالَةَ الْأَوْسَاخِ وَالْأَدْرَانِ وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ الْعُمُومَاتِ فِي سُنَنِ الْفِطْرَةِ (وَيَجْعَلُ ذَلِكَ) أَيْ مَا أَخَذَ مِنْ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ وَشَعْرِ الْإِبْطَيْنِ (مَعَهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (كَعُضْوٍ سَاقِطٍ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مَسَائِلِ صَالِحٍ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ " تُغْسَلُ رَأْسُ الْمَيِّتَةِ فَمَا سَقَطَ مِنْ شَعْرِهَا فِي أَيْدِيهِمْ غَسَلُوهُ ثُمَّ رَدُّوهُ فِي رَأْسِهَا " وَلِأَنَّ دَفْنَ الشَّعْرِ وَالظُّفْرِ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ الْحَيِّ فَفِي حَقِّ الْمَيِّتِ أَوْلَى. (وَيُعَادُ غُسْلُهُ) أَيْ غُسْلُ مَا أُخِذَ مِنْ الْمَيِّتِ
مِنْ شَعْرِ شَارِبٍ وَأَظْفَارٍ وَشَعْرِ إبِطٍ لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ فِيمَا تَقَدَّمَ " غَسِّلُوهُ ثُمَّ رُدُّوهُ " إلَى آخِرِهِ. (وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهُ) أَيْ الْمَيِّتِ (كَعُضْوٍ) مِنْ أَعْضَائِهِ (وَالْمُرَادُ: يُسْتَحَبُّ) إعَادَةُ غُسْلِ الْمَأْخُوذِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِلِاكْتِفَاءِ بِغُسْلِهِ أَوَّلًا. (وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ، أَوْ كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ مَقْطُوعَةً) لُفِّقَ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ بِالتَّقْمِيطِ وَالطِّينِ الْحُرِّ حَتَّى لَا يَتَبَيَّنَ تَشْوِيهُهُ. (فَإِنْ فُقِدَ مِنْهَا) أَيْ أَعْضَاءِ الْمَيِّتِ شَيْءٌ لَمْ يُجْعَلُ لَهُ شَكْلٌ مِنْ طِينٍ وَلَا غَيْرِهِ لِأَنَّهُ تَصْوِيرٌ. (وَإِنْ كَانَ فِي أَسْنَانِهِ شَيْءٌ) مِنْهَا (يَتَحَرَّكُ وَخِيفَ سُقُوطُهُ تُرِكَ) بِحَالِهِ (وَلَمْ يُنْزَعْ وَنَصَّ أَنَّهُ يُرْبَطُ بِذَهَبٍ) كَالْحَيِّ (فَإِنْ سَقَطَ) شَيْءٌ مِنْ أَسْنَانِ الْمَيِّتِ (لَمْ يُرْبَطْ بِهِ) أَيْ بِالذَّهَبِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَجُعِلَ مَعَ الْمَيِّتِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَيُؤْخَذُ) أَيْ مَا عَلَى سِنِّهِ مِنْ ذَهَبٍ كَانَ رُبِطَ بِهِ (إنْ لَمْ يَسْقُطْ) سِنُّهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَإِلَّا تُرِكَ حَتَّى يَبْلَى. (وَيَحْرُمُ حَلْقُ شَعْرِ عَانَتِهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ لَمْسِ عَوْرَتِهِ. وَرُبَّمَا احْتَاجَ إلَى نَظَرِهَا وَهُوَ مُحَرَّمٌ فَلَا يُرْتَكَبُ مِنْ أَجَلِ مَنْدُوبٍ وَيَحْرُمُ حَلْقُ شَعْرِ (رَأْسِهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ لِزِينَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَالْمَيِّتُ لَا نُسُكَ عَلَيْهِ وَلَا يُزَيَّنُ. (وَ) يَحْرُمُ (خَتْنُهُ) إنْ كَانَ أَقْلَفَ لِأَنَّهُ قَطْعٌ لِبَعْضِ عُضْوٍ مِنْ الْمَيِّتِ وَلِأَنَّ التَّعَبُّدَ بِذَلِكَ قَدْ زَالَ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخِتَانِ التَّطْهِيرُ مِنْ النَّجَاسَةِ وَقَدْ زَالَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ. (وَلَا يُسَرِّحُ شَعْرَهُ قَالَ الْقَاضِي يُكْرَهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْطِيعِ الشَّعْرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا " مَرَّتْ بِقَوْمٍ يُسَرِّحُونَ شَعْرَ مَيِّت فَنَهَتْهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: عَلَامَ تَنُصُّونَ مَيِّتَكُمْ؟ " أَيْ لَا تُسَرِّحُوا رَأْسَهُ بِالْمُشْطِ لِأَنَّهُ يُقَطِّعُ الشَّعْرَ وَيَنْتِفُهُ. (وَيَبْقَى عَظْمٌ نَجِسٌ جُبِرَ بِهِ) الْمَيِّتُ قَبْلَ مَوْتِهِ (مَعَ مُثْلَةٍ) وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ (وَتُزَالُ اللَّصُوقُ) بِفَتْحِ اللَّامِ: مَا يُلْصَقُ عَلَى الْجُرْحِ مِنْ الدَّوَاءِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْخِرْقَةِ وَنَحْوِهَا إذَا شُدَّتْ عَلَى الْعُضْوِ لِلتَّدَاوِي قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (لِغَسْلٍ وَاجِبٍ فَيُغْسَلُ مَا تَحْتَهَا) لِيَحْصُلَ تَعْمِيمُ الْبَدَنِ بِالْغُسْلِ وَكَالْحَيِّ (فَإِنْ خِيفَ مِنْ قَلْعِهَا مُثْلَةٌ) بِأَنْ خِيفَ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ بِإِزَالَتِهَا وَنَحْوِهِ (مُسِحَ عَلَيْهَا) كَجَبِيرَةِ الْحَيِّ. (وَلَا يَبْقَى خَاتَمٌ وَنَحْوُهُ) كَخَلْخَالٍ. (وَلَوْ بِبُرْدِهِ كَحَلْقَةٍ فِي أُذُنِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ تَرْكَ ذَلِكَ مَعَهُ إضَاعَةٌ لِلْمَالِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ وَ (لَا) يُزَالُ عَنْهُ (أَنْفُ ذَهَبٍ) لِمَا فِي إزَالَتِهِ مِنْ الْمُثْلَةِ (وَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ وَيُسَنُّ ضَفْرُ شَعْرِ الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةَ قُرُونٍ أَيْ ضَفَائِرَ قَرْنَيْهَا وَنَاصِيَتِهَا وَيُسْدَلُ خَلْفَهَا) لِقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ " فَضَفَرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ وَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (قِيلَ) لِلْإِمَامِ (أَحْمَدَ فِي الْعَرُوسِ تَمُوتُ فَتُجَلَّى، فَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا) لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ، خُصُوصًا مَعَ مَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ. (فَإِذَا فَرَغَ) الْغَاسِلُ (مِنْ غُسْلِهِ نَشَّفَهُ بِثَوْبٍ نَدْبًا) لِأَنَّهُ هَكَذَا
فصل غسل شهيد المعركة
فُعِلَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يَبْتَلَّ فَيَفْسُدَ بِهِ (وَلَا يَتَنَجَّسُ مَا نُشِّفَ بِهِ) الْمَيِّتُ مِنْ ثَوْب أَوْ نَحْوِهِ (لِعَدَمِ نَجَاسَتِهِ بِالْمَوْتِ) لِحَدِيثِ «سُبْحَانَ اللَّهِ الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجَسُ» . (وَمُحْرِمٌ مَيِّتٌ كَهُوَ) أَيْ كَمُحْرِمٍ (حَيٍّ `) لِبَقَاءِ إحْرَامِهِ (فَيُجَنَّبُ) الْمُحَرَّمَ (فِي حَيَاتِهِ لِبَقَاءِ الْإِحْرَامِ لَكِنْ لَا يَجِبُ الْفِدَاءُ عَلَى الْفَاعِلِ بِهِ مَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ لَوْ فَعَلَهُ حَيًّا) فَلَوْ أَلْبَسُهُ أَحَدٌ الْمِخْيَطَ، أَوْ طَيَّبَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ الْفِدْيَةُ (وَيُسْتَرُ) الْمُحْرِمُ (عَلَى نَعْشِهِ بِشَيْءٍ) كَغَيْرِهِ (وَيُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْهِ نَصًّا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي مُحْرِمٍ مَاتَ «غَسِّلُوهُ ` بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» . وَلِلنَّسَائِيِّ «وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُحْرِمًا» (وَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ) عَلَى ثَوْبِهِ إذَا كُفِّنَ (كَبَقِيَّةِ كَفَنٍ حَلَالٍ) فِي ثَلَاثِ لَفَائِفٍ (فَيُغْسَلُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَلَا يُلَبَّسُ ذَكَرٌ الْمِخْيَطَ، وَيُغَطَّى وَجْهُهُ وَرِجْلَاهُ وَسَائِرُ بَدَنِهِ، لَا رَأْسَهُ وَلَا وَجْه أُنْثَى، وَلَا يُقَرَّبُ طِيبًا) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَلَا تُمْنَعُ مِنْهُ) أَيْ الطِّيبِ (مُعْتَدَّةٌ مَاتَتْ) لِأَنَّ مَنْعَهَا مِنْهُ حَالَ الْحَيَاةِ لِأَنَّهُ يَدْعُو إلَى نِكَاحِهَا وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِمَوْتِهَا. (وَلَا يُوقَفُ) الْمُحْرِمُ (بِعَرَفَةَ إنْ مَاتَ قَبْلَهُ، وَلَا يُطَافُ بِهِ) بِدَلِيلِ الْمُحْرِمِ الَّذِي مَاتَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِأَنَّهُ لَا يُحِسُّ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ جُنَّ. [فَصْلٌ غُسْلُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ] (فَصْلٌ وَيَحْرُم غُسْلُ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ الْمَقْتُولِ بِأَيْدِيهِمْ) . جَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي وَحَكَى رِوَايَةً وَاحِدَةً لِأَنَّهُ أَثَرُ الشَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَهُوَ حَيٌّ قَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: لَا يَجُوزُ غُسْلُهُ، وَكَلَامُ الْمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ: يَحْتَمِلُ الْكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ، ذَكَرَ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ لَمْ أَقِفْ بِتَصْرِيحٍ لِأَصْحَابِنَا هَلْ غُسْلُ الشَّهِيدِ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ فَيَحْتَمِلُ الْحُرْمَةَ لِمُخَالِفَةِ الْأَمْرِ وَقَطَعَ فِي التَّنْقِيحِ بِأَنَّهُ يُكْرَهُ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى مَعَ قَوْلِهِمَا وَيَجِبُ بَقَاءُ دَمِ شَهِيدٍ عَلَيْهِ. (وَلَوْ) كَانَ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ (غَيْرَ مُكَلَّفٍ، أَوْ) كَانَ (غَالًّا) كَتَمَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا (رَجُلًا) كَانَ (أَوْ امْرَأَةً) لِعُمُومِ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَحْمَدَ مَعْنَاهُ وَقَدْ كَانَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ وَهُوَ صَغِيرٌ. قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لَا يُقَالُ: إنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِهِمْ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّلَ ذَلِكَ بِعِلَّةٍ تُوجَدُ فِي
سَائِرِ الشُّهَدَاءِ قَالَ «وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ تَعَالَى {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169] وَالْحَيُّ لَا يُغَسَّلُ وَسَمِّي شَهِيدًا لِأَنَّهُ حَيٌّ وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الشَّهِيدُ (جُنُبًا) قَبْلَ أَنْ يُقْتَلَ فَيُغَسَّلُ لِمَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلَائِكَةُ يَعْنِي حَنْظَلَةَ قَالُوا لِأَهْلِهِ: مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَتْ خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ حِينَ سَمِعَ الْهَائِعَةَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ» . وَفِي الْكَافِي أَنَّهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ. (أَوْ) يَكُونُ (حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ طَهُرَتَا) أَيْ انْقَطَعَ دَمُهُمَا (أَوْ لَا، فَيُغَسَّلَانِ غُسْلًا وَاحِدًا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْجُنُبِ وَلِأَنَّهُ وَاجِبٌ لِغَيْرِ الْمَوْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ (وَإِنْ أَسْلَمَ) شَخْصٌ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ قَبْلَ غُسْلِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُغَسَّلْ) لِلْإِسْلَامِ لِأَنَّ أَصْرَمَ بْنَ عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَسْلَمَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلَ فَلَمْ يَأْمُرْ بِغُسْلِهِ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَالْمُبْدِعِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ: يَجِبُ كَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمْ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَإِنْ قُتِلَ) شَهِيدًا (وَعَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ لَمْ يُوَضَّأْ) لِأَنَّ الْوُضُوءَ تَابِعٌ لِلْغُسْلِ. وَقَدْ سَقَطَ (وَتُغْسَلُ نَجَاسَتُهُ) أَيْ الشَّهِيدِ كَالْحَيِّ (وَيَجِبُ بَقَاءُ دَمِ) شَهِيدٍ (لَا نَجَاسَةَ مَعَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِدَفْنِ قَتْلَى أُحُدٍ فِي دِمَائِهِمْ (فَإِنْ لَمْ تُزَلْ) النَّجَاسَةُ (إلَّا بِالدَّمِ غُسِلَا) أَيْ الدَّمُ وَالنَّجَاسَةُ لِأَنَّ دَرْءَ الْمَفَاسِدِ - وَمِنْهُ غُسْلُ النَّجَاسَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَمِنْهُ بَقَاءُ دَمِ الشَّهِيدِ عَلَيْهِ. (وَيُنْزَعُ عَنْهُ السِّلَاحُ وَالْجُلُودُ وَ) مِنْهَا (نَحْوُ فَرْوَةٍ وَخُفٍّ وَيَجِبُ دَفْنُهُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمْ الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ بِدِمَائِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّهُ أَثَرُ الْعِبَادَةِ. (وَظَاهِرُهُ لَوْ كَانَتْ حَرِيرًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ (فَلَا يُزَادُ فِيهَا) أَيْ فِي ثِيَابِ الشَّهِيدِ (وَلَا يُنْقَصُ) مِنْهَا (وَلَوْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَسْنُونُ) بِهَا لِنَقْصِهَا أَوْ زِيَادَتِهَا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِمَا. وَأَجَابَ الْقَاضِي عَمَّا
رُوِيَ: أَنَّ «صَفِيَّةَ أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَوْبَيْنِ لِيُكَفِّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ، فَكَفَّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا، وَكَفَّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ» : بِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ ثِيَابَهُ سُلِبَتْ، أَوْ أَنَّهُمَا ضُمَّا إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَقَدْ رَوَى فِي الْمُعْتَمَدِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ كَانَ) الشَّهِيدُ (قَدْ سُلِبَهَا) أَيْ الثِّيَابُ (كُفِّنَ بِغَيْرِهَا) وُجُوبًا كَغَيْرِهِ (وَيُسْتَحَبُّ دَفْنُهُ) أَيْ الشَّهِيدِ (فِي مَصْرَعِهِ) الَّذِي قُتِلَ فِيهِ وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ سَقَطَ مِنْ شَاهِقٍ) أَيْ مَكَان مُرْتَفِعٍ، كَجَبَلٍ وَنَحْوِهِ، لَا بِفِعْلِ الْعَدُوِّ فَمَاتَ (أَوْ سَقَطَ عَنْ دَابَّةٍ لَا بِفِعْلِ الْعَدُوِّ) فَمَاتَ (أَوْ رَفَسَتْهُ) دَابَّةٌ (فَمَاتَ أَوْ مَاتَ) فِي دَارِ الْحَرْبِ (حَتْفَ أَنْفِهِ، أَوْ عَادَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ) فَقَتَلَهُ (أَوْ) عَادَ (سَيْفُهُ) عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ (أَوْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ، أَوْ حُمِلَ بَعْد جَرْحِهِ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ أَوْ نَامَ أَوْ بَالَ أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَطَسَ، أَوْ طَالَ بَقَاؤُهُ عُرْفًا: غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا) أَمَّا مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ فِعْلِ الْعَدُوِّ فَلِعَدَمِ مُبَاشَرَتِهِمْ قَتْلَهُ وَتَسَبُّبِهِمْ فِيهِ فَأَشْبَهَ مَنْ مَاتَ بِمَرَضٍ. وَأَمَّا مَنْ وُجِدَ مَيِّتًا وَلَا أَثَرَ بِهِ فَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ فَلَا يَسْقُطُ يَقِينُ ذَلِكَ، بِالشَّكِّ فِي مُسْقِطِهِ فَإِنْ كَانَ بِهِ أَثَرٌ لَمْ يُغَسَّلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: لَا دَمٌ مِنْ أَنْفِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ ذَكَرِهِ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: اعْتَبَرْنَا الْأَثَرَ هُنَا احْتِيَاطًا لِلْغُسْلِ وَلَمْ نَعْتَبِرْهُ فِي الْقَسَامَةِ احْتِيَاطًا لِوُجُوبِ الدَّمِ وَأَمَّا مَنْ حُمِلَ بَعْد جَرْحِهِ فَأَكَلَ، وَنَحْوَهُ فَإِنَّهُ يُغَسَّلُ لِتَغْسِيلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ ذِي حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ: حَتْفَ أَنْفِهِ أَيْ بِغَيْرِ سَبَبٍ يُفْضِي إلَى الْمَوْتِ مِنْ جَرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا، حَتَّى مَنْ قَتَلَهُ الْكُفَّارُ صَبْرًا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أُلْحِقَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ) فِي أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ شَهِيدٌ وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيد، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلِأَنَّهُمْ مَقْتُولُونَ بِغَيْرِ حَقٍّ أَشْبَهُوا قَتْلَى الْكُفَّارِ، فَلَا يُغَسَّلُونَ. تَتِمَّةٌ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَوْ الْكُفَّارُ خَطَأً يُغَسَّلُ رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَالشُّهَدَاءُ غَيْرَ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ) وَهُوَ مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ الْقِتَالِ مَعَ الْكُفَّارِ وَقْتَ قِيَامِ الْقِتَالِ (بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ) شَهِيدًا (الْمَطْعُونُ) أَيْ الْمَيِّتُ بِالطَّاعُونِ (وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَالشَّرِيقُ وَالْحَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ) أَيْ مَنْ مَاتَ بِانْهِدَامِ شَيْءٍ عَلَيْهِ كَمَنْ أُلْقِيَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَنَحْوُهُ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«وَالشُّهَدَاءُ خَمْسٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَ) صَاحِبُ (ذَاتِ الْجَنْبِ، وَ) صَاحِبُ (السِّلِّ) بِكَسْرِ السِّينِ (وَصَاحِبُ اللَّقْوَةِ) بِفَتْحِ اللَّامِ دَاءٌ فِي الْوَجْهِ (وَالصَّابِرُ فِي الطَّاعُونِ وَالْمُتَرَدِّي مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ) إنْ لَمْ يَكُنْ بِفِعْلِ الْكُفَّارِ. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَمِنْ شُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ (وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تَعَالَى، وَمِنْهُ مَنْ مَاتَ فِي الْحَجِّ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْفُرُوعِ وَمَنْ مَاتَ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا عَنْهُ (وَمَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ، وَمَوْتُ الْمُرَابِطِ، وَأُمَنَاءُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ) وَهُمْ الْعُلَمَاءُ (وَالْمَجْنُونُ وَالنُّفَسَاءُ وَاللَّدِيغُ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ مَظْلِمَتِهِ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَفَرِيسُ السَّبُعِ، وَمَنْ خَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَوْتُ الْغَرِيبِ) لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَصَحَّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» (وَأَغْرَبُ مِنْهُ) مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنْجِي وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (الْعَاشِقُ إذَا عَفَّ وَكَتَمَ) . وَأَشَارُوا إلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوَيْد بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ (ذَكَرَ تَعْدَادَهُمْ فِي غَايَةِ الْمَطْلَبِ) وَعِبَارَتُهُ: وَالشَّهِيدُ غَيْرَ شَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ - بِضْعَةُ عَشْرَ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَالشَّرِيقُ وَالْحَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَذَاتُ الْجَنْبِ، وَالْمَجْنُونُ، وَالنُّفَسَاءُ، وَاللَّدِيغُ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ دِينِهِ أَوْ دَمِهِ أَوْ مَظْلِمَتِهِ وَفَرِيسُ سَبْعٍ، وَمَنْ خَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَوْتُ الْغَرِيبِ وَأَغْرَبُ مِنْهُ الْعَاشِقُ إذَا عَفَّ وَكَتَمَ اهـ فَلَمْ يَسْتَوْعِبْ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَكُلُّ شَهِيدٍ غُسِّلَ صُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا وَمَنْ لَا) يُغَسَّلُ (فَلَا) يُصَلَّى عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمَذْهَبِ (وَالشَّهِيدُ بِغَيْرِ قَتْلٍ كَغَرِيقٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ) غَيْرَ مَنْ اسْتَثْنَى (يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَلَا مُلْحَقًا بِهِ. (وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أَيْ: لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَصَالِحٍ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلَفْظُهُمَا: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ. (وَلَوْ لَمْ يَسْتَهِلَّ) أَيْ: يُصَوِّتْ عِنْدَ الْوِلَادَةِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَيُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ وَلَوْ وُلِدَ قَبْلَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) لِأَنَّهُ يُبْعَثُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ فَيُسَمَّى لِيُدْعَى
يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِاسْمِهِ (وَإِنْ جُهِلَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ سُمِّيَ بِصَالِحٍ لَهُمَا، كَطَلْحَةَ وَهِبَةِ اللَّهِ) . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ: (وَلَوْ كَانَ السَّقْطُ مِنْ كَافِرَيْنِ فَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) لَوْ مَاتَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ بِدَارِنَا (فَكَمُسْلِمٍ) يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إذَا وُلِدَ لِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ (فَلَا) يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ. (وَيُصَلَّى عَلَى طِفْلٍ) مِنْ كَافِرَيْنِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) لِمَوْتِ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بِدَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ سَبْيِهِ مُنْفَرِدًا عَنْهُمَا أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا وَنَحْوِهِ وَكَذَا مَجْنُونٌ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَبَقَ. (وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ لِعَدَمِ مَاءٍ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِهِ) كَالْحَرْقِ وَالْجُذَامِ وَالتَّبْضِيعِ (يُمِّمَ) لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ طَهَارَةٌ عَلَى الْبَدَنِ فَقَامَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ مُقَامَهُ كَالْجَنَابَةِ. (وَكُفِّنَ) بَعْدَ التَّيَمُّمِ (وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) كَغَيْرِهِ (وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ بَعْضِهِ) غُسِّلَ مَا أَمْكَنَ مِنْهُ، وَ (يَمَّمَ لَهُ) أَيْ: لِمَا تَعَذَّرَ غُسْلُهُ كَالْجَنَابَةِ. (وَإِنْ أَمْكَنَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ بِلَا عَرْكٍ صُبَّ عَلَيْهِ) الْمَاءُ بِحَيْثُ يَعُمُّ بَدَنَهُ (وَتُرِكَ عَرْكُهُ) لِتَعَذُّرِهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْفِعْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (ثُمَّ إنْ يُمِّمَ) الْمَيِّتُ (لِعَدَمِ الْمَاءِ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ وَجَبَ غُسْلُهُ) لِإِمْكَانِهِ وَتُعَادُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَتْ، بِتَيَمُّمٍ وَالْأُولَى بِوُضُوءٍ وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ وُجِدَ) الْمَاءُ (فِيهَا) أَيْ: فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَدْ يُمِّمَ (بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ فَيُغَسَّلُ ثُمَّ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَالْحَيِّ يَجِدُ الْمَاءَ (وَيَلْزَمُ الْوَارِثَ قَبُولُ مَا وُهِبَ لِلْمَيِّتِ) لِيُغَسَّلَ بِهِ لِأَنَّ الْمِنَّةَ فِيهِ يَسِيرَةٌ وَ (لَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُ (ثَمَنِهِ) هِبَةً لِلْمِنَّةِ كَالْحَيِّ. (وَيَجِبُ عَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ قَبِيحٍ رَآهُ) لِأَنَّ فِي إظْهَارِهِ إذَاعَةً لِلْفَاحِشَةِ وَفِي الْخَبَرِ مَرْفُوعًا: «لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمْ الْمَأْمُونُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ وَلَمْ يُفْشِ عَيْبَهُ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدْتُهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ (كَطَبِيبٍ) أَيْ: كَمَا يَجِبُ عَلَى الطَّبِيبِ أَنْ لَا يُحَدِّثَ بِشَرٍّ لِمَا فِيهِ مِنْ، الْإِفْضَاحِ (وَيُسْتَحَبُّ) لِلْغَاسِلِ (إظْهَارُهُ) أَيْ: مَا رَآهُ مِنْ الْمَيِّتِ (إنْ كَانَ حَسَنًا) لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِ. (قَالَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ: إلَّا عَلَى مَشْهُورٍ بِبِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ قِلَّةِ دِينٍ، أَوْ فُجُورٍ وَنَحْوِهِ) كَكَذِبٍ (فَيُسْتَحَبُّ إظْهَارُ شَرِّهِ وَسَتْرِ خَيْرِهِ) لِيَرْتَدِعَ نَظِيرُهُ. وَيَحْرُمُ سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ وَبِمُسْلِمٍ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ وَيَجِبُ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيُسْتَحَبُّ ظَنُّ الْخَيْرِ بِالْمُسْلِمِ وَلَا يَنْبَغِي تَحْقِيقُ ظَنِّهِ فِي رِيبَةٍ وَلَا حَرَجَ بِظَنِّ السَّوْءِ بِمَنْ ظَاهِرُهُ الشَّرُّ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ» مَحْمُولٌ عَلَى الظَّنِّ الْمُجَرَّدِ الَّذِي لَمْ تُعَضِّدْهُ قَرِينَةٌ تَدُلَّ عَلَى صِدْقِهِ وَحَدِيثُ «احْتَرِسُوا مِنْ النَّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ»
فصل في الكفن
الْمُرَادُ بِهِ الِاحْتِرَاسُ بِحِفْظِ الْمَالِ كَغَلْقِ الْبَابِ خَوْفَ السُّرَّاقِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْقَاضِي،. وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ (وَلَا نَشْهَدُ) بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ (إلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ أَوْ الْإِسَاءَةِ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُ: الْأَكْثَرَ، وَأَنَّهُ الْأَكْثَرُ دِيَانَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: وَلَوْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُ الْمَيِّتِ مُوَافِقَةً لِقَوْلِهِمْ وَإِلَّا لَمْ تَكُنْ عَلَامَةً مُسْتَقِلَّةً اهـ. وَمَنْ جُهِلَ إسْلَامُهُ وَوُجِدَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ وَجَبَ غُسْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ لَوْ كَانَ أَقْلَفَ بِدَارِنَا لَا بِدَارِ حَرْبٍ وَلَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سَعِيدٍ يُسْتَدَلُّ بِثِيَابٍ وَخِتَانٍ. [فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ] وَتَقَدَّمَ أَنَّ تَكْفِينَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُحْرِمِ: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» (يَجِبُ كَفْنُ الْمَيِّتِ) فِي مَالِهِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ حَاجَةَ الْمَيِّتِ مُقَدَّمَةٌ فِي مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ، بِدَلِيلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ. (وَ) تَجِبُ (مُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ بِمَعْرُوفٍ قِيَاسًا عَلَى الْكَفَنِ (غَيْرَ حُنُوطٍ وَطِيبٍ) كَمَا وَرَدَ وَعُودٌ لِلْكَفَنِ فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ كَحَالِ الْحَيَاةِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ وَقَوْلُهُ (فِي مَالِهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ مُتَعَلِّقٌ بِيَجِبُ لِمَا تَقَدَّمَ (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقِّ الْمَيِّتِ) فَلَا يَسْقُطُ لَوْ أَوْصَى أَنْ لَا يُكَفَّنَ، لِمَا فِيهِ مِنْ حَقِّ اللَّهِ (ذَكَرًا كَانَ) الْمَيِّتُ (أَوْ أُثْنَى) أَوْ خُنْثَى صَغِيرًا، كَانَ أَوْ كَبِيرًا، حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا (ثَوْبٌ) بَدَلٌ مِنْ كَفَنٍ، أَوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَالْوَاجِبُ (ثَوْبٌ وَاحِدٌ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ) لِأَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ فِي سَتْرِهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ. فَكَفَنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى (فَلَوْ أَوْصَى بِأَقَلِّ مِنْهُ) أَيْ: مِمَّا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ (لَمْ تُسْمَعْ وَصِيَّتُهُ) لِتَضَمُّنِهَا إسْقَاطُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشَرَةَ) لِأَنَّ مَا يَصِفُهَا غَيْرُ سَاتِرٍ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (وَيَجِبُ) أَنْ يُكَفَّنَ فِي (مَلْبُوسِ مِثْلِهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ) لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ (مَا لَمْ يُوصِ بِدُونِهِ) فَتُتَّبَعُ وَصِيَّتُهُ، لِإِسْقَاطِهِ حَقِّهِ مِمَّا زَادَ (مُقَدَّمًا هُوَ) أَيْ: الْكَفَنُ (وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ عَلَى دَيْنٍ، وَلَوْ بِرَهْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ) وَلَوْ كَانَتْ مُتَعَلِّقَةً بِرَقَبَةِ الْجَانِي (وَوَصِيَّةٍ وَمِيرَاثٍ وَغَيْرِهِمَا) لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِالْكِسْوَةِ عَلَى الدَّيْنِ فَكَذَا الْمَيِّتُ، إذَا قُدِّمَ عَلَى الدَّيْنِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى. (وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الْوَارِثِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا مَا
فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ) مِنْ كَفَنٍ وَمُؤْنَةِ تَجْهِيزٍ وَقَضَاءِ دَيْنٍ وَلَوْ لِلَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» . (وَإِنْ أَوْصَى) أَنْ يُكَفَّنَ (فِي أَثْوَابٍ ثَمِينَةٍ لَا تَلِيقُ بِهِ تَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ، لِأَنَّهَا بِمَكْرُوهٍ (وَالْجَدِيدُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَتِيقِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِ الشَّارِعِ، بِتَحْسِينِهِ (مَا لَمْ يُوصِ بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْجَدِيدِ فَيُمْتَثَلُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ قَالَ " كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيَّ هَذَيْنِ، فَإِنَّ الْحَيَّ أَحْوَجُ إلَى الْجَدِيدِ مِنْ الْمَيِّتِ، وَإِنَّهُمَا لِلْمُهْلَةِ وَالتُّرَابِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. (وَلَا بَأْسَ بِاسْتِعْدَادِ الْكَفَنِ، لِحَلٍّ أَوْ لِعِبَادَةٍ فِيهِ قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُصَلَّى فِيهِ ثُمَّ يَغْسِلْهُ وَيَضَعُهُ لِكَفَنِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) لِمَا فِيهِ مِنْ أَثَرِ الْعِبَادَةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ. (وَيَجِبُ كَفَنُ الرَّقِيقِ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى (عَلَى مَالِكِهِ) كَنَفَقَتِهِ حَالَ الْحَيَاةِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ) بِأَنْ لَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا أَوْ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يُجَهَّزَ (فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالَ الْحَيَاةِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ. (وَكَذَلِكَ دَفْنُهُ) كَفَنُ امْرَأَتِهِ أَيْ: مُؤْنَتُهُ (وَمَا لَا بُدَّ لِلْمَيِّتِ مِنْهُ) كَحَمْلِهِ وَسَائِرِ تَجْهِيزِهِ (إلَّا الزَّوْجَ) فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ وَلَا مُؤْنَةَ تَجْهِيزِهَا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكِسْوَةَ وَجَبَا فِي النِّكَاحِ لِلتَّمْكِينِ مِنْ الِاسْتِمَاعِ وَلِهَذَا تَسْقُط بِالنُّشُوزِ وَالْبَيْنُونَةِ وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ فَأَشْبَهْت الْأَجْنَبِيَّةَ وَفَارَقَتْ الرَّقِيقَ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ بِحَقِّ الْمِلْكِ لَا بِالِانْتِفَاعِ. وَلِهَذَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْآبِقِ وَفِطْرَتُهُ فَتُكَفَّنُ الزَّوْجَةُ مِنْ مَالِهَا إنْ كَانَ، وَإِلَّا فَعَلَى مَنْ يَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَوَّجَةً مِنْ قَرِيبٍ وَمَوْلَى (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ وَجَبَ كَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ (مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، إنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا) كَنَفَقَتِهِ إذَنْ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَإِنْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَثَوْبٌ وَفِي الزَّائِدِ لِلْكَمَالِ وَجْهَانِ وَيَتَوَجَّهُ ثَوْبٌ مِنْ الْوَقْفِ عَلَى الْأَكْفَانِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَخَرَجَ الْكَافِرُ وَلَوْ ذِمِّيًّا فَلَا يُكَفَّنُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إنَّمَا أُوجِبَتْ عِصْمَتُهُمْ فَلَا نُؤْذِيهِمْ لَا إرْفَاقهمْ (ثُمَّ) إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ الْمَالِ، أَوْ مَكَانٌ وَتَعَذَّرَ الْأَخْذُ مِنْهُ، فَكَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ (عَلَى مُسْلِمٍ عَالِمٍ بِهِ) أَيْ: بِالْمَيِّتِ كَنَفَقَةِ الْحَيِّ وَكِسْوَتِهِ. (وَيُكْرَهُ) التَّكْفِينُ (فِي رَقِيقٍ يَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ) لِرِقَّتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَصِفْ الْبَشَرَةَ نَصَّ عَلَيْهِ كَمَا يُكْرَهُ لِلْحَيِّ لُبْسُهُ. (وَ) يُكْرَهُ التَّكْفِينُ أَيْضًا (بِشَعْرٍ وَصُوفٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ خِلَافُ فِعْلِ السَّلَفِ. (وَ) يُكْرَهُ التَّكْفِينُ (بِمُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ وَلَوْ لِامْرَأَةٍ حَتَّى الْمَنْقُوشِ قُطْنًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ) لِأَنَّهُ غَيْرُ لَاحِقٍ بِحَالِ الْمَيِّتِ (وَيَحْرُمُ بِجُلُودِ) «لِأَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِنَزْعِ الْجُلُودِ عَنْ الشُّهَدَاءِ، وَأَنْ يُدْفَنُوا فِي ثِيَابِهِمْ» (وَ) . يَحْرُمُ أَيْضًا بِ (حَرِيرٍ وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ (وَلَوْ لِامْرَأَةٍ)
لِأَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ لَهَا فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الزِّينَةِ وَالشَّهْوَةِ وَقَدْ زَالَ بِمَوْتِهَا (وَ) لَوْ لِ (صَبِيٍّ) كَمَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ حَالَ الْحَيَاةِ وَأَوْلَى (وَيَجُوزُ) التَّكْفِينُ (فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْحَرِيرِ وَالْمُذَهَّبِ (ضَرُورَةً) أَيْ: عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهِمَا لِوُجُوبِ سَتْرِهِ. (وَيَكُونُ) الْكَفَنُ إذَنْ (ثَوْبًا وَاحِدًا) يَسْتُرُ جَمِيعَهُ لِانْدِفَاعِ الضَّرُورَةِ بِهِ. (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَنْ يَلِي الْمَيِّتَ (مَا يَسْتُرُ) الْمَيِّتَ (جَمِيعَهُ سَتَرَ الْعَوْرَةَ) لِتَقَدُّمِهَا عَلَى سَائِرَ جَسَدِهِ (ثُمَّ) إنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَتَرَ بِهِ (رَأْسَهُ وَمَا يَلِيه وَجُعِلَ عَلَى بَاقِيهِ حَشِيشٌ أَوْ وَرَقٌ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ «مُصْعَبًا قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إلَّا نَمِرَةً فَكَانَتْ إذَا وُضِعَتْ عَلَى رَأْسِهِ بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِذَا وُضِعَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُغَطَّى رَأْسُهُ، وَيُجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَوُجِدَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَمْوَاتِ جُمِعَ فِي ثَوْبٍ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ) مِنْ الْأَمْوَاتِ (فِيهِ) لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي قَتْلَى أُحُدٍ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ شَيْخُنَا: يُقْسَمُ بَيْنَهُمْ وَيَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا يُجْمَعُونَ فِيهِ. (وَأَفْضَلُ الْأَكْفَانِ الْبَيَاضُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَفِّنُوا فِيهِ مَوْتَاكُمْ» (وَأَفْضَلُهُ الْقُطْنُ) (وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ رَجُلٍ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ مِنْ قُطْنٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كُفِّنَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ، جُدُدٍ يَمَانِيَةٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ أُدْرِجَ فِيهَا إدْرَاجًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ «وَأَمَّا الْحُلَّةُ فَاشْتَبَهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لِيُكَفَّنَ فِيهَا، فَتُرِكَتْ الْحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سُحُولِيَّةٍ» قَالَ أَحْمَدُ: أَصَحّ الْأَحَادِيثِ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثُ عَائِشَةَ لِأَنَّهَا أَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قَدْ رُوِيَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الرِّوَايَاتِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي كَفَنِهِ قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. (وَ) يَكُونُ (أَحْسَنُهَا) أَيْ: اللَّفَائِفِ (أَعْلَاهَا لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ كَعَادَةِ الْحَيِّ) فِي جَعْلِهِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ أَعْلَاهَا (وَتُكْرَه الزِّيَادَة) عَلَى الثَّلَاثِ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَلْ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) يُكْرَهُ (تَعْمِيمُهُ) صَوَّبَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ. (وَيُكَفَّنُ صَغِيرٌ فِي ثَوْبٍ) وَاحِدٍ (وَيَجُوزُ) تَكْفِينُ الصَّغِيرِ (فِي ثَلَاثَةِ) ثِيَابٍ (وَإِنْ وَرَثَهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ (غَيْرُ مُكَلَّفٍ) مِنْ صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ (لَمْ يَجُزْ الزِّيَادَةُ عَلَى ثَوْبٍ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ قَالَهُ الْمَجْدُ) وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى. (قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ: وَمَنْ أَخْرَجَ فَوْقَ
الْعَادَةِ فَأَكْثَرَ لِلطِّيبِ وَالْحَوَائِجِ وَأَعْطَى الْمُقْرِئِينَ بَيْنَ يَدَيْ الْجِنَازَةِ، وَأَعْطَى الْحَمَّالِينَ، وَالْحَفَّارِينَ زِيَادَةً عَلَى الْعَادَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمُرُوءَةِ لَا بِقَدْرِ الْوَاجِبِ فَمُتَبَرِّعٌ) إنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ (فَإِنْ كَانَ مِنْ التَّرِكَةِ فَمِنْ نَصِيبِهِ انْتَهَى) وَكَذَا مَا يُعْطَى لِمَنْ يَرْفَعُ صَوْتَهُ مَعَ الْجِنَازَةِ بِالذِّكْرِ وَنَحْوِهِ وَمَا يُصْرَفُ فِي طَعَامٍ وَنَحْوِهِ لَيَالِي جَمْعٍ وَمَا يُصْنَعُ فِي أَيَّامِهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمُسْتَحْدَثَةِ خُصُوصًا إذَا كَانَ فِي الْوَرَثَةِ قَاصِرٌ أَوْ يَتِيمٌ (وَتُكَفَّنُ الصَّغِيرَةُ إلَى بُلُوغٍ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ) لِعَدَمِ حَاجَتِهَا إلَى خِمَارٍ فِي حَيَاتِهَا (وَخُنْثَى كَأُنْثَى) احْتِيَاطًا. (فَيَبْسُطُ) مَنْ يُكَفِّنُ الرَّجُلَ الْمَيِّتَ (بَعْضَ اللَّفَائِفِ) الثَّلَاثِ (فَوْقَ بَعْضٍ) لِيُوضَعَ عَلَيْهَا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَا يُحْتَاجُ إلَى حَمْلِهِ، وَوَضْعِهِ عَلَى وَاحِدَةٍ بَعْدَ وَاحِدَةٍ (وَيُجَمِّرُهَا بِالْعُودِ) أَوْ نَحْوِهِ أَوْصَى بِهِ أَبُو سَعِيدٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ (بَعْدَ رَشِّهَا بِمَاءِ وَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَتَعَلَّقَ بِهِ) رَائِحَةُ الْبَخُورِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَيِّتُ مُحْرِمًا (ثُمَّ يُوضَعُ) الْمَيِّتُ (عَلَيْهَا) أَيْ: اللَّفَائِفِ (مُسْتَلْقِيًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا وَالْأَوْلَى أَنْ يُسْتَرَ بِثَوْبٍ فِي حَالِ حَمْلِهِ، وَأَنْ يُوضَعَ مُتَوَجِّهًا. (وَيُجْعَلَ الْحَنُوطُ وَهُوَ أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ) يُعَدُّ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً (فِيمَا بَيْنَهَا) أَيْ: يُذَرُّ بَيْنَ اللَّفَائِفِ وَ (لَا) يُجْعَلُ مِنْ الْحَنُوطِ (عَلَى ظَهْرِ) اللِّفَافَةِ (الْعُلْيَا) لِكَرَاهَةِ عُمَرَ وَابْنِهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ (وَلَا) يُوضَعُ (عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي) يُجْعَلُ (عَلَى النَّعْشِ) شَيْءٌ مِنْ الْحَنُوطِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْكَفَنِ. (وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي أَيْ: قُطْنٍ يُجْعَلُ) ذَلِكَ الْقُطْنُ (بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ مَا يُخْرَجُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ (وَيُشَدُّ فَوَقَهُ) أَيْ: الْقُطْنِ (خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرْفِ كَالتُّبَّانِ) وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ (تُجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتِهِ) لِيَرُدَّ ذَلِكَ مَا يَخْرُجُ وَيُخْفِيَ مَا يَظْهَرُ مِنْ الرَّوَائِحِ (وَكَذَلِكَ) يَضَعُ (فِي الْجِرَاحِ النَّافِذَةِ) لِمَا ذُكِرَ (وَيُجْعَلُ الْبَاقِي) مِنْ الْقُطْنِ الْمُحَنَّطِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ) كَعَيْنَيْهِ وَفَمِهِ وَأَنْفِهِ وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ أُذُنَاهُ. (وَ) عَلَى (مَوَاضِعِ سُجُودِهِ) كَجَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ وَرُكْبَتَيْهِ، وَأَطْرَافِ قَدَمَيْهِ تَشْرِيفًا لَهَا لِكَوْنِهَا مُخْتَصَّةً بِالسُّجُودِ (وَ) عَلَى (مَغَابِنِهِ) كَطَيِّ رُكْبَتَيْهِ وَتَحْتَ إبِطِهِ، وَكَذَا سُرَّتُهُ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُتْبِعُ مَغَابِنَ الْمَيِّتِ وَمُرَافَقَهُ بِالْمِسْكِ (وَيُطَيِّبُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ) وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (وَإِنْ طُيِّبَ) مَنْ يَلِيهِ. (وَلَوْ بِمِسْكٍ بِغَيْرِ وَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ سَائِرُ بَدَنِهِ غَيْرَ دَاخِلِ عَيْنَيْهِ كَانَ حَسَنًا) لِأَنَّ أَنَسًا طَلَى بِالْمِسْكِ، وَطَلَى ابْنُ عُمَرَ مَيِّتًا بِالْمِسْكِ. (وَيُكْرَه) أَنْ يُطَيَّبَ
(دَاخِلُ عَيْنَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهُمَا (وَ) يُكْرَهُ أَنْ يُطَيَّبَ (بِوَرْسٍ وَزَعْفَرَانٍ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ لَوْنُهُ عَلَى الْكَفَنِ، وَلِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غِذَاءً وَزِينَةً وَلَا يُعْتَادُ التَّطَيُّبُ بِهِ. (وَيُكْرَهُ طَلْيُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (بِصَبِرٍ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُسَكَّنُ فِي ضَرُورَةِ الشَّعْرِ (لِيُمْسِكَهُ وَ) يُكْرَهُ طَلْيُهُ أَيْضًا (بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الصَّبِرِ مِمَّا يُمْسِكُهُ (مَا لَمْ يُنْقَلْ) أَيْ: مَا لَمْ يُرَدْ نَقْلُ الْمَيِّتِ مِنْ مَكَان إلَى آخَرَ فَيُبَاحُ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ لَكِنْ إنَّمَا يُبَاحُ النَّقْلُ لِحَاجَةٍ بِلَا مَفْسَدَةٍ بِأَنْ لَا يُخْشَى تَفَسُّخُهُ أَوْ تَغَيُّرُهُ. (قَالَهُ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ: وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ (وَالطِّيبُ وَالْحَنُوطُ غَيْرُ وَاجِبَيْنِ بَلْ مُسْتَحَبَّانِ) كَحَالِ الْحَيَاةِ وَتَقَدَّمَ. (ثُمَّ يَرُدُّ طَرْفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ثُمَّ) يَرُدُّ (طَرَفُهَا الْأَيْمَنُ عَلَى) شِقِّهِ (الْأَيْسَرِ) لِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِ الْحَيِّ فِي قَبَاءٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِمَا (ثُمَّ) يَرُدُّ (الثَّانِيَةُ) مِنْ اللَّفَائِفِ. (وَالثَّالِثَةُ) مِنْهَا (كَذَلِكَ) أَيْ: كَالْأُولَى لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهَا (وَيَجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ مِنْ فَاضِلِ الْكَفَنِ (أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ لِشَرَفِهِ) وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسَّتْرِ مِنْ رِجْلَيْهِ. (وَ) يَجْعَلُ (الْفَاضِلُ عَنْ وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ عَلَيْهِمَا) يَعْنِي يُعِيدُ الْفَاضِلَ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ بَعْدَ جَمْعِهِ لِيَصِيرَ الْكَفَنُ كَالْكِيسِ فَلَا يَنْتَشِرُ (ثُمَّ يَعْقِدُهَا) أَيْ: اللَّفَائِفَ (إنْ خَافَ انْتِشَارَهَا ثُمَّ تُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ) . لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " إذَا أَدْخَلْتُمْ الْمَيِّتَ اللَّحْدَ فَحُلُّوا الْعُقَدَ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (زَادَ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ: وَلَوْ نَسِيَ) الْمُلْحِدُ أَنْ يَحُلَّهَا نُبِشَ وَلَوْ كَانَ (بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ قَرِيبًا لِأَنَّهُ) أَيْ: حَلَّهَا (سُنَّةٌ) فَيَجُوزُ النَّبْشُ لِأَجَلِهِ، كَإِفْرَادِهِ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ. (وَلَا يُحَلُّ الْإِزَارُ) فِي الْقَبْرِ إذَا كُفِّنَ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ. (وَلَا يُخْرَقُ الْكَفَنُ) لِأَنَّهُ إفْسَادٌ لَهُ وَتَقْبِيحٌ، مَعَ الْأَمْرِ بِتَحْسِينِهِ قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ (وَلَوْ خِيفَ نَبْشُهُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ وَجَوَّزَهُ أَبُو الْمَعَالِي إنْ خِيفَ نَبْشُهُ (وَكَرِهَهُ) أَيْ: تَخْرِيقُ الْكَفَنِ الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ) كَقَمِيصِ الْحَيِّ (بِكُمَّيْنِ وَدَخَارِيصَ، وَ) فِي (إزَارٍ وَلِفَافَةٍ جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ تَتَعَذَّرْ اللَّفَائِفُ وَيُجْعَلُ الْمِئْزَرُ مِمَّا يَلِي جَسَدَهُ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ " أَنَّ الْمَيِّتَ يُؤَزَّرُ وَيُقَمَّصُ وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةِ " وَهَذَا عَادَةُ الْحَيِّ (وَلَا يُزَرُّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (الْقَمِيصُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْحَيِّ زَرُّهُ فَوْقَ إزَارٍ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ (وَيُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ) لِجَرَيَانِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ (وَعَكْسُهُ الْكَفَنُ وَالْمُؤْنَةُ) أَيْ: مُؤْنَةُ التَّجْهِيزُ فَلَا يُصْرَفُ ذَلِكَ مِنْ مُسَبَّلٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ (وَلَوْ بَذَلَهُ بَعْضُ الْوَرَثَةِ مِنْ نَفْسِهِ لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَّتَهُمْ قَبُولُهُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى الْمَيِّتِ وَكَذَلِكَ إنْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِتَكْفِينٍ فَأَبَى الْوَرَثَةُ
أَوْ بَعْضُهُمْ (لَكِنْ لَيْسَ لِلْبَقِيَّةِ) أَيْ: بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ إذَا تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدُهُمْ (نَقْلُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ. (وَ) لَا (سَلَبُهُ مِنْ كَفَنِهِ) الَّذِي تَبَرَّعَ بِهِ أَحَدُهُمْ (بَعْدَ دَفْنِهِ) فِيهِ بِخِلَافِ مُبَادَرَتِهِ إلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُنْقَلُ بِطَلَبِ بَاقِيهمْ (لِانْتِقَالِهِ) أَيْ: الْمِلْكِ (إلَيْهِمْ) وَفِي إبْقَائِهِ إسْقَاطٌ لِحَقِّهِمَا مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ (لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُمْ) نَقْلُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ. (وَيُسَنُّ تَكْفِينُ امْرَأَةٍ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ) مِنْ قُطْنٍ (إزَارٍ وَخِمَارٍ ثُمَّ قَمِيصٍ وَهُوَ الدِّرْعُ ثُمَّ لِفَافَتَيْنِ) اسْتِحْبَابًا لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد - وَفِيهِ ضَعْفٌ - عَنْ لَيْلَى الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الْحِقَاءَ ثُمَّ الدِّرْعَ، ثُمَّ الْخِمَارَ ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» قَالَ أَحْمَدُ: الْحِقَاءُ الْإِزَارُ وَالدِّرْعُ الْقَمِيصُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ فَعَلَى هَذَا تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ ثُمَّ تُلَبَّسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ تَخَمَّرُ بِمُقَنَّعَةٍ، ثُمَّ بِاللِّفَافَتَيْنِ. (وَنَصُّهُ: وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ إنَّ الْخَامِسَةَ (خِرْقَةٌ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا ثُمَّ مِئْزَرٌ، ثُمَّ قَمِيصٌ، ثُمَّ خِمَارٌ، ثُمَّ لِفَافَةٌ وَلَا بَأْسَ أَنْ تُنَقَّبَ) ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ. (وَتُسَنُّ تَغْطِيَةُ نَعْشٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُبَالَغَةِ فِي سَتْرِ الْمَيِّتِ وَصِيَانَتِهِ (بِأَبْيَضَ) لِأَنَّهُ خَيْرُ الْأَلْوَانِ. (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُغَطَّى نَعْشٌ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ أَبْيَضَ وَيَحْرُمُ بِحَرِيرٍ وَمَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (وَإِنْ مَاتَ مُسَافِرٌ كَفَّنَهُ رَفِيقُهُ مِنْ مَالِهِ فَإِنْ تَعَذَّرَ) تَكْفِينُهُ مِنْ مَالِهِ (فَمِنْهُ) أَيْ: فَإِنَّهُ يُكَفِّنَهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (وَيَأْخُذُهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) إنْ كَانَتْ (أَوْ) يَأْخُذُهُ (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) غَيْرَ الزَّوْجِ (إنْ نَوَى الرُّجُوعَ) لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ فَمُتَبَرِّعٌ. (وَلَا حَاكِمَ فَإِنْ وُجِدَ حَاكِمٌ وَأَذِنَ فِيهِ) لِرَفِيقِهِ (رَجَعَ) رَفِيقُهُ بِمَا كَفَّنَهُ بِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ) الْحَاكِمُ أَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ، وَلَوْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ (وَنَوَى الرُّجُوعَ رَجَعَ) عَلَى التَّرِكَةِ، أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِقِيَامِهِ بِوَاجِبٍ. (وَإِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ كَفَنٌ وَثَمَّ حَيٌّ مُضْطَرٌّ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى كَفَنِ الْمَيِّتِ (لِبَرْدٍ وَنَحْوِهِ) كَدَفْعِ حَرٍّ (فَالْحَيُّ أَحَقُّ بِهِ) أَيْ: بِكَفَنِ الْمَيِّتِ فَلَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ لِأَنَّ حُرْمَةَ الْحَيِّ آكَدُ. (قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: إنْ خَشِيَ التَّلَفَ وَإِنْ كَانَ) الْحَيُّ مُحْتَاجًا لِكَفَنِ الْمَيِّتِ (لِحَاجَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ فَالْمَيِّتُ أَحَقُّ بِكَفَنِهِ وَلَوْ كَانَ لِفَافَتَيْنِ وَيُصَلِّي الْحَيُّ) عُرْيَانًا (عَلَيْهِ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلِّي عَلَيْهِ عَادِمٌ فِي إحْدَى لِفَافَتَيْهِ. (وَإِنْ نُبِشَ) الْمَيِّتُ (وَسُرِقَ كَفَنُهُ كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَلَوْ قُسِمَتْ) تَرِكَتُهُ كَمَا لَوْ قُسِمَتْ قَبْلَ تَكْفِينِهِ الْأَوَّلِ وَيُؤْخَذُ مِنْ كُلِّ وَارِثٍ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ مِنْ التَّرِكَةِ (مَا لَمْ تُصْرَفْ) تَرِكَتُهُ (فِي دَيْنٍ أَوْ وَصِيَّةٍ) فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَتَبَرَّعَ أَحَدٌ بِكَفَنِهِ، وَإِلَّا تُرِكَ
فصل في الصلاة على الميت
بِحَالِهِ. (وَإِنْ أَكَلَهُ) أَيْ: الْمَيِّتَ (سَبُعٌ أَوْ أَخَذَهُ سَيْلٌ، وَبَقِيَ كَفَنُهُ فَإِنْ كَانَ) كَفَنُهُ (مِنْ مَالِهِ فَ) هُوَ (تَرِكَةٌ) يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ عَلَى قَدْرِ أَنْصِبَائِهِمْ، لِاسْتِغْنَاءِ الْمَيِّتِ عَنْهُ. (وَإِنْ كَانَ) الْكَفَنُ مِنْ شَخْصٍ (مُتَبَرِّعٍ بِهِ فَهُوَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُتَبَرِّعِ بِهِ (لَا لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ) لِأَنَّ تَكْفِينَهُ إيَّاهُ: لَيْسَ بِتَمْلِيكٍ، بَلْ إبَاحَةٍ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ لِلْوَرَثَةِ أَوَّلًا فَكَفَّنُوهُ بِهِ، ثُمَّ وَجَدُوهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ وَيَأْتِي فِي السَّرِقَةِ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ. (وَإِنْ جَبَى كَفَنُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ لِحَاجَةٍ وَفَضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ (فَمَا فَضُلَ مِنْهُ فَلِرَبِّهِ إنْ عُلِمَ) لِأَنَّهُ دَفَعَهُ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْهُ فَيُرَدُّ إلَيْهِ (فَإِنْ جُهِلَ) رَبُّهُ، وَلَوْ بِاخْتِلَاطِهِ وَعَدَمِ تَمَيُّزِهِ (فَ) إنَّهُ يُصْرَفُ (فِي كَفَنٍ آخَرَ) إنْ أَمْكَنَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) ذَلِكَ (تَصَدَّقَ بِهِ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي التَّكْفِينِ مُطْلَقًا نَصَّ عَلَيْهِ وَالْمُنْتَخَبُ كَزَكَاةٍ فِي رِقَابٍ أَوْ غَارِمٍ (وَلَا يُجْبَى كَفَنٌ لِعَدَمِ) مَا يُكَفَّنُ بِهِ الْمَيِّتُ (إنْ سُتِرَ) أَيْ: إنْ أَمْكَنَ سَتْرُهُ (بِحَشِيشٍ) ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ، صَوْنًا لِلْمَيِّتِ عَنْ التَّبَذُّلِ. [فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ] وَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى غَيْرِ شَهِيدِ مَعْرَكَةٍ وَمَقْتُولٍ ظُلْمًا لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِهَا فِي غَيْرِ حَدِيثٍ كَقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا عَلَى أَطْفَالِكُمْ فَإِنَّهُمْ أَفْرَاطُكُمْ» وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْغَالِّ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ» وَقَوْلِهِ: «إنَّ أَخَاكُمْ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ فَقُومُوا صَلُّوا عَلَيْهِ» وَقَوْلِهِ: «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَإِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِالْمَيِّتِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ مَعْذُورٌ (يُسْقِطُ فَرْضَهَا وَاحِدٌ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضٌ تَعَلَّقَ بِهِ فَسَقَطَ بِالْوَاحِدِ (كَغُسْلِهِ) وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ. (وَتُسَنَّ لَهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (الْجَمَاعَةُ وَلَوْ لِنِسَاءٍ) كَمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَفْعَلُهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ. وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ (إلَّا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا) أَيْ:
فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ بِإِمَامٍ (احْتِرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا) لِقَدْرِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " دَخَلَ النَّاسُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَالًا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا النِّسَاءَ حَتَّى إذَا فَرَغُوا أَدْخَلُوا الصِّبْيَانَ وَلَمْ يَؤُمَّ النَّاسَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَدٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِي الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ " أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَلَا يُطَافُ بِالْجِنَازَةِ عَلَى أَهْلِ الْأَمَاكِنِ لِيُصَلُّوا عَلَيْهَا فَهِيَ كَالْإِمَامِ يُقْصَدُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ. (وَلَا يَقْصِدُ) بِالْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ (وَالْأَوْلَى بِهَا) أَيْ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ إمَامًا وَصِيَّهُ الْعَدْلُ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ مَا زَالُوا يُوصُونَ بِذَلِكَ وَيُقَدِّمُونَ الْوَصِيَّ فَأَوْصَى أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَأَوْصَى عُمَرُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَأَوْصَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ. وَأَوْصَى أَبُو بَكْرَةَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَبُو بَرْزَةَ حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ أَحْمَدُ وَقَالَ غَيْرُهُ: عَائِشَةُ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ مَسْعُودٍ أَوْصَى أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ تُسْتَفَادُ بِالنَّسَبِ، فَصَحَّ الْإِيصَاءُ بِهَا كَالْمَالِ وَتَفْرِقَتُهُ فَإِنْ كَانَ الْوَصِيُّ فَاسِقًا لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ إلَيْهِ ثُمَّ (بَعْدَ الْوَصِيِّ: السُّلْطَانُ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ» - الْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَخُلَفَاءَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانُوا يُصَلُّونَ عَلَى الْمَوْتَى وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ الْعُصْبَةَ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ " شَهِدْتُ حُسَيْنًا حِينَ مَاتَ الْحَسَنُ وَهُوَ يَدْفَعُ فِي قَفَا سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَمِيرِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ يَقُولُ: لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ ". وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ يُسَنُّ لَهَا الِاجْتِمَاعُ فَإِذَا حَضَرَهَا السُّلْطَانُ كَانَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ (ثُمَّ نَائِبُهُ الْأَمِيرُ) أَيْ: أَمِيرُ بَلَدِ الْمَيِّتِ، إنْ حَضَرَهَا (ثُمَّ الْحَاكِمُ وَهُوَ الْقَاضِي، لَكِنَّ السَّيِّدَ أَوْلَى بِرَقِيقِهِ بِهَا) أَيْ: بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إمَامًا (مِنْ السُّلْطَانِ) وَنُوَّابِهِ لِأَنَّهُ مَالِكُهُ. (وَ) السَّيِّدُ أَيْضًا أَوْلَى (بِغُسْلٍ وَبِدَفْنٍ) لِرَقِيقِهِ لِمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ) بَعْدَ السُّلْطَانِ وَنُوَّابِهِ: الْأَوْلَى بِالصَّلَاةِ عَلَى الْحُرِّ (أَقْرُبُ الْعُصْبَةُ) يَعْنِي الْأَبُ ثُمَّ الْجَدُّ لَهُ وَإِنْ عَلَا ثُمَّ الِابْنُ ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نَزَلَ، ثُمَّ الْأَخُ لِأَبَوَيْنِ ثُمَّ لِأَبٍ وَهَكَذَا كَالْمِيرَاثِ (ثُمَّ ذَوُو أَرْحَامِهِ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، كَالْغُسْلِ (ثُمَّ الزَّوْجُ) ثُمَّ الْأَجَانِبُ (وَمَعَ التَّسَاوِي) كَابْنَيْنِ أَوْ أَخَوَيْنِ أَوْ عَمَّيْنِ (يُقَدَّمُ الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ هُنَاكَ (فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الصِّفَاتِ) بِحَيْثُ لَا أَوْلَوِيَّةَ لِأَحَدِهِمْ عَلَى الْآخَرِ فِي الْإِمَامَةِ
(أُقْرِعَ) كَالْأَذَانِ (وَيُقَدَّمُ الْحُرُّ الْبَعِيدُ) كَالْعَمِّ (عَلَى الْعَبْدِ الْقَرِيبِ) كَالْأَخِ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ غَيْرُ وَارِثٍ. (وَيُقَدَّمُ الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ عَلَى الصَّبِيِّ) الْحُرِّ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهُ لِلْبَالِغِينَ (وَ) عَلَى (الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إمَامَتُهَا لِلرِّجَالِ. فَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ وَاجِبٌ (فَإِنْ اجْتَمَعَ أَوْلِيَاءُ مَوْتَى قُدِّمَ) مِنْهُمْ (الْأَوْلَى بِالْإِمَامَةِ) كَغَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ (ثُمَّ) إنْ تَسَاوَوْا فِي ذَلِكَ فَ (قُرْعَةٌ) لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ (وَلِوَلِيِّ كُلِّ مَيِّتٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَى مَيِّتِهِ إنْ أَمِنَ فَسَادًا) لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ (وَمَنْ قَدَّمَهُ وَلِيٌّ فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهِ) إنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ، كَوِلَايَةِ النِّكَاحِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فَإِنْ غَابَ الْأَقْرَبُ بِمَكَانِ تَفُوتُ الصَّلَاةُ بِحُضُورِهِ، تَحَوَّلَتْ لِلْأَبْعَدِ، أَيْ: فَلَهُ مَنْعُ مَنْ قَدِمَ بِوَكَالَةٍ وَرِسَالَةٍ لِأَنَّهُ إذَا نَزَّلَ شَخْصًا مَكَانَهُ ثُمَّ غَابَ الْغِيبَةَ الْمَذْكُورَةَ سَقَطَ حَقُّهُ، وَتَحَوَّلَتْ الْوِلَايَةُ لِلْأَبْعَدِ فَيَسْقُطُ حَقُّ الْوَكِيلِ تَبَعًا لِأَصْلِهِ نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: كَذَا قَالَ (فَإِنْ بَادَرَ أَجْنَبِيٌّ وَصَلَّى بِغَيْرِ إذْنِ) الْوَلِيِّ، أَوْ صَلَّى الْبَعِيدُ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَرِيبِ صَحَّ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الصَّلَاةِ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ وَقَدْ حَصَلَ وَلَيْسَ فِيهَا كَبِيرُ افْتِيَاتٍ تَشُحُّ بِهِ الْأَنْفُسُ عَادَةً بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ (فَإِنْ صَلَّى الْوَلِيُّ خَلْفَهُ صَارَ إذْنًا) لِدَلَالَتِهِ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ قَدَمُهُ لِلصَّلَاةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَلِيّ وَرَاءَهُ (فَلَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهَا حَقُّهُ) وَيُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ يُعِيدَ تَبَعًا لَهُ. وَلَوْ مَاتَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، فَقَالَ فِي الْفُصُولِ: يُقَدَّمَ أَقْرَبُ أَهْلِ الْقَافِلَةِ إلَى الْخَيْرِ، وَالْأَشْفَقِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ كَالْإِمَامَةِ. (وَإِذَا سَقَطَ فَرْضُهَا) بِصَلَاةِ مُكَلَّفٍ فَأَكْثَرَ (سَقَطَ التَّقْدِيمُ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحْكَامِهَا) لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِفَرْضِهَا فَسَقَطَ بِسُقُوطِهِ (وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يُقَدِّمَ غَيْرَهُ) لِتَفْوِيتِهِ عَلَى الْمُوصِي مَا أَمَّلَهُ فِي الْوَصِيِّ مِنْ الْخَيْرِ وَالدِّيَانَةِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ الْوَصِيُّ انْتَقَلَ الْحَقُّ لِمَنْ يَلِيهِ. (وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِتَعَيُّنِ مَأْمُومٍ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ) فِيهِ (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصُفَّهُمْ، وَأَنْ يُسَوِّيَ صُفُوفَهُمْ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ فِي الْمُرَاصَّةِ وَتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ (لَا يَنْقُصَهُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ) لِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ إلَّا غُفِرَ لَهُ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ (وَالْفَذُّ هُنَا) أَيْ: فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (كَ) الْفَذِّ فِي (غَيْرِهَا) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ، إلَّا امْرَأَةً خَلْفَ رَجُلٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْجَمَاعَةِ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ وَالْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يَقُومَ إمَامٌ عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ) رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ: عِنْدَ رَأْسِهِ لِلْخَبَرِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْأَوَّلِ
لِقُرْبِ أَحَدِهِمَا مِنْ الْآخَرِ فَالْوَاقِفْ عِنْدَ أَحَدِهِمَا وَاقِفٌ عِنْدَ الْآخَرِ (وَوَسَطِ امْرَأَةٍ) نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِح وَأَبِي الْحَارِثِ وَأَبِي طَالِبٍ وَجَعْفَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي الصَّقْرِ وَحَنْبَلٍ وَحَرْبٍ، وَسِنْدِي الْخَوَاتِيمِيِّ لِحَدِيثِ أَنَسٍ «صَلَّى عَلَى رَجُلٍ، فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ عَلَى الْجِنَازَةِ مُقَامَكَ مِنْهَا، وَمِنْ الرَّجُلِ مُقَامَك مِنْهُ قَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: احْفَظُوا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَبَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: بَيْنَ الصَّدْرِ وَالْوَسَطِ مِنْ خُنْثَى مُشْكِلٍ لِاسْتِوَاءِ الِاحْتِمَالَيْنِ. (فَإِنْ اجْتَمَعَ رِجَالٌ مَوْتَى فَقَطْ) أَيْ: لَا نِسَاءَ مَعَهُمْ وَلَا خَنَاثَى (أَوْ) (أَوْ) اجْتَمَعَ (خَنَاثَى) مَوْتَى (فَقَطْ) لَا رِجَالَ وَلَا نِسَاءَ مَعَهُمْ (سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ) لِأَنَّ مَوْقِفَهُمْ وَاحِدٌ وَإِنْ اجْتَمَعَ أَنْوَاعٌ سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِ كُلِّ نَوْعٍ (وَمُنْفَرِدٍ كَإِمَامٍ) فَيَقِفُ عِنْدَ صَدْرِ رَجُلٍ وَوَسَطِ امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ ذَلِكَ مِنْ خُنْثَى (وَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ أَفْضَلُهُمْ) أَيْ: أَفْضَلُ أَفْرَادِ ذَلِكَ النَّوْعِ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ التَّقَدُّمَ فِي الْإِمَامَةِ لِفَضِيلَتِهِ، فَاسْتَحَقَّ تَقْدِيمَ جِنَازَتِهِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ «كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَدَّمُ فِي الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا» فَيُقَدَّمُ إلَى الْإِمَامِ الْحُرِّ الْمُكَلَّفِ ثُمَّ الْعَبْدُ الْمُكَلَّفُ، ثُمَّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ الْخُنْثَى ثُمَّ الْمَرْأَةُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ كَالْمَكْتُوبَةِ (فَإِنْ تَسَاوَوْا) فِي الْفَضْلِ (قُدِّمَ أَكْبَرُ) أَيْ: أَسَنُّ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كَبِّرْ كَبِّرْ» (فَإِنْ تَسَاوَوْا) فِي السِّنِّ (فَسَابِقٌ) أَيْ: يُقَدَّمُ لِسَبْقِهِ (فَإِنْ تَسَاوَوْا) فِي ذَلِكَ (فَقُرْعَةٌ) فَيُقَدَّمُ مَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ كَالْإِمَامَةِ. (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ مِنْ الْمَوْتَى أَمَامَ) أَيْ: قُدَّامَ (الْمَفْضُولِينَ فِي الْمَسِيرِ) لِأَنَّ حَقَّ الْأَفْضَلِ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا لَا تَابِعًا (وَيَجْعَلُ وَسَطَ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَ) يَجْعَلُ (خُنْثَى بَيْنِهِمَا) إذَا اجْتَمَعُوا لِيَقِفَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَوْتَى مَوْقِفَهُ (وَجَمْعُ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ مُنْفَرِدِينَ) أَيْ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ، مُحَافَظَةً عَلَى الْإِسْرَاعِ وَالتَّخْفِيفِ. (وَالْأَوْلَى) لِمَنْ يُصَلِّي عَلَى الْمَيِّتِ (مَعْرِفَةُ ذُكُورِيَّتِهِ وَأُنُوثِيَّتِهِ وَاسْمِهِ وَتَسْمِيَتِهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي دُعَائِهِ) لَهُ (وَلَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ) أَيْ: مَعْرِفَةُ كَوْنِهِمْ رِجَالًا أَوْ نِسَاءً لِعَدَمِ اخْتِلَافِ الْمَقْصُودِ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ. (وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) نَصَّ عَلَيْهِ (ثُمَّ يُحْرِمُ) بَعْدَ النِّيَّةِ (كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ) فَيَقُولُ قَائِمًا مَعَ الْقُدْرَةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مُقَامَهَا وَمَنْ لَمْ
يُنَبِّهْ عَلَى النِّيَّةِ هُنَا اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ، لِحَدِيثْ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَصِفَة النِّيَّةِ هُنَا: أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ عَلَى هَذَا الْمَيِّتِ، أَوْ هَؤُلَاءِ الْمَوْتَى إنْ كَانُوا جَمَاعَةً عَرَفَ عَدَدَهُمْ أَوْ لَا (وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ) بَعْدَ حَطِّهِمَا أَوْ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ، وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ، كَمَا سَبَقَ (وَيَعُوذُ) وَيُبَسْمِلُ (قَبْلَ الْفَاتِحَةِ) لِمَا سَبَقَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا يَسْتَفْتِحُ) لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّخْفِيفِ. وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْرَعْ فِيهَا قِرَاءَةُ سُورَةٍ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ (وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ أَرْبَعًا» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَى النَّجَاشِيَّ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَخَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» ، وَفِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ «صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ مَا دُفِنَ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ» وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (وَيَقْرَأُ فِي) التَّكْبِيرَةِ (الْأُولَى: الْفَاتِحَةَ، فَقَطْ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ سُورَةٍ، لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ مَبْنَى هَذِهِ الصَّلَاةِ عَلَى التَّخْفِيفِ (سِرًّا وَلَوْ لَيْلًا) لِمَا رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ «السُّنَّةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يَقْرَأَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى بِأُمِّ الْقُرْآنِ مُخَافَتَةً، ثُمَّ يُكَبِّرَ ثَلَاثًا وَالسَّلَامُ» . وَعَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الدِّمَشْقِيِّ عَنْ الضَّحَّاكِ بْنِ قَيْسٍ نَحْوُهُ رَوَاهُمَا النَّسَائِيُّ، وَلَا تُقَاسُ عَلَى الْمَكْتُوبَةِ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَالْجِنَازَةُ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَأَشْبَهَتْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهَا (وَيُصَلِّي) سِرًّا (عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي) التَّكْبِيرَةِ (الثَّانِيَةِ) لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَنَّ «السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَتَكُونُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَمَا فِي التَّشَهُّدِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا سَأَلُوهُ " كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ عَلَّمَهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الْكَافِي: لَا تَتَعَيَّنُ صَلَاةٌ، لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ وَمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ. (وَلَا يَزِيدُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى مَا فِي التَّشَهُّدِ، خِلَافًا لِلْقَاضِي. فَإِنْ اسْتَحَبَّ بَعْدَهَا " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِكَ الْمُرْسَلِينَ وَأَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ مِنْ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَأَهْلِ الْأَرَضِينَ، إنَّك عَلَى كَلْءٍ شَيْءٌ قَدِيرٌ " (وَيَدْعُو) لِلْمَيِّتِ (فِي) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ سِرًّا بِأَحْسَنِ مَا يَحْضُرُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ
(وَلَا تَوْقِيتَ) أَيْ: تَحْدِيدَ (فِيهِ) أَيْ: فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ. (وَيُسَنُّ) الدُّعَاءُ (بِالْمَأْثُورِ) أَيْ: الْوَارِدِ فِي الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا) حَاضِرِنَا (وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا إنَّك تَعْلَمُ مُنْقَلَبَنَا وَمَثْوَانَا وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ) . هَكَذَا فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ لَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ فِي الْمُقْنِعِ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: " فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَيْهِمَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ، أَيْ: الْمُوَفَّقُ: «وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» وَلَفْظُهُ " السُّنَّةُ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ» بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ تُسَكَّنُ «وَأَوْسِعْ مَدْخَلَهُ» بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعِ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا الْإِدْخَالُ «وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ ". وَفِيهِ رِوَايَةُ «أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» وَزَادَ الْمُوَفَّقُ لَفْظَ مِنْ الذُّنُوبِ " وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ (وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ (اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ ابْنُ أَمَتِكَ نَزَلَ بِكَ وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) . اسْتَحَبَّهُ الْمَجْدُ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ وَابْنِ عَقِيلٍ وَغَيْرِهِمَا زَادَ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَجَمَاعَةٌ (وَلَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَشْهَدُ لَهُ ثَلَاثَةُ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ إلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ قَبِلْتُ شَهَادَةَ عِبَادِي فِيمَا عَلِمُوا، وَغَفَرْتُ لَهُ مَا أَعْلَمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (اللَّهُمَّ إنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ) اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ جَمَاعَةٍ، وَزَادَ بَعْدُ " فَتَجَاوَزْ عَنْهُ اللَّهُمَّ إنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ " وَبَعْدُ " وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ ": " وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ إنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ". (وَإِنْ كَانَ) الْمَيِّتُ (صَغِيرًا وَلَوْ أُنْثَى، أَوْ بَلَغَ مَجْنُونًا وَاسْتَمَرَّ) عَلَى جُنُونِهِ حَتَّى مَاتَ (جَعْلَ مَكَان الِاسْتِغْفَار لَهُ) بَعْدَ " فَتَوَفَّهُ عَلَى
الْإِيمَانِ " (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ وَقِه بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا «السَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» . وَفِي لَفْظٍ " بِالْعَافِيَةِ وَالرَّحْمَةِ " رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَإِنَّمَا لَمْ يُسَنَّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ لِأَنَّهُ شَافِعٌ غَيْرُ مَشْفُوعٍ فِيهِ، وَلَا جَرَى عَلَيْهِ قَلَمٌ، فَالْعُدُولُ إلَى الدُّعَاءِ لِوَالِدَيْهِ أَوْلَى مِنْ الدُّعَاءِ لَهُ وَمَا ذُكِرَ مِنْ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ مُنَاسِبٌ لِمَا هُوَ فِيهِ فَشُرِعَ فِيهِ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ وَقَوْلُهُ " فَرَطًا " أَيْ: سَابِقًا مُهَيِّئًا لِمَصَالِحِ أَبَوَيْهِ فِي الْآخِرَةِ. وَقَوْلُهُ: " فِي كَفَالَةِ إبْرَاهِيمَ " يُشِيرُ بِهِ إلَى مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: «إنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةٌ يُقَالُ لَهَا طُوبَى كُلُّهَا ضُرُوعٌ، فَمَنْ مَاتَ مِنْ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ يَرْضَعُونَ رَضَعَ مِنْ طُوبَى وَحَاضِنُهُمْ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ» (وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ إسْلَامُ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمَوَالِيهِ) فَيَقُولُ: ذُخْرًا لِمَوَالِيهِ - إلَى آخِرِهِ. (وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ لِامْرَأَةٍ: اللَّهُمَّ إنَّ هَذِهِ أَمَتُكَ ابْنَةُ أَمَتِكَ نَزَلَتْ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ) بَدَلَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ فِي دُعَائِهِ لِلرَّجُلِ: اللَّهُمَّ إنَّهُ عَبْدُكَ - إلَى قَوْلِهِ: وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ (وَلَا يَقُولُ: أَبْدِلْهَا زَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهَا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَقُولُ فِي) دُعَائِهِ إذَا كَانَ الْمَيِّتُ (خُنْثَى) اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِ (هَذَا الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ) كَهَذِهِ الْجِنَازَةِ لِأَنَّهُ يَصْلُح لَهُمَا. (وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مِنْ الْمَيِّتِ غَيْرَ الْخَيْرِ، فَلَا يَقُولُ: وَلَا أَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا) لِأَنَّهُ كَذِبٌ (وَيَقِفُ بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَكُنْتُ أَحْسَبُ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِتَكْبِيرِ آخِرِ الصُّفُوفِ» . (وَلَا يَدْعُو) أَيْ: لَا يُشْرَعُ بَعْدَهَا دُعَاءٌ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ يَدْعُو فِيهَا كَالثَّالِثَةِ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْآجُرِّيُّ وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى فَعَلَهُ وَأَخْبَرَ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ أَصْلَحِ مَا رَوَى وَقَالَ: لَا أَعْلَم شَيْئًا يُخَالِفُهُ فَيَقُولُ {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201] ؛ وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنْ الْأَكْثَرِ وَصَحَّ أَنَّ أَنَسًا كَانَ لَا يَدْعُو بِدُعَاءٍ إلَّا خَتَمَهُ بِهَذَا وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ (وَلَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَبِّحُ بَعْدَهَا) أَيْ: الرَّابِعَةِ (وَلَا قَبْلهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا بَأْسَ
بِتَأْمِينِهِ) عَلَى الدُّعَاءِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ. (وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلِقَوْلِهِ: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ تَسْلِيمَةً» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ (يَجْهَرُ بِهَا) أَيْ: التَّسْلِيمَةِ (الْإِمَامُ) كَالْمَكْتُوبَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسَلِّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْ: مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ. (وَيَجُوزُ) تَسْلِيمَةٌ (ثَانِيَةٌ عَنْ يَسَارِهِ) لِمَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ وَاسْتَحَبَّهُ الْقَاضِي قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُتَابِعَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ كَالْقُنُوتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَعِيدٍ عَنْ ابْن عَبَّاسٍ، وَالْأَثْرَمُ عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ طَرَفُهَا بِسُجُودٍ وَلَا قُعُودٍ، فَسُنَّ فِيهَا الرَّفْعُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَصِفَةُ الرَّفْعِ وَانْتِهَاؤُهُ كَمَا سَبَقَ. (وَيُسَنُّ وُقُوفُهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (مَكَانَهُ حَتَّى تُرْفَعَ) الْجِنَازَةُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تَنْفَضُّ الصُّفُوفُ، حَتَّى تُرْفَعَ الْجِنَازَةُ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ سِتَّةُ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا: (الْقِيَامُ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ فَرْضًا) كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلِّ قَائِمًا» . (وَلَا تَصِحُّ) صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَرْضًا (مِنْ قَاعِدٍ وَلَا رَاكِبٍ) لِفَوَاتِ رُكْنِهَا وَهُوَ الْقِيَامُ وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ نَفْلَهَا يَصِحُّ مِنْ الْقَاعِدِ: كَنَفْلِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَمِنْ الرَّاكِبِ الْمُسَافِرِ. (وَ) الثَّانِي (التَّكْبِيرَاتُ الْأَرْبَعُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (فَإِنْ تَرَكَ مِنْهَا) أَيْ: الْأَرْبَعِ (غَيْرَ مَسْبُوقٍ تَكْبِيرَةً عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ وَاجِبًا. (وَ) إنْ تَرَكَ تَكْبِيرَةً مِنْهَا فَأَكْثَرَ (سَهْوًا يُكَبِّرُ) مَا تَرَكَهُ (مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ) كَمَنْ سَلَّمَ عَنْ نَقْصِ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاتِهِ (فَإِنْ طَالَ) الْفَصْلُ (أَوْ وُجِدَ مُنَافٍ مِنْ كَلَامٍ وَنَحْوِهِ اسْتَأْنَفَ) الصَّلَاةَ، أَيْ: ابْتَدَأَهَا لِمَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ " أَنَّ أَنَسًا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَكَبَّرَ عَلَيْهَا ثَلَاثًا، وَتَكَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَبَّرْتَ ثَلَاثًا فَرَجَعَ فَكَبَّرَ أَرْبَعًا رَوَاهُ حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ، وَالْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ وَعَوْدُهُ إلَى ذَلِكَ لَمَّا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ دَلِيلُ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ صَلَّى بِنَا أَنَسٌ فَكَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ سَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّمَا كَبَّرْتَ ثَلَاثًا فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ الرَّابِعَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ، فَتُحْمَلُ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَلَى عَدَمِ وُجُودِ الْمُنَافِي، وَفِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَالْخَلَّال عَلَى وُجُودِ الْمُنَافِي فَإِنَّ فِيهَا " وَتَكَلَّمَ ". (وَ) الثَّالِثُ قِرَاءَةُ
(الْفَاتِحَةِ عَلَى إمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» وَيَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْ الْمَأْمُومِ. (وَ) الرَّابِعُ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) لِقَوْلِهِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى نَبِيِّهِ» ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَ) الْخَامِسُ (دَعْوَةٌ) لِلْمَيِّتِ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ (وَلَا يَتَعَيَّنُ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ فِي) التَّكْبِيرَةِ (الثَّالِثَةِ بَلْ يَجُوزُ فِي) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ) نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيّ عَنْ الْأَصْحَابِ لِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ لَا تَعْيِينَ فِيهِ. (وَيَتَعَيَّنُ غَيْرُهُ) أَيْ: الدُّعَاءُ (فِي مَحَالِّهِ) فَتَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الثَّانِيَةِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي وَالتَّلْخِيصِ وَالْبُلْغَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَقُدِّمَ فِي الْفُرُوعِ خِلَافُهُ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ: مَا رُوِيَ لِلشَّافِعِيِّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مِنْ السُّنَّةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ: أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، يَقْرَأُ فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْجِنَازَةِ فِي التَّكْبِيرَاتِ لَا يَقْرَأُ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ سِرًّا فِي نَفْسِهِ ". (وَ) السَّادِسُ (تَسْلِيمَةٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجَنَائِزِ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (وَلَوْ لَمْ يَقُلْ) فِي السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ (وَرَحْمَةُ اللَّهِ) ؛ أَجْزَأَ (وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ صِفَةِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى يَزِيدَ بْنِ الْمُلَقَّفِ، فَسَلَّمَ وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ". (وَ) يُشْتَرَطُ لَهَا (جَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ لِمَكْتُوبَةٍ) كَالْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ وَالتَّمْيِيزِ، وَالطَّهَارَةِ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ مَعَ أَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ وَاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، وَالنِّيَّةِ (مَعَ حُضُورِ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ: يَدَيْ الْمُصَلِّي (قَبْلَ الدَّفْنِ) احْتِرَازًا عَمَّا بَعْدَ الدَّفْنِ وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ (لَا الْوَقْتِ) اسْتِثْنَاءً مَنْ قَوْلِهِ: جَمِيعُ مَا يُشْتَرَطُ لِمَكْتُوبَةٍ أَيْ: فَالْوَقْتُ مَشْرُوطٌ لِلْمَكْتُوبَةِ دُونَ الْجِنَازَةِ (فَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ) عَلَى الْأَعْنَاقِ أَوْ عَلَى دَابَّةٍ، أَوْ أَيْدِي الرِّجَالِ (لِأَنَّهَا) أَيْ: الْجِنَازَةُ (كَإِمَامٍ) وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ الْمَيِّتِ قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنْ الْإِمَامِ مَقْصُودٌ كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنْ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا وَفِي كِتَابِ الْخِلَافِ لِلْقَاضِي: صَلَاةُ الصَّفِّ الْأَخِيرِ جَائِزَةٌ وَلَوْ حَصَلَ بَيْنَ الْجِنَازَةِ وَبَيْنَهُ مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوْضِعِ الصَّفِّ الْأَخِيرِ بِلَا حَاجَةٍ لَمْ يَجُزْ. (وَلَا) تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ (مِنْ وَرَاءِ حَائِلٍ قَبْلَ الدَّفْنِ كَحَائِطٍ وَنَحْوِهِ) كَنَعْشٍ مُغَطَّى بِخَشَبٍ كَمَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (وَيُشْتَرَطُ) أَيْضًا
مَعَ مَا تَقَدَّمَ (إسْلَامِ مَيِّتٍ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَلَا يُسْتَجَابُ فِيهِ دُعَاءٌ قَالَ تَعَالَى {وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} [التوبة: 84] . (وَ) يُشْتَرَطُ أَيْضًا (تَطْهِيرُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (بِمَاءٍ) إنْ أَمْكَنَ (أَوْ تُرَابٍ لِعُذْرٍ) كَفَقْدِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (فَإِنْ تَعَذَّرَ صَلَّى عَلَيْهِ) وَكَذَا يُشْتَرَطُ تَكْفِينُهُ فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبْلَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ (وَلَا يَجِبُ، أَنْ يُسَامِتَ الْإِمَامُ الْمَيِّتَ فَإِنْ لَمْ يُسَامِتْهُ كُرِهَ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ عَيْنِ، الْمَيِّتِ) لِعَدَمِ تَوَقُّفِ الْمَقْصُودِ عَلَى ذَلِكَ (فَيَنْوِي) الصَّلَاةَ (عَلَى الْحَاضِرِ) أَوْ عَلَى هَذِهِ الْجِنَازَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. (وَإِنْ نَوَى) الصَّلَاةَ عَلَى (أَحَدِ الْمَوْتَى اُعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ) لِتَزُولَ الْجَهَالَةُ (فَإِنْ) نَوَى الصَّلَاةَ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنْ مَوْتَى يُرِيدُ بِهِ زَيْدًا فَ (بَانَ غَيْرُهُ فَجَزَمَ أَبُو الْمَعَالِي: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَقَالَ) أَبُو الْمَعَالِي (إنْ نَوَى) الصَّلَاةَ (عَلَى هَذَا الرَّجُلِ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسُهُ) بِأَنْ نَوَى عَلَى هَذِهِ الْمَرْأَةِ، فَبَانَتْ رَجُلًا (فَالْقِيَاسُ الْإِجْزَاءُ) لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ غَيْرِهِ. (وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ) فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ (عَلَى سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ قَالَ أَحْمَدُ هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ لِأَنَّهُ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا» رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَكَبَّرَ عَلَى أَبِي قَتَادَةَ سَبْعًا وَعَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا وَقَالَ: إنَّهُ يُرْوَى أَنَّ عُمَرَ جَمَعَ النَّاسَ فَاسْتَشَارَهُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَبَّرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعًا فَجَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ وَقَالَ: هُوَ أَطْوَلُ الصَّلَاةِ يَعْنِي أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الْجِنَازَةِ مَقَامُ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ ذَاتِ الرُّكُوعِ وَأَطْوَلُ الْمَكْتُوبَاتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ (وَلَا) يَجُوزُ (النَّقْصُ عَنْ أَرْبَعِ) تَكْبِيرَاتٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الْأَرْبَعِ) مِنْ التَّكْبِيرَاتِ لِجَمْعِ عُمَرَ النَّاسَ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى الْأَرْبَعِ تَدُلَّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرُهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ (فَإِنْ زَادَ إمَامٌ) عَلَى أَرْبَعَةٍ (تَابَعَهُ مَأْمُومٌ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (إلَى سَبْعٍ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ (مَا لَمْ تُظَنَّ بِدْعَتُهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (أَوْ رَفْضُهُ فَلَا يُتَابَعُ) عَلَى مَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ لِمَا فِي مُتَابَعَتِهِ مِنْ إظْهَارِ شِعَارِهِمْ. (وَلَا يَدْعُو بَعْدَ) التَّكْبِيرَةِ (الرَّابِعَةِ فِي الْمُتَابَعَةِ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا لَا يَدْعُو لَوْ كَانَ يُسَلِّمُ عَقِبَهَا (وَلَا يُتَابَعُ) الْإِمَامُ (فِيمَا زَادَ عَلَى السَّبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ لِعَدَمِ وُرُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تَبْطُلُ)
صَلَاةُ الْجِنَازَةِ (بِمُجَاوَزَتِهَا) أَيْ: السَّبْعِ تَكْبِيرَاتٍ (وَلَوْ عَمْدًا) لِأَنَّهَا زِيَادَةُ قَوْلٍ مَشْرُوعٍ فِي أَصْلِهِ دَاخِلَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ تَكْرَارَ الْفَاتِحَةِ وَالتَّشَهُّدِ، وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ أَوْ نَقُولُ: تَكْرَارُ تَكْبِيرَةٍ أَشْبَهَ تَكْبِيرِ الصَّلَوَاتِ. وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ الرَّكْعَةِ، لِأَنَّهَا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ، وَلِهَذَا لَوْ زَادَ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْضِي مُنْفَرِدًا، لِكَوْنِهِ فِعْلًا (وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بَعْدَهَا) أَيْ: السَّابِعَةِ (بِهِ) أَيْ: بِالْإِمَامِ لِاحْتِمَالِ سَهْوِهِ، وَ (لَا) يَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بِهِ (فِيمَا) زَادَ عَلَى الْأَرْبَعِ (دُونَهَا) أَيْ: دُونَ السَّابِعَةِ، أَيْ: فِي الْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا. (وَلَا يُسَلِّمُ) الْمَأْمُومُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ إمَامِهِ، وَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ تَكْبِيرَاتٍ نَصَّ عَلَيْهِ فَيَحْرُمُ لِأَنَّهُ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ (وَمُنْفَرِدٌ كَإِمَامٍ فِي الزِّيَادَةِ) عَلَى السَّبْعِ وَفِي النَّقْصِ عَنْ أَرْبَعٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لَكِنْ لَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ بِمُجَاوَزَةِ السَّبْعِ لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ كَبَّرَ) إمَامٌ أَوْ مُنْفَرِدٌ (عَلَى جِنَازَةٍ) تَكْبِيرَةً وَاحِدَةٍ (ثُمَّ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (أُخْرَى كَبَّرَ) تَكْبِيرَةً (ثَانِيَةً وَنَوَاهُمَا) أَيْ: الْجِنَازَتَيْنِ (فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَالِثَةٍ كَبَّرَ) التَّكْبِيرَةَ (الثَّالِثَةَ وَنَوَى الْجَنَائِزَ الثَّلَاثَ فَإِنْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (رَابِعَةٍ كَبَّرَ) التَّكْبِيرَةَ (الرَّابِعَةَ وَنَوَى) الْجَنَائِزَ (الْكُلَّ فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى الْأُولَى أَرْبَعًا وَعَلَى الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا وَعَلَى الثَّالِثَةِ اثْنَتَيْنِ وَعَلَى الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً فَيَأْتِي بِثَلَاثِ تَكْبِيرَاتٍ أُخَرَ) تَتِمَّةَ السَّبْعِ (فَيُتِمُّ) تَكْبِيرَهُ (سَبْعًا، يَقْرَأُ) الْفَاتِحَةَ (فِي) التَّكْبِيرَةِ (الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي) التَّكْبِيرَةِ (السَّادِسَةِ وَيَدْعُو) لِلْمَوْتَى (فِي) التَّكْبِيرَةِ (السَّابِعَةِ) ثُمَّ يُسَلِّمُ (فَيَصِيرُ مُكَبِّرًا عَلَى) الْجِنَازَةِ (الْأُولَى سَبْعًا وَعَلَى الثَّانِيَةِ سِتًّا وَعَلَى الثَّالِثَةِ خَمْسًا وَعَلَى الرَّابِعَةِ أَرْبَعًا فَإِنْ جِيءَ) بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ (بِ) جِنَازَةٍ (خَامِسَةٍ لَمْ يَنْوِهَا بِالتَّكْبِيرِ، بَلْ يُصَلِّي عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِهِ) لِئَلَّا يُؤَدِّي إلَى تَنْقِيصِهَا عَنْ أَرْبَعٍ أَوْ زِيَادَةِ مَا قَبْلَهَا عَلَى سَبْعٍ وَكِلَاهُمَا مَحْظُورٌ. (وَكَذَا لَوْ جِيءَ بِ) جِنَازَةٍ (ثَانِيَةٍ عَقِبَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ) لَمْ يَجُزْ إدْخَالُهَا فِي الصَّلَاةِ (لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ السَّبْعِ) تَكْبِيرَاتٍ (أَرْبَعٌ) بَلْ ثَلَاثٌ فَيُؤَدِّي إلَى مَا سَبَقَ (فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفْعَهَا) بَعْدَ الْأَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ وَ (قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَمْ يَجُزْ) لِأَنَّ السَّلَامَ رُكْنٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ. (وَفِي الْكَافِي) فِيمَا إذَا جِيءَ بِأُخْرَى فَأَكْثَرَ، فَكَبَّرَ وَنَوَى لَهُمَا أَوَّلَهُمْ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِهِ أَرْبَعٌ (يَقْرَأُ فِي الرَّابِعَةِ الْفَاتِحَةَ وَيُصَلِّي) عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (فِي الْخَامِسَةِ، وَيَدْعُو لَهُمْ فِي السَّادِسَةِ) لِتَكْمُلَ الْأَرْكَانُ لِجَمِيعِ الْجَنَائِزِ وَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ
قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالتَّنْقِيحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَمَنْ سُبِقَ بِبَعْضِ الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَدَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ) حَيْثُ أَدْرَكَهُ (وَلَوْ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ نَدْبًا) كَالصَّلَاةِ (أَوْ) كَانَ إدْرَاكُهُ لَهُ (بَعْد تَكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ قَبْلَ السَّلَامِ) فَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ مَعَهُ (وَيَقْضِي ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ) اسْتِحْبَابًا (وَيَقْضِي مَسْبُوقٌ مَا فَاتَهُ) قَبْلَ دُخُولِهِ مَعَ الْإِمَامِ (عَلَى صِفَتِهِ) لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَيَكُونُ قَضَاؤُهُ (بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ) كَالْمَسْبُوقِ فِي الصَّلَاةِ قُلْتُ: لَكِنْ إنْ حَصَلَ لَهُ عُذْرٌ يُبِيحُ تَرْكَ جُمُعَةٍ وَجَمَاعَةٍ صَحَّ أَنْ يَنْفَرِدَ وَيُتِمَّ لِنَفْسِهِ قَبْلَ سَلَامِهِ (فَإِنْ أَدْرَكَهُ) الْمَسْبُوقُ (فِي الدُّعَاءِ تَابَعَهُ فِيهِ) أَيْ: الدُّعَاءِ (فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ) بَعْدَ التَّعَوُّذِ وَالْبَسْمَلَةِ (ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ كَبَّرَ وَسَلَّمَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْضِيَّ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَيَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» وَقَوْلِهِ " ثُمَّ كَبَّرَ وَسَلَّمَ " هَكَذَا فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ وَإِنَّمَا يُظْهِرُ إذَا كَانَ الدُّعَاءُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ أَوْ بَعْدَ الثَّالِثَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا لِنَوْمٍ أَوْ سَهْوٍ وَنَحْوِهِ وَإِلَّا لَزِمَ عَلَيْهِ الزِّيَادَةُ عَلَى أَرْبَعٍ وَتَرْكُهَا أَفْضَلُ فَإِنْ كَانَ أَدْرَكَهُ فِي الدُّعَاءِ وَكَبَّرَ الْأَخِيرَةَ مَعَهُ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ كَبَّرَ وَقَرَأَ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ كَبَّرَ وَصَلَّى عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ سَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَكْبِيرٍ لِأَنَّ الْأَرْبَعَ تَمَّتْ. " تَتِمَّةٌ " مَتَى أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى، فَكَبَّرَ وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ ثُمَّ كَبَّرَ الْإِمَامُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا تَابَعَهُ وَقَطَعَ الْقِرَاءَةَ كَالْمَسْبُوقِ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ قَبْلَ إتْمَامِهِ الْقِرَاءَةَ (فَإِنْ خَشِيَ) الْمَسْبُوقُ (رَفْعَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةِ (تَابَعَ) أَيْ: وَالَى (بَيْنَ التَّكْبِيرِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ) أَيْ: قِرَاءَةٍ وَصَلَاةٍ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَلَا دُعَاءٍ، رُفِعَتْ) الْجِنَازَةُ (أَمْ لَا) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَحَكَاهُ نَصًّا (فَإِذَا سَلَّمَ) الْمَسْبُوقُ (وَلَمْ يَقْضِ) مَا فَاتَهُ (صَحَّ) ذَلِكَ، أَيْ: صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُصَلِّي عَلَى الْجِنَازَةِ وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُ التَّكْبِيرِ قَالَ: «مَا سَمِعْتِ فَكَبِّرِي وَمَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَهَذَا صَرِيحٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ، لَكِنْ يُسْتَحَبُّ، وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ فَلَمْ يَجِبْ قَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهَا كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ (وَمَتَى رُفِعَتْ) الْجِنَازَةُ (بَعْدَ الصَّلَاةِ) عَلَيْهَا (لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ) يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا، تَحْقِيقًا لِلْمُبَادَرَةِ إلَى مُوَارَاةِ الْمَيِّتِ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى: وَلَا تُوضَعُ لِصَلَاةٍ بَعْدَ حَمْلِهَا (فَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ) وَيُبَادَرُ بِدَفْنِهَا وَقَالَ الْقَاضِي: إلَّا أَنْ يُرْجَى مَجِيءُ الْأُولَى فَتُؤَخَّرُ، إلَّا أَنْ يُخَافَ
تَغَيُّرُهُ. (وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ) عَلَى الْجِنَازَةِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُ إذَا وُضِعَتْ) الْجِنَازَةُ (أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَوْ جَمَاعَةً عَلَى الْقَبْرِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - أَوْ شَابًّا - فَفَقَدَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ فَقَدَهُ فَسَأَلَ عَنْهَا، أَوْ عَنْهُ فَقَالُوا: مَاتَتْ أَوْ مَاتَ فَقَالَ: أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا أَوْ أَمْرَهُ فَقَالَ: دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا أَوْ عَلَى قَبْرِهِ فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا أَوْ عَلَيْهِ» وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «انْتَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى قَبْرٍ رَطْبٍ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَكَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا قَالَ أَحْمَدُ: وَمَنْ يَشُكُّ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ؟ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ مِنْ سِتَّةِ وُجُوهٍ كُلُّهَا حِسَانٌ (وَكَذَا غَرِيقٌ وَنَحْوُهُ) كَأَسِيرٍ، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ وَيَسْقُطُ شَرْطُ الْحُضُورِ لِلْحَاجَةِ وَالْغُسْلِ، لِتَعَذُّرِهِ أَشْبَهَ الْحَيَّ إذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ (إلَى شَهْرٍ مِنْ دَفْنِهِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَائِبٌ، فَلَمَّا قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَتَقَيَّدَ بِهِ (وَ) إلَى (زِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عَلَى الشَّهْرِ قَالَ الْقَاضِي كَالْيَوْمَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ عَلَى قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا. (وَيَحْرُمُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى قَبْرٍ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ نَصَّ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ» أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ: يُرِيدُ شَهْرًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 88] أَرَادَ الْحِينَ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الْيَسِيرَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَأَمَّا إذَا لَمْ يُدْفَنْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ بِشَهْرٍ. (وَإِنْ شَكَّ فِي انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ) الَّتِي يُصَلَّى فِيهَا عَلَى الْقَبْرِ وَنَحْوِهِ (صَلَّى عَلَيْهِ، حَتَّى يُعْلَمَ فَرَاغُهَا) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا (وَيُصَلِّي إمَامٌ) أَعْظَمُ (وَغَيْرُهُ عَلَى غَائِبٍ عَنْ الْبَلَدِ، وَلَوْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، أَوْ) كَانَ (فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ) أَيْ: قِبْلَةِ الْمُصَلِّي (بِالنِّيَّةِ إلَى شَهْرٍ) كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ، لَكِنْ يَكُونُ الشَّهْرُ هُنَا مِنْ مَوْتِهِ، كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَصَفَّ - أَيْ: النَّاسَ - وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ الْمُخَالِفِ. فَإِنَّهُ يُمْنَعُ الصَّلَاةُ عَلَى الْغَرِيقِ وَالْأَسِيرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ
فصل يحرم أن يغسل مسلم كافرا
عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكَ الْحَبَشَةِ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْأَرْضَ زُوِيَتْ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُشِفَ لَهُ عَنْ النَّجَاشِيِّ، حَتَّى رَآهُ حِينَ صَلَاتِهِ لَوْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ لَذَكَرَهُ لِأَصْحَابِهِ وَلَنُقِلَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُعْجِزَةِ الْعَظِيمَةِ كَمَا نَقَلَ إخْبَارُهُ لَهُمْ بِمَوْتِهِ يَوْمَ مَاتَ، وَأَيْضًا لَوْ تَمَّ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لَمَا تَمَّ فِي حَقِّ أَصْحَابِهِ وَ (لَا) يُصَلَّى عَلَى مَنْ (فِي أَحَدِ جَانِبَيْ الْبَلَدِ وَلَوْ كَانَ) الْبَلَدُ (كَبِيرًا وَلَوْ لِمَشَقَّةِ مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حُضُورُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ وَيُعْتَبَرُ انْفِصَالُهُ عَنْ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذَّهَابُ إلَيْهِ نَوْعَ سَفَرٍ وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ: مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ لِأَنَّهُ إذَنْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ فَلَا يُعَدُّ غَائِبًا عَنْهَا. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَى قَبْرٍ وَغَائِبٍ وَقْتَ نَهْيٍ (وَلَا يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَمَنْ صَلَّى) عَلَى مَيِّتٍ (كُرِهَ لَهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ) عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُصُولِ: لَا يُصَلِّيهَا مَرَّتَيْنِ كَالْعِيدِ (إلَّا عَلَى مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ بِالنِّيَّةِ) كَالْغَائِبِ (إذَا حُضِرَ) جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ (أَوْ وَجَدَ بَعْضَ مَيِّتٍ صَلَّى عَلَى جُمْلَتِهِ فَتُسَنُّ) إعَادَةُ الصَّلَاةِ (فِيهِمَا) مُرَّةً ثَانِيَةً (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (أَوْ صَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (بِلَا إذْنِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ) بِالصَّلَاةِ (مَعَ حُضُورِهِ) أَيْ: الْأَوْلَى وَعَدَمُ إذْنِهِ وَلَمْ يُصَلِّ مَعَهُ (فَتُعَادُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (تَبَعًا) لِلْوَلِيِّ لِأَنَّهَا حَقُّهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَظَاهِرُهُ: لَا يُعِيدُ غَيْرَ الْوَلِيِّ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْلُ يَحْرُمُ أَنْ يُغَسِّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا] فَصْلُ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُغَسِّلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا وَلَوْ قَرِيبًا أَوْ يُكَفِّنَهُ أَوْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ أَوْ يَتْبَعَ جِنَازَتَهُ أَوْ يَدْفِنَهُ) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [الممتحنة: 13] وَغُسْلُهُمْ وَنَحْوُهُ: تَوَلٍّ لَهُمْ وَلِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لَهُمْ، وَتَطْهِيرٌ فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَفَارَقَ غُسْلَهُ فِي حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ ذَلِكَ (إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ مَنْ يُوَارِيهِ غَيْرَهُ فَيُوَارَى عِنْدَ الْعَدَمِ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَمَّا أُخْبِرَ بِمَوْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِعَلِيٍّ اذْهَبْ فَوَارِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد
وَالنَّسَائِيُّ وَكَذَلِكَ قَتْلَى بَدْرٍ أُلْقُوا فِي الْقَلِيبِ، أَوْ لِأَنَّهُ يَتَضَرَّرُ بِتَرْكِهِ وَيَتَغَيَّرُ بِبَقَائِهِ (فَإِنْ أَرَادَ) الْمُسْلِمُ (أَنْ يَتْبَعَ قَرِيبًا لَهُ كَافِرًا إلَى الْمَقْبَرَةِ رَكِبَ) الْمُسْلِمُ (دَابَّتَهُ وَسَارَ أَمَامَهُ) أَيْ: قُدَّامَ جِنَازَتِهِ (فَلَا يَكُونُ مَعَهُ) وَلَا مُتَّبِعًا لَهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَأْكُولٍ فِي بَطْنِ سَبُعٍ) قَالَ فِي الْفُصُولِ: فَأَمَّا إنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ سَبُعٍ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ، مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ (وَ) لَا يُصَلَّى عَلَى (مُسْتَحِيلٍ بِإِحْرَاقٍ) لِاسْتِحَالَتِهِ. (وَنَحْوِهِمَا) أَيْ: نَحْوُ أَكِيلِ السَّبُعِ وَالْمُسْتَحِيلُ بِإِحْرَاقٍ كَأَكِيلِ تِمْسَاحٍ وَمُسْتَحِيلٍ بِصِيَانَةٍ أَوْ نَحْوِهَا. (وَلَا يُسَنُّ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ، وَ) لَا لِ (إمَامِ كُلِّ قَرْيَةٍ - وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ الصَّلَاةُ عَلَى غَالٍّ وَهُوَ مَنْ كَتَمَ غَنِيمَةً أَوْ بَعْضَهَا) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ فَقَالَ: إنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا فِيهِ حِرْزًا مِنْ حِرْزِ الْيَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَ) . (لَا) عَلَى (قَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سُمْرَةَ أَنَّ «رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» وَالْمَشَاقِصُ جَمْعُ مِشْقَصٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْمِشْقَصُ كَمِنْبَرٍ: نَصْلٌ عَرِيضٌ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ وَالنَّصْلُ الطَّوِيلُ أَوْ سَهْمٌ فِيهِ ذَلِكَ يُرْمَى بِهِ الْوَحْشُ اهـ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ وَهُوَ الْإِمَامُ وَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِمَا وَأُلْحِقَ بِهِ مَنْ سَاوَاهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ فِي حَقِّهِ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ دَلِيلٌ وَأَمَّا تَرْكُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلصَّلَاةِ عَلَى مَدِينٍ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً، فَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، كَمَا يَأْتِي فِي الْخَصَائِصِ. (وَلَوْ صَلَّى) الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ أَوْ قَاضِيهِ (عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ عَمْدًا (فَلَا بَأْسَ كَبَقِيَّةِ النَّاسِ) لِأَنَّ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ رَدْعٌ وَزَجْرٌ، لَا لِتَحْرِيمِهِ (وَإِنْ تَرَكَ أَئِمَّةُ الدِّينِ الَّذِينَ يُقْتَدَى بِهِمْ الصَّلَاةَ عَلَى قَاتِلِ نَفْسِهِ، زَجْرًا لِغَيْرِهِ فَهَذَا أَحَقُّ) لِأَنَّ لَهُ شَبَهًا بِمَا سَبَقَ وَبِإِقَامَةِ الْحُدُودِ. (وَيُصَلِّي عَلَى كُلِّ عَاصٍ، كَسَارِقٍ وَشَارِبِ خَمْرٍ، وَمَقْتُولٍ قِصَاصًا، أَوْ حَدًّا أَوْ غَيْرِهِمْ) قَالَ الْإِمَامُ: مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ إلَّا عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ. (وَ) يُصَلِّي الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ عَلَى (مَدِينٍ لَمْ يُخْلِفْ وَفَاءً) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي نَسْخُ امْتِنَاعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ (وَلَا يُغَسَّلُ) كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ (وَلَا يُصَلَّى عَلَى كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ نَصًّا وَلَا يُوَرَّثُ وَيَكُونُ مَالُهُ فَيْئًا)
كَسَائِرِ الْمُرْتَدِّينَ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْجَهْمِيَّةُ وَالرَّافِضَةُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَهْلُ الْبِدَعِ إنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ) وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَرَكَ الصَّلَاةَ بِأَدَقِّ مِنْ هَذَا، فَأَوْلَى أَنْ تُتْرَكَ الصَّلَاةُ بِهِ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وَإِنَّ مَجُوسَ أُمَّتِي الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا قَدَرَ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَيَأْتِي قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ فِي الشَّهَادَاتِ وَيُكَفَّرُ مُجْتَهِدُهُمْ الدَّاعِيَةُ، وَغَيْرُهُ فَاسِقٌ. (وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ مَيِّتٍ تَحْقِيقًا) أَيْ: يَقِينًا أَنَّهُ مِنْ مَيِّتٍ (غَيْرِ شَعْرٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ، غُسِّلَ وَكُفِّنَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ وُجُوبًا) لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلٍ قَالَهُ أَحْمَدُ وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بَعْدَ تَغْسِيلِهَا وَتَكْفِينِهَا رَوَاهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ مِنْ وَقْعَةِ الْجَمَلِ، عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ وَاسْتَثْنَى الشَّعْرَ وَالظُّفْرَ وَالسِّنَّ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهَا (يَنْوِي) بِالصَّلَاةِ (ذَلِكَ الْبَعْضَ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْجُمْلَةِ لِأَنَّهَا غَيْرُ حَاضِرَةٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَحَلُّ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى ذَلِكَ الْبَعْضِ (إنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى عَلَى جُمْلَتِهِ وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ صَلَّى عَلَى جُمْلَتِهِ (سُنَّتْ الصَّلَاةُ) عَلَى ذَلِكَ، الْبَعْضِ وَلَمْ تَجِبْ لِتَقَدُّمِ الصَّلَاةِ عَلَى جُمْلَتِهِ، وَجُعِلَ الْأَكْثَرُ كَالْكُلِّ (ثُمَّ إنْ وُجِدَ الْبَاقِي) مِنْ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وُجُوبًا وَ (صُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ بِجَنْبِهِ) أَيْ: جَنْبِ قَبْرِهِ أَوْ فِي جَانِبِ الْقَبْرِ. (وَلَمْ يُنْبَشْ) مَا تَقَدَّمَ دَفْنُهُ، لِيُضَافَ إلَيْهِ الْبَاقِي احْتِرَامًا لَهُ (وَلَا يُصَلَّى عَلَى مَا بَانَ) أَيْ: انْفَصَلَ (مِنْ حَيٍّ، كَيْدِ سَارِقٍ وَنَحْوِهِ) كَقَاطِعِ طَرِيقٍ وَجَانٍ، وَمَقْطُوعٍ ظُلْمًا مَا دَامَ حَيَّا. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدْفَنَ الْمُسْلِمُ فِي مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ وَلَا بِالْعَكْسِ) بِأَنْ يُدْفَنَ الْكَافِرُ فِي مَقْبَرَةِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا يَأْتِي فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ مِنْ وُجُوبِ تَمْيِيزِهِمْ عَنَّا (وَلَوْ جُعِلَتْ مَقْبَرَةُ الْكُفَّارِ الْمُنْدَرِسَةُ مَقْبَرَةً لِلْمُسْلِمِينَ) بَعْدَ نَقْلِ عِظَامِهَا إنْ كَانَتْ (جَازَ) كَجَعْلِهَا مَسْجِدًا وَلِعَدَمِ احْتِرَامِهِمْ (فَإِنْ بَقِيَ عَظْمُ) حَرْبِيٍّ (دُفِنَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ وَغَيْرُهَا) أَيْ: غَيْرُ مَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ الدَّفْنُ فِيهِ (أَوْلَى إنْ أَمْكَنَ) تَبَاعُدًا عَنْ مَوَاضِعِ الْعَذَابِ وَلَا يَجُوزُ الْعَكْسُ بِأَنْ تُجْعَلَ مَقْبَرَةُ الْمُسْلِمِينَ الدَّارِسَةُ مَقْبَرَةً لِلْكُفَّارِ، وَلَا نَقْلُ عِظَامِ الْمُسْلِمِينَ لِتُدْفَنَ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، لِاحْتِرَامِهَا. (وَإِنْ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) بِأَنْ اخْتَلَطَ أَمْوَاتٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ (وَاشْتَبَهَ) مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَيْهِ (كَمُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) اشْتَبَهَا، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ
اخْتِلَاطٍ (صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ يَنْوِي) الصَّلَاةَ عَلَى (مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) مِنْهُمْ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاجِبَةٌ، وَلَا طَرِيقَ إلَيْهَا هُنَا إلَّا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْجَمِيعِ وَصِفَةُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ: أَنْ يَصُفَّهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ دُفْعَةً وَاحِدَةً، يَنْوِي بِالصَّلَاةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُمْ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ. فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ (بَعْدَ غُسْلِهِمْ وَتَكْفِينِهِمْ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ لَا تَصِحُّ إلَّا بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ فَوَجَبَ أَنْ يُغَسَّلُوا وَيُكَفَّنُوا كُلُّهُمْ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ غَيْرِهَا، كَثُرَ الْمُسْلِمُونَ مِنْهُمْ أَوْ قَلُّوا (وَدُفِنُوا مُنْفَرِدِينَ) عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَكَانٍ وَحْدَهُ (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ لِئَلَّا يُدْفَنَ مُسْلِمٌ مَعَ كَافِرٍ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إفْرَادُهُمْ (فَ) إنَّهُمْ يُدْفَنُونَ (مَعَ الْمُسْلِمِينَ) احْتِرَامًا لِمَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (وَإِنْ وُجِدَ مَيِّتٌ فَلَمْ يُعْلَمْ: أَمُسْلِمٌ هُوَ أَمْ كَافِرٌ؟ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِعَلَامَةٍ مِنْ خِتَانٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ إسْلَامٍ غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ كُفْرٍ لَمْ يُغْسَلْ وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ مَنْ كَانَ فِي دَارٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا، يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمْ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلَافِهِ دَلِيلٌ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ نَعْهَدُهُ ذِمِّيًّا فَشَهِدَ عَدْلٌ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِ فِي تَوْرِيثِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ، وَحُكِمَ بِهَا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ. (وَتُبَاحُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي مَسْجِدٍ، إنْ أُمِنَ تَلْوِيثُهُ) قَالَ الْآجُرِّيُّ السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ فِيهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «صَلَّى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى سَهْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَصَلَّى عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فِيهِ رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ فَلَمْ تُكْرَهْ فِيهِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ (حَرُمَ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى الْمَيِّتِ فِيهِ، خَشْيَةَ تَنْجِيسِهِ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ) أَيْ: الْمَيِّتَ (غَيْرُ نِسَاءٍ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ وُجُوبًا) لِأَنَّ عَائِشَةَ " أَمَرَتْ أَنْ تُؤْتَى بِأُمِّ سَعْدٍ " وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَلِضَرُورَةِ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ. (وَيَسْقُطُ بِهِنَّ فَرْضُهَا) وَالْمُرَادُ بِوَاحِدَةٍ وَتُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةٌ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُقَدَّمُ مِنْهُنَّ) لِلْإِمَامَةِ (مَنْ يُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ أَوْصَى لِإِحْدَاهُنَّ قُدِّمَتْ عَلَى سَائِرِهِنَّ وَإِلَّا فَأُمُّهُ ثُمَّ جَدَّتُهُ، ثُمَّ امْرَأَةٌ مِنْ عُصَبَاتِهِ الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى ثُمَّ مِنْ أَرْحَامِهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِنَّ قَاضِيَةٌ أَوْ وَالِيَةٌ قُدِّمَتْ لِأَنَّ
فصل حمل المسلم ودفنه من فروض الكفاية
وِلَايَتهَا وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ، إلَّا أَنَّهُ يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ، فَهِيَ مَزِيَّةٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ عَنْ الْفُصُولِ (وَتَقِفُ) إمَامَتُهُنَّ (فِي صَفِّهِنَّ كَمَكْتُوبَةٍ) اسْتِحْبَابًا (وَأَمَّا إذَا صَلَّى الرِّجَالُ) عَلَى الْجِنَازَةِ قَبْلَ النِّسَاءِ (فَإِنَّهُنَّ يُصَلِّينَ فُرَادَى) فِي وَجْهٍ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمُقَدَّمَ خِلَافُهُ. (وَلَهُ) أَيْ: الْمُصَلِّي (بِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ قِيرَاطٌ) مِنْ أَجْرٍ (وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ) تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ نِسْبَتُهُ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ (وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا قِيرَاطٌ آخَرُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تُدْفَنَ) لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ شَهِدَ الْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ قِيلَ وَمَا الْقِيرَاطَانِ؟ قَالَ مِثْلُ الْجَبَلَيْنِ الْعَظِيمَيْنِ» وَلِمُسْلِمٍ " أَصْغَرُهُمَا مِثْلُ أُحُدٍ ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " فَكَانَ مَعَهَا حَتَّى يُصَلِّيَ عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا " وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ يَذْهَبُ إلَى مُصَلَّى الْجَنَائِزِ، فَيَجْلِسُ فِيهِ مُتَصَدِّيًا لِلصَّلَاةِ عَلَى مَنْ يَحْضُرُ مِنْ الْجَنَائِزِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ قَالَ، فِي الْفُرُوعِ: وَكَأَنَّهُ يَرَى إذَا تَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ صَعْدَةَ " وَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا يَعْنِي مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَتَبِعَهَا مِنْ أَهْلِهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ. [فَصْلٌ حَمْلُ الْمُسْلِم وَدَفْنُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ] (فَصْلٌ حَمْلُهُ وَدَفْنُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ) وَتَقَدَّمَ (وَكَذَا مُؤْنَتُهُمَا) أَيْ: مُؤْنَةُ الْحَمْلِ وَالدَّفْنِ فَهِيَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، إنْ لَمْ يَخْلُفْ شَيْئًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ وَلَمْ يُمْكِنْ الْأَخْذُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمُرَادُ عَلَى مَنْ عَلِمَ بِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَبَاقِي مُؤَنِ التَّجْهِيزِ. (وَلَا يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ) لِحَمْلِ الْمَيِّتِ وَدَفْنِهِ (مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ) أَيْ: مُسْلِمًا (فَلِهَذَا يَسْقُطُ) الْحَمْلُ (بِكَافِرٍ) كَالتَّكْفِينِ وَالدَّفْنِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ لَهُمَا بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. (وَيُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى ذَلِكَ) أَيْ: الْحَمْلِ وَالدَّفْنِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْأَجْرِ. (وَ) كَذَا يُكْرَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ (عَلَى الْغُسْلِ) وَالتَّكْفِينِ، وَتَقَدَّمَ (فَيُوضَعُ الْمَيِّتُ عَلَى النَّعْشِ) بَعْدَ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ (مُسْتَلْقِيًا) عَلَى ظَهْرِهِ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ (وَيُسْتَحَبُّ إنْ كَانَ) الْمَيِّتُ (امْرَأَةً أَنْ يُسْتَرَ) النَّعْشُ " (بِمُكِبَّةٍ فَوْقَ السَّرِيرِ، تُعْمَلُ مِنْ خَشَبٍ أَوْ جَرِيدٍ، أَوْ قَصَبٍ، مِثْلُ الْقُبَّةِ فَوْقَهَا ثَوْبٌ) . قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَّلُ مَنْ اُتُّخِذَ لَهُ ذَلِكَ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوَّلُ مَنْ غُطِّيَ نَعْشُهَا فِي الْإِسْلَامِ ثُمَّ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ (وَيُسَنُّ أَنْ يَحْمِلَهُ أَرْبَعَةٌ لِأَنَّهُ يُسَنُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنْ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنْ السُّنَّةِ، ثُمَّ إنْ شَاءَ فَلْيَطَّوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ " إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ. (وَكَرِهَهُ) أَيْ: التَّرْبِيعَ فِي حَمْلِهِ (الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ مَعَ الِازْدِحَامِ) عَلَى الْجِنَازَةِ (وَهُوَ) أَيْ: التَّرْبِيعُ (أَفْضَلُ مِنْ الْحَمْلِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَصِفَتُهُ) أَيْ: التَّرْبِيعُ (أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ النَّعْشِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ) فِي حَالِ السِّيَرِ. وَهِيَ الَّتِي يَمِينُ الْمَيِّتِ (عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَنْتَقِلَ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُسْرَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُمْنَى أَيْضًا، ثُمَّ يَدَعَهَا لِغَيْرِهِ (ثُمَّ يَضَعَ قَائِمَتَهُ) أَيْ: النَّعْشِ (الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةِ) وَهِيَ الَّتِي تَلِي يَسَارَ الْمَيِّتِ (عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى) ثُمَّ يَدَعَهَا لِغَيْرِهِ، وَ (يَنْتَقِلَ إلَى) قَائِمَةِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى (الْمُؤَخَّرَةِ) فَيَضَعَهَا عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى فَتَكُونُ الْبُدَاءَةُ مَنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرَّأْسِ، وَالْخِتَامِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ بِالرِّجْلَيْنِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُوَافَقَةِ لِكَيْفِيَّةِ غُسْلِهِ، حَيْثُ يُبْدَأُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى رِجْلِهِ، ثُمَّ بِالْأَيْسَرِ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ " (وَإِنْ حُمِلَ) الْمَيِّتُ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ) وَهُمَا الْقَائِمَتَانِ (كُلُّ عَمُودٍ عَلَى عَاتِقٍ؛ كَانَ حَسَنًا وَلَمْ يُكْرَهْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ " وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ حُمِلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَمِنْ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. وَفِي الْمَذْهَبِ مِنْ نَاحِيَةِ رِجْلَيْهِ لَا يَصْلُحُ إلَّا التَّرْبِيعُ انْتَهَى لِأَنَّ الْمُؤَخَّرَ إنْ تَوَسَّطَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ لَمْ يُرَ مَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ فَلَا يُهْتَدَى إلَى الْمَشْيِ فَعَلَى هَذَا يَحْمِلُ السَّرِيرَ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ مِنْ مُقَدَّمِهِ، يَضَعُ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ، وَرَأْسِهِ بَيْنَهُمَا وَالْخَشَبَةَ الْمُعْتَرِضَةَ عَلَى كَاهِلِهِ وَاثْنَانِ مِنْ مُؤَخَّرِهِ: أَحَدُهُمَا مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ وَالْآخَرُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ يَضَعُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَمُودًا عَلَى عَاتِقِهِ. (وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِ طِفْلٍ عَلَى يَدَيْهِ وَ) لَا بَأْسَ (بِحَمْلِ الْمَيِّتِ بِأَعْمِدَةٍ لِلْحَاجَةِ) كَجِنَازَةِ ابْنِ عُمَرَ. (وَ) لَا بَأْسَ بِحَمْلِ الْمَيِّتِ (عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُعْدِ) قَبْرِهِ (وَنَحْوِهِ) كَسِمَنٍ مُفْرِطٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، أَوْ هَيْئَةٍ يُخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ.
(وَلَا بَأْسَ بِالدَّفْنِ لَيْلًا) لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ دُفِنَ لَيْلًا وَعَلِيٌّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا: قَالَهُ أَحْمَدُ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ قَبْرًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ، فَأَخَذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إنْ كُنْتَ لَأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالدَّفْنُ بِالنَّهَارِ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَسْهَلَ عَلَى مُتَّبِعِي الْجِنَازَةِ، وَأَكْثَرُ لِلْمُصَلِّينَ عَلَيْهَا، وَأَمْكَنُ لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ فِي دَفْنِهِ وَلَحْدِهِ. (وَيُكْرَهُ) الدَّفْنُ (عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ) عِنْدَ (غُرُوبِهَا، وَ) عِنْدَ (قِيَامِهَا) لِقَوْلِ عُتْبَةَ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْهَانَا عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِنَّ، وَأَنْ نُقْبِرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، وَحِينَ تَتَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغْرُبَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَى " تَتَضَيَّفُ " تَجْنَحُ وَتَمِيلُ لِلْغُرُوبِ مِنْ قَوْلِكَ تَضَيَّفْتُ فُلَانًا إذَا مِلْتَ إلَيْهِ. (وَيُسَنُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) أَيْ: بِالْجِنَازَةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيَكُونُ (دُونَ الْخَبَبِ) نَصَّ عَلَيْهِ. وَفِي الْمَذْهَبِ: وَفَوْقَ السَّعْيِ وَفِي الْكَافِي: لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخُضَهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «مَرَّ عَلَيْهِ جِنَازَةٌ تُمْخَضُ مَخْضًا، فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أُسْرِعَ وَالْخَبَبُ ضَرْبٌ مِنْ الْعَدْوِ، وَهُوَ خَطْوٌ فَسِيحٌ، دُونَ الْعَنَقِ - بِفَتْحَتَيْنِ ضَرْبٌ مِنْ السَّيْرِ فَسِيحٌ سَرِيعٌ (مَا لَمْ يُخَفْ عَلَيْهَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْإِسْرَاعِ، فَيَمْشِي بِحَيْثُ لَا يَضُرُّهَا. (وَاتِّبَاعُهَا) أَيْ: الْجِنَازَةُ (سُنَّةٌ) وَفِي آخِرِ الرِّعَايَةِ: اتِّبَاعُهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ» (وَهُوَ) أَيْ: اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ (حَقٌّ لِلْمَيِّتِ وَأَهْلِهِ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَوْ قُدِّرَ لَوْ انْفَرَدَ، أَيْ: الْمَيِّتُ يَسْتَحِقُّ هَذَا الْحَقَّ، لِمُزَاحِمٍ أَوْ لِعَدَمِ اسْتِحْقَاقِهِ، تَبِعَهُ لِأَجْلِ أَهْلِهِ إحْسَانًا إلَيْهِمْ لِتَأْلِيفٍ أَوْ مُكَافَأَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَذَكَرَ فِعْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. (وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: أَنَّ مِنْ الْجَبْرِ أَنْ يَتْبَعَهَا لِقَضَاءِ حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَاتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْصَرِفَ الثَّانِي: أَنْ يَتْبَعَهَا إلَى الْقَبْر ثُمَّ يَقِفَ، حَتَّى تُدْفَنَ الثَّالِثُ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الدَّفْنِ،
فَيَسْتَغْفِرَ لَهُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ لَهُ التَّثْبِيتَ وَيَدْعُو لَهُ بِالرَّحْمَةِ. (وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ) اتِّبَاعُ الْجِنَازَةِ، لِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: «نُهِينَا عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» أَيْ: لَمْ يُحَتَّمْ عَلَيْنَا تَرْكُ اتِّبَاعِهَا بَلْ نُهِينَا نَهْيَ تَنْزِيهٍ (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ الْمُشَاةِ أَمَامَهَا) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ. (وَلَا يُكْرَهُ) كَوْنُ الْمُشَاةِ (خَلْفَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةِ، بَلْ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّهُ أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةٌ. (وَ) لَا يُكْرَهُ أَنْ يَمْشُوا (حَيْثُ شَاءُوا) عَنْ يَمِينِهَا أَوْ يَسَارِهَا، بِحَيْثُ يُعَدُّونَ تَابِعِينَ لَهَا. (وَ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ (الرُّكْبَانُ، وَلَوْ فِي سَفِينَةٍ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا (فَلَوْ رَكِبَ وَكَانَ أَمَامَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةِ (كُرِهَ) قَالَهُ الْمَجْدُ. قَالَ النَّخَعِيُّ: كَانُوا يَكْرَهُونَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَيُكْرَهُ رَكُوبُ) مُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ لِحَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جِنَازَةٍ، فَرَأَى نَاسًا رِكَابًا، فَقَالَ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ مَلَائِكَةُ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (إلَّا لِحَاجَةٍ) كَمَرَضٍ. (وَ) إلَّا (لِعَوْدٍ) فَلَا يُكْرَهُ، لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَبِعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ (وَالْقُرْبُ مِنْهَا أَفْضَلُ) مِنْ الْبُعْدِ عَنْهَا (فَإِنْ بَعُدَ) عَنْ الْجِنَازَةِ فَلَا بَأْسَ (أَوْ تَقَدَّمَ) الْجِنَازَةَ (إلَى الْقَبْرِ، فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ أَيْ: لَا كَرَاهَةَ فِيهِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ) الْجِنَازَةَ (إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَ) يُكْرَهُ (أَنْ تُتْبَعَ) الْجِنَازَةُ (بِنَارٍ) لِلْخَبَرِ قِيلَ: سَبَبُ الْكَرَاهَةِ: كَوْنُهُ شِعَارُ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيِّ: تَفَاؤُلًا بِالنَّارِ (إلَّا لِحَاجَةِ ضَوْءٍ) فَلَا يُكْرَهُ إذَنْ لِلْحَاجَةِ. (وَأَنْ تُتْبَعَ بِمَاءِ وَرْدٍ وَنَحْوِهِ وَمِثْلُهُ التَّبْخِيرُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ) يُكْرَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ وَقَالَهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ بِدْعَةٌ. (وَيُكْرَهُ جُلُوسُ مَنْ تَبِعَهَا) أَيْ: الْجِنَازَةَ (حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ لِلدَّفْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «إذَا تَبِعْتُمْ الْجَنَائِزَ فَلَا تَجْلِسُوا حَتَّى تُوضَعَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَفِيهِ «حَتَّى تُوضَعَ بِالْأَرْضِ» (إلَّا لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الْجِنَازَةِ فَلَا يُكْرَهُ جُلُوسُهُ قَبْلَ " وَضْعِهَا بِالْأَرْضِ، لِمَا فِي انْتِظَارِهِ قَائِمًا مِنْ الْمَشَقَّةِ. (وَإِنْ جَاءَتْ) الْجِنَازَةُ (وَهُوَ
جَالِسٌ أَوْ مَرَّتْ بِهِ) وَهُوَ جَالِسٌ (كُرِهَ قِيَامُهُ لَهَا) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ «رَأَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَامَ فَقُمْنَا تَبَعًا لَهُ يَعْنِي فِي الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: «مُرَّ بِجِنَازَةٍ عَلَى الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ الْحَسَنُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَمَا قَامَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَامَ ثُمَّ قَعَدَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَكَانَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ - هُوَ وَلِيُّهَا - لَمْ يَجْلِسْ حَتَّى تُدْفَنَ) نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ. (وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِقِيَامِهِ عَلَى الْقَبْرِ حَتَّى تُدْفَنَ جَبْرًا وَإِكْرَامًا) وَوَقَفَ عَلِيٌّ عَلَى قَبْرٍ فَقِيلَ لَهُ: " أَلَا تَجْلِسُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: قَلِيلٌ عَلَى أَخِينَا قِيَامُنَا عَلَى قَبْرِهِ " ذَكَرَهُ أَحْمَدُ مُحْتَجًّا بِهِ. (وَيُكْرَه الصَّوْتُ وَالضَّجَّةُ عِنْدَ رَفْعِهَا) لِأَنَّهُ مُحْدَثٌ (وَكَذَا) رَفْعُ الصَّوْتِ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ الْجِنَازَةِ (وَلَوْ بِقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ) «لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُتْبَعَ الْجِنَازَةُ بِصَوْتٍ أَوْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (بَلْ يُسَنُّ) الْقِرَاءَةُ وَالذِّكْرُ (سِرًّا) وَإِلَّا الصَّمْتُ. (وَيُسَنُّ) لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (أَنْ يَكُونَ مُتَخَشِّعًا مُتَفَكِّرًا فِي مَآلِهِ) أَيْ: أَمْرُهُ الَّذِي يَئُولُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ (مُتَّعِظًا بِالْمَوْتِ وَبِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ الْمَيِّتُ) قَالَ سَعِيدُ بْنُ مُعَاذٍ " مَا تَبِعْتُ جِنَازَةً فَحَدَّثْتُ نَفْسِي بِغَيْرِ مَا هُوَ مَفْعُولٌ بِهَا " (وَيُكْرَهُ) لِمُتَّبِعِ الْجِنَازَةِ (التَّبَسُّمُ، وَالضَّحِكُ أَشَدُّ) مِنْهُ (وَالتَّحَدُّثُ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا كَذَا مَسَحَهُ بِيَدَيْهِ أَوْ بِشَيْءٍ عَلَيْهَا تَبَرُّكًا) وَقِيلَ: بِمَنْعِهِ كَالْقَبْرِ وَأَوْلَى. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: هُوَ بِدْعَةٌ يُخَافُ مِنْهُ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ وَهُوَ قَبِيحٌ فِي الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ قَالَ: وَلِهَذَا مَنَعَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ مَسِّ الْقَبْرِ، فَكَيْفَ بِالْجَسَدِ؟ وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ حَالَ الْحَيَاةِ يُكْرَهُ أَنْ يُمَسَّ بَدَنُ الْإِنْسَانِ لِلِاحْتِرَامِ وَغَيْرِهِ سِوَى الْمُصَافَحَةِ وَرَوَى ابْنُ الْخَلَّالِ فِي أَخْلَاقِ أَحْمَدَ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ الصَّمَدِ الطَّيَالِسِيَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى أَحْمَدَ، ثُمَّ مَسَحَهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ فَغَضِبَ شَدِيدًا، وَجَعَلَ يَنْفُضُ يَدَهُ، وَيَقُول عَمَّنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ وَأَنْكَرَهُ شَدِيدًا. (وَقَوْلُ الْقَائِلِ مَعَ الْجِنَازَةِ: اسْتَغْفِرُوا لَهُ وَنَحْوُهُ بِدْعَةٌ) عِنْدَ أَحْمَدَ وَكَرِهَهُ (وَحَرَّمَهُ أَبُو حَفْصٍ) نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَا يُعْجِبُنِي وَرَوَى سَعِيدٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَسَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَا لِقَائِلِ ذَلِكَ: " لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ". (وَيَحْرُمُ أَنْ يَتْبَعَهَا مَعَ مُنْكَرٍ وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ إزَالَتِهِ، نَحْوُ طَبْلٍ وَنِيَاحَةٍ وَلَطْمِ نِسْوَةٍ، وَتَصْفِيقٍ، وَرَفْعِ أَصْوَاتِهِنَّ) لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى اسْتِمَاعٍ مَحْظُورٍ، وَرُؤْيَتُهُ مَعَ
فصل في دفن الميت
قُدْرَتِهِ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ وَعَنْهُ يَتْبَعُهَا وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (فَإِنْ قَدِرَ) عَلَى إزَالَتِهِ (تَبِعَ) الْجِنَازَةَ. (وَأَزَالَهُ) أَيْ: الْمُنْكَرَ (لُزُومًا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودَيْنِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيُعَايَى بِهَا (فَلَوْ ظَنَّ إنْ اتَّبَعَهَا أَزَالَ الْمُنْكَرَ؛ لَزِمَهُ) اتِّبَاعُهَا إجْرَاءً لِلظَّنِّ مَجْرَى الْعِلْمِ. (وَضَرْبُ النِّسَاءِ بِالدُّفِّ مُنْكَرٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ اتِّفَاقًا قَالَهُ الشَّيْخُ) وَمَنْ دُعِيَ لِغُسْلِ مَيِّتٍ فَسَمِعَ طَبْلًا أَوْ نَوْحًا، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، نَقَل الْمَرْوَزِيُّ فِي طَبْلٍ: لَا وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ وَأَبُو دَاوُد فِي نَوْحٍ: يُغَسِّلُهُ وَيَنْهَاهُمْ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: الصَّوَابُ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ زَوَالُ الطَّبْلِ وَالنَّوْحِ بِذَهَابِهِ؛ ذَهَبَ وَغَسَّلَهُ، وَإِلَّا فَلَا. [فَصْلٌ فِي دَفْنِ الْمَيِّتِ] وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَقَدْ أَرْشَدَ اللَّهُ قَابِيلَ إلَى دَفْنِ أَخِيهِ هَابِيلَ وَأَبَانَ ذَلِكَ بِبَعْثِ غُرَابٍ {يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ} [المائدة: 31] وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا} [المرسلات: 25] {أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا} [المرسلات: 26] أَيْ: جَامِعَةً لِلْأَحْيَاءِ فِي ظَهْرِهَا بِالْمَسَاكِنِ، وَالْأَمْوَاتِ فِي بَطْنِهَا بِالْقُبُورِ، وَالْكَفْتُ الْجَمْعُ وَقَالَ تَعَالَى {ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس: 21] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " مَعْنَاهُ أَكْرَمَهُ بِدَفْنِهِ " (وَيُسَنُّ أَنْ يُدْخَلَ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ) أَيْ: رِجْلَيْ الْقَبْرِ (إنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ وَقَالَ هَذَا مِنْ السُّنَّةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ تَوَجُّهٍ، بَلْ دُخُولٍ فَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ مَجْمَعُ الْأَعْضَاءِ الشَّرِيفَةِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إدْخَالُهُ الْقَبْرَ مِنْ عِنْدَ رِجْلَيْهِ أَسْهَلَ أُدْخِلَ (مِنْ حَيْثُ يَسْهُلُ) دَفْعًا لِلضُّرِّ وَالْمَشَقَّةِ (ثُمَّ) إنْ سَهُلَ كُلٌّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَهُمَا (سَوَاءٌ) مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. (وَلَا تَوْقِيتَ فِي عَدَدِ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (مِنْ شَفْعٍ أَوْ وَتْرٍ، بَلْ) يَكُونُ ذَلِكَ (بِحَسَبِ الْحَاجَةِ) كَسَائِرِ أُمُورِهِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَجَّى قَبْرُ رَجُلٍ)
لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ وَقَدْ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ فَجَذَبَهُ وَقَالَ: إنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ " وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَبْعَدُ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (إلَّا لِعُذْرِ مَطَرٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَلَا يُكْرَهُ إذَنْ (وَيُسَنُّ) أَنْ يُسَجَّى (لِامْرَأَةٍ) لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ وَبِنَاءُ أَمْرِهَا عَلَى السَّتْرِ وَالْخُنْثَى كَالْأُنْثَى فِي ذَلِكَ احْتِيَاطًا. (وَمَنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ وَتَعَذَّرَ خُرُوجُهُ إلَى الْبَرِّ) لِبُعْدِهِمْ عَنْ السَّاحِلِ مَثَلًا (ثُقِّلَ بِشَيْءٍ، بَعْدَ غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ) لِيَسْتَقِرَّ فِي قَرَارِ الْبَحْرِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَأُلْقِي فِي الْبَحْرِ سَلًّا كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَإِنْ مَاتَ فِي بِئْرٍ أُخْرِجَ) . وُجُوبًا لِيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنَ وَإِنْ أَمْكَنَ مُعَالَجَةُ الْبِئْرِ بِالْأَكْسِيَةِ الْمَبْلُولَةِ تُدَارُ فِيهَا، حَتَّى تَجْتَذِبَ الْبُخَارَ، ثُمَّ يَنْزِلُ مَنْ يُطْلِعُهُ، أَوْ أَمْكَنَ إخْرَاجُهُ بِكَلَالِيبَ وَنَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ مُثْلَةٍ وَجَبَ ذَلِكَ لِتَأْدِيَةِ فَرْضِ غُسْلِهِ وَيَمْتَحِنُ زَوَالَ الْبُخَارِ إذَا شَكَّ فِيهِ بِسِرَاجٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ انْطَفَأَ فَهُوَ بَاقٍ وَإِلَّا فَقَدْ زَالَ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ النَّارَ لَا تَبْقَى إلَّا فِيمَا يَعِيشُ فِيهِ الْحَيَوَانُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) إخْرَاجُهُ بِالْكُلِّيَّةِ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا مُتَقَطِّعًا وَنَحْوَهُ (طُمَّتْ) الْبِئْرُ (عَلَيْهِ) لَتَصِيرَ قَبْرًا لَهُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَى إخْرَاجِهِ مُتَقَطِّعًا وَهَذَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ إلَى الْبِئْرِ (وَمَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا يُخْرَجُ مُطْلَقًا) أَيْ: وَلَوْ مُتَقَطِّعًا لِأَنَّ مُثْلَةَ الْمَيِّتِ أَخَفُّ ضَرَرًا مِمَّا يَحْصُلُ بِطَمِّ الْبِئْرِ وَتَعْطِيلِهَا. (وَأَوْلَى النَّاسِ بِتَكْفِينِ) مَيِّتٍ مُطْلَقًا (وَدَفْنِ) رَجُلٍ (أَوْلَاهُمْ بِغُسْلِ) الْمَيِّتِ وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " لَحَدَهُ الْعَبَّاسُ وَعَلِيٌّ وَأُسَامَةُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَكَانُوا هُمْ الَّذِينَ تَوَلَّوْا غُسْلَهُ وَلِأَنَّ الْمُقَدَّمَ بِغُسْلِهِ أَقْرَبُ إلَى سَتْرِ أَحْوَالِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ. (وَالْأَوْلَى: لِلْأَحَقِّ أَنْ يَتَوَلَّاهُ بِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي سَتْرِهِ، وَقِلَّةِ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (ثُمَّ بِنَائِبِهِ) لِقِيَامِهِ، مُقَامَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَصِيًّا عَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مِنْ بَعْدِهِمْ) أَيْ: بَعْدَ الْمَذْكُورِينَ فِي تَغْسِيلِ الرَّجُلِ الْأَوْلَى (بِدَفْنِ رَجُلٍ: الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) فَيُقَدَّمُونَ عَلَى أَقَارِبِهِ مِنْ النِّسَاءِ لِأَنَّهُنَّ يَضْعُفْنَ عَنْ إدْخَالِهِ الْقَبْرَ وَلِأَنَّ الْجِنَازَةَ يَحْضُرُهَا جُمُوعُ الرِّجَالِ غَالِبًا. وَفِي نُزُولِ النِّسَاءِ الْقَبْرَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ تَعْرِيضٌ لَهُنَّ بِالْهَتْكِ وَالْكَشْفِ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ (ثُمَّ) الْأَوْلَى (مَحَارِمُهُ مِنْ النِّسَاءِ ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ) لِلْحَاجَةِ إلَى دَفْنِهِ، وَعَدَمِ غَيْرِهِنَّ. (وَ) الْأَوْلَى (بِدَفْنِ امْرَأَةٍ: مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ) الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ لِأَنَّ امْرَأَةَ عُمَرَ لَمَّا تُوُفِّيَتْ قَالَ لِأَهْلِهَا " أَنْتُمْ أَحَقُّ بِهَا "
وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِوِلَايَتِهَا حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ (ثُمَّ) إنْ عَدِمُوا فَالْأَوْلَى (زَوْجُهَا) لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِمَحْرَمِهَا مِنْ النَّسَبِ مِنْ الْأَجَانِبِ (ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ مَاتَتْ ابْنَتُهُ أَمَرَ أَبَا طَلْحَةَ فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا " وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ وَمَعْلُومٌ: أَنَّ مَحَارِمَهَا كُنَّ هُنَاكَ كَأُخْتِهَا فَاطِمَةَ وَلِأَنَّ تَوَلِّي النِّسَاءِ لِذَلِكَ لَوْ كَانَ مَشْرُوعًا لَفُعِلَ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَصْرِ خُلَفَائِهِ وَلَمْ يُنْقَلْ (ثُمَّ مَحَارِمُهَا النِّسَاءُ) الْقُرْبَى فَالْقُرْبَى مِنْهُنَّ كَالرِّجَالِ. (وَيُقَدَّمُ مِنْ الرِّجَالِ) بِدَفْنِ امْرَأَةٍ (خَصِيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِجِمَاعٍ: أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ) عَهْدُهُ بِهِ قُلْتُ: وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ فِي ذَلِكَ، احْتِيَاطًا (وَلَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ) الْأَجَانِبِ (دَفْنُ امْرَأَةٍ؛ وَثَمَّ مَحْرَمٌ) لَهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِحَمْلِهَا مِنْ الْمُغْتَسَلِ إلَى النَّعْشِ وَيُسَلِّمُهَا إلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحُلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَبَعْضُ أَصْحَابِهِ. (وَاللَّحْدُ) بِفَتْحِ اللَّامِ مَثَلًا وَالضَّمُّ لُغَةً (أَفْضَلُ) مِنْ الشَّقِّ؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا فُعِلَ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَهُوَ) أَيْ: اللَّحْدُ فِي الْأَصْلِ: الْمَيْلُ وَالْمُرَادُ هُنَا (أَنْ يَحْفِرَ فِي أَرْضِ الْقَبْرِ) أَيْ: فِي أَسْفَلِ حَائِطِ الْقَبْرِ (مَا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ) وَلَا يُعَمِّقَ تَعْمِيقًا يَنْزِلُ فِيهِ جَسَدُ الْمَيِّتِ كَثِيرًا، بَلْ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْجَسَدُ غَيْرَ مُلَاصِقٍ لِلَّبِنِ (وَيُكْرَهُ الشَّقُّ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اللَّحْدُ لَنَا وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ. (وَهُوَ أَنْ يَبْنِيَ جَانِبَا الْقَبْرِ بِلَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ) وَيُسَمُّونَهُ بِبِلَادِ مِصْرَ مَنَامَةً (أَوْ يَشُقَّ) أَيْ: يَحْفِرَ (وَسَطَهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (فَيَصِيرُ) وَسَطُهُ (كَالْحَوْضِ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فِيهِ) أَيْ: فِي شِبْهِ الْحَوْضِ. (وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ بِبَلَاطٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَأَحْجَارٍ كَبِيرَةٍ (فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ رِخْوَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا اللَّحْدُ، شَقَّ فِيهَا لِلْحَاجَةِ) . وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يَجْعَلَ فِيهَا اللَّحْدَ مِنْ الْجَنَادِلِ وَاللَّبِنِ وَالْحِجَارَةِ جَعَلْ نَصَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْدِلْ إلَى الشَّقِّ لِمَا تَقَدَّمَ (وَيُسَنُّ تَعْمِيقُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ بِلَا حَدٍّ (وَتَوْسِيعُهُ بِلَا حَدٍّ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَتْلَى أُحُدٍ: «احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ تَعْمِيقَ الْقَبْرِ أَنْفَى لِظُهُورِ الرَّائِحَةِ الَّتِي تَسْتَضِرُّ بِهَا الْأَحْيَاءُ، وَأَبْعَدُ لِقُدْرَةِ الْوَحْشِ عَلَى نَبْشِهِ وَآكَدُ لِسَتْرِ الْمَيِّتِ وَالتَّوْسِيعُ: الزِّيَادَةُ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِحَفَّارٍ «أَوْسِعْ مِنْ قِبَلِ
الرَّأْسِ، وَمِنْ قِبَلِ الرِّجْلَيْنِ» وَالتَّعْمِيقُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ - الزِّيَادَةُ فِي النُّزُولِ. (وَقَالَ الْأَكْثَرُ: قَامَةُ وَسَطٍ وَبَسْطَةٌ، وَهِيَ بَسْطُ يَدِهِ قَائِمَةً وَيَكْفِي مَا) أَيْ: التَّعْمِيقَ (يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَقْدِيرٌ، فَيُرْجَعَ فِيهِ إلَى مَا يُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ. (وَ) يُسَنُّ أَنْ (يَنْصِبَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي اللَّحْدِ (اللَّبِنَ نَصْبًا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ سَعْدِ بْنِ وَقَّاصٍ (وَهُوَ) أَيْ: اللَّبِنُ (أَفْضَلُ مِنْ الْقَصَبِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْقَصَبِ وَاللَّبِنُ وَاحِدَتُهُ لَبِنَةٌ مَا ضُرِبَ مِنْ الطِّينِ مُرَبَّعًا لِلْبِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يُشْوَى بِالنَّارِ فَإِذَا شُوِيَ بِهَا سُمِّيَ آجُرًّا. (وَيَجُوزُ) تَغْطِيَةُ اللَّحْدِ (بِبَلَاطٍ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى اللَّبِنِ فِيمَا سَبَقَ (وَيَسُدُّ مَا بَيْنَ اللَّبِنِ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْفُرَجِ (بِطِينٍ لِئَلَّا يَنْهَارَ عَلَيْهِ التُّرَابُ) وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ، وَلَكِنْ يُطَيِّبُ نَفْسَ الْحَيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا. (وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (فِي تَابُوتٍ وَلَوْ امْرَأَةً) لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: " كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ، وَلَا يَسْتَحِبُّونَ الدَّفْنَ فِي تَابُوتٍ لِأَنَّهُ خَشَبٌ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ. وَفِيهِ تَشَبُّهٌ بِأَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَرْضُ أَنْشَفُ لِفَضَلَاتِهِ وَلِهَذَا زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ (وَيُكْرَهُ إدْخَالُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (خَشَبًا إلَّا لِضَرُورَةٍ وَ) يُكْرَهُ إدْخَالُهُ (مَا مَسَّتْهُ نَارٌ) تَفَاؤُلًا، وَحَدِيدٌ، وَلَوْ أَنَّ الْأَرْضَ رِخْوَةٌ أَوْ نَدِيَّةٌ (وَيُسْتَحَبُّ قَوْلُ مَنْ يُدْخِلُهُ) الْقَبْرَ (عِنْدَ وَضْعِهِ) فِيهِ (بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ، فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَفِي لَفْظٍ «كَانَ إذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ فِي الْقَبْرِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (وَإِنْ أَتَى عِنْدَ وَضْعِهِ وَلَحْدِهِ بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ يَلِيقُ) بِالْحَالِ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: حَضَرْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْدِ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَانِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْضَ عَنْ جَنْبَيْهَا، وَصَعِّدْ رُوحَهَا، وَلَقِّهَا مِنْكَ رِضْوَانًا وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُهُ مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي قَبْرٍ، فَلَمَّا خَرَجَ قِيلَ لِبِلَالٍ: مَا قَالَ؟ قَالَ: قَالَ: أَسْلَمَهُ إلَيْكَ الْأَهْلُ وَالْمَالُ وَالْعَشِيرَةُ وَالذَّنْبُ الْعَظِيمُ، وَأَنْتَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَاغْفِرْ لَهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ (عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَاقِفًا) نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: قَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
إذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَقِفُ عَلَى الْقَبْرِ بَعْدَ مَا يُسَوِّي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ نَزَلَ بِكَ صَاحِبُنَا وَخَلَّفَ الدُّنْيَا خَلْفَ ظَهْرِهِ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ مَنْطِقَهُ، وَلَا تَبْتَلِهِ فِي قَبْرِهِ بِمَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَالْأَخْبَارُ بِنَحْوِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْمُنَافِقِينَ: {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] مَعْنَاهُ: بِالدُّعَاءِ لَهُ وَالِاسْتِغْفَارِ، بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ دَفْنِهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَادَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمُسْلِمِينَ وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ النَّجَّارُ قَالَ " كُنْتُ مَعَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ بِيَدِي فَقُمْنَا نَاحِيَةً فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِهِ وَانْقَضَى الدَّفْنُ، جَاءَ إلَى الْقَبْرِ، وَأَخَذَ بِيَدِي وَجَلَسَ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الْقَبْرِ وَقَالَ: اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الواقعة: 88] {فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ} [الواقعة: 89] وَقَرَأَ إلَى آخِرِ السُّورَةِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ وَإِنَّا نَشْهَدُ أَنَّ هَذَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ مَا كَذَّبَ بِكَ وَلَقَدْ كَانَ يُؤْمِنُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ فَاقْبَلْ شَهَادَتَنَا لَهُ وَدَعَا لَهُ وَانْصَرَفَ ". (وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، فَيَقُومُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَلَاثًا فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ نَسَبَهُ إلَى حَوَّاءَ ثُمَّ يَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) لِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَسَوَّيْتُمْ عَلَيْهِ التُّرَابَ فَلْيَقُمْ عَلَى رَأْسِ قَبْرِهِ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ وَلَا يُجِيبُ ثُمَّ لْيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَانِيَةً فَإِنَّهُ يَسْتَوِي قَاعِدًا، ثُمَّ لِيَقُلْ يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانَةَ ثَالِثًا فَإِنَّهُ يَقُول: أَرْشِدْنَا
يَرْحَمْكَ اللَّهُ وَلَكِنْ لَا تَسْمَعُونَ فَيَقُولُ: اُذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عَلَيْهِ مِنْ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَبِالْقُرْآنِ إمَامًا فَإِنَّ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا يَقُولَانِ: مَا يُقْعِدُنَا عِنْدَهُ وَقَدْ لُقِّنَ حُجَّتَهُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ اسْمَ أُمِّهِ قَالَ: فَلْيَنْسُبْهُ إلَى حَوَّاءَ» قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي الشَّافِي وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي وَالطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلِلطَّبَرَانِيِّ أَوْ لِغَيْرِهِ فِيهِ «وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، وَأَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ: وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا، وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ» وَفِيهِ «وَأَنَّكَ رَضِيتَ بِاَللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِالْكَعْبَةِ قِبْلَةً، وَبِالْمُؤْمِنِينَ إخْوَانًا» وَقَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا الَّذِي يَصْنَعُونَ إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ يَقْفُ الرَّجُلُ، وَيَقُولُ يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانَةَ اُذْكُرْ مَا فَارَقْتَ عَلَيْهِ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا نَقَلَ هَذَا إلَّا أَهْلَ الشَّامِ، حِينَ مَاتَ أَبُو الْمُغِيرَةِ جَاءَ إنْسَانٌ فَقَالَ ذَاكَ وَكَانَ أَبُو الْمُغِيرَةِ يَرْوِي فِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ أَشْيَاخِهِمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ. (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ انْصَرَفُوا قَبْلَهُ لَمْ يَعُودُوا) لِأَنَّ الْخَبَرَ " يُلَقِّنُونَهُ قَبْلَ انْصِرَافِهِمْ لِيَتَذَكَّرَ حُجَّتَهُ. (وَهَلْ يُلَقَّنُ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ؟) وَجْهَانِ وَهَذَا الْخِلَافُ (مَبْنِيٌّ عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ إلَيْهِ) النَّفْيُ قَوْلُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ وَغَيْرِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَنْ الْأَصْحَابِ (الْمُرَجَّحُ النُّزُولُ) فَيَكُونُ الْمُرَجَّحُ تَلْقِينُهُ (وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ) وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «صَلَّى عَلَى طِفْلٍ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ فَقَالَ: اللَّهُمَّ قِه عَذَابَ الْقَبْرِ وَفِتْنَةَ الْقَبْرِ» قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَا حُجَّةَ فِيهِ، لِلْجَزْمِ بِنَفْيِ التَّعْذِيبِ فَقَدْ يَكُونُ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَى الْوَقْفَ فِيهِمْ اهـ وَكَذَلِكَ أَجَابَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ فِيهِ عُقُوبَةَ الطِّفْلِ قَطْعًا لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا بِلَا ذَنْبٍ عَمِلَهُ بَلْ الْمُرَادُ الْأَلَمُ الَّذِي يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ بِسَبَبٍ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً عَلَى عَمَلِهِ وَقَالَ الْآخَرُونَ: أَيْ: الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ. السُّؤَالُ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ يَعْقِلُ الرَّسُولَ وَالْمُرْسَلَ فَيَسْأَلُ هَلْ آمَنَ بِالرَّسُولِ وَأَطَاعَهُ أَمْ لَا؟ فَأَمَّا الطِّفْلُ الَّذِي لَا تَمْيِيزَ لَهُ بِوَجْهٍ فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ وَلَوْ رُدَّ إلَيْهِ عَقْلُهُ فِي الْقَبْرِ، فَإِنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْعَلَمِ بِهِ فَلَا فَائِدَةَ فِي هَذَا السُّؤَالِ. (قَالَ ابْنُ عَبْدُوسٍ: يُسْأَلُ الْأَطْفَالُ عَنْ الْإِقْرَارِ الْأَوَّلِ،
حِينَ الذُّرِّيَّةِ) يُشِيرُ بِهِ إلَى قَوْله تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172] قَالَ بَعْضُهُمْ وَهُوَ سُؤَالُ تَكْرِيمٍ، وَسُؤَالُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنْ ثَبَتَ - فَهُوَ سُؤَالُ تَشْرِيفٍ وَتَعْظِيمٍ كَمَا أَنَّ التَّكَالِيفَ فِي دَارِ الدُّنْيَا لِبَعْضٍ تَكْرِيمٌ وَلِبَعْضٍ امْتِحَانٌ وَنَكَالٌ (وَالْكِبَارُ يُسْأَلُونَ عَنْ مُعْتَقَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا) وَعَنْ (إقْرَارِهِمْ الْأَوَّلِ) حِينَ الذُّرِّيَّةِ. (وَيُسَنُّ وَضْعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ) لِأَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ النَّائِمِ وَهُوَ يُشْبِهُهُ (وَوَضْعُ لَبِنَةٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ) تَحْتَ رَأْسِهِ (كَمَا يَضَعُ الْحَيُّ تَحْتَ رَأْسِهِ) قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَيُوضَعُ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فَحَجَرٌ فَإِنْ عُدِمَ فَقَلِيلٌ مِنْ تُرَابٍ، لَا آجُرَّةَ لِأَنَّهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ وَيُفْضِي بِخَدِّهِ الْأَيْمَنِ إلَى الْأَرْضِ بِأَنْ يُزَالَ الْكَفَنُ عَنْهُ وَيُلْصَقَ بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِكَانَةِ وَالتَّضَرُّعِ وَلِقَوْلِ عُمَرَ " إذَا أَنَا مِتَّ فَافْضُوَا بِخَدِّي إلَى الْأَرْضِ ". (وَتُكْرَهْ مِخَدَّةٌ) بِكَسْرِ الْمِيمِ تُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ وَغَيْرُ لَائِقٍ بِالْحَالِ (وَالْمَنْصُوصُ: وَ) تُكْرَهُ (مِضْرَبَةٌ وَقَطِيفَةٌ تَحْتَهُ) قَالَ أَحْمَدُ: مَا أُحِبُّ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْأَرْضِ مِضْرَبَةٌ، وَلِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُلْقَى تَحْتَ الْمَيِّتِ فِي الْقَبْرِ شَيْءٌ، ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ " لَا تَجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا " وَالْقَطِيفَةُ الَّتِي وُضِعَتْ تَحْتَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا وَضَعَهَا شُقْرَانُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ اتِّفَاقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ. (وَنَصُّهُ) أَيْ: الْإِمَامِ (لَا بَأْسَ بِهَا) أَيْ: الْمِضْرَبَةِ أَوْ الْقَطِيفَةِ (مِنْ عِلَّةٍ وَيُسْنَدُ) الْمَيِّتُ (خَلْفَهُ) بِتُرَابٍ، لِئَلَّا يَنْقَلِبَ (وَ) يُسْنَدُ (أَمَامَهُ بِتُرَابٍ لِئَلَّا يَسْقُطَ) فَيَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُدْنَى مِنْ الْحَائِطِ لِئَلَّا يَنْكَبَّ عَلَى وَجْهِهِ. (وَيَجِبُ اسْتِقْبَالُهُ) أَيْ: أَنْ يُدْفَنَ مُسْتَقْبِلَ (الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْكَعْبَةِ: «قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» وَلِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةُ الْمُسْلِمِينَ، بِنَقْلِ الْخَلَفِ عَنْ السَّلَفِ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَكَذَا دُفِنَ (وَيُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ حَضَرَ) الدَّفْنَ (أَنْ يَحْثُوَ التُّرَابَ فِيهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ (بِالْيَدِ، ثُمَّ يُهَالُ عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى قَبْرَ الْمَيِّتِ، فَحَثَى عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَة «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فصل رفع القبر عن الأرض
صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ؛ فَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا، وَأَتَى الْقَبْرَ فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عِنْدَ رَأْسِهِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَلِأَنَّ مُوَارَاتَهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَبِالْحَثْيِ يَصِيرُ مِمَّنْ شَارَكَ فِيهَا وَفِي ذَلِكَ أَقْوَى عِبْرَةٍ وَتَذْكَارٍ، فَاسْتُحِبَّ لِذَلِكَ. [فَصْلٌ رَفْعُ الْقَبْرِ عَنْ الْأَرْضِ] (فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْقَبْرِ) عَنْ الْأَرْضِ (قَدْرَ شِبْرٍ) . لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى، وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ قَبْرَهُ عَنْ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ» . وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ لِعَائِشَةَ يَا أُمَّاهُ، اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبَيْهِ فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ، لَا مُشْرِفَةً وَلَا لَاطِئَةً مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَيُكْرَهُ) رَفْعُ الْقَبْرِ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ شِبْرٍ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَلِيٍّ: «لَا تَدَعْ تِمْثَالًا إلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إلَّا سَوَّيْتَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَالْمُشْرِفُ مَا رُفِعَ كَثِيرًا، بِدَلِيلِ مَا سَبَقَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ " لَا مُشْرِفَةً وَلَا لَاطِئَةً " (وَتَسْنِيمُهُ) أَيْ: الْقَبْرِ (أَفْضَلُ مِنْ تَسْطِيحِهِ) لِقَوْلِ سُفْيَانَ التَّمَّارِ " رَأَيْتُ قَبْرَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسَنَّمًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ الْحَسَنِ مِثْلُهُ وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ أَشْبَهُ بِأَبْنِيَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا (إلَّا بِدَارِ حَرْبٍ، إذَا تَعَذَّرَ نَقْلُهُ) أَيْ: الْمَيِّتُ (فَالْأَوْلَى تَسْوِيَتُهُ) أَيْ: الْقَبْرُ (بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ) أَوْلَى مِنْ إظْهَارِهِ، وَتَسْنِيمِهِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْبَشَ، فَيُمَثَّلَ بِهِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُرَشَّ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (الْمَاءُ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ مُحَلَّلٌ بِهِ، لِيَحْفَظَ تُرَابَهُ) لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ إبْرَاهِيمَ مَاءً وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَلِأَنَّ ذَلِكَ أَثْبَتُ لَهُ، وَأَبْعَدُ لِدُرُوسِهِ، وَأَمْنَعُ لِتُرَابِهِ مِنْ أَنْ تُذْهِبَهُ الرِّيَاحُ، وَالْحَصْبَاءُ صِغَارُ الْحَصَا (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) أَيْ: الْقَبْرِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي وَصْفِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ مَبْطُوحَةً بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَيْضًا بِ (تَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا) كَلَوْحٍ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ الْمَطْلَبِ
قَالَ «لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجِنَازَتِهِ، فَدُفِنَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ فَلَمْ نَسْتَطِعْ حَمْلَهُ فَقَامَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَحَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: أُعَلِّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ. (وَيُكْرَهُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (سَوَاءٌ لَاصَقَ الْبِنَاءَ الْأَرْضَ أَوْ لَا وَلَوْ فِي مُلْكِهِ مِنْ قُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ «وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ» وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي) كِتَابِهِ (إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ) مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ (يَجِبُ هَدْمُ الْقِبَابِ الَّتِي عَلَى الْقُبُورِ لِأَنَّهَا أُسِّسَتْ عَلَى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ انْتَهَى وَهُوَ) أَيْ: الْبِنَاءُ (فِي) الْمَقْبَرَةِ (الْمُسَبَّلَةِ أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَاسْتِعْمَالٌ لِلْمُسَبَّلَةِ فِيمَا لَمْ تُوضَعْ لَهُ (وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ) وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَقَالَ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا يُبْنَى وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ: هُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّ الْأَشْهَرَ لَا يُمْنَعَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَنْقُولَ فِي هَذَا: مَا سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا وَالْمُرَادُ: لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ كَغَيْرِهِ. وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حَفْرُ قَبْرٍ فِي مُسَبَّلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَهَهُنَا أَوْلَى. (قَالَ الشَّيْخُ) مَنْ بَنَى مَا يَخْتَصُّ بِهِ فِيهَا فَ (هُوَ غَاصِبٌ) وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: فِيهِ تَضْيِيقٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَفِيهِ فِي مِلْكِهِ إسْرَافٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ وَكُلٌّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (قَالَ أَبُو حَفْصٍ تُحَرَّمُ الْحُجْرَةُ بَلْ تُهْدَمُ، وَهُوَ) أَيْ: الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الْبِنَاءِ فِي الْمُسَبَّلَةِ (الصَّوَابُ) لِمَا يَأْتِي فِي الْوَقْفِ أَنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَكَرِهَ أَحْمَدُ الْفُسْطَاطَ وَالْخَيْمَةَ عَلَى الْقَبْرِ) لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ " أَوْصَى حِينَ حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَنْ لَا تَضْرِبُوا عَلَيَّ فُسْطَاطًا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ " وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: انْزِعْهُ يَا غُلَامُ فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ " وَلِأَنَّ الْخِيَامَ بُيُوتُ أَهْلِ الْبَرِّ فَكُرِهَتْ، كَمَا كُرِهَتْ بُيُوتُ أَهْلِ الْمُدُنِ (وَتَغْشِيَةُ قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ) أَيْ: سَتْرُهَا بِغَاشِيَةٍ (لَيْسَ مَشْرُوعًا فِي الدِّينِ) قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: فِي كِسْوَةِ الْقَبْرِ بِالثِّيَابِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنْكَرٌ، إذَا فُعِلَ بِقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟ . (وَتُكْرَهْ الزِّيَادَةُ عَلَى تُرَابِ الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
أَنْ يُبْنَى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُزَادَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد. وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ " لَا يُجْعَلُ عَلَى الْقَبْرِ مِنْ التُّرَابِ أَكْثَرُ مِمَّا يُخْرَجُ مِنْهُ حِينَ حُفِرَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَلِأَنَّ الْعَادَةَ أَنْ يَفْضُلَ مِنْ التُّرَابِ عَنْ مُسَاوَاةِ الْأَرْضِ لِمَكَانِ الْمَيِّتِ مِنْ الْقَبْرِ مَا يَكْفِي لِسُنَّةِ التَّسْنِيمِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الزِّيَادَةِ (إلَّا أَنْ يُحْتَاجَ إلَيْهِ) أَيْ: الزَّائِدِ، فَلَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ عِنْدَهُ) أَيْ الْقَبْرِ (وَتَجْصِيصُهُ وَتَزْوِيقُهُ، وَتَخْلِيقُهُ وَتَقْبِيلُهُ وَالطَّوَافُ بِهِ وَتَبْخِيرُهُ وَكِتَابَةُ الرِّقَاعِ إلَيْهِ، وَدَسِّهَا فِي الْأَنْقَابِ وَالِاسْتِشْفَاءُ بِالتُّرْبَةِ مِنْ الْأَسْقَامِ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ الْبِدَعِ. (وَ) تُكْرَهُ (الْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. (وَ) يُكْرَهُ (الْجُلُوسُ) عَلَيْهِ لِمَا رَوَى أَبُو مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إلَيْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُكْرَهُ (الْوَطْءُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْقَبْرِ لِقَوْلِ الْخَطَّابِي: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " نَهَى أَنْ تُوطَأَ الْقُبُورُ (قَالَ بَعْضُهُمْ: إلَّا لِحَاجَةٍ) إلَى ذَلِكَ. (وَ) يُكْرَهُ (الِاتِّكَاءُ عَلَيْهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى رَجُلًا قَدْ اتَّكَأَ عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ الْقَبْرِ» (وَيَحْرُمُ التَّخَلِّي عَلَيْهَا) أَيْ: الْقُبُورِ (وَبَيْنَهَا) لِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ وَلَا أُبَالِي أَوَسَطَ الْقُبُورِ قَضَيْتُ حَاجَتِي أَوْ وَسَطَ السُّوقِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَالدَّفْنُ فِي صَحْرَاء أَفْضَلُ) مِنْ الدَّفْنِ بِالْعُمْرَانِ لِأَنَّهُ أَقَلُّ ضَرَرًا عَلَى الْأَحْيَاءِ مِنْ الْوَرَثَةِ وَأَشْبَهَ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ وَلَمْ تَزَلْ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ يُقْبِرُونَ فِي الصَّحْرَاءِ (سِوَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنَّهُ قُبِرَ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ " لِئَلَّا يُتَّخَذَ قَبْرُهُ مَسْجِدًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ رُوِيَ «تُدْفَنُ الْأَنْبِيَاءُ حَيْثُ يَمُوتُونَ» مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ وَفِعْلُهُ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا أَصْحَابُهُ رَأَوْا تَخْصِيصَهُ بِذَلِكَ صِيَانَةً عَنْ كَثْرَةِ الطَّرْقِ، وَتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ) أَبُو بَكْر وَعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (الدَّفْنَ مَعَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ الْخَرْقَ يَتَّسِعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلَّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ) ذَلِكَ (ذَكَرَهُ الْمَجْدُ
وَغَيْرُهُ وَيَحْرُمُ إسْرَاجُهَا) أَيْ: الْقُبُورِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ وَلَوْ أُبِيحَ لَمْ يَلْعَنْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ فَعَلَهُ وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَضْيِيعًا لِلْمَالِ مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ، وَمُغَالَاةً فِي تَعْظِيمِ الْأَمْوَاتِ يُشْبِهُ تَعْظِيمَ الْأَصْنَامِ. (وَ) يَحْرُمُ (اتِّخَاذُ الْمَسْجِدِ عَلَيْهَا) أَيْ: الْقُبُورِ (وَبَيْنَهَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَتَعَيَّنُ إزَالَتُهَا) أَيْ: الْمَسَاجِدِ، إذَا وُضِعَتْ عَلَى الْقُبُورِ، أَوْ بَيْنَهَا (وَفِي كِتَابِ الْهَدْيِ) النَّبَوِيِّ لِابْنِ قَيِّمٍ الْجَوْزِيَّةِ (لَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ) تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الْحَظْرِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ. (وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا) أَيْ: فِي الْمَقْبَرَةِ، لِمَا رَوَى بَشِيرُ ابْنُ الْخَصَاصِيَةِ قَالَ «بَيْنَمَا أَنَا أُمَاشِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَجُلٌ يَمْشِي بَيْنَ الْقُبُورِ، عَلَيْهِ نَعْلَانِ فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ فَنَظَرَ الرَّجُلُ فَلَمَّا عَرَفَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَلَعَهُمَا فَرَمَى بِهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ: إسْنَادُهُ جَيِّد وَلِأَنَّ خَلْعَ النَّعْلَيْنِ أَقْرُبُ إلَى الْخُشُوعِ وَزِيُّ أَهْلِ التَّوَاضُعِ، وَاحْتِرَامُ أَمْوَاتِ الْمُسْلِمِينَ (حَتَّى التَّمَشُّكُ - بِضَمِّ التَّاءِ وَالْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ) الْمُعْجَمَةِ (لِأَنَّهُ) أَيْ: التَّمَشُّكُ (نَوْعٌ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ النِّعَالِ، فَيَتَنَاوَلُهُ مَا سَبَقَ وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِبَغْدَادَ (لَا) يُكْرَهُ الْمَشْيُ بَيْنَ الْقُبُورِ (بِخُفٍّ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِنَعْلٍ وَلَا فِي مَعْنَاهُ وَيَشُقُّ نَزْعُهُ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْجِنَازَةِ لَبِسَ خُفَّيْهِ وَأَمَّا وَطْءُ الْقَبْرِ نَفْسِهِ فَمَكْرُوهٌ مُطْلَقًا لِمَا سَبَقَ. وَفِي عِبَارَةِ الْمُنْتَهَى إبْهَامٌ (وَيُسَنُّ خَلْعُ النَّعْلِ إذَا دَخَلَهَا) أَيْ: الْمَقْبَرَةَ، لِمَا سَبَقَ (إلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا يُتَأَذَّى بِهِ، كَحَرَارَةِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ عُذْرٌ (وَمَنْ سَبَقَ) إلَى مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ قُدِّمَ) عِنْدَ التَّزَاحُمِ وَضِيقِ الْمَحَلِّ، كَمَا لَوْ تَنَازَعَا فِي رِحَابِ الْمَسَاجِدِ، وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ (وَيُقْرَعُ إنْ جَاءَا مَعًا) فَيُقَدَّمُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِتَمْيِيزِ مَا أُبْهِمَ. (وَلَا بَأْسَ بِتَحْوِيلِ الْمَيِّتِ وَنَقْلِهِ إلَى مَكَان آخَرَ بَعِيدًا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ، وَمُجَاوِرَةِ صَالِحٍ
مَعَ أَمْنِ التَّغَيُّرِ) لِمَا فِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ غَيْرَ وَاحِدٍ يَقُولُ: " إنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ مَاتَا بِالْعَقِيقِ فَحُمِلَا إلَى الْمَدِينَةِ وَدُفِنَا بِهَا وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ " مَاتَ ابْنُ عُمَرَ هَا هُنَا، وَأَوْصَى أَنْ لَا يُدْفَنَ هَاهُنَا، وَأَنْ يُدْفَنَ بِسَرِفٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ (إلَّا الشَّهِيدَ) إذَا دُفِنَ بِمَصْرَعِهِ فَلَا يُنْقَلُ مِنْهُ وَدَفْنُهُ بِهِ سُنَّةٌ (حَتَّى وَلَوْ نُقِلَ) مِنْ مَصْرَعِهِ (رُدَّ إلَيْهِ) قَالَ أَحْمَدُ: أَمَّا الْقَتْلَى فَعَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ادْفِنُوا الْقَتْلَى فِي مَصَارِعِهِمْ» (وَيَجُوزُ نَبْشُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَتَحْسِينِ كَفَنِهِ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَتَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَأَخْرَجَهُ فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ» أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ. (وَ) يَجُوزُ نَقْلُهُ لِ (بُقْعَةٍ خَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ كَ) نَبْشِهِ لِ (إفْرَادِهِ عَمَّنْ دُفِنَ مَعَهُ) لِقَوْلِ جَابِرٍ دُفِنَ مَعَ أَبِي رَجُلٌ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسِي حَتَّى أَخْرَجْتُهُ فَجَعَلْتُهُ فِي قَبْرٍ عَلَى حِدَةٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ " كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - فَدُفِنَ - مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرِهِ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الْآخَرِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ غَيْرَ أُذُنِهِ " رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ أَوَّلَ الْغُسْلِ. (وَيُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ) الْمَوْتَى فِي الْمَقْبَرَةِ الْوَاحِدَةِ وَيُقَارَبُ بَيْنَ قُبُورِهِمْ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ لِزِيَارَتِهِمْ، وَأَبْعَدُ لِانْدِرَاسِ قُبُورِهِمْ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا دَفَنَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَعَلَّمَ قَبْرَهُ «أَدْفِنُ إلَيْهِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي» وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الدَّفْنُ (فِي الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَنَّ مُوسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةَ حَجَرٍ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ، عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ» وَقَالَ عُمَرُ: " اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَ) يُسْتَحَبُّ أَيْضًا الدَّفْنُ فِي (مَا كَثُرَ فِيهِ الصَّالِحُونَ) لِتَنَالَهُ بَرَكَتُهُمْ وَلِذَلِكَ الْتَمَسَ عُمَرُ الدَّفْنَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ وَسَأَلَ عَائِشَةَ، حَتَّى أَذِنَتْ لَهُ. (وَيَحْرُمُ قَطْعُ
شَيْءٍ مِنْ أَطْرَافِ الْمَيِّتِ وَإِتْلَافُ ذَاتِهِ، وَإِحْرَاقُهُ) لِحَدِيثِ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» وَلِبَقَاءِ حُرْمَتِهِ. (وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) أَيْ: بِمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَطْعِ وَالْإِتْلَافِ وَالْإِحْرَاقِ فَلَا نَتَّبِعُ وَصِيَّتَهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَا ضَمَانَ فِيهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ إذَا قُطِعَ طَرَفُهُ أَوْ أُتْلِفَ أَوْ أُحْرِقَ (وَلِوَلِيِّهِ) أَيْ: الْمَيِّتِ (أَنْ يُحَامِيَ عَنْهُ) أَيْ: يَدْفَعَ عَنْهُ مَنْ أَرَادَ قَطْعَ طَرَفِهِ وَنَحْوِهِ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، كَدَفْعِ الصَّائِلِ. (وَإِنْ آلَ ذَلِكَ إلَى إتْلَافِ الْمُطَالِبِ، فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الدَّافِعِ، كَمَا فِي دَفْعِ الصَّائِلِ (وَمَنْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ فَدُفِنَ قَبْلَهُ، لَزِمَ نَبْشُهُ) تَدَارُكًا لِلْوَاجِبِ (وَ) لَزِمَ (تَغْسِيلُهُ) وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ فِي الْغُسْلِ. (وَيَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (إلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ) كَكَثْرَةِ الْمَوْتَى وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِذَا دُفِنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَ (إنْ شَاءَ سَوَّى بَيْنَ رُءُوسِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ حَفَرَ قَبْرًا طَوِيلًا، وَجَعَلَ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ) مِنْ الْمَوْتَى (عِنْدَ رِجْلِ الْآخَرِ أَوْ) عِنْدَ (وَسَطِهِ، كَالدَّرَجِ وَيَجْعَلُ رَأْسَ الْمَفْضُولِ عِنْدَ رِجْلَيْ الْفَاضِلِ وَيُسَنُّ حَجْزُهُ بَيْنَهُمَا بِتُرَابٍ) لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ، كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ (وَالتَّقْدِيمُ إلَى الْقِبْلَةِ كَالتَّقْدِيمِ إلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَيُسَنُّ) . أَنْ يُقَدَّمَ الْأَفْضَلُ فَالْأَفْضَلُ إلَى الْقِبْلَةِ فِي الْقَبْرِ، لِحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: «شُكِيَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَثْرَةُ الْجِرَاحَاتِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: احْفِرُوا وَوَسِّعُوا، وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) عِنْدَ بَيَانِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (وَلَا يُنْبَشُ قَبْرُ مَيِّتٍ بَاقٍ، لِمَيِّتٍ آخَرَ) أَيْ: يَحْرُمُ ذَلِكَ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ. (وَمَتَى عُلِمَ) أَنَّ الْمَيِّتَ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا (وَمُرَادُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (ظُنَّ أَنَّهُ بَلِيَ، وَصَارَ رَمِيمًا؛ جَازَ نَبْشُهُ، وَدُفِنَ غَيْرُهُ فِيهِ) أَيْ: الْقَبْرِ مَكَانَهُ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ وَالْهَوَاءِ، وَهُوَ فِي الْبِلَادِ الْحَارَّةِ أَسْرَعُ مِنْهُ فِي الْبَارِدَةِ. (وَإِنْ شُكَّ فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي أَنَّهُ بَلِيَ وَصَارَ رَمِيمًا (رُجِعَ إلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ) أَيْ: الْمَعْرِفَةِ بِذَلِكَ (فَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ فِيهَا) أَيْ: الْأَرْضِ (عِظَامًا دَفَنَهَا) أَيْ: الْعِظَامَ، أَيْ: أَبْقَاهَا مَكَانَهَا، وَأَعَادَ التُّرَابَ كَمَا كَانَ وَلَمْ يَجُزْ دَفْنُ مَيِّتٍ
آخَرَ عَلَيْهِ نَصًّا (وَحَفَرَ فِي مَكَان آخَرَ) خَالٍ مِنْ الْأَمْوَاتِ. (وَإِذَا صَارَ) الْمَيِّتُ (رَمِيمًا، جَازَتْ الزِّرَاعَةُ وَالْحِرَاثَةُ) أَيْ: مَوْضِعَ الدَّفْنِ (وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالْبِنَاءِ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَصِرْ (فَلَا) يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: (وَالْمُرَادُ) أَيْ: بِقَوْلِ أَبِي الْمَعَالِي: تَجُوزُ الزِّرَاعَةُ وَالْحَرْثُ وَنَحْوُهُمَا إذَا صَارَ رَمِيمًا (إذَا لَمْ يُخَالَفْ شَرْطُ وَاقِفٍ، لِتَعْيِينِهِ الْجِهَةِ) بِأَنْ عَيَّنَ الْأَرْضَ لِلدَّفْنِ فَلَا يَجُوزُ حَرْثُهَا وَلَا غَرْسُهَا وَتَحْرُمُ عِمَارَةُ الْقَبْرِ إذَا دَثَرَ الَّذِي غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بَلَاءُ صَاحِبِهِ وَتَسْوِيَةُ التُّرَابِ عَلَيْهِ فِي الْمَقْبَرَةِ الْمُسَبَّلَةِ لِئَلَّا يَتَصَوَّرَ بِصُورَةِ الْجَدِيدِ فَيَمْتَنِعُ النَّاسُ مِنْ الدَّفْنِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَى تَحْرِيمِ الْحَفْرِ فِيهَا قَبْلَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَيَجُوزُ نَبْشُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِيُتَّخَذَ مَكَانُهَا مَسْجِدًا) لِأَنَّ مَوْضِعَ مَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ قُبُورًا لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَمَرَ بِنَبْشِهَا وَجَعْلِهَا مَسْجِدًا (أَوْ) أَيْ: وَيَجُوزُ نَبْشُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ (لِمَالٍ فِيهَا، كَقَبْرِ أَبِي رِغَالٍ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ» وَآيَةُ ذَلِكَ: «أَنَّ مَعَهُ غُصْنًا مِنْ ذَهَبٍ، إنْ رَأَيْتُمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ مَعَهُ، فَابْتَدَرَهُ النَّاسُ فَاسْتَخْرَجُوا الْغُصْنَ» وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ فِيمَنْ أَوْصَى بِبِنَاءِ دَارِهِ مَسْجِدًا فَخَرَجَتْ مَقْبَرَةٌ، فَإِنْ كَانُوا مُسْلِمِينَ لَمْ يُخْرَجُوا وَإِلَّا أُخْرِجَتْ عِظَامُهُمْ تَنْبِيهٌ أَبُو رِغَالٍ: يُرْجَمُ قَبْرُهُ وَكَانَ دَلِيلًا لِلْحَبَشَةِ، حَيْثُ تَوَجَّهُوا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ. (وَلَوْ وَصَّى بِدَفْنِهِ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُ) أَيْ: دَفْنُهُ بِمِلْكِهِ (يَضُرُّ الْوَرَثَةَ) لِمَنْعِهِمْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، فَيَكُونُ مَنْفِيًّا لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (وَلَا بَأْسَ بِشِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ، وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ) فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَلِهَذَا حَمَلَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُخْرَجْ مِنْ ثُلُثِهِ وَمَا قَالَهُ مُتَّجَهٌ وَبَعَّدَهُ بَعْضُهُمْ. وَفِي الْوَسِيلَةِ: فَإِنْ أَذِنُوا كُرِهَ دَفْنُهُ فِيهِ نَصَّ عَلَيْهِ انْتَهَى وَمُرَادُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ بِالْأَوَّلِ: مَا إذَا أَوْصَى بِدَفْنِهِ فِي مِلْكِهِ قُلْتُ: الْأَوْلَى حَمْلُ الْأَوَّلِ عَلَى مِلْكٍ فِي الْعُمْرَانِ، كَمَا يَدُلَّ عَلَيْهِ كَلَامُهُ فِي الْوَسِيلَةِ وَالتَّعْلِيلِ السَّابِقِ وَحُمِلَ الثَّانِي عَلَى شِرَائِهِ مَوْضِعَ قَبْرِهِ فِي مَقْبَرَةٍ غَيْرِ مُسَبَّلَةٍ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ فِعْلِ عُثْمَانَ وَعَائِشَةَ، فَإِنَّهُمَا فِي الْبَقِيعِ. (وَيَصِحُّ بِيَعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ) لِبَقَاءِ مَالِيَّتِهِ (مَا لَمْ يُجْعَلْ) مَا دُفِنَ فِيهِ مَقْبَرَةً، بِأَنْ وُقِفَ لِلدَّفْنِ فِيهِ (أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً) بِأَنْ تَكْثُرَ فِيهِ الْمَوْتَى وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى مَعَ شَرْحِهِ: مَا لَمْ يُجْعَلْ،
أَيْ: يَصِيرْ مَقْبَرَةً نَصَّ عَلَيْهِ وَمَنَعَ ابْنُ عَقِيلٍ بَيْعَ مَوْضِعِ الْقَبْرِ، مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ قَالَ فِي الْفُنُونِ: لِأَنَّهَا مَا لَمْ تَسْتَحِلْ تُرَابًا هِيَ مُحْتَرَمَةٌ قَالَ: وَإِنْ نُقِلَتْ الْعِظَامُ وَجَبَ الرَّدُّ لِتَعْيِينِهِ لَهَا. (وَيَحْرُمُ حُفْرَةٌ فِي) مَقْبَرَةٍ (مُسَبَّلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ) إلَيْهِ أَيْ: الدَّفْنِ، كَمَنْ يَتَّخِذُ قَبْرًا لِيَدْفِنَ فِيهِ مَنْ سَيَمُوتُ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَإِنْ ثَبَتَ قَوْلٌ بِجَوَازِ بِنَاءِ بَيْتٍ وَنَحْوِهِ، فَهَاهُنَا كَذَلِكَ وَأَوْلَى وَيَتَوَجَّهُ هُنَا مَا سَبَقَ فِي الْمُصَلَّى الْمَفْرُوشِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَ) يَحْرُمُ (دَفْنُهُ فِي مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطٍ لِتَعْيِينِ الْوَاقِفِ الْجِهَةَ لِغَيْرِ ذَلِكَ (وَيُنْبَشُ) مَنْ دُفِنَ بِمَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ، وَيُخْرَجُ نَصًّا تَدَارُكًا لِلْعَمَلِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. (وَ) يَحْرُمُ دَفْنٌ (فِي مِلْكِ غَيْرِهِ) بِلَا إذْنِ رَبِّهِ، لِلْعُدْوَانِ (وَلِلْمَالِكِ إلْزَامُ دَافِنِهِ بِنَقْلِهِ) لِيُفْرِغَ لَهُ مِلْكَهُ عَمَّا شَغَلَهُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ. (وَالْأَوْلَى) لِلْمَالِكِ (تَرْكُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ، حَتَّى يَبْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِذَلِكَ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ الْمَيِّتِ حُلِيٌّ أَوْ ثِيَابُ غَيْرُ كَفَنِهِ كَإِحْرَاقِ ثِيَابِهِ وَتَكْسِيرِ أَوَانِيهِ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا فَائِدَةٍ. (وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَالَهُ قِيمَةٌ عُرْفًا، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ نُبِشَ) الْقَبْرُ (وَأُخِذَ) ذَلِكَ مِنْهُ لِمَا رُوِيَ " أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ قَالَ: خَاتَمِي فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ وَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أَقْرَبُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ أَحْمَدُ: إذَا نَسِيَ الْحَفَّارُ مِسْحَاتَهُ فِي الْقَبْرِ جَازَ أَنْ يُنْبَشَ انْتَهَى وَلِتَعَلُّقِ حَقِّ رَبِّهِ بِعَيْنِهِ، مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ فِي أَخْذِهِ. (وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبٍ غُصِبَ) وَطَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغُرْمُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، لِإِمْكَانِ دَفْعِ الضَّرَرِ مَعَ عَدَمِ هَتْكِ حُرْمَتِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَتَبْقَى مَالِيَّتُهُ، كَخَاتَمٍ، طَلَبَهُ رَبُّهُ لَمْ يُنْبَشْ وَغُرْمُ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) صَوْنًا لِحُرْمَتِهِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ (كَمَنْ غَصَبَ عَبْدًا فَأَبِقَ؛ تَجِبُ قِيمَتُهُ) عَلَى الْغَاصِبِ (لِأَجْلِ الْحَيْلُولَةِ) أَيْ: حَيْلُولَتِهِ بَيْنَ الْمَالِ وَرَبِّهِ (فَإِنْ تَعَذَّرَ الْغُرْمُ) أَيْ: غُرْمُ الْكَفَنِ الْمَغْصُوبِ أَوْ الْمَالِ الَّذِي بَلَعَهُ الْمَيِّتُ (لِعَدَمِ تَرِكَةٍ وَنَحْوِهِ نُبِشَ) الْقَبْرُ (وَأُخِذَ الْكَفَنُ) الْغَصْبُ فَدُفِعَ لِرَبِّهِ. (فِي) الْمَسْأَلَةِ (الْأُولَى وَشُقَّ جَوْفُهُ فِي) الْمَسْأَلَةِ (الثَّانِيَةِ، وَأُخِذَ الْمَالُ) فَدُفِعَ لِرَبِّهِ (إنْ لَمْ يُبْذَلْ لَهُ قِيمَتُهُ) أَيْ: إنْ لَمْ يَتَبَرَّعْ وَارِثٌ أَوْ غَيْرُهُ بِبَذْلِ قِيمَةِ الْكَفَنِ أَوْ الْمَالِ لِرَبِّهِ وَإِلَّا فَلَا يُنْبَشُ لِمَا سَبَقَ (وَإِنْ بَلَعَهُ) أَيْ: مَالَ الْغَيْرِ (بِإِذْنِ رَبِّهِ أُخِذَ إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ، لِأَنَّ مَالِكَهُ هُوَ الْمُسَلَّطُ لَهُ عَلَى مَالِهِ بِالْإِذْنِ لَهُ. (وَلَا يُعْرَضُ لَهُ) أَيْ: لِلْمَيِّتِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ أَنْ يَبْلَى لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُضَمِّنْهُ) أَيْ: الْمَال الَّذِي
بَلَعَهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فَلَا طَلَبَ لِرَبِّهِ عَلَى تَرِكَتِهِ لِأَنَّهُ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهِ. (وَإِنْ بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ، لَمْ يُنْبَشْ قَبْلَ أَنْ يَبْلَى) لِأَنَّ ذَلِكَ اسْتِهْلَاكٌ لِمَالِ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَهُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ) فَيُنْبَشُ وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيُخْرَجُ وَيُوفِي دَيْنَهُ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمُبَادَرَةِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ (وَلَوْ مَاتَ وَلَهُ أَنْفٌ ذَهَبٍ لَمْ يُقْلَعْ) لِمَا فِيهِ مِنْ الْمُثْلَةِ (لَكِنْ إنْ كَانَ بَائِعُهُ لَمْ يَأْخُذْ ثَمَنَهُ أَخَذَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَمَعَ عَدَمِ التَّرِكَةِ يَأْخُذُهُ) رَبُّهُ (إذَا بَلِيَ) الْمَيِّتُ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ. (وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ بِمَنْ يُرْجَى حَيَاتُهُ حَرُمَ شَقُّ بَطْنِهَا) مِنْ أَجْلِ الْحَمْلِ مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ ذِمِّيَّةً لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، لِأَنَّ الْغَالِبَ وَالظَّاهِرَ: أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَعِيشُ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ عَلَى ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَزَادَ " فِي الْإِثْمِ ". (وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلُ) أَوْ غَيْرُهُنَّ مِنْ النِّسَاءِ فَيُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي فَرْجِهَا (فَيُخْرِجْنَهُ) مِنْ بَطْنِهَا وَاَلَّذِي تُرْجَى حَيَاتُهُ: هُوَ الَّذِي تَمَّ لَهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَكَانَ يَتَحَرَّكُ حَرَكَةً قَوِيَّةً وَانْتَفَخَتْ الْمَخَارِجُ (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ نِسَاءٌ لَمْ يَسْطُ الرِّجَالُ، عَلَيْهَا) لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهَا (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِنَّ إخْرَاجُهُ (تُرِكَ حَتَّى يَمُوتَ) وَلَا يُشَقَّ بَطْنُهَا، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تُدْفَنُ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ مَوْتِ حَمْلِهَا لِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ دَفْنِهِ مَعَهَا (وَلَا يُوضَعُ عَلَيْهِ مَا يُمَوِّتُهُ) لِعُمُومِ النَّوَاهِي عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمَةِ (وَلَوْ خَرَجَ بَعْضُهُ) أَيْ: الْحَمْلِ (حَيًّا شُقَّ) بَطْنُهَا (حَتَّى يُخْرَجَ) بَاقِي الْحَمْلِ لِتَيَقُّنِ حَيَاتِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَوْهُومَةً (فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ خُرُوجِهِ أُخْرِجَ وَغُسِّلَ) كَغَيْرِهِ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ خُرُوجُهُ) أَيْ: خُرُوجُ بَاقِي الْحَمْلِ (تُرِكَ) بِحَالِهِ (وَغُسِّلَ مَا خَرَجَ مِنْهُ) لِأَنَّ لَهُ حُكْمُ السَّقْطِ (وَأَجْزَأَ) غُسْلُهُ (وَمَا بَقِيَ) مِنْ الْحَمْلِ فِي جَوْفِهَا (فَفِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَا يَحْتَاجُ إلَى التَّيَمُّمِ مِنْ أَجْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْحَمْلِ (وَصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَنْ خَرَجَ بَعْضُهُ (مَعَهَا) أَيْ: مَعَ أُمِّهِ، بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِمَا، حَيْثُ تَمَّ لَهُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرُ. (وَإِنْ مَاتَتْ ذِمِّيَّةٌ) أَوْ كَافِرَةٌ غَيْرُهَا (حَامِلٌ بِمُسْلِمٍ دَفَنَهَا مُسْلِمٌ وَحْدَهَا) أَيْ: فِي مَكَان غَيْرِ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ مَقَابِرِ الْكُفَّارِ نَصَّ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ (إنْ أَمْكَنَ) دَفْنُهَا وَحْدَهَا (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْنُهَا وَحْدَهَا فَإِنَّهَا تُدْفَنُ (مَعَ الْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ دَفْنِ الْمُسْلِم الَّذِي هُوَ الْجَنِينُ مَعَ الْكُفَّارِ وَكَمَا لَوْ اشْتَبَهَ
مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. (وَجُعِلَ ظَهْرُهَا) أَيْ: الْكَافِرَةِ (إلَى الْقِبْلَةِ) وَتُدْفَنُ (عَلَى جَنْبِهَا الْأَيْسَرِ) لِيَكُونَ الْجَنِينُ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ لِأَنَّ ظَهْرَهُ لِوَجْهِ أُمِّهِ (وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) أَيْ: جَنِينِ نَحْوِ الذِّمِّيَّةِ (لِأَنَّهُ غَيْرُ مَوْلُودٍ وَلَا سَقْطٍ) وَكَالْمَأْكُولِ بِبَطْنِ الْآكِلِ (وَيُصَلَّى عَلَى مُسْلِمَةٍ حَامِلٍ) وَعَلَى (حَمْلِهَا بَعْد مُضِيِّ زَمَنِ تَصْوِيرِهِ) وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيَنْوِيهِمَا بِالصَّلَاةِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ تَصْوِيرِهِ صَلَّى (عَلَيْهَا دُونَهُ) وَإِنَّمَا صَحَّتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ مَعَهَا بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنِ تَصْوِيرِهِ تَبَعًا لَهَا بِخِلَافِ الْكَافِرَةِ (وَيَلْزَمُ تَمْيِيزُ قُبُورِ أَهْلِ الذِّمَّةِ) عَنْ مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، كَحَالِ الْحَيَاةِ وَأَوْلَى (وَيَأْتِي) فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. (وَلَا تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْقَبْرِ وَ) لَا (فِي الْمَقْبَرَةِ بَلْ تُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَنْ دَخَلَ الْمَقَابِرَ فَقَرَأَ فِيهَا يس خُفِّفَ عَنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لَهُ بِعَدَدِهِمْ حَسَنَاتٌ» وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ أَوْصَى إذَا دُفِنَ أَنْ يُقْرَأَ عِنْدَهُ بِفَاتِحَةِ الْبَقَرَةِ وَخَاتِمَتِهَا وَلِهَذَا رَجَعَ أَحْمَدُ عَنْ الْكَرَاهَةِ قَالَهُ أَبُو بَكْر لَكِنْ قَالَ السَّامِرِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ عِنْدَ رَأْسِ الْقَبْرِ بِفَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَتِهَا. (وَكُلُّ قُرْبَةٍ فَعَلَهَا الْمُسْلِمُ وَجُعِلَ ثَوَابُهَا أَوْ بَعْضُهَا كَالنِّصْفِ وَنَحْوِهِ) كَالثُّلُثِ أَوْ الرُّبُعِ (لِمُسْلِمٍ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ جَازَ) ذَلِكَ (وَنَفْعُهُ، ذَلِكَ لِحُصُولِ الثَّوَابِ لَهُ، حَتَّى لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ (مِنْ) بَيَانٌ لِكُلِّ قُرْبَةٍ (تَطَوَّعْ وَوَاجِبٌ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَحَجٍّ وَنَحْوِهِ) كَصَوْمِ نَذْرٍ (أَوْ لَا) تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ (كَصَلَاةٍ وَكَدُعَاءٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَصَدَقَةٍ) وَعِتْقٍ (وَأُضْحِيَّةٍ وَأَدَاءِ دَيْنٍ وَصَوْمٍ وَكَذَا قِرَاءَةٌ وَغَيْرُهَا) . قَالَ أَحْمَدُ: الْمَيِّتُ يَصِلُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ، لِلنُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِيهِ وَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَجْتَمِعُونَ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَيَقْرَءُونَ وَيَهْدُونَ لِمَوْتَاهُمْ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ فَكَانَ إجْمَاعًا وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِلُ إلَى الْمَيِّتِ ثَوَابُ الْقِرَاءَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ لِفَاعِلِهِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى} [النجم: 39]
وَ {لَهَا مَا كَسَبَتْ} [البقرة: 286] وَبِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» الْخَبَرُ وَجَوَابُهُ عَنْ الْآيَةِ الْأُولَى: بِأَنَّ ذَلِكَ فِي صُحُفِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى قَالَ عِكْرِمَةُ: هَذَا فِي حَقِّهِمْ خَاصَّةً بِخِلَافِ شَرْعِنَا؛ بِدَلِيلِ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، أَوْ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ} [الطور: 21] أَوْ أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِالْكَافِرِ أَيْ: لَيْسَ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ إلَّا جَزَاءُ سَعْيِهِ، يُوَفَّاهُ فِي الدُّنْيَا وَمَالَهُ فِي الْآخِرَة مِنْ نَصِيبٍ أَوْ أَنَّ مَعْنَاهَا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى عَدْلًا، وَلَهُ مَا سَعَى غَيْرُهُ فَضْلًا أَوْ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ} [الرعد: 25] وَعَنْ الثَّانِيَةِ: بِأَنَّهَا تَدُلَّ بِالْمَفْهُومِ وَمَنْطُوقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِهِ وَعَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي عَمَلِ غَيْرِهِ لَا عَمَلِهِ. وَلَا يَضُرُّ جَهْلُ الْفَاعِلِ بِالثَّوَابِ لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ: أَوْ لَا كَصَلَاةٍ: هُوَ مَعْنَى قَوْلِ الْقَاضِي: إذَا صَلَّى فَرْضًا وَأَهْدَى ثَوَابَهُ صَحَّتْ الْهَدِيَّةُ وَأَجْزَأَ مَا عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ بُعْدٌ وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا جَعَلَهَا لِغَيْرِ مُسْلِمٍ لَا يَنْفَعُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لِنَصٍّ وَرَدَ فِيهِ قَالَهُ فِي الْبِدْعِ، فَعَلَى هَذَا، لَا يُفْتَقَرُ أَنْ يَنْوِيَهُ حَالَ الْقِرَاءَةِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ) فِي حُصُولِ الثَّوَابِ لِلْمَجْعُولِ لَهُ (إذَا نَوَاهُ حَالَ الْفِعْلِ) أَيْ: الْقِرَاءَةِ أَوْ الِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) نَوَاهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الْفِعْلِ دُونَ مَا نَوَاهُ بَعْدَهُ نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ عَنْ مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَرَدَّهُ (وَيُسْتَحَبُّ إهْدَاءُ ذَلِكَ، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ ثَوَابَ كَذَا لِفُلَانٍ) وَذَكَر الْقَاضِي أَنَّهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أَثَبْتَنِي عَلَى هَذَا فَاجْعَلْهُ أَوْ مَا تَشَاءُ مِنْهُ لِفُلَانٍ، وَ (قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْأَلَ الْأَجْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ يَجْعَلُهُ لَهُ) أَيْ: لِلْمُهْدَى لَهُ (فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَثِبْنِي بِرَحْمَتِكَ عَلَى ذَلِكَ وَاجْعَلْ ثَوَابَهُ لِفُلَانٍ) وَلِلْمُهْدِي
ثَوَابُ الْإِهْدَاءِ وَذَكَرَ الْقَاضِي: وَلِلْمُهْدِي ثَوَابُ الْإِهْدَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: يُثَابُ كُلٌّ مِنْ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى لَهُ وَفَضْلُ اللَّهِ وَاسِعٌ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصْنَعَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ طَعَامٌ يُبْعَثُ بِهِ إلَيْهِمْ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ الزُّبَيْرُ " فَعَمَدَتْ سَلْمَى مَوْلَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى شَعِيرٍ فَطَحَنَتْهُ وَأَدَمَتْهُ بِزَيْتٍ جُعِلَ عَلَيْهِ، وَبَعَثَتْ بِهِ إلَيْهِمْ " وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ " فَمَا زَالَتْ السُّنَّةُ فِينَا حَتَّى تَرَكَهَا مَنْ تَرَكَهَا " وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَيِّتُ حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَأَتَاهُمْ نَعْيُهُ، وَيَنْوِي فِعْلَ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْمَيِّتِ (لَا لِمَنْ يَجْتَمِعُ عِنْدَهُمْ، فَيُكْرَهُ) لِأَنَّهُ مَعُونَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ، وَهُوَ اجْتِمَاعُ النَّاسِ عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ نَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنْكَرَ شَدِيدًا، وَلِأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ جَرِيرٍ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَ: " كُنَّا نَعُدُّ الِاجْتِمَاعَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ وَصَنْعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ النِّيَاحَةِ ". (وَيُكْرَهُ فِعْلُهُمْ) أَيْ: فِعْلُ أَهْلِ الْمَيِّتِ (ذَلِكَ) أَيْ: الطَّعَامِ (لِلنَّاسِ) الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ عِنْدَهُمْ، لِمَا تَقَدَّمَ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) كَالشَّارِحِ (إلَّا مِنْ حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَى فِعْلِهِمْ الطَّعَامَ لِلنَّاسِ (كَأَنْ يَجِيئَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الْبَعِيدَةِ وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، فَلَا يُمْكِنُهُمْ) عَادَةً (إلَّا أَنْ يُطْعِمُوهُ) فَيَصْنَعُونَ مَا يُطْعِمُونَهُ لَهُ. (وَيُكْرَهُ الْأَكْلُ مِنْ طَعَامِهِمْ، قَالَهُ فِي النَّظْمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّرِكَةِ وَفِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ) أَوْ مَنْ لَمْ يَأْذَنْ (حَرُمَ فِعْلُهُ، وَ) حَرُمَ (الْأَكْلُ مِنْهُ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، أَوْ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ عِنْدَ الْقَبْرِ وَالْأَكْلُ مِنْهُ) لِخَبَرِ أَنَسٍ «لَا عَقْرَ فِي الْإِسْلَامِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ " وَكَانُوا يَعْقِرُونَ عِنْدَ الْقَبْرِ بَقَرَةً أَوْ شَاةً وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: كَانُوا إذَا مَاتَ لَهُمْ الْمَيِّتُ نَحَرُوا جَزُورًا فَنَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ: وَفَسَّرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِغَيْرِ هَذَا. (قَالَ الشَّيْخُ) يَحْرُمُ الذَّبْحُ (وَالتَّضْحِيَةُ) عِنْدَ الْقَبْرِ (وَلَوْ نَذَرَ ذَلِكَ نَاذِرٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُوفِيَ بِهِ) كَمَا يَأْتِي فِي نَذْرِ الْمَكْرُوهِ وَالْمُحَرَّمِ (فَلَوْ شَرَطَهُ وَاقِفٌ لَكَانَ شَرْطًا فَاسِدًا وَأُنْكِرَ) أَيْ: أُدْخِلَ فِي الْمُنْكَرِ (مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: مِنْ الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ وَالْأَكْلِ مِنْهُ (أَنْ يُوضَعَ عَلَى الْقَبْرِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ، لِيَأْخُذَهُ النَّاسُ، وَإِخْرَاجُ الصَّدَقَةِ مَعَ الْجِنَازَةِ) كَالَّتِي يُسَمُّونَهَا بِمِصْرَ كَفَّارَةً (بِدْعَةٌ مَكْرُوهَةٌ) إنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَثَةِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ: أَوْ غَائِبٌ، وَإِلَّا فَحَرَامٌ (وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ) أَيْ: الذَّبْحِ عِنْدَ الْقَبْرِ (الصَّدَقَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ) فَإِنَّ ذَلِكَ مُحْدَثٌ وَفِيهِ رِيَاءٌ.
فصل يسن لذكور زيارة قبر مسلم
[فَصْل يُسَنُّ لِذُكُورٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ] (فَصْل يُسَنُّ لِذُكُورٍ زِيَارَةُ قَبْرِ مُسْلِمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا» رَوَاهُ مُسْلِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ «فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ» وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة «زَارَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ وَقَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ، فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْمَوْتَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بِلَا سَفَرٍ) لِحَدِيثِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ» . (وَتُبَاحُ) الزِّيَارَةُ (لِقَبْرِ كَافِرٍ) وَالْوُقُوفُ عِنْدَ قَبْرِهِ، كَزِيَارَتِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ: لِزِيَارَتِهِ قَبْرِ أُمِّهِ وَكَانَ بَعْد الْفَتْحِ وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84] فَإِنَّمَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِي آخِرِ التَّاسِعَةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: الْقِيَامُ لِلدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ. (وَلَا يُسَلِّمُ) مَنْ زَارَ قَبْرَ كَافِرٍ (عَلَيْهِ) كَالْحَيِّ (بَلْ يَقُولُ) الزَّائِرُ لِكَافِرٍ (لَهُ: أَبْشِرْ بِالنَّارِ) فِي اسْتِعْمَالِ الْبِشَارَةِ تَهَكُّمٌ بِهِ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49] (وَلَا يُمْنَعُ كَافِرٌ مِنْ زِيَارَةِ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ) حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا، لِعَدَمِ الْمَحْظُورِ. (وَتُكْرَهُ) زِيَارَةُ الْقُبُورِ (لِلنِّسَاءِ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: " نُهِينَا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ عُلِمَ - أَنَّهُ يَقَعُ مِنْهُنَّ مُحَرَّمٌ؛ حُرِّمَتْ) زِيَارَتُهُنَّ الْقُبُورَ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ اللَّهُ زَوَّرَاتِ الْقُبُورِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (غَيْرَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ) أَبِي بَكْر وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - (فَيُسَنُّ) زِيَارَتُهَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ فِي طَلَبِ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَإِنْ اجْتَازَتْ امْرَأَةٌ بِقَبْرٍ فِي طَرِيقهَا) وَلَمْ تَكُنْ خَرَجَتْ لَهُ (فَسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وَدَعَتْ لَهُ؛ فَحَسَنٌ) لِأَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِذَلِكَ. (وَيَقِفُ الزَّائِرُ أَمَامَ الْقَبْرِ) أَيْ: قُدَّامَهُ (وَيَقْرُبُ مِنْهُ) كَعَادَةِ الْحَيِّ (وَلَا بَأْسَ بِلَمْسِهِ) أَيْ: الْقَبْرِ (بِالْيَدِ) (وَأَمَّا التَّمَسُّحُ بِهِ، وَالصَّلَاةُ عِنْده) ،
(أَوْ قَصَدَهُ لِأَجْلِ الدُّعَاءِ عِنْدَهُ، مُعْتَقِدًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ النَّذْر لَهُ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ؛) (وَقَالَ الشَّيْخُ: فَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ هُوَ مِمَّا أُحْدِثَ مِنْ الْبِدَعِ الْقَبِيحَةِ الَّتِي هِيَ مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ) . قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: اتَّفَقَ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ سَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ لَا يَتَمَسَّحُ بِالْقَبْرِ وَلَا يُقَبِّلُهُ، بَلْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ إلَّا الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ، وَالرُّكْنُ الْيَمَانِيُّ يُسْتَلَمُ وَلَا يُقَبَّلُ عَلَى الصَّحِيحِ قُلْت: بَلْ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: يُسْتَحَبُّ تَقْبِيلُ حُجْرَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. (وَيُسَنُّ إذَا زَارَهَا) أَيْ: قُبُورَ الْمُسْلِمِينَ (أَوْ مَرَّ بِهَا أَنْ يَقُولَ مُعَرِّفًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ، يَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ) لِلْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ بِذَلِكَ فَمِنْهَا: حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ «وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَالْمُسْتَأْخِرِينَ» وَرَوَى مُسْلِمُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعَلِّمُهُمْ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمَقَابِرِ، أَنْ يَقُولَ قَائِلُهُمْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمْ الْعَافِيَةَ» . وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اسْمَ الدَّارِ: يَقَعُ عَلَى الْمَقَابِرِ وَإِطْلَاقُ الْأَهْلِ عَلَى سَاكِنِ الْمَكَانِ مِنْ حَيٍّ وَمَيِّتٍ وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُمْ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «مَرَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقُبُورِ الْمَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَقَوْلُهُ: «إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» الِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّبَرُّكِ قَالَهُ الْعُلَمَاءُ. وَفِي الْبَغَوِيِّ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى اللُّحُوقِ لَا إلَى الْمَوْتِ. وَفِي الشَّافِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الْبِقَاعِ (وَنَحْوِهِ) أَيْ: أَوْ يَقُولُ نَحْو ذَلِكَ: مِمَّا وَرَدَ وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الْأَجْسَادِ الْبَالِيَةِ، وَالْعِظَامِ النَّخِرَةِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَهِيَ بِكَ مُؤْمِنَةٌ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ رُوحًا مِنْكَ وَسَلَامًا مِنِّي "
ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ. (وَيُخَيَّرُ بَيْنَ تَعْرِيفِهِ) أَيْ: السَّلَامُ (وَتَنْكِيرِهِ فِي سَلَامِهِ عَلَى الْحَيِّ) لِأَنَّ النُّصُوصَ صَحَّتْ بِالْأَمْرَيْنِ وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ سَلَامُ التَّحِيَّةِ مُنَكَّرٌ وَسَلَامُ الْوَدَاعِ مُعَرَّفٌ. (وَابْتِدَاؤُهُ) أَيْ: السَّلَامِ (سُنَّةٌ، وَمِنْ جَمَاعَةٍ سُنَّةُ كِفَايَةٍ وَالْأَفْضَلُ: السَّلَامُ مِنْ جَمِيعِهِمْ) لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» وَغَيْرِهِ (فَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ فَقَالَ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَقَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْهِ (جَمِيعًا؛ جَازَ) ذَلِكَ (وَسَقَطَ الْفَرْضُ فِي حَقِّ الْجَمِيعِ) لِحُصُولِ الرَّدِّ الْمَأْمُورِ بِهِ. (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِابْتِدَاءِ السَّلَامِ سُنَّةٌ، لِيَسْمَعهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ سَمَاعًا مُحَقَّقًا) لِحَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» . (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ) (عِنْدَهُمْ نِيَامٌ، أَوْ سَلَّمَ عَلَى مَنْ لَا يَعْلَمُ: هَلْ هُمْ أَيْقَاظٌ أَوْ نِيَامٌ؟ خَفَضَ صَوْتَهُ، بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْأَيْقَاظَ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ) جَمْعًا بَيْنَ الْفَرْضَيْنِ. (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إنْسَانٍ ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ سُنَّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ) ، لِعُمُومِ حَدِيثِ «أَفْشُوا السَّلَامَ» (وَيُسَنُّ أَنْ نَبْدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ) لِلْخَبَرِ. وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ نَصُّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَمَعْنَاهُ: اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، أَيْ: أَنْتَ فِي حِفْظِهِ؛ كَمَا يُقَال: اللَّهُ يَصْحَبُكَ، اللَّهُ مَعَكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ، أَيْ: السَّلَامَةُ مُلَازِمَةٌ لَكَ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ إذَا كَانَ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ) السَّلَامَ، لِعُمُومِ «أَفْشُوا السَّلَامَ» . (وَإِنْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ فِيهِمْ عُلَمَاءُ سَلَّمَ عَلَى الْكُلِّ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَى الْعُلَمَاءِ سَلَامًا ثَانِيًا) تَمْيِيزًا لِمَرْتَبَتِهِمْ، وَكَذَا لَوْ كَانَ فِيهِمْ عَالِمٌ وَاحِدٌ. (وَرَدُّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى) الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ (الْمُنْفَرِد) أَيْ: الَّذِي انْفَرَدَ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ، بِأَنْ خَصَّهُ الْمُسَلِّمُ بِالسَّلَامِ وَإِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَفَرْضُ (كِفَايَةٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ) الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ فَيَسْقُطُ بِرَدِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ (فَوْرًا) أَيْ: يَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا بِحَيْثُ يُعَدُّ جَوَابًا لِلسَّلَامِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ رَدًّا. (وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ) أَيْ: بِرَدِّ السَّلَامِ (وَاجِبٌ قَدْرَ الْإِبْلَاغِ) أَيْ: إبْلَاغِ الْمُسَلِّمِ (وَتُزَادُ الْوَاوُ فِي رَدِّ السَّلَامِ وُجُوبًا) قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ وَعَزَاهُ لِلشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَقِيلَ: لَا تَجِبُ وَقَدَّمَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَشْهُرُ وَأَصَحُّ. " تَتِمَّةٌ لَوْ قَالَ سَلَامٌ لَمْ يُجِبْهُ قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ تَامٍّ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَالْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قُلْت:
وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ؛ وَإِنْ قَالَ: وَعَلَيْك، أَوْ عَلَيْكُمْ فَقَطْ وَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ؛ فَظَاهِرُ كَلَامِ النَّاظِمِ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَنَّهُ يُجْزِئُ وَكَذَا الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَالَ: كَمَا رَدَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْأَعْرَابِيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْكِتَابِ فَإِنَّ الْمُضْمَرَ كَالْمُظْهَرِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عَقِيل: لَا يُجْزِئُ وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ. وَيُكْرَه الِانْحِنَاءُ فِي السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي إغَاثَةِ اللَّهْفَانِ: يَحْرُمُ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) أَيْ: غَيْرِ زَوْجَةٍ لَهُ وَلَا مَحْرَمٍ (إلَّا أَنْ تَكُونَ عَجُوزًا) أَيْ: غَيْرَ حَسْنَاءَ، كَمَا يُعْلَم مِمَّا تَقَدَّمَ فِي حُضُورِهَا الْجَمَاعَةَ (أَوْ) إلَّا أَنْ تَكُونَ (بَرْزَةً) أَيْ: فَلَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهَا وَالْمُرَادُ لَا تُشْتَهَى، لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ. (وَيُكْرَه) السَّلَامُ (فِي الْحَمَّامِ) وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّرْحِ فِيهِ. (وَ) يُكْرَهُ السَّلَامُ (عَلَى مَنْ يَأْكُلُ أَوْ يُقَاتِلُ) لِاشْتِغَالِهِ (وَفِيمَنْ يَأْكُلُ نَظَرٌ) قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى أَيْ: فِي كَرَاهَةِ السَّلَامِ عَلَيْهِ نَظَرٌ قَالَ: وَظَاهِرُ التَّخْصِيصِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ عَلَى صَغِيرِهِمَا وَمُقْتَضَى التَّعْلِيلِ: خِلَافُهُ، أَيْ: تَعْلِيلِهِمْ بِاشْتِغَالِهِمَا. (وَ) يُكْرَهُ السَّلَامُ (عَلَى تَالٍ) لِلْقُرْآنِ وَعَلَى (ذَاكِرٍ) لِلَّهِ تَعَالَى وَعَلَى (مُلَبٍّ وَمُحَدِّثٍ) أَيْ: مُلْقٍ لِحَدِيثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَخَطِيبٍ وَوَاعِظِ وَعَلَى مَنْ يَسْتَمِعُ لَهُمْ) أَيْ: لِلْمَذْكُورِينَ مِنْ التَّالِي وَمَنْ بَعْدَهُ وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى (مُكَرِّرِ فِقْهٍ وَمُدَرِّسٍ) فِي أَيِّ عِلْمٍ كَانَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ إذَا كَانَ مَشْرُوعًا أَوْ مُبَاحًا (وَعَلَى مَنْ يَبْحَثُونَ فِي الْعِلْمِ وَعَلَى مَنْ يُؤَذِّنُ أَوْ يُقِيمُ) وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْمُصَلِّي وَأَنَّ الْمَذْهَبَ: لَا يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ (وَعَلَى مَنْ هُوَ عَلَى حَاجَتِهِ) وَيُكْرَهُ أَيْضًا رَدُّهُ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِنْجَاءِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: لَا يُكْرَهُ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ (أَوْ مُتَمَتِّعٍ بِأَهْلِهِ، أَوْ مُشْتَغِلٍ بِالْقَضَاءِ وَنَحْوِهِمْ) أَيْ نَحْوِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ كُلِّ مَنْ لَهُ شُغْلٍ عَنْ رَدِّ السَّلَامِ. (وَمَنْ سَلَّمَ فِي حَالَةٍ لَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا السَّلَامُ) كَالْأَحْوَالِ السَّابِقَةِ (لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا) لِسَلَامِهِ. (وَيُكْرَه أَنْ يَخُصَّ بَعْضَ طَائِفَةٍ لَقِيَهُمْ) أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ وَنَحْوِهِ (بِالسَّلَامِ) لِأَنَّ فِيهِ مُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ فِي إفْشَاءِ السَّلَامِ، وَكَسْرًا لِقَلْبِ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُمْ وَيُكْرَهُ (أَنْ يَقُولَ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) لِمُخَالَفَتِهِ الصِّيغَةِ الْوَارِدَةِ. " تَتِمَّةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ: وَيُكْرَه أَنْ يَقُولَ: عَلَيْك سَلَامُ اللَّهِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَرِهَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةَ الْمَوْتَى عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَحِيَّةِ الْأَمْوَاتِ، يُقَدِّمُونَ اسْمَ
الْمَيِّتِ فِي الدُّعَاءِ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَفَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسَلِّمَ عَلَى قَوْمٍ يَتَوَقَّعُ جَوَابًا وَالْمَيِّتُ لَا يُتَوَقَّعُ مِنْهُ فَجَعَلُوا السَّلَامَ عَلَيْهِ كَالْجَوَابِ. (وَالْهَجْرُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ) وَهُوَ هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ (يَزُولُ بِالسَّلَامِ) لِأَنَّهُ سَبَبُ التَّحَابُبِ لِلْخَيْرِ، فَيَقْطَعُ الْهَجْرَ وَرُوِيَ مَرْفُوعًا «السَّلَامُ يَقْطَعُ الْهِجْرَانَ» . (وَيُسَنُّ السَّلَامُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ) عَنْ الْقَوْمِ وَيُسَنُّ السَّلَامُ (وَإِذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ) لِلْخَبَرِ. (فَإِنْ دَخَلَ بَيْتًا خَالِيًا، أَوْ دَخَلَ مَسْجِدًا خَالِيًا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ) لِلْخَبَرِ. (وَإِذَا وَلَجَ) أَيْ: دَخَلَ بَيْتَهُ فَلْيُقَدِّمْ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، (وَلِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلِجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِاسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَبِاسْمِ اللَّهِ خَرَجْنَا وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أَهْلِهِ) لِخَبَرِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ فِي الْآدَابِ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: السَّلَامُ (عَلَى الصِّبْيَانِ، تَأْدِيبًا لَهُمْ) هَذَا مَعْنَى كَلَام ابْنِ عَقِيل وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَصَاحِبِ عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِيهَا، وَالشَّيْخُ عَبْد الْقَادِر أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إجْمَاعًا وَالصِّبْيَانُ بِكَسْرِ الصَّادِ وَضَمِّهَا لُغَةٌ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ، لَمْ يَجِبْ رَدُّهُ) أَيْ: رَدُّ الصَّبِيِّ السَّلَامَ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . (وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى صَبِيٍّ وَبَالِغٍ رَدَّهُ الْبَالِغُ وَلَمْ يَكْفِ رَدُّ الصَّبِيّ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَا يَحْصُلُ بِهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَام أَبِي الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَيَتَوَجَّهُ تَخْرِيجُهُ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِأَذَانِهِ وَصَلَاتِهِ عَلَى الْجِنَازَةِ. (وَإِنْ سَلَّمَ صَبِيٌّ عَلَى بَالِغٍ، وَجَبَ الرَّدُّ) عَلَى الْبَالِغِ (فِي وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ. (وَيُجْزِئُ فِي السَّلَامِ) قَوْلُ الْمُسَلِّمِ (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ) كَانَ السَّلَامُ (عَلَى مُنْفَرِدٍ) أَيْ: شَخْصٍ وَاحِدٍ، ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى إمَّا هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ أَوْ تَعْظِيمًا لَهُ وَإِنْ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْك أَجْزَأَ (وَ) يُجْزِئُ (فِي الرَّدِّ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَتُسَنَّ مُصَافَحَةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ، وَ) مُصَافَحَةُ (الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ) لِحَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْت لِأَنَسٍ: أَكَانَتْ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ قَالَ نَعَمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» وَرُوِيَ «تَحَاتَّتْ خَطَايَاهُمَا وَكَانَ أَحَقُّهُمَا بِالْأَجْرِ أَبَشَّهُمَا بِصَاحِبِهِ» . (وَلَا بَأْسَ بِمُصَافَحَةِ الْمُرْدَانِ لِمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ، وَقَصَدَ تَعْلِيمَهُمْ حُسْنَ الْخُلُقِ) ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ، وَانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ. (وَلَا تَجُوزُ مُصَافَحَةُ الْمَرْأَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ الشَّابَّةِ) لِأَنَّهَا شَرٌّ مِنْ
النَّظَرِ، أَمَّا الْعَجُوزُ فَلِلرَّجُلِ مُصَافَحَتهَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ وَالرِّعَايَةِ وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: تُكْرَهُ مُصَافَحَةُ النِّسَاءِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مِهْرَانَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يُصَافِحُ الْمَرْأَةَ قَالَ: لَا، وَشَدَّدَ فِيهِ جِدًّا قُلْت: فَيُصَافِحهَا بِثَوْبِهِ قَالَ: لَا قَالَ رَجُلٌ: فَإِنْ كَانَ ذَا رَحِمٍ قَالَ: لَا قُلْت: ابْنَتُهُ قَالَ: إذَا كَانَتْ ابْنَتُهُ فَلَا بَأْسَ وَالتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَيَتَوَجَّهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمُحَرَّمِ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا الْوَالِدُ فَيَجُوزُ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمْت شَابَّةٌ عَلَى رَجُلٍ رَدَّهُ عَلَيْهَا) كَذَا فِي الرِّعَايَةِ، وَلَعَلَّ فِي النُّسْخَةِ غِلْظًا وَيُتَوَجَّهُ: لَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ قَالَهُ فِي الْآدَابِ. (وَإِنْ سَلَّمَ) الرَّجُلُ (عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى الشَّابَّةِ (لَمْ تَرُدَّهُ) أَيْ: السَّلَامَ عَلَيْهِ، دَفْعًا لِلْمَفْسَدَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ الْمَحْرَمِ. (وَإِرْسَالُ السَّلَامِ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَإِرْسَالُهَا) السَّلَامُ (إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْأَجْنَبِيِّ (لَا بَأْسَ بِهِ، لِلْمَصْلَحَةِ، وَعَدَمِ الْمَحْذُورِ) أَيْ: لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ مَعَ عَدَمِ الْمَحْذُورِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى ضِدِّهِمْ) فَيُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ وَالْمَاشِي عَلَى الْجَالِسِ وَالرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِيُسَلِّمْ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ» . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ عَكَسَ) بِأَنْ سَلَّمَ الْكَبِيرُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَثِيرُ عَلَى الْقَلِيلِ، وَالْقَاعِدُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الرَّاكِبِ (حَصَلَتْ السُّنَّةُ) لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْأَمْر بِإِفْشَاءِ السَّلَامِ وَالْأَوَّلُ أَكْمَلُ فِي السُّنَّةِ، لِامْتِيَازِهِ بِخُصُوصِ الْأَمْرِ السَّابِقِ (هَذَا) الَّذِي تَقَدَّمَ بَيَانُهُ: (إذَا تَلَاقَوْا فِي طَرِيقٍ) وَنَحْوِهَا (أَمَّا إذَا وَرَدُوا عَلَى قَاعِدٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ مُطْلَقًا) صَغِيرًا كَانَ أَوْ رَاكِبًا، أَوْ قَلِيلًا أَوْ ضِدَّهُمْ. (وَإِنْ سَلَّمَ) عَلَى (مَنْ وَرَاءَ جِدَارٍ) وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْدَ الْبَلَاغِ. أَوْ سَلَّمَ (الْغَائِبُ عَنْ الْبَلَدِ بِرِسَالَةٍ، أَوْ كِتَابَةٍ وَجَبَتْ الْإِجَابَةُ عِنْد الْبَلَاغِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الرَّسُولِ، فَيَقُولُ: وَعَلَيْك وَعَلَيْهِ السَّلَامُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لَهُ رَجُلٌ أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ» وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: إنَّ فُلَانًا يُقْرِئُكَ السَّلَامَ فَقَالَ: عَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَعَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ. (وَإِنْ بَعَثَ) إنْسَانٌ (مَعَهُ السَّلَامُ) لِيُبَلِّغهُ لِمَنْ عَيَّنَهُ لَهُ (وَجَبَ) عَلَى الرَّسُولِ (تَبْلِيغُهُ إنْ تَحَمَّلَهُ) لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَإِلَّا فَلَا. (وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَلَاقِيَيْنِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ
أَفْشُوا السَّلَامَ وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامِ» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ الْتَقَيَا وَبَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ مَعًا) بِالسَّلَامِ (فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْإِجَابَةُ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِرَدِّ السَّلَامِ فَإِنْ قَالَهُ أَحَدُهُمَا بَعْد الْآخَرِ فَقَالَ الشَّاشِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ: كَانَ جَوَابًا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَالَ وَقَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ: وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ ابْتِدَاءً لَا جَوَابًا لَمْ يَسْتَحِقَّ الْجَوَابَ لِأَنَّ هَذِهِ صِيغَةُ جَوَابٍ فَلَا تَسْتَحِقُّ جَوَابًا. (وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى أَصَمًّ جَمَعَ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ) وَإِلَّا لَمْ يَجِبْ الرَّدُّ قَالَهُ فِي الْآدَابِ (كَرَدِّهِ سَلَامِهِ) أَيْ: سَلَامِ الْأَصَمِّ فَيَجْمَعُ الرَّادُّ عَلَيْهِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ (وَسَلَامُ الْأَخْرَسِ) بِالْإِشَارَةِ (وَجَوَابُهُ) أَيْ: الْأَخْرَس (بِالْإِشَارَةِ) لِقِيَامِهَا مَقَامَ نُطْقِهِ وَقَالَ الْمَرُّوذِيَّ: إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَمَّا اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ كَانَ رُبَّمَا أَذِنَ لِلنَّاسِ فَيَدْخُلُونَ عَلَيْهِ أَفْوَاجًا أَفْوَاجًا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ فَيَرُدَّ بِيَدِهِ (وَآخِرُ السَّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا: وَبَرَكَاتُهُ) أَيْ: اسْتِحْبَابًا وَتَقَدَّمَ مَا يُجْزِئُ مِنْهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ الِابْتِدَاءَ عَلَى الرَّدِّ وَعَكْسِهِ) أَيْ: أَنْ يَزِيدَ الرَّدَّ عَلَى الِابْتِدَاءِ. (وَسَلَامُ النِّسَاءِ عَلَى النِّسَاءِ كَسَلَامِ الرِّجَالِ عَلَى الرِّجَالِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا يَنْزِعُ يَدَهُ مِنْ يَدِ مَنْ يُصَافِحُهُ حَتَّى يَنْزِعَهَا) أَيْ: يَدَهُ مِنْ يَدِهِ لِمَا فِي نَزْعِ يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْهُ (إلَّا لِحَاجَةٍ كَحَيَائِهِ مِنْهُ) (وَنَحْوِهِ) كَمَضَرَّةٍ بِالتَّأْخِيرِ. (وَلَا بَأْسَ بِالْمُعَانَقَةِ) وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: يُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتِهِ وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ قَالَ: وَإِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَأَشْرَافِ الْقَوْمِ بِالْقِيَامِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ: وَيُكْرَهُ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ النَّاسِ لَهُ انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: لَا يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ إلَّا لِلْإِمَامِ الْعَادِلِ وَالْوَالِدَيْنِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ وَالْكَرَمِ وَالنَّسَبِ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ وَكَذَا ذَكَر الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَقَاسَهُ عَلَى الْمُهَادَاةِ لَهُمْ قَالَ: وَيُكْرَهُ لِأَهْلِ الْمَعَاصِي وَالْفُجُورِ وَاَلَّذِي يُقَامُ إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَسْتَكْبِرُ نَفْسُهُ إلَيْهِ وَلَا تُطَالِبُهُ وَالنَّهْيُ قَدْ وَقَعَ عَلَى السُّرُورِ بِذَلِكَ الْحَالِ فَإِذَا لَمْ يُسَرَّ بِالْقِيَامِ إلَيْهِ وَقَامُوا إلَيْهِ فَغَيْرُ مَمْنُوعٍ مِنْهُ ذَكَره فِي الْآدَابِ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِتَقْبِيلِ الرَّأْسِ وَالْيَدِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَنَحْوِهِمْ)
لَحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ قَدِمَ زَيْدُ بْنِ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَالرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَيْتِي، فَآتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ، فَقَامَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ» حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي حَدِيثِ «ابْنِ عُمَرَ فِي قِصَّةٍ قَالَ فِيهَا فَدَنَوْنَا مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَبَّلْنَا يَدَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ «قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ اذْهَبْ بِنَا إلَى هَذَا النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَيَا الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْعِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ - فَقَبَّلَا يَدَهُ وَرِجْلَهُ وَقَالَا نَشْهَدُ أَنَّك نَبِيٌّ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، فَيُبَاحُ تَقْبِيلُ الْيَدِ وَالرَّأْسِ تَدَيُّنًا وَإِكْرَامًا وَاحْتِرَامًا، مَعَ أَمْنِ الشَّهْوَةِ، وَظَاهِرُهُ عَدَمُ إبَاحَتِهِ لِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ النَّهْيُ، قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ. (وَيُكْرَهُ تَقْبِيلُ فَمِ غَيْرِ زَوْجَتِهِ وَجَارِيَتِهِ) الْمُبَاحَةِ لَهُ لِأَنَّهُ قَلَّ أَنْ يَقَعَ كَرَامَةً. (وَإِذَا تَثَاءَبَ كَظَمَ) نَدْبًا أَيْ: أَمْسَكَ فَمَهُ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ (مَا اسْتَطَاعَ فَإِنْ غَلَبَهُ) التَّثَاؤُبُ (غَطَّى فَمَهُ بِكُمِّهِ أَوْ غَيْرِهِ) كَيَدِهِ لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ» . وَفِي رِوَايَةٍ «فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مَعَ التَّثَاؤُبِ» (وَإِذَا عَطَسَ) بِفَتْحِ الطَّاءِ (خَمَرَ) أَيْ: غَطَّى (وَجْهَهُ) لِئَلَّا يَتَأَذَّى غَيْرُهُ بِبُصَاقِهِ (وَغَضَّ) أَيْ: خَفَضَ (صَوْتَهُ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ «إذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِثَوْبِهِ وَيَدِهِ، ثُمَّ غَضَّ بِهَا صَوْتُهُ» حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ (وَلَا يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَحَمِدَ اللَّهَ) قَالَ ابْن هُبَيْرَةَ: إذَا عَطَسَ الْإِنْسَانُ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عَلَى صِحَّةِ بَدَنِهِ، وَجَوْدَةِ هَضْمِهِ، وَاسْتِقَامَةِ قُوَّتِهِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَلِذَلِكَ أَمَرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ. وَفِي الْبُخَارِيِّ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ» . لِأَنَّ الْعُطَاسَ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ بَدَنٍ وَنَشَاطٍ، وَالتَّثَاؤُبُ غَالِبًا لِثِقَلِ الْبَدَنِ وَامْتِلَائِهِ، وَاسْتِرْخَائِهِ فَيَمِيلُ إلَى الْكَسَلِ فَأَضَافَهُ إلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ يُرْضِيهِ، أَوْ مِنْ تَسَبُّبِهِ لِدُعَائِهِ إلَى الشَّهَوَاتِ وَيَكُونُ حَمْدُهُ (جَهْرًا بِحَيْثُ يُسْمِعُ جَلِيسَهُ) حَمْدَهُ (لِيُشَمِّتَهُ) بِالشِّينِ وَالسِّينِ (وَتَشْمِيتُهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَرَدِّ السَّلَامِ (فَيَقُولُ لَهُ) سَامِعُهُ (يَرْحَمُك اللَّهُ أَوْ يَرْحَمْكُمْ اللَّهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْعَاطِسُ) وُجُوبًا (فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِب وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ: هَذَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ وُجُوهٍ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ " وَيُدْخِلَكُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَكُمْ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَوْ يَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُشَمَّتَ مَنْ لَمْ
يَحْمَدْ اللَّهَ) لِحَدِيثِ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمَدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِذَا لَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمُ. (وَإِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ) أَيْ: لَمْ يُسَنَّ تَذْكِيرُهُ، لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَرَوَى الْمَرُّوذِيُّ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ أَحْمَدَ فَلَمْ يَحْمَدْ اللَّهَ، فَانْتَظَرَهُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ فَيُشَمِّتهُ فَلَمْ يَحْمَد اللَّهَ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: كَيْفَ تَقُولُ إذَا عَطَسْتَ قَالَ أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، (لَكِنْ يُعَلَّمَ الصَّغِيرُ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ وَكَذَا حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَمَّنْ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ الْجَهْلِ بِذَلِكَ. (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَشْمِيتُ الذِّمِّيِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَهَلْ يُكْرَهُ أَوْ يُبَاحُ أَوْ يُحَرَّمُ؟ أَقْوَالٌ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ (فَإِنْ قِيلَ لَهُ) أَيْ: لِلذِّمِّيِّ (يَهْدِيكُمْ اللَّهُ جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا مَحْذُورَ فِيهِ. (وَيُقَالُ لِلصَّبِيِّ إذَا عَطَسَ: بُورِكَ فِيكَ، وَجَبَرَك اللَّهُ) قَالَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَرُوِيَ «أَنَّهُ عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمِ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بَارَكَ اللَّهُ فِيك يَا غُلَامُ» رَوَاهُ الْحَافِظُ السَّلَفِيُّ فِي انْتِخَابِهِ (وَتُشَمِّتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَ) يُشَمِّتُ (الرَّجُلُ الرَّجُلَ) . (وَ) يُشَمِّتُ الرَّجُلُ (الْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ الْبَرْزَةَ) لِأَمْنِ الْفِتْنَةِ (وَلَا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ وَلَا تُشَمِّتْهُ) كَمَا فِي رَدِّ السَّلَامِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ الْأَجْنَبِيَّةُ (فَإِنْ عَطَسَ ثَانِيًا) وَحَمِدَ (شَمَّتْهُ، وَ) إنْ عَطَسَ (ثَالِثًا) وَحَمِدَ (شَمَّتْهُ) قَالَ صَالِحُ لِأَبِيهِ: يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ فِي مَجْلِسٍ ثَلَاثًا قَالَ: أَكْثَرُ مَا قِيلَ فِي ثَلَاثٍ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ عَنْ سَلَمَةَ بْنَ الْأَكْوَعِ، مَرْفُوعًا «يُشَمَّتُ مُعَاطِسٌ ثَلَاثًا فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ» . (وَ) إنْ عَطَسَ (رَابِعًا دَعَا لَهُ بِالْعَافِيَةِ وَلَا يُشَمَّتُ) لِلرَّابِعَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إذَا لَمْ يَكُنْ شَمَّتَهُ قَبْلهَا) ثَلَاثًا، فَالِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ التَّشْمِيتِ وَبِعَدَدِ الْعَطَسَاتِ فَلَوْ عَطَسَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ مُتَوَالِيَاتٍ شَمَّتَهُ بِعَدَدِهَا إذَا لَمْ يَتَقَدَّمْ تَشْمِيتٌ قَالَ فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ: قَوْلًا وَاحِدًا. (وَلَا يُجِيبُ الْمُتَجَشِّئَ بِشَيْءٍ فَإِنْ حَمَدَ اللَّهَ قَالَ) لَهُ سَامِعُهُ (هَنِيئًا مَرِيئًا، أَوْ هَنَّأَكَ اللَّهُ وَأَمْرَاكَ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَابْنُ تَمِيمٍ، وَكَذَا ابْنُ عَقِيلٍ وَقَالَ: وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ سُنَّةٌ بَلْ هُوَ عَادَةٌ مَوْضُوعَةٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مَهَنَّا: إذَا تَجَشَّأَ الرَّجُلُ يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَعَ وَجْهَهُ إلَى فَوْقٍ، لِكَيْ لَا يَخْرُجَ مِنْ فِيهِ رَائِحَةٌ يُؤْذِي بِهَا النَّاسَ. وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ «رَجُلًا تَجَشَّأَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا أَطْوَلَهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . (وَيَجِبُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى كُلِّ مَنْ يُرِيدَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ مِنْ أَقَارِب وَأَجَانِب) قَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالسَّامِرِيُّ وَابْنُ تَمِيمٍ وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور: 27]
فصل تعزية أهل المصيبة بالميت
قَالَ: لَا يَجُوزُ لَك أَنْ تَدْخُلَ بَيْتَ غَيْرِكَ إلَّا بِالِاسْتِئْذَانِ لِهَذِهِ الْآيَةِ وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ يُسَنُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَلَا وَجْهَ لِحِكَايَةِ الْخِلَافِ فَيَجِبُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ اهـ وَرَوَى سَعِيد عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ " إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى وَالِدَيْهِ فَلْيَسْتَأْذِنْ " وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ مِثْله (فَإِنْ أُذِنَ لَهُ) فِي الدُّخُولِ دَخَلَ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ (رَجَعَ) وَيُسَنُّ أَنْ يَكُونَ اسْتِئْذَانُهُ ثَلَاثًا، إلَّا أَنْ يُجَابَ قَبْلَهَا (وَلَا يَزِيدُ) فِي اسْتِئْذَانِ (عَلَى ثَلَاثِ) مَرَّاتٍ لِقَوْلِهِ: «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَك وَإِلَّا فَارْجِعْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (إلَّا أَنْ يَظُنَّ عَدَمَ سَمَاعِهِمْ) لِلِاسْتِئْذَانِ، فَيَزِيد بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّهُمْ سَمِعُوهُ قَالَ الْمُصَنِّفُ: فِي شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ: وَصِفَةُ الِاسْتِئْذَانِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ «وَاسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ فِي بَيْتٍ فَقَالَ: أَلِجُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَادِمِهِ اُخْرُجْ إلَى هَذَا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ فَقَالَ لَهُ قُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ فَأَذِنَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَدَخَلَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ حَمْدَانَ وَقِيلَ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَقَطْ اهـ وَيَجْلِسُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ الْمَجْلِسِ لِلْأَخْبَارِ وَلَعَنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ جَلَسَ وَسَطَ الْحَلْقَةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ قَالَ فِي الْآدَابِ: يُتَوَجَّهُ: تَحْرِيمُ ذَلِكَ يُفَرَّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ بِغَيْرِ إذْنِهِمَا لِلْحَدِيثِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [فَصْل تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ] (فَصْلُ وَيُسْتَحَبُّ تَعْزِيَةُ أَهْلِ الْمُصِيبَةِ بِالْمَيِّتِ) (قَبْلَ الدَّفْنِ أَوْ بَعْدَهُ حَتَّى الصَّغِيرِ، وَحَتَّى الصَّدِيقِ) لِلْمَيِّتِ (وَنَحْوِهِ) كَجَارِ الْمَيِّت، لِعُمُومِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلَّا كَسَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ كَمِثْلِ أَجْرِهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ وَيُبْدَأُ بِخِيَارِهِمْ وَالْمَنْظُورُ إلَيْهِ مِنْهُمْ، لِيَسْتَنَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَبِالضَّعِيفِ مِنْهُمْ
عَنْ تَحَمُّلِ الْمُصِيبَةِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهَا. (وَ) حَتَّى (مَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ) فَيُعَزَّى كَغَيْرِهِ وَلَا يُتْرَكُ حَقًّا لِبَاطِلٍ (لِزَوَالِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ الشَّقُّ) وَالْبَاقِي أَثَرُهُ (وَإِنْ نَهَاهُ) عَنْ الْعَوْدِ لِمِثْلِ ذَلِكَ (فَحَسَنٌ وَيُكْرَهُ) لِمَنْ شَقَّ ثَوْبَهُ (اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ) لِأَنَّهُ أَثَرُ مَعْصِيَتِهِ. وَتَكُونُ التَّعْزِيَةُ (إلَى ثَلَاثِ) لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا (وَكَرِهَهَا) أَيْ: التَّعْزِيَةَ (جَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ ابْنُ شِهَابٍ وَالْآمِدِيُّ وَأَبُو الْفَرَجِ (بَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ الثَّلَاثِ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَقَالَ: لَمْ أَجِد فِي آخِرِهَا كَلَامًا لِأَصْحَابِنَا وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهِيَتهَا بَعْدَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ غَائِبًا فَلَا بَأْسَ بِتَعْزِيَتِهِ إذَا حَضَرَ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ وَزَادَ: مَا لَمْ تُنْسَ الْمُصِيبَةُ وَقَوْلُهُ: (لَأَذِنَ الشَّارِعُ فِي الْإِحْدَادِ فِيهَا) أَيْ: فِي الثَّلَاثِ، بِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» تَعْلِيلٌ لِلتَّحْدِيدِ بِالثَّلَاثِ (وَيُكْرَهُ تَكْرَارهَا) أَيْ: التَّعْزِيَةِ (فَلَا يُعَزِّي عِنْد الْقَبْرِ مَنْ عَزَّى قَبْلَ ذَلِكَ) قَالَ أَحْمَدُ: أَكْرَهُ التَّعْزِيَةُ عِنْدَ الْقَبْرِ، إلَّا لِمَنْ لَمْ يُعَزِّ، فَيُعَزِّي إذَا دُفِنَ الْمَيِّتُ أَوْ قَبْلَهُ. (وَيُكْرَهُ الْجُلُوسُ لَهَا) أَيْ: لِلتَّعْزِيَةِ بِأَنْ يَجْلِسَ الْمُصَابُ فِي مَكَان لِيُعَزُّوهُ أَوْ يَجْلِسَ الْمُعَزِّي عِنْدَ الْمُصَابِ لِلتَّعْزِيَةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ اسْتِدَامَةِ الْحُزْنِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَمَا يُعْجِبنِي أَنْ تَقْعُدَ أَوْلِيَاءُ الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ يُعَزَّوْنَ، أَخْشَى أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمًا لِلْمَوْتِ أَوْ قَالَ لِلْمَيِّتِ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَا أُحِبُّ الْجُلُوسَ مَعَ أَهْلِ الْمَيِّتِ وَالِاخْتِلَافَ إلَيْهِمْ بَعْدَ الدَّفْنِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَهَذَا تَعْظِيمٌ لِلْمَوْتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا الْمَكْرُوهُ الْبَيْتُوتَةُ عِنْد أَهْلِ الْمَيِّتِ وَأَنْ يَجْلِسَ إلَيْهِمْ مَنْ عَزَّى مَرَّةً، أَوْ يَسْتَدِيمَ الْمُعَزِّي الْجُلُوسَ زِيَادَةً كَثِيرَةً عَلَى قَدْرِ التَّعْزِيَةِ. (وَ) يُكْرَهُ (الْمَبِيتُ عِنْدَهُمْ) أَيْ: عِنْدَ أَهْلِ الْمَيِّتِ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي الْفُصُولِ: يُكْرَهُ الِاجْتِمَاعُ بَعْد خُرُوجِ الرُّوحِ، لِتَهْيِيجِهِ الْحُزْنَ. (وَتُكْرَهُ) تَعْزِيَةُ الرَّجُلِ (لِشَابَّةٍ أَجْنَبِيَّةٍ) أَيْ: غَيْرِ مَحْرَمٍ لَهُ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُرَادَ: الْحَسْنَاءُ عَجُوزًا كَانَتْ أَوْ شَابَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا بَأْسَ بِالْجُلُوسِ بِقُرْبِ دَارِ الْمَيِّتِ لِيَتْبَعَ جِنَازَتَهُ، أَوْ) لِ (يَخْرُجَ وَلَيُّهُ فَيُعَزِّيَهُ) وَسَوَاء كَانَ جُلُوسُهُ خَارِجًا عَنْ دَارِ الْمَيِّتِ بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ، لَكِنْ إنْ كَانَ الْجُلُوسُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ عَلَى حَصِيرٍ مِنْ الْمَسْجِدِ أَوْ بِسَاطٍ مِنْهُ كُرِهَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ وَغَيْرِهِ وَنَقَلَ عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو طَالِبٍ: جَوَازَهُ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِهَا فِي عِبَادَةٍ أَشْبَهُ مَا لَوْ قَعَدُوا عَلَيْهَا دَاخِلَهُ قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِأَنَّهَا وُقِفَتْ لَيُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُنْتَفَعُ بِهَا فِيهِ خَاصَّةً. (وَمَعْنَى التَّعْزِيَةِ التَّسْلِيَةُ وَالْحَثُّ)
أَيْ: حَثُّ الْمُصَابِ (عَلَى الصَّبْرِ بِوَعْدِ الْأَجْرِ وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ) إنْ كَانَ مُسْلِمًا (وَالْمُصَابِ) أَيْ: الدُّعَاءِ لِلْمُصَابِ. (وَلَا تَعْيِينَ فِيمَا يَقُولُهُ) الْمُعَزِّي قَالَ الْمُوَفَّقُ لَا أَعْلَمُ فِي التَّعْزِيَةِ شَيْئًا مَحْدُودًا، إلَّا أَنَّهُ يُرْوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَزَّى رَجُلًا، فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ وَآجَرَك» رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَيَخْتَلِفُ) مَا يَقُولُهُ الْمُعَزِّي (بِاخْتِلَافِ الْمُعَزِّينَ فَإِنْ شَاءَ) الْمُعَزِّي. (قَالَ فِي تَعْزِيَةِ الْمُسْلِمِ بِالْمُسْلِمِ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَحْسَنَ عَزَاءَك) أَيْ: رَزَقَكَ الصَّبْرَ الْحَسَنَ (وَغَفَرَ لِمَيِّتِكَ، وَفِي تَعْزِيَتِهِ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (بِكَافِرٍ: أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ وَأَحْسَنَ عَزَاءَكَ) وَيُمْسِكُ عَنْ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. (وَتَحْرُمُ تَعْزِيَةُ الْكَافِرِ) سَوَاءً كَانَ الْمَيِّتُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا لِأَنَّ فِيهَا تَعْظِيمًا لِلْكَافِرِ كَبُدَاءَتِهِ بِالسَّلَامِ. (وَيَقُولُ الْمُعَزَّى) بِفَتْحِ الزَّاي مَشْدُودَةً (اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَك، وَرَحِمَنَا وَإِيَّاكَ) بِهَذَا الْقَوْلِ رَدَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَفَى بِهِ قُدْوَة. (وَلَا يُكْرَهُ أَخْذُهُ) أَيْ: الْمُعَزَّى (بِيَدِ مَنْ عَزَاهُ) قَالَ أَحْمَدُ: إنْ شِئْتَ أَخَذْتَ بِيَدِ الرَّجُلِ فِي التَّعْزِيَةِ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا. (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُصَابُ عَلَيْهِ عَلَامَةً يُعْرَفُ بِهَا، لِيُعَزَّى) لِتَتَيَسَّرَ التَّعْزِيَةُ الْمَسْنُونَةُ بِذَلِكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. (وَيُسَنُّ) لِلْمُصَابِ (أَنْ) يَسْتَرْجِعَ فَ (يَقُولُ إنَّا لِلَّهِ) أَيْ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنَا مَا يَشَاءُ (وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَيْ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِنَا (اللَّهُمَّ أَجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا) أَجُرْنِي مَقْصُورٌ وَقِيلَ مَمْدُودٌ وَأَخْلِفْ: بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ يُقَال لِمَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا يَتَوَقَّعُ مِثْلَهُ: أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك مِثْلَهُ وَمَنْ ذَهَبَ مِنْهُ مَا لَا يَتَوَقَّع مِثْلَهُ خَلَفَ اللَّهُ عَلَيْك أَيْ: كَانَ اللَّهُ لَك خَلِيفَةً مِنْهُ عَلَيْك. (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ) قَالَهُ الْآجُرِّيُّ وَجَمَاعَةٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ فَعَلَهَا ابْنُ عَبَّاس، وَقَرَأَ {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ} [البقرة: 45] وَلَمْ يَذْكُرْهَا جَمَاعَةٌ وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد عَنْ حُذَيْفَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى» قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَحَزَبَهُ الْأَمْرُ: نَابَهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، أَوْ ضَغَطَهُ وَلِمُسْلِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا «إذَا حَضَرْتُمْ الْمَرِيضَ أَوْ الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قَالَ قُولِي: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ وَاعْقُبْنِي عُقْبَةً حَسَنَةً» . (وَ) يُسَنُّ لِلْمُصَابِ
أَنْ (يَصْبِرَ) وَالصَّبْرُ: الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى {وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46] وَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ» وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَوْتِ الْوَلَدِ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يَمُوتُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ» يُشِير إلَى قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلا وَارِدُهَا} [مريم: 71] . وَالصَّحِيحُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ مِنْ جَزَاءٍ إذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ: إلَّا الْجَنَّةُ» قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ الثَّوَابَ فِي الْمَصَائِبِ فِي الصَّبْرِ عَلَيْهَا لَا عَلَى الْمُصِيبَةِ نَفْسِهَا فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّمَا يُثَابُ عَلَى كَسْبِهِ وَالصَّبْرُ مِنْ كَسْبِهِ وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ فَوْقَ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ رِضَا اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى (وَيَجِبُ مِنْهُ) أَيْ: الصَّبْرِ (مَا يَمْنَعْهُ مِنْ مُحَرَّمٍ) إذْ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ أَمْرٌ بِضِدِّهِ وَلَا يَلْزَمُ الرِّضَى بِمَرَضٍ وَفَقْرٍ وَعَاهَةٍ خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ، بَلْ يُسَنُّ وَيُحْرَمُ الرِّضَا بِفِعْلِ الْمَعْصِيَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إجْمَاعًا وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى إحْدَاثِ الرَّبِّ لِذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا وَيَرْضَاهَا رَضِيَ لِلَّهِ بِمَا رَضِيَهُ لِنَفْسِهِ فَيَرْضَاهُ وَيُحِبُّهُ مَفْعُولًا مَخْلُوقًا لِلَّهِ تَعَالَى وَيَبْغَضُهُ وَيَكْرَهُهُ فِعْلًا لِلْمُذْنِبِ الْمُخَالِفِ لِأَمْرِ اللَّهِ وَهَذَا كَمَا نَقُولُ فِيمَا خَلَقَهُ مِنْ الْأَجْسَامِ الْخَبِيثَةِ قَالَ: فَمَنْ فَهِمَ هَذَا الْمَوْضِعَ انْكَشَفَ لَهُ حَقِيقَةُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي حَارَتْ فِيهِ الْعُقُولُ. (وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ: الْمُصَابِ (تَغْيِيرُ حَالِهِ) أَيْ: هَيْئَتِهِ (مِنْ خَلْعِ رِدَائِهِ وَنَعْلِهِ، وَغَلْقِ حَانُوتِهِ، وَتَعْطِيلِ مَعَاشِهِ وَنَحْوِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيّ فِي قَوْله تَعَالَى {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا} [الحديد: 22] اعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ مَا قُضِيَ لَا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ قَلَّ حُزْنُهُ وَفَرْحُهُ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَمَشَّ مَعَ الْقَدَرِ لَمْ يَتَهَنَّ بِعَيْشٍ. (وَلَا يُكْرَهُ الْبُكَاءُ) قَالَ، الْجَوْهَرِيُّ: الْبُكَاءُ يُمَدُّ وَيُقْصَرُ فَإِذَا مَدَدْتَ أَرَدْتَ الصَّوْتَ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْبُكَاءِ وَإِذَا قَصَرْتَ، أَرَدْتَ الدُّمُوعَ وَخُرُوجَهَا (عَلَى الْمَيِّتِ قَبْلَ الْمَوْتِ وَبَعْدَهُ) لِكَثْرَةِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ، فَمِنْهَا: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ
«أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا فَاضَتْ عَيْنَاهُ، لَمَّا رُفِعَ إلَيْهِ ابْنُ بِنْتِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ أَيْ: لَهَا صَوْتٌ وَحَشْرَجَةٌ كَصَوْتِ مَا أُلْقِيَ فِي قِرْبَةٍ بَالِيَةٍ قَالَ لَهُ سَعْدُ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ» قَالَ جَمَاعَةٌ: وَالصَّبْرُ عَنْهُ أَجْمَلُ؟ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي التُّحْفَةِ الْعِرَاقِيَّةِ: الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ عَلَى وَجْهِ الرَّحْمَةِ حَسَنٌ مُسْتَحَبٌّ وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرِّضَا بِخِلَافِ الْبُكَاءِ عَلَيْهِ لِفَوَاتِ حَظِّهِ مِنْهُ وَقَالَ فِي الْفُرْقَانِ: الصَّبْرُ وَاجِبٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ، ثُمَّ ذَكَر فِي الرِّضَا قَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ: وَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَشْكُرَ اللَّهَ عَلَى الْمُصِيبَةِ، لِمَا يَرَى مِنْ إنْعَامِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِهَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَلَا يَجُوزُ النَّدْبُ وَهُوَ الْبُكَاءُ، مَعَ تَعْدِيدِ مَحَاسِنَ الْمَيِّتِ) بِلَفْظِ النِّدَاءِ، مَعَ زِيَادَةِ الْأَلْفِ وَالْهَاءِ فِي آخِرِهِ كَقَوْلِهِ: وَا سَيِّدَاهْ وَا جَبَلَاهْ وَا انْقِطَاعَ ظَهْرَاهْ. (وَلَا) تَجُوزُ (النِّيَاحَةُ وَهِيَ رَفْعُ الصَّوْتِ بِذَلِكَ بِرَنَّةٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ «أَخَذَ عَلَيْنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ» فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَعَنَ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ ". (وَلَا) يَجُوزُ (شَقُّ الثِّيَابِ وَلَطْمُ الْخُدُودِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الصُّرَاخِ وَخَمْشِ الْوَجْهِ) وَتَسْوِيدِهِ (وَنَتْفِ الشَّعْرِ وَنَشْرِهِ وَحَلْقِهِ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» وَفِيهِمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَرِئَ مِنْ الصَّالِقَةِ وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ " فَالصَّالِقَةُ الَّتِي تَرْفَعُ صَوْتَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَيُقَالُ: السَّالِقَةُ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالْحَالِقَةُ الَّتِي تَحْلِقُ شَعْرَهَا عِنْدَ الْمُصِيبَةِ وَالشَّاقَّةُ الَّتِي تَشُقُّ ثِيَابَهَا وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الْجَزَعِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَالسُّخْطِ مِنْ فِعْلِهِ. وَفِي شَقِّ الْجُيُوبِ إفْسَادٌ لِلْمَالِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (وَفِي الْفُصُولُ: يَحْرُمُ النَّحِيبُ وَالتَّعْدَادُ) أَيْ: تَعْدَادُ الْمَحَاسِنِ وَالْمَزَايَا (وَإِظْهَارُ الْجَزَعِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ التَّظَلُّمَ مِنْ الظَّالِمِ وَهُوَ عَدْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ لِأَنَّهُمْ مِلْكُهُ. (وَيُبَاحُ يَسِيرُ النَّدْبَةِ الصِّدْقِ، إذَا لَمْ يَخْرُجُ مَخْرَجَ النَّوْحِ وَلَا قَصْدَ نَظْمِهِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: يَا أَبَتَاهُ يَا وَلَدَاهُ وَنَحْو ذَلِكَ) هَذَا تَتِمَّةُ كَلَامِ الْفُصُولِ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ: تَحْرِيمُهُ (وَجَاءَتْ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ بِتَعْذِيبِ الْمَيِّتِ بِالنِّيَاحَةِ وَالْبُكَاءِ عَلَيْهِ) فَحَمَلَهُ ابْنُ حَامِد عَلَى مَنْ أَوْصَى بِهِ لِأَنَّ عَادَةَ الْعَرَبِ الْوَصِيَّةُ بِفِعْلِهِ فَخَرَجَ
عَلَى عَادَتِهِمْ. وَفِي شَرْحِ مُسْلِم وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ سِيَاقَ الْخَبَرِ يُخَالِفُهُ، وَحَمَلَهُ الْأَثْرَمُ عَلَى مَنْ وَصَى بِهِ حِينَ يَمُوت وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: يَتَأَذَّى بِذَلِكَ إنْ لَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ كَمَا كَانَ السَّلَفُ يُوصُونَ وَلَمْ يُعْتَبَر كَوْنُ النِّيَاحَةِ عَادَةَ أَهْلِهِ. وَاخْتَارَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ أَنَّ مَنْ هُوَ عَادَةُ أَهْلِهِ وَلَمْ يُوصِ بِتَرْكِهِ عُذِّبَ لِأَنَّهُ مَتَى ظَنَّ وُقُوعُهُ وَلَمْ يُوصِ فَقَدْ رَضِيَ وَلَمْ يَنْهَ مَعَ قُدْرَتِهِ وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: يَتَأَلَّمُ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَوَجَّهُ مَعَهُ لَا أَنَّهُ يُعَاقَبُ بِذَنْبِ الْحَيِّ {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] وَهَذَا كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ» فَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعُقُوبَةِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ حَمْلَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَوَافَقَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَتْ " وَاَللَّهُ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّ اللَّهَ لَيُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: إنَّ اللَّهَ لَيُزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ لَمَّا بَلَغَهَا رِوَايَةُ عُمَرَ وَابْنِهِ فِي ذَلِكَ: إنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَ عَنْهُ غَيْرَ كَاذِبَيْنِ وَلَا مُتَّهَمِينَ وَلَكِنَّ السَّمْعَ يُخْطِئُ وَقَالَتْ: حَسْبُكُمْ الْقُرْآنُ: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] (وَمَا هَيَّجَ الْمُصِيبَةَ مِنْ وَعْظٍ أَوْ إنْشَادِ شِعْرٍ فَمِنْ النِّيَاحَةِ) قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَمَعْنَاهُ لِابْنِ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ فَإِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُهُ عَقِيلٌ قَرَأَ قَارِئٌ {يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 78] فَبَكَى ابْنُ عَقِيلٍ وَبَكَى النَّاسُ فَقَالَ لِلْقَارِئِ يَا هَذَا إنْ كَانَ لِتَهْيِيجِ الْحُزْنِ فَهُوَ نِيَاحَةٌ بِالْقُرْآنِ وَلَمْ يَنْزِل لِلنَّوْحِ بَلْ لِتَسْكِينِ الْأَحْزَانِ. " فَائِدَةٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْحَاشِيَةِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ الرُّوحَ هِيَ النَّفْسُ النَّاطِقَةُ الْمُسْتَعِدَّةُ لِلْبَيَانِ وَفَهْمِ الْخِطَابِ وَلَا تَفْنَى بِفَنَاءِ الْجَسَدِ، وَإِنَّهُ جَوْهَرٌ لَا عَرَضٌ اهـ وَتَجْتَمِعُ أَرْوَاحُ الْمَوْتَى فَيَنْزِلُ الْأَعْلَى إلَى الْأَدْنَى لَا الْعَكْس قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ قَالَ: وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتهَا: أَنَّ الْعَذَابَ أَوْ النَّعِيمَ يَحْصُلُ لِرُوحِ الْمَيِّتِ وَبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَيْضًا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ أَوْ الْعَذَابُ وَلِأَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلٌ آخَر: أَنَّ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ يَكُونُ لِلْبَدَنِ دُونَ الرُّوحِ اهـ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ وَاقِعٌ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْبَدَنِ تَعَلُّقًا بِالرُّوحِ، فَتُعَذَّبُ، فِي الْقَبْرِ،.
كتاب الزكاة
وَيَسْمَعُ الْمَيِّتُ الْكَلَامَ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْمَقَابِرِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتَفَاضَتْ الْآثَارُ بِمَعْرِفَةِ الْمَيِّتِ بِأَحْوَالِ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ ذَلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ وَجَاءَتْ الْآثَارُ بِأَنَّهُ يَرَى أَيْضًا وَبِأَنَّهُ يَدْرِي بِمَا فُعِلَ عِنْدَهُ وَيُسَرُّ بِمَا كَانَ حَسَنًا وَيَتَأَلَّمُ بِمَا كَانَ قَبِيحًا وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ " اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك أَنْ أَعْمَلَ عَمَلًا أُجْزَى بِهِ عِنْدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَوَاحَةَ وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِ وَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ عِنْدَ عَائِشَةَ كَانَتْ تَسْتَتِرُ مِنْهُ، وَتَقُولُ " إنَّمَا كَانَ أَبِي وَزَوْجِي فَأَمَّا عُمَرُ فَأَجْنَبِيٌّ " وَيَعْرِفُ الْمَيِّتُ زَائِرَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَالَهُ أَحْمَدُ. وَفِي الْغُنْيَةِ يَعْرِفهُ كُلَّ وَقْتٍ وَهَذَا الْوَقْتُ آكَدُ وَيَنْتَفِعُ بِالْخَيْرِ وَيَتَأَذَّى بِالْمُنْكَرِ عِنْدَهُ وَسُنَّ، فِعْلٌ لِزَائِرِهِ مَا يُخَفِّفُ عَنْهُ، وَلَوْ بِجَعْلِ جَرِيدَةٍ رَطْبَةٍ فِي الْقَبْرِ لِلْخَبَرِ وَأَوْصَى بِهِ بُرَيْدَةَ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ وَفِي مَعْنَاهُ غَرْسُ غَيْرِهَا وَأَنْكَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الذِّكْرُ وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ إذَا رَجَا التَّخْفِيفَ بِتَسْبِيحِهَا فَالْقِرَاءَةُ أَوْلَى وَتَقَدَّمَ بَعْضُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. [كِتَابُ الزَّكَاةِ] (كِتَابُ الزَّكَاةِ) وَاشْتِقَاقُهَا لُغَةً مِنْ زَكَا يَزْكُو، إذَا نَمَا، أَوْ تَطَهَّرَ يُقَالُ: زَكَا الزَّرْعُ إذَا نَمَا
وَزَادَ وَقَالَ تَعَالَى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9] أَيْ: طَهَّرَهَا عَنْ الْأَدْنَاسِ وَتُطْلَقُ عَلَى الْمَدْحِ قَالَ تَعَالَى {فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} [النجم: 32] وَعَلَى الصَّلَاحِ يُقَال رَجُلٌ زَكِيٌّ، أَيْ: زَائِدُ الْخَيْرِ مِنْ قَوْمٍ أَزْكِيَاءٍ وَزَكَّى الْقَاضِي الشُّهُودَ: إذَا بَيَّنَ زِيَادَتَهُمْ فِي الْخَيْرِ وَسَمَّى الْمَالَ الْمُخْرَجَ زَكَاةً لِأَنَّهُ يَزِيد فِي الْمُخْرَجِ مِنْهُ وَيَقِيهِ الْآفَاتِ وَأَصْلُ التَّسْمِيَةِ قَوْله تَعَالَى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة: 103] وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُطَهِّرُ مُؤَدِّيهَا مِنْ الْإِثْمِ، وَتُنَمِّي أَجْرَهُ وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: إنَّمَا تُنَمِّي الْفُقَرَاءَ (وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ، الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ - فَذَكَر مِنْهَا - وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ " (وَفُرِضَتْ بِالْمَدِينَةِ) ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ طَلَبُهَا وَبَعْثُ السُّعَاةِ لِقَبْضِهَا فَهَذَا بِالْمَدِينَةِ وَلِهَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: إنَّ الظَّوَاهِرَ فِي إسْقَاطِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ مُعَارَضَةٌ بِظَوَاهِرَ تَقْتَضِي وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَالٍ كَقَوْلِهِ {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] وَاحْتَجَّ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ فِعْلُهَا وَيُعَاقَبُ بِهَا بِقَوْلِهِ: {وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6] {الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} [فصلت: 7] وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، مَعَ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُفَسِّرِينَ فَسَّرُوا الزَّكَاةَ فِيهَا بِالتَّوْحِيدِ اهـ وَقَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ: إنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ، بَعْدَ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِدَلِيلِ قَوْلِ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عِبَادَة: " أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الزَّكَوَاتِ ". وَفِي تَارِيخِ ابْنِ جَرِير الطَّبَرِيِّ: أَنَّهَا فُرِضَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ: فُرِضَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ، وَبُيِّنَتْ بَعْدَهَا (وَهِيَ) أَيْ: الزَّكَاةُ شَرْعًا (حَقٌّ وَاجِبٌ) يَأْتِي تَقْدِيرُهُ فِي أَبْوَابِ الْمُزَكَّيَاتِ (فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ قَرِيبًا فِي كَلَامِهِ (لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَهُمْ الْأَصْنَافُ الثَّمَانِيَةُ الْمُشَارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة: 60] الْآيَةَ (فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ تَمَامُ الْحَوْلِ فِي الْمَاشِيَةِ وَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ،
وَعِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي الْحُبُوبِ وَعِنْدَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَعِنْدَ حُصُولِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مِنْ الْعَسَلِ، وَاسْتِخْرَاجِ مَا تَجِبُ فِيهِ مِنْ الْمَعَادِنِ، وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَخَرَّجَ بِقَوْلِهِ " وَاجِبٌ " الْحَقَّ الْمَسْنُونَ كَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَاتِّبَاعِ الْجِنَازَةِ وَبِقَوْلِهِ " فِي مَالٍ رَدّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ، وَبِقَوْلِهِ " مَخْصُوصٍ " مَا يَجِب فِي كُلِّ الْأَمْوَالِ كَالدُّيُونِ وَالنَّفَقَاتِ وَبِقَوْلِهِ " لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ " نَحْو الدِّيَةِ لِأَنَّهَا لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ وَبِقَوْلِهِ " فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ " نَحْو النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْمَالِ الْمَخْصُوصِ بِقَوْلِهِ. (وَتَجِبْ) الزَّكَاةُ (فِي السَّائِمَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ سُمِّيَتْ بَهِيمَةً لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّم وَيَأْتِي بَيَانُ السَّوْمِ. (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ أَيْضًا فِي (الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ) مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَالْمَعَادِنِ (وَمَا فِي حُكْمِهِ) أَيْ: حُكْمِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ (مِنْ الْعَسَلِ) الْخَارِجِ مِنْ النَّحْلِ. (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ أَيْضًا فِي (الْأَثْمَانِ) وَهِيَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (وَ) تَجِب الزَّكَاةُ أَيْضًا فِي (عُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَيَأْتِي بَيَانُهَا) أَيْ: الْمُزَكَّيَات الْمَذْكُورَة (فِي أَبْوَابِهَا) مُفَصَّلَةً مُرَتَّبَةً كَذَلِكَ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ) مِنْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (تَغْلِيبًا) لِلْوُجُوبِ (وَاحْتِيَاطًا) لِتَحْرِيمِ قَتْلِهِ، وَإِيجَابُ الْجَزَاءِ فِيهِ عَلَى الْمُحَرَّمِ، وَالنُّصُوصُ تَتَنَاوَلهُ (فَتَضُمَّ إلَى جِنْسِهَا الْأَهْلِيَّ) فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ. (وَتَجِبْ) الزَّكَاةُ (فِي بَقَرِ وَحْشٍ وَغَنَمِهِ) بِشَرْطِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذْ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا» قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَتُسَمَّى بَقَرًا حَقِيقَةً فَتَدْخُل تَحْتَ الظَّاهِرِ وَكَذَلِكَ يُقَالُ فِي الْغَنَمِ (وَاخْتَارَ الْمُوَفَّقُ وَجَمْعٌ) وَصَحَّحَهُ الشَّارِحُ (لَا تَجِبْ) الزَّكَاةُ فِي بَقَرِ الْوَحْشِ وَغَنَمِهِ، لِأَنَّهَا تُفَارِقُ الْأَهْلِيَّةَ صُورَةً وَحُكْمًا وَالْإِيجَابُ مِنْ الشَّرْعِ وَلَمْ يَرِد وَلَمْ يَصِحَّ الْقِيَاسُ لِوُجُودِ الْفَارِقِ. (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِرِ) أَيْ: فِي بَاقِي (الْأَمْوَالِ إذَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ حَيَوَانًا كَانَ) الْمَالُ (كَالرَّقِيقِ وَالطُّيُورِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالظِّبَاء سَائِمَةً) كَانَتْ (أَوْ لَا، أَوْ غَيْرَ حَيَوَانٍ كَاللَّآلِئِ وَالْجَوَاهِرِ وَالثِّيَابِ وَالسِّلَاحِ وَأَدَوَاتِ) أَيْ آلَاتِ (الصُّنَّاعِ، وَأَثَاثِ الْبُيُوتِ وَالْأَشْجَارِ
وَالنَّبَاتِ وَالْأَوَانَيْ وَالْعَقَارِ مِنْ الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ لِلسُّكْنَى وَلِلْكِرَاءِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَبِي دَاوُد «لَيْسَ فِي الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ زَكَاةٌ» إلَّا زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ بَاقِي الْمَذْكُورَاتِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمَ الْوُجُوبِ إلَّا لِدَلِيلٍ وَلَا دَلِيلَ فِيهَا. (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَمْوَالِ (إلَّا بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ فَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (بِمَعْنَى الْأَدَاءِ) أَيْ: بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَجِبْ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ حَالَ كُفْرٍ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْكُفَّارَ يُعَاقَبُونَ عَلَى سَائِرِ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ، كَالتَّوْحِيدِ (عَلَى كُلِّ كَافِرٍ) أَيْ: فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْكُفَّارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذِ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ: «إنَّك تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَك بِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ تَجِبْ عَلَى كَافِرٍ، كَالصِّيَامِ. (وَلَوْ) كَانَ الْكَافِرُ (مُرْتَدًّا) سَوَاءً حَكَمْنَا بِبَقَاءِ الْمِلْكِ مَعَ الرِّدَّةِ أَوْ زَوَالِهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» . (وَلَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى (عَبْدٍ لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّكُ بِتَمْلِيكٍ) مِنْ سَيِّدٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَلَا غَيْرَهُ) أَيْ: غَيْرَ تَمْلِيكٍ، فَلَا مَالَ لَهُ، وَكَذَا الْأَمَةُ (وَزَكَاةُ مَا بِيَدِهِ) أَيْ: الرَّقِيقِ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ (عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمُّ وَلَدٍ) لِأَنَّهُ مِلْكُ السَّيِّدِ. (وَلَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ (عَلَى مُكَاتَبٍ لِنَقْصِ مِلْكِهِ) فَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي مَالِ الْمُكَاتَبِ زَكَاةٌ حَتَّى يَعْتِقَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَهُ جَابِرُ وَابْنُ عُمَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ تَعَلُّقَ حَاجَتِهِ إلَى فَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الرِّقِّ بِمَالِهِ أَشَدُّ مِنْ تَعَلُّقِ حَاجَةِ الْحُرِّ الْمُفْلِسِ بِمَسْكَنِهِ، وَثِيَابِ بَذْلَتِهِ، فَكَانَ بِإِسْقَاطِ الزَّكَاةِ عَنْهُ أَوْلَى وَأَحْرَى. (بَلْ) تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى (مُعْتَقٍ بَعْضُهُ) بِقَدْرِ مِلْكِهِ (فَيُزَكَّى) الْبَعْضُ (مَا مَلَكَ) مِنْ مَالٍ زَكَوِيٍّ (بِحُرِّيَّةٍ) أَيْ: بِجُزْئِهِ الْحُرِّ، لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ أَشْبَهَ الْحُرَّ. (وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا) أَوْ أَمَةً (وَوَهَبَهُ شَيْئًا) زَكَوِيًّا (ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْعَبْدَ) أَوْ الْأَمَةَ (كَانَ حُرًّا، فَلَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مَا) كَانَ (وَهَبَهُ) لَهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَهُ لَهُ بِنَاءً
عَلَى أَنَّهُ مَلِكُهُ فَإِذَا تَبَيَّنَ خِلَافُهُ رَجَعَ بِهِ وَيُزَكِّيه أَيْ: الْمَالَ السَّيِّدُ، لِمَا مَضَى لِأَنَّهُ مَالَهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فَإِنْ تَرَكَهُ السَّيِّدُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بَعْدَ عِلْمِهِ حُرِّيَّتَهُ زَكَّاهُ لِآخِذٍ لَهُ لِأَنَّهُ مَالِكٌ تَامُّ الْمِلْكِ وَيَسْتَقْبِلُ بِهِ حَوْلًا مِنْ حِينِ التَّرْكِ لِأَنَّهُ وَقْتَ دُخُولِهِ فِي مِلْكِهِ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ) وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، حَكَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَكَذَا رَوَاهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ وَالشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عُمَرَ وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَف لَهُمْ مُخَالِفٌ وَقَدْ قَالُوهُ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَاشْتُهِرَ فَلَمْ يُنْكَر فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلَفْظَةُ " الْأَغْنِيَاءِ " تَشْمَلُ الصَّغِيرَ وَالْمَجْنُونَ كَمَا شَمَلَتْهُمْ لَفْظَةُ الْفُقَرَاءِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «انْتَمُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تُذْهِبُهَا، أَوْ لَا تَسْتَهْلِكُهَا، الصَّدَقَةُ» وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ مُرْسَلًا لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَكِنْ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ. (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي الْمَالِ الْمَنْسُوبِ إلَى الْجَنِينِ) أَيْ: الَّذِي وُقِفَ لَهُ فِي إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ وَانْفَصَلَ حَيًّا لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ، مَا دَامَ حَمْلًا وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ يَجِبُ، لِحُكْمِنَا لَهُ بِالْمِلْكِ ظَاهِرًا، حَتَّى مَنَعْنَا بَاقِي الْوَرَثَةِ. الثَّالِثُ مِنْ شُرُوطِ الزَّكَاةِ: (مِلْكُ نِصَابٍ) لِلنُّصُوصِ وَلَا فَرْقَ بَيْن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا، وَلَا يُرَدُّ الرِّكَازُ، لِأَنَّ شَبَهَهُ بِالْغَنِيمَةِ أَكْثَرُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَلِهَذَا وَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الدَّيْنُ (فَ) النِّصَابُ (فِي أَثْمَانٍ وَعُرُوضٍ تَقْرِيبٌ) لَا تَحْدِيدٌ (فَلَا يَضُرُّ نَقْصُ حَبَّتَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا فَهُوَ كَنَقْصِ الْحَوْلِ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمُوَاسَاةِ لِأَنَّ النَّقْصَ الْيَسِيرَ لَا حُكْمَ لَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَالْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ وَانْكِشَافِ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ، وَالْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الدَّمِ، فَكَذَا هُنَا فَإِنْ كَانَ النَّقْصُ بَيِّنًا كَالدَّانِقَيْنِ لَمْ تَجِبْ. (وَ) النِّصَابُ (فِي مَزْرُوعٍ) ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (تَحْدِيدٌ) كَالْمَاشِيَةِ فَلَوْ نَقْصَ يَسِيرًا لَمْ تَجِبْ (وَقِيلَ) النِّصَابُ فِي ثَمَرٍ وَزَرْعٍ (تَقْرِيبٌ) كَالْأَثْمَانِ (فَلَا يُؤَثِّرُ) نَقْصٌ (نَحْوَ رَطْلَيْنِ) بِنَحْوِ الْبَغْدَادِيِّ (وَمُدَّيْنِ وَيُؤَثِّرَانِ) أَيْ: نَقْصُهُمَا (عَلَى) الْقَوْلِ (الْأَوَّلِ) وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ (وَعَلَيْهِمَا) أَيْ: الْقَوْلَيْنِ (لَا اعْتِبَارَ بِنَقْصٍ بِتَدَاخُلٍ فِي الْمَكَايِيلِ كَالْأُوقِيَّةِ) فَلَا يَمْنَعُ نَقْصُهَا الْوُجُوبَ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ
(فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِالْحِسَابِ) لِعُمُومِ مَا يَأْتِي فِي أَبْوَابِهِ (إلَّا فِي السَّائِمَةِ، فَلَا زَكَاةَ فِي وَقَصِهَا) لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْد فِي غَرِيبِهِ مَرْفُوعًا «لَيْسَ فِي الْأَوْقَاصِ صَدَقَةٌ» وَقَالَ: الْوَقَصُ: مَا بَيْن النِّصَابَيْنِ. وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ «أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أُمِرْتُ فِي الْأَوْقَاصِ، بِشَيْءٍ قَالَ: لَا وَسَأَسْأَلُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ لَهُ تِسْعٌ مِنْ الْإِبِلِ مَغْصُوبَةٌ فَأَخَذَ مِنْهَا بَعِيرًا بَعْد الْحَوْلِ، زَكَّاهُ بِخُمْسِ شَاةٍ. الرَّابِعُ مِنْ شُرُوطِ الزَّكَاةِ (تَمَامُ الْمِلْكِ) فِي الْجُمْلَةِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّ الْمِلْكَ النَّاقِصَ لَيْسَ نِعْمَةً كَامِلَةً وَهِيَ إنَّمَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَتِهَا، إذْ الْمِلْكُ التَّامُّ عِبَارَةٌ عَمَّا كَانَ بِيَدِهِ لَمْ يَتَعَلَّق بِهِ غَيْرُهُ، يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِيَارِهِ وَفَوَائِدُهُ حَاصِلَهُ لَهُ قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي " تَنْبِيهٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: النِّصَابُ الزَّكَوِيُّ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ، وَكَمَا يَدْخُلُ فِيهِ تَمَامُ الْمِلْكِ يَدْخُلُ فِيهِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَوْ يُقَالُ: الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ شَرْطَانِ لِلسَّبَبِ، فَعَدَمُهُمَا مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ السَّبَبِ وَانْعِقَادِهِ، وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ شُرُوطًا لِلْوُجُوبِ كَالْحَوْلِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ، بِلَا خِلَافٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي السَّبَبِ (فَلَا زَكَاةَ فِي دَيْنِ الْكِتَابَةِ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَعْجِيزَ نَفْسِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْأَدَاءِ وَلِهَذَا لَا يَصِحُّ ضَمَانُهَا. (وَلَا) زَكَاةَ (فِي السَّائِمَةِ وَغَيْرِهَا الْمَوْقُوفَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ، كَالْمَسَاكِينِ أَوْ عَلَى مَسْجِدٍ وَرِبَاطٍ وَنَحْوِهِمَا) كَمَدْرَسَةٍ، لِعَدَمِ مِلْكِهِمْ لَهَا (كَمَالٍ مُوصَى بِهِ فِي) غَيْرِ (وُجُوهِ بِرٍّ) أَيْ: خَيْرَاتٍ مِنْ غَزْوٍ وَنَحْوِهِ أَوْ مَالٍ مُوصَى بِهِ (يُشْتَرَى بِهِ مَا يُوقَف، فَإِنْ اتَّجَرَ بِهِ وَصَّى قَبْلَ مَصْرِفِهِ) فِيمَا وُصِّيَ بِهِ (فَرَبِحَ) الْمَالُ (فَرِبْحُهُ مَعَ أَصْلِ الْمَالِ) يُصْرَفُ (فِيمَا وَصَّى فِيهِ) لِتَبَعِيَّةِ الرِّبْحِ لِلْأَصْلِ. (وَلَا زَكَاةَ فِيهِمَا) لِعَدَمِ الْمَالِكِ الْمُعَيِّنِ (وَإِنْ خَسِرَ) الْمَالَ (ضَمِنَ) الْوَصِيُّ (النَّقْصَ) لِمُخَالَفَتِهِ إذَنْ (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي سَائِمَةٍ) مَوْقُوفَةٍ عَلَى مُعَيَّنٍ كَزَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، لِلْعُمُومِ، وَكَسَائِرِ أَمْلَاكِهِ. وَقَالَ فِي التَّلْخِيصِ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا زَكَاةَ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي لِنَقْصِهِ (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي (غَلَّةِ أَرْضٍ) ، وَغَلَّةِ (شَجَرٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى مُعَيَّنٍ) إنْ بَلَغَتْ الْغَلَّةُ نِصَابًا نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ لَيْسَ وَقْفًا، بِدَلِيلِ بَيْعِهِ. (وَيُخْرِجُ مِنْ غَيْرِ السَّائِمَةِ) كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ فَلَا يُخْرِجُ مِنْهَا لِأَنَّ الْوَقْفَ لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُعَيَّنُونَ (جَمَاعَةً وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَلَّتِهِ)
أَيْ: الْمَوْقُوفِ مِنْ أَرْضٍ أَوْ شَجَرٍ (نِصَابًا، وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ وَكَذَا لَوْ بَلَغَتْ حِصَّةُ بَعْضِهِمْ نِصَابًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَبْلُغ حِصَّةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا (فَلَا) زَكَاةَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ (وَلَا فِي حِصَّةِ مُضَارِبٍ) مِنْ الرِّبْحِ (قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَلَوْ مُلِكَتْ) أَيْ: وَلَوْ قُلْنَا: تُمْلَكُ (بِالظُّهُورِ) لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا (فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ قَبْلَ اسْتِقْرَارِهَا) بِالْقِسْمَةِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَاهَا. (وَيُزَكِّي رَبُّ الْمَالِ حِصَّتَهُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الرِّبْحِ (كَالْأَصْلِ) أَيْ: رَأْسِ الْمَالِ (لِمِلْكِهِ) الرِّبْحَ (بِظُهُورِهِ) وَتَبَعِيَّتِهِ لِمَا لَهُ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ وَلَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةَ حِصَّةِ الْمُضَارِبِ مِنْ الرِّبْحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهَا (فَلَوْ دَفَعَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ (إلَى رَجُلٍ أَلْفًا مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَقَدْ رَبَحَ) الْمَالُ (أَلْفَيْنِ فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ زَكَاةُ أَلْفَيْنِ) رَأْسِ الْمَالِ وَحِصَّته مِنْ الرِّبْحِ (فَإِنْ أَدَّاهَا) أَيْ: زَكَاةَ الْأَلْفَيْنِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (حُسِبَ) مَا أَدَّاهُ (مِنْ الْمَالِ وَالرِّبْحِ، فَيُنْقَصُ رُبُعُ عُشْرِ رَأْسِ الْمَالِ) وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَيَصِيرُ رَأْسُ الْمَالِ تِسْعَمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ. (وَالْمَالُ الْمُوصَى بِهِ) لِمُعَيَّنٍ (يُزَكِّيه مَنْ حَالِ الْحَوْلُ وَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ) سَوَاءً الْمُوصِي وَالْمُوصَى لَهُ (وَلَوْ وَصَّى بِنَفْعِ نِصَابِ سَائِمَةٍ زَكَّاهَا مَالِكُ الْأَصْلِ) كَالْمَوْجُودَةِ. (وَمَنْ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مَلِيءٍ) أَيْ: قَادِرٍ عَلَى وَفَائِهِ (بَاذِلٍ) لِلدَّيْنِ (مِنْ قَرْضٍ أَوْ دَيْنٍ، عُرُوضِ تِجَارَةٍ أَوْ مَبِيعٍ لَمْ يَقْبِضْهُ) كَمَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ (بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَوَّلًا، أَوْ دَيْنِ سَلَمٍ إنْ كَانَ) دَيْنُ السَّلَمِ (لِلتِّجَارَةِ وَلَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا) هَكَذَا عِبَارَةُ الْإِنْصَافِ وَالْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَذُكِرَ فِي الْمُنْتَهَى: لَا تَجِبُ فِي دَيْنِ سَلَمٍ مَا لَمْ يَكُنْ أَثْمَانًا أَوْ لِلتِّجَارَةِ انْتَهَى وَعَلَيْهِ: يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِجَعْلِ الْوَاوِ لِلْحَالِ أَيْ: إنْ كَانَ لِلتِّجَارَةِ فِي حَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ أَثْمَانٍ فَإِنْ كَانَ أَثْمَانًا لَمْ يُعْتَبَر كَوْنُهَا لِلتِّجَارَةِ (أَوْ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ رَأْسَ مَالِ سَلَمٍ قَبْلَ قَبْضِ عِوَضِهِمَا) أَيْ: عِوَضِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَهُوَ الْمَبِيعُ؛ وَعِوَضِ رَأْسِ مَالِ سَلَمٍ، وَهُوَ الْمُسْلَمُ فِيهِ. وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ فِي رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ مَا دَامَا بِالْمَجْلِسِ وَلَمْ يُنَبَّه عَلَيْهِ لِلْعِلْمِ بِهِ، مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِهِ (وَلَوْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ) أَيْ: عَقْدُ الْبَيْعِ أَوْ السَّلَمِ بِإِقَالَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهُ (أَوْ) دَيْنٍ مِنْ (صَدَاقٍ أَوْ عِوَضِ خُلْعٍ أَوْ أُجْرَةٍ) بِأَنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى مِائَةٍ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ سَأَلَتْهُ الْخُلْعَ بِذَلِكَ، أَوْ اسْتَأْجَرَ مِنْهُ شَيْئًا كَذَلِكَ، فَيَجْرِي ذَلِكَ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ (بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَوْفِ) مِنْهُ (الْمَنْفَعَةُ) الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا فِي النِّكَاحِ أَوْ الْإِجَارَةِ لِمِلْكِ هَذِهِ
الْأَشْيَاءِ بِالْعَقْدِ (وَكَذَا كُلُّ دَيْنٍ لَا فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، أَوْ) فِي مُقَابَلَةِ (مَالٍ غَيْرِ زَكَوِيٍّ، كَمُوصَى بِهِ وَمَوْرُوثٍ، وَثَمَنِ مَسْكَنٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَقِيمَةِ عَبْدٍ مُتْلَفٍ وَجُعْلٍ بَعْدَ عَمَلٍ، وَمُصَالَح بِهِ عَنْ دَمِ عَمْدٍ (جَرَى فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ، عَيْنًا كَانَ أَوْ دَيْنًا) لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي جَمِيعِهِ مُسْتَقِرٌّ، وَتَعْرِيضُهُ لِلزَّوَالِ لَا تَأْثِيرَ لَهُ. وَهُوَ ظَاهِرُ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ فِي الصَّدَاقِ وَعِوَضِ الْخُلْعِ وَالْأُجْرَةِ وَالصَّدَاقِ، وَعِوَضُ الْخُلْعِ إذَا كَانَ مُبْهَمًا اسْتَقْبَلَ بِهِ حَوْلَ مَنْ تَعْيِينِهِ (مِنْ غَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، لَا) إنْ كَانَ الدَّيْنُ (مِنْهَا) أَيْ: مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى أَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ (لِاشْتِرَاطِ السَّوْمِ) فِيهَا (فَإِنْ عُيِّنَتْ زُكِّيَتْ كَغَيْرِهَا وَكَذَا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ لَا تُزَكَّى لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّن مَالًا زَكَوِيًّا) لِأَنَّ الْإِبِلَ فِي الدِّيَةِ أَحَدُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَقَوْلُهُ (زَكَاة) أَيْ: الدَّيْن الْمَذْكُور (إذَا قَبَضَهُ، أَوْ) قَبَضَ (شَيْئًا مِنْهُ) جَوَاب قَوْلِهِ: وَمَنْ لَهُ دَيْنٌ، لِجَرَيَانِهِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ لِمَا سَبَقَ (فَكُلَّمَا قَبَضَ شَيْئًا) مِنْ الدَّيْنِ (أَخْرَجَ زَكَاتَهُ) لِمَا مَضَى (وَلَوْ لَمْ يَبْلُغ الْمَقْبُوضُ نِصَابًا) حَيْثُ بَلَغَ أَصْلُهُ نِصَابًا وَلَوْ بِالضَّمِّ إلَى غَيْرِهِ. رَوَى أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ " لَا زَكَاةَ فِي الدَّيْنِ حَتَّى يُقْبَضَ " ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ وَلَمْ يُعْرَف لَهُمْ مُخَالِفٌ (أَوْ أَبْرَأَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الدَّيْنِ أَوْ بَعْضِهِ فَيُزَكِّيهِ (لِمَا مَضَى) وَسَوَاء (قَصَدَ بِبَقَائِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَدِينِ (الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ لَا) وَسَوَاء كَانَ الْمَدِينُ يُزَكِّيه أَوْ لَا (وَيُجْزِئ إخْرَاجُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الدَّيْنِ (قَبْلَ قَبْضِهِ) لِقِيَامِ الْوُجُوبِ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ، وَعَدَمُ إلْزَامِهِ بِالْإِخْرَاجِ قَبْلَ قَبْضِهِ رُخْصَةٌ فَلَيْسَ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ. (وَلَوْ كَانَ فِي يَدِهِ) أَيْ: الْحُرِّ الْمُسْلِمِ (بَعْضُ نِصَابٍ وَبَاقِيه دَيْنٌ أَوْ غَصْبٌ أَوْ ضَالٌّ زَكَّى مَا بِيَدِهِ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ وَتَمَامِ النِّصَابِ (وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا ظَنَّ رُجُوعَهُ) أَيْ: الضَّالِّ، وَإِلَّا لَمْ يَتَحَقَّقْ مِلْكُ النِّصَابِ. (وَكُلُّ دَيْنٍ) مِنْ صَدَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ (سَقَطَ قَبْلَ قَبْضِهِ) حَالَ كَوْنِهِ (لَمْ يُتَعَوَّض عَنْهُ) أَيْ: لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ عِوَضًا وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ (كَنِصْفِ صَدَاقٍ) سَقَطَ عَنْ الزَّوْجِ (قَبْلَ قَبْضِهِ بِطَلَاقٍ) أَوْ نَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ (أَوْ) كَصَدَاقٍ سَقَطَ (كُلُّهُ لِانْفِسَاخِهِ مِنْ جِهَتِهَا) كَفَسْخِهَا لِعَيْبِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاسَاةِ وَلَمْ يُقْبَضْ الدَّيْن وَلَا أَبْرَأَ مِنْهُ فَلَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُهَا وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا وَنَحْوِهِ بِنِصَابِ أَثْمَانٍ، وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ، ثُمَّ تَلَفَ الْمَبِيعُ قَبْلَ قَبْضِهِ: انْفَسَخَ الْبَيْعُ؛
وَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ، لِسُقُوطِ الثَّمَنِ عَنْ الْمُشْتَرَى، بِلَا إبْرَاءٍ وَلَا إسْقَاطٍ وَكَذَا لَوْ تَعَلَّقَ بِذِمَّةِ رَقِيقٍ دَيْنٌ ثُمَّ اشْتَرَاهُ رَبُّ الدَّيْنِ سَقَطَ وَسَقَطَتْ زَكَاتُهُ لِمَا ذُكِرَ. (وَإِنْ أَسْقَطَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (رَبُّهُ) بِأَنْ أَبْرَأ مِنْهُ (زَكَّاهُ وَإِنْ أَخَذَ بِهِ) أَيْ: الدَّيْنِ (عِوَضًا أَوْ أَحَالَ) عَلَيْهِ (أَوْ احْتَالَ) بِهِ (زَكَّاهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ كَقَبْضِهِ (كَعَيْنٍ) تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ وَدِيعَةً أَوْ نَحْوِهَا (وَهَبَهَا) مَالِكُهَا بَعْدَ الْحَوْلِ لِمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ فَلَا تَسْقُطُ زَكَاتُهَا عَنْهُ لِاسْتِقْرَارِهَا عَلَيْهِ. (وَلِلْبَائِعِ إخْرَاجُ زَكَاةِ مَبِيعٍ) مَشْرُوطٍ (فِيهِ خِيَارٌ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَبِيعِ، لِسَبْقِ تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ عَلَى الْمَبِيعِ (فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ فِي قَدْرِهِ) أَيْ: قَدْرِ مَا أَخْرَجَهُ عَنْ الزَّكَاةِ، لِتَفْوِيتِهِ إيَّاهُ عَلَى الْمُشْتَرِي. (وَإِنْ زَكَّتْ) الْمَرْأَةُ (صَدَاقَهَا كُلَّهُ ثُمَّ تَنَصَّفَ) الصَّدَاقُ (بِطَلَاقٍ) أَوْ نَحْوِهِ (رَجَعَ) الزَّوْجُ (فِيمَا بَقِيَ) مِنْ الصَّدَاقِ (بِكُلِّ حَقِّهِ) وَهُوَ النِّصْفُ تَامًّا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] وَالزَّكَاةُ فَاتَتْ عَلَيْهَا، لِأَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهَا. (وَلَا يُجْزِيهَا) أَيْ: الْمُطَلَّقَةَ (زَكَاتُهَا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الصَّدَاقِ (بَعْدَ طَلَاقِهِ) أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا يَصِفَهُ (لِأَنَّهُ مُشْتَرِكٌ) فَلَا تَتَصَرَّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ (وَمَتَى لَمْ تُزَكِّهِ) ثُمَّ طَلَّقَ أَوْ نَحْوه قَبْلَ الدُّخُولِ (رَجَعَ بِنِصْفِهِ كَامِلًا) لِلْآيَةِ (وَتُزَكِّيه) أَيْ: الصَّدَاقَ كُلَّهُ (هِيَ) لِجَرَيَانِهِ فِي مِلْكِهَا إلَى الْحَوْلِ وَكَذَا لَوْ سَقَطَ كُلُّهُ لِفَسْخِهَا لِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ وَزَكَاتِهِ إنْ مَضَى حَوْلٌ فَأَكْثَرُ عَلَيْهَا. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (أَيْضًا فِي دَيْنٍ عَلَى غَيْرِ مَلِيءٍ) وَهُوَ الْمُعْسِرُ (وَ) دَيْنٍ (عَلَى مُمَاطِلٍ وَفِي) دَيْنٍ (مُؤَجَّلٍ، وَ) فِي (مَجْحُودٍ بِبَيِّنَةٍ أَوْ لَا) لِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِهِ وَالْإِبْرَاءِ مِنْهُ، فَيُزَكِّي ذَلِكَ إذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنٍ عَبَّاسٍ لِلْعُمُومِ كَسَائِرِ مَالِهِ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ أَيْضًا (فِي مَغْصُوبٍ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ، أَوْ) فِي (بَعْضِهِ) بِيَدِ الْغَاصِبِ أَوْ مَنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الْغَاصِبِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ تَالِفًا لِأَنَّهُ مَالٌ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْإِبْرَاءِ مِنْهُ وَالْحَوَالَةِ بِهِ وَعَلَيْهِ أَشْبَهَ الدَّيْنَ عَلَى الْمَلِيءِ، فَيُزَكِّيه مَالِكُهُ إذَا قَبَضَهُ، لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ (وَيَرْجِعُ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ عَلَى الْغَاصِبِ بِالزَّكَاةِ لِنَقْصِهِ) أَيْ: زَكَاةِ الْمَالِ الْمَغْصُوبِ زَمَنَ غَصْبِهِ (أَيْ: الْمَالِ) بِيَدِهِ (أَيْ: الْغَاصِبِ) كَتَلَفِهِ (أَيْ: تَلَفِ الْمَغْصُوبِ بِيَدِ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، فَكَذَا نَقْصِهِ) . وَتَجِبُ (الزَّكَاةُ) فِي (مَالٍ ضَائِعٍ كَلُقَطَةٍ، فَ) زَكَاةُ (حَوْلِ التَّعْرِيفِ عَلَى رَبِّهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ إذَا وَجَدَهَا (وَ) زَكَاةُ (مَا
بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (عَلَى مُلْتَقِطٍ) لِدُخُولِ اللُّقَطَةِ فِي مِلْكِهِ بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ بِشَرْطِهِ كَالْإِرْثِ فَتَصِيرُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ (فَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ زَكَاتَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ: حَالَ كَوْنِ الزَّكَاةِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ وَذَلِكَ مَا بَعْدَ حَوْلِ التَّعْرِيفِ (مِنْهَا) أَيْ: اللُّقَطَةِ (ثُمَّ أَخَذَهَا) أَيْ: اللُّقَطَةَ (رَبُّهَا، رَجَعَ) رَبُّهَا (عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُلْتَقِطِ (بِمَا أَخْرَجَ) مِنْ اللُّقَطَةِ لِتَصَرُّفِهِ فِيهِ وَصَيْرُورَتِهَا مَضْمُونَةً بِمُضِيِّ حَوْلِ التَّعْرِيفِ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ وَإِنْ أَخْرَجَ الْمُلْتَقِطُ الزَّكَاةَ لِحَوْلِ التَّعْرِيفِ؛ لَمْ يُجْزَ عَنْ رَبِّهَا وَيَضْمَنهَا أَيْضًا إنْ أَخْرَجَهَا مِنْهَا لِتَعْدِيَةٍ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ أَيْضًا (فِي مَسْرُوقٍ وَمَدْفُونٍ وَمَنْسِيٍّ فِي دَارٍ أَوْ غَيْرِهَا) ، أَوْ مَالٍ (مَذْكُورٍ) أَيْ: مَعْرُوفٍ لَهُ لَكِنْ (جَهِلَ عِنْد مَنْ هُوَ؟ وَفِي مَوْرُوثٍ) وَلَوْ جَهِلَهُ أَوْ عِنْدَ مَنْ هُوَ (وَمَرْهُون وَيُخْرِجهَا الرَّاهِنُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَرْهُونِ (إنْ أَذِنَ لَهُ الْمُرْتَهِنُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ) الزَّكَاةَ غَيْرَ الْمَرْهُونِ كَأَرْشِ جِنَايَةِ الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ عَلَى دَيْنِهِ. (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ مَالٌ يُؤَدِّي مِنْهُ الزَّكَاةَ غَيْرَ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيهَا (مِنْ غَيْرِهِ) لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِهِ. (وَتَجِبُ فِي مَبِيعٍ وَلَوْ كَانَ فِي خِيَارٍ وَلَوْ قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ: قَبْضِ الْمُشْتَرِي إيَّاهُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَتَجِبْ فِي مَبِيعٍ قَبْلَ الْقَبْضِ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ فَيُزَكِّيه الْمُشْتَرِي مُطْلَقًا انْتَهَى وَهَذَا مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ وَسَوَاءً كَانَ دَيْنًا أَوْ عَيْنًا، لِأَنَّ زَكَاةَ الدَّيْنِ عَلَى مَنْ هُوَ لَهُ لَا عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ (فَيُزَكِّي بَائِعٌ مَبِيعًا غَيْرَ مُتَعَيِّنٍ وَلَا مُتَمَيِّزٍ) كَالْمَوْصُوفِ فِي الذِّمَّةِ بِأَنْ بَاعَهُ مَثَلًا أَرْبَعِينَ شَاةً مَوْصُوفَةً فِي الذِّمَّةِ، وَعِنْدَهُ أَرْبَعُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَزَكَاتُهَا عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يَقْبِضَهَا الْمُشْتَرِي لِعَدَمِ دُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ لَكِنَّ تَسْمِيَتَهَا مَبِيعًا فِيهِ تَسَمُّحٌ، لِأَنَّهَا عَلَى صِفَةِ الْمَبِيعِ. وَإِنَّمَا الْمَبِيعُ فِي الذِّمَّةِ، أَيْ: شَيْءٍ سَلَّمَهُ عَنْهُ بِالصِّفَاتِ لَزِمَ قَبُولُهُ وَمَحَلُّهُ أَيْضًا: إذَا لَمْ يَنْقُصْ النِّصَابُ بِهَا؛ وَإِلَّا فَيَأْتِي: لَا زَكَاةَ عَلَى مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَيَنْقُصُ النِّصَابُ وَلَا زَكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْمَبِيعِ فِي الْمِثَالِ لِأَنَّهُ دَيْنُ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ السَّوْمِ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا إنْ كَانَ الْمَبِيعُ الْمَوْصُوفُ فِي الذِّمَّةِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ عُرُوضَ تِجَارَةٍ فَزَكَاتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي كَمَا تَقَدَّمَ وَيُزَكِّي الْبَائِعُ مَا بِيَدِهِ بِأَوْصَافِهِ سِوَى مَا يُقَابِلُهُ عَلَى مَا سَبَقَ (وَمُشْتَرٍ يُزَكِّي غَيْرَهُ) أَيْ: مَبِيعًا مُتَعَيِّنًا أَوْ مُتَمَيِّزًا وَمَثَّلَ ابْنُ قُنْدُسٍ الْمُتَعَيِّنَ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ مُعَيَّنٍ أَوْ مَوْصُوفٍ مِنْ قَطِيعٍ مُعَيَّنٍ وَالْمُتَمَيِّزُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً قَالَ: فَكُلُّ مُتَمَيِّزَةٍ مُتَعَيِّنَةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ مُتَعَيِّنَةٍ مُتَمَيِّزَةٍ وَذَكَر فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى أَنَّ غَيْرَ
الْمُتَمَيِّزِ كَصِنْفٍ مُشَاعًا فِي زَبْرَةِ فِضَّةٍ وَزْنُهَا أَرْبَعمِائَةِ دِرْهَمَ يُزَكِّيه الْبَائِعُ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ فِي مَالٍ (مُودَعٍ) بِشَرْطِهِ كَغَيْرِهِ (وَلَيْسَ لِلْمُودَعِ إخْرَاجُهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (مِنْهُ) أَيْ: الْمُودَعِ (بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهَا) أَيْ: الْوَدِيعَةِ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَيْهِ. (وَ) تَجِبُ الزَّكَاةُ (فِي) مَالِ (غَائِبِ مَعَ عَبْدِهِ أَوْ وَكِيلِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ أُسِرَ رَبُّ الْمَالِ أَوْ حُبِسَ وَمُنِعَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ) لِعَدَمِ زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْهُ. (وَلَا زَكَاةَ فِي مَالِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ النِّصَابَ) ؟ سَوَاءً حُجِرَ عَلَيْهِ لِلْفَلَسِ أَوْ لَا (أَوْ) عَلَيْهِ دَيْنٌ (يُنْقِصُهُ) أَيْ: النِّصَابَ (وَلَا يَجِدُ مَا يَقْضِيه بِهِ سِوَى النِّصَابِ، أَوْ) يَجِدُ (مَا) يَقْضِي بِهِ الدَّيْنُ غَيْرَ النِّصَابِ، لَكِنَّهُ (لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ) كَمَسْكَنِهِ وَكُتُبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُهَا وَثِيَابِهِ وَخَادِمِهِ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ (وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْمَالِ) الْمُزَكَّى (حَتَّى دَيْنُ خَرَاجٍ، وَ) حَتَّى (أَرْشُ جِنَايَةِ عَبِيدِ التِّجَارَةِ، وَ) حَتَّى (مَا اسْتَدَانَهُ لِمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَجُذَاذٍ وَدِيَاسٍ) يَنْبَغِي حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا اسْتَدَانَهُ لِذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَإِلَّا فَلَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ فِي بَابِ زَكَاةِ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ: وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْهُ، لِسَبْقِ الْوُجُوبِ وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: يُحْتَمَلُ ضِدُّهُ، كَالْخَرَاجِ انْتَهَى. وَجَزَمَ فِي الْمُنْتَهَى بِمَعْنَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي (وَ) حَتَّى دَيْنُ (كِرَى أَرْضٍ) أَيْ: أُجْرَتِهَا (وَنَحْوِهِ) كَأُجْرَةِ حَرْثٍ (لَا دَيْنًا بِسَبَبِ ضَمَانٍ) كَالضَّامِنِ وَالْغَاصِبِ إذَا غُصِبَتْ مِنْهُ الْعَيْنُ وَتَلِفَتْ عِنْد الثَّانِي وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَمْنَعُ هَذَا الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَنْ الضَّامِنِ، وَلَا عَنْ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ مُتَمَكِّنًا مِنْ مُطَالَبَتِهِمَا لِأَنَّ مَنْعَ الدَّيْنِ فِي أَكْثَرِ مِنْ قَدْرِهِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَتَوْزِيعُهُ عَلَى الْجِهَتَيْنِ لَا قَائِلَ بِهِ فَتَعَيَّنَ مُقَابَلَتُهُ بِجِهَةِ الْأَصْلِ لِتَرَجُّحِهَا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الضَّامِنُ مِمَّنْ يَرْجِعُ إذَا أَدَّى لِأَنَّهُ لَا قَرَارَ عَلَيْهِ، إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الدَّيْنَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (فَيَمْنَعُ) الدَّيْنُ (وُجُوبَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (فِي قَدْرِهِ حَالًا كَانَ الدَّيْنُ أَوْ مُؤَجَّلًا فِي الْأَمْوَالِ الْبَاطِنَةِ كَالْأَثْمَانِ وَقِيَمِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ وَالْمَعْدِنِ وَ) الْأَمْوَالِ (الظَّاهِرَةِ كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ) لِقَوْلِ عُثْمَانَ: " هَذَا شَهْرُ زَكَاتِكُمْ فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَقْضِهِ وَلْيُزَكِّ مَا بَقِيَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ. وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَمَعْنَى قَوْلِنَا: يَمْنَعُ) الدَّيْنُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ (بِقَدْرِهِ أَنَّا نُسْقِطُ مِنْ الْمَالِ بِقَدْرِ الدَّيْنِ) الْمَانِعِ (كَأَنَّهُ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ) لِاسْتِحْقَاقِ صَرْفِهِ لِجِهَةِ الدَّيْنِ (ثُمَّ يُزَكِّي) الْمَدِينُ (مَا بَقِيَ)
مِنْ الْمَالِ إنْ بَلَغَ نِصَابًا تَامًّا (فَلَوْ كَانَ لَهُ مِائَةٌ مِنْ الْغَنَمِ وَعَلَيْهِ مَا) أَيْ: دَيْنٌ (يُقَابِلُ سِتِّينَ) مِنْهَا (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَرْبَعِينَ) الْبَاقِيَةِ لِأَنَّهَا نِصَابٌ تَامٌّ (فَإِنْ قَابَلَ) الدَّيْنَ (إحْدَى وَسِتِّينَ فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (يُنْقِصُ النِّصَابَ) فَيَمْنَعُ الزَّكَاةَ. (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَرَضُ قِنْيَةٍ يُبَاع لَوْ أَفْلَسَ) أَيْ: حُجِرَ عَلَيْهِ لِفَلْسٍ، كَعَقَارٍ وَأَثَاثٍ لَا يَحْتَاجُهُ وَكَانَ ثَمَنُهُ (يَفِي بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ) وَمَعَهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ (جَعَلَ) الدَّيْنَ (فِي مُقَابَلَةِ مَا مَعَهُ) مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ (فَلَا يُزَكِّيه) لِئَلَّا يُخِلَّ بِالْمُوَاسَاةِ وَلِأَنَّ عَرَضَ الْقِنْيَةِ كَمَلْبُوسِهِ فِي أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ فَكَذَا فِيمَا يَمْنَعهَا (وَكَذَا مَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ وَلَهُ عَلَى مَلِيءٍ) دَيْنُ (أَلْف، وَعَلَيْهِ) دَيْنُ (أَلْفٍ) فَيَجْعَل الْأَلْفَ الَّذِي بِيَدِهِ فِي مُقَابَلَةِ مَا عَلَيْهِ فَلَا يُزَكِّيهِ وَأَمَّا الدَّيْنُ فَيُزَكِّيهِ إذَا قَبَضَهُ ". تَتِمَّة لَوْ كَانَ لَهُ مَالَانِ مِنْ جِنْسَيْنِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُقَابِلُ أَحَدَهُمَا جَعَلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَقْضِي مِنْهُ وَإِنْ كَانَا مِنْ جِنْسٍ جَعْلَهُ فِي مُقَابَلَةِ مَا الْحَظُّ لِلْمَسَاكِينِ، فِي جَعْلِهِ فِي مُقَابَلَتِهِ تَحْصِيلًا لِحَظِّهِمْ قَالَهُ فِي الْكَافِي. (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ خُمُسَ الرِّكَازِ) لِأَنَّهُ بِالْقِيمَةِ أَشْبَهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ نِصَابٌ وَلَا حَوْلٌ (وَمَتَى أُبْرِئَ الْمَدِينُ) مِنْ الدَّيْنِ (أَوْ قَضَى) الدَّيْنَ (مِنْ مَالٍ مُسْتَحْدَثٍ) مِنْ إرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ هِبَةٍ وَنَحْوِهَا (ابْتَدَأَ) أَيْ: اسْتَأْنَفَ بِمَا فِي يَدِهِ مِنْ الْمَالِ الزَّكَوِيِّ (حَوْلًا) مِنْ حِينِ الْبَرَاءَةِ لِأَنَّ مَا مَنَعَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ مَنَعَ انْعِقَادَ الْحَوْلِ وَقَطْعه (وَحَكَّمَ دِينَ اللَّهِ) تَعَالَى (مِنْ كَفَّارَةٍ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ مُطْلَقٍ وَدَيْنِ حَجٍّ وَنَحْوِهِ) كَإِطْعَامٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ (كَدَيْنِ آدَمِيٍّ) فِي مَنْعِهِ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِي قَدْرِهِ لِوُجُوبِ قَضَائِهِ. وَقَوْله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (فَإِنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ حَقٌّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا) مُشِيرًا إلَى نِصَابٍ زَكَوِيٍّ (أَوْ) قَالَ: (هُوَ صَدَقَةٌ فَحَالَ الْحَوْلُ) قَبْلَ إخْرَاجِهِ (فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِزَوَالِ، مِلْكِهِ عَنْهُ أَوْ نَقْصِهِ. (وَإِنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذَا النِّصَابِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِيهِ إذَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ قَبْل إخْرَاجِهِ لِأَنَّ مِلْكَهُ عَلَيْهِ تَامٌّ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ قَبْلَ الْحَوْلِ (وَتُجْزِئْهُ الزَّكَاةُ مِنْهُ وَيَبْرَأُ) النَّاذِرُ (بِقَدْرِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا مَعًا) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا صَدَقَةٌ كَمَا لَوْ نَوَى بِرَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ وَالرَّاتِبَةَ. (وَكَذَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِبَعْضِ النِّصَابِ) فَيَكُونُ كَمَا لَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِهِ كُلِّهِ فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِعَشْرٍ مِنْ الْأَرْبَعِينَ وَحَالَ الْحَوْلُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْعَشْرِ إذَا
حَالَ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَأَجْزَأَتْهُ مِنْهَا وَبَرِئَ بِقَدْرِهَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالنَّذْرِ إنْ نَوَاهُمَا مَعًا. (الْخَامِسُ) مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (مُضِيِّ الْحَوْلِ) وَفِي نُسَخٍ (شَرْطٌ عَلَى نِصَابٍ تَمَامُ) الْحَوْلِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ النَّسَائِيُّ: مَتْرُوكٌ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْد بْنِ أَسْلَمَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَرِفْقًا بِالْمَالِكِ وَلِيَتَكَامَلَ النَّمَاءُ فَيُوَاسِي مِنْهُ (وَيُعْفَى عَنْ) نَقْصٍ (نَحْوَ سَاعَتَيْنِ) وَكَذَا نِصْفِ يَوْمٍ قَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ وَالْمُنْتَهَى وَصَحَّحَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ. وَفِي الْمُحَرَّرِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا يُؤَثِّرُ نَقْصُهُ دُونَ الْيَوْمِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا وَلَا يُسَمَّى فِي الْعُرْفِ نَقْصًا (إلَّا فِي الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ) وَمَا فِي حُكْمِهِ كَالْعَسَلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَذَلِكَ يَنْفِي اعْتِبَارَهُ فِي الثِّمَارِ وَالْحُبُوبِ وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالْمَعْدِنُ وَالرِّكَازُ فَبِالْقِيَاسِ عَلَيْهِمَا؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهَا عِنْدَ وُجُودِهَا، ثُمَّ لَا تَجِبُ فِيهَا زَكَاةٌ ثَانِيَةٌ لِعَدَمِ إرْصَادِهَا لِلنَّمَاءِ، إلَّا الْمَعْدِنِ مِنْ الْأَثْمَانِ فَتَجِبْ فِيهَا عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ، لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ النَّمَاءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا قِيَمُ الْأَمْوَالِ (فَإِذَا اسْتَفَادَ مَالًا، وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِ مَا يَمْلِكُهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا نِتَاجَ السَّائِمَةِ) بِكَسْرِ النُّونِ. (وَ) إلَّا (رِبْحَ التِّجَارَةِ فَإِنَّ حَوْلَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الرِّبْحِ وَالنِّتَاجِ (حَوْلُ أَصْلِهِ) فَيُضَمَّانِ إلَيْهِ (إنْ كَانَ أَصْلُهُ نِصَابًا) لِقَوْلِ عُمَرَ: " اعْتَدَّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ وَلَا تَأْخُذُهَا مِنْهُمْ رَوَاهُ مَالِكُ وَلِقَوْلِ عَلِيِّ " عِدَّ عَلَيْهِمْ الصِّغَارَ وَالْكِبَارَ وَلَمْ يُعْرَف لَهُمَا مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ السَّائِمَةَ تَخْتَلِفُ فِي وَقْتِ وِلَادَتِهَا فَإِفْرَادُ كُلِّ وَاحِدَةٍ يَشُقُّ، فَجُعِلَتْ تَبَعًا لِأُمَّهَاتِهَا، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لَهَا فِي الْمِلْكِ فَتَتْبَعُهَا فِي الْحَوْلِ، وَرِبْحُ التِّجَارَةِ كَذَلِكَ مَعْنًى، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ حُكْمًا. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) الْأَصْلُ (نِصَابًا، فَحَوْلُهُ مِنْ حِينِ كَمُلَ النِّصَاب) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فِيهِ التَّبَعِيَّةُ، فَلِذَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَقَبْلَ ذَلِكَ لَا يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ لِنُقْصَانِهِ عَنْ النِّصَابِ (وَيَضُمُّ الْمُسْتَفَادَ إلَى نِصَابٍ بِيَدِهِ مِنْ جِنْسِهِ) كَمَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ مَلَكَ عَشْرَةَ مَثَاقِيلَ فِي صَفَرٍ، فَتُضَمُّ إلَى الْعِشْرِينَ الْأُولَى (أَوْ فِي حُكْمِهِ) أَيْ: حُكْمِ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، كَمِائَةِ دِرْهَمٍ
فِضَّةٍ مَلَكهَا بَعْدَ عِشْرِينَ مِثْقَالًا ذَهَبًا (وَيُزَكَّى كُلُّ مَالٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ) لِوُجُودِ النِّصَابِ، وَلَوْ بِالضَّمِّ وَمُضِيِّ الْحَوْلِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي الْمُسْتَفَادِ) اكْتِفَاءً بِضَمِّهِ إلَى جِنْسِهِ، أَوْ مَا فِي حُكْمِهِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُسْتَفَادُ مِنْ (غَيْرِ جِنْسِ النِّصَابِ وَلَا فِي حُكْمِهِ فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ بَلَغَ نِصَابًا زَكَّاهُ إذَا تَمَّ حَوْلُهُ وَإِلَّا فَلَا، فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ ثَلَاثِينَ بَقَرَةٍ فِي صَفَرٍ، زَكَّى كُلًّا عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ بَقَرَةٍ (فَلَا يَضُمُّ) الْمُسْتَفَادَ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ (إلَى مَا عِنْدَهُ فِي حَوْلٍ وَلَا نِصَابٍ) لِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي الْحُكْمِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا (وَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: الْمُسْتَفَادِ (إنْ لَمْ يَكُنْ نِصَابًا) لَفَقَدَ شَرْطَ الزَّكَاةِ. (وَلَا يَبْنِي وَارِثٌ عَلَى حَوْلِ مُوَرِّثٍ) نُصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ (بَلْ يَسْتَأْنِفُ حَوْلًا) مِنْ حِينِ مِلْكِهِ. (وَإِنْ مَلَّكَ نِصَابًا صِغَارًا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ مِنْ حِينِ مِلْكِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» لِأَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَلِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتَهُمْ عَلَى مَنْعِهَا " وَهِيَ لَا تَجِبُ فِي الْكِبَارِ (فَلَوْ تَغَذَّتْ) الصِّغَارُ (بِاللَّبَنِ فَقَطْ لَمْ تَجِبْ) الزَّكَاةُ (لِعَدَمِ السَّوْمِ) اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقِيلَ: تَجِبهُ لِوُجُوبِهَا فِيهَا تَبَعًا لِلْأُمَّهَاتِ. (وَلَا يَنْقَطِعُ) الْحَوْلُ (بِمَوْتِ الْأُمَّهَاتِ وَالنِّصَابُ تَامٌّ بِالنِّتَاجِ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّة، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ النِّصَابُ تَامًّا انْقَطَعَ لِنَقْصِ النِّصَابِ. (وَلَا) يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ (بِبَيْعٍ فَاسِدٍ) لِأَنَّهُ لَا يُنْقَلُ الْمِلْكُ إنْ لَمْ يَحْكُم بِهِ مَنْ يَرَاهُ. (وَمَتَى نَقَصَ النِّصَابُ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ) انْقَطَعَ لِأَنَّ وُجُودَ النِّصَابِ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَلَمْ يُوجَد وَظَاهِرُهُ سَوَاءً كَانَ النَّقْصُ فِي وَسَطِ الْحَوْلِ أَوْ طَرَفَيْهِ، وَعَدَمُ الْعَفْوِ عَنْهُ مُطْلَقًا، لَكِنَّ الْيَسِيرَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، كَالْحَبَّةِ وَالْحَبَّتَيْنِ فِي الْأَثْمَانِ وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَاعَهُ) أَيْ: النِّصَابَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَلَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ (أَوْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَمَنْ بَاعَ أَوْ أَبْدَلَ أَرْبَعِينَ شَاةً بِثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ ارْتَدَّ مَالِكُهُ) أَيْ: النِّصَابِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِفَوَاتِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْوُجُوبِ (إلَّا فِي إبْدَالِ ذَهَبٍ بِفِضَّةٍ وَعَكْسُهُ) كَإِبْدَالِ فِضَّةٍ بِذَهَبٍ (وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ) أُبْدِلَتْ بِأَثْمَانٍ أَوْ عُرُوضِ تِجَارَةٍ. (وَ) إلَّا فِي (أَمْوَالِ الصَّيَارِفِ) فَلَا يَنْقَطِعُ الْحَوْلُ فِي هَذِهِ بِالْإِبْدَالِ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فِي ضَمِّ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ، وَلِذَلِكَ تُجْزِئُ زَكَاةُ الذَّهَبِ مِنْ الْفِضَّةِ وَعَكْسِهِ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ فِي الزَّكَاةِ قِيمَتُهَا لَا عَيْنُهَا كَمَا يَأْتِي وَعَطْفُ أَمْوَالِ الصَّيَارِف عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ
عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ عَنْهُ (وَيُخْرِجُ) الزَّكَاةَ (مِمَّا مَعَهُ عِنْد وُجُوبِ الزَّكَاةِ) أَيْ: تَمَامِ الْحَوْلِ ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةٍ، وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ يُخْرَجُ مِنْ قِيمَتِهَا كَمَا يَأْتِي. (وَلَا يَنْقَطِعُ) الْحَوْلُ (فِيمَا أُبْدِلَ بِجِنْسِهِ مِمَّا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِهِ) كَالْغَنَمِ وَالْبَقَرِ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ إبِلٍ (حَتَّى لَوْ أَبْدَلَ نِصَابًا مِنْ السَّائِمَةِ بِنِصَابَيْنِ) كَثَلَاثِينَ بَقَرَةٍ أَبْدَلَهَا بِسِتِّينَ بَقَرَةٍ (زَكَّاهُمَا) إذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ، كَنِتَاجٍ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيد: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ عِنْدَهُ غَنَمٌ سَائِمَةٌ فَيَبِيعُهَا بِضِعْفِهَا مِنْ الْغَنَمِ، أَعَلَيْهِ أَنْ يُزَكِّيهَا كُلَّهَا أَمْ يُعْطِي زَكَاةَ الْأَصْلِ قَالَ: بَلْ يُزَكِّيهَا عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ فِي السَّخْلَةِ يَرُوحُ بِهَا الرَّاعِي لِأَنَّ نَمَاءَهَا مَعَهَا قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ لِلتِّجَارَةِ قَالَ: يُزَكِّيهَا كُلَّهَا عَلَى حَدِيثِ حَمَاسٍ فَأَمَّا إنْ بَاعَ النِّصَابَ بِدُونِ النِّصَابِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ. وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِائَتَانِ فَبَاعَهَا بِمِائَةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ مِائَةٍ (وَلَوْ أَبْدَلَ نِصَابَ سَائِمَةٍ بِمِثْلِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ بَعْد أَنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) أَوْ تَمَّ الْحَوْلُ (فَلَهُ الرَّدُّ) لِلْعَيْبِ. (وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَنْهُ) لِاسْتِقْرَارِهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ، كَمَا لَوْ تَلَفَ النِّصَابُ (فَإِنْ أَخْرَجَ) الزَّكَاةَ (مِنْ النِّصَابِ، فَلَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ) مِنْهُ لِعَيْبِهِ (وَيَرُدُّ قِيمَةَ الْمُخْرَجِ) لِأَنَّهُ فَوَّتَهُ عَلَى رَبِّهِ (وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ) بِيَمِينِهِ (فِي قِيمَتِهِ) حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ لِأَنَّهُ غَارِمٌ. (وَإِنْ أَبْدَلَهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ) كَغَنَمٍ بِبَقَرٍ (ثُمَّ رُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ وَنَحْوِهِ) كَغَبْنٍ أَوْ تَدْلِيسٍ، أَوْ خِيَارِ شَرْطٍ، أَوْ اخْتِلَافٍ فِي الصِّفَةِ (اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ) مِنْ حِينِ الرَّدِّ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكِهِ كَمَا لَوْ رَدَّ هُوَ لِذَلِكَ " تَنْبِيهٌ " عَطْفُهُ الْأَبْدَالَ عَلَى الْبَيْعِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمَا غَيْرَانِ قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: الْمُبَادَلَةُ، هَلْ هِيَ بَيْعٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ ثُمَّ ذَكَرَ نَصَّهُ بِجَوَازِ إبْدَالِ الْمُصَحَّفِ لَا بَيْعِهِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: الْمُعَاطَاةُ بَيْعٌ وَالْمُبَادَلَةُ مُعَاطَاةٌ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا عَبَّرَ بِالْبَيْعِ وَبَعْضُهُمْ بِالْأَبْدَالِ وَدَلِيلُهُمْ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَمَتَى قَصَدَ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا تَقَدَّمَ كَإِتْلَافٍ (الْفِرَارَ مِنْ الزَّكَاةِ بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ حَرُمَ وَلَمْ تَسْقُط) الزَّكَاةُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ} [القلم: 17]- الْآيَاتِ فَعَاقَبَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ، لِفِرَارِهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ وَلِأَنَّهُ قَصَدَ بِهِ إسْقَاطَ حَقِّ غَيْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَالْمُطَلِّقِ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَقَوْله: بَعْدَ مُضِيِّ أَكْثَرِ الْحَوْلِ: هُوَ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. وَفِي الْمُقْنِعِ:
عِنْد قُرْبِ وُجُوبِهَا وَفِي الرِّعَايَةِ قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَوْمَيْنِ وَقِيلَ: أَوْ بِشَهْرَيْنِ، لَا أَزْيَد قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْهَا لَا تَسْقُطُ مُطْلَقًا أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ اهـ وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَيُزَكِّي) الْبَائِعُ وَنَحْوِهِ (مِنْ جِنْسِ الْمَبِيعِ لِذَلِكَ الْحَوْلِ) الَّذِي وَقَعَ الْفِرَارُ فِيهِ، دُونَ مَا بَعْده لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّحَيُّل فِيهِ. (وَإِنْ قَالَ) مَنْ بَاعَ النِّصَابَ وَنَحْوَهُ (لَمْ أَقْصِدْ الْفِرَارَ) مِنْ الزَّكَاةِ (فَإِنْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْفِرَارِ، عُمِلَ بِهَا وَرَدَّ قَوْلُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّ قَرِينَةٌ (قُبِلَ قَوْلُهُ) فِي قَصْدِهِ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ إلَّا مِنْهُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ. (وَإِذَا تَمَّ الْحَوْلُ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ فِي عَيْنِ الْمَالِ) الَّذِي تُجْزِئُ زَكَاتُهُ مِنْهُ، كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ السَّائِمَةِ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَأَكْثَرَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَالْمَعْدِنِ مِنْ النَّقْدَيْنِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ» وَقَوْلِهِ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» وَقَوْلِهِ: «هَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَّةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمًا» وَ " فِي " لِلظَّرْفِيَّةِ وَ " مِنْ " لِلتَّبْعِيضِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِ الْمَالِ وَصِفَاتِهِ، حَتَّى وَجَبَ فِي الْجَيِّدِ وَالْوَسَطِ وَالرَّدِيءِ مَا يَلِيقُ بِهِ فَعُلِمَ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِعَيْنِهِ لَا بِالذِّمَّةِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الْمُوَاسَاةِ فِيهَا وَعَكْسُ ذَلِكَ زَكَاةُ الْفِطْرِ وَ (لَا) يَجِبُ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ (مَنْ عَيْنِهِ) أَيْ: عَيْنِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَيَجُوزُ إخْرَاجُهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ تَعَلُّقَهَا بِالْعَيْنِ، كَالْعَبْدِ الْجَانِي إذَا فَدَاهُ سَيِّدُهُ،. وَحَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي عَيْنِ النِّصَابِ (فَإِذَا مَضَى حَوْلَانِ فَأَكْثَرُ عَلَى نِصَابٍ) فَقَطْ (لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، فَزَكَاةٌ وَاحِدَةٌ) أَيْ: زَكَاةُ عَامٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَالًا كَثِيرًا مِنْ غَيْرِ جِنْسِ النِّصَابِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَمْ يَكُنْ، عَلَيْهِ دَيْنٌ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَعَلَّقَتْ فِي الْحَوْلِ الْأَوَّلِ بِقَدْرِهَا مِنْ النِّصَابِ، فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ فِيمَا بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ زَكَاةٌ، لِنَقْصِهِ عَنْ النِّصَابِ (وَإِنْ كَانَ) الْمُزَكَّى (أَكْثَرُ مِنْ نِصَابٍ) كَاثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَاةٍ (نَقَصَ مِنْ زَكَاتِهِ لِكُلِّ حَوْلٍ بِقَدْرِ نَقْصِهِ) أَيْ: الْمَالِ (بِهَا) أَيْ: بِالزَّكَاةِ لِأَنَّ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِلْفُقَرَاءِ فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ فَفِي الْمِثَالِ لَوْ مَضَى خَمْسَةُ أَحْوَالٍ فَعَلَيْهِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَقَطْ وَلَوْ كَانَ لَهُ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمِ فِضَّةٍ، وَمَضَى عَلَيْهَا حَوْلَانِ وَجَبَ تِسْعَةُ عَشْرِ دِرْهَمًا وَنِصْفُ دِرْهَم وَرُبُعُهُ، لِلْحَوْلِ الْأَوَّلِ: عَشْرَةٌ، وَالْبَاقِي لِلْحَوْلِ الثَّانِي. وَنَقَصَ الرُّبْعُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ بِالْعُشْرِ فَتَسْقُطُ عَنْهُ
زَكَاتُهَا فِي الْحَوْلِ الثَّانِي وَهَكَذَا (إلَّا مَا كَانَ زَكَاتُهُ الْغَنَمَ مِنْ الْإِبِلِ) وَهُوَ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ (فَ) تَجِبُ زَكَاتُهُ (فِي الذِّمَّةِ) كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، لِأَنَّ الْفَرْضَ يَجِبُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِعَيْنِهِ. (وَتَتَكَرَّرُ) زَكَاتُهُ (بِتَكْرَارِ الْأَحْوَالِ) لِعَدَمِ تَعَلُّقِهَا بِالْمَالِ (فَفِي خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ بَعِيرًا لِثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ) مَضَتْ (لِأَوَّلِ حَوْلٍ بِنْتُ مَخَاضٍ) لِعَدَمِ الْمُعَارِضِ (ثُمَّ) عَلَيْهِ، (ثَمَانُ شِيَاهٍ لِكُلِّ حَوْلٍ أَرْبَعُ شِيَاهٍ) وَكَذَا لَوْ مَضَى بَعْدَ ذَلِكَ أَحْوَالٌ، وَلَوْ بَلَغَتْ قِيَمُ الشِّيَاهِ الْوَاجِبَةِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ دَيْنًا عَلَيْهِ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَتَمْتَنِعُ فِيمَا يُقَابِلهَا كَمَا تَقَدَّمَ (فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، امْتَنَعَتْ زَكَاةُ الْحَوْلِ الثَّانِي، لِكَوْنِهَا دَيْنًا) فَيَنْقُصُ بِهَا النِّصَابُ، فَلَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهَا الْحَوْلُ. (وَلَوْ بَاعَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (النِّصَابَ كُلَّهُ، تَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِذِمَّتِهِ، وَصَحَّ الْبَيْعُ) كَبِيَعِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ الْجَانِي (وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَتَعَلُّقُ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ) حَيْثُ تَعَلَّقَتْ بِهِ (كَتَعَلُّقِ أَرْشِ جِنَايَةٍ) بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ الْجَانِي، وَكَتَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ (لَا كَتَعَلُّقِ دَيْنٍ بِرَهْنٍ) أَيْ: مَرْهُونٍ. (وَلَا) كَتَعَلُّقِ دَيْنِ الْغُرَمَاءِ (بِمَالٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَلَا) ك (تَعَلُّقِ شَرِكَةٍ) فَلَا يَصِيرُ الْفُقَرَاءُ شُرَكَاءَ رَبِّ النِّصَابِ فِيهِ، وَلَا فِي نَمَائِهِ، إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ (فَلَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (إخْرَاجُهَا) أَيْ: الزَّكَاةُ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: النِّصَابِ كَمَا أَنَّ لِلسَّيِّدِ فِدَاءَ عَبْدِهِ الْجَانِي بِخِلَافِ تَعَلُّقِ الشَّرِكَةِ (وَالنَّمَاءُ بَعْدَ وُجُوبِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ: لِلْمَالِكِ لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْفُقَرَاءُ كَكَسْبِ الْجَانِي. (وَلَوْ أَتْلَفَهُ) أَيْ: أَتْلَفَ الْمَالِكُ النِّصَابَ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (لَزِمَهُ مَا وَجَبَ فِي التَّالِفِ) وَهُوَ قَدْرُ زَكَاتِهِ (لَا قِيمَتِهِ) أَيْ: النِّصَابِ، كَمَا لَوْ قَتَلَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي وَلَوْ كَانَ أَرْشُ الْجِنَايَةِ دُونَ قِيمَتِهِ بِخِلَافِ الرَّاهِنِ إذَا أَتْلَفَ الْمَرْهُونَ، تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ. (وَيَتَصَرَّفُ) الْمَالِكُ (فِيهِ) أَيْ: النِّصَابِ (بِبَيْعٍ وَغَيْرِهِ) كَمَا يَتَصَرَّفُ السَّيِّدُ فِي الْجَانِي بِخِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ، وَالشَّرِيكُ (وَلَا يَرْجِعُ بَائِعٌ بَعْدَ لُزُومِ بَيْعٍ فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ، حَيْثُ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ. (وَيُخْرِجُهَا) أَيْ: الزَّكَاةَ الْبَائِعُ، كَمَا لَوْ بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْجَانِي لَزِمَهُ فِدَاؤُهُ وَلَزِمَهُ الْبَيْعُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَى الْبَائِعِ إخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ غَيْرِ الْبَيْعِ (فُسِخَ فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ، لِسَبْقِ وُجُوبِهَا وَمَحَلُّ ذَلِكَ (إنْ صَدَّقَهُ مُشْتَرٍ) عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَعَجَزَ عَنْ إخْرَاجِهَا مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الْبَائِعِ عَلَيْهِ (وَلِمُشْتَرِ الْخِيَارِ) إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِي قَدْرِ الزَّكَاةِ بِشَرْطِهِ، لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِ
(فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (بِمُضِيِّ الْحَوْلِ) عَلَى النِّصَابِ فِي مِلْكِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ التَّامِّ الْمِلْكِ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ) لِمَفْهُومِ (" لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ ") فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ بَعْدَ الْحَوْلِ مُطْلَقًا وَلِأَنَّهَا حَقٌّ لِلْفَقِيرِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ وَلِأَنَّهُ لَوْ اُشْتُرِطَ لَمْ يَنْعَقِدْ الْحَوْلُ الثَّانِي، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَنْعَقِدُ عَقِبَ الْأَوَّلِ إجْمَاعًا وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا إمْكَانُ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّ الصَّوْمَ يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْحَائِضِ وَالْعَاجِزِ عَنْ أَدَائِهِ. (لَكِنْ لَوْ كَانَ النِّصَابُ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ) أَوْ مَغْصُوبًا أَوْ ضَالًّا وَنَحْوَهُ (لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ، حَتَّى يَتَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ مِنْهُ) لِمَا تَقَدَّمَ فَإِمْكَانُ الْأَدَاءِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْإِخْرَاج لَا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ. (وَلَوْ أُتْلِفَ الْمَالُ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ إخْرَاجِهَا (ضَمِنَهَا) لِاسْتِقْرَارِهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ (وَلَا تَسْقُطُ بِتَلَفِ الْمَالِ) لِأَنَّهَا عَيْنٌ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ تَسْلِيمِهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا فَضَمِنَهَا بِتَلَفِهَا فِي يَدِهِ كَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ، وَكَدَيْنِ الْآدَمِيِّ فَلَا يُعْتَبَرُ بَقَاءُ الْمَالِ (إلَّا الزَّرْعَ وَالثَّمَرَ، إذَا تَلِفَ بِجَائِحَةٍ قَبْلَ حَصَادٍ وَجُذَاذٍ) أَوْ بَعْدِهِمَا قَبْلَ وَضْعٍ فِي جَرِينٍ وَنَحْوِهِ، لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهَا قَبْلَ ذَلِكَ (وَيَأْتِي) فِي بَابِ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ. (وَ) إلَّا (مَا لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ الْيَدِ، كَالدُّيُونِ) إذَا سَقَطَتْ بِلَا عِوَضٍ، وَلَا إسْقَاطٍ فَتَسْقُطُ زَكَاتُهَا (وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ) آنِفًا. وَكَذَا لَا يَضْمَنُ زَكَاةَ دَيْنِهِ إذَا مَاتَ الْمَدِينُ مُفْلِسًا (وَدُيُونُ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالنَّذْر غَيْرِ الْمُعَيَّنِ، وَدَيْنِ حَجٍّ سَوَاءً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (فَإِذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ دُيُونِ اللَّهِ (زَكَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا بَعْدَ وُجُوبِهَا لَمْ تَسْقُطْ) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِهِ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ» (فَيُخْرِجُهَا وَارِثٌ) لِقِيَامِهِ مُقَامَ مُوَرِّثِهِ (فَإِنْ كَانَ) الْوَارِثُ (صَغِيرًا فَوَلِيُّهُ) يُخْرِجُهَا لِقِيَامِهِ مُقَامُهُ ثُمَّ الْحَاكِمُ وَسَوَاء وَصَّى بِهَا أَوْ لَا، كَالْعَشْرِ (فَإِنْ كَانَ مَعَهَا) أَيْ: الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا مِنْ دُيُونِ اللَّهِ تَعَالَى (دَيْنُ آدَمِيٍّ) بِلَا رَهْنٍ. (وَضَاقَ مَالُهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (اقْتَسَمُوا) التَّرِكَةَ (بِالْحِصَصِ) كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ إذَا ضَاقَ عَنْهَا الْمَالُ (إلَّا إذَا كَانَ بِهِ) أَيْ: دَيْنِ الْآدَمِيِّ (رَهْنٌ فَيُقَدِّم) الْآدَمِيُّ بِدَيْنِهِ مِنْ الرَّهْنِ فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ صُرِفَ فِي الزَّكَاةِ وَنَحْوِهَا (وَتُقَدَّمُ أُضْحِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الدَّيْنِ فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا فِيهِ سَوَاءً كَانَ لَهُ وَفَاءٌ أَوْ
باب زكاة بهيمة الأنعام
لَمْ يَكُنْ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ ذَبْحُهَا، فَلَمْ تُبَعْ فِي دَيْنِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَيَّا وَتَقُومُ وَرَثَتُهُ مَقَامَهُ فِي ذَبْحِهَا وَتَفْرِقَتِهَا. (وَيُقَدَّمُ نَذْرٌ بِمُعَيَّنٍ عَلَى الزَّكَاةِ وَعَلَى الدَّيْنِ) لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ لِغَيْرِهِ فَيُصْرَفُ فِيمَا عُيِّنَ لَهُ دُونَ الزَّكَاةِ وَالدَّيْنِ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَ حَيٌّ) نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمُعَيَّنٍ، وَعَيَّنَ أُضْحِيَّةً، وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ وَدَيْنٌ. [بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ] (زَكَاة بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) وَهِيَ الْإِبِلُ الْبَخَاتَى وَالْعِرَابُ، وَالْبَقَرُ الْأَهْلِيَّةُ وَالْوَحْشِيُّ، وَالْغَنَمُ كَذَلِكَ سُمِّيَتْ بَهِيمَةٌ: لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمْ قَالَ عِيَاضٌ: النَّعَمُ: الْإِبِلُ خَاصَّةً فَإِذَا قِيلَ: الْأَنْعَامُ دَخَلَ فِيهِ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَبَدَأَ بِهَا اقْتِدَاءً بِكِتَابِ الصِّدِّيقِ الَّذِي كَتَبَهُ لِأَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِطُولِهِ مُفَرِّقًا (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (إلَّا فِي السَّائِمَةِ مِنْهَا) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَفِي كِتَابِ الصِّدِّيقِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَفِي الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ: فَفِيهَا شَاةٌ» الْحَدِيث فَذِكْرُ السَّوْمِ يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِي غَيْرِهَا (لِلدَّرِّ وَالنَّسْلِ) زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالتَّسْمِينُ دُونَ الْعَوَامِلِ وَيَأْتِي (وَهِيَ) أَيْ: السَّائِمَةُ (الَّتِي تَرْعَى مُبَاحًا كُلَّ الْحَوْلِ، أَوْ أَكْثَرَهُ، طَرَفًا أَوْ وَسَطًا) يُقَالُ: سَامَتْ تَسُومُ سَوْمًا إذَا رَعَتْ، وَأَسْمَتُّهَا: إذَا رَعَيْتُهَا. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {فِيهِ تُسِيمُونَ} [النحل: 10] : وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَ السَّوْمُ أَكْثَرَ الْحَوْلِ: لِأَنَّ عَلَفَ السَّوَائِمِ: يَقَعُ فِي السَّنَةِ كَثِيرًا عَادَةً: وَوُقُوعُهُ فِي جَمِيعِ فُصُولِهَا مِنْ غَيْرِ عَارِضٍ يَقْطَعُهُ أَحْيَانًا كَمَطَرٍ أَوْ ثَلْجٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ: نَادِرٌ فَاعْتِبَارُ السَّوْمِ كُلَّ الْعَامِ إجْحَافٌ بِالْفُقَرَاءِ وَالِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي الْبَعْضِ إجْحَافٌ بِالْمُلَّاكِ وَفِي اعْتِبَارِ الْأَكْثَرِ: تَعْدِيلٌ بَيْنَهُمَا وَدَفْعٌ لِأَعْلَى الضَّرَرَيْنِ بِأَدْنَاهُمَا: وَقَدْ أُلْحِقَ الْأَكْثَرُ بِالْكُلِّ فِي أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ (فَلَوْ اشْتَرَى لَهَا مَا تَرْعَاهُ، أَوْ جَمَعَ لَهَا مَا تَأْكُلُ) مِنْ مُبَاحٍ (أَوْ أَعْتَلَفَتْ بِنَفْسِهَا أَوْ أَعْلَفَهَا غَاصِبٌ، أَوْ) أَعْلَفَهَا (رَبُّهَا وَلَوْ حَرَامًا فَلَا زَكَاةَ) فِيهَا لِعَدَمِ السَّوْمِ (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي الْعَوَامِلِ أَكْثَرَ السَّنَةِ،
بهيمة الأنعام ثلاثة أنواع
وَلَوْ لِإِجَارَةِ وَلَوْ كَانَتْ سَائِمَةً نَصًّا كَالْإِبِلِ الَّتِي تُكْرَى) . أَيْ: تُؤَجَّرُ وَكَذَا الْبَقَرُ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلْحَرْثِ أَوْ الطَّحْنِ وَنَحْوِهِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ. (وَلَوْ نَوَى بِالسَّائِمَةِ الْعَمَلَ لَمْ تُؤَثِّرْ نِيَّتُهُ، مَا لَمْ يُوجَدْ الْعَمَلُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِضَعْفِهَا (وَلَوْ سَامَتْ بَعْضَ الْحَوْلِ وَعُلِفَتْ بَعْضَهُ فَالْحُكْمُ لِلْأَكْثَرِ) فَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ السَّوْمَ: وَجَبَتْ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي مُتَوَلِّدٍ بَيْنَ سَائِمَةٍ وَمَعْلُوفَةٍ) تَغْلِيبًا وَاحْتِيَاطًا (وَلَا يُعْتَبَرُ لِلسَّوْمِ وَالْعَلَفِ نِيَّةٌ فَلَوْ سَامَتْ) الْمَاشِيَةُ (بِنَفْسِهَا أَوْ أَسَامَهَا غَاصِبٌ وَجَبَتْ) الزَّكَاةُ (كَغَصْبِهِ حَبًّا وَزَرْعِهِ فِي أَرْضِ رَبِّهِ فَفِيهِ الْعُشْرُ عَلَى مَالِكِهِ كَمَا لَوْ نَبَّتَ بِلَا زَرْعٍ) أَوْ حَمَلَهُ سَيْلٌ إلَى أَرْضِ رَبِّهِ فَصَارَ زَرْعًا وَيَنْقَطِعُ السَّوْمُ شَرْعًا بِقَطْعِهَا عَنْهُ بِقَصْدِ قَطْعِ الطَّرِيقِ بِهَا وَنَحْوِهِ، كَحَوْلِ التِّجَارَةِ بِنِيَّةِ قِنْيَةِ عَبِيدِهَا كَذَلِكَ، أَوْ ثِيَابِهَا الْحَرِيرِ لِلِبْسٍ مُحَرَّمٌ. [بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ] [النَّوْع الْأَوَّل الْإِبِلُ] (وَهِيَ) أَيْ: بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ (ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ) كَمَا تَقَدَّمَ (أَحَدُهَا: الْإِبِلُ) بَدَأَ بِهَا لِبُدَاءَةِ الشَّارِعِ حِينَ فَرَضَ زَكَاةَ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّهَا أَهَمُّ لِكَوْنِهَا أَعْظَمَ النِّعَمِ أَجْسَامًا وَقِيمَةً، وَأَكْثَرَ أَمْوَالِ الْعَرَبِ، وَوُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا: مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ (فَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ خَمْسًا) فَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ» (فَتَجِبُ فِيهَا) أَيْ: الْخَمْسِ (شَاةٌ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِصِفَةِ الْإِبِلِ) الْمُزَكَّاةِ (جَوْدَةً وَرَدَاءَةً) فَفِي كِرَامٍ سِمَانٍ كَرِيمَةٌ سَمِينَةٌ. وَالْعَكْسُ بِالْعَكْسِ (فَإِنْ كَانَتْ الْإِبِلُ مَعِيبَةً) لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ (فَالشَّاةُ) الْوَاجِبَة فِيهَا (صَحِيحَةٌ تَنْقُصُ قِيمَتُهَا بِقَدْرِ نَقْصِ الْإِبِلِ) كَشَاةِ الْغَنَمِ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ مِرَاضًا وَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ فَيُقَالُ لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا كَانَتْ قِيمَتُهَا مِائَةً وَكَانَتْ الشَّاةُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا قِيمَتُهَا خَمْس، ثُمَّ قُوِّمَتْ الْإِبِلُ مِرَاضًا بِثَمَانِينَ فَقَدْ نَقُصَتْ خُمُسُ قِيمَتُهَا لَوْ كَانَتْ صِحَاحًا فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ قِيمَتُهَا أَرْبَعٌ، بِحَسَبِ نَقْصِ الْإِبِلِ وَهُوَ الْخُمُسُ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ (فَإِنْ أَخْرَجَ شَاةً مَعِيبَةً) لَا تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ لَمْ تُجْزِئْهُ، كَإِخْرَاجِهَا عَنْ الْغَنَمِ (أَوْ) أَخْرَجَ (بَعِيرًا، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ جِنْسِهِ فَلَمْ يُجْزِئْهُ (كَ) مَا لَوْ أَخْرَجَ (بَقَرَةً، وَكَنِصْفَيْ شَاتَيْنِ) لِأَنَّ فِيهِ تَشْقِيصًا عَلَى الْفُقَرَاءِ يَلْزَمُ مِنْهُ
سُوءُ الشَّرِكَةِ الَّذِي شَرَعَتْ الشُّفْعَةُ لِإِزَالَتِهِ وَسَوَاءً كَانَتْ قِيمَةُ الْبَعِيرِ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ أَوْ لَا، وَكَمَا لَوْ أَخْرَجَ ذَلِكَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً. (وَفِي الْعُشْرِ) مِنْ الْإِبِلِ (شَاتَانِ) (وَفِي خَمْسَ عَشَرَةَ) بَعِيرًا (ثَلَاثُ شِيَاهٍ وَفِي الْعِشْرِينَ: أَرْبَعُ شِيَاهٍ) إجْمَاعًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ: «فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَمَا دُونِهَا: فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ» (فَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ مِنْ الضَّأْنِ اُعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ، فَأَكْثَرُ وَإِنْ كَانَتْ الشَّاةُ مِنْ الْمَعْزِ، فَ) الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا (سَنَةٌ فَأَكْثَرُ) كَالْأُضْحِيَّةِ. (وَتَكُونُ) الشَّاةُ (أُنْثَى فَلَا يُجْزِئُ الذَّكَرُ) كَشَاةِ الْغَنَمِ (وَكَذَلِكَ شَاةُ الْجُبْرَانِ) تَكُونُ أُنْثَى، تَمَّ لَهَا سِتَّةُ أَشْهُرٍ إنْ كَانَتْ مِنْ الضَّأْنِ، أَوْ سَنَةٌ إنْ كَانَتْ مِنْ الْمَعْزِ (وَأَيُّهُمَا أَخْرَجَ) أَيْ: ثَنِيٌّ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ جَذَع مِنْ الضَّأْنِ (أَجْزَأَهُ) لِتَنَاوُلِ الشَّاةِ لَهُمَا (وَلَا يُعْتَبَرُ كَوْنُهَا) أَيْ: الشَّاةِ مِنْ (جِنْسِ غَنَمِهِ، وَلَا مِنْ جِنْسِ غَنَمِ الْبَلَدِ) لِإِطْلَاقِ الْأَخْبَارِ. (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (خَمْسًا وَعِشْرِينَ: فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ " فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ خَمْسُ شِيَاهٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ عَنْهُ وَحَكَاهُ إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَةٌ) وَدَخَلَتْ فِي الثَّانِيَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّ أُمَّهَا قَدْ حَمَلَتْ غَالِبًا، وَلَيْسَ) حَمْلُ أُمِّهَا (بِشَرْطٍ) فِي إجْزَائِهَا وَلَا تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا ذُكِرَ تَعْرِيفًا بِغَالِبِ حَالِهَا. (وَالْمَاخِضُ: الْحَامِلُ فَإِنْ كَانَتْ) بِنْتُ الْمَخَاضِ (عِنْدَهُ، وَهِيَ أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِيمَا بِيَدِهِ (خُيِّرَ بَيْنَ إخْرَاجِهَا وَبَيْنَ شِرَاءِ بِنْتِ مَخَاضٍ بِصِفَةِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ، فَيُخْرِجَهَا وَلَا يُجْزِئ ابْنُ لَبُونٍ، لِمَفْهُومِ مَا يَأْتِي (فَإِنْ عَدَمَهَا) أَيْ: بِنْتَ الْمَخَاضِ (أَيْ: لَيْسَتْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِيهِ لَكِنْ مَعِيبَةً أَجْزَأهُ ابْنُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ «فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا» . وَلِأَنَّ الْمَعِيبَةَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ فَجَازَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْبَدَلِ (أَوْ خُنْثَى وَلَدِ لَبُونٍ) لِأَنَّ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا هُوَ مُجْزِئٌ (وَهُوَ) أَيْ: ابْنُ اللَّبُونِ (الَّذِي لَهُ سَنَتَانِ) لِمَا سَيَأْتِي فَيُجْزِئُ. (وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ عَنْهَا) عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَيُجْزِئُ أَيْضًا مَكَانَهَا) أَيْ: بِنْتِ الْمَخَاضِ (حِقٌّ) لَهُ ثَلَاثُ سِنِينَ (أَوْ جَذَعٌ) لَهُ أَرْبَعُ سِنِينَ (أَوْ ثَنِيٌّ) لَهُ خَمْسُ سِنِينَ. (وَ) ذَلِكَ (أَوْلَى) بِالْإِجْزَاءِ مِنْ ابْنِ اللَّبُونِ (لِزِيَادَةِ السِّنِّ، وَلَا جُبْرَانَ) لَهُ، وَلَا
عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَ ابْنُ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي ذَلِكَ وَيُجَزِّئ الْحِقُّ أَوْ الْجَذَعُ أَوْ الثَّنِيُّ عَنْ بِنْتِ الْمَخَاضِ وَبِنْتِ لَبُونٍ وَلَهَا جُبْرَانٌ. (وَلَوْ وُجِدَ ابْنُ لَبُونٍ) لِزِيَادَةِ سِنِّهِ (فَإِنْ عُدِمَ ابْنُ لَبُونٍ) فَمَا فَوْقَهُ (لَزِمَهُ شِرَاءُ بِنْتِ مَخَاضٍ) . وَلَا يُجْزِئُهُ ابْنُ لَبُونٍ يَشْتَرِيه إذَنْ لِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْعَدَمِ فَلَزِمَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، لِتَرَجُّحِهَا بِالْأَصَالَةِ (وَلَا يُجْبَرُ فَقْدُ أُنُوثِيَّةٍ بِزِيَادَةِ سِنِّ الذَّكَرِ الْمُخْرَجِ فِي غَيْرِ بِنْتِ مَخَاضٍ فَلَا يُخْرِجُ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ حِقًّا، إذَا لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ وَلَا عَنْ الْحِقَّةِ جَذَعًا) وَلَا عَنْ الْجَذَعَةِ ثَنِيًّا مَعَ وُجُودِهِمَا أَوْ عَدَمِهِمَا لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِي ذَلِكَ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى ابْنِ اللَّبُونِ، مَكَانَ بِنْتِ الْمَخَاضِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ سِنِّ ابْنِ اللَّبُونِ عَلَى بِنْتِ الْمَخَاضِ يَمْتَنِعُ بِهَا مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ وَيَرْعَى الشَّجَرَ بِنَفْسِهِ وَيَرِدُ الْمَاءَ وَلَا يُوجَدُ هَذَا فِي الْحِقِّ مَعَ بِنْتِ اللَّبُونِ لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ فِي هَذَا، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا مُجَرَّدِ زِيَادَةِ السِّنِّ فَلَمْ يُقَابِلْ الْأُنُوثِيَّةِ وَلِأَنَّ تَخْصِيصَهُ فِي الْحَدِيثِ بِالذَّكَرِ دُونَ غَيْرِهِ يَدُلَّ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِالْحُكْمِ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ. (وَفِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ) بَعِيرًا (بِنْتُ لَبُونٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ أَبِي بَكْرٍ: «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ أُنْثَى» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَتَانِ، سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّ أَمَّهَا وَضَعَتْ) غَالِبًا (فَهِيَ ذَاتِ لَبَنٍ) وَلَيْسَ شَرْطًا، بَلْ تَعْرِيفًا لَهَا بِغَالِبِ أَحْوَالِهَا كَمَا تَقَدَّمَ. (وَفِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ) لِحَدِيثِ الصِّدِّيقِ «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْفَحْلِ» وَهِيَ الَّتِي (لَهَا ثَلَاثُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتْ أَنْ تُرْكَبَ وَيُحْمَلَ عَلَيْهَا وَيَطْرُقُهَا الْفَحْلُ وَفِي إحْدَى وَسِتِّينَ جَذَعَةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الصَّدَقَةِ: «فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَسِتِّينَ إلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ» (وَ) هِيَ الَّتِي (لَهَا أَرْبَعُ سِنِينَ) وَدَخَلَتْ فِي الْخَامِسَةِ (سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِسْقَاطِ سِنِّهَا) فَتُجْذِعَ عِنْدَهُ وَهِيَ أَعْلَى سِنٍّ يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ. (وَتُجْزِئُ عَنْهَا ثَنِيَّةٌ لَهَا خَمْسُ سِنِينَ بِلَا جُبْرَانٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ: لِأَنَّهَا أَلْقَتْ ثَنِيَّتَهَا وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ» . (وَفِي إحْدَى وَتِسْعِينَ: حِقَّتَانِ) إجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فَإِذَا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِينَ (إلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ) فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْفَحْلِ» (فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ) عَلَى الْعِشْرِينَ وَالْمِائَةِ (فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِظَاهِرِ خَبَرِ الصِّدِّيقِ «فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ
خَمْسِينَ حِقَّةٌ» وَبِالْوَاحِدَةِ حَصَلَتْ الزِّيَادَةُ. وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي حَدِيثِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ عِنْدَ آلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ فَإِنَّ فِيهِ «فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ» (ثُمَّ تَسْتَقِرُّ الْفَرِيضَةُ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ) لِخَبَرِ الصِّدِّيقِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَفِي مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ حِقَّةٌ وَبِنْتَا لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّتَانِ وَبِنْتَ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ: ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَفِي مِائَةٍ وَسِتِّينَ: أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَسَبْعِينَ حِقَّةٌ وَثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَثَمَانِينَ: حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ وَفِي مِائَةٍ وَتِسْعِينَ: ثَلَاثُ حِقَاقٍ وَبِنْتُ لَبُونٍ (وَلَا أَثَرَ لِزِيَادَةِ بَعْضِ بَعِيرٍ) فِي شَيْءٍ تَقَدَّمَ أَوْ زِيَادَةِ بَعْضِ بَقَرَةٍ أَوْ بَعْضِ شَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ جُزْءًا مِنْ بَعِيرٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْفَرْضُ، وَكَذَا سَائِرُ الْفُرُوضِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، لَا تَتَغَيَّرُ (أَوْ) زِيَادَةُ بَعْضِ (بَقَرَةٍ أَوْ) بَعْضِ شَاةٍ لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي مِنْ الْأَخْبَارِ. (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْإِبِلُ (مِائَتَيْنِ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ) فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعُ خَمْسِينَاتٍ وَخَمْسُ أَرْبَعِينَاتِ إنْ شَاءَ (أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَإِنْ شَاءَ) أَخْرَجَ (خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرْضَيْنِ فَيُخَيَّرُ الْمَالِكُ لِلْأَخْبَارِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَظِيرِهِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى الْحِقَاقِ وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الشَّرْحِ وَتَأَوَّلَهُ الشَّارِحُ عَلَى أَنَّهَا عَلَيْهِ بِصِفَةِ التَّخْيِيرِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ بَنَاتَ لَبُونٍ، أَوْ) يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ (حِقَاقًا فَيُخْرِجُ مِنْهُ وَلَا يُكَلَّفُ إلَى غَيْرِهِ) أَيْ: لَا يُكَلِّفُهُ الْإِمَامُ وَلَا السَّاعِي إلَى تَحْصِيلِ غَيْرِ مَا عِنْدَهُ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، كَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ (أَوْ يَكُونُ) النِّصَابُ (مَالَ يَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ سَفِيهٍ (فَيَتَعَيَّنُ) عَلَى وَلِيِّهِ (إخْرَاجُ أَدْوَنِ مُجْزِئٍ) مُرَاعَاةً لِحَظِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ التَّبَرُّعُ مِنْ مَالِهِ. (وَكَذَا الْحُكْمُ فِي أَرْبَعمِائَةٍ) فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إخْرَاجٍ ثَمَانِ حِقَاقٍ أَوْ عَشْرِ بَنَاتِ لَبُونٍ لِأَنَّ فِيهَا ثَمَانُ خَمْسِينَاتٍ وَعَشْرُ أَرْبَعِينَاتِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْهَا) أَيْ: الْأَرْبَعمِائَةِ مِنْ (النَّوْعَيْنِ بِلَا تَشْقِيصٍ كَ) أَنْ أَخْرَجَ عَنْهَا (أَرْبَعَ حِقَاقٍ وَخَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ) أَجْزَأَ. (وَ) أَخْرَجَ (عَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ: كَحِقَّتَيْنِ وَخَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ صَحَّ) ذَلِكَ لِعَدَمِ التَّشْقِيصِ (أَمَّا مَعَ الْكَسْرِ فَلَا، كَحِقَّتَيْنِ وَبِنْتَيْ لَبُونٍ وَنِصْفٍ عَنْ مِائَتَيْنِ) لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْقِيصِ الَّذِي لَمْ يَرِد بِهِ الشَّرْعُ فِي زَكَاةِ
السَّائِمَةِ، إلَّا مِنْ حَاجَةٍ وَلِذَلِكَ جَعَلَ لَهَا أَوْقَاصًا، دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ عَنْ الْوَاجِبِ فِيهَا وَعَدَلَ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ عَنْ الْجِنْسِ إلَى الْغَنَمِ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِجَوَازِهِ مَعَ إمْكَانِ الْعُدُولِ عَنْهُ إلَى فَرِيضَةٍ كَامِلَةٍ (وَإِنْ وَجَدَ أَحَدَ الْفَرْضَيْنِ كَامِلًا وَ) . الْفَرْضَ (الْآخَرَ نَاقِصًا، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ جُبْرَانٍ، مِثْل: أَنْ يَجِدَ فِي الْمِائَتَيْنِ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَثَلَاثَ حِقَاقٍ فَيَتَعَيَّنُ) الْفَرْضُ (الْكَامِلُ وَهُوَ بَنَاتُ اللَّبُونِ) لِأَنَّ الْجُبْرَانَ بَدَلٌ فَلَا يَجُوزُ مَعَ الْمُبْدَلِ، كَالتَّيَمُّمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ. (وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرْضَيْنِ يَحْتَاجُ إلَى جُبْرَانٍ، مِثْل: أَنْ يَجِدَ أَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَثَلَاثَ حِقَاقٍ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ: أَيُّهُمَا شَاءَ أَخْرَجَ مَعَ الْجُبْرَان) لِعَدَمِ مَا يُوجِبُ رُجْحَانَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (فَإِنْ بَذَلَ حِقَّةً وَثَلَاثَ بَنَاتِ لَبُونٍ مَعَ الْجُبْرَانِ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ " (لَمْ يُجْزِئْهُ لِعُدُولِهِ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ) وَهُوَ الْحِقَّتَانِ الْبَاقِيَتَانِ مِنْ الثَّلَاثِ (إلَى الْجُبْرَانِ) وَهُوَ إنَّمَا يَعْدِلُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الْفَرْضِ. (وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا حِقَّةً وَأَرْبَعَ بَنَاتِ لَبُونٍ أَدَّاهَا) أَيْ: الْحِقَّةَ وَأَرْبَعَ بَنَاتِ اللَّبُونِ (وَأَخَذَ الْجُبْرَان) لِدَفْعِهِ الْحِقَّةِ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ دَفْعُ ثَلَاثِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَحِقَّةٍ مَعَ الْجُبْرَانِ) لِعُدُولِهِ عَنْ الْفَرْضِ مَعَ وُجُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَ الْفَرْضَانِ) أَيْ: الْحِقَاقُ وَبَنَاتُ اللَّبُونِ فِي الْمِائَتَيْنِ وَنَحْوِهِمَا (مَعْدُومَيْنِ أَوْ مَعِيبَيْنِ فَلَهُ الْعُدُولُ عَنْهَا مَعَ الْجُبْرَانِ فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ جَذَعَاتٍ، وَأَخَذَ ثَمَانَ شِيَاهٍ، أَوْ ثَمَانِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ خَمْسَ بَنَاتِ مَخَاضٍ، وَمَعَهَا خَمْسُ شِيَاهٍ أَوْ مِائَةَ دِرْهَمٍ) لِمَا فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسٍ «وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيه الْمُصَدِّقُ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا» الْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ بَنَاتَ الْمَخَاضِ عَنْ الْحِقَاقِ هُنَا) أَيْ: حَيْثُ اتَّفَقَتْ الْفَرِيضَتَانِ (وَيُضَعِّفَ الْجُبْرَانَ) بِأَنْ يُخْرِجَ أَرْبَعَ بَنَاتِ مَخَاضٍ مَعَ سِتَّةِ عَشْرِ شَاةٍ أَوْ مِائَةٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا لِأَنَّهُ انْتِقَالٌ عَنْ بَدَلِ الْبَدَلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَدَلِ أَشْبَه الِانْتِقَالَ عَنْ الْأَصْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَ) هُنَا الْجَذَعَاتِ (عَنْ بَنَاتِ اللَّبُونِ، وَيَأْخُذُ الْجُبْرَانَ مُضَاعَفًا) لِمَا سَبَقَ (وَلَا) يَجُوزُ أَيْضًا هُنَا (أَنْ يُخْرِجَ بَنَاتَ لَبُونٍ مَعَ جُبْرَانٍ) لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، فَتَكُونُ مَعَهُ بَدَلُ حِقَّةٍ لِأَنَّ بَنَاتَ اللَّبُونِ هُنَا فَرْضٌ، فَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، مَعَ وُجُودِهِ، فَيُخْرِجَ بَنَاتَ اللَّبُونِ الْأَرْبَعَ مَعَ بَنَاتِ مَخَاضٍ أَوْ جَذَعَةٍ، وَيُعْطِي أَوْ يَأْخُذَ جُبْرَانًا. (وَلَا) أَنْ يُخْرِجَ (خَمْسَ حِقَاقٍ وَيَأْخُذَ الْجُبْرَانَ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ
إخْرَاجِ الْفَرْضِ: أَرْبَعُ حِقَاقٍ، فَلَا يَعْدِلُ إلَى الْبَدَلِ. (وَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ شَيْءٌ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (وَهُوَ) أَيْ: مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ (الْأَوْقَاصُ) جَمْعُ وَقَصٍ - بِفَتْحَتَيْنِ - وَقَدْ يُسَكَّنُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فَهُوَ عَفْوٌ) أَيْ: مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَيُسَمَّى أَيْضًا: الْعَفْوُ وَالشَّنَقُ، بِالشِّينِ الْمُعْجَمَة وَفَتْحِ النُّونِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ (لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الزَّكَاةُ بَلْ) تَتَعَلَّقُ (بِالنِّصَابِ فَقَطْ) فَلَوْ كَانَ لَهُ تِسْعُ إبِلٍ مَغْصُوبَةٍ حَوْلًا فَخَلَّصَ مِنْهَا بَعِيرًا لَزِمَهُ خُمْسِ شَاةٍ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدِ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْحَكَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إنَّ الْأَوْقَاصَ لَا صَدَقَةَ فِيهَا» وَلِأَنَّ الْعَفْوَ مَالٌ نَاقِصٌ عَنْ نِصَابٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ فَرْضُ مُبْتَدَأٍ فَلَمْ يَتَعَلَّق بِهِ الْوُجُوبُ قَبْلَهُ كَمَا لَوْ نَقَصَ عَنْ النِّصَابِ الْأَوَّلِ، وَعَكْسُهُ زِيَادَةُ نِصَابِ السَّرِقَةِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَتَعَلَّقُ بِهَا فَرْضُ مُبْتَدَأٍ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَهُ حَالَةٌ مُنْتَظِرَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْوُجُوبُ فَوَقَفَ عَلَى بُلُوغِهَا. (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ سِنٌّ) فِي الزَّكَاةِ (فَعَدَمَهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ دُونَ السَّاعِي أَوْ الْفَقِيرِ وَنَحْوِهِ) فِي الصُّعُودِ (إلَى مَا يَلِيهَا فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ إلَى مَا يَلِيهِ إنْ عَدَمَهُ كَمَا يَأْتِي) وَ (فِي) النُّزُولِ إلَى مَا يَلِيهَا فِي مِلْكِهِ، ثُمَّ إلَى مَا يَلِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي فَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ مَثَلًا (فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ سِنًّا أَسْفَلَ مِنْهَا) بِأَنْ يُخْرِجَ بِنْتَ مَخَاضٍ. (وَمَعَهَا شَاتَانِ أَوْ عِشْرُونَ دِرْهَمَا، وَإِنْ شَاءَ) الْمَالِكُ (أَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا، وَأَخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ مِنْ السَّاعِي) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ لِأَنَسٍ (إلَّا وَلِيَّ يَتِيمٍ وَمَجْنُونٍ) وَسَفِيهٍ (فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إخْرَاجَ أَدْوَنِ مُجْزِئٍ) أَيْ: أَقَلِّ الْوَاجِبِ، فَيَشْتَرِيه إنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَالِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ، طَلَبًا لِحَظِّهِ، وَلَا يُعْطِي أَسْفَلَ مَعَ جُبْرَانٍ وَلَا أَعْلَى وَيَأْخُذهُ (وَيَعْتَبِرُ كَوْنَ مَا عَدَلَ إلَيْهِ) الْمَالِكُ (فِي مِلْكِهِ) لِأَنَّ جَوَازَ الْعُدُولِ إلَى الْجُبْرَانِ تَسْهِيلٌ عَلَى الْمَالِكِ. (فَإِنْ عَدَمَهُمَا) أَيْ: الْأَسْفَلَ وَالْأَعْلَى، أَوْ كَانَا مَعِيبَيْنِ (حَصَّلَ الْأَصْلَ) أَيْ: الْوَاجِبَ أَصَالَةً لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَحْصِيلٍ، فَالْأَصْلُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى بَدَلِهِ (فَإِنْ عَدِمَ مَا يَلِيهَا) أَيْ: السِّنَّ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَالِهِ أَوْ كَانَتْ مَعِيبَةً (انْتَقَلَ إلَى الْأُخْرَى) أَيْ: الَّتِي تَلِيهَا مِنْ أَسْفَلَ أَوْ فَوْقَ. (وَضَاعَفَ الْجُبْرَانَ) الَّذِي يُعْطِيهِ أَوْ يَأْخُذُهُ (فَإِنْ عَدِمَهُ أَيْضًا انْتَقَلَ إلَى ثَالِثٍ كَذَلِكَ) أَيْ: مِنْ فَوْقٍ أَوْ أَسْفَلَ، وَأَخَذَ أَوْ أَعْطَى ثَلَاثَ جُبْرَانَاتٍ، فَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ مَخَاضٍ وَعَدِمَهَا وَعَدِمَ بِنْتِ اللَّبُونِ، وَعَدِمَ الْحِقَّةَ، وَعِنْدَهُ جَذَعَةٌ، أَخْرَجَهَا، وَأَخَذَ ثَلَاثَ جُبْرَانَات، وَعَكْسُهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ جَذَعَةٌ، وَعَدِمَهَا، وَعَدِمَ الْحِقَّةَ وَبِنْتَ اللَّبُونِ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ،
أَخْرَجَهَا وَثَلَاثُ جُبْرَانَاتٍ. وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ (وَحَيْثُ) جَازَ (تَعَدُّدُ الْجُبْرَانِ) كَالْأَمْثِلَةِ السَّابِقَةِ (جَازَ جُبْرَانُ غَنَمٍ، وَجُبْرَانُ دَرَاهِمَ) كَمَا فِي الْكَفَّارَةِ، لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جِنْسَيْنِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ جُبْرَانٍ وَاحِدٍ، وَ) جُبْرَانٍ (ثَانٍ، وَ) جُبْرَانٍ (ثَالِثٍ: النِّصْفُ دَرَاهِمُ وَالنِّصْفُ شِيَاهٌ) لِمَا سَبَقَ، وَلِأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الشَّاةَ مَقَامَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، (فَإِذَا اخْتَارَ إخْرَاجَهَا وَعَشَرَةَ دَرَاهِمَ، جَازَ) فَلَوْ كَانَ النِّصَابُ (مِنْ الْإِبِلِ) كُلُّهُ مِرَاضًا، (وَعُدِمَتْ الْفَرِيضَةُ فِيهِ فَلَهُ) أَيْ: الْمَالِكِ (دَفْعُ السِّنِّ السُّفْلَى) بِأَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِنْتُ لَبُونٍ فَأَخْرَجَ عَنْهَا بِنْتَ مَخَاضٍ (مَعَ الْجُبْرَانِ وَلَيْسَ لَهُ دَفْعُ) السِّنِّ (الْأَعْلَى) كَحِقَّةٍ. (وَأَخْذُ جُبْرَانٍ، بَلْ) إنْ اخْتَارَ دَفَعَهَا (مَجَّانًا) لِأَنَّ الْجُبْرَانَ جَعَلَهُ الشَّارِعُ وَفْقَ مَا بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْمَرِيضَيْنِ أَقَلَّ مِنْهُ فَإِذَا دَفَعَ السَّاعِي فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ جُبْرَانًا كَانَ ذَلِكَ حَيْفًا عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَإِذَا دَفَعَهُ الْمَالِكُ مَعَ السِّنِّ الْأَسْفَلِ فَالْحَيْفُ عَلَيْهِ وَقَدْ رَضِيَ بِهِ فَأَشْبَهَ إخْرَاجُ الْأَجْوَدِ مِنْ الْمَالِ (فَإِنْ كَانَ الْمُخْرِجِ) لِلزَّكَاةِ (وَلِيُّ يَتِيمٍ أَوْ مَجْنُونٍ) أَوْ سَفِيهٍ (لَمْ يَجُزْ لَهُ أَيْضًا) أَيْ: كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الْأَعْلَى لِمَا تَقَدَّمَ: لَا يَجُوزُ لَهُ (النُّزُولُ) أَيْ: أَنْ يَدْفَعَ سِنًّا أَنْزَلَ، مَعَ دَفْعِ جُبْرَانٍ (لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ: الْوَلِيُّ، (أَنْ يُعْطِيَ الْفَضْلَ) أَيْ: الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ (مَالِهِمَا) أَيْ: مَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَمِثْلِهِمَا السَّفِيهُ (فَيَتَعَيَّنُ) عَلَى الْوَلِيِّ (شِرَاءُ الْفَرْضِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ) لِتَعَيُّنِهِ طَرِيقًا لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (وَلَا مَدْخَلَ لِلْجُبْرَانِ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ) لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِيهَا فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ. وَلَيْسَ غَيْرِهَا فِي مَعْنَاهَا، لِكَثْرَةِ قِيمَتِهَا وَلِأَنَّ الْغَنَمَ لَا تَخْتَلِفُ فَرِيضَتُهَا بِاخْتِلَافِ سِنِّهَا وَمَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْبَقَرِ يُخَالِفُ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ فِي الْإِبِلِ فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ فَلَوْ جُبِرَ الْوَاجِدُ بِشَيْءٍ مِنْ صِفَتِهِ فَأَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ، وَزَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا (فَمَنْ عَدِمَ فَرِيضَةَ الْبَقَرِ، أَوْ) فَرِيضَةَ (الْغَنَمِ وَوَجَدَ دُونَهَا حَرُمَ إخْرَاجُهَا) وَلَزِمَهُ تَحْصِيلُ الْفَرِيضَةِ وَإِخْرَاجُهَا. (وَإِنْ وَجَدَ أَعْلَى مِنْهَا فَدَفَعَهَا بِلَا جُبْرَانٍ) كَمُسِنَّةٍ عَنْ تَبِيعٍ (قُبِلَتْ مِنْهُ) وَلَوْ مَعَ وُجُودِ التَّبِيعِ لِأَنَّهُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ وَزِيَادَة تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ (وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) أَيْ: يَدْفَعْ الْأَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ (كُلِّفَ شِرَاءَهَا) أَيْ: الْفَرِيضَةَ (مِنْ غَيْرِ مَالِهِ) لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ.
فصل النوع الثاني البقر
[فَصَلِّ النَّوْعُ الثَّانِي الْبَقَرُ] (فَصَلِّ النَّوْعُ الثَّانِي: الْبَقَرُ) وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ وَالْبَقَرَةُ تَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَدَخَلَتْ الْهَاءُ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنْ جِنْسِ الْبَقَرَاتِ الْجَمِيع وَالْبَاقِرُ جَمَاعَةُ الْبَقَرِ مَعَ رُعَاتِهَا وَهِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ بَقَرْتُ الشَّيْءَ إذَا شَقَقْتُهُ لِأَنَّهَا تَبْقُرُ الْأَرْضَ بِالْحِرَاثَةِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِهَا: الْإِجْمَاعُ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَدَلِيلُهُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ، لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَنْطِحُهُ بِقُرُونِهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا - قَعَدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ ثَلَاثِينَ) فَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا (فَيَجِبُ فِيهَا تَبِيعٌ أَوْ تَبِيعَةٌ، لِكُلِّ مِنْهُمَا سَنَةٌ) سُمِّيَا بِذَلِكَ: لِأَنَّهُمَا يَتْبَعَانِ أُمَّهُمَا. وَالتَّبِيعُ الَّذِي اسْتَوَى قَرْنَاهُ (قَدْ حَاذَى قَرْنُهُ أُذُنَهُ غَالِبًا) وَهُوَ جَذَعُ الْبَقَرِ (وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ التَّبِيعِ وَظَاهِرِهِ: وَلَوْ كَانَ التَّبِيعُ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ مِنْهُ (وَفِي أَرْبَعِينَ) بَقَرَةً (مُسِنَّةً وَهِيَ ثَنِيَّةُ الْبَقَرِ أَلْقَتْ سِنًّا غَالِبًا) وَهِيَ الَّتِي (لَهَا سَنَتَانِ وَيُجْزِئُ إخْرَاجُ أُنْثَى أَعْلَى مِنْهَا) أَيْ: الْمُسِنَّةِ (بَدَلهَا) كَالثَّنِيَّةِ عَنْ الْجَذَعَةِ فِي الْإِبِلِ وَ (لَا) يُجْزِئُ (إخْرَاجُ مُسِنٍّ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الْمُسِنَّةِ، كَإِخْرَاجِ حِقٍّ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ. (وَفِي السِّتِّينَ تَبِيعَانِ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّةٌ) لِحَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَل قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَهُوَ حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ ثَابِتٌ. وَرَوَى يَحْيَى بْنُ الْحَكَمِ أَنَّ مُعَاذًا قَالَ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُصَدِّقُ أَهْلَ الْيَمَنِ فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ الْبَقَرِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ: تَبِيعًا وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ فَأَبَيْتُ ذَلِكَ، وَقُلْت لَهُمْ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ
تَبِيعًا، وَمِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً وَمِنْ السِّتِّينَ تَبِيعَيْنِ، وَمِنْ السَّبْعِينَ مُسِنَّةً وَتَبِيعًا، وَمِنْ الثَّمَانِينَ مُسِنَّتَيْنِ، وَمِنْ التِّسْعِينَ ثَلَاثَةَ أَتْبَاعٍ، وَمِنْ الْمِائَةِ مُسِنَّةً وَتَبِيعَيْنِ، وَمِنْ الْعَشَرَةِ وَمِائَةٍ مُسِنَّتَيْنِ وَتَبِيعًا، وَمِنْ الْعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ثَلَاثَ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَتْبَاعٍ قَالَ: وَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ لَا آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ شَيْئًا، إلَّا أَنْ يَبْلُغَ مُسِنَّةً أَوْ جَذَعًا، وَزَعَمَ أَنَّ الْأَوْقَاصَ لَا فَرِيضَةَ فِيهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ. (فَإِذَا بَلَغَتْ) الْبَقَرُ (مِائَةً وَعِشْرِينَ اتَّفَقَ الْفَرْضَانِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ ثَلَاثِ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَتْبِعَةٍ) لِلْخَبَرِ. (وَلَا يُجْزِئْ الذَّكَرُ فِي الزَّكَاةِ) إذَا كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا لِأَنَّ الْأُنْثَى أَفْضَلُ لِمَا فِيهَا مِنْ الدَّرِّ وَالنَّسْلِ وَقَدْ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِي الْإِبِلِ وَفِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ (غَيْرَ التَّبِيعِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ) لِلنَّصِّ السَّابِقِ وَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ لَحْمًا، فَيُعَادِلُ الْأُنُوثَةَ (وَ) غَيْرُ (ابْنِ لَبُونٍ، أَوْ ذَكَرٍ أَعْلَى مِنْهُ) كَحِقٍّ، فَمَا فَوْقَهُ (مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ، إذَا عَدِمَهَا وَتَقَدَّمَ) فِي الْفَصْلِ قَبْلَهُ مُوَضَّحَا لَكِنَّ ابْنَ اللَّبُونِ فَمَا فَوْقَهُ لَيْسَ بِأَصْلٍ لِكَوْنِهِ لَا يُجْزِئُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِ الْمَخَاضِ بِخِلَافِ التَّبِيعِ فَيُجْزِئ فِي الثَّلَاثِينَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالسِّتِّينَ. أَمَّا الْأَرْبَعُونَ وَمَا تَكَرَّرَ مِنْهَا كَالثَّمَانِينَ فَلَا يُجْزِئُ فِي فَرْضِهَا إلَّا الْإِنَاثُ لِنَصِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا فَيُجَزِّئ فِيهِ ذَكَرٌ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِهَا) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً فَلَا يُكَلِّفهَا مِنْ غَيْرِ مَالِهِ (وَيُؤْخَذُ مِنْ الصِّغَارِ صَغِيرَةٌ فِي غَنَمٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِنَاقًا " الْخَبَرَ وَيُتَصَوَّرُ أَخْذُهَا فِيمَا إذَا بَدَّلَ الْكِبَارَ بِالصِّغَارِ، أَوْ نَتَجَتْ ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ، بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ أَنَّ حَوْلَهَا حَوْلُ أَصْلِهَا (دُونَ إبِلٍ وَبَقَرٍ، فَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ فُصْلَانٍ) جَمْعُ فَصِيلٍ وَلَدُ النَّاقَةِ (عَجَاجِيلُ) جَمْعُ عِجْلٍ وَلَدُ الْبَقَرَةِ (فَيَقُوم النِّصَابُ) إذَا كَانَ كُلُّهُ فُصْلَانًا أَوْ عَجَاجِيلَ أَنْ لَوْ كَانَ (مِنْ الْكِبَارِ، وَيَقُومُ فَرْضُهُ) الْوَاجِبُ فِيهِ (ثُمَّ تَقُومُ الصِّغَارُ، وَيُؤْخَذُ عَنْهَا) أَيْ: الصِّغَارِ، أَيْ: عَنْ فَرِيضَتِهَا (كَبِيرَةٌ بِالْقِسْطِ، وَالتَّعْدِيلُ بِالْقِيمَةِ، مَكَانُ زِيَادَةِ السِّنِّ) فَيَنْدَفِعُ بِذَلِكَ مَحْذُورُ الْإِجْحَافِ بِالْمَالِكِ، مَعَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَرْضِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا لَمْ تَجُزْ الْفُصْلَانُ وَالْعَجَاجِيلُ بِخِلَافِ الْغَنَمِ: لِكَوْنِ الشَّارِعِ فَرَّقَ بَيْنَ فَرْضِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِزِيَادَةِ السِّنِّ وَكَذَلِكَ فَرَّقَ بَيْنَ فَرْضِ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِينَ مِنْ الْبَقَرِ. (وَلَوْ كَانَتْ دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ صِغَارًا، وَجَبَ فِي كُلِّ خَمْسٍ) مِنْهَا (شَاةٌ كَالْكِبَارِ) فَتَكُونُ جَذَعَا
مِنْ الضَّأْنِ، أَوْ ثَنِيًّا مِنْ الْمَعْزِ. (وَتُؤْخَذُ مِنْ الْمِرَاضِ) مِنْ إبِلٍ أَوْ بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ (مَرِيضَةٍ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا أَنْ يُكَلَّفَ غَيْرُ الَّذِي فِي مَالِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِقِلَّةِ الْعَيْبِ وَكَثْرَتِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ تَأْتِي عَلَى ذَلِكَ، لِكَوْنِ الْمُخْرَجِ وَسَطًا فِي الْقِيمَةِ (فَإِنْ اجْتَمَعَ صِغَارٌ وَكِبَارٌ وَصِحَاحٌ وَمَعِيبَاتٌ، وَذُكُورٌ وَإِنَاثٌ لَمْ يُؤْخَذْ إلَّا أُنْثَى صَحِيحَةٌ كَبِيرَةٌ عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) لِلنَّهْيِ عَنْ أَخْذِ الصَّغِيرَةِ وَالْعَيْبَةِ وَالْكَرِيمَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ» وَلِتَحْصُلَ الْمُوَاسَاةُ فَإِذَا كَانَ قِيمَةُ الْمَالِ الْمُخْرَجِ إذَا كَانَ الْمُزَكَّى كُلُّهُ كِبَارًا صِحَاحًا: عِشْرِينَ، وَقِيمَتُهُ بِالْعَكْسِ: عَشْرَة، وَجَبَتْ كَبِيرَةٌ صَحِيحَةٌ، قِيمَتهَا خَمْسَةُ عَشْر، مَعَ تَسَاوِي الْعَدَدَيْنِ، فَلَوْ كَانَ الثُّلُثُ أَعْلَى وَالثُّلُثَانِ أَدْنَى، فَكَبِيرَةٌ، قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ عَشْر وَثُلُث، وَبِالْعَكْسِ: قِيمَتُهَا سِتَّةَ عَشْرَ وَثُلُثَانِ (إلَّا إذَا لَزِمَهُ شَاتَانِ فِي مَالِ كُلِّ مَعِيبٍ إلَّا وَاحِدَةً) ، كَمِائَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاةً الْجَمِيعُ مَعِيبٌ إلَّا وَاحِدَةً، أَوْ كَانَتْ الْمِائَةُ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ سِخَالًا (إلَّا وَاحِدَةً كَبِيرَةً فَيُخْرِجَ فِي الْأُولَى الصَّحِيحَةَ وَمَعِيبَةً مَعَهَا، وَفِي الثَّانِيَةِ الشَّاةَ) الْكَبِيرَةَ (وَسَخْلَةً مَعَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا تَكْلِيفُهُ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ. (فَإِنْ كَانَتْ) السَّائِمَةُ (نَوْعَيْنِ، كَالْبَخَاتَى) الْوَاحِد: بُخْتِيّ وَالْأُنْثَى بُخْتِيَّةُ قَالَ عِيَاضٌ: هِيَ إبِلٌ غِلَاظٌ ذَاتُ سَنَامَيْنِ (وَالْعِرَابُ) هِيَ جَرَّدَ مَلْسٍ حِسَانُ الْأَلْوَانِ كَرِيمَةٌ. (وَ) ك (الْبَقَرُ وَالْجَوَامِيس) وَاحِدُهَا جَامُوس قَالَ مَوْهُوبٌ: هُوَ أَعْجَمِيٌّ، تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ. (وَ) ك (ضَأْنٍ وَالْمَعْزِ، وَ) كَ (الْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ وَحْشِيٍّ وَأَهْلِيٍّ أُخِذَتْ الْفَرِيضَةُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) الْمُزَكَّيَيْنِ فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاء، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَا عَشْرَ، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ الْآخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَنِصْفٌ وَكَذَا لَوْ كَانَتْ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ أَهْلِيَّةٌ وَوَحْشِيَّةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّ أَنْوَاعَ الْجِنْسِ تُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ (فَإِنْ كَانَ فِيهِ) أَيْ: الْمَالِ الْمُزَكَّى (كِرَامٌ) قَالَ عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَاتَّقِ كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» أَنَّهَا جَمْعُ كَرِيمَةٍ، وَهِيَ الْجَامِعَةُ لِلْكَمَالِ الْمُمْكِنِ، فِي حَقِّهَا مِنْ غَزَارَةِ لَبَنٍ، أَوْ جَمَالِ صُورَةٍ، أَوْ كَثْرَةِ لَحْمٍ أَوْ صُوفٍ وَقِيلَ: هِيَ الَّتِي يَخْتَصُّهَا مَالِكُهَا لِنَفْسِهِ وَيُؤْثِرُهَا (وَلِئَامُ) وَاحِدُهَا؛ لَئِيمَةٌ، وَهِيَ ضِدُّ الْكَرِيمَةِ (وَسِمَانٌ وَمَهَازِيلُ، وَجَبَ الْوَسَطُ بِقَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ) نَصَّ عَلَيْهِ، طَلَبًا لِلتَّعْدِيلِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ النِّصَابِ مِنْ
فصل النوع الثالث الغنم
غَيْرِ نَوْعِهِ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ مِنْهُ) كَمَا لَوْ كَانَ مَالُهُ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، لَا جَامُوسَ فِيهَا، فَاشْتَرَى تَبِيعًا مِنْ الْجَامُوسِ وَأَخْرَجَهُ عَنْهَا (جَازَ، إنْ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ عَنْ النَّوْعِ الْوَاجِبِ) عَلَيْهِ فِي مِلْكِهِ لِأَنَّ الْقِيمَةَ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَلَمْ تَفُتْ وَلَا شَيْءَ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الْمُخْرَجِ عَنْ الْوَاجِبِ. [فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ الْغَنَمُ] (فَصْلٌ النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْغَنَمُ وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ) وَهِيَ أَقَلُّ نِصَابِهَا إجْمَاعًا (فَتَجِبُ فِيهَا شَاةٌ) إجْمَاعًا (إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا شَاتَانِ) إجْمَاعًا (إلَى مِائَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ) وِفَاقًا (إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ فِي كِتَابِ الصَّدَقَاتِ الَّذِي كَتَبَهُ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «فِي صَدَقَةِ الْغَنَمِ: فِي سَائِمَتِهَا، إذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ شَاةٌ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ فَفِيهَا شَاتَانِ، إلَى مِائَتَيْنِ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ وَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ وَاحِدَةٌ، فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إلَّا إنْ شَاءَ رَبُّهَا» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَلَى هَذَا لَا تَتَغَيَّرُ بَعْدَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَة، حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمِائَةٍ. فَيَجِبُ فِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ فَالْوَقَصُ مَا بَيْنَ مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ، وَهُوَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ (يُؤْخَذُ مِنْ مَعْزٍ: ثَنِيٌّ، وَمِنْ ضَأْنٍ: جَذَعٌ هُنَا) فِي زَكَاةِ الْغَنَمِ (وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَجَبَتْ فِيهِ شَاةٌ) كَزَكَاةِ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ وَكَذَا لَوْ نَذَرَ شَاةً وَأَطْلَقَ (عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) لِمَا رَوَى سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ قَالَ،: «أَتَانَا مُصَدِّقُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نَأْخُذَ الْجَذَعَةَ مِنْ الضَّأْنِ وَالثَّنِيَّةَ مِنْ الْمَعْزِ» وَلِأَنَّهُمَا يُجْزِيَانِ فِي الْأُضْحِيَّةِ فَكَذَا هُنَا. (وَلَا يُؤْخَذُ تَيْسٌ) وَلَوْ أَجْزَأَ الذَّكَرُ، لِنَقْصِهِ وَفَسَادِ لَحْمِهِ (إلَّا فَحْلُ ضِرَابٍ) فَيُؤْخَذُ (لِخَيْرِهِ بِرِضَا رَبِّهِ، حَيْثُ يُؤْخَذُ ذَكَرٌ) بِأَنْ كَانَ النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُورًا (وَيُجْزِئُ) أَخْذُهُ إذَنْ. (وَلَا) تُؤْخَذُ (هَرِمَةٌ) أَيْ: كَبِيرَةٌ طَاعِنَةٌ فِي السِّنِّ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ) وَهِيَ الْمَعِيبَةُ، بِذَهَابِ عُضْوٍ أَوْ غَيْرَ
عَيْبًا يَمْنَعُ التَّضْحِيَةَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] . وَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ «وَلَا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ إلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَرْوِيه بِفَتْحِ الدَّالِ مِنْ الْمُصَدَّقِ يَعْنِي الْمَالِكَ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ رَاجِعًا إلَى التَّيْسِ وَخَالَفَهُ عَامَّةُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا بِكَسْرِهَا يَعْنِي السَّاعِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ (إلَّا أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ كُلُّهُ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَلَيْسَ مِنْهَا تَكْلِيفُهُ مَا لَيْسَ فِي مَالِهِ (وَلَا) تُؤْخَذُ (الرُّبَّى، وَهِيَ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ تُرَبِّيهِ) قَالَهُ أَحْمَدُ وَقِيلَ: الَّتِي تُرَبَّى فِي الْبَيْتِ لِأَجْلِ اللَّبَنِ. (وَلَا) تُؤْخَذُ (حَامِلٌ) لِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: " لَا تُؤْخَذُ الرُّبَّى وَلَا الْمَاخِضُ وَلَا الْأَكُولَةُ " (وَلَا طَرُوقَةُ الْفَحْلِ، لِأَنَّهَا تَحْمِلُ غَالِبًا وَلَا خِيَارُ الْمَالِ) أَيْ: نَفِيسِهِ لِشَرَفِهِ، وَلِحَقِّ الْمَالِكِ (وَلَا الْأَكُولَةُ، وَالسَّمِينَةُ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُكُمْ خَيْرَهُ وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلِهَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ: إذَا جَاءَ الْمُصَدِّقُ قَسَّمَ الشَّاءَ أَثْلَاثًا ثُلُثُ خِيَارٍ، وَثُلُثُ وَسَطٍ وَثُلُثُ شِرَارٍ وَأَخَذَ مِنْ الْوَسَطِ. (وَلَا سِنَّ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ أَعْلَى مِنْهُ إلَّا بِرِضَا رَبِّهِ، كَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ) وَحِقَّةٍ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ. (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ سَوَاءٌ كَانَ حَاجَةً، أَوْ مَصْلَحَةً، أَوْ فِي الْفِطْرَةِ أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذِ: «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ، وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ، وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ، وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد قِيلَ لِأَحْمَدَ: أَعْطِي دَرَاهِمَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ فَقَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَ، خِلَافُ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَإِنْ أَخْرَجَ سِنًّا أَعْلَى مِنْ الْفَرْضِ مِنْ جِنْسِهِ أَجْزَأَ) لِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَتَانِي رَسُولُكَ، لِيَأْخُذَ مِنِّي صَدَقَةَ مَالِي فَزَعَمَ أَنَّ مَا عَلَيَّ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ نَاقَةً فَتِيَّةً سَمِينَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ذَاكَ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْك فَإِنْ تَطَوَّعْتَ بِخَيْرٍ آجَرَكَ اللَّهُ فِيهِ، وَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ فَقَالَ: هَا هِيَ ذِهِ فَأَمَرَ بِقَبْضِهَا وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ مِنْ جِنْسِهِ فَأَجْزَأَ، كَمَا
فصل الخلطة
لَوْ زَادَ فِي الْعَدَدِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ عُدُولٌ عَنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ (فَيُجْزِئُ مُسِنٌّ عَنْ تَبِيعٍ) ، وَتُجْزِئُ (أَعْلَى مِنْ الْمُسِنَّةِ عَنْهَا، وَ) تُجْزِئُ (بِنْتُ لَبُونٍ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ وَ) تُجْزِئُ (حِقَّةٌ عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ، وَ) تُجْزِئُ (جَذَعَةٌ عَنْ حِقَّةٍ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) فِي الْبَابِ (وَتُجْزِئُ ثَنِيَّةٌ وَأَعْلَى مِنْهَا عَنْ جَذَعَةٍ) فَمَا دُونَهَا وَلَوْ كَانَتْ عِنْدَهُ وَتَقَدَّمَ (وَلَا جُبْرَانَ) لِعَدَمِ وُرُودِهِ. [فَصْلٌ الْخُلْطَةُ] (فَصْلٌ " الْخُلْطَةُ ") بِضَمِّ الْخَاءِ: الشَّرِكَةُ (فِي الْمَوَاشِي) دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ (لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الزَّكَاةِ: إيجَابًا وَإِسْقَاطًا) وَتَغْلِيظًا وَتَخْفِيفًا (فَتَصِيرُ الْأَمْوَالُ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي كِتَابِ الصَّدَقَةِ: «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ (فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ) فَيُضَمُّ أَحَدُ الْمَالَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِيهِ، كَمَا يَأْتِي (دُونَ الْحَوْلِ) فَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِيهِ، بَلْ يُزَكَّى كُلُّ مَالٍ عِنْدَ حَوْلِهِ. وَيَأْتِي بَيَانُهُ (فَإِذَا اخْتَلَطَ نَفْسَانِ) لِأَنَّ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ: الْوَاحِدَ، وَلَا خُلْطَةَ مَعَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ نَفْسَيْنِ (مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَاتَبًا أَوْ ذِمِّيًّا، فَلَا أَثَرَ لَهَا لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ فَلَمْ يَكْمُلْ بِهِ النِّصَابُ (فِي نِصَابٍ) فَلَوْ كَانَ الْمَجْمُوعُ دُونَ نِصَابٍ لَمْ تُؤَثِّرْ سَوَاءً كَانَ لَهُ مَالُ غَيْرِهِ أَوْ لَا وَعُلِمَ مِنْهُ: التَّأْثِيرُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ، بِطَرِيقٍ أَوْلَى مِنْ الْمَاشِيَةِ فَلَا تُؤَثِّرُ الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِهَا وَيَأْتِي (حَوْلًا) كَامِلًا بِحَيْثُ (لَمْ يَثْبُت لَهُمَا) وَلَا لِأَحَدِهِمَا (حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِهِ) لِأَنَّ الْخُلْطَةَ مَعْنًى يَتَعَلَّقُ بِهِ إيجَابُ الزَّكَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ كَالنِّصَابِ (فَحُكْمُهُمَا) أَيْ: النَّفْسَيْنِ فَأَكْثَرَ (فِي الزَّكَاةِ حُكْمُ) الشَّخْصِ (الْوَاحِدِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ جَمْعِ
الْمُتَفَرِّقِ وَعَكْسِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ (سَوَاءً كَانَتْ خُلْطَةَ أَعْيَانٍ بِأَنْ يَمْلِكَا مَالًا) أَيْ: نِصَابًا مِنْ الْمَاشِيَةِ (مُشَاعًا بِإِرْثٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَالْوَصِيَّةِ وَالْجَعَالَةِ وَالصَّدَاقِ وَالْمُخَالَعَةِ (أَوْ خُلْطَةِ أَوِصَافً، بِأَنْ يَكُونَ مَالُ كُلٍّ مِنْهُمَا مُتَمَيِّزًا) بِصِفَةٍ أَوْ صِفَاتٍ. (فَلَوْ اسْتَأْجَرَ لِرَعْيِ غَنَمِهِ بِشَاةٍ مِنْهَا، فَحَالَ الْحَوْلُ وَلَمْ يُفْرِدْهَا) أَيْ: الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْأَجِيرُ (فَهُمَا خَلِيطَانِ) فَعَلَى الْأَجِيرِ مِنْ الزَّكَاةِ بِنِسْبَةِ شَاتِهِ. (وَلَوْ كَانَتْ لِأَرْبَعِينَ) نَفْسًا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا أَوْ مُخْتَلِفِينَ (مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَخُلْطَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا (أَرْبَعُونَ شَاةً مُخْتَلِطَةٌ، لَزِمَتْهُمْ شَاةٌ) بِالسَّوِيَّةِ (وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ لَا يَلْزَمْهُمْ شَيْءٌ) لِنَقْصِ النِّصَابِ. (وَلَوْ كَانَ لِثَلَاثَةِ أَنْفُسِ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ) شَاةً (لِكُلِّ وَاحِدٍ) مِنْهُمْ (أَرْبَعُونَ شَاةً لَزِمَتْهُمْ شَاةٌ وَاحِدَةٌ) عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ ثُلُثُهَا، كَالشَّخْصِ الْوَاحِدِ (وَمَعَ انْفِرَادِهِمْ) عَلَيْهِمْ (ثَلَاثُ شِيَاهٍ) عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ شَاةٌ. (وَيُوَزَّعُ الْوَاجِبُ) عَلَى الْخَلِيطَيْنِ فَأَكْثَرَ (عَلَى قَدْرِ الْمَالِ) الْمُخْتَلَطِ (مَعَ الْوَقَصِ فَسِتَّةُ أَبْعِرَةٍ مُخْتَلِطَةٍ مَعَ تِسْعَةٍ) فِي الْجَمِيعِ ثَلَاثُ شِيَاهٍ (يَلْزَمُ رَبُّ السِّتَّةِ شَاةٌ وَخُمُسُ شَاةٍ وَيَلْزَمُ رَبُّ التِّسْعَةِ شَاةٌ وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ شَاةٍ) لِقَوْلِهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ» . (وَيُشْتَرَطُ فِي تَأْثِيرِ خُلْطَةِ أَوْصَافٍ: اشْتِرَاكُهُمَا فِي مُرَاحٍ بِضَمِّ الْمِيمِ - وَهُوَ الْمَبِيتُ وَالْمَأْوَى أَيْضًا وَمَسْرَحٍ، وَهُوَ مَكَانُ اجْتِمَاعِهِمَا، لِتَذْهَبَ إلَى الْمَرْعَى، وَمَشْرَبٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ (وَهُوَ مَكَانُ الشُّرْبِ فَقَطْ) أَيْ: دُونَ زَمَانِهِ وَتَبِعَ الْمُصَنِّفُ فِي اعْتِبَارِ الْمَشْرَبِ الْمُقْنِعَ وَأَبَا الْخَطَّابِ، وَصَاحِبَ التَّلْخِيصِ، وَالْوَجِيزِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ: لَا اتِّحَادَ مَشْرَبٍ وَرَاعٍ (وَمَحْلَبٍ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمِيمِ. (وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَلْبِ) وَالْمِحْلَبُ، بِكَسْرِ الْمِيمِ: الْإِنَاءُ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ خَلْطِ اللَّبَنِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَرْفَقٍ، بَلْ مَشَقَّةٍ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى قِسْمِ اللَّبَنِ وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الرِّبَا (وَفَحْلٌ) مُعَدٍّ لِلضِّرَابِ. (وَ) اشْتِرَاكُهُ (هُوَ عَدَمُ اخْتِصَاصِهِ فِي طَرْقِهِ بِأَحَدِ الْمَالَيْنِ إنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ) فَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ مُتَّحِدًا وَلَا مُشْتَرِكًا (فَإِنْ اخْتَلَفَ) النَّوْعُ (كَالضَّأْنِ وَالْمَعْزِ وَالْجَامُوسِ وَالْبَقَرِ لَمْ يَضُرَّ اخْتِلَافُ الْفَحْلِ لِلضَّرُورَةِ) لِاخْتِلَافِ النَّوْعَيْنِ. (وَمَرْعَى، وَهُوَ مَوْضِعُ الرَّعْيِ وَوَقْتِهِ) فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ (وَرَاعٍ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. وَفِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَالْمُسْتَوْعِبِ (عَلَى مَنْصُوصِ أَحْمَدَ، وَالْحَدِيثُ) أَيْ: حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يَقُولُ «الْخَلِيطَانِ: مَا اجْتَمَعَا عَلَى الْحَوْضِ وَالْفَحْلِ وَالرَّاعِي» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَجَعَلَ بَدَلَ الرَّاعِي " الْمَرْعَى " وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ الْعَمَلُ بِالْعُرْفِ فِي ذَلِكَ وَقَدَّمَ عَدَمَ اعْتِبَارِ الرَّاعِي وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُنْتَهَى (وَيَظْهَرُ أَنَّ اتِّحَادَهُ) أَيْ: الرَّاعِي (كَمَا فِي الْفَحْلِ) يُعْتَبَرُ مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ دُونَ اخْتِلَافِهِ (وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ خُلْطَةٍ كَالْأَوْصَافِ وَالْأَعْيَانِ) الْكَافُ زَائِدَةٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَلْخُلْطَةِ نِيَّةٌ وَهُوَ فِي خُلْطَةِ الْأَعْيَانِ إجْمَاعٌ وَكَذَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ فِي الْأَصَحِّ وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ - أَيْ: الْمُوَفَّقُ - بِنِيَّةِ الصَّوْمِ وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ: فِي خَلْطٍ وَقَعَ اتِّفَاقًا، أَوْ فَعَلَهُ رَاعٍ وَتَأَخُّرُ النِّيَّةِ عَنْ الْمِلْكِ (وَلَا) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (خَلْطُ اللَّبَنِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا أَثَرَ لِخُلْطَةِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، كَالْكَافِرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمَدِينِ) دَيْنًا يَسْتَغْرِقُ مَا بِيَدِهِ لِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي مَالِهِ. (وَلَا) أَثَرَ لِخُلْطَةٍ (فِيمَا دُونَ نِصَابٍ، وَلَا لِخُلْطَةِ الْغَاصِبِ) مَالَهُ (بِمَغْصُوبٍ) لِإِلْغَاءِ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَغْصُوبِ (فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ الشُّرُوطِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلْخُلْطَةِ: بَطَلَ حُكْمُهَا لِفَوَاتِ شَرْطِهَا وَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ فَيُزَكِّي كُلُّ وَاحِدٍ مَالَهُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا، وَإِلَّا فَلَا. (أَوْ ثَبَتَ لَهُمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ فِي بَعْضِ الْحَوْلِ، كَأَنْ اخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فِي نِصَابَيْنِ بَعْدَ انْفِرَادِهِمَا، زَكَّيَا زَكَاةَ الْمُنْفَرِدَيْنِ فِيهِ) فَلَوْ مَلَكَ كُلٌّ مِنْ رَجُلَيْنِ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، ثُمَّ اخْتَلَطَا وَتَمَّ الْحَوْلُ فَعَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةٌ، تَغْلِيبًا لِلِانْفِرَادِ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ. (وَ) يُزَكِّيَانِ (فِيمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْحَوْلِ الْأَوَّلِ (زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) لِعَدَمِ الِانْفِرَادِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَوْلِ (وَإِنْ ثَبَتَ لِأَحَدِهِمَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ وَحْدَهُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ نِصَابٌ) أَرْبَعُونَ شَاةً مَثَلًا (وَلِآخَرَ دُونَهُ) كَعِشْرِينَ (ثُمَّ اخْتَلَطَا فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلِ) مُنْذُ مِلْكِ النِّصَابِ (فَعَلَيْهِ شَاةُ) زَكَاةِ مَالِهِ (وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي) مِنْ الْخُلْطَةِ (فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْخُلْطَةِ) وَهِيَ ثُلُثُ شَاةٍ فِي الْمِثَالِ، إنْ لَمْ يَكُنْ الْأَوَّلُ أَخْرَجَ الشَّاةَ مِنْ الْمَالِ فَيَلْزَمُ الثَّانِي عِشْرُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَخَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ (أَوْ يَمْلِكُ نَفْسَانِ كُلُّ وَاحِدٍ أَرْبَعِينَ شَاةً، فَخَلَطَاهَا فِي الْحَالِ مِنْ غَيْرِ مُضِيِّ زَمَنٍ) قَبْل الْخَلْطِ (إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ. (ثُمَّ بَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ) شَخْصًا (أَجْنَبِيًّا) غَيْرَ شَرِيكِهِ فَشَرِيكُ الْمُشْتَرِي ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ، وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَثْبُتْ لَهُ (أَوْ يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا نِصَابٌ مُنْفَرِدٌ، فَيَشْتَرِي الْآخَرُ نِصَابًا وَيَخْلِطُهُ بِهِ فِي الْحَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْمُشْتَرِي)
فِي الْمِثَالَيْنِ (مَلَكَ أَرْبَعِينَ مُخْتَلِطَةً لَمْ يَثْبُت لَهَا حُكْمُ الِانْفِرَادِ) فِي وَقْتٍ مِنْ الْحَوْلِ (فَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الْأَوَّلُ، لَزِمَهُ زَكَاةُ انْفِرَادِ شَاةٍ، وَإِذَا تَمَّ حَوْلُ الثَّانِي، وَهُوَ الْمُشْتَرِي، لَزِمَهُ زَكَاةُ خُلْطَةٍ) لِكَوْنِهِ لَمْ يَزَلْ مُخَالِطًا (نِصْفِ شَاةٍ إنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهَا) أَيْ: الشَّاةَ (مِنْ غَيْرِ الْمَالِ) الْمَخْلُوطِ. (وَإِنْ) : كَانَ الْأَوَّلُ (أَخْرَجَهَا) أَيْ: الشَّاةَ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَالِ (لَزِمَ الثَّانِي أَرْبَعُونَ جُزْءًا مِنْ تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ شَاةٍ) لِأَنَّ حَوْلَهُ قَدْ تَمَّ عَلَى تِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ شَاةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ شَاةً فَلَزِمَهُ مِنْ الشَّاةِ أَرْبَعُونَ جُزْءًا (ثُمَّ يُزَكِّيَانِ فِيمَا بَعْد ذَلِكَ الْحَوْلِ زَكَاةَ الْخُلْطَةِ) لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ بِشَرْطِهَا (كُلَّمَا تَمَّ حَوْلُ أَحَدِهِمَا، فَعَلَيْهِ) مِنْ الزَّكَاةِ (بِقَدْرِ مَا لَهُ مِنْهَا) وَلَا يَنْتَظِرُ الْأَوَّلُ حَوْلَ الثَّانِي، لِأَنَّ الزَّكَاةَ بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَقْدِيمُ زَكَاتُهُ إلَى رَأْسِ حَوْلِ شَرِيكِهِ، لِأَنَّ تَقْدِيمَهَا قَبْلَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَلَوْ كَانَ لِلْأَوَّلِ أَرْبَعُونَ شَاةً وَلِلثَّانِي ثَمَانُونَ، فَعَلَى الْأَوَّلِ ثُلُثُ شَاةٍ وَعَلَى الثَّانِي: ثُلُثَاهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا. (وَأَبَيْنَ) أَيْ: أَوْضَحَ (مِنْ هَذَيْنِ الْمِثَالَيْنِ) السَّابِقِينَ (لَوْ مَلَكَ نِصَابَيْنِ) ثَمَانِينَ شَاةً (شَهْرًا) أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ (ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمْ مُشَاعًا) كَمَا يَأْتِي قَرِيبًا (فَيَثْبُت لَهُ حُكْمُ الِانْفِرَادِ بِخِلَافِ الْمُشْتَرِي) . (وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصَابُ خُلْطَةٍ ثَمَانُونَ شَاةً، فَبَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا غَنَمَهُ غَنَمَ صَاحِبِهِ، وَاسْتَدَامَا الْخُلْطَةَ، لَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُمَا) لِأَنَّ إبْدَالَ الْمَالِ بِجِنْسِهِ لَا يَقْطَعْهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَمْ يَزُلْ خَلْطُهُمَا) لِعَدَمِ انْقِطَاعِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِيمَا اشْتَرَى، بِبِنَائِهِ عَلَى حَوْلِ الْمَبِيعِ، فَيَجِبُ أَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ فِي الصِّفَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَهِيَ صِفَةُ الْخُلْطَةِ (وَكَذَا لَوْ تَبَايَعَا الْبَعْضُ) مِنْ ذَلِكَ (بِالْبَعْضِ) لِمَا سَبَقَ (قَلَّ) الْمَبِيعُ (أَوْ كَثُرَ) أَوْ تَبَايَعَا الْكُلُّ بِالْبَعْضِ، لِعَدَمِ الْفَرْقِ. (وَلَوْ مَلَكَ رَجُلٌ نِصَابًا شَهْرًا) مَثَلًا (ثُمَّ بَاعَ نِصْفَهُ) مَثَلًا (مُشَاعًا، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بَعْضِهِ) أَيْ: عَيْنِهِ (وَبَاعَهُ مُخْتَلِطًا انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وَيَسْتَأْنِفَانِهِ مِنْ حِينِ الْبَيْعِ) لِأَنَّهُ قَدْ انْقَطَعَ فِي النِّصْفِ الْمَبِيعِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ أَصْلًا، فَلَزِمَ انْقِطَاعُ الْحَوْلِ فِي الثَّانِي (إنْ أَفْرَدَ بَعْضَهُ وَبَاعَهُ ثُمَّ اخْتَلَطَا، انْقَطَعَ الْحَوْلُ، قَلَّ زَمَنُ الِانْفِرَادِ أَوْ كَثُرَ) حَتَّى وَلَوْ قِيلَ: لَا يَنْقَطِعُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. (وَلَوْ مَلَكَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ (نِصَابَيْنِ شَهْرًا، ثُمَّ بَاعَ أَحَدَهُمَا مُشَاعًا) بِأَنْ بَاعَ نِصْفَ الثَّمَانِينَ (ثَبَتَ لِلْبَائِعِ حُكْمُ الِانْفِرَادِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ) أَيْ: الْبَائِعِ (عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ زَكَاةٌ: مُنْفَرِدٌ) لِثُبُوتِ حُكْمِ الِانْفِرَادِ لَهُ وَعَلَى الْمُشْتَرِي إذَا
تَمَّ حَوْلَهُ: زَكَاةُ خَلِيطٍ. (وَلَوْ كَانَ الْمَالُ سِتِّينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة، وَالْمَبِيعُ ثُلُثُهَا: زَكَّى الْبَائِعُ) إذَا تَمَّ حَوْلُهُ زَكَاةَ انْفِرَادٍ (بِشَاةٍ) وَزَكَّى الْمُشْتَرِي إذَا تَمَّ حَوْلُهُ بِثُلُثِ شَاةٍ، إنْ أَخْرَجَ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ فِي الْمِثَالِ: نِصْفَهَا، انْقَطَعَ حَوْلُ الْبَائِعِ وَاسْتَأْنَفَا حَوْلًا. (وَإِذَا مَلِك نِصَابًا شَهْرًا ثُمَّ مَلَكَ) نِصَابًا (آخَرَ لَا يَتَغَيَّر بِهِ الْفَرْضُ مِثْلَ أَنْ يَمْلِكَ أَرْبَعِينَ شَاةً فِي الْمُحَرَّمِ، وَأَرْبَعِينَ) شَاةً (فِي صَفَرٍ فَعَلَيْهِ زَكَاةُ الْأَوَّلِ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ) وَهِيَ شَاةٌ لِانْفِرَادِهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ. (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الثَّانِي) لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِلْكٌ وَاحِدٌ فَلَمْ يَزِدْ فَرْضُهُ عَلَى شَاةٍ كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ وَلِلْعُمُومِ فِي الْأَوْقَاصِ (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مِائَةَ شَاةٍ، فَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ إذَا تَمَّ حَوْلَهُ) كَمَا لَوْ اتَّفَقَتْ أَحْوَالُهُ لِأَنَّهُمَا إمَّا أَنْ يُجْعَلَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ لِمَالِك، أَوْ كَمَالَيْنِ وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ: يَجِبُ شَاةٌ أُخْرَى بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلهَا. (وَقَدْرُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الثَّانِي (بِأَنْ تَنْظُرَ إلَى زَكَاةِ الْجَمِيعِ) وَهُوَ فِي الْمِثَالِ: مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ وَزَكَاتُهُ: شَاتَانِ (فَتَسْقُطُ مِنْهَا مَا وَجَبَ فِي الْأَوَّلِ) وَهُوَ شَاةٌ (وَيَجِبُ الْبَاقِي فِي الثَّانِي، وَهُوَ شَاةٌ) فَيُخْرِجُهَا. (وَإِنْ كَانَ الثَّانِي يَتَغَيَّرُ بِهِ الْفَرْضُ وَلَا يَبْلُغُ نِصَابًا مِثْل أَنْ يَمْلِكَ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ فِي الْمُحَرَّمِ، وَعَشْرًا) مِنْ الْبَقَرِ (فِي صَفَرٍ فَعَلَيْهِ) فِي الثَّلَاثِينَ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا تَبِيعٌ، أَوْ تَبِيعَةٌ. وَ (فِي الْعَشْرِ إذَا تَمَّ حَوْلَهَا - زَكَاةُ خُلْطَةٍ: رُبُعُ مُسِنَّةٍ) لِأَنَّ الْفَرِيضَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمُسِنَّةِ قَدْ كَمُلَتْ وَقَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الثَّلَاثِينَ فَوَجَبَ فِي الْعَشْرِ بِقِسْطِهَا مِنْ الْمُسِنَّةِ، وَهُوَ رُبُعُهَا. (وَإِنْ مَلَكَ مَالًا يَبْلُغُ نِصَابًا، وَلَا يُغَيِّرُ الْفَرْضَ، كَخَمْسٍ) مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ مِنْهَا (فَلَا شَيْءَ فِيهَا) أَيْ: الْخَمْسِ لِأَنَّهَا وَقَصٌ (وَكَمَا لَوْ مَلَكَهُمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَمِثْلُهُ لَوْ مَلَكَ عِشْرِينَ شَاةً بَعْدَ أَرْبَعِينَ (مِنْهَا أَوْ مَلَكَ عَشْرًا مِنْ الْبَقَرِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ مِنْهَا، فَلَا شَيْءَ فِيهَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِذَا كَانَ بَعْضُ مَالِ الرَّجُلِ) أَوْ الْخُنْثَى أَوْ الْمَرْأَةِ (مُخْتَلِطًا، وَ) كَانَ (بَعْضُهُ الْآخَرُ مُنْفَرِدًا أَوْ مُخْتَلِطًا مَعَ مَالٍ لِرَجُلٍ آخَرَ فَإِنَّهُ يَصِيرُ مَالُهُ كُلُّهُ كَالْمُخْتَلِطِ، إنْ كَانَ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا، وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالُ الْخُلْطَةِ نِصَابًا (لَمْ يَثْبُتُ حُكْمُهَا) لِأَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ فِيمَا دُونَ نِصَابٍ. (وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ سِتُّونَ شَاةً) بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ، أَوْ مَحَالَّ مُتَقَارِبَةٍ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ (كُلُّ عِشْرِينَ مِنْهَا مُخْتَلِطَةٌ بِعِشْرِينَ لِآخِرِ فَعَلَى) الشُّرَكَاءِ (الْجَمِيعِ شَاةٌ، نِصْفُهَا عَلَى صَاحِبِ السِّتِّينَ) لِأَنَّ لَهُ نِصْفَ الْمَالِ (وَنِصْفُهَا عَلَى خُلَطَائِهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سُدُسُ
شَاةٍ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ عِشْرُونَ وَهِيَ سُدُسُ جَمِيعِ الْمَالِ (ضَمًّا لِمَالِ كُلِّ خَلِيطٍ إلَى مَالِ الْكُلِّ فَيَصِيرُ) جَمِيعُ الْمَالِ (كَمَالٍ وَاحِدٍ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ عَشْرٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ السِّتِّينَ (مُخْتَلِطَةً بِعَشْرٍ لِآخَرَ، فَعَلَيْهِ) أَيْ رَبِّ السِّتِّينَ (شَاةٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَى خُلَطَائِهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِطُوا فِي نِصَابٍ) فَلَمْ تُؤَثِّر الْخُلْطَةُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهَا. (وَإِذَا كَانَتْ مَاشِيَةُ الرَّجُلِ مُتَفَرِّقَةً فِي بَلَدَيْنِ فَأَكْثَرَ لَا تُقْصَرُ بَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَهِيَ كَالْمُجْتَمِعَةِ) يُضَمُّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَيُزَكِّيهَا قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ قَصْرٍ، فَلِكُلِّ مَالٍ حُكْمُ نَفْسِهِ) فَإِنْ كَانَ نِصَابًا وَجَبَتْ الزَّكَاةُ وَإِلَّا فَلَا لِجَعْلِ التَّفْرِقَةِ فِي الْبَلَدَيْنِ كَالتَّفْرِقَةِ فِي الْمِلْكَيْنِ فَلِهَذَا قَالَ: (كَمَا لَوْ كَانَا لِرَجُلَيْنِ) احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ» الْخَبَرَ وَعِنْدَنَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ أَوْ فَرَّقَ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَلِأَنَّ كُلَّ مَالٍ يَنْبَغِي تَفْرِقَتُهُ بِبَلَدِهِ فَتَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِهِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ غَيْرِ أَحْمَدَ. (وَلَا تُؤَثِّرُ تَفْرِقَةُ الْبُلْدَانِ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ (وَلَا الْخُلْطَةُ فِي غَيْرِ السَّائِمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ» لِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمَاشِيَةِ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقِلُّ بِجَمْعِهَا تَارَةً وَتَكْثُرُ أُخْرَى وَسَائِرُ الْأَمْوَالِ تَجِبُ فِيمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ بِحِسَابِهِ فَلَا أَثَرَ لِجَمْعِهَا وَلِأَنَّ خُلْطَةَ الْمَاشِيَةِ تُؤَثِّرُ نَفْعًا تَارَةً، وَضَرَرًا أُخْرَى وَغَيْرُ الْمَاشِيَةِ لَوْ أَثَّرَتْ فِيهِ الْخُلْطَةُ لَأَثَّرَتْ ضَرَرًا مَحْضًا بِرَبِّ الْمَالِ، لِعَدَمِ الْوَقَصِ فِيهَا. (وَ) يَجُوزُ (لِلسَّاعِي أَخْذُ الْفَرْضِ مِنْ مَالِ أَيِّ الْخَلِيطَيْنِ شَاءَ) لِأَنَّ الْجَمِيعَ كَالْمَالِ الْوَاحِدِ (مَعَ الْحَاجَةِ) بِأَنْ تَكُونَ الْفَرِيضَةُ عَيْنًا وَاحِدَةً، لَا يُمْكِنُ أَخْذُهَا إلَّا مِنْ أَحَدِ الْمَالَيْنِ، أَوْ يَكُونُ أَحَدُهُمَا صِغَارًا وَالْآخَرُ كِبَارًا (وَعَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ الْحَاجَةَ بِأَنْ يَجِدَ فَرْضَ كُلٍّ مِنْ الْمَالَيْنِ فِيهِ نَصَّ أَحْمَدُ لِذَلِكَ. (وَلَوْ بَعْدَ قِسْمَةٍ فِي خُلْطَةِ أَعْيَانٍ، وَقَدْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ (مَعَ بَقَاءِ النَّصِيبَيْنِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ» أَيْ إذَا أَخَذَ السَّاعِي الزَّكَاةَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا وَلِأَنَّ الْمَالَيْنِ قَدْ صَارَا كَالْمَالِ الْوَاحِدِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ، فَكَذَا فِي إخْرَاجِهَا وَعُلِمَ مِنْهُ: أَنَّهُمَا إذَا افْتَرَقَا فِي خُلْطَةِ الْأَوْصَافِ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ، لَيْسَ لِلسَّاعِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ (وَيُرْجِعَ الْمَأْخُوذَ مِنْهُ عَلَى خَلِيطِهِ) لِلْخَبَرِ (بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ يَوْمَ أُخِذَتْ)
لِزَوَالِ مِلْكِهِ إذَنْ. وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ (فَإِذَا) كَانَ الْمَالُ أَثْلَاثًا، وَ (أَخَذَ) السَّاعِي (الْفَرْضَ مِنْ مَالِ رَبِّ الثُّلُثِ رَجَعَ) رَبُّ الثُّلُثِ (بِقِيمَةِ ثُلُثَيْ الْمُخْرَجِ عَلَى شَرِيكِهِ) صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ. (وَإِنْ أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ السَّاعِي الْفَرْضَ (مِنْ الْآخَرِ) رَبِّ الثُّلُثَيْنِ (رَجَعَ) عَلَى شَرِيكِهِ (بِقِيمَةِ ثُلُثِهِ) أَيْ الْمُخْرَجِ لِأَنَّ لَهُ ثُلُثَ الْمَالِ (فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي) قَدْرِ (قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ) (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ شَرِيكِهِ (إذَا اُحْتُمِلَ صِدْقُهُ) فِيمَا ذَكَرَهُ قِيمَةً، وَإِلَّا رُدَّ، لِتَكْذِيبِ الْحِسِّ لَهُ (وَ) مَحَلِّهِ: إذَا (عُدِمَتْ الْبَيِّنَةُ) لِأَنَّهَا تَرْفَعُ النِّزَاعَ، فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمَا تَقُولُهُ. (وَإِذَا أَخَذَ السَّاعِي أَكْثَرَ مِنْ الْفَرْضِ بِلَا تَأْوِيلٍ، كَأَخْذِهِ عَنْ أَرْبَعِينَ) شَاةً، لِاثْنَيْنِ (مُخْتَلِطَةٍ: شَاتَيْنِ مِنْ مَالِ أَحَدِهِمَا، أَوْ عَنْ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا: جَذَعَةً، رَجَعَ) الْمَأْخُوذُ مِنْهُ (عَلَى خَلِيطِهِ فِي الْأُولَى) أَيْ مَسْأَلَةِ الْأَرْبَعِينَ شَاةً (بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاةٍ وَ) رَجَعَ (فِي الثَّانِيَة) أَيْ فِي مَسْأَلَةِ ثَلَاثِينَ بَعِيرًا (بِقِيمَةِ نِصْفِ بِنْتِ مَخَاضٍ وَلَمْ يَرْجِعْ) عَلَى خَلِيطِهِ (بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهَا ظُلْمٍ، فَلَا يَرْجِعُ بِهَا عَلَى غَيْرِ ظَالِمِهِ) وَخَلِيطُهُ لَمْ يَظْلِمْهُ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي ظُلْمِهِ. (وَإِذَا أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ السَّاعِي الزَّائِدَ (بِتَأْوِيلٍ، كَأَخْذِهِ صَحِيحَةً عَنْ مِرَاضٍ، أَوْ) أَخْذِهِ (كَبِيرَةً عَنْ صِغَارٍ، أَوْ) أَخْذِهِ (قِيمَةَ الْوَاجِبِ رَجَعَ) الْمَأْخُوذُ مِنْهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى خَلِيطِهِ بِحِصَّتِهِ مِمَّا أَخَذَ، لِأَنَّ السَّاعِيَ نَائِبُ الْإِمَامِ فِعْلُهُ كَفِعْلِهِ؛ وَلِهَذَا لَا يَنْقُصُ لِكَوْنِهِ مُخْتَلَفًا فِيهِ، كَمَا فِي الْحَاكِمِ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: مَا أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَيْهِ: وَجَبَ دَفْعُهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّ فِعْلَهُ فِي مَحِلِّ الِاجْتِهَادِ سَائِغٌ نَافِذٌ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِمُسَوِّغَاتِهِ. (وَيُجْزِئُ) أَخْذُ السَّاعِي الْقِيمَةَ (وَلَوْ اعْتَقَدَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ عَدَمَ الْإِجْزَاءِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ السَّاعِي نَائِبُ الْإِمَامِ، وَفِعْلُهُ كَحُكْمِهِ، فَيُرْفَعُ الْخِلَافُ (وَمَنْ بَذَلَ الْوَاجِبَ) عَلَيْهِ، خَلِيطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (لَزِمَ) السَّاعِي (قَبُولُهُ) مِنْهُ (وَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ) لِأَدَائِهِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. (وَيُجْزِئ إخْرَاجُ بَعْضِ الْخُلَطَاءِ) الزَّكَاةَ (بِدُونِ إذْنِ بَقِيَّتِهِمْ، مَعَ حُضُورِهِمْ وَغَيْبَتِهِمْ) لِأَنَّ عَقْدَ الْخُلْطَةِ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَالْإِذْنِ لِخَلِيطِهِ فِي الْإِخْرَاجِ عَنْهُ (وَالِاحْتِيَاطُ) أَنْ يَكُونَ إخْرَاجُ أَحَدِهِمْ (بِإِذْنِهِمْ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: لَا يُجْزِئُ إلَّا بِهِ كَابْنِ حَمْدَانَ. (وَمَنْ أَخْرَجَ مِنْهُمْ) أَيْ الْخُلَطَاءِ (فَوْقَ الْوَاجِبِ لَمْ يَرْجِعْ بِالزِّيَادَةِ) عَلَى خُلَطَائِهِ، لِعَدَمِ الْإِذْنِ لَفْظًا وَحُكْمًا.
باب زكاة الخارج من الأرض
تَتِمَّةٌ " إذَا أَخَذَ السَّاعِي فَرْضًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، هَلْ هُوَ عَنْ الْخَلِيطَيْنِ أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا؟ عَمَلَ كُلٌّ فِي التَّرَاجُعِ بِمَذْهَبِهِ لِأَنَّهُ لَا نَقْصَ فِيهِ، لِفِعْلِ السَّاعِي، فَعِشْرُونَ شَاةً خُلْطَةٌ بِسِتِّينَ فِيهَا رُبْعُ شَاةٍ، فَإِذَا أَخَذَ الشَّاةَ مِنْ السِّتِّينَ رَجَعَ رَبُّهَا بِرُبْعِ الشَّاةِ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْعِشْرِينَ رَجَعَ رَبُّهَا بِثَلَاثَةِ أَرْبَاعِهَا، لَا بِقِيمَتِهَا كُلِّهَا، وَلَا تَسْقُطُ زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا بِأَخْذِ السَّاعِي مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ خُلْطَةٍ بَيْنَهُمَا تَلَفَ سِتُّونَ عَقِبَ الْحَوْلِ، فَأَخَذَ نِصْفَ شَاةٍ بِنَاءً عَلَى تَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِالنِّصَابِ وَالْعَفْوِ، وَجَعَلَهُ لِلْخُلْطَةِ تَأْثِيرًا، لَزِمَهُمَا إخْرَاجُ نِصْفِ شَاةٍ ذَكَرَهُمَا فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ. [بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنْ الْأَرْضِ] ِ مِنْ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ وَمَا هُوَ فِي حُكْمِ ذَلِكَ كَعَسَلِ النَّحْلِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَالزَّكَاةُ تُسَمَّى نَفَقَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 34] وقَوْله تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ " حَقَّهُ: الزَّكَاةُ مَرَّة الْعُشْر وَمَرَّة نِصْفُ الْعُشْرِ " وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَيَأْتِي بَعْضُهُ وَأَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَكِيلٍ مُدَّخَرٍ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُهُ التَّوْسِيقُ لَيْسَ مُرَادًا مِنْ عُمُومِ الْآيَة وَالْخَبَر، وَإِلَّا لَكَانَ ذِكْرُ الْأَوْسُقِ لَغْوًا وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُدَّخَرِ لَا تَكْمُلُ فِيهِ النِّعْمَةُ لِعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ مَآلًا (مِنْ قُوتٍ) كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْأُرْزِ وَالدَّخَنِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْقُوتِ، مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ. (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ الْحُبُوبِ: كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالسُّلْتِ) بِالضَّمِّ قَالَهُ فِي الْقَامُوس (وَهُوَ
نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ لَوْنُهُ لَوْنُ الْحِنْطَةِ وَطَبْعُهُ كَالشَّعِيرِ فِي الْبُرُودَة) قَالَ فِي الْفُرُوعِ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ الْحُبُوبِ بِهِ، أَيْ بِالشَّعِيرِ فِي صُورَتِهِ (وَالذُّرَة وَالْقُطْنِيَّات) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (كُلُّهَا كَالْبَاقِلَّاءِ وَالْحِمَّصِ وَاللُّوبِيَا) يُمَدُّ وَيُقْصَرُ. (وَالْعَدَس وَالْمَاشّ وَالتُّرْمُس) بِوَزْنِ بُنْدُق قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (حَبٌّ عَرِيضٌ أَصْغَرُ مِنْ الْبَاقِلَّاءِ وَالدَّخَنُ وَالْأُرْزُ وَالْهُرْطُمَانُ) حَبٌّ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَهُوَ الْجُلُبَّانَةُ وَالْكِرْسِنَّةُ وَالْحُلْبَةُ وَالْخَشْخَاشُ وَالسِّمْسِمُ) سُمِّيَ ذَلِكَ قُطْنِيَّة مِنْ قَطَنَ يَقْطُنُ فِي الْبَيْتِ. لِأَنَّهَا تَمْكُثُ فِيهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ قَاطِنٌ بِمَكَانِ كَذَا (وَلَا يُجْزِئُ الْإِخْرَاجُ مِنْ شَيْرَجِهِ) أَيْ السِّمْسِم، كَإِخْرَاجِ قِيمَتِهِ (وَكَبِزْرِ الْبُقُولِ كُلِّهَا، كَالْهِنْدَبَا وَالْكَرَفْسِ وَالْبَصَلِ وَبِزْرِ قَطُونَا) بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الطَّاءِ، يُمَدُّ وَيُقْصَرُ. (وَنَحْوِهَا وَبِزْرُ الرَّيَاحِين جَمِيعًا وَأَبَازِيرُ الْقِدْرِ، كَالْكُزْبَرَةِ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَقَدْ تُفْتَحُ وَأَظُنُّهُ مُعَرَّبًا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَالْكَمُّون وَالْكَرَوْيا وَالشُّونِيز) يُقَال لَهُ: الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَكَذَلِكَ حَبُّ الرَّازِيَانجِ، وَهُوَ الشَّمَرُ وَالْأَنِيسُونَ وَالشَّهْدَانِجُ) بِفَتْحِ النُّونِ (وَهُوَ حَبُّ الْقُنَّب، وَالْخَرْدَلُ وَبِزْرُ الْكَتَّانِ) بِفَتْحِ الْكَافِ. (وَ) بِزِرِّ (الْقُطْنِ وَالْيَقْطِين) وَهُوَ الْقَرْعُ (وَالْقِرْطِم) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالطَّاءِ، وَضَمِّهِمَا لُغَةً: حَبُّ الْعُصْفُرِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَ) حَبُّ (الْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ وَالْبِطِّيخِ) بِأَنْوَاعِهِ. (وَ) حَبُّ (الرَّشَادِ وَالْفُجْلِ وَبِزْرُ الْبَقْلَةِ الْحَمْقَاء وَنَحْوِهِ) كَبِزْرِ الْبَاذِنْجَانِ وَالْخَسِّ وَالْجَزَرِ وَنَحْوِهِمَا. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي كُلِّ ثَمَرٍ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ) نَقَلَ صَالِحُ: مَا كَانَ يُكَالُ وَيُدَّخَرُ وَيَقَعُ فِيهِ الْقَفِيزُ فَفِيهِ الْعُشْرُ وَمَا كَانَ مِثْلَ الْخِيَارِ وَالْقِثَّاءِ وَالْبَصَلِ وَالرَّيَاحِين وَالرُّمَّان فَلَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ إلَّا أَنْ يُبَاعَ، وَيَحُولُ عَلَى ثَمَنِهِ حَوْلٌ (كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَاللَّوْزِ وَالْفُسْتُقِ وَالْبُنْدُقِ وَالسُّمَّاقِ) . وَ (لَا) تَجِبُ الزَّكَاةُ (فِي عُنَّابٍ وَزَيْتُونٍ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِإِدْخَارِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ ذُكِرَ فِي الْمُبْدِعِ. (وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَقِنَّبٍ وَزَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ وَنِيلٍ وَفُوَّةٍ وَغُبَيْرَاءَ) وَبَقَّمٍ (وَحِنَّاءٍ وَنَأْرَنْجِيلٍ) بِالْهَمْزِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ وَهُوَ جَوْزُ الْهِنْدِ، الْوَاحِدَةُ نَأْرَنْجِيلَةٌ وَشَجَرَتُهُ شَبِيهَةٌ بِالنَّخْلَةِ، لَكِنَّهَا تَمِيلُ بِصَاحِبِهَا حَتَّى تُدْنِيه مِنْ الْأَرْضِ لِينًا قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَجَوْز) نَصَّ عَلَيْهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ مَعْدُودٌ. (وَسَائِر الْفَوَاكِهِ، كَالتِّينِ وَالْمِشْمِشِ) بِكَسْرِ الْمِيمَيْنِ (وَالتُّوت الْأَظْهَر: وُجُوبُهَا فِي الْعِنَّابِ وَالتِّينِ وَالْمِشْمِش وَالتُّوت) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْفُرُوعِ وَجَزَمَ فِي الْأَحْكَامِ
فصل ما يعتبر لوجوب الزكاة
السُّلْطَانِيَّة وَالْمُسْتَوْعِب وَالْكَافِي: بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْعِنَّابِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي التِّينِ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ كَالتَّمْرِ. (وَلَا تَجِبُ فِي التُّفَّاحِ وَالْإِجَّاصِ وَالْخَوْخِ) وَيُسَمِّي الْفِرْسِكَ (وَالْكُمَّثْرَى) بِضَمِّ الْمِيم مُثْقَلَة فِي الْأَكْثَرِ الْوَاحِد كُمُّثْرَاة ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَالسَّفَرْجَلُ وَالرُّمَّانُ وَالنَّبْقُ وَالزُّعْرُورُ) يُشْبِه النَّبْق (وَالْمَوْز) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَكِيلَةً وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَامِلَ عُمَرَ كَتَبَ إلَيْهِ فِي كُرُوم فِيهَا مِنْ الْفِرْسِكِ وَالرُّمَّانِ مَا هُوَ أَكْثَرُ غَلَّةً مِنْ الْكُرُومِ أَضْعَافًا فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ " لَيْسَ فِيهَا عُشْرٌ، هِيَ مَنْ الْعِضَاه رَوَاهُ الْأَثْرَمُ. (وَلَا فِي قَصَبِ السُّكَّرِ وَالْخُضَرِ، كَبِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ وَبَاذَنْجَان) بِفَتْحِ الذَّالِ (وَلِفْتٍ) بِكَسْرِ اللَّامِ (وَهُوَ السَّلْجَمُ) بِوَزْنِ جَعْفَر (وَسَلْق وَكُرُنْب وَقَرْنَبِيط وَبَصَل وَثُوم وَكُرَّاث وَجَزَر وَفُجْل وَنَحْوِهِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» وَعَنْ عَائِشَةَ مَعْنَاهُ رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. (وَلَا فِي الْبُقُولِ كَالْهِنْدَبَا) قَالَ ابْنُ السِّكِّيت: تُفْتَحُ الدَّالُ فَتُقْصَرُ وَتُكْسَرُ فَتُمَدُّ (وَالْكَرَفْس) قَالَ فِي الْبَارِعِ وَالتَّهْذِيبِ: بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْفَاءِ. وَفِي الصِّحَاحِ: بِوَزْنِ جَعْفَر (وَالنَّعْنَاع وَالرَّشَاد وَبَقْلَة الْحَمْقَاءِ وَالْقَرَظ وَالْكُزْبَرَة وَالْجِرْجِير وَنَحْوِهِ، وَلَا فِي الْمِسْكِ وَالزَّهْرِ، كَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسِجِ وَالنَّرْجِسِ وَاللِّينُوفَرَ وَالْخِيرِيِّ، وَهُوَ الْمَنْثُور وَنَحْوِهِ) كَالزِّنْبَقِ (وَلَا فِي طَلْعِ الْفُحَّالِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ ثَانِيهِ - وَهُوَ ذَكَرُ النَّخْلِ وَلَا فِي السَّعَفِ، وَهُوَ أَغْصَانُ النَّخْلِ) أَيْ جِرِيدُ النَّخْلِ الَّذِي لَمْ يُجَرَّدْ عَنْهُ خُوصُهُ، فَإِنْ جُرِّدَ خُوصُهُ عَنْهُ فَجَرِيدٌ (وَلَا فِي الْخُوصِ وَهُوَ وَرَقُهُ) أَيْ وَرَقُ السَّعَفِ (وَلَا فِي قُشُورِ الْحَبِّ وَالتِّينِ وَالْحَطَبِ وَالْخَشَبِ وَأَغْصَانِ الْخِلَاف وَوَرَق التُّوت وَالْكَلَأ وَالْقَصَب الْفَارِسِيّ وَلَبَن الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ (وَكَذَا الْحَرِيرُ وَدُودُ الْقَزِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَلَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ. (وَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِي صَعْتَرٍ وَأُشْنَانٍ وَحَبِّ ذَلِكَ وَكُلِّ وَرَقٍ مَقْصُودٍ، كَوَرَقِ سِدْرٍ وَخِطْمِيٍّ وَآسِي وَهُوَ الْمَرْسِينُ) لِأَنَّهُ نَبَاتٌ مَكِيلٌ مُدَّخَرٌ. [فَصْل مَا يُعْتَبَرُ لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ] (فَصْل وَيُعْتَبَرُ لِوُجُوبِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ (شَرْطَانِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا قَدْرُهُ بَعْدَ
التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ وَ) بَعْد (الْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ) وَالْوَرَق (خَمْسَة أَوْسُقٍ) (فَلَا تَجِبُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِم فَتَقْدِيرُهُ بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِهِ وَاعْتُبِرَ كَوْنُ النِّصَابِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ فِي الْحُبُوبِ لِأَنَّهُ حَالُ الْكَمَالِ وَالِادِّخَارِ، وَالْجَفَافِ فِي الثِّمَارِ وَالْوَرَقِ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ التَّجْفِيفِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ عِنْده. فَلَوْ كَانَ عَشْرَةَ أَوْسُقٍ عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَبِيبًا، لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ الْحَوْلُ هُنَا، لِتَكَامُلِ النَّمَاءِ عِنْدَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ. (وَالْوَسْقُ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا (سِتُّونَ صَاعًا) حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَرَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا» وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ نَحْوه رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُث) رِطْل (بِالْعِرَاقِيِّ؛ فَيَكُونُ النِّصَابُ فِي الْكُلِّ) مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَالْأَوْرَاقِ (أَلْفًا وَسِتّمِائَة رِطْلٍ عِرَاقِيٍّ، وَهُوَ) أَيْ النِّصَابُ (أَلْف وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاع رَطْلٍ مِصْرِيٍّ، وَمَا وَافَقَهُ) كَالْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ. (وَ) النِّصَابُ (ثَلَاثُمِائَةٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ دِمَشْقِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي الزِّنَةِ. (وَ) النِّصَابُ (مِائَتَانِ وَخَمْسَةُ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ حَلَبِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) الزِّنَة كَالْحِمْصِيِّ (وَمِائَتَانِ وَسَبْعَةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَسُبْعُ رِطْلٍ قُدْسِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) كَالنَّابُلُسِيِّ (وَمِائَتَانِ وَثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بَعْلِيٍّ وَمَا وَافَقَهُ) فِي وَزْنِهِ. " فَائِدَة " الْإِرْدَبُ كَيْلٌ مَعْرُوفٌ بِمِصْرَ وَهُوَ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ مَنَا وَذَلِكَ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ صَاعًا بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ: وَالْجَمْعُ الْأَرَادِب، قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ، وَلَعَلَّ هَذَا بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ أَوَّلًا، وَالْآنَ الْإِرْدَبُّ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رُبْعًا، وَالرُّبُعُ أَرْبَعَةُ أَقْدَاحٍ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَالصَّاعُ قَدَحَانِ اهـ فَالْإِرْدَبُ ثَمَان وَأَرْبَعُونَ صَاعًا، فَيَكُونُ النِّصَابُ سِتَّةَ أَرَادِب وَرُبْعٍ تَقْرِيبًا وَقَالَ الشَّمْسُ الْعَلْقَمِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الصَّاعُ قَدَحَانِ إلَّا سُبْعَيْ مُدٍّ، بِالْقَدَحِ الْمِصْرِيِّ (وَالْوَسْقُ وَالصَّاعُ وَالْمُدُّ: مَكَايِيل نُقِلَتْ إلَى الْوَزْنِ) أَيْ قُدِّرَتْ بِالْوَزْنِ (لِتُحْفَظَ) فَلَا يُزَادُ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا (وَتُنْقَلُ) مِنْ الْحِجَازِ إلَى غَيْرِهِ، وَلَيْسَتْ، صَنْجًا. (وَالْمَكِيلُ يَخْتَلِفُ فِي الْوَزْنِ فَمِنْهُ ثَقِيلٌ) كَتَمْرٍ وَأُرْزٍ وَمِنْهُ (مُتَوَسِّطٌ كَبُرٍّ وَعَدَسٍ وَ) مِنْهُ
(خَفِيفٌ، كَشَعِيرٍ وَذُرَةٍ) وَأَكْثَرُ التَّمْرِ أَخَفُّ مِنْ الْحِنْطَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُكَالُ شَرْعًا لِأَنَّ ذَلِكَ عَلَى هَيْئَةٍ غَيْر مَكْبُوسٍ (فَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ الْمَكِيلَاتِ (بِالْمُتَوَسِّطِ نَصًّا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَنَصَّ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الصَّاعَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلْث بِالْحِنْطَةِ، أَيْ بِالرَّزِينِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَهُوَ الَّذِي يُسَاوِي الْعَدَسَ فِي وَزْنِهِ. (وَمِثْل مَكِيلِهِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُتَوَسِّطِ وَهُوَ الثَّقِيلُ وَالْخَفِيفُ " (وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) الْمَكِيلُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَوَسِّطِ (الْوَزْنَ) الْمَذْكُورَ لِخِفَّتِهِ (نَصًّا) فَالْمُعْتَبَر: بُلُوغُهُ نِصَابًا بِالْكَيْلِ، دُونَ الْوَزْنِ (فَمَنْ اتَّخَذَ وِعَاءً يَسَعُ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلْثًا عِرَاقِيَّةً مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ) أَيْ رَزِينِهِ (ثُمَّ كَالَ بِهِ مَا شَاءَ) مِنْ ثَقِيلٍ وَخَفِيفٍ (عَرَفَ) بِهِ (مَا بَلَغَ حَدَّ الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِهِ) الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ نِصَابًا. (فَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِ قَدْرِ النِّصَابِ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُقَدِّرُهُ) أَيْ الْمَكِيلُ (بِهِ، احْتَاطَ وَأَخْرَج) الزَّكَاةَ لِيُخْرِجَ مِنْ عُهْدَتِهَا (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ الْإِخْرَاج إذَنْ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فَلَا يَثْبُتُ بِالشَّكِّ. (وَنِصَاب عَلْس) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَفَتْحِهَا (وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَ) نِصَابُ (أُرْزٍ يُدَّخَرَانِ) أَيْ الْعَلْسُ وَالْأُرْزُ (فِي قِشْرَيْهِمَا عَادَةً لِحِفْظِهِمَا) لِأَنَّهُمَا إذَا خَرَجَا مِنْ قِشْرِهِمَا لَا يَبْقَيَانِ بَقَاءَهُمَا فِي الْقِشْرِ (عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، إذَا كَانَ) الْعَلْسُ أَوْ الْأُرْزُ (بِبَلَدٍ قَدْ خَبِرَهُ) أَيْ امْتَحَنَهُ وَجَرَّبَهُ (أَهْلُهُ وَعَرَفُوا أَنَّهُ يَخْرُج مِنْهُ مُصَفَّى النِّصْف) عَمَلًا بِالْعَادَةِ (لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ فِي الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ فَيَرْجِعُ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ) بِذَلِكَ. (وَيُؤْخَذُ بِقَدْرِهِ) لِلْحَاجَةِ (وَإِنْ صُفِّيَا، فَنِصَابُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) كَسَائِرِ الْحُبُوبِ (فَإِنْ شَكَّ فِي بُلُوغِهِمَا نِصَابًا) وَهُمَا فِي قِشْرِهِمَا، لِعَدَمِ انْضِبَاطِ الْعَادَةِ (خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَحْتَاطَ وَيُخْرِجُ عُشْرَهُ قَبْل قَشْرِهِ، وَبَيْنَ قِشْرِهِ وَاعْتِبَارِهِ بِنَفْسِهِ كَمَغْشُوشِ أَثْمَانٍ) حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ. (وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيرُ غَيْرِهِ) أَيْ الْعَلْس (مِنْ الْحِنْطَةِ فِي قِشْرِهِ، وَلَا إخْرَاجُهُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ) لِأَنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِهِ وَلَمْ تَدْعُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ قَدْرُ مَا تَخْرُجُ مِنْهُ. (وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ الْعَامِ الْوَاحِدِ) إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ، وَلَوْ اخْتَلَفَ النَّوْعُ (وَ) يُضَمُّ (زَرْعُهُ) أَيْ زَرْعُ الْعَامِ الْوَاحِدِ (بَعْضُهَا) أَيْ الثَّمَرَةِ (إلَى بَعْضٍ) فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَبَعْضُ الزَّرْعِ إلَى بَعْضٍ (فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) إذَا اتَّحَدَ الْجِنْسُ (وَلَوْ اخْتَلَفَ وَقْتُ إطْلَاعِهِ، وَ) وَقْتُ (إدْرَاكِهِ بِالْفُصُولِ) كَمَا لَوْ اتَّحَدَ لِأَنَّهُ عَامٌ وَاحِدٌ (وَسَوَاء تَعَدَّدَ الْبَلَدُ أَوْ لَا) نَصَّ عَلَيْهِ فَيَأْخُذَ عَامِلُ الْبَلَدِ حِصَّتَهُ مِنْ الْوَاجِبِ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ (فَإِنْ كَانَ لَهُ نَخْلٌ تَحْمِلُ فِي السَّنَةِ حَمْلَيْنِ ضَمَّ أَحَدَهُمَا
إلَى الْآخَرِ) لِأَنَّهَا ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ، فَضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ (كَزَرْعِ الْعَامِ الْوَاحِدِ) وَكَالذُّرَةِ الَّتِي تَنْبُتُ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْحِمْلَ الثَّانِي يُضَمُّ إلَى الْحِمْلِ الْمُنْفَرِدِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ حَمْلٌ أَوَّلٌ فَكَذَلِكَ إذَا كَانَ لِأَنَّ وُجُودَ الْحَمْلِ الْأَوَّلِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا، بِدَلِيلِ حِمْلِ الذُّرَةِ وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ انْفِصَالِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ. وَفِي الْمُبْدِعِ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَامِ هُنَا: اثْنَيْ عَشْرَ شَهْرًا، بَلْ وَقْتَ اسْتِغْلَالِ الْمُغَلِّ مِنْ الْعَامِ عُرْفًا وَأَكْثَرُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ بِقَدْرِ فَصْلَيْنِ. (وَلَا تُضَمُّ ثَمَرَةُ عَامٍ وَاحِدٍ وَلَا زَرْعُهُ) أَيْ زَرْعُ عَامٍ (إلَى) ثَمَرَةِ عَامٍ (آخَر) لِانْفِصَالِ الثَّانِي عَنْ الْأَوَّلِ (وَتُضَمُّ أَنْوَاعُ الْجِنْسِ) مِنْ حُبُوبٍ أَوْ ثِمَارٍ مِنْ عَامٍ وَاحِدٍ (بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) كَأَنْوَاعِ الْمَاشِيَةِ وَالنَّقْدَيْنِ (فَالسُّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ، فَيُضَمُّ إلَيْهِ وَالْعَلَسُ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ: فَيُضَمُّ إلَيْهَا) وَكَذَا سَائِرُ أَنْوَاعِ جِنْسٍ (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ) كَبُرٍّ إلَى شَعِيرٍ، أَوْ دُخْنٍ أَوْ ذُرَةٍ أَوْ عَدَسٍ وَنَحْوِهِ، لِأَنَّهَا أَجْنَاسٌ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا فَلَمْ يُضَمَّ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ (كَأَجْنَاسِ الثِّمَارِ، وَ) أَجْنَاسِ (الْمَاشِيَةِ) وَيَصِحُّ الْقِيَاسُ عَلَى ضَمِّ الْعَلَسِ إلَى الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا وَإِذَا انْقَطَعَ الْقِيَاسُ لَمْ يَجُزْ إيجَابُ الزَّكَاةِ بِالتَّحَكُّمِ (وَلَا) تُضَمُّ (الْأَثْمَانُ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْحُبُوبِ أَوْ الثِّمَارِ أَوْ الْمَاشِيَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا إلَى عُرُوضِ التِّجَارَةِ) فَتُضَمُّ الْأَثْمَانُ إلَى قِيمَتِهَا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي الْبَابِ بَعْدَهُ) . الشَّرْطُ (الثَّانِي) لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ) أَيْ لِلْحُرِّ الْمُسْلِمِ. (وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ) فِيهِ وَهُوَ وَقْتُ اشْتِدَادِ الْحَبِّ وَبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهُ. (فَتَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا نَبَتَ بِنَفْسِهِ مِمَّا يَزْرَعُهُ الْآدَمِيُّ كَمَنْ سَقَطَ لَهُ حَبٌّ فِي أَرْضِهِ أَوْ أَرْضٍ مُبَاحَةٍ) فَنَبَتَ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَفِعْلُ الزَّرْعِ لَيْسَ شَرْطًا. (وَلَا تَجِبُ) الزَّكَاةُ (فِيمَا يَكْتَسِبهُ اللَّقَّاطُ، أَوْ يُوهَبُ لَهُ) بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، أَوْ يَشْتَرِيه وَنَحْوه بَعْدَ ذَلِكَ (أَوْ يَأْخُذُهُ) الْحَصَّادُ وَنَحْوه (أُجْرَةً لِحَصَادِهِ وَدِيَاسِهِ وَنَحْوِهِ) كَأُجْرَةِ تَصْفِيَةٍ أَوْ نِطَارَتِهِ. (وَلَا فِيمَا يَمْلِكُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرَةٍ بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ بِشِرَاءٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ غَيْرِهِمَا) كَصَدَاقٍ وَعِوَضِ خَلْعٍ وَإِجَارَةٍ وَعِوَضِ صُلْحٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالِكًا لَهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ الْعَسَلِ، لِلْأَثَرِ. (وَلَا) زَكَاةَ (فِيمَا يَجْتَنِيه مِنْ مُبَاحٍ كَبُطْمٍ وَزَعْبَلٍ) بِوَزْنِ جَعْفَر (وَهُوَ شَعِيرُ الْجَبَلِ، وَبِزْرُ قَطْونَا وَكُزْبَرَة وَعَفْص وَأُشْنَان وَسُمَاق وَنَحْوه) كَبِزْرِ النَّمَّامِ وَالْحَبَّة الْحَمْقَاء (سَوَاء أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ أَوْ نَبَتَ فِي أَرْضِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَك إلَّا بِأَخْذِهِ) فَلَمْ يَكُنْ وَقْتُ الْوُجُوبِ فِي مِلْكِهِ.
فصل يجب العشر فيما سقي بغير مؤنة
[فَصْلٌ يَجِبُ الْعُشْرُ فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ] فَصْلٌ وَيَجِبُ الْعُشْرُ وَهُوَ (وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ) إجْمَاعًا (فِيمَا سُقِيَ بِغَيْرِ مُؤْنَةٍ) أَيْ كُلْفَةٍ (كَالْغَيْثِ، وَهُوَ الْمَطَرُ، وَ) ك (السُّيُوحِ) جَمْعُ سَيْحٍ وَهُوَ الْمَاءُ الْجَارِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (كَالْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي) الَّتِي يَجْرِي فِيهَا الْمَاءُ مِنْ الْأَنْهَارِ بِلَا آلَةٍ (وَمَا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، وَهُوَ الْبَعْلُ وَلَا يُؤَثِّر) مُؤْنَةُ (حَفْرِ الْأَنْهَارِ) وَحَفْرِ (السَّوَاقِي) فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ إحْيَاءِ الْأَرْضِ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ. (وَ) لَا تُؤَثِّرُ أَيْضًا مُؤْنَةُ (تَنْقِيَتِهَا) أَيْ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي (وَ) لَا مُؤْنَةُ (سَقْيٍ) أَيْ مَنْ يَسْقِي بِمَاءِ الْأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي (فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ، لِقِلَّةِ الْمُؤْنَةِ وَكَذَا مَنْ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي السَّوَاقِي لِأَنَّهُ كَحَرْثِ الْأَرْضِ) وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ حَتَّى فِي السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ. (وَإِنْ اشْتَرَى مَاءَ بِرْكَةٍ أَوْ حَفِيرَةٍ وَسَقَى بِهِ سَيْحًا فَ) الْوَاجِبُ (الْعُشْرُ وَكَذَا إنْ جَمَعَهُ وَسَقَى بِهِ) سَيْحًا فَيَجِبُ الْعُشْرُ، لِنُدْرَةِ هَذِهِ الْمُؤْنَةِ وَهِيَ فِي مِلْكِ الْمَاءِ لَهُ لَا فِي السَّقْيِ بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ يَجْرِي مِنْ النَّهْرِ فِي سَاقِيَةٍ إلَى الْأَرْضِ، وَيَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَرِيبٍ مِنْ وَجْهِهَا، إلَّا أَنَّهُ يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ: إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ دُولَابٍ فَهُوَ مِنْ الْكُلْفَةِ الْمُسْقِطَةِ لِنِصْفِ الْعُشْرِ. (وَيَجِبُ نِصْفُ الْعُشْرِ فِيمَا سُقِيَ بِكُلْفَةٍ، كَالدَّوَالِي جَمْعُ دَالِيَةٍ، وَهِيَ الدُّولَابُ تُدِيرُهُ الْبَقَرُ) وَيُسَمُّونَهَا بِمِصْرَ سَاقِيَةً (وَالنَّاعُورَةُ يُدِيرُهَا الْمَاءُ وَالسَّانِيَةُ) بِالنُّونِ. (وَ) هِيَ (النَّوَاضِحُ وَاحِدُهَا: نَاضِحٌ وَنَاضِحَةٌ، وَهُمَا الْبَعِيرُ يُسْتَقَى عَلَيْهِ وَمَا يَحْتَاجُ فِي تَرْقِيَةِ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ) أَيْ رَفْعِهِ إلَيْهَا (إلَى آلَةٍ مِنْ غَرْبٍ أَوْ غَيْرِهِ) فَكُلُّ ذَلِكَ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عُثْرِيًّا: الْعُشْرُ وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ سُمِّيَ عُثْرِيًّا: لِأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ فِي مَجْرَى الْمَاءِ عَاثُورًا فَإِذَا صَدَمَهُ الْمَاءُ تَرَادَّ، فَدَخَلَ تِلْكَ الْمَجَارِي فَتَسْقِيه وَلِأَنَّ لِلْكُلْفَةِ تَأْثِيرًا فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ فِي الْمَعْلُوفَةِ فَفِي تَخْفِيفِهَا أَوْلَى. (وَقَالَ الشَّيْخُ وَمَا يُدِيرُهُ الْمَاءُ مِنْ النَّوَاعِيرِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُصْنَعُ مِنْ الْعَامِ إلَى الْعَامِ، أَوْ) يُصْنَعُ (فِي أَثْنَاءِ الْعَامِ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى دُولَابٍ تُدِيرُهُ الدَّوَابُّ: يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ خَفِيفَةٌ فَهِيَ كَحَرْثِ الْأَرْضِ وَإِصْلَاحِ طُرُقِ الْمَاءِ) فَلَا يُؤَثِّرُ فِي نَقْصِ الزَّكَاةِ.
تَتِمَّةٌ " إذَا سُقِيَتْ أَرْضُ الْعُشْرِ بِمَاءِ الْخَرَاجِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهَا خَرَاجٌ، أَوْ عَكْسُهُ، لَمْ يَسْقُطْ خَرَاجُهَا وَلَا يُمْنَعُ مِنْ سَقْيِ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَاءِ الْأُخْرَى نَصَّ عَلَى ذَلِكَ (فَإِنْ سَقَى بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ كُلْفَةٍ سَوَاء) بِأَنْ سَقَى نِصْفَ السَّنَةِ بِهَذَا وَنِصْفَهَا بِهَذَا (وَجَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوْ وُجِدَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ لَأَوْجَبَ مُقْتَضَاهُ فَإِذَا وُجِدَ فِي نِصْفِهِ أَوْجَبَ نِصْفه (فَإِنْ سَقَى بِأَحَدِهِمَا أَكْثَر) مِنْ الْآخَرِ (اعْتَبَرَ أَكْثَرَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ قَدْرِ مَا يَسْقِي بِهِ فِي كُلِّ وَقْتٍ يَشُقُّ فَاعْتُبِرَ الْأَكْثَرُ كَالصَّوْمِ (فَإِنْ جَهِلَ الْمِقْدَارَ) أَيْ مِقْدَارَ السَّقْيِ، فَلَمْ يَعْلَمْ: هَلْ سَقَى سَيْحًا أَكْثَر أَوْ بِكُلْفَةٍ أَكْثَر؟ أَوْ جَهِلَ أَكْثَرَهُمَا نَفْعًا وَنُمُوًّا؟ (وَجَبَ الْعُشْرُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُهُ كَامِلًا، وَلِأَنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ بِيَقِينِ (وَالِاعْتِبَارُ بِالْأَكْثَرِ) مِنْ السَّقْيِ بِكُلْفَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا (نَفْعًا وَنُمُوًّا) نَصًّا وَ (لَا) اعْتِبَارَ (بِالْعَدَدِ وَالْمُدَّةِ) أَيْ عَدَدِ السَّقْيَاتِ وَمُدَّةِ السَّقْيِ. (وَمَنْ لَهُ حَائِطَانِ) أَيْ بُسْتَانَانِ (أَوْ) لَهُ (أَرْضَانِ، ضُمَّا) أَيْ الْحَائِطَانِ أَوْ الْأَرْضُ، أَيْ ضُمَّتْ ثِمَارُهُمَا وَزُرُوعُهُمَا بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ، مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَالْعَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ (فِي) تَكْمِيلِ (النِّصَابِ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ فِي سَقْيِهِ بِمُؤْنَةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا) فَيُخْرِجُ مِمَّا يُشْرَبُ بِمُؤْنَةٍ نِصْفَ عُشْرِهِ، وَمِمَّا يُشْرَبُ بِغَيْرِهَا: عُشْرَهُ (وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ فِيمَا سَقَى بِهِ بِلَا يَمِينٍ) لِأَنَّ النَّاسَ لَا يُسْتَحْلَفُونَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَدِّ. (وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، فَ) بُدُوّ الصَّلَاحِ (فِي فُسْتُقٍ وَبُنْدُقٍ وَنَحْوِهِ) كَلَوْزٍ (انْعِقَادُ لُبِّهِ، وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ مِنْ الثِّمَارِ كَالتَّمْرِ وَالْعِنَبِ (كَبَيْعٍ) أَيْ ظُهُورُ نُضْجِهِ وَطِيبُ أَكْلِهِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ. (وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِلْأَكْلِ وَالِاقْتِيَاتِ كَالْيَابِسِ، وَلِأَنَّهُ وَقْتُ خَرْصِ الثَّمَرَةِ لِحِفْظِ الزَّكَاةِ وَمَعْرِفَةِ قَدْرِهَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَتْلَفَهُ لَزِمَتْهُ زَكَاتُهُ وَلَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْخَرْصِ وَبَعْدَهُ، فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ، دُونَ الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ (فَإِنْ قَطَعَهَا) أَيْ الثَّمَرَةَ (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَأَكْلٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ تَخْفِيفٍ) أَصْلُهَا (أَوْ تَحْسِين بَقِيَّتهَا؛ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) أَيْ الْمَقْطُوعِ قَبْلَ بُدُوّ صَلَاحِهِ، كَمَا لَوْ أَكَلَ السَّائِمَةَ أَوْ بَاعَهَا قَبْلَ الْحَوْلِ. (وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ الْقَطْعَ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ (فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ، أَثِمَ وَلَزِمَتْهُ) الزَّكَاةُ لِتَفْوِيتِهِ الْوَاجِبَ بَعْد انْعِقَادِ سَبَبِهِ، أَشْبَهَ الْقَاتِل وَالْمُطَلِّق ثَلَاثًا فِي
مَرَضِ مَوْتِهِ. (وَلَوْ بَاعَهُ) بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ (أَوْ وَهَبَهُ خَرَصَ أَمْ لَا فَزَكَاتُهُ عَلَيْهِ) أَيْ الْبَائِعِ أَوْ الْوَاهِبِ، كَمَا لَوْ بَاعَ السَّائِمَةَ بَعْدَ الْحَوْلِ. (وَلَا) تَجِبُ زَكَاتُهُ (عَلَى الْمُشْتَرِي وَ) لَا (الْمَوْهُوبِ لَهُ) لِعَدَمِ مِلْكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ. (وَلَوْ مَاتَ) مَالِكُ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ بَعْدَ الِاشْتِدَادِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ (وَلَهُ وَرَثَةٌ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نِصَابًا، لَمْ يُؤَثِّر ذَلِكَ) فِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ كَمَوْتِ رَبِّ الْمَاشِيَةِ بَعْد الْحَوْلِ. (وَلَوْ وَرِثَهُ) أَيْ الْحَبَّ الْمُشْتَدَّ أَوْ الثَّمَرَ، بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ (مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَمْنَعْ دَيْنُهُ الزَّكَاةَ) لِأَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُوَرِّثِ قَبْلَ مَوْتِهِ فَتُؤْخَذُ تَرِكَتُهُ، لَا عَلَى الْوَارِثِ الْمَدِينِ. (وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْبَيْعِ أَوْ الْهِبَةِ أَوْ مَوْتِ الْمَالِكِ عَمَّنْ لَمْ تَبْلُغْ حِصَّةُ وَاحِدٍ مِنْ وَرَثَتِهِ نِصَابًا، أَوْ عَنْ مَدِينٍ (قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَ) قَبْلَ (اشْتِدَادِ الْحَبِّ انْعَكَسَتْ الْأَحْكَامُ) فَتَكُونُ الزَّكَاةُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَوْهُوبِ لَهُ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ وَتَسْقُطُ فِي مَسْأَلَتَيْ الْمَوْتِ. (وَلَوْ بَاعَهُ) أَيْ الْحَبَّ الْمُشْتَدَّ أَوْ الثَّمَرَ بَعْد بُدُوِّ صَلَاحِهِ (وَشَرَطَ) الْبَائِعُ (الزَّكَاةَ عَلَى الْمُشْتَرِي صَحَّ) الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ، لِلْعِلْمِ بِالزَّكَاةِ فَكَأَنَّهُ اسْتَثْنَى قَدْرَهَا، وَوَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِهِ (فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْهَا الْمُشْتَرِي وَتَعَذَّرَ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ أُلْزِمَ بِهَا الْبَائِعُ) لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ. (وَيُفَارِقُ إذَا اسْتَثْنَى) زَكَاةَ (نِصَابِ مَاشِيَةٍ) فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ، بَلْ يَبْطُلُ الْبَيْعُ (لِلْجَهَالَةِ) بِالْمُسْتَثْنَى وَاسْتِثْنَاءُ الْمَجْهُولِ مِنْ الْمَعْلُومِ يُصَيِّرُهُ مَجْهُولًا (أَوْ اشْتَرَى مَا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ) مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ (بِأَصْلِهِ) الَّذِي هُوَ أَرْضُهُ، أَوْ شَجَرُهُ فَإِنَّهُ (لَا يَجُوزُ شَرْطُ الْمُشْتَرِي زَكَاتَهُ عَلَى الْبَائِعِ) لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْغَرَضِ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ. (وَلَا يَسْتَقِرُّ الْوُجُوبُ إلَّا بِجَعْلِهَا) أَيْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (فِي جَرِينٍ وَبَيْدَرٍ وَمِسْطَاحٍ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْجَرِينُ يَكُونُ بِمِصْرَ وَالْعِرَاق وَالْبَيْدَرُ بِالشَّرْقِ وَالشَّامِ وَالْمِرْبَدُ يَكُونُ بِالْحِجَازِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُجْمَعُ فِيهِ الثَّمَرَةُ لِيَتَكَامَلَ جَفَافُهَا وَالْجُوجَانُ: يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ، وَهُوَ مَوْضِعُ تَشْمِيسِهَا وَتَيْبِيسِهَا ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا وَيُسَمَّى بِلُغَةِ آخَرِينَ الْمِسْطَاحِ وَبِلُغَةِ آخَرِينَ: الطِّبَابَةُ اهـ فَدَلَّ أَنَّ مُسَمَّى الْجَمِيعِ وَاحِدٌ (فَإِنْ تَلِفَتْ) الْحُبُوبُ أَوْ الثِّمَارُ الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا (قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَضْعِ بِالْجَرِينِ وَنَحْوِهِ (بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ، خُرِصَتْ) الثَّمَرَةُ (أَوْ لَمْ تُخْرَصْ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ مَا لَا تَثْبُتُ الْيَدُ عَلَيْهِ، بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى ثَمَرَةً فَذَهَبَتْ بِعَطَشٍ أَصَابَهَا وَنَحْوِهِ رُجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِهَا وَالْخَرْصُ لَا يُوجِبُ وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي لِيَتَمَكَّنَ الْمَالِكُ
مِنْ التَّصَرُّفِ فَوَجَبَ سُقُوطُ الزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِهِ، كَعَدَمِهِ. (وَإِنْ تَلِفَ الْبَعْضُ) مِنْ الزَّرْعِ أَوْ الثَّمَرِ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ (زَكَّى) الْمَالِكُ (الْبَاقِي إنْ كَانَ نِصَابًا) لِوُجُودِ الشَّرْطِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبَاقِي نِصَابًا (فَلَا) زَكَاةَ فِيهِ قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: فِي الْأَصَحِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» وَهَذَا يَعُمُّ حَالَةَ الْوُجُوبِ وَلُزُوم الْأَدَاءِ اهـ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمَذْهَبِ: إنْ كَانَ التَّلَفُ قَبْلَ الْوُجُوبِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَاضِي، وَإِنْ كَانَ بَعْده وَجَبَ فِي الْبَاقِي بِقَدْرِهِ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْنِ، ذَكَرَهُمَا ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الزُّرُوعُ أَوْ الثِّمَارُ (بَعْدَ الِاسْتِقْرَارِ) أَيْ الْوَضْعِ فِي الْجَرِين وَنَحْوِهِ (لَمْ تَسْقُطْ) زَكَاتُهَا، كَتَلَفِ النِّصَابِ بَعْدَ الْحَوْلِ، وَكَذَا لَوْ أَتْلَفَهَا أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ بَعْدَ الْوُجُوبِ، وَلَوْ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ أَوْ مُفَرِّطٌ. (وَإِنْ ادَّعَى) رَبُّ الزُّرُوعِ أَوْ الثِّمَارِ (تَلَفَهَا) بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ (قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهِ، كَالصَّلَاةِ (وَلَوْ اُتُّهِمَ) فِي دَعْوَاهُ - التَّلَف - (إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ) أَيْ التَّلَفَ (بِجَائِحَةٍ ظَاهِرَةٍ تَظْهَرُ عَادَةً) كَحَرِيقٍ وَجَرَادٍ (فَلَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِوُجُودِ ذَلِكَ الظَّاهِرِ (ثُمَّ يُصَدَّقُ) الْمَالِكُ (فِي قَدْرِ التَّالِفِ) مِنْ الْمَالِ الْمُزَكَّى بِلَا يَمِينٍ. (وَيَجِبُ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْحَبِّ مُصَفًّى) مِنْ قِشْرِهِ وَتِبْنِهِ (وَالثَّمَر يَابِسًا) لِحَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَنْ يُخْرَصَ الْعِنَبُ زَبِيبًا، كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلُ وَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤْخَذُ زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا» وَلَا يُسَمَّى زَبِيبًا وَتَمْرًا حَقِيقَةً إلَّا الْيَابِسُ وَقِيسَ عَلَيْهِمَا الْبَاقِي وَلِأَنَّ ذَلِكَ حَالَةُ كَمَالِهِ، وَنِهَايَةُ صِفَاتِ ادِّخَارِهِ وَوَقْتُ لُزُومِ الْإِخْرَاجِ مِنْهُ (فَلَوْ خَالَفَ وَأَخْرَجَ سُنْبُلًا وَرُطَبًا وَعِنَبًا لَمْ يُجْزِئْهُ) إخْرَاجُهُ. (وَوَقَعَ نَفْلًا) إنْ كَانَ الْإِخْرَاجُ لِلْفُقَرَاءِ (فَلَوْ كَانَ الْآخِذُ) لِذَلِكَ (السَّاعِي، فَإِنْ جَفَّفَهُ) أَيْ الرُّطَبَ وَالْعِنَبَ (وَصَفَّاهُ) أَيْ السُّنْبُلَ (وَجَاءَ قَدْرُ الْوَاجِبِ) فِي الزَّكَاةِ (أَجْزَأَ) الْمَالِكُ. (وَإِلَّا) بِأَنْ زَادَ عَلَى الْوَاجِبِ أَوْ نَقَصَ عَنْهُ (رَدَّ) لِلسَّاعِي (الْفَضْلَ) لِمَالِكِهِ لِبَقَائِهِ فِي مِلْكِهِ (إنْ زَادَ) مَا كَانَ دَفَعَهُ (وَأَخَذَ) السَّاعِي مِنْ الْمَالِكِ (النَّقْصَ) أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ الْوَاجِبِ (إنْ نَقَصَ) الْمُخْرَجُ عَنْهُ. (وَإِنْ كَانَ) الْمُخْرَجُ (بِحَالِهِ) بِيَدِ السَّاعِي لَمْ يُجَفِّفْهُ وَلَمْ يُصَفِّهِ (رَدَّهُ) لِمَالِكِهِ، لِفَسَادِ الْقَبْضِ وَيُطَالِبهُ بِالْوَاجِبِ (وَإِنْ
تَلِفَ) بِيَدِ السَّاعِي (رَدَّ بَدَلَهُ) لِمَالِكِهِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى السَّاعِي. (وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى قَطْعِ ثَمَرٍ وَزَبِيبٍ، مِثْلَ بَعْدِ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَقَبْلَ كَمَالِهِ) أَيْ الثَّمَرِ وَقَوْله (لِضَعْفِ أَصْلٍ وَنَحْوه، كَخَوْفِ عَطَشٍ أَوْ تَحْسِينِ بَقِيَّتِهِ) عِلَةً لَاحْتِيجَ (جَازَ) قَطْعُهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ (وَعَلَيْهِ زَكَاتُهُ يَابِسًا) إنْ بَلَغَ نِصَابًا يَابِسًا (كَمَا لَوْ قُطِعَ لِغَرَضِ الْبَيْعِ بَعْد خَرْصِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يُخْرَصُ الْعِنَبُ فَتُؤْخَذُ زَكَاتُهُ زَبِيبًا» وَلِأَنَّهُ حَالَ الْكَمَالِ فَاعْتُبِرَ. (وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ مَعَ حُضُورِ سَاعٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إنْ كَانَ (إلَّا بِإِذْنِهِ) لِحَقِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا وَكَوْنُ السَّاعِي كَالْوَكِيلِ عَنْهُمْ قُلْت: قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَتَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ، لَا كَتَعَلُّقِ شَرِكَةٍ فَلَا يَتِمُّ التَّعْلِيلُ. (وَإِنْ كَانَ) الثَّمَرُ (رُطَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ) كَانَ (عِنَبًا لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ وَجَبَ قَطْعُهُ) رُطَبًا وَعِنَبًا، لِمَا فِي تَرْكِهِ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (وَفِيهِ الزَّكَاةُ إنْ بَلَغَ نِصَابًا يَابِسًا) بِالْخَرْصِ فَيُخْرِجُ زَكَاتُهُ (مِنْ غَيْرِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا مُقَدَّرًا بِغَيْرِهِ) مِمَّا يَصِيرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا (ا) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِقَطْعِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ (فَمُسْتَحِيلٌ) عَادَةً (أَنْ يُخْرِجَ مِنْ عَيْنِهِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إذْ لَمْ يَجِئْ مِنْهُ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ) بِحَسَبِ الْعَادَةِ (أَوْ يُخْرِجَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا قَطَعَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى قَطْعِهِ أَوْ لِوُجُوبِهِ (رُطَبًا وَعِنَبًا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ) مِنْهُمْ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ مُوَاسَاةً، وَلَا مُوَاسَاةَ بِإِلْزَامِهِ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ وَعَلَى مَا اخْتَارَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ (وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ الْوَاجِبَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّطَبِ أَوْ الْعِنَبِ (مُشَاعًا) بِأَنْ يُسَلِّمَهُ الْعُشْرَ مَثَلًا، شَائِعًا (أَوْ مَقْسُومًا بَعْدَ الْجُذَاذِ، أَوْ قَبْلَهُ بِالْخَرْصِ فَيُخَيَّرُ السَّاعِي بَيْنَ مُقَاسَمَةِ رَبِّ الْمَالِ الثَّمَرَةَ قَبْلَ الْجُذَاذِ فَيَأْخُذُ نَصِيبَ الْفُقَرَاءِ شَجَرَاتٍ مُفْرَدَةٍ، وَبَيْنَ مُقَاسَمَتِهِ بَعْدَ جَذِّهَا بِالْكَيْلِ) . فِي الرُّطَبِ وَالْوَزْنِ فِي الْعِنَبِ (وَلَهُ) السَّاعِي (بَيْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْهُ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ (أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) وَيُقَسِّمُ ثَمَنَهَا لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَبْذُلُ فِيهَا عِوَضَ مِثْلِهَا أَشْبَه الْأَجْنَبِيّ لَا يُقَالُ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ الَّذِي لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ وَلَا زَبِيبٌ، لَا يُدَّخَرُ فَهُوَ كَالْخَضْرَاوَاتِ، لَا زَكَاةَ فِيهِ لِأَنَّا نَقُولُ: بَلْ يُدَّخَرُ فِي الْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا لَمْ يُدَّخَرْ هُنَا لِأَنَّ أَخْذَهُ رُطَبًا أَنْفَعُ فَلَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِذَلِكَ (وَالْمَذْهَبُ) الْمَنْصُوصُ (أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنْهُ إلَّا يَابِسًا) لِمَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَالْمَذْهَبِ لَا يُخْرِجُ إلَّا يَابِسًا. (فَإِنْ أَتْلَفَ النِّصَابَ رَبُّهُ بَقِيَتْ الزَّكَاةُ فِي ذِمَّتِهِ، تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا)
فصل يسن أن يبعث الإمام ساعيا خارصا
لِعَدَمِ سُقُوطِهَا بِإِتْلَافِهِ (وَظَاهِره) أَيْ ظَاهِرُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُ إلَّا يَابِسًا أَنَّهُ يَلْزَمُهُ زَكَاتُهُ إذَا تَلِفَ. (وَلَوْ لَمْ يُتْلِفهُ) أَيْ يَتَعَدَّى عَلَيْهِ أَوْ يُفَرِّط فِيهِ فَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِقْرَارُ فِيهِ عَلَى الْوَضْعِ بِالْمِسْطَاحِ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى وَضْعُهُ فِيهِ لِكَوْنِهِ لَا بِتَمْرٍ وَلَا بِزَبِيبٍ فَيَكُونُ اسْتِقْرَارُهَا بِمُجَرَّدِ انْتِهَاءِ نُضْجِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمَا) أَيْ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ (بَقِيَا فِي ذِمَّتِهِ فَيُخْرِجُهُ) أَيْ مَا بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ (إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ) كَبَاقِي الْوَاجِبَاتِ الَّتِي لَا بَدَلَ لَهَا (وَالْمَذْهَبُ أَيْضًا أَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَا يَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَزَكَاتُهُ وَلَا صَدَقَتُهُ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ قَالَ «حُمِلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا وَسِيلَةٌ إلَى اسْتِرْجَاعِ شَيْءٍ مِنْهَا لِأَنَّهُ يَسْتَحْيِي أَنْ يُمَاكِسَهُ فِي ثَمَنِهَا وَرُبَّمَا سَامَحَهُ طَمَعًا مِنْهُ بِمِثْلِهَا أَوْ خَوْفًا مِنْهُ إذَا لَمْ يَبِعْهَا أَنْ لَا يَعُودَ يُعْطِيه فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَكُلُّ هَذِهِ مَفَاسِدُ فَوَجَبَ حَسْمُ الْمَادَّةِ (وَسَوَاء اشْتَرَاهَا مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَنَقَلَهُ أَبُو دَاوُد فِي فَرَسِ حَمِيلٍ وَظَاهِرُ التَّعْلِيلِ: يَقْتَضِي الْفَرْقَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّ النَّهْيَ يَخْتَصُّ بِعَيْنِ الزَّكَاةِ وَنَقَلَ حَنْبَلُ وَمَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ فَلَا. (وَإِنْ رَجَعَتْ إلَيْهِ) زَكَاتُهُ أَوْ صَدَقَتُهُ (بِإِرْثٍ) طَابَتْ لَهُ بِلَا كَرَاهَةٍ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَجَبَ أَجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ» رَوَاهُ جَمَاعَةٌ إلَّا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ (أَوْ) عَادَتْ إلَيْهِ ب (هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ أَخَذَهَا مِنْ دَيْنِهِ) طَابَتْ لَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ كَالْإِرْثِ (أَوْ رَدَّهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ قَبْضِهِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ) أَيْ الْمَالِكِ (مِنْ أَهْلِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا (لِمَا يَأْتِي) فِي الْبَابِ لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ فَهُوَ كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ. [فَصْلٌ يُسَنُّ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا خَارِصًا] فَصْلٌ وَيُسَنُّ أَنْ يَبْعَثَ الْإِمَامُ سَاعِيًا خَارِصًا لَحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ
إلَى يَهُودَ لِيَخْرُصَ عَلَيْهِمْ النَّخْلَ قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد «لِكَيْ يُحْصِيَ الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ تُؤْكَلَ الثِّمَارُ وَتُفَرَّقَ» . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّ عَنْهُ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَصَ عَلَى امْرَأَةٍ بِوَادِي الْقُرَى حَدِيقَةً لَهَا» وَحَدِيثُهَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَقَوْلُ الْمَانِعِ أَنَّهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ: يُرَدُّ بِأَنَّهُ اجْتِهَادٌ فِي مَعْرِفَةِ الْحَقِّ بِغَالِبِ الظَّنِّ وَذَلِكَ جَائِزٌ فِي تَقْوِيمِ الْمُتْلَفَاتِ وَالْمُجْتَهِدَاتِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَسَائِرِ الظَّوَاهِرِ الْمَعْمُولِ بِهَا وَإِنْ احْتَمَلَتْ الْخَطَأَ (إذَا بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرِ) لِأَنَّهُ وَقْتُ دُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَى الْخَرْصِ. (وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ) الْخَارِصُ (مُسْلِمًا أَمِينًا خَبِيرًا غَيْرَ مُتَّهَمٍ) لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ لَا يُعَوَّلُ عَلَى قَوْلِهِ وَالْمُتَّهَمُ: هُوَ مَنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمَالِكِ. (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا) كَالْفَتْوَى وَرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَاعْتُبِرَ أَنْ يَكُونَ خَبِيرًا لِئَلَّا تَفُوتَ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِّعَ لَهَا الْخَرْصُ (وَيَكْفِي خَارِصٌ وَاحِدٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَلِأَنَّهُ يُنَفِّذُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ كَقَائِفٍ وَحَاكِمٍ. (وَأُجْرَتُهُ) أَيْ الْخَارِصِ (عَلَى رَبِّ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ) وَفِي الْمُبْدِعِ: أُجْرَتُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ انْتَهَى قُلْت لَوْ قِيلَ مِنْ سَهْمِ الْعُمَّالِ لَكَانَ مُتَّجَهًا. (فَيَخْرُصُ ثَمَرَهُمَا) أَيْ النَّخْلَ وَالْكَرْمَ (عَلَى أَرْبَابِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تُخْرَصُ الْحُبُوبُ) بِلَا خِلَافٍ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (وَلَا ثَمَرُ غَيْرِهِمَا) أَيْ غَيْرِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ كَالْبُنْدُقِ وَاللَّوْزِ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ بِخَرْصِهِمَا مَعَ أَنَّ ثَمَرَهُمَا مُجْتَمِعٌ فِي الْعُذُوقِ وَالْعَنَاقِيدِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ الْخَرْصُ عَلَيْهِ غَالِبًا وَالْحَاجَةُ إلَى أَكْلِهِمَا رُطَبَةً أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهِمَا فَامْتَنَعَ الْقِيَاسُ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي بْنُ الْمُنَجَّا: أَنَّ نَخْلَ الْبَصْرَةِ لَا يُخْرَصُ وَإِنَّهُ أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَعُلِّلَ بِالْمَشَقَّةِ وَبِغَيْرِهَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. (وَالْخَرْصُ) بِفَتْحِ الْخَاءِ مَصْدَرٌ وَمَعْنَاهُ هُنَا (حَزْرُ مِقْدَارِ الثَّمَرَةِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ وَزْنًا بَعْدَ أَنْ يَطُوفَ) الْخَارِصُ (بِهِ) أَيْ بِالنَّخْلِ أَوْ الْكَرْمِ (ثُمَّ يُقَدِّرُهُ تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا (ثُمَّ يُعَرِّفُ) الْخَارِصُ (الْمَالِكَ قَدْرَ الزَّكَاةِ) فِيهِ (وَيُخَيِّرُهُ بَيْنَ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ) مِنْ بَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَضْمَنُ قَدْرَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (وَبَيْنَ حِفْظِهَا) أَيْ الثِّمَارِ
(إلَى وَقْتِ الْجَفَافِ) لِيُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ فِيهَا (فَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ) الْمَالِكُ زَكَاتَهَا (وَتَصَرَّفَ) فِيهَا (صَحَّ تَصَرُّفُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ كَأَرْشِ الْجِنَايَةِ لَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ. (وَكُرِهَ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ أَيْ تَصَرُّفُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ زَكَاتِهَا خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ مَنَعَهُ (وَإِنْ حَفِظَهَا) أَيْ حَفِظَ الْمَالِكُ الثِّمَارُ (إلَى وَقْتِ الْجَفَافِ زَكَّى الْمَوْجُودَ فَقَطْ وَافَقَ قَوْلَ الْخَارِصِ أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ اخْتَارَ حِفْظَهَا ضَمَانًا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ أَوْ أَمَانَةً) مِنْ غَيْرِ تَصَرُّفٍ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ كَالْوَدِيعَةِ وَإِنَّمَا يَعْمَلُ بِالِاجْتِهَادِ مَعَ عَدَمِ تَبَيُّنِ الْخَطَأِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ الْإِصَابَةُ. (وَإِنْ أَتْلَفَهَا) أَيْ الثَّمَرَةَ (الْمَالِكُ أَوْ تَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ ضَمِنَ زَكَاتَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا) أَوْ زَبِيبًا لِأَنَّ الظَّاهِرَ عَدَمُ الْخَطَأِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيُّ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ وَالْفَرْقُ: أَنَّ رَبَّ الْمَالِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَجْفِيفُ هَذَا الرُّطَبِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ انْتَهَى وَقَوْلُهُ قِيمَةُ مَا أَتْلَفَ قَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ: أَنَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ لِأَنَّهُ مِثْلِيٌّ فَيُضْمَنُ بِمِثْلِهِ. (وَإِنْ تَرَكَ السَّاعِي شَيْئًا مِنْ الْوَاجِبِ أَخْرَجَهُ الْمَالِكُ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَسْقُطُ بِتَرْكِ الْخَارِصِ لَهُ (فَإِنْ لَمْ يَبْعَثْ) الْإِمَامُ (سَاعِيًا فَعَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْخَرْصِ مَا يَفْعَلُهُ السَّاعِي إنْ أَرَادَ) الْمَالِكُ (التَّصَرُّفَ) فِي الثَّمَرَةِ (لِيَعْرِفَ قَدْرَ الْوَاجِبِ قَبْلَ تَصَرُّفِهِ) فِيهَا. (ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمَخْرُوصُ (أَنْوَاعًا لَزِمَ) السَّاعِي (خَرْصُ كُلِّ نَوْعٍ وَحْدَهُ لِاخْتِلَافِ الْأَنْوَاعِ وَقْتَ الْجَفَافِ) فَمِنْهَا: مَا يَزِيدُ رُطَبُهُ عَلَى تَمْرِهِ وَمِنْهَا: مَا يَزِيدُ تَمْرُهُ عَلَى رُطَبِهِ وَتَخْتَلِفُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمَا فِي اللَّحْمِ وَالْمَاوِيَّةِ كَثْرَةً وَقِلَّةً (وَإنْ كَانَ) الْمَخْرُوصُ (نَوْعًا وَاحِدًا فَلَهُ خَرْصُ كُلِّ شَجَرَةٍ وَحْدَهَا وَلَهُ خَرْصُ الْجَمِيعِ دَفْعَةً وَاحِدَةً) لِأَنَّ النَّوْعَ الْوَاحِدَ لَا يَخْتَلِفُ غَالِبًا وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ بِخَرْصِ كُلِّ شَجَرَةٍ عَلَى حِدَةٍ. (وَإِنْ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ غَلَطَ الْخَارِصِ غَلَطًا مُحْتَمَلًا) كَالسُّدُسِ (قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَمَا لَوْ قَالَ: لَمْ يُحَصَّلْ فِي يَدِي غَيْرُ كَذَا) فَإِنَّهُ يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ قَدْ يَتْلَفُ بَعْضُهُ بِآفَةٍ لَا يَعْلَمُهَا. (وَإِنْ فَحُشَ) مَا ادَّعَاهُ مِنْ الْغَلَطِ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ (لَمْ يُقْبَلْ) لِأَنَّهُ لَا يُحْتَمَلُ فَيُعْلَمُ كَذِبُهُ (وَكَذَا إنْ ادَّعَى) رَبُّ الْمَالِ (كَذِبَهُ) أَيْ الْخَارِصِ (عَمْدًا) فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ. (وَيَجِبُ) عَلَى الْخَارِصِ (أَنْ يَتْرُكَ فِي الْخَرْصِ لِرَبِّ الْمَالِ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ فَيَجْتَهِدُ السَّاعِي) فِي أَيِّهِمَا يَتْرُكُ (بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبْعَ»
رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَهَذَا تَوْسِعَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى الْأَكْلِ هُوَ وَأَضْيَافُهُ وَجِيرَانُهُ وَأَهْلُهُ وَيَأْكُلُ مِنْهَا الْمَارَّةُ وَفِيهَا السَّاقِطَةُ فَلَوْ اسْتَوْفَى الْكُلَّ أَضَرَّ بِهِمْ (وَلَا يَكْمُلُ بِهَذَا الْقَدْرِ الْمَتْرُوكِ النِّصَابُ إنْ أَكَلَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِاسْتِهْلَاكِهِ عَلَى وَجْهٍ مَأْذُونٍ فِيهِ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِجَائِحَةٍ. (وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ كَمُلَ بِهِ) النِّصَابُ (ثُمَّ يَأْخُذُ) السَّاعِي (زَكَاةَ الْبَاقِي سَوَاءٌ بِالْقِسْطِ) فَلَوْ كَانَ تَمْرُهُ كُلُّهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا كَمَّلَ النِّصَابَ بِالرُّبْعِ الَّذِي كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَأُخِذَتْ مِنْهُ زَكَاةُ مَا سِوَاهُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَوْسُقٍ وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ وَسْقٍ. (وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ الْخَارِصُ شَيْئًا) مِنْ الثَّمَرَةِ (فَلِرَبِّ الْمَالِ الْأَكْلُ هُوَ وَعِيَالُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ) الَّذِي كَانَ يُتْرَكُ لَهُ نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِ) بِمَا أَكَلَهُ إذَنْ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ زَكَاتُهُ كَمَا لَوْ تَرَكَهُ الْخَارِصُ لَهُ (وَيَأْكُلُ هُوَ) أَيْ الْمَالِكُ وَعِيَالُهُ مِنْ حُبُوبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ كَفَرِيكٍ وَنَحْوِهِ وَمَا يَحْتَاجُهُ وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ عَلَيْهِ (فِي نِصَاب وَلَا زَكَاة كَالثِّمَارِ) وَلَا يُهْدِي (مِنْ الْحُبُوبِ قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهَا شَيْئًا وَأَمَّا الثِّمَارُ فَالثُّلُثُ أَوْ الرُّبْعُ الَّذِي يُتْرَكُ لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ) وَلَا يَأْكُلُ مِنْ زَرْعٍ وَثَمَرٍ مُشْتَرَكٍ شَيْئًا إلَّا بِإِذْنِ شَرِيكِهِ (كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُشْتَرَكَةِ) . وَيُؤْخَذُ الْعُشْرُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عَلَى حِدَتِهِ بِحِصَّتِهِ وَلَوْ شَقَّ (ذَلِكَ) لِكَثْرَةِ الْأَنْوَاعِ وَاخْتِلَافِهَا (لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ بِمَنْزِلَةِ الشُّرَكَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي كُلِّ نَوْعٍ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْقِيصِ كَمَا تَقَدَّمَ) . (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُ جِنْسٍ عَنْ جِنْسٍ آخَرَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خُذْ الْحَبَّ مِنْ الْحَبِّ وَالْإِبِلَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمَ مِنْ الْغَنَمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (فَإِنْ أَخْرَجَ الْوَسَطَ عَنْ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ بِقَدْرِ قِيمَتَيْ الْوَاجِبِ مِنْهُمَا) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى غَيْرِهِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الْقِيمَةَ وَإِنَّمَا اُغْتُفِرَ ذَلِكَ فِي السَّائِمَةِ دَفْعًا لِلتَّشْقِيصِ (أَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ عَنْ الْجَيِّدِ بِالْقِيمَةِ) بِأَنْ زَادَ فِي الرَّدِيءِ بِحَيْثُ يُسَاوِي قِيمَةَ الْوَاجِبِ مِنْ الْجَيِّدِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) بِخِلَافِ النَّقْدَيْنِ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْ غَيْرِ الْأَثْمَانِ النَّفْعُ بِعَيْنِهَا فَيَفُوتُ بَعْضُ الْمَقْصُودِ وَمِنْ الْأَثْمَانِ الْقِيمَةُ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْمَجْدِ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: جَوَازُهُ فِي الْمَاشِيَةِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ تَطَوَّعَ رَبُّ الْمَالِ بِإِخْرَاجِ الْجَيِّدِ عَنْ الرَّدِيءِ جَازَ وَلَهُ أَجْرُ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ أَخْذُهُ عَنْهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ. (وَيَجِبُ الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالزَّكَاةِ كَالْمُنْتَهِي
لِشَمْلِهَا (عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِير دُونَ الْمَالِكِ) أَيْ إذَا اسْتَأْجَرَ إنْسَانٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ أَوْ اسْتَعَارَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا أَوْ غَرَسَهَا مَا أَثْمَرَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَهِيَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ دُونَ مَالِك الْأَرْضِ وَهُوَ مُعِيرُهَا أَوْ مُؤَجِّرُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» الْحَدِيثُ وَكَتَاجِرٍ اسْتَأْجَرَ حَانُوتًا أَوْ اسْتَعَارَهَا لِبَيْعِ عُرُوضِهِ وَفِي إيجَابِهِ عَلَى الْمَالِكِ إجْحَافٌ يُنَافِي الْمُوَاسَاةَ وَهِيَ مِنْ حُقُوقِ الزَّرْعِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إنْ لَمْ تُزْرَعْ وَتَتَقَيَّدُ بِقَدْرِهِ. (وَالْخَرَاجُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَالِك الْأَرْضِ (دُونَهُمَا) أَيْ دُونَ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ (وَلَا زَكَاةَ فِي قَدْرِ الْخَرَاجِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ يُقَابِلُهُ لِأَنَّهُ كَدَيْنِ آدَمِيٍّ وَلِأَنَّهُ مِنْ مُؤْنَةِ الْأَرْضِ كَنَفَقَةِ زَرْعِهِ) كَأُجْرَةِ الْحَرْثِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ مُؤْنَةِ الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ لِأَنَّهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ (وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ (سِوَى غَلَّةِ الْأَرْضِ وَفِيهَا مَا فِيهِ زَكَاةٌ) كَتَمْرٍ وَزَبِيبٍ وَبُرٍّ وَشَعِيرٍ. (وَ) فِيهَا (مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ كَالْخُضَرِ) مِنْ بِطِّيخٍ وَيَقْطِينٍ وَقِثَّاءٍ وَنَحْوِهَا (جَعَلَ الْخَرَاجَ فِي مُقَابَلَتِهِ) أَيْ مَا لَا زَكَاةَ فِي مُقَابَلَتِهِ (أَيْ مَا لَا زَكَاةَ فِيهِ إنْ وَفَّى بِهِ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِلْفُقَرَاءِ " وَزَكَّى الْبَاقِيَ مِمَّا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ إلَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ أَدَّى الْخَرَاجَ مِنْ غَلَّتِهَا وَزَكَّى مَا بَقِيَ (وَلَا يَنْقُصُ النِّصَابُ بِمُؤْنَةِ الْحَصَادِ، وَ) مُؤْنَةِ (الدِّيَاسِ وَغَيْرِهِمَا) كَالْجُذَاذِ وَالتَّصْفِيَةِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الزَّرْعِ وَالثَّمَرِ (لَسَبَقَ الْوُجُوبُ ذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالِاشْتِدَادِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ وَذَلِكَ سَابِقٌ لِلْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ وَالْجُذَاذِ وَنَحْوِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ التَّنْبِيهُ عَلَى ذَلِكَ (وَتَلْزَمُ الزَّكَاةُ فِي الْمُزَارَعَةِ الْفَاسِدَةِ مَنْ حُكِمَ أَنَّ الزَّرْعَ لَهُ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ عَلَى الْمَالِكِ. (وَإِنْ كَانَتْ) الْمُزَارَعَةُ (صَحِيحَةً فَعَلَى مَنْ بَلَغَتْ حِصَّتُهُ مِنْهُمَا) أَيْ الْمَالِكِ وَالْعَامِلِ (نِصَابًا) بِنَفْسِهَا أَوْ ضَمَّهَا إلَى زَرْعٍ لَهُ آخَرَ (الْعُشْرُ) أَوْ نِصْفُهُ أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمُسَاقَاةِ بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ عَلَى الْعَامِلِ فِي حِصَّتِهِ وَلَوْ بَلَغْت نِصَابًا لِأَنَّ الرِّبْحَ وِقَايَةٌ لِرَأْسِ الْمَالِ. (وَمَتَى حَصَدَ غَاصِبُ الْأَرْضِ زَرْعَهُ اسْتَقَرَّ مِلْكُهُ) عَلَيْهِ فَلَا يَتَمَلَّكُهُ رَبُّ الْأَرْضِ (وَزَكَّاهُ) لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. (وَإِنْ تَمَلَّكَهُ رَبُّ الْأَرْضِ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ زَكَّاهُ) لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ وَقْتَ وُجُوبِهَا وَإِنْ تَمَلَّكَهُ بَعْدَ اشْتِدَادٍ فَقِيلَ: يُزَكِّيهِ الْغَاصِبُ
لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْغَصْبِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا: يُزَكِّيهِ رَبُّ الْأَرْضِ لِأَنَّ مِلْكَهُ اسْتَنَدَ إلَى أَوَّلِ زَرْعِهِ لِأَنَّهُ يَتَمَلَّكُهُ بِمِثْلِ بَذْرِهِ وَعَوَّضَ لَوَاحِقَهُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ إذَنْ. (وَكَرِهَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (الْحَصَادَ وَالْجُذَاذَ لَيْلًا) لِحَدِيثِ الْحُسَيْنِ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْجُذَاذِ بِاللَّيْلِ وَالْحَصَادِ بِاللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. (وَيَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي كُلِّ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (فَالْخَرَاجُ فِي رَقَبَتِهَا) مُطْلَقًا وَالْعُشْرُ (فِي غَلَّتِهَا إنْ كَانَتْ لِمُسْلِمٍ) لِأَنَّ سَبَبَ الْخَرَاجِ التَّمْكِينُ مِنْ النَّفْعِ لِوُجُوبِهِ وَإِنْ لَمْ تُزْرَعْ وَسَبَبُ الْعُشْرِ: الزَّرْعُ كَأُجْرَةِ الْمَتْجَرِ مَعَ زَكَاةِ التِّجَارَةِ وَلِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ لِمُسْتَحَقِّينَ فَجَازَ اجْتِمَاعُهُمَا كَالْجَزَاءِ وَالْقِيمَةِ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ وَالْحَدِيثُ الْمَرْوِيُّ «لَا يَجْتَمِعُ الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ فِي أَرْضِ مُسْلِمٍ» ضَعِيفٌ جِدًّا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ يُحْمَلُ عَلَى الْخَرَاجِ الَّذِي هُوَ الْجِزْيَةُ وَلَوْ كَانَ عُقُوبَةً لَمَا وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ كَالْجِزْيَةِ (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْضُ الْخَرَاجِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ إحْدَاهَا (مَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَلَمْ تُقْسَمْ) بَيْنَ الْغَانِمِينَ. (وَ) الثَّانِيَةُ (مَا جَلَا عَنْهَا أَهْلُهَا خَوْفًا مِنَّا وَ) الثَّالِثَةُ (مَا صُولِحُوا) أَيْ أَهْلُهَا (عَلَيْهَا عَلَى أَنَّهَا لَنَا وَنُقِرُّهَا مَعَهُمْ بِالْخَرَاجِ) الَّذِي يَضْرِبُهُ عَلَيْهَا الْإِمَامُ عَلَى مَا يَأْتِي فِي بَيَانِهِ فِي الْأَرَاضِي الْمَغْنُومَةِ. (وَالْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ لَا خَرَاجَ عَلَيْهَا) لِأَنَّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْضُ الْعُشْرِيَّةُ (الْأَرْضُ الْمَمْلُوكَةُ) وَهِيَ خَمْسَةُ أَضْرُبٍ الْأُولَى (الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا كَالْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ (وَنَحْوِهَا) كَجُوَاثَى مِنْ قُرَى الْبَحْرَيْنِ. (وَ) الثَّانِيَةُ (مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَطُّوهُ كَالْبَصْرَةِ) بِتَثْلِيثِ الْبَاءِ قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: بُنِيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ وَقْفِ السَّوَادِ وَلِهَذَا دَخَلَتْ فِي حَدِّهِ دُونَ حُكْمِهِ. (وَ) الثَّالِثَةُ (مَا صَالَحَ أَهْلَهَا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ بِخَرَاجٍ يُضْرَبُ عَلَيْهَا كَالْيَمَنِ وَ) الرَّابِعَةُ (مَا أَقْطَعَهَا الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ) مِنْ السَّوَادِ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: وَالْأَرْضُونَ الَّتِي يَمْلِكُهَا أَرْبَابُهَا لَيْسَ فِيهَا خَرَاجٌ مِثْلُ هَذِهِ الْقَطَائِعِ الَّتِي أَقْطَعَهَا عُثْمَانُ فِي السَّوَادِ لِسَعْدٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَبَّابٍ. قَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَقْطَعْهُمْ مَنَافِعَهَا وَخَرَاجَهَا وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا أَنَّهُمْ لَمْ يَمْلِكُوا الْأَرْضَ بَلْ أَقَطَعُوا الْمَنْفَعَةَ وَأُسْقِطَ الْخَرَاجُ لِلْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ
فصل في العسل العشر
جَمَاعَةٌ هَذَا الْقِسْمَ مِنْ أَرْضِ الْعُشْرِ انْتَهَى وَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّوَادَ وَقْفٌ فَلَا يُمْكِنُ تَمَلُّكُهُ لَكِنْ يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ مِنْ الْإِمَامِ وَوَقْفُهُ لَهُ فَلِذَلِكَ أَبْقَى الْأَكْثَرُ كَلَامَ الْإِمَامِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ تَمْلِيكٌ. (وَ) الْخَامِسَةُ (مَا فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِمَ كَنِصْفِ خَيْبَرَ) بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ عَلَى نَحْوِ أَرْبَعِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى جِهَةِ الشَّامِ ذَاتُ نَخِيلٍ وَمَزَارِعَ، وَحُصُونٍ، وَهِيَ بِلَادُ طَيِّئٍ فَتَحَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَوَائِلِ سَنَةِ سَبْعٍ، قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ. (وَلِلْإِمَامِ إسْقَاطُ الْخَرَاجِ عَمَّنْ بِيَدِهِ أَرْضٌ خَرَاجِيَّةٌ عَلَى وَجْهِ الْمَصْلَحَةِ) يَبْذُلُ لِأَجْلِهَا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي أَخْذِهِ مِنْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ أَوْ مِثْلَهُ إلَيْهِ (وَيَأْتِي) فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ. (وَيَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شِرَاءُ أَرْضٍ عُشْرِيَّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ) لِأَنَّهَا مَالُ مُسْلِمٍ يَجِبُ الْحَقُّ فِيهِ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ، فَلَمْ يُمْنَعْ الذِّمِّيُّ مِنْ شِرَائِهِ (كَ) الْأَرْضِ (الْخَرَاجِيَّةِ) فَلِلذِّمِّيِّ شِرَاؤُهَا مِنْ مُسْلِمٍ، إذَا حَكَمَ بِهِ مَنْ يَرَاهُ أَوْ كَانَ الشِّرَاءُ مِنْ الْإِمَامِ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِمْ) أَيْ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ إذَا اشْتَرَوْا الْأَرْضَ الْعُشْرِيَّةَ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (كَالسَّائِمَةِ وَغَيْرِهَا) مِنْ سَائِرِ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ. (فَإِنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهَا) عَلَى الذِّمِّيِّ لَكِنْ إنْ كَانَ تَغْلِبِيًّا فَعَلَيْهِ فِيمَا يُزَكَّى زَكَاتَانِ، يُصْرَفَانِ مَصْرِفَ الْجِزْيَةِ لَا مَصْرِفَ الزَّكَاةِ وَإِذَا أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ إحْدَاهُمَا وَصُرِفَتْ الْأُخْرَى مَصْرِفَ الزَّكَاةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ بَيْعُ أَرْضِهِ مِنْ ذِمِّيٍّ وَإِجَارَتُهَا نَصًّا) وَكَذَا إعَارَتُهَا مِنْهُ (لِإِفْضَائِهِ إلَى إسْقَاطِ عُشْرِ الْخَارِجِ مِنْهَا إلَّا لِتَغْلِبِيٍّ فَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ) لِعَدَمِ إفْضَائِهِ إلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ عُشْرَانِ يُصْرَفَانِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا شَيْءَ) أَيْ لَا زَكَاةَ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيمَا اشْتَرَاهُ مِنْ أَرْضٍ خَرَاجِيَّةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ إذَا زَرَعَهُ أَوْ غَرَسَهُ. (وَلَا) زَكَاةَ عَلَيْهِ أَيْضًا (فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ مِنْ مُسْلِمٍ إذَا زَرَعَهُ) أَوْ غَرَسَهُ وَأَخْرَجَ مِنْهُ: مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ وَلَا فِيمَا إذَا جَعَلَ (الذِّمِّيُّ) دَارِهِ بُسْتَانًا أَوْ مَزْرَعَةً، وَلَا فِيمَا إذَا رَضَخَ الْإِمَامُ لَهُ أَرْضًا مِنْ الْغَنِيمَةِ، أَوْ أَحْيَا (الذِّمِّيُّ) مَوَاتًا (ثُمَّ زَرْعَهُ أَوْ غَرَسَهُ) ، وَيَأْتِي فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ عَلَى ذِمِّيٍّ خَرَاجُ مَا أَحْيَا مِنْ مَوَاتٍ عَنْوَةً ". [فَصْلٌ فِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ] فَصْلٌ: وَفِي الْعَسَلِ الْعُشْرُ قَالَ الْأَثْرَمُ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَنْتَ تَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً؟ قَالَ نَعَمْ، أَذْهَبُ إلَى أَنَّ فِي الْعَسَلِ زَكَاةً: الْعُشْرَ، قَدْ أَخَذَ عُمَرُ مِنْهُمْ الزَّكَاةَ قُلْت ذَلِكَ عَلَى
أَنَّهُمْ يُطَوِّعُونَ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَخَذَ مِنْهُمْ (سَوَاءٌ أَخَذَهُ مِنْ مَوَاتٍ) كَرُءُوسِ الْجِبَالِ (أَوْ) أَخَذَهُ (مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ مِنْ أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ، عُشْرِيَّةً كَانَتْ أَوْ خَرَاجِيَّةً (أَوْ) مِنْ أَرْضٍ (مِلْكِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْعَسَلَ (لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، كَالصَّيْدِ) وَالطَّائِرِ يُعَشِّشُ بِمِلْكِهِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِ: مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَأْخُذُ فِي زَمَانِهِ مِنْ قِرَبِ الْعَسَلِ مِنْ كُلِّ عَشْرِ قِرَبٍ قِرْبَةً مِنْ أَوْسَاطِهَا» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَثْرَمُ وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي سَيَّارَةَ الْمُتَعِيِّ قَالَ «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي نَخْلًا قَالَ: فَأَدِّ الْعُشُورَ قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِ لِي جَبَلَهَا قَالَ: فَحَمَى لِي جَبَلَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إلَّا سُلَيْمَانَ الْأَشْدَقَ قَالَ الْبُخَارِيُّ: عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا سَيَّارَةَ. وَلِذَلِكَ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَيْسَ فِي وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي الْعَسَلِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ، وَلَا إجْمَاعٌ قَالَ الْمَجْدُ الْقِيَاسُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لَوْلَا الْأَثَرُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْعَسَلِ وَاللَّبَنِ: بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَاجِبَةٌ فِي أَصْلِ اللَّبَنِ وَهُوَ السَّائِمَةُ بِخِلَافِ الْعَسَلِ وَبِأَنَّ الْعَسَلَ مَأْكُولٌ فِي الْعَادَةِ مُتَوَلِّدٌ مِنْ الشَّجَرِ، يُكَالُ وَيُدَّخَرُ، فَأَشْبَهَ التَّمْرَ وَذَلِكَ أَنَّ النَّحْلَ يَقَعُ عَلَى نُوَّارِ الشَّجَرِ فَيَأْكُلُهُ فَهُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ. (وَنِصَابُهُ) أَيْ الْعَسَلِ (عَشَرَةُ أَفْرَاقٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (كُلُّ فَرَقٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ - سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا عِرَاقِيَّةً) لِمَا رَوَى الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عُمَرَ " أَنَّ نَاسًا سَأَلُوهُ فَقَالُوا: إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقْطَعَ لَنَا وَادِيًا بِالْيَمَنِ، فِيهِ خَلَايَا مِنْ نَحْلٍ وَإِنَّا نَجِدُ أُنَاسًا يَسُوقُونَهَا، فَقَالَ عُمَرُ إنْ أَدَّيْتُمْ صَدَقَتَهَا مِنْ كُلِّ عَشَرَةِ أَفْرَاقٍ فَرَقًا، حَمَيْنَاهَا لَكُمْ " وَهَذَا تَقْدِيرٌ مِنْ عُمَرَ، يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ، وَالْفَرَقُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ بِالْمَدِينَةِ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ فَحُمِلَ كَلَامُ عُمَرَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ بِبَلَدِهِ أَوْلَى، وَهُوَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ سِتَّةُ أَقْسَاطٍ وَهِيَ ثَلَاثَةُ آصُعٍ، فَتَكُونُ اثْنَيْ عَشَرَ مُدًّا وَأَمَّا الْفَرْقُ - بِسُكُونِ الرَّاءِ: فَمِكْيَالٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالَهُ الْخَلِيلُ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ: مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا قَالَ الْمَجْدُ: لَا قَائِلَ بِهِ هُنَا وَذَكَره بَعْضُهُمْ قَوْلًا (فَيَكُونُ نِصَابُ الْعَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلًا) عِرَاقِيَّةً قُلْت: وَمِائَةٌ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ مِصْرِيٍّ وَأَرْبَعَةٌ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا وَسُبْعَا رِطْلٍ
فصل في زكاة المعدن
دِمَشْقِيٍّ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ حَلَبِيٍّ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَخَمْسَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ قُدْسِيٍّ وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَسِتَّةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ بَعْلِيٍّ. (وَلَا تَتَكَرَّرُ زَكَاةُ مُعَشَّرَاتٍ) فَمَتَى زَكَّاهَا فَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَلَوْ بَقِيَتْ) عِنْدَهُ (أَحْوَالًا) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُرْصَدَةٍ لِلنَّمَاءِ فَهِيَ كَعَرْضِ الْقِنْيَةِ بَلْ أَوْلَى لِنَقْصِهَا بِأَكْلٍ وَنَحْوِهِ (مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ) فَتُقَوَّمُ عِنْدَ كُلِّ حَوْلٍ بِشَرْطِهِ كَسَائِرِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُرْصَدَةٌ لِلنَّمَاءِ كَالْأَثْمَانِ. (وَلَا شَيْءَ فِي الْمَنِّ وَالتَّرَنْجِيلِ وَالشَّيْرَخَشْكِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ كَاللَّاذَنِ وَهُوَ طَلٌّ وَنَدًى يَنْزِلُ عَلَى نَبْتٍ فَتَأْكُلُهُ الْمِعْزَى فَتَتَعَلَّقُ) تِلْكَ (الرُّطُوبَةُ بِهَا فَتُؤْخَذُ) لِعَدَمِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ الْعُشْرُ كَالْعَسَلِ. (وَتَضْمِينُ أَمْوَالِ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ) بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ (بَاطِلٌ وَعِلَلُهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ) لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى (وَغَيْرِهَا: بِأَنَّ ضَمَانَهَا بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِ فِي تَمَلُّكِ مَا زَادَ) عَنْ الْقَدْرِ الْمَضْمُونِ بِهِ. (وَ) يَقْتَضِي غُرْمَ مَا نَقَصَ عَنْهُ (وَهَذَا مُنَافٍ لِمَوْضُوعِ الْعِمَالَةِ وَ) لِ (حُكْمِ الْأَمَانَةِ) سُئِلَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " الْقَبَالَاتُ رِبًا قَالَ هُوَ أَنْ يَتَقَبَّلَ بِالْقَرْيَةِ وَفِيهَا الْعُلُوجُ وَالنَّخْلُ فَسَمَّاهُ رِبًا أَيْ فِي حُكْمِهِ فِي التَّحْرِيمِ وَالْبُطْلَانِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " إيَّاكُمْ وَالرِّبَا أَلَا وَهِيَ الْقَبَالَاتُ أَلَا وَهِيَ الذُّلُّ وَالصَّغَارُ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: الْقَبِيلُ: الْكَفِيلُ وَالْعَرِيفُ وَقَدْ قَبِلَ بِهِ يَقْبَلُ وَيَقْبَلُ قُبَالَةً وَنَحْنُ فِي قُبَالَتِهِ أَيْ عَرَافَتِهِ. [فَصْلٌ فِي زَكَاةُ الْمَعْدِنِ] فَصْلٌ فِي الْمَعْدِنِ أَيْ فِي بَيَانِ حُكْمِهِ مِنْ حَيْثُ الزَّكَاةُ وَهُوَ بِكَسْرِ الدَّالِ سُمِّيَ بِهِ لِعُدُونِ مَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ أَيْ لِإِقَامَتِهِ يُقَالُ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ عُدُونًا وَالْمَعْدِنُ: الْمَكَانُ الَّذِي عُدِنَ فِيهِ الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَعْدِنُ (كُلُّ مُتَوَلِّدٍ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا لَيْسَ نَبَاتًا فَمَنْ اسْتَخْرَجَ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) أَيْ أَهْلِ وُجُوبِهَا وَلَوْ صَغِيرًا مِنْ مَعْدِنٍ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ لَهُ أَوْ أَرْضٍ (مُبَاحَةٍ) كَمَوَاتٍ (أَوْ) أَرْضٍ (مَمْلُوكَةٍ لِغَيْرِهِ إنْ كَانَ) الْمَعْدِنُ (جَارِيًا) لَهُ مَادَّةٌ لَا تَنْقَطِعُ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَالْمَاءِ بِخِلَافِ الْجَامِدِ كَمَا يَأْتِي. (وَلَوْ)
كَانَ الْمَعْدِنُ مُسْتَخْرَجًا (مِنْ دَارِهِ نِصَابٌ) مَفْعُولٌ: اسْتَخْرَجَ، مُضَافٌ إلَى (ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ) اسْتَخْرَجَ (مَا تَبْلُغُ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا) أَيْ نِصَابُ، الذَّهَبِ، أَوْ نِصَابُ الْفِضَّةِ (مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ الْمَذْكُورِ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ لِأَنَّهُمَا قِيَمُ الْأَشْيَاءِ (بَعْدَ سَبْكِهِ وَتَصْفِيَتِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَبْلُغُ (مُنْطَبِعًا كَانَ) الْمَعْدِنُ (كَصُفْرٍ وَرَصَاصٍ) بِفَتْحِ الرَّاءِ (وَحَدِيدٍ، أَوْ غَيْرَ مُنْطَبِعٍ كَيَاقُوتٍ وَعَقِيقٍ وَبِنَغْشٍ وَزَبَرْجَدٍ وَمُومْيَا) . قَالَ فِي مِنْهَاجِ الْبَيَانِ: هِيَ مَعْدِنٌ فِي قُوَّةِ الزِّفْتِ (وَنُورَة وَيَشْمٍ وَزَاجِّ وَفَيْرُوزَجَ) حَجَرٌ أَخْضَرُ مَشُوبٌ بِزُرْقَةٍ يُوجَدُ بِخُرَاسَانَ وَزَعَمَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ أَنَّهُ يَصْفُو بِصَفَاءِ الْجَوِّ، وَيَتَكَدَّرُ بِتَكَدُّرِهِ (وَبَلُّورٍ وَسَبَج وَكُحْلٍ وَمَغْرَةٍ وَكِبْرِيتٍ وَزِفْتٍ وَزِئْبَقٍ) بِكَسْرِ الزَّايِ وَالْبَاءِ وَبِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ، وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا: فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَزُجَاجٍ) بِتَثْلِيثِ الزَّايِ بِخِلَافِ: زُجَاجٍ جَمْعٌ زَجٌّ الرُّمْحِ، فَإِنَّهُ بِالْكَسْرِ لَا غَيْرُ (وَمِلْحٍ وَقَارٍ وسندروس وَنِفْطٍ) بِكَسْرِ النُّونِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْفَاءِ. (وَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ مَا ذُكِرَ (مِمَّا يُسَمَّى مَعْدِنًا) قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَعْدِنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، حَيْثُ كَانَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ فِي الْبَرَارِيِّ وَقَالَ الْقَاضِي: عَمَّا رُوِيَ مَرْفُوعًا " أَلَا لَا زَكَاةَ فِي حَجَرِ " إنْ صَحَّ: مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْجَارِ الَّتِي لَا يُرْغَبُ فِيهَا عَادَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرُّخَامَ وَالْبِرَامَ وَنَحْوِهِمَا كَحَجَرِ الْمُسِنِّ: مَعْدِنٌ. وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا (فَفِيهِ الزَّكَاةُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ} [البقرة: 267] وَلِمَا رَوَى رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَقَطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْمَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةَ قَالَ: فَتِلْكَ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا إلَّا الزَّكَاةَ إلَى الْيَوْمِ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَبْلِيَّةُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ يَحْرُمُ عَلَى أَغْنِيَاءِ ذَوِي الْقُرْبَى فَفِيهِ الزَّكَاةُ لَا الْخُمُسُ، كَسَائِرِ الزَّكَوَاتِ (فِي الْحَالِ) لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ لَهُ حَوْلٌ كَالزَّرْعِ (رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ قِيمَتِهَا) إنْ لَمْ تَكُنْ أَثْمَانًا (أَوْ رُبْعُ الْعُشْرِ مِنْ عَيْنِهَا إنْ كَانَتْ أَثْمَانًا) لِمَا يَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَمَا يَجِدُهُ فِي مِلْكِهِ، أَوْ مَوَاتٍ مِنْ مَعْدِنٍ (فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) مِنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ اسْتَبَقَ اثْنَانِ إلَى مَعْدِنٍ فِي مَوَاتٍ، فَالسَّابِقُ أَوْلَى بِهِ مَا دَامَ يَعْمَلُ) لِحَدِيثِ «مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» (فَإِنْ تَرَكَهُ) أَيْ الْعَمَلُ (جَازَ لِغَيْرِهِ الْعَمَلُ فِيهِ) لِأَنَّهُ مُبَاحٌ
لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَوَّلُ (وَمَا يَجِدُهُ) مِنْ الْمَعَادِنِ (فِي) مَكَان (مَمْلُوكٍ يُعْرَفُ مَالِكُهُ، فَهُوَ لِمَالِكِ الْمَكَانِ، إنْ كَانَ) الْمَعْدِنُ (جَامِدًا) لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَيُمْلَكُ بِمِلْكِهَا. فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ لَا يُزَكِّيهِ مَالُك الْأَرْضِ إذَا وُجِدَ: لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّ الْمَوْجُودَ لَعَلَّهُ مِمَّا يُخْلَقُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَلَا يَتَحَقَّقُ سَبْقُ الْمِلْكِ فِيهِ (وَأَمَّا) الْمَعْدِنُ (الْجَاوِي فَمُبَاحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ) سَوَاءٌ كَانَ بِمَوَاتٍ أَوْ مَمْلُوكَةٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ بَلْ كَالْمَاءِ. (وَلَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ اسْتِخْرَاجِ مَعْدِنٍ، وَلَوْ بِدَارِنَا) كَإِحْيَائِهِ الْمَوَاتَ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرِجُهُ) الذِّمِّيُّ مِنْ مَعْدِنٍ (كَالْمُكَاتَبِ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) وَكَذَا مَدِينٌ فِيمَا يُقَابِلُ الدَّيْنَ (وَيَأْتِي ذِكْرُ الْمَعَادِنِ فِي بَابِ بَيْعِ الْأُصُولِ) وَتَفْصِيلِهَا. (وَوَقْتُ وُجُوبِهَا) أَيْ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ (بِظُهُورِهِ) لِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ حَقِّهِ حَوْلٌ، كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ (وَ) وَقْتُ (اسْتِقْرَارِهَا بِإِحْرَازِهِ) كَالثَّمَرَةِ وَالزَّرْعِ، فَتَسْقُطُ زَكَاتُهُ إنْ تَلِفَ قَبْلَ الْإِحْرَازِ، لَا بَعْدَهُ وَمَا بَاعَهُ تُرَابًا زَكَّاهُ وَيَصِحُّ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ كَتُرَابِ صَاغَةٍ وَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمَعَادِنِ بِشَرْطِهِ (سَوَاءٌ اسْتَخْرَجَهُ فِي دَفْعَةٍ أَوْ دَفَعَاتٍ، لَمْ يَتْرُكْ الْعَمَلَ بَيْنَهَا تَرْكَ إهْمَالٍ) لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَأَدَّى إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فِيهِ لِأَنَّهُ يَبْعُدُ اسْتِخْرَاجُ نِصَابِ دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ (وَحَدُّهُ) أَيْ حَدُّ تَرْكِ الْإِهْمَالِ (ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) حَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ ابْنِ الْمُنَجَّا (إنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) فِي التَّرْكِ. (فَإِنْ كَانَ) ثُمَّ عُذْرٌ (فَبِزَوَالِهِ) أَيْ زَوَالِ الْعُذْرِ، أَيْ يَعْتَبِرُ مُضِيُّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى (فَلَا أَثَرَ لِتَرْكِهِ) الْعَمَلَ (لِإِصْلَاحِ آلَةٍ وَمَرَضٍ وَسَفَرٍ يَسِيرٍ، وَاسْتِرَاحَةٍ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مِمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، أَوْ اشْتِغَالِهِ بِتُرَابٍ خَرَجَ بَيْنَ النِّيلَيْنِ) أَيْ الْإِصَابَتَيْنِ (أَوْ هَرَبَ عَبْدُهُ أَوْ أَجِيرُهُ وَنَحْوُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إعْرَاضًا وَلَا يُعْتَبَرُ كُلُّ عِرْقٍ بِنَفْسِهِ (فَيُضَمُّ الْجِنْسُ الْوَاحِدُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَلَوْ مِنْ مَعَادِنَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ) كَالزَّرْعِ وَالثِّمَارِ. (وَلَا يُضَمُّ جِنْسٌ إلَى آخَرَ غَيْرَ نَقْدِ) كَالْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا. (وَلَوْ كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (مُتَقَارِبَةً كَقَارٍ وَنَفْطٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ، وَلَوْ مِنْ مَعْدِنٍ وَاحِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا ضَمَّ مَعَ الْإِهْمَالِ) ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَأَكْثَرَ، بِلَا عُذْرٍ، فَإِنْ أَخْرَجَ دُونَ نِصَابٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْعَمَلَ مُهْمِلًا لَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ دُونَ نِصَابٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِمَا قُلْت: إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً. (وَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا) أَيْ زَكَاةِ الْمَعْدِنِ مِنْهُ (إذَا كَانَتْ) الْمَعَادِنُ (أَثْمَانًا إلَّا بَعْدَ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ) لِأَنَّهُ قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ،
فَلَمْ يَجُزْ كَالْحُبُوبِ (فَإِنَّ وَقْتَ الْإِخْرَاجِ عَقِبَهُمَا) أَيْ السَّبْكِ وَالتَّصْفِيَةِ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الْوُجُوبِ هُوَ وَقْتُ الِاسْتِخْرَاجِ (فَإِنْ أَخْرَجَ) زَكَاةِ الْمَعْدِنِ مِنْ عَيْنه (قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَرُدَّ عَلَيْهِ إنْ كَانَ) الْمَأْخُوذُ (بَاقِيًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ تَلِفَ) لِفَسَادِ الْقَبْضِ (فَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي الْقِيمَةِ أَوْ الْقَدْرِ) أَيْ قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ تُرَابًا أَوْ قَدْرَهُ (فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْقَابِضِ مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّهُ غَارِمٌ (فَإِنْ صَفَّاهُ أَخَذَهُ، فَكَانَ قَدْرُ الْوَاجِبِ أَجْزَأَ وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَى الْمُخْرِجِ النَّقْصُ وَإِنْ زَادَ) عَلَى الْوَاجِبِ (رَدَّ) الْقَابِضُ (الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ يَسْمَحَ بِهِ) وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَابِضُ السَّاعِيَ: وَاضِحٌ وَإِنْ كَانَ الْقَابِضُ: الْفَقِيرَ، فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ. (وَلَا يَرْجِعُ) الْقَابِضُ (بِتَصْفِيَتِهِ) أَيْ بِمُؤْنَتِهَا عَلَى رَبِّ الْمَعْدِنِ. لِأَنَّهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ (وَمُؤْنَةُ تَصْفِيَتِهِ وَ) مُؤْنَةُ سَبْكِهِ (عَلَى مُسْتَخْرِجِهِ) كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَجُذَاذٍ (كَمُؤْنَةِ اسْتِخْرَاجِهِ) فَإِنَّهَا عَلَى مُسْتَخْرِجِهِ، كَمُؤْنَةِ الْحَرْثِ (فَلَا يَحْتَسِبُ) الْمُسْتَخْرَجَ (بِذَلِكَ) أَيْ لَا يُسْقِطُهُ مِنْ الْمَعْدِنِ، وَيُزَكِّي مَا عَدَاهُ (كَالْحُبُوبِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ دَيْنًا اُحْتُسِبَ عَلَيْهِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى الصَّحِيحِ (كَمَا يَحْتَسِبُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الزَّرْعِ) قُلْت: هَذَا وَاضِحٌ فِي مُؤْنَةِ الِاسْتِخْرَاجِ، لَا فِي مُؤْنَةِ سَبْكٍ وَتَصْفِيَةٍ لِأَنَّهُمَا بَعْدَ الْوُجُوبِ كَمُؤْنَةِ حَصَادٍ وَدِيَاسٍ (وَلَا تَتَكَرَّرُ زَكَاتُهُ) أَيْ الْمَعْدِنُ كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ (إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ التِّجَارَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَقْدًا) فَإِنْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ غَيْرَهُ وَقَصَدَ بِهِ التِّجَارَةَ عِنْدَ الِاسْتِخْرَاجِ زَكَّاهُ أَيْضًا كُلَّمَا حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ بِشَرْطِهِ (وَإِنْ اسْتَخْرَجَ أَقَلَّ مِنْ نِصَابٍ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) لِفَقْدِ شَرْطَ الزَّكَاةِ. (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْمَرْجَانِ) هُوَ نَبَاتٌ حَجَرِيٌّ مُتَوَسِّطٌ فِي خَلْقِهِ بَيْنَ النَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ وَمِنْ خَوَاصِّهِ: أَنَّ النَّظَرَ إلَيْهِ يَشْرَحُ الصَّدْرَ وَيُفْرِحُ الْقَلْبَ. (وَالْعَنْبَرِ وَغَيْرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " لَيْسَ فِي الْعَنْبَرِ شَيْءٌ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ الْبَحْرُ " وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ رَوَاهُمَا أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ وَلَمْ تَأْتِ فِيهِ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْوُجُوبِ وَلِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ وُجُودُهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَرِّ. (وَ) لَا زَكَاةَ فِيمَا يُخْرَجُ مِنْ الْبَحْرِ مِنْ (الْحَيَوَانِ) بِأَنْوَاعِهِ (كَصَيْدِ بَرٍّ وَإِنْ كَانَ الْمَعْدِنُ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَّا بِقَوْمٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَغَنِيمَةٌ يُخَمَّسُ بَعْدَ) إخْرَاجِ رُبْعِ الْعُشْرِ مِنْ عَيْنِهِ إنْ كَانَ نَقْدًا، أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْ صِلَتَهُمْ إلَيْهِ فَكَانَ غَنِيمَةً كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ وَلَا زَكَاةَ فِي مِسْكٍ وَزَبَادٍ.
فصل يجب في الركاز الخمس
[فَصْلٌ يَجِبُ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ] فَصْلٌ وَيَجِبُ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا الْحَسَنَ، فَإِنَّهُ قَالَ " فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمُسُ وَفِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ " (فِي الْحَالِ) فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ حَوْلٌ كَالْمَعْدِنِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ، بَلْ فَيْءٌ (أَيَّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ مَالٍ، وَلَوْ غَيْرَ نَقْدٍ) كَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ لِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ كَالْغَنِيمَةِ (قَلَّ) ذَلِكَ الْمَوْجُودُ (أَوْ كَثُرَ) بِخِلَافِ الْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ، لِكَوْنِهِمَا يَحْتَاجَانِ إلَى كُلْفَةٍ فَاعْتُبِرَ لَهُمَا النِّصَابُ تَخْفِيفًا (وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْ غَيْرِهِ) كَزَكَاةِ الْحُبُوبِ وَغَيْرِهَا (وَيُصْرَفُ خُمُسُ الرِّكَازِ مَصْرِفَ الْفَيْءِ الْمُطْلَقِ لِلْمَصَالِحِ كُلِّهَا) لِفِعْلِ عُمَرَ رَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ، كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ. (وَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ رَدُّ خُمُسِ الرِّكَازِ، أَوْ) رَدُّ بَعْضِهِ: لِوَاجِدِهِ بَعْدَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ لَهُ (تَرْكُهُ لَهُ قَبْلَ قَبْضِهِ كَالْخَرَاجِ) إذَا رَدَّهُ أَوْ تَرَكَهُ لِمُسْتَحِقِّهِ (وَكَمَا) أَنَّ (لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (رَدُّ خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ) عَلَى الْغَانِمِينَ (لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ (أَيْضًا رَدَّ الزَّكَوَاتِ عَلَى مَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا لِأَنَّهُ أُخِذَ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ كَإِرْثِهَا وَقَبْضِهَا عَنْ دَيْنٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَابِ، فَإِنْ تَرَكَهَا) أَيْ تَرَكَ الْإِمَامُ الزَّكَاةَ (لَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ لَمْ يَبْرَأْ مَنْ تُرِكَتْ لَهُ مِنْهَا لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ. (وَيَجُوزُ لِوَاجِدِهِ) أَيْ الرِّكَازِ (تَفْرِقَتُهُ بِنَفْسِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الرِّكَازِ وَالْمَعْدِنِ أَنْ يَمْسِكَ الْوَاجِبَ فِيهِمَا لِنَفْسِهِ (وَبَاقِيهِ) أَيْ الرِّكَازِ (لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ لِفِعْلِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ " دَفَعَا بَاقِي الرِّكَازِ لِوَاجِدِهِ " وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فَكَانَ لِوَاجِدِهِ بَعْدَ الْخُمُسِ، كَالْغَنِيمَةِ. (وَلَوْ) كَانَ وَاجِدُهُ (ذِمِّيًّا أَوْ مُسْتَأْمَنًا بِدَارِنَا أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ صَغِيرًا أَوْ مَجْنُونًا) كَغَيْرِهِمْ (وَيُخْرِجُ عَنْهُمَا الْوَلِيُّ) الْخُمُسَ كَزَكَاةِ مَالِهِمَا، وَنَفَقَةٌ تَجِبُ عَلَيْهِمَا (إلَّا أَنْ يَكُونَ وَاجِدُهُ أَجِيرًا فِيهِ) أَيْ فِي طَلَبِهِ (لِطَالِبِهِ) أَيْ الرِّكَازِ (فَ) الْبَاقِي إذَنْ (لِمُسْتَأْجِرِهِ) لِأَنَّ الْوَاجِدَ نَائِبٌ عَنْهُ (وَلَوْ اُسْتُؤْجِرَ لِحَفْرِ بِئْرٍ أَوْ هَدْمِ شَيْءٍ) مِنْ حَائِطٍ وَغَيْرِهِ (فَوَجَدَهُ) أَيْ الرِّكَازَ (فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ (لَا لِمُسْتَأْجِرِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَسْبِ الْوَاجِدِ قُلْت: فَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِطَلَبِ رِكَازٍ
فَوَجَدَ غَيْرَهُ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَجِيرًا لِطَلَبِ مَا وَجَدَهُ. (وَإِنْ وَجَدَهُ عَبْدُ فَهُوَ مِنْ كَسْبِهِ) فَيَكُونُ (لِسَيِّدِهِ) كَسَائِرِ كَسْبِهِ (وَإِنْ وَجَدَهُ وَاجِدٌ فِي مَوَاتٍ أَوْ شَارِعٍ، أَوْ أَرْضٍ لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا أَوْ) وَجَدَهُ (عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ) الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَالِكُهَا (أَوْ) وَجَدَهُ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ (أَوْ) فِي (خَرِبَةٍ، أَوْ فِي مِلْكِهِ الَّذِي أَحْيَاهُ) أَيْ فَهُوَ لِوَاجِدِهِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ. (وَإِنْ عَلِمَ) وَاجِدُ الرِّكَازِ (مَالِكَهَا) أَيْ الْأَرْضِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا الرِّكَازُ (أَوْ كَانَتْ) الْأَرْضُ (مُنْتَقِلَةً إلَيْهِ) أَيْ إلَى وَاجِدِ الرِّكَازِ (فَهُوَ لَهُ) أَيْ لِوَاجِدِهِ (أَيْضًا إنْ لَمْ يَدَعْهُ الْمَالِكُ) لِلْأَرْضِ مِلْكًا (لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ) لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا لِلنَّقْلِ عَنْهَا (فَلَوْ ادَّعَاهُ) أَيْ الرِّكَازَ مَالِكُ الْأَرْضِ الَّتِي وُجِدَ بِهَا (بِلَا بَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ لَهُ بِهِ. (وَلَا وَصْفَ) يَصِفُهُ بِهِ (فَ) الرِّكَازُ (لَهُ) أَيْ لِمَالِكِ الْأَرْضِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِأَنَّ يَدَ مَالِكِ الْأَرْضِ عَلَى الرِّكَازِ، فَرَجَحَ بِهَا وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَاهُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ الْأَرْضُ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهَا. (وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ) أَيْ وَرَثَةُ مَالِكِ الْأَرْضِ (فَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ) أَيْ الرِّكَازَ (لِمُوَرِّثِهِمْ، وَأَنْكَرَ الْبَعْضُ) الْآخَرُ أَنَّهُ لِمُوَرِّثِهِمْ (فَحَكَمَ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمَ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يُعْتَرَفْ بِهِ) أَيْ لَمْ يَدَعْ الرِّكَازَ فَيَكُونُ نَصِيبُهُ لِوَاجِدِهِ (وَحُكْمُ الْمُدَّعِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرَفِ) فَيَحْلِفُونَ وَيَأْخُذُونَ نَصِيبَهُمْ. وَكَذَا وَرَثَةُ مَنْ انْتَقَلَتْ عَنْهُ وَمَتَى دَفَعَ إلَى مُدَّعِيهِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ وَاجِدُهُ خُمُسَهُ بِاخْتِيَارِهِ غُرِّمَ بَدَلَ خُمُسِهِ لِمُدَّعِيهِ لِتَفْوِيتِهِ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا) أَيْ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ (لُقَطَةً، فَوَاجِدُهَا: أَحَقُّ) بِهَا (مِنْ صَاحِبِ الْمِلْكِ) أَيْ الْأَرْضِ، فَيَمْلِكُهَا وَاجِدُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَرَبُّ الْأَرْضِ أَحَقُّ بِرِكَازٍ، وَلُقَطَةٍ مِنْ وَاجِدٍ مُتَعَدٍّ بِدُخُولِهِ. (وَكَذَا حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ، يَجِدُ فِي الدَّارِ رِكَازًا، أَوْ لُقَطَةً) فَيَكُونَانِ أَحَقَّ بِهِمَا (فَإِنْ ادَّعَى كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْمُؤَجِّرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ (أَنَّهُ وَجَدَهُ أَوَّلًا، أَوْ) أَنَّهُ (مِلْكُهُ، أَوْ) أَنَّهُ (دَفَنَهُ فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُ مُكْتَرٍ، لِزِيَادَةِ الْيَدِ) وَكَذَا مُعِيرٌ وَمُسْتَعِيرٌ اخْتَلَفَا (إلَّا أَنْ يَصِفَهُ) أَيْ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ مِنْ رِكَازٍ أَوْ لُقَطَةٍ (أَحَدِهِمَا، فَيَكُونُ لَهُ) تَرْجِيحًا لَهُ بِالْوَصْفِ (مَعَ يَمِينِهِ) لِاحْتِمَالِ صِدْقِ صَاحِبِهِ. فَإِنْ وَصَفَاهَا تَسَاقَطَا وَرَجَحَ مُكْتَرٍ لِزِيَادَةِ الْيَدِ (وَالرِّكَازُ) مُشْتَقٌّ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ كَغَرِزَ يَغْرِز، إذَا أَخْفَى وَمِنْهُ رَكَّزْت الرُّمْحَ إذَا أَخْفَيْت أَصْلَهُ وَمِنْهُ الرِّكْزُ: وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ فَهُوَ لُغَةً: الْمَالُ الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ وَاصْطِلَاحًا (مَا وُجِدَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ) بِكَسْرِ الدَّالِ، أَيْ مَدْفُونِهِمْ (أَوْ دِفْنِ مَنْ
باب زكاة الذهب والفضة
تَقَدَّمَ مِنْ كُفَّارٍ) وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جَاهِلِيَّةً (فِي الْجُمْلَةِ) فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ظَاهِرًا، إذَا كَانَ بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ خَرِبَةٍ (فِي دَارِ إسْلَامٍ أَوْ دَارِ عَهْدٍ، أَوْ دَارِ حَرْبٍ وَقَدَرَ عَلَيْهِ) بِدَارِ الْحَرْبِ (وَحْدَهُ أَوْ بِجَمَاعَةٍ، لَا مَنَعَةَ لَهُمْ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ فِي دَارِ الْحَرْبِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ لَهُمْ مَنَعَةٌ فَغَنِيمَةٌ) لِأَنَّ قُوَّتَهُمْ أَوْصَلَتْ إلَيْهِ فَكَانَ غَنِيمَةً، كَالْمَأْخُوذِ بِالْحَرْبِ (عَلَيْهِ) أَيْ الرِّكَازِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ: عَلَامَةُ كُفْرٍ) كَأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ (فَقَطْ) وَالْجُمْلَةُ صِفَةُ " مَا " فِي قَوْلِهِ: مَا وُجِدَ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ، إنْ كَانَتْ نَكِرَةً أَوْ حَالٌ إنْ كَانَتْ مَوْصُولَةً (فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ) أَيْ الدَّفْنِ (أَوْ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ) كَاسْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٍ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ آيَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ، فَهُوَ لُقَطَةٌ (أَوْ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ عَلَامَةٌ، كَالْأَوَانِي وَالْحُلِيِّ، وَالسَّبَائِكِ فَهُوَ لُقَطَةٌ لَا) يُمْلَكُ إلَّا بَعْدَ التَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ مَالُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْهُ وَتَغْلِيبًا لِحُكْمِ دَارِ الْإِسْلَامِ. [بَابُ زَكَاةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ] ِ وَهُمَا الْأَثْمَانُ فَلَا تَدْخُلُ فِيهَا الْفُلُوسُ، وَلَوْ رَائِجَةً (وَحُكْمُ التَّحَلِّي) بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ (تَجِبُ زَكَاتُهُمَا) بِالْإِجْمَاعِ وَسَنَدُهُ: قَوْله تَعَالَى {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} [التوبة: 34]- الْآيَةُ وَالسُّنَّةُ مُسْتَفِيضَةٌ بِذَلِكَ وَمِنْهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهِمَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ، أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيُعْتَبَرُ) لَهُمَا (النِّصَابُ) إجْمَاعًا (فَنِصَابُ الذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَيْسَ فِي أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ - مِثْقَالًا مِنْ الذَّهَبِ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ
يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ عِشْرِينَ مِثْقَالًا نِصْفَ مِثْقَالٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ (زِنَةُ الْمِثْقَالِ دِرْهَمُ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ) إسْلَامِيٍّ. (وَلَمْ تَتَغَيَّرْ) الْمَثَاقِيلُ (فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ) قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ (وَهُوَ) أَيْ الْمِثْقَالُ (ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ حَبَّةَ شَعِيرٍ مُتَوَسِّطَةٍ وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ حَبَّةً وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِ حَبَّةٍ مِنْ الشَّعِيرِ الْمُطْلَقِ) . أَيْ غَيْرِ الْمُقَيَّدِ بِالْمُتَوَسِّطِ (وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ (وَزِنَةُ الْعِشْرِينَ مِثْقَالًا بِالدَّرَاهِمِ) الْإِسْلَامِيَّةِ (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ وَبِدِينَارِ الْوَقْتِ الْآنَ الَّذِي زِنَتُهُ دِرْهَمٍ وَثَمَنُ دِرْهَمٍ) عَلَى التَّحْدِيدِ (خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ دِينَارًا وَسُبْعَا دِينَارٍ وَتِسْعَةٍ) وَهُوَ دِينَارُ زَمَنِنَا هَذَا إلَّا أَنَّ الْمِائَةَ دِينَارٍ مِنْ دَارِ الضَّرْبِ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا فَيَزِيدُ الدِّينَارُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ نِصْفُ جُزْءٍ مِنْ مِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ دِرْهَمٍ وَلَا يَكَادُ ذَلِكَ يَظْهَرُ فِي الْوَزْنِ (وَنِصَابُ الْفِضَّةِ: مِائَتَا دِرْهَمٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ» وَالْأُوقِيَّةُ: أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا (وَ) هِيَ (بِالْمَثَاقِيلِ: مِائَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِثْقَالًا) . (وَفِيهِمَا) أَيْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (رُبْعُ الْعُشْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَرَوَى أَنَسٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مَضْرُوبَيْنِ) كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ (أَوْ غَيْرَ مَضْرُوبَيْنِ) لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ، وَعُمُومُ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا كَانَتْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ» (وَالِاعْتِبَارُ بِالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي زِنَتُهُ سِتَّةِ دَوَانِقَ، وَالْعَشَرَةُ دَرَاهِمَ: سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ فَالدِّرْهَمُ نِصْفُ مِثْقَالٍ وَخَمْسَةٌ) أَيْ خُمْسُ مِثْقَالٍ قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَصْحَابُنَا: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ: أَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ. (وَكَانَتْ الدَّرَاهِمُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ صِنْفَيْنِ سَوْدَاءُ، وَهِيَ الْبَغْلِيَّةُ، نِسْبَةً إلَى مَلِكٍ، يُقَالُ لَهُ رَأْسُ الْبَغْلِ الدِّرْهَمُ مِنْهَا: ثَمَانِيَةُ دَوَانِقَ وَالطَّبَرِيَّةُ: نِسْبَةً إلَى طَبَرِيَّةِ الشَّامِ) . بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ (الدِّرْهَمُ) مِنْهَا (أَرْبَعَةُ دَوَانِقَ فَجَمَعَتْهُمَا بَنُو أُمَيَّةَ وَجَعَلُوهُمَا) أَيْ الْبَغْلِيَّةُ وَالطَّبَرِيَّةُ (دِرْهَمَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ كُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِقَ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: لَا يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ الْأُوقِيَّةُ وَالدَّرَاهِمُ مَجْهُولَةً فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ مُوجِبُ الزَّكَاةِ فِي أَعْدَادٍ مِنْهَا وَتَقَعُ بِهَا الْمُبَايَعَاتُ وَالْأَنْكِحَةُ كَمَا فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ - مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ
تَكُنْ مَعْلُومَةً إلَى زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، فَإِنَّهُ جَمَعَهَا بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ، وَجَعَلَ وَزْنَ الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِقَ - قَوْلٌ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا مَعْنَى مَا نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْهَا مِنْ ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى صِفَةٍ لَا تَخْتَلِفُ فَرَأَوْا صَرْفَهَا إلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ وَنَقْشِهِ فَجَمَعُوا أَكْبَرَهَا وَأَصْغَرَهَا وَضَرَبُوهُ عَلَى وَزْنِهِمْ (فَيُرَدُّ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَى الْمِثْقَالِ وَالدِّرْهَمِ الْإِسْلَامِيِّ) وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ الْخُرَاسَانِيَّةُ وَهِيَ دَانِقٌ أَوْ نَحْوُهُ وَالْيَمَنِيَّةُ وَهِيَ دَانِقَانِ وَنِصْفٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. (وَلَا زَكَاةَ فِي مَغْشُوشِهَا، حَتَّى يَبْلُغَ قَدْرَ مَا فِيهِ مِنْ الْخَالِصِ) ذَهَبًا كَانَ أَوْ فِضَّةً (نِصَابًا) نَقَلَ حَنْبَلٌ فِي دَرَاهِمَ مَغْشُوشَةٍ، فَلَوْ خَلَصَتْ نَقَصَتْ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ: لَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمِائَتَيْنِ هُمَا فَرْضٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا تَمَّتْ فَفِيهَا الزَّكَاةُ (فَإِنْ شَكَّ: هَلْ فِيهِ) أَيْ الْمَغْشُوشِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (نِصَابٌ خَالِصٌ؟ خُيِّرَ بَيْنَ سَبْكِهِ وَإِخْرَاجِ قَدْرِ زَكَاةِ نَقْدِهِ، إنْ بَلَغَ) نَقْدُهُ (نِصَابًا وَبَيْنَ اسْتِظْهَارِهِ) أَيْ احْتِيَاطِهِ. (وَإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ بِيَقِينٍ) وَمَتَى ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ أَنَّهُ عَلِمَ الْغِشَّ أَوْ أَنَّهُ اسْتَظْهَرَ، وَأَخْرَجَ الْفَرْضَ قُبِلَ مِنْهُ بِلَا يَمِينٍ. (وَإِنْ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِي الْمَغْشُوشِ لِتَيَقُّنِ بُلُوغِ خَالِصِهِ نِصَابًا (وَشَكَّ فِي زِيَادَةِ) الْمَغْشُوشِ عَلَى نِصَابٍ (اسْتَظْهَرَ) أَيْ احْتَاطَ، لِيَبْرَأَ بِيَقِينٍ. (فَأَلْفُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُخْتَلِطَةٌ سِتُّمِائَةٍ مِنْ أَحَدِهِمَا) وَأَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ الْآخَرِ (وَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ أَيِّهِمَا؟) السِّتُّمِائَةِ (وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ زَكَّى سِتَّمِائَةٍ ذَهَبًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ فِضَّةً) لِأَنَّهُ يَبْرَأُ بِذَلِكَ بِيَقِينٍ. (وَإِنْ أَرَادَ) رَبُّ الْمَالِ (أَنْ يُزَكِّيَ الْمَغْشُوشَةَ مِنْهَا وَعَلِمَ قَدْرَ الْغِشِّ فِي كُلِّ دِينَارٍ) أَوْ دِرْهَمٍ (جَازَ) إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا لِلْعِلْمِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ مَا فِي كُلِّ دِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ مِنْ الْغِشِّ (لَمْ يُجْزِئْهُ) إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا طَرِيقَ لَهُ إذَنْ إلَى الْعِلْمِ بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (إلَّا أَنْ يَسْتَظْهِرَ فَيُخْرِجُ) مِنْهَا (قَدْرَ الزَّكَاةِ بِيَقِينٍ) فَيُجْزِئُهُ، لِانْتِفَاءِ الْمَانِعِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ) عَنْهَا (مَالًا غَشَّ فِيهِ فَهُوَ أَفْضَلُ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَيُعْرَفُ قَدْرُ غِشِّهِ حَقِيقَةً بِأَنْ يَدَعَ مَاءً فِي إنَاءٍ) أَسْفَلَهُ كَأَعْلَاهُ (ثُمَّ يَدَعَ فِيهِ ذَهَبًا خَالِصًا زِنَةَ الْمَغْشُوشِ، وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ) الَّذِي فِي الْإِنَاءِ. (ثُمَّ يَرْفَعَهُ) أَيْ الذَّهَبَ، أَيْ يُخْرِجَهُ مِنْ الْمَاءِ (وَيَضَعَ بَدَلَهُ) فِي الْمَاءِ (فِضَّةً خَالِصَةً زِنَةَ الْمَغْشُوشِ، وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ، وَهُوَ) أَيْ الْعُلُوُّ عِنْدَ وَضْعِ الْفِضَّةِ (أَعْلَى مِنْ) الْعُلُوِّ (الْأَوَّلِ) عِنْدَ وَضْعِ الذَّهَبِ (لِأَنَّ الْفِضَّةَ أَضْخَمُ مِنْ الذَّهَبِ، ثُمَّ يَرْفَعَهَا) أَيْ الْفِضَّةَ (وَيَدَع الْمَغْشُوشَ) فِي الْمَاءِ (وَيَعْلَمَ عُلُوَّ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحَ) مِنْ الْمِسَاحَةِ، أَيْ
يَقِيسُ (مَا بَيْنَ الْعَلَامَةِ الْوُسْطَى) وَهِيَ عَلَامَةُ الْمَغْشُوشِ. (وَ) بَيْنَ الْعَلَامَةِ (الْعُلْيَا) عَلَامَةُ الْفِضَّةِ (وَ) يَمْسَحَ (مَا بَيْنَ الْعَلَامَةِ الْوُسْطَى وَ) الْعَلَامَةِ (السُّفْلَى) وَهِيَ عَلَامَةُ الذَّهَبِ (فَإِنْ كَانَ الْمَمْسُوحَانِ سَوَاءً، فَنِصْفُ الْمَغْشُوشِ ذَهَبٌ وَنِصْفُهُ فِضَّةٌ وَإِنْ زَادَ) ذَلِكَ (أَوْ نَقَصَ، فَبِحِسَابِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثَيْ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ) لِلذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الْخَالِصَيْنِ (وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُهُ كَانَتْ الْفِضَّةُ ثُلُثَيْنِ وَالذَّهَبُ الثُّلُثَ وَبِالْعَكْسِ) . بِأَنْ يَكُونَ مَا بَيْنَ الْعُلْيَا إلَى الْوُسْطَى ثُلُثُ مَا بَيْنَ الْعَلَامَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ السُّفْلَى إلَى الْوُسْطَى: ثُلُثَاهُ (الذَّهَبُ الثُّلُثَانِ) وَالْفِضَّةُ الثُّلُثُ إذْ الِارْتِفَاعُ لِلْفِضَّةِ لِضَخَامَتِهَا، وَالِانْخِفَاضُ لِلذَّهَبِ لِثِقَلِهِ. (وَالْأَوْلَى: أَنْ يَكُونَ الْإِنَاءُ ضَيِّقًا) لِأَنَّ عُلُوَّ الْمَاءِ فِيهِ يَظْهَرُ وَيَتَّضِحُ (وَيَتَعَيَّنُ) فِي الْإِنَاءِ (أَنْ يَكُونَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ فِي السَّعَةِ وَالضِّيقِ سَوَاءً كَقَصَبَةٍ) فَارِسِيَّةٍ (وَنَحْوِهَا) لِيَتَأَتَّى ذَلِكَ الْعَمَلُ (وَلَا زَكَاةَ فِي غَشِّهَا) أَيْ الدَّنَانِيرِ أَوْ الدَّرَاهِمِ الْمَغْشُوشَةِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْغِشُّ (فِضَّةً، فَيُضَمُّ إلَى مَا مَعَهُ مِنْ النَّقْدِ فِضَّةً كَانَ أَوْ ذَهَبًا) لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ يُضَمُّ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ (وَيُكْرَهُ ضَرْبُ نَقْدٍ مَغْشُوشٍ وَاِتِّخَاذُهُ نَصَّ عَلَيْهِ) قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُنَادِي: لَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنْ يَضْرِبُوا إلَّا جِيدًا. (وَتَجُوز الْمُعَامَلَةُ بِهِ) أَيْ بِالنَّقْدِ الْمَغْشُوشِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ، إذَا أَعْلَمَهُ بِذَلِكَ) أَيْ بِكَوْنِهَا مَغْشُوشَةً (وَإِنْ جَهِلَ قَدْرَ الْغِشِّ) وَكَذَا لَوْ كَانَ غِشًّا مَعْلُومًا كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي فِي الرِّبَا وَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَعَامَلُونَ بِدَرَاهِمِ الْعَجَمِ، وَكَانُوا إذَا زَافَتْ عَلَيْهِمْ أَتَوْا بِهَا إلَى السُّوقِ فَقَالُوا مَنْ يَبِيعُنَا بِهَذِهِ؟ " وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَضْرِبْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا أَبُو بَكْرٍ، وَلَا عُمَرُ وَلَا عُثْمَانُ، وَلَا عَلِيٌّ وَلَا مُعَاوِيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ، أَيْ فِي ضَرْبِ الْمَغْشُوشِ: ظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ قُلْت: فَكَذَا فِي الْمُعَامَلَةِ خُصُوصًا حَيْثُ عَمَّتْ الْبَلْوَى بِهَا. (قَالَ الشَّيْخُ: الْكِيمْيَاءُ غِشٌّ وَهِيَ تَشْبِيهُ الْمَصْنُوعِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بِالْمَخْلُوقِ) ذَهَبًا أَوْ فِضَّةٍ (بَاطِلَةٌ فِي الْعَقْلِ) لِاسْتِحَالَةِ قَلْبِ الْأَعْيَانِ (مُحَرَّمَةٌ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ) لِحَدِيثِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» . (وَلَوْ ثَبَتَتْ عَلَى الرُّوبَاضِ) أَيْ مَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ غِشُّ النَّقْدِ (وَيَقْتَرِنُ بِهَا كَثِيرًا السِّيمِيَاءُ الَّتِي هِيَ مِنْ السِّحْرِ، وَمَنْ طَلَبِ زِيَادَةَ الْمَالِ بِمَا حَرَّمَهُ اللَّهُ) تَعَالَى
(عُوقِبَ بِنَقِيضِهِ، كَالْمُرَابِي) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276] . (وَهِيَ) أَيْ الْكِيمْيَاءُ (أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْهُ) لِتَعَدِّي ضَرَرِهَا (وَلَوْ كَانَتْ حَقًّا مُبَاحًا لَوَجَبَ فِيهَا خُمُسٌ) كَالرِّكَازِ (أَوْ زَكَاةٍ) كَالزَّرْعِ وَالثَّمَرِ وَالْمَعْدِنِ. (وَلَمْ يُوجِبْ عَالِمٌ فِيهَا شَيْئًا) فَدَلَّ عَلَى بُطْلَانِهَا. (وَالْقَوْلُ بِأَنَّ قَارُونَ عَمَلَهَا بَاطِلٌ وَلَمْ يَذْكُرْهَا، أَوْ يَعْمَلْهَا إلَّا فَيْلَسُوفٌ، أَوْ اتِّحَادِيٌّ أَوْ مَلِكٌ ظَالِمٌ وَقَالَ) . الشَّيْخُ (يَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَضْرِبَ لَهُمْ) أَيْ الرَّعَايَا (فُلُوسًا تَكُونُ بِقِيمَةِ الْعَدْلِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ) تَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَتَيْسِيرًا لِمَعَاشِهِمْ (وَلَا يَتَّجِرُ ذُو السُّلْطَانِ فِي الْفُلُوسِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَضْيِيقٌ. (وَلَا بِأَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمْ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرَبُ لَهُمْ غَيْرَهَا) لِأَنَّهُ إضْرَارٌ بِالنَّاسِ، وَخُسْرَانٌ عَلَيْهِمْ (بَلْ يَضْرِبُ) النُّحَاسَ فُلُوسًا (بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْطِي أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ ظُلْمِ النَّاسِ وَأَكْلِ أَمْوَالِهِمْ بِالْبَاطِلِ فَإِنَّهُ إذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ بِهَا صَارَتْ عَرَضًا، وَ) إذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْأَمْوَالِ بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا فَظَلَمَهُمْ فِيمَا يَضْرِبُهُ بِإِغْلَاءِ سِعْرِهَا قُلْت: وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي زَمَنِنَا مَرَّاتٍ، وَفَسَدَتْ بِهِ أَمْوَالُ كَثِيرِينَ، وَزَادَ عَلَيْهِمْ الضَّرَرُ. (وَفِي السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَرَوَاهُ أَيْضًا أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إلَّا مِنْ بَأْسٍ» ) . نَحْوُ أَنْ يُخْتَلَفَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا هَلْ هُوَ جَيِّدٌ أَوْ رَدِيءٌ؟ (فَإِذَا كَانَتْ) الْفُلُوسُ (مُسْتَوِيَةَ الْأَسْعَارِ بِسِعْرِ النُّحَاسِ وَلَمْ يَشْتَرِ وَلِيُّ الْأَمْرِ النُّحَاسَ وَالْفُلُوس الْكَاسِدَةَ لِيَضْرِبَهُمَا فُلُوسًا، وَيَتَّجِرَ فِي ذَلِكَ حَصَلَ الْمَقْصُود مِنْ الثَّمَنِيَّةِ وَكَذَلِكَ الدَّرَاهِمُ انْتَهَى) وَلَا مَزِيدَ عَلَى حُسْنِهِ وَلَا يُضْرَبُ لِغَيْرِ السُّلْطَانِ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُكْرَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ كَذَا قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ (فِي رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ) لَا يَصْلُحُ ضَرْبُ الدَّرَاهِمِ إلَّا فِي دَارِ الضَّرْبِ بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لِأَنَّ النَّاسَ إنْ رُخِّصَ لَهُمْ رَكِبُوا الْعَظَائِمَ قَالَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ فَقَدْ مُنِعَ مِنْ الضَّرْبِ بِغَيْرِ إذْنِ السُّلْطَانِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ (وَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحًا وَرَدِيئًا مِنْ جِنْسِهِ) أَيْ فَيُخْرِجُ عَنْ جَيِّدٍ صَحِيحٍ: جِيدًا صَحِيحًا لِأَنَّ إخْرَاجَ غَيْرِ ذَلِكَ خَبِيثٌ فَلَمْ يَجُزْ، وَكَالْمَاشِيَةِ. وَيُخْرِجُ عَنْ الرَّدِيءِ رَدِيئًا، لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ (وَ) إنْ كَانَ الْمَالُ أَنْوَاعًا أَخْرَجَ (مِنْ كُلِّ
نَوْعٍ بِحِصَّتِهِ) كَالْحَبِّ وَالتَّمْرِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ بِقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ الْأَعْلَى، كَانَ أَفْضَلَ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ (وَإِنْ أَخْرَجَ عَنْ الْأَعْلَى مُكَسَّرًا، أَوْ مُبَهْرَجًا، وَهُوَ الرَّدِيءُ، زَادَ قَدْرَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَضْلِ وَأَجْزَأَ) هـ ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ قَدْرًا وَقِيمَةً، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخْرَجَ مِنْ عَيْنِهِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ الْأَعْلَى بِقَدْرِ الْقِيمَةِ) أَيْ قِيمَةِ الْوَاجِبِ فِي الرَّدِيءِ (دُونَ الْوَزْنِ) كَمَا لَوْ أَخْرَجَ ثُلُثَ دِينَارٍ عَنْ نِصْفِ رَدِيءٍ بِقِيمَتِهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمُخَالَفَةِ النَّصِّ. (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (قَلِيلِ الْقِيمَةِ عَنْ كَثِيرِهَا مَعَ الْوَزْنِ) لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالنَّوْعِ وَقَدْ أَخْرَجَ مِنْهُ (وَيُجْزِئُ) إخْرَاجُ (مَغْشُوشٍ عَنْ جَيِّدٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (مُكَسَّرٍ عَنْ صَحِيحٍ) مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا (و) إخْرَاجُ (سُودٍ عَنْ بِيضٍ مَعَ الْفَضْلِ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّهُ أَدَّى الْوَاجِبَ قَدْرًا وَقِيمَةً وَكَمَا لَوْ أَدَّى مِنْ عَيْنِهِ وَالرِّبَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، كَمَا لَا يَجْرِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَسَيِّدِهِ. (وَلَا يَلْزَمُ قَبُولُ رَدِيءٍ عَنْ جَيِّدٍ فِي عَقْدٍ وَغَيْرِهِ) كَقِيمَةِ مُتْلِفِهِ، وَأَرْشِ جِنَايَةٍ لِانْصِرَافِ الْإِطْلَاقِ إلَى الْجَهْدِ (وَيَثْبُتُ الْفَسْخُ) فِي الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ إذَا بَانَ عِوَضُهُ الْمُعَيَّنُ مَعِيبًا، كَالْمَبِيعِ. (وَيُضَمُّ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ إلَى الْآخَرِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ وَيَخْرُجُ عَنْهُ) لِأَنَّ مَقَاصِدَهُمَا وَزَكَاتَهُمَا مُتَّفِقَةٌ، فَهُمَا كَنَوْعَيْ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَاضِرٍ وَدَيْنٍ. (وَيَكُونُ الضَّمُّ بِالْأَجْزَاءِ) كَالنِّصْفِ وَالرُّبْعِ، وَ (لَا) يَكُونُ الضَّمُّ (بِالْقِيمَةِ) لِأَنَّ الضَّمَّ بِالْأَجْزَاءِ مُتَيَقَّنٌ بِخِلَافِ الْقِيمَةِ، فَإِنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ (فَعَشَرَةُ مَثَاقِيلَ ذَهَبًا نِصْفُ نِصَابٍ، وَمِائَةُ دِرْهَمٍ) فِضَّةً (نِصْفُ) نِصَابٍ (فَإِذَا ضُمَّا) أَيْ النِّصْفَانِ (كَمُلَ النِّصَابُ) فَتَجِبُ الزَّكَاةُ بِخِلَافِ عَشَرَةِ مَثَاقِيلَ وَتِسْعِينَ دِرْهَمَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا عَشَرَةَ مَثَاقِيلَ فَلَا ضَمَّ (وَإِنْ بَلَغَ أَحَدُهُمَا نِصَابًا، ضُمَّ إلَيْهِ مَا نَقَصَ عَنْ الْآخَرِ) . وَإِنْ اخْتَارَ الْمَالِكُ الدَّفْعَ مِنْ جِنْسِ الْوَاجِبِ، وَأَرَادَ الْفَقِيرُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوْ لِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ لَمْ يَلْزَمْ الْمَالِكُ إجَابَتُهُ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْ سِوَاهُ (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الْفُلُوسِ عَنْهُمَا) أَيْ عَنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لِأَنَّهَا عُرُوضٌ. (وَتُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ) الَّتِي لِلتِّجَارَةِ (إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) قَالَ الْمُوَفَّقُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا كَمَنْ لَهُ عَشَرَةُ مَثَاقِيلَ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ أُخْرَى، أَوْ لَهُ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَمَتَاعٌ، قِيمَتُهُ مِثْلُهَا لِأَنَّ الزَّكَاةَ إنَّمَا تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ وَهِيَ تُقَوَّمُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فَكَانَا مَعَ الْقِيمَةِ جِنْسًا وَاحِدًا (وَ) تُضَمُّ قِيمَةُ الْعُرُوضِ أَيْضًا (إلَيْهِمَا) فَلَوْ كَانَ لَهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ وَعُرُوضٌ ضَمَّ الْجَمِيعَ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ لِأَنَّ الْعَرْضَ مَضْمُومٌ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَوَجَبَ ضَمُّهُمَا إلَيْهِ. (وَيُضَمُّ جَيِّدُ
فصل ولا زكاة في حلي مباح لرجل وامرأة
كُلِّ جِنْسٍ وَمَضْرُوبِهِ إلَى رَدِيئِهِ وَتِبْرِهِ) كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ وَلِأَنَّهُ إذَا ضَمَّ أَحَدَ الْجِنْسَيْنِ هُنَا إلَى الْآخَرِ، فَضَمُّ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ أَوْلَى. [فَصْلٌ وَلَا زَكَاةَ فِي حُلِيٍّ مُبَاحٍ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ] ٍ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ مُعَدٍّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ أَوْ إعَارَةٍ، وَلَوْ لَمْ يُعَرْ أَوْ يُلْبَسْ حَيْثُ أُعِدَّ لِذَلِكَ (أَوْ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَرَجُلٍ يَتَّخِذُ حُلِيَّ النِّسَاءِ لِإِعَارَتِهِنَّ وَامْرَأَةٍ تَتَّخِذُ حُلِيَّ الرِّجَالِ لِإِعَارَتِهِمْ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَيْسَ فِي الْحُلِيِّ زَكَاةٌ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ وَلِأَنَّهُ مُرْصَدٌ لِلِاسْتِعْمَالِ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالْعَوَامِلِ وَثِيَابِ الْقِنْيَةِ وَمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَالَ لِامْرَأَةٍ فِي يَدِهَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ هَلْ تُعْطِينَ زَكَاةَ هَذَا؟ قَالَتْ: لَا قَالَ: أَيَسُرُّكِ أَنْ يُسَوِّرَكِ اللَّهُ بِسِوَارَيْنِ مِنْ نَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَهُوَ ضَعِيفٌ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَمَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» فَجَوَابُهُ: أَنَّهَا الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: لَا يُعْلَمُ هَذَا الِاسْمُ فِي الْكَلَامِ الْمَعْقُولِ عِنْدَ الْعَرَبِ إلَّا عَلَى الدَّرَاهِمِ الْمَضْرُوبَةِ ذَاتِ السِّكَّةِ السَّائِرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَعَلَى تَقْدِيرِ الشُّمُولِ: يَكُونُ مَخْصُوصًا بِمَا ذَكَرْنَا. وَ (لَا) تَسْقُطُ الزَّكَاةُ عَمَّنْ اتَّخَذَ حُلِيًّا (فَارًّا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةُ، بَلْ تَلْزَمُهُ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِيَتِيمٍ لَا يَلْبَسُهُ) الْيَتِيمُ (فَلِوَلِيِّهِ إعَارَتُهُ فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ أَعَارَهُ (فَلَا زَكَاةَ) فِيهِ (وَإِلَّا فَفِيهِ الزَّكَاةُ نَصًّا) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ. (فَأَمَّا الْحُلِيُّ الْمُحَرَّمُ) كَطَوْقِ الرَّجُلِ وَسِوَارِهِ وَخَاتَمِهِ الذَّهَبِ، وَحِلْيَةِ مَرَاكِبِ الْحَيَوَانِ، وَلِبَاسِ الْخَيْلِ، كَاللُّجُمِ وَالسُّرُوجِ، وَقَلَائِدِ الْكِلَابِ وَحِلْيَةِ الرِّكَابِ وَالْمِرْآةِ وَالْمُشْطِ وَالْمُكْحُلَةِ وَالْمِيلِ وَالْمِسْرَحَةِ، وَالْمِرْوَحَةِ وَالْمِشْرَبَةِ وَالْمُدْهُنَةِ وَالْمِسْعَطِ وَالْمِجْمَرَةِ وَالْمِلْعَقَةِ وَالْقِنْدِيلِ، وَالْآنِيَةِ، وَحِلْيَةِ كُتُبِ الْعِلْمِ
بِخِلَافِ الْمُصْحَفِ فَيُكْرَهُ تَحْلِيَتُهُ (وَ) حِلْيَةِ (الدَّوَاةِ وَالْمِقْلَمَةِ وَمَا أُعِدَّ لِكِرَاءٍ، كَحُلِيِّ الْمَوَاشِطِ نَصًّا حَلَّ لَهُ) أَيْ الْمُتَّخَذَةَ لِكِرَاءٍ (لَبِسَهُ أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَحِلَّ لَهُ (أَوْ أُعِدَّ لِلتِّجَارَةِ، كَحُلِيِّ الصَّيَارِفِ، أَوْ) أُعِدَّ لِ (قِنْيَةٍ أَوْ ادِّخَارٍ أَوْ نَفَقَةٍ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا لِأَنَّهَا إنَّمَا سَقَطَتْ فِي الْمُبَاحِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ لِصَرْفِهِ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ. (وَلَا زَكَاةَ فِي الْجَوْهَرِ وَاللُّؤْلُؤِ وَإِنْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، أَوْ كَانَ فِي حُلِيٍّ) كَسَائِرِ الْعُرُوضِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحُلِيُّ (لِتِجَارَةٍ، فَيُقَوَّمُ جَمِيعُهُ) أَيْ مَا فِيهِ مِنْ جَوْهَرٍ وَلُؤْلُؤٍ وَغَيْرِهِمَا (تَبَعًا لِنَقْدٍ) أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْدٍ. (وَالْفُلُوسُ: كَعُرُوضِ التِّجَارَةِ فِيهَا زَكَاةُ الْقِيمَةِ) كَبَاقِي الْعُرُوضِ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ زَكَاتِهَا مِنْهَا. (قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ كَانَتْ) الْفُلُوسُ (لِلنَّفَقَةِ فَلَا) زَكَاةَ فِيهَا كَعُرُوضِ الْقِنْيَةِ (وَالِاعْتِبَارِ فِي نِصَابِ الْكُلِّ) أَيْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ مُبَاحٍ تَجِبُ فِيهِ وَمُحَرَّمٍ (بِوَزْنِهِ) لِعُمُومٍ " لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ " (إلَّا) الْحُلِيَّ (الْمُبَاحَ الْمُعَدَّ لِلتِّجَارَةِ وَلَوْ نَقْدًا فَالِاعْتِبَارُ بِقِيمَتِهِ نَصًّا) كَسَائِرِ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ (فَيُقَوَّمُ النَّقْدُ) الْمُعَدُّ لِلتِّجَارَةِ (بِنَقْدٍ آخَرَ، إنْ كَانَ أَحَظَّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ نَقَصَ عَنْ نِصَابٍ لِأَنَّهُ عَرَضٌ) أَيْ مَالُ تِجَارَةٍ. (وَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَأَمْكَنَ لُبْسُهُ، كَانْشِقَاقِهِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ) إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ لُبْسُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ فِي إصْلَاحِهِ إلَى سَبْكٍ وَتَجْدِيدِ صِنَاعَةٍ وَنَوَى إصْلَاحَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ) كَالصَّحِيحِ. هَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَجَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا وَذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَجْهًا فَقَالَ: مَا لَمْ يَنْوِ كَسْرَهُ فَيُزَكِّيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُرَادُ غَيْرِهِ وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يُزَكِّيهِ وَلَوْ نَوَى إصْلَاحَهُ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَجَزَمَ بِهِ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَذْكُرْ نِيَّةَ إصْلَاحٍ وَلَا غَيْرِهَا قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ قَالَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: فَإِنْ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ كَسْرًا لَا يَمْنَعُ اللُّبْسَ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ تَرْكَ لُبْسِهِ وَإِنْ كَانَ كَسْرًا يَمْنَعُ الِاسْتِعْمَالَ فَفِيهِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهُ صَارَ كَالنَّقْرَةِ (وَإِنْ نَوَى كَسْرَهُ) أَيْ الْحُلِيِّ (أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ الزَّكَاةُ) كَالنُّقْرَةِ. (وَإِنْ احْتَاجَ إلَى تَجْدِيدِ صَنْعَةٍ زَكَّاهُ) إلَى أَنْ يُجَدِّدَ صَنْعَتَهُ، كَالسَّبِيكَةِ الَّتِي يُرِيدُ جَعْلَهَا حُلِيًّا (وَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ مِنْ الْحُلِيِّ الْمُحَرَّمِ: بِوَزْنِهِ) . وَلَوْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ بِوَاسِطَةِ صَنْعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، يَجِبُ إتْلَافُهَا شَرْعًا، فَلَمْ تُعْتَبَرْ (وَإِنْ كَانَ) الْحُلِيُّ (لِلتِّجَارَةِ) فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ بِقِيمَتِهِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (أَوْ كَانَ) الْحُلِيُّ (مُبَاحَ الصِّنَاعَةِ، وَجَبَتْ زَكَاتُهُ لِعَدَمِ اسْتِعْمَالٍ، أَوْ لِعَدَمِ إعَارَةٍ وَنَحْوِهِ) كَنِيَّتِهِ بِهِ الْقِنْيَةَ
(فَالِاعْتِبَارُ فِي الْإِخْرَاجِ) مِنْهُ (بِقِيمَتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهِ وَزْنًا لَفَاتَتْ الصَّنْعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ شَرْعًا عَلَى الْفُقَرَاءِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (فَإِنْ أَخْرَجَ مُشَاعًا) أَجْزَأَ مِنْهُ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ (أَوْ) أَخْرَجَ (مِثْلَهُ وَزْنًا مِمَّا يُقَابِلُ جُودَتَهُ زِيَادَةُ الصَّنْعَةِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْوَاجِبِ وَزْنًا وَقِيمَةً. (وَإِنْ أَرَادَ كَسْرَهُ) لِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ (لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ كَسْرَهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهُ) فَفِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ بِلَا مَصْلَحَةٍ. (وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ خَاتَمٌ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرَّجُلِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَهُ خَاتَمٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَظَاهِرُ مَا نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا فَضْلَ فِيهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْره وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، قِدَمُهُ فِي الرِّعَايَةِ وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِقَصْدِ الزِّينَةِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ (وَلُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (فِي خِنْصَرِ يَسَارٍ أَفْضَلُ) مِنْ لُبْسِهِ فِي خِنْصَرِ الْيَمِينِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَالْفَضْلِ وَإِنَّهُ أَقَرُّ وَأَثْبَتُ وَضُعِّفَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَغَيْرِهِ: التَّخَتُّمُ فِي الْيُمْنَى قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ، وَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ فِي الْخِنْصَرِ، لِكَوْنِهِ طَرَفًا، فَهُوَ أَبْعَدُ عَنْ الِامْتِهَانِ، فِيمَا تَتَنَاوَلُهُ الْيَدُ. وَلِأَنَّهُ لَا يَشْغَلُ الْيَدَ عَمَّا تَتَنَاوَلُهُ (وَ) الْأَفْضَلُ: أَنْ (يَجْعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرَ كَفِّهِ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ يَجْعَلُهُ مِمَّا يَلِي ظَهْرِ كَفّه قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ مِثْقَالًا فَأَكْثَرَ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهِ تَحْدِيدٌ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ) وَإِلَّا حَرُمَ لِأَنَّ الْأَصْلَ التَّحْرِيمُ، خَرَجَ الْمُعْتَادُ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِعْلِ الصَّحَابَة. (وَ) لَهُ (جَعْلُ فَصَّهُ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ) لِأَنَّ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ " كَانَ فَصُّهُ مِنْهُ " وَلِمُسْلِمِ «كَانَ فَصُّهُ حَبَشِيًّا» (وَلَوْ) كَانَ فَصُّهُ (مِنْ ذَهَبٍ، إنْ كَانَ يَسِيرًا) فَيُبَاحُ، وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِإِبَاحَةِ يَسِيرِ الذَّهَبِ فِي اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْمَجْدِ، وَالشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْعِلْمِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ ابْنِ رَجَبٍ ذَكَرَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ: وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالْمَذْهَبُ عَلَى مَا اصْطَلَحْنَاهُ وَاخْتَارَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: التَّحْرِيمَ، وَقَطَعَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْآنِيَةِ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ فِي سَبَّابَةٍ وَوُسْطَى) لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْ ذَلِكَ (وَظَاهِرُهُ: لَا يُكْرَهُ) لُبْسُهُ (فِي الْإِبْهَامِ وَالْبِنْصِرِ) وَإِنْ كَانَ الْخِنْصَرُ أَفْضَلَ، اقْتِصَارًا عَلَى النَّصِّ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْبِنْصِرُ: بِكَسْرِ الْبَاءِ وَالصَّادِ، قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ) أَيْ الْخَاتَمِ ذِكْرُ اللَّهِ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ غَيْرِهِ
نَصًّا قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ لَا يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فِيهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ أَحْمَدَ كَرِهَهُ لِذَلِكَ قَالَ وَلَمْ أَجِدْ لِلْكَرَاهَةِ دَلِيلًا سِوَى هَذَا، هِيَ تَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (وَيَحْرُمُ أَنْ يُنْقَشَ عَلَيْهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ. (وَيَحْرُمُ لُبْسُهُ) أَيْ الْخَاتَمِ (وَهِيَ) أَيْ الصُّورَةُ (عَلَيْهِ) كَالثَّوْبِ الْمُصَوَّرِ. (وَيُبَاحُ التَّخَتُّمُ بِالْعَقِيقِ) قَالَ ابْنُ رَجَبٍ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: لَا يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا وَقَدْ سَأَلَهُ: مَا السُّنَّةُ يَعْنِي فِي التَّخَتُّمِ قَالَ: لَمْ تَكُنْ خَوَاتِيمُ الْقَوْمِ إلَّا مِنْ الْفِضَّةِ قَالَ الْعُقَيْلِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي التَّخَتُّمِ بِالْعَقِيقِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْءٌ وَقَدْ ذَكَرَهَا كُلَّهَا ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ، وَأَعَلَّهَا وَاسْتَحَبَّهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَالتَّلْخِيصِ وَابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْآدَابِ، وَتَبِعَهُمْ فِي الْمُنْتَهَى، وَحَدِيثُ «تَخَتَّمُوا بِالْعَقِيقِ فَإِنَّهُ مُبَارَكٌ» ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا الْخَبَرُ فِي إسْنَادِهِ يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ الَّذِي قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَيْسَ بِالْمَعْرُوفِ وَبَاقِيهِ جَيِّدٌ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ مِنْ الْمَوْضُوعِ. (وَيُكْرَهُ لِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ خَاتَمٌ حَدِيدٍ وَصُفْرٍ، وَنُحَاسٍ وَرَصَاصٍ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَكْرَهُ خَاتَمَ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ (وَكَذَا دُمْلُجٌ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْخَاتَمِ وَجَوَّزَهُ أَبُو الْخَطَّابِ. (وَيُبَاحُ لَهُ أَيْ الذَّكَرِ مِنْ الْفِضَّةِ: قَبِيعَةُ سَيْفٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَالْقَبِيعَةُ: مَا يُجْعَلُ عَلَى طَرَفِ الْقُبْضَةِ وَلِأَنَّهُ حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ أَشْبَهَتْ الْخَاتَمَ (وَ) يُبَاحُ لَهُ حِلْيَةُ مِنْطَقَةٍ وَهِيَ مَا شَدَدْت بِهِ وَسَطَك قَالَهُ الْخَلِيلُ وَتُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ حِيَاصَةً، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ اتَّخَذُوا الْمَنَاطِقَ مُحَلَّاةً بِالْفِضَّةِ وَهِيَ كَالْخَاتَمِ، قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَكِتَابَةُ الْقُرْآنِ عَلَى الْحِيَاصَةِ وَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ مَكْرُوهَةٌ. (وَ) يُبَاحُ لَهُ مِنْ الْفِضَّةِ حِلْيَةُ (جَوْشَنٍ وَبَيْضَةٍ وَهِيَ الْخُوذَةُ، وَحِلْيَةُ خُفٍّ وَحِلْيَة رَانٍ، وَهُوَ شَيْءٌ يُلْبَسُ تَحْتَ الْخُفِّ، وَحَمَائِلُ) وَاحِدَتُهَا حَمَّالَةٌ، قَالَهُ الْخَلِيلُ. (وَنَحْوُ ذَلِكَ، كَالْمِغْفَرِ وَالنَّعْلِ، وَرَأْسِ الرُّمْحِ وَشَعِيرَةِ السِّكِّينِ والتركاش، وَالْكَلَالِيبِ بِسَيْرٍ وَنَحْو ذَلِكَ) لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمِنْطَقَةَ مَعْنَى فَوَجَبَ أَنْ يُسَاوِيَهَا حُكْمًا وَعَلَّلَ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ يَسِيرُ فِضَّةٍ فِي لِبَاسِهِ وَلِأَنَّهُ يَسِيرٌ تَابِعٌ، والتركاش وَالْكَلَالِيبُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَغِشَاءُ الْقَوْسِ وَالنُّشَّابُ والغوفل، وَحِلْيَةُ الْمِهْمَازِ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِرُكُوبِ الْخَيْلِ وَقَالَ: لَا حَدَّ لِلْمُبَاحِ مِنْ ذَلِكَ
ذَلِكَ (وَلَوْ اتَّخَذَ لِنَفْسِهِ عِدَّةَ خَوَاتِيمَ أَوْ) عِدَّةَ (مَنَاطِقَ) وَنَحْوِهَا (فَالْأَظْهَرُ جَوَازُهُ) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ. (وَ) الْأَظْهَر (عَدَمُ) وُجُوبِ (زَكَاتِهِ) لِأَنَّهُ حُلِيٌّ أُعِدَّ لِاسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ (وَ) الْأَظْهَرُ (جَوَازُ لُبْسِ خَاتَمَيْنِ فَأَكْثَرَ جَمِيعًا) إنْ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ الْعَادَةِ كَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ. (وَتَحْرُمُ حِلْيَةُ مَسْجِدٍ وَمِحْرَابٍ بِنَقْدِ) ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ لِأَنَّهُ تَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى كَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ. (وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَدْرَسَةٍ وَرِبَاطِ (قِنْدِيلًا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّة لَمْ يَصِحَّ) وَقْفُهُ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ. (وَيَحْرُمُ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ الْآنِيَةِ. (وَقَالَ الْمُوَفَّقُ) الشَّارِحُ (هُوَ) أَيْ وَقْفُهُ (بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ) بِهِ عَلَى الْمَسْجِدِ (فَيُكَسَّرُ، وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ) تَصْحِيحًا لِكَلَامِ الْمُكَلَّفِ حَيْثُ أَمْكَنَ (وَيَحْرُمُ تَمْوِيهُ سَقْفٍ وَحَائِطٍ) وَنَحْوِهِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِأَنَّهُ سَرَفٌ، وَيُفْضِي إلَى الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ (وَتَجِبُ إزَالَتُهُ) كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ. (وَ) تَجِبُ (زَكَاتُهُ) إنْ بَلَغَ نِصَابًا بِنَفْسِهِ، أَوْ ضَمَّهُ إلَى غَيْرِهِ لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَإِنْ اسْتَهْلَكَ) النَّقْدَ فِيمَا مَوَّهَ بِهِ (فَلَمْ يَجْتَمِعْ مِنْهُ شَيْءٌ) بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ (فَلَهُ اسْتِدَامَتُهُ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْمَالِيَّةِ) فَلَا فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ وَلَمَّا وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز الْخِلَافَةَ أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يُجْتَمَعُ مَنّهُ شَيْءٌ فَتَرَكَهُ (وَلَا يُبَاحُ مِنْ الْفِضَّةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْأَصْحَابُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) بَيَانُهُ (فَلَا يَجُوزُ لِذَكَرٍ وَخُنْثَى لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبِ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) مُفَصَّلًا. (وَيُبَاحُ لَهُ) أَيْ الذَّكَرِ (مِنْ الذَّهَبِ: قَبِيعَةُ السَّيْفِ) لِأَنَّ عُمَرَ كَانَ لَهُ سَيْفٌ فِيهِ سَبَائِكُ مِنْ ذَهَبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ حُنَيْفٍ كَانَ فِي سَيْفِهِ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ ذَكَرَهُمَا أَحْمَدُ. (وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ قَبِيعَةَ سَيْفِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانِيَةُ مَثَاقِيلَ) وَحَكَاهُ فِي الْمُبْدِعِ عَنْ الْإِمَامِ قَالَ: فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ كَذَلِكَ. (وَ) يُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِنْ ذَهَبٍ (مَا دَعَتْ إلَيْهِ الضَّرُورَةُ كَأَنْفٍ) وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ مِنْ فِضَّةٍ لِأَنَّ «عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ فِضَّةٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاِتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَالْحِكْمَةُ فِي الذَّهَبِ أَنَّهُ لَا يَصْدَأُ بِخِلَافِ الْفِضَّةِ (وَكَرَبْطِ سِنٍّ أَوْ أَسْنَانٍ بِهِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ وَأَبِي رَافِعٍ ثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ وَهِيَ
باب زكاة عروض التجارة
ضَرُورَةٌ فَأُبِيحَ كَالْأَنْفِ. (وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ، كَطَوْقٍ وَخَلْخَالٍ وَسِوَارٍ وَدُمْلُجٍ وَقُرْطٍ) فِي أُذُنٍ. (وَعِقْدٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (وَهُوَ الْقِلَادَةُ، وَتَاجٍ وَخَاتَمٍ وَمَا فِي الْمُخَانِقِ وَالْمَقَالِدِ مِنْ حَرَائِزَ وَتَعَاوِيذَ وَأُكَرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ وَلَوْ زَادَ عَلَى أَلْفِ مِثْقَالٍ، حَتَّى دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ مُعَرَّاةٍ) أَيْ ذَاتِ عُرَى جَمْعُ عُرْوَةٍ (أَوْ فِي مُرْسَلَةٍ) أَيْ قِلَادَةٍ طَوِيلَةٍ تَقَعُ عَلَى الصَّدْرِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» وَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى التَّجْمِيلِ وَالتَّزَيُّنِ لِزَوْجِهَا وَظَاهِرِهِ: أَنَّ مَا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِلُبْسِهِ كَالنِّعَالِ الْمُذَهَّبَةِ: لَا يُبَاحُ لَهُنَّ، لِانْتِفَاءِ التَّجْمِيلِ فَلَوْ اتَّخَذَتْهُ حَرُمَ وَفِيهِ الزَّكَاةُ. (وَيُبَاحُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ التَّحَلِّي بِالْجَوْهَرِ وَنَحْوِهِ) كَاللُّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ (وَلَوْ فِي حُلِيٍّ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ) لِأَنَّهُ مُعَدٌّ لِلِاسْتِعْمَالِ، كَثِيَابِ الْبِذْلَةِ (إلَّا أَنْ يُعَدَّ) الْجَوْهَرُ وَنَحْوُهُ (فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ (لِلْكِرَاءِ أَوْ لِلتِّجَارَةِ) فَيَقُومُ مَا فِيهِ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَنَحْوِهِ تَبَعًا لِلنَّقْدِ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ (كَمَا تَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ. (وَيَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَتَشَبُّهُ امْرَأَةٍ بِرَجُلٍ فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) كَكَلَامٍ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِلَعْنِ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِالْكَرَاهَةِ (وَيَجِبُ إنْكَارُهُ) بِالْيَدِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِاللِّسَانِ مَعَ أَمْنِ الْعَاقِبَةِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ كَسَائِرِ الْمُنْكَرَاتِ (وَتَقَدَّمَ) فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَشَبُّهُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ. [بَابُ زَكَاةِ عُرُوضِ التِّجَارَةِ] ِ الْعُرُوض جَمْعُ عَرْضٍ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ مَا عَدَا الْأَثْمَانِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَبِفَتْحِهَا: كَثْرَةُ الْمَالِ وَالْمَتَاعِ وَسُمِّيَ عَرَضًا لِأَنَّهُ يَعْرِضُ ثُمَّ يَزُولُ وَيَفْنَى وَقِيلَ لِأَنَّهُ يُعْرَضُ لِيُبَاعَ وَيُشْتَرَى تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَعْلُومِ عِلْمًا وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: الْعَرَضُ بِفَتْحَتَيْنِ: مَا لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ: بِزَكَاةٍ كَالتِّجَارَةِ وَهِيَ أَشْمَلُ لِدُخُولِ النَّقْدَيْنِ فِي ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنْ عَدَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبَّرَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الزَّكَاةِ عِنْدَ تَعْدَادِ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ: بِالْعُرُوضِ وَلِذَلِكَ قَالَ (وَهِيَ مَا يُعَدُّ لِبَيْعٍ وَشِرَاءٍ، لِأَجْلِ رِبْحٍ غَيْرِ النَّقْدَيْنِ غَالِبًا) فَلَا يَرِدُ أَنَّ النَّقْدَيْنِ قَدْ يَعُدَّانِ كَذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ. (تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عُرُوضِ
التِّجَارَةِ إذَا بَلَغْت قِيمَتُهَا نِصَابًا) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ وَادَّعَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ إجْمَاعٌ مُتَقَدِّمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ} [المعارج: 24] وَقَوْلِهِ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103] وَمَالُ التِّجَارَةِ أَعَمُّ الْأَمْوَالِ فَكَانَ أَوْلَى بِالدُّخُولِ وَلِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «وَفِي الْبَزِّ صَدَقَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقَيْنِ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُمَا وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِ عُمَرَ لِحَمَاسٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ " أَدِّ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَالَ: مَا لِي إلَّا جِبَابٌ وَأُدْمٌ فَقَالَ: قَوِّمْهَا وَأَدِّ زَكَاتَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَسَعِيدٌ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ مَشْهُورٌ لِأَنَّهُ مَالٌ نَامٍ فَوَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ كَالسَّائِمَةِ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عَفَوْت لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْعَيْنِ لَا الْقِيمَةِ عَلَى أَنَّ خَبَرَنَا خَاصٌّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ وَقَالَ دَاوُد: لَا زَكَاةَ فِي عُرُوضِ التِّجَارَةِ (وَيُؤْخَذُ) الْوَاجِبُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْقِيمَةِ (لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْوُجُوبِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَمَا زَادَ عَلَى النِّصَابِ فَبِحِسَابِهِ وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلُ كَمَا تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ وَ (لَا) يُؤْخَذُ مِنْ الْعُرُوضِ) لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ الْوُجُوبِ، فَإِخْرَاجُهَا كَالْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ. (وَلَا تَصِيرُ) الْعُرُوضِ (لِلتِّجَارَةِ إلَّا) بِشَرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا (أَنْ يَمْلِكَهَا بِفِعْلِهِ) بِخِلَافِ الْإِرْثِ وَنَحْوِهِ، مِمَّا يَدْخُلُ قَهْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِهَاتِ التِّجَارَةِ الثَّانِي: الْمُنَبَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ حَالَ التَّمَلُّكِ بِأَنْ يَقْصِدَ التَّكَسُّبَ بِهَا) لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّةِ وَالتِّجَارَةُ عَمَلٌ فَوَجَبَ اقْتِرَانُ النِّيَّةِ بِهِ، كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَلِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ فِي الْأَصْلِ لِلِاسْتِعْمَالِ، فَلَا تَصِيرُ لِلتِّجَارَةِ إلَّا بِالنِّيَّةِ، كَعَكْسِهِ وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ فِي جَمِيعِ الْحَوْلِ لِأَنَّهُ شَرْطٌ أَمْكَنَ اعْتِبَارُهُ فِي جَمِيعِهِ، فَوَجَبَ كَالنِّصَابِ ثُمَّ أَخَذَ يُفَصِّلُ مِلْكَهُ إيَّاهَا فَقَالَ (إمَّا بِمُعَاوَنَةٍ مَحْضَةٍ) أَيْ خَالِصَةٍ (كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ الْمَالِ بِمَالٍ، وَلِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْهِبَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلثَّوَابِ) أَيْ الْمَشْرُوطِ فِيهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ (أَوْ اسْتَرَدَّ مَا بَاعَهُ) بِإِقَالَةٍ أَوْ إعْسَارِ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ وَنَحْوِهِ، بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ (أَوْ) بِمُعَاوَضَةٍ (غَيْرِ مَحْضَةٍ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ) وَعِوَضِ الْخُلَعِ (أَوْ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ، كَالْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ) الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا ثَوَابٌ (وَالْغَنِيمَةُ وَالْوَصِيَّةُ، وَالِاحْتِشَاشُ وَالِاحْتِطَابُ وَالِاصْطِيَادُ) . لِعُمُومِ خَبَرِ سَمُرَةَ
قَالَ أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِمَّا نَعُدُّهُ لِلْبَيْعِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إسْنَادِهِ جَعْفَرٌ وَخُبَيْبٌ مَجْهُولَانِ قَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ: إسْنَادُهُ مُقَارِبٌ (فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ) وَمِثْلِهِ: عَوْدُهَا إلَيْهِ بِطَلَاقٍ قَبْلَ الدُّخُولِ وَفَسَخَ مِنْ قِبَلِهَا، لَا مِنْ قِبَلِهِ، وَمَضَى حَوْلَ التَّعْرِيفِ فِي اللُّقْطَةِ، لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَجَرَى مَجْرَى الِاسْتِدَامَةِ (أَوْ مِلْكًا بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ) التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَى التِّجَارَةَ بِهَا لَمْ تَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِفَقْدِ الشَّرْطِ الثَّانِي (إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَاهَا بِعَرْضِ تِجَارَةٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ) التِّجَارَةِ، بَلْ يَكْفِيهِ اسْتِصْحَابُ حُكْمِهَا، بِأَنْ لَا يَنْوِيَهَا لِلْقِنْيَةِ. (وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ عَرْضٌ لِلتِّجَارَةِ، فَنَوَاهُ لِلْقُنْيَةِ) بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِهَا: الْإِمْسَاكُ لِلِانْتِفَاعِ دُونَ التِّجَارَةِ (ثُمَّ نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ لَمْ يَصِرْ لِلتِّجَارَةِ) لِأَنَّ الْقِنْيَةَ هِيَ الْأَصْلُ فَيَكْفِي فِي الرَّدِّ إلَيْهِ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، كَمَا لَوْ نَوَى الْمُسَافِرُ الْإِقَامَةَ. وَلِأَنَّ نِيَّةَ التِّجَارَةِ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ فِيهَا فَإِذَا نَوَى الْقِنْيَةَ زَالَتْ نِيَّةُ التِّجَارَةِ فَفَاتَ شَرْطُ الْوُجُوبِ بِخِلَافِ السَّائِمَةِ إذَا نَوَى عَلْفَهَا فَإِنَّ الشَّرْطَ السَّوْمُ دُونَ نِيَّتِهِ (إلَّا حُلِيَّ اللُّبْسِ، إذَا نَوَى بِهِ التِّجَارَةَ فَيَصِيرُ لَهَا بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ لِأَنَّ التِّجَارَةَ الْأَصْلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُلِيِّ فَإِذَا نَوَاهُ لِلتِّجَارَةِ فَقَدْ رَدَّهُ إلَى الْأَصْلِ. (وَتُقَوَّمُ الْعُرُوض) الَّتِي تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي قِيمَتِهَا (عِنْدَ تَمَامِ) الْحَوْلِ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ (بِالْأَحَظِّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ وُجُوبًا مِنْ عَيْنٍ) أَيْ ذَهَبٍ (أَوْ وَرِقٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْوَرِقُ الدَّرَاهِمُ الْمَضْرُوبَةُ، وَفِيهِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ وَرَقٌ كَوَتِدٍ، وَوَرْقٌ كَفَلْسٍ، وَوَرَقٌ كَقَلَمٍ وَرِقَةٌ كَعِدَةٍ سَوَاءٌ كَانَ) الْأَحَظُّ لِأَهْلِ الزَّكَاةِ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَهُوَ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْآخِذِ (أَوَّلًا) أَيْ أَوْ مِنْ غَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ لِحَظِّ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَتُقَوَّمُ بِالْأَحَظِّ لَهُمْ وَسَوَاءٌ بَلَغْت قِيمَتُهَا أَيْ الْعُرُوضِ (بِكُلٍّ مِنْهُمَا) أَيْ الْعَيْنِ وَالْوَرِقِ نِصَابًا، (أَوْ) بَلَغْت نِصَابًا (بِأَحَدِهِمَا) دُونَ الْآخَرِ (وَلَا يُعْتَبَرُ مَا اشْتَرَيْت بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ وَرِقٍ، لَا قَدْرًا وَلَا جِنْسًا) رُوِيَ عَنْ عُمَرَ لِأَنَّ فِي تَقْوِيمِهَا بِمَا اُشْتُرِيَتْ بِهِ إبْطَالًا لِلتَّقْوِيمِ بِالْأَنْفَعِ. فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا بِالدَّرَاهِمِ فَقَطْ قُوِّمَتْ بِهَا وَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِالذَّهَبِ وَكَذَا عَكْسُهُ (وَلَا عِبْرَةَ بِنَقْصِهِ) أَيْ مَا قُوِّمَتْ بِهِ (بَعْدَ تَقْوِيمِهِ) إذَا كَانَ التَّقْوِيمُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ قَدْ اسْتَقَرَّتْ كَمَا لَوْ تَلِفَ النِّصَابُ وَأَوْلَى (وَلَا) عِبْرَةَ بِزِيَادَتِهِ أَيْ زِيَادَةِ مَا قُوِّمَتْ بِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَبْلُ، لِتَجَدُّدِهِ بَعْدَ الْحَوْلِ، بَلْ يُعْتَمَدُ بِهِ فِي الْقَابِلِ (إلَّا الْمُغَنِّيَةَ، فَتُقَوَّمُ سَاذَجَةً) لِأَنَّ صَنْعَةَ مَعْرِفَةِ الْغِنَاءِ لَا قِيمَةَ لَهَا
وَكَذَا الزَّامِرَةُ وَالضَّارِبَةُ عَلَى آلَةِ لَهْوٍ وَكُلُّ ذِي صِنَاعَةٍ مُحَرَّمَةٍ (وَلَا عِبْرَةَ بِقِيمَةِ آنِيَةِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ) لِتَحْرِيمِهَا وَكَذَا رِكَابٌ وَسَرْجٌ وَلِجَامٌ وَنَحْوُهُ مُحَلًّى (وَيُقَوَّمُ الْخَصِيُّ) عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُ (بِصِفَتِهِ) لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ وَقَدْ انْقَطَعَ لِاسْتِدَامَتِهِ. (وَإِنْ اشْتَرَى) أَوْ بَاعَ (عَرْضًا) لِلتِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ الْأَثْمَانِ، أَوْ مِنْ الْعُرُوضِ بُنِيَ عَلَى حَوْلِهِ) أَيْ حَوْلِ الْأَوَّلِ وِفَاقًا لِأَنَّ الزَّكَاةَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَتَعَلَّقُ بِالْقِيمَةِ، وَهِيَ لِلْأَثْمَانِ وَالْأَثْمَانُ يُبْنَى حَوْلَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ وَلِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ لِلتَّقَلُّبِ وَالِاسْتِبْدَالِ بِثَمَنٍ وَعَرْضٍ فَلَوْ لَمْ يَبْنِ بَطَلَتْ زَكَاةُ التِّجَارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ النَّقْدُ نِصَابًا، فَحَوَّلَهُ مِنْ حِينِ كَمُلَتْ قِيمَتُهُ نِصَابًا لَا مِنْ حِينِ اشْتَرَاهُ. (وَإِنْ اشْتَرَاهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْ السَّائِمَةِ أَوْ بَاعَهُ) أَيْ عَرْضَ التِّجَارَةِ (بِنِصَابٍ مِنْهَا) أَيْ السَّائِمَةِ (لَمْ يَبْنِ عَلَى حَوْلِهِ) لِاخْتِلَافِهِمَا فِي النِّصَابِ وَالْوَاجِبُ (وَإِنْ اشْتَرَى نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةٍ بِنِصَابِ سَائِمَةٍ لِقِنْيَةٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ لِأَنَّ السَّوْمَ سَبَبٌ لِلزَّكَاةِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ زَكَاةُ التِّجَارَةِ لِقُوَّتِهِ، فَبِزَوَالِ الْمُعَارِضِ ثَبَتَ حُكْمُ السَّوْمِ لِظُهُورِهِ (وَإِنْ مَلَكَ نِصَابَ سَائِمَةٍ لِتِجَارَةِ، فَحَالَ الْحَوْلُ) عَلَيْهِ (وَالسَّوْمُ وَنِيَّةُ التِّجَارَةِ مَوْجُودَانِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ تِجَارَةٍ، دُونَ) زَكَاةِ سَوْمٍ) لِأَنَّ وَضْعَ التِّجَارَةِ عَلَى التَّقْلِيبِ فَهِيَ تُزِيلُ سَبَبَ زَكَاةِ السَّوْمِ وَهُوَ الِاقْتِنَاءُ لِطَلَبِ النَّمَاءِ مَعَهُ وَاقْتَصَرَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِالْأَحَظِّ. (وَلَوْ سَبَقَ حَوْلُ سَوْمٍ وَقْتَ وُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ، مِثْلُ أَنْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً قِيمَتُهَا دُونَ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، ثُمَّ صَارَتْ قِيمَتُهَا فِي نِصْفِ الْحَوْلِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ زَكَّاهَا زَكَاةَ تِجَارَةٍ إذَا تَمَّ حَوْلُهَا لِأَنَّهُ أَنْفَعْ لِلْفُقَرَاءِ) مِنْ زَكَاةِ السَّوْمِ (فَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ قِيمَتُهَا نِصَابَ التِّجَارَةِ، فَعَلَيْهِ زَكَاةُ السَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِلَا خِلَافٍ، لِوُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ فِيهِ، بِلَا مُعَارِضٍ فَلَوْ مَلَكَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِلتِّجَارَةِ، لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهَا نِصَابَ نَقْدٍ زَكَّاهَا لِلسَّوْمِ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ. (وَلَوْ مَلَكَ سَائِمَةً لِلتِّجَارَةِ نِصْفَ حَوْلٍ، ثُمَّ قَطَعَ نِيَّةَ التِّجَارَةِ) فِيهَا (اسْتَأْنَفَ) بِهَا (حَوْلًا مِنْ قَطْعِ النِّيَّةِ) لِأَنَّ حَوْلَ التِّجَارَةِ انْقَطَعَ بِقَطْعِ النِّيَّةِ وَحَوْلُ السَّوْمِ لَا يَنْبَنِي عَلَى حَوْلِ التِّجَارَةِ. (وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ يَزْرَعُهَا) وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا، زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ (أَوْ) اشْتَرَى أَرْضًا لِتِجَارَةٍ، وَ (زَرْعًا بِبَذْرِ تِجَارَةٍ) زَكَّى لِلْجَمِيعِ زَكَاةَ قِيمَةٍ، إنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَابًا (أَوْ اشْتَرَى شَجَرًا لِتِجَارَةٍ، تَجِبُ فِي ثَمَرِهِ الزَّكَاةُ) كَالنَّخْلِ وَالْكَرْمِ (فَأَثْمَرَ وَاتَّفَقَ حَوْلَاهُمَا، بِأَنْ يَكُونَ بُدُوُّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرَةِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ: عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ) أَيْ حَوْلِ التِّجَارَةِ وَفِي تَسْمِيَةِ بُدُوِّ
الصَّلَاحِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ حَوْلًا: تَسَمُّحٌ. (وَكَانَتْ قِيمَةُ الْأَصْلِ) أَيْ الشَّجَرِ تَبْلُغُ نِصَابَ التِّجَارَةِ زَكَّى الْجَمِيعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ فَوَجَبَ زَكَاتُهَا كَالسَّائِمَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الثَّمَرَ وَالزَّرْعَ جُزْءُ الْخَارِجِ مِنْهُ فَوَجَبَ أَنْ يُقَوَّمَ مَعَ الْأَصْلِ، كَالسِّخَالِ، وَالرِّبْحِ الْمُتَجَدِّدِ، إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ لِلتِّجَارَةِ. (وَ) كَذَا (لَوْ سَبَقَ وُجُوبُ الْعُشْرِ) بِأَنْ كَانَ بُدُوُّ صَلَاحِ الثَّمَرَةِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ قَبْلَ تَمَامِ حَوْلِ التِّجَارَةِ فَيُزَكِّي زَكَاةَ قِيمَةٍ (وَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَاجْتَمَعَ فِي مَالٍ وَاحِدٍ زَكَاتَانِ وَفِيهِ ضَرَرٌ بِالْمَالِكِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا (مَا لَمْ تَكُنْ قِيمَتُهَا) أَيْ الْأَرْضِ بِزَرْعِهَا أَوْ الشَّجَرِ (دُونَ نِصَابٍ كَمَا تَقَدَّمَ) فِي السَّائِمَةِ (فَإِنْ كَانَتْ) قِيمَتُهَا (دُونَ نِصَابٍ فَعَلَيْهِ الْعُشْرُ) لِوُجُودِ سَبَبِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَهُوَ أَحَظُّ لِلْفُقَرَاءِ. (وَلَوْ زَرَعَ بَذْرًا لِقِنْيَةٍ فِي أَرْضِ التِّجَارَةِ فَوَاجِبُ الزَّرْعِ: الْعُشْرُ) لِأَنَّهُ لِلْقِنْيَةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ (وَوَاجِبُ الْأَرْضِ: زَكَاةُ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ وَمُقْتَضَى الْمُنْتَهَى: أَنَّ الْكُلَّ يُزَكَّى زَكَاةَ قِيمَةٍ لِأَنَّ الزَّرْعَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ (وَإِنْ زَرَعَ بَذْرَ التِّجَارَةِ فِي أَرْضِ الْقِنْيَةِ زَكَّى الزَّرْعَ زَكَاةَ قِيمَةٍ) لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ. (وَلَوْ كَانَ الثَّمَرُ مِمَّا لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ، وَنَحْوِهِمَا) كَالْمِشْمِشِ وَالزَّيْتُونِ وَالْكُمَّثْرَى (أَوْ كَانَ الزَّرْعُ لَا زَكَاةَ فِيهِ، كَالْخَضْرَاوَاتِ) مِنْ بِطِّيخٍ وَقِثَّاءٍ وَخِيَارٍ (أَوْ كَانَ لِعَقَارِ التِّجَارَةِ وَعَبِيدِهَا) وَدَوَابِّهَا (أُجْرَةٌ ضَمَّ قِيمَةَ الثَّمَرَةِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَالْأُجْرَةِ إلَى قِيمَةِ الْأَصْلِ فِي الْحَوْلِ كَالرِّبْحِ) لِأَنَّهُ نَمَاءٌ. (وَلَوْ أَكْثَرَ مِنْ شِرَاءِ عَقَارٍ فَارًّا مِنْ الزَّكَاةِ زَكَّى قِيمَتَهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْفَائِقِ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ مُعَامَلَةً لَهُ بِضِدِّ مَقْصُودِهِ كَالْفَارِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِبَيْعٍ أَوْ غَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، أَوْ صَرِيحُهُ: لَا زَكَاةَ فِيهِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا أُعِدَّ لِلْكِرَاءِ مِنْ عَقَارٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِمَا) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالِ تِجَارَةٍ (وَلَوْ اشْتَرَى شِقْصًا لِلتِّجَارَةِ بِأَلْفٍ فَصَارَ عِنْدَ الْحَوْلِ بِأَلْفَيْنِ زَكَّاهُمَا) أَيْ الْأَلْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ. (وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفٍ) لِأَنَّهُ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِهِ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي لِعَيْبٍ فِيهِ، رَدَّهُ بِأَلْفٍ (وَلَوْ اشْتَرَاهُ بِأَلْفَيْنِ، فَصَارَ عِنْدَ حَوْلِهِ بِأَلْفٍ زَكَّى أَلْفًا) لِأَنَّهُ قِيمَتُهُ عِنْدَ تَمَامِ الْحَوْلِ. (وَأَخَذَهُ الشَّفِيعُ بِأَلْفَيْنِ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ وَكَذَا لَوْ رَدَّهُ لِعَيْبِهِ رَدَّهُ بِأَلْفَيْنِ (وَإِنْ اشْتَرَى صَبَّاغٌ مَا يُصْبَغُ بِهِ، وَيَبْقَى) أَثَرُهُ (كَزَعْفَرَانٍ وَنِيلٍ وَعُصْفُرٍ وَنَحْوِهِ) كَلَكٍّ وَبُقَّمٍ وَفُوَّةٍ (فَهُوَ عَرْضُ تِجَارَةٍ، يُقَوَّمُ عِنْدَ تَمَامِ حَوْلِهِ،
لِاعْتِيَاضِهِ) أَيْ الصَّبَّاغِ (عَنْ صَبْغٍ قَائِمٍ بِالثَّوْبِ فَفِيهِ مَعْنَى التِّجَارَةِ وَمِثْلُهُ مَا يَشْتَرِيهِ دَبَّاغٌ لِيَدْبُغَ، كَعَفْصٍ وَقَرَظٍ وَمَا يُدْهَنُ بِهِ، كَسَمْنِ وَمِلْحٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنَّاءِ وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ بِأَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِيهِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَلَا زَكَاةَ فِيمَا لَا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ كَمَا يَشْتَرِيهِ قَصَّارٌ مِنْ حَطَبٍ وَقِلْيٍ وَنُورَةٍ وَصَابُونٍ وَأُشْنَانٍ وَنَحْوِهِ) كَنَطْرُونٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَاضُ عَنْ شَيْءٍ يُقَوَّمُ بِالثَّوْبِ وَإِنَّمَا يُعْتَاضُ عَنْ عَمَلِهِ. (وَلَا زَكَاةَ فِي آلَاتِ الصُّنَّاعِ، وَأَمْتِعَةِ التِّجَارَةِ وَقَوَارِيرِ الْعَطَّارِ وَالسَّمَّانِ وَنَحْوِهِمْ) كَالزَّيَّاتِ وَالْعَسَّالِ (إلَّا أَنْ يُرِيدَ بَيْعَهَا) أَيْ الْقَوَارِيرَ (بِمَا فِيهَا) فَيُزَكِّي الْكُلَّ لِأَنَّهُ مَالُ تِجَارَةٍ. (وَكَذَا آلَاتُ الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ لِحِفْظِهَا) فَلَا زَكَاةَ فِيهَا لِأَنَّهَا لِلْقِنْيَةِ (وَإِنْ كَانَ يَبِيعُهَا مَعَهَا فَهِيَ مَالُ تِجَارَةٍ) يُزَكِّيهَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَا مَلَكَهُ) لِلتِّجَارَةِ (عَيْنَ مَالٍ، بَلْ مَنْفَعَةُ عَيْنٍ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ) فِي قِيمَتِهَا، إنْ بَلَغَتْ نِصَابًا بِنَفْسِهَا أَوْ بِضَمِّهَا إلَى غَيْرِهَا، كَالْأَعْيَانِ لِأَنَّهَا مَالُ تِجَارَةٍ. (وَلَوْ قُتِلَ عَبْدُ تِجَارَةٍ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، فَصَالَحَ سَيِّدُهُ عَلَى مَالٍ صَارَ) الْمَالُ (لِلتِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، كَمَا لَوْ اعْتَاضَ عَنْهُ (وَلَوْ اتَّخَذَ عَصِيرًا لِلتِّجَارَةِ فَتَخَمَّرَ) الْعَصِيرُ (ثُمَّ تَخَلَّلَ عَادَ حُكْمُ التِّجَارَةِ) بِاسْتِصْحَابِ الْيَدِ، كَالرَّهْنِ. (وَلَوْ اشْتَرَى عَرْضَ تِجَارَةٍ بِعَرْضِ قِنْيَةٍ فَرُدَّ عَلَيْهِ بِعَيْبٍ) أَوْ غَيْرِهِ (انْقَطَعَ الْحَوْلُ) لِقَطْعِهِ نِيَّةَ التِّجَارَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ اسْتَرَدَّهُ هُوَ لِعَيْبِ الثَّمَرِ وَنَحْوِهِ بِنِيَّةِ التِّجَارَةِ، وَتَقَدَّمَ (وَإِذَا أَذِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ لِصَاحِبِهِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) أَيْ الْآذِنِ (فَأَخْرَجَاهَا مَعًا، أَوْ جَهِلَ السَّبْقَ، ضَمِنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَ صَاحِبِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ حُكْمًا وَلِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ زَكَاةٌ) وَالْعَزْلُ حُكْمًا، الْعِلْمُ فِيهِ وَعَدَمِهِ سَوَاءٌ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ الْمُوَكَّلُ، أَوْ أَعْتَقَهُ، وَحِينَئِذٍ يَقَعُ الدَّفْعُ إلَى الْفَقِيرِ تَطَوُّعًا وَلَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِهِ، فَيَتَحَقَّقُ التَّفْوِيتُ بِفِعْلِ الْمُخْرَجِ، وَهَذَا التَّعْلِيلُ لِمَا إذَا أَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا زَكَاةَ نَفْسِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا إذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا بِالْإِخْرَاجِ، وَجَهِلَ، أَوْ نَسِيَ، فَلِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ إخْرَاجَ الْمُخْرِجِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ الْمَوْقِعَ بِخِلَافِ الْمُخْرِجِ عَنْ غَيْرِهِ. وَأَيْضًا: الْأَصْلُ فِي الْقَابِضِ لِمَالِ غَيْرِهِ: الضَّمَانُ (وَإِنْ أَخْرَجَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ) وَعَلِمَ وَلَمْ يَنْسَ (ضَمِنَ الثَّانِي) أَيْ الَّذِي أَخْرَجَ ثَانِيًا (نَصِيبَ) الْمُخْرِجِ (الْأَوَّلِ، عَلِمَ) الثَّانِي إخْرَاجَ الْأَوَّلِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ لِأَنَّهُ انْعَزَلَ بِذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالْعَزْلِ، كَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْمَالِكُ
باب زكاة الفطر
وَ (لَا) يَضْمَنْ (إنْ أَدَّى دَيْنًا بَعْدَ أَدَاءِ مُوَكَّلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ) بِأَدَاءِ مُوَكَّلِهِ لِأَنَّهُ غَرَّهُ. (وَ) لِأَنَّهُ هُنَا لَمْ يَتَحَقَّقْ التَّفْوِيتُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ (يَرْجِعُ الْمُوَكَّلُ عَلَى الْقَابِضِ بِمَا قَبَضَ مِنْ الْوَكِيلِ) وَنَظِيرُ هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ لَوْ كَانَ الْقَابِضُ مِنْهُمَا السَّاعِي وَالزَّكَاةُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْمُوَكِّلَ يَأْخُذُهَا مِنْهُ، مَا دَامَتْ بِيَدِهِ، وَلَا يَضْمَنُ وَكِيلُهُ لَهُ شَيْئًا لِعَدَمِ التَّفْوِيتِ (وَلَوْ أَذِنَ غَيْرُ شَرِيكَيْنِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) أَذِنَ (لِلْآخَرِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ فَ) هُمَا (كَالشَّرِيكَيْنِ فِيمَا سَبَقَ) مِنْ التَّفْصِيلِ لِلتَّسَاوِي فِي الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلضَّمَانِ أَوْ عَدَمَهُ. (وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَكِيلِ إخْرَاجُ زَكَاتِهِ أَوْ لَا) أَيْ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَ عَنْ مُوَكِّلِهِ بِخِلَافِ حَجِّ النَّائِبِ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، فَإِنَّهَا مَالِيَّةٌ، كَقَضَاءِ دَيْنِ غَيْرِهِ قَبْلَ دَيْنِهِ (بَلْ يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَبْدَأَ بِإِخْرَاجِ زَكَاتِهِ أَوَّلًا مُسَارَعَةً لِلْخَيْرِ، وَهَذَا إذَا لَمْ يَخْلُ بِالْفَوْرِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَإِلَّا فَيَأْتِي أَنَّ إخْرَاجَ الزَّكَاةِ وَاجِبٌ فَوْرًا (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الْمُوَكَّلِ أَنَّهُ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ قَبْلَ دَفْعِ وَكِيلِهِ إلَى السَّاعِي) لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ فِي أَدَاءِ مَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ. (وَ) يُقْبَلُ (قَوْلُ مَنْ دَفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى السَّاعِي (ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ أَخْرَجَهَا) قَبْلَ الدَّفْعِ إلَى السَّاعِي (وَتُؤْخَذُ مِنْ السَّاعِي) فِي الصُّورَتَيْنِ (إنْ كَانَتْ بِيَدِهِ) لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ (فَإِنْ تَلِفَتْ) بِيَدِ السَّاعِي (أَوْ كَانَ) السَّاعِي (دَفَعَهَا إلَى الْفَقِيرِ أَوْ كَانَا) أَيْ الْوَكِيلُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى وَرَبُّ الْمَالِ فِي الثَّانِيَةِ (دَفَعَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْفَقِيرِ (فَلَا) رُجُوعَ لِأَنَّهَا انْقَلَبَتْ تَطَوُّعًا كَمَنْ دَفَعَ زَكَاةً يَعْتَقِدُهَا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ (وَمَنْ لَزِمَهُ نَذْرُ وَزَكَاةٌ قَدَّمَ الزَّكَاةَ) لِوُجُوبِهَا بِأَصْلِ الشَّرْعِ (فَإِنْ قَدَّمَ النَّذْرَ لَمْ يَصِرْ زَكَاةً) لِحَدِيثِ " وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى " وَإِنَّمَا خُولِفَ ذَلِكَ فِي الْحَجِّ لِدَلِيلٍ خَاصٍّ (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ (الصَّدَقَةِ تَطَوُّعًا قَبْلَ إخْرَاجِ زَكَاتِهِ) كَالصَّدَقَةِ قَبْلَ قَضَاءِ دَيْنِهِ، إنْ لَمْ يَضُرَّ بِغَرِيمِهِ. [بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ] ِ هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ مِنْ قَوْلِك: أَفْطَرَ الصَّائِمُ إفْطَارًا وَأُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ لِأَنَّهُ سَبَبُ وُجُوبِهَا فَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ وَقِيلَ لَهَا فِطْرَةٌ: لِأَنَّ الْفِطْرَةَ الْخِلْقَةُ
قَالَ تَعَالَى {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30] وَهَذَا يُرَادُ بِهَا الصَّدَقَةُ عَنْ الْبَدَنِ وَالنَّفْسِ وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاءِ: كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ وَقَدْ زَعْمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِمَّا يَلْحَنُ فِيهِ الْعَامَّةُ وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ لِاسْتِعْمَالِ الْفُقَهَاءِ لَهَا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَهِيَ صَدَقَةٌ تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ: صَاعًا مِنْ بُرٍّ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - زَكَاةَ الْفِطْرِ: طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّهْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَدَعْوَى أَنَّ " فَرَضَ " بِمَعْنَى قَدَّرَ: مَرْدُودٌ بِأَنَّ كَلَامَ الرَّاوِي لَا يُحْمَلُ إلَّا عَلَى الْمَوْضُوعِ بِدَلِيلِ الْأَمْرِ بِهَا فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَهَبَ الْأَصَمُّ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} [الأعلى: 14] إنَّهَا زَكَاةُ الْفِطْرِ رُدَّ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " إنَّهَا تُطَهِّرُ مِنْ الشِّرْكِ " وَالسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ وَلَمْ يَكُنْ بِهَا زَكَاةٌ وَلَا عِيدٌ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ فَرْضَهَا كَانَ مَعَ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الزَّكَاةِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ ذَلِكَ. (وَمَصْرِفُهَا) أَيْ: زَكَاةِ الْفِطْرِ (كَزَكَاةِ) الْمَالِ لِعُمُومِ {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] . (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتُسَمَّى فَرْضًا) كَقَوْلِ جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ وَأَيْضًا فَالْفَرْضُ: إنْ كَانَ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ، فَهِيَ وَاجِبَةٌ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُتَأَكِّدِ فَهِيَ مُتَأَكِّدَةٌ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمُسْلِمِينَ (حُرٌّ، وَلَوْ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ خِلَافًا لِعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ فِي قَوْلِهِمْ " لَا تَلْزَمُ أَهْلَ الْبَوَادِي ". (وَمُكَاتَبٌ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي كَسْبِهِ، فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ) لِمَا سَبَقَ مِنْ الْخَبَرِ (وَلَوْ يَتِيمًا) فَتَجِبُ فِي مَالِهِ نَصَّ عَلَيْهِ، كَزَكَاةِ الْمَالِ (وَيُخْرَجُ عَنْهُ) أَيْ الْيَتِيمِ (مِنْ مَالِ وَلِيِّهِ) كَمَا
يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. (وَ) تَجِبُ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى (سَيِّدٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ، وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (لِلتِّجَارَةِ) فَلَا يَضُرُّ اجْتِمَاعُ زَكَاتَيْنِ فِيهِ لِأَنَّهُمَا بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فَإِنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَى بَدَنِ الْمُسْلِمِ طُهْرَةً لَهُ، وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ تَجِبُ مِنْ قِيمَتِهِ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى، مُوَاسَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ إيجَابُ زَكَاتَيْنِ فِي حَوْلٍ وَاحِدٍ وَمَتَى كَانَ عَبِيدُ التِّجَارَةِ بِيَدِ الْمُضَارِبِ فَفِطْرَتُهُمْ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُمْ مِنْهَا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَ (لَا) تَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ (الْكَافِرِ) لَوْ هَلَّ شَوَّالٌ وَفِي مِلْكِهِ عَبْدٌ مُسْلِمٌ، لِفَقْدِ شَرْطِ وُجُوبِهَا وَهُوَ الْإِسْلَامُ وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ فِي هَذِهِ: الْأَظْهَرُ وُجُوبُهَا عَلَى الْكَافِرِ. (وَتَجِبُ فِي مَالِ صَغِيرٍ تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ) لِغِنَاهُ بِمَالٍ أَوْ كَسْبٍ وَيُخْرِجُهَا أَبُوهُ مِنْهُ. (وَ) تَجِبُ (فِي الْعَبْدِ الْمَرْهُونِ، وَ) الْعَبْدُ (الْمُوصَى بِهِ عَلَى مَالِكِهِ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ رَمَضَانَ (وَكَذَا) الْعَبْدُ (الْمَبِيعُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ) تَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَكَمَ لَهُ بِالْمِلْكِ وَهُوَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْمَذْهَبِ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعَبْدِ) الْمَرْهُونِ (بِيعَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْفِطْرَةِ) كَأَرْشِ جِنَايَتِهِ (إذَا فَضَلَ عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ الْمُسْلِمِ الَّذِي تَلْزَمُهُ مُؤْنَةُ نَفْسِهِ (عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ صَاعٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ فَيَجِبُ تَقْدِيمُهُ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «ابْدَأْ بِنَفْسِك ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ» فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ لِوُجُوبِهَا مِلْكَ نِصَابٍ وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ. " تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ مَنْ عَجَزَ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَقْتَ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ أَيْسَرَ فَأَدَّاهَا فَقَدْ أَحْسَنَ (وَيَعْتَبِرُ كَوْنَ ذَلِكَ) أَيْ الصَّاعَ بَعْدَ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتِهِ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُهُ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ) كَسِدْرَةٍ: مَا يُمْتَهَنُ مِنْ الثِّيَابِ فِي الْخِدْمَةِ، وَالْفَتْحُ لُغَةٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (وَدَارٍ يَحْتَاجُ إلَى أَجْرِهَا لِنَفَقَتِهِ) وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ (وَسَائِمَةٍ يَحْتَاجُ إلَى نَمَائِهَا) مِنْ دَرٍّ وَنَسْلٍ وَنَحْوِهِمَا (وَبِضَاعَةٍ يَحْتَاجُ إلَى رِبْحِهَا وَنَحْوِهِ) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ حَاجَتُهُ الْأَصْلِيَّةُ فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ يَوْمَ الْعِيدِ. (وَكَذَا كُتُبُ) عِلْمٍ (يَحْتَاجُهَا لِلنَّظَرِ وَالْحِفْظِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ لِلُبْسِهَا، أَوْ لِكِرَاءٍ يَحْتَاجُ إلَيْهِ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَهَمُّ مِنْ الْفِطْرَةِ، فَيُقَدَّمُ عَلَيْهَا،
لَكِنْ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْكُتُبِ وَحُلِيِّ الْمَرْأَةِ. ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَلَمْ أَجِدْ هَذَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَمْ يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ قَالَ: وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ مِنْ الْوُجُوبِ، وَاقْتِصَارِهِمْ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ الْمَانِعِ أَيْ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ، وَدَابَّةٍ وَثِيَابٍ بِذْلَةٍ: أَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَذَكَرَ احْتِمَالًا أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ بِخِلَافِ الْحُلِيِّ لِلْحَاجَةِ إلَى الْعِلْمِ وَتَحْصِيلِهِ قَالَ: وَلِهَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ، أَيْ الْمُوَفَّقُ: أَنَّ الْكُتُبَ تُمْنَعُ فِي الْحَجِّ وَالْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْحُلِيَّ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُنْتَهَى وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ: هَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ أَخْذُ الزَّكَاةِ؟ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَانِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ وَتَصْحِيحِ الْفُرُوعِ الصَّوَابُ: أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ. (وَتَلْزَمُ الْمُكَاتَبَ فِطْرَةُ زَوْجَتِهِ وَفِطْرَةُ قَرِيبِهِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ) كَوَلَدِهِ التَّابِعُ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ. (وَ) فِطْرَةُ (رَقِيقِهِ) كَفِطْرَةِ نَفْسِهِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّصِّ، وَلِأَنَّهُ مُسْلِمٌ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ مَنْ ذَكَرَ فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ، كَالْحُرِّ، لَا عَلَى سَيِّدِهِ (وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ) مَعَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ (إلَّا بَعْضَ صَاعٍ، لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» وَلِأَنَّهَا طُهْرَةٌ فَهِيَ كَالطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْكَفَّارَةِ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ بَدَلٌ بِخِلَافِ هَذِهِ فَيُخْرِجُ مَا وَجَدَهُ (عَنْ نَفْسِهِ) لِحَدِيثِ " ابْدَأْ بِنَفْسِك " وَيُكَمِّلُهُ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، وَعَجَزَ عَنْ جَمِيعِهَا (فَإِنْ فَضَلَ) عِنْدَهُ (صَاعٌ وَبَعْضُ صَاعٍ، أَخْرَجَ الصَّاعَ عَنْ نَفْسِهِ) لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (وَ) أَخْرَجَ بَعْضَ الصَّاعِ عَمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ زَوْجَةٍ وَنَحْوِهَا (وَيُكَمِّلُهُ الْمَخْرَجُ عَنْهُ) إنْ قَدَرَ لِأَنَّ الْأَصِيلَ وَالْمَخْرَجُ مُتَحَمِّلٌ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فِيمَا عَجَزَ عَنْهُ. (وَيَلْزَمُ الْمُسْلِمَ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الزَّوْجَاتِ وَالْإِمَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَالْمَوَالِي) ، فَلَا تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَنْ يَمُونُهُ مِنْ الْكُفَّارِ، لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لِلْمُخْرِجِ عَنْهُ وَلَا يُطَهِّرُهُ إلَّا الْإِسْلَامُ وَكَذَا عَبْدُ عَبْدِهِ (حَتَّى زَوْجَةُ عَبْدِهِ الْحُرَّةُ) كَنَفَقَتِهَا. (وَ) حَتَّى (مَالِكُ نَفْعِ قِنٍّ فَقَطْ) لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ وَهُوَ الْمُوصَى لَهُ بِنَفْعِهِ فَتَجِبُ فِطْرَتُهُ عَلَيْهِ، كَنَفَقَتِهِ، لَا عَلَى مَالِكِ الرَّقَبَةِ. (وَ) حَتَّى (خَادِمُ زَوْجَتِهِ إنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَكَذَا مَرِيضٌ لَا يَحْتَاجُ نَفَقَةً لِعُمُومِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ، وَالْعَبْدِ، مِمَّنْ تَمُونُونَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي
نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (وَلَا تَلْزَمُ) الْفِطْرَةُ (الزَّوْجَ لِبَائِنٍ حَامِلٍ) ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ لَا لَهَا مِنْ أَجَلِ الْحَمْلِ وَالْحَمْلُ لَا تُلْزَمُ فِطْرَتُهُ (وَلَا) تَلْزَمُ الْفِطْرَةُ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا أَوْ ظِئْرًا بِطَعَامِهِ وَكِسْوَتِهِ كَضَيْفٍ لِأَنَّ الْوَاجِبَ هَهُنَا أُجْرَةٌ تَعْتَمِدُ الشَّرْطَ فِي الْعَقْدِ فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ كَانَتْ دَرَاهِمَ وَلِهَذَا تَخْتَصُّ بِزَمَنٍ مُقَدَّرٍ، كَسَائِرِ الْأُجَرِ. (وَلَا) تَجِبُ فِطْرَةُ مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ كَعَبْدِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ وَعَبْدِ (الْفَيْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَاللَّقِيطِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِنْفَاقٍ وَإِنَّمَا هُوَ إيصَالُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ (وَلَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ زَوْجَتِهِ لِأَمَةٍ لَيْلًا فَقَطْ بَلْ هِيَ عَلَى سَيِّدِهَا) أَيْ لَوْ تَزَوَّجَ أَمَةً، وَتَسَلَّمَهَا لَيْلًا فَقَطْ، فَفِطْرَتُهَا عَلَى السَّيِّدِ دُونَ الزَّوْجِ لِأَنَّهَا وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي نَوْبَةِ السَّيِّدِ. (وَتَرْتِيبُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (كَالنَّفَقَةِ) لِتَبَعِيَّتِهَا لَهَا (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَمُونُ جَمَاعَةً (مَا يُؤَدِّي عَنْ جَمِيعِهِمْ بَدَأَ لُزُومًا بِنَفْسِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهَا تَنْبَنِي عَلَى النَّفَقَةِ، وَنَفَقَةُ نَفْسِهِ مُقَدَّمَةٌ فَكَذَا فِطْرَتُهُ (ثُمَّ بِامْرَأَتِهِ وَلَوْ أَمَةً) تَسَلَّمَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، لِوُجُوبِ نَفَقَتِهَا مُطْلَقًا بِخِلَافِ الْأَقَارِبِ وَقُمْت عَلَى غَيْرِهَا لِآكَدِيَّتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ (ثُمَّ بِرَقِيقِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ مَعَ الْإِعْسَارِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الزَّوْجَةِ، لِئَلَّا تَسْقُطُ بِالْكُلِّيَّةِ (ثُمَّ بِأُمِّهِ) لِتَقْدِيمِهَا عَلَى الْأَبِ فِي الْبِرِّ، لِحَدِيثِ مَنْ أَبَرُّ؟ " (ثُمَّ بِأَبِيهِ) لِحَدِيثِ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيك» (ثُمَّ بِوَلَدِهِ) لِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ فِي الْجُمْلَةِ (ثُمَّ عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ: الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ) لِأَنَّ الْأَقْرَبَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، فَقُدِّمَ كَالْمِيرَاثِ (وَإِنْ اسْتَوَى اثْنَانِ فَأَكْثَرُ) كَوَلَدَيْنِ أَوْ أَوْلَادٌ، أَوْ إخْوَةٌ وَلَمْ يَفْضُلْ غَيْرُ صَاعٍ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ) لِتَسَاوِيهِمْ وَعَدَمِ الْمُرَجَّحِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْقُرْعَةُ. (وَلَا تَجِبُ) الْفِطْرَةُ (عَنْ جَنِينٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ، لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ لَتَعَلَّقَتْ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا (بَلْ تُسْتَحَبُّ) الْفِطْرَةُ عَنْ الْجَنِينِ، لِفِعْلِ عُثْمَانَ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ " كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرَةِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الشَّافِي. (وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ» وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَلَى مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ نَفَقَتُك " وَهَذَا
يَعُمُّ مَنْ يَمُونُهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ تَبَرُّعًا فَإِنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَتِهِ بَعْضَ رَمَضَانَ وَلَوْ آخِرَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ لِظَاهِرِ النَّصِّ وَ (لَا إنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ) فَلَا يَلْزَمُهُمْ فِطْرَتُهُ لِعَدَمِ أَمَانَةِ أَحَدِهِمْ لَهُ جَمِيعَ الشَّهْرِ. (وَإِذَا كَانَ رَفِيقَ وَاحِدٍ بَيْنَ شُرَكَاءَ) فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ بِحَسَبِ مِلْكِهِمْ فِيهِ، كَنَفَقَتِهِ (أَوْ بَعْضُهُ حُرٌّ) وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ فَعَلَيْهِ وَعَلَى سَيِّدِهِ صَاعٌ، بِحَسَبِ الْحُرِّيَّةِ وَالرِّقِّ (أَوْ) كَانَ (قَرِيبٌ، أَوْ) عَتِيقٌ (تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ اثْنَيْنِ) كَوَلَدَيْهِ أَوْ أَخَوَيْهِ، أَوْ مُعْتِقَيْهِ، أَوْ ابْنَيْ مُعْتِقَيْهِ، فَأَكْثَرُ فَفِطْرَتُهُ عَلَيْهِمْ كَنَفَقَتِهِ لَكِنْ لَوْ كَانَ أَبٌ وَأُمٌّ أَوْ جَدَّةٌ انْفَرَدَ بِهَا الْأَبُ كَالنَّفَقَةِ (أَوْ أَلْحَقَتْ الْقَافَةُ وَاحِدًا بِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرُ) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي اللَّقِيطِ (فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ وَاحِدٌ) لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْوَاحِدِ صَاعًا فَأَجْزَأَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ وَكَالنَّفَقَةِ وَمَاءِ طَهَارَتِهِ. (وَلَا تَدْخُلُ الْفِطْرَةُ فِي الْمُهَايَأَةِ فِيمَنْ بَعْضُهُ حُرِّ) لِأَنَّهَا حَقُّ اللَّهِ، كَالصَّلَاةِ وَالْمُهَايَأَةُ مُعَاوَضَةُ كَسْبٍ بِكَسْبٍ، (فَإِنْ كَانَ يَوْمَ الْعِيدِ نَوْبَةُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ نِصْفُهُ مَثَلًا اعْتَبَرَ أَنْ يَفْضُلَ عَنْ قُوتِهِ نِصْفُ صَاعٍ) فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْ سَيِّدُهُ سِوَى نِصْفِ الصَّاعِ كَمَا لَوْ عَجَزَ مُكَاتَبٌ عَنْهَا. (وَإِنْ كَانَتْ نَوْبَةُ السَّيِّدِ) يَوْمَ الْعِيدِ (لَزِمَ الْعَبْدَ أَيْضًا نِصْفُ صَاعٍ) وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ غَيْرَهُ لِأَنَّ مُؤْنَتَهُ عَلَى غَيْرِهِ (وَمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ) أَيْ الشُّرَكَاءِ فِي قِنٍّ أَوْ مِنْ وَارِثٍ لِقَرِيبٍ أَوْ عَتِيقٍ، أَوْ مَنْ أُلْحِقَ بِهِمْ وَلَدٌ (عَمَّا) وَجَبَ (عَلَيْهِ) مِنْ الْفِطْرَةِ الْمُشْتَرَكَةِ (لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ سِوَى قِسْطِهِ، كَشَرِيكٍ ذِمِّيٍّ) فَلَا يَلْزَمُ الْمُسْلِمَ قِسْطُ الذِّمِّيِّ. (وَإِنْ عَجَزَ زَوْجُ الْمَرْأَةِ عَنْ فِطْرَتِهَا فَ) هِيَ (عَلَيْهَا إنْ كَانَتْ حُرَّةً وَعَلَى سَيِّدِهَا إنْ كَانَتْ أَمَةً) لِأَنَّ الزَّوْجَ كَالْمَعْدُومِ (وَلَا تَرْجِعُ) الزَّوْجَةُ (الْحُرَّةُ، وَ) لَا (السَّيِّدُ بِهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (عَلَى الزَّوْجِ إذَا أَيْسَرَ) لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلُ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِلتَّحَمُّلِ وَالْمُوَاسَاةِ. (وَمَنْ لَهُ عَبْدٌ آبِقٌ أَوْ ضَالٌّ، أَوْ مَغْصُوبٌ، أَوْ مَحْبُوسٌ كَأَسِيرٍ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ) لِلْعُمُومِ، وَلِوُجُوبِ نَفَقَتِهِ بِدَلِيلِ رُجُوعِ مَنْ رَدَّ الْآبِقَ بِنَفَقَتِهِ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْجُوَ رَجْعَتَهُ أَوْ يَيْأَسَ مِنْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهَا حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ زَادَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يَعْلَمُ مَكَانَ الْآبِقِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ يَشُكَّ) السَّيِّدُ (فِي حَيَاتِهِ) أَيْ الْآبِقِ وَنَحْوِهِ (فَتَسْقُطُ) فِطْرَتُهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ بَقَاءَهُ وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَالظَّاهِرُ مَوْتُهُ وَكَالنَّفَقَةِ وَلِأَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ (فَإِنْ عَلِمَ سَيِّدُهُ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجَ لِمَا مَضَى) لِأَنَّهُ بَانَ لَهُ وُجُودُ سَبَبِ الْوُجُوبِ فِي الْمَاضِي، فَوَجَبَ
الْإِخْرَاجُ، كَمَالٍ غَائِبٍ بَانَتْ سَلَامَتُهُ. (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ زَوْجَةٍ نَاشِزٍ وَقْتَ الْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ (وَلَوْ) كَانَتْ (حَامِلًا) لِأَنَّ النَّفَقَةَ لِلْحَمْلِ وَلَا تَلْزَمُ فِطْرَتَهُ (وَلَا يَلْزَمُ الزَّوْجُ) أَيْضًا فِطْرَةَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهَا، كَغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إذَا لَمْ تُسَلَّمْ إلَيْهِ أَيْ تَبْذُلُ التَّسْلِيمَ هِيَ أَوْ وَلِيُّهَا. (وَالصَّغِيرَةُ الَّتِي لَا يُمْكِنُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا) أَيْ بِنْتٌ دُونَ تِسْعٍ، لِأَنَّ الْفِطْرَةَ تَابِعَةٌ لِلنَّفَقَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَلْزَمُهُ فِطْرَةُ مَرِيضَةٍ وَنَحْوِهَا، لَا تَحْتَاجُ إلَى نَفَقَةٍ) لِأَنَّ عَدَمَ احْتِيَاجِهَا لِلنَّفَقَةِ لَا لِخَلَلٍ فِي الْمُقْتَضَى لَهَا بِخِلَافِ مَا قَبْلُ. (وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ) كَالزَّوْجَةِ (فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ (كَمَا لَوْ أَخْرَجَ بِإِذْنِهِ) لِأَنَّهُ أَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَجْزَأَهُ، كَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (لِأَنَّ الْغَيْرَ مُحْتَمَلٌ) لِكَوْنِهَا طُهْرَةً (لَا أَصِيلَ) وَإِنْ كَانَ مُخَاطَبًا بِهَا (وَلَوْ لَمْ يُخْرِجْ مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ) كَالزَّوْجِ الْقَادِرِ إذَا لَمْ يُخْرِجْ فِطْرَةَ زَوْجَتِهِ (لَمْ يَلْزَمْ الْغَيْرَ) الَّذِي هُوَ الزَّوْجَةُ فِي الْمِثَالِ (شَيْءٌ) لِعَدَمِ خِطَابِهَا بِهَا. (وَلَهُ) أَيْ الْغَيْرِ الَّذِي وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ (مُطَالَبَتُهُ بِالْإِخْرَاجِ) كَنَفَقَتِهِ قُلْت وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ وَلَدًا، فَيُطَالِبُ وَالِدَهُ بِهَا، كَالنَّفَقَةِ. (وَلَوْ أَخْرَجَ الْعَبْدُ) فِطْرَتَهُ (بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مَالِ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ) مَنْ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ (عَمَّنْ لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ) كَأَجْنَبِيٍّ (بِإِذْنِهِ، أَجْزَأَ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ (وَإِلَّا فَلَا) قَالَ الْآجُرِّيُّ: هَذَا قَوْلُ فُقَهَاءِ الْمُسْلِمِينَ. (وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ) لِتَأَكُّدِهَا، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا فَجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ، فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالْمِلْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَالْفِطْرَةُ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَهُوَ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ مُطَالَبًا بِهِ مَنَعَ وُجُوبِهَا، لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ الْمُطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، أَشْبَهَ مَنْ لَا فَضْلَ عِنْدَهُ. (وَتَجِبُ) زَكَاةُ الْفِطْرِ (بِغُرُوبِ شَمْسِ لَيْلَةِ عِيدِ) (الْفِطْرِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «فَرَضَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَدَقَةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ، فَأَضَافَ الصَّدَقَةَ إلَى الْفِطْرِ فَكَانَتْ وَاجِبَةً بِهِ، لِأَنَّ الْإِضَافَةَ تَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ، وَأَوَّلُ فِطْرٍ يَقَعُ مِنْ جَمِيعِ رَمَضَانَ بِمَغِيبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ (فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الْغُرُوبِ (أَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً بَعْدَهُ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ) بَعْدَهُ (أَوْ مَلَكَ عَبْدًا)
فصل الواجب في زكاة الفطر
بَعْدَهُ (أَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْوُجُوبِ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَهُ، فَلَا فِطْرَةَ) عَلَيْهِ، لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ) بِأَنْ أَسْلَمَ أَوْ تَزَوَّجَ أَوْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ أَوْ مَلَكَ عَبْدًا (أَوْ أَيْسَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَجَبَتْ) الْفِطْرَةُ، لِوُجُودِ السَّبَبِ. فَالِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْغُرُوبِ) هُوَ أَوْ زَوْجَتُهُ أَوْ رَقِيقُهُ أَوْ قَرِيبُهُ وَنَحْوُهُ (أَوْ أَعْسَرَ، أَوْ أَبَانَ الزَّوْجَةَ، أَوْ أَعْتَقَ الْعَبْدَ وَنَحْوَهُ) كَمَا لَوْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ (لَمْ تَجِبْ) الْفِطْرَةُ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا تَسْقُطُ) الْفِطْرَةُ (بَعْدَ وُجُوبِهَا بِمَوْتٍ وَلَا غَيْرِهِ) كَإِبَانَةِ زَوْجَةٍ، أَوْ عِتْقِ عَبْدٍ، أَوْ بَيْعِهِ لِاسْتِقْرَارِهَا وَذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي عِتْقِ عَبْدٍ. (وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ " كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (فَقَطْ) فَلَا تُجْزِئُ قَبْلَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ لِفَوَاتِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْشَرٍ وَفِيهِ كَلَامٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ. بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَآخِرُ وَقْتِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ يَوْمَ الْفِطْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ هَذَا الْيَوْمَ» (فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ) أَيْ عَنْ يُومِ الْعِيدِ (أَثِمَ) لِتَأْخِيرِهِ الْوَاجِبَ عَنْ وَقْتِهِ، وَلِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ (وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، كَالصَّلَاةِ (وَالْأَفْضَلُ: إخْرَاجُهَا) أَيْ الْفِطْرَةِ (يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ قَدْرِهَا) فِي مَوْضِعٍ لَا يُصَلَّى فِيهِ الْعِيدُ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ " فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ جَمْعٌ: الْأَفْضَلُ أَنْ يُخْرِجَهَا إذَا خَرَجَ إلَى الْمُصَلَّى. (وَيَجُوزُ) إخْرَاجُهَا (فِي سَائِرِهِ) أَيْ بَاقِي يَوْمِ الْعِيدِ لِحُصُولِ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِمُخَالَفَتِهِ الْأَمْرَ بِالْإِخْرَاجِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى (وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِطْرَةُ غَيْرِهِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ قَرِيبٍ أَخْرَجَهَا مَكَانَ نَفْسِهِ) مَعَ فِطْرَتِهِ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ بِخِلَافِ زَكَاةِ الْمَالِ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. [فَصْلٌ الْوَاجِبُ فِي زَكَاة الْفِطْر] فَصْلٌ وَالْوَاجِبُ فِيهَا أَيْ الْفِطْرَةِ صَاعٌ عِرَاقِيٌّ لِأَنَّهُ الَّذِي أَخْرَجَ بِهِ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ
صَاعٌ بِصَاعِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْقَامَةِ، وَحِكْمَتُهُ: كِفَايَةُ الصَّاعِ لِلْفَقِيرِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ انْتَهَى وَهُوَ قَدْ حَانَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْبُرِّ، أَوْ مِثْلِ مَكِيلِهِ مِنْ التَّمْرِ أَوْ الزَّبِيبِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا. (وَلَوْ) كَانَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ (مَنْزُوعِي الْعَجَمِ) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (أَوْ الشَّعِيرِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ إجْمَاعًا (وَكَذَا الْأَقِطُ) وَيَأْتِي بَيَانُهُ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ) الْأَقِطُ (قُوتُهُ وَ) لَوْ (لَمْ يَعْدَمْ الْأَرْبَعَةَ) أَيْ التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَالْبُرَّ وَالشَّعِيرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إذْ كَانَ فِينَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (أَوْ) صَاعًا (مِنْ مُجْمَعٍ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالْأَقِطِ، فَإِذَا جَمَعَ مِنْهَا صَاعًا وَأَخْرَجَهُ أَجْزَأَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خَالِصًا مِنْ أَحَدِهَا. (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْمَخْرَجُ قُوتًا لَهُ) أَيْ لِلْمُخْرِجِ كَالتَّمْرِ بِمِصْرَ فَإِنَّهُ لَيْسَ قُوتًا بِهَا غَالِبًا، وَيُجْزِئُ إخْرَاجُهُ، لِعُمُومِ مَا سَبَقَ (وَلَا عِبْرَةَ بِوَزْنِ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ، مِمَّا يُخْرِجُهُ سِوَى الْبُرِّ) الْمُخْرَجُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ (صَاعًا بِالْبُرِّ) بِأَنْ اتَّخَذَ مَا يَسَعُ صَاعًا مِنْ جَيِّدِ الْبُرِّ، وَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ صَاعًا (أَجْزَأَ لِأَنَّهُ أَخْرَجَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ) الْمُخْرَجُ (الْوَزْنَ) أَيْ وَزْنَ الصَّاعِ، لِخِفَّتِهِ كَالشَّعِيرِ (وَيُحْتَاطُ فِي الثَّقِيلِ فَيَزِيدُ عَلَى الْوَزْنِ) أَيْ وَزْنِ الصَّاعِ (شَيْئًا يُعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الثَّقِيلَ (قَدْ بَلَغَ صَاعًا) كَيْلًا (لِيَسْقُطَ الْفَرْضُ بِيَقِينٍ) فَيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ. (وَلَا يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ " فَفِيهِ مَقَالٌ لِأَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ قَالَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ (وَيُجْزِئُ صَاعُ دَقِيقٍ وَسَوِيقٍ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْحَبِّ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِزِيَادَةٍ انْفَرَدَ بِهَا ابْنُ عُيَيْنَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ لِابْنِ عُيَيْنَةَ: أَنَّ أَحَدًا لَا يَذْكُرُهُ فِيهِ قَالَ: بَلْ هُوَ فِيهِ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ الْمَجْدُ: بَلْ أَوْلَى بِالْإِجْزَاءِ لِأَنَّهُ كَفَى مُؤْنَتَهُ، كَتَمْرٍ نُزِعَ نَوَاهُ (وَسَوِيقِ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ: يُحَمَّصُ) وَعِبَارَةُ الْمُبْدِعِ: يُقْلَى (ثُمَّ يُطْحَنُ وَصَاعُ الدَّقِيقِ) يُعْتَبَر بِ (وَزْنِ حَبِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِتَفَرُّقِ الْأَجْزَاءِ بِالطَّحْنِ. وَكَذَا السُّوَيْقُ (وَيُجْزِئُ دَقِيقٌ بِلَا نَخْلٍ) كَقَمْحٍ بِلَا تَنْقِيَةٍ (وَالْأَقِطُ لَبَنٌ جَامِدٌ يُجَفَّفُ بِالْمَصْلِ) أَيْ بِسَبَبِ الْمَصْلِ الَّذِي يَسِيلُ مِنْهُ (يُعْمَلُ مِنْ
اللَّبَنِ الْمَخِيضِ) وَقِيلَ مِنْ لَبَنِ الْإِبِلِ خَاصَّةً. (وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى تَحْصِيلِهَا) كَالدِّبْسِ وَالْمَصْلِ، وَالْجُبْنِ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَقَدِّمَةِ (وَلَا) إخْرَاجُ (الْقِيمَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ (فَإِنَّ عَدَمَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ أَخْرَجَ مَا يُقَوَّمُ مَقَامَهُ) مِنْ حَبٍّ وَتَمْرٍ يَقْتَاتُ إذَا كَانَ مَكِيلًا، (كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَالْمَاشِ وَنَحْوِهِ) كَالْأُرْزِ وَالتِّينِ وَالتُّوتُ الْيَابِسُ لِأَنَّ ذَلِكَ أَشْبَهَ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَكَانَ أَوْلَى. (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ حَبٍّ مَعِيبٍ، كَمُسَوِّسٍ وَمَبْلُولٍ وَقَدِيمٍ، تَغَيَّرَ طَعْمُهُ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] وَلِأَنَّ السُّوسَ يَأْكُلُ جَوْفَهُ وَالْبَلَلَ يَنْفُخُهُ (فَالْمُخْرِجُ لِصَاعٍ مِنْهُ لَيْسَ هُوَ الْوَاجِبُ شَرْعًا) وَلَا خُبْزٍ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ الْكَيْلِ وَالِادِّخَارِ وَفِيهِ شَبَهٌ بِإِخْرَاجِ الْقِيمَةِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُجْزِئُ (فَإِنْ خَالَطَ الْمُخْرَجُ) الْجَيِّدَ (مَا لَا يُجْزِئُ وَكَثُرَ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ قَلَّ الَّذِي لَا يُجْزِئُ زَادَ بِقَدْرِ مَا يَكُونُ الْمُصَفَّى صَاعًا) لِأَنَّهُ لَيْسَ عَيْبًا لِقِلَّةِ مَشَقَّةِ تَنْقِيَتِهِ (وَأَحَبَّ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (تَنْقِيَةَ الطَّعَامِ) وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ لِيَكُونَ أَكْمَلَ. (وَأَفْضَلُ مُخْرَجٍ: تَمْرٌ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ لَهُ أَبُو مِجْلَزٍ " إنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْسَعَ، وَالْبُرُّ أَفْضَلُ فَقَالَ: إنَّ أَصْحَابِي سَلَكُوا طَرِيقًا فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْلُكَهُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ قُوتٌ وَحَلَاوَةٌ وَأَقْرَبُ تَنَاوُلًا، وَأَقَلُّ كُلْفَةً (ثُمَّ زَبِيبٌ) لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى التَّمْرِ فِيمَا تَقَدَّمَ (ثُمَّ بُرٌّ) لِأَنَّهُ أَنْفَعُ فِي الِاقْتِيَاتِ، وَأَبْلَغُ فِي دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ (ثُمَّ أَنْفَعُ) لِلْفَقِيرِ (ثُمَّ شَعِيرٌ ثُمَّ دَقِيقُ بُرٍّ، ثُمَّ دَقِيقُ شَعِيرٍ ثُمَّ سُوَيْقُهُمَا) أَيْ سُوَيْقُ الْبُرِّ ثُمَّ الشَّعِيرُ (ثُمَّ أَقِطٌ) . (وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ) مِنْ الْفُقَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ (مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ) مِنْ فِطْرَةٍ أَوْ زَكَاةِ مَالٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِذَا أَعْطَى مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً، جَازَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الصَّدَقَةَ إلَى مُسْتَحَقِّهَا (لَكِنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ لَا يُنْقِصَهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْآخِذِينَ (عَنْ مُدِّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) لِيَحْصُلَ إغْنَاؤُهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَأْمُورِ بِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) يَجُوزُ (أَنْ يُعْطِيَ الْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، فَجَازَ صَرْفُهَا لِوَاحِدٍ، كَالزَّكَاةِ. (وَلِفَقِيرٍ إخْرَاجُ فِطْرَةٍ، وَزَكَاةٍ عَنْ نَفْسِهِ إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ) لِأَنَّهُ رَدَّ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِمِيرَاثٍ (مَا لَمْ
باب إخراج الزكاة وما يتعلق به من حكم النقل والتعجيل ونحوه
يَكُنْ حِيلَةً) كَأَنْ يَشْرِطُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ أَنْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ. (وَكَذَا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، إذَا حُصِّلَتَا) أَيْ الْفِطْرَةُ وَزَكَاةُ الْمَالِ (عِنْدَهُ، فَقَسَمَهُمَا رَدَّهُمَا) أَيْ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَرُدَّهُمَا (إلَى مَنْ أُخِذَتَا مِنْهُ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) وَتَوْضِيحُهُ (وَكَانَ عَطَاءٌ يُعْطِي عَنْ أَبَوَيْهِ صَدَقَةَ الْفِطْرِ، حَتَّى مَاتَ، وَهُوَ تَبَرُّعٌ اسْتَحْسَنَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) رَحِمِهِمَا اللَّهُ تَعَالَى. [بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حُكْمِ النَّقْلِ وَالتَّعْجِيلِ وَنَحْوِهِ] ِ (لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ تَأْخِيرُ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْمَالِ (عَنْ وَقْتِ وُجُوبِهَا، مَعَ إمْكَانِهِ فَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَلَى الْفَوْرِ، كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وَكَفَّارَةٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} [الأنعام: 141] وَالْمُرَادُ: الزَّكَاةُ وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ لِلْفَوْرِ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُؤَخِّرَ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ، وَلَوْ جَازَ التَّأْخِيرُ لَكَانَ إمَّا إلَى غَايَةٍ، وَهُوَ مُنَافٍ لِلْوُجُوبِ، وَإِمَّا إلَى غَيْرِهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ رُبَّمَا يُفْضِي إلَى سُقُوطِهَا إمَّا بِمَوْتِهِ، أَوْ تَلَفِ الْمَالِ، فَيَتَضَرَّرُ الْفَقِيرُ بِذَلِكَ، فَيَخْتَلُّ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِهَا: وَلِأَنَّهَا لِلْفَوْرِ بِطَلَبِ السَّاعِي، فَكَذَا بِطَلَبِ اللَّهِ تَعَالَى كَعَيْنٍ مَغْصُوبَةٍ. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلْفَوْرِ، لَقُلْنَا بِهِ هُنَا. وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهَا إلَى دُخُولِ وَقْتِ مِثْلِهَا، كَالصَّلَاةِ (وَيَأْتِي) حُكْمُ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ وَالْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ (إلَّا أَنْ يَخَافَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (ضَرَرًا) فَيَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهَا نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (كَرُجُوعِ سَاعٍ) عَلَيْهِ إذَا أَخْرَجَهَا هُوَ بِنَفْسِهِ، مَعَ غَيْبَةِ السَّاعِي (أَوْ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَنَحْوِهِ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الضَّرَرِ، وَإِذَا جَازَ تَأْخِيرُ دَيْنِ الْآدَمِيِّ لِذَلِكَ، فَهِيَ أَوْلَى (أَوْ كَانَ) الْمَالِكُ (فَقِيرًا مُحْتَاجًا إلَى زَكَاتِهِ تَخْتَلُّ كِفَايَتُهُ وَمَعِيشَتُهُ بِإِخْرَاجِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتُؤْخَذُ مِنْهُ) الزَّكَاةُ (عِنْدَ يَسَارِهِ) لِمَا مَضَى، لِزَوَالِ الْعَارِضِ (أَوْ أَخَّرَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (لِيُعْطِيَهَا لِمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ) مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ) لِيُعْطِيَهَا لِقَرِيبٍ أَوْ جَارٍ نَقَلَهُ يَعْقُوبُ فِيمَنْ حَاجَتُهُ أَشَدُّ، وَقَيَّدَهُ جَمَاعَةٌ
بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ لِلْحَاجَةِ، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ تَرْكُ وَاجِبٍ لِمَنْدُوبٍ. وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: الْمَنْعُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدُ الْكُلُّ بِمَا إذَا لَمْ يَشْتَدَّ ضَرَرُ الْحَاضِرِ (أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (لِتَعَذُّرِ إخْرَاجِهَا مِنْ النِّصَابِ لِغَيْبَةِ) الْمَالِ (وَنَحْوِهَا) كَالْمَنْعِ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ إذَنْ (وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَالِ الْمُزَكَّى فَلَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْمَالِ مِنْهُ وَجَوَازُ الْإِخْرَاجِ مِنْ غَيْرِهِ رُخْصَةٌ فَلَا يَنْقَلِبُ تَضْيِيقًا. (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، أَوْ) أَيْ وَيَجُوزُ تَأْخِيرُهَا (لِغَيْبَةِ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ) غَيْبَةِ (الْإِمَامِ عِنْدَ خَوْفِ رُجُوعِهِ) عَلَيْهِ بِهَا لِلضَّرَرِ (وَكَذَا لِلْإِمَامِ وَالسَّاعِي التَّأْخِيرُ) أَيْ تَأْخِيرُ الزَّكَاةِ (عِنْدَ رَبِّهَا، لِعُذْرِ قَحْطٍ وَنَحْوِهِ) كَمَجَاعَةٍ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِفِعْلِ عُمَرَ. (فَإِنْ جَحَدَ) الْمُسْلِمُ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ (وُجُوبَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (جَهْلًا بِهِ - وَمِثْلُهُ يَجْهَلُهُ - كَقَرِيبِ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نُشُوئِهِ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ) بِحَيْثُ (يَخْفَى عَلَيْهِ) وُجُوبُ الزَّكَاةِ (عُرِّفَ ذَلِكَ) أَيْ وُجُوبَهَا، لِيَرْجِعَ عَنْ الْخَطَأِ وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ (وَنُهِيَ عَنْ الْمُعَاوَدَةِ) لِجَحْدِ وُجُوبِهَا لِزَوَالِ عُذْرِهِ (فَإِنْ أَصَرَّ) عَلَى جَحْدِ الْوُجُوبِ بَعْدَ أَنْ عُرِّفَ (أَوْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِهَا كَفَرَ) إجْمَاعًا لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَلَوْ أَخْرَجَهَا وَهَذَا إذَا جَحَدَ وُجُوبَ الزَّكَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا إنْ جَحْدَهُ فِي مَالٍ خَاصٍّ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا كَمَالِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ، وَعُرُوضِ التِّجَارَةِ، وَزَكَاةِ الْفِطْرِ، وَزَكَاةِ الْعَسَلِ وَمَا عَدَا الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالزَّبِيبَ مِنْ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَمْ يُنَبِّهْ لِذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ مِمَّا يَأْتِي (وَأُخِذَتْ) الزَّكَاةُ مِنْهُ إنْ كَانَتْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ كُفْرِهِ، لِكَوْنِهَا لَا تَسْقُطُ بِهِ، كَالدَّيْنِ. (وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) كَغَيْرِهِ مِنْ الْمُرْتَدِّينَ (فَإِنْ لَمْ يَتُبْ) بِأَنْ يُقِرَّ بِوُجُوبِهَا مَعَ الْإِتْيَانِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (قُتِلَ كُفْرًا وُجُوبًا) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ» وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ " لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَمَنْ مَنَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (بُخْلًا بِهَا أَوْ تَهَاوُنًا أُخِذَتْ مِنْهُ) قَهْرًا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ، وَكَمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ الْعُشْرُ وَلِأَنَّ لِلْإِمَامِ طَلَبَهُ بِهِ فَهُوَ كَالْخَرَاجِ بِخِلَافِ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْحَجِّ، وَالتَّكْفِيرِ بِالْمَالِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْبَسُ، حَتَّى يُؤَدِّيَ لِعَدَمِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ مِنْ الْمُمْتَنِعِ (وَعَزَّرَهُ إمَامٌ عَدْلٌ فِيهَا) أَيْ فِي الزَّكَاةِ يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا. وَظَاهِرُهُ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا فِي غَيْرِهَا
(أَوْ) عَزَّرَهُ (عَامِلُ زَكَاةٍ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْإِمَامِ فِيهَا وَإِنَّمَا عُزِّرَ لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ (مَا لَمْ يَكُنْ) مَانِعُ الزَّكَاةِ بُخْلًا أَوْ تَهَاوُنًا (جَاهِلًا) بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَلَا يُعَزَّرُ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. (وَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ مَنَعَ الزَّكَاةَ (لِكَوْنِ الْإِمَامُ غَيْرَ عَدْلٍ فِيهَا لَا يَضَعُهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يُعَزَّرْ) لِأَنَّهُ رُبَّمَا اعْتَقَدَ ذَلِكَ عُذْرًا فِي التَّأْخِيرِ (وَإِنْ غَيَّبَ) مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (مَالَهُ أَوْ كَتَمَهُ) أَيْ غَلَّهُ. (وَأَمْكَنَ أَخْذُهَا) بِأَنْ كَانَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ (أُخِذَتْ) الزَّكَاةُ (مِنْهُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ) عَلَيْهَا لِأَنَّ الصِّدِّيقَ مَعَ الصَّحَابَةِ لَمَّا مَنَعَتْ الْعَرَبُ الزَّكَاةَ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُمْ زِيَادَةً عَلَيْهَا وَلِأَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى أَخْذِ الْحُقُوقِ مِنْ الظَّالِمِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ. وَأَمَّا حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا «فِي كُلِّ إبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ إبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ إبِلِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ «شَطْرَ مَالِهِ» وَهُوَ ثَابِتٌ إلَى بَهْزٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ الْأَكْثَرُ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ كَانَ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ، حَيْثُ كَانَتْ الْعُقُوبَاتُ بِالْمَالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ الصِّدِّيقِ «وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطَهُ» وَلِأَنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ كَانَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ مَعَ تَوَفُّرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَخْذُ زِيَادَةٍ وَلَا قَوْلَ بِهِ. (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ بِالتَّغْيِيبِ أَوْ غَيْرِهِ (اُسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا) لِأَنَّ الزَّكَاةَ أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ فَيُسْتَتَابُ تَارِكُهَا كَالصَّلَاةِ (فَإِنْ تَابَ) وَ (أَخْرَجَ) كُفَّ عَنْهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ (قُتِلَ) لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِهَا (حَدًّا) لَا كُفْرًا لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ " كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكَهُ كُفْرًا إلَّا الصَّلَاةَ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَمَا حَكَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ " مَا مَانِعُ الزَّكَاةِ بِمُسْلِمٍ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، مَعْنَاهُ: التَّغْلِيظُ وَمُقَارَبَةُ الْكُفْرِ، دُونَ حَقِيقَتِهِ (وَأُخِذَتْ مِنْ تَرِكَتِهِ) مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ لِأَنَّ الْقَتْلَ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْآدَمِيِّ. فَكَذَا الزَّكَاةُ (وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ أَخْذُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ مِنْ مَانِعِهَا (إلَّا بِقِتَالٍ وَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ قِتَالُهُ، إنْ وَضَعَهَا مَوَاضِعَهَا) لِاتِّفَاقِ الصِّدِّيقِ مَعَ الصَّحَابَةِ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقَالَ " وَاَللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا - وَفِي لَفْظِ: عِقَالًا - كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا لَمْ يُقَاتِلْهُ، لِاحْتِمَالِ أَنَّ مَنْعَهُ إيَّاهَا لِاعْتِقَادِهِ ذَلِكَ عُذْرًا
(وَلَا يُكَفَّرُ) مَانِعُ الزَّكَاةِ تَهَاوُنًا أَوْ بُخْلًا (بِقِتَالِهِ لَهُ) أَيْ لِلْإِمَامِ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ. وَلِأَنَّ عُمَرَ وَغَيْرَهُ امْتَنَعُوا ابْتِدَاءً مِنْ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَلَوْ اعْتَقَدُوا كُفْرَهُمْ مَا امْتَنَعُوا مِنْهُ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ فَبَقِيَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ الْأَوَّلِ، وَمَا رُوِيَ عَنْ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ لَمَّا قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَضَّتْهُمْ الْحَرْبُ قَالُوا، نُؤَدِّيهَا قَالَ " لَا أَقْبَلُهَا حَتَّى تَشْهَدُوا أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ قَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ " يُحْتَمَلُ أَنَّهُ فِيمَنْ مَنَعَهَا جُحُودًا وَلَحِقَ بِأَهْلِ الرِّدَّةِ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ فِيهِمْ طَائِفَةٌ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْحُكْمِ بِالنَّارِ الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ، بِدَلِيلِ الْعُصَاةِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَوْ فَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ بِتَعَذُّرٍ فِيهَا وَالْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَدَائِهَا مَعَ الْقِتَالِ. (وَمَنْ طُولِبَ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فَادَّعَى مَا يَمْنَعُ وُجُوبَهَا مِنْ نُقْصَانِ الْحَوْلِ أَوْ) نُقْصَانِ (النِّصَابِ، أَوْ انْتِقَالِهِ) أَيْ مَلَكَ النِّصَابَ (فِي بَعْضِ الْحَوْلِ وَنَحْوِهِ، كَادِّعَائِهِ أَدَاءَهَا، أَوْ تَجَدُّدِ مِلْكِهِ قَرِيبًا أَوْ) ادَّعَى (أَنَّ مَا بِيَدِهِ) مِنْ الْمَالِ (لِغَيْرِهِ أَوْ) ادَّعَى أَنَّهُ مُنْفَرِدٌ، أَوْ أَنَّهُ (مُخْتَلَطٌ قُبِلَ قَوْلِهِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ (بِغَيْرِ يَمِينٍ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ هُوَ مُؤْتَمَنٌ عَلَيْهَا فَلَا يُسْتَحْلَفُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُسْأَلُ الْمُتَصَدِّقُ عَنْ شَيْءٍ، وَلَا يُبْحَثُ، إنَّمَا يَأْخُذُ مَا أَصَابَهُ مُجْتَمَعًا، وَكَذَا الْحُكْمُ إنْ مَرَّ بِعَاشِرٍ وَادَّعَى أَنَّهُ عَشَّرَهُ آخَرُ. (وَإِنْ أَقَرَّ بِقَدْرِ زَكَاتِهِ وَلَمْ يُخْبَرْ بِقَدْرِ مَالِهِ أُخِذَتْ مِنْهُ بِقَوْلِهِ وَلَمْ يُكَلَّفْ إحْضَارَ مَالِهِ) لِمَا مَرَّ. (وَالصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ) تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي مَالِهِمَا لِمَا تَقَدَّمَ (يُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا فِي مَالِهِمَا) لِأَنَّهَا حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا فَوَجَبَ عَلَى الْوَلِيِّ أَدَاؤُهَا عَنْهُمَا (كَنَفَقَةِ أَقَارِبِهُمَا وَزَوْجَاتِهِمَا، وَأُرُوشِ جِنَايَاتِهِمَا) وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْ الْوَلِيِّ فِي الْإِخْرَاجِ، كَرَبِّ الْمَالِ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِنْسَانِ تَفْرِقَةُ زَكَاتِهِ وَ) تَفْرِقَةُ (فِطْرَتِهِ بِنَفْسِهِ،، بِشَرْطِ أَمَانَتِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ دَفْعِهَا إلَى إمَامٍ عَادِلٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] وَكَالدَّيْنِ وَلِأَنَّ الْقَابِضَ رَشِيدٌ قَبَضَ مَا يَسْتَحِقُّهُ، وَلِيَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ إيصَالِهَا إلَى مُسْتَحَقِّيهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْوَالِ
الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ. (وَلَهُ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ (دَفْعُهَا إلَى السَّاعِي وَإِلَى الْإِمَامِ وَلَوْ فَاسِقًا يَضَعُهَا فِي مَوَاضِعِهَا) لِمَا رَوَى سُهَيْلُ بْنُ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ " أَتَيْت سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ فَقُلْت: لِي مَالٌ وَأُرِيدُ إخْرَاجَ زَكَاتِهِ فَمَا تَأْمُرُنِي؟ فَقَالَ: ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ فَأَتَيْت ابْنَ عُمَرَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْ مُسْتَحَقِّهَا فَجَازَ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ (يَضَعْهَا مَوَاضِعَهَا حَرُمَ) دَفْعُهَا إلَيْهِ (وَيَجُوزُ) . وَعِبَارَةُ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنْ النُّسَخِ: وَيَجِبُ وَهِيَ أَنْسَبُ بِمَا قَبْلَهُ (كَتَمَهَا إذَنْ) وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَنَصَّ الْإِمَامُ عَلَى خِلَافَهُ قَالَ فِي الشَّرْح: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّ دَفْعَهَا لِلْإِمَامِ جَائِزٌ سَوَاءٌ كَانَ عَدْلًا أَوْ غَيْرَ عَدْلٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ الظَّاهِرَةِ أَوْ الْبَاطِنَةِ وَيَبْرَأُ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ سَوَاءٌ تَلِفَتْ بِيَدِ الْإِمَامِ أَوْ لَا، أَوْ صَرَفَهَا فِي مَصَارِفهَا أَوْ لَمْ يَصْرِفْهَا اهـ، وَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: إنَّهُمْ يُقَلِّدُونَ بِهَا الْكِلَابَ وَيَشْرَبُونَ بِهَا الْخُمُورَ فَقَالَ " ادْفَعْهَا إلَيْهِمْ " حَكَاهُ عَنْهُ أَحْمَدُ، وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ " ادْفَعُوهَا إلَى مَنْ غَلَبَ ". وَفِي لَفْظٍ آخَرَ " ادْفَعُوهَا إلَى الْأُمَرَاءِ وَإِنْ كَرَعُوا بِهَا لُحُومَ الْكِلَابِ عَلَى مَوَائِدِهِمْ " رَوَاهُمَا عَنْهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: كَانُوا يَدْفَعُونَ الزَّكَاةَ إلَى الْأُمَرَاءِ. وَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْمُرُونَ بِدَفْعِهَا وَقَدْ عَلِمُوا فِيمَا يُنْفِقُونَهَا فَمَا أَقُولُ أَنَا؟ (وَيَبْرَأُ) دَافِعُ الزَّكَاةِ إلَى السَّاعِي أَوْ الْإِمَامِ (بِدَفْعِهَا إلَيْهِ وَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ، أَوْ لَمْ يَصْرِفُهَا فِي مَصَارِفِهَا) لِمَا سَبَقَ (وَيُجْزِئُ دَفْعُهَا إلَى الْخَوَارِجِ وَالْبُغَاةِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْخَوَارِجِ، إذَا غَلَبُوا عَلَى بَلَدٍ، وَأَخَذُوا مِنْهُ الْعُشْرَ: وَقَعَ مَوْقِعَهُ وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ خَرَجُوا بِتَأْوِيلٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إنَّمَا يُجْزِئُ أَخْذُهُمْ إذَا نَصَبُوا لَهُمْ إمَامًا (وَكَذَلِكَ مَنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ مِنْ السَّلَاطِينِ قَهْرًا أَوْ اخْتِيَارًا عَدَلَ فِيهَا أَوْ جَارَ وَيَأْتِي فِي بَابِ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَلِلْإِمَامِ طَلَبُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَكَالزَّكَاةِ. (وَ) لِلْإِمَامِ طَلَبُ (الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ الظَّاهِرِ) كَالْمَوَاشِي وَالْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ (وَالْبَاطِنِ) كَالْأَثْمَانِ وَعُرُوضُ التِّجَارَةِ (إنْ وَضَعَهَا فِي أَهْلِهَا، وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ إذَا طَلَبَهَا) بَلْ لِرَبِّهَا تَفْرِقَتُهَا بِنَفْسِهِ وَهُوَ أَفْضَلُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (أَنْ يُقَاتِلَ عَلَى) ذَلِكَ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ (إخْرَاجُهَا بِالْكُلِّيَّةِ) إذْ الْوَاجِبُ الْإِخْرَاجُ، لَا الدَّفْعُ إلَى الْإِمَامِ.
فصل لا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية
[فَصْلٌ لَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ الزَّكَاة إلَّا بِنِيَّةِ] فَصْلٌ وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُهَا إلَّا بِنِيَّةٍ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (مِنْ مُكَلَّفٍ) لَا صَغِيرٍ وَمَجْنُونٍ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ (وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ يَنْوِي عَنْهُ وَلِيُّهُ) لِقِيَامِهِ مُقَامَهُ (فَيَنْوِي الزَّكَاةَ، أَوْ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ، أَوْ صَدَقَةَ الْمَالِ أَوْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ فَلَوْ لَمْ يَنْوِ) لَمْ يُجْزِئْهُ مَا أَخْرَجَهُ وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ لِأَنَّ صَرْفَ الْمَالِ إلَى الْفَقِيرِ لَهُ جِهَاتٌ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ، وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ وَلَا قَرِينَةَ تُعَيَّنُ، فَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ التَّمْيِيزِ (أَوْ نَوَى صَدَقَةً مُطْلَقَةً؟ لَمْ يَجُزْ) مَا أَخْرَجَهُ (عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، حَتَّى وَلَوْ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ الْمَالِ) كَمَا لَوْ نَوَى الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ وَ (كَصَدَقَتِهِ بِغَيْرِ النِّصَابِ مِنْ جِنْسِهِ وَالْأَوْلَى: مُقَارَنَتُهَا) أَيْ النِّيَّةِ (لِلدَّفْعِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ. (وَتَجُوزُ) النِّيَّةُ (قَبْلَهُ) أَيْ الْإِخْرَاجِ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ (كَصَلَاةٍ وَلَا تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْفَرْضِ) اكْتِفَاءً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ، لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فَرْضًا. (وَلَا) يُعْتَبَرُ (تَعْيِينُ الْمَالِ الْمُزَكَّى عَنْهُ) لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهِ (فَلَوْ كَانَ لَهُ مَالَانِ غَائِبٌ وَحَاضِرٌ فَنَوَى زَكَاةَ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ) وَأَدَّاهَا (أَجْزَأَ) مَا دَفَعَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ (بِدَلِيلِ أَنَّ مَنْ لَهُ أَرْبَعِينَ دِينَارًا، إذَا أَخْرَجَ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأَرْبَعِينَ (صَحَّ، وَوَقَعَ) الْإِخْرَاجُ (عَنْ عِشْرِينَ دِينَارًا مِنْهَا غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ) فَيُخْرِجُ نِصْفَ دِينَارٍ عَنْ الْعِشْرِينَ الْبَاقِيَةِ. (وَلَوْ كَانَ لَهُ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ الْغَنَمِ، فَقَالَ: هَذِهِ الشَّاةُ عَنْ الْإِبِلِ، أَوْ الْغَنَمِ أَجْزَأَتْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا) وَيُخْرِجُ شَاةً أُخْرَى عَنْ الْآخَرِ (وَلَوْ) أَخْرَجَ قَدْرَ زَكَاةِ أَحَدِ مَالَيْهِ، وَ (نَوَى زَكَاةَ مَالِهِ الْغَائِبِ فَإِنْ كَانَ تَالِفًا فَعَنْ الْحَاضِرِ أَجْزَأَ) الْمُخْرَجُ (عَنْهُ) أَيْ الْحَاضِرُ (إنْ كَانَ الْغَائِبُ تَالِفًا) بِخِلَافِ الصَّلَاةِ لِاعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِيهَا فَإِنْ كَانَا سَالِمَيْنِ أَجْزَأَهُ أَحَدُهُمَا لِأَنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْطٍ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَلَوْ نَوَى أَنَّ هَذِهِ زَكَاةُ مَالِي، إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَهُوَ تَطَوُّعٌ، مَعَ شَكٍّ فِي سَلَامَتِهِ، فَبَانَ سَالِمًا، أَجْزَأَتْ) . وَكَذَا إنْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا، لِأَنَّ هَذَا فِي حُكْمِ الْإِطْلَاقِ، فَلَا يَضُرُّ تَقْيِيدُهُ بِهِ (وَلَوْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ فَبَانَ تَالِفًا لَمْ يَكُنْ لَهُ صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَهُوَ لَمْ يَنْوِ غَيْرَ الْغَائِبِ (فَإِنْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ مَالِي أَوْ نَفْلٍ) لَمْ يُجْزِئْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْلِص النِّيَّةَ لِلزَّكَاةِ (أَوْ قَالَ: هَذَا زَكَاةُ
إرْثِي مِنْ مُوَرِّثِي، إنْ كَانَ مَاتَ، لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْنِ عَلَى أَصْلٍ قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ: كَقَوْلِهِ لَيْلَةَ الشَّكِّ: إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي وَقَالَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ: كَقَوْلِهِ: إنْ كَانَ وَقْتُ الظُّهْرِ دَخَلَ فَصَلَاتِي هَذِهِ عَنْهَا وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ: التَّرَدُّدُ فِي الْعِبَادَةِ يُفْسِدُهَا وَلِهَذَا لَوْ صَلَّى وَنَوَى إنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ دَخَلَ فَهِيَ فَرِيضَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ دَخَلَ فَهِيَ نَافِلَةٌ لَمْ تَصِحَّ لَهُ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا، وَإِنْ نَوَى عَنْ الْغَائِبِ إنْ كَانَ سَالِمًا وَإِلَّا فَأَرْجَعَ فَلَهُ الرُّجُوعُ إنْ بَانَ تَالِفًا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي عَلَى قَوْلِ الرُّجُوعِ فِي التَّلَفِ. (وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (الْإِمَامُ قَهْرًا لِامْتِنَاعِهِ) أَيْ رَبِّ الْمَالِ أَوْ تَغْيِيبِهِ مَالَهُ - (كَفَتْ نِيَّةُ الْإِمَامِ دُونَ نِيَّةِ رَبِّ الْمَالِ) فَلَا يَعْتَبِرُ لِلْإِجْزَاءِ ظَاهِرًا. (وَأَجْزَأَتْهُ ظَاهِرًا) فَلَا يُطَالَبُ بِهَا بَعْدُ، وَ (لَا) تُجْزِئْهُ (بَاطِنًا) لِعَدَمِ النِّيَّةِ (وَمِثْلُ ذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (رَبُّ الْمَالِ إلَى مُسْتَحَقِّهَا كُرْهًا وَقَهْرًا) حَالَانِ مِنْ رَبِّ الْمَالِ فَتُجْزِئُهُ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ عَلَى عِبَادَةٍ وَفَعَلَهَا لِدَاعِي الشَّرْعِ، صَحَّتْ لَا لِدَاعِي الْإِكْرَاهِ. (وَإِنْ أَخَذَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (الْإِمَامُ أَوْ السَّاعِي لِغَيْبَةِ رَبِّ الْمَالِ، أَوْ تَعَذَّرَ الْوُصُولُ إلَيْهِ بِحَبْسٍ وَنَحْوِهِ) كَأَسْرٍ (أَجْزَأَتْهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) لِأَنَّ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى رَبِّ الْمَالِ إذَنْ، فَقَامَتْ نِيَّته كَوَلِيِّ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَلَا تَقْصِيرَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ. (وَإِنْ دَفَعَهَا رَبُّ الْمَالِ (إلَى الْإِمَامِ طَوْعًا نَاوِيًا) أَنَّهَا زَكَاةٌ (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامُ حَالَ دَفْعِهَا إلَى الْفُقَرَاءِ) مَثَلًا (جَازَ، وَإِنْ طَالَ) الزَّمَنُ لِأَنَّهُ) أَيْ الْإِمَامَ (وَكِيلُ الْفُقَرَاءِ) لَا رَبُّ الْمَالِ. وَ (لَا) تُجْزِئُ (إنْ نَوَاهَا الْإِمَامُ) زَكَاةً (دُونَهُ) أَيْ دُونَ رَبِّ الْمَالِ (أَوْ لَمْ يَنْوِيَاهَا) أَيْ لَا الْإِمَامُ وَلَا رَبُّ الْمَالِ، لِعَدَمِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (وَتَقَعُ نَفْلًا) فَلَا رُجُوعَ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ (وَيُطَالَبُ) رَبُّ الْمَالِ (بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِبَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ وَعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِذَلِكَ الدَّفْعِ. (وَلَا بَأْسَ بِالتَّوَكُّلِ فِي إخْرَاجِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ، كَتَفْرِقَةِ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ. (وَيُعْتَبَرُ كَوْنُ الْوَكِيلِ ثِقَةً مُسْلِمًا) لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ، وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرُ الثِّقَةِ لَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهَا (فَإِنْ دَفَعَهَا) الْمُوَكَّلُ (إلَى وَكِيلِهِ، أَجْزَأَتْ النِّيَّةُ مِنْ مُوَكَّلٍ، مَعَ قُرْبِ زَمَنِ الْإِخْرَاجِ) مِنْ زَمَنِ التَّوْكِيلِ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُوَكَّلِ. وَتَأَخُّرُ الْأَدَاءِ عَنْ النِّيَّةِ بِالزَّمَنِ الْيَسِيرِ جَائِزٌ (وَمَعَ بُعْدِهِ) أَيْ بُعْدِ زَمَنِ الْإِخْرَاجِ (لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُوَكَّلِ حَالَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ) لِتَعَلُّقِ الْفَرْضِ بِالْمُوَكِّلِ، وَوُقُوعِ الْإِجْزَاءِ عَنْهُ (و) لَا بُدَّ مِنْ (نِيَّةِ الْوَكِيلِ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ) لِئَلَّا يَخْلُوَ الدَّفْعُ إلَيْهِ عَنْ نِيَّةٍ مُقَارِنَةٍ أَوْ مُقَارِبَةٍ (وَلَا
تُجْزِئُ نِيَّةُ الْوَكِيلِ وَحْدَهُ) أَيْ دُونَ نِيَّةِ الْمُوَكَّلِ لِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُوَكِّلِ، كَمَا سَبَقَ. (وَإِنْ أَخْرَجَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ (زَكَاةَ شَخْصٍ أَوْ كَفَّارَتَهُ مِنْ مَالِهِ) أَيْ مَالِ الْمُخْرِجِ (بِإِذْنِهِ صَحَّ) إخْرَاجُهُ عَنْهُ كَالْوَكِيلِ (وَلَهُ) أَيْ الْمُخْرِجِ (الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ نَوَاهُ) أَيْ نَوَى الرُّجُوعَ لَا إنْ نَوَى التَّبَرُّعَ، أَوْ أَطْلَقَ. (وَإِنْ كَانَ) إخْرَاجُهُ لِزَكَاةِ غَيْرِهِ (بِغَيْرِ إذْنِهِ لَمْ يَصِحَّ) لِعَدَمِ النِّيَّةِ مِنْ الْمُخْرَجِ عَنْهُ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ الْوُجُوبُ (كَمَا لَوْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ بِلَا إذْنِهِ) لِعَدَمِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ، وَوَكَالَتِهِ عَنْهُ (وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ وَلَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ فَأَخْرَجَهَا الْوَكِيلُ مِنْ) هَذَا (الْمَالِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهِ وَنَوَاهَا زَكَاةً أَجْزَأَتْ) لِأَنَّ الزَّكَاةَ صَدَقَةٌ هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ، لِاشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْمُوَكِّلِ فِي الْإِخْرَاجِ. وَهُنَا لَمْ تُوجَدْ وَفِي التَّعْلِيلِ نَظَرٌ وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُجْزِئُهُ لِأَنَّهُ خَصَّهُ بِمَا يَقْتَضِي النَّفَلَ قَالَهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ لَفْظِ الصَّدَقَةِ وَأَيْضًا الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ يَقِينًا فَلَا تَسْقُطُ بِمُحْتَمَلٍ وَأَيْضًا لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ الْمُوَكِّلِ وَهَذَا لَمْ يَنْوِ الزَّكَاةَ (وَلَوْ) وَكَّلَهُ فِي إخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِ مَالًا وَ. (قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ نَفْلًا، أَوْ عَنْ كَفَّارَتِي، ثُمَّ نَوَى) الْمُوَكَّلُ (الزَّكَاةَ قَبْلَ أَنْ يَتَصَدَّقَ) وَكِيلُهُ (أَجْزَأَ عَنْهَا، لِأَنَّ دَفْعَ وَكِيلِهِ كَدَفْعِهِ) فَكَأَنَّهُ نَوَى الزَّكَاةَ ثُمَّ دَفَعَ بِنَفْسِهِ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَعَلَّلَهُ بِذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ وَمُخْتَصَرِ ابْنِ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِ الْمَجْدِ لَا يُجْزِئُ لِاعْتِبَارِهِمْ النِّيَّةَ عِنْدَ التَّوْكِيلِ. (وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْمُمَيِّزِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ) هَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الْأَوْلَى الصِّحَّةُ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالثَّانِي: عَدَمُ الصِّحَّةِ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ الْوَاجِبَةِ اهـ وَتَصْحِيحُ الْفُرُوعِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْإِنْصَافِ فِي التَّأْلِيفِ فَمَا فِيهِ يُخَالِفُ الْإِنْصَافَ، فَهُوَ كَالرُّجُوعِ عَنْهُ. (وَمَنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ مِنْ مَالِ غَصْبٍ لَمْ يُجْزِئْهُ، وَلَوْ أَجَازَهَا رَبُّهُ) كَبَيْعِهِ وَإِجَارَتِهِ لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءً لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا بِالْإِجَازَةِ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ الْمُخْرِجُ عِنْدَ دَفْعِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا) أَيْ مُثْمِرَةً (وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا) مُنْقِصَةً لِلْمَالِ؛ لِأَنَّ التَّثْمِيرَ كَالْغَنِيمَةِ وَالتَّنْقِيصَ كَالْغَرَامَةِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «إذَا أَعْطَيْتُمْ الزَّكَاةَ فَلَا تَنْسَوْا ثَوَابَهَا أَنْ تَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مَغْنَمًا وَلَا تَجْعَلْهَا مَغْرَمًا» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْبَخْتَرِيِّ
(وَيَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِأَدَائِهَا) قَالَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ. (وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ يَقُولَ) الْآخِذُ (لِلزَّكَاةِ) (سَوَاءٌ كَانَ) الْآخِذُ (الْفَقِيرَ أَوْ الْعَامِلَ أَوْ غَيْرَهُمَا وَ) الْقَوْلُ (فِي حَقِّ الْعَامِلِ آكَدُ) مِنْهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ (أَجَرَكَ اللَّهُ فِيمَا أَعْطَيْت وَبَارَكَ لَك فِيمَا أَبْقَيْت وَجَعَلَهُ لَك طَهُورًا) لِلْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 103] أَيْ اُدْعُ لَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرْ سُعَاتَهُ بِالدُّعَاءِ. (وَإِظْهَارُ إخْرَاجِهَا مُسْتَحَبٌّ سَوَاءٌ كَانَ) الْإِخْرَاجُ (بِمَوْضِعٍ يُخْرِجُ أَهْلُهُ الزَّكَاةَ أَمْ لَا وَسَوَاءٌ نُفِيَ عَنْهُ ظَنُّ السُّوءِ بِإِظْهَارِ إخْرَاجِهَا أَمْ لَا) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْيِ الرِّيبَةِ عَنْهُ وَلَعَلَّهُ يُقْتَدَى بِهِ " وَكَصَلَاةِ الْفَرْضِ. (وَإِنْ عَلِمَ) الْمُخْرِجُ (أَنَّ الْآخِذَ) لِلزَّكَاةِ (لَيْسَ أَهْلًا لِأَخْذِهَا كُرِهَ إعْلَامُهُ بِأَنَّهَا زَكَاةٌ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِمَ يُبَكِّتْهُ؟ يُعْطِيهِ؟ وَيَسْكُتُ مَا حَاجَتُهُ أَنْ يُقَرِّعَهُ وَإِنْ عَلِمَهُ أَهْلًا) لِأَخْذِ الزَّكَاةِ (وَالْمُرَادُ: ظَنَّهُ) أَهْلًا لِذَلِكَ لِقِيَامِ الظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ إلَيْهِ. (وَيَعْلَمُ) الْمُخْرِجُ (مِنْ عَادَتِهِ) أَيْ الْمَدْفُوعِ لَهُ (أَنَّهُ لَا يَأْخُذُهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فَأَعْطَاهُ وَلَمْ يُعْلِمْهُ) أَنَّهَا زَكَاةٌ (لَمْ يُجْزِئْهُ) دَفْعُهَا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ زَكَاةً ظَاهِرًا. (وَلَهُ) أَيْ الْمُخْرِجُ (نَقْلُ زَكَاةٍ إلَى دُونِ مَسَافَةِ قَصْرٍ) مِنْ بَلَدِ الْمَالِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ بَلَدٍ وَاحِدٍ، بِدَلِيلِ الْأَحْكَامِ، وَرُخِّصَ السَّفَرُ. (وَ) تَفْرِقَتُهَا (فِي فُقَرَاءِ بَلَدِهِ أَفْضَلُ) مِنْ نَقْلِهَا إلَى غَيْرِهِ مِمَّا دُونَ الْمَسَافَةِ لِعُمُومِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الْآتِي. (وَلَا يَدْفَعُ الزَّكَاةَ إلَّا لِمَنْ يَظُنُّهُ أَهْلًا) لِأَخْذِهَا، لِأَنَّ دَفْعَهَا لِغَيْرِ أَهْلِهَا لَا يُبَرَّأُ بِهِ، وَالْعِلْمُ بِذَلِكَ رُبَّمَا يَتَعَذَّرُ، فَأُقِيمَ الظَّنُّ مَقَامَهُ (فَلَوْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَدَفَعَ) زَكَاتَهُ (إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ مِنْ أَهْلِهَا، لَمْ يُجْزِئْهُ) الدَّفْعُ إلَيْهِ لِاعْتِقَادِهِ حَالَ الدَّفْعِ أَنَّهُ لَيْسَ بِزَكَاةٍ، لِعَدَمِ أَهْلِيَّةِ الْآخِذِ لَهَا فِي ظَنِّهِ. (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (عَنْ بَلَدِهَا إلَى مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَوْ) كَانَ النَّقْلُ (لِرَحِمٍ وَشِدَّةِ حَاجَةٍ أَوْ لِاسْتِيعَابِ الْأَصْنَافِ) وَالسَّاعِي وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِمُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ «أَخْبِرْهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ فِي كِتَابِ مُعَاذٍ «مَنْ خَرَجَ مِنْ مِخْلَافٍ إلَى
مِخْلَافٍ، فَإِنَّ صَدَقَتَهُ وَعُشْرَهُ فِي مِخْلَافِ عَشِيرَتِهِ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ (فَإِنْ خَالَفَ وَفَعَلَ) أَيْ نَقَلَ الزَّكَاةَ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ (أَجْزَأَهُ) الْمَنْقُولُ لِلْعُمُومَاتِ وَلِأَنَّهُ دَفَعَ الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ فَبَرِئَ كَالدَّيْنِ وَالْفِطْرَةُ كَزَكَاةِ الْمَالِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَالُ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ (بِبَادِيَةٍ أَوْ خَلَا بَلَدُهُ عَنْ مُسْتَحِقٍّ لَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فَرَّقَهَا) إنْ بَقِيَتْ كُلُّهَا (أَوْ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَهُمْ) أَيْ بَعْدَ مُسْتَحِقِّي بَلَدِهِ (فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ) لِأَنَّهُمْ أَوْلَى وَلَوْ عَبَّرَ بِمَوْضِعٍ وَنَحْوِهِ لَكَانَ أَشْمَلَ وَبَعَثَ مُعَاذٌ إلَى عُمَرَ صَدَقَةً مِنْ الْيَمَنِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ وَقَالَ " لَمْ أَبْعَثْكَ جَابِيًا وَلَكِنْ بَعَثْتُكَ لِتَأْخُذَ مِنْ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ فَتَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِهِمْ " فَقَالَ مُعَاذٌ " مَا بَعَثْت إلَيْك بِشَيْءٍ وَأَنَا أَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ مِنِّي رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ. (وَالْمُسَافِرُ بِالْمَالِ) الْمُزَكَّى (يُفَرِّقُهُ فِي مَوْضِعٍ أَكْثَرُ إقَامَةِ الْمَالِ فِيهِ) لِتَعَلُّقِ الْأَطْمَاعِ بِهِ غَالِبًا وَقَالَ الْقَاضِي يُفَرَّقُ مَكَانَهُ حَيْثُ حَالَ حَوْلُهُ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَأْخِيرِهَا. (وَلَهُ نَقْلُ كَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ وَوَصِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ وَلَوْ) كَانَ النَّقْلُ (إلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ) بِخِلَافِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ رَاتِبَةٌ فَكَانَتْ لِجُبْرَانِ الْمَالِ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (لَا) نَقْلَ وَصِيَّةٍ (مُقَيَّدَةٍ) بِأَنْ عَيَّنَهَا الْمُوصِي (لِفُقَرَاءَ مَكَان مُعَيَّنٍ) فَيَجِبُ صَرْفُهَا لَهُمْ، لِتَعَيُّنِهِمْ مَصْرِفًا لَهَا. (وَإِنْ كَانَ) الْمُزَكِّي فِي بَلَدٍ (وَمَالُهُ فِي بَلَدٍ آخَرَ، أَوْ) فِي (أَكْثَرَ) مِنْ بَلَدٍ (أَخْرَجَ زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ فِي بَلَدِهِ، أَيْ بَلَدِ الْمَالِ، مُتَفَرِّقًا كَانَ أَوْ مُجْتَمِعًا) لِئَلَّا تُنْقَلَ الصَّدَقَةُ عَنْ بَلَدِ الْمَالِ، وَلِأَنَّ الْمَالَ سَبَبُ الزَّكَاةِ، فَوَجَبَ إخْرَاجُهَا حَيْثُ وُجِدَ السَّبَبُ (إلَّا فِي نِصَابِ سَائِمَةٍ فِي بَلَدَيْنِ، فَيَجُوزُ الْإِخْرَاجُ فِي أَحَدِ الْبَلَدَيْنِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى تَشْقِيصِ زَكَاةِ الْحَيَوَانِ) كَمَا لَوْ كَانَ لَهُ عِشْرُونَ مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ فِي بَلَدٍ، وَعِشْرُونَ أُخْرَى مُخْتَلِطَةٌ مَعَ عِشْرِينَ لِآخَرَ فِي بَلَدٍ آخَرَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةُ الْقَصْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ فِي كُلِّ خَلْطَةٍ نِصْفُ شَاةٍ فَيُخْرِجُ شَاةً فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ. (وَيُخْرِجُ فِطْرَةَ نَفْسِهِ) فِي بَلَدِ نَفْسِهِ لَا مَالِهِ لِأَنَّ سَبَبَ الْفِطْرَةِ النَّفْسُ لَا الْمَالُ. (وَ) يُخْرِجُ فِطْرَةَ مَنْ يَمُونُهُ فِي بَلَدِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانُوا فِي غَيْرِ بَلَدِهِ لِأَنَّهَا طُهْرَةٌ لَهُ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ (وَحَيْثُ جَازَ النَّقْلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَأُجْرَتُهُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ، كَأُجْرَةِ كَيْلٍ وَوَزْنٍ) لِأَنَّ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهَا لِأَهْلِهَا، فَكَانَ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، كَتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، فَإِنْ كَانَ النَّقْلُ مُحَرَّمًا فَقِيَاسُ مَا يَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ: لَا أُجْرَةَ كَالْأَجِيرِ لِحَمْلِ خَمْرٍ وَنَحْوِهِ لَكِنْ إنْ لَمْ يَعْلَمْ النَّاقِلُ أَنَّهَا زَكَاةٌ يَحْرُمُ نَقْلُهَا، فَلَهُ الْأُجْرَةُ عَلَى رَبِّهَا لِأَنَّهُ غَرَّهُ. (وَإِذَا حَصَلَ عِنْدَ الْإِمَامِ مَاشِيَةٌ مِنْ زَكَاةٍ أَوْ جِزْيَةٍ
فصل تعجيل الزكاة
(اُسْتُحِبَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ وَسْمُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فِي أَفْخَاذِهَا وَ) وَسْمُ (الْغَنَمِ فِي آذَانِهَا) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ «غَدَوْتُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَرَأَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إبِلَ الصَّدَقَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ «وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا» وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلِأَنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إلَيْهِ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ الضَّوَالِّ، وَلِتُرَدَّ إلَى مَوَاضِعَهَا إذَا شَرَدَتْ وَخُصَّ الْمَوْضِعَانِ لِخِفَّةِ الشَّعْرِ فِيهِمَا وَلِقِلَّةِ أَلَمِ الْوَسْمِ، وَيَأْتِي فِي النَّفَقَاتِ: يَحْرُمُ وَسْمٌ فِي الْوَجْهِ (فَإِنْ كَانَتْ) الْمَوْسُومَةُ (زَكَاةً كُتِبَ " لِلَّهِ " أَوْ زَكَاةٌ " وَإِنْ كَانَتْ جِزْيَةً كُتِبَ " صَغَارٌ " أَوْ جِزْيَةٌ " لِتَتَمَيَّزَ) بِذَلِكَ وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّ الْوَسْمَ بِحِنَّاءٍ أَوْ قِير: أَفْضَلُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ شَيْءٌ. [فَصْل تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ] (فَصْل وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ) لِحَدِيثِ عَلِيٍّ «أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي إسْنَادِهِ، وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ مُرْسَلًا وَأَنَّهُ أَصَحُّ، وَلِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ أُجِّلَ لِلرِّفْقِ، فَجَازَ تَعْجِيلُهُ قَبْلَ أَجَلِهِ، كَالدَّيْنِ قَالَ الْأَثْرَمُ: هُوَ مِثْلُ الْكَفَّارَةِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَيَصِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ بَعْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ وَقَبْلَ وُجُودِ شَرْطِهِ. (وَتَرْكُهُ) أَيْ التَّعْجِيلُ (أَفْضَلُ) خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يُعْتَبَرُ الْمَصْلَحَةُ (لِحَوْلَيْنِ فَأَقَلَّ فَقَطْ) اقْتِصَارًا عَلَى مَا وَرَدَ، أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَجَّلَ مِنْ الْعَبَّاسِ صَدَقَةَ سَنَتَيْنِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (بَعْدَ كَمَالِ النِّصَابِ، لَا قَبْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهَا فَلَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ كَالتَّكْفِيرِ قَبْلَ الْحَلِفِ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَلَا) يَجُوزُ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ (قَبْلَ السَّوْمِ) أَيْ الشُّرُوعِ فِيهِ إنْ قُلْنَا: إنَّهُ شَرْطٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: هَذَا الْمَذْهَبُ اهـ وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَدَمَهُ مَانِعٌ، فَيَصِحُّ إنْ تَعَجَّلَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ كَمَا قَطَعَ بِهِ فِي الشَّرْحِ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى فِي أَوَّلِ زَكَاةِ السَّائِمَةِ
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ مَنَعَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ تَحَقُّقَ هَذَا الْخِلَافِ وَرَدَّهُ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ بِمَا يَطُولُ فَرَاجِعْهُ فَهُوَ مُفِيدٌ. (فَلَوْ مَلَكَ) حُرٌّ مُسْلِمٌ (بَعْضَ نِصَابٍ) مِنْ سَائِمَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ) أَيْ زَكَاةَ مَا مَلَكَهُ (أَوْ) عَجَّلَ (زَكَاةَ نِصَابٍ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِعَدَمِ وُجُودِ سَبَبِ الزَّكَاةِ. (وَلَوْ ظَنَّ مَالَهُ أَلْفًا فَعَجَّلَ زَكَاتَهُ فَبَانَ خَمْسَمِائَةٍ أَجْزَأَهُ) الْمُعَجَّلُ (عَنْ عَامَيْنِ) لِتَبَيُّنِ عَدَمِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْأَلْفِ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ دَفَعَ زِيَادَةً عَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِ مَعَ نِيَّةِ التَّعْجِيلِ. (وَإِنْ أَخَذَ السَّاعِي) مِنْ الْمُزَكِّي (فَوْقَ حَقِّهِ حَسِبَهُ) رَبُّ الْمَالِ (مِنْ حَوْلٍ ثَانٍ) نَصَّ عَلَيْهِ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَحْسِبُ مَا أَهْدَاهُ لِلْعَامِلِ مِنْ الزَّكَاةِ أَيْضًا) وَعَنْهُ: لَا يَحْتَسِبُ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا غَصْبٌ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَمَعَ الْمُوَفَّقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ نَوَى الْمَالِكُ التَّعْجِيلَ اُعْتُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا وَحَمَلَهُمَا عَلَى ذَلِكَ وَحَمَلَ الْمَجْدُ: رِوَايَةَ الْجَوَازِ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ أَخَذَ الزِّيَادَةَ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ إذَا نَوَى التَّعْجِيلَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْهِ وَأَخَذَهَا، لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ أَخَذَهَا غَصْبًا وَحَمَلَ الْقَاضِي الْمَسْأَلَةَ، أَنَّهُ يَحْتَسِبُ بِنِيَّةِ الْمَالِكِ وَقْتَ الْأَخْذِ وَإِلَّا لَمْ يُجْزِئْهُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَا أَخَذَهُ بِاسْمِ الزَّكَاةِ وَلَوْ فَوْقَ الْوَاجِبِ بِلَا تَأْوِيلٍ، اُعْتُدَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا. (وَلَيْسَ لِوَلِيِّ رَبِّ الْمَالِ أَنْ يُعَجِّلَ زَكَاتَهُ) أَيْ زَكَاةَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْمَلَ بِمَا فِيهِ الْأَحَظُّ لَهُ فِي مَالِهِ وَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَهُ ذَلِكَ قَدَّمَهُ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ هُنَا وَهُوَ كَالصَّرِيحِ فِيمَا نَقَلَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْأُولَى، وَفِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِيهِ. (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ النِّصَابِ) الْمَوْجُودِ (وَمَا يُنَمِّي فِي حَوْلِهِ أَجْزَأَ) التَّعْجِيلُ (عَنْ النِّصَابِ) لِمَا تَقَدَّمَ (دُونَ النَّمَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ عَجَّلَ زَكَاةَ مَا لَيْسَ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَمَا فِي النِّصَابِ الْأَوَّلِ. (وَيَجُوزُ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الثَّمَرِ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَ) تَعْجِيلُ زَكَاةِ الثَّمَرِ (بَعْدَ طُلُوعِ الطَّلْعِ قَبْلَ تَشَقُّقِهِ) وَهُوَ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ. (وَ) تَعْجِيلُ زَكَاةِ (الزَّرْعِ بَعْدَ نَبَاتِهِ، إذْ ظُهُورُهُ) أَيْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ (كَالنِّصَابِ) الَّذِي هُوَ السَّبَبُ (وَإِدْرَاكُهُ) أَيْ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ (كَحَوَلَانِ الْحَوْلِ) فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّعْجِيلُ (فَإِنْ عَجَّلَ) زَكَاتَهُ (قَبْلَ طُلُوعِ الطَّلْعِ، وَ) قَبْلَ طُلُوعِ (الْحِصْرِمِ وَ) قَبْلَ (نَبَاتِ الزَّرْعِ، لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَقْدِيمٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا. (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ النِّصَابِ فَتَمَّ الْحَوْلُ وَهُوَ) أَيْ النِّصَابُ (نَاقِصٌ
قَدْرَ مَا عَجَّلَهُ أَجْزَأَ؛ إذْ الْمُعَجَّلُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ) فِي مِلْكِهِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا وَلِهَذَا يَتِمُّ بِهِ النِّصَابُ. (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِهَا) لِحَوْلَيْنِ: أَجْزَأَهُ؛ لِبَقَاءِ النِّصَابِ. (أَوْ) عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً مِنْهَا، وَأُخْرَى مِنْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ عَنْ الْحَوْلَيْنِ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمُعَجَّلَ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ. (وَ) إنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً (شَاتَيْنِ مِنْهَا) لِحَوْلَيْنِ (لَا يُجْزِئُ عَنْهُمَا وَيَنْقَطِعُ الْحَوْلُ) لِمَا يَأْتِي. (وَكَذَا لَوْ عَجَّلَ) عَنْ الْأَرْبَعِينَ شَاةً (شَاةً) مِنْهَا (عَنْ الْحَوْلِ الثَّانِي وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ مَا عَجَّلَهُ مِنْهُ) أَيْ مَنْ النِّصَابِ (لِلْحَوْلِ الثَّانِي زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ، فَيَنْقُصُ) النِّصَابُ (بِهِ) بِخِلَافِ مَا عَجَّلَهُ عَنْ الْأُولَى لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ (وَإِنْ مَلَكَ شَاةً اسْتَأْنَفَ الْحَوْلَ مِنْ الْكَمَالِ) أَيْ كَمَالِ النِّصَابِ وَكَذَا لَوْ قُلْنَا: يَرْتَجِعُ مَا عَجَّلَهُ وَارْتَجَعَهُ؛ لِأَنَّهُ تَجْدِيدُ مِلْكٍ. (وَإِنْ عَجَّلَ زَكَاةَ الْمِائَتَيْنِ) مِنْ الْغَنَمِ شَاتَيْنِ (فَنَتَجَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ سَخْلَةً لَزِمَتْهُ ثَالِثَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُعَجَّلَتَيْنِ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودَتَيْنِ فَكَأَنَّ الْحَوْلَ تَمَّ عَلَى مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ وَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ. (وَإِنْ عَجَّلَ مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ) شَاةً (وَاحِدَةً ثُمَّ نَتَجَتْ قَبْلَ الْحَوْلِ أُخْرَى لَزِمَهُ إخْرَاجُ) شَاةٍ (ثَانِيَةٍ) لِمَا مَرَّ. (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ، وَعَنْ نَتَاجِهَا: بِنْتَ مَخَاضٍ فَنَتَجَتْ مِثْلَهَا) خَمْسَ عَشْرَةَ (لَمْ تُجْزِئْهُ) الْمُعَجَّلَةُ لِشَيْءٍ أَمَّا النَّتَاجُ فَلِعَدَمِ صِحَّةِ تَعْجِيلِ زَكَاتِهِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَأَمَّا الْأَصْلُ فَلَمْ يَكُنْ الْوَاجِبُ فِيهِ إذْ ذَاكَ مِنْ جِنْسِهِ (وَيَلْزَمُهُ بِنْتُ مَخَاضٍ) إذَا تَمَّ الْحَوْلُ. (وَلَوْ عَجَّلَ مُسِنَّةً عَنْ ثَلَاثِينَ مِنْ الْبَقَرِ وَنَتَاجِهَا فَنَتَجَتْ عَشْرًا أَجْزَأَتْ) الْمُعَجَّلَةُ (عَنْ الثَّلَاثِينَ فَقَطْ) لِعَدَمِ صِحَّةِ التَّعْجِيلِ عَنْ النَّتَاجِ (وَيُخْرِجُ لِلْعَشْرِ) النَّتَاجِ (رُبْعَ مُسِنَّةٍ) زَكَاتَهَا. (وَإِنْ عَجَّلَ عَنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً، ثُمَّ أَبْدَلَهَا) أَيْ الْأَرْبَعِينَ (بِمِثْلِهَا أَوْ نَتَجَتْ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ الْبَدَلِ وَالسِّخَالِ) لِأَنَّهَا تُجْزِئُ مَعَ بَقَاءِ الْأُمَّهَاتِ عَنْ الْكُلِّ، فَعَنْ أَحَدِهِمَا أَوْلَى. (وَلَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ مِائَةِ شَاةٍ أَوْ) عَجَّلَ (تَبِيعًا عَنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، ثُمَّ نَتَجَتْ الْأُمَّهَاتُ مِثْلَهَا، ثُمَّ مَاتَتْ) الْأُمَّهَاتُ (أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْ النَّتَاجِ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي الَّتِي قَبْلَهَا. (وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الشَّاةِ مِثْلَهَا) كَأَنْ نَتَجَتْ عِشْرُونَ مِنْ الْأَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ أُمَّهَاتُ الْأَوْلَادِ، أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْبَاقِي مِنْ الشِّيَاهِ وَعَنْ النَّتَاجِ (وَلَوْ نَتَجَ نِصْفُ الْبَقَرِ مِثْلَهَا) كَثَلَاثِينَ بَقَرَةً نَتَجَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْهَا ثَلَاثِينَ (ثُمَّ مَاتَتْ الْأُمَّهَاتُ أَجْزَأَ الْمُعَجَّلُ) عَنْ الْبَاقِي، وَعَنْ النَّتَاجِ؛ لِإِجْزَائِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَوْتِ، فَأَوْلَى مَعَهُ. (وَلَوْ عَجَّلَ عَنْ أَحَدِ نِصَابَيْهِ) بِعَيْنِهِ (وَتَلِفَ لَمْ يَصْرِفْهُ إلَى الْآخَرِ) لِحَدِيثِ «وَإِنَّمَا لِكُلِّ
امْرِئٍ مَا نَوَى» (كَمَا لَوْ عَجَّلَ شَاةً عَنْ خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ فَتَلِفَتْ) الْإِبِلُ (وَلَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً لَمْ يُجْزِئْهُ) مَا عَجَّلَهُ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الشِّيَاهِ؛ لِعَدَمِ نِيَّتِهِ إيَّاهَا. (وَلَوْ كَانَتْ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ فَعَجَّلَ خَمْسِينَ) دِرْهَمًا (وَقَالَ: إنْ رَبِحْتُ أَلْفًا قَبْلَ الْحَوْلِ فَهِيَ) أَيْ الْخَمْسُونَ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ الْأَلْفِ وَرِبْحُهَا الْأَلْفُ الْأُخْرَى (وَإِلَّا كَانَتْ لِلْحَوْلِ الثَّانِي جَازَ) إنْ جَازَ تَعْجِيلُ زَكَاةِ الرِّبْحِ قَبْلَهُ كَمَا فِي الْإِنْصَافِ وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فَدَفَعَهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا فَمَاتَ قَابِضُهَا أَوْ ارْتَدَّ، أَوْ اسْتَغْنَى مِنْهَا، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، أَجْزَأَتْ عَنْهُ) كَمَا لَوْ عَدِمَتْ عِنْدَ الْحَوْلِ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ وَقْتُ الْقَبْضِ؛ لِئَلَّا يَمْتَنِعَ التَّعْجِيلُ. (وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى غَنِيٍّ أَوْ كَافِرٍ يَعْلَمُ غِنَاهُ) رَاجِعٌ إلَى غَنِيٍّ (أَوْ) يَعْلَمُ (كُفْرَهُ) أَيْ الْكَافِرِ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَعْلَمْ لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى غَالِبًا بِخِلَافِ الْغَنِيِّ (فَافْتَقَرَ) الْغَنِيُّ (عِنْدَ الْوُجُوبِ أَوْ أَسْلَمَ) الْكَافِرُ عِنْدَ الْوُجُوبِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَدْفَعْهَا إلَى مُسْتَحِقِّهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَفْتَقِرْ أَوْ يُسْلِمْ. (وَإِنْ عَجَّلَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ أَوْ نَقَصَ النِّصَابُ أَوْ مَاتَ الْمَالِكُ أَوْ ارْتَدَّ) الْمَالِكُ (قَبْلَ الْحَوْلِ) فَقَدْ بَانَ الْمُخْرَجُ غَيْرَ زَكَاةٍ لِانْقِطَاعِ الْوُجُوبِ بِذَلِكَ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَارِثُ الِاحْتِسَابَ بِهَا عَنْ زَكَاةِ حَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ وَ (لَمْ يَرْجِعْ) الْمُعَجَّلُ (عَلَى الْمِسْكِينِ سَوَاءٌ كَانَ الدَّافِعُ) لَهُ (رَبَّ الْمَالِ أَوْ السَّاعِي) وَسَوَاءٌ (أَعْلَمَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ مُعَجَّلَةٌ أَوْ لَا) ؛ لِأَنَّهَا دُفِعَتْ إلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ اسْتِرْجَاعَهَا لِوُقُوعِهِ نَفْلًا، بِدَلِيلِ مِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزَّكَاةُ الْمُعَجَّلَةُ (بِيَدِ السَّاعِي وَقْتَ التَّلَفِ) أَيْ تَلَفِ النِّصَابِ (رَجَعَ) بِهَا رَبُّهَا لِتَبَيُّنِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِزَكَاةٍ، وَمَفْهُومُهُ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إنْ كَانَتْ بِيَدِ الْفَقِيرِ، وَلَا فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُعَجِّلُ أَوْ ارْتَدَّ مُطْلَقًا، قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَلَا رُجُوعَ إلَّا فِيمَا بِيَدِ سَاعٍ عِنْدَ تَلَفٍ. (وَلَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ زَكَاةِ مَعْدِنٍ بِحَالٍ وَلَا) تَعْجِيلُ (مَا يَجِبُ فِي رِكَازٍ؛) لِأَنَّهُ تَعْجِيلٌ لَهَا قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهَا. (وَلِلْإِمَامِ وَنَائِبِهِ اسْتِسْلَافُ زَكَاةٍ بِرِضَى رَبِّ الْمَالِ) لِقِصَّةِ الْعَبَّاسِ (لَا إجْبَارُهُ عَلَى ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ (فَإِنْ اسْتَسْلَفَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ (فَتَلِفَتْ بِيَدِهِ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَكَانَتْ مِنْ ضَمَانِ الْفُقَرَاءِ) فَتَفُوتُ عَلَيْهِمْ (سَوَاءٌ سَأَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ الِاسْتِسْلَافَ (الْفُقَرَاءُ أَوْ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ لَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ؛ لِأَنَّ لَهُ) أَيْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ (قَبْضُهَا كَوَلِيِّ الْيَتِيمِ) فَقَدْ فَعَلَ مَا يَجُوزُ، فَلَمْ يَضْمَنْ (وَإِنْ تَلْفِتْ) الزَّكَاةُ (فِي يَدِ الْوَكِيلِ) أَيْ وَكِيلِ رَبِّ الْمَالِ (قَبْلَ أَدَائِهَا، فَمِنْ ضَمَانِ رَبِّ الْمَالِ) لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ يَدَ الْوَكِيلِ كَيْدِ مُوَكِّلِهِ. (وَيُشْتَرَطُ لِمِلْكِ الْفَقِيرِ لَهَا)
أَيْ الزَّكَاةِ (وَإِجْزَائِهَا عَنْ رَبِّهَا قَبْضُهُ لَهَا، فَلَا يُجْزِئُ غَدَاءُ الْفُقَرَاءِ وَلَا عَشَاؤُهُمْ) مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِإِيتَاءٍ. (وَلَا يَقْضِي مِنْهَا دَيْنَ مَيِّتٍ غَرِمَ لِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ) حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ الْمَيِّتِ (لِقَبُولِهَا، كَمَا لَوْ كَفَّنَهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ. (وَلَا يَكْفِي إبْرَاءُ الْمَدِينِ مِنْ دَيْنِهِ بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُخْرَجُ عَنْهُ دَيْنًا أَوْ عَيْنَا، وَلَا تَكْفِي الْحَوَالَةُ بِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إيتَاءً لَهَا، وَكَذَا الْحَوَالَةُ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا دَيْنَ لَهُ يُحِيلُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْإِذْنِ فِي الْقَبْضِ. (وَإِنْ أَخْرَجَ زَكَاتَهُ) أَيْ عَزَلَهَا (فَتَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا الْفَقِيرُ لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (بَدَلُهَا) كَمَا قَبْلَ الْعَزْلِ؛ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ الْعَوْدُ فِيهَا إلَى بَدَلِهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا الْمُسْتَحِقُّ كَمَالٍ مَعْزُولٍ لِوَفَاءِ رَبِّ الدَّيْنِ بِخِلَافِ الْأَمَانَةِ. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ الْفَقِيرِ) وَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ فِيهَا (قَبْلَ قَبْضِهَا) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِهِ. (وَلَوْ قَالَ الْفَقِيرُ لِرَبِّ الْمَالِ: اشْتَرِ لِي بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (ثَوْبًا) أَوْ غَيْرَهُ مِنْ حَوَائِجِهِ (وَلَمْ يَقْبِضْهَا) الْفَقِيرُ (مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ. (وَلَوْ اشْتَرَاهُ) أَيْ رَبُّ الْمَالِ الثَّوْبَ (كَانَ) الثَّوْبُ (لِلْمَالِكِ) دُونَ الْفَقِيرِ (وَإِنْ تَلِفَ) الثَّوْبُ (كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ) أَيْ الْمَالِكِ، لِمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَمْلِكُهَا إلَّا بِالْقَبْضِ، وَلَوْ وَكَّلَ الْفَقِيرُ رَبَّ الْمَالِ فِي الْقَبْضِ مِنْ نَفْسِهِ، وَأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ثَوْبًا أَوْ نَحْوَهُ. (وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ قِيمَةِ زَكَاةِ الْمَالِ وَ) لَا قِيمَةِ (الْفِطْرَةِ طَائِعًا) كَانَ الْمُخْرِجُ (أَوْ مُكْرَهًا، وَلَوْ لِلْحَاجَةِ) صَحَّ ذَلِكَ (مِنْ تَعَذُّرِ الْفَرْضِ وَنَحْوِهِ، أَوْ لِمَصْلَحَةٍ) كَأَنْ تَكُونَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ، وَتَقَدَّمَ بِدَلِيلِهِ، لَكِنْ مَا هُنَا فِيهِ زِيَادَةٌ، وَتَقَدَّمَ، أَنَّ أَخْذَ السَّاعِي لِلْقِيمَةِ يُجْزِئُ، وَإِنْ لَمْ يَرَهُ الدَّافِعُ. (وَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ السُّعَاةُ عِنْدَ قُرْبِ) زَمَنِ (الْوُجُوبِ لِقَبْضِ زَكَاةِ الْمَالِ الظَّاهِرِ) وَهُوَ السَّائِمَةُ وَالزَّرْعُ وَالثِّمَارُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْخُلَفَاءَ بَعْدَهُ " كَانُوا يَفْعَلُونَهُ " وَمِنْ النَّاسِ مَنْ لَا يُزَكِّي وَلَا يَعْلَمُ مَا عَلَيْهِ، فَفِي إهْمَالِ ذَلِكَ تَرْكٌ لِلزَّكَاةِ. (وَيَجْعَلُ حَوْلَ الْمَاشِيَةِ الْمُحَرَّمَ) لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَمَيْلُهُ إلَى شَهْرِ رَمَضَانَ. (وَإِنْ أَخَّرَ السَّاعِي قِسْمَةَ زَكَاةٍ عِنْدَهُ بِلَا عُذْرٍ، كَاجْتِمَاعِ الْفُقَرَاءِ، أَوْ) اجْتِمَاعِ (الزَّكَاةِ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ) مَا تَلِفَ (لِتَفْرِيطِهِ) بِالتَّأْخِيرِ (كَوَكِيلٍ فِي إخْرَاجِهَا يُؤَخِّرُهُ) بِلَا عُذْرٍ. (وَإِنْ وَجَدَ السَّاعِي مَالًا) زَكَوِيًّا (لَمْ يَحُلْ حَوْلُهُ وَلَمْ يُعَجِّلْهَا رَبُّهُ، وَكَّلَ) السَّاعِي (ثِقَةً فِي قَبْضِهَا عِنْدَ وُجُوبِهَا، وَصَرْفِهَا فِي مَصْرِفِهَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ بِلَا تَأْخِيرٍ. (وَلَا بَأْسَ بِجَعْلِهِ) أَيْ جَعْلِ السَّاعِي صَرْفَ
باب ذكر أهل الزكاة وما يتعلق بذلك
الزَّكَاةِ مَصْرِفَهَا عِنْدَ الْحَوْلِ (إلَى رَبِّ الْمَالِ، إنْ كَانَ ثِقَةً) لِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) السَّاعِي (ثِقَةً أَخْرَجَهَا رَبُّهَا) لِلْفُقَرَاءِ (إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا) لِوُجُوبِ الْإِخْرَاجِ عَلَى الْفَوْرِ إذَنْ (وَإِلَّا) بِأَنْ خَافَ ضَرَرًا، كَرُجُوعِ سَاعٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ (أَخَّرَهَا إلَى الْعَامِ الثَّانِي) لِحَدِيثِ «، لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» . (وَإِذَا قَبَضَ السَّاعِي الزَّكَاةَ فَرَّقَهَا فِي مَكَانِهِ وَمَا قَارَبَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ حَمَلَهُ) ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ مُعَاذٍ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَفْضُلْ شَيْءٌ (فَلَا) حَمْلَ مَعَهُ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَعُدَّ الْمَاشِيَةَ عَلَى أَهْلِهَا عَلَى الْمَاءِ أَوْ فِي أَفْنِيَتِهِمْ لِلْخَبَرِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ صَاحِبُ الْمَالِ بِعَدَدِهِ قُبِلَ مِنْهُ، وَلَا يُحَلِّفُهُ كَمَا سَبَقَ. (وَلَهُ) أَيْ السَّاعِي (بَيْعُ الزَّكَاةِ مِنْ مَاشِيَةٍ وَغَيْرِهَا لِحَاجَةٍ كَخَوْفِ تَلَفٍ وَمُؤْنَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَيَأْتِي. (وَ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي الْأَحَظِّ لِلْفُقَرَاءِ، أَوْ حَاجَتِهِمْ، حَتَّى فِي أُجْرَةِ مَسْكَنٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي حَاجَتِهِمْ أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِمْ. (وَإِنْ بَاعَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) فَقَالَ الْقَاضِي: (لَمْ يَصِحَّ لِعَدَمِ الْإِذْنِ) أَيْ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَيَضْمَنُ قِيمَةَ مَا تَعَذَّرَ) رَدُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ، قَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ، لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْأَمْوَالِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى فِي إبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً كَوْمَاءَ، فَسَأَلَ عَنْهَا الْمُصَدَّقَ فَقَالَ: إنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِإِبِلٍ، فَسَكَتَ عَنْهُ، فَلَمْ يَسْتَفْصِلْهُ» وَمَعْنَى الرَّجْعَةِ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا غَيْرَهَا. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ إذَا أَخَذَ السَّاعِي زَكَاتَهُ كَتَبَ لَهُ بِهَا بَرَاءَةً؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا جَاءَ سَاعٍ آخَرُ فَيُطَالِبُهُ، فَيُخْرِجُ تِلْكَ الْبَرَاءَةَ، فَتَكُونُ حُجَّةً لَهُ) قَالَ الْقَاضِي: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِتَنْتَفِيَ التُّهْمَةُ عَنْهُ، أَيْ وَإِلَّا فَيُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ فِي إخْرَاجِ زَكَاتِهِ،. [بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] (بَابُ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) مِنْ بَيَانِ شُرُوطِهِمْ وَقَدْرِ مَا يُعْطَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ (وَهُمْ) أَيْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ الشَّرْعُ مَحَلًّا لِدَفْعِهَا إلَيْهِمْ (ثَمَانِيَةُ أَصْنَافٍ، لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ) كَبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَسَدِّ الْبُثُوقِ، وَتَكْفِينِ الْمَوْتَى،
وَوَقْفِ الْمَصَاحِفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60] وَكَلِمَةُ " إنَّمَا " تُفِيد الْحَصْرَ، أَيْ تُثْبِتُ الْمَذْكُورِينَ وَتَنْفِي مَا عَدَاهُمْ، وَكَذَلِكَ تَعْرِيفُ الصَّدَقَاتِ بِأَلْ، فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُهَا، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ شَيْءٍ إلَى غَيْرِ الثَّمَانِيَةِ لَكَانَ لَهُمْ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا. وَرُوِيَ عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَايَعْتُهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنْ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ أَحْمَدُ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى (وَسُئِلَ الشَّيْخُ عَمَّنْ لَيْسَ مَعَهُ مَا يَشْتَرِي بِهِ كُتُبًا لِلْعِلْمِ يَشْتَغِلُ فِيهَا؟ فَقَالَ: يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلْمِ الَّتِي لَا بُدَّ لِمَصْلَحَةِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ مِنْهَا) قُلْتُ: وَلَعَلَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأَصْنَافِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يَحْتَاجُهُ طَالِبُ الْعِلْمِ، فَهُوَ كَنَفَقَتِهِ، وَيَأْتِي: إذَا تَفَرَّغَ قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ أَعْطَى (أَحَدَهُمْ) أَيْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (الْفُقَرَاءَ) بَدَأَ بِهِمْ اتِّبَاعًا لِلنَّصِّ، وَلِشِدَّةِ حَاجَتِهِمْ. (وَهُمْ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْمَسَاكِينِ) لِبُدَاءَةِ اللَّهِ بِهِمْ، وَإِنَّمَا يُبْدَأُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَقَالَ تَعَالَى {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ} [الكهف: 79] فَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً يَعْمَلُونَ فِيهَا، وَقَدْ سَأَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَسْكَنَةَ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْفَقْرِ فَقَالَ «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْأَلَ شِدَّةَ الْحَاجَةِ وَيَسْتَعِيذَ مِنْ حَالَةٍ أَصْلَحَ مِنْهَا، وَلِأَنَّ الْفَقِيرَ مُشْتَقٌّ مِنْ فِقَرِ الظَّهْرِ فَقِيلَ: فَقِيرٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَفْقُورٍ وَهُوَ الَّذِي نُزِعَتْ فِقْرَةُ ظَهْرِهِ، فَانْقَطَعَ صُلْبُهُ. وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] وَهُوَ الْمَطْرُوحُ عَلَى التُّرَابِ، لِشِدَّةِ حَاجَتِهِ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّعْبِيرُ عَنْ الْفَقِيرِ بِالْمِسْكَيْنِ مُطْلَقًا، وَأَنَّ هَذَا النَّعْتَ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ (وَالْفَقِيرُ: مَنْ لَا يَجِدُ شَيْئًا
أَلْبَتَّةَ) أَيْ قَطْعًا (أَوْ يَجِدُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ الْكِفَايَةِ دُونَ نِصْفِهَا: مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِمَّا لَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ) كَدِرْهَمَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ وَمَثَّلَهُ الْخِرَقِيُّ وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ بِالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى لِأَنَّهُمَا فِي الْغَالِبِ كَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 273] الْآيَةَ. (الثَّانِي: الْمَسَاكِينُ وَالْمِسْكِينُ: مَنْ يَجِدُ مُعْظَمَ الْكِفَايَةِ أَوْ نِصْفَهَا) مِنْ كَسْبٍ أَوْ غَيْرِهِ مِفْعِيلٌ: مِنْ السُّكُونِ وَهُوَ الَّذِي أَسْكَنَتْهُ الْحَاجَةُ (وَمَنْ مَلَكَ نَقْدًا وَلَوْ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَأَكْثَرَ، أَوْ قِيمَتَهَا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ غَيْرِهِ) كَالْعُرُوضِ (وَلَوْ كَثُرَتْ قِيمَتُهُ، لَا يُقَوَّمُ) ذَلِكَ (بِكِفَايَتِهِ فَلَيْسَ بِغَنِيٍّ فَيَأْخُذُ تَمَامَ كِفَايَتِهِ سَنَةً) مِنْ الزَّكَاةِ (فَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ عُرُوضٌ لِلتِّجَارَةِ قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ، أَوْ أَكْثَرُ) مِنْ ذَلِكَ (لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ رِبْحُهَا) أَيْ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْهُ (قَدْرُ كِفَايَتِهِ) جَازَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ (أَوْ) كَانَ (لَهُ مَوَاشٍ تَبْلُغُ نِصَابًا أَوْ) لَهُ (زَرْعٌ يَبْلُغُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، لَا يَقُومُ) ذَلِكَ (بِجَمِيعِ كِفَايَتِهِ، جَازَ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ) وَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ وُجُوبَهَا عَلَيْهِ. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ (إذَا كَانَ لَهُ ضَيْعَةٌ أَوْ عَقَارٌ يَسْتَغِلُّهَا عَشَرَةَ آلَافٍ، أَوْ أَكْثَرَ، لَا تَكْفِيهِ، يَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَقِيلَ لَهُ) أَيْ لِأَحْمَدَ (يَكُونُ لَهُ الزَّرْعُ الْقَائِمُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَحْصُدُهُ، أَيَأْخُذُ مِنْ الزَّكَاة؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ الشَّيْخُ وَفِي مَعْنَاهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِإِقَامَةِ مُؤْنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُنْفِقْهُ بِعَيْنِهِ فِي الْمُؤْنَةِ وَكَذَا مَنْ لَهُ كُتُبٌ يَحْتَاجُهَا لِلْحِفْظِ وَالْمُطَالَعَةِ، أَوْ لَهَا حُلِيٌّ لِلُبْسِ، أَوْ كِرَاءٌ تَحْتَاجُ إلَيْهِ) . فَلَا يَمْنَعُهَا ذَلِكَ الْأَخْذَ مِنْ الزَّكَاةِ، فَالْغِنَى فِي بَابِ الزَّكَاةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُوجِبُهَا، وَنَوْعٌ يَمْنَعُهَا، وَالْغِنَى هُنَا مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَاجًا حَرُمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا حَلَّتْ لَهُ وَلَوْ مَلَكَ نِصَابًا فَأَكْثَرَ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ «فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالسَّدَادُ: الْكِفَايَةُ وَذَكَرَ أَحْمَدُ قَوْلَ عُمَرَ " أَعْطُوهُمْ وَإِنْ رَاحَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِبِلِ كَذَا وَكَذَا " وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا، أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا غِنَاهُ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنْ الذَّهَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَأُجِيبَ عَنْهُ بِضَعْفِ الْخَبَرِ. وَحَمَلَهُ
الْمَجْدُ عَلَى أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَهُ فِي وَقْتٍ كَانَتْ الْكِفَايَةُ الْغَالِبَةُ فِيهِ بِخَمْسِينَ دِرْهَمًا، وَلِذَلِكَ جَاءَ التَّقْدِيرُ عَنْهُ بِأَرْبَعِينَ، وَبِخَمْسِ أَوَاقٍ، وَهِيَ مِائَتَا دِرْهَمٍ. (وَإِنْ تَفَرَّغَ قَادِرًا عَلَى التَّكَسُّبِ لِلْعِلْمِ) الشَّرْعِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَازِمًا لَهُ (وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أُعْطِيَ) مِنْ الزَّكَاةِ لِحَاجَتِهِ. وَ (لَا) يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ (إنْ تَفَرَّغَ) قَادِرٌ عَلَى التَّكَسُّبِ (لِلْعِبَادَةِ) لِقُصُورِ نَفْعِهَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْعِلْمِ. (وَإِطْعَامِ الْجَائِعِ وَنَحْوِهِ) كَسَقْيِ الْعَطْشَانِ، وَإِكْسَاءِ الْعَارِي، وَفَكُّ الْأَسِيرِ (وَاجِبٌ) عَلَى الْكِفَايَةِ إجْمَاعًا (مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ) وِفَاقًا وَعَنْ ابْن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِيَطِيبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ» وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَرْفُوعًا «إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْجُمْهُورُ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي الْآيَةِ: الزَّكَاةُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ، وَمَا جَاءَ غَيْرُ ذَلِكَ: حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ، وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ انْتَهَى، قُلْتُ: وَالْمُرَادُ الرَّاتِبُ، وَأَمَّا مَا يَعْرِضُ لِجَائِعٍ وَعَارٍ، وَأَسِيرٍ وَنَحْوِهِ فَيَجِبُ عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ، فَلَا تَعَارُضَ. (وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ، وَكَفَّارَةٍ، وَنَذْرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ (أُبِيحَ لَهُ سُؤَالُهُ) لِظَاهِرِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ» وَلِأَنَّهُ يَطْلُبُ حَقَّهُ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِي الرَّجُلِ لَهُ الْأَخُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَيَرَى عِنْدَهُ مِنْ الشَّيْءِ يُعْجِبُهُ، فَيَقُولُ: هَبْ هَذَا لِي، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ يَجْرِي بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّ الْمَسْئُولَ يَجِبُ أَنْ يَسْأَلَهُ أَخُوهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: أَكْرَهُ الْمَسْأَلَةَ كُلَّهَا وَلَمْ يُرَخِّصْ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ بَيْنَ الْوَلَدِ وَالْأَبِ أَيْسَرُ، وَذَلِكَ «أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلَتْهُ خَادِمًا» وَإِنْ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُ بِكَذَا، فَهَبْ لِي مِنْهُ كَذَا، فَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ لَا تُعْجِبُنِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِثَلَاثٍ» وَسَأَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى، رُبَّمَا اشْتَرَيْتُ الشَّيْءَ، فَأَقُولُ: أَرْجِحْ لِي؟ فَقَالَ: هَذِهِ مَسْأَلَةٌ: لَا تُعْجِبُنِي، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ يُكْرَهُ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَه؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ السَّائِلَ إمْضَاءُ الْعَقْدِ بِدُونِهَا، فَتَصِيرُ ثَمَنًا، لَا هِبَةً. (وَيَحْرُمُ السُّؤَالُ) أَيْ سُؤَالُ الزَّكَاةِ أَوْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، أَوْ الْكَفَّارَةِ وَنَحْوِهَا (وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ) أَيْ يَكْفِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهُمَا إذَنْ وَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمِ مُحَرَّمَةٌ (وَلَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِفِعْلِهِ
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ فِي الْعَطْشَانِ: لَا يُسْتَسْقَى، يَكُونُ أَحْمَقَ (وَ) لَا بَأْسَ بِمَسْأَلَةِ (الِاسْتِعَارَةِ وَالِاسْتِقْرَاضِ) نَصَّ عَلَيْهِمَا، قَالَ الْآجُرِّيُّ: يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ حِلَّ الْمَسْأَلَةِ، وَمَتَى تَحِلُّ وَمَا قَالَهُ مَعْنَى قَوْلِ أَحْمَدَ فِي أَنَّ تَعَلُّمَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِدِينِهِ: فَرْضٌ (وَلَا) بَأْسَ (بِسُؤَالِ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ، كَشِسْعِ النَّعْلِ) أَيْ سَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَسْأَلَةِ شُرْبِ الْمَاءِ. (وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا) طَيِّبًا (مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ مِمَّا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُهُ) مِنْ زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ صَدَقَةِ تَطَوُّعٍ أَوْ هِبَةٍ (وَجَبَ أَخْذُهُ) نَقَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْأَثْرَمُ وَالْمَرُّوذِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْمُنْتَهَى هُنَا وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ: وَهُوَ مَعْنَى مَا قَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَغَيْرُهُمَا فِي الْهِبَةِ: أَنَّهُ يُسَنُّ الْقَبُولُ، وَيُكْرَهُ الرَّدُّ، وَقَدْ رَدَّ أَحْمَدُ وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءَ. (وَإِنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ، بِأَنْ قَالَ: سَيَبْعَثُ لِي فُلَانٌ، أَوْ لَعَلَّهُ يَبْعَثُ لِي، فَلَا بَأْسَ بِالرَّدِّ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ، وَزَادَ أَبُو دَاوُد وَكَأَنَّهُ اخْتَارَ الرَّدَّ، وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: رَدَّهَا، وَسَأَلَهُ جَعْفَرُ: يَحْرُمُ أَخْذُهُ؟ قَالَ: لَا. (وَإِنْ سَأَلَ غَيْرَهُ) لِمُحْتَاجٍ غَيْرَهُ (فِي صَدَقَةٍ، أَوْ حَجٍّ، أَوْ غَزْوٍ أَوْ حَاجَةٍ، فَلَا بَأْسَ) لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْكُرْبَةِ عَنْ الْمُسْلِمِ. (وَالتَّعْرِيضُ: أَعْجَبُ إلَى أَحْمَدَ) مِنْ السُّؤَالِ قَالَ: لَا أُحِبُّهُ لِنَفْسِي، فَكَيْفَ لِغَيْرِي؟ يُعَرِّضُ أَحَبُّ إلَيَّ. (وَلَوْ سَأَلَهُ مَنْ ظَاهِرُهُ الْفَقْرُ أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا) وَأَطْلَقَ، فَدَفَعَ إلَيْهِ، ثُمَّ اخْتَلَفَا هَلْ هُوَ قَرْضٌ أَوْ صَدَقَةٌ؟ (قُبِلَ قَوْلُ الدَّافِعِ فِي كَوْنِهِ قَرْضًا) لِأَنَّهُ أَدْرَى بِنِيَّتِهِ (كَسُؤَالِهِ مِقْدَارًا، كَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ) ؛ لِأَنَّ التَّقْدِيرَ قَرِينَةُ الْقَرْضِ. (وَإِنْ قَالَ) السَّائِلُ: (أَعْطِنِي شَيْئًا، إنِّي فَقِيرٌ، قُبِلَ قَوْلُ الْفَقِيرِ فِي كَوْنِهِ صَدَقَةً) عَمَلًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُ فَقِيرٌ (وَإِنْ أُعْطِيَ مَالًا لِيُفَرِّقَهُ جَازَ) لَهُ (أَخْذُهُ) لِذَلِكَ. (وَ) جَازَ لَهُ (عَدَمُهُ) أَيْ عَدَمُ الْأَخْذِ (وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ) مِنْ أَخْذٍ وَعَدَمِهِ وَحَسَّنَ أَحْمَدُ عَدَمَ الْأَخْذِ فِي رِوَايَةٍ وَكَانَ لَا يَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيْئًا. (الثَّالِثُ الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا) لِلنَّصِّ (كَجَابٍ) لِلزَّكَاةِ (وَكَاتِبٍ) عَلَى الْجَابِي (وَقَاسِمٍ) لِلزَّكَاةِ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا (وَحَاشِرٍ) أَيْ جَامِعِ (الْمَوَاشِي، وَعَدَّادِهَا، وَكَيَّالٍ، وَوَزَّانٍ، وَسَاعٍ) يَبْعَثُهُ الْإِمَامُ لِأَخْذِهَا (وَرَاعٍ وَجَمَّالٍ، وَحَاسِبٍ وَحَافِظٍ، وَمَنْ يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهَا) أَيْ فِي الزَّكَاةِ؛ لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْعَامِلِ (غَيْرَ قَاضٍ وَوَالٍ، وَيَأْتِي) لِاسْتِغْنَائِهِمَا بِمَالِهِمَا فِي بَيْتِ الْمَالِ. (وَأُجْرَةُ كَيْلِهَا وَوَزْنِهَا فِي أَخْذِهَا) أَيْ حَالَ تَسْلِيمِهَا (وَمُؤْنَةُ دَفْعِهَا عَلَى الْمَالِكِ) . لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مُؤْنَتُهُ، وَأَمَّا مُؤْنَةُ ذَلِكَ حَالَ الدَّفْعِ إلَى أَهْلِ الزَّكَاةِ
فَمِنْ سَهْمِ الْعُمَّالِ (وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (مُسْلِمًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ} [آل عمران: 118] ؛ وَلِأَنَّهَا وِلَايَةٌ، وَلِاشْتِرَاطِ الْأَمَانَةِ أَشْبَهَ الشَّهَادَةَ (أَمِينًا) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُمْ بِهَا الْعَدَالَةُ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ (مُكَلَّفًا) لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ وَغَيْرُ الْمُكَلَّفِ مُوَلًّى عَلَيْهِ (كَافِيًا) فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْوِلَايَةِ، فَاشْتُرِطَ فِيهَا ذَلِكَ كَغَيْرِهَا (مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْقُرْبَى) ؛ لِأَنَّ «الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَالْمُطَّلِبَ بْنَ رَبِيعَةَ سَأَلَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْعِمَالَةَ عَلَى الصَّدَقَاتِ، فَقَالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَهُوَ نَصٌّ فِي التَّحْرِيمِ لَا تَجُوزُ مُخَالَفَتُهُ إلَّا أَنْ تُدْفَعَ إلَيْهِ أُجْرَتُهُ مِنْ غَيْرِ الزَّكَاةِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ. (وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ) أَيْ الْعَامِلِ عَلَى الزَّكَاةِ (بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ، إنْ كَانَ مِنْ عُمَّالِ التَّفْوِيضِ) أَيْ الَّذِينَ يُفَوَّضُ إلَيْهِمْ عُمُومُ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ فِيهِ كِفَايَةٌ لَهُ. (وَإِنْ كَانَ) الْعَامِلُ (مُنَفِّذًا وَقَدْ عَيَّنَ لَهُ الْإِمَامُ مَا يَأْخُذُهُ، جَازَ أَنْ لَا يَكُونَ عَالِمًا) بِأَحْكَامِ الزَّكَاةِ. (قَالَهُ الْقَاضِي) فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَبْعَثُ الْعُمَّالَ وَيُكْتَبُ لَهُمْ مَا يَأْخُذُونَ " وَكَذَلِكَ كَتَبَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَّالِهِ (وَلَا يُشْتَرَطُ حُرِّيَّتُهُ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ اُسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ، كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّ الْعَبْدَ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ، أَشْبَهَ الْحُرَّ. (وَلَا) يُشْتَرَطُ (فَقْرُهُ) إجْمَاعًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ، إلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا، فَأَهْدَى مِنْهَا الْغَنِيَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَا تُشْتَرَطُ ذُكُورِيَّتُهُ وَهَذَا مُتَوَجَّهٌ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَمِنْ تَعْلِيلِهِمْ بِالْوِلَايَةِ؛ فَلِهَذَا قَالَ: (وَاشْتِرَاطُ ذُكُورِيَّتِهِ أَوْلَى) مِنْ الْقَوْلِ بِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَنُصُّوا عَلَى ذَلِكَ لِوُضُوحِهِ. (وَمَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ) مِنْ الزَّكَاةِ فَهُوَ (أُجْرَتُهُ) وَلِذَلِكَ جَازَ مَعَ غِنَاهُ. (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الرَّاعِي وَالْحَمَّالُ) لِلزَّكَاةِ (وَنَحْوِهِمَا) كَالسَّائِقِ (كَافِرًا أَوْ عَبْدًا أَوْ غَيْرَهُمَا مِمَّنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ) كَذَوِي الْقُرْبَى، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ (لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ لِعَمَلِهِ، لَا لِعِمَالَتِهِ) بِخِلَافِ الْجَابِي لَهَا وَنَحْوِهِ. (وَإِنْ وَكَّلَ) مُسْلِمٌ (غَيْرَهُ فِي تَفْرِقَةِ زَكَاتِهِ، لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْعَامِلِ، وَيَأْتِي) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعَامِلٍ، بَلْ وَكِيلٌ.
(وَإِنْ تَلِفَ الْمَالُ) أَيْ الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ الْعَامِلِ (بِلَا تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَأُعْطِيَ أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛) لِأَنَّهُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مِنْهَا. (وَإِنْ لَمْ تَتْلَفْ) الزَّكَاةُ (فَ) إنَّهُ يُعْطَى أُجْرَتَهُ (مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ) أَجْرُهُ (أَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِهَا) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ الْعَامِلُ أُجْرَةٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ (وَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ إعْطَاءَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (أُجْرَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ) وَيُوَفِّرُ الزَّكَاةَ عَلَى بَاقِي الْأَصْنَافِ فَعَلَ (أَوْ) رَأَى الْإِمَامُ أَنْ (يَجْعَلَ لَهُ رِزْقًا فِيهِ) أَيْ فِي بَيْتِ الْمَالِ نَظِيرَ عِمَالَتِهِ. (وَلَا يُعْطِيه مِنْهَا شَيْئًا، فَعَلَ) الْإِمَامُ مَا أَدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، مَعَ عَدَمِ الْمَفْسَدَةِ. (وَيُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْعَامِلِ، إنْ شَاءَ أَرْسَلَهُ) لِقَبْضِ الزَّكَاةِ (مِنْ غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا تَسْمِيَةِ شَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ عَقَدَ لَهُ إجَارَةً) بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ، إمَّا عَلَى مَعْلُومٍ، أَوْ مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (ثُمَّ إنْ شَاءَ) الْإِمَامُ (جَعَلَ لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (أَخْذَ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقَهَا) كَمَا تَقَدَّمَ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، حِينَ بَعْثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَمَنِ (أَوْ) جَعَلَ لَهُ (أَخْذَهَا فَقَطْ) وَيُفَرِّقُهَا الْإِمَامُ، وَهَذَا وَاضِحٌ، إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ وَمَا دُونَ الْمَسَافَةِ وَإِلَّا فَقَدْ تَقَدَّمَ يَحْرُمُ نَقْلُ الزَّكَاةِ إلَى بَلَدٍ تُقْصَرُ إلَيْهِ الصَّلَاةُ، حَتَّى مِنْ السَّاعِي (فَإِنْ أَذِنَ) الْإِمَامُ (لَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (فِي تَفْرِيقِهَا أَوْ أَطْلَقَ) فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالتَّفْرِيقِ وَلَمْ يَنْهَهُ عَنْهُ (فَلَهُ ذَلِكَ) أَيْ تَفْرِيقُهَا فِي مُسْتَحِقِّيهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد " أَنَّ زِيَادًا وَلَّى عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ الصَّدَقَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الْمَالُ؟ قَالَ: أَوَلَكَ مَالٌ؟ بَعَثْتَنِي، أَخَذْنَاهَا كَمَا كُنَّا نَأْخُذُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَوَضَعْنَاهَا حَيْثُ كُنَّا نَضَعُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " (وَإِلَّا) بِأَنْ قَالَ لَهُ: لَا تُفَرِّقْهَا (فَلَا) يُفَرِّقُهَا، لِقُصُورِ وِلَايَتِهِ. (وَإِذَا تَأَخَّرَ الْعَامِلُ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ تَشَاغُلًا بِأَخْذِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ عُذْرٍ غَيْرَهُ، انْتَظَرَهُ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ وَلَمْ يُخْرِجُوا) زَكَاتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهَا إلَّا مِنْ طَائِفَةٍ بَعْدَ طَائِفَةٍ، قَالَهُ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَلَعَلَّهُ إذَا خَشَوْا ضَرَرًا بِالْإِخْرَاجِ وَإِلَّا فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، حَيْثُ لَا عُذْرَ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَأَخُّرُهُ لِعُذْرٍ (أَخْرَجُوا) أَيْ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ زَكَاتَهُمْ (بِأَنْفُسِهِمْ) لِتَعَذُّرِ الدَّفْعِ إلَيْهِ (بِاجْتِهَادٍ) إنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ (أَوْ تَقْلِيدِ) مُجْتَهِدٍ، إنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلًا لِلِاجْتِهَادِ (ثُمَّ إذَا حَضَرَ الْعَامِلُ، وَقَدْ أَخْرَجُوا) زَكَاتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ (وَكَانَ اجْتِهَادُهُ مُؤَدِّيًا إلَى إيجَابِ مَا يُسْقِطُ رَبُّ الْمَالِ، أَوْ) إلَى (الزِّيَادَةِ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ رَبُّ الْمَالِ نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ وَقْتُ مَجِيئِهِ) أَيْ الْعَامِلِ (بَاقِيًا) عَادَةً (فَاجْتِهَادُ الْعَامِلِ أَمْضَى)
مِنْ اجْتِهَادِ رَبِّ الْمَالِ، لِئَلَّا تَكُونَ مُبَادَرَتُهُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ بَعْضِ الزَّكَاةِ. (وَإِنْ كَانَ) وَقْتُ مَجِيءِ الْعَامِلِ عَادَةً (فَائِتًا، فَاجْتِهَادُ رَبِّ الْمَالِ أَنْفَذُ) فَلَا يَنْقُضُهُ الْعَامِلُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا عَلَيْهِ بِلَا تُهْمَةٍ. (وَإِنْ أَسْقَطَ الْعَامِلُ) عَنْ رَبِّ الْمَالِ بَعْضَ الزَّكَاةِ (أَوْ أَخَذَ) الْعَامِلُ (دُونَ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمَالِكُ) وَاجِبًا عَلَيْهِ (لَزِمَهُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (الْإِخْرَاجُ) أَيْ إخْرَاجُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ (فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ) تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِوُجُوبِ مَا عَلَيْهِ لِأَهْلِ السُّهْمَانِ. (وَإِنْ ادَّعَى الْمَالِكُ دَفْعَهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى الْعَامِلِ وَأَنْكَرَ) الْعَامِلُ قَبْضَهَا مِنْهُ (صُدِّقَ الْمَالِكُ فِي الدَّفْعِ) إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ بِلَا يَمِينٍ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَحَلَفَ الْعَامِلُ) أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ (وَبَرِئَ) الْعَامِلُ لِلْفُقَرَاءِ، فَلَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِ بِهَا. (وَإِنْ ادَّعَى الْعَامِلُ دَفْعَهَا إلَى الْفَقِيرِ) وَنَحْوِهِ (فَأَنْكَرَ) الْفَقِيرُ وَنَحْوُهُ (صُدِّقَ الْعَامِلُ فِي الدَّفْعِ) إلَى الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ (وَ) صُدِّقَ (الْفَقِيرُ فِي عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَظَاهِرُهُ بِلَا يَمِينٍ. (وَيُقْبَلُ إقْرَارُهُ) أَيْ الْعَامِلِ (بِقَبْضِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ مِنْ رَبِّهَا (وَلَوْ عُزِلَ) الْعَامِلُ، كَحَاكِمٍ أُقِرَّ بِحُكْمِهِ بَعْدَ عَزْلِهِ. (وَإِنْ عَمِلَ إمَامٌ أَوْ نَائِبُهُ عَلَى زَكَاةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّهُ يَأْخُذُ رِزْقَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَيُقَدَّمُ الْعَامِلُ بِأُجْرَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ) ؛ لِأَنَّهُ يَأْخُذُ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ، بِخِلَافِهِمْ وَلِهَذَا إذَا عَجَزَتْ الصَّدَقَةُ عَنْ أُجْرَتِهِ تُمِّمَ لَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ يُعْطَى الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ وَهُمْ أَشَدُّهُمْ حَاجَةً. (وَإِنْ أُعْطَى) الْعَامِلُ مِنْ الزَّكَاةِ (فَلَهُ الْأَخْذُ، وَإِنْ تَطَوَّعَ بِعَمَلِهِ، لِقِصَّةِ عُمَرَ) - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهِيَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُمِرَ لَهُ بِعِمَالَةٍ فَقَالَ: إنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، فَقَالَ: إذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ عَلَيْهِ) أَيْ الْعَامِلِ (فِي وَضْعِهَا غَيْرَ مَوْضِعِهَا) الْمَشْرُوعِ وَضْعُهَا فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَدْفَعُونَ عَنْهُمْ بِهَا ضَرَرًا لِبَرَاءَتِهِمْ بِالدَّفْعِ إلَيْهِ مُطْلَقًا، وَ (لَا) تُقْبَلُ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ (فِي أَخْذِهَا مِنْهُمْ) ؛ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ، لَكِنَّهُمْ يُصَدَّقُونَ بِلَا يَمِينٍ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ شَهِدَ بِهِ) أَيْ بِأَخْذِ الْعَامِلِ الزَّكَاةَ (بَعْضُهُمْ) أَيْ بَعْضُ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ (لِبَعْضٍ قَبْلَ التَّنَاكُرِ وَالتَّخَاصُمِ) بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَامِلِ قُبِلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ الْمَانِعِ (وَغَرِمَ الْعَامِلُ) لِلْفُقَرَاءِ مَا ثَبَتَ عَلَيْهِ أَخْذُهُ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ بَعْدَ التَّنَاكُرِ، وَالتَّخَاصُمِ (فَلَا) تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلْعَدَاوَةِ. (وَإِنْ شَهِدَ أَهْلُ السُّهْمَانِ) بِضَمِّ السِّينِ أَيْ جَمْعُ سَهْمٍ كَالسِّهَامِ وَهُمْ أَهْلُ الزَّكَاةِ الْقَابِضُونَ لَهَا (لَهُ) أَيْ لِلْعَامِلِ (أَوْ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ) مِنْهُمْ ذَلِكَ، لِمَا فِيهَا مِنْ
جَلْبِ النَّفْعِ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ الْعَامِلِ (قَبُولُ هَدِيَّةٍ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ) لِحَدِيثِ «هَدَايَا الْعُمَّالِ غُلُولٌ» . (وَلَا) يَجُوزُ لَهُ أَيْضًا (أَخْذُ رِشْوَةٍ) بِتَثْلِيثِ الرَّاءِ وَهِيَ مَا بَعْدَ طَلَبٍ، وَالْهَدِيَّةُ قَبْلَهُ (وَيَأْتِي عِنْدَ هَدِيَّةِ الْقَاضِي فِي بَابِ أَدَبِ الْقَاضِي) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا. (وَمَا خَانَ) الْعَامِلُ (فِيهِ أَخَذَهُ الْإِمَامُ) لِيَرُدَّهُ إلَى مُسْتَحِقِّهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَ (لَا) يَأْخُذُهُ (أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ) لِأَنَّهُ زَكَاةٌ، لَكِنْ إنْ أَخَذَ مِنْهُمْ شَيْئًا ظُلْمًا بِلَا تَأْوِيلٍ فَلَهُمْ أَخْذُهُ. (قَالَ الشَّيْخُ: وَيَلْزَمُهُ رَفْعُ حِسَابِ مَا تَوَلَّاهُ إذَا طُلِبَ مِنْهُ) وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا يَلْزَمُهُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ. (الرَّابِعُ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ) لِلنَّصِّ (وَحُكْمُهُمْ بَاقٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " أَعْطَى الْمُؤَلَّفَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ فَيُعْطَوْنَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُحْمَلُ تَرْكُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ إعْطَاءَهُمْ عَلَى عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى إعْطَائِهِمْ فِي خِلَافَتِهِمْ، لَا لِسُقُوطِ سَهْمِهِمْ، فَإِنَّ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ، وَأَعْطَى أَبُو بَكْرٍ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، وَمَعَ وُجُودِ الْحَاجَةِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النُّفُوسِ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ لَا يَخْفَى فَسَادُهُ. (وَهُمْ رُؤَسَاءُ قَوْمِهِمْ) وَكَذَا فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ وَهُمْ السَّادَةُ الْمُطَاعُونَ فِي عَشَائِرِهِمْ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَا يُعْطَى مِنْ الزَّكَاةِ لِلتَّأْلِيفِ، وَإِنْ خَشِيَ شَرَّهُ بِانْضِمَامِهِ إلَى ظَالِمٍ؛ لِعَدَمِ تُنَاوِل اسْمِ الْمُؤَلَّفِ لَهُ (مِنْ كَافِرٍ يُرْجَى إسْلَامُهُ، أَوْ كَفُّ شَرِّهِ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ «بَعَثَ عَلِيٌّ وَهُوَ بِالْيَمَنِ بِذَهَبِيَّةٍ فَقَسَّمَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيِّ وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ الْعَامِرِيِّ، ثُمَّ أَحَدِ بَنِي كِلَابٍ وَزَيْدِ الْخَيْرِ الطَّائِيِّ ثُمَّ أَحَدِ بَنِي نَبْهَانَ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ وَقَالُوا: تُعْطِي صَنَادِيدَ نَجْدٍ وَتَدَعُنَا؟ فَقَالَ: إنِّي إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَتَأَلَّفَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَإِنَّمَا الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْيَمَنِ الصَّدَقَةُ. (وَ) مِنْ (مُسْلِمٍ يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ قُوَّةُ إيمَانِهِ) لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 60] قَالَ: هُمْ قَوْمٌ كَانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْضَخُ لَهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ، فَإِذَا أَعْطَاهُمْ مِنْ الصَّدَقَاتِ قَالُوا: هَذَا دِينٌ صَالِحٌ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ عَابُوهُ " أَوْ (يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ إسْلَامُ نَظِيرِهِ) لِأَنَّ
أَبَا بَكْرٍ أَعْطَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ وَالزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ مَعَ حُسْنِ نِيَّاتِهِمَا وَإِسْلَامِهِمَا رَجَاءَ إسْلَامِ نُظَرَائِهِمَا. (أَوْ) يُرْجَى بِعَطِيَّتِهِ (نُصْحُهُ فِي الْجِهَادِ أَوْ) فِي (الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ) بِأَنْ يَكُونُوا فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ دَفَعُوا الْكُفَّارَ عَمَّنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا فَلَا (أَوْ كَفُّ شَرِّهِ كَالْخَوَارِجِ وَنَحْوِهِمْ، أَوْ قُوَّةً عَلَى جِبَايَةِ الزَّكَاةِ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا) بِأَنْ يَكُونُوا إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ جَبَوْهَا مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا (إلَّا أَنْ يُخَوَّفَ وَيُهَدَّدَ، كَقَوْمٍ فِي طَرَفِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، إذَا أُعْطُوا مِنْ الزَّكَاةِ جَبَوْهَا مِنْهُ) أَيْ مِمَّنْ لَا يُعْطِيهَا إلَّا بِالتَّخْوِيفِ وَالتَّهْدِيدِ (وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي ضَعْفِ إسْلَامِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْ جِهَتِهِ. وَ (لَا) يُقْبَلُ قَوْلُهُ (إنَّهُ مُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ (وَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤَلَّفِ الْمُسْلِمِ مَا يَأْخُذُهُ إنْ أُعْطِيَ لِيُكَفَّ شَرُّهُ، كَالْهَدِيَّةِ لِلْعَامِلِ) وَالرِّشْوَةِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أُعْطِيَ لِيُكَفَّ شَرُّهُ، كَأَنْ أُعْطِيَ لِيُقَوَّى إيمَانُهُ أَوْ إسْلَامِ نَظِيرِهِ، أَوْ نُصْحِهِ فِي الْجِهَادِ أَوْ الدَّفْعِ عَنْ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِ (حَلَّ) لَهُ مَا أَخَذَهُ، كَبَاقِي أَهْلِ الزَّكَاةِ. (الْخَامِسُ: الرِّقَابُ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ وَفَاءَ مَا يُؤَدُّونَ، وَلَوْ مَعَ الْقُوَّةِ وَالْكَسْبِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُمْ، أَيْ الْمُكَاتَبُونَ مِنْ الرِّقَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " أَعْتَقْتُ رِقَابِي " فَإِنَّهُ يَشْمَلُهُ، وَفِي قَوْله تَعَالَى {فَكَاتِبُوهُمْ} [النور: 33] الْآيَةَ إشْعَارٌ بِهِ وَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَالَ عَلَى سَيِّدِهِ، وَيُصْرَفُ إلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ، فَكَانَ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهَا إنْ لَمْ يَجِدْ وَفَاءً، كَالْغَرِيمِ. (وَلَا يَدْفَعُ) مِنْ الزَّكَاةِ (إلَى مَنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى مَجِيءِ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ كَالْمُكَاتَبِ، إذْ لَا يَمْلِكُ كَسْبَهُ، وَلَا يُصْرَف إلَيْهِ أَرْشُ جِنَايَتِهِ فَالْإِعْطَاءُ لَهُ إعْطَاءٌ لِسَيِّدِهِ، لَا فِي الرِّقَابِ (وَلِلْمُكَاتَبِ الْأَخْذُ قَبْلَ حُلُولِ نَجْمٍ) لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى فَسْخِهَا عِنْدَ حُلُولِ النَّجْمِ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ. (وَلَوْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (بِيَدِهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (أَجْزَأَتْ) رَبَّهَا، لِوُجُودِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ (وَلَمْ يَغْرَمْهَا سَوَاءٌ عَتَقَ أَمْ لَا) كَالْغَارِمِ وَابْنِ السَّبِيلِ، (وَلَوْ دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْمُكَاتَبِ (مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي غَيْرِهِ) لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى. (وَيَأْتِي قَرِيبًا، وَلَوْ عَتَقَ) الْمُكَاتَبُ (تَبَرُّعًا مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ غَيْرِهِ فَمَا مَعَهُ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (لَهُ) أَيْ: لِلْمُكَاتَبِ (فِي قَوْلٍ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ وَالْحَاوِيَيْنِ. وَقِيلَ: مَعَ فَقْرِهِ، وَقِيلَ:
بَلْ لِلْمُعْطَى، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، قَالَهُ فِي الْحَاوِيَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقِيلَ: بَلْ هُوَ لِلْمُكَاتَبَيْنِ، قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ، وَصَحَّحَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَرُدَّ مَا فَضَلَ إذَا عَتَقَ بِأَدَاءٍ أَوْ إبْرَاءٍ وَقَالَ: وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْمُقْنِعِ، وَالْإِفَادَاتِ وَالْوَجِيزِ، وَتَذْكِرَةِ ابْنِ عَبْدُوسٍ وَإِدْرَاك الْغَايَةِ وَغَيْرِهِمْ اهـ وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِيمَا يَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَمَا فَضَلَ مَعَ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ - إلَى آخِرِهِ (وَلَوْ عَجَزَ) الْمُكَاتَبُ (أَوْ مَاتَ وَبِيَدِهِ وَفَاءٌ أَوْ اشْتَرَى بِالزَّكَاةِ شَيْئًا ثُمَّ عَجَزَ وَالْعِوَضُ بِيَدِهِ فَهُوَ لِسَيِّدِهِ) كَسَائِرِ مَالِهِ (وَيَجُوزُ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ الْإِمَامِ أَوْ الْمَالِكِ الزَّكَاةَ (إلَى سَيِّدِهِ) أَيْ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (بِلَا إذْنِهِ) أَيْ إذْنِ الْمُكَاتَبِ، كَوَفَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ بِهَا. (وَهُوَ) أَيْ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ (الْأَوْلَى) مِنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ إلَى الْمُكَاتَبِ، لِمَا ذُكِرَ بِقَوْلِهِ (فَإِنْ رَقَّ) الْمُكَاتَبُ (لِعَجْزِهِ) عَنْ الْوَفَاءِ (أُخِذَتْ مِنْ سَيِّدِهِ) بِخِلَافِ مَا لَوْ دُفِعَتْ لِلْمُكَاتَبِ، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى سَيِّدِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَيَجُوزُ أَنْ يَفْدِيَ بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (أَسِيرًا مُسْلِمًا فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فَكُّ رَقَبَةِ الْأَسِيرِ، فَهُوَ كَفَكِّ رَقَبَةِ الْعَبْدِ مِنْ الرِّقِّ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إعْزَازًا لِلدِّينِ، فَهُوَ كَصَرْفِهِ إلَى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَلِأَنَّهُ يَدْفَعُهُ إلَى الْأَسِيرِ، كَفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الْأَسْرِ، أَشْبَهَ مَا يَدْفَعُهُ إلَى الْغَارِمِ، لِفَكِّ رَقَبَتِهِ مِنْ الدَّيْنِ. (قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَمِثْلُهُ لَوْ دَفَعَ إلَى فَقِيرٍ مُسْلِمٍ غَرَّمَهُ سُلْطَانٌ مَالًا، لِيَدْفَعَ جَوْرَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (رَقَبَةً يَعْتِقُهَا) رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60] وَهُوَ مُتَنَاوِلٌ لِلْقِنِّ، بَلْ ظَاهِرٌ فِيهِ، فَإِنَّ الرَّقَبَةَ تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إذَا أُطْلِقَتْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [النساء: 92] وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الزَّكَاةِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ، كَرَحِمٍ مَحْرَمٍ كَأَخِيهِ وَعَمِّهِ؛ لِأَنَّ نَفْعَ زَكَاتِهِ عَاد إلَى رَحِمِهِ الْمَحْرَمِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى أَبِيهِ (وَلَا إعْتَاقِ عَبْدِهِ أَوْ مُكَاتَبِهِ عَنْهَا) أَيْ عَنْ الزَّكَاةِ، وَلَوْ كَانَ مَالُهُ عُبَيْدًا لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إيتَاءً لِلزَّكَاةِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ إخْرَاجِ الْعُرُوضِ أَوْ الْقِيمَةِ الْقِيمَةِ (وَمَنْ أَعْتَقَ مِنْ الزَّكَاةِ) رَقِيقًا (فَمَا رَجَعَ مِنْ وَلَائِهِ) إذَا مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَارِثٍ يَسْتَغْرِقُ (رُدَّ فِي عِتْقِ مِثْلِهِ فِي رِوَايَةٍ) صَحَّحَهَا فِي الْإِنْصَافِ، وَقِيلَ: وَفِي الصَّدَقَاتِ أَيْضًا، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ اهـ قُلْتُ: يَأْتِي فِي الْعِتْقِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُعْتِقُ رَبَّ الْمَالِ، فَالْوَلَاءُ لَهُ؛ لِحَدِيثِ «إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ
أَعْتَقَ» (وَمَا أَعْتَقَهُ السَّاعِي مِنْ الزَّكَاةِ) أَوْ الْإِمَامُ مِنْهَا (فَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُمْ. (وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ) إذَا عَتَقَ بِأَدَائِهِ مَالَ الْكِتَابَةِ مِنْ الزَّكَاةِ (فَوَلَاؤُهُ لِسَيِّدِهِ) لِلْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ عَتَقَ بِسَبَبِ كِتَابَتِهِ (وَلَا يُعْطَى الْمُكَاتَبُ لِجِهَةِ الْفَقْرِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ) مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وَالْعَبْدُ لَا يُعْطَى لِفَقْرِهِ. (السَّادِسُ: الْغَارِمُونَ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْمَدِينُونَ) كَذَا فَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ (الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَات الْبَيْنِ، وَلَوْ) كَانَ الْإِصْلَاحُ (بَيْنَ أَهْلِ ذِمَّةٍ، وَهُوَ) أَيْ مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (مَنْ تَحَمَّلَ بِسَبَبِ إتْلَافِ نَفْسٍ، أَوْ مَالٍ أَوْ نَهْبٍ دِيَةً أَوْ مَالًا، لِتَسْكِينِ فِتْنَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ طَائِفَتَيْنِ، وَيَتَوَقَّفُ صُلْحُهُمْ عَلَى مَنْ يَتَحَمَّلُ ذَلِكَ) فَيَتَحَمَّلُهُ إنْسَانٌ ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْقَبَائِلِ، فَيَسْأَلُ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ، فَوَرَدَ الشَّرْعُ بِإِبَاحَةِ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا مِنْ الصَّدَقَةِ قَالَ تَعَالَى {فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ} [الأنفال: 1] أَيْ وَصْلِكُمْ، وَالْبَيْنُ: الْوَصْلُ، وَالْمَعْنَى: كُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى. وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ الْهِلَالِيِّ قَالَ: «تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَأَلْتُهُ فِيهَا، فَقَالَ: أَقِمْ يَا قَبِيصَةُ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا قَبِيصَةُ إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَيَسْأَلُ فِيهَا حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ سَدَادًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْتَزِمُ فِي مِثْل ذَلِكَ الْمَالَ الْعَظِيمَ الْخَطِيرَ، وَقَدْ أَتَى مَعْرُوفًا عَظِيمًا، وَابْتَغَى صَلَاحًا عَامًّا، فَكَانَ مِنْ الْمَعْرُوفِ حَمْلُهُ عَنْهُ مِنْ الصَّدَقَةِ، وَتَوْفِيرُ مَالِهِ عَلَيْهِ، لِئَلَّا يُجْحِفَ بِمَالِ الْمُصْلِحِينَ، أَوْ يُوهِنَ عَزَائِمَهُمْ عَنْ تَسْكِينِ الْفِتَنِ وَكَفِّ الْمَفَاسِدِ (فَيَدْفَعُ إلَيْهِ مَا يُؤَدِّي حَمَالَتَهُ) بِفَتْحِ الْحَاءِ أَيْ الْمَالَ الَّذِي تَحَمَّلَهُ لِذَلِكَ (وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ قَبِيصَةَ (أَوْ) كَانَ (شَرِيفًا) أَيْ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ أَخْذِهَا لِفَقْرِهِ صِيَانَةٌ لَهُ عَنْ أَكْلِهَا لِكَوْنِهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، وَإِذَا أَخَذَهَا لِلْغُرْمِ صَرَفَهَا إلَى الْغُرَمَاءِ، فَلَا يَنَالُهُ دَنَاءَةُ وَسَخِهَا.
(وَإِنْ كَانَ قَدْ أَدَّى ذَلِكَ) أَيْ مَا تَحَمَّلَهُ (لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ) بَدَلَهُ مِنْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّهُ قَدْ سَقَطَ الْغُرْمُ) فَخَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا. (وَإِنْ اسْتَدَانَ) الْحَمَالَةَ (وَأَدَّاهَا جَازَ لَهُ الْأَخْذُ) مِنْ الزَّكَاةِ؛ (لِأَنَّ الْغُرْمَ بَاقٍ) لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ مَدِينًا، بِسَبَبِ الْحَمَالَةِ (وَمَنْ تَحَمَّلَ بِهِ بِضَمَانٍ أَوْ كَفَالَةٍ عَنْ غَيْرِهِ مَالًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَنْ غَرِمَ لِنَفْسِهِ) . وَظَاهِرُ الْمُنْتَهَى أَنَّهُ مِنْ قِسْمِ الْغَارِمِ عَنْ غَيْرِهِ (فَإِنْ كَانَ الْأَصِيلُ وَالْحَمِيلُ) أَيْ الضَّامِنُ أَوْ الْكَفِيلُ (مُعْسِرَيْنِ جَازَ الدَّفْعُ) أَيْ دَفْعُ قَدْرِ الدَّيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ (إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَدِينٌ. (وَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، أَوْ) كَانَ (أَحَدُهُمَا) مُوسِرًا (لَمْ يَجُزْ) الدَّفْعُ إلَيْهِمَا، وَلَا إلَى أَحَدِهِمَا (وَيَجُوزُ الْأَخْذُ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِقَضَاءِ دَيْنِ اللَّهِ) تَعَالَى مِنْ كَفَّارَةٍ وَنَحْوِهَا، كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ. (وَيَأْتِي) الضَّرْبُ (الثَّانِي) مِنْ ضَرْبَيْ الْغَارِمِ (مَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ نَفْسِهِ فِي مُبَاحٍ) كَمَنْ اسْتَدَانَ فِي نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، وَخَرَجَ بِالْمُبَاحِ مَا اسْتَدَانَهُ وَصَرَفَهُ فِي مَعْصِيَةٍ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا (حَتَّى فِي شِرَاءِ نَفْسِهِ مِنْ الْكُفَّارِ، فَيَأْخُذُ) الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ (إنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ وَفَاءِ دَيْنِهِ، وَيَأْخُذُهُ) أَيْ الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ (وَمَنْ غَرِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَلَوْ قَبْلَ حُلُولِ دَيْنِهِمَا) لِظَاهِرِ خَبَرِ قَبِيصَةَ السَّابِقِ وَقِيسَ عَلَيْهِ الْغَارِمُ لِنَفْسِهِ. (وَإِذَا دُفِعَ إلَيْهِ) أَيْ الْغَارِمِ (مَا يَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، لَمْ يَجُزْ) لَهُ (صَرْفُهُ فِي غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُ أَخْذًا مُرَاعًى (وَإِنْ دُفِعَ إلَى الْغَارِمِ) مِنْ الزَّكَاةِ (لِفَقْرِهِ، جَازَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ) لِمِلْكِهِ إيَّاهُ مِلْكًا تَامًّا، إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ (ف) قَاعِدَةُ (الْمَذْهَبِ) كَمَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَتَبِعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ (أَنَّ مَنْ أَخَذَ بِسَبَبٍ يَسْتَقِرُّ الْأَخْذُ بِهِ، وَهُوَ الْفَقْرُ وَالْمَسْكَنَةُ، وَالْعِمَالَةُ وَالتَّالِفُ، صَرَفَهُ فِيمَا شَاءَ كَسَائِرِ مَالِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إلَيْهِمْ الزَّكَاةَ فَاللَّامُ الْمِلْكِ. (وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ) الْأَخْذُ بِذَلِكَ السَّبَبِ (صَرَفَهُ) أَيْ الْمَأْخُوذَ (فِيمَا أَخَذَهُ لَهُ خَاصَّةً، لِعَدَمِ ثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ) وَإِنَّمَا يَمْلُكُهُ مُرَاعًى، فَإِنْ صَرَفَهُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ الْأَخْذَ بِهَا، وَإِلَّا اُسْتُرْجِعَ مِنْهُ، كَاَلَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ وَالْغَازِي وَابْنُ السَّبِيلِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ إلَيْهِمْ الزَّكَاةَ بِفِي، وَهِيَ لِلظَّرْفِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ الْأُوَلَ يَأْخُذُونَ لِمَعْنًى يَحْصُلُ بِأَخْذِهِمْ، وَهُوَ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَتَأْلِيفُ الْمُؤَلَّفَةِ، وَأَدَاءُ أُجْرَةِ الْعَامِلِينَ، وَغَيْرُهُمْ يَأْخُذ لِمَعْنًى لَمْ يَحْصُلْ بِأَخْذِهِ لِلزَّكَاةِ، فَافْتَرَقَا. (وَلِهَذَا يُسْتَرَدُّ) الْمَأْخُوذُ زَكَاةً (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ وَالْغَازِي وَابْنِ السَّبِيلِ (إذَا بَرِئَ) الْمُكَاتَبُ أَوْ الْغَارِمُ (أَوْ لَمْ يَغْرَمْ) الْآخِذُ لِلْغُرْمِ، أَوْ فَضَلَ مَعَهُ، أَوْ مَعَ ابْنِ السَّبِيلِ شَيْءٌ (وَإِنْ وَكَّلَ
الْغَارِمُ مَنْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ) أَيْ رَبَّ الْمَالِ (قَبْلَ قَبْضِهَا مِنْهُ بِنَفْسِهِ أَوْ نَائِبِهِ) أَوْ (فِي دَفْعِهَا إلَى الْغَرِيمِ عَنْ دَيْنِهِ، جَازَ) ذَلِكَ، وَبَرِئَ مِنْ الزَّكَاةِ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ. وَكَذَا الْمُكَاتَبُ لَوْ وَكَّلَ رَبَّ الْمَالِ فِي وَفَائِهِ دَيْنَ كِتَابَتِهِ (وَإِنْ دَفَعَ الْمَالِكُ) زَكَاةً (إلَى الْغَرِيمِ) عَنْ دَيْنِ الْغَارِمِ (بِلَا إذْنِ الْفَقِيرِ) الْغَارِمِ (صَحَّ) وَبَرِئَ لِأَنَّهُ دَفَعَ الزَّكَاةَ فِي قَضَاءِ دَيْنِ الْمَدِينِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ فَقَضَى بِهَا دَيْنَهُ (كَمَا أَنَّ لِلْإِمَامِ قَضَاءَ الدَّيْنِ عَنْ الْحَيِّ مِنْ الزَّكَاةِ بِلَا وَكَالَةٍ) لِوِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فِي إيفَائِهِ وَلِهَذَا يُجْبِرُهُ عَلَيْهِ إذَا امْتَنَعَ. (السَّابِعُ: فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لِلنَّصِّ (وَهُمْ الْغُزَاةُ) ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْغَزْوُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} [الصف: 4] وَقَوْلِهِ {قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [آل عمران: 167] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا خِلَافَ فِي اسْتِحْقَاقِهِمْ وَبَقَاءِ حُكْمِهِمْ إذَا كَانُوا مُتَطَوِّعَةً وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (الَّذِينَ لَا حَقَّ لَهُمْ) أَيْ لَا شَيْءَ لَهُمْ مُقَدَّرٌ (فِي الدِّيوَانِ) لِأَنَّ مَنْ لَهُ رِزْقٌ رَاتِبٌ يَكْفِيهِ فَهُوَ مُسْتَغْنٍ بِهِ (فَيُدْفَعُ إلَيْهِمْ كِفَايَةُ غَزْوِهِمْ وَعَوْدِهِمْ وَلَوْ مَعَ غِنَاهُمْ) ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ (وَمَتَى ادَّعَى أَنَّهُ يُرِيدُ الْغَزْوَ قُبِلَ قَوْلُهُ) ؛ لِأَنَّ إرَادَتَهُ أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (وَيُدْفَعُ إلَيْهِ دَفْعًا مُرَاعًى) فَإِنْ صَرَفَهُ فِي الْغَزْوِ، وَإِلَّا رَدَّهُ (فَيُعْطَى) الْغَازِي (ثَمَنَ السِّلَاحِ وَ) ثَمَنَ (الْفَرَسِ إنْ كَانَ فَارِسًا وَحُمُولَتَهُ) أَيْ مَا يَحْمِلُهُ مِنْ بَعِيرٍ وَنَحْوِهِ (و) ثَمَنَ (دِرْعِهِ وَسَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ) مِنْ آلَاتٍ، وَنَفَقَةِ ذَهَابٍ وَإِقَامَةٍ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ وَرُجُوعٍ إلَى بَلَدِهِ (وَيُتَمَّمُ لِمَنْ أَخَذَ) مِنْ الْغُزَاةِ (مِنْ الدِّيوَانِ دُونَ كِفَايَتِهِ مِنْ الزَّكَاةِ) فَيُعْطَى مِنْهَا تَمَامَ كِفَايَتِهِ (وَلَا يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْغَازِي) مِنْ سِلَاحٍ وَخَيْلٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ يَصْرِفَهُ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْغَازِي؛ (لِأَنَّهُ قِيمَةٌ) أَيْ إخْرَاجُ قِيمَةٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ. (وَلَا) يَجُوزُ لِرَبِّ الْمَالِ (شِرَاؤُهُ فَرَسًا مِنْهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (يَصِيرُ حَبِيسًا) أَيْ يَحْبِسُهُ عَلَى الْغُزَاةِ (وَلَا) شِرَاؤُهُ (دَارًا وَلَا ضَيْعَةً لِلرِّبَاطِ أَوْ يَقِفُهَا عَلَى الْغُزَاةِ، وَلَا غَزْوُهُ عَلَى فَرَسٍ أَخْرَجَهُ مِنْ زَكَاتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ مَصْرِفًا لِزَكَاتِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ بِهَا دَيْنَهُ. (فَإِنْ اشْتَرَى الْإِمَامُ بِزَكَاةِ رَجُلٍ فَرَسًا فَلَهُ) أَيْ الْإِمَامِ (دَفْعُهَا إلَيْهِ) أَيْ إلَى رَبِّ الْمَالِ (يَغْزُو عَلَيْهَا) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى بِزَكَاتِهِ سِلَاحًا أَوْ دِرْعًا وَنَحْوِهِ، لِحُصُولِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَأَخْذُهُ لَهَا بَعْدُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ (كَمَالِهِ) أَيْ لِلْإِمَامِ (أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ زَكَاتَهُ لِفَقْرِهِ أَوْ غُرْمِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَمَا لَوْ عَادَتْ إلَيْهِ بِإِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ. (وَلَا يَحُجُّ أَحَدٌ
بِزَكَاةِ مَالِهِ، وَلَا يَغْزُو) بِزَكَاةِ مَالِهِ (وَلَا يُحَجُّ بِهَا عَنْهُ وَلَا يُغْزَى) بِهَا عَنْهُ لِعَدَمِ الْإِيتَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ صِحَّةُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الْغَزْوِ وَفِيهِ شَيْءٌ (وَالْحَجُّ مِنْ السَّبِيلِ نَصًّا) . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ - نَاقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَرَادَتْ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ارْكَبِيهَا فَإِنَّ الْحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ» (فَيَأْخُذُ إنْ كَانَ فَقِيرًا) مِنْ الزَّكَاةِ (مَا يُؤَدِّي بِهِ فَرْضَ حَجٍّ أَوْ) فَرْضَ (عُمْرَةٍ أَوْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِيهِ) أَيْ فِي فَرْضِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى إسْقَاطِ الْفَرْضِ؛ وَأَمَّا التَّطَوُّعُ فَلَهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي جَوَازَهُ فِي النَّفْلِ كَالْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْفَقِيرُ لَا فَرْضَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْهُ كَالتَّطَوُّعِ. (الثَّامِنُ: ابْنُ السَّبِيلِ) لِلنَّصِّ وَالسَّبِيلُ: الطَّرِيقُ وَسُمِّيَ الْمُسَافِرُ ابْنًا لَهُ؛ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ، كَمَا يُقَالُ: وَلَدُ اللَّيْلِ إذَا كَانَ يُكْثِرُ الْخُرُوجَ فِيهِ، وَكَمَا يُقَالُ لِطَيْرِ الْمَاءِ ابْنُ الْمَاءِ لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ. (وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ بِهِ) أَيْ بِسَفَرِهِ (فِي سَفَرِ طَاعَةٍ) كَالسَّفَرِ لِلْحَجِّ وَالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَآلَاتِهِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ (أَوْ) سَفَرٍ (مُبَاحٍ) كَطَلَبِ رِزْقٍ (دُونَ الْمُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا يَصِيرُ ابْنَ سَبِيلٍ فِي ثَانِي الْحَالِ (وَلَيْسَ مَعَهُ) أَيْ الْمُنْقَطِعِ بِغَيْرِ بَلَدِهِ (مَا يُوَصِّلُهُ إلَى بَلَدِهِ أَوْ) يُوَصِّلُهُ إلَى (مُنْتَهَى قَصْدِهِ) بِأَنْ انْقَطَعَ قَبْلَ الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يُوَصِّلُهُ. (وَعَوْدِهِ إلَى بَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إعَانَةً عَلَى بُلُوغِ الْغَرَضِ الصَّحِيحِ (وَلَوْ مَعَ غِنَاهُ بِبَلَدِهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الْوُصُولِ إلَى مَالِهِ وَعَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَأَشْبَهَ مَنْ سَقَطَ مَتَاعُهُ فِي الْبَحْرِ أَوْ ضَاعَ (فَيُعْطَى) ابْنُ السَّبِيلِ (لِذَلِكَ) لِلنَّصِّ (وَلَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ) ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ خِلَافًا لِلْمَجْدِ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرِ الْقَرْضِ (فَإِنْ كَانَ) ابْنُ السَّبِيلِ، (فَقِيرًا فِي بَلَدِهِ أُعْطِيَ لِفَقْرِهِ) مَا يَكْفِيهِ سَنَةً (وَ) أُعْطِيَ (لِكَوْنِهِ ابْنَ سَبِيلٍ مَا يُوَصِّلُهُ) إلَى بَلَدِهِ، وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَ فِي غَيْرِهِ سَبَبَانِ وَيَأْتِي. (وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ ابْنُ سَبِيلٍ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَإِنْ ادَّعَى) ابْنُ السَّبِيلِ (الْحَاجَةَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مَالٌ فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ) قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَالِ (أَوْ ادَّعَى إرَادَةَ الرُّجُوعِ إلَى بَلَدِهِ قُبِلَ قَوْلُهُ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ. (وَإِنْ عُرِفَ لَهُ) أَيْ لِابْنِ السَّبِيلِ مَالٌ (فِي الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَى الْحَاجَةِ) ؛ لِأَنَّهَا خِلَافُ الظَّاهِرِ (إلَّا بِبَيِّنَةٍ) تَشْهَدُ بِحَاجَتِهِ. (وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ تَمَامَ كِفَايَتِهِمَا سَنَةً؛) لِأَنَّ وُجُوبَ الزَّكَاةِ يَتَكَرَّرُ كُلَّ حَوْلٍ
فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ مَا يَكْفِيهِ إلَى مِثْلِهِ (وَ) يُعْطَى (الْعَامِلُ قَدْرَ أُجْرَةِ مِثْلِهِ وَلَوْ جَاوَزَتْ الثَّمَنَ) ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِسَبَبِ الْعِمَالَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمِقْدَارِهِ. (وَيُعْطَى مُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ مَا يَقْضِيَانِ بِهِ دَيْنَهُمَا) ؛ لِأَنَّ حَاجَتَهُمَا إنَّمَا تَنْدَفِعُ بِذَلِكَ. (وَلَوْ دَيْنًا لِلَّهِ) تَعَالَى كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ (وَلَيْسَ لَهُمَا) أَيْ الْمُكَاتَبِ وَالْغَارِمِ (صَرْفُهُ إلَى غَيْرِهِ كَغَازٍ) وَابْنِ سَبِيلٍ (وَتَقَدَّمَ) مُوَضَّحًا قَرِيبًا. (وَ) يُعْطَى (الْمُؤَلَّفُ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّأْلِيفُ) ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. (وَ) يُعْطَى (الْغَازِي مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ لِغَزْوِهِ، وَإِنْ كَثُرَ) ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِهِ (وَلَا يُزَادُ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (عَنْ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّ الدَّفْعَ لِلْحَاجَةِ فَيَتَقَيَّدُ بِهَا وَلَا يُنْقَصُ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ انْدِفَاعِ حَاجَتِهِ إذَنْ. (وَمَنْ كَانَ) (مِنْ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ذَا عِيَالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِمْ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ عَائِلَتِهِ مَقْصُودُهُ دَفْعُ حَاجَتِهِ فَيُعْتَبَرُ لَهُ مَا يُعْتَبَرُ لِلْمُنْفَرِدِ. (وَلَا يُعْطَى أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَصْنَافِ الزَّكَاةِ (مَعَ الْغِنَى) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا ذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْمِرَّةُ: الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، وَالسَّوِيُّ: الْمُسْتَوِي الْخَلْقِ التَّامُّ الْأَعْضَاءِ (إلَّا أَرْبَعَةً الْعَامِلَ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. (وَالْمُؤَلَّفَ) ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَهُمْ لِمَعْنًى يَعُمُّ نَفْعُهُ كَالْغَازِي (وَالْغَازِيَ وَالْغَارِمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، مَا لَمْ يَكُنْ دَفَعَهَا) أَيْ الْحَمَالَةَ (مِنْ مَالِهِ، وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «وَلَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا بَقِيَّةَ الْأَصْنَافِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِيهِمْ الْفَقْرَ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الْأَخْذِ، مَعَ الْغِنَى. (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ غَارِمٍ وَمُكَاتَبٍ، حَتَّى وَلَوْ سَقَطَ مَا عَلَيْهِمَا بِبَرَاءَةٍ أَوْ غَيْرِهَا وَ) فَضَلَ مَعَ (غَازٍ وَابْنِ سَبِيلٍ شَيْءٌ بَعْدَ حَاجَتِهِمْ لَزِمَهُمْ رَدُّهُ كَمَا لَوْ أَخَذَ شَيْئًا لِفَكِّ رَقَبَتِهِ، وَفَضَلَ مِنْهُ) شَيْءٌ لَزِمَهُ رَدُّهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، بَلْ مِلْكًا مُرَاعًى وَلِأَنَّ السَّبَبَ زَالَ فَيَجِبُ رَدُّ الْفَاضِلِ بِزَوَالِ الْحَاجَةِ (وَإِنْ فَضَلَ مَعَ الْمُكَاتَبِ شَيْءٌ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهَا الْحَاجَةُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَإِنْ تَلِفَ فِي أَيْدِيهِمْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ، فَلَا رُجُوعَ عَلَيْهِمْ (وَالْبَاقُونَ) وَهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمَسَاكِينُ وَالْعَامِلُونَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ (يَأْخُذُونَ أَخَذًا مُسْتَقِرًّا، فَلَا يَرُدُّونَ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُمْ مَلَكُوهَا مِلْكًا مُسْتَقِرًّا، وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ قَرِيبًا. (وَلَوْ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ
عُرِفَ بِغِنًى أَوْ ادَّعَى إنْسَانٌ أَنَّهُ مُكَاتَبٌ، أَوْ غَارِمٌ لِنَفْسِهِ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ مَا يَدَّعِيهِ وَبَرَاءَةُ الذِّمَّةِ (بِخِلَافِ غَازٍ) فَإِذَا ادَّعَى إرَادَةَ الْغَزْوِ أُعْطِيَ مُرَاعًى وَكَذَا لَوْ ادَّعَى ابْنُ السَّبِيلِ إرَادَةَ الْعَوْدِ وَتَقَدَّمَ. (وَيَكْفِي اشْتِهَارُ الْغُرْمِ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ) أَيْ اسْتِفَاضَةٌ، فَتَقُومُ مَقَامَ الْبَيِّنَةِ بِهِ (فَإِنْ خَفِيَ) الْغُرْمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ (لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ (وَالْبَيِّنَةُ فِيمَنْ عُرِفَ بِغِنًى ثَلَاثَةُ رِجَالٍ) لِمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ قَبِيصَةَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ الْمَسْأَلَةُ إلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَشْهَدَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ صَدَّقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ) قُبِلَ وَأُعْطِيَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْعَبْدِ لِلسَّيِّدِ إذَا أَقَرَّ بِانْتِقَالِ حَقِّهِ عَنْهُ قُبِلَ (أَوْ) صَدَّقَ (الْغَارِمَ غَرِيمُهُ قُبِلَ وَأُعْطِيَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكَاتَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يُقْبَلُ لِجَوَازِ تَوَاطُئِهِمَا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ. (وَإِنْ ادَّعَى الْفَقْرَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالْغِنَى قُبِلَ) قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِصْحَابُ الْحَالِ السَّابِقَةِ، وَالظَّاهِرُ صِدْقُهُ (وَإِنْ كَانَ جَلْدًا) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ، أَيْ شَدِيدًا قَوِيًّا (وَعُرِفَ لَهُ كَسْبٌ) يَكْفِيهِ (لَمْ يَجُزْ إعْطَاؤُهُ وَلَوْ لَمْ يَمْلِكْ شَيْئًا) ؛ لِأَنَّهُ غَنِيٌّ بِكَسْبِهِ (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ) لَهُ مَالٌ (وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا كَسْبَ لَهُ أَعْطَاهُ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُحَلِّفْ عَلَى ذَلِكَ (إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَذِبَهُ) فَإِنْ عَلِمَهُ لَمْ يُعْطِهِ؛ لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَخْذِهَا (بَعْدَ أَنْ يُخْبِرَهُ وُجُوبًا فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ (أَنَّهُ لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ سَأَلَاهُ، وَلَمْ يُحَلِّفْهُمَا. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ أَنَّهُ قَالَ «أَتَيْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْنَاهُ مِنْ الصَّدَقَةِ فَصَعَّدَ فِينَا النَّظَرَ، فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: إنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَإِنْ رَآهُ مُتَجَمِّلًا قُبِلَ قَوْلُهُ أَيْضًا) إنَّهُ فَقِيرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْغِنَى، قَالَ تَعَالَى {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] . (لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهَا زَكَاةٌ) وَإِنْ رَآهُ ظَاهِرَ الْمَسْأَلَةِ أَعْطَاهُ مِنْهَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ (وَالْقُدْرَةُ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ بِالْبُضْعِ لَيْسَ بِغَنِيٍّ مُعْتَبَرٍ فَلَا تُمْنَعُ الْمَرْأَةُ)
الْفَقِيرَةُ (مِنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ إذَا كَانَتْ مِمَّنْ يُرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا، وَتَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِ الْمَهْرِ بِالنِّكَاحِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يُقْصَدُ لِلْمَالِ، بَلْ لِلسَّكَنِ وَالْإِيوَاءِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهَا رَغْبَةٌ فِيهِ. (وَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ) كَرَجُلٍ سَأَلَ الْخُلْعَ أَوْ الطَّلَاقَ عَلَى عِوَضٍ، أَوْ الصُّلْحَ عَنْ دَمِ عَمْدٍ عَلَى مَالٍ (وَكَذَا لَوْ أَفْلَسَتْ) لَا تُجْبَرُ عَلَى النِّكَاحِ لِوَفَاءِ دَيْنِهَا (أَوْ كَانَ لَهَا أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ إلَى النَّفَقَةِ) فَلَا تُجْبَرُ عَلَى التَّزَوُّجِ لِذَلِكَ. (وَتَقَدَّمَ: إذَا تَفَرَّغَ الْقَادِرُ) عَلَى التَّكَسُّبِ (لِطَلَبِ الْعِلْمِ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ) بَيْنَ طَلَبِ الْعِلْمِ وَالتَّكَسُّبِ (أَنَّهُ يُعْطَى) لَا إنْ تَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ لِقُصُورِ نَفْعِهَا (فَإِنْ ادَّعَى أَنَّ لَهُ عِيَالًا) لِيَأْخُذَ لَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ (قُلِّدَ) فِي ذَلِكَ (وَأُعْطِيَ) كِفَايَتَهُمْ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ صِدْقُهُ، وَتَشُقُّ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ لَا سِيَّمَا عَلَى الْغَرِيبِ، وَكَمَا يُقَلَّدُ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ. (وَمَنْ غَرِمَ) فِي مَعْصِيَةٍ كَشُرْبِ خَمْرٍ (أَوْ سَافَرَ فِي مَعْصِيَةٍ) كَقَطْعِ طَرِيقٍ (لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَتُوبَ) لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ (وَكَذَا لَوْ سَافَرَ فِي مَكْرُوهٍ، أَوْ) سَافَرَ (نُزْهَةً) فَلَا يُدْفَعُ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إلَى هَذَا السَّفَرِ. (وَلَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ فِي الْمَعَاصِي حَتَّى افْتَقَرَ دُفِعَ إلَيْهِ مِنْ سَهْمِ الْفُقَرَاءِ) أَوْ الْمَسَاكِينِ، لِصِدْقِ اسْمِ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ عَلَيْهِ حِينَ الْأَخْذِ. (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (فِي الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ كُلِّهَا لِكُلِّ صِنْفٍ ثُمْنُهَا إنْ وَجَدَ) جَمِيعَ الْأَصْنَافِ (حَيْثُ وَجَبَ الْإِخْرَاجُ) ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَتَحْصِيلًا لِلْإِجْزَاءِ يَقِينًا (وَلَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَهَا السَّاعِي وَلَا) يَجِبُ (التَّعْدَادُ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ) أَيْ لَا يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ (كَالْعَامِلِ) عَلَى الزَّكَاةِ لَا يَجِبُ تَعَدُّدُهُ (فَلَوْ اقْتَصَرَ) رَبُّ الْمَالِ فِي دَفْعِ الزَّكَاةِ (عَلَى صِنْفٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ (أَوْ) اقْتَصَرَ عَلَى (وَاحِدٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ} [البقرة: 271] الْآيَةَ وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْيَمَنِ، وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِقَبِيصَةَ: «أَقِمْ عِنْدَنَا حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ، فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا» وَأَمَرَ بَنِي زُرَيْقٍ بِدَفْعِ صَدَقَتِهِمْ إلَى سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ وَلَوْ وَجَبَ الِاسْتِيعَابُ لَمْ يَجُزْ صَرْفُهَا إلَى وَاحِدٍ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ، وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَالْآيَةُ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ تُصْرَفُ إلَيْهِ لَا لِتَعْمِيمِهِمْ وَكَالْوَصِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ. (وَإِنْ فَرَّقَهَا رَبُّهَا أَوْ دَفَعَهَا إلَى الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى
الْقُطْرِ) أَيْ النَّاحِيَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا (نِيَابَةً شَامِلَةً لِقَبْضِ الزَّكَوَاتِ وَغَيْرِهَا، سَقَطَ سَهْمُ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْخُذَانِ كِفَايَتَهُمَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَالنِّيَابَةِ) فَلَا يَأْخُذَانِ مِنْ الزَّكَاةِ لِاسْتِغْنَائِهِمَا بِأَرْزَاقِهِمَا (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ. (وَلَيْسَ لِرَبِّ الْمَالِ وَلَا لِوَكِيلِهِ فِي تَفْرِقَتِهَا أَخْذُ نَصِيبِ الْعَامِلِ لِكَوْنِهِ فَعَلَ وَظِيفَةَ الْعَامِلِ) عَلَى الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَأْخُذُ فِي مُقَابَلَتِهِ عِوَضًا؛ وَلِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى عَامِلًا. (وَمَنْ فِيهِ سَبَبَانِ كَغَارِمٍ فَقِيرٍ أَخَذَ بِهِمَا) كَالْمِيرَاثِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ، لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا فِي الِاسْتِقْرَارِ وَغَيْرِهِ) قُلْتُ: مَفْهُومُهُ إنْ لَمْ تَخْتَلِفْ أَحْكَامُهُمَا، كَفَقِيرٍ مُؤَلَّفٍ، جَازَ أَنْ يُعْطَى بِأَحَدِهِمَا لَا بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ اخْتِلَافِ أَحْكَامِهِمَا. (وَإِنْ أُعْطَى بِهِمَا) أَيْ بِالسَّبَبَيْنِ (وَعَيَّنَ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرًا) فَعَلَى مَا عَيَّنَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ لِكُلِّ سَبَبٍ قَدْرًا (كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْإِضَافَةِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ) مَا ذُكِرَ مِنْ تَعْيِينِهِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَدْرًا أَوْ قَسْمِهِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ عِنْدَ عَدَمِهِ (لَوْ وُجِدَ مَا يُوجِبُ الرَّدَّ) كَمَا لَوْ أُبْرِئَ الْغَارِمُ فِي الْمِثَالِ فَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ لِلْغُرْمِ دُونَ الْفَقْرِ. (وَيُسْتَحَبُّ صَرْفُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الْقَرَابَةِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. (وَيُفَرِّقُهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (فِيهِمْ) أَيْ فِي أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ (عَلَى قَدْرِ حَاجَتِهِمْ) لِأَنَّهَا مُرَاعَاةٌ (وَلَوْ أَحْضَرَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْعَامِلِ مِنْ أَهْلِهِ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لِيَدْفَعَ إلَيْهِمْ زَكَاتَهُ دَفَعَهَا) الْعَامِلُ لَهُمْ (قَبْلَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) إنْ جَاءَ بِأَهْلِهِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خَلْطِهَا بِغَيْرِهَا فَ (هُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَلَا يُخْرِجُهُمْ مِنْهَا) ؛ لِأَنَّ فِيهَا مَا هُمْ بِهِ أَخَصُّ ذَكَرَهُ الْقَاضِي. (وَيُجْزِئُ السَّيِّدَ دَفْعُ زَكَاتِهِ إلَى مُكَاتَبِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مَعَهُ كَالْأَجْنَبِيِّ فِي جَرَيَانِ الرِّبَا بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الدَّفْعَ تَمْلِيكٌ وَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ فَإِذَا رَدَّهَا إلَى سَيِّدِهِ بِحُكْمِ الْوَفَاءِ جَازَ كَوَفَاءِ الْغَرِيمِ، وَقَيَّدَهُ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ بِأَنْ لَا يَكُونَ حِيلَةً. (وَ) يَجُوزُ أَيْضًا دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى غَرِيمِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ (لِيَقْضِيَ) بِهَا (دَيْنَهُ سَوَاءٌ دَفَعَهَا إلَيْهِ ابْتِدَاءً) قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ (أَوْ اسْتَوْفَى حَقَّهُ ثُمَّ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَقْضِيَ دَيْنَ الْمُقْرِضِ مَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً نَصًّا) قَالَ أَحْمَدُ إنْ كَانَ حِيلَةً فَلَا يُعْجِبُنِي وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ لَمْ يَصْلُحْ، وَلَا يَجُوزُ. (وَقَالَ أَيْضًا: إنْ أَرَادَ إحْيَاءَ مَالِهِ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: مَعْنَى الْحِيلَةِ، أَنْ يُعْطِيَهُ بِشَرْطِ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَمْلِيكًا صَحِيحًا فَإِذَا شَرَطَ
فصل دفع الزكاة إلى كافر
الرُّجُوعَ لَمْ يُوجَدْ) . وَقَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: إنَّهُ حَصَلَ مِنْ كَلَامِ أَحْمَدَ إذَا قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ اللَّهِ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى نَفْعِهِ (وَإِنْ رَدَّ الْغَرِيمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا قَبَضَهُ وَفَاءً عَنْ دَيْنِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ وَلَا مُوَاطَأَةٍ جَازَ) لِرَبِّ الْمَالِ (أَخْذُهُ) مِنْ دَيْنِهِ؛ لِأَنَّهُ بِسَبَبٍ مُتَجَدِّدٍ، كَالْإِرْثِ وَالْهِبَةِ. (وَيُقَدِّمُ الْأَقْرَبَ) فَالْأَقْرَبَ (وَالْأَحْوَجَ) فِيهِمْ فَالْأَحْوَجَ، مُرَاعَاةً لِلصِّلَةِ وَالْحَاجَةِ (وَإِنْ كَانَ الْأَجْنَبِيُّ أَحْوَجَ، فَلَا يُعْطَى الْقَرِيبُ وَيُمْنَعُ الْبَعِيدُ) ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ (بَلْ يُعْطَى الْجَمِيعُ) ؛ لِوُجُودِ الْحَاجَةِ فِيهِمْ. (وَلَا يُحَابِي) رَبُّ الْمَالِ (بِهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (قَرِيبَهُ، وَلَا يَدْفَعُ بِهَا مَذِمَّةً وَلَا يَسْتَخْدِمُ بِسَبَبِهَا قَرِيبًا وَلَا غَيْرَهُ، وَلَا يَقِي مَالَهُ بِهَا، كَقَوْمٍ عَوَّدَهُمْ بِرًّا مِنْ مَالِهِ، فَيُعْطِيهِمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِدَفْعِ مَا عَوَّدَهُمْ) قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: هَذَا إنْ كَانَ الْمُعْطَى غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلزَّكَاةِ لِأَنَّ الزَّكَاةَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ. (وَالْجَارُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَدِّمَ مِنْهُمْ الْأَقْرَبَ بَابًا فَالْأَقْرَبَ بَابًا (وَالْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْجَارِ، لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ (وَيُقَدَّمُ الْعَالِمُ وَالدَّيِّنُ عَلَى ضِدِّهِمَا وَكَذَا ذُو الْعَائِلَةِ) يُقَدَّمُ عَلَى ضِدِّهِ لِلْحَاجَةِ. وَمَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا لِتِجَارَةٍ قِيمَتُهُ نِصَابٌ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ إخْرَاجِ مَا فِيهِ، فَلَهُ دَفْعُهُ إلَيْهِ، مَا لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ. [فَصْلٌ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَى كَافِرٍ] (فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى كَافِرٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا وَحَدِيثُ مُعَاذٍ نَصٌّ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا مُوَاسَاةٌ تَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَلَمْ تَجِبْ لِلْكَافِرِ كَالنَّفَقَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَلَّفًا) فَيُعْطَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى تَأْلِيفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ) كَانَتْ (زَكَاةَ فِطْرٍ) فَلَا تُدْفَعُ إلَى كَافِرٍ كَزَكَاةِ الْمَالِ وَرُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ مَيْمُونٍ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ: أَنَّهُمْ يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى عَبْدٍ كَامِلِ الرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ سَيِّدُهُ فَقِيرًا) لِأَنَّ نَفَقَتَهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ، فَهُوَ غَنِيٌّ بِغِنَاهُ وَمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لَا يَمْلِكُهُ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ فَكَأَنَّهُ دُفِعَ إلَيْهِ. (وَأَمَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ فَيَأْخُذُ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ بِنِسْبَتِهِ مِنْ كِفَايَتِهِ) فَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ يَأْخُذُ تَمَامَ نِصْفِ كِفَايَتِهِ وَهَكَذَا (مَا لَمْ يَكُنْ) الْعَبْدُ (عَامِلًا) لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ أُجْرَةٌ يَسْتَحِقُّهَا
سَيِّدُهُ، وَالْمُرَادُ غَيْرُ الْمُكَاتَبِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى فَقِيرَةٍ لَهَا زَوْجٌ غَنِيٌّ) تَصِلُ نَفَقَتُهُ إلَيْهَا لِاسْتِغْنَائِهَا بِذَلِكَ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُهَا (إلَى عَمُودَيْ نَسَبِهِ فِي حَالٍ تَجِبُ نَفَقَتُهُمْ فِيهِ) عَلَيْهِ (أَوْ لَا تَجِبُ) نَفَقَتُهُمْ فِيهِ (وَرِثُوا أَوْ لَمْ يَرِثُوا، حَتَّى ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْهُمْ) كَأَبِي الْأُمِّ وَوَلَدِ الْبِنْتِ، قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْطِي الْوَالِدَيْنِ مِنْ الزَّكَاةِ وَلَا الْوَلَدُ وَلَا وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَا الْجَدُّ وَلَا الْجَدَّةُ وَلَا وَلَدُ الْبِنْتِ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ» يَعْنِي الْحَسَنَ، فَجَعَلَهُ ابْنَهُ لِأَنَّهُ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِهِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ اتِّصَالُ مَنَافِعِ الْمِلْكِ بَيْنَهُمَا عَادَةً فَيَكُونُ صَارِفًا لِنَفْسِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ قَبُولِ شَهَادَةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ. (وَلَوْ) كَانَ أَحَدُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ أَخَذَ (فِي غُرْمٍ لِنَفْسِهِ) بِأَنْ تَدَايَنَ دَيْنًا ثُمَّ أَخَذَ وَفَاءَهُ مِنْ زَكَاةِ أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ، وَإِنْ عَلَا أَوْ نَزَلَ (أَوْ فِي كِتَابِهِ أَوْ كَانَ) أَحَدُ عَمُودَيْ نَسَبِهِ (ابْنَ سَبِيلٍ) لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إنَّمَا يَأْخُذُونَ مَعَ الْفَقْرِ فَأَشْبَهَ الْأَخْذَ لِلْفَقْرِ (مَا لَمْ يَكُونُوا عُمَّالًا) عَلَى الزَّكَاةِ فَلَهُمْ الْأَخْذُ لِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ أُجْرَةَ عَمَلِهِمْ، مَا لَوْ اُسْتُعْمِلُوا عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ (أَوْ) يَكُونُوا (مُؤَلَّفَةً) فَيُعْطَوْنَ لِلتَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ أَشْبَهُوا الْأَجَانِبَ (أَوْ) يَكُونُوا (غُزَاةً) لِأَنَّ الْغُزَاةَ لَهُمْ الْأَخْذُ مَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ فَأَشْبَهُوا الْعَامِلِينَ (أَوْ) يَكُونُوا (غَارِمِينَ) لِإِصْلَاحِ (ذَاتِ الْبَيْنِ) لِجَوَازِ أَخْذِهِمْ مَعَ غِنَاهُمْ، وَلِأَنَّهُ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ. (وَلَا) يُجْزِئُ الْمَرْأَةَ دَفْعُ زَكَاتِهَا (إلَى الزَّوْجِ) لِأَنَّهَا تَعُودُ إلَيْهَا بِإِنْفَاقِهِ عَلَيْهَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَلْ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ دَفْعُ زَكَاتِهَا إلَى زَوْجِهَا؟ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وَالشَّيْخُ وَغَيْرُهُمْ وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ أَمْ لَا؟ اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْخِرَقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَلَا) يَجُوزُ لِلزَّوْجِ دَفْعُ زَكَاتِهِ (إلَى الزَّوْجَةِ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ الرَّجُلَ لَا يُعْطِي زَوْجَتَهُ مِنْ الزَّكَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ فَتَسْتَغْنِي بِهَا عَنْ أَخْذِ الزَّكَاةِ فَلَمْ يَجُزْ دَفْعُهَا إلَيْهَا كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهَا عَلَى سَبِيلِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا. (وَلَوْ لَمْ تَكُنْ) الزَّوْجَةُ (فِي مُؤْنَتِهِ كَنَاشِزٍ) وَغَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا؛ لِأَنَّهَا تَؤَوَّلُ إلَى الْعَوْدِ فِي مُؤْنَتِهِ (وَكَذَا عَبْدُهُ الْمَغْصُوبُ) فَلَا يُجْزِئُ الدَّفْعُ إلَيْهِ كَمَا فِي غَيْرِ حَالِ الْغَصْبِ. (وَلَا لِبَنِي هَاشِمٍ كَالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُمْ) أَيْ بَنُو هَاشِمٍ (مَنْ كَانَ مِنْ سُلَالَةِ هَاشِمٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ آلُ عَبَّاسِ) بْنِ عَبْدِ
الْمُطَّلِبِ (وَآلُ عَلِيٍّ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَقِيلٍ) بَنِي أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. (وَآلُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَآلُ أَبِي لَهَبِ) بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ بَنِي هَاشِمٍ لَا تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَنْبَغِي لِآلِ مُحَمَّدٍ وَإِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَخَذَ الْحَسَنُ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كِخْ كِخْ لِيَطْرَحَهَا وَقَالَ أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَوَاءٌ أُعْطُوا مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ أَوْ لَمْ يُعْطَوْا لِعُمُومِ النُّصُوصِ؛ وَلِأَنَّ مَنْعَهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِشَرَفِهِمْ، وَشَرَفُهُمْ بَاقٍ فَيَبْقَى الْمَنْعُ (مَا لَمْ يَكُونُوا) أَيْ بَنُو هَاشِمٍ (غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ) فَلَهُمْ الْأَخْذُ لِذَلِكَ، لِجَوَازِ الْأَخْذِ لِذَلِكَ مَعَ الْغِنَى وَعَدَمِ الْمِنَّةِ فِيهِ (وَاخْتَارَ الشَّيْخُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي يَعْقُوبُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَالَهُ أَبُو يُوسُفَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ (جَوَازُ أَخْذِهِمْ إنْ مُنِعُوا الْخُمْسَ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ حَاجَةٍ وَضَرُورَةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: وَيَجُوزُ لِبَنِي هَاشِمٍ الْأَخْذُ مِنْ زَكَاةِ الْهَاشِمِيِّينَ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى وَلَدِ هَاشِمِيَّةٍ مِنْ غَيْرِ هَاشِمِيٍّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَقَالَهُ الْقَاضِي اعْتِبَارًا بِالْأَبِ) وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لَا يَجُوزُ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ «ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (لِمَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ) وَهُمْ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، لِمَا رَوَى أَبُو رَافِعٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا فَقَالَ: لَا حَتَّى آتِيَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَسْأَلَهُ فَانْطَلَقَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلَهُ فَقَالَ: إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ وَإِنَّ مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (لِمَوَالِي مَوَالِيهِمْ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا مِنْ مَوَالِيهِمْ (وَلَهُمْ) أَيْ لِبَنِي هَاشِمٍ وَمَوَالِيهِمْ (الْأَخْذُ مِنْ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ) لِأَنَّهُمْ إنَّمَا مُنِعُوا مِنْ الزَّكَاةِ لِكَوْنِهَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ كَمَا سَبَقَ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ (إلَّا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) فَإِنَّ الصَّدَقَةَ
كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ مُطْلَقًا فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا؛ لِأَنَّ اجْتِنَابَهَا كَانَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ، وَعَلَامَاتِهَا، فَلَمْ يَجُزْ الْإِخْلَالُ بِهِ فَرُوِيَ فِي حَدِيثِ سَلْمَانَ أَنَّ الَّذِي أَخْبَرَهُ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَصَفَهُ لَهُ قَالَ: إنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ وَأَكَلَ مَعَهُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَمَّا مُنِعُوا فَرْضَ الصَّدَقَةِ لِشَرَفِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ وَجَبَ أَنْ يُنَزَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ نَفْلِهَا وَفَرْضِهَا لِشَرَفِهِ عَلَى الْخَلْقِ كُلِّهِمْ تَمْيِيزًا لَهُ بِذَلِكَ كَمَا خُصَّ مَعَ خُمْسِ الْخُمْسِ بِالصَّفِيِّ مِنْ الْمَغْنَمِ، وَبِالْإِسْهَامِ لَهُ مَعَ غَيْبَتِهِ مِنْ الْمَغَانِمِ. قَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَلَا خِلَافَ نَعْلَمُهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتَرِضَ، وَلَا أَنْ يُهْدَى لَهُ أَوْ يُنْظَرَ بِدَيْنِهِ، أَوْ يُوضَعَ عَنْهُ، أَوْ يَشْرَبَ مِنْ سِقَايَةٍ مَوْقُوفَةٍ عَلَى الْمَارَّةِ، أَوْ يَأْوِيَ إلَى مَكَان جُعِلَ لِلْمَارَّةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعْرُوفِ الَّتِي لَا غَضَاضَةَ فِيهَا، وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهَا فِي حَقِّ الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، وَإِنْ كَانَ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ» (وَ) لَبَنِي هَاشِمٍ غَيْرَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَخْذُ مِنْ (وَصَايَا الْفُقَرَاءِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَمِنْ نَذْرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمَا اسْمُ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرَةِ وَالْوُجُوبُ عَنْ الْآدَمِيِّ أَشْبَهَ الْهِبَةَ وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُمْ الْأَخْذُ مِنْ (كَفَّارَةٍ) لِوُجُوبِهَا بِالشَّرْعِ كَالزَّكَاةِ. (وَلَا يَحْرُمُ) أَخْذُ الزَّكَاةِ (عَلَى أَزْوَاجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ) وَلِلْأَصْحَابِ (كَمَوَالِيهِنَّ) لِدُخُولِهِمْ فِي عُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَعَدَمُ الْمُخَصِّصِ. وَفِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ " أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ أَرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ بِسُفْرَةٍ مِنْ الصَّدَقَةِ فَرَدَّتْهَا وَقَالَتْ: إنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ " رَوَاهُ الْخَلَّالُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يُذْكَرْ مَا يُخَالِفُهُ، مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا هَذَا فِي الْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي تَحْرِيمِ الزَّكَاةِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ، وَأَنَّهُنَّ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ وَرَدَّهُ الْمَجْدُ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا يُجْزِئُ دَفْعُهَا) أَيْ الزَّكَاةِ (إلَى سَائِرِ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ مِنْ أَقَارِبِهِ) أَوْ مَوَالِيهِ (مِمَّنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ لَهُ تَعْصِيبُ نَسَبٍ،
أَوْ وَلَاءٍ كَأَخٍ وَابْنِ عَمٍّ) وَعَتِيقٍ، لِغِنَائِهِ بِوُجُوبِ النَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ نَفْعَهَا يَعُودُ إلَى الدَّافِعِ؛ لِكَوْنِهِ يُسْقِطُ النَّفَقَةَ عَنْهُ كَعَبْدِهِ (مَا لَمْ يَكُونُوا عُمَّالًا، أَوْ غُزَاةً، أَوْ مُؤَلَّفَةً أَوْ مُكَاتَبِينَ أَوْ أَبْنَاءَ سَبِيلٍ، أَوْ غَارِمِينَ لِذَاتِ الْبَيْنِ) قَالَ الْمَجْدُ: لَا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ أَنَّهُ يُعْطَى لِغَيْرِ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ نَحْوَ كَوْنِهِ غَارِمًا، أَوْ مُكَاتَبًا، أَوْ ابْنَ سَبِيلٍ بِخِلَافِ عَمُودَيْ النَّسَبِ لِقُوَّةِ الْقَرَابَةِ انْتَهَى، وَأَمَّا إذَا كَانُوا عُمَّالًا أَوْ غُزَاةً أَوْ مُؤَلَّفَةً فَتَقَدَّمَ أَنَّ عَمُودَيْ النَّسَبِ يُعْطَوْنَ لِذَلِكَ، فَهَؤُلَاءِ أَوْلَى (فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ وَالْآخَرُ لَا يَرِثُهُ، كَعَتِيقٍ وَمُعْتِقِهِ) فَإِنَّ الْمُعْتِقَ يَرِثُ الْعَتِيقَ بِخِلَافِ عَكْسِهِ. (وَ) ك (أَخَوَيْنِ لِأَحَدِهِمَا ابْنٌ وَنَحْوُهُ) كَابْنِ ابْنٍ فَذٍّ، وَالِابْنُ يَرِثُ الْآخَرَ دُونَ عَكْسِهِ، وَكَعَمَّةٍ مَعَ ابْنِ أُخْتِهَا (فَالْوَارِثُ مِنْهُمَا تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، فَلَا يَدْفَعُ زَكَاتَهُ إلَى الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَغَيْرُ الْوَارِثِ يَجُوزُ) لَهُ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاتَهُ إلَى الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ. (وَلَا) يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى فَقِيرٍ وَمِسْكِينٍ مُسْتَغْنِيَيْنِ بِنَفَقَةٍ لَازِمَةٍ) لِغِنَاهُمَا بِمَا يَجِبُ لَهُمَا عَلَى وَارِثِهِمَا، كَالزَّوْجَةِ (فَإِنْ تَعَذَّرَتْ النَّفَقَةُ) عَلَى الزَّوْجَةِ الْفَقِيرَةِ أَوْ الْفَقِيرِ أَوْ الْمِسْكِينِ (مِنْ زَوْجٍ أَوْ قَرِيبٍ بِغَيْبَةٍ أَوْ امْتِنَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ كَمَنْ غُصِبَ مَالُهُ أَوْ تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ عَقَارِهِ جَازَ) لَهُمْ (الْأَخْذُ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ. (وَيَجُوزُ) دَفْعُ الزَّكَاةِ (إلَى بَنِي الْمُطَّلِبِ) وَمَوَالِيهمْ لِعُمُومِ آيَةِ الصَّدَقَاتِ، خَرَجَ مِنْهُ بَنُو هَاشِمٍ بِالنَّصِّ فَيَبْقَى مَنْ عَدَاهُمْ عَلَى الْأَصْلِ وَلِأَنَّ بَنِي الْمُطَّلِبِ فِي دَرَجَةِ بَنِي أُمَيَّةَ وَهُمْ لَا تَحْرُمُ الزَّكَاةُ عَلَيْهِمْ فَكَذَا هُمْ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّهُمْ أَشْرَفُ وَأَقْرَبُ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُشَارَكَةُ بَنِي الْمُطَّلِبِ لَهُمْ فِي خُمْسِ الْخُمْسِ مَا اسْتَحَقُّوهُ بِمُجَرَّدِ الْقَرَابَةِ، بَلْ بِالنُّصْرَةِ، أَوْ بِهِمَا جَمِيعًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ «لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إسْلَامٍ» بِدَلِيلِ مَنْعِ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ مِنْ خُمْسِ الْخُمْسِ مَعَ مُسَاوَاتِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ، وَالنُّصْرَةُ لَا تَقْتَضِي حِرْمَانَ الزَّكَاةِ. (وَلَهُ) أَيْ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ (الدَّفْعُ) مِنْهَا (إلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ كَعَمَّتِهِ وَبِنْتِ أَخِيهِ غَيْرَ عَمُودَيْ نَسَبِهِ) فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الدَّفْعُ إلَيْهِمْ، وَيَجُوزُ إعْطَاءُ ذَوِي الرَّحِمِ غَيْرَهُمْ. (وَلَوْ وَرِثُوا) الْمُزَكِّيَ (لِضَعْفِ قَرَابَتِهِمْ) لِكَوْنِهِمْ لَا يَرِثُونَ بِهَا مَعَ عَصَبَةٍ وَلَا ذِي فَرْضٍ غَيْرِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ (وَإِنْ تَبَرَّعَ) الْمُزَكِّي (بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ) لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (أَوْ) بِنَفَقَةِ (يَتِيمٍ أَوْ غَيْرِهِ) مِنْ الْأَجَانِبِ (ضَمَّهُ إلَى عِيَالِهِ، جَازَ دَفْعُهَا إلَيْهِ) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى. (وَكُلُّ
مَنْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِمَا سَبَقَ) كَكَوْنِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَوْ غَنِيًّا أَوْ مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمُزَكِّي وَنَحْوِهِ (فَلَهُ قَبُولُهَا هَدِيَّةً مِمَّنْ أَخَذَهَا مِنْ أَهْلِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ، لِعَامِلٍ أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكَلَ مِمَّا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى أُمِّ عَطِيَّةَ وَقَالَ: «إنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحَلَّهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقِيسَ الْبَاقِي عَلَى ذَلِكَ. (وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِي) جَوَازِ (أَخْذِ الزَّكَاةِ) عِنْدَ وُجُودِ الْمُقْتَضَى (وَ) فِي (عَدَمِهِ) مَعَ الْمَانِعِ (سَوَاءٌ) لِلْعُمُومَاتِ مَعَ عَدَمِ الْمُخَصِّصِ. (وَالصَّغِيرُ) مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ (وَلَوْ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ كَالْكَبِيرِ) مِنْهُمْ لِلْعُمُومِ (فَيُصْرَفُ ذَلِكَ) أَيْ مَا يُعْطَاهُ مِنْ الزَّكَاةِ (فِي أُجْرَةِ رَضَاعِهِ وَكِسْوَتِهِ وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) مِنْ مَصَالِحِهِ (وَيَقْبَلُ) لَهُ وَلِيُّهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَالنَّذْرَ وَالْهِبَةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ. (وَيَقْبِضُ لَهُ) أَيْ لِلصَّغِيرِ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ الزَّكَاةِ (وَلَوْ مُمَيِّزًا مِنْ هِبَةٍ وَكَفَّارَةٍ) وَنَذْرٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ (مَنْ يَلِي مَالَهُ وَهُوَ وَلِيُّهُ) فِي مَالِهِ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ (أَوْ وَكِيلُ وَلِيِّهِ الْأَمِينُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ وَلِيِّهِ. (وَفِي الْمُغْنِي: يَصِحُّ قَبْضُ الْمُمَيِّز انْتَهَى، وَعِنْدَ عَدَمِ الْوَلِيِّ يَقْبِضُ لَهُ) أَيْ لِلصَّغِيرِ (مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا نَصًّا) نَقَلَ هَارُونُ الْحَمَّالُ فِي الصِّغَارِ: يُعْطَى أَوْلِيَاؤُهُمْ، فَقُلْتُ: لَيْسَ لَهُمْ وَلِيٌّ قَالَ: يُعْطَى مَنْ يُعْنَى بِأَمْرِهِمْ وَنَقَلَ مُهَنَّا فِي الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ: يَقْبِضُ لَهُ وَلِيُّهُ قُلْت: لَيْسَ لَهُ وَلِيٌّ قَالَ: الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ حِفْظَهُ عَنْ الضَّيَاعِ وَالْهَلَاكِ أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الْوَلَايَةِ. (وَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الزَّكَاةِ إلَّا لِمَنْ يَعْلَمُ) أَنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا (أَوْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا؛) لِأَنَّهُ لَا يَبْرَأُ بِالدَّفْعِ إلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا فَاحْتَاجَ إلَى الْعِلْمِ بِهِ لِتَحْصُلَ الْبَرَاءَةُ، وَالظَّنُّ يَقُومُ مَقَامَ الْعِلْمِ لِتَعَذُّرِ أَوْ عُسْرِ الْوُصُولِ إلَيْهِ (فَلَوْ لَمْ يَظُنَّهُ مِنْ أَهْلِهَا فَدَفَعَهَا إلَيْهِ ثُمَّ بَانَ مِنْ أَهْلِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ) الدَّفْعُ إلَيْهِ كَمَا لَوْ هَجَمَ وَصَلَّى فَبَانَ فِي الْوَقْتِ (فَإِنْ دَفَعَهَا) أَيْ الزَّكَاةَ (إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لِكُفْرٍ أَوْ شَرَفٍ) أَيْ لِكَوْنِهِ هَاشِمِيًّا أَوْ مَوْلًى لَهُ (أَوْ كَوْنِهِ عَبْدًا) غَيْرَ مُكَاتَبٍ وَلَا عَامِلٍ (أَوْ) لِكَوْنِهِ (قَرِيبًا) مِنْ عَمُودَيْ نَسَبِ الْمُزَكِّي أَوْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لِكَوْنِهِ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ (وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) عَدَمَ اسْتِحْقَاقِهِ (ثُمَّ عَلِمَ) ذَلِكَ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ وَلَا يَخْفَى حَالُهُ غَالِبًا فَلَمْ يُعْذَرْ بِجَهَالَتِهِ كَدَيْنِ الْآدَمِيِّ (وَيَسْتَرِدُّهَا رَبُّهَا بِزِيَادَتِهَا مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ
فصل صدقة التطوع
أَوْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ. (وَإِنْ تَلِفَتْ) الزَّكَاةُ (فِي يَدِ الْقَابِضِ) لَهَا مَعَ عَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ لِمَا سَبَقَ (ضَمِنَهَا لِعَدَمِ مِلْكِهِ) لَهَا (بِهَذَا الْقَبْضِ وَهُوَ قَبْضٌ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبْضُهُ) لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ (وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ) لِلزَّكَاةِ إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا (الْإِمَام أَوْ السَّاعِي ضَمِنَ) لِتَفْرِيطِهِ (إلَّا إذَا بَانَ) الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ (غَنِيًّا) فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا نَائِبِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْفَى غَالِبًا بِخِلَافِ الْكُفْرِ وَنَحْوِهِ. (وَالْكَفَّارَةُ كَالزَّكَاةِ فِيمَا تَقَدَّمَ) فَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَّا لِمَنْ يَعْلَمُهُ أَوْ يَظُنُّهُ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا لَمْ تُجْزِئْهُ إلَّا لِغَنِيٍّ إذَا ظَنَّهُ فَقِيرًا. (وَلَوْ دَفَعَ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ إلَى غَنِيٍّ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ) غِنَاهُ (لَمْ يَرْجِعْ) لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الثَّوَابُ وَلَمْ يَفُتْ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ إذَا دَفَعَهَا لِكَافِرٍ وَنَحْوِهِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إبْرَاءُ الذِّمَّةِ بِالزَّكَاةِ وَلَمْ يَحْصُلْ فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ (فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ مِنْ الزَّكَاةِ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا أَجْزَأَتْ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى الرَّجُلَيْنِ الْجَلْدَيْنِ وَقَالَ: «وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا قَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» وَلَوْ اعْتَبَرَ حَقِيقَةَ انْتِفَاءِ الْغَنِيِّ لَمَا اكْتَفَى بِقَوْلِهَا؛ وَلِأَنَّ الْغِنَى يَخْفَى وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «قَالَ رَجُلٌ: لَأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ عَنْ غَنِيٍّ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ تُقُبِّلَتْ فَلَعَلَّ الْغَنِيَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْحَدِيثَ» . [فَصْلٌ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ] (فَصْلٌ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ كُلَّ وَقْتٍ) إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِهَا وَرَغَّبَ فِيهَا وَحَثَّ عَلَيْهَا فَقَالَ {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ تَصَدَّقَ بِعِدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إلَيْهِ إلَّا طَيِّبٌ فَإِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ
الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (سِرًّا أَفْضَلُ) مِنْهَا جَهْرًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ ذَكَرَ مِنْهُمْ رَجُلًا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَ (بِطِيبِ نَفْسٍ) أَفْضَلُ مِنْهَا بِدُونِهِ وَ (فِي الصِّحَّةِ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ» (وَفِي رَمَضَانَ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجْوَدَ النَّاسِ وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ فِي الصَّدَقَةِ فِي رَمَضَانَ إعَانَةً عَلَى أَدَاءِ فَرِيضَةِ الصَّوْمِ (و) فِي (أَوْقَاتِ الْحَاجَةِ) أَفْضَلُ مِنْهَا فِي غَيْرِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} [البلد: 14] . (وَكُلِّ زَمَانٍ أَوْ مَكَان فَاضِلٍ كَالْعَشْرِ وَالْحَرَمَيْنِ) حَرَمِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَكَذَا الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِالْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ. (وَهِيَ) أَيْ الصَّدَقَةُ (عَلَى ذِي الرَّحِمِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» قَالَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ (لَا سِيَّمَا مَعَ الْعَدَاوَةِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَصِلُ مَنْ عَادَاكَ» (فَهِيَ عَلَيْهِ) أَيْ الْقَرِيبِ أَفْضَلُ (ثُمَّ عَلَى جَارٍ أَفْضَلُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ} [النساء: 36] وَلِحَدِيثِ «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» . وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَخُصَّ بِالصَّدَقَةِ مَنْ اشْتَدَّتْ حَاجَتُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى {أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 16] . (وَيُسْتَحَبُّ) صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ (بِالْفَاضِلِ عَنْ كِفَايَتِهِ وَ) عَنْ (كِفَايَةِ مَنْ يُمَوِّنُهُ دَائِمًا بِ) سَبَبِ (مَتْجَرٍ أَوْ غَلَّةِ مِلْكٍ) مِنْ ضَيْعَةٍ أَوْ عَقَارٍ (أَوْ وَقْفٍ أَوْ ضَيْعَةٍ) أَوْ عَطَاءٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. (وَإِنْ تَصَدَّقَ بِمَا يُنْقِصُ مُؤْنَةَ مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ، أَوْ أَضَرَّ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَرِيمِهِ
أَوْ كَفَالَتِهِ) أَيْ كَفَالَةٍ فِي مَالٍ أَوْ بَدَنٍ (أَثِمَ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «وَكَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالصَّدَقَةِ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِكَ، فَقَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِكَ، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِكَ قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: أَنْتَ أَبْصَرُ» رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد فَإِنْ وَافَقَهُ عِيَالُهُ عَلَى الْإِيثَارِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] . (وَمَنْ أَرَادَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلِّهِ وَهُوَ وَحْدَهُ) أَيْ لَا عِيَالَ لَهُ (وَيَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ حُسْنَ التَّوَكُّلِ) أَيْ الثِّقَةِ بِمَا عِنْدَ اللَّهِ وَالْيَأْسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ (وَالصَّبْرَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَلَهُ ذَلِكَ، أَيْ يُسْتَحَبُّ) لَهُ ذَلِكَ. (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ) مِنْ نَفْسِهِ (ذَلِكَ) أَيْ حُسْنَ التَّوَكُّلِ وَالصَّبْرِ، (حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ (وَيُمْنَعُ مِنْهُ وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ) لِتَبْذِيرِهِ رَوَى جَابِرٌ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ «جَاءَ رَجُلٌ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ هَذِهِ مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ رُكْنِهِ الْأَيْسَرِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ أَتَاهُ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَتْهُ لَأَوْجَعَتْهُ، أَوْ لَعَقَرَتْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَسْتَكِفُّ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَفِي رِوَايَةٍ «خُذْ مَالَكَ عَفَاءً لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ» (وَإِنْ كَانَ لَهُ عَائِلَةٌ، وَلَهُمْ كِفَايَةٌ أَوْ يَكْفِيهِمْ بِمَكْسَبِهِ جَازَ لِقِصَّةِ الصِّدِّيقِ) أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَهِيَ أَنَّهُ «جَاءَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ فَقَالَ: اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَكَانَ تَاجِرًا ذَا مَكْسَبٍ» فَإِنَّهُ قَالَ حِين وُلِّيَ: " قَدْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ مَكْسَبِي لَمْ يَكُنْ يَعْجَزُ عَنْ مُؤْنَةِ عِيَالِي " وَهَذَا يَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ كِفَايَةٌ وَلَمْ يَكْفِهِمْ بِمَكْسَبِهِ (فَلَا)
يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» . (وَيُكْرَهُ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ عَلَى الضِّيقِ أَوْ لَا عَادَةَ لَهُ بِهِ) أَيْ بِالضِّيقِ (أَنْ يَنْقُصَ عَنْ نَفْسِهِ الْكِفَايَةَ التَّامَّةَ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ التَّقْتِيرَ وَالتَّضْيِيقَ مَعَ الْقُدْرَةِ شُحٌّ وَبُخْلٌ نَهَى اللَّهُ عَنْهُ وَتَعَوَّذَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهُ، وَفِيهِ سُوءُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى. (وَالْفَقِيرُ لَا يَقْتَرِضُ وَيَتَصَدَّقُ) لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي فَقِيرٍ لِقَرِيبِهِ وَلِيمَةٌ يَسْتَقْرِضُ، وَيُهْدِي لَهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا ظَنَّ وَفَاءً. (وَوَفَاءُ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى الصَّدَقَةِ) لِوُجُوبِهِ. (وَتَجُوزُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ عَلَى الْكَافِرِ وَالْغَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ مُنِعَ الزَّكَاةَ (وَلَهُمْ أَخْذُهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] وَلَمْ يَكُنْ الْأَسِيرُ يَوْمَئِذٍ إلَّا كَافِرًا وَكَسَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا حُلَّةً كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَسَاهُ إيَّاهَا «وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ صِلِي أُمَّكِ» ، وَكَانَتْ قَدِمَتْ عَلَيْهَا مُشْرِكَةً. (وَيُسْتَحَبُّ التَّعَفُّفُ فَلَا يَأْخُذُ الْغَنِيُّ صَدَقَةً وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا) لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى مَدَحَ الْمُتَعَفِّفِينَ عَنْ السُّؤَالِ مَعَ وُجُودِ حَاجَتِهِمْ، فَقَالَ: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة: 273] (فَإِنْ أَخَذَهَا) الْغَنِيُّ (مُظْهِرًا لِلْفَاقَةِ حَرُمَ) عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْكَذِبِ وَالتَّغْرِيرِ وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» وَفِي لَفْظٍ: «إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَاَلَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيَحْرُمُ الْمَنُّ بِالصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ كَبِيرَةٌ، وَيَبْطُلُ الثَّوَابُ بِذَلِكَ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى} [البقرة: 264] قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ فِيهِ وَفِي بُطْلَانِ طَاعَةٍ بِمَعْصِيَةٍ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا الْإِحْبَاطَ بِمَعْنَى الْمُوَازَنَةِ وَذَكَرَ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ. (وَمَنْ أَخْرَجَ شَيْئًا يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ وَكَّلَ فِي ذَلِكَ) أَيْ الصَّدَقَةِ بِهِ (ثُمَّ بَدَا لَهُ) أَنْ لَا يَتَصَدَّقَ بِهِ (اُسْتُحِبَّ أَنْ يُمْضِيَهُ) وَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا الْمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ إلَّا بِقَبْضِهَا، وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ كَانَ إذَا
كتاب الصيام
أَخْرَجَ طَعَامًا لِسَائِلٍ فَلَمْ يَجِدْهُ عَزَلَهُ حَتَّى يَجِيءَ آخَرُ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ. (وَيَتَصَدَّقُ بِالْجَيِّدِ، وَلَا يَقْصِدُ الْخَبِيثَ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] . (وَأَفْضَلُهَا) أَيْ الصَّدَقَةِ (جَهْدُ الْمُقِلِّ) لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدٌ مِنْ مُقِلٍّ إلَى فَقِيرٍ فِي السِّرِّ» وَلَا يُعَارِضُهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» إذْ الْمُرَادُ جَهْدُ الْمُقِلِّ بَعْدَ حَاجَةِ عِيَالِهِ وَمَا يَلْزَمُهُ فَهِيَ جَهْدُهُ، وَعَنْ ظَهْرِ غِنًى مِنْهُ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ صَدَقَةٍ عَنْ ظَهْرِ غِنًى لَيْسَتْ جَهْدَ مُقِلٍّ. " تَتِمَّةٌ " لَا يُسَنُّ إبْدَالُ مَا أَعْطَى سَائِلًا فَسَخِطَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَنْ سَأَلَ فَأُعْطِي فَقَبَضَهُ فَسَخِطَهُ لَمْ يُعْطَ لِغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَفِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ ضَعِيفٌ، فَإِنْ صَحَّ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ فَعَلَهُ عُقُوبَةً وَيُحْتَمَلُ أَنَّ سُخْطَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَارُ تَمَلُّكَهُ فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ عَلَى أَصْلِنَا كَبِيَعِ التَّلْجِئَةِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي الْأَظْهَرِ: أَنَّ أَخْذَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ أَوْلَى مِنْ الزَّكَاةِ وَأَنَّ أَخْذَهَا سِرًّا أَوْلَى،. [كِتَابُ الصِّيَامِ] (كِتَابُ الصِّيَامِ) مَصْدَرُ صَامَ كَالصَّوْمِ (وَهُوَ) لُغَةً الْإِمْسَاكُ، وَمِنْهُ {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم: 26] وَقَوْلُ الشَّاعِرِ: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يُقَالُ لِلْفَرَسِ: صَائِمٌ إذَا أَمْسَكَ عَنْ الْعَلَفِ، مَعَ الْقِيَامِ، أَوْ عَنْ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ: صَامَتْ الرِّيحُ، إذَا أَمْسَكَتْ عَنْ الْهُبُوبِ و (شَرْعًا إمْسَاكٌ عَنْ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ) هِيَ مُفْسِدَاتُهُ الْآتِيَةُ فِي الْبَابِ بَعْدَهُ (بِنِيَّةٍ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ) ، وَهُوَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، (مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ) وَهُوَ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ غَيْرَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ. (صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ) مِنْ كُلِّ عَامٍ (أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَفُرُوضِهِ) الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» الْحَدِيثَ (فُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ) إجْمَاعًا (فَصَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ) إجْمَاعًا. (وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرُ رَمَضَانَ) كَمَا قَالَ تَعَالَى {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة: 185] (وَلَا يُكْرَهُ قَوْلُ رَمَضَانَ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ) لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَذَكَرَ الْمُوَفَّقُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إلَّا مَعَ قَرِينَةِ الشَّهْرِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا: يُكْرَهُ. وَفِي الْمُنْتَخَبِ: لَا يَجُوزُ، لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى» وَقَدْ ضُعِّفَ وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَوْضُوعٌ وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ، وَالرَّمْضَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ، وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنْ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ وَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يُحَرِّقُ الذُّنُوبَ وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ، وَجَمْعُهُ: رَمَضَانَاتٌ وَأَرْمِضَةٌ، وَرَمَاضِينُ وَأَرْمُضٌ وَرَمَاضٌ وَرَمَاضِيّ وَأَرَامِيضُ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلنَّاسِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنْ يَتَرَاءُوا هِلَالَ رَمَضَانَ وَيَجِبُ صَوْمُهُ) أَيْ شَهْرِ رَمَضَانَ (بِرُؤْيَةِ هِلَالِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} [البقرة: 183]- إلَى قَوْلِهِ - {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] وَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ إذَنْ (فَإِنْ لَمْ يُرَ) الْهِلَالَ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (مَعَ الصَّحْوِ كَمَّلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامُوا) بِغَيْرِ خِلَافٍ وَصَلُّوا التَّرَاوِيحَ كَمَا لَوْ رَأَوْهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. وَيُسْتَحَبُّ تَرَائِي الْهِلَالِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَحِذَارًا مِنْ الِاخْتِلَافِ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَحَفَّظُ فِي شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ فِي غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ كَبَّرَ ثَلَاثًا وَقَالَ " اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ " وَيَقُولُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: هِلَالَ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، وَيَقُولُ: " آمَنْتُ بِاَلَّذِي خَلَقَكَ " ثُمَّ يَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ بِشَهْرِ كَذَا وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا " قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» . (وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ) أَيْ مَطْلِعِ الْهِلَالِ
(غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ أَوْ غَيْرُهُمَا) كَالدُّخَانِ، وَالْقَتَرُ وَالْقَتَرَةُ مُحَرَّكَتَيْنِ: الْغَبَرَةُ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَجِبْ صَوْمُهُ قَبْلَ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ) يَوْمًا (نَصًّا، وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعِهِ) كَصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، (وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَأَصْحَابُهُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ فِي الْفَائِقِ وَصَاحِبُ التَّبْصِرَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَنْصُوصُ الصَّرِيحُ عَنْهُ، وَقَالَ: لَا أَصْلَ لِلْوُجُوبِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَرَدَّ صَاحِبُ الْفُرُوعِ جَمِيعَ مَا احْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ لِلْوُجُوبِ وَقَالَ: لَمْ أَجِدْ عَنْ أَحْمَدَ كَلَامًا صَرِيحًا بِالْوُجُوبِ وَلَا أَمَرَ بِهِ فَلَا يَتَوَجَّهُ إضَافَتُهُ إلَيْهِ انْتَهَى. لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعَا: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمُ شَكٍّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ الشَّهْرِ، فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْهُ بِالشَّكِّ (وَالْمَذْهَبُ: يَجِبُ صَوْمُهُ) أَيْ صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ حَالَ دُونَ مَطْلَعِهِ غَيْمٌ أَوْ قَتَرٌ وَنَحْوُهُمَا (بِنِيَّةِ رَمَضَانَ حُكْمًا ظَنِّيًّا بِوُجُوبِهِ احْتِيَاطًا لَا يَقِينًا) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَأَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا وَنُصُوصُ أَحْمَدَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ التَّابِعِينَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى " فَاقْدُرُوا لَهُ " أَيْ: ضَيِّقُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطلاق: 7] أَيْ: ضُيِّقَ وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ شَعْبَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اُقْدُرُوا زَمَانًا يَطْلُعُ فِي مِثْلِهِ الْهِلَالُ، وَهَذَا الزَّمَانُ يَصِحُّ وُجُودُهُ فِيهِ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: فَاعْلَمُوا مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ أَنَّهُ تَحْتَ الْغَيْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ} [النمل: 57] أَيْ: عَلِمْنَاهَا. مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا: الشَّهْرُ أَصْلُهُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ: " كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا بَعَثَ مَنْ يَنْظُرُ لَهُ فَإِنْ رَآهُ فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ
وَلَا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا "، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ رَاوِي الْخَبَرِ وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ فَتَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي تَفْسِيرِ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ: " لَأَنْ أَصُومَ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ "؛ وَلِأَنَّهُ يَحْتَاطُ لَهُ، وَيَجِبُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَأُجِيبَ عَنْ الْأَوَّلِ بِأَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ وَقَدْ خَالَفَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ» وَرِوَايَتُهُ أَوْلَى؛ لِإِمَامَتِهِ وَاشْتِهَارِ عَدَالَتِهِ وَثِقَتِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِرَأْيِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ذِكْرُ شَعْبَانَ فِيهِ مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ أَبِي إيَاسٍ، وَلَيْسَ هُوَ بِيَوْمِ شَكٍّ كَمَا يَأْتِي (وَيُجْزِئُهُ) صَوْمُ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ حِينَئِذٍ (إنْ بَانَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ بِأَنْ ثَبَتَتْ رُؤْيَتُهُ بِمَكَانٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ صِيَامَهُ وَقَعَ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ قِيلَ لِلْقَاضِي: لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَمَعَ الشَّكِّ فِيهَا لَا يَجْزِمُ بِهَا فَقَالَ: لَا يُمْنَعُ التَّرَدُّدُ فِيهَا لِلْحَاجَةِ كَالْأَسِيرِ وَصَلَاةٍ مِنْ خَمْسٍ. (وَيُصَلِّي التَّرَاوِيحَ لَيْلَتَهُ) إذَنْ (احْتِيَاطًا لِلسُّنَّةِ) قَالَ أَحْمَدُ: الْقِيَامُ قَبْلَ الصِّيَامِ (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ تَوَابِعُهُ) أَيْ: الصَّوْمِ (مِنْ وُجُوبِ كَفَّارَةٍ بِوَطْءٍ فِيهِ وَنَحْوِهِ) كَوُجُوبِ الْإِمْسَاكِ عَلَى مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ، وَنَحْوِهِ لِتَبَعِيَّتِهَا لِلصَّوْمِ (مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ) بِأَنْ لَمْ يُزْمِعْ الصَّحْوُ هِلَالَ شَوَّالٍ بَعْدَ ثَلَاثِينَ لَيْلَةٍ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي غُمَّ فِيهَا هِلَالُ رَمَضَانَ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ بِالْوَطْءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ (وَلَا تَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ مِنْ حُلُولِ الْآجَالِ وَوُقُوعِ الْمُعَلَّقَاتِ) مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ. (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ خُولِفَ لِلنَّصِّ، وَاحْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ عَامَّةً. " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْبُعْدُ مَانِعٌ كَالْغَيْمِ فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ حَنْبَلِيٍّ يَصُومُ مَعَ الْغَيْمِ أَنْ يَصُومَ مَعَ الْبُعْدِ لِاحْتِمَالِهِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الْمُرَادُ بِالْبُعْدِ الْبُعْدُ الَّذِي يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ كَالْمَطْمُورِ وَالْمَسْجُونِ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَطْلِعِ شَيْءٌ يَحُولُ، كَالْجَبَلِ وَنَحْوِهِ ". (وَإِنْ نَوَاهُ احْتِيَاطًا) أَيْ: صَوْمَ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ (بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ) مِنْ رُؤْيَةِ هِلَالِهِ، أَوْ إكْمَالِ شَعْبَانَ، أَوْ حَيْلُولَةِ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِ (كَ) أَنْ صَامَهُ لِ (حِسَابٍ وَنُجُوم) وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُمَا (أَوْ مَعَ صَحْوٍ، فَبَانَ مِنْهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) صَوْمُهُ، لِعَدَمِ اسْتِنَادِهِ لِمَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ شَرْعًا (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَكَذَا لَوْ صَامَ) يَوْمَ الثَّلَاثِينَ (تَطَوُّعًا فَوَافَقَ الشَّهْرَ لَمْ يُجْزِئْهُ لِعَدَمِ التَّعَيُّنِ، وَإِنْ رَأَى الْهِلَالَ نَهَارًا فَهُوَ
لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ) كَانَتْ رُؤْيَتُهُ (أَوْ بَعْدَهُ أَوَّلَ الشَّهْرِ أَوْ آخِرَهُ، فَلَا يَجِبُ بِهِ صَوْمٌ) إنْ كَانَ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ. (وَلَا يُبَاحُ بِهِ فِطْرٌ) إنْ كَانَ فِي آخِرِهِ لِمَا رَوَى أَبُو وَائِلٍ قَالَ: " جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تُمْسُوا أَوْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلِمَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً " رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَرُؤْيَتُهُ نَهَارًا مُمْكِنَةٌ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ فِي الْجَوِّ وَيَقِلُّ بِهِ ضَوْءُ الشَّمْسِ أَوْ يَكُونُ قَوِيَّ النَّظَرِ " تَنْبِيهٌ " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ: وَالْمُرَادُ بِمَا ذُكِرَ أَيْ: مِنْ أَنَّهُ لِلْمُسْتَقْبَلَةِ دَفْعُ مَا قِيلَ إنَّ رُؤْيَتَهُ تَكُونُ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ انْتَهَى أَيْ: فَلَا أَثَرَ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ نَهَارًا، وَإِنَّمَا يُعْتَدُّ بِالرُّؤْيَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ مُرَادُ أَصْحَابِنَا لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ وَلِمَا يَأْتِي فِيمَنْ عَلَّقَ طَلَاقَ امْرَأَتِهِ لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، حَيْثُ قَالُوا: فَرُئِيَ وَقَدْ غَرَبَتْ، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا. (وَإِذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ الْهِلَالِ بِمَكَانٍ قَرِيبًا كَانَ أَوْ بَعِيدًا لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمْ الصَّوْمُ، وَحُكْمُ مَنْ لَمْ يَرَهُ حُكْمُ مَنْ رَآهُ) . لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَهُوَ خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ كَافَّةً؛ وَلِأَنَّ الشَّهْرَ فِي الْحَقِيقَةِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ مِنْهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ فَكَذَا الصَّوْمُ، وَلَوْ فُرِضَ الْخِطَابُ فِي الْخَبَرِ لِلَّذِينَ رَأَوْهُ، فَالْفَرْضُ حَاصِلٌ؛ لِأَنَّ مِنْ صُوَرِ الْمَسْأَلَةِ وَفَوَائِدِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ، ثُمَّ سَافَرُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ بِهِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ مَعَ غَيْمٍ أَوْ صَحْوٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ الْفِطْرُ وَلَا لِأَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ عِنْدَ الْمُخَالِفِ وَمِنْ صُوَرِهَا: مَا إذَا رَآهُ جَمَاعَةٌ بِبَلَدٍ ثُمَّ سَارَتْ بِهِمْ رِيحٌ فِي سَفِينَةٍ فَوَصَلُوا إلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ الصَّوْمُ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُمْ الْفِطْرُ فِي آخِرِهِ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا كُلُّهُ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» ، وَأَمَّا خَبَرُ كُرَيْبٍ قَالَ: " قَدِمْتُ الشَّامَ، وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرِ فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُ، حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَلَا نَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقَالَ: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يُفْطِرُونَ بِقَوْلِ كُرَيْبٍ وَحْدَهُ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ. وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي
وُجُوبِ قَضَاءِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَلَيْسَ هُوَ فِي الْحَدِيثِ، وَأَجَابَ الْقَاضِي عَنْ قَوْلِ الْمُخَالِفِ: الْهِلَالُ يَجْرِي مَجْرَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ، كَذَا الْهِلَالُ بِأَنَّ الشَّمْسَ تَتَكَرَّرُ مُرَاعَاتُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ فَتَلْحَقُ بِهِ الْمَشَقَّةُ، فَيُؤَدِّي إلَى قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَالْهِلَالُ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَلَيْسَ كَبِيرُ مَشَقَّةٍ فِي قَضَاءِ يَوْمٍ، وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ مِنْ الْعُمُومِ يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ. (وَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْمَطَالِعُ نَصًّا) ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، لَكِنْ قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ) أَيْ: فِي هِلَالِ رَمَضَانَ (قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ «وَلِقَبُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَبَرَ الْأَعْرَابِيِّ بِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ وَهُوَ أَحْوَطُ، وَلَا تُهْمَةَ فِيهِ بِخِلَافِ آخِرِ الشَّهْرِ؛ وَلِاخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي وَالْمَرْئِيِّ وَلِهَذَا لَوْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ عُمِلَ بِهَا وُجُوبًا،. وَ (لَا) يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ (مَسْتُورٍ وَلَا مُمَيِّزٍ) لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِقَوْلِهِ (فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ) مُتَعَلِّق بِ يُقْبَلُ وَالْمِصْرِ وَخَارِجِهِ (وَلَوْ كَانَ) الرَّائِي (فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ) وَلَمْ يَرَهُ مِنْهُمْ غَيْرُهُ لِمَا سَبَقَ (وَهُوَ خَبَرٌ) لَا شَهَادَةٌ (فَيُصَامُ بِقَوْلِهِ) : رَأَيْتُ الْهِلَالَ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: أَشْهَدُ أَوْ شَهِدْتُ أَنِّي رَأَيْتُهُ. (وَيُقْبَلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ) كَسَائِرِ الْأَخْبَارِ. (وَلَا يُعْتَبَرُ) لِوُجُوبِ الصَّوْمِ (لَفْظ الشَّهَادَةِ وَلَا يَخْتَصُّ بِحَاكِمٍ فَيَلْزَمُ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ عَدْلٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ رَدَّ الْحَاكِمُ قَوْلَهُ، وَالْمُرَادُ إذَا لَمْ يَرَ الْحَاكِمُ الصِّيَامَ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَنَحْوِهِ) كَمَا لَوْ رَدَّهُ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِحَالِهِ وَجَهْلِهِ عَدَالَتَهُ أَمَّا لَوْ رَدَّهُ لِفِسْقِهِ الْمَعْلُومِ لَهُ، لَمْ يَلْزَمْ الصَّوْمُ مَنْ سَمِعَهُ يُخْبِرُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ لَهُ إذَنْ حُكْمٌ بِفِسْقِهِ، فَلَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ. (وَتَثْبُتُ بَقِيَّةُ الْأَحْكَامِ) إذَا ثَبَتَتْ رُؤْيَةُ هِلَالِ رَمَضَانَ بِوَاحِدٍ (مِنْ وُقُوعِ الطَّلَاقِ) وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقَيْنِ بِدُخُولِ رَمَضَانَ، (وَحُلُولِ الْآجَالِ) لِلدُّيُونِ الْمُؤَجَّلَةِ إلَيْهِ (وَغَيْرِهَا) كَانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ وَالْخِيَارِ الْمَشْرُوطِ وَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَنَحْوِهَا (تَبَعًا) لِلصَّوْمِ. (وَلَا يُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الشُّهُورِ) كَشَوَّالٍ وَغَيْرِهِ (إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ) بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِبًا وَلَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ أَشْبَهَ الْقِصَاصَ، وَإِنَّمَا تُرِك ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ الْفِطْرُ بِخَبَرِ وَاحِدٍ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ لِمَا يُقَارِنُهُ مِنْ أَمَارَاتٍ تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ؛ لِتَمْيِيزِ وَقْتِ الْغُرُوبِ بِنَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ أَمَارَاتٌ
تُورِثُ غَلَبَةَ الظَّنِّ، فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهَا أَخْبَارُ الثِّقَةِ قَوَّى الظَّنَّ، وَرُبَّمَا أَفَادَ الْعِلْمَ بِخِلَافِ هِلَالِ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا وَقْتُ الْفِطْرِ مُلَازِمٌ لِوَقْتِ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَإِذَا ثَبَتَ دُخُولُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِأَخْبَارِ الثِّقَةِ أُثْبِتَ دُخُولُ وَقْتِ الْإِفْطَارِ تَبَعًا لَهُ، ذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ. (وَإِذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ اثْنَيْنِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوْا الْهِلَالَ أَفْطَرُوا) فِي الْغَيْمِ وَالصَّحْوِ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْعَدْلَيْنِ يَثْبُتُ بِهَا الْفِطْرُ ابْتِدَاءً، فَتَبَعًا لِثُبُوتِ الصَّوْمِ أَوْلَى؛ وَلِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا بِالرُّؤْيَةِ السَّابِقَةِ إثْبَاتُ إخْبَارٍ بِهِ عَنْ يَقِينٍ وَمُشَاهَدَةٍ، فَكَيْفَ يُقَابِلُهَا الْإِخْبَارُ بِنَفْيٍ وَعَدَمٍ وَلَا يَقِينَ مَعَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الرُّؤْيَةَ يُحْتَمَلُ حُصُولُهَا بِمَكَانٍ آخَرَ، وَلِحَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَ (لَا) يُفْطِرُوا (إنْ صَامُوا) الثَّلَاثِينَ يَوْمًا (بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ) ؛ لِأَنَّهُ فِطْرٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنِدَ إلَى وَاحِدٍ كَمَا لَوْ شَهِدَ بِهِلَالِ شَوَّالٍ. (وَإِنْ صَامُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ قَضَوْا يَوْمًا فَقَطْ نَصًّا) نَقَلَهُ حَنْبَلٌ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ؛ وَلِأَنَّهُ يَبْعُدُ الْغَلَطُ بِيَوْمَيْنِ (وَإِنْ صَامُوا لِأَجْلِ غَيْمٍ وَنَحْوِهِ) كَقَتَرٍ وَدُخَانٍ (لَمْ يُفْطِرُوا) وَجْهًا وَاحِدًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا فَمَعَ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَصْلِ وَهُوَ بَقَاءُ رَمَضَانَ أَوْلَى. (فَلَوْ غُمَّ هِلَالُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ وَجَبَ أَنْ يُقَدَّرَ رَجَبٌ وَشَعْبَانُ نَاقِصَيْنِ) احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (وَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ) لِشَوَّالٍ (أَوْ يَصُومُوا اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ يَوْمًا) ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا كَانَ احْتِيَاطًا (وَكَذَا الزِّيَادَةُ) أَيْ: زِيَادَةُ صَوْمِ يَوْمَيْنِ عَلَى الصَّوْمِ الْوَاجِبِ (إنْ غُمَّ هِلَالُ رَمَضَانَ وَشَوَّالٍ، وَأَكْمَلْنَا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ، وَكَانَا نَاقِصَيْنِ) فَقَدْ صِيمَ يَوْمَانِ زَائِدَانِ عَلَى الْمَفْرُوضِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَعَلَى هَذَا فَقِسْ إذَا غُمَّ هِلَالُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ وَرَمَضَانَ انْتَهَى أَيْ: فَلَا يُفْطِرُوا حَتَّى يَرَوْا الْهِلَالَ، أَوْ يَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا. (قَالَ الشَّيْخُ: قَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ ثَلَاثِينَ ثَلَاثِينَ) أَيْ كَامِلَةً (وَقَدْ يَتَوَالَى شَهْرَانِ وَثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ) . عَنْ الْعُلَمَاءِ (لَا يَقَعُ النَّقْصُ مُتَوَالِيًا فِي أَكْثَرِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَأَكْثَرُ أَيْ: أَرْبَعَةٌ فَقَطْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ وَالْأَثْرَمُ وَغَيْرُهُمَا لَا يَجْتَمِعُ نُقْصَانُهُمَا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَالِبًا وَقِيلَ: لَا يَنْقُصُ أَجْرُ الْعَمَلِ فِيهِمَا
بِنَقْصِ عَدَدِهِمَا وَأَنْكَرَ أَحْمَدُ تَأْوِيلَ مَنْ أَوَّلَ السَّنَةَ الَّتِي قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ فِيهَا، وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد وَلَا أَدْرِي مَا هَذَا؟ قَدْ رَأَيْنَاهُمَا يَنْقُصَانِ ". (وَقَالَ الشَّيْخُ أَيْضًا: قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: إنْ رُئِيَ الْهِلَالُ صَبِيحَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، فَالشَّهْرُ تَامٌّ، وَإِنْ لَمْ يُرَ فَهُوَ نَاقِصٌ هَذَا بِنَاءً عَلَى الِاسْتِسْرَارِ) أَيْ: تَوَارِي الْهِلَالِ (لَا يَكُونُ إلَّا لَيْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ) لِوُجُودِ خِلَافِهِ. (بَلْ قَدْ يَسْتَسِرُّ) الْهِلَالُ (لَيْلَةً تَارَةً، وَثَلَاثَ لَيَالٍ) تَارَةً (أُخْرَى) . (وَمَنْ رَأَى هِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لَفِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ الصَّوْمُ وَجَمِيعُ أَحْكَامِ الشَّهْرِ مِنْ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَغَيْرِهِمَا مُعَلَّقِينَ بِهِ) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» وَكَعِلْمِ فَاسِقٍ بِنَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ دَيْنٍ عَلَى مَوْرُوثِهِ، وَلِأَنَّهُ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَلَزِمَهُ صَوْمُهُ وَأَحْكَامُهُ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ. (وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ لَا يُبَاحُ إلَّا بِشَهَادَةِ عَدْلَيْنِ. (وَإِنْ رَأَى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَمْ يُفْطِرْ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعَهُ قَالَ: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحُّونَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَلِاحْتِمَالِ خَطَئِهِ وَتُهْمَتِهِ، فَوَجَبَ الِاحْتِيَاطُ، وَكَمَا لَا يُعَرِّفُ وَلَا يُضَحِّي وَحْدَهُ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَالَ: وَالنِّزَاعُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ، وَهُوَ أَنَّ الْهِلَالَ: هَلْ هُوَ اسْمٌ لِمَا يَطْلُعُ فِي السَّمَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ وَلَمْ يَظْهَرْ، أَوْ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هِلَالًا إلَّا بِالظُّهُورِ وَالِاشْتِهَارِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ، هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ. (وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجِبُ الْفِطْرُ سِرًّا، وَهُوَ حَسَنٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَيَقَّنَهُ يَوْمَ عِيدٍ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ صَوْمِهِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْيَقِينُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ إذْ يَجُوزُ أَنَّهُ خُيِّلَ إلَيْهِ فَيَنْبَغِي أَنَّهُ يَتَّهِمُ نَفْسَهُ فِي رُؤْيَتِهِ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ، وَمُوَافَقَةً لِلْجَمَاعَةِ. (وَالْمُنْفَرِدُ بِرُؤْيَتِهِ) أَيْ: هِلَالِ شَوَّالٍ (بِمَفَازَةٍ لَيْسَ بِقُرْبَةِ بَلَدٍ، يَبْنِي عَلَى يَقِينِ رُؤْيَتِهِ) فَيُفْطِرُ؛ (لِأَنَّهُ لَا يَتَيَقَّنُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ) عَلَى الْهِدَايَةِ. (وَيُنْكَرُ عَلَى مَنْ أَكَلَ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ ظَاهِرًا وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ عُذْرٌ، قَالَهُ الْقَاضِي) لِئَلَّا يُتَّهَمَ. (وَقِيلَ لِابْنِ عَقِيلٍ يَجِبُ مَنْعُ مُسَافِرٍ وَمَرِيضٍ وَحَائِضٍ مِنْ الْفِطْرِ ظَاهِرًا لِئَلَّا يُتَّهَم؟ فَقَالَ: إنْ كَانَتْ أَعْذَارٌ خَفِيَّةٌ مُنِعَ مِنْ إظْهَارِهِ كَمَرِيضٍ لَا أَمَارَةَ لَهُ، وَمُسَافِرٍ لَا عَلَامَةَ عَلَيْهِ) لِلتُّهْمَةِ بِخِلَافِ الْأَعْذَارِ الظَّاهِرَةِ، وَهَذَا كَالتَّقْيِيدِ
لِكَلَامِ الْقَاضِي. (وَإِنْ رَآهُ) أَيْ: هِلَالَ شَوَّالٍ (عَدْلَانِ وَلَمْ يَشْهَدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ جَازَ لِمَنْ سَمِعَ شَهَادَتَهُمَا الْفِطْرُ إذَا عَرَفَ عَدَالَتَهُمَا وَ) جَازَ (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُفْطِرَ بِقَوْلِهِمَا إذَا عَرَفَ عَدَالَةَ الْآخَرِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْح، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَقَدَّمَ فِي الْمُبْدِعِ عَدَمَ الْجَوَازِ وَأَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. (وَإِنْ شَهِدَا عِنْدَ الْحَاكِمِ) بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ (فَرَدَّ) الْحَاكِمُ (شَهَادَتَهُمَا، لِجَهْلِهِ بِحَالِهِمَا فَلِمَنْ عَلِمَ عَدَالَتَهُمَا الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ رَدَّهُ هَاهُنَا لَيْسَ بِحُكْمٍ مِنْهُ) بِعَدَمِ قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا (إنَّمَا هُوَ تَوَقَّفَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ) بِحَالِهِمَا (فَهُوَ كَالْوُقُوفِ عَنْ الْحُكْمِ انْتِظَارًا لِلْبَيِّنَةِ وَلِهَذَا لَوْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ) مِمَّنْ زَكَّاهُمَا (حُكِمَ بِهَا) لِوُجُودِ الْمُقْتَضَى، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ كَاَلَّتِي قَبْلَهَا، وَأَمَّا إذَا رُدَّتْ شَهَادَتُهُمَا لِفِسْقِهِمَا فَلَيْسَ لَهُمَا وَلَا لِغَيْرِهِمَا الْفِطْرُ بِشَهَادَتِهِمَا. (وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا عَدَالَةَ الْآخَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ) لِاحْتِمَالِ فِسْقِهِ (إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ حَاكِمٌ) فَيَزُولُ اللَّبْسُ، وَكَذَا لَوْ جَهِلَ غَيْرُهُمَا عَدَالَتَهُمَا أَوْ عَدَالَةَ أَحَدِهِمَا فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ إلَّا أَنْ يَحْكُمَ بِذَلِكَ الْحَاكِمُ. (وَإِذَا اشْتَبَهَتْ الْأَشْهُرُ عَلَى أَسِيرٍ أَوْ مَطْمُورٍ أَوْ مَنْ بِمَفَازَةٍ وَنَحْوِهِمْ) كَمَنْ بِدَارِ حَرْبٍ (تَحَرَّى) أَيْ اجْتَهَدَ فِي مَعْرِفَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ (وُجُوبًا) ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَأْدِيَةُ فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، فَلَزِمَهُ كَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ. (وَصَامَ) الَّذِي ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ رَمَضَانُ (فَإِنْ وَافَقَ) ذَلِكَ (الشَّهْرَ) أَيْ: شَهْرَ رَمَضَانَ (أَجْزَأَهُ وَكَذَا) إنْ وَافَقَ (مَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ رَمَضَانَ كَذِي الْقِعْدَةِ أَوْ مُحَرَّمٍ وَنَحْوِهِ كَالصَّلَاةِ (إنْ لَمْ يَكُنْ) الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ (رَمَضَانَ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ، فَإِنْ كَانَ فَلَا يُجْزِئُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِاعْتِبَارِ نِيَّةِ التَّعْيِينِ، (وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ الشَّهْرَ الَّذِي صَامَهُ) يَظُنُّهُ رَمَضَانَ (نَاقِصٌ، وَرَمَضَانَ) الَّذِي فَاتَهُ (تَمَامٌ لَزِمَهُ قَضَاءُ النَّقْصِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِعَدَدِ الْمَتْرُوكِ بِخِلَافِ مَنْ نَذَرَ شَهْرًا وَأَطْلَقَ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى مَا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ وَيَقْضِي يَوْمَ عِيدٍ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) يَعْنِي لَوْ صَامَ ذَا الْحِجَّةِ بِاجْتِهَادِهِ أَنَّهُ رَمَضَانُ لَزِمَهُ قَضَاءُ يَوْمِ الْعِيدِ، وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَوْمِهَا. (وَإِنْ وَافَقَ) صَوْمُهُ شَهْرًا (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ كَشَعْبَانَ (لَمْ يُجْزِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَلَمْ يُجْزِهِ كَالصَّلَاةِ فَلَوْ وَافَقَ بَعْضُهُ رَمَضَانَ فَمَا وَافَقَهُ أَوْ بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ دُونَ مَا قَبْلَهُ، (وَإِنْ تَحَرَّى وَشَكَّ: هَلْ وَقَعَ) الشَّهْرُ الَّذِي صَامَهُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ رَمَضَانَ (أَوْ بَعْدَهُ؟ أَجْزَاهُ) لِتَأْدِيَةِ
فصل لا يجب الصوم إلا على مسلم عاقل بالغ قادر عليه
فَرْضِهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَلَا يَضُرُّ التَّرَدُّدُ فِي النِّيَّةِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. (وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ ثَلَاثَ سِنِينَ مُتَوَالِيَةٍ ثُمَّ عَلِمَ) أَنَّ صَوْمَهُ كَانَ بِشَعْبَانَ فِي الثَّلَاثِ سِنِينَ (صَامَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ) بِنِيَّةِ قَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ الرَّمَضَانَاتِ (شَهْرٌ عَلَى إثْرِ شَهْرٍ) أَيْ: شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ يُرَتِّبُهَا بِالنِّيَّةِ (كَالصَّلَاةِ إذَا فَاتَتْهُ) نَقَلَهُ مُهَنَّا أَيْ فَإِنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ وَاجِبٌ، فَكَذَا بَيْنَ الرَّمَضَانَاتِ إذَا فَاتَتْ. (وَإِنْ صَامَ) مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْأَشْهُرُ (بِلَا اجْتِهَادٍ، فَكَمَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ) لَا يُجْزِئُهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاجْتِهَادِ. (وَإِنْ ظَنَّ الشَّهْرَ لَمْ يَدْخُلْ فَصَامَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَلَوْ أَصَابَ وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي دُخُولِهِ) أَيْ: دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ كَمَا لَوْ تَرَدَّدَ فِي دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ. [فَصْلٌ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ] (فَصْلٌ وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ) أَيْ صَوْمُ رَمَضَانَ (إلَّا عَلَى مُسْلِمٍ عَاقِلٍ بَالِغٍ قَادِرٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّوْمِ؛ لِمَا يَأْتِي (فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ تَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْإِسْلَامُ كَالصَّلَاةِ (وَالرِّدَّةُ تَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّوْمِ، فَلَوْ ارْتَدَّ فِي يَوْمٍ) وَهُوَ صَائِمٌ فِيهِ بَطَلَ صَوْمُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] (ثُمَّ) إنْ (أَسْلَمَ فِيهِ، أَوْ) أَسْلَمَ (بَعْدَهُ، أَوْ ارْتَدَّ فِي لَيْلَتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ فِيهِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إنْ كَانَ فَرْضًا؛ لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنْهُ مُسْلِمًا كَالصَّلَاةِ يُدْرِكُ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا. (وَلَا يَجِبُ) الصَّوْمُ (عَلَى مَجْنُونٍ) لِحَدِيثِ: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» (وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ) لِعَدَمِ إمْكَانِ النِّيَّةِ مِنْهُ. (وَلَا) يَجِبُ (عَلَى صَغِيرٍ) وَلَوْ مُرَاهِقًا لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ. (وَيَصِحُّ) الصَّوْمُ (مِنْ مُمَيِّزٍ) كَصَلَاتِهِ (وَيَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ) أَيْ الْمُمَيِّزِ (أَمْرُهُ بِهِ إذَا أَطَاقَهُ وَضَرْبُهُ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ) أَيْ: الصَّوْمِ (إذَا تَرَكَهُ لِيَعْتَادَهُ) كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ الصَّوْمَ أَشَقُّ فَاعْتُبِرَتْ لَهُ الطَّاقَةُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُطِيقُ الصَّلَاةَ مَنْ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ. (وَإِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ) أَيْ: رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ (فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ) مُتَعَلِّقٌ بِ (قَامَتْ) (لَزِمَهُمْ)
أَيْ: أَهْلَ وُجُوبِ الصَّوْمِ (الْإِمْسَاكُ وَلَوْ بَعْدَ فِطْرِهِمْ) لِتَعَذُّرِ إمْسَاكِ الْجَمِيعِ فَوَجَبَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدُوا الْأَكْلَ فِي يَوْمٍ آخَرَ مِنْهُ (وَ) لَزِمَهُمْ (الْقَضَاءُ) لِثُبُوتِهِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَمْ يَأْتُوا فِيهِ بِصَوْمٍ صَحِيحٍ فَلَزِمَهُمْ قَضَاؤُهُ لِلنَّصِّ. (وَإِنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ أَوْ بَلَغَ صَغِيرٌ) مُفْطِرًا (فَكَذَلِكَ) أَيْ: مَنْ صَارَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ لَزِمَهُ إمْسَاكُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَضَاؤُهُ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَلِقِيَامِ الْبَيِّنَةِ فِيهِ بِالرُّؤْيَةِ؛ وَلِإِدْرَاكِهِ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهِ كَالصَّلَاةِ. (وَ) كَذَا (كُلُّ مَنْ أَفْطَرَ وَالصَّوْمُ يَجِبُ عَلَيْهِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ (كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ) . (وَمَنْ أَفْطَرَ يَظُنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ كَانَ طَلَعَ أَوْ) يَظُنُّ (الشَّمْسَ قَدْ غَابَتْ وَلَمْ تَغِبْ أَوْ النَّاسِي النِّيَّةَ أَوْ طَهُرَتْ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ تَعَمَّدَتْ) مُكَلَّفَةٌ (الْفِطْرَ ثُمَّ حَاضَتْ) أَوْ نُفِسَتْ (أَوْ تَعَمَّدَهُ) أَيْ: الْفِطْرَ (مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ) فَكُلُّهُمْ يَلْزَمُهُمْ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ لِمَا سَبَقَ، (أَوْ قَدِمَ مُسَافِرٌ) أَوْ أَقَامَ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ (أَوْ بَرِئَ مَرِيضٌ مُفْطِرِينَ فَعَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ وَالْإِمْسَاكُ) لِمَا سَبَقَ. (وَإِنْ بَلَغَ الصَّغِيرُ) ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى فِي أَثْنَاءِ نَهَارِ رَمَضَانَ (بِسِنٍّ) أَيْ: تَمَامِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً (أَوْ احْتِلَامٍ) أَيْ: إنْزَالِ مَنِيٍّ بِسَبَبِ حُلُمٍ (صَائِمًا أَتَمَّ صَوْمَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ (وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ إنْ) كَانَ (نَوَى مِنْ اللَّيْلِ) ؛ لِأَنَّهُ نَوَاهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَجْزَأَهُ كَالْبَالِغِ، وَلَا يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُهُ نَفْلًا وَبَاقِيهِ فَرْضًا (كَنَذْرِ إتْمَامِ) نَفْلٍ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. (وَلَا يَلْزَمُ مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمٍ وَاجِبٍ غَيْرَ رَمَضَانَ الْإِمْسَاكُ) لِعَدَمِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ. (وَإِنْ عَلِمَ مُسَافِرٌ أَنَّهُ يَقْدَمُ غَدًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ نَصًّا) نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَأَبُو دَاوُد كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ، وَعَلِمَ قُدُومَهُ فِي غَدٍ فَيَنْوِيهِ مِنْ اللَّيْلِ (بِخِلَافِ صَبِيٍّ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَبْلُغُ غَدًا) فَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ (لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ) قَبْلَ دُخُولِ الْغَدِ بِخِلَافِ الْمُسَافِرِ. (وَمَنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ) وَهُوَ الْهَرِمُ وَالْهَرِمَةُ (أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ أَفْطَرَ) أَيْ: لَهُ ذَلِكَ إجْمَاعًا (لِعَدَمِ وُجُوبِهِ) أَيْ الصَّوْمِ (عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ فَلَا يُكَلَّفُ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] . (وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) مُدًّا مِنْ بُرٍّ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْله تَعَالَى {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184]
لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ فِي الشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لَا يَسْتَطِيعَانِ الصَّوْمَ فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَلَا يُجْزِئُ أَنْ يَصُومَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ (غَيْرُهُ) رَمَضَانَ وَلَا قَضَاؤُهُ وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَجَبَتْ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَمْ تَدْخُلْهَا النِّيَابَةُ كَالصَّلَاةِ. (وَإِنْ سَافَرَ) الْكَبِيرُ الْعَاجِزُ عَنْ الصَّوْمِ (أَوْ مَرِضَ فَلَا فِدْيَةَ) عَلَيْهِ؛ (لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ مُعْتَادٍ وَلَا قَضَاءَ) لِعَجْزِهِ عَنْهُ وَيُعَايَى بِهَا. (وَإِنْ) أَطْعَمَ ثُمَّ (قَدِرَ عَلَى الْقَضَاءِ فَكَمَعْضُوبٍ) بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الْعَاجِزُ عَنْ الْحَجِّ وَيَأْتِي (أَحَجَّ عَنْهُ ثُمَّ عُوفِيَ) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْإِطْعَامُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ عُوفِيَ قَبْلَ الْإِطْعَامِ تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ كَالْمَعْضُوبِ إذَا عُوفِيَ قَبْلَ إحْرَامِ نَائِبِهِ. (وَلَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ) عَنْ الْعَاجِزِ عَنْ الصَّوْمِ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ (بِالْعَجْزِ) عَنْهُ كَفِدْيَةِ الْحَجِّ فَمَتَى قَدِرَ عَلَيْهِ أَطْعَمَ (وَيَأْتِي قَرِيبًا) . (وَالْمَرِيضُ) غَيْرُ الْمَيْئُوسِ مِنْ بُرْئِهِ (إذَا خَافَ) بِصَوْمِهِ (ضَرَرًا بِزِيَادَةِ مَرَضِهِ أَوْ طُولِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ (وَلَوْ بِقَوْلِ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ أَوْ كَانَ صَحِيحًا فَمَرِضَ فِي يَوْمِهِ أَوْ خَافَ مَرَضًا لِأَجْلِ عَطَشٍ أَوْ غَيْرِهِ سُنَّ فِطْرُهُ وَكُرِهَ صَوْمُهُ وَإِتْمَامُهُ) أَيْ: الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] أَيْ فَلْيُفْطِرْ وَلْيَقْضِ عَدَدَ مَا أَفْطَرَهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ قَبُولَ الرُّخْصَةِ مَعَ التَّلَبُّسِ بِالْأَخَفِّ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا اخْتَرْتُ أَيْسَرَهُمَا» قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَلَوْ خَافَ تَلَفًا بِصَوْمِهِ كُرِهَ وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يَحْرُمُ وَلَمْ يَذْكُرُوا خِلَافًا فِي الْإِجْزَاءِ (فَإِنْ صَامَ) الْمَرِيضُ مَعَ مَا سَبَقَ (أَجْزَأَهُ) صَوْمُهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ كَمَا لَوْ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ. (وَلَا يُفْطِرُ مَرِيضٌ لَا يَتَضَرَّرُ بِالصَّوْمِ كَمَنْ بِهِ جَرَبٌ أَوْ وَجَعُ ضِرْسٍ أَوْ أُصْبُعٍ أَوْ دُمَّلٍ وَنَحْوِهِ) قِيلَ لِأَحْمَدَ مَتَى يُفْطِرُ الْمَرِيضُ؟ قَالَ: إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ قِيلَ: مِثْلَ الْحُمَّى؟ قَالَ: وَأَيُّ مَرَضٍ أَشَدُّ مِنْ الْحُمَّى. (وَقَالَ) أَبُو بَكْرٍ (الْآجُرِّيُّ مَنْ صَنْعَتُهُ شَاقَّةٌ فَإِنْ خَافَ) بِالصَّوْمِ (تَلَفًا أَفْطَرَ وَقَضَى) إنْ ضَرَّهُ تَرْكُ الصَّنْعَةِ، (فَإِنْ لَمْ يَضُرَّهُ تَرْكُهَا أَثِمَ) بِالْفِطْرِ وَيَتْرُكُهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَنْتِفْ التَّضَرُّرُ بِتَرْكِهَا (فَلَا) إثْمَ عَلَيْهِ بِالْفِطْرِ لِلْعُذْرِ. (وَمَنْ قَاتَلَ عَدُوًّا أَوْ أَحَاطَ الْعَدُوُّ بِبَلَدِهِ وَالصَّوْمُ يُضْعِفُهُ) عَنْ الْقِتَالِ
(سَاغَ لَهُ الْفِطْرُ بِدُونِ سَفَرٍ نَصًّا) لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَمَنْ بِهِ شَبَقٌ يَخَافُ أَنْ يَنْشَقَّ ذَكَرُهُ) أَوْ أُنْثَيَاهُ أَوْ مَثَانَتُهُ (جَامَعَ وَقَضَى وَلَا يُكَفِّرُ نَصًّا) نَقَلَهُ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الشَّالَنْجِيُّ قَالَ أَحْمَدُ: يُجَامِعُ وَلَا يُكَفِّرُ وَيَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا أَخَذَ الرَّجُلُ هَذَا وَلَمْ يُجَامِعْ خِيفَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْشَقَّ فَرْجُهُ. (وَإِنْ انْدَفَعَتْ شَهْوَتُهُ بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْجِمَاعِ (كَالِاسْتِمْنَاءِ بِيَدِهِ أَوْ يَدِ زَوْجَتِهِ أَوْ) يَدِ (جَارِيَتِهِ وَنَحْوِهِ) كَالْمُفَاخَذَةِ (لَمْ يَجُزْ) لَهُ الْوَطْءُ كَالصَّائِلِ يَنْدَفِعُ بِالْأَسْهَلِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى غَيْرِهِ. (وَكَذَا إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ لَا يُفْسِدَ صَوْمَ زَوْجَتِهِ) أَوْ أَمَتِهِ (الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ بِأَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْكِتَابِيَّتَيْنِ أَوْ) يَطَأَ (زَوْجَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الصَّغِيرَتَيْنِ) أَوْ الْمَجْنُونَتَيْنِ (أَوْ) انْدَفَعْت شَهْوَتَهُ بِالْوَطْءِ (دُونَ الْفَرْجِ) فَلَا يُبَاحُ لَهُ إفْسَادُ صَوْمِهَا لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ إلَيْهِ، قُلْتُ: وَلَعَلَّ قِيَاسَ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَهُ وَطْءُ مَنْ لَزِمَهَا الْإِمْسَاكُ كَمَنْ طَهُرَتْ وَنَحْوِهَا فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ الْإِمْسَاكَ دُونَ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ خُصُوصًا فِيمَا فِيهِ خِلَافٌ فِي وُجُوبِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ عَدَمُ إفْسَادِ صَوْمِ الزَّوْجَةِ أَوْ الْأَمَةِ الْمُسْلِمَةِ الْبَالِغَةِ (جَازَ) لَهُ إفْسَادُ صَوْمِهَا (لِلضَّرُورَةِ) كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ. (وَمَعَ الضَّرُورَةِ إلَى وَطْءِ حَائِضٍ وَصَائِمَةٍ بَالِغٍ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُمَا (فَوَطْءُ الصَّائِمَةِ أَوْلَى) مِنْ وَطْءِ الْحَائِضِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ وَطْءِ الْحَائِضِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، (وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) الزَّوْجَةُ أَوْ الْأَمَةُ الصَّائِمَةُ (بَالِغًا وَجَبَ اجْتِنَابُ الْحَائِضِ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِلَا مَحْذُورٍ، فَيَطَأُ الصَّغِيرَةَ وَكَذَا الْمَجْنُونَةَ. (وَإِنْ تَعَذَّرَ قَضَاؤُهُ) أَيْ: ذِي الشَّبَقِ (لِدَوَامِ شَبَقِهِ فَكَكَبِيرٍ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَلَا قَضَاءَ إلَّا مَعَ عُذْرٍ مُعْتَادٍ كَمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ فَلَا إطْعَامَ وَلَا قَضَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْكَبِيرِ، وَلَعَلَّ حُكْمَ زَوْجَتِهِ أَوْ أَمَتِهِ الَّتِي لَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا كَذَلِكَ. (وَحُكْمُ الْمَرِيضِ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْجِمَاعِ) فِي مَرَضِهِ (حُكْمُ مَنْ خَافَ تَشَقُّقَ فَرْجِهِ) فِي جَوَازِ الْوَطْءِ مَعَ الْكَفَّارَةِ وَإِفْسَادِ صَوْمِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ وَعَدَمِهِ. (وَالْمُسَافِرُ سَفَرَ قَصْرٍ يُسَنُّ لَهُ الْفِطْرُ إذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ) الْعَامِرَةِ (كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْقَصْرِ) مُوَضِّحًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . (وَيُكْرَهُ صَوْمُهُ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ مَشَقَّةً) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَزَادَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ فَاقْبَلُوهَا» . وَصَحَّ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمَّا «أَفْطَرَ فِي السَّفَرِ وَبَلَغَهُ أَنَّ قَوْمًا صَامُوا قَالَ: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ»
قَالَ الْمَجْدُ: وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ لِمَنْ قَوِيَ وَاخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ (وَيُجْزِئُهُ) أَيْ: يُجْزِئُ الْمُسَافِرَ الصَّوْمُ بِرَمَضَانَ نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ» وَعُمَرُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَأْمُرَانِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ وَيُرْوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ: وَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ تَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ (لَكِنْ لَوْ سَافَرَ لِيُفْطِرَ حَرُمَا) أَيْ السَّفَرُ وَالْفِطْرُ (عَلَيْهِ) حَيْثُ لَا عِلَّةَ لِسَفَرِهِ إلَّا الْفِطْرُ أَمَّا حُرْمَةُ الْفِطْرِ فَلِعَدَمِ الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ وَأَمَّا حُرْمَةُ السَّفَرِ فَلِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى الْفِطْرِ الْمُحَرَّمِ. (وَلَا يَجُوزُ لِمَرِيضٍ وَمُسَافِرٍ أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ) مِنْ قَضَاءٍ وَنَذْرٍ وَغَيْرِهِمَا (كَمُقِيمٍ صَحِيحٍ) ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ أُبِيحَ تَخْفِيفًا وَرُخْصَةً فَإِذَا لَمْ يُؤَدِّهِ، لَزِمَهُ الْإِتْيَانُ بِالْأَصْلِ، كَالْجُمُعَةِ وَكَالْمُقِيمِ الصَّحِيحِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَبِلَ صَوْمًا مِنْ الْمَعْذُورِ لَقَبِلَهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَسَائِرِ الزَّمَانِ الْمُتَضَيِّقِ لِلْعِبَادَةِ (فَيَلْغُو صَوْمُهُ) إذَا صَامَ فِي رَمَضَانَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَقَعُ عَنْ رَمَضَانَ لِعَدَمِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ لَهُ. (وَلَوْ قَلَبَ صَوْمَ رَمَضَانَ إلَى نَفْلٍ، لَمْ يَصِحَّ لَهُ النَّفَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَبَطَلَ فَرْضُهُ) لِقَطْعِ نِيَّتِهِ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرٍ فَلَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ) كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ؛ (لِأَنَّ مَنْ) أُبِيحَ (لَهُ الْأَكْلُ) أُبِيحَ (لَهُ الْجِمَاعُ) كَمَنْ لَمْ يَنْوِ. (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ (لِحُصُولِ الْفِطْرِ بِالنِّيَّةِ قَبْلَ الْفِعْلِ) أَيْ: الْجِمَاعِ، فَيَقَعُ الْجِمَاعُ بَعْدَهُ. (وَكَذَا مَرِيضٌ يُبَاحُ لَهُ الْفِطْرُ) إذَا نَوَى الصَّوْمَ، لَهُ الْفِطْرُ بِمَا شَاءَ مِنْ جِمَاعٍ وَغَيْرِهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ نَوَى الْحَاضِرُ صَوْمَ يَوْمٍ ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ) سَفَرًا يَبْلُغُ الْمَسَافَةَ (طَوْعًا أَوْ كُرْهًا فَلَهُ الْفِطْرُ بَعْدَ خُرُوجِهِ) وَمُفَارَقَتِهِ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ الْعَامِرَةِ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ الصَّرِيحَةِ مِنْهَا: مَا رَوَى عُبَيْدُ بْنُ جَبْرٍ قَالَ: " رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ مِنْ الْفُسْطَاطِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ فَقَالَ: اقْتَرِبْ قُلْتُ: أَلَسْتَ تَرَى الْبُيُوتَ؟ قَالَ: أَتَرْغَبُ عَنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَأَكَلَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ السَّفَرَ مُبِيحٌ لِلْفِطْرِ فَأَبَاحَهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ كَالْمَرَضِ الطَّارِئِ، وَلَوْ بِفِعْلِهِ، وَالصَّلَاةُ لَا يَشُقُّ إتْمَامُهَا وَهِيَ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وَجَبَ إتْمَامُهَا لَمْ تُقْصَرْ بِحَالٍ و (لَا) يَجُوزُ لَهُ الْفِطْرُ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ خُرُوجِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ (وَالْأَفْضَلُ لَهُ) أَيْ لِمَنْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ يَوْمٍ نَوَى صَوْمَهُ (الصَّوْمُ) أَيْ: إتْمَامُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ لَمْ يُبِحْ لَهُ الْفِطْرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَضَرِ كَالصَّلَاةِ. (وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا الضَّرَرَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا) أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ كَالْمَرِيضِ (أَوْ)
خَافَتَا الضَّرَرَ عَلَى (وَلَدَيْهِمَا أُبِيحَ لَهُمَا الْفِطْرُ) ؛ لِأَنَّ خَوْفَهُمَا خَوْفٌ عَلَى آدَمِيٍّ، أَشْبَهَ خَوْفَهُمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا. (وَكُرِهَ صَوْمُهُمَا) كَالْمَرِيضِ، (وَيُجْزِئُ) صَوْمُهُمَا (إنْ فَعَلَتَا) أَيْ: صَامَتَا كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، (وَإِنْ أَفْطَرَتَا قَضَتَا) مَا أَفْطَرَتَاهُ كَالْمَرِيضِ (وَلَا إطْعَامَ) عَلَى أَحَدٍ (إنْ خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَمَرِيضٍ) يَضُرُّهُ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ يَقْضِي مِنْ غَيْرِ إطْعَامٍ. (بَلْ إنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا) فَقَطْ (أَطْعَمَتَا مَعَ الْقَضَاءِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ (عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا مَا يُجْزِئُ فِي الْكَفَّارَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَرَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ؛ وَلِأَنَّهُ فِطْرٌ بِسَبَبِ نَفْسٍ عَاجِزَةٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ فَوَجَبَ بِهِ الْكَفَّارَةُ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ. (وَهُوَ) أَيْ: الْإِطْعَامُ (عَلَى مَنْ يُمَوِّنُ الْوَلَدَ) ؛ لِأَنَّ الْإِرْفَاقَ لِلْوَلَدِ وَيَجِبُ الْإِطْعَامُ (عَلَى الْفَوْرِ) ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْأَمْرِ، وَكَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ. وَذَكَرَ الْمَجْدُ أَنَّهُ إنْ أَتَى بِهِ مَعَ الْقَضَاءِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ كَالتَّكْمِلَةِ لَهُ وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَوَّلًا (وَإِنْ قَبِلَ وَلَدُ الْمُرْضِعَةِ ثَدْيَ غَيْرِهَا وَقَدِرَتْ تَسْتَأْجِرُ لَهُ أَوْ لَهَا) مِنْ الْمَالِ (مَا يُسْتَأْجَرُ مِنْهُ فَعَلَتْ) أَيْ: اسْتَأْجَرَتْ لَهُ (وَلَمْ تُفْطِرْ) لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. (وَلَهُ صَرْفُ الْإِطْعَامِ إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً) لِظَاهِرِ الْآيَةِ. (وَحُكْمُ الظِّئْرِ) أَيْ: الْمُرْضِعَةُ لِوَلَدِ غَيْرِهَا (كَمُرْضِعٍ) لِوَلَدِهَا (فِيمَا تَقَدَّمَ) مِنْ الْفِطْرِ وَعَدَمِهِ، وَالْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا، (فَإِنْ لَمْ تُفْطِرْ) الظِّئْرُ (فَتَغَيَّرَ لَبَنُهَا) بِالصَّوْمِ (أَوْ نَقَصَ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ) بَيْنَ فَسْخِ الْإِجَارَةِ وَإِمْضَائِهَا، (وَإنْ قَصَدَتْ) الظِّئْرُ (الْإِضْرَارَ) بِالرَّضِيعِ بِصَوْمِهَا (أَثِمَتْ وَكَانَ لِلْحَاكِمِ إلْزَامُهَا بِالْفِطْرِ بِطَلَبِ الْمُسْتَأْجِرِ) ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إنْ تَأَذَّى الصَّبِيُّ بِنَقْصِهِ أَوْ تَغْيِيرِهِ لَزِمَهَا الْفِطْرُ، فَإِنْ أَبَتْ فَلِأَهْلِهِ الْفَسْخُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا: أَنَّهُ يَلْزَمُ الْحَاكِمَ إلْزَامُهَا بِمَا يَلْزَمُهَا، وَإِنْ لَمْ تَقْصِدْ الضَّرَرَ، بِلَا طَلَبٍ قُبِلَ الْفَسْخُ وَهَذَا مُتَّجَهٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى. (وَلَا يَسْقُطُ الْإِطْعَامُ بِالْعَجْزِ) كَالدَّيْنِ. (وَكَذَا) الْإِطْعَامُ (عَنْ الْكَبِيرِ، و) الْمَرِيضِ (الْمَيْئُوسِ) مِنْهُ وَتَقَدَّمَ. (وَلَا) يَسْقُطُ (إطْعَامُ مَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ) حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ (و) لَا إطْعَامَ (غَيْرِهِ) مِمَّا وَجَبَ بِنَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ بِالْعَجْزِ (غَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ) فِي
فصل لا يصح صوم إلا بنية
الْحَيْضِ، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِهِ وَغَيْرَ كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (وَيَأْتِي) فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَلَوْ وَجَدَ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فِي هَلَكَةٍ كَغَرِيقٍ لَزِمَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ إنْقَاذُهُ) مِنْ الْهَلَكَةِ (وَإِنْ دَخَلَ الْمَاءُ) فِي (حَلْقِهِ لَمْ يُفْطِرْ) كَمَنْ طَارَ إلَى حَلْقِهِ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارٌ بِلَا قَصْدٍ. (وَإِنْ حَصَلَ لَهُ) أَيْ: لِلْمُنْقِذِ (بِسَبَبِ إنْقَاذِهِ ضَعْفٌ فِي نَفْسِهِ، فَأَفْطَرَ فَلَا فِدْيَةَ) عَلَى الْمُنْقِذِ، وَلَا عَلَى الْمُنْقَذِ (كَالْمَرِيضِ) ، وَإِنْ احْتَاجَ فِي إنْقَاذِهِ إلَى الْفِطْرِ وَجَبَ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ لَيْلًا ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الْإِمْسَاكِ مَعَ النِّيَّةِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِمْسَاكُ الْمُضَافُ إلَيْهِ النِّيَّةُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «إنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» فَلَمْ تُعْتَبَرْ النِّيَّةُ مُنْفَرِدَةً عَنْهُ، (وَإِنْ أَفَاقَ) الْمَجْنُونُ أَوْ الْمُغْمَى عَلَيْهِ (جُزْءًا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْيَوْمِ الَّذِي بَيَّتَ النِّيَّةَ لَهُ (صَحَّ) صَوْمُهُ لِقَصْدِ الْإِمْسَاكِ فِي جُزْءٍ مِنْ النَّهَارِ كَمَا لَوْ نَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ جُزْءُ الْإِدْرَاكِ وَلَا يُفْسِدُ الْإِغْمَاءُ بَعْضَ الْيَوْمِ الصَّوْمَ، وَكَذَا الْجُنُونُ وَقِيلَ: يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَالْحَيْضِ وَأَوْلَى لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ وَأُجِيبَ: بِأَنَّهُ زَوَالُ عَقْلٍ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالْإِغْمَاءِ وَيُفَارِقُ الْحَيْضَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْوُجُوبَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ وَيُحَرِّمُ فِعْلَهُ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَمَنْ جُنَّ فِي صَوْمِ قَضَاءٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَنَذْرٍ (قَضَاهُ) إذَا أَفَاقَ (بِالْوُجُوبِ السَّابِقِ) كَقَضَاءِ الصَّلَاةِ لَا بِأَمْرٍ جَدِيدٍ، (وَإِنْ نَامَ) مَنْ نَوَى الصَّوْمَ (جَمِيعَ النَّهَارِ صَحَّ صَوْمُهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ وَلَا يُزِيلُ الْإِحْسَاسَ بِالْكُلِّيَّةِ. (وَلَا يَلْزَمُ الْمَجْنُونَ قَضَاءُ زَمَنِ جُنُونِهِ) ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرَ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ (وَيَلْزَمُ) الْقَضَاءُ (الْمُغْمَى عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ مَرَضٌ، وَهُوَ مُغَطٍّ عَلَى الْعَقْلِ غَيْرُ رَافِعٍ لِلتَّكْلِيفِ، وَلَا تَطُولُ مُدَّتُهُ وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى صَاحِبِهِ، وَيَدْخُلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. [فَصْلٌ لَا يَصِحُّ صَوْمٌ إلَّا بِنِيَّةٍ] (فَصْلٌ وَلَا يَصِحُّ صَوْمٌ) إلَّا بِنِيَّةٍ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ إجْمَاعًا كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلَا صَوْمٌ. (وَاجِبٌ إلَّا بِنِيَّةٍ مِنْ اللَّيْلِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ لَمْ يَجْمَعْ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ: رَفَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ وَهُوَ مِنْ الثِّقَاتِ، وَوَافَقَهُ عَلَى رَفْعِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَلَمْ يُثْبِتْ أَحْمَدُ رَفْعَهُ وَصَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ. وَفِي لَفْظٍ لِلزُّهْرِيِّ «مَنْ لَمْ يُبَيِّتْ الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَلَا صِيَامَ لَهُ» لَا يُقَالُ: فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ قَدْ وَرَدَ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ وَقَدْ كَانَ وَاجِبًا؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ كَانَ نَهَارًا كَمَنْ صَامَ تَطَوُّعًا ثُمَّ نَذَرَهُ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً ذَكَرُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ كَالصَّلَاةِ وَفِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ اللَّيْلِ نَوَى أَجْزَأَهُ؛ لِإِطْلَاقِ الْخَبَرِ. (لِكُلِّ يَوْمٍ) مِنْ رَمَضَانَ (نِيَّةٌ مُفْرَدَةٌ؛ لِأَنَّهَا) أَيْ: أَيَّامَ رَمَضَانَ (عِبَادَاتٌ) فَكُلُّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ، (وَ) الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُفْرَدَةٌ: أَنَّهُ (لَا يَفْسُدُ) صَوْمُ (يَوْمٍ بِفَسَادِ) صَوْمِ يَوْمٍ (آخَرَ كَالْقَضَاءِ) أَيْ: قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَعَنْهُ يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ رَمَضَانَ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِكُلِّهِ. (وَلَوْ نَوَتْ حَائِضٌ) أَوْ نُفَسَاءُ (صَوْمَ غَدٍ وَقَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا تَطْهُرُ لَيْلًا صَحَّ) لِمَشَقَّةِ الْمُقَارَنَةِ. (وَلَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الْغُرُوبِ (حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ) لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لِعَدَمِ النِّيَّةِ. (أَوْ نَوَى نَهَارًا صَوْمَ الْغَدِ لَمْ يَصِحَّ) صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّتْ النِّيَّةَ كَمَا لَوْ نَوَى مِنْ اللَّيْلِ صَوْمَ بَعْدَ غَدٍ. (وَلَوْ نَوَى) الصَّوْمَ (مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ أَتَى بَعْدَ النِّيَّةِ فِيهِ) أَيْ: اللَّيْلِ (بِمَا يُبْطِلُ الصَّوْمَ) كَالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ (لَمْ تَبْطُلْ) النِّيَّةُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ الْأَكْلَ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ فَلَوْ بَطَلَتْ فِيهِ فَاتَ مَحِلُّهَا. (وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا فَقَدْ نَوَى) ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ. (وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ نِيَّةٌ) قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَمَعْنَاهُ لِغَيْرِهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ حِينَ يَتَعَشَّى يَتَعَشَّى عَشَاءَ مَنْ يُرِيدُ الصَّوْمَ؛ وَلِهَذَا يُفَرَّقُ بَيْنَ عَشَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ وَعَشَاءِ لَيَالِي رَمَضَانَ. (وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةَ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ) غَدًا (مِنْ رَمَضَانَ أَوْ مِنْ قَضَائِهِ أَوْ) مِنْ (نَذْرِهِ أَوْ كَفَّارَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» ؛ وَلِأَنَّ التَّعْيِينَ مَقْصُودٌ فِي نَفْسِهِ. (وَلَا يَجِبُ مَعَهُ) أَيْ: التَّعْيِينِ (نِيَّةُ الْفَرِيضَةِ) وَفِي نُسْخَةٍ: الْفَرْضِيَّةِ (فِي فَرْضِهِ وَلَا الْوُجُوبُ فِي وَاجِبِهِ) ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ يُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ، (فَلَوْ نَوَى إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ) أَيْ: الصَّوْمُ (عَنْهُ وَإِلَّا فَعَنْ وَاجِبٍ غَيْرِهِ وَعَيَّنَهُ بِنِيَّتِهِ) كَأَنْ يَنْوِيَهُ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ (لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لِأَحَدِهِمَا، (وَإِنْ قَالَ:) إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي (وَإِلَّا فَهُوَ نَفْلٌ أَوْ فَأَنَا مُفْطِرٌ لَمْ يَصِحَّ) صَوْمُهُ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ، (وَإِنْ
قَالَهُ) أَيْ إنْ كَانَ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَفَرْضِي وَإِلَّا فَأَنَا مُفْطِرٌ (لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَحَّ) صَوْمُهُ إنْ بَانَ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلٍ لَمْ يَثْبُتْ زَوَالُهُ وَلَا يَقْدَحُ تَرَدُّدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَكَمَ صَوْمَهُ مَعَ الْجَزْمِ بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَهُ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ؛ لِأَنَّهُ لَا أَصْلَ مَعَهُ يُبْنَى عَلَيْهِ، بَلْ الْأَصْلُ بَقَاءُ شَعْبَانَ. (وَمَنْ قَالَ: أَنَا صَائِمٌ غَدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ قَصَدَ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، فَسَدَتْ نِيَّتُهُ) لِعَدَمِ الْجَزْمِ بِهَا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِالْمَشِيئَةِ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ فِي الصَّوْمِ وَعَدَمِهِ بَلْ نَوَى التَّبَرُّكَ أَوْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا (لَمْ تَفْسُدْ) نِيَّتُهُ؛ (إذْ قَصْدُهُ أَنَّ فِعْلَهُ لِلصَّوْمِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَيْسِيرِهِ كَمَا لَا يَفْسُدُ الْإِيمَانُ بِقَوْلِهِ: أَنَا مُؤْمِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَيْرَ مُتَرَدِّدٍ فِي الْحَالِ) قَالَ الْقَاضِي: (وَكَذَا) نَقُولُ فِي (سَائِرِ الْعِبَادَاتِ) لَا تَفْسُدُ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فِي نِيَّتِهَا اهـ. وَفِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ لِابْنِ حَمْدَانَ يَحْرُمُ قَوْلُهُ: أَنَا مُسْلِمٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ. (وَإِنْ لَمْ يُرَدِّدْ نِيَّتَهُ بَلْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ أَنَّهُ صَائِمٌ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ بِلَا مُسْتَنَدٍ شَرْعِيٍّ) مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَوْ غَيْمٍ وَنَحْوِهِ (أَوْ بِمُسْتَنَدٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ كَحِسَابٍ وَنَحْوِهِ) كَتَنْجِيمٍ وَلَوْ كَثُرَتْ إصَابَتُهُ (لَمْ يُجْزِئْهُ) صَوْمُهُ (وَإِنْ بَانَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ الْعِلْمَ وَمَا لَا يَعْلَمُهُ وَلَا دَلِيلَ عَلَى وُجُودِهِ لَا يَصِحُّ قَصْدُهُ. (وَلَا أَثَرَ لِشَكٍّ مَعَ غَيْمٍ وَقَتَرٍ) وَنَحْوِهِمَا فَإِذَا نَوَى صَوْمَ يَوْمِ الثَّلَاثِينَ لِذَلِكَ أَجْزَأَهُ إنْ بَانَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ قَضَاءً وَنَفْلًا أَوْ نَوَى الْإِفْطَارَ مِنْ الْقَضَاءِ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا أَوْ قَلَبَ نِيَّةَ الْقَضَاءِ إلَى النَّفْلِ بَطَلَ الْقَضَاءُ) لِتَرَدُّدِهِ فِي نِيَّتِهِ أَوْ قَطْعِهَا (وَلَمْ يَصِحَّ النَّفَلُ لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْلِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ) . وَفِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: يَصِحُّ نَفْلًا وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ وَمَا يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِهِ عَنْهُ. (وَإِنْ نَوَى) خَارِجَ رَمَضَانَ (قَضَاءً وَكَفَّارَةَ ظِهَارٍ وَنَحْوِهِ) كَكَفَّارَةِ قَتْلٍ (لَمْ يَصِحَّا) أَيْ: لَا الصَّوْمُ الْوَاجِبُ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِالنِّيَّةِ لَهُ، وَلَا النَّفَلُ (لِمَا تَقَدَّمَ) مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ نَفْلِ مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْلَ الْقَضَاءِ. (وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِنِيَّةِ الْإِفْطَارِ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهَا ابْتِدَاءً (فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يَنْوِ) الصَّوْمَ (لَا كَمَنْ أَكَلَ) وَنَحْوِهِ، (فَلَوْ كَانَ) نَوَى الْإِفْطَارَ (فِي نَفْلٍ ثُمَّ عَاد نَوَاهُ) نَفْلًا (صَحَّ) نَصَّ عَلَيْهِ (، وَكَذَا لَوْ كَانَ مِنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ، فَقَطَعَ نِيَّتَهُ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا) بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مِنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ عَلَى طَرِيقَتِهِ. (وَلَوْ قَلَبَ نِيَّةَ نَذْرٍ) أَوْ كَفَّارَةٍ (إلَى النَّفْلِ) فَكَمَنْ انْتَقَلَ مِنْ فَرْضِ صَلَاةٍ إلَى نَفْلِهَا فَيَصِحُّ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ غَرَضٍ صَحِيحٍ. (وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ أَوْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى أَوْ إنْ وَجَدْتُ
باب ما يفسد الصيام
طَعَامًا أَكَلْتُ وَإِلَّا أَتْمَمْتُ وَنَحْوه بَطَل) صَوْمه لِتَرَدُّدِهِ فِي النِّيَّة (كَصَلَاةِ) أَيْ: كَمَا تَبْطُل الصَّلَاة بِتَرَدُّدِهِ فِي فَسْخ نِيَّتهَا إذْ اسْتِصْحَاب حُكْم النِّيَّة شَرْط فِي صِحَّة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالْوُضُوء وَنَحْوهَا. (وَيَصِحّ صَوْم نَفْل بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَار قَبْلَ الزَّوَال وَبَعْدَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَإِنِّي إذَنْ صَائِمٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَاشُورَاءَ؛ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ خُفِّفَ نَفْلُهَا عَنْ فَرْضِهَا، فَكَذَا الصَّوْمُ وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَكْثِيرِهِ لِكَوْنِهِ يَعِنُّ لَهُ فَعُفِيَ عَنْهُ وَيَدُلُّ لِصِحَّتِهِ بِنِيَّةٍ بَعْدَ الزَّوَالِ: أَنَّهُ قَوْلُ مُعَاذٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا يُخَالِفُهُ صَرِيحًا؛ وَلِأَنَّ النِّيَّةَ وُجِدَتْ فِي جُزْءِ النَّهَارِ فَأَشْبَهَ وُجُودَهَا قَبْلَ الزَّوَالِ بِلَحْظَةٍ، وَبِهِ يَبْطُلُ التَّعْلِيلُ بِالْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْأَكْثَرَ قَدْ خَلَا عَنْ النِّيَّةِ فِي الْأَصْلِ، فَإِنَّ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالزَّوَالِ يَزِيدُ عَلَى مَا بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ بِمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ، وَأَيْضًا جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لِنِيَّةِ الْفَرْضِ فَكَذَا النَّهَارُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ مَا يُفَطِّرُهُ قَبْلَ النِّيَّةِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، لَكِنْ خَالَفَ فِيهِ أَبُو زَيْدٍ الشَّافِعِيُّ. (وَيُحْكَمُ بِالصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ الْمُثَابُ عَلَيْهِ مِنْ وَقْتِ النِّيَّةِ) ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَلَا يَقَعُ عِبَادَةٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ» (فَيَصِحُّ تَطَوُّعُ حَائِضٍ) أَوْ نُفَسَاءَ (طَهُرَتْ) فِي يَوْمٍ بِصَوْمِ بَقِيَّتِهِ (و) تَطَوُّعُ (كَافِرٍ أَسْلَمَ فِي يَوْمٍ وَلَمْ يَأْكُلَا) أَيْ الْحَائِضُ وَالْكَافِرُ، وَلَوْ قَالَ كَالْمُنْتَهَى: لَمْ يَأْتِيَا فِيهِ بِمُفْسِدٍ لَكَانَ أَشْمَلَ (بِصَوْمِ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَطَوُّعٍ. وَفِي الْفُرُوعِ: يَتَوَجَّهُ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُمَا صَوْمٌ. [بَابُ مَا يُفْسِدُ الصِّيَامَ] َ وَهُوَ كُلُّ مَا يُنَافِيهِ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا (وَ) مَا (يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ) كَالْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (مِنْ أَكْلٍ وَلَوْ تُرَابًا أَوْ مَا لَا يُغَذِّي) بِالْغَيْنِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَتَيْنِ (وَلَا يَنْمَاعُ فِي الْجَوْفِ، كَالْحَصَى أَوْ شَرِبَ) فَسَدَ صَوْمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] فَأَبَاحَهُمَا إلَى غَايَةٍ وَهِيَ تَبَيُّنُ
الْفَجْرِ ثُمَّ أَمَرَ بِالْإِمْسَاكِ عَنْهُمَا إلَى اللَّيْلِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، إنَّهُ تَرَكَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. (أَوْ اسْتَعَطَ) فِي أَنْفِهِ (بِدُهْنٍ أَوْ غَيْرِهِ فَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ أَوْ دِمَاغِهِ) . وَفِي الْكَافِي: أَوْ خَيَاشِيمِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ «لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّائِمَ عَنْ الْمُبَالَغَةِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ» ؛ وَلِأَنَّ الدِّمَاغَ جَوْفٌ وَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَيُفْطِرُ كَجَوْفِ الْبَدَنِ. (أَوْ احْتَقَنَ) فِي دُبُرِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ؛ وَلِأَنَّ غَيْرَ الْمُعْتَادِ كَالْمُعْتَادِ فِي الْوَاصِلِ وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ وَأَوْلَى مِنْ الِاسْتِعَاطِ (أَوْ دَاوَى الْجَائِفَةَ أَوْ جُرْحًا بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَوْصَلَ إلَى جَوْفِهِ شَيْئًا بِاخْتِيَارِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ (أَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ أَوْ صَبِرٍ أَوْ قُطُورٍ أَوْ ذَرُورٍ أَوْ إثْمِدٍ وَلَوْ غَيْرُ مُطَيَّبٍ يَتَحَقَّقُ مَعَهُ وُصُولُهُ إلَى حَلْقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقَالَ: لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ضَعِيفٌ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: صَدُوقٌ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ؛ وَلِأَنَّ الْعَيْنَ مَنْفَذٌ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ وَكَالْوَاصِلِ مِنْ الْأَنْفِ. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ وُصُولُهُ إلَى حَلْقِهِ (فَلَا) فِطْرَ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ (أَوْ اسْتَقَاءَ) أَيْ: اسْتَدْعَى الْقَيْءَ (فَقَاءَ طَعَامًا أَوْ مِرَارًا أَوْ بَلْغَمًا أَوْ دَمًا أَوْ غَيْرَهُ وَلَوْ قَلَّ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَرْفُوعِ: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ: إسْنَادُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ (أَوْ أَدْخَلَ إلَى جَوْفِهِ أَوْ مُجَوَّفٍ فِي جَسَدِهِ كَدِمَاغِهِ وَحَلْقِهِ وَبَاطِنِ فَرْجِهَا، وَتَقَدَّمَ فِي) بَابِ (الِاسْتِطَابَةِ إذَا أَدْخَلَتْ أُصْبُعَهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ) أَيْ: نَحْوُ الدِّمَاغِ وَالْحَلْقِ وَبَاطِنِ فَرْجِهَا كَالدُّبُرِ (مِمَّا يُنْفِذُ إلَى مَعِدَتِهِ شَيْئًا مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَلَوْ خَيْطًا ابْتَلَعَهُ كُلَّهُ أَوْ) ابْتَلَعَ (بَعْضَهُ أَوْ رَأْسَ سِكِّينٍ مِنْ فِعْلِهِ أَوْ فِعْلِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ) فَغَابَ فِي جَوْفِهِ فَسَدَ صَوْمُهُ، وَيُعْتَبَرُ الْعِلْمُ بِالْوَاصِلِ. وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ: بِأَنَّهُ يَكْفِي الظَّنُّ وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يُفْطِرُ بِمُدَاوَاةِ جَائِفَةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَلَا بِحُقْنَةٍ (أَوْ دَاوَى الْمَأْمُومَةَ) فَوَصَلَ إلَى دِمَاغِهِ (أَوْ قَطَرَ فِي أُذُنِهِ مِمَّا يَصِلُ إلَى دِمَاغِهِ) ؛ لِأَنَّ الدِّمَاغَ أَحَدُ الْجَوْفَيْنِ فَالْوَاصِلُ إلَيْهِ يُغَذِّيهِ فَأَفْسَدَ الصَّوْمَ كَالْآخَرِ (أَوْ اسْتَمْنَى) أَيْ:
اسْتَدْعَى الْمَنِيَّ (فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى) ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ بِالْقُبْلَةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِالْإِنْزَالِ فَلَأَنْ يَفْسُدَ بِهِ بِطَرِيقِ أَوْلَى فَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ أَتَى مُحَرَّمًا وَلَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ، وَإِنْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا كَالْبَوْلِ (أَوْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ أَوْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ فَأَمْنَى أَوْ أَمْذَى) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد «عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: هَشَشْتُ فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي فَعَلْتُ أَمْرًا عَظِيمًا قَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ مِنْ إنَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ قُلْتُ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ فَمَهْ» فَشَبَّهَ الْقُبْلَةَ بِالْمَضْمَضَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْفِطْرِ فَإِنَّ الْقُبْلَةَ إذَا كَانَ مَعَهَا نُزُولٌ أَفْطَرَ وَإِلَّا فَلَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ غَايَتَهُ: أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَسِيلَةً وَذَرِيعَةً إلَى الْجِمَاعِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا فِطْرَ بِدُونِ الْإِنْزَالِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَرُوِيَ بِتَحْرِيكِ الرَّاءِ وَسُكُونِهَا وَمَعْنَاهُ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرِهَا وَقِيلَ: بِالتَّسْكِينِ الْعُضْوُ وَبِالتَّحْرِيكِ الْحَاجَةُ (أَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَمْنَى) ؛ لِأَنَّهُ إنْزَالٌ بِفِعْلٍ يَلْتَذُّ بِهِ وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِاللَّمْسِ (وَلَا) يُفْطِرُ (إنْ أَمْذَى) بِتَكْرَارِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ. وَالْقِيَاسُ عَلَى إنْزَالِ الْمَنِيِّ لَا يَصِحُّ لِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ فِي الْأَحْكَامِ (أَوْ لَمْ يُكَرِّرْ النَّظَرَ فَأَمْنَى) أَيْ: لَا فِطْرَ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْ النَّظْرَةِ الْأُولَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ النَّظَرَ فَلَمْ يُنْزِلْ فَلَا فِطْرَ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ (أَوْ حَجَمَ أَوْ احْتَجَمَ) فِي الْقَفَا أَوْ السَّاقِ نَصَّ عَلَيْهِ. (وَظَهَرَ دَمٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَشَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَعَائِشَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَهُوَ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا يَزِيدُ عَلَى رُتْبَةِ الْمُسْتَفِيضِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ثَبَتَتْ الْأَخْبَارُ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ وَقَالَ أَحْمَدُ فِيهِ غَيْرُ حَدِيثِ ثَابِتٍ وَأَصَحُّهَا: حَدِيثُ رَافِعٍ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ ثَوْبَانَ وَشَدَّادٍ وَصَحَّحَهُمَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ، وَرَخَّصَ فِيهَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَجَوَابُهُ: أَنَّ أَحْمَدَ ضَعَّفَهُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْصَارِيَّ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ فِي فِتْنَةٍ فَكَانَ يُحَدِّثُ
مِنْ كُتُبِ غُلَامِهِ أَبِي حَكِيمٍ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَهُوَ مَنْسُوخٌ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَهُوَ رَاوِيهِ كَانَ يُعِدُّ الْحَجَّامَ وَالْمَحَاجِمَ قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ فَإِذَا غَابَتْ احْتَجَمَ كَذَلِكَ رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَجَدَهُ» وَأَحَادِيثُنَا أَكْثَرُ وَاعْتَضَدَتْ بِعَمَلِ الصَّحَابَةِ وَهِيَ قَوْلٌ وَحَدِيثُهُمْ فِعْلٌ، وَالْقَوْلُ مُقَدَّمٌ لِعَدَمِ عُمُومِ الْفِعْلِ وَاحْتِمَالِ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وَنَسْخُ حَدِيثِهِمْ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِ الْأَصْلِ فَنَسْخُهُ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّةً وَاحِدَةً بِخِلَافِ نَسْخِ حَدِيثِنَا؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ مَرَّتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ دَمٌ فَلَا فِطْرَ. وَ (لَا) فِطْرَ (إنْ جَرَحَ) الصَّائِمُ (نَفْسَهُ أَوْ جَرَحَهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ) شَيْءٌ مِنْ آلَةِ الْجَرْحِ (وَلَوْ) كَانَ الْجَرْحُ (بَدَلَ الْحِجَامَةِ) . (وَلَا) فِطْرَ (بِفَصْدٍ وَشَرْطٍ وَلَا بِإِخْرَاجِ دَمِهِ بِرُعَافٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ (أَيْ: ذَلِكَ) الْمَذْكُورُ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِمَا. (فِعْلُ) الصَّائِمِ (عَامِدًا) أَيْ: قَاصِدًا لِلْفِعْلِ (ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ مُخْتَارًا) لِفِعْلِهِ (فَسَدَ صَوْمُهُ وَلَوْ جَهِلَ التَّحْرِيمَ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، (فَلَا يُفْطِرُ غَيْرُ قَاصِدٍ الْفِعْلَ كَمَنْ طَارَ إلَى حَلْقِهِ غُبَارٌ وَنَحْوُهُ) كَذُبَابٍ (أَوْ أُلْقِيَ فِي مَاءٍ فَوَصَلَ إلَى جَوْفِهِ وَنَحْوِهِ) ؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْقَاصِدِ غَافِلٌ غَيْرُ مُكَلَّفٍ وَإِلَّا لَزِمَ تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ. (وَلَا) يُفْطِرُ (نَاسٍ) لِفِعْلِ شَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَرْضًا كَانَ الصَّوْمُ أَوْ نَفْلًا) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ. (وَلَا) يُفْطِرُ (مُكْرَهٌ سَوَاءٌ أُكْرِهَ عَلَى الْفِعْلِ) أَيْ: الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ (حَتَّى فَعَلَ) مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ (أَوْ فُعِلَ بِهِ بِأَنْ صُبَّ فِي حَلْقِهِ مُكْرَهًا أَوْ نَائِمًا كَمَا لَوْ أُوجِرَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ مُعَالَجَةً) لِعُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ". (وَيُفْطِرُ) الصَّائِمُ (بِرِدَّةٍ) مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَكَذَلِكَ كُلُّ عِبَادَةٍ حَصَلَتْ الرِّدَّةُ فِي أَثْنَائِهَا فَإِنَّهَا تُفْسِدُهَا (وَ) يُفْطِرُ بِ (مَوْتٍ فَيُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ فِي نَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ) مِسْكِينٌ لِفَسَادِ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لِتَعَذُّرِ قَضَائِهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي حُكْمِ الْقَضَاءِ. (وَإِنْ دَخَلَ حَلْقَهُ ذُبَابٌ أَوْ غُبَارُ طَرِيقٍ أَوْ) غُبَارُ (دَقِيقٍ أَوْ دُخَانٌ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ)
لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ الْقَصْدِ كَالنَّائِمِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ ابْتَلَعَ الدُّخَانَ قَصْدًا فَسَدَ صَوْمُهُ. (أَوْ قَطَرَ فِي إحْلِيلِهِ) دُهْنًا أَوْ غَيْرَهُ لَمْ يُفْطِرْ (وَلَوْ وَصَلَ مَثَانَتَهُ) لِعَدَمِ الْمَنْفَذِ، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ الْبَوْلُ رَشْحًا كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ عَمِيقٍ لَمْ يَصِلْ إلَى الْجَوْفِ، وَالْمَثَانَةُ: الْعُضْوُ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْبَوْلُ وَإِذَا كَانَ لَا يَسْتَمْسِكُ بَوْلَهُ قِيلَ: مَثِنَ الرَّجُلُ بِكَسْرِ الثَّاءِ فَهُوَ أَمْثَنُ، وَالْمَرْأَةُ مَثْنَى وَقَالَ الْكِسَائِيُّ: يُقَالُ رَجُلٌ مَثِنٌ وَمَمْثُونٌ. (أَوْ فَكَّرَ فَأَمْنَى أَوْ مَذَى) لَمْ يُفْطِرْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عُفِيَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ، وَقِيَاسُهُ عَلَى تَكْرَارِ النَّظَرِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ دُونَهُ فِي اسْتِدْعَاءِ الشَّهْوَةِ وَإِفْضَائِهِ إلَى الْإِنْزَالِ (كَمَا لَوْ حَصَلَ) الْإِنْزَالُ (بِفِكْرٍ غَالِبٍ) أَيْ: غَيْرِ اخْتِيَارِيٍّ بِأَنْ لَمْ يَتَسَبَّبْ فِيهِ (أَوْ احْتَلَمَ أَوْ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوْ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ أَوْ) لِ (سَقْطَةٍ) مِنْ مَوْضِعٍ عَالٍ (أَوْ خُرُوجًا مِنْهُ لِهَيَجَانِ شَهْوَةٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ذَكَرَهُ) بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ (أَوْ أَمْنَى نَهَارًا مِنْ وَطْءِ لَيْلٍ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَسَبَّبْ إلَيْهِ فِي النَّهَارِ (أَوْ) أَمْنَى (لَيْلًا مِنْ مُبَاشَرَتِهِ نَهَارًا) فَلَا فِطْرَ بِذَلِكَ كُلِّهِ. (أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ) بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ: غَلَبَهُ وَسَبَقَهُ لَمْ يُفْطِرْ لِلْخَبَرِ (وَلَوْ عَادَ) شَيْءٌ مِنْ قَيْئِهِ (إلَى جَوْفِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ) ؛ لِأَنَّهُ كَالْمُكْرَهِ (لَا إنْ عَادَ) الْقَيْءُ إلَى جَوْفِهِ (بِاخْتِيَارِهِ) وَلَوْ لَمْ يَمْلَأْ الْفَمَ أَوْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ ثُمَّ أَعَادَهُ عَمْدًا، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ كَبَلْعِهِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنْ الْفَمِ. (أَوْ أَصْبَحَ) الصَّائِمُ (وَفِي فِيهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ) أَيْ: رَمَاهُ لَمْ يُفْطِرْ لِعَدَمِ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ وَلَا يَخْلُو مِنْهُ صَائِمٌ غَالِبًا (أَوْ شَقَّ) عَلَيْهِ (لَفْظُهُ) أَيْ: رَمْيُ الطَّعَامِ الَّذِي أَصْبَحَ بِفَمِهِ لِعَدَمِ تَمَيُّزِهِ عَنْ رِيقِهِ (فَبَلَعَهُ مَعَ رِيقِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَوْ جَرَى رِيقُهُ بِبَقِيَّةِ طَعَامٍ تَعَذَّرَ رَمْيُهُ) لَمْ يُفْطِرْ بِذَلِكَ لِمَا سَبَقَ. (أَوْ بَلَعَ) الصَّائِمُ (رِيقَهُ عَادَةً) لَمْ يُفْطِرْ، (لَا إنْ أَمْكَنَ لَفْظُهُ بَقِيَّةَ الطَّعَامِ بِأَنْ تَمَيَّزَ عَنْ رِيقِهِ فَبَلَعَهُ عَمْدًا وَلَوْ) كَانَ (دُونَ حِمَّصَةٍ) فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي لَفْظِهِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْهُ مُمْكِنٌ. (أَوْ اغْتَسَلَ) لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ؛ وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ الْجِمَاعَ وَغَيْرَهُ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ فَيَلْزَمُ جَوَازُ الْإِصْبَاحِ جُنُبًا احْتَجَّ بِهِ رَبِيعَةُ وَالشَّافِعِيُّ. (أَوْ تَمَضْمَضَ أَوْ اسْتَنْشَقَ) فِي الْوُضُوءِ (فَدَخَلَ الْمَاءُ حَلْقَهُ بِلَا قَصْدٍ أَوْ بَلَعَ مَا بَقِيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَاءِ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ لَمْ يُفْطِرْ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ قَصْدٍ أَشْبَهَ الذُّبَابَ (وَكَذَا إنْ
زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْفِعْلَيْنِ وَهُمَا الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ (أَوْ بَالَغَ فِيهِ) أَيْ: فِي أَحَدِهِمَا بِأَنْ بَالَغَ فِي الْمَضْمَضَةِ أَوْ الِاسْتِنْشَاقِ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُمَا) أَيْ: الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ (لِغَيْرِ طَهَارَةٍ) أَيْ: وُضُوءٍ أَوْ غُسْلٍ (فَإِنْ كَانَ لِنَجَاسَةٍ وَنَحْوِهَا فَكَالْوُضُوءِ، وَإِنْ كَانَ عَبَثًا أَوْ لِحَرٍّ أَوْ عَطَشٍ كُرِهَ) نَصَّ عَلَيْهِ، سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الصَّائِمِ يَعْطَشُ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمَّ يَمُجُّ الْمَاءَ قَالَ: يَرُشُّ عَلَى صَدْرِهِ أَحَبُّ إلَيَّ (وَحُكْمُهُ) فِي الْفِطْرِ (حُكْمُ الزَّائِدِ عَلَى الثَّلَاثِ) فَلَا يُفْطِرُ بِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَكَذَا إنْ غَاصَ فِي الْمَاءِ فِي غُسْلٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ أَوْ إسْرَافٍ أَوْ كَانَ عَابِثًا) فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ وَلَا يُفْطِرُ بِمَا يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ بِلَا قَصْدٍ. (وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فِي) نَهَارِ (رَمَضَانَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا وَجَبَ إعْلَامُهُ عَلَى مَنْ رَآهُ) كَإِعْلَامِ نَائِمٍ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ. (وَلَا يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الِاغْتِسَالُ) نَهَارًا لِجَنَابَةٍ وَنَحْوِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ (وَلَوْ) كَانَ الِاغْتِسَالُ (لِلتَّبَرُّدِ) ؛ لِأَنَّ فِيهِ إزَالَةَ الضَّجَرِ مِنْ الْعِبَادَةِ كَالْجُلُوسِ فِي الظِّلِّ الْبَارِدِ قَالَهُ الْمَجْدُ. (لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَزِمَهُ الْغُسْلُ لَيْلًا مِنْ جُنُبٍ وَحَائِضٍ وَنَحْوِهِمَا) كَنُفَسَاءَ انْقَطَعَ دَمُهَا وَكَافِرٍ أَسْلَمَ (أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ وَاحْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ (فَلَوْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْغُسْلَ (وَاغْتَسَلَ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي (صَحَّ صَوْمُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ «لَا صَوْمَ لَهُ» وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَحْسَنُ مَا سَمِعْتُ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ بَعْدَ النَّوْمِ فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ. (وَكَذَا إنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْغُسْلَ (يَوْمًا) فَأَكْثَرَ (لَكِنْ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ) أَيْ: تَأْخِيرِهَا عَنْ وَقْتِهَا (وَإِنْ كَفَرَ بِالتَّرْكِ) أَيْ: تَرْكِ الصَّلَاةِ (بَطَلَ صَوْمُهُ) بِالرِّدَّةِ (بِأَنْ يُدْعَى إلَيْهَا) أَيْ: يَدْعُوهُ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ إلَى صَلَاةٍ (وَهُوَ صَائِمٌ فَيَأْبَى) حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، (أَوْ) كَفَرَ (بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ) أَيْ: تَرْكِ الصَّلَاةِ (مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ عَلَى قَوْلِ الْآجُرِّيِّ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ لِلرِّدَّةِ. (وَإِنْ بَصَقَ نُخَامَةً بِلَا قَصْدٍ مِنْ مَخْرَجِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ لَمْ يُفْطِرْ) بِذَلِكَ، وَيَأْتِي حُكْمُ مَا إذَا بَلَعَهَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَمَنْ أَكَلَ، وَنَحْوُهُ) بِأَنْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ (شَاكًّا فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ وَدَامَ شَكُّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ فَيَكُونُ زَمَانُ الشَّكِّ مِنْهُ. (وَإِنْ أَكَلَ يَظُنُّ طُلُوعَهُ) أَيْ الْفَجْرِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَمَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ لَهُ الْأَكْلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَهُ: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا
فصل فيما يوجب الكفارة في الصوم
يَمْنَعُ نِيَّةَ الصَّوْمِ وَقَصْدَ غَيْرِ الْيَقِينِ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: اعْتِقَادُهُ طُلُوعَهُ؛ وَلِهَذَا فَرَضَهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِيمَنْ اعْتَقَدَهُ نَهَارًا فَبَانَ لَيْلًا؛ لِأَنَّ الظَّانَّ شَاكٌّ؛ وَلِهَذَا خَصُّوا الْمَنْعَ بِالْيَقِينِ وَاعْتَبَرُوهُ بِالشَّكِّ فِي نَجَاسَةِ طَاهِرٍ وَلَا أَثَرَ لِلظَّنِّ فِيهِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الظَّنَّ وَالِاعْتِقَادَ وَاحِدٌ وَأَنَّهُ يَأْكُلُ مَعَ الشَّكِّ وَالتَّرَدُّدِ مَا لَمْ يَظُنَّ أَوْ يَعْتَقِدْ النَّهَارَ (فَبَانَ لَيْلًا، وَلَمْ يُجَدِّدْ نِيَّةَ صَوْمِهِ الْوَاجِبِ قَضَى) ؛ لِأَنَّهُ قَطَعَ نِيَّةَ الصَّوْمِ بِأَكْلِهِ يَعْتَقِدُ نَهَارًا وَالصَّوْمُ لَا يَصِحُّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ. (وَإِنْ أَكَلَ وَنَحْوَهُ شَاكًّا فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ وَدَامَ شَكُّهُ) قَضَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ النَّهَارِ (وَلَا) يَقْضِي إنْ أَكَلَ وَنَحْوُهُ (ظَانًّا) غُرُوبَ الشَّمْسِ (وَدَامَ شَكُّهُ) ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَالُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَتُهُ. (وَلَوْ شَكَّ) فِي غُرُوبِ الشَّمْسِ (بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْأَكْلِ وَنَحْوِهِ (وَدَامَ) شَكُّهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ يَقِينٌ أَزَالَ ذَلِكَ الظَّنَّ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ ثُمَّ شَكَّ فِي الْإِصَابَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ (أَوْ أَكَلَ يَظُنُّ بَقَاءَ النَّهَارِ قَضَى) مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ كَانَ بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ إلَى اللَّيْلِ وَلَمْ يُتِمَّهُ، (وَإِنْ بَانَ) أَنَّ أَكْلَهُ وَنَحْوَهُ كَانَ (لَيْلًا لَمْ يَقْضِ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَمَّ صَوْمَهُ. (وَإِنْ أَكَلَ) ، وَنَحْوُهُ (يَظُنُّ أَوْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَيْلٌ فَبَانَ نَهَارًا فِي أَوَّلِهِ) بِأَنْ أَكَلَ يَظُنُّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ وَقَدْ طَلَعَ، (أَوْ أَخَّرَهُ) بِأَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّمْسَ غَرَبَتْ وَلَمْ تَغِبْ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ وَلَمْ يُتِمَّهُ وَقَالَتْ أَسْمَاءُ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ قِيلَ لِهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لَا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ جَهِلَ وَقْتَ الصَّوْمِ فَلَمْ يُعْذَرْ كَالْجَهْلِ بِأَوَّلِ رَمَضَانَ. " تَتِمَّةٌ " لَوْ أَكَلَ وَنَحْوُهُ نَاسِيًا فَظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فَأَكَلَ وَنَحْوُهُ عَمْدًا قَضَى قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَيُشْبِهُ ذَلِكَ لَوْ اعْتَقَدَ الْبَيْنُونَةَ فِي الْخُلْعِ لِأَجْلِ عَدَمِ عَوْدِ الصِّفَةِ ثُمَّ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ. [فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّوْم] فَصْلٌ فِيمَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ (وَإِذَا جَامَعَ فِي نَهَارِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرِ شَبَقٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ بِهِ مَرَضٌ يَنْتَفِعُ بِالْوَطْءِ
فِيهِ (بِذَكَرٍ أَصْلِيٍّ فِي فَرْجٍ أَصْلِيٍّ قُبُلًا كَانَ) الْفَرْجُ (أَوْ دُبُرًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ) كَبَهِيمَةٍ أَوْ سَمَكَةٍ أَوْ طَيْرَةٍ (حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ أَنْزَلَ أَمْ لَا، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا أَوْ مُخْطِئًا مُخْتَارًا أَوْ مُكْرَهًا نَصًّا، سَوَاءٌ أُكْرِهَ حَتَّى فَعَلَهُ) أَيْ الْجِمَاعَ (أَوْ فُعِلَ بِهِ مِنْ نَائِمٍ وَغَيْرِهِ) أَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْتُ قَالَ: مَالَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ إطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، فَمَكَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ؟ فَقَالَ: هَا أَنَا قَالَ: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ فَقَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاَللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَضَحِكَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا وُجُوبُ الْقَضَاءِ؛ «فَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُجَامِعِ: وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَأَمَّا كَوْنُ السَّاهِي كَالْعَامِدِ، وَالْمُكْرَهِ كَالْمُخْتَارِ وَالنَّائِمِ كَالْمُسْتَيْقِظِ فَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَفْصِلْ الْأَعْرَابِيَّ وَلَوْ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ بِذَلِكَ لَاسْتَفْصَلَهُ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ وَالسُّؤَالُ مُعَادٌ فِي الْجَوَابِ كَأَنَّهُ قَالَ: إذَا وَقَعْتَ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ فَكَفِّرْ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ يَحْرُمُ الْوَطْءُ فِيهِ فَاسْتَوَى عَمْدُهُ وَغَيْرُهُ كَالْحَجِّ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُنْزِلَ أَوْ لَا فَلِأَنَّهُ فِي مَظِنَّةِ الْإِنْزَالِ؛ أَوْ لِأَنَّهُ بَاطِنٌ كَالدُّبُرِ. (وَلَوْ أَوْلَجَ بِفَرْجٍ أَصْلِيٍّ) فِي فَرْجٍ غَيْرِ أَصْلِيٍّ كَفَرْجِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (أَوْ) أَوْلَجَ بِفَرْجٍ (غَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي) فَرْجٍ (غَيْرِ أَصْلِيٍّ) كَمَا لَوْ جَامَعَ خُنْثَى مُشْكِلٌ خُنْثَى مُشْكِلًا (فَلَا كَفَّارَةَ) عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ، (وَلَمْ يَفْسُدْ صَوْمُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ) كَالْغُسْلِ، فَإِنْ أَنْزَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ. (وَإِنْ أَوْلَجَ بِغَيْرِ أَصْلِيٍّ فِي أَصْلِيٍّ فَسَدَ صَوْمُهَا فَقَطْ) أَيْ: دُونَ الْخُنْثَى (؛ لِأَنَّ دَاخِلَ فَرْجِهَا فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ فَيَفْسُدُ) صَوْمُهَا (بِإِدْخَالِ غَيْرِ) الْفَرْجِ (الْأَصْلِيِّ كَأُصْبُعِهَا وَأُصْبُعِ غَيْرِهَا وَأَوْلَى) أَيْ: إفْسَادُ صَوْمِهَا بِإِدْخَالِ الْفَرْجِ غَيْرِ الْأَصْلِيِّ أَوْلَى مِنْ إفْسَادِهِ بِإِدْخَالِ أُصْبُعٍ فِي فَرْجِهَا، (وَكَلَامُهُمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (هُنَا يُخَالِفُهُ) حَيْثُ قَالُوا: لَا
يَفْسُدُ صَوْمٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُنْزِلَ (إلَّا أَنْ نَقُولَ: دَاخِلُ الْفَرْجِ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ) وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ وَاسْتَدَلَّ بِأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ، كَالْفَمِ وَإِذَا ظَهَرَ دَمُ حَيْضِهَا إلَيْهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ فَسَدَ صَوْمُهَا وَلَوْ كَانَ فِي حُكْمِ الْبَاطِنِ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهَا حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ وَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ كَالدُّبُرِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، فَهُوَ كَفَمِهَا وَعُمْقِ سُرَّتِهَا وَطَيِّ عُكَنِهَا، وَإِنَّمَا فَسَدَ صَوْمُهَا بِإِيلَاجِ ذَكَرِ الرَّجُلِ فِيهِ، لِكَوْنِهِ جِمَاعًا لَا لِكَوْنِهِ وُصُولًا إلَى بَاطِنٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ أَوْلَجَ أُصْبُعَهُ فِي قُبُلِهَا فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُ صَوْمَهَا، وَالْجِمَاعُ يُفْسِدُ لِكَوْنِهِ مَظِنَّةَ الْإِنْزَالِ فَأُقِيمَ مَقَامَ الْإِنْزَالِ كَمَا أُقِيمَ مَقَامَهُ فِي وُجُوبِ الْغُسْلِ؛ وَلِهَذَا يَفْسُدُ بِهِ صَوْمُ الرَّجُلِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَلَمْ يَصِلْ إلَى جَوْفِهِ شَيْءٌ. (وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ فَلَوْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ) الثَّانِي (وَهُوَ مُجَامِعٌ فَنَزَعَ فِي الْحَالِ مَعَ أَوَّلِ طُلُوعِ الْفَجْرِ) الثَّانِي (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَذُّ بِالنَّزْعِ كَمَا يَلْتَذُّ بِالْإِيلَاجِ (كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ) الْجِمَاعَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، بِخِلَافِ مُجَامِعٍ حَلَفَ لَا يُجَامِعُ فَنَزَعَ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِتَعَلُّقِ الْيَمِين بِالْمُسْتَقْبَلِ أَوَّلَ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ. (وَلَوْ جَامَعَ يَعْتَقِدُهُ لَيْلًا فَبَانَ نَهَارًا وَجَبَ) عَلَيْهِ (الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى قِيَاسِهِ: لَوْ جَامَعَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ. (وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ كَفَّارَةٌ مَعَ الْعُذْرِ كَنَوْمٍ أَوْ إكْرَاهٍ وَنِسْيَانٍ وَجَهْلٍ) ؛ لِأَنَّهَا مَعْذُورَةٌ (وَيَفْسُدُ صَوْمُهَا بِذَلِكَ) أَيْ: بِوَطْئِهَا مَعْذُورَةً فَيَلْزَمُهَا الْقَضَاءُ قَالَ فِي الشَّرْحِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ فَاسْتَوَى فِيهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كَالْأَكْلِ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُكْرَهَةِ. (وَتَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ) إذَا جُومِعَتْ (مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ) ؛ لِأَنَّهَا هَتَكَتْ حُرْمَةَ صَوْمِ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ فَلَزِمَتْهَا الْكَفَّارَةُ كَالرَّجُلِ، وَأَمَّا كَوْنُ الشَّارِعِ لَمْ يَأْمُرْهَا بِهَا فَلِأَنَّ فِي لَفْظِ الدَّارَقُطْنِيّ «: هَلَكْتُ وَأَهْلَكْتُ» فَدَلَّ أَنَّهَا كَانَتْ مُكْرَهَةً. (وَلَوْ طَاوَعَتْهُ أَمَتُهُ) عَلَى الْجِمَاعِ (كَفَّرَتْ بِالصَّوْمِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهَا وَمِثْلُهَا أُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ. (وَلَوْ أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ) أَوْ أَمَتَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَطْءِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ (دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ، وَلَوْ أَفْضَى ذَلِكَ إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ كَالْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي ذَكَرَهُ) أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيٌّ (ابْنُ عَقِيلٍ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ) . (وَلَوْ اسْتَدْخَلَتْ) صَائِمَةٌ (ذَكَرَ نَائِمٍ أَوْ) ذَكَرَ (صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ بَطَلَ صَوْمُهَا) لِلْجِمَاعِ، فَيَجِبُ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ إنْ كَانَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ. (وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِقُبْلَةٍ وَلَمْسٍ وَنَحْوِهِمَا) كَمُفَاخَذَةٍ (إذَا أَنْزَلَ)
لِأَنَّهُ فِطْرٌ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ رَأَى الْهِلَالَ فِي لَيْلَتِهِ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقِهِ أَوْ غَيْرِهِ (فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ فَلَزِمَتْهُ كَمَا لَوْ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ. (وَإِنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرْجِ عَامِدًا فَأَنْزَلَ وَلَوْ مَذْيًا) فَسَدَ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَسَدَ بِاللَّمْسِ مَعَ الْإِنْزَالِ فَفِيمَا ذُكِرَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَلَا كَفَّارَةَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِجِمَاعٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ لَمْ يَفْسُدْ صَوْمُهُ كَاللَّمْسِ وَالْقُبْلَةِ. (أَوْ أَنْزَلَ مَجْبُوبٌ أَوْ امْرَأَتَانِ بِمُسَاحَقَةٍ فَسَدَ الصَّوْمُ) لِمَا سَبَقَ، (وَلَا كَفَّارَةَ) صَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، فِيمَا إذَا تَسَاحَقَتَا، وَنَقَلَهُ فِي الْإِنْصَافِ عَنْ الْأَصْحَابِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ؛ لِأَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى الْجِمَاعِ، وَجَعَلَ فِي الْمُنْتَهَى تَبَعًا لِلتَّنْقِيحِ: إنْزَالَ الْمَجْبُوبِ وَالْمَرْأَتَيْنِ بِالْمُسَاحَقَةِ كَالْجِمَاعِ. (وَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَ وَاحِدٌ وَلَمْ يُكَفِّرْ) لِلْيَوْمِ الْأَوَّلِ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَتَانِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ وَكَالْحَجَّتَيْنِ، (كَمَا لَوْ كَفَّرَ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ) فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ لِلْيَوْمِ الثَّانِي كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (وَكَيَوْمَيْنِ مِنْ رَمَضَانَيْنِ) . وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَبْلَ التَّكْفِيرِ (فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ) بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ فَلَوْ كَفَّرَ بِالْعِتْقِ لِلْوَطْءِ الْأَوَّلِ ثُمَّ بِهِ لِلثَّانِي، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الرَّقَبَةُ الْأُولَى لَمْ يَلْزَمْهُ بَدَلُهَا وَأَجْزَأَتْهُ الثَّانِيَةُ عَنْهُمَا وَلَوْ اُسْتُحِقَّتْ الثَّانِيَةُ وَحْدَهَا لَزِمَهُ بَدَلُهَا، وَلَوْ اُسْتُحِقَّتَا جَمِيعًا أَجْزَأَتْهُ رَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ التَّدَاخُلِ وُجُودُ السَّبَبِ الثَّانِي قَبْلَ أَدَاءِ مُوجِبِ الْأَوَّلِ وَنِيَّةُ التَّعْيِينِ لَا تُعْتَبَرُ، فَيُكَفِّرُ وَتَصِيرُ كَنِيَّةٍ مُطْلَقَةٍ هَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ الْمَجْدُ، قِيَاسُ مَذْهَبِنَا. (وَإِنْ جَامَعَ ثُمَّ كَفَّرَ ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمِهِ فَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَالْمَيْمُونِيِّ؛ لِأَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ وَقَدْ تَكَرَّرَ فَتَتَكَرَّرُ هِيَ كَالْحَجِّ بِخِلَافِ الْوَطْءِ لَيْلًا فَإِنَّهُ مُبَاحٌ، لَا يُقَالُ: الْوَطْءُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ هَتْكَ الصَّوْمِ وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْإِيجَابِ فَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ مُلْغًى بِمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ يُجَامِعُ فَاسْتَدَامَ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ الْهَتْكِ. (وَكَذَا كُلُّ مَنْ لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ يُكَفِّرُ لِوَطْئِهِ) كَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ أَوْ أَكَلَ عَامِدًا ثُمَّ جَامَعَ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِهَتْكِهِ حُرْمَةَ الزَّمَنِ بِهِ؛ وَلِأَنَّهَا تَجِبُ عَلَى الْمُسْتَدِيمِ لِلْوَطْءِ وَلَا صَوْمَ هُنَاكَ فَكَذَا هُنَا. (وَلَوْ جَامَعَ وَهُوَ صَحِيحٌ ثُمَّ جُنَّ أَوْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ أَوْ حَاضَتْ) الْمَرْأَةُ (أَوْ نَفِسَتْ بَعْدَ وَطْئِهَا لَمْ تَسْقُطْ الْكَفَّارَةُ) ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ صَوْمًا وَاجِبًا مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ تَامٍّ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا لَوْ لَمْ يَطْرَأْ الْعُذْرُ لَا يُقَالُ: تَبَيَّنَّا أَنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ عِنْدَ
الْجِمَاعِ؛ لِأَنَّ الصَّادِقَ لَوْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَيَمْرَضُ أَوْ يَمُوتُ لَمْ يَجُزْ الْفِطْرُ. (وَلَوْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ بَطَلَ صَوْمُهُ) ؛ لِعَدَمِ اسْتِصْحَابِ حُكْمِ النِّيَّةِ الَّذِي هُوَ شَرْطٌ فِي الْعِبَادَاتِ غَيْرَ الْحَجِّ، (فَإِنْ كَانَ) الصَّوْمُ (نَذْرًا وَجَبَ الْإِطْعَامُ مِنْ تَرِكَتِهِ) لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَيُطْعِمُ مِسْكِينًا، وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ إنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، (وَإِنْ كَانَ صَوْمُ كَفَّارَةِ تَخْيِيرٍ) كَفِدْيَةٍ إذَنْ (وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِهِ) لِتَعَذُّرِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ مَا وَجَبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ مِنْهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَمَا يَأْتِي وَيَأْتِي حُكْمُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَغَيْرِهَا فِي الْبَابِ بَعْدَهُ. (وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ) الْمُبِيحِ لِلْفِطْرِ (ثُمَّ جَامَعَ فَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ لَا يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ فِيهِ فَلَمْ تَجِبْ كَالتَّطَوُّعِ (وَتَقَدَّمَ) فِي الْبَابِ قَبْلَهُ. (وَلَا تَجِبُ) الْكَفَّارَةُ (بِغَيْرِ الْجِمَاعِ كَأَكْلٍ وَشُرْبٍ وَنَحْوِهِمَا فِي صِيَامِ رَمَضَانَ أَدَاءً) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ وَغَيْرُ الْجِمَاعِ لَا يُسَاوِيهِ (وَيَخْتَصُّ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ بِرَمَضَانَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يُسَاوِيهِ فَلَا تَجِبُ) الْكَفَّارَةُ (فِي قَضَائِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ بِزَمَانٍ بِخِلَافِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ. (وَالْكَفَّارَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ عِتْقُ رَقَبَةٍ) إنْ وَجَدَهَا بِشَرْطِهِ وَيَأْتِي مُفَصَّلًا فِي الظِّهَارِ، (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرَّقَبَةَ وَلَا ثَمَنَهَا (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الرَّقَبَةِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ) عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْعِتْقِ، نَصَّ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُعْتِقَ فَيُجْزِئُهُ وَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ الْأَوْلَى قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَ (لَا) يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ (إنْ قَدَرَ) عَلَى الْعِتْقِ (قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ الْمُوَاقِعَ عَمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ حِينَ أَخْبَرَهُ وَلَمْ يَسْأَلهُ عَمَّا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ حَالَ الْمُوَاقَعَةِ وَهِيَ حَالُ الْوُجُوبِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَدَ الْمُبْدَلَ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِالْبَدَلِ فَلَزِمَهُ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ حَالَ الْوُجُوبِ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا يَأْتِي فِي الظِّهَارِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) الصَّوْمَ (فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا) ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ بُرِّ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي التَّرْتِيبِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالِانْتِقَالِ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ كَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ (وَلَا يَحْرُمُ الْوَطْءُ هُنَا قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَلَا فِي لَيَالِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالتَّلْخِيصِ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ. وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) مَا يُطْعِمُهُ لِلْمَسَاكِينِ حَالَ الْوَطْءِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ (سَقَطَتْ عَنْهُ كَصَدَقَةِ فِطْرٍ) وَكَفَّارَةِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ الْأَعْرَابِيَّ بِهَا أَخِيرًا وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ بَقَاءَهَا فِي ذِمَّتِهِ (بِخِلَافِ كَفَّارَةِ حَجٍّ وَظِهَارٍ
باب ما يكره في الصوم
وَيَمِينٍ وَنَحْوِهَا) كَكَفَّارَةِ قَتْلٍ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْقِيَاسَ خُولِفَ فِي رَمَضَانَ لِلنَّصِّ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا: لِلنَّصِّ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ وَلِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِسَبَبِ الصَّوْمِ قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَلَيْسَ الصَّوْمُ سَبَبًا، وَإِنْ لَمْ تَجِبْ إلَّا بِالصَّوْمِ وَالْجِمَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُمَا وَتَسْقُطُ الْكَفَّارَاتُ كُلُّهَا بِتَكْفِيرِ غَيْرِهِ عَنْهُ بِإِذْنِهِ. (وَإِنْ كَفَّرَ عَنْهُ غَيْرُهُ بِإِذْنِهِ فَلَهُ أَكْلُهَا) إنْ كَانَ أَهْلًا لَهَا، (وَكَذَا لَوْ مَلَّكَهُ) غَيْرُهُ (مَا يُكَفِّرُ بِهِ) جَازَ لَهُ أَكْلُهُ مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: لَوْ مَلَّكَهُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ وَقُلْنَا: لَهُ أَخْذُهُ هُنَاكَ فَلَهُ هُنَا أَكْلُهُ، وَإِلَّا أَخْرَجَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ اهـ. وَفِي الْمُبْدِعِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْأَعْرَابِيِّ لِحَاجَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَفَّارَةً اهـ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ اسْتِدْلَالُهُمْ بِهِ عَلَى سُقُوطِهَا بِالْعَجْزِ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ عَجْزٌ بَلْ حَصَلَ الْإِخْرَاجُ وَالْإِجْزَاءُ. [بَابُ مَا يُكْرَهُ فِي الصَّوْمِ] ِ (وَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّوْمِ وَحُكْمِ الْقَضَاءِ) أَيْ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالنُّذُورِ، (لَا بَأْسَ بِابْتِلَاعِ الصَّائِمِ رِيقَهُ عَلَى جَارِي الْعَادَةِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ كَغُبَارِ الطَّرِيقِ. (وَيُكْرَهُ) لِلصَّائِمِ (أَنْ يَجْمَعَهُ) أَيْ: رِيقَهُ (وَيَبْتَلِعَهُ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْفِطْرِ بِهِ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ: أَنْ يَكُونَ مَكْرُوهًا (فَإِنْ فَعَلَهُ) أَيْ: جَمَعَ رِيقَهُ وَبَلَعَهُ (قَصْدًا لَمْ يُفْطِرْ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْهُ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْمَعْهُ وَابْتَلَعَهُ قَصْدًا لَا يُفْطِرُ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ إذَا جَمَعَهُ، (إنْ لَمْ يُخْرِجْهُ) أَيْ: رِيقَهُ (إلَى بَيْنِ شَفَتَيْهِ، فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: أَخْرَجَهُ إلَى بَيْنَ شَفَتَيْهِ (أَوْ انْفَصَلَ) رِيقُهُ (عَنْ فَمِهِ ثُمَّ ابْتَلَعَهُ) أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَ مَعْدِنَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ أَشْبَهَ الْأَجْنَبِيَّ، (أَوْ ابْتَلَعَ رِيقَ غَيْرِهِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ مِنْ خَارِجٍ. (وَإِنْ أَخْرَجَ مِنْ فِيهِ حَصَاةً أَوْ خَيْطًا أَوْ نَحْوَهُ وَعَلَيْهِ) شَيْءٌ (مِنْ رِيقِهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْحَصَاةِ وَالدِّرْهَمِ وَالْخَيْطِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ كَانَ مَا عَلَيْهِ) مِنْ رِيقِهِ (كَثِيرٌ فَبَلَعَهُ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ مِنْ خَارِجٍ لَا يُشَقُّ التَّحَرُّزُ مِنْهُ وَ (لَا) يُفْطِرُ (إنْ قَلَّ) مَا عَلَى الْحَصَاةِ أَوْ الْخَيْطِ أَوْ الدِّرْهَمِ أَوْ نَحْوِهِ؛ (لِعَدَمِ تَحَقُّقِ انْفِصَالِهِ) ، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ
الصَّوْمِ. (وَلَا إنْ أَخْرَجَ لِسَانَهُ ثُمَّ أَعَادَهُ) وَعَلَيْهِ رِيقُهُ (وَبَلَعَ مَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا) ؛ لِأَنَّ الرِّيقَ الَّذِي عَلَى لِسَانِهِ لَمْ يُفَارِقْ مَحَلَّهُ بِخِلَافِ مَا عَلَى غَيْرِ اللِّسَانِ. (وَتُكْرَهُ لَهُ الْمُبَالَغَةُ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (وَتَقَدَّمَ) فِي الْوُضُوءِ. (وَإِنْ تَنَجَّسَ فَمُهُ وَلَوْ بِخُرُوجِ قَيْءٍ وَنَحْوِهِ) كَقَلْسٍ (فَبَلَعَهُ أَفْطَرَ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ قَلَّ) لِإِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ؛ وَلِأَنَّ الْفَمَ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ فَيَقْتَضِي حُصُولَ الْفِطْرِ بِكُلِّ مَا يَصِلُ مِنْهُ، لَكِنْ عُفِيَ عَنْ الرِّيقِ لِلْمَشَقَّةِ، (وَإِنْ بَصَقَ وَبَقِيَ فَمُهُ نَجِسًا فَبَلَعَ رِيقَهُ فَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ بَلَعَ شَيْئًا نَجِسًا أَفْطَرَ) لِمَا سَبَقَ، (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّهُ بَلَعَ نَجَسًا (فَلَا) فِطْرَ؛ إذْ لَا فِطْرَ بِبَلْعِ رِيقِهِ الَّذِي لَمْ تُخَالِطْهُ نَجَاسَةٌ. (وَيَحْرُمُ) عَلَى الصَّائِمِ (بَلْعُ نُخَامَةٍ) إذَا حَصَلَتْ فِي فِيهِ لِلْفِطْرِ بِهَا، (وَيُفْطِرُ) الصَّائِمُ (بِهَا) إذَا بَلَعَهَا (سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ جَوْفِهِ أَوْ صَدْرِهِ أَوْ دِمَاغِهِ بَعْدَ أَنْ تَصِلَ إلَى فَمِهِ) ؛ لِأَنَّهَا مِنْ غَيْرِ الْفَمِ كَالْقَيْءِ. (وَيُكْرَهُ لَهُ) أَيْ: الصَّائِمُ (ذَوْقُ الطَّعَامِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَصِلَ إلَى حَلْقِهِ فَيُفَطِّرُهُ قَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ فَإِنْ فَعَلَ فَلَا بَأْسَ ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ وَأَطْلَقُوا وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ وَاخْتَارَهُ فِي التَّنْبِيهِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَحَكَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَى ذَوْقِ الطَّعَامِ (وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ) أَيْ: الْمَذُوقِ (فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: فَعَلَى الْكَرَاهَةِ: مَتَى وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ لِإِطْلَاقِ الْكَرَاهَةِ اهـ وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ لَا فِطْرَ إذَا قُلْنَا بِعَدَمِ الْكَرَاهَةِ لِلْحَاجَةِ. (وَيُكْرَهُ مَضْغُ الْعِلْكِ الَّذِي لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الرِّيقَ وَيَجْلُو الْفَمَ وَيُورِثُ الْعَطَشَ (فَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ) ؛ لِأَنَّهُ وَاصِلٌ أَجْنَبِيٌّ يُمْكِنْ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. (وَيَحْرُمُ مَضْغُ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ) مِنْ عِلْكٍ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَاصِدًا لِإِيصَالِ شَيْءٍ مِنْ خَارِجٍ إلَى جَوْفِهِ مَعَ الصَّوْمِ وَهُوَ حَرَامٌ، (وَلَوْ لَمْ يَبْتَلِعْ رِيقَهُ) إقَامَةً لِلْمَظِنَّةِ مُقَامَ الْمَئِنَّةِ. وَفِي الْمُقْنِعِ وَالْمُغْنِي وَالشَّرْحِ إلَّا أَنْ لَا يَبْتَلِعَ رِيقَهُ وَهُوَ ظَاهِرُ الْوَجِيزِ؛ لِأَنَّ الْمُحَرَّمَ إيصَالُ ذَلِكَ إلَى جَوْفِهِ وَلَمْ يُوجَدْ. (وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ مِمَّنْ تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) فَقَطْ لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ: وَ " نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا شَابًّا، وَرَخَّصَ لِشَيْخٍ " حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَكَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسً بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. (وَإِنْ ظَنَّ الْإِنْزَالَ) مَعَ الْقُبْلَةِ لِفَرْطِ شَهْوَتِهِ (حَرُمَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ (وَلَا تُكْرَهُ) الْقُبْلَةُ (مِمَّنْ لَا تُحَرَّكُ شَهْوَتُهُ) لِمَا سَبَقَ (وَكَذَا دَوَاعِي الْوَطْءِ كُلُّهَا) مِنْ اللَّمْسِ وَتَكْرَارِ النَّظَرِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْقُبْلَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَيُكْرَهُ تَرْكُهُ) أَيْ: الصَّائِمُ (بَقِيَّةَ طَعَامٍ بَيْنَ أَسْنَانِهِ) خَشْيَةَ أَنْ يَجْرِيَ رِيقُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ إلَى جَوْفِهِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ (شَمُّ مَا لَا يَأْمَنُ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إلَى حَلْقِهِ كَسَحِيقِ مِسْكٍ وَكَافُورٍ وَدُهْنٍ وَنَحْوِهَا) كَبَخُورِ عُودٍ وَعَنْبَرٍ. (وَيَجِبُ اجْتِنَابُ كَذِبٍ وَغِيبَةٍ وَنَمِيمَةٍ وَشَتْمٍ) أَيْ: سَبٍّ (وَفُحْشٍ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هُوَ كُلُّ مَا اشْتَدَّ قُبْحُهُ مِنْ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي (وَنَحْوُهُ كُلَّ وَقْتٍ) لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ وَوُجُوبِ اجْتِنَابِ ذَلِكَ (فِي رَمَضَانَ وَمَكَانٍ فَاضِلٍ آكِدٌ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَمَعْنَاهُ: الزَّجْرُ وَالتَّحْذِيرُ؛ وَلِأَنَّ الْحَسَنَاتِ تَتَضَاعَفُ بِالْمَكَانِ وَالزَّمَانِ الْفَاضِلَيْنِ، وَكَذَا السَّيِّئَاتُ عَلَى مَا يَأْتِي. (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ وَلَا يُمَارِي) أَيْ: يُجَادِلَ (وَيَصُونُ صَوْمَهُ وَلَا يَغْتَبْ أَحَدًا) أَيْ: يَذْكُرُهُ بِمَا يَكْرَهُ بِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فَهُوَ الْغِيبَةُ فِي بَهْتٍ قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: وَالْغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بِالْإِجْمَاعِ. وَتُبَاحُ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ شَرْعِيٍّ لَا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا كَالتَّظَلُّمِ وَالِاسْتِفْتَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَالتَّعْرِيفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (وَلَا يَعْمَلُ عَمَلًا يَجْرَحُ بِهِ صَوْمَهُ) وَكَانَ السَّلَفُ إذَا صَامُوا جَلَسُوا فِي الْمَسَاجِدِ وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا (فَيَجِبُ كَفُّ لِسَانِهِ عَمَّا يَحْرُمُ) كَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِمَا، (وَيُسَنُّ) كَفُّهُ (عَمَّا يُكْرَهُ) قُلْت: وَعَنْ الْمُبَاحِ أَيْضًا لِحَدِيثِ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» (وَلَا يُفْطِرُ بِغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا) . قَالَ أَحْمَدُ: لَوْ كَانَتْ الْغِيبَةُ تُفْطِرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ وَذَكَرَهُ الْمُوَفَّقُ إجْمَاعًا، ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يُفْطِرُ بِغِيبَةٍ وَنَمِيمَة وَنَحْوِهِمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ يُفْطِرُ بِكُلِّ مُحَرَّمٍ، وَقَالَ أَنَسٌ: " إذَا اغْتَابَ الصَّائِمُ أَفْطَرَ " وَعَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: " كَانُوا يَقُولُونَ: الْكَذِبُ يُفَطِّرُ الصَّائِمَ " وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ مَنْ شَاتَمَ فَسَدَ صَوْمُهُ لِظَاهِرِ النَّهْيِ "، وَذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا رِوَايَةً يُفْطِرُ بِسَمَاعِ الْغِيبَةِ وَقَالَ الْمَجْدُ: النَّهْيُ عَنْهُ لِيَسْلَمَ مِنْ نَقْصِ الْأَجْرِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمُرَادُهُ: أَنَّهُ قَدْ يَكْثُرُ فَيَزِيدُ عَلَى أَجْرِ الصَّوْمِ وَقَدْ يَقِلُّ وَقَدْ يَتَسَاوَيَانِ. وَأَسْقَطَ
فصل يسن تعجيل الإفطار
أَبُو الْفَرَجِ ثَوَابَهُ بِالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا وَمُرَادُهُ مَا سَبَقَ وَإِلَّا فَضَعِيفٌ، (وَإِنْ شُتِمَ سُنَّ قَوْلُهُ جَهْرًا فِي رَمَضَانَ) لِأَمْنِهِ مِنْ الرِّيَاءِ وَفِيهِ زَجْرُ مَنْ شَاتَمَهُ؛ لِأَجْلِ حُرْمَةِ الْوَقْتِ (إنِّي صَائِمٌ وَفِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ رَمَضَانَ (يَقُولُهُ سِرًّا يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ) خَوْفَ الرِّيَاءِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ صَاحِبِ الْمُحَرَّرِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يَقُولُهُ مَعَ نَفْسِهِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَجْهَرُ بِهِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ الْمُطْلَقَ بِاللِّسَانِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى لِظَاهِرِ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «إذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ شَاتَمَهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» . [فَصْلٌ يُسَنَّ تَعْجِيلُ الْإِفْطَارِ] ِ إذَا تَحَقَّقَ الْغُرُوبُ) لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «لَا يُزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَلَهُ الْفِطْرُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ) أَنَّ الشَّمْسَ قَدْ غَرَبَتْ؛ لِأَنَّهُمْ أَفْطَرُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ طَلَعَتْ الشَّمْسُ؛ وَلِأَنَّ مَا عَلَيْهِ أَمَارَةٌ يَدْخُلهُ الِاجْتِهَادُ، وَيُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ وَاحِدٍ كَالْقِبْلَةِ (كَالْقِبْلَةِ وَفِطْرُهُ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَفْضَلِ) لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ. (وَ) يُسَنَّ (تَأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يُخْشَ طُلُوعُ الْفَجْرِ الثَّانِي) ؛ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا: مَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ قُمْنَا إلَى الصَّلَاةِ قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: قَدْرَ خَمْسِينَ آيَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّحَفُّظِ مِنْ الْخَطَإِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ. (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُ الْجِمَاعِ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِهِ) أَيْ: الْفَجْرِ الثَّانِي؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَرُّضِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُتَقَوَّى بِهِ وَلَوْ أَسْقَطَ " تَأْخِيرٌ " لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَظْهَرَ. (وَلَا) يُكْرَهُ (الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ) مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي. (قَالَ أَحْمَدُ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد (إذَا شَكَّ فِي) طُلُوعِ (الْفَجْرِ يَأْكُلُ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ طُلُوعَهُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ. (قَالَ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ قَالَ لِعَالِمَيْنِ: اُرْقُبَا الْفَجْرَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: طَلَعَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَمْ يَطْلُعْ أَكَلَ حَتَّى يَتَّفِقَا) عَلَى أَنَّهُ طَلَعَ وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرُهُمْ ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمَا تَعَارَضَ فَتَسَاقَطَا وَالْأَصْلُ عَدَمُ طُلُوعِهِ. (وَتَحْصُلُ فَضِيلَةُ السُّحُورِ بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ وَإِنْ قَلَّ) ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «وَلَوْ أَنْ
يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَ) يَحْصُلُ (تَمَامُ الْفَضِيلَةِ بِالْأَكْلِ) لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَرْفَعُهُ: «بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَكْلَةُ السُّحُورِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نِعْمَ سُحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ» . (وَيُسَنُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) الرُّطَبَ (فَعَلَى التَّمْرِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) التَّمْرُ (فَعَلَى الْمَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَ) يُسَنُّ (أَنْ يَدْعُوَ عِنْدَ فِطْرِهِ فَإِنَّ لَهُ دَعْوَةً لَا تُرَدُّ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ دَعْوَةٌ لَا تُرَدُّ» . (وَ) يُسَنُّ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَفْطَرَ قَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنَا وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْنَا فَتَقَبَّلْ مِنَّا إنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أَفْطَرَ قَالَ: ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتْ الْعُرُوقُ وَوَجَبَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا. (وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ الْأَعْلَى أَفْطَرَ الصَّائِمُ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَطْعَمْ) أَيْ: يَأْكُلْ أَوْ يَشْرَبْ (فَلَا يُثَابُ عَلَى الْوِصَالِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي الْخَبَرِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ شَرْعًا. «وَمَنْ فَطَّرَ صَائِمًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ» رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ مَرْفُوعًا، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَظَاهِرُهُ) أَيْ كَلَامِهِمْ (أَيُّ شَيْءٍ كَانَ) كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانِ الْفَارِسِيِّ، وَذَكَرَ فِيهِ ثَوَابًا عَظِيمًا إنْ أَشْبَعَهُ (وَقَالَ الشَّيْخُ: الْمُرَادُ) بِتَفْطِيرِهِ (إشْبَاعُهُ) . (وَيُسْتَحَبُّ فِي رَمَضَانَ الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَالصَّدَقَةِ) لِتَضَاعُفِ الْحَسَنَاتِ بِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَكَانَ مَالِكٌ يَتْرُكُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيُقْبِلُ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ يَقْرَأ سِتِّينَ خَتْمَةً وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ تَسْبِيحَةِ فِيمَا سِوَاهُ. (وَيُسْتَحَبُّ التَّتَابُعِ فَوْرًا فِي قَضَائِهِ) أَيْ: رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنْ الْخِلَافِ وَأَنْجَى لِبَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَفْطَرَ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ أَوْ لَا، (وَلَا يَجِبَانِ) أَيْ: التَّتَابُعُ وَالْفَوْرُ
فصل فاته صوم رمضان كله لعذر
فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «قَضَاءُ رَمَضَانَ إنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَلَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ سُفْيَانِ بْنِ بِشْرٍ قَالَ الْمَجْدُ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا طَعَنَ فِيهِ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ؛ وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ التَّتَابُعُ كَالنَّذْرِ الْمُطْلَقِ (إلَّا إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا مَا يَتَّسِعُ لِلْقَضَاءِ فَقَطْ) فَيَتَعَيَّنُ التَّتَابُعُ لِضِيقِ الْوَقْتِ، كَأَدَاءِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ مَنْ لَا عُذْرَ لَهُ، (وَلَا يُكْرَهُ الْقَضَاءُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ) ؛ لِأَنَّهَا أَيَّامُ عِبَادَةٍ فَلَمْ يُكْرَهْ الْقَضَاءُ فِيهَا كَعَشْرِ الْمُحَرَّمِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْقَضَاءَ فِيهَا. (وَيَجِبُ الْعَزْمُ عَلَى الْقَضَاءِ) إذَا لَمْ يَفْعَلْهُ فَوْرًا (فِي) الْقَضَاءِ (الْمُوَسَّعِ، وَكَذَا كُلُّ عِبَادَةٍ مُتَرَاخِيَةٍ) يَجِبُ الْعَزْمُ عَلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا الْمُتَّسَعُ. [فَصْلُ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلِّهِ لِعُذْرٍ] (فَصْلُ مَنْ فَاتَهُ صَوْمُ رَمَضَانَ كُلِّهِ تَامًّا كَانَ) رَمَضَانُ (أَوْ نَاقِصًا لِعُذْرٍ وَغَيْرِهِ كَالْأَسِيرِ وَالْمَطْمُورِ وَغَيْرِهِمَا قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ) ، سَوَاءٌ (ابْتَدَأَهُ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ أَثْنَائِهِ كَأَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ) الْفَائِتَةِ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا فَاتَهُ كَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْله تَعَالَى {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184] . (وَيَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَ يَوْمَ شِتَاءٍ عَنْ يَوْمِ صَيْفٍ وَعَكْسَهُ) بِأَنْ يَقْضِي يَوْمَ صَيْفٍ عَنْ يَوْمِ شِتَاءٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، (وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ قَضَاءِ رَمَضَانَ (صَوْمُ نَذْرٍ لَا يَخَافُ فَوْتَهُ) لِاتِّسَاعِ وَقْتِهِ (بَدَأَ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ) وُجُوبًا قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ النَّذْرِ لِضِيقِ وَقْتِهِ قَدَّمَهُ، قُلْتُ: إلَّا أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ مَثَلًا عَشَرَةُ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ وَنَذَرَ أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ شَعْبَانَ وَلَمْ يَبْقَ سِوَى الْعَشَرَةِ فَيَصُومُهَا عَنْ قَضَاءِ رَمَضَانَ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لَهَا. (وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قَضَائِهِ) أَيْ رَمَضَانَ (مَا لَمْ يَفُتْ وَقْتُهُ وَهُوَ) أَيْ وَقْتُ الْقَضَاءِ (إلَى أَنْ يَهُلَّ رَمَضَانُ آخَرُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ " كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلَّا فِي شَعْبَانَ لِمَكَانِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَمَا لَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ الْأُولَى إلَى الثَّانِيَةِ (فَلَا
يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ: قَضَاءُ رَمَضَانَ (إلَى رَمَضَانَ آخَرَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ عَائِشَةَ. (وَيَحْرُمُ التَّطَوُّعُ بِالصَّوْمِ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ قَضَاءِ رَمَضَانَ (وَلَا يَصِحُّ) تَطَوُّعُهُ بِالصَّوْمِ قَبْلَ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ نَصَّ عَلَيْهِ، نَقَلَ حَنْبَلٌ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَلْ يَبْدَأُ بِالْفَرْضِ حَتَّى يَقْضِيَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ صَامَهُ يَعْنِي بَعْدَ الْفَرْضِ، وَرَوَى حَنْبَلٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ صَامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ حَتَّى يَصُومَهُ» وَكَالْحَجِّ وَالْحَدِيثِ يَرْوِيه ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي سِيَاقِهِ مَا هُوَ مَتْرُوكٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " وَمَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ آخَرَ شَيْءٌ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَلَوْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ) أَيْ: وَقْتُ الْقَضَاءِ وَعَنْهُ: بَلَى إنَّ اتَّسَعَ الْوَقْتُ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: قَضَاءَ رَمَضَانَ (إلَى رَمَضَانَ آخَرَ أَوْ) أَخَّرَهُ إلَى (رَمَضَانَاتٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ مَا يُجْزِئُ فِي كَفَّارَةٍ) رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيمَا إذَا أَخَّرَهُ لِرَمَضَانَ آخَرَ وَالدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، (وَيَجُوزُ إطْعَامُهُ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَمَعَهُ وَبَعْدَهُ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (وَالْأَفْضَلُ) إطْعَامُهُ (قَبْلَهُ) قَالَ الْمَجْدُ: الْأَفْضَلُ عِنْدَنَا تَقْدِيمُهُ مُسَارَعَةً إلَى الْخَيْرِ وَتَخَلُّصًا مِنْ آفَاتِ التَّأْخِيرِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَتَكَرَّرْ الْفِدْيَةُ بِتَعَدُّدِ الرَّمَضَانَاتِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ التَّأْخِيرِ لَا يُزَادُ بِهَا الْوَاجِبُ كَمَا لَوْ أَخَّرَ الْحَجَّ الْوَاجِبَ سِنِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِهِ. (وَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: قَضَاءَ رَمَضَانَ حَتَّى أَدْرَكَهُ آخَرُ أَوْ أَكْثَرُ (لِعُذْرٍ) نَحْوِ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ (فَلَا كَفَّارَةَ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهَا إذَنْ، (وَلَا قَضَاءَ إنْ مَاتَ) مَنْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ فَسَقَطَ بِمَوْتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ، (وَمَنْ دَامَ عُذْرُهُ بَيْنَ الرَّمَضَانَيْنِ ثُمَّ زَالَ) عُذْرُهُ (صَامَ الرَّمَضَانَ الَّذِي أَدْرَكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسَعُ غَيْرَهُ (ثُمَّ قَضَى مَا فَاتَهُ) قَبْلُ. (وَلَا إطْعَامَ) عَلَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ (كَمَا لَوْ مَاتَ قَبْلَ زَوَالِهِ) أَيْ: الْعُذْرِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَأَمَّا الْحَيُّ فَتَسْقُطُ عَنْهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الْقَضَاءِ لِإِمْكَانِهِ. (فَإِنْ أَخَّرَهُ) أَيْ: الْقَضَاءُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ فَمَاتَ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ) أَوْ بَعْدَهُ (أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَالصَّحِيحُ: وَقْفُهُ عَلَيْهِ، وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ الْقَضَاءِ فَقَالَتْ: " لَا بَلْ يُطْعِمُ " رَوَاهُ سَعِيدٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ (وَلَا يُصَامُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ الْوَاجِبَ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لَا يُقْضَى عَنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ
فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالصَّلَاةِ. (وَالْإِطْعَامِ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَا) كَسَائِرِ الدُّيُونِ (وَلَا يُجْزِئُ صَوْمٌ عَنْ كَفَّارَةٍ عَنْ مَيِّتٍ وَلَوْ أَوْصَى بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِالشَّرْعِ أَشْبَهَ قَضَاءَ رَمَضَانَ، (لَكِنْ لَوْ مَاتَ بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى صَوْمِ الْكَفَّارَةِ (وَقُلْنَا: الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ) كَمَا يَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي كِتَابِ الظِّهَارِ (أُطْعِمَ عَنْهُ ثَلَاثَةُ مَسَاكِينَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ) فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قِيَاسًا عَلَى قَضَاءِ رَمَضَانَ. (وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ) أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ (مِنْ كَفَّارَةِ) ظِهَارٍ أَوْ غَيْرِهِ (أُطْعِمَ عَنْهُ أَيْضًا) لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ لِمَا سَبَقَ، (وَكَذَا صَوْمُ مُتْعَةِ) الْحَجِّ إذَا مَاتَ قَبْلَهُ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ مَنْذُورٌ فِي الذِّمَّةِ) كَأَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ أَوْ عَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ ثُمَّ مَاتَ (وَلَمْ يَصُمْ مِنْهُ شَيْئًا مَعَ إمْكَانِهِ فَفُعِلَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنْهُ) ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ» ؛ وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُ فِي الْعِبَادَةِ بِحَسَبِ خِفَّتِهَا وَهُوَ أَخَفُّ حُكْمًا مِنْ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ لِإِيجَابِهِ مِنْ نَفْسِهِ، (فَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ) الْمَيِّتُ (تَرِكَةً لَمْ يَلْزَمْ الْوَلِيَّ شَيْءٌ، لَكِنْ يُسَنُّ لَهُ فِعْلُهُ عَنْهُ لِتَفَرُّغِ ذِمَّتِهِ كَقَضَاءِ دَيْنِهِ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ. (وَإِنْ خَلَّفَ) الْمَيِّتَ (تَرِكَةً وَجَبَ) الْفِعْلُ كَقَضَاءِ الدَّيْنِ (فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ اسْتِحْبَابًا) ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ لِبَرَاءَةِ الْمَيِّتِ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ) الْوَلِيُّ بِنَفْسِهِ (وَجَبَ أَنْ يَدْفَعَ مِنْ تَرِكَتِهِ إلَى مَنْ يَصُومُ عَنْهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ طَعَامَ مِسْكِينٍ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِدْيَةُ الصَّوْمِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيُجْزِئُ فِعْلُ غَيْرِهِ) أَيْ: الْوَلِيِّ (عَنْهُ بِإِذْنِهِ وَبِدُونِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ، وَالدَّيْنُ يَصِحُّ قَضَاؤُهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ صَوْمِ النَّذْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ النُّذُورِ. (وَإِنْ مَاتَ وَقَدْ أَمْكَنَهُ صَوْمُ بَعْضِ مَا نَذَرَهُ قُضِيَ عَنْهُ مَا أَمْكَنَهُ صَوْمُهُ فَقَطْ) كَمَنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ وَمَاتَ قَبْلَ مُضِيِّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا فَيُصَامُ عَنْهُ مَا مَضَى مِنْهُ دُونَ الْبَاقِي؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ بِخِلَافِ الْمِقْدَارِ الَّذِي أَدْرَكَهُ حَيًّا، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي ذِمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ الصَّوْم فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ قَضَاءِ رَمَضَانَ مَعَ الْمَرَضِ وَنَحْوِهِ. (وَيُجْزِئُ صَوْمُ جَمَاعَةٍ عَنْهُ) أَيْ: الْمَيِّتِ (فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَنْ عِدَّتِهِمْ مِنْ الْأَيَّامِ) أَيْ: لَوْ كَانَ عَلَى مَيِّتٍ صَوْمُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَصَامَ عَنْهُ عَشَرَةُ رِجَالٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ أَجْزَأَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ مَعَ نِجَازِ إبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ أَبُو طَالِبٍ يَصُومُ وَاحِدٌ وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى صَوْمٍ شَرْطُهُ التَّتَابُعُ، وَتَعْلِيلُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ كَالْحُجَّةِ الْمَنْذُورَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. (وَإِنْ نَذَرَ
صَوْمَ شَهْرٍ) بِعَيْنِهِ (كَالْمُحَرَّمِ) فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ لَمْ يُصَمْ (عَنْهُ) وَلَمْ يُقْضَ عَنْهُ، (وَكَذَا لَوْ جُنَّ قَبْلَهُ) وَدَامَ بِهِ الْجُنُونُ حَتَّى انْقَضَى الشَّهْرُ الْمُعَيَّنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ صَوْمُهُ فِي ذِمَّتِهِ. (قَالَ الْمَجْدُ: وَهُوَ مَذْهَبُ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا وَإِنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ بِالنَّذْرِ (سَقَطَ بَاقِيهِ) لِمَا سَبَقَ، (فَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ) أَيْ النَّذْرَ الْمُعَيَّنَ (لِمَرَضٍ حَتَّى انْقَضَى ثُمَّ مَاتَ فِي مَرَضِهِ فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ فِيمَا إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ مِنْ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ فُعِلَ عَنْهُ) وُجُوبًا إنْ خَلَّفَ تَرِكَةً، وَاسْتِحْبَابًا إنْ لَمْ يُخَلِّفْ شَيْئًا وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْمَرَضَ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الصَّوْمِ فِي الذِّمَّةِ، فَالْمُرَادُ بِإِمْكَانِ الْفِعْلِ مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لَهُ (وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ الصَّوْمِ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَنْذُورًا (أَوْ الْإِطْعَامَ) إنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ أَوْ صَوْمُ مُتْعَةٍ وَنَحْوُهُ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ حَجٌّ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، (وَلَا يُعْتَبَرُ تَمَكُّنُهُ) أَيْ: النَّاذِرِ (مِنْ الْحَجِّ فِي حَيَاتِهِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّ النِّيَابَةَ تَدْخُلُهُ حَالَ الْحَيَاةِ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ كَنَذْرِ الصَّدَقَةِ وَالْعِتْقِ، (وَكَذَا الْعُمْرَةُ الْمَنْذُورَةُ) حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَجِّ فِي ذَلِكَ لِمُشَارَكَتِهَا لَهُ فِي الْمَعْنَى. (وَيَجُوزُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ) لِشَبَهِهِ بِالدَّيْنِ فِي إبْرَاءِ الذِّمَّةِ (وَلَهُ) أَيْ: الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيِّهِ (الرُّجُوعُ عَلَى التَّرِكَةِ بِمَا أَنْفَقَ) بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ قَامَ بِوَاجِبٍ. (وَإِنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ اعْتِكَافٌ مَنْذُورٌ فُعِلَ عَنْهُ) ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَة لِقَوْلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: «إنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ لَمْ تَقْضِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اقْضِهِ عَنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَعْنَاهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَكَالصَّوْمِ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فِعْلُهُ حَتَّى مَاتَ) كَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَاتَ قَبْلَ دُخُولِهِ (فَكَالصَّوْمِ) ، وَكَذَا إنْ مَاتَ فِي أَثْنَائِهِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ مَنْذُورَةٌ) وَمَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ (فُعِلَتْ عَنْهُ) كَالصَّوْمِ وَتَصِحُّ وَصِيَّتُهُ بِهَا (وَلَا كَفَّارَةَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْفِعْلِ النَّاذِرِ (وَطَوَافٌ مَنْذُورٌ كَصَلَاةٍ) مَنْذُورَةٍ فِيمَا سَبَقَ (وَأَمَّا صَلَاةُ الْفَرْضِ فَلَا تُفْعَلُ عَنْهُ) ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إجْمَاعًا أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَنْهُ فَائِتَةً (كَقَضَاءِ رَمَضَانَ) فَإِنَّهُ لَا يُصَامُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَعَلَى ذَلِكَ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ.
باب صوم التطوع وما يكره منه وذكر ليلة القدر وما يتعلق بذلك
[بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَذِكْرِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ] َ (أَفْضَلُهُ) صَوْمُ التَّطَوُّعِ (صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُد وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ قُلْت: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَيُسَنُّ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) قَالَ فِي الشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَالْأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ أَيَّامَ) اللَّيَالِي (الْبِيضِ وَهِيَ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ) لِمَا رَوَى أَبُو ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ: «إذَا صُمْتَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَالِثَ عَشَرِهِ وَرَابِعَ عَشَرِهِ وَخَامِسَ عَشَرِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ (كَصَوْمِ الدَّهْرِ أَيْ: يَحْصُلُ لَهُ) بِصِيَامِهَا (أَجْرُ صِيَامِ الدَّهْرِ بِتَضْعِيفِ الْأَجْرِ) ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا (مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَفْسَدَةِ) الَّتِي فِي صِيَامِ الدَّهْرِ (وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَسُمِّيَتْ بِيضًا لِابْيِضَاضِهَا لَيْلًا بِالْقَمَرِ وَنَهَارًا بِالشَّمْسِ) وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي كَلَامِهِ بَيَانِيَّةٌ، وَأَنَّ الْبِيضَ وَصْفٌ لِلْأَيَّامِ وَكَلَامُهُ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ يُخَالِفُهُ قَالَ: وَسُمِّيَتْ لَيَالِيهَا بِالْبِيضِ لِبَيَاضِ لَيْلِهَا كُلِّهِ بِالْقَمَرِ زَادَ فِي الشَّرْحِ: وَالتَّقْدِيرُ لَيَالِي الْأَيَّامِ الْبِيضِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَابَ فِيهَا عَلَى آدَمَ وَبَيَّضَ صَحِيفَتَهُ. (وَيُسَنُّ صَوْمُ) يَوْمِ (الِاثْنَيْنِ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ثَانِي الْأُسْبُوعِ ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ. (وَ) يَوْمِ (الْخَمِيسِ) لِقَوْلِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ «إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّ أَعْمَالَ النَّاسِ تُعْرَضُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِي لَفْظٍ «وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» . (وَ) يُسَنُّ صَوْمُ (سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ وَلَوْ مُتَفَرِّقَةً فَمَنْ صَامَهَا بَعْدَ أَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ) فَرْضًا كَمَا فِي اللَّطَائِفِ؛ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» رَوَاهُ أَبُو وَالنَّسَائِيَّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يَجْرِي مَجْرَى التَّقَدُّمِ لِرَمَضَانَ؛؛ لِأَنَّ يَوْمَ
الْعِيدِ فَاصِلٌ وَرَوَى سَعِيدٌ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بِشَهْرَيْنِ فَذَلِكَ سَنَةٌ» يَعْنِي أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، الشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ فَذَلِكَ سَنَةٌ كَامِلَةٌ وَالْمُرَادُ بِالْخَبَرِ: التَّشْبِيهُ بِهِ فِي حُصُولِ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ كَمَا يَأْتِي فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَلَا يُقَالُ: الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَفْضِيلِهَا؛ لِأَنَّهُ شَبَّهَ صِيَامَهَا بِصِيَامِ الدَّهْرِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِانْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ فِي صَوْمِهَا دُونَ صَوْمِهِ (وَلَا تَحْصُلُ الْفَضِيلَةُ بِصِيَامِهَا) أَيْ: السِّتَّةِ أَيَّامٍ (فِي غَيْرِ شَوَّالٍ) لِظَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهَا إلَّا لِمَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَقَالَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّ فَضِيلَتَهَا تَحْصُلُ لِمَنْ صَامَهَا وَقَضَى رَمَضَانَ وَقَدْ أَفْطَرَهُ لِعُذْرٍ وَلَعَلَّهُ مُرَادُ الْأَصْحَابِ وَفِيهِ شَيْءٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ التِّسْعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَآكَدُهُ: التَّاسِعُ وَهُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ إجْمَاعًا ثُمَّ الثَّامِنُ وَهُوَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ) وَيَأْتِي فِي الْحَجِّ وَجْهُ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ. (وَ) يُسَنُّ (صَوْمُ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ) ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ جَوْفُ اللَّيْلِ وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَأَضَافَهُ إلَيْهِ تَفْخِيمًا وَتَعْظِيمًا كَنَاقَةِ اللَّهِ، وَلَمْ يُكْثِرْ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الصَّوْمَ فِيهِ إمَّا لِعُذْرٍ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ فَضْلَهُ إلَّا أَخِيرًا، وَالْمُرَادُ أَفْضَلُ شَهْرٍ تَطَّوَّعَ فِيهِ كَامِلًا بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْحَرَامِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ التَّطَوُّعِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ أَيَّامِهِ كَعَرَفَةَ وَعَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ. فَالتَّطَوُّعُ الْمُطْلَقُ أَفْضَلُهُ الْمُحَرَّمُ كَمَا أَنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ (وَأَفْضَلُهُ) أَيْ الْمُحَرَّمُ (يَوْمُ عَاشُورَاءَ) بِالْمَدِّ فِي الْأَشْهَرِ وَهُوَ اسْمٌ إسْلَامِيٌّ لَا يُعْرَفُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (الْعَاشِرُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَرْفُوعًا وَصَحَّحَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ التَّاسِعُ (ثُمَّ تَاسُوعَاءُ) بِالْمَدِّ عَلَى الْأَفْصَحِ (وَهُوَ) الْيَوْمُ (التَّاسِعُ) مِنْ الْمُحَرَّمِ (مَثَلًا وَيُسَنُّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ صَوْمِ تَاسُوعَاءَ وَعَاشُورَاءَ. لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «لَئِنْ بَقِيتُ إلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ وَالْعَاشِرَ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَ) قَالَ (إنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ أَوَّلُ الشَّهْرِ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) لِيَتَيَقَّنَّ صَوْمَهَا، (وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ الْعَاشِرِ بِالصَّوْمِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مُقْتَضَى كَلَامِ أَحْمَدَ الْكَرَاهَةُ وَهِيَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ (وَهُمَا) أَيْ: تَاسُوعَاءُ وَعَاشُورَاءُ (آكَدُهُ) أَيْ: آكَدُ شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ (ثُمَّ) بَقِيَّةُ (الْعَشْرِ، وَلَمْ يَجِبْ صَوْمُ) يَوْمِ (عَاشُورَاءَ) فِي قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ قَالَ: لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْ مَنْ أَكَلَ فِيهِ بِالْقَضَاءِ. وَلِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ لَمْ يَكْتُبْ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ» وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَعَنْهُ وَجَبَ) صَوْمُهُ (ثُمَّ نُسِخَ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ وَمَالَ إلَيْهِ الْمُوَفَّقُ وَالشَّارِحُ) وَقَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا اُفْتُرِضَ رَمَضَانُ كَانَ هُوَ الْفَرِيضَةَ وَتُرِكَ عَاشُورَاءُ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ " صَحِيحٌ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى إرَادَةِ أَنَّهُ لَيْسَ هُوَ مَكْتُوبًا عَلَيْكُمْ الْآنَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، (وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ) مَاضِيَةٍ لِلْخَبَرِ. (وَمَا رُوِيَ فِي فَضْلِ الِاكْتِحَالِ وَالِاخْتِضَابِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ) أَيْ: يَوْمِ عَاشُورَاءَ (فَكَذِبٌ) . وَكَذَا مَا يُرْوَى فِي مَسْحِ رَأْسِ الْيَتِيمِ وَأَكْلِ الْحُبُوبِ أَوْ الذَّبْحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّ ذَلِكَ كَذِبٌ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمِثْلُ ذَلِكَ: بِدْعَةٌ لَا يُسْتَحَبُّ شَيْءٌ مِنْهُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ، وَيَنْبَغِي فِيهِ التَّوَسُّعَةُ عَلَى الْعِيَالِ سَأَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَحْمَدَ عَنْهُ فَقَالَ: نَعَمْ رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ: مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ " قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: قَدْ جَرَّبْنَاهُ مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَوْ سِتِّينَ فَمَا رَأَيْنَا إلَّا خَيْرًا. (وَصِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ» وَقَالَ فِي صِيَامِ عَاشُورَاءَ: «إنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَعَلَّ مُضَاعَفَةَ التَّكْفِيرِ عَلَى عَاشُورَاءَ؛ لِأَنَّ نَبِيَّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُعْطِيَهُ. (قَالَ) النَّوَوِيُّ (فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ: الْمُرَادُ كَفَّارَةُ الصَّغَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ صَغَائِرُ (رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنْ الْكَبَائِرِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ) لَهُ كَبَائِرُ
(رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ) وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِمَا. (وَلَا يُسْتَحَبُّ صِيَامُهُ) أَيْ: يَوْمِ عَرَفَةَ (لِمَنْ كَانَ بِعَرَفَةَ مِنْ الْحَاجِّ بَلْ فِطْرُهُ أَفْضَلُ) لِمَا رَوَتْ أُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ " أَنَّهَا «أَرْسَلَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ "؛ وَلِأَنَّهُ يُضَعِّفُ عَنْ الدُّعَاءِ فَكَانَ تَرْكُهُ أَفْضَلَ وَقِيلَ: لِأَنَّهُمْ أَضْيَافُ اللَّهِ وَزُوَّارُهُ وَعَنْ عُقْبَةَ مَرْفُوعًا: «يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ (إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وَقَارِنٍ عَدِمَا الْهَدْيَ) فَيَصُومَانِهِ مَعَ الْيَوْمَيْنِ قَبْلَهُ (وَيَأْتِي) فِي الْحَجِّ. (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ) ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ صِيَامِهِ» وَفِيهِ دَاوُد بْنُ عَطَاءٍ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ إحْيَاءً لِشِعَارِ الْجَاهِلِيَّةِ بِتَعْظِيمِهِ وَلِهَذَا صَحَّ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِيهِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تُعَظِّمُهُ " (وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِفِطْرِهِ فِيهِ وَلَوْ يَوْمًا أَوْ بِصَوْمِهِ شَهْرًا آخَرَ مِنْ السَّنَةِ قَالَ الْمَجْدُ: وَإِنْ لَمْ يَلِهِ) أَيْ: يَلِي الشَّهْرَ الْآخَرَ رَجَبٌ. (وَلَا يُكْرَهُ إفْرَادُ شَهْرٍ غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ» وَالْمُرَادُ أَحْيَانًا وَلَمْ يُدَاوِمْ كَامِلًا عَلَى غَيْرِ رَمَضَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ صَوْمُ رَجَبٍ وَشَعْبَانَ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاسْتَحَبَّهُ فِي الْإِرْشَادِ (وَكُلُّ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي فَضْلِ صَوْمِ رَجَبٍ أَوْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَكَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالْحَدِيثِ. (وَيُكْرَهُ تَعَمُّدُ إفْرَادِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِصَوْمٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ وَبَعْدَهُ يَوْمٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ: «لَا تَخُصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي وَلَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ» قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْ مَالِكًا الْحَدِيثُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صَوْمِهِ وَالتَّرْغِيبُ
فِيهِ عَلَى صَوْمِهِ مَعَ غَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ. (وَ) يُكْرَهُ تَعَمُّدُ (إفْرَادِ يَوْمِ السَّبْتِ) بِصَوْمٍ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ أُخْتِهِ: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيمَا اُفْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ؛ وَلِأَنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ فَفِي إفْرَادِهِ تَشَبُّهٌ بِهِمْ، وَيَوْمُ السَّبْتِ آخِرُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: سُمِّيَ يَوْمَ السَّبْتِ لِانْقِطَاعِ الْأَيَّامِ عِنْدَهُ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَوْ السَّبْتِ (عَادَةً) كَأَنْ وَافَقَ يَوْمَ عَرَفَةَ أَوْ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَكَانَ عَادَتَهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي ذَلِكَ. (وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ تَطَوُّعًا) لِقَوْلِ عَمَّارٍ: «مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يَشُكُّ فِيهِ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَهُوَ لِلْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا (وَيَصِحُّ) صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (أَوْ) أَيْ: وَيُكْرَهُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ (بِنِيَّةِ الرَّمَضَانِيَّةِ احْتِيَاطًا) وَلَا يُجْزِئُ إنْ ظَهَرَ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَهُوَ) أَيْ: يَوْمُ الشَّكِّ (يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إنْ لَمْ يَكُنْ فِي السَّمَاءِ) فِي مَطْلِعِ الْهِلَالِ (عِلَّةٌ) مِنْ غَيْمٍ أَوْ قَتَرٍ وَنَحْوِهِمَا، (وَلَمْ يُرَ الْهِلَالُ أَوْ شَهِدَ بِهِ مَنْ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ) لِفِسْقٍ وَنَحْوِهِ (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ) يَوْمَ الشَّكِّ (عَادَةٌ) كَمَنْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَالِاثْنَيْنِ فَوَافَقَ يَوْمَ الشَّكِّ أَحَدُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ، أَوْ عَادَتُهُ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ آخَرَ فَوَافَقَ صَوْمُهُ ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ (أَوْ يَصِلُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (بِصِيَامٍ قَبْلَهُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَوْ يَصُومُهُ) أَيْ: يَوْمَ الشَّكِّ (عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ) أَوْ كَفَّارَةٍ فَلَا كَرَاهَةَ؛ لِأَنَّ صَوْمَهُ وَاجِبٌ إذَنْ. (وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يَوْمِ نَيْرُوزِ) بِصَوْمٍ (وَ) يَوْمِ (مِهْرَجَانٍ وَهُمَا عِيدَانِ لِلْكُفَّارِ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: النَّيْرُوزُ الْيَوْمُ الرَّابِعُ مِنْ الرَّبِيعِ وَالْمِهْرَجَانُ: الْيَوْمُ التَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ الْخَرِيفِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْكُفَّارِ فِي تَعْظِيمِهَا وَاخْتَارَ الْمَجْدُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُعَظِّمُونَهُمَا بِالصَّوْمِ كَالْأَحَدِ. (وَ) عَلَى الْأَوَّلِ: يُكْرَهُ إفْرَادُ (كُلِّ عِيدٍ لَهُمْ) أَيْ: لِلْكُفَّارِ (أَوْ يَوْمٍ يُفْرِدُونَهُ بِتَعْظِيمٍ) ، ذَكَرَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا (إلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً) كَأَنْ يَكُونَ يَوْمَ خَمِيسٍ أَوْ اثْنَيْنِ وَعَادَتُهُ صَوْمُهُمَا فَلَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِ) صَوْمِ (يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، (وَلَا يُكْرَهُ) تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِصَوْمِ (أَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ) لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ، وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ
وَصَحَّحَهُ الْمُوَفَّقُ وَحَمَلَهُ عَلَى نَفْيِ الْفَضِيلَةِ. (وَيُكْرَهُ الْوِصَالُ إلَّا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمُبَاحٌ لَهُ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَنَهَى عَنْ الْوِصَالِ فَقَالُوا: إنَّك تُوَاصِلُ فَقَالَ: إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً وَلِهَذَا وَاصَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِمْ وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: الْوِصَالُ (أَنْ لَا يُفْطِرَ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ وَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِأَكْلِ تَمْرَةٍ وَنَحْوِهَا وَكَذَا بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ) لِانْتِفَاءِ الْوِصَالِ (وَلَا يُكْرَهُ الْوِصَالُ إلَى السَّحَرِ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَلَكِنْ تَرَكَ سُنَّةً وَهِيَ تَعْجِيلُ الْفِطْرِ) فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ. (وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمَيْنِ يَوْمِ فِطْرٍ وَيَوْمِ أَضْحَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَحْرِيمَهُ. (وَكَذَا أَيَّامُ التَّشْرِيقِ) يَحْرُمُ صَوْمُهَا وَلَا يَصِحُّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ مَرْفُوعًا: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ» وَلِأَحْمَدَ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ بِإِسْنَادَيْنِ ضَعِيفَيْنِ (إلَّا عَنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَقِرَانٍ وَيَأْتِي) فِي بَابِ الْفِدْيَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ «لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَجُوزُ صَوْمُ الدَّهْرِ وَلَمْ يُكْرَهْ) ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ كَانُوا يَسْرُدُونَ الصَّوْمَ مِنْهُمْ أَبُو طَلْحَةَ قِيلَ: إنَّهُ صَامَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعِينَ سَنَةً (إذَا لَمْ يَتْرُكْ بِهِ حَقًّا وَلَا خَافَ ضَرَرًا وَلَمْ يَصُمْ هَذِهِ الْأَيَّامَ) الْخَمْسَةَ يَوْمَيْ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ (فَإِنْ صَامَهَا فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَمَنْ دَخَلَ فِي تَطَوُّعٍ غَيْرِ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ إتْمَامُهُ) ؛ لِأَنَّهُ تَكْمِيلُ الْعِبَادَةِ وَهُوَ مَطْلُوبٌ (وَلَمْ
يَجِبْ) عَلَيْهِ إتْمَامُهُ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَقَالَ: أَرِنِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْت صَائِمًا فَأَكَلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْخَمْسَةُ وَزَادَ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ فَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ وَضَعَّفَهُ الْبُخَارِيُّ. وَغَيْرُ الصَّوْمِ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ كَهُوَ وَكَالْوُضُوءِ وَأَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَيَجِبَانِ بِالشُّرُوعِ وَيَأْتِي؛ لِأَنَّ الْوُصُولَ إلَيْهِمَا لَا يَحْصُلُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بَعْدَ كُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ وَمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ وَإِنْفَاقِ مَالٍ كَثِيرٍ، فَفِي إبْطَالِهِمْ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ وَإِبْطَالٌ لِأَعْمَالِهِ الْكَثِيرَةِ (لَكِنْ يُكْرَهُ قَطْعُهُ بِلَا عُذْرٍ) لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ الْأَجْرِ (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: التَّطَوُّعَ (فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَتْبَعُ الْمَقْضِيَّ عَنْهُ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ الْقَضَاءُ وَاجِبًا بَلْ يُسْتَحَبُّ. (وَكَذَا لَا تَلْزَمُ الصَّدَقَةُ وَلَا الْقِرَاءَةُ وَلَا الْأَذْكَارُ بِالشُّرُوعِ) فِيهَا وِفَاقًا (وَإِنْ دَخَلَ فِي فَرْضِ كِفَايَةِ) كَصَلَاةِ جِنَازَةٍ (أَوْ) دَخَلَ فِي (وَاجِبٍ) عَلَى الْأَعْيَانِ (مُوَسَّعٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ قَبْلَ رَمَضَانَ الثَّانِي وَالْمَكْتُوبَةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ كَنَذْرٍ مُطْلَقٍ وَكَفَّارَةٍ) إنْ قُلْنَا: هُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ عَلَى الْفَوْرِ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي (حَرُمَ خُرُوجُهُ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ) ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ مُتَعَيِّنٌ وَدَخَلَتْ التَّوَسُّعَةُ فِي وَقْتِهِ رِفْقًا وَمَظِنَّةً لِلْحَاجَةِ، فَإِذَا شَرَعَ فِيهَا تَعَيَّنَتْ الْمَصْلَحَةُ فِي إتْمَامِهَا (وَقَدْ يَجِبُ قَطْعُهُ) أَيْ الْفَرْضُ (كَرَدِّ مَعْصُومٍ عَنْ هَلَكَةٍ وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرِيقٍ وَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ. (وَإِذَا دَعَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] ، (وَلَهُ قَطْعُهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِهَرَبِ غَرِيمِهِ وَ) لَهُ (قَلْبُهَا نَفْلًا وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ مُوَضَّحًا (وَإِنْ أَفْسَدَهُ) أَيْ: الْفَرْضَ (فَلَا كَفَّارَةَ) مُطْلَقًا لِعَدَمِ النَّصِّ فِيهَا. (وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ مَا كَانَ قَبْلَ شُرُوعِهِ) فِيمَا أَفْسَدَهُ، (وَلَوْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ تَطَوُّعٍ قَائِمًا لَمْ يَلْزَمْهُ إتْمَامُهَا قَائِمًا) بِغَيْرِ خِلَافٍ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، (وَذَكَرَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ أَنَّ الطَّوَافَ كَالصَّلَاةِ فِي الْأَحْكَامِ إلَّا فِيمَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ) لِلْخَبَرِ.
فصل فضل ليلة القدر
تَتِمَّةٌ " إذَا قَطَعَ الصَّوْمَ وَنَحْوَهُ فَهَلْ انْعَقَدَ الْجُزْءُ الْمُؤَدِّي وَحَصَلَ بِهِ قُرْبَةٌ أَمْ لَا؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ: هَلْ يَبْطُلُ حُكْمًا أَوْ لَا يَبْطُلُ؟ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَبِي الْخَطَّابِ وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ بِبُطْلَانِهِ وَعَدَمِ الصِّحَّةِ، وَفِي كَلَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّ الْإِبْطَالَ فِي الْآيَةِ هُوَ بُطْلَانُ الثَّوَابِ قَالَ: وَلَا نُسَلِّمُ بِبُطْلَانِ جَمِيعِهِ بَلْ قَدْ يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَلَا يَكُونُ مُبْطِلًا لِعَمَلِهِ. [فَصْلٌ فَضْلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ] (فَصْلٌ وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ شَرِيفَةٌ مُعَظَّمَةٌ تُرْجَى إجَابَةُ الدُّعَاءِ فِيهَا) قَالَ تَعَالَى {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 2] {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 3] قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ قِيَامُهَا وَالْعَمَلُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ خَالِيَةٍ مِنْهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» زَادَ أَحْمَدُ وَمَا تَأَخَّرَ ". (وَسُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا مَا يَكُونُ فِي تِلْكَ السَّنَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4] وَمَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهَا لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ: ضَعِيفٌ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ " يَقْضِي اللَّهُ الْأَقْضِيَةَ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَيُسَلِّمُهَا إلَى أَرْبَابِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ لِعِظَمِ قَدْرِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقِيلَ: لِضِيقِ الْأَرْضِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهَا وَقِيلَ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا. (وَهِيَ بَاقِيَةٌ لَمْ تُرْفَعْ) لِلْأَخْبَارِ فِي طَلَبِهَا وَقِيَامِهَا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ فِي رَفْعِهَا، (وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتُطْلَبُ فِيهِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: تُطْلَبُ فِي جَمِيعِ رَمَضَانَ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ
هِيَ فِي كُلِّ السَّنَةِ (وَلَيَالِي الْوِتْرِ آكَدُ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اُطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» وَرَوَى سَالِمٌ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ الْمَجْدُ كُلَّ الْعَشْرِ سَوَاءً وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ (كَثِيرَةٌ وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ نَصًّا) وَهُوَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يَسْتَثْنِي وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ طَرَفَةَ بْنُ كَعْبٍ: " وَاَللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يُخْبِرَكُمْ فَتَتَّكِلُوا " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُرَجِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: سُورَةُ الْقَدْرِ ثَلَاثُونَ كَلِمَةً، السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ فِيهَا هِيَ " وَالْحِكْمَةُ فِي إخْفَائِهَا لِيَجْتَهِدُوا فِي طَلَبِهَا وَيَجِدُّوا فِي الْعِبَادَةِ طَمَعًا فِي إدْرَاكِهَا كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي أَسْمَائِهِ وَرِضَاهُ فِي الْحَسَنَاتِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. (وَهِيَ أَفْضَلُ اللَّيَالِي) ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ إجْمَاعًا (حَتَّى لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ) وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً: أَنَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا تَتَكَرَّرُ، وَلِأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَا هُوَ أَفْضَلُ وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي أُنْزِلَ فِيهَا الْقُرْآنُ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ فَأَمَّا أَمْثَالُهَا مِنْ لَيَالِي الْقَدْرِ فَلَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنَامَ فِيهَا مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ نَصًّا وَيَذْكُرُ حَاجَتَهُ فِي دُعَائِهِ) الَّذِي يَدْعُو بِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ (وَيُسْتَحَبُّ) أَنْ يَكُونَ مِنْهُ أَيْ: مِنْ دُعَائِهِ فِيهَا (مَا رَوَتْ) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ قَوْلِي: اللَّهُمَّ إنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَلِلتِّرْمِذِيِّ مَعْنَاهُ وَصَحَّحَهُ، وَمَعْنَى الْعَفْوِ التَّرْكُ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ فَمَعْنَى " اُعْفُ عَنِّي اُتْرُكْ مُؤَاخَذَتِي بِحِرْصٍ وَاسْتُرْ عَلَيَّ ذَنْبِي وَأَذْهِبْ عَنِّي عِقَابَك وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ» فَالشَّرُّ الْمَاضِي يَزُولُ بِالْعَفْوِ، وَالْحَاضِرُ بِالْعَافِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالْمُعَافَاةِ، لِتَضَمُّنِهَا دَوَامَ الْعَافِيَةِ. (وَتَتَنَقَّلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ لَا أَنَّهَا لَيْلَةٌ مُعَيَّنَةٌ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إنْ كَانَ قَبْلَ مُضِيِّ
لَيْلَةِ أَوَّلِ الْعَشْرِ) الْأَخِيرَةِ مِنْ رَمَضَانَ. (وَقَعَ الطَّلَاقُ) أَيْ: تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ (فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ) مِنْ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْعَشْرَ لَا يَخْلُو مِنْهَا، وَنَازَعَ فِيهِ ابْنُ عَادِلٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الْعِصْمَةَ مُتَيَقِّنَةٌ فَلَا تَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ وَقَدْ قِيلَ: إنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي كُلِّ السَّنَةِ فَلَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِمُضِيِّ السَّنَةِ. (وَإِنْ كَانَ مَضَى مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (لَيْلَةٌ) فَأَكْثَرُ ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ الْقَدْرِ (وَقَعَ الطَّلَاقُ فِي اللَّيْلَةِ الْأَخِيرَةِ) مِنْ رَمَضَانَ (مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ) لِيَتَحَقَّقَ وُجُودُهَا. قَالَ الْمَجْدُ: وَيَتَخَرَّجُ حُكْمُ الْعِتْقِ وَالْيَمِينِ عَلَى مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ. (وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَامَ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ كُلَّهُ وَنَذَرَهُ فِي أَثْنَائِهِ) أَيْ: الْعَشْرِ الْأَخِيرِ (كَطَلَاقٍ) ذَكَرَهُ الْقَاضِي ". تَتِمَّةٌ " عَنْ طَرَفَةَ بْنِ كَعْبٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ صَبِيحَتَهَا بَيْضَاءَ لَا شُعَاعَ لَهَا» وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ «بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ» ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَنَّ أَمَارَةَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: أَنَّهَا لَيْلَةٌ صَافِيَةٌ بَلْجَةٌ كَأَنَّ فِيهَا قَمَرًا سَاطِعًا سَاكِنَةٌ سَاجِيَةٌ لَا بَرْدَ فِيهَا وَلَا حَرَّ وَلَا يَحِلُّ لِكَوْكَبٍ أَنْ يُرْمَى بِهِ فِيهَا حَتَّى تُصْبِحَ وَإِنَّ أَمَارَتَهَا أَنَّ الشَّمْسَ صَبِيحَتَهَا تَخْرُجُ مُسْتَوِيَةً لَيْسَ فِيهَا شُعَاعٌ مِثْلَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَحِلُّ لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا يَوْمَئِذٍ» . (وَ) شَهْرُ رَمَضَانَ (أَفْضَلُ الشُّهُورِ) وَيَكْفُرُ مَنْ فَضَّلَ رَجَبًا عَلَيْهِ ذَكَرَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ قَالَ الشَّيْخُ: لَيْلَةُ الْإِسْرَاءِ فِي حَقِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ. (وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ أَفْضَلُ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَّةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِيهِ فِي الْحَاشِيَةِ) وَقَالَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ إجْمَاعًا وَقَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ. (وَكَذَا ذَكَرَهُ جَدُّهُ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ مِنْ شَرْحِهِ مُنْتَهَى الْغَايَةِ: أَنَّ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلُ) وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَكِيمٍ (إبْرَاهِيم النَّهْرَوَانِيُّ) أَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ (وَقَالَهُ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَبَعْضُهُمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ) وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (كَلَيَالِيِهِ وَأَيَّامِهِ) وَقَدْ يُقَالُ: لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ وَأَيَّامُ ذَلِكَ أَفْضَلُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ذَكَرَهُ فِي
باب الاعتكاف وأحكام المساجد
الِاخْتِيَارَاتِ، (وَ) عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ أَفْضَلُ (مِنْ أَعْشَارِ الشُّهُورِ كُلِّهَا) لِمَا فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحِجَّةِ» قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ: وَالتَّحْقِيقُ مَا قَالَهُ بَعْضُ أَعْيَانِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنْ يُقَالَ: مَجْمُوعُ هَذَا الْعَشْرِ أَفْضَلُ مِنْ مَجْمُوعِ عَشْرِ رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ فِي عَشْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةٌ لَا يَفْضُلُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ الِاعْتِكَافِ وَأَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ] ِ " (وَهُوَ) أَيْ: الِاعْتِكَافُ لُغَةً لُزُومُ الشَّيْءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى {يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ} [الأعراف: 138] يُقَالُ: عَكَفَ بِفَتْحِ الْكَافِ يَعْكُفُ بِضَمِّهَا وَكَسْرِهَا، وَشَرْعًا (لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللَّهِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ) يَأْتِي بَيَانُهَا (مِنْ مُسْلِمٍ) لَا كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا (عَاقِلٍ وَلَوْ مُمَيِّزًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ وَلَا طِفْلٍ لِعَدَمِ النِّيَّةِ (طَاهِرٍ مِمَّا وَجَبَ غُسْلًا) فَلَا يَصِحُّ مِنْ جُنُبٍ وَنَحْوِهِ وَلَوْ مُتَوَضِّئًا (وَأَقَلُّهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافُ (سَاعَةٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: أَقَلُّهُ إذَا كَانَ تَطَوُّعًا أَوْ نَذْرًا مُطْلَقًا: مَا يُسَمَّى بِهِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ لَحْظَةٌ وَفِي كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: أَقَلُّهُ سَاعَةٌ لَا لَحْظَةٌ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ اهـ وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ: وَأَقَلُّهُ أَدْنَى لُبْثٍ اهـ وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ بَعْدُ: وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَةِ مَا يَتَنَاوَلُ اللَّحْظَةَ وَقَدْ حَكَيْت كَلَامَهُ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى، (فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا وَأَطْلَقَ) فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِمُدَّةٍ (أَجْزَأَتْهُ) السَّاعَةُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ (وَلَا يَكْفِي عُبُورُهُ) بِالْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُعْتَكِفًا. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ الِاعْتِكَافُ عَنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ يَقُولُ: أَقَلُّهُ ذَلِكَ. (وَيُسَمَّى) الِاعْتِكَافُ (جِوَارًا) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ مُجَاوِرٌ فِي الْمَسْجِدِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
مَرْفُوعًا قَالَ «كُنْت أُجَاوِرُ هَذَا الْعَشْرَ يَعْنِي الْأَوْسَطَ ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذَا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَلْبَثْ فِي مُعْتَكَفِهِ» . (قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: وَ) هَذَا الِاعْتِكَافُ (لَا يَحِلُّ أَنْ يُسَمَّى خَلْوَةً) وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، وَكَأَنَّهُ نَظَرَ إلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ إذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلَا تَقُلْ ... خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ (قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْكَرَاهَةَ أَوْلَى) أَيْ مِنْ التَّحْرِيمِ. (وَهُوَ سُنَّةٌ كُلَّ وَقْتٍ) قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: إجْمَاعًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَيْهِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّه تَعَالَى وَاعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ بَعْدَهُ وَمَعَهُ (إلَّا أَنْ يَنْذُرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ (فَيَجِبُ عَلَى صِفَةِ مَا نُذِرَ) مِنْ تَتَابُعٍ وَغَيْرِهِ لِحَدِيثِ «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» وَعَنْ عُمَر أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ. (وَلَا يَخْتَصُّ) الِاعْتِكَافُ (بِزَمَانٍ) دُونَ غَيْرِهِ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: كُلَّ وَقْتٍ. (وَآكَدُهُ فِي رَمَضَانَ) إجْمَاعًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يُفَرِّقْ الْأَصْحَابُ بَيْنَ الثَّغْرِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَعْتَكِفُ بِالثَّغْرِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ نَفِيرٌ (وَآكَدُهُ الْعَشَرَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ رَمَضَانَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ؛ وَلِأَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تُطْلَبُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ عَلَّقَهُ) أَيْ: نَذْرَ الِاعْتِكَافِ (أَوْ) عَلَّقَ (غَيْرَهُ مِنْ التَّطَوُّعَاتِ) كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ نَذْرِهَا (بِشَرْطٍ فَلَهُ شَرْطُهُ) أَيْ: فَلَا يَلْزَمُهُ حَتَّى يُوجَدَ شَرْطُهُ، وَذَلِكَ نَحْوُ (أَنْ يَقُولَ) (لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ شَهْرَ رَمَضَانَ إنْ كُنْت مُقِيمًا أَوْ مُعَافًى، فَلَوْ كَانَ) النَّاذِرُ (فِيهِ) أَيْ: فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ. (وَيَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (بِغَيْرِ صَوْمٍ) لِحَدِيثِ «عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَوْفِ نَذْرَكَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمَا صَحَّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا صِيَامَ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَصِحُّ فِي اللَّيْلِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصِّيَامُ كَالصَّلَاةِ وَكَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ إيجَابَ الصَّوْمِ حُكْمٌ لَا يَثْبُت إلَّا بِالشَّرْعِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ وَمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ " لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِصَوْمٍ " فَمَوْقُوفٌ عَلَيْهَا، وَمَنْ رَفْعَهُ فَقَدْ وَهَمَ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، ثُمَّ لَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ: الِاسْتِحْبَابُ فَإِنَّ الصَّوْمَ فِيهِ أَفْضَلُ؛ وَلِأَنَّ
الِاعْتِكَافَ لُبْثٌ فِي مَكَان مَخْصُوصٍ فَلَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ الصَّوْمُ كَالْوُقُوفِ (إلَّا أَنْ يَقُولَ فِي نَذْرِهِ) أَيْ: نَذْرٌ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ (بِصَوْمٍ) فَيَلْزَمُهُ الصَّوْمُ لِنَذْرِهِ إيَّاهُ. (وَ) الِاعْتِكَافُ (بِهِ) أَيْ: الصَّوْمُ (أَفْضَلُ) لِمَا تَقَدَّمَ وَخُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ. (فَيَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (فِي لَيْلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ) عَنْ يَوْمِهَا لِحَدِيثِ عُمَرَ. (وَ) يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ (فِي بَعْضِ يَوْمٍ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا) لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِيهِ. (وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِطْ الصَّوْمَ فِي نَذْرِهِ فَصَامَ) وَهُوَ مُعْتَكِفٌ (ثُمَّ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) لِصِحَّةِ اعْتِكَافِهِ بِغَيْرِ صَوْمٍ. (وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَائِمًا) أَوْ يَصُومَ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا (أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَصُومَ مُعْتَكِفًا أَوْ بِاعْتِكَافٍ أَوْ) نَذَرَ أَنْ (يَعْتَكِفَ مُصَلِّيًا أَوْ) أَنْ (يُصَلِّيَ مُعْتَكِفًا لَزِمَهُ الْجَمْعُ) بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصِّيَامِ أَوْ بَيْنَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَيْسَ عَلَى الْمُعْتَكِفِ صِيَامٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ النَّفْيِ إثْبَاتٌ وَيُقَاسُ عَلَى الصَّوْمِ الصَّلَاةُ؛ وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ صِفَةٌ مَقْصُودَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ فَلَزِمَتْ بِالنَّذْرِ كَالتَّتَابُعِ وَكَنَذْرِ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ وَ (كَنَذْرِ صَلَاةٍ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ) مِنْ الْقُرْآنِ (لَكِنْ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ جَمِيعَ الزَّمَانِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ) يَوْمًا مَثَلًا (مُصَلِّيًا، وَالْمُرَادُ) يَكْفِيهِ (رَكْعَةٌ أَوْ رَكْعَتَانِ) بِنَاءً عَلَى مَا لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ وَأَطْلَقَ عَلَى مَا يَأْتِي. وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ بِصَوْمٍ فَأَفْطَرَ يَوْمًا أَفْسَدَ تَتَابُعَهُ وَوَجَبَ الِاسْتِئْنَافُ لِإِخْلَالِهِ بِالْإِتْيَانِ بِمَا نَذَرَهُ عَلَى صِفَتِهِ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عُشْرِ رَمَضَانَ الْأَخِيرَ فَنَقَصَ) الْعُشْرُ (أَجْزَأَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُسَمَّى بِالْعُشْرِ الْأَخِيرِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا (بِخِلَافِ نَذْرِهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ الشَّهْرِ فَنَقَصَ) الشَّهْرُ (فَيَقْضِي يَوْمًا) عِوَضَ النَّقْصِ قُلْت: وَيُكَفِّرُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. (وَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ رَمَضَانَ فَفَاتَهُ) اعْتِكَافُ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَهُ) اعْتِكَافُ (شَهْرٍ غَيْرِهِ) لِيَفِيَ بِنَذْرِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ) فِي الشَّهْرِ الَّذِي يَعْتَكِفُهُ قَضَاءً عَنْ رَمَضَانَ. (وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجٍ وَسَيِّدٍ) ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ مَمْلُوكَةٌ لِغَيْرِهَا وَالِاعْتِكَافُ يَفُوتُهَا وَيَمْنَعُ اسْتِيفَاءَهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالشَّرْعِ فَلَمْ يَجُزْ إلَّا بِإِذْنِ مَالِك الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ (فَإِنْ شَرَعَا) أَيْ: الْمَرْأَةُ وَالْعَبْدُ (فِيهِ) أَيْ: فِي الِاعْتِكَافِ (بِغَيْرِ إذْنِ) الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا) مِنْهُ، (وَلَوْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (نَذْرًا) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ يَوْمًا مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ إلَّا بِإِذْنِهِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَضَرَرُ
الِاعْتِكَافِ أَعْظَمُ؛ وَلِأَنَّ إقَامَتَهُمَا عَلَى ذَلِكَ تَتَضَمَّنُ تَفْوِيتَ حَقِّ غَيْرِهِمَا بِغَيْرِ إذْنِهِ فَكَانَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ الْمَنْعُ مِنْهُ كَرَبِّ الْحَقِّ مَعَ غَاصِبِهِ (فَإِنْ لَمْ يُحَلِّلَاهُمَا) مِنْ الِاعْتِكَافِ (صَحَّ وَأَجْزَأَ) عَنْهُمَا، (وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (بِإِذْنٍ) مِنْ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ (فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا إنْ كَانَ تَطَوُّعًا) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَذِنَ لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي الِاعْتِكَافِ ثُمَّ مَنَعَهُنَّ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ دَخَلْنَ؛ " وَلِأَنَّ حَقَّ الزَّوْجِ وَالسَّيِّدِ وَاجِبٌ وَالتَّطَوُّعُ لَا يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ؛ وَلِأَنَّ لَهُمَا الْمَنْعَ مِنْهُ ابْتِدَاءً فَكَانَ لَهُمَا الْمَنْعُ مِنْهُ دَوَامًا كَالْعَارِيَّةِ وَيُخَالِفُ الْحَجَّ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ وَيَجِبُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ. (وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ الَّذِي شَرَعَتْ فِيهِ الزَّوْجَةُ أَوْ الْقِنُّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ أَوْ السَّيِّدِ (نَذْرًا وَلَوْ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَا) يُحَلِّلَانِهِمَا؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ وَيَجِبُ إتْمَامُهُ كَالْحَجِّ، (وَلَوْ رَجَعَا) أَيْ الزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ (بَعْد الْإِذْنِ لِلزَّوْجَةِ) وَالْقِنِّ فِي الِاعْتِكَافِ (قَبْلَ الشُّرُوعِ) فِي الِاعْتِكَافِ (جَازَ) الرُّجُوعُ كَعَزْلِ الْمُوَكِّلِ وَكِيلَهُ. (وَالْإِذْنُ فِي عَقْدِ النَّذْرِ إذْنٌ فِي فِعْلِهِ إنْ نَذَرَا) أَيْ الزَّوْجَةُ وَالْقِنُّ (زَمَنًا مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ) كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُمَا الزَّوْجُ أَوْ السَّيِّدُ فِي نَذْرِ اعْتِكَافِ الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيَكُونُ إذْنًا فِي فِعْلِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الزَّمَنُ مُعَيَّنًا بِالْإِذْنِ (فَلَا) يَكُونُ الْإِذْنُ فِي النَّذْرِ إذْنًا فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الشُّرُوعِ لَمْ يَقْتَضِهِ الْإِذْنُ السَّابِقُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ كَعَبْدٍ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ مَنَافِعَهُمْ مُسْتَحَقَّةٌ لِلسَّيِّدِ. (وَلِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَعْتَكِفَ بِلَا إذْنِ سَيِّدِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ لَا يَسْتَحِقُّ مَنَافِعَهُ وَلَا يَمْلِكُ إجْبَارَهُ عَلَى الْكَسْبِ فَهُوَ مَالِكٌ لِمَنَافِعِهِ كَحُرٍّ مَدِينٍ بِخِلَافِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ، وَظَاهِرُهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ وَسَوَاءٌ نَجَّمَ أَوْ لَا (وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُكَاتَبِ (أَنْ يَحُجَّ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ لِمَا سَبَقَ (مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمٌ) مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: لَهُ الْحَجُّ مِنْ الْمَالِ الَّذِي جَمَعَهُ مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمُهُ وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى إذْنِهِ لَهُ أَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ وَقَالُوا: نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْمُرَادَ مَا لَمْ يَحُلَّ نَجْمٌ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَيَأْتِي فِي الْكِتَابَةِ: لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ، كَحُرٍّ مَدِينٍ (وَلَا يُمْنَعُ الْمُكَاتَبُ) مِنْ إنْفَاقِ الْمَالِ فِي الْحَجِّ كَتَرْكِ التَّكَسُّبِ، (وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ) وَبَاقِيهِ رَقِيقٌ (إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَلَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ) فِي نَوْبَتِهِ. (وَ) أَنْ (يَحُجَّ فِي نَوْبَتِهِ بِلَا إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّ مَنَافِعَهُ إذَنْ غَيْرُ مَمْلُوكَةٍ لِسَيِّدِهِ بَلْ هِيَ لَهُ كَالْحُرِّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ مُهَايَأَةٌ (فَلِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ) مِنْ الِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ
لِأَنَّ لَهُ مِلْكًا فِي مَنَافِعِهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، فَتَجْوِيزُهُ يَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ غَيْرِهِ وَلَيْسَ بِجَائِزٍ. (وَإِذَا اعْتَكَفَتْ الْمَرْأَةُ اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِخِبَاءٍ وَنَحْوِهِ) لِفِعْلِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ فِي عَهْدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (وَتَجْعَلَهُ فِي مَكَان لَا يُصَلِّي فِيهِ الرِّجَالُ) ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ فِي التَّحَفُّظِ لَهَا، نَقَلَ أَبُو دَاوُد «يَعْتَكِفْنَ فِي الْمَسَاجِدِ وَيُضْرَبُ لَهُنَّ فِيهَا الْخِيَمُ» (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَتِرَ الرِّجَالُ أَيْضًا) ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ لِفِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ وَلِأَنَّهُ أَخْفَى لِعَمَلِهِمْ وَنَقَلَ إبْرَاهِيمُ: لَا إلَّا لِبَرْدٍ شَدِيدٍ. (وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ إلَّا بِنِيَّةٍ) لِحَدِيثِ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ كَالصَّوْمِ، (فَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (فَرْضًا) أَيْ: مَنْذُورًا (لَزِمَهُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ) لِيَتَمَيَّزَ الْمَنْذُورُ عَنْ التَّطَوُّعِ (وَإِنْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الِاعْتِكَافِ (أَيْ نَوَى إبْطَالَهُ بَطَلَ إلْحَاقًا لَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ) ؛ لِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ بِالْفَسَادِ بِخِلَافِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. (وَلَا يَبْطُلُ) الِاعْتِكَافُ (بِإِغْمَاءٍ) كَمَا لَا يَبْطُلُ بِنَوْمٍ بِجَامِعِ بَقَاءِ التَّكْلِيفِ. (وَلَا يَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ (مِنْ رَجُلٍ تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ) الْجَمَاعَةُ فَلَا يَصِحُّ بِغَيْرِ مَسْجِدٍ بِلَا خِلَافٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] فَلَوْ صَحَّ فِي غَيْرِهَا لَمْ تَخْتَصَّ بِتَحْرِيمِ الْمُبَاشَرَةِ إذْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا؛ وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ يُدْخِلُ رَأْسَهُ إلَى عَائِشَةَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَتُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةٍ. وَلَا يَصِحُّ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ حَذَرًا مِنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ تَكَرُّرِ الْخُرُوجِ الْمُنَافِي لَهُ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ الْمَعْذُورُ وَالصَّبِيُّ، وَمَنْ هُوَ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ؛ لِأَنَّ الْمَمْنُوعَ مِنْهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (وَلَوْ) كَانَتْ إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ مِنْ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ (مُعْتَكِفَيْنِ) لِانْعِقَادِ الْجَمَاعَةِ بِهِمَا فَيُخْرَجُ مِنْ عُهْدَةِ الْوَاجِبِ (إنْ أَتَى عَلَيْهِ) أَيْ: الرَّجُلِ الَّذِي تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً (فِعْلُ الصَّلَاةِ زَمَنَ اعْتِكَافِهِ وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا تَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً بِأَنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَعْذُورًا أَوْ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهِ زَمَنَ اعْتِكَافِهِ فِعْلُ صَلَاةٍ كَمَا لَوْ اعْتَكَفَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى الزَّوَالِ (صَحَّ) اعْتِكَافًا (فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) . لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْجَمَاعَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إذَنْ وَمَا رَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ امْرَأَةٍ جَعَلَتْ عَلَيْهَا أَنْ تَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا
فَقَالَ بِدْعَةٌ، وَأَبْغَضُ الْأَعْمَالِ إلَى اللَّهِ الْبِدَعُ فَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ " أَيْ: مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تُقَامَ فِيهِ (وَإِنْ كَانَتْ) الْجَمَاعَةُ (تُقَامُ فِيهِ فِي بَعْضِ الزَّمَانِ) دُونَ بَعْضٍ (جَازَ الِاعْتِكَافُ فِيهِ) مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ (فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ) الَّذِي تُقَامُ فِيهِ (فَقَطْ) دُونَ الزَّمَانِ الَّذِي لَا تُقَامُ فِيهِ لِمَا سَبَقَ. (وَلَا يَصِحُّ) الِاعْتِكَافُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ (فِي مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ دُونَ الْجَمَاعَةِ) إذَا كَانَ يَأْتِي عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ لِمَا مَرَّ (وَظَهْرُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ مِنْهُ (وَرَحَبَتُهُ الْمَحُوطَةُ وَعَلَيْهَا بَابٌ نَصًّا) مِنْهُ. (وَمَنَارَتُهُ الَّتِي بَابُهَا فِيهِ: مِنْهُ) بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ، وَكَذَا إذَا كَانَتْ الْمَنَارَةُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَابُهَا فِيهِ (وَكَذَا مَا زِيدَ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ فَهُوَ مِنْهُ (حَتَّى فِي الثَّوَابِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَكَذَا مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) مَا زِيدَ فِيهِ: حُكْمُهُ حُكْمُهُ حَتَّى فِي الثَّوَابِ (عِنْدَ الشَّيْخِ وَابْنِ رَجَبٍ وَجَمْعٍ وَحُكِيَ عَنْ السَّلَفِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَوْ بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ إلَى صَنْعَاءَ كَانَ مَسْجِدِي» وَقَالَ عُمَرُ لَمَّا زَادَ الْمَسْجِدُ: لَوْ زِدْنَا فِيهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَبَّانَةَ كَانَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ عَنْ السَّلَفِ خِلَافٌ فِي الْمُضَاعَفَةِ، وَإِنَّمَا خَالَفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ عَقِيلٍ. (وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَجَمْعٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ) وَقَالَ فِي الْآدَابِ: وَهَذِهِ الْمُضَاعَفَةُ تَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ غَيْرَ الزِّيَادَةِ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ، أَيْ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فِي مَسْجِدِي هَذَا لِأَجْلِ الْإِشَارَةِ. (وَلَوْ اعْتَكَفَ مَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ) كَالْعَبْدِ وَالْمُسَافِرِ وَالْمَرْأَةِ (فِي مَسْجِدٍ لَا تُصَلَّى فِيهِ) الْجُمُعَةُ (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ (بِخُرُوجِهِ إلَيْهَا إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ) الْخُرُوجَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. (وَالْأَفْضَلُ الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ إذَا كَانَتْ الْجُمُعَةُ تَتَخَلَّلُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا فَيَتْرُكُ الِاعْتِكَافَ مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ. (وَلِلْمَرْأَةِ وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ الْجَمَاعَةُ كَالْمَرِيضِ وَالْمَعْذُورِ) بِسَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَمَنْ فِي قَرْيَةٍ لَا يُصَلِّي فِيهَا غَيْرُهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ) لِعُمُومِ الْآيَةِ (إلَّا مَسْجِدَ بَيْتِهَا وَهُوَ مَا اتَّخَذَتْهُ لِصَلَاتِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسْجِدٍ حَقِيقَةً وَلَا حُكْمًا وَلَوْ جَازَ لَفَعَلَتْهُ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ مَرَّةً تَبْيِينًا لِلْجَوَازِ. (وَمَنْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ) الْمَسَاجِدِ
(الثَّلَاثَةِ، فَلَهُ فِعْلُهُ) أَيْ: الْمَنْذُورِ مِنْ اعْتِكَافٍ أَوْ صَلَاةٍ (فِي غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُعَيِّنْ لِعِبَادَتِهِ مَوْضِعًا فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ وَلَوْ تَعَيَّنَ لَاحْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَلَعَلَّ مُرَادَهُمْ إلَّا مَسْجِدَ قُبَاءَ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ: وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَعْتَكِفُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ، وَظَاهِرُهُ: لَا كَفَّارَةَ وَجَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ. (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ (فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُجْزِئْهُ فِي غَيْرِهَا) لِفَضْلِ الْعِبَادَةِ فِيهَا عَلَى غَيْرِهَا فَتَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ (وَلَهُ شَدُّ الرَّحْلِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْمَسْجِدِ الَّذِي عَيَّنَهُ مِنْ الثَّلَاثَةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ السَّابِقِ. (وَأَفْضَلُهَا: الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ ثُمَّ مَسْجِدُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى) ، وَهُوَ مَسْجِدُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إلَّا أَبَا دَاوُد وَلِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلُهُ، وَزَادَ «وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ» وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ رُوِيَ فِي ذَلِكَ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ: «صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي هَذَا» . ، وَكَوْنُ مَسْجِدِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى لَمْ يُفْرَضْ إتْيَانُهَا شَرْعًا بِخِلَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الِاعْتِكَافِ وَالصَّلَاةِ فِيهِمَا بِالنَّذْرِ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ مُوجِبٌ لِمَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَإِلْحَاقُ غَيْرِ الثَّلَاثَةِ بِهَا مُمْتَنِعٌ لِثُبُوتِ فَضْلِهَا عَلَى غَيْرِهَا بِالنَّصِّ. (فَإِنْ عَيَّنَ الْأَفْضَلَ مِنْهَا) وَهُوَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ (فِي نَذْرِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) الِاعْتِكَافُ وَلَا الصَّلَاةُ (فِيمَا دُونَهُ) لِعَدَمِ مُسَاوَاتِهِ لَهُ (وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ) أَيْ: إنْ عَيَّنَ الْمَفْضُولَ مَعَهَا أَجْزَأَهُ فِيمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فَمَنْ عَيَّنَ فِي نَذْرِهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَجْزَأَهُ فِيهِ، فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَقَطْ وَإِنْ عَيَّنَ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لِحَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ
صَلِّ هَاهُنَا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: شَأْنُكَ إذَنْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد رَوَيَا أَيْضًا هَذَا الْخَبَرَ بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَزَادَ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ لَوْ صَلَّيْتَ هَاهُنَا لَقَضَى عَنْك ذَلِكَ كُلَّ صَلَاةٍ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ» . (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافَ أَوْ الصَّلَاةَ (فِي غَيْرِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ) الثَّلَاثَةِ (وَأَرَادَ الذَّهَابَ إلَى مَا عَيَّنَهُ) فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَدِّ رَحْلٍ خُيِّرَ (عِنْدَ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا جَزَمَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِإِبَاحَتِهِ، وَاخْتَارَهُ) الْمُوَفَّقُ فِي الْقَصْرِ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى شَدِّ رَحْلٍ فَفِي الْمُبْدِعِ فَالْمَذْهَبُ يُخَيَّرُ وَفِي الْوَاضِحِ: الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا أَظْهَرُ. (وَإِنْ دَخَلَ فِيهِ) أَيْ: فِي مُعْتَكَفِهِ (ثُمَّ انْهَدَمَ مُعْتَكَفُهُ وَلَمْ يُمْكِنْ الْقِيَامُ فِيهِ لَزِمَ إتْمَامُهُ) أَيْ: الِاعْتِكَافِ إنْ كَانَ مَنْذُورًا (فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَبْطُلْ) اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ. (وَمَنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ شَهْرٍ) بِعَيْنِهِ كَرَمَضَانَ (أَوْ نَذَرَ) اعْتِكَافَ عَشْرٍ بِعَيْنِهِ كَالْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ (أَوْ أَرَادَ ذَلِكَ تَطَوُّعًا دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ قَبْلَ لَيْلَتِهِ الْأُولَى) أَيْ: قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ إذْ الشَّهْرُ يَدْخُلُ بِدُخُولِ اللَّيْلَةِ بِدَلِيلِ تَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ الْمُعَلَّقَةِ بِهِ: مِنْ حُلُولِ الدَّيْنِ وَوُقُوعِ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ الْمُعَلَّقِينَ بِهِ وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ: «كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَاعْتِكَافُهُ كَانَ تَطَوُّعًا، وَالتَّطَوُّعُ يَشْرَعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ يَوْمَ الْعِشْرِينَ لِيَسْتَظْهِرَ بِبَيَاضِ يَوْمٍ زِيَادَةً، (وَخَرَجَ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بَعْدَ آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ مَا عَيَّنَهُ بِأَنْ تَغْرُبَ شَمْسُ آخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ نَذَرَ) أَنْ يَعْتَكِفَ (يَوْمًا مُعَيَّنًا) كَيَوْمِ الْخَمِيسِ (أَوْ) نَذَرَ يَوْمًا (مُطْلَقًا) بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وَأَطْلَقَ (دَخَلَ) مُعْتَكَفَهُ (قَبْلَ فَجْرِهِ الثَّانِي وَخَرَجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ) ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ (وَلَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُهُ بِسَاعَاتٍ مِنْ أَيَّامٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّتَابُعُ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَيَّدَهُ بِهِ. (فَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا مِنْ وَقْتِي هَذَا لَزِمَهُ) الِاعْتِكَافُ (مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ إلَى مِثْلِهِ) ؛ لِيَتَحَقَّقَ مُضِيُّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ (وَلَا يَدْخُلُ اللَّيْلُ) فِي نَذْرِهِ اعْتِكَافَ يَوْمٍ فَلَا يَلْزَمُهُ اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْيَوْمِ (وَكُلُّ زَمَانٍ مُعَيَّنٍ) نَذَرَ اعْتِكَافَهُ (يَدْخُلُ) مُعْتَكَفَهُ قَبْلَهُ وَيَخْرُجُ بَعْدَهُ (لِمَا تَقَدَّمَ) . (وَإِنْ اعْتَكَفَ رَمَضَانَ
أَوْ الْعَشْرَ الْأَخِيرَ مِنْهُ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ) لِيُحْيِيَ لَيْلَةَ الْعِيدِ (وَيَخْرُجَ مِنْهُ إلَى الْمُصَلَّى) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُحِبُّونَ لِمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ يَغْدُو إلَى الْمُصَلَّى مِنْ الْمَسْجِدِ اهـ وَيَكُونُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ لِيَصِلَ طَاعَةً بِطَاعَةٍ. (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُطْلَقًا لَزِمَهُ شَهْرٌ مُتَتَابِعٌ نَصًّا) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مَعْنًى يَصِحُّ لَيْلًا وَنَهَارًا فَإِذَا أَطْلَقَهُ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ كَقَوْلِهِ: لَا كَلَّمْت زَيْدًا شَهْرًا كَمُدَّةِ الْإِيلَاءِ وَالْعُنَّةِ وَالْعِدَّةِ، (وَحُكْمُهُ فِي دُخُولِ مُعْتَكَفِهِ وَخُرُوجِهِ مِنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ) فَيَدْخُلُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْهُ وَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِهِ، (وَيَكْفِي شَهْرٌ هِلَالِيٌّ نَاقِصٌ بِلَيَالِيِهِ أَوْ ثَلَاثُونَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا) ؛ لِأَنَّ الشَّهْرَ اسْمٌ لِمَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ نَاقِصًا كَانَ أَوْ تَامًّا وَلِثَلَاثِينَ يَوْمًا، (وَإِنْ ابْتَدَأَ) اعْتِكَافَهُ (الثَّلَاثِينَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَتَمَامُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَإِنْ ابْتَدَأَهُ فِي أَثْنَاءِ اللَّيْلِ تَمَّ) اعْتِكَافُهُ (فِي مِثْلِ تِلْكَ السَّاعَةِ مِنْ اللَّيْلَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا) مَعْدُودَةً (أَوْ) نَذَرَ (لَيَالِيَ مَعْدُودَةً فَلَهُ تَفْرِيقُهَا إنْ لَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ) ؛ لِأَنَّ الْأَيَّامَ وَاللَّيَالِيَ الْمُطْلَقَةَ تُوجَدُ بِدُونِ التَّتَابُعِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَنَذْرِ صَوْمِهَا، وَاحْتِجَاجُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ بِالْآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ. (أَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ لَا تَدْخُلُ لَيْلَتُهُ) ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهُ (وَكَذَا عَكْسُهُ) إذَا نَذَرَ اعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لَا يَدْخُلُ يَوْمُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا (وَإِنْ نَذَرَ شَهْرًا مُتَفَرِّقًا) يَعْنِي نَذَرَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا مُتَفَرِّقًا (فَلَهُ تَتَابُعُهُ) وَلَا يَلْزَمُهُ. (وَإِنْ نَذَرَ أَيَّامًا) مُتَتَابِعَةً (أَوْ) نَذَرَ (لَيَالِيَ مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ مَا يَتَخَلَّلُهَا مِنْ لَيْلٍ) إذَا نَذَرَ الْأَيَّامَ (أَوْ نَهَارًا) إذَا نَذَرَ اللَّيَالِيَ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيَوْمَ اسْمٌ لِبَيَاضِ النَّهَارِ وَاللَّيْلُ اسْمٌ لِسَوَادِ اللَّيْلِ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ تَكْرَارُ الْوَاحِدِ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ مَا تَخَلَّلَ لِلُزُومِ التَّتَابُعِ ضِمْنًا وَهُوَ حَاصِلٌ بِمَا بَيْنَهُمَا خَاصَّةً، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُتَتَابِعَةً لَمْ يَلْزَمْهُ مَا تَخَلَّلَهَا مِنْ ذَلِكَ. (وَإِنْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ فِي بَعْضِ النَّهَارِ لَزِمَهُ اعْتِكَافُ الْبَاقِي مِنْهُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ مَا فَاتَ) مِنْ الْيَوْمِ قَبْلَ قُدُومِهِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ قَبْلَ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَلَمْ يَجِبْ (كَ نَذْرِ اعْتِكَافِ زَمَنٍ مَاضٍ) لِعَدَمِ انْعِقَادِهِ، (وَإِنْ قَدِمَ لَيْلًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ) ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ لَا لَيْلَةَ يَقْدَمُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرُوهُ فِي: أَنْتِ طَالِقٌ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا يَحْنَثُ مَا لَمْ يَنْوِ النَّهَارَ، (فَإِنْ كَانَ لِلنَّاذِرِ عُذْرٌ يَمْنَعُهُ الِاعْتِكَافَ عِنْدَ قُدُومِ فُلَانٍ مِنْ حَبْسٍ أَوْ مَرَضٍ قَضَى وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ (وَيَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ) الَّذِي قَدِمَ فِيهِ فُلَانٌ (فَقَطْ) دُونَ مَا مَضَى مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ تَابِعٌ لِلْأَدَاءِ.
فصل من لزمه تتابع اعتكاف
[فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ تَتَابُعُ اعْتِكَافٍ] (فَصْلٌ مَنْ لَزِمَهُ تَتَابُعُ اعْتِكَافٍ كَ مَنْ نَذَرَ شَهْرًا أَوْ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً وَنَحْوَهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ) ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «السُّنَّةُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنْ بَوْلٍ وَغَائِطٍ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْلُ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَوْ بَطَلَ بِالْخُرُوجِ إلَيْهِمَا لَمْ يَصِحَّ لِأَحَدٍ اعْتِكَافٌ وَكَنَّى بِهَا عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاج إلَى فِعْلِهِمَا. (وَ) كَ (قَيْءٍ بَغْتَةً وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ، (وَالطَّهَارَةِ عَنْ حَدَثٍ) كَغُسْلٍ جَنَابَةٍ وَوُضُوءٍ لِحَدَثٍ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْجُنُبَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْمُحْدِثُ لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ بِدُونِ وُضُوءٍ (وَلَا) يَخْرُجُ لِطَهَارَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ وَ (التَّجْدِيدِ وَلَهُ تَقْدِيمُهَا) أَيْ: الطَّهَارَةِ الْوَاجِبَةِ (لِيُصَلِّيَ بِهَا أَوَّلَ الْوَقْتِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْوُضُوءِ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ كَوْنُهُ عَلَى وُضُوءٍ، وَرُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَى صَلَاةِ النَّافِلَةِ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَتَوَضَّأَ فِي الْمَسْجِدِ) وَيَغْتَسِلَ فِيهِ (بِلَا ضَرَرٍ) أَيْ: إذَا لَمْ يُؤْذِ بِهِمَا، (فَإِذَا خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ) فَلَهُ الْمَشْيُ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ فِيهَا مَشَقَّةٌ وَ (لَهُ قَصْدُ بَيْتِهِ إنْ لَمْ يَجِدْ مَكَانًا يَلِيقُ بِهِ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا مِنْهُ كَسِقَايَةٍ) أَيْ مِيضَأَةٍ، (لَا يَحْتَشِمُ مِثْلُهُ مِنْهَا وَلَا نَقْصَ عَلَيْهِ) فِي دُخُولِهَا. قَالُوا: وَلَا مُخَالَفَةَ لِعَادَتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَيَلْزَمُهُ قَصْدُ أَقْرَبِ مَنْزِلَيْهِ) لِدَفْعِ حَاجَتِهِ بِهِ بِخِلَافِ مَنْ اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَبْعَدِ مِنْهُ لِعَدَمِ تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولِهِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَإِنْ بَذَلَ لَهُ صَدِيقُهُ أَوْ غَيْرُهُ مَنْزِلَهُ الْقَرِيبَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ) قَبُولُهُ (لِلْمَشَقَّةِ بِتَرْكِ الْمُرُوءَةِ وَالِاحْتِشَامِ) مِنْهُ. (وَيَخْرُجُ) الْمُعْتَكِفُ (لِيَأْتِيَ بِمَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ يَحْتَاجُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ؛ (وَلَا يَجُوزُ خُرُوجُهُ لِأَجْلِ أَكْلِهِ وَشُرْبِهِ فِي بَيْتِهِ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ لِإِبَاحَةِ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا نَقْصَ فِيهِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَكِيمٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ الْمُرُوءَةِ، وَيَسْتَحْيِ أَنْ يَأْكُلَ وَحْدَهُ وَيُرِيدَ
أَنْ يُخْفِيَ جِنْسَ قُوتِهِ) ، (وَلَهُ غَسْلُ يَدِهِ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (فِي إنَاءٍ مِنْ وَسَخٍ وَزَفَرٍ وَنَحْوِهِمَا) كَغَسْلِ يَدَيْهِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ فِي إنَاءٍ (لِيَفْرُغَ خَارِجِ الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْمُصَلِّينَ بِذَلِكَ، (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْرُجَ لِغَسْلِهِمَا) مِمَّا ذُكِرَ؛ لِأَنَّ لَهُ مِنْهُ بُدًّا. (وَيَخْرُجُ لِلْجُمُعَةِ إنْ كَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِوَاجِبٍ فَلَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ كَالْمُعْتَدَّةِ، (أَوْ شَرَطَ الْخُرُوجَ إلَيْهَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لِلشَّرْطِ، (وَلَهُ التَّبْكِيرُ إلَيْهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ جَائِزٌ فَجَازَ تَعْجِيلُهُ كَالْخُرُوجِ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ. (وَ) لَهُ (إطَالَةُ الْمُقَامِ بَعْدَهَا) أَيْ الْجُمُعَةِ، وَلَا يُكْرَهُ لِصَلَاحِيَّةِ الْمَوْضِعِ لِلِاعْتِكَافِ، (وَلَا يَلْزَمُهُ) إذَا خَرَجَ لِلْجُمُعَةِ (سُلُوكُ الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ) ، بَلْ لَهُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ. وَفِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَفْضَلُ سُلُوكُ الْأَبْعَدِ إنْ خَرَجَ لِجُمُعَةٍ وَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَغَيْرِهِمَا، وَذُكِرَ قَبْلَهُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْأَفْضَلُ خُرُوجُهُ لِذَلِكَ وَعَوْدُهُ فِي أَقْصَرِ طَرِيقٍ لَا سِيَّمَا فِي الْمَنْذُورِ (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ سُرْعَةُ الرُّجُوعِ بَعْدَ) صَلَاتِهِ (الْجُمُعَةَ) إلَى مُعْتَكَفِهِ لِيُتِمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ، (وَكَذَا) لَهُ الْخُرُوجُ (إنْ تَعَيَّنَ خُرُوجُهُ لِإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَإِنْقَاذِ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَمَنْ تَحْتَ هَدْمٍ (وَلِنَفِيرٍ مُتَعَيَّنٍ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِ) ؛؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ كَالْجُمُعَةِ (وَلِشَهَادَةٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا فَيَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ) لِذَلِكَ لِظَاهِرِ الْآيَاتِ وَالتَّحَمُّلِ كَالْأَدَاءِ كَمَا يَأْتِي فِي الشَّهَادَاتِ (وَلِخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ: أَوْ مَالِهِ نَهْبًا أَوْ حَرِيقًا وَنَحْوِهِ) كَالْغَرَقِ؛ لِأَنَّهُ عُذِرَ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ كَالْجُمُعَةِ فَهَهُنَا أَوْلَى، (وَلِمَرَضٍ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُقَامُ) كَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ (أَوْ لَا يُمْكِنُهُ) الْمُقَامُ مَعَهُ (إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ بِأَنْ يَحْتَاجَ إلَى خِدْمَةٍ أَوْ فِرَاشٍ) فَلَهُ الْخُرُوجُ لِمَا تَقَدَّمَ، (وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ) بِخُرُوجِهِ لِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ: لِدُعَاءِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ. وَ (لَا) يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ (إنْ كَانَ الْمَرَضُ خَفِيفًا كَصُدَاعٍ وَحُمَّى خَفِيفَةٍ) وَوَجَعِ ضِرْسٍ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ أَشْبَهَ الْمَبِيتَ بِبَيْتِهِ. (وَإِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانُ أَوْ غَيْرُهُ عَلَى الْخُرُوجِ) مِنْ مُعْتَكَفِهِ (بِأَنْ حُمِلَ وَأُخْرِجَ أَوْ هَدَّدَهُ قَادِرٌ) بِسَلْطَنَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ كَلِصٍّ وَقَاطِعِ طَرِيقٍ (فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ) بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يُبِيحُ تَرْكَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَعِدَّةَ الْوَفَاةِ بِالْمَنْزِلِ فَمَا أَوْجَبَهُ بِنَذْرِهِ أَوْلَى (كَحَائِضٍ وَمَرِيضٍ وَخَائِفٍ أَنْ يَأْخُذَهُ السُّلْطَانُ ظُلْمًا فَخَرَجَ وَاخْتَفَى) فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِخُرُوجِهِ لِلْعُذْرِ. (وَإِنْ أَخْرَجَهُ) سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ (لِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَقِّ عَلَيْهِ (بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ (فَلَا) يَبْطُلُ
اعْتِكَافُهُ (لِوُجُوبِ الْخُرُوجِ) عَلَيْهِ. (وَإِنْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (مِنْ الْمَسْجِدِ نَاسِيًا لَمْ يَبْطُلْ) اعْتِكَافُهُ لِحَدِيثِ «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنْ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (وَيَبْنِي) عَلَى اعْتِكَافِهِ (إذَا زَالَ الْعُذْرُ فِي الْكُلِّ) أَيْ: كُلِّ مَا تَقَدَّمَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَبْطُلُ فِيهِ. (فَإِنْ أَخَّرَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الِاعْتِكَافِ (مَعَ إمْكَانِهِ بَطَلَ مَا مَضَى) ، كَمَا لَوْ خَرَجَ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ (كَمَرَضٍ وَحَيْضٍ) زَالَا وَأَخَّرَ الرُّجُوعَ بَعْدَ زَوَالِهِمَا فَإِنَّ اعْتِكَافَهُ يَبْطُلُ بِذَلِكَ. (وَتَخْرُجُ الْمَرْأَةُ) الْمُعْتَكِفَةُ مِنْ الْمَسْجِدِ (لِوُجُودِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، فَتَرْجِعُ إلَى بَيْتِهَا فَإِذَا طَهُرَتْ) مِنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ (رَجَعَتْ إلَى الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّ اللُّبْثَ مَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ حَرَامٌ هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْجِدِ رَحَبَةٌ "، (وَإِنْ كَانَ لَهُ رَحَبَةٌ غَيْرُ مُحَوَّطَةٍ) قَيَّدَ بِهِ ابْنُ حَمْدَانَ وَهُوَ ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمُحَوَّطَةَ مِنْ الْمَسْجِدِ فَحُكْمُهَا حُكْمُهُ (يُمْكِنُهَا ضَرْبُ خِبَاءٍ) هُوَ مَا يُعْمَلُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ وَجَمْعُهُ: أَخْبِيَةٌ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ مِثْلُ: كِسَاءٍ وَأَكْسِيَةٍ وَيَكُونُ عَلَى عُودَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْتٌ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (فِيهَا بِلَا ضَرَرٍ سُنَّ) لَهَا ضَرْبُ الْخِبَاءِ بِهَا وَأَنْ تَجْلِسَ بِهَا (إنْ لَمْ تَخَفْ تَلْوِيثًا، فَإِذَا طَهُرَتْ دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ) لِتُتِمَّ اعْتِكَافَهَا لِمَا رَوَى الْمِقْدَامُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كُنَّ الْمُعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ فِي رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَطْهُرْنَ» رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ بِإِسْنَادِهِ. (وَ) تَخْرُجُ الْمُعْتَكِفَةُ (لِعِدَّةِ وَفَاةٍ) فِي مَنْزِلِهَا لِوُجُوبِهَا شَرْعًا كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ حَقٌّ لِلَّهِ وَلِآدَمِيٍّ لَا يُسْتَدْرَكُ إذْ تُرِكَ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ وَلَا يَبْطُلُ بِهِ (وَنَحْوِهَا) أَيْ: الْمَذْكُورَاتِ (مِمَّا يَجِبُ الْخُرُوجُ لَهُ) كَمَا إذَا تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ جِنَازَةٍ خَارِجَةٍ وَدَفْنُ مَيِّتٍ. (وَلَا تُمْنَعُ الْمُسْتَحَاضَةُ الِاعْتِكَافَ) ؛ لِأَنَّ الِاسْتِحَاضَةَ لَا تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ «اعْتَكَفَتْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ وَرُبَّمَا وَضَعَتْ الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. (وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَفَّظَ وَتَتَلَجَّمَ لِئَلَّا تُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ صِيَانَتُهُ مِنْهَا خَرَجَتْ مِنْهُ) لِوُجُوبِ صِيَانَتِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ. (وَلَا يَعُودُ) الْمُعْتَكِفُ (مَرِيضًا وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً وَلَا يُجَهِّزُهَا خَارِجَ الْمَسْجِدِ إلَّا بِشَرْطٍ) بِأَنْ يُشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ اعْتِكَافِهِ (أَوْ وُجُوبٍ) بِأَنْ يَتَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ إذَنْ (وَكَذَا كُلُّ قُرْبَةٍ لَا تَتَعَيَّنُ) عَلَيْهِ (كَزِيَارَةِ)
رَحِمٍ أَوْ صَدِيقٍ (وَتَحَمُّلِ شَهَادَةٍ وَأَدَائِهَا) إذَا لَمْ يَتَعَيَّنَا عَلَيْهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِشَرْطٍ (وَتَغْسِيلِ مَيِّتٍ وَغَيْرِهِ) لَا يَخْرُجُ إلَيْهِ إلَّا بِشَرْطٍ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ. (وَإِنْ شَرَطَ مَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ وَلَيْسَ بِقُرْبَةٍ كَالْعَشَاءِ فِي مَنْزِلِهِ وَالْمَبِيتِ فِيهِ جَازَ لَهُ فِعْلُهُ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ بِعَقْدِهِ كَالْوُقُوفِ؛ وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَأَنَّهُ نَذَرَ مَا أَقَامَهُ وَلِتَأَكُّدِ الْحَاجَةِ إلَيْهِمَا وَامْتِنَاعِ النِّيَابَةِ فِيهِمَا، وَ (لَا) يَصِحُّ الشَّرْطُ (إنْ شَرَطَ) الْمُعْتَكِفُ (الْوَطْءَ أَوْ) شَرَطَ الْخُرُوجَ لِأَجْلِ (الْفُرْجَةِ أَوْ النُّزْهَةِ أَوْ الْخُرُوجِ لِلْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ لِلتِّجَارَةِ أَوْ) شَرَطَ (التَّكَسُّبَ بِالصِّنَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ) وَالْخُرُوجَ لِمَا شَاءَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي الِاعْتِكَافَ صُورَةً وَمَعْنًى كَشَرْطِ تَرْكِ الْإِقَامَةِ بِالْمَسْجِدِ وَكَالْوَقْفِ لَا يَصِحُّ فِيهِ شَرْطُ مَا يُنَافِيهِ. (وَإِنْ قَالَ: مَرِضْت أَوْ عَرَضَ لِي عَارِضٌ خَرَجْت فَلَهُ شَرْطُهُ) كَالشَّرْطِ فِي الْإِحْرَامِ، وَإِفَادَتِهِ: جَوَازُ التَّحَلُّلِ إذَا حَدَثَ عَائِقٌ عَنْ الْمُضِيِّ، (وَلَهُ السُّؤَالُ عَنْ الْمَرِيضِ) مَا لَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِمَسْأَلَتِهِ، (وَ) لَهُ (الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي طَرِيقِهِ إذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مَا لَمْ يُعَرِّجْ أَوْ يَقِفْ لِمَسْأَلَتِهِ) ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ " وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " إنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ وَالْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلَّا وَأَنَا مَارَّةٌ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ شَيْئًا مِنْ اللُّبْثِ الْمُسْتَحَقِّ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ سَلَّمَ أَوْ رَدَّ السَّلَامَ فِي مُرُورِهِ، (وَلَهُ) أَيْ الْمُعْتَكِفِ إذَا خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ (الدُّخُولُ إلَى مَسْجِدٍ) آخَرَ (يُتِمُّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ إنْ كَانَ) ذَلِكَ الْمَسْجِدُ (أَقْرَبَ إلَى مَكَانِ حَاجَتِهِ مِنْ) الْمَسْجِدِ (الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ الْأَوَّلَ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِصَرِيحِ النَّذْرِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَتَعَيَّنَ بِشُرُوعِ الِاعْتِكَافِ فِيهِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ بِذَلِكَ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا أَشْبَهَ مَا لَوْ انْهَدَمَ الْمَسْجِدُ الْأَوَّلُ أَوْ أَخْرَجَهُ مِنْهُ سُلْطَانٌ فَخَرَجَ مِنْ سَاعَتِهِ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ فَأَتَمَّ اعْتِكَافَهُ فِيهِ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَسْجِدُ الَّذِي دَخَلَ إلَيْهِ (أَبْعَدَ) مِنْ مَحَلِّ حَاجَتِهِ الْأَوَّلِ، (أَوْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ إلَيْهِ أَيْ: إلَى الْمَسْجِدِ الثَّانِي ابْتِدَاءً بِلَا عُذْرٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِتَرْكِهِ لُبْثًا مُسْتَحَقًّا. (فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدَانِ مُتَلَاصِقَيْنِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا فَيَصِيرُ فِي الْآخَرِ فَلَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُمَا كَمَسْجِدٍ وَاحِدٍ انْتَقَلَ مِنْ إحْدَى زَاوِيَتَيْهِ إلَى الْأُخْرَى (وَإِنْ كَانَ يَمْشِي بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ (فِي غَيْرِهِمَا لَمْ يَجُزْ لَهُ الْخُرُوجُ، وَإِنْ قَرُبَ) مَا بَيْنَهُمَا، وَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِمَشْيِهِ بَيْنَهُمَا لِتَرْكِهِ اللُّبْثَ الْمُسْتَحَقَّ إذَنْ. (وَإِنْ خَرَجَ لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ خُرُوجًا مُعْتَادًا) يَعْنِي لِعُذْرٍ مُعْتَادٍ (كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ) أَيْ: الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ (وَطَهَارَةٍ مِنْ الْحَدَثِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ
وَالْجُمُعَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ) أَيْ: لَا قَضَاءَ؛ لِأَنَّ الْخُرُوجَ لَهُ كَالْمُسْتَثْنَى لِكَوْنِهِ مُعْتَادًا وَلَا كَفَّارَةَ إذْ لَوْ وَجَبَ فِيهِ شَيْءٌ لَامْتَنَعَ مُعْظَمُ النَّاسِ مِنْ الِاعْتِكَافِ بَلْ هُوَ بَاقٍ عَلَى اعْتِكَافِهِ وَلَمْ تَنْقُصْ بِهِ مُدَّتُهُ، (وَإِنْ خَرَجَ لِ) عُذْرٍ (غَيْرِ مُعْتَادٍ كَنَفِيرٍ وَشَهَادَةٍ وَاجِبَةٍ وَخَوْفٍ مِنْ فِتْنَةٍ وَمَرَضٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَقَيْءٍ بَغْتَةً وَغَسْلِ مُتَنَجِّسٍ يَحْتَاجُهُ وَإِطْفَاءِ حَرِيقٍ وَنَحْوِهِ، (وَلَمْ يَتَطَاوَلْ فَهُوَ عَلَى اعْتِكَافِهِ وَلَا يَقْضِي الْوَقْتَ الْفَائِتَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَسِيرًا) مُبَاحًا أَشْبَهَ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ وَغُسْلَ الْجَنَابَةِ، (وَإِنْ تَطَاوَلَ) غَيْرُ الْمُعْتَادِ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ، (فَإِنْ كَانَ الِاعْتِكَافُ تَطَوُّعًا خُيِّرَ بَيْنَ الرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ، (وَإِنْ كَانَ) الِاعْتِكَافُ (وَاجِبًا وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ إلَى مُعْتَكَفِهِ) لِأَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ. (ثُمَّ لَا يَخْلُو) النَّذْرُ (مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ) بِالِاسْتِقْرَاءِ (أَحَدِهَا: نَذْرُ اعْتِكَافِ أَيَّامٍ غَيْرِ مُتَتَابِعَةٍ وَلَا مُعَيَّنَةٍ) كَنَذْرِهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مَعَ الْإِطْلَاقِ (فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُتِمَّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ) مِنْ الْأَيَّامِ مُحْتَسِبًا بِمَا مَضَى، (لَكِنَّهُ يَبْتَدِئُ الْيَوْمَ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ مِنْ أَوَّلِهِ) لِيَكُونَ مُتَتَابِعًا وَقَالَ الْمَجْدُ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى بَعْضِ الْيَوْمِ، وَيُكَفِّرُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ (الثَّانِي: نَذَرَ أَيَّامًا مُتَتَابِعَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ) بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكِفَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ فَاعْتَكَفَ بَعْضَهَا ثُمَّ خَرَجَ لِمَا تَقَدَّمَ وَطَالَ (فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْبِنَاءِ عَلَى مَا مَضَى بِأَنْ يَقْضِيَ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) جَبْرًا لِفَوَاتِ التَّتَابُعِ. (وَبَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ بِلَا كَفَّارَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ كَمَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَشَرَعَ فِيهِ، ثُمَّ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ (الثَّالِثُ: نَذَرَ أَيَّامًا مُعَيَّنَةً كَالْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ فَعَلَيْهِ قَضَاءُ مَا تَرَكَ) لِيَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ، (وَ) عَلَيْهِ (كَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ. (وَإِنْ خَرَجَ) الْمُعْتَكِفُ (جَمِيعُهُ لِمَا لَهُ مِنْهُ بُدٌّ مُخْتَارًا عَمْدًا أَوْ مُكْرَهًا بِحَقٍّ) ، كَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْ فَأُخْرِجَ لَهُ، (بَطَلَ) اعْتِكَافُهُ. (وَإِنْ قَلَّ) زَمَنُ خُرُوجِهِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ كَمَا لَوْ طَالَ وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعِهِ: أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ بَعْضُ جَسَدِهِ لَمْ يَبْطُلْ اعْتِكَافُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا اعْتَكَفَ يُدْنِي رَأْسَهُ إلَيَّ فَأُرَجِّلُهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (ثُمَّ إنْ كَانَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي) نَذْرٍ (مُتَتَابِعٍ) بِشَرْطٍ أَوْ نِيَّةٍ بِأَنْ كَانَ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ أَوْ نَوَاهَا كَذَلِكَ ثُمَّ خَرَجَ لِذَلِكَ (اسْتَأْنَفَ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ فِعْلُ الْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ إلَّا بِهِ، (وَلَا كَفَّارَةَ) عَلَيْهِ لِإِتْيَانِهِ
بِالْمَنْذُورِ عَلَى وَجْهِهِ. (وَإِنْ كَانَ) خَرَجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ (مُكْرَهًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَاسِيًا فَقَدْ تَقَدَّمَ) حُكْمُهُ قَرِيبًا، (وَإِنْ كَانَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ مُتَتَابِعٍ كَنَذْرِ شَعْبَانَ مُتَتَابِعًا أَوْ فِي) نَذْرٍ (مُعَيَّنٍ) كَشَعْبَانَ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ (بِالتَّتَابُعِ اسْتَأْنَفَ) لِتَضَمُّنِ نَذْرِهِ التَّتَابُعَ؛ وَلِأَنَّهُ أَوْلَى مِنْ الْمُدَّةِ الْمُطْلَقَةِ، (وَكَفَّرَ) كَفَّارَةَ يَمِينٍ لِتَرْكِهِ الْمَنْذُورَ فِي وَقْتِهِ الْمُعَيَّنِ بِلَا عُذْرٍ (وَيَكُونُ الْقَضَاءُ) فِي الْكُلِّ. (وَالِاسْتِئْنَافُ عَلَى الْكُلِّ عَلَى صِفَةِ الْأَدَاءِ فِيمَا يُمْكِنُ) ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مَشْرُوطًا فِيهِ الصَّوْمُ أَوْ فِي أَحَدِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُقْتَضَى أَوْ الْمُسْتَأْنَفَ يَكُونُ كَذَلِكَ بِخِلَافِ مَا لَا يُمْكِنُ، كَمَا لَوْ عَيَّنَ زَمَنًا وَمَضَى فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، لَكِنْ لَوْ نَذَرَ اعْتِكَافًا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَضَاؤُهُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الْأَيَّامِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ لُزُومُهُ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى؛؛ لِأَنَّ فِي الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الزَّمَنِ فَضِيلَةً لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ فَلَا يُجْزِئُ الْقَضَاءُ فِي غَيْرِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ وَعَلَى هَذَا: فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَشَرَعَ فِي اعْتِكَافِهَا فِي أَوَّلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ ثُمَّ أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ فِي الْعَشْرِ مِنْ قَابِلٍ؛ لِأَنَّ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ عَنْ نَذْرِهِ فَإِذَا أَفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضَاؤُهُ عَلَى صِفَةِ مَا أَفْسَدَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي الْقَاعِدَةِ الْحَادِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمُعْتَكِفِ (الْوَطْءُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] (فَإِنْ وَطِئَ) الْمُعْتَكِفُ (فِي فَرْجٍ وَلَوْ نَاسِيًا فَسَدَ اعْتِكَافُهُ) لِمَا رَوَى حَرْبٌ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا جَامَعَ الْمُعْتَكِفُ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَاسْتَأْنَفَ الِاعْتِكَافَ "؛ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَفْسُدُ بِالْوَطْءِ عَمْدًا فَكَذَلِكَ سَهْوًا كَالْحَجِّ. (وَلَا كَفَّارَةَ لِلْوَطْءِ) لِعَدَمِ النَّصِّ وَالْقِيَاسُ لَا يَقْتَضِيهِ، (بَلْ) عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ (لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ) إذَا كَانَ مُعَيَّنًا وَهُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ (وَإِنْ بَاشَرَ) الْمُعْتَكِفُ (دُونَ الْفَرْجِ) أَوْ قَبَّلَ (لِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ) كَغَسْلِ رَأْسِهِ وَتَرْجِيلِ شَعْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ. (وَ) إنْ بَاشَرَ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبَّلَ (لِشَهْوَةٍ حَرُمَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187] . (فَإِنْ أَنْزَلَ فَكَوَطْءٍ فَيَفْسُدُ) اعْتِكَافُهُ وَلَا كَفَّارَةَ لَهُ بَلْ لِإِفْسَادِ نَذْرِهِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ (فَلَا) إفْسَادَ كَالصَّوْمِ. (وَإِنْ سَكِرَ) الْمُعْتَكِفُ (وَلَوْ لَيْلًا) بَطَلَ اعْتِكَافُهُ لِخُرُوجِهِ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ كَالْمَرْأَةِ تَحِيضُ
(أَوْ ارْتَدَّ) الْمُعْتَكِفُ (بَطَلَ اعْتِكَافُهُ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] ؛ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ. (وَلَا يَبْنِي إذَا زَالَ سُكْرُهُ أَوَعَادَ إلَى الْإِسْلَام؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْذُورٍ) بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ تَحِيضُ (وَإِنْ شَرِبَ الْمُعْتَكِفُ مُسْكِرًا وَلَمْ يُسْكِرْهُ أَوْ أَتَى كَبِيرَةً لَمْ يَفْسُدْ) اعْتِكَافُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ لَهُ. (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِفِعْلِ الْقُرَبِ) أَيْ: كُلِّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ، (وَ) يُسْتَحَبُّ لَهُ (اجْتِنَابُ مَا لَا يَعْنِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ: يُهِمُّهُ مِنْ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ وَكَثْرَةِ كَلَامٍ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» ؛ وَلِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ فِي غَيْرِهِ أَيْ: غَيْرِ الِاعْتِكَافِ (فَفِيهِ أَوْلَى) رَوَى الْخَلَّالُ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " كَانُوا يَكْرَهُونَ فُضُولَ الْكَلَامِ، وَكَانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الْكَلَامِ مَا عَدَا كِتَابِ اللَّهِ: أَنْ تَقْرَأَهُ أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ أَوْ تَنْطِقَ فِي مَعِيشَتِك بِمَا لَا بُدَّ لَك مِنْهُ. (وَلَا بَأْسَ أَنْ تَزُورَهُ) فِي الْمَسْجِدِ (زَوْجَتُهُ) وَتَتَحَدَّثَ مَعَهُ وَتُصْلِحَ رَأْسَهُ أَوْ غَيْرَهُ (مَا لَمْ يَلْتَذَّ بِشَيْءٍ مِنْهَا مِنْهَا وَلَهُ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ) «؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ زَارَتْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَتَحَدَّثَ مَعَهَا، وَرَجَّلَتْ عَائِشَةُ رَأْسَهُ» ، (وَ) لَهُ أَنْ (يَأْمُرَ بِمَا يُرِيدُ خَفِيفًا) بِحَيْثُ (لَا يَشْغَلُهُ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: " أَيُّ رَجُلٍ اعْتَكَفَ فَلَا يُسَابَّ وَلَا يَرْفُثْ فِي الْحَدِيثِ وَيَأْمُرْ أَهْلَهُ بِالْحَاجَةِ أَيْ: وَهُوَ يَمْشِي وَلَا يَجْلِسُ عِنْدَهُمْ " رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَلَا يَبِيعُ) الْمُعْتَكِفُ (وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ طَعَامٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ) خَارِجَ الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقِفَ أَوْ يُعَرِّجَ لِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ. (وَلَيْسَ الصَّمْتُ مِنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الصَّمْتُ إلَى اللَّيْلِ) وَ (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ: ظَاهِرُ الْأَخْبَارِ تَحْرِيمُهُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَالتَّحْقِيقِ فِي الصَّمْتِ أَنَّهُ إنْ طَالَ حَتَّى تَضَمَّنَ تَرْكَ الْكَلَامِ الْوَاجِبِ صَارَ حَرَامًا، كَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ: وَكَذَا أَنْ تَعْتَدَّ بِالصَّمْتِ عَنْ الْكَلَامِ الْمُسْتَحَبِّ وَالْكَلَامُ الْمُحَرَّمُ يَجِبُ الصَّمْتُ عَنْهُ وَفُضُولُ الْكَلَامِ يَنْبَغِي الصَّمْتُ عَنْهَا، (وَإِنْ نَذَرَهُ) أَيْ: الصَّمْتَ (لَمْ يَفِ بِهِ)
لِحَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا صُمَاتَ يَوْمٍ إلَى اللَّيْلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُبُ إذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ وَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَظِلُّ وَلَا يَتَكَلَّمُ وَأَنْ يَصُومَ فَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد. " وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زَيْنَبُ فَرَآهَا لَا تَتَكَلَّمُ فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَتَكَلَّمُ؟ فَقَالُوا: حَجَّتْ مُصْمَتَةً فَقَالَ لَهَا: تَكَلَّمِي فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ هَذَا مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ فَتَكَلَّمَتْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِ الصِّدِّيقِ هَذَا وَقَوْلِهِ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا» بِأَنَّ قَوْلَهُ الثَّانِيَ مَحْمُولٌ عَلَى الصَّمْتِ عَمَّا لَا يَعْنِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] . (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ بَدَلًا مِنْ الْكَلَامِ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِعْمَالٌ لَهُ فِي غَيْرِ مَا هُوَ لَهُ فَأَشْبَهَ اسْتِعْمَالَ الْمُصْحَفِ فِي التَّوَسُّدِ وَنَحْوِهِ (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي) بَابِ (صَلَاةِ التَّطَوُّعِ قَالَ الشَّيْخُ إنْ قَرَأَ عِنْدَ الْحُكْمِ الَّذِي أُنْزِلَ لَهُ أَوْ) قَرَأَ (مَا يُنَاسِبُهُ فَحَسَنٌ كَقَوْلِهِ لِمَنْ دَعَاهُ لِذَنْبٍ تَابَ مِنْهُ {مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا} [النور: 16] وَقَوْلُهُ عِنْدَمَا أَهَمَّهُ: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ} [يوسف: 86] وَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُعْتَكِفِ (إقْرَاءُ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسُ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةُ الْفُقَهَاءِ وَمَجَالِسُهُمْ وَكِتَابَةُ الْحَدِيثِ فِيهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَدَّى نَفْعُهُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَعْتَكِفُ فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ الِاشْتِغَالُ بِغَيْرِ الْعِبَادَاتِ
فصل في أحكام المساجد
الْمُخْتَصَّةِ بِهِ وَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا الْمَسْجِدُ فَلَمْ يُسْتَحَبَّ فِيهَا ذَلِكَ كَالطَّوَافِ، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ اسْتِحْبَابَهُ إذَا قَصَدَ بِهِ الطَّاعَةَ لَا الْمُبَاهَاةَ، (لَكِنَّ فِعْلَهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِإِقْرَاءِ الْقُرْآنِ وَتَدْرِيسِ الْعِلْمِ وَمُنَاظَرَةِ الْفُقَهَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (أَفْضَلُ مِنْ الِاعْتِكَافِ لِتَعَدِّي نَفْعِهِ) . (وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَشْهَدَ النِّكَاحَ لِنَفْسِهِ وَغَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ طَاعَةٌ وَحُضُورُهُ قُرْبَةٌ، وَمُدَّتُهُ لَا تَتَطَاوَلُ فَهُوَ كَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ. (وَ) لَا بَأْسَ أَنْ (يُصْلِحَ بَيْنَ الْقَوْمِ وَيَعُودَ الْمَرِيضَ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَيُهِنِّي وَيُعَزِّي وَيُؤَذِّنَ وَيُقِيمَ كُلَّ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِيهِ. (وَيُسْتَحَبُّ لَهُ) أَيْ: لِلْمُعْتَكِفِ (تَرْكُ لُبْسٍ رَفِيعِ الثِّيَابِ وَالتَّلَذُّذِ بِمَا يُبَاحُ لَهُ قَبْلَ الِاعْتِكَافِ وَ) أَنْ (لَا يَنَامَ إلَّا عَنْ غَلَبَةٍ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَاءِ وَأَنْ لَا يَنَامَ مُضْطَجِعًا بَلْ مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِأَخْذِ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَ) لَا بَأْسَ (أَنْ يَأْكُلَ فِي الْمَسْجِدِ وَيَضَعَ سُفْرَةً) وَشِبْهَهَا (يَسْقُطُ عَلَيْهَا مَا يَقَعُ عَنْهُ لِئَلَّا يُلَوِّثَ الْمَسْجِدَ) . (وَيُكْرَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ) الْمُعْتَكِفُ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا فَكَانَ تَرْكُ الطِّيبِ فِيهَا مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ قَالَ أَحْمَدُ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ. [فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الْمَسَاجِدِ] ِ (يَجِبُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ فِي الْأَمْصَارِ وَالْقُرَى وَالْمَحَالِّ) جَمْعُ مَحِلَّةٍ بِكَسْرِ الْحَاءِ (وَنَحْوِهَا حَسَبَ الْحَاجَةِ) فَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهَا: الْجُسُورُ وَالْقَنَاطِرُ وَأَرَاهُ ذَكَرَ الْمَصَانِعَ وَالْمَسَاجِدَ انْتَهَى، وَفِي الْحَثِّ عَلَى عِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةِ مَصَالِحِهَا آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ بَعْضُهَا صَحِيحٌ، وَيُسْتَحَبُّ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَتَنْظِيفُهَا وَتَطْيِيبُهَا؛ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ «وَأَحَبُّ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا» ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، (وَمَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) لِحَدِيثِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
يَقُولُ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا قَالَ بُكَيْر: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ وَمُرَاعَاةُ أَبْنِيَتِهَا مُسْتَحَبَّةٌ) لِلْأَخْبَارِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عَنْ كُلِّ وَسَخٍ وَقَذَرٍ وَقَذَاةِ) عَيْنٍ (وَمُخَاطٍ وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ وَقَصِّ شَارِبٍ وَحَلْقِ رَأْسٍ وَنَتْفِ إبْطٍ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنْ الْمَسْجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَخْرَجَ أَذًى مِنْ الْمَسْجِدِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِذَلِكَ ". (وَ) يُسَنُّ أَيْضًا أَنْ يُصَانَ (عَنْ رَائِحَةٍ كَرِيهَةٍ مِنْ بَصَلٍ وَثُومٍ وَكُرَّاثٍ وَنَحْوِهِمْ) كَفُجْلٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَحَدٌ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ النَّاسُ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا» . وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، (فَإِنْ دَخَلَهُ) أَيْ: الْمَسْجِدَ (آكِلٌ ذَلِكَ) أَيْ: مَا لَهُ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ مِنْ ثُومٍ وَبَصَلٍ وَنَحْوِهِمَا، (أَوْ) دَخَلَهُ (مَنْ لَهُ صُنَانٌ أَوْ بَخْرٌ، قَوِيَ إخْرَاجُهُ) أَيْ اسْتِحْبَابُ إخْرَاجِهِ إزَالَةً لِلْأَذَى، (وَعَلَى قِيَاسِهِ: إخْرَاجُ الرِّيحِ مِنْ دُبُرِهِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ بِجَامِعِ الْإِيذَاءِ بِالرَّائِحَةِ فَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ الْمَسْجِدُ مِنْ ذَلِكَ وَيَخْرُجُ مِنْهُ لِأَجْلِهِ. (وَ) يُصَانُ الْمَسْجِدُ (مِنْ بُزَاقٍ وَلَوْ فِي هَوَائِهِ) أَيْ: هَوَاءِ الْمَسْجِدِ كَسَطْحِهِ؛ لِأَنَّهُ كَقَرَارِهِ (وَهُوَ) أَيْ الْبُزَاقُ (فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (خَطِيئَةٌ) لِلْخَبَرِ، (فَإِنْ كَانَتْ أَرْضُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا) كَالتُّرَابِ وَالرَّمْلِ (فَكَفَّارَتُهَا: دَفْنُهَا) لِلْخَبَرِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا، بَلْ كَانَتْ بَلَاطًا أَوْ رُخَامًا (مَسَحَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ غَيْرِهِ) ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ إزَالَتُهَا. (وَلَا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا إزَالَةَ فِي ذَلِكَ (وَإِنْ لَمْ يُزِلْهَا) أَيْ: الْبَصْقَةَ أَوْ النُّخَامَةَ وَنَحْوَهَا (فَاعِلُهَا لَزِمَ غَيْرَهُ مِنْ كُلِّ مَنْ عَلِمَ بِهَا إزَالَتُهَا بِدَفْنٍ) إنْ كَانَتْ أَرْضُهُ حَصْبَاءَ وَنَحْوَهَا (أَوْ غَيْرِهِ) كَمَسْحٍ بِثَوْبٍ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ أَرْضُهُ كَذَلِكَ، (فَإِنْ بَدَرَهُ الْبُزَاقُ) فِي الْمَسْجِدِ (أَخَذَهُ بِثَوْبِهِ وَحَكَّهُ) أَيْ: الثَّوْبَ (بِبَعْضِهِ) لِيَذْهَبَ (وَإِنْ كَانَ) الْبُزَاقُ وَنَحْوُهُ (عَلَى حَائِطٍ وَجَبَ أَيْضًا إزَالَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، (وَيُسَنُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهِ) أَيْ مَوْضِعِ الْبُزَاقِ مِنْ الْمَسْجِدِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي حَائِطٍ أَوْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
مَا أَحْسَنَ هَذَا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. (وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ وَتَجِبُ إزَالَتُهُ) إنْ تَحَصَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ بِالْعَرْضِ عَلَى النَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ مُوَضَّحًا وَأَوَّلُ مَنْ ذَهَّبَ الْكَعْبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَزَخْرَفَهَا وَزَخْرَفَ الْمَسَاجِدَ: الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ (وَيُكْرَهُ) أَنْ يُزَخْرَفَ الْمَسْجِدَ (بِنَقْشٍ وَصِبْغٍ وَكِتَابَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْهِي الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ غَالِبًا، وَإِنْ كَانَ) فَعَلَ ذَلِكَ (مِنْ مَالِ الْوَقْفِ حَرُمَ) فِعْلُهُ. (وَوَجَبَ الضَّمَانُ) أَيْ: ضَمَانُ مَالِ الْوَقْفِ الَّذِي صَرَفَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَالِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْوَقْفِ. (وَفِي الْغُنْيَةِ: لَا بَأْسَ بِتَجْصِيصِهِ انْتَهَى أَيْ: يُبَاحُ تَجْصِيصُ حِيطَانِهِ أَيْ: تَبْيِيضُهَا، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ وَلَمْ يَرَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ وَقَالَ: هُوَ مِنْ زِينَةِ الدُّنْيَا) قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْمَسَاجِدِ وَزَخْرَفَتُهَا لِمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَعَلَيْهِ يَحْرُمُ مِنْ مَالِ الْوَقْفِ وَيَجِبُ الضَّمَانُ لَا عَلَى الْأَوَّلِ. (وَيُصَانُ عَنْ تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ وَغَيْرِهِ) فِي قِبْلَتِهِ دُونَ وَضْعِهِ بِالْأَرْضِ. (قَالَ أَحْمَدُ: يُكْرَهُ أَنْ يُعَلِّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ) وَلَمْ يُكْرَه أَنْ يُوضَعَ فِي الْمَسْجِدِ الْمُصْحَفُ أَوْ نَحْوُهُ. (وَيَحْرُمُ فِيهِ أَيْ الْمَسْجِدِ) الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَالْإِجَارَةُ؛ (لِأَنَّهَا نَوْعٌ مِنْ الْبَيْعِ) لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُهُ قَلَّ الْمَبِيعُ أَوْ كَثُرَ احْتَاجَ إلَيْهِ أَوْ لَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْبَيْعِ وَالِابْتِيَاعِ وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَرَأَى عِمْرَانُ الْقَصِيرُ رَجُلًا يَبِيعُ فِي الْمَسَاجِدِ فَقَالَ: يَا هَذَا إنَّ هَذَا سُوقُ الْآخِرَةِ فَإِنْ أَرَدْتَ الْبَيْعَ فَاخْرُجْ إلَى سُوقِ الدُّنْيَا " (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ: بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ (فَبَاطِلٌ) قَالَ أَحْمَدُ، وَإِنَّمَا هَذِهِ بُيُوتُ اللَّهِ لَا يُبَاعُ فِيهَا وَلَا يُشْتَرَى وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ الْبَيْعَ وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَطَعَ بِالْكَرَاهَةِ فِي الْفُصُولِ وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَفِي الشَّرْحِ فِي آخِرِ كِتَابِ الْبَيْعِ (وَيُسَنُّ أَنْ يُقَالَ لَهُ) أَيْ لِمَنْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى فِي الْمَسْجِدِ: (لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَك) رَدْعًا لَهُ، (وَلَا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فِيهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ (بِالصَّنْعَةِ كَخِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا قَلِيلًا كَانَ) ذَلِكَ (أَوْ كَثِيرًا لِحَاجَةٍ وَغَيْرِهَا) وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ. سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ أَوْ رَشٍّ وَنَحْوِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التِّجَارَةِ
بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، (وَلَا يَبْطُلُ بِهِنَّ) أَيْ: بِالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْإِجَارَةِ وَالتَّكَسُّبِ بِالصَّنْعَةِ (الِاعْتِكَافُ) كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي لَا تُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْعِبَادَةِ (فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَكَانًا لِلْمَعَايِشِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُبْنَ لِذَلِكَ (وَقُعُودُ الصُّنَّاعِ وَالْفَعَلَةِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُكْرِيهِمْ بِمَنْزِلَةِ وَضْعِ الْبَضَائِعِ فِيهِ يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَشْتَرِيهَا وَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ) كَسَائِرِ الْمُحَرَّمَاتِ، (وَإِنْ وَقَفُوا) أَيْ الصُّنَّاعُ وَالْفَعَلَةُ (خَارِجَ أَبْوَابِهِ) يَنْتَظِرُونَ مَنْ يُكْرِيهِمْ (فَلَا بَأْسَ) بِذَلِكَ لِعَدَمِ الْمَحْذُورِ. قَالَ (الْإِمَامُ) أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: (لَا أَرَى لِرَجُلٍ) وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى وَالْمَرْأَةُ (إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ إلَّا أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ الذِّكْرَ وَالتَّسْبِيحَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ إنَّمَا بُنِيَتْ لِذَلِكَ وَلِلصَّلَاةِ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ خَرَجَ إلَى مَعَاشِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10] . (وَ) يَجِبُ أَنْ (يُصَانَ) الْمَسْجِدُ عَنْ عَمَلِ صَنْعَةٍ لِتَحْرِيمِهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُكْرَهُ الْيَسِيرُ) مِنْ الْعَمَلِ فِي الْمَسْجِدِ (لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نَعْلِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الصَّانِعُ يُرَاعِي) أَنْ يَتَعَهَّدَ (الْمَسْجِدَ بِكَنْسٍ وَنَحْوِهِ) كَرَشٍّ (أَوْ لَمْ يَكُنْ) كَذَلِكَ (وَيَحْرُمُ) فِعْلُ ذَلِكَ (لِلتَّكَسُّبِ كَمَا تَقَدَّمَ إلَّا الْكِتَابَةَ، فَإِنَّ) الْإِمَامَ (أَحْمَدَ سَهَّلَ فِيهَا وَلَمْ يُسَهِّلْ فِي وَضْعِ النَّعْشِ فِيهِ، قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَةَ نَوْعُ تَحْصِيلٍ لِلْعِلْمِ فَهِيَ فِي مَعْنَى الدِّرَاسَةِ) ، وَهَذَا يُوجِبُ التَّقَيُّدَ بِمَا لَا يَكُونُ تَكَسُّبًا، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: فَلَيْسَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ، انْتَهَى كَلَامُ الْحَارِثِيِّ قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَظَاهِرُ مَا نَقَلَ الْأَثْرَمُ: التَّسْهِيلُ فِي الْكِتَابَةِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَتَكْثِيرِ كُتُبِهِ. (وَيَخْرُجُ عَلَى ذَلِكَ تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ الْكِتَابَةَ فِيهِ) بِالْأَجْرِ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى (بِشَرْطِ أَنْ لَا يَحْصُلَ ضَرَرٌ بِحِبْرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ) مِمَّا فِيهِ ضَرَرٌ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) الْمَسْجِدُ (عَنْ صَغِيرٍ لَا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ) (وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ. (وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ لَغَطٍ وَخُصُومَةٍ وَكَثْرَةِ حَدِيثٍ لَاغٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إذَا كَانَ مُبَاحًا أَوْ مُسْتَحَبًّا) ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْعِلْمِ وَغَيْرِهِ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ. (وَ) أَنْ يُصَانَ (عَنْ رَفْعِ الصِّبْيَانِ أَصْوَاتَهُمْ بِاللَّعِبِ وَغَيْرِهِ وَعَنْ مَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ: مِنْ الْغِنَاءِ وَالتَّصْفِيقِ وَالضَّرْبِ بِالدُّفُوفِ، وَيُمْنَعُ فِيهِ اخْتِلَاطُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ
مِنْ الْمَفَاسِدِ. (وَ) يُمْنَعُ فِيهِ (إيذَاءُ الْمُصَلِّينَ وَغَيْرِهِمْ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ) لِحَدِيثِ: «مَا أَنْصَفَ الْقَارِئُ الْمُصَلِّيَ» وَحَدِيثِ «أَلَا كُلُّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ» . وَيُمْنَعُ السَّكْرَانُ مِنْ دُخُولِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} [النساء: 43] وَيُمْنَعُ نَجِسُ الْبَدَنِ مِنْ اللُّبْثِ فِيهِ بِلَا تَيَمُّمٍ هَكَذَا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ ابْنِ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْغُسْلِ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ تَتَعَدَّى، وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ الْغُسْلِ فَمَفْهُومُهُ: لَا يُمْنَعُ مِنْهُ مَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا تَتَعَدَّى. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَلَا بَأْسَ بِالْمُنَاظَرَةِ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْمَسَاجِدِ إذَا كَانَ الْقَصْدُ طَلَبَ الْحَقِّ، فَإِنْ كَانَ مُغَالَبَةً وَمُنَافَرَةً دَخَلَ فِي حَيِّزِ الْمُلَاحَاةِ وَالْجِدَالِ فِيمَا لَا يَعْنِي وَلَمْ يَجُزْ فِي الْمَسَاجِدِ انْتَهَى. وَيُبَاحُ فِيهِ عَقْدُ النِّكَاحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ وَالْقَضَاءُ وَاللِّعَانُ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَفِيهِ قَالَ: «فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَنَا شَاهِدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْحُكْمُ وَإِنْشَادُ الشِّعْرِ الْمُبَاحِ وَتَعْلِيمُ الْعِلْمِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ لِحَدِيثِ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: «شَهِدْتُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ مَرَّةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَأَصْحَابُهُ يَتَذَاكَرُونَ الشِّعْرَ وَأَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَرُبَّمَا تَبَسَّمَ مَعَهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَيُبَاحُ لِلْمَرِيضِ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَأَنْ يَكُونَ فِي خَيْمَةٍ قَالَتْ عَائِشَةُ: «أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي الْأَكْحَلِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ يَعُودُهُ مِنْ قَرِيبٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُبَاحُ (إدْخَالُ الْبَعِيرِ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ «؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ» . (وَيُصَانُ عَنْ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ مُطْلَقًا) خِيفَ تَلْوِيثُهُ أَوْ لَا، (وَالْأَوْلَى: أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ صَوْنُهُ عَنْ جُلُوسِهِمَا فِيهِ) قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى؛ لِأَنَّ جُلُوسَهُمَا فِيهِ مُحَرَّمٌ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَيْضِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) الْمَسْجِدُ (عَنْ الْمُرُورِ فِيهِ بِأَنْ لَا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ وَكَوْنُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (طَرِيقًا قَرِيبًا حَاجَةٌ) فَتَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِذَلِكَ. (وَكَذَا الْجُنُبُ بِلَا وُضُوءٍ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ اللُّبْثُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَجِبُ أَنْ يُصَانَ عَنْهُ (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَانَ) عَنْ مُرُورِهِ فِيهِ إلَّا لِحَاجَةٍ، وَإِنْ تَوَضَّأَ جَازَ لَهُ اللُّبْثُ وَالنَّوْمُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ فِي الْغُسْلِ. (وَيُبَاحُ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ النَّوْمُ فِيهِ) «؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُضْطَجِعًا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ: إنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يَبْغَضُهَا اللَّهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَأَنْكَرَ الضِّجْعَةَ وَلَمْ يُنْكِرْ نَوْمَهُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ يَنَامُونَ فِي الْمَسْجِدِ
(قَالَ) الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ (الْحَارِثِيُّ) لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ أَيْ النَّوْمِ لِلْمُعْتَكِفِ (وَكَذَا مَا لَا يُسْتَدَامُ كَبَيْتُوتَةِ الصَّيْفِ وَالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ وَقَيْلُولَةِ الْمُجْتَازِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ غَيْرُ وَاحِدٍ وَمَا يُسْتَدَامُ مِنْ النَّوْمِ كَنَوْمِ الْمُقِيمِ، عَنْ أَحْمَدَ الْمَنْعُ مِنْهُ كَمَا مَرَّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَأَبِي دَاوُد، وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَبِهَذَا أَقُولُ انْتَهَى كَلَامُ الْحَارِثِيِّ (لَكِنْ لَا يَنَامُ قُدَّامَ الْمُصَلِّينَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي اسْتِقْبَالُ نَائِمٍ قُلْت وَعَلَى هَذَا فَلَهُمْ إقَامَتُهُ. (وَيُسَنُّ صَوْنُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ مُحَرَّمٍ) ، قُلْتُ: بَلْ يَجِبُ. (وَ) عَنْ إنْشَادِ شِعْرٍ (قَبِيحٍ) وَعَمَلِ سَمَاعٍ وَإِنْشَادِ ضَالَّةٍ أَيْ: تَعْرِيفِهَا (وَنِشْدَانُهَا) أَيْ: طَلَبُهَا (وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ) أَيْ: سَامِعِ نِشْدَانِ الضَّالَّةِ (أَنْ يَقُولَ: لَا وَجَدْتهَا وَلَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْك إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُسَنُّ صَوْنُهُ (عَنْ إقَامَةِ) حَدٍّ نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ الرِّعَايَةِ قَالَ: وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْمَسَاجِدِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسْجِدِ. (وَ) عَنْ (سَلِّ سَيْفٍ وَنَحْوِهِ) مِنْ أَنْوَاعِ السِّلَاحِ احْتِرَامًا لَهُ. (وَيُكْرَهُ فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (الْخَوْضُ وَالْفُضُولُ) مِنْ الْكَلَامِ (وَحَدِيثُ الدُّنْيَا وَالِارْتِفَاقُ بِهِ) أَيْ بِالْمَسْجِدِ (وَإِخْرَاجُ حَصَاهُ وَتُرَابُهُ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَغَيْرُهُ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: كَذَا قَالُوا وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: إمَّا مُرَادُهُمْ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمُ، وَإِمَّا مُرَادُهُمْ إخْرَاجُ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ لَا الْكَثِيرِ انْتَهَى وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْحَجِّ. (وَلَا يَسْتَعْمِلُ النَّاسَ حُصْرَهُ وَقَنَادِيلَهُ) وَسَائِرَ مَا وُقِفَ لِمَصْلَحَةٍ (فِي مَصَالِحِهِمْ كَالْأَعْرَاسِ وَالْأَعْزِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُوقَفْ لِذَلِكَ وَيَجِبُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الَّتِي عَيَّنَهَا الْوَاقِفُ. (وَمَنْ لَهُ الْأَكْلُ فِيهِ فَلَا يُلَوِّثُ حُصْرَهُ وَلَا يُلْقِي الْعِظَامَ وَنَحْوَهَا) كَقُشُورِ الْبِطِّيخِ وَنَوَى التَّمْرِ وَنَحْوِهِ (فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ (تَقْذِيرٌ) لَهُ، (فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ تَنْظِيفُ ذَلِكَ) وَعَلَى قِيَاسِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْبُصَاقِ: إنْ لَمْ يُزِلْهُ فَاعِلُهُ، وَجَبَ عَلَى مَنْ عَلِمَهُ غَيْرُهُ. (وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُغْرَسَ فِيهِ شَيْءٌ وَيُقْلَعُ مَا غُرِسَ فِيهِ وَلَوْ بَعْدَ إيقَافِهِ) أَيْ: الْمَغْرُوسِ. (وَلَا) يَجُوزُ (حَفْرُ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ قَالَ الْمَرُّوذِيُّ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ
فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا قُلْت فَإِنْ حُفِرَتْ تَرَى أَنْ يُؤْخَذَ الْمُغْتَسَلُ فَيُغَطَّى بِهِ الْبِئْرُ؟ قَالَ إنَّمَا ذَلِكَ لِلْمُتَوَفَّى (وَيَأْتِي آخِرَ الْوَقْفِ) مُفَصَّلًا. (وَيَحْرُمُ الْجِمَاعُ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ يُكْرَهُ فَوْقَهُ وَالتَّمَسُّحُ بِحَائِطِهِ وَالْبَوْلُ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى حَائِطِ الْمَسْجِدِ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: أَكْرَهُ لِمَنْ بَالَ أَنْ يَمْسَحَ ذَكَرُهُ بِجِدَارِ الْمَسْجِدِ قَالَ الْمُرَادُ بِهِ الْحَظْرُ. (وَجَوَّزَ فِي الرِّعَايَةِ الْوَطْءَ فِيهِ وَعَلَى سَطْحِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَسَاجِد فِي الْغُسْلِ. (وَيَحْرُم بَوْلُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ (وَلَوْ فِي إنَاءٍ) ؛؛ لِأَنَّ الْهَوَاءَ تَابِعٌ لِلْقَرَارِ. (وَ) يَحْرُمُ فِيهِ (فَصْدٌ وَحِجَامَةٌ وَقَيْءٌ وَنَحْوُهُ) كَبَطِّ سِلْعَةٍ وَلَوْ فِي إنَاءٍ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ لَمْ يُبْنَ لَهَذَا فَوَجَبَ صَوْنُهُ عَنْهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّهَا لَا يُمْكِنُهَا التَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ إلَّا بِتَرْكِ الِاعْتِكَافِ بِخِلَافِ الْفَصْدِ وَنَحْوِهِ. (وَإِنْ دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَبِيرَةٌ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ الْمَسْجِدِ فَفَعَلَهُ) كَسَائِرِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ ثُمَّ عَادَ إلَى مُعْتَكَفِهِ. (وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ كَالْمَرَضِ الَّذِي يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ) كَالصُّدَاعِ وَوَجَعِ الضِّرْسِ وَالْحُمَّى الْيَسِيرَةِ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِذَلِكَ وَتَقَدَّمَ. (وَكَذَا حُكْمُ نَجَاسَةٍ فِي هَوَائِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (كَالْقَتْلِ عَلَى نِطْعٍ وَدَمٍ وَنَحْوِهِ) كَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ (فِي إنَاءٍ) فَيَحْرُمُ لِتَبَعِيَّةِ الْهَوَاءِ لِلْقَرَارِ. (وَإِنْ بَالَ خَارِجَهُ) أَيْ: خَارِجَ الْمَسْجِدِ (وَجَسَدُهُ فِيهِ دُونَ ذَكَرِهِ وَكُرِهَ) لَهُ ذَلِكَ. (وَيُبَاحُ الْوُضُوءُ فِيهِ وَالْغُسْلُ بِلَا ضَرَرٍ) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النِّسَاءُ وَالرِّجَالُ " وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: " كَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْخُلَفَاءُ يَتَوَضَّئُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ إلَّا أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُ بُصَاقٌ أَوْ مُخَاطٌ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْبَابِ وَبَعْضُهُ فِي آخِرِ الْوُضُوءِ. وَيُبَاحُ غَلْقُ أَبْوَابِهِ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ مَنْ يُكْرَهُ دُخُولُهُ إلَيْهِ كَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ وَطِفْلٍ لَا يُمَيِّزُ. (وَ) يُبَاحُ (قَتْلُ الْقَمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ فِيهِ إنْ أَخْرَجَهُ، وَإِلَّا حَرُمَ إلْقَاؤُهُ فِيهِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى وَلَعَلَّهُ بُنِيَ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ قِشْرِهِمَا وَإِلَّا فَصَرَّحُوا بِجَوَازِ الدَّفْنِ وَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ إنْ دَفَنَهَا، وَقَرَارُ الْمَسْجِدِ مَسْجِدٌ. (وَلَيْسَ لِكَافِرٍ دُخُولُ حَرَمِ مَكَّةَ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28] . (وَلَا) يُمْنَعُ الْكَافِرُ دُخُولَ (حَرَمِ الْمَدِينَةَ) ، وَأَمَّا الْإِقَامَةُ بِالْحِجَازِ فَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَحْكَامِ الذِّمَّةِ. (وَلَا) يَجُوزُ لِكَافِرٍ
(دُخُولُ مَسْجِدِ الْحِلِّ وَلَوْ بِإِذْنِ مُسْلِمٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [التوبة: 18] . (وَيَجُوزُ دُخُولُهَا) أَيْ: مَسَاجِدِ الْحِلِّ (لِلذِّمِّيِّ) وَمِثْلُهُ الْمُعَاهِدُ وَالْمُسْتَأْمَنُ إذَا اُسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا. (وَلَا بَأْسَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ) خُصُوصًا لِمُذَاكَرَةٍ لَا لِمَكْرُوهٍ وَمَعْصِيَةٍ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِالْأَكْلِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: «كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْمَسْجِدِ الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. (وَ) لَا بَأْسَ (بِالِاسْتِلْقَاءِ فِيهِ لِمَنْ لَهُ سَرَاوِيلُ) وَكَذَا لَوْ احْتَاطَ بِحَيْثُ يَأْمَنُ كَشْفَ عَوْرَتِهِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ «رَأَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَلْقِيًا فِي الْمَسْجِدِ وَاضِعًا إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَإِذَا دَخَلَهُ وَقْتُ السَّحَرِ فَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى صَدْرِهِ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عُثْمَانَ: كُنَّا نَسْمَعُ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَكُونُ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ) قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ التَّقَدُّمِ فِي الْمَسْجِدِ وَقْتَ السَّحَرِ. (وَيُكْرَهُ السُّؤَالُ) أَيْ: سُؤَالُ الصَّدَقَةِ فِي الْمَسْجِدِ (وَالتَّصَدُّقُ عَلَيْهِ فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى مَكْرُوهٍ وَ (لَا) يُكْرَهُ التَّصَدُّقُ (عَلَى غَيْرِ السَّائِلِ) وَلَا عَلَى مَنْ سَأَلَ لَهُ الْخَطِيبُ وَتَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَنَاقِبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَدْرٍ قَالَ: " صَلَّيْت يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِذَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَقْرُبُ مِنِّي فَقَامَ سَائِلٌ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ أَحْمَدُ قِطْعَةً فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَامَ رَجُلٌ إلَى ذَلِكَ السَّائِلِ وَقَالَ: أَعْطِنِي تِلْكَ الْقِطْعَةَ فَأَبَى فَقَالَ: أَعْطِنِي وَأُعْطِيك دِرْهَمًا فَلَمْ يَفْعَلْ فَمَا زَالَ يَزِيدُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ دِرْهَمًا فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ فَإِنِّي أَرْجُو مِنْ بَرَكَةِ هَذِهِ الْقِطْعَةِ مَا تَرْجُو أَنْتَ. (وَيُقَدِّمُ دَاخِلُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (يُمْنَاهُ فِي دُخُولِهِ عَكْسُ خُرُوجِهِ) فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ يُسْرَاهُ (وَيَقُولُ) عِنْدَ دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ (مَا وَرَدَ وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ مُسْتَوْفًى. (وَإِذَا لَمْ يُصَلِّ فِي نَعْلِهِ وَضَعَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ وَلَا يَرْمِ بِهِمَا عَلَى وَجْهِ
التَّكَبُّرِ وَالتَّعَاظُمِ) ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ بُيُوتُ اللَّهِ. (وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِتْلَافِ شَيْءٍ مِنْ أَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ أَذَى أَحَدٍ لَمْ يَجُزْ وَيَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِسَبَبِهِ) ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ رَمْيُ مَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ مِنْ نَحْوِ فَرْوٍ (وَالْأَدَبُ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ) بَلْ يَضَعَهُ وَضْعًا. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ رَمْيِ الْمُصْحَفِ وَكُتُبِ الْعِلْمِ بِالْأَرْضِ فِي آخِرِ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ. (وَيُسَنُّ كَنْسُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (يَوْمَ الْخَمِيسِ وَإِخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَطْيِيبُهُ فِيهِ) أَيْ: فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ (وَتَجْمِيرُهُ فِي الْجُمَعِ) وَمِثْلُهَا الْأَعْيَادُ. (وَيُسْتَحَبُّ شَعْلُ الْقَنَادِيلِ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ) بِحَسَبِ الْحَاجَةِ فَقَطْ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، وَكَانَتْ الْبِلَادُ إذْ ذَاكَ خَرَابًا قَالَ: فَإِنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ فَابْعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِي قَنَادِيلِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. (وَكَثْرَةُ إيقَادِهَا زِيَادَةً عَلَى الْحَاجَةِ يُمْنَعُ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّهُ إضَاعَةٌ بِلَا مَصْلَحَةٍ قَالَ الْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ الْحَارِثِيُّ: (الْمَوْقُوفُ عَلَى الِاسْتِصْبَاحِ فِي الْمَسَاجِدِ يُسْتَعْمَلُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُزَادُ عَلَى الْمُعْتَادِ) كَ (لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ وَلَا كَلَيْلَةِ الْخَتْمِ) فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ. (وَلَا اللَّيْلَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالرَّغَائِبِ) أَوَّلَ جُمُعَةٍ فِي رَجَبٍ (فَإِنْ زَادَ) عَلَى الْمُعْتَادِ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي وَشَبَهِهَا ضَمِنَ؛ (لِأَنَّ الزِّيَادَةَ بِدْعَةٌ وَإِضَاعَةُ مَالٍ لِخُلُوِّهِ عَنْ نَفْعِ الدُّنْيَا وَنَفْعِ الْآخِرَةِ وَيُؤَدِّي عَادَةً إلَى كَثْرَةِ اللَّغَطِ وَاللَّهْوِ وَشَغْلِ قُلُوبِ الْمُصَلِّينَ وَيُوهِمُ كَوْنَهَا قُرْبَةً وَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ انْتَهَى) بَلْ فِي كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنْ إدْخَالِ بَعْضِ الْمَجُوسِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ قُلْتُ: وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ إيقَادُ الْمَآذِن لَكِنَّهُ فِي رَمَضَانَ صَارَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ عَلَامَةً عَلَى بَقَاءِ اللَّيْلِ. (وَيَنْبَغِي إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَسْجِدِ مِمَّا يُصَانُ عَنْهُ أَنْ لَا يُلْقِيَهُ فِيهِ) ؛ لِأَنَّ خَلَاءَ الْمَسْجِدِ مِنْهُ فَإِذَا أَلْقَى فِيهِ وَكَكُنَاسَةٍ وَنَحْوِهَا أُلْقِيَتْ فِيهِ، وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَاقِعٌ فِي هَذَا (بِخِلَافِ حَصْبَاءَ وَنَحْوِهَا) مِنْ أَجْزَاءِ تُرَابِ الْمَسْجِدِ وَطِينِهِ وَطِيبِهِ (لَوْ أَخَذَهُ فِي يَدِهِ ثُمَّ رَمَى بِهِ فِيهِ) لِأَنَّ اسْتِبْقَاءَ ذَلِكَ فِيهِ مَطْلُوبٌ. (وَيُمْنَعُ النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْجَوَامِعِ مِنْ اسْتِطْرَاقِ حِلَقِ الْفُقَهَاءِ وَالْقُرَّاءِ) صِيَانَةً لِحُرْمَتِهَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِمَى إلَّا فِي ثَلَاثَةٍ: الْبِئْرِ وَالْفَرَسِ وَحَلْقَةِ الْقَوْمِ» فَأَمَّا الْبِئْرُ فَهُوَ مُنْتَهَى حَرِيمِهَا، وَأَمَّا طُولُ الْفَرَسِ فَهُوَ مَا دَارَ عَلَيْهِ بِرَسَنِهِ إذَا كَانَ مَرْبُوطًا، وَأَمَّا حَلْقَةُ الْقَوْمِ فَهُوَ اسْتِدَارَتُهُمْ فِي الْجُلُوسِ لِلتَّشَاوُرِ وَالْحَدِيثِ " وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي إسْنَادُهُ جَيِّدٌ
وَهُوَ مُرْسَلٌ. قَالَ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ الْآدَابِ (وَيُسَنُّ أَنْ يَشْتَغِلَ فِي الْمَسْجِدِ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ) ؛ لِأَنَّهَا لِذَلِكَ بُنِيَتْ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) ؛ لِأَنَّهُ خَيْرُ الْمَجَالِسِ (وَيُكْرَهُ أَنْ يُسْنِدَ ظَهْرَهُ إلَيْهَا) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ وَأَنَّ مَعْنَاهُ مَدُّ الرِّجْلِ إلَيْهَا. (وَلَا يُشَبِّكُ أَصَابِعَهُ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ وَلَا حَالَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ وَتَقَدَّمَ فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ (زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: عَلَى خِلَافِ صِفَةِ مَا شَبَّكَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ التَّشْبِيكِ حِينَ ذَكَرَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ. (وَيُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ فِيهِ) أَيْ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقَدَّمَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ (وَ) يُبَاحُ اتِّخَاذُ الْمِحْرَابِ (فِي الْمَنْزِلِ) وَكَذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ. (وَيُضْمَنُ الْمَسْجِدُ بِالْإِتْلَافِ إجْمَاعًا وَيُضْمَنُ بِالْغَصْبِ) قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إنْ اتَّخَذَهُ مَسْكَنًا أَوْ مَخْزَنًا وَنَحْوَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَضْمَنُ أُجْرَتَهُ كَمَا نَقُولُ فِي الْحُرِّ إذَا اسْتَعْمَلَهُ كُرْهًا. (قَالَ الشَّيْخُ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ فِي طَرِيقٍ وَاسِعٍ، وَ) أَنْ يَأْذَنَ فِي بِنَاءِ مَسْجِدٍ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ (مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ) وَعَنْهُ الْمَنْعُ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ عَلَى سَابَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةِ جِسْرٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا: حُكْمُ الْمَسَاجِدِ الَّتِي بُنِيَتْ فِي الطَّرِيقِ أَنْ تُهْدَمَ وَعَنْهُ: يَجُوزُ الْبِنَاءُ بِلَا إذْنِهِ وَحَيْثُ جَازَ صَحَّتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ وَتَصِحُّ فِيمَا بُنِيَ عَلَى دَرْبٍ مُشْتَرَكٍ بِإِذْنِ أَهْلِهِ وَفِيهِ وَجْهٌ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدٌ إلَى جَانِبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كَضِيقِ الْأَوَّلِ وَنَحْوِهِ) كَخَوْفِ فِتْنَةٍ بِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يُقْصَدْ الْمُضَارَّةُ وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَيَحْرُمُ بِنَاءُ مَسْجِدٍ يُرَادُ بِهِ الضَّرَرُ لِمَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ. (وَيُكْرَهُ تَطْيِينُهُ) (بِنَجَسٍ وَ) يُكْرَهُ (بِنَاؤُهُ بِنَجَسٍ) مِنْ لَبِنٍ أَوْ غَيْرِهِ وَكَذَا تَطْبِيقُهُ بِطَوَابِقَ نَجِسَةٍ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ فِي بَابِ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَقِيَاسُهُ: تَجْصِيصُهُ بِجِصٍّ نَجِسٍ قُلْتُ: وَالتَّحْرِيمُ فِي الْكُلِّ أَظْهَرُ. (وَ) إذَا لَمْ يَبْقَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْقَرْيَةِ أَحَدٌ بَلْ مَاتُوا أَوْ أَسْلَمُوا جَازَ أَنْ (تُتَّخَذَ الْبِيعَةُ مَسْجِدًا) وَمِثْلُهَا الْكَنِيسَةُ وَالدُّيُورَةُ وَصَوَامِعُ الرُّهْبَانِ (لَا سِيَّمَا إذَا كَانَتْ بِبَرِّ الشَّامِ فَإِنَّهُ فُتِحَ عَنْوَةً قَالَهُ الشَّيْخُ وَثَبَتَ فِي الْخَبَرِ ضَرْبُ الْخِبَاءِ وَاحْتِجَازُ الْحَصِيرِ فِيهِ) أَيْ: فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ. (وَيُكْرَهُ لِغَيْرِ الْإِمَامِ مُدَاوَمَةُ مَوْضِعٍ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمَسْجِدِ (لَا يُصَلِّي إلَّا فِيهِ) ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ التَّحْجِيرَ، (فَإِنْ دَاوَمَ) عَلَى الصَّلَاةِ بِمَوْضِعٍ (فَلَيْسَ هُوَ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا قَامَ مِنْهُ فَلِغَيْرِهِ الْجُلُوسُ فِيهِ) لِحَدِيثِ: «مَنْ سَبَقَ إلَى مُبَاحٍ فَهُوَ لَهُ» . (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا) وَلَوْ
وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ (وَيَجْلِسُ مَكَانَهُ أَوْ يُجْلِسُ غَيْرَهُ مَكَانَهُ) لِمَا سَبَقَ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ التَّنْقِيحِ: وَقَوَاعِدُ الْمَذْهَبِ تَقْتَضِي عَدَمَ الصِّحَّةِ أَيْ: صِحَّةِ صَلَاةِ مَنْ أَقَامَ غَيْرَهُ وَصَلَّى مَكَانَهُ (إلَّا الصَّبِيَّ فَيُؤَخَّرُ عَنْ الْمَكَانِ الْفَاضِلِ وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ صِفَةِ الصَّلَاةِ، وَ) تَقَدَّمَ أَيْضًا (آخِرَ الْجُمُعَةِ) مُوَضَّحًا. (وَمَنْ قَامَ مِنْ مَوْضِعِهِ لِعُذْرٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهُ تَرْكَ إعْرَاضٍ وَهُوَ السَّابِقُ إلَيْهِ، (وَإِنْ كَانَ) قَامَ مِنْهُ (لِغَيْرِ عُذْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ بِقِيَامِهِ) مِنْهُ (لِإِعْرَاضِهِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يُخَلِّفَ مُصَلًّى مَفْرُوشًا وَنَحْوَهُ) فِي مَكَانِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ رَفْعُهُ. (وَيَنْبَغِي لِمَنْ قَصَدَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا) قُلْتُ: إلَّا لِإِقْرَاءِ قُرْآنٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ نَحْوِهِ إنْ قُلْنَا: يُكْرَهُ لِلْمُعْتَكِفِ (أَنْ يَنْوِيَ الِاعْتِكَافَ مُدَّةَ لُبْثِهِ) بِالْمَسْجِدِ تَحْصِيلًا لِثَوَابِ الِاعْتِكَافِ (لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ صَائِمًا) ؛ إذْ الْحَسَنَاتُ تَتَضَاعَفُ بِالْأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ. (وَإِنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ) مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِعُلُوِّهِ (أَوْ) (جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا صَحَّ وَانْتَفَعَ بِالْآخَرِ) فِيمَا شَاءَ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ. وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: إنْ جَعَلَ سُفْلَ بَيْتِهِ مَسْجِدًا لَمْ يَنْتَفِعْ بِسَطْحِهِ وَإِنْ جَعَلَ عُلُوَّهُ مَسْجِدًا انْتَفَعَ بِسُفْلِهِ نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ السَّطْحَ لَا يَحْتَاجُ إلَى سُفْلٍ وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يُهْدَمَ الْمَسْجِدُ وَيُجَدَّدَ بِنَاؤُهُ لِمَصْلَحَةٍ نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ تَارَةً فِي مَسْجِدٍ لَهُ حَائِطٌ قَصِيرٌ غَيْرُ حَصِينٍ وَلَهُ مَنَارَةٌ لَا بَأْسَ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ فِي الْحَائِطِ لِئَلَّا يَدْخُلَهُ الْكِلَابُ وَيَأْتِي فِي الْوَقْفِ. (قَالَ الْقَاضِي حَرِيمُ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ إنْ كَانَ الِارْتِفَاقُ بِهَا مُضِرًّا بِأَهْلِ الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ: مُنِعُوا مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الِارْتِفَاقِ بِهَا دَفْعًا لِلضَّرَرِ (وَلَمْ يَجُزْ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّينَ بِهَا أَحَقُّ) مِنْ غَيْرِهِمْ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الِارْتِفَاقِ بِهَا (ضَرَرٌ جَازَ الِارْتِفَاقُ بِحَرِيمِهَا) ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهَا لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ (وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ السُّلْطَانِ) وَلَا نَائِبِهِ لِلْحَرَجِ. (وَلَا يَجُوزُ إحْدَاثُ الْمَسْجِدِ فِي الْمَقْبَرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ) مُوَضَّحًا. (قَالَ الشَّيْخُ مَا عَلِمْت أَحَدًا مِنْ الْعُلَمَاءِ كَرِهَ السِّوَاكَ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَاكُونَ فِي الْمَسْجِدِ) وَتَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ فِي الشَّرْحِ وَيَجُوزُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ «قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟» وَذَكَرَ الْحَدِيثَ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَإِذَا سَرَّحَ شَعْرَهُ فِيهِ وَجَمَعَهُ أَيْ: السَّاقِطَ مِنْ شَعْرِهِ (فَلَمْ يَتْرُكْهُ) بِالْمَسْجِدِ (فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِطَهَارَةِ الشَّعْرِ أَوْ نَجَاسَتِهِ) لِإِخْلَاءِ الْمَسْجِدِ عَنْهُ، (وَأَمَّا إذَا تَرَكَ شَعْرَهُ فِيهِ
كتاب الحج
فَهَذَا يُكْرَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَجِسًا) ، بَلْ عَلَى الْقَوْلِ بِالنَّجَاسَةِ يَحْرُمُ وَكَالدَّمِ، (فَإِنَّ الْمَسْجِدَ يُصَانُ عَنْ الْقَذَاةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الْعَيْنِ) قُلْتُ: قِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَتْلِ الْقَمْلَةِ وَالْبُرْغُوثِ إذَا دَفَنَهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا كَرَاهَةَ وَكَذَا تَقْلِيمُ أَظْفَارِهِ. [كِتَابِ الْحَجِّ] بَابٌ كِتَابِ الْحَجِّ بِفَتْحِ الْحَاءِ لَا بِكَسْرِهَا فِي الْأَشْهَرِ وَعَكْسُهُ: شَهْرُ الْحِجَّةِ وَأُخِّرَ الْحَجُّ عَنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِمَادُ الدِّينِ وَلِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ثُمَّ الزَّكَاةُ لِكَوْنِهَا قَرِينَةً لَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ وَلِشُمُولِهَا الْمُكَلَّفِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ الصَّوْمُ لِتَكَرُّرِهِ كُلَّ سَنَةٍ لَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدَّمَ رِوَايَةَ الْحَجِّ عَلَى الصَّوْمِ لِلتَّغْلِيظَاتِ الْوَارِدَةِ فِيهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى {وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 97] وَنَحْوُ: «فَلْيَمُتْ إنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا» وَلِعَدَمِ سُقُوطِهِ بِالْبَدَلِ بَلْ يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِهِ إمَّا بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ وَتُرْجِمَ فِي الْمُقْنِعِ وَغَيْرِهِ بِالْمَنَاسِكِ، وَهِيَ جَمْعُ مَنْسَكٍ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا فَبِالْفَتْحِ مَصْدَرٌ وَبِالْكَسْرِ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الْعِبَادَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّسِيكَةِ وَهِيَ الذَّبِيحَةُ الْمُتَقَرَّبُ بِهَا ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَصَارَ اسْمًا لِلْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعَابِدِ: نَاسِكٌ وَقَدْ غَلَبَ إطْلَاقُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ أَنْوَاعِهَا وَلِمَا تَتَضَمَّنُهُ كَثْرَةَ الذَّبَائِحِ الْمُتَقَرَّبِ بِهَا (وَهُوَ) أَيْ: الْحَجُّ لُغَةً الْقَصْدُ إلَى مَنْ تُعَظِّمُهُ، (وَشَرْعًا قَصْدُ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ فِي زَمَنٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ) وَمَبَانِيهِ الْمُشَارِ إلَيْهَا بِحَدِيثِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» وَتَقَدَّمَ. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ كُلَّ عَامٍ) عَلَى مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَيْنًا نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى عَنْ الرِّعَايَةِ ثُمَّ قَالَ: وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ لِلْوَالِدِ وَالْأُمِّ مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ كَوْنِهِ فَرْضَ كِفَايَةٍ فَالتَّطَوُّعَاتُ أَوْلَى اهـ يَعْنِي عَلَى كَلَامِ الرِّعَايَةِ: لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَقَعَ الْحَجُّ نَفْلًا إلَّا مِنْ صَغِيرٍ أَوْ رَقِيقٍ بَلْ إمَّا فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَقَدْ تَبِعَهُ أَيْضًا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى. (وَفُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ عِنْدَ
الْأَكْثَرِينَ) مِنْ الْعُلَمَاءِ وَقِيلَ: سَنَةَ عَشْرٍ وَقِيلَ: سِتٍّ وَقِيلَ: خَمْسٍ وَالْأَصْلُ فِي فَرِيضَتِهِ: قَوْله تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] (وَلَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) بَعْدَ هِجْرَتِهِ (إلَى الْمَدِينَةِ) سِوَى حَجَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (قَالَ الْقَاضِي: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ «لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا) . وَقَالَ لِيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» أَوْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ إلَى مَكَّةَ بَعْدَهَا (وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ) مِنْ الْهِجْرَةِ (وَكَانَ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ (قَارِنًا نَصًّا) . قَالَ أَحْمَدُ لَا أَشُكَّ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَالْمُتْعَةُ أَحَبُّ إلَيَّ اهـ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِمَا رَوَى أَنَسٌ «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ عُمَرُ: «سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ» . وَفِي رِوَايَةٍ «قُلْ: عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ» رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ «وَاعْتَمَرَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْبَعًا بَعْدَ الْهِجْرَةِ» قَالَ أَنَسٌ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَجَّةً وَاحِدَةً وَاعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ: عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ وَعُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ حِينَ قَسَمَ غَنِيمَةَ حُنَيْنٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ أَحْمَدُ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ حَجَّ قَبْلَ ذَلِكَ حَجَّةً وَمَا هُوَ ثَبْتٌ عِنْدِي وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «حَجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً بَعْدَ مَا هَاجَرَ» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. (وَالْعُمْرَةُ) لُغَةً الزِّيَارَةُ يُقَالُ: اعْتَمَرَهُ إذَا زَارَهُ، وَشَرْعًا (زِيَارَةُ الْبَيْتِ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ) يَأْتِي بَيَانُهُ (وَتَجِبُ) الْعُمْرَةُ (عَلَى الْمَكِّيِّ كَغَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمَكِّيِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} [البقرة: 196] وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ عَلَى النِّسَاءِ مِنْ جِهَادٍ؟ قَالَ: نَعَمْ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ «أَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
فَقَالَ: إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ قَالَ: حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وَلِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى إحْرَامٍ وَطَوَافٍ وَسَعْيٍ فَكَانَتْ وَاجِبَةً كَالْحَجِّ، وَأَمَّا بَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمَسْكُوتِ فِيهَا عَنْهَا فَلِأَنَّ اسْمَ الْحَجِّ يَتَنَاوَلُهَا، رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . وَفِي كِتَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ إلَى أَهْلِ الْيَمَنِ «إنَّ الْعُمْرَةَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَأَمَّا حَدِيثُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا «الْحَجُّ جِهَادٌ وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» فَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، (وَنَصُّهُ: لَا) تَجِبُ عَلَى الْمَكِّيِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَنَصُّ مَا فِي الْمُغْنِي: أَنَّ رُكْنَ الْعُمْرَةِ وَمُعْظَمَهَا: الطَّوَافُ قَالَ أَحْمَدُ: " كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى الْعُمْرَةَ وَاجِبَةً وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ لَيْسَ عَلَيْكُمْ عُمْرَةٌ إنَّمَا عُمْرَتُكُمْ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ " وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْمَكِّيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ نَفَى عَنْهُمْ دَمَ التَّمَتُّعِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ. وَفِي الشَّرْحِ: وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّهُ لَا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ مَعَ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَقَدَّمُ مِنْهُمْ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الْحَجِّ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُ عَمَّا تَقَدَّمَ: بِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَطُفْ، وَمَنْ طَافَ يَجِبُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ عَنْهَا كَالْآفَاقِيِّ. (وَيَجِبَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً وَاحِدَةً) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلُّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا: فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ فَقَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: لَوْ قُلْتُهَا لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُّعٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ (عَلَى الْفَوْرِ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَصَّ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيَأْثَمُ إنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْفَوْرِ وَيُؤَيِّدُهُ: خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ يَعْنِي الْفَرِيضَةَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِط يَرْفَعُهُ قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ وَلَا سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوَحَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»
شرائط وجوب الحج والعمرة
رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَبَانِي الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ تَأْخِيرُهُ إلَى غَيْرِ وَقْتٍ مُعَيَّنٍ كَبَقِيَّةِ الْمَبَانِي بَلْ أَوْلَى، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَجَّ فُرِضَ سَنَةَ تِسْعٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِهَا، أَوْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَحُجَّ فَيَكُونُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ الْإِدْرَاكِ قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ الْحَنَفِيُّ أَوْ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ أَوْ حَاجَةِ خَوْفٍ فِي حَقِّهِ مَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوجِ وَمَنَعَ أَكْثَرَ أَصْحَابِهِ خَوْفًا عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَهُ الْحَجَّ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عُرَاةً حَوْلَ الْبَيْتِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ. [شَرَائِط وُجُوب الْحَجّ وَالْعُمْرَة] (بِخَمْسَةِ شُرُوطٍ) . أَحَدُهَا: (الْإِسْلَامُ وَ) الثَّانِي (الْعَقْلُ) وَهُمَا شَرْطَانِ لِلْوُجُوبِ وَالصِّحَّةِ (فَلَا يَجِبُ) حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ (عَلَى كَافِرٍ وَلَوْ مُرْتَدًّا) ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ دُخُولِ الْحَرَمِ وَهُوَ مُنَافٍ لَهُ (وَيُعَاقَبُ) الْكَافِرُ (عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى الْحَجِّ وَكَذَا الْعُمْرَةُ (وَعَلَى سَائِرِ فُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ) كَالتَّوْحِيدِ إجْمَاعًا (وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا) ، وَلَا يَجِبُ (الْحَجُّ) عَلَيْهِ (وَمِثْلُهُ الْعُمْرَةُ بِاسْتِطَاعَتِهِ فِي حَالِ رِدَّتِهِ فَقَطْ) بِأَنْ اسْتَطَاعَ زَمَنَ الرِّدَّةِ دُونَ زَمَنِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ زَمَنَ الرِّدَّةِ (وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَتُهُ) فِي إسْلَامِهِ (بِرِدَّتِهِ) بَلْ يَثْبُتُ الْحَجُّ فِي ذِمَّتِهِ إذَا عَادَ لِلْإِسْلَامِ. (وَإِنْ حَجَّ) وَاعْتَمَرَ (ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ وَهُوَ مُسْتَطِيعٌ لَمْ يَلْزَمْهُ حَجٌّ) وَلَا عُمْرَةٌ؛ لِأَنَّهُمَا إنَّمَا يَجِبَانِ فِي الْعُمْرِ مَرَّةً. وَقَدْ أَتَى بِهِمَا وَرِدَّتُهُ بَعْدَهُمَا لَا تُبْطِلُهُمَا إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ كَسَائِرِ عِبَادَاتِهِ (وَتَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ وَلَا يَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْكَافِرِ وَلَوْ مُرْتَدًّا وَكَذَا الْعُمْرَةُ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ. (وَيَبْطُلُ إحْرَامُهُ وَيَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [الزمر: 65] وَكَالصَّوْمِ، (وَلَا يَجِبُ) الْحَجُّ (عَلَى الْمَجْنُونِ) كَالْعُمْرَةِ لِحَدِيثِ «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ» . (وَلَا يَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُ) أَيْ الْمَجْنُونِ وَلَا الْعُمْرَةُ (إنْ عَقَدَهُ بِنَفْسِهِ) أَوْ عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ (كَالصَّوْمِ) . وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْ الصَّغِيرِ دُونَ التَّمْيِيزِ إذَا عَقَدَهُ لَهُ وَلِيُّهُ لِلنَّصِّ (وَلَا تَبْطُلُ اسْتِطَاعَتُهُ بِجُنُونِهِ) فَيَحُجُّ عَنْهُ، (وَلَا) يَبْطُلُ (إحْرَامُهُ بِهِ) أَيْ: بِالْجُنُونِ (كَالصَّوْمِ) لَا يَبْطُلُ بِالْجُنُونِ (وَلَا يَبْطُلُ الْإِحْرَامُ بِالْإِغْمَاءِ وَالْمَوْتِ وَالسُّكْرِ) كَالنَّوْمِ. (وَ) الشَّرْطُ الثَّالِثُ (الْبُلُوغُ وَ) الرَّابِعُ (الْحُرِّيَّةُ) أَيْ: كَمَالُهَا، وَهُمَا شَرْطَانِ
لِلْوُجُوبِ وَالْإِجْزَاءِ فَقَطْ (فَلَا يَجِبُ) الْحَجُّ وَلَا الْعُمْرَةُ (عَلَى الصَّغِيرِ) لِلْخَبَرِ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (وَلَا عَلَى قِنٍّ) ؛ لِأَنَّ مُدَّتَهُمَا تَطُولُ فَلَمْ يَجِبَا عَلَيْهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ حَقِّ السَّيِّدِ كَالْجِهَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ الشَّهَادَةُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَكَذَا مُكَاتَبٌ وَمُدَبَّرٌ وَأُمُّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهُ) وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، (وَيَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْهُمْ) كَالْعُمْرَةِ أَيْ: مِنْ الصَّغِيرِ وَالْقِنِّ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ امْرَأَةً رَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَبِيًّا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَالْعَبْدُ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ فَصَحَّا مِنْهُ كَالْحُرِّ، (وَلَا يُجْزِئُ) حَجُّهُمْ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إلَّا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ عَنْ شُعْبَةَ وَهُوَ ثِقَةٌ؛ وَلِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ قَبْلَ وُجُوبِهِ فَلَمْ يُجْزِئْهُمْ إذَا صَارُوا مِنْ أَهْلِهِ كَالصَّبِيِّ يُصَلِّي ثُمَّ يَبْلُغُ فِي الْوَقْتِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا شُذُوذًا، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعًا (إلَّا أَنْ يُسْلِمَ) الْكَافِرُ (أَوْ يُفِيقَ) الْمَجْنُونُ ثُمَّ يُحْرِمُ قَبْلَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، أَوْ بَعْدَهُ إنْ عَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ ثُمَّ أَتَمَّ حَجَّهُ (أَوْ يَبْلُغُ) الصَّغِيرُ (أَوْ يُعْتَقُ) الْقِنُّ أَوْ الْمُكَاتَبُ أَوْ الْمُدَبَّرُ أَوْ أُمُّ الْوَلَدِ (فِي الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ (قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهِ) أَيْ: الْوُقُوفِ (إنْ عَادَ فَوَقَفَ) فِي وَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُمَا أَتَيَا بِالنُّسُكِ حَالَ الْكَمَالِ فَأَجْزَأَهُمَا كَمَا لَوْ وُجِدَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، وَاسْتَدَلَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: " إذَا عَتَقَ الْعَبْدُ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَتْ عَنْهُ حَجَّتُهُ وَإِنْ عَتَقَ بِجَمْعٍ أَيْ: مُزْدَلِفَةَ لَمْ تُجْزِ عَنْهُ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ الْقِنَّ إذَا عَتَقَ بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِهِ (الْعَوْدُ) إلَى عَرَفَةَ فِي وَقْتِ الْوُقُوفِ (إنْ أَمْكَنَهُ) الْعَوْدُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَ) تُجْزِئُ عُمْرَتُهُمْ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنْ يُسْلِمَ أَوْ يُفِيقَ أَوْ يَبْلُغَ أَوْ يُعْتَقَ (فِي الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا) أَيْ الشُّرُوعِ فِيهِ (فَيُجْزِئُهُمْ) لِمَا تَقَدَّمَ. (قَالَ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ فِي إحْرَامِ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ: إنَّمَا يُعْتَدُّ بِإِحْرَامٍ وَوُقُوفٍ مَوْجُودَيْنِ إذَنْ) أَيْ: حِينَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ، (وَمَا قَبْلَهُ) مِنْ الْإِحْرَامِ وَالْوُقُوفِ (تَطَوُّعٌ لَمْ يَنْقَلِبْ فَرْضًا) وَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَقَدَّمَهُ فِي التَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى. (وَقَالَ الْمَجْدُ وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ صَاحِبُ الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ (يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ مَوْقُوفًا)
فَإِذَا تَغَيَّرَ حَالُهُ (بِالْبُلُوغِ أَوْ الْعِتْقِ) تَبَيَّنَ فَرْضِيَّتُهُ (كَزَكَاةٍ مُعَجَّلَةٍ) ، وَلَوْ سَعَى قِنٌّ أَوْ صَغِيرٌ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَقَبْلَ الْوُقُوفِ وَحَصَلَ الْعِتْقُ وَالْبُلُوغُ وَقُلْنَا: السَّعْيُ رُكْنٌ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَمْ يُجْزِئْهُ (الْحَجُّ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) لِوُقُوعِ الرُّكْنِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الْوُجُوبِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَى هَذَا لَا يُجْزِئُهُ، (وَلَوْ أَعَادَ السَّعْيَ) بَعْدَ الْبُلُوغِ وَالْعِتْقِ؛ (لِأَنَّهُ لَا يُشْرَعُ مُجَاوَزَةُ عَدَدٍ وَلَا تَكْرَارِهِ وَخَالَفَ الْوُقُوفَ) مِنْ حَيْثُ إنَّهُ إذَا بَلَغَ أَوْ عَتَقَ بَعْدَهُ وَأَعَادَهُ فِي وَقْتِهِ يُجْزِئُهُ، (إذْ هُوَ مَشْرُوعٌ) أَيْ اسْتِدَامَتُهُ مَشْرُوعَةٌ (وَلَا قَدْرَ لَهُ مَحْدُودٌ وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ إذَا أَعَادَ السَّعْيَ) لِحُصُولِ الرُّكْنِ الْأَعْظَمِ وَهُوَ الْوُقُوفُ وَتَبَعِيَّةُ غَيْرِهِ لَهُ. وَلَا تُجْزِئُ الْعُمْرَةُ مَنْ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فِي طَوَافِهَا، وَإِنْ أَعَادَهُ وِفَاقًا. (وَيُحْرِمُ الْمُمَيِّزُ بِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ وُضُوءُهُ فَصَحَّ إحْرَامُهُ كَالْبَالِغِ؛ وَلِأَنَّ الْعِبَادَاتِ أَحَدُ نَوْعَيْ الْعُقُودِ فَكَانَ مِنْهُ مَا يَعْقِدُهُ الْمُمَيِّزُ لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْبَيْعِ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: وَلِيِّ الْمُمَيِّزِ (تَحْلِيلُهُ) إذَا أَحْرَمَ بِإِذْنِهِ كَالْبَالِغِ. (وَلَا يَصِحُّ) إحْرَامُهُ (بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: إذْنِ وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى لُزُومِ مَا لَمْ يَلْزَمْ فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِنَفْسِهِ كَالْبَيْعِ وَلَا يُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنْ الْمُمَيِّزِ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ الدَّلِيلِ (وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ) أَيْ: يَعْقِدُ لَهُ الْإِحْرَامَ لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَنَا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَأَحْرَمْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ فَيَعْقِدُ لَهُ وَلِيُّهُ الْإِحْرَامَ (وَلَوْ كَانَ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا أَوْ) كَانَ الْوَلِيُّ (لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ) كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ وَلَوْ كَانَ مَعَ الْوَلِيِّ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الْوَلِيُّ (مَنْ يَلِي مَالَهُ) مِنْ أَبٍ وَوَصِيٍّ وَحَاكِمٍ (وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ الْوَلِيِّ مِنْ الْأَقَارِبِ) كَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ كَمَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُمْ لَهُ وَلَا شِرَاؤُهُمْ وَظَاهِرُ رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: يَصِحُّ مِنْ الْأُمِّ أَيْضًا اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَتَقَدَّمَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ يَقْبِضُ لَهُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ مَنْ يَلِيه فَيَنْبَغِي هُنَا كَذَلِكَ لِظَاهِرِ الْخَبَرِ السَّابِقِ (وَمَعْنَى إحْرَامِهِ) أَيْ: الْوَلِيُّ (عَنْهُ) أَيْ: عَمَّنْ لَمْ يُمَيِّزْ (عَقْدُهُ الْإِحْرَامَ لَهُ فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا) كَمَا يَعْقِدُ لَهُ النِّكَاحَ فَيَصِيرُ الصَّغِيرُ زَوْجًا (دُونَ الْوَلِيِّ) ؛ وَلِهَذَا صَحَّ مِنْ وَلِيِّهِ وَإِنْ كَانَ مُحْرِمًا أَوْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ. (وَكُلُّ مَا أَمْكَنَهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ مُمَيِّزًا كَانَ أَوْ دُونَهُ (فِعْلُهُ بِنَفْسِهِ كَالْوُقُوفِ) بِعَرَفَةَ (وَالْمَبِيتِ) بِمُزْدَلِفَةَ وَلَيَالِي مِنًى (لَزِمَهُ) فِعْلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُفْعَلَ عَنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، (سَوَاءٌ حَضَرَهُ الْوَلِيُّ فِيهِمَا) أَيْ: الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ (أَوْ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْوَلِيِّ أَوْ لَمْ يَحْضُرْهُ أَحَدٌ، (وَمَا عَجَزَ عَنْهُ) الصَّغِيرُ (فَعَلَهُ عَنْهُ
الْوَلِيُّ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «لَبَّيْنَا عَنْ الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي الرَّمْي وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ طَافَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فِي خِرْقَةٍ " رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ، (لَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الصَّغِيرِ (إلَّا مَنْ رَمَى عَنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي النِّيَابَةِ فِي الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ الْوَلِيُّ مُحْرِمًا) بِفَرْضِهِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى، وَإِنْ رَمَى عَنْ الصَّغِيرِ أَوَّلًا (وَقَعَ) الرَّمْيُ (عَنْ نَفْسِهِ) كَمَنْ أَحْرَمَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ (الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ) الْوَلِيُّ (حَلَالًا لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) أَيْ: بِرَمْيِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ لِنَفْسِهِ رَمْيٌ فَلَا يَصِحُّ عَنْ غَيْرِهِ. (وَإِنْ أَمْكَنَ الصَّبِيَّ أَنْ يُنَاوِلَ النَّائِبَ الْحَصَى نَاوَلَهُ) إيَّاهُ وَإِلَّا (اُسْتُحِبَّ أَنْ تُوضَعَ الْحَصَاةُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ تُؤْخَذُ مِنْهُ فَتُرْمَى عَنْهُ، فَإِنْ وَضَعَهَا النَّائِبُ فِي يَدِهِ وَرَمَى بِهَا عَنْهُ فَجَعَلَ يَدَهُ كَالْآلَةِ فَحَسَنٌ) لِيُوجَدَ مِنْهُ نَوْعُ عَمَلٍ. (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيْ: الصَّغِيرُ (أَنْ يَطُوفَ) مَاشِيًا (فَعَلَهُ) كَالْكَبِيرِ (وَإِلَّا طِيفَ بِهِ مَحْمُولًا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ (أَوْ رَاكِبًا) كَالْمَرِيضِ. (وَيَصِحُّ طَوَافُ الْحَلَالِ بِهِ) أَيْ: بِالصَّغِيرِ (وَ) طَوَافُ (الْمُحْرِمِ) بِهِ (طَافَ) الْمُحْرِمُ (عَنْ نَفْسِهِ أَوَّلًا) أَيْ: أَوْ لَمْ يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ، وَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ (لِوُجُودِ الطَّوَافِ مِنْ الصَّبِيِّ كَمَحْمُولِ مَرِيضٍ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْحَامِلِ إلَّا النِّيَّةُ كَحَالَةِ الْإِحْرَامِ) بِخِلَافِ الرَّمْيِ (الرَّمْيُ وَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مِنْ الطَّائِفِ بِهِ) . قُلْتُ: وَلَعَلَّهُ إذَا كَانَ دُونَ التَّمْيِيزِ وَإِلَّا فَلَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ مِنْهُ كَالْإِحْرَامِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ (وَيَأْتِي فِي بَابِ دُخُولِ مَكَّةَ وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا (كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُّ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ) بِأَنْ يَكُونَ وَلِيًّا لَهُ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ تُعْتَبَرُ لَهُ النِّيَّةُ، فَلَمَّا تَعَذَّرَتْ مِنْ الصَّغِيرِ اُعْتُبِرَتْ مِمَّنْ لَهُ النِّيَابَةُ عَنْهُ بِالشَّرْعِ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ وَالْمَبِيتِ (فَإِنْ نَوَى) الطَّائِفُ بِالصَّغِيرِ (الطَّوَافَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ الصَّبِيِّ وَقَعَ) الطَّوَافُ (عَنْ الصَّبِيِّ كَالْكَبِيرِ يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا لِعُذْرٍ) ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ فِعْلٌ وَاحِدٌ لَا يَصِحُّ وُقُوعُهُ عَنْ اثْنَيْنِ. (وَنَفَقَةُ الْحَجِّ الَّتِي تَزِيدُ عَلَى نَفَقَةِ الْحَضَرِ وَكَفَّارَتُهُ: فِي مَالِ وَلِيِّهِ إنْ كَانَ وَلِيُّهُ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ) ؛ لِأَنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلَا حَاجَةَ إلَى التَّمَرُّنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الْعُمْرِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ لَا يَجِبُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ نَفَقَةَ الْحَضَرِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُسَافِرًا. ، (وَأَمَّا سَفَرُ الصَّبِيِّ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْوَلِيِّ (لِتِجَارَةٍ أَوْ خِدْمَةٍ أَوْ إلَى مَكَّةَ لِيَسْتَوْطِنَهَا أَوْ لِيُقِيمَ بِهَا لِعِلْمٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُبَاحُ لَهُ) أَيْ: الْوَلِيِّ (السَّفَرُ بِهِ) أَيْ: الصَّبِيِّ (فِي وَقْتِ الْحَجِّ وَغَيْرِهِ وَمَعَ
الْإِحْرَامِ وَعَدَمِهِ، فَلَا نَفَقَةَ عَلَى الْوَلِيِّ) بَلْ هِيَ عَلَى الصَّبِيِّ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ (وَعَمْدُهُ) أَيْ: الصَّبِيُّ (وَهُوَ وَمَجْنُونٌ: خَطَأٌ) لِعَدَمِ صِحَّةِ قَصْدِهِمَا (فَلَا يَجِبُ بِفِعْلِهِمَا شَيْءٌ إلَّا فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي خَطَأٍ وَنِسْيَانٍ) كَإِزَالَةِ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمِ الظُّفْرِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ وَالْوَطْءِ بِخِلَافِ الطِّيبِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ. (وَإِنْ فَعَلَ بِهِمَا الْوَلِيُّ فِعْلًا لِمَصْلَحَةٍ كَتَغْطِيَةِ رَأْسِهِ) أَيْ الصَّغِيرِ أَوْ الْمَجْنُونِ الْمُحْرِمِ (لِبَرْدٍ) أَوْ حَرٍّ (أَوْ تَطْيِيبِهِ لِمَرَضٍ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ) لِأَذًى، (فَكَفَّارَتُهُ عَلَى الْوَلِيِّ أَيْضًا) لَعَلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الْوَلِيُّ أَنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا عَلَى الطَّاعَةِ بِخِلَافِ مَا لَوْ سَافَرَ بِهِ لِتِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا فَهُوَ فِي مَالِ الصَّبِيِّ كَمَا لَوْ فَعَلَهُ الصَّبِيُّ نَفْسُهُ. هَذَا مُقْتَضَى مَا نَقَلَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى عَنْ الْمَجْدِ، وَاقْتَصَرُوا عَلَيْهِ فَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ الْوَلِيُّ لَا لِعُذْرٍ فَكَفَّارَتُهُ عَلَيْهِ بِكُلِّ حَالٍ كَمَنْ حَلَقَ رَأْسَ مُحْرِمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، (وَإِنْ وَجَبَ فِي كَفَّارَةِ صَوْمٍ صَامَ الْوَلِيُّ) قَالَهُ فِي التَّنْقِيحِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ وَالْإِنْصَافِ: حَيْثُ أَوْجَبْنَا الْكَفَّارَةَ عَلَى الْوَلِيِّ بِسَبَبِ الصَّبِيِّ وَدَخَلَهَا الصَّوْمُ صَامَ عَنْهُ لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ ابْتِدَاءً انْتَهَى أَيْ فَصَوْمُ الْوَلِيِّ عَنْ نَفْسِهِ لَا بِالنِّيَابَةِ عَنْ الصَّبِيِّ إذْ الصَّوْمُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ لَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ. وَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَى الصَّبِيِّ وَوَجَبَ فِيهَا صَوْمٌ لَمْ يَصُمْ الْوَلِيُّ عَنْهُ، بَلْ يَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَبْلُغَ، فَإِنْ مَاتَ أُطْعِمَ عَنْهُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، وَهَذَا مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَيْضًا فِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى. (وَوَطْءِ الصَّبِيِّ كَوَطْءِ الْبَالِغِ نَاسِيًا يُمْضِي فِي فَاسِدِهِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ نَصًّا) ، وَلَا يَصِحُّ قَضَاؤُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ لِإِحْرَامٍ لَازِمٍ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ، وَنِيَّةُ الصَّبِيِّ تَمْنَعُ التَّكْلِيفَ بِفِعْلِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ لِضَعْفِهِ عَنْهَا، وَنَظِيرُ ذَلِكَ وُجُودُ الِاحْتِلَامِ أَوْ الْوَطْءِ مِنْ الْمَجْنُونِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْغُسْلَ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ الْإِفَاقَةِ لِفَقْدِ أَهْلِيَّتِهِ لِلْغُسْلِ فِي الْحَالِ، (وَكَذَا الْحُكْمُ إذَا تَحَلَّلَ الصَّبِيُّ مِنْ إحْرَامِهِ لِفَوَاتِ) وَقْتِ الْوُقُوفِ فَإِنَّهُ يَقْضِيهِ إذَا بَلَغَ. وَفِي الْهَدْيِ: التَّفْصِيلُ السَّابِقُ (أَوْ) تَحَلُّلُ الصَّبِيِّ (لِإِحْصَارٍ) ، وَقُلْنَا: يَجِبُ الْقَضَاءُ فَيَقْضِيهِ إذَا بَلَغَ وَالْفِدْيَةُ عَلَى مَا سَبَقَ، وَيَأْتِي أَنَّ الْمُحْصَرَ لَا يَلْزَمُهُ قَضَاءٌ، (لَكِنْ إذَا أَرَادَ) الصَّبِيُّ (الْقَضَاءَ بَعْدَ الْبُلُوغِ لَزِمَهُ أَنْ يُقَدِّمَ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ عَلَى الْمَقْضِيَّةِ) كَالْمَنْذُورَةِ (فَلَوْ خَالَفَ وَفَعَلَ) بِأَنْ قَدَّمَ الْمَقْضِيَّةَ عَلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. (فَهُوَ كَ) الْحُرِّ (الْبَالِغِ يُحْرِمُ قَبْلَ الْفَرْضِ بِغَيْرِهِ) فَيُصْرَفُ فِعْله إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَقْضِي بَعْدَ ذَلِكَ (وَمَتَى بَلَغَ) الصَّبِيُّ (فِي الْحَجَّةِ
الْفَاسِدَةِ) الَّتِي وَطِئَ فِيهَا (فِي حَالٍ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً) بِأَنْ بَلَغَ وَهُوَ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (فَإِنَّهَا) أَيْ: الْحَالَ وَالْقِصَّةَ. وَفِي نُسْخَةٍ فَإِنَّهُ أَيْ: الشَّأْنَ (يَمْضِي فِيهَا) أَيْ: فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ الَّتِي بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا (ثُمَّ يَقْضِيهَا) فَوْرًا، (وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ) الْحَجُّ الْقَضَاءَ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالْقَضَاءُ كَمَا يَأْتِي نَظِيرُهُ فِي الْعَبْدِ) إذَا عَتَقَ فِي الْحَالِ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً؛؛ لِأَنَّ قَضَاءَهَا كَهِيَ فَيُجْزِئُ كَإِجْزَائِهَا لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً. (وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ بِالْإِحْرَامِ (بِالْإِحْرَامِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجٍ) لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ وَقَيَّدَهُ بِالنَّفْلِ مِنْهَا دُونَ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَجٌّ بِحَالٍ بِخِلَافِهَا قَالَهُ ابْنُ النَّجَّارِ: وَمُرَادُهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ النَّذْرُ لِتَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ بِالنَّذْرِ لِلْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ فَصَحَّ نَذْرُهُ كَالْحُرِّ، وَيَأْتِي (فَإِنْ فَعَلَا) أَيْ: أَحْرَمَ الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ (انْعَقَدَ) إحْرَامُهُمَا؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَصَحَّتْ بِغَيْرِ إذْنٍ كَالصَّوْمِ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَخَرَّجُ بُطْلَانُ إحْرَامِهِ لِغَصْبِهِ نَفْسَهُ، فَيَكُونُ قَدْ حَجَّ فِي بَدَنٍ غَصْبٍ فَهُوَ آكَدُ مِنْ الْحَجِّ بِمَالٍ غَصْبٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَوَجِّهٌ لَيْسَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ فَيَكُونُ هُوَ الْمَذْهَبُ، وَصَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ. (وَلَهُمَا) أَيْ: السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ (تَحْلِيلُهُمَا) أَيْ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّهُمَا لَازِمٌ فَمَلَكَا إخْرَاجَهُمَا مِنْ الْإِحْرَامِ كَالِاعْتِكَافِ (وَيَكُونَانِ) كَالْمَحْصَرِ؛ لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهُ، (فَلَوْ لَمْ تَقْبَلْ الْمَرْأَةُ تَحْلِيلَهُ أَثِمَتْ، وَلَهُ مُبَاشَرَتُهَا) وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُبَاحَةُ لَهُ لَوْلَا الْإِحْرَامُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَعِبَارَةُ الْمُنْتَهَى وَيَأْثَمُ مَنْ لَمْ يَمْتَثِلْ وَهِيَ أَعَمُّ، (فَإِنْ كَانَ) إحْرَامُهُمَا (بِإِذْنِ) السَّيِّدِ وَالزَّوْجِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ بِالشُّرُوعِ وَكَنِكَاحٍ وَرَهْنٍ (أَوْ أَحْرَمَا) أَيْ: الْعَبْدُ وَالْمَرْأَةُ (بِنَذْرٍ أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ) الزَّوْجُ (فِيهِ لِلْمَرْأَةِ لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا) لِوُجُوبِهِ، كَمَا لَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ (وَلِلسَّيِّدِ وَالزَّوْجِ الرُّجُوعُ فِي الْإِذْنِ) فِي الْإِحْرَامِ لِلْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ (قَبْلَ الْإِحْرَامِ) مِنْ الْعَبْدِ وَالزَّوْجَةِ كَالْوَاهِبِ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَهُ قَبْلَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا بَعْدَهُ، (ثُمَّ إنْ عَلِمَ الْعَبْدُ بِرُجُوعِ سَيِّدِهِ عَنْ إذْنِهِ) لَهُ فِي الْإِحْرَامِ، (فَكَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ) السَّيِّدُ ابْتِدَاءً لِبُطْلَانِ الْإِذْنِ بِرُجُوعِهِ. (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِرُجُوعِهِ فِي الْإِذْنِ (فَالْخِلَافُ فِي عَزْلِ الْوَكِيلِ قَبْلَ عِلْمِهِ) بِعَزْلِ مُوَكِّلِهِ لَهُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَزِلُ؛ فَيَكُونُ
الْحُكْمُ هُنَا كَمَا لَوْ لَمْ يَأْذَنْ قُلْتُ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي الْمَرْأَةِ فِي النَّفْلِ. (وَيَلْزَمُ الْعَبْدَ حُكْمُ جِنَايَتِهِ) أَيْ: إتْيَانِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ (كَحُرٍّ مُعْسِرٍ) لَا مَالَ لَهُ، (فَإِنْ مَاتَ) الْعَبْدُ (وَلَمْ يَصُمْ) مَا وَجَبَ عَلَيْهِ (فَلِسَيِّدِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ) ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ، وَالْمُرَادُ: يُسَنُّ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ. (وَإِنْ أَفْسَدَ) قِنٌّ (حَجَّهُ بِالْوَطْءِ لَزِمَهُ الْمُضِيُّ فِيهِ) كَالْحُرِّ (وَ) لَزِمَهُ (الْقَضَاءُ) أَيْ: قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَلَّفٌ. (وَيَصِحُّ) الْقَضَاءُ (فِي رِقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ فِيهِ فَصَحَّ كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ بِخِلَافِ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، (وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ مَنْعُهُ مِنْ الْقَضَاءِ إنْ كَانَ شُرُوعُهُ) أَيْ: الْقِنِّ (فِيمَا أَفْسَدَهُ بِإِذْنِهِ) ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ إذْنٌ فِي مُوجِبِهِ، وَمِنْ مُوجِبِهِ قَضَاءُ مَا أَفْسَدَهُ عَلَى الْفَوْرِ، وَعَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ فَلَهُ مَنْعُهُ مِنْهُ كَالنَّذْرِ. (وَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ (قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَزِمَهُ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقَضَاءِ (لَزِمَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ) ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ (فَإِنْ خَالَفَ) فَبَدَأَ بِالْقَضَاءِ (فَحُكْمُهُ كَالْحُرِّ يَبْدَأُ بِنَذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فَيَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ يَقْضِي فِي الْقَابِلِ، (فَإِنْ عَتَقَ) الْقِنُّ (فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ فِي حَالِ يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْفَرْضِ لَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً) بِأَنْ عَتَقَ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ أَوْ بَعْدَهُ وَعَادَ فَوَقَفَ فِي وَقْتِهِ وَلَمْ يَكُنْ سَعَى بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ (فَإِنَّهُ يَمْضِي فِيهَا) أَيْ: فِي الْحَجَّةِ الْفَاسِدَةِ كَالْحُرِّ (ثُمَّ يَقْضِيهَا) فَوْرًا (وَيُجْزِئُهُ ذَلِكَ) الْحَجُّ (عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءِ) ، خِلَافًا لِابْنِ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ لَهُ حُكْمُ الْأَدَاءِ. (وَإِنْ تَحَلَّلَ) الْقِنُّ (لِحَصْرِ) عَدُوٍّ مَنَعَهُ الْحَرَمَ (أَوْ حَلَّلَهُ سَيِّدُهُ) لِعَدَمِ إذْنِهِ لَهُ (لَمْ يَتَحَلَّلْ قَبْلَ الصَّوْمِ) كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ إذَا أُحْصِرَ (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: السَّيِّدِ (مَنْعُهُ) أَيْ الْقِنِّ (مِنْهُ) أَيْ: الصَّوْمِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِوُجُوبِهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فَهُوَ كَرَمَضَانَ. (وَإِذَا فَسَدَ حَجُّهُ) أَيْ: الْقِنُّ بِأَنْ وَطِئَ فِيهِ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ (صَامَ) بَدَلَ الْبَدَنَةِ كَالْحُرِّ الْمُعْسِرِ، (وَكَذَا إنْ تَمَتَّعَ أَوْ قَرَنَ) فَإِنَّهُ يَصُومُ بَدَلَ الْهَدْيِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ: ثَلَاثَةً فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَالَ لَهُ. وَحُكْمُ الْمُدَبَّرِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ وَالْمُبَعَّضِ حُكْمُ الْقِنِّ فِيمَا ذَكَرَهُ، (وَلَوْ بَاعَهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ) أَيْ: الْقِنُّ (مُحْرِمٌ فَمُشْتَرِيهِ كَبَائِعِهِ فِي تَحْلِيلِهِ) إذَا كَانَ إحْرَامُهُ بِغَيْرِ إذْنَ بَائِعِهِ. (وَ) فِي عَدَمِهِ (أَيْ: عَدَمِ تَحْلِيلِهِ إذَا كَانَ بِإِذْنِ بَائِعِهِ) وَالْحَاصِلُ: أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي إحْرَامٍ يَمْلِكُ الْبَائِعُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ فِي إحْرَامٍ لَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي تَحْلِيلُهُ، (وَلَهُ) أَيْ: لِلْمُشْتَرِي (فَسْخُ الْبَيْعِ إنْ لَمْ يَعْلَمَ)
بِإِحْرَامِ الْقِنِّ لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنَافِعِهِ عَلَيْهِ مُدَّةَ الْحَجِّ (إلَّا أَنْ يَمْلِكَ بَائِعُهُ تَحْلِيلَهُ) فَيُحَلِّلُهُ الْمُشْتَرِي (إنْ شَاءَ) أَوْ يُبْقِيهِ وَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ فِي إحْرَامٍ يَمْلِكُ تَحْلِيلَهُ مِنْهُ كَانَ إبْقَاؤُهُ فِيهِ كَإِذْنِهِ لَهُ فِيهِ ابْتِدَاءً. (وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ إذَا كَمَّلَتْ الشُّرُوطُ) ؛ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَشْبَهَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ أَوَّلَ الْوَقْتِ، (وَنَفَقَتُهَا عَلَيْهِ كَقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ) ، وَمَا زَادَ فَمِنْ مَالِهَا (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تُكَمِّلْ شُرُوطَ الْحَجِّ الْمَرْأَةُ (فَلَهُ) أَيْ: لِلزَّوْجِ (مَنْعُهَا مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْهِ وَ) مِنْ (الْإِحْرَامِ بِهِ) لِتَفْوِيتِهَا حَقَّهُ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهَا، وَ (لَا) يَمْلِكُ (تَحْلِيلَهَا) مِنْهُ (إنْ أَحْرَمَتْ بِهِ) لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِشُرُوعِهَا فِيهِ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الزَّوْجُ (مَنْعُهَا) مِنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ إذَا كَمَّلَتْ شُرُوطَهَا (وَلَا تَحْلِيلُهَا مِنْ الْعُمْرَةِ الْوَاجِبَةِ) إذَا أَحْرَمَتْ بِهَا، وَإِنْ لَمْ تُكَمِّلْ شُرُوطَهَا لِوُجُوبِهَا بِالشُّرُوعِ كَالْحَجِّ. (وَحَيْثُ قُلْنَا لَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا فَيُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ، (وَإِنْ كَانَ) زَوْجُهَا (غَائِبًا كَتَبَتْ إلَيْهِ) تَسْتَأْذِنُهُ (فَإِنْ أَذِنَ) فَلَا كَلَامَ، (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ (حَجَّتْ بِمَحْرَمٍ) لِتُؤَدِّيَ مَا فُرِضَ عَلَيْهَا إذْ لَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهَا بِعَدَمِ إذْنِهِ. وَلَا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ إلَّا بِمَحْرَمٍ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ كَمَا يَأْتِي (يَأْتِي وَلَا تَخْرُجُ إلَى الْحَجِّ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ) لِوُجُوبِ إتْمَامِ الْعِدَّةِ فِي الْمَسْكَنِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ، وَلَا يَفُوتُ الْحَجُّ بِالتَّأْخِيرِ (دُونَ الْمَبْتُوتَةِ) أَيْ الْمُفَارَقَةِ فِي الْحَيَاةِ بَائِنًا فَلَا تُمْنَعُ مِنْ الْحَجِّ، (وَيَأْتِي فِي الْعَدَدِ) مُوَضَّحًا، وَالرَّجْعِيَّةُ حُكْمُهَا كَالزَّوْجَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ فَحَلَفَ) زَوْجُهَا (بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا لَا تَحُجُّ الْعَامَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُحِلَّ) مِنْ إحْرَامِهَا؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ مُبَاحٌ فَلَيْسَ لَهَا تَرْكُ الْفَرِيضَةِ لِأَجْلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ رَوَاهُ عَنْ عَطَاءٍ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى كَمَا لَوْ مَنَعَهَا عَدُوٌّ مِنْ الْحَجِّ إلَّا أَنْ تَدْفَعَ لَهُ مَالَهَا، وَنَقَلَ مُهَنَّا أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ. فَقَالَ: قَالَ عَطَاءٌ " الطَّلَاقُ هَلَاكٌ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْمُحْصَرِ. (وَلَيْسَ لِلْوَالِدَيْنِ مَنْعُ وَلَدِهِمَا مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ وَالنَّذْرِ وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْوَلَدِ طَاعَتُهُمَا فِيهِ) أَيٍّ فِي تَرْكِ الْوَاجِبِ أَوْ التَّحْلِيلِ، وَكَذَا كُلُّ مَا وَجَبَ كَصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمَعِ وَالسَّفَرِ لِلْعِلْمِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ فَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا كَالصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ: وَظَاهِرُ هَذَا التَّعْلِيلِ: أَنَّ التَّطَوُّعَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُ الْوَالِدَيْنِ كَمَا نَقَلَهُ فِي الْجِهَادِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالْمَعْرُوفُ اخْتِصَاصُ الْجِهَادِ بِهَذَا
فصل في الاستطاعة
الْحُكْمِ، وَالْمُرَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّهُ لَا يُسَافِرُ لِمُسْتَحَبٍّ إلَّا بِإِذْنِهِمَا كَسَفَرِ الْجِهَادِ، وَأَمَّا مَا يَفْعَلُهُ فِي الْحَضَرِ كَصَلَاةِ النَّافِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ إذْنُهُمَا وَلَا أَظُنُّ أَحَدًا يَعْتَبِرُهُ. وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَلَهُمَا) أَيْ: الْأَبَوَيْنِ (مَنْعُهُ مِنْ) الْحَجِّ (التَّطَوُّعِ وَمِنْ كُلِّ سَفَرٍ مُسْتَحَبٍّ كَالْجِهَادِ) أَيْ: كَمَا أَنَّ لَهُمَا مَنْعَهُ مِنْ الْجِهَادِ مَعَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛؛ لِأَنَّ بِرَّ الْوَالِدَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمُسْتَحَبِّ وَعَلَى فَرْضِ الْكِفَايَةِ، (وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُمَا تَحْلِيلُهُ) مِنْ حَجِّ التَّطَوُّعِ لِوُجُوبِهِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ (فِيهِ وَيَلْزَمُهُ طَاعَتِهِمَا فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ وَلَوْ كَانَا فَاسِقَيْنِ) لِعُمُومِ الْأَوَامِرِ بِبِرِّهِمَا وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمَا وَمِنْ ذَلِكَ طَاعَتُهُمَا. (وَتَحْرُمُ طَاعَتُهُمَا فِيهَا) أَيْ: الْمَعْصِيَةِ لِحَدِيثِ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» وَلَوْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِيُصَلِّيَ بِهِ إمَامًا مَعَ سَعَةِ الْوَقْتِ (أَخَّرَهَا) وُجُوبًا لِوُجُوبِ طَاعَتِهِ وَتَقَدَّمَ. (وَلَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْوَالِدِ (مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) وَنَحْوِهَا مِنْ التَّطَوُّعَاتِ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْآدَابِ. (وَلِوَلِيِّ سَفِيهٍ مُبَذِّرٍ تَحْلِيلُهُ) مِنْ إحْرَامِهِ (إنْ أَحْرَمَ بِنَفْلٍ وَزَادَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ وَلَمْ يَكْتَسِبْهَا) فِي سَفَرِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ فَيُحَلَّلُ بِالصَّوْمِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَزِدْ نَفَقَتُهُ عَلَى نَفَقَةِ الْإِقَامَةِ أَوْ زَادَتْ وَاكْتَسَبَهَا فِي سَفَرِهِ (فَلَا) يَمْنَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ إذَنْ. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: وَلِيُّ السَّفِيهِ الْمُبَذِّرِ (مَنْعُهُ مِنْ حَجِّ فَرْضٍ وَلَا تَحْلِيلُهُ مِنْهُ) كَصَلَاةِ الْفَرْضِ وَصَوْمِهِ، (وَيَدْفَعُ نَفَقَتَهُ إلَى ثِقَةٍ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي الطَّرِيقِ) فَيَقُومُ مَقَامَ الْوَلِيِّ فِي التَّصَرُّفِ لَهُ. (وَلَا يُحَلَّلُ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مَدِينٌ) أَيْ: لَا يُحَلِّلُ الْغَرِيمُ مَدِينَهُ إذَا أَحْرَمَ لِوُجُوبِ إتْمَامِهِ بِالشُّرُوعِ، (وَيَأْتِي فِي) كِتَابِ (الْحَجِّ) وَالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ كَالْحَجِّ. [فَصْلٌ فِي الِاسْتِطَاعَةِ] فَصْلٌ الشَّرْطُ الْخَامِسُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ دُونَ إجْزَائِهَا (الِاسْتِطَاعَةُ) . لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا} [آل عمران: 97] فَ (مَنْ) " بَدَلٌ مِنْ النَّاسِ " فَتَقْدِيرُهُ: وَلِلَّهِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَلِانْتِفَاءِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ شَرْعًا وَعَقْلًا (وَهِيَ) أَيْ: الِاسْتِطَاعَةُ (أَنْ
يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً لِذَهَابِهِ وَعَوْدِهِ أَوْ) يَمْلِكَ (مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ) أَيْ: الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ: مِنْ نَقْدٍ أَوْ عَرَضٍ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَعَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ عَنْ السَّبِيلِ فَقَالَ: الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» وَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ وَابْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَعَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ؛ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِقَطْعِ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا لَهَا كَالْجِهَادِ (فَيُعْتَبَرُ الزَّادُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ وَبُعْدَهَا إنْ احْتَاجَ إلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ إلَيْهِ لَمْ يُعْتَبَرْ قَالَ فِي الْفُنُونِ: الْحَجُّ بَدَنِيٌّ مَحْضٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ الْمَالَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ لَا يَحْصُلُ الْمَشْرُوطُ دُونَهُ، وَهُوَ الْمُصَحِّحُ لِلْمَشْرُوطِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَكِّيَّ يَلْزَمُهُ وَلَا مَالَ لَهُ (فَإِنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الزَّادَ (فِي الْمَنَازِلِ لَمْ يَلْزَمْهُ حَمْلُهُ) مِنْ بَلَدِهِ عَمَلًا بِالْعَادَةِ (إنْ وَجَدَهُ) أَيْ: الزَّادَ (يُبَاعُ بِثَمَنٍ مِثْلِهِ فِي الْغَلَاءِ وَالرُّخْصِ أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) كَمَا الْوُضُوءُ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْ بِالْمَنَازِلِ أَوْ وَجَدَهُ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ (لَزِمَهُ حَمْلُهُ) مَعَهُ مِنْ بَلَدِهِ (وَالزَّادُ: مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَكِسْوَةٍ) . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: لَا يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِمِثْلِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ صَحِيحٌ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالُ أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ اهـ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ فَقَالَ: وَوَجَدَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ بِالزَّادِ: أَنْ لَا يَحْصُلَ مَعَهُ ضَرَرٌ لِرَدَاءَتِهِ (وَيَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الزَّادِ وَالنَّفَقَةِ عِنْدَ إمْكَانِهِ لِيُؤْثِرَ مُحْتَاجًا وَرَفِيقًا وَأَنْ تَطِيبَ نَفْسُهُ بِمَا يُنْفِقُهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَعْظَمُ فِي أَجْرِهِ قَالَ تَعَالَى {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُشَارِكَ غَيْرَهُ فِي الزَّادِ وَأَمْثَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَفْضَى إلَى النِّزَاعِ أَوْ أَكَلَ أَكْثَرَ مِنْ رَفِيقِهِ، وَقَدْ لَا يَرْضَى بِهِ (وَاجْتِمَاعُ الرِّفَاقِ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى طَعَامِ أَحَدِهِمْ عَلَى الْمُنَاوَبَةِ أَلْيَقُ بِالْوَرَعِ مِنْ الْمُشَارَكَةِ) فِي الزَّادِ، (وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا الْقُدْرَةُ عَلَى وِعَاءِ الزَّادِ) ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ (وَتُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ فَقَطْ وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْمَشْيِ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (وَهُوَ) أَيْ: بُعْدُ الْمَسَافَةِ (مَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ) أَيْ: مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ مُعْتَدِلَيْنِ، وَ (لَا) تُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ (فِيمَا دُونَهَا) أَيْ: دُونَ الْمَسَافَةِ الَّتِي تُقْصَرُ فِيهَا الصَّلَاةُ (مِنْ مَكِّيٍّ وَغَيْرِهِ) بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ دُونَ الْمَسَافَةِ (وَيَلْزَمُهُ الْمَشْيُ) لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمَشْيِ فِيهَا
غَالِبًا؛ وَلِأَنَّ مَشَقَّتَهَا يَسِيرَةٌ وَلَا يُخْشَى فِيهَا عَطَبٌ عَلَى تَقْدِيرِ الِانْقِطَاعِ بِهَا بِخِلَافِ الْبَعِيدِ؛ وَلِهَذَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى الْمَكَانَ الْبَعِيدَ بِالذِّكْرِ فِي قَوْلِهِ {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 27] ، (إلَّا مَعَ عَجْزٍ لِكِبَرٍ وَنَحْوِهِ) كَمَرَضٍ فَتُعْتَبَرُ الرَّاحِلَةُ حَتَّى فِيمَا دُونَ الْمَسَافَةِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا إذَنْ، (وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْوُ) أَيْ السَّيْرُ إلَى الْحَجِّ حَبْوًا (وَإِنْ أَمْكَنَهُ) لِمَزِيدِ مَشَقَّةٍ. (وَ) يَعْتَبِرُ (مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ آلَتِهَا) أَيْ: الرَّاحِلَةِ حَيْثُ اُعْتُبِرَتْ إذْ لَا بُدَّ لِلرَّاحِلَةِ مِنْ آلَةٍ فَتُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِمَا (بِكِرَاءٍ أَوْ شِرَاءٍ) حَالَ كَوْنِ ذَلِكَ (صَالِحًا لِمِثْلِهِ عَادَةً لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ) فِي ذَلِكَ، (فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَكْفِيه الرَّحْلُ وَالْقَتَبُ وَلَا يَخْشَى السُّقُوطَ) بِرُكُوبِهِ كَذَلِكَ (اكْتَفَى بِذَلِكَ) أَيْ: بِالرَّحْلِ وَالْقَتَبِ عَنْ الْمَحْمِلِ، (فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَمْ تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ أَوْ يَخْشَى السُّقُوطَ عَنْهَا) أَيْ: عَنْ الرَّاحِلَةِ إنْ اكْتَفَى بِالرَّحْلِ وَالْقَتَبِ (اُعْتُبِرَ وُجُودُ مَحْمِلٍ) صَالِحٍ لَهُ. (وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا لَا يُخْشَى سُقُوطُهُ عَنْهُ وَلَا مَشَقَّةَ فِيهِ) عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] حَرَجٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبُ جَيِّدًا (لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ) ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَةِ نَفْسِهِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ اُعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهُ (قَالَهُ الْمُوَفَّقُ) ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُهُ لَوْ أَمْكَنَهُ لَزِمَهُ عَمَلًا بِظَاهِرِ النَّصِّ وَكَلَامُ غَيْرِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَالرَّاحِلَةِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَكَذَا دَابَّتُهُ إنْ كَانَتْ مِلْكَهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خِدْمَتِهَا وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهَا اُعْتُبِرَ مَنْ يَخْدُمُهَا؛ (لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهِ) فَاعْتُبِرَتْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ، (فَإِنْ تَكَلَّفَ الْحَجَّ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ) وَحَجَّ أَجْزَأَهُ؛ لِأَنَّ خَلْقًا مِنْ الصَّحَابَةِ حَجُّوا وَلَا شَيْءَ لَهُمْ وَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَلِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ إنَّمَا شُرِعَتْ لِلْوُصُولِ فَإِذَا وَصَلَ وَفَعَلَ أَجْزَأَهُ كَالْمَرِيضِ. (وَ) مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ وَ (أَمْكَنَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِغَيْرِهِ مِثْلُ مَنْ يَكْتَسِبُ بِصِنَاعَةٍ) فِي سَفَرِهِ (كَالْخَرَّازِ أَوْ مُقَارَنَةِ مَنْ يُنْفِقْ عَلَيْهِ أَوْ يَكْتَرِي لِزَادِهِ) وَلَهُ قُوَّةٌ عَلَى الْمَشْيِ. (وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحَجُّ) خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ (وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ) ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ: مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَيُكْرَهُ الْحَجُّ (لِمَنْ حِرْفَتُهُ الْمَسْأَلَةُ قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ فِيمَنْ يَدْخُلُ الْبَادِيَةَ بِلَا زَادٍ وَلَا رَاحِلَةٍ لَا أُحِبُّ لَهُ ذَلِكَ يَتَوَكَّلُ عَلَى أَزْوَادِ النَّاسِ) . قُلْتُ فَإِنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَحَسُنَ
ذَلِكَ مِنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ النَّاسَ فَلَا كَرَاهَةَ، (وَيُعْتَبَرُ كَوْنُهُ) أَيْ: مَا تَقَدَّمَ مِنْ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَآلَتِهِمَا أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ (فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كُتُبٍ) ؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَسْكَنِ وَنَحْوِهِ. (وَمَسْكَنٍ لِلسُّكْنَى) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ فَهَهُنَا أَوْلَى (أَوْ) مَسْكَنٌ (يَحْتَاجُ إلَى أُجْرَتِهِ لِنَفَقَتِهِ أَوْ نَفَقَةِ عِيَالِهِ) لِتَأَكُّدِ حَقِّهِمْ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، أَوْ أَيْ وَيُعْتَبَرُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ (بِضَاعَةٍ يَخْتَلُّ رِبْحُهَا الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ) لَوْ صَرَفَ فِيهِ شَيْئًا مِنْهَا لِمَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ (وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ خَادِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَوَائِجِ الْأَصْلِيَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِهِ عَلَى غُرَمَائِهِ. (وَ) يُعْتَبَرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا (عَنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ حَالًّا كَانَ) الدَّيْنُ (أَوْ مُؤَجَّلًا لِلَّهِ أَوْ لِآدَمِيِّ) ؛ لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مَشْغُولَةٌ بِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى بَرَاءَتِهَا. (وَ) يَعْتَبِرُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَمَّا (لَا بُدَّ لَهُ) مِنْهُ كَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ فَلَأَنْ يُقَدَّمَ عَلَى الْحَجِّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، (لَكِنْ إنْ فَضَلَ مِنْهُ عَنْ حَاجَتِهِ) وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ مَا يَكْفِيهِ (بِأَنْ كَانَ الْمَسْكَنُ وَاسِعًا أَوْ الْخَادِمُ نَفِيسًا فَوْقَ مَا يَصْلُحُ لَهُ وَأَمْكَنَ بَيْعُهُ وَشِرَاءُ قَدْرِ الْكِفَايَةِ مِنْهُ) ، وَيَفْضُلُ مَا يَحُجُّ بِهِ لَزِمَهُ (ذَلِكَ) ، وَكَذَا إنْ اسْتَغْنَى بِإِحْدَى نُسْخَتَيْ كِتَابٍ بَاعَ الْأُخْرَى (وَيُقَدِّمُ النِّكَاحَ مَعَ عَدَمِ الْوُسْعِ) لِلنِّكَاحِ وَالْحَجِّ (مَنْ خَافَ الْعَنَتَ نَصًّا) وَقَوْلُهُ (وَمَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ) أَيْ: وَيُقَدِّمُ النِّكَاحَ مَعَ عَدَمِ الْوُسْعِ مَنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ، بَلْ قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَإِنْ كَانَ لَا يَخَافُ الْعَنَتَ فَلَا اعْتِبَارَ بِهَذِهِ الْحَاجَةِ قَوْلًا وَاحِدًا اهـ. لِأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ وَاجِبٍ وَمَسْنُونٍ (وَيُعْتَبَرُ) فِي الِاسْتِطَاعَةِ (أَنْ يَكُونَ لَهُ إذَا رَجَعَ) مِنْ حَجِّهِ (وَمَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ) لِتَضَرُّرِهِ بِذَلِكَ كَالْمُفْلِسِ (وَلَمْ يُعْتَبَرْ مَا بَعْدَ رُجُوعِهِ عَلَيْهَا) يَعْنِي وَلَمْ يُعْتَبَرْ عَلَى رِوَايَةِ مَا يَكْفِيهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ فَيُعْتَبَرُ إذَنْ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ إلَى أَنْ يَعُودَ جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالرَّوْضَةِ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ وَمِثْلَهُ أَوْلَى (مِنْ أُجُورِ عَقَارٍ أَوْ رِبْحِ بِضَاعَةٍ أَوْ) مِنْ (صِنَاعَةٍ وَنَحْوِهَا) كَثِمَارِ وَعَطَاءٍ مِنْ دِيوَانٍ، (وَلَا يَصِيرُ الْعَاجِزُ) عَنْ ذَلِكَ (مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ لَهُ مَالًا أَوْ مَرْكُوبًا وَلَوْ) كَانَ الْبَاذِلُ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْمِنَّةِ كَبَذْلِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ. (فَمَنْ كَمُلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ) الْخَمْسَةُ " (وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ نَصًّا) لِحَدِيثِ
ابْنِ عَبَّاسٍ: «تَعَجَّلُوا إلَى الْحَجِّ» يَعْنِي الْفَرِيضَةَ وَحَدِيثُ الْفَضْلِ «مَنْ أَرَادَ الْحَجّ فَلْيَتَعَجَّلْ» رَوَاهُمَا أَحْمَدُ، وَلَيْسَ التَّعْلِيقُ عَلَى الْإِرَادَةِ هُنَا لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، بَلْ كَقَوْلِهِ: «مَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» «وَمَنْ أَرَادَ الصَّلَاةَ فَلْيَتَوَضَّأْ» وقَوْله تَعَالَى {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28] وَلِأَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَرْضُ الْعُمْرِ فَأَشْبَهَا الْإِيمَانُ، وَتَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ جُمْلَةٌ مِمَّا يَتَعَلَّق بِذَلِكَ. " تَتِمَّةٌ " قَالَ ابْنُ بُخْتَانٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنْ الرَّجُلِ يَغْزُو قَبْلَ الْحَجِّ قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنَّهُ بَعْدَ الْحَجِّ أَجْوَدُ، وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ يُرِيدُ الْغَزْوَ وَلَمْ يَحُجَّ فَنَزَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَثَبَّطُوهُ عَنْ الْغَزْوِ وَقَالُوا: إنَّك لَمْ تَحُجَّ تُرِيدُ أَنْ تَغْزُوَ؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ: اللَّهِ يَغْزُو وَلَا عَلَيْهِ فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ وَلَا نَرَى بِالْغَزْوِ قَبْلَ الْحَجِّ بَأْسًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: هَذَا مَعَ أَنَّ الْحَجَّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ عِنْدَهُ، لَكِنَّ تَأْخِيرَهُ لِمَصْلَحَةِ الْجِهَادِ كَتَأْخِيرِ الزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الْفَوْرِ لِانْتِظَارِ قَوْمٍ أَصْلَحَ مِنْ غَيْرِهِمْ أَوْ لِضَرَرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ وَتَأْخِيرِ الْفَوَائِتِ لِلِانْتِقَالِ عَنْ مَكَانِ الشَّيْطَانِ وَهَذَا أَجْوَدُ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي تَأْخِيرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْحَجَّ إنْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمًا، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَقْتَضِي جَوَازَ الْغَزْوِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَالٌ لِلْحَجِّ: فَإِنَّهُ قَالَ: فَإِنْ أَعَانَهُ اللَّهُ حَجَّ مَعَ أَنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ الْحَجِّ أَوْلَى، كَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ فِي الْجِهَادِ. فَإِنْ (عَجَزَ عَنْ السَّعْيِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (لِكِبَرٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ) كَالسُّلِّ (أَوْ ثِقَلٍ لَا يَقْدِرُ مَعَهُ يَرْكَبُ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ كَانَ نِضْوَ الْخِلْقَةِ وَهُوَ الْمَهْزُولُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثُّبُوتِ عَلَى الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ، وَيُسَمَّى) الْعَاجِزُ عَنْ السَّعْيِ لِزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ (الْمَعْضُوبَ) مِنْ الْعَضْبِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: وَهُوَ الْقَطْعُ كَأَنَّهُ قُطِعَ عَنْ كَمَالِ الْحَرَكَةِ وَالتَّصَرُّفِ وَيُقَالُ: بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كَأَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى عَصَبِهِ فَانْقَطَعَتْ أَعْضَاؤُهُ قَالَهُ ابْنُ جَمَاعَةَ فِي مَنَاسِكِهِ (أَوْ أَيِسَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ مَحْرَمٍ لَزِمَهُ) أَيْ: مَنْ ذُكِرَ (إنْ وَجَدَ نَائِبًا حُرًّا أَنْ يُقِيمَ مِنْ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَيْسَرَ مِنْهُ) ، إنْ كَانَ غَيْرَ بَلَدِهِ (مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ وَيَعْتَمِرُ) عَلَى الْفَوْرِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَوِيَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفَأَحُجُّ؟ عَنْهُ قَالَ: حُجِّي عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهَا فَجَازَ أَنْ يَقُومَ غَيْرُهُ فِيهِ كَالصَّوْمِ، وَسَوَاءٌ وَجَبَ عَلَيْهِ حَالَ الْعَجْزِ أَوْ قَبْلَهُ (وَلَوْ) كَانَ النَّائِبُ (امْرَأَةً عَنْ رَجُلٍ وَلَا كَرَاهَةَ) فِي نِيَابَةِ الْمَرْأَةِ عَنْ الرَّجُلِ لِلْخَبَرِ السَّابِقِ وَكَعَكْسِهِ (وَقَدْ أَجْزَأَ) حَجُّ النَّائِبِ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ الْمَعْضُوبِ. (وَإِنْ عُوفِيَ قَبْلَ فَرَاغِهِ) أَيْ: النَّائِبِ (أَوْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ الْعُهْدَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَبْرَأْ وَكَالْمُتَمَتِّعِ إذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ، (وَإِنْ عُوفِيَ) الْمَعْضُوبُ (قَبْلَ إحْرَامِ النَّائِبِ لَمْ يُجْزِئْهُ) أَيْ: الْمَعْضُوبَ حَجُّ النَّائِبِ عَنْهُ اتِّفَاقًا لِلْقُدْرَةِ عَلَى الْمُبْدَلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْبَدَلِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ (كَمَا لَوْ اسْتَنَابَ مَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ) أَيْ: مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ كَالْمَحْبُوسِ. (وَلَوْ كَانَ) الْمَعْضُوبُ (قَادِرًا عَلَى نَفَقَةِ رَاجِلٍ) دُونَ رَاكِبٍ (لَمْ يَلْزَمْهُ الْحَجُّ) أَيْ اسْتِنَابَةُ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ حَيْثُ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَطِيعٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَعْضُوبُ (قَادِرًا) عَلَى نَفَقَةِ رَاكِبٍ (وَلَمْ يَجِدْ) الْمَعْضُوبُ (نَائِبًا فِي الْحَجِّ) عَنْهُ (اُبْتُنِيَ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّتِهِ عَلَى إمْكَانِ الْمَسِيرِ عَلَى مَا يَأْتِي) فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ شَرْطٌ لِلُزُومِ الْأَدَاءِ بَقِيَ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَجِدَ نَائِبًا، وَإِنْ قُلْنَا: شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَمْ يَثْبُتْ فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا وُجِدَ النَّائِبُ بَعْدُ لَمْ تَلْزَمْهُ الِاسْتِنَابَةُ إلَّا أَنْ يَكُونُ مُسْتَطِيعًا إذْ ذَاكَ. (وَمَنْ أَمْكَنَهُ السَّعْيُ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (لَزِمَهُ) السَّعْيُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ وَكَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ (إذَا كَانَ فِي وَقْتِ الْمَسِيرِ) أَيْ مَسِيرِ أَهْلِ بَلَدِهِ إلَى الْحَجِّ عَلَى الْعَادَةِ فَلَوْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَسِيرَ سَيْرًا مُجَاوِزًا لِلْعَادَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ (وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا) ؛؛ لِأَنَّ فِي اللُّزُومِ بِدُونِهِ ضَرَرًا وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا، (وَلَوْ غَيَّرَ الطَّرِيقَ الْمُعْتَادَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ بِحَسَبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ بَرًّا كَانَ) الطَّرِيقُ (أَوَبَحْرًا الْغَالِبُ فِيهِ) أَيْ: الْبَحْرِ (السَّلَامَةُ) لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «لَا يَرْكَبُ الْبَحْرَ إلَّا حَاجٌّ أَوْ مُعْتَمِرٌ أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ مَقَالٌ. وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ سُلُوكُهُ بِأَمْوَالِ الْيَتَامَى أَشْبَهَ الْبِرَّ، (وَإِنْ غَلَبَ الْهَلَاكُ لَمْ يَلْزَمْهُ سُلُوكُهُ) ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إجْمَاعًا فِي الْبَحْرِ، (وَإِنْ سَلِمَ فِيهِ قَوْمٌ وَهَلَكَ قَوْمٌ وَلَا غَالِبَ) مِنْهُمَا بَلْ اسْتَوَيَا (لَمْ يَلْزَمْهُ) سُلُوكُهُ قَالَ الشَّيْخُ: أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ فَلَا يَكُونُ شَهِيدًا. (وَقَالَ الْقَاضِي: يَلْزَمُهُ) سُلُوكُهُ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ خَفَارَةٌ) بِتَثْلِيثِ الْخَاءِ: جَعْلُ الْخَفِيرِ يُقَالُ خَفَرْت الرَّجُلَ حَمَيْته وَأَجَرْته مِنْ مُطَالِبِيهِ فَأَنَا خَفِيرٌ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ، (فَإِنْ كَانَتْ) الْخَفَارَةُ (يَسِيرَةً لَزِمَهُ قَالَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ) ؛ لِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ فَاحْتُمِلَ
(وَزَادَ) أَيْ: الْمَجْدُ: (إذَا أَمِنَ) بَاذِلُ الْخَفَارَةِ (الْغَدْرَ مِنْ الْمَبْذُولِ لَهُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: (وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ) بَلْ يَتَعَيَّنُ. (قَالَ حَفِيدُهُ) أَيْ حَفِيدُ الْمَجْدِ وَهُوَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (الْخَفَارَةُ تَجُوزُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا فِي الدَّفْعِ عَنْ الْمُخْفَرِ وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا) أَيْ: عَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا كَمَا يَأْخُذُهُ السُّلْطَانُ مِنْ الرَّعَايَا. وَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَلْزَمُهُ الْحَجُّ مَعَ الْخَفَارَةِ وَإِنْ كَانَتْ يَسِيرَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُنْتَهَى؛ لِأَنَّهَا رِشْوَةٌ فَلَمْ يَلْزَمْ بَذْلُهَا فِي الْعِبَادَةِ (وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ) أَيْ: الطَّرِيقِ (الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ) بِأَنْ يَجِدَهُ فِي الْمَنَاهِلِ الَّتِي يَنْزِلُهَا (فَلَا يَلْزَمُهُ حَمْلُ ذَلِكَ لِكُلِّ سَفْرَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ بَلْ يَتَعَذَّرُ بِخِلَافِ ذَاتِ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُهُ حَمْلُهُ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ حَمْلُ الْمَاءِ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى مَنْهَلٍ وَالْكَلَأَ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ (فَسَعَةُ الْوَقْتِ هِيَ وَإِمْكَانُ الْمَسِيرِ بِأَنْ تَكْمُلَ الشَّرَائِطُ فِيهِ، وَفِي الْوَقْتِ سَعَةٌ) بِحَيْثُ (يَتَمَكَّنْ مِنْ الْمَسِيرِ لِأَدَائِهِ) أَيْ: الْحَجِّ أَيْ: بِحَيْثُ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفُوتُهُ الرُّفْقَةُ. (وَأَمْنُ الطَّرِيقِ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ) أَيْ الطَّرِيقِ (مَانِعٌ مِنْ خَوْفٍ وَلَا غَيْرِهِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ) أَيْ: وُجُوبِ الْحَجِّ (كَقَائِدِ الْأَعْمَى وَدَلِيلِ الْبَصِيرِ الَّذِي يَجْهَلُ الطَّرِيقَ) ، فَمَنْ عَدِمَ ذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِتَعَذُّرِ فِعْلِ الْحَجِّ مَعَهُ كَعَدَمِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْأَعْمَى وَالْجَاهِلَ بِالطَّرِيقِ (أُجْرَةُ مِثْلِهِ) أَيْ الْقَائِدِ وَالدَّلِيلِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَتِمُّ بِهِ الْوَاجِبُ، (وَلَوْ تَبَرَّعَ) الْقَائِدُ وَالدَّلِيلُ (لَمْ يَلْزَمْهُ) أَيْ: الْأَعْمَى وَالْجَاهِلَ (لِلْمِنَّةِ وَعَنْهُ) أَيْ: الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ سَعَةَ الْوَقْتِ وَأَمْنَ الطَّرِيقِ وَقَائِدَ الْأَعْمَى وَدَلِيلَ الْجَاهِلِ (مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأَدَاءِ اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ) ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَّرَ السَّبِيلَ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ وَلِأَنَّ إمْكَانَ الْأَدَاءِ لَيْسَ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ زَالَ الْمَانِعُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ مَا يُمْكِنُ الْأَدَاءُ فِيهِ، وَكَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّكَاةِ وَلِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْأَدَاءُ دُونَ الْقَضَاءِ كَالْمَرَضِ الْمَرْجُوِّ بُرْؤُهُ، وَعَدَمُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْجَمِيعُ فَعَلَى هَذَا (يَأْثَمُ إنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْلِ) أَيْ: الْحَجِّ إذَا اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَأُمِنَتْ الطَّرِيقُ وَوُجِدَ الْقَائِدُ وَالدَّلِيلُ (كَمَا نَقُولُ فِي طَرَيَانِ الْحَيْضِ) بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ فَإِنَّ الْحَائِضَ تَأْثَمُ إنْ لَمْ تَعْزِمْ عَلَى الْقَضَاءِ إذَا زَالَ، (فَالْعَزْمُ فِي الْعِبَادَاتِ مَعَ الْعَجْزِ) عَنْهَا (يَقُومُ مَقَامَ الْأَدَاءِ فِي عَدَمِ الْإِثْمِ) حَالَ الْعَجْزِ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (فَإِنْ مَاتَ) مَنْ وَجَدَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ (قَبْلَ وُجُودِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ) أَيْ: سَعَةِ الْوَقْتِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ
(أَخْرَجَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ) عَلَى الْقَوْلِ (الثَّانِي) لِمَوْتِهِ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (دُونَ) الْقَوْلِ (الْأَوَّلِ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ. (وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ) لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ السَّابِقَةِ (فَتُوُفِّيَ قَبْلَهُ فَرَّطَ) فِي الْحَجِّ بِأَنْ أَخَّرَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ (أَوْ لَمْ يُفَرِّطْ) كَالتَّأْخِيرِ لِمَرَضٍ يُرْجَى بُرْؤُهُ أَوْ لِحَبْسٍ أَوْ أَسْرٍ أَوْ نَحْوِهِ (أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةً وَعُمْرَةً وَلَوْ لَمْ يُوصِ بِهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أُمِّيِّ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ حُجِّي عَنْهَا أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّك دَيْنٌ أَكُنْت قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ فَوَجَبَ مُسَاوَاتُهُ لَهُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ أَوْ إيجَابِهِ عَلَى نَفْسِهِ. (وَيَكُونُ) الِاحْتِجَاجُ عَنْهُ (مِنْ حَيْثُ وَجَبَ عَلَيْهِ) لَا مِنْ حَيْثُ مَوْتُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ يَكُونُ بِصِفَةِ الْأَدَاءِ، (وَيَجُوزُ) أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ (مِنْ أَقْرَبِ وَطَنَيْهِ) لِتَخَيُّرِ الْمَنُوبِ عَنْهُ لَوْ كَانَ حَيًّا. (وَ) يَجُوزُ (مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ) ؛؛ لِأَنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرِ، وَ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يُسْتَنَابَ عَنْهُ مِمَّا (فَوْقَهَا) أَيْ: فَوْقَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَا يُجْزِئُهُ) حَجُّ مَنْ اُسْتُنِيبَ عَنْهُ مِمَّا فَوْقَ الْمَسَافَةِ لِعَدَمِ إتْيَانِهِ بِالْوَاجِبِ. (وَيَسْقُطُ) الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ (بِحَجِّ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُ وَلَوْ بِلَا إذْنِ) وَلِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَبَّهَهُ بِالدَّيْنِ بِخِلَافِ مَنْ حَجَّ عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ كَدَفْعِ زَكَاةٍ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ. (وَإِنْ مَاتَ هُوَ) أَيْ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَاسْتَقَرَّ فِي ذِمَّتِهِ (أَوْ) مَاتَ (نَائِبُهُ فِي الطَّرِيقِ حُجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ مَاتَ) هُوَ أَوْ نَائِبُهُ (فِيمَا بَقِيَ مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا) لِفِعْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ بَعْضَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَهُوَ السَّعْيُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ وَطَنِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنُوبَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى وَطَنِهِ ثُمَّ يَعُودَ إلَى الْحَجِّ. (وَإِنْ صُدَّ) مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ أَوْ نَائِبُهُ، (فُعِلَ) عَنْهُ (مَا بَقِيَ) مَسَافَةً وَقَوْلًا وَفِعْلًا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ وَصَّى بِحَجِّ نَفْلٍ وَأَطْلَقَ) بِأَنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَحَلَّ الِاسْتِنَابَةِ (جَازَ) أَنْ يُحَجُّ عَنْهُ (مِنْ الْمِيقَاتِ) أَيْ: مِيقَاتِ بَلَدِ الْمُوصِي نَصَّ عَلَيْهِ (مَا لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ قَرِينَةٌ) بِأَنْ يُوصِيَ أَنْ يُحَجَّ بِقَدْرٍ يَكْفِي لِلنَّفَقَةِ مِنْ بَلَدِهِ فَيَتَعَيَّنُ مِنْهَا كَالْوَاجِبِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِالْحَجِّ مِنْ مَحَلِّ وَصِيَّتِهِ حَجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ أَوْ يُعَانُ بِهِ فِي الْحَجِّ نَصَّ عَلَيْهِ. (فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ) أَيْ عَنْ الْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ بِأَنْ لَمْ يُخَلِّفْ مَالًا يَفِي بِهِ (أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ نَصًّا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالدَّيْنِ.
فصل ما يشترط لوجوب الحج على المرأة
[فَصْلٌ مَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ] فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأَةِ. شَابَّةً كَانَتْ أَوْ عَجُوزًا مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَدُونَهَا: وُجُودُ مَحْرَمٍ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ وَلَا يُدْخَلُ عَلَيْهَا إلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الْحَجَّ فَقَالَ: اُخْرُجْ مَعَهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ مَعَهَا مَحْرَمٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا وَلَهُ أَيْضًا " ثَلَاثًا "، وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِظَاهِرِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهَا أَنْشَأَتْ سَفَرًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالزِّيَارَةِ وَالتِّجَارَةِ، (وَكَذَا يُعْتَبَرُ) الْمَحْرَمُ (لِكُلِّ سَفَرٍ يُحْتَاجُ فِيهِ مَحْرَمٌ) أَيْ: لِكُلِّ مَا يُعَدُّ سَفَرًا عُرْفًا، وَ (لَا) يُعْتَبَرُ الْمَحْرَمُ إذَا خَرَجَتْ (فِي أَطْرَافِ الْبَلَدِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْف) عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَفَرٍ (وَهُوَ) أَيْ الْمَحْرَمُ (مُعْتَبَرٌ لِمَنْ لِعَوْرَتِهَا حُكْمٌ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ) ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الشَّهْوَةِ بِخِلَافِ مَنْ دُونَهَا. (قَالَ الشَّيْخُ: وَأَمَّا الْإِمَاءُ فَيُسَافِرْنَ مَعَهَا) تَبَعًا لَهَا (وَلَا يَفْتَقِرْنَ إلَى مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ انْتَهَى وَيَتَوَجَّهُ فِي عُتَقَائِهَا مِنْ الْإِمَاءِ مِثْلُهُ عَلَى مَا قَالَ) الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مِنْ أَنَّهُ لَا مَحْرَمَ لَهُنَّ فِي الْعَادَةِ وَيُحْتَمَلُ عَكْسُهُ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ وَيَمْلِكْنَ أَنْفُسَهُنَّ بِالْعِتْقِ. (قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (اعْتِبَارُ الْمَحْرَمِ لِلْكُلِّ) أَيْ: الْأَحْرَارِ وَإِمَائِهِنَّ وَعُتَقَائِهِنَّ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ (وَعَدَمِهِ) أَيْ الْمَحْرَمِ لِلْمَذْكُورَاتِ (كَعَدَمِ الْمَحْرَمِ لِلْحُرَّةِ) الْأَصْلِ فَلَا يُبَاحُ لَهَا السَّفَرُ بِغَيْرِهِ مُطْلَقًا " تَنْبِيهٌ " ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْخُنْثَى كَالرَّجُلِ قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ، (وَالْمَحْرَمُ) هُنَا (زَوْجُهَا) سُمِّيَ مَحْرَمًا مَعَ كَوْنِهَا تَحِلُّ لَهُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ صِيَانَتِهَا وَحِفْظِهَا مِنْ إبَاحَةِ الْخَلْوَةِ بِهَا بِسَفَرِهِ مَعَهَا (أَوْ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ) كَالْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَالْخَالِ (أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ) كَزَوْجِ أُمِّهَا وَابْنِ زَوْجِهَا وَأَبِيهِ وَأَخِيهَا مِنْ رَضَاعٍ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَهَا أَبُوهَا أَوْ
ابْنُهَا أَوْ زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ لِحُرْمَتِهَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ سَبَبٍ مُبَاحٍ نِسَاءُ النَّبِيِّ؛ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّهُنَّ مُحَرَّمَاتٌ عَلَى غَيْرِهِ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلَسْنَا مَحَارِمُ لَهُنَّ إلَّا مَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُنَّ نَسَبٌ أَوْ رَضَاعٌ مُحَرِّمٌ أَوْ مُصَاهَرَةٌ كَذَلِكَ، وَحُكْمُهُنَّ وَإِنْ كَانَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِنَّ، لَكِنْ قُصِدَ بَيَانُ خُصُوصِيَّتِهِنَّ وَفَضِيلَتِهِنَّ. (وَخَرَجَ بِهِ) أَيْ: بِقَوْلِهِ: مُبَاحٌ (أُمُّ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا وَبِنْتُهَا) أَيْ بِنْتُ الْمَوْطُوءَةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ زِنًا فَلَيْسَ الْوَاطِئُ لَهُنَّ مَحْرَمًا لِعَدَمِ إبَاحَةِ السَّبَبِ، (وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ لِحُرْمَتِهَا: الْمُلَاعَنَةُ فَإِنَّ تَحْرِيمَهَا عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَلَاعِنِ (عُقُوبَةً وَتَغْلِيظًا لِحُرْمَتِهَا) فَلَا يَكُونُ الْمَلَاعِنُ مَحْرَمًا لَهَا (إذَا كَانَ ذَكَرًا) . فَأُمُّ الْمَرْأَةِ وَبِنْتُهَا: لَيْسَتْ مَحْرَمًا لَهَا (بَالِغًا عَاقِلًا مُسْلِمًا) فَمَنْ دُونَ بُلُوغٍ وَالْمَجْنُونُ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مَحْرَمًا؛ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُكَلَّفِ لَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحِفْظِ، وَالْكَافِرُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا كَالْحَضَانَةِ وَكَالْمَجُوسِيِّ لِاعْتِقَادِهِ حِلَّهَا وَلَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ فَلِهَذَا قَالَ: (وَلَوْ عَبْدًا) وَهُوَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ وَلَدِ زَوْجِهَا أَوْ أَبُوهُ وَنَحْوِهِ (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ: الْمَحْرَمِ إذَا سَافَرَ مَعَهَا (عَلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ سَبِيلِهَا (وَلَوْ كَانَ مَحْرَمُهَا زَوْجَهَا) فَيَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ بِقَدْرِ نَفَقَةِ الْحَضَرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَا زَادَ فَعَلَيْهَا (فَيُعْتَبَرُ أَنْ تَمْلِكَ زَادًا أَوْ رَاحِلَةً لَهُمَا) أَيْ: لَهَا وَلِمَحْرَمِهَا صَالِحَيْنِ لِمِثْلِهِمَا. (وَلَوْ بَذَلَتْ النَّفَقَةَ) لِمَحْرَمِهَا (لَمْ يَلْزَمْهُ السَّفَرُ مَعَهَا) لِلْمَشَقَّةِ كَحَجَّةٍ عَنْ مَرِيضَةٍ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّوْجُ بِأَنْ يُسَافِرَ مَعَ زَوْجَتِهِ أُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّهُ أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ أَوْ أَمْرُ تَخْيِيرٍ، وَعُلِمَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يُعْجِبُهُ أَنْ يُسَافِرَ مَعَهَا (وَكَانَتْ) مَنْ امْتَنَعَ مَحْرَمُهَا مِنْ السَّفَرِ مَعَهَا (كَمَنْ لَا مَحْرَمَ لَهَا) عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ (وَلَيْسَ الْعَبْدُ مَحْرَمًا لِسَيِّدَتِهِ) نَصًّا (مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مَالِكَةً لَهُ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «سَفَرُ الْمَرْأَةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَيْهَا، وَلَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ أَبَدًا. (وَلَوْ جَازَ لَهُ النَّظَرُ إلَيْهَا) ؛ لِأَنَّهُ لِلْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ (فَلَوْ حَجَّتْ) الْمَرْأَةُ (بِغَيْرِ مَحْرَمٍ حَرُمَ) عَلَيْهَا ذَلِكَ (وَأَجْزَأَ) هَا الْحَجُّ وِفَاقًا، كَمَنْ حَجَّ وَقَدْ تَرَكَ حَقًّا يَلْزَمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ. (وَيَصِحُّ) الْحَجُّ (مِنْ مَغْصُوبٍ وَ) مِنْ (أَجِيرِ خِدْمَةٍ بِأُجْرَةٍ أَوْ لَا وَمِنْ تَاجِرٍ) وَقَاصِدٍ رُؤْيَةَ الْبِلَادِ النَّائِيَةِ أَوْ النُّزْهَةَ وَنَحْوِهِ (وَيَأْتِي وَلَا إثْمَ) عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} [البقرة: 198] .
(وَالثَّوَابُ بِحَسَبِ الْإِخْلَاصِ) فِي الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (وَإِنْ مَاتَ الْمَحْرَمُ قَبْلَ خُرُوجِهَا) لِلسَّفَرِ (لَمْ تَخْرُجْ) بِلَا مَحْرَمٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ السَّفَرِ بِلَا مَحْرَمٍ. (وَ) إنْ مَاتَ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ خُرُوجِهَا (فَإِنْ كَانَ) مَاتَ (قَرِيبًا رَجَعَتْ) ؛ لِأَنَّهَا فِي حُكْمِ الْحَاضِرَةِ، (وَإِنْ كَانَ) مَاتَ (بَعِيدًا مَضَتْ) فِي سَفَرِهَا لِلْحَجِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالرُّجُوعِ شَيْئًا لِكَوْنِهَا بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَلَوْ مَعَ إمْكَانِ إقَامَتِهَا بِبَلَدٍ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى الرُّجُوعِ (وَلَمْ تَصِرْ مُحْصَرَةً) ؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَفِيدُ بِالتَّحَلُّلِ زَوَالَ مَا بِهَا كَالْمَرِيضِ، (لَكِنْ إنْ كَانَ حَجُّهَا تَطَوُّعًا وَأَمْكَنَهَا الْإِقَامَةُ بِبَلَدٍ فَهُوَ أَوْلَى) مِنْ السَّفَرِ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ. (وَإِنْ كَانَ الْمَحْرَمُ الْمَيِّتُ زَوْجُهَا فَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي الْعِدَدِ) مُفَصَّلًا. (وَمَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ) عَلَيْهِ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لَا قَالَ: حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَصَحَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ حَجِّهِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَمْ يَجُزْ كَمَا لَوْ كَانَ صَبِيًّا، (وَلَا نَذْرُهُ وَلَا نَافِلَتُهُ) أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِنَذْرٍ وَلَا نَافِلَةٍ مَنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ. (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ أَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَافِلَةٍ إذَنْ (انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا؛ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «هَذِهِ عَنْك وَحُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ» ، وَقَوْلُهُ: " أَوَّلًا حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ " أَيْ: اسْتَدِمْهُ كَقَوْلِك لِلْمُؤْمِنِ: آمِنٌ؛ وَلِأَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ مُلْغَاةٌ فَيَصِيرُ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «اجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَجَابَ الْقَاضِي عَنْهُ بِأَنَّهُ أَرَادَ التَّلْبِيَةَ لِقَوْلِهِ: " هَذِهِ عَنْك " وَلَمْ يَجُزْ فَسْخُ حَجٍّ إلَى حَجٍّ، وَرَدَّ النَّائِبُ (مَا أَخَذَ) مِنْ غَيْرِهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ لِعَدَمِ إجْزَاءِ حَجِّهِ عَنْهُ وَوُقُوعِهِ عَنْ نَفْسِهِ. (وَالْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِي ذَلِكَ) فَمَنْ عَلَيْهِ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ أَوْ قَضَاءٌ أَوْ نَذْرٌ لَمْ يَجُزْ وَلَمْ يَصِحَّ أَنْ يَعْتَمِرَ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا نَذْرِهِ وَلَا نَافِلَتِهِ. (وَمَنْ أَتَى بِوَاجِبِ أَحَدِهِمَا) بِأَنْ يَأْتِيَ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْ عُمْرَتِهِ (فَلَهُ فِعْلُ نَذْرِهِ وَنَفْلِهِ) أَيْ: مَا أَتَى بِوَاجِبِهِ قَبْلَ الْآخَرِ، فَمَنْ حَجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ لَهُ أَنْ يَحُجَّ نَذْرًا وَنَفْلًا قَبْلَ أَنْ يَعْتَمِرَ، وَمَنْ اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ نَذْرًا
وَنَفْلًا قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ (وَحُكْمُ النَّائِبِ كَالْمَنُوبِ عَنْهُ) فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُهُ (فَلَوْ أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أَوْ نَفْلٍ عَمَّنْ عَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، وَقَعَ) إحْرَامُهُ عَنْهَا، وَكَذَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجَّةُ قَضَاءٍ أَوْ حَجَّةُ نَذْرٍ وَأَحْرَمَ بِنَفْلٍ. (وَلَوْ اسْتَنَابَ عَنْهُ) الْمَعْضُوبُ (أَوْ) اسْتَنَابَ وَارِثٌ (عَنْ مَيِّتٍ وَاحِدٍ فِي فَرْضِهِ وَآخَرُ فِي نَذْرِهِ فِي سَنَةٍ) وَاحِدَةٍ جَازَ، وَزَعَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّأْخِيرِ لِوُجُوبِهِ عَلَى الْفَوْرِ، (وَيُحْرِمُ بِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْأُخْرَى، وَأَيُّهُمَا أَحْرَمَ أَوَّلًا فَعَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ) أَحْرَمَ (الْآخَرُ عَنْ نَذْرِهِ وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ) أَيْ: يَنْوِ الثَّانِي أَنَّهَا عَنْ النَّذْرِ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ التَّعْيِينِ فِي الْحَجِّ لِانْعِقَادِهِ مُبْهَمًا ثُمَّ يُعَيِّنُ. (وَيَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ الرَّجُلُ عَنْ الْمَرْأَةِ وَ) أَنْ تَنُوبَ (الْمَرْأَةُ عَنْ الرَّجُلِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ) بِلَا كَرَاهَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ. (وَأَنْ يَنُوبَ فِي الْحَجِّ مَنْ أَسْقَطَهُ عَنْ نَفْسِهِ) بِأَنْ حَجَّ (مَعَ بَقَاءِ الْعُمْرَةِ فِي ذِمَّتِهِ وَأَنْ يَنُوبَ فِي الْعُمْرَةِ مَنْ أَسْقَطَهَا عَنْ نَفْسِهِ مَعَ بَقَاءِ الْحَجِّ فِي ذِمَّتِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ. (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَنُوبَ فِي نُسُكٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَسْقَطَهُ عَنْ نَفْسِهِ) كَالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يَعْتَمِرْ كَذَلِكَ. (وَيَصِحُّ الِاسْتِنَابَةُ فِي حَجِّ التَّطَوُّعِ وَفِي بَعْضِهِ لِقَادِرٍ) عَلَى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ كَالصَّدَقَةِ؛ وَلِأَنَّهَا حَجَّةٌ لَا تَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهَا كَالْمَعْضُوبِ. (وَمَنْ أَوْقَعَ) نُسُكًا (فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عَنْ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ أَوْ) أَوْقَعَ نُسُكًا (لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ كَأَمْرِهِ بِحَجٍّ فَيَعْتَمِرُ، وَعَكْسُهُ) بِأَنْ يُؤْمَرَ بِالِاعْتِمَارِ فَيَحُجُّ (لَمْ يَجُزْ) عَنْ الْحَيِّ (كَزَكَاةٍ) أَيْ: كَإِخْرَاجِ زَكَاةِ حَيٍّ بِلَا إذْنِهِ، (وَيَرُدُّ) الْمَأْمُورُ الْمُخَالِفُ فِيمَا تَقَدَّمَ (مَا أَخَذَهُ) مِنْ الْآمِرِ؛ لِعَدَمِ فِعْلِهِ مَا أَخَذَ الْعِوَضَ لِأَجْلِهِ. (وَيَقَعُ) الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ (عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا إذْنَ لَهُ) وَلَا لِوَارِثِهِ (كَالصَّدَقَةِ) عَنْهُ؛ وَلِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَشْبِيهِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ بِالدَّيْنِ. (وَيَتَعَيَّنُ النَّائِبُ بِتَعْيِينِ وَصِيٍّ جُعِلَ إلَيْهِ التَّعْيِينُ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْمُوصِي، (فَإِنْ أَبَى) الْوَصِيُّ التَّعْيِينَ عَيَّنَ غَيْرَهُ كَوَارِثٍ أَوْ حَاكِمٍ، وَكَذَا لَوْ أَبَى مُوصًى إلَيْهِ بِحَجٍّ عَيَّنَ غَيْرَهُ لِسُقُوطِ حَقِّهِ بِإِبَائِهِ، (وَيَكْفِي النَّائِبُ أَنْ يَنْوِيَ النُّسُكَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ) لَهُ، (وَلَا تُعْتَبَرُ تَسْمِيَتُهُ لَفْظًا نَصًّا وَإِنْ جَهِلَ) النَّائِبُ (اسْمَهُ أَوْ نَسِيَهُ لَبَّى عَمَّنْ سَلَّمَ إلَيْهِ الْمَالَ لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ) لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ بِذَلِكَ. (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحُجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ إنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ أَوْ عَاجِزَيْنِ، زَادَ بَعْضُهُمْ إنْ لَمْ يَحُجَّا وَيُقَدِّمُ أُمَّهُ؛ لِأَنَّهَا أَحَقُّ بِالْبِرِّ، وَيُقَدِّمُ وَاجِبَ أَبِيهِ عَلَى فِعْلِهَا) لِإِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ نَصَّ عَلَيْهِمَا وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ مَرْفُوعًا «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْهُ وَعَنْ وَالِدِيهِ
يُقْبَلُ عَنْهُ وَعَنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو أُمَيَّةَ الطَّرَسُوسِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ: ضَعِيفَانِ. ، وَعَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» ضَعِيفٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ ". تَتِمَّةٌ " النَّائِبُ أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ لِيَحُجَّ مِنْهُ فَيَرْكَبُ وَيُنْفِقُ مِنْهُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَضْمَنُ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَيَرُدُّ مَا فَضَلَ وَتُحْسَبُ لَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ، وَلَوْ طَالَتْ إقَامَتُهُ بِمَكَّةَ مَا لَمْ يَتَّخِذْهَا دَارًا فَإِنْ اتَّخَذَهَا دَارًا وَلَوْ سَاعَةً فَلَا نَفَقَةَ لِرُجُوعِهِ، وَلَهُ أَيْضًا نَفَقَةُ خَادِمِهِ إنْ لَمْ يَخْدُمْ نَفْسَهُ مِثْلُهُ بِمَا اسْتَدَانَهُ لِعُذْرٍ وَبِمَا أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ بِنِيَّةِ رُجُوعِهِ وَمَا لَزِمَهُ بِمُخَالَفَتِهِ فَمِنْهُ، وَلَوْ مَاتَ أَوْ أَحُصِرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ ضَلَّ الطَّرِيقَ لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ لِمَا أَنْفَقَ نَصًّا. وَدَمُ الْإِحْصَارِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ وَإِنْ أَفْسَدَ حَجَّهُ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَهُ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ لَمْ يَقَعْ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ وَكَذَا إنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِتَفْرِيطِهِ، وَإِلَّا اُحْتُسِبَ لَهُ بِالنَّفَقَةِ، وَإِنْ مَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَعَادَ فَلَهُ نَفَقَةُ رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا تَفْرِيطَ بِخِلَافِ مَا لَوْ خَافَ الْمَرَضَ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَهِّمٌ وَدَمُ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ عَلَى الْمُسْتَنِيبِ إنْ أَذِنَ فِيهِمَا وَإِلَّا فَعَلَى النَّائِبِ كَجِنَايَتِهِ، وَإِذَا أَمَرَهُ بِحَجٍّ فَتَمَتَّعَ أَوْ اعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ ثُمَّ حَجَّ فَإِنْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ فَأَحْرَمَ مِنْهُ بِالْحَجِّ جَازَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَصًّا، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِ مِيقَاتِهِ وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ الْحَجِّ فِيمَا بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَقَعُ فِعْلُهُ عَنْ الْأَمْرِ، وَيَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْإِفْرَادِ فَقَرَنَ لَمْ يَضْمَنْ شَيْئًا، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ الْعُمْرَةِ إنْ أَمَرَهُ بِهَا وَلَمْ يَفْعَلْ. وَإِنْ أَمَرَهُ بِالتَّمَتُّعِ فَقَرَنَ وَقَعَ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا مِنْ النَّفَقَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْقَاضِي: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ وَإِنْ أَفْرَدَ: وَقَعَ عَنْ الْمُسْتَنِيبِ أَيْضًا، وَيَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ وَإِنْ أَمَرَهُ بِالْقِرَانِ فَأَفْرَدَ أَوْ تَمَتَّعَ صَحَّ وَوَقَعَا عَنْ الْآمِرِ، وَيَرُدُّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ مِنْ إحْرَامِ النُّسُكِ الَّذِي تَرَكَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَفِي جَمِيعِ ذَلِكَ إذَا أَمَرَهُ بِالنُّسُكَيْنِ فَفَعَلَ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ رَدَّ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ وَوَقَعَ الْمَفْعُولُ عَنْ الْآمِرِ لِلنَّائِبِ مِنْ النَّفَقَةِ بِقَدْرِهِ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ مُلَخَّصًا.
فصل من أراد الحج فليبادر
[فَصْلٌ مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ] فَصْلٌ وَمَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُبَادِرْ. فَعَلَى كُلِّ خَيْرٍ مَانِعٌ، (وَلْيَجْتَهِدْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ) بِرَدِّهَا لِأَرْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ الْوَدَائِعُ وَالْعَوَارِيّ وَالدُّيُونُ، وَيَسْتَحِلُّ مَنْ لَهُ عَلَيْهِ ظُلَامَةٌ، وَيَسْتَمْهِلُ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، (وَيَجْتَهِدُ فِي رَفِيقٍ صَالِحٍ) يَكُونُ لَهُ عَوْنًا لَهُ عَلَى نَصَبِهِ وَأَدَاءِ نُسُكِهِ، يَهْدِيهِ إذَا ضَلَّ وَيُذَكِّرُهُ إذَا نَسِيَ، (وَإِنْ تَيَسَّرَ أَنْ يَكُونَ) الرَّفِيقُ (عَالِمًا فَلْيَسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ: رِكَابِهِ لِيَكُونَ سَبَبًا فِي بُلُوغِهِ رُشْدَهُ، (وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَدْعُو بَعْدَهُمَا بِدُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ) قَبْلَ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِخَارَةِ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ. (وَيَسْتَخِيرُ: هَلْ يَحُجُّ الْعَامَ أَوْ غَيْرَهُ إنْ كَانَ الْحَجُّ نَفْلًا أَوْ لَا يَحُجُّ؟) ، وَأَمَّا الْفَرْضُ فَوَاجِبٌ فَوْرًا (وَيُصَلِّي فِي مَنْزِلِهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا دِينِي وَأَهْلِي وَمَالِي وَوَلَدِي وَدِيعَةً عِنْدَك، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْل وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ) قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَقَالَ الشَّيْخُ: يَدْعُو قَبْل السَّلَامِ أَفْضَلُ) مِنْهُ بَعْدَ السَّلَامِ (وَيَخْرُجُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيُّ وَغَيْرُهُ: أَوْ) يَوْمَ (اثْنَيْنِ، وَيُبَكِّرُ) فِي خُرُوجِهِ (وَيَقُولُ إذَا نَزَلَ مَنْزِلًا) مَا وَرَدَ، وَمِنْهُ: " أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ "، (أَوْ دَخَلَ بَلَدًا مَا وَرَدَ) وَمِنْهُ " اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبَّ الْأَرْضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا ذَرَيْنَ أَسْأَلُك خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا "، وَيَقُول أَيْضًا إذَا رَكِبَ، وَنَحْوُهُ مَا وَرَدَ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ، وَذَكَرْت مِنْهُ جُمْلَةً فِي كِتَابِي: نَصِيحَةُ النَّاسِكِ بِبَيَانِ أَحْكَامِ الْمَنَاسِكِ. [بَابُ مَوَاقِيتِ الْحَجّ] بَابُ الْمَوَاقِيتِ (وَهِيَ) جَمْعُ مِيقَاتٍ وَهُوَ لُغَةً الْحَدُّ، وَشَرْعًا (مَوَاضِعُ وَأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ لِعِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ) وَقَدْ بَدَأَ بِالْمَوَاضِعِ فَقَالَ: (وَمِيقَاتُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) الْمُنَوَّرَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ
بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَهِيَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ (وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرُ مَرَاحِلَ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ) أَوْ سَبْعَةٌ، وَتُعْرَفُ الْآنَ بِأَبْيَارِ عَلِيٍّ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الشَّامِ وَ (أَهْلِ مِصْرَ وَ) أَهْلِ الْمَغْرِبِ الْجُحْفَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ. (وَهِيَ قَرْيَةٌ كَبِيرَةٌ) جَامِعَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ اسْمُهَا: مَهْيَعَةَ فَجَحَفَ السَّيْلُ بِأَهْلِهَا فَسُمِّيَتْ الْجُحْفَةَ وَهِيَ (خَرِبَةٌ بِقُرْبِ رَابِغٍ الَّذِي يُحْرِمُ مِنْهُ النَّاسُ الْآنَ عَلَى يَسَارِ الذَّاهِبِ إلَى مَكَّةَ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْ رَابِغٍ فَقَدْ أَحْرَمَ قَبْلَ مُحَاذَاةِ الْجُحْفَةِ بِيَسِيرٍ) ، وَتَلِي ذَا الْحُلَيْفَةِ فِي الْبُعْدِ (بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثُ مَرَاحِلَ وَقِيلَ: أَكْثَرُ) وَهِيَ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْبَحْرِ وَثَمَانِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ (وَالثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ (بَيْنَ كُلٍّ مِنْهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ) ، فَهِيَ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَقَارِبَةٌ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الْيَمَنِ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِ الْكَعْبَةِ مِنْ بِلَادِ الْغَوْرِ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ يَمَنِيٌّ عَلَى الْقِيَاسِ وَيَمَانٍ عَلَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، يَلَمْلَمُ وَيُقَالُ: أَلَمْلَمُ، لُغَتَانِ، وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ. (وَ) (مِيقَاتِ أَهْلِ نَجْدٍ الْيَمَنُ وَ) أَهْلُ (نَجْدٍ الْحِجَازُ) ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ: وَهُوَ مَا بَيْنَ جَرْشِ الْمَاءِ إلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ، وَكُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ. وَقَالَ ابْنُ خَطِيبِ الدَّهْشَةِ: وَأَوَّلُهُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ وَآخِرُهُ سَوَادُ الْعِرَاقِ، (وَ) أَهْلِ (الطَّائِفِ: قَرْنٌ) وَهُوَ جَبَلٌ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَيُقَالُ لَهُ: قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ. (وَ) مِيقَاتُ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ: ذَاتُ عِرْقٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ خَرِبَةٌ قَدِيمَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهَا الْمَقَابِرُ الْقَدِيمَةُ وَعِرْقٌ هُوَ الْجَبَلُ الْمُشْرِفُ عَلَى الْعَقِيقِ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَشَرْحِ الْمُنْتَهَى: ذَاتُ عِرْقٍ مَنْزِلٌ مَعْرُوفٌ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِرْقًا وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ: الْعِرْقُ: الْأَرْضُ السَّبِخَةُ تُنْبِتُ الطَّرْفَاءَ، (وَهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا ثَبَتَتْ بِالنَّصِّ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «وَقَّتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَعَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ،. وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: " لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَحَدَّ لَهُمْ
ذَاتَ عِرْقٍ " فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ خَفِيَ النَّصُّ فَوَافَقَهُ بِرَأْيِهِ فَإِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلصَّوَابِ وَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ وَهُوَ وَادٍ قَبْلَ ذَاتِ عِرْقٍ بِمَرْحَلَةٍ أَوْ مَرْحَلَتَيْنِ يَلِي الشَّرْقَ» تَفَرَّدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ شِيعِيٌّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُهُمْ بِإِجْمَاعٍ (وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ وَهُوَ الطَّرَفُ الْأَبْعَدُ عَنْ مَكَّةَ) احْتِيَاطًا. (وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مِنْ الطَّرَفِ الْأَقْرَبِ مِنْ مَكَّةَ جَازَ) لِإِحْرَامِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ (فَهِيَ) أَيْ: الْمَوَاقِيتُ السَّابِقَةُ (لِأَهْلِهَا الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ) وَلِمَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا مِمَّنْ يُرِيدُ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً. (فَإِنْ مَرَّ الشَّامِيُّ أَوْ الْمَدَنِيُّ أَوْ غَيْرُهُمَا) كَالْمِصْرِيِّ (عَلَى غَيْرِ مِيقَاتِ بَلَدِهِ) كَالشَّامِيِّ يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ (فَإِنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي مَرَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مِيقَاتَهُ وَمِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ أَيْ: بَيْنَ الْمِيقَاتِ وَمَكَّةَ) كَأَهْلِ خُلَيْصٍ وَعُسْفَانَ (فَمِيقَاتُهُ: مِنْ مَوْضِعِهِ) لِخَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ (فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْزِلَانِ جَازَ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَقْرَبِهِمَا إلَى مَكَّةَ وَالْأَوْلَى) أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي طَرَفَيْ الْمِيقَاتِ (وَأَهْلُ مَكَّةَ وَمَنْ بِهَا) أَيْ: بِمَكَّةَ (مِنْ غَيْرِهِمْ سَوَاءٌ كَانُوا فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الْحَرَمِ) كَمِنًى وَمُزْدَلِفَةَ. (إذَا أَرَادُوا الْعُمْرَةَ فَمِنْ الْحِلِّ) ؛ لِأَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ أَفْعَالَ الْعُمْرَةِ كُلَّهَا فِي الْحَرَمِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْحِلِّ لِيَجْمَعَ فِي إحْرَامِهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ بِخِلَافِ الْحَجِّ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَةَ فَيَحْصُلُ الْجَمْعُ وَمِنْ أَيِّ الْحِلِّ أَحْرَمَ جَازَ (وَمِنْ التَّنْعِيمِ أَفْضَلُ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ. (وَهُوَ) أَيْ: التَّنْعِيمُ (أَدْنَاهُ) أَيْ: أَقْرَبُ الْحِلِّ إلَى مَكَّةَ وَقَالَ أَحْمَدُ كُلَّمَا تَبَاعَدَ فَهُوَ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ وَفِي التَّلْخِيصِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: الْجِعْرَانَةُ " لِاعْتِمَارِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْهَا " (وَيَأْتِي آخِرَ صِفَةِ الْحَجِّ) عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى صِفَةِ الْعُمْرَةِ (فَإِنْ أَحْرَمُوا) أَيْ أَهْلُ مَكَّةَ وَحَرَمِهَا (وَحَرَمِهَا مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ انْعَقَدَ) إحْرَامُهُمْ بِالْعُمْرَةِ لِأَهْلِيَّتِهِمْ لَهُ وَمُخَالِفَةُ الْمِيقَاتِ لَا تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ كَمَنْ أَحْرَمَ بَعْدَ الْمِيقَاتِ (وَفِيهِ دَمٌ) لِمُخَالِفَةِ الْمِيقَاتِ كَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ. (ثُمَّ إنْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ إتْمَامِهَا) أَيْ: الْعُمْرَةِ (وَلَوْ بَعْدَ الطَّوَافِ) أَجْزَأَتْهُ عُمْرَتُهُ عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَحَلِّ الْمَشْرُوعِ لَهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ النُّسُكِ (وَكَذَا) تُجْزِيهِ الْعُمْرَةُ (إنْ لَمْ يَخْرُجُ)
فصل لا يجوز لمن أراد دخول مكة تجاوز الميقات بغير إحرام
إلَى الْحِلِّ لِمَا سَبَقَ (قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي قَالَ الشَّيْخُ وَالزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَشْهُورُ إذْ فَوَاتُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ) ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ لَيْسَ شَرْطًا. (فَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَمِ (قَارِنًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِأَجْلِ إحْرَامِهِ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مَكَّةَ تَغْلِيبًا لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ لِانْدِرَاجِهَا فِيهِ وَسُقُوطِ أَفْعَالِهَا (وَإِنْ أَرَادُوا) أَيْ: الَّذِينَ بِمَكَّةَ أَوْ الْحَرَمِ (الْحَجَّ) فَإِنَّهُمْ (يُحْرِمُونَ مِنْ مَكَّةَ مَكِّيًّا كَانَ) الْحَاجُّ (أَوْ غَيْرَهُ إذَا كَانَ فِيهَا) أَيْ: مَكَّةَ (مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا) لِقَوْلِ جَابِرٍ «أَمَرَنَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَلْنَا أَنْ نُحْرِمَ مِنْ الْأَبْطَحِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَنَصُّهُ) فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَفِي الْإِيضَاحِ وَالْمُبْهِجِ: (مِنْ تَحْتِ الْمِيزَابِ) وَيُسَمَّى الْحَطِيمُ. (وَيَجُوزُ) إحْرَامُهُ (مِنْ سَائِرِ الْحَرَمِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) يَجُوزُ إحْرَامُهُ (مِنْ الْحِلِّ كَالْعُمْرَةِ) وَكَمَا لَوْ خَرَجَ إلَى الْمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ وَمَنَعَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ وُجُوبَ إحْرَامِهِ مِنْ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ (وَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِهِ (وَمَنْ لَمْ يَكُنْ طَرِيقُهُ عَلَى مِيقَاتٍ) مِنْ الْمَوَاقِيتِ السَّابِقَةِ كَعِيدَانِ فَإِنَّهَا فِي طُرُقِ الْعَرَبِ (أَوْ عَرَجَ عَنْ الْمِيقَاتِ) بِأَنْ مَشَى فِي طَرِيقٍ لَا تَمُرُّ عَلَيْهِ. (فَإِذَا حَاذَى أَقْرُبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى طَرِيقِهِ (أَحْرَمَ) لِقَوْلِ عُمَرَ " اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ قَدِيدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِالِاجْتِهَادِ وَالتَّقْدِيرِ فَإِذَا اشْتَبَهَ دَخَلَهُ الِاجْتِهَادُ كَالْقِبْلَةِ. (وَيُسْتَحَبُّ الِاحْتِيَاطُ مَعَ جَهْلِ الْمُحَاذَاةِ) إذْ الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْمِيقَاتِ جَائِزٌ وَتَأْخِيرُهُ عَنْهُ حَرَامٌ (فَإِنْ تَسَاوَيَا) أَيْ: الْمِيقَاتَانِ (فِي الْقُرْب إلَيْهِ) أَيْ: إلَى طَرِيقِهِ (فَ) إنَّهُ يُحْرِمُ (مِنْ) حَذْوِ أَبْعَدِهِمَا عَنْ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِهِ (وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ) فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدُ أَنَّهُ قَدْ جَاوَزَ مَا يُحَاذِي الْمِيقَاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. (وَمَنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا أَحْرَمَ عَنْ مَكَّةَ بِقَدْرِ مَرْحَلَتَيْنِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْمُحَاذَاةِ وَمَعْنَاهُ فِي الْفُرُوعِ. [فَصْل لَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ] فَصْل وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ أَوْ دُخُولَ (الْحَرَمِ أَوْ) أَرَادَ (نُسُكًا: تَجَاوُزُ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ) لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَّتَ الْمَوَاقِيتَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَجَاوَزُوهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إلَّا بِإِحْرَامٍ» فِيهِ ضَعْفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ الْوَاسِطِيِّ وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَوْ أَرَادَهَا لِتِجَارَةٍ أَوْ زِيَارَةٍ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ نَصَّ عَلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ وَلِعَدَمِ تَكَرُّرِ حَاجَتِهِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْحَرَمَ وَلَا نُسُكًا لَمْ يَلْزَمْهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابَهُ أَتَوْا بَدْرًا مَرَّتَيْنِ وَكَانُوا يُسَافِرُونَ لِلْجِهَادِ فَيَمُرُّونَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ (إنْ كَانَ حُرًّا مُسْلِمًا مُكَلَّفًا) بِخِلَافِ الرَّقِيقِ وَالْكَافِرِ وَغَيْرِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْحَجِّ. (فَلَوْ تَجَاوَزَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتَ (رَقِيقٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، ثُمَّ لَزِمَهُمْ) الْإِحْرَامُ (إنْ عَتَقَ) الرَّقِيقُ (وَأَسْلَمَ) الْكَافِرُ (وَكُلِّفَ) غَيْرُ الْمُكَلَّفِ (أَحْرَمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ) ؛ لِأَنَّهُ قَدْ حَصَلَ دُونَ الْمِيقَاتِ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهُ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ. (وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ) إذَا أَحْرَمُوا مِنْ مَوْضِعِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُجَاوِزُوا مِيقَاتَهُمْ بِلَا إحْرَامٍ (إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ) «لِدُخُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ» وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الْإِحْرَامُ يَوْمَئِذٍ (أَوْ خَوْفٍ) أَيْ: وَإِلَّا مَنْ تَجَاوَزَ الْمِيقَاتَ لِخَوْفٍ إلْحَاقًا لَهُ بِالْقِتَالِ الْمُبَاحِ (أَوْ حَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ كَحَطَّابٍ وَفَيْجٍ) بِالْجِيمِ وَهُوَ رَسُولُ السُّلْطَانِ. (وَنَاقِلِ الْمِيرَةِ وَلِصَيْدٍ وَاحْتِشَاشٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) لِمَا رَوَى حَرْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَدْخُلُ إنْسَانٌ مَكَّةَ إلَّا مُحْرِمًا إلَّا الْحَمَّالِينَ وَالْحَطَّابِينَ وَأَصْحَابَ مَنَافِعِهَا " احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ (وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ إلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ) إذْ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ لَأَدَّى إلَى الضَّرَرِ وَالْمَشَقَّةِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَكَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي حَقِّ قَيِّمِهِ لِلْمَشَقَّةِ. (ثُمَّ إنْ بَدَا لَهُ) أَيْ: لِمَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِمَّنْ تَتَكَرَّرُ حَاجَتُهُ وَالْمَكِّيُّ الْمُتَرَدِّدُ إلَى قَرْيَتِهِ بِالْحِلِّ (النُّسُكُ أَوْ) بَدَا (لِمَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَرَمَ) أَوْ النُّسُكَ (أَحْرَمَ مِنْ مَوْضِعِهِ) لِأَنَّهُ صَارَ كَأَهْلِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَلِأَنَّ مِنْ مَنْزِلِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ لَوْ خَرَجَ إلَيْهِ ثُمَّ عَادَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. (وَمَنْ تَجَاوَزَ) الْمِيقَاتَ (بِلَا إحْرَامٍ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاءُ الْإِحْرَامِ) الَّذِي فَاتَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَأْتِي حُكْمُ رُجُوعهِ إلَيْهِ (وَحَيْثُ لَزِمَ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ لِدُخُولِ مَكَّةَ) أَوْ الْحَرَامِ (لَا لِنُسُكٍ: طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَحَلَّ) مِنْ إحْرَامِهِ. (وَأُبِيحَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابِهِ دُخُولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَهِيَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ رَوَاهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ لَا قَطْعَ شَجَرٍ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «قَامَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ فَتْحِ
مَكَّةَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ فَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَتِهَا فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ مِنْكُمْ الْغَائِبَ» . (وَمَنْ جَاوَزَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتَ (يُرِيدُ النُّسُكَ) بِلَا إحْرَامٍ (أَوْ كَانَ النُّسُكُ فَرْضَهُ) بِأَنْ لَمْ يَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرْ. (وَلَوْ) كَانَ (جَاهِلًا) بِالْمِيقَاتِ أَوْ الْحُكْمِ (أَوْ نَاسِيًا لِذَلِكَ أَوْ مُكْرَهًا لَزِمَهُ أَنْ يَرْجِعَ) إلَى الْمِيقَاتِ (فَيُحْرِمَ مِنْهُ) لِأَنَّهُ وَاجِبٌ أَمْكَنَهُ فِعْلُهُ فَلَزِمَهُ كَسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ (مَا لَمْ يَخَفْ فَوَاتَ الْحَجِّ أَوْ يَخَفْ) فَوَاتَ (غَيْرِهِ) كَخَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ مَالِهِ (فَإِنْ رَجَعَ) إلَى الْمِيقَاتِ (فَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُجَاوِزْهُ ابْتِدَاءً. (وَإِنْ أَحْرَمَ دُونَهُ) أَيْ: الْمِيقَاتِ (مِنْ مَوْضِعِهِ أَوْ غَيْرِهِ لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ دَمٌ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ نُسُكًا فَعَلَيْهِ دَمٌ» وَلِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ (وَإِنْ رَجَعَ مُحْرِمًا إلَى الْمِيقَاتِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ بِرُجُوعِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ وَجَبَ لِتَرْكِهِ إحْرَامَهُ مِنْ مِيقَاتِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ. (وَإِنْ أَفْسَدَ نُسُكَهُ هَذَا) الَّذِي تَجَاوَزَ فِيهِ الْمِيقَاتَ بِلَا إحْرَامٍ (لَمْ يَسْقُطْ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ كَدَمِ مَحْظُورٍ وَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَنَقَلَ مُهَنَّا يَسْقُطُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ وَاجِبٌ. (وَيُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ) الْمَكَانِيِّ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ " أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ أَحْرَمَ مِنْ مِصْرٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَغَضِبَ وَقَالَ يَتَسَامَعُ النَّاسُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ مِنْ مِصْرِهِ وَقَالَ " إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَامِرٍ أَحْرَمَ مِنْ خُرَاسَانَ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ لَامَهُ فِيمَا صَنَعَ وَكَرِهَهُ لَهُ " رَوَاهُمَا سَعِيدٌ وَالْأَثْرَمُ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ خُرَاسَانَ أَوْ كَرْمَانَ " وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «يَسْتَمْتِعُ أَحَدُكُمْ بِحِلِّهِ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَعْرِضُ لَهُ فِي إحْرَامِهِ» . وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ الرَّسُولَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ «مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ» شَكَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَيَّتهمَا قَالَ رَوَاهُ
أَبُو دَاوُد فَقَالَ الْقَاضِي مَعْنَى أَهَلَّ أَيْ: قَصَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَيَكُونُ إحْرَامُهُ مِنْ الْمِيقَاتِ. (وَ) يُكْرَهُ أَنْ يُحْرِمَ (بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ السُّنَّةِ: «أَنْ لَا يُحْرَمَ بِالْحَجِّ إلَّا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ أَحْرَمَ بِالْعِبَادَةِ قَبْلَ وَقْتِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ الْمِيقَاتِ الْمَكَانِيِّ أَوْ الزَّمَانِيِّ (فَهُوَ مُحْرِمٌ) حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الصِّحَّةَ فِي تَقَدُّمِهِ عَلَى مِيقَاتِ الْمَكَانِ إجْمَاعًا لِأَنَّهُ فِعْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إنَّهُ لَا يَصِحُّ وَيَدُلُّ لِصِحَّةِ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ: قَوْله تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189] وَكُلُّهَا مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ فَكَذَا لِلْحَجِّ وقَوْله تَعَالَى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197] أَيْ: مُعْظَمُهُ فِي أَشْهُرٍ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْحَجُّ عَرَفَةَ» أَوْ أَرَادَ حَجَّ التَّمَتُّعِ وَإِنْ أَضْمَرَ الْإِحْرَامَ أَضْمَرْنَا الْفَضِيلَةَ وَالْخَصْمُ يُضْمِرُ الْجَوَازَ وَالْمُضْمَرُ لَا يَعُمُّ وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ. (وَلَا يَنْعَقِدُ) أَيْ: يَنْقَلِبُ (إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) قَبْلَ مِيقَاتِهِ الْمَكَانِيِّ وَالزَّمَانِيِّ (عُمْرَةً) خِلَافًا لِمَا اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ وَابْنُ حَامِدٍ نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ وَسِنْدِيٌّ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ إلَّا أَنْ يَفْسَخَهُ بِعُمْرَةٍ فَلَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا يَأْتِي. (وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ) الزَّمَانِيِّ (جَمِيعُ الْعَامِ) لِعَدَمِ الْمُخَصِّصِ لَهَا بِوَقْتٍ دُونَ آخَرَ (وَلَا يَلْزَمُ الْإِحْرَامُ بِهَا يَوْمَ النَّحْرِ وَ) لَا يَوْمَ (عَرَفَةَ وَ) لَا (أَيَّامَ التَّشْرِيقِ) كَالطَّوَافِ الْمُجَرَّدِ؛ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْكَرَاهَةِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا. (وَأَشْهُرُ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ) بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ (وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى الْأَشْهَرِ رَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَقَالَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ (فَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ لِأَنَّ الْعَشْرَ بِإِطْلَاقِهِ لِلْأَيَّامِ كَالْعِدَّةِ قَالَ الْقَاضِي وَالْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُمَا الْعَرَبُ تُغَلِّبُ التَّأْنِيثَ فِي الْعَدَدِ خَاصَّةً لِسَبْقِ اللَّيَالِي فَتَقُولُ: سِرْنَا عَشْرًا وَإِنَّمَا فَاتَ الْحَجُّ بِفَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَقَطْ وَالْجَمْعُ يُطْلَقُ عَلَى اثْنَيْنِ، وَعَلَى اثْنَيْنِ، وَبَعْضٍ آخَرَ كَعِدَّةِ ذَاتِ الْقُرُوءِ.
باب الإحرام والتلبية وما يتعلق بهما
[بَابُ الْإِحْرَامِ وَالتَّلْبِيَةِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا] ". (هُوَ) أَيْ: الْإِحْرَامُ لُغَةً: نِيَّةُ الدُّخُولِ فِي التَّحْرِيمِ يُقَالُ: أَشْتَى إذَا دَخَلَ فِي الشِّتَاءِ وَأَرْبَعَ إذَا دَخَلَ فِي الرَّبِيعِ وَشَرْعًا (نِيَّةُ النُّسُكِ) أَيْ: الدُّخُولُ فِيهِ لَا نِيَّته لِيَحُجَّ أَوْ يَعْتَمِرَ (سُمِّيَ) الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ (إحْرَامًا لِأَنَّ الْمُحْرِمَ بِإِحْرَامِهِ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَشْيَاءَ كَانَتْ مُبَاحَةً لَهُ) مِنْ النِّكَاحِ وَالطِّيبِ وَأَشْيَاءَ مِنْ اللِّبَاسِ وَنَحْوِهَا وَمِنْهُ فِي الصَّلَاةِ " تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ ". (وَيُسَنُّ لِمُرِيدِهِ) أَيْ: الْإِحْرَامِ (أَنْ يَغْتَسِلَ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى وَلَوْ حَائِضًا وَنُفَسَاءَ) لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَمَرَ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ وَهِيَ نُفَسَاءُ أَنْ تَغْتَسِلَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ «وَأَمَرَ عَائِشَةَ أَنْ تَغْتَسِلَ لِإِهْلَالِ الْحَجِّ وَهِيَ حَائِضٌ» (فَإِنْ رَجَتَا) أَيْ: الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ (الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ اُسْتُحِبَّ) لَهُمَا (تَأْخِيرُ) الْغُسْلِ (حَتَّى تَطْهُرَا) لِيَكُونَ أَكْمَلَ لَهُمَا. (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ تَرْجُو الطُّهْرَ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ الْمِيقَاتِ (اغْتَسَلَتَا) قَبْلَ الطُّهْرِ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمِيقَاتِ بِلَا إحْرَامٍ غَيْرُ جَائِزَةٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (وَيَتَيَمَّمُ عَادِمُ الْمَاءِ) لِإِحْرَامِهِ وَكَذَا الْعَاجِزُ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ كَسَائِرِ مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْغُسْلُ (وَتَقَدَّمَ) فِي بَابِ الْغُسْلِ. (وَلَا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَعْدَ غُسْلِهِ قَبْلَ إحْرَامِهِ) كَحَدَثِهِ بَعْدَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ صَلَاتِهَا. (وَ) يُسَنُّ لِمُرِيدِ الْإِحْرَامِ (أَنْ يَتَنَظَّفَ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ مِنْ حَلْقِ الْعَانَةِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبِطِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَقَطْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ) لِقَوْلِ إبْرَاهِيمَ " كَانُوا